منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 13:50

كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة

كيف
أنظر لأي فتوى شرعية أفتى بها عالم مشهود له بالإخلاص، ومعروف بعلمه،
وبمصداقيته وبأنه ثقة؟؟ وكيف أنظر إلى اختلاف الفقهاء في بعض المسائل الفقهية؟ وما هو موقفي من هذا التنوع الفقهي في الآراء والأقوال؟
بدايةً هناك عدة مقدمات، هي من الثوابت العلمية الدينية والتي يجب أن لا تغيب عن ذهن المسلم وإدراكه:

أولاً: لابد أن أعرف أن الفقه الإسلامي يوجد فيه الأصول والفروع، وفيه الثوابت والمتغيرات، وذلك بحسب صحة الدليل الشرعي وصراحته في المسألة.

ثانياً:
لا بد لي كمسلم أن أعرف أن الحلال والحرام بينان، جعلهما ربي واضحين وضوح
الشمس. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحلال بيّن والحرام بين) وإنما
الاختلاف يكون في الأمور التي تقع بين الحلال والحرام، والتي قال عنها
النبي صلى الله عليه وسلم: (الحلال بيّن والحرام بين، وبينهما أمور
مشتبهات).

ثالثاً:
إخواني الأفاضل أكبر الذنوب عند الله عز وجل بعد الشرك (ونعوذ جميعاً
بالله منه)، ثم تأتي بعدها الجرائم التي جعل الله فيها الحدود، كالقتل
والسرقة والزنا والقذف، ولن نجد عالماً من علماء الأمة اختلف في حكمها.
ثم يأتي بعد ذلك الكبائر،
وهي الذنوب التي توعّد الله لمن يقع فيها بالويل والثبور والعذاب الشديد،
كالغيبة والنميمة، والذهاب إلى ساحر أو عراف، أو الكذب والنفاق، وغير ذلك،
وهو كله بحمد الله تعالى لم ولن يختلف فيها علماؤنا وفقهاؤنا جزاهم الله عز
وجل عن الأمة كل خير.

رابعاً:
لا بد أن تذكر أخي المؤمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طمأننا أن
(أمته لن تجتمع على ضلالة)، وأنها بمجموع علمائها وفقهائها محفوظة من الخطأ
والاتفاق على الباطل.

ومن الأمثلة التطبيقية الواقعية على ذلك:
في بداية معرفة المسلمين بالسجائر اختلف فيها الفقهاء وكان ذلك لعدم بيان كامل إضرارها...
أما اليوم فقد أجمع العلماء على تحريمها لما فيها من إهلاك للنفس وإهلاك لمن حوله وإهلاك للمال.


وأيضا الزواج العرفي اختلف فيه العلماء سابقاً، بل كان البعض يجيزه بتوفر الشهود وتوثيقه في المحكمة...
لكن الآن كل علماء الأمة حرموا هذا الزواج وقالوا أنه ليس بزواج في الأصل.


وبعد هذا الكلام وهذه المقدمات، يعود سؤالنا الأول ماذا أفعل عند اختلاف العلماء؟ وأي رأي أختار؟
إخواني من أسباب
اختلاف العلماء أن هناك أشياء تعود إلى طبيعة ومكان كل بلد، ولذلك نجد
الإمام الشافعي كان له عدة أحكام وآراء في العراق وعندما ذهب إلى مصر غير
من بعض هذه الأحكام.
فنجده غيَّر آراءه في
بعض فروع الفقه، وليس في الأصول والثوابت، فلم يغير في الصلاة، وكم نصلي
في اليوم، لأنها ثوابت معلومة ومؤكدة، وإنما غيَّر في أشياء من الفروع
والمتغيرات، كالمسافة التي تحسب لتقصير الصلاة...

وكذلك من أسباب اختلاف العلماء: تنوع النفوس البشرية، بين نفوس تميل إلى التشدد والأخذ بالأحوط، ونفوس تميل إلى التيسير والأخذ بالأسهل،
وهنا نكرر السؤال: من منهما أصح؟
النقاب ام إظهار الوجه والكفين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
المرأة تقود السيارة أم لا ؟؟؟؟؟؟؟؟

فنجد العلماء يختلفون، وكل واحد منهم يجود بما عنده من علم، وأنا ماذا أختار ؟؟؟
والخلاصة هي أن الرأيين
هذين صحيحان، وكل واحد منهما على صواب، ولي أن آخذ برأي أي منهما، ولكن ليس
للتشهي وإرضاء الشهوات... وإنما للقول الذي يصدر عن العالم المشهود له
بالعلم أكثر، والقول الذي دليله أقوى، والقول الذي يتناسب وظروف البلد التي
أسكن وأعيش فيها....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 13:52

اختلاف الأئمة : آدابه وحكمته

هل يجوز العمل بما يخالف المذاهب الأربعة؟


سؤال وجهه بعض القراء إليّ منذ أكثر من
ثلث قرن، بمناسبة ما ينشر في مجلة "نور الإسلام" (كانت هذه المجلة تعبر عن
علماء الدعوة والإرشاد في الأزهر الشريف). من بحوث فقهية اتخذ لها كاتبها
عنوان "غريب الأحكام".

والسؤال: هل يجوز العمل بهذه الأحكام الغريبة، وإن خالفت
المذهب الذي ارتضاه القاريء وقلد إمامه؟ على أن في هذه الأحكام ما خالف
المذاهب الأربعة المعتمدة جميعًا، فكيف تطمئن النفس للعمل به؟ وهل يليق
بمجلة شعبية عامة أن تنشر مثل هذه الغرائب، وتثير بين قرائها الجدل والخصام
وهي تدعو إلى الوحدة والإخاء والوئام؟!


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
للإجابة على هذا التساؤل في وعي وإنصاف يجدر بكل قارئ يعنيه أمر دينه ويبحث عن الحق المجرد أن يضع أمام عينه الحقائق التالية:

كثرة الأئمة المجتهدين
أولاً: إن مذاهب الفقه الإسلامي ليست محصورة في أربعة كما يظن من لا علم
له، وأن الأئمة ليسوا هم مالكًا وأبا حنيفة والشافعي وأحمد فحسب، فقد عاصر
هؤلاء أئمة كانوا في مثل مرتبتهم من العلم والاجتهاد إن لم يكونوا أفقه
وأعلم.
كان الليث بن سعد معاصرًا لمالك، وقد قال فيه الشافعي: "الليث أفقه من مالك لولا أن أصحابه لم يقوموا به".
وكان في العراق سفيان الثوري الذي لا يقل في مرتبته الفقهية عن أبي حنيفة.
وقد عده الغزالي أحد الأئمة الخمسة في الفقه، فضلاً عن إمامته في علم السنة، حتى لقب "بأمير المؤمنين في الحديث".
وكان الأوزاعي إمام الشام غير منازع، وقد ظل مذهبه معمولاً به هناك أكثر من مائتي عام.

وكان هناك من آل البيت الإمام زيد بن على، وأخوه الإمام أبو جعفر محمد بن
على الباقر، وابنه الإمام جعفر الصادق، وكل منهم إمام مجتهد مطلق، معترف
بإمامته عند أهل السنة جميعًا.
وكان الطبري بعد هؤلاء مجتهدًا مطلقًا، وإمامًا في الفقه، كما هو إمام في التفسير والحديث والتاريخ، وكان لمذهبه أتباع ثم انقرضوا.
وقبل الأئمة الأربعة كان هناك أئمة وأساتذة لهم، بل لشيوخهم وشيوخ شيوخهم،
يشار إليهم بالبنان: بحور علم ومصابيح هدى. وأي دارس للعلم يجهل مثل: سعيد
بن المسيب، والفقهاء السبعة بالمدينة، وطاووس وعطاء وسعيد بن جبير، وعكرمة،
والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والأسود، وعلقمة، وإبراهيم، ومسروق، ومكحول،
والزهري، وغيرهم من فقهاء التابعين الذين تخرجوا في مدرسة الصحابة رضوان
الله عليهم؟ والذين كان الأئمة بعدهم عيالاً عليهم، وقبل هؤلاء كان فقهاء
الصحابة الذين تخرجوا في مدرسة النبوة، وشاهدوا أسباب تنزيل القرآن
وورود الحديث، وكانوا أصفى فهمًا للدين، وأعلم بمقاصد القرآن، وأدرى
بدلالات اللغة وألفاظها. ومن يجهل فقه أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وابن مسعود
وابن عباس وابن عمر وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعائشة وغيرهم
من أئمة الصحابة الذين بهم يقتدي فيهتدي؟
b>الأئمة الأربعة لم يدَّعوا لأنفسهم العصمة
ثانيًا: إن الأئمة الأربعة - كغيرهم من المجتهدين - لم يدعوا لأنفسهم
العصمة، ولم يزعمها لهم أحد من العلماء، وغاية الأمر أنهم مجتهدون يتحرون
الصواب ما وسعتهم طاقتهم البشرية فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم
أجر، ولهذا كانوا كثيرًا ما يرجعون عن آرائهم، ويختارون غيرها تبعًا لما
ظهر لهم من الدليل، وهذا سر ورود أكثر من رواية في المسألة الواحدة عن
الإمام الواحد، وقد عرف أن الشافعي كان له مذهبان: مذهب قديم في العراق،
ومذهب جديد في مصر، ولا تكاد تخلو مسألة مهمة من الفقه إلا ولمالك وأحمد
فيها أكثر من رواية، وقد رجع أبو حنيفة عن بعض آرائه قبل موته بأيام.

وقبلهم كان عمر يفتي برأي في عام ثم يفتي بما يخالفه في العام القابل، فإذا سئل في ذلك قال: ذلك على ما علمنا، وهذا على ما نعلم!
وقد خالف أبا حنيفة أصحابه في مئات من المسائل لما لاح لهم من الأدلة، أو
وصل إليهم من الآثار، أو أدركوا من مصالح الناس وحاجاتهم بعد إمامهم، ولهذا
كثيرًا ما يقول بعض علماء الحنفية في المسائل الخلافية "هذا اختلاف عصر
وزمان لا اختلاف حجة وبرهان" (قد عقد ابن القيم فصلاً ممتعًا في: إعلام
الموقعين عن "تغير الفتوى بتغير الأزمان" ينبغي أن يراجع).

وحين اجتمع أبو يوسف أكبر أصحاب أبي حنيفة وأفضلهم بإمام دار الهجرة مالك ابن أنس، وسأله عن مقدار الصاع ومسألة الأحباس - الوقف - وصدقة الخضروات، فأخبره مالك بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال: "رجعت لقولك يا أبا عبد الله، ولو رأي صاحبي - يعني أبا حنيفة - ما رأيت، لرجع كما رجعت". وهذا هو الإنصاف الذي يثمره العلم الراسخ، والاجتهاد الصحيح. وكل ما جاء عن الأئمة -رحمهم الله- يؤكد هذه الحقيقة الناصعة.

قال أبو حنيفة: "هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه".
وقال مالك: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة".
وقال الشافعي: "إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت
الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي".
ومن روائع ما يروى عنه قوله: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

لا دليل على وجوب تقليد مذهب بعينه
ثالثًا: إن اتباع مذهب من هذه المذاهب، وتقليد إمامه في كل ما يقول ليس
فرضًا ولا سنة، فقول بعض المؤلفين: "إن تقليد إمام معين واجب"، قول مرفوض.
أ - فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى إنما افترض على العباد
طاعته وطاعة رسوله، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به
ونهى عنه إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولهذا جاء عن ابن عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس أنهم كانوا يقولون: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وإذن فاتباع غير المعصوم في كل ما يقوله ضلال بين، إذ يجعل كل إمام في
أتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين، وشبيه بما عاب الله به
النصارى في قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) (التوبة:
31). وما ذاك إلا أنهم كانوا يطيعونهم فيما يحللون ويحرمون، كما جاء عن
الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

ب - على أن الأئمة أنفسهم قد نهوا عن تقليدهم، ولم يزعموا يومًا أنهم
يشرعون للناس دينًا يجب أن يتبع، وحذروا من أخذ أقوالهم بغير حجة، فقال
الشافعي: "مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه
أفعى، تلدغه وهو لا يدري".
وقال المزني في أول مختصره: "اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله؛
لأقربه على من أراده – مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره – لينظر فيه
لدينه ويحتاط لنفسه".

وقال أحمد: "لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا" وقال: "من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال".
وقال أبو يوسف: "لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا" (ذكر هذه الأقوال ابن القيم في: إعلام الموقعين 2/139 ط منير).

ج- - إن تقليد هذه المذاهب والتعصب لها أمر مبتدع في هذه الأمة، مخالف لهدي
السلف والقرون الثلاثة الأولى، يقول صاحب "تقويم الأدلة" (لمؤلفه العلامة
أبي زيد الدبوسي). :
(كان الناس في الصدر الأول - أعني الصحابة والتابعين والصالحين - يبنون أمورهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم السنة، ثم بأقوال من بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ما يصح بالحجة، فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة ثم يخالفه بقول عليّ في
مسألة أخرى، ولم يكن المذهب في الشريعة عمريًا ولا علويًا، بل النسبة كانت
إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانوا قرونًا أثنى عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
بالخير، فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم، فلما ذهبت التقوى عن
عامة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجج، جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم، فصار
بعضهم حنفيًا وبعضهم مالكيًا وبعضهم شافعيًا، ينصرون الحجة بالرجال،
ويعتمدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب).

وقال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: (لم يزل الناس يسألون من اتفق
من العلماء من غير تقييد بمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن
ظهرت هذه المذاهب، ومتعصبوها من المقلدين؛ فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد
مذهبه عن الأدلة مقلدًا له فيما قال، كأنه نبي أرسل، وهذا نأي عن الحق،
وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب).

وإذًا فالواجب على المسلم إذا تعذر عليه إدراك الأحكام من أدلتها أن
يسأل أهل الذكر، ولا يجب عليه التزام مذهب معين؛ إذ لا واجب إلا ما أوجبه
الله ورسوله، وهما لم يوجبا على أحد أن يكون حنفيًا أو شافعيًا أو غير ذلك،
قال شارح "مسلم الثبوت": (فإيجابه تشريع شرع جديد) (انظر مقدمة "مقارنة
المذاهب" للأستاذ الأكبر الشيخ شلتوت، والشيخ محمد السايس).

مخالفة إمام ليست طعنًا في إمامته
رابعًا: إن مخالفة الأئمة الأربعة كلهم أو بعضهم ليست طعنًا في إمامتهم،
ولا حطّا من شأنهم، ولا قدحًا في سعة علمهم، وصحة اجتهادهم، وصدق تحريهم
للحق، ومن ظن ذلك فقد جهل حقيقة هذه الأمة وتاريخها.
بل إن حب هؤلاء الأعلام وتوقيرهم والثناء عليهم، من صميم دين الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة كتابه: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام": (يجب على المسلمين
بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا
للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي
بها في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم وروايتهم. . .
فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه
قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا. . . ) (انظر: رفع الملام عن الأئمة
الأعلام).

قال ابن القاسم: (سمعت مالكًا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
ليس كما قال ناس فيه توسعة (بلى، فيه توسعة ورحمة كما جاء ذلك عن عمر بن
عبد العزيز، والقاسم بن محمد، كما نقل ذلك ابن عبد البر وغيره؛ لأنهم كانوا
أسوة لمن بعدهم في التسامح وتقدير رأي الآخرين، وإن كان أحد الرأيين خطأ،
ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب. وقال مالك أيضًا في اختلافهم: مخطئ ومصيب،
وعليك بالاجتهاد) (الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 6/883).
فإذا كان الصحابة الكرام - في نظر مالك والليث - منهم المخطئ والمصيب، فما بالك بغيرهم؟!

ابن حزم يحرم التقليد
خامسًا: أننا اخترنا أخف العبارات في شأن التقليد، فذكرنا أنه ليس واجبًا ولا سنة. ولكن أمانة العلم توجب علينا أن نطلع القارئ المسلم على ما ذكره فقيه قوي الحجة كابن حزم حيث قال: (إن التقليد حرام، ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلا برهان):
أ - لقوله تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه
أولياء) (الأعراف: 3). وقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله
قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) (البقرة: 170). وقال مادحًا لمن لم
يقلد: (فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم
الله وأولئك هم أولو الألباب) (الزمر: 17، 18).

ب - وقال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم
تؤمنون بالله واليوم الآخر) (النساء: 59). فلم يبح الله تعالى الرد عند
التنازع إلي أحد دون القرآن والسنة، وحرم كذلك الرد عند التنازع إلي قول
قائل؛ لأنه غير القرآن والسنة.

ج- - وقد صح إجماع الصحابة كلهم، أولهم عن آخرهم، وإجماع التابعين كلهم،
أولهم عن آخرهم، وإجماع تابعي التابعين، أولهم عن آخرهم، على الامتناع
والمنع من أن يقصد منهم أحد إلي قول إنسان منهم أو من قبلهم، فيأخذه كله.
فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو جميع أقوال
الشافعي أو جميع أقوال أحمد - رضي الله عنهم - ولم يترك قول من اتبعه منهم
أو من غيرهم إلي قول إنسان بعينه، أنه قد خالف إجماع الأمة كلها، أولها عن
آخرها، بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفًا ولا إنسانًا في جميع
الأعصار المحمودة الثلاثة؛ فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، نعوذ بالله من هذه
المنزلة.

د - وأيضًا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليدهم، فقد خالفهم من قلدهم.
هـ- - وأيضًا فما الذي جعل رجلاً من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يقلد من عمر
بن الخطاب أو علي بن أبي طالب، أو ابن مسعود، أو ابن عمر، أو ابن عباس، أو
عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم؟ فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء
أحق أن يتبع من غيره) أ هـ (من الإحكام في أصول الأحكام).
وأولى من يوجه إليهم هذا الكلام هم العلماء الذين قرأوا القرآن والحديث،
والفقه والأصول، ودرسوا اللغة والأساليب، ومع هذا لم يكلفوا أنفسهم عناء
البحث والمقارنة والتمحيص، إخلادًا إلى الكسل، وركونًا إلى الدعة، فإذا قام
منهم من يبحث ويوازن ويرجح - كما هو شأن العالم الحق - قالوا له: قف، من أنت؟ ودع الناس على ما نشأوا عليه، وثاروا عليه كأنما يدعو إلي شئ منكر!
أما عوام الناس، فلا نسلم بقول ابن حزم أن التقليد بالنسبة لهم يكون حرامًا، ولعلنا نناقشه في مناسبة أخرى.

غرابة الأحكام نسبية
سادسًا: إن غرابة الحكم أمر نسبي، فرب حكم غريب في بيئة تراه متعالمًا
مشهورًا في بيئة أخرى، ورب حكم يثير الغرابة والدهشة في عصر، يصبح في عصر
آخر مسلمًا، متلقى بالرضا والقبول، ويصبح خلافه هو الغريب. فالغرابة ليست
مطلقة، كما أنها ليست ثابته، بل تتغير بتغير المكان كما تختلف باختلاف
الزمان.
ونضرب لذلك بعض الأمثلة: فالمجتمع الذي يتعبد أبناؤه على مذهب "الشافعي"
يجدون من الغريب الشاذ أن يصلي قوم الجمعة دون ركعتين قبلها، على حين يرى
المجتمع " المالكي" عكس ذلك.

والبيئة الشافعية تستغرب أشد الغرابة أن يقرأ المصلي الفاتحة دون "بسم الله
الرحمن الرحيم" خلافًا للمالكية الذين لا يقرءونها أصلاً، والحنفية الذين
لا يجهرون بها. وتستغرب البيئة الشافعية صلاة المسلم إذا مس المرأة ولم
يتوضأ، وصلاة من أصابته أبوال الإبل والبقر والغنم وأرواثها دون أن يغسلها،
خلافًا للمالكية وغيرهم ممن يقرر: أن كل ما أكل لحمه فبوله وروثه طاهر. بل
تستغرب جدًا أن يصلي المرء وقد مسه كلب مبلل، عكس مذهب مالك الذي يرى
طهارة الكلب. . وهكذا.

وفي عصرنا نجد بعض الأحكام التي أفتى بها بعض الأئمة قد استقبلت في بدء
أمرها بموجة من الدهشة بل الاستنكار والاستياء، وما لبثت أن شقت طريقها إلي
العقول والقلوب، فاتضحت حجتها، وأضاءت وجهتها، وظهر لجمهور الأمة موافقتها
لحكمة الشريعة التي جاءت بكل ما يجلب المصالح، ويدرأ المفاسد، فأصبحت
مقبولة بعد رد، ومعروفة بعد إنكار.

ومن ذلك تلك التعديلات الضخمة التي أدخلت على تشريعات الأسرة التي تسمى
بالأحوال الشخصية، مثل عدم إيقاع الطلاق المعلق، والذي يراد به الحمل على
فعل شيء أو المنع منه، وإيقاع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة، ومثل قانون
الوصية الواجبة الذي سلمت بها ذرية الأب المتوفى من قسوة الأعمام، وإهمال
الأجداد، وقد استغربه الناس أول الأمر، ثم أصبح في غاية القبول عند الأمة،
وكيف لا، وأصله مأخوذ من القرآن؟

إن كلمة "الغريب" ليس لها من مدلول محدد، فإن كان المراد من الأحكام ما
يخالف قول جمهور العلماء، فقد قال ابن حزم: (لقد أخرجنا علي أبي حنيفة
والشافعي ومالك مئات كثيرة من المسائل، قال فيها كل واحد منهم بقول لا نعلم أحدًا من المسلمين قال قبله، فأعجبوا لهذا) (الإحكام في أصول الأحكام ص535)!.

لا تلازم بين الصواب وشهرة الرأي
سابعًا: إن الصواب ليس لازمًا للمشهور من الآراء، والخطأ ليس لازمًا
للغريب، فالصواب والخطأ لا يتبعان الشهرة ولا الغرابة عند المحققين من
العلماء، فكم من حكم مشهور إذا نوقشت أدلته تهاوت دعائمه، وخارت قواه. وكم
من حكم غريب يبدو بأدلته في وضوح الشمس ليس دونها سحاب.

والمسلم الذي يتحرى لدينه يجب أن يكون معياره لمعرفة الحق هو قوة الحجة
ونصاعة الدليل، لا شهرة الرأي، أو كثرة القائلين به والذاهبين إليه.
ولو كان مقياس الحق هو اتباع الأغلبية له، وإيمان الأكثرية به، لكان
الإسلام باطلاً بين الأديان الضالة والنحل المضلة، التي يعد أتباعها مئات
الملايين، وقد قال تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (يوسف: 103).
(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) (الأنعام: 116). (ولكن أكثر
الناس لا يؤمنون) (الرعد: 1). (ولكن أكثرهم لا يعلمون) (الأنعام: 37). (لا
يعقلون) (الحجرات: 4). (لا يشكرون) (يونس: 60).
وقد خالف عبد الله ابن مسعود جمهور الناس في بعض المواقف والآراء، فسأله
بعض أصحابه: ألا يتبع الجماعة؟ فقال: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك!
وقد حذر ابن مسعود من زمان تختل فيه الموازين فيألف الناس الباطل،
ويستغربون الحق، ويعرفون المنكر، وينكرون المعروف. قال: كيف إذا لبستكم
فتنة يشب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، تجري على الناس، يتخذونها سنة،
حتى إذا غيرت قيل: غيرت السنة، أو هذا منكر!

ويكفي دليلاً على أن الغرابة ليست دليل الخطأ أن بعض الآيات المحكمة من
كتاب الله قد هجر العمل بها، حتى في عهد الصحابة، بحيث أصبح حكمها غريبًا
على الناس، مثل قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين
فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفًا) (النساء: Cool. وقد ظن بعض العلماء
أنها منسوخة لذلك ترك العمل بها. وقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا
ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم. . ) (النور: 58). الآية. وقد قال ابن عباس:
"إن الشيطان غلب الناس على هذه الآيات فلم يعملوا بها" (انظر تفسير ابن
كثير 3/303 ط الحلبي).

الاختلاف في الفروع لا يؤدي إلى تفرق
ثامنًا: إن الخلاف في المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص قاطع الثبوت
والدلالة لا يجوز أن يؤدي إلى تفرق أو تنازع، وقد خالف الصحابة بعضهم بعضًا
ولم يُحدِث ذلك بينهم فرقة ولا عداوة ولا شحناء.
وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرأ،
ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر
ومنهم من لا يقنت في الفجر، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء،
ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ مما مسته النار، ومنهم من لا
يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك.
. ومع هذا فكان يصلي بعضهم خلف بعض مثلما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي
وغيرهم -رضي الله عنهم- يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرأون البسملة، لا سرًا ولا جهرًا.

وصلى هارون الرشيد إمامًا، وقد احتجم، فصلى الإمام أبو يوسف خلفه، ولم يعد، وكان قد أفتاه الإمام مالك بأنه لا وضوء عليه.
وكان الإمام أحمد يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له، فإن كان الإمام
خرج منه الدم ولم يتوضأ، هل تصلي خلفه؟ قال: كيف لا أصلى خلف مالك وسعيد
ابن المسيب؟!
وصلى الشافعي قريبًا من مقبرة أبي حنيفة، فلم يقنت تأدبًا معه، وقال: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق.
وفي البزازية - من كتب الحنيفة - عن الإمام الثاني أبي يوسف - أنه صلى يوم
الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا، ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في
بئر الحمام. فقال: إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء
قلتين لم يحمل خبثًا (هذه النقول من (حجة الله البالغة 1/159) لشاه ولي
الله الدهلوي).

وما ذلك إلا أن هذه المسائل وأشباهها محتملة مرنة، وكثيرًا ما يكون كلا الوجهين في المسألة
مشروعًا، فإن لم يكن فالصواب غير مقطوع به، والخطأ معذور صاحبه بل مأجور.
ولهذا كان الأئمة في هذه المواضع يصححون القول، ويثبتون خلافه. يقول أحدهم:
هذا أحوط، وهذا هو المختار. وهذا أحب إلى، أو يقول: ما بلغنا إلا ذلك.
وهذا كثير في المبسوط، وآثار محمد، وكلام الشافعي، رحمهم الله (المرجع
السابق 145).
ورضي الله عن الإمام مالك ما كان أفقهه؛ فقد حكى السيوطي: أن الرشيد شاوره
أن يعلق كتاب "الموطأ" في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه. فقال: لا تفعل
فإن أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل سنة مضت. قال الرشيد: وفقك الله يا أبا عبد الله!! وحكى مثل هذه القصة مع المنصور أيضًا

وبعد: فلست أكتب هذا دفاعًا عن كاتب "غريب الأحكام" ولست مؤيده في كل
الجزئيات التي يعرض لها، ولكنما أؤيد منهج البحث والمقارنة وتمحيص الأقوال.
وعلى المسلم أن يجعل نفسه أسير الدليل والحجة، فأي حكم قوي عنده دليله،
واقتنع به عقله، واطمأن إليه قلبه، فعليه أن يعمل به. ولا حرج عليه أن يكون
من "غريب الأحكام". ولا يخوفه أن يكون في هذا الحكم تيسير على الناس فإن
ديننا لم يجئ إلا باليسر والتخفيف والرحمة. قال عليه الصلاة والسلام: "إنما
بعثت بالحنيفية السمحة. . . . " (رواه الطبراني في: المعجم الكبير (7715)،
وهو في مسند أحمد). وقال لأصحابه: "يسروا ولا تعسروا" (متفق عليه من حديث
أنس). ،"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (رواه البخاري والترمذي
والنسائي من (حديث أبي هريرة).، وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد
بكم العسر) (البقرة: 185).، (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا)
(النساء: 28).، (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم
نعمته عليكم لعلكم تشكرون) (المائدة: 6).
والله أعلم

الدكتور يوسف القرضاوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 13:53

الشاب الحكيم ! الكاتب: فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة



ذات ليلة
جرى الحديث في مجلس ذكرٍ عن الاختلاف وضراوته ، خاصة بين المتعلمين
والدعاة والمنتسبين للشريعة ، حتى يتحول إلى قتال دام يفضي إلى فشل المشروع
برمته في أكثر من بلد .
وهو مرشح للتفاقم والامتداد إذا لم تتوفر الأسباب لقمعه وتحجيمه.
وكان من الحلول المطروحة مسألة التربية والإعداد المسبق
للناشئة على البصيرة والأدب والتوازن والفقه الواسع وإدراك الأولويات
والحفاظ على الكليات والثوابت ، ومنها العصم الشرعية المتمثلة بحفظ الدم
والعرض والمال والنفس والأمن والمودة ..
أورد أحد
الإخوة قوله تعالى : (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا
مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (آل عمران:164) ، وسأل عن سر الترتيب
فيها ؟
فكان مما
استظهرته أن الله تعالى بدأ بالتلاوة (يَتْلُو عَلَيْهِمْ) التي هي القراءة
والعمل ، فهو قدوة لهم ومبلغ ، يتلو بلسانه وبأفعاله المطابقة لأقواله
عليه السلام ، ومن هنا حرم الدماء والأعراض والأموال تشريعاً ووصية ،
وحفظها سياسة وتنفيذاً حتى حقن دماء المنافقين ، وعفا عن أسرى المشركين
وأطلقهم ، ولم يظهر يوماً بمظهر المنتقم أو المتشفي أو المنفذ غيظه في عدوه
، حتى امتنع عن الدعاء على المشركين لما قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ
عَلَى الْمُشْرِكِينَ! فقَالَ" إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا
بُعِثْتُ رَحْمَةً" كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة..
بل لما قال
له مَلَكُ الْجِبَالِ :إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ
الْأَخْشَبَيْنِ ! قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" بَلْ أَرْجُو
أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ
لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها.
وهذا كله من " التلاوة " .
ثم ذكر
التزكية ، وهي أثر عن العلم ، وهذا دليل على أن تصحيح المعرفة وتصحيح الفكر
وضبط " عادات التفكير " أسبق من تصحيح السلوك ، فالتزكية أثر عن المعرفة
الصحيحة والفكر السليم فالعقل أولاً ، والقلب ثانياً ، إن صح هذا ؟
وعقب بقوله : (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) وهذا انتقال من الصلاح إلى الإصلاح .
ففي المقام الأول : تزكية ذاتية للفرد والجماعة .
والتدرج والترقي ينتقل بهم إلى أن يكونوا علماء حكماء قادة مؤثرين ولذا قال : (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .
ومما ظهر لي في الجمع بين الكتاب والحكمة أن الكتاب يعني الكتابة والقراءة والفهم والتعليم .
وأن الحكمة
هي البصيرة والخبرة وخلاصة التجربة الإنسانية ولذا يوصف كبير السن المجرب
العاقل الذي يضبط كلامه ويعرف سداد الرأي بأنه " حكيم " .
وعزز هذا
المعنى عندي قوله تعالى : (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ
وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) (مريم:12) ، فأمره بأخذ الكتاب ، وهو
العلم والوحي والحق والفهم ، وجعل أخذه بـ " قوة " .
وكثيرون
يظنون أن القوة هي العنف والشدة على الآخرين , وارتفاع الصوت والغضب ، فهي
قوة تمنحهم السلطان على الناس ، وليس قوة تقهرهم وتحجزهم وتضبطهم عما لا
يجمل ولا يليق .
والدين لم
يأت أصلاً لتشجيع نزعات التسلط على العباد ، بل لضبطها وإلجامها وفي الحديث
: « لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى
يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ » رواه البخاري ومسلم .
فمن القوة
القوة على النفس ، ومنها الصبر على الأذى واحتماله ، والمواصلة ولو كثر
المخالف وتمادى ، مع مصانعة العدو ومداراته والحرص على نزع فتيل الشر ما
أمكن .
وربما كان
ما يقع من بعض المتشددين من عدوان لفظي أو عدوان بدني على الأنفس والأعراض
والمجتمعات صادراً عندهم وفي ظنهم تحت شعار (خُذِ الْكِتَابَ
بِقُوَّةٍ)(مريم: من الآية12) ، وبعض " القتل الإسلامي " هو واقع تحت هذه
الذريعة .
وانظر إلى التعقيب القرآني كيف قال :
(وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً)(مريم: من الآية12) ، فأعطاه الله تعالى الحكمة وهو صغير .
قال مجاهد: الفهم .
وقال الحسن وعكرمة: اللب .
وقال ابن عباس ،: أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين .
قال ابن
كثير :{ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } أي : الفهم والعلم والجد
والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث
السن .
إن وصف
الشباب ، ويحيى كان شاباً ، بالقوة ، قد يظن أنه مدعاة للارتجال والطيش ،
ولذا نفى سبحانه هذا المعنى عن نبيه المصطفى وذكر أنه أعطاه الحكمة في صباه
.
إن القوة
المذكورة أولاً مظنة مخالفة الحكمة فقرنها بها ، كما قرن العلم بالرحمة في
شأن الخضر (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ
لَدُنَّا عِلْماً)(الكهف: من الآية65) ، وإن الحكمة عادة لا تكون إلا لمن
عركته الأحداث وحنكته التجارب ، ولذا قيل : " لا حكيم إلا ذو تجربة "

ألم تَرَ أنَ العقلَ زينٌ لأهْله وأنَ كمالَ العقْل طولُ التجاربِ

وقال عنترة :

حَنَّكَتني نَوائِبُ الدَهرِ حَتّى أَوقَفَتني عَلى طَريقِ الرَشادِ

فذكر الله تعالى عن يحيى أن الحكمة أعطيت له منحة إلهية في صباه بخلاف جاري العادة .
والعجب أن الله تعالى أثنى عليه بـ " الحَنَان "
والحنان كما قال ابن عباس وقتادة والحسن والضحاك : هو الرحمة
وقال مجاهد :هو التّعطّف ،. وقال عكرمة: المحبة
وقيل: آتيناه تحنناً على العباد .
ويحتمل :أن يكون معناه رفقاً ليستعطف به القلوب وتسرع إليه الإِجابة..
وهذا تأكيد
أن القوة هي قوة النفس ، وقوة القلب وقوة العلم والمعرفة ، وقوة الأخلاق ،
وقوة المراقبة ، وأن من القوة الصبر ومجاهدة النفس ، واستيعاب الآخرين
وانفساح الصدر لهم ، وإلجام دواعي الغضب والانتقام والانتصار والأنانية .
وعقب بنفي
الجبروت (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً)(مريم: من الآية14) ، ولذا قال
جمع من المفسرين : لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله، ولا مترفعا على
عباد الله، ولا على والديه، بل كان متواضعا، متذللا مطيعا، أوابا لله على
الدوام، فجمع بين القيام بحق الله، وحق خلقه، ولهذا حصلت له السلامة من
الله، في جميع أحواله، مبادئها وعواقبها..
فهذه
أخلاق الأنبياء ، التي نشأوا عليها صغاراً وأحكموها شباباً وانطبعت بها
نفوسهم كهولاً واستعذبوها شيوخاً ، جعلنا الله من حزبهم وأتباعهم وأعاننا
على معرفة عيوب نفوسنا ومواطن ضعفها ، ونختم بما دعا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- " اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا " .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 13:54

الاختلاف والخلاف وعلم الخلاف:

الاختلاف والمخالفة أن ينهج كل شخص طريقاً
مغايراً للآخر في حاله أو في قوله. والخلاف أعم من "الضد " لأن كل ضدين
مختلفان، وليس كلُّ مختلفين ضدين، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد
يفضي إلى التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال تعالى:

((فاخْتَلفَ الأحْزابُ مِنْ بينِهم… )) [مريم:37]

((وَلا يزَالُون مُخْتلِفين )) [هود:118]

((إنَّكُم لفِي قولٍ مُخْتلِف )) [الذاريات:8]

((إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بينهم يوْم القِيامةِ فيما كانوا فيهِ يخْتلِفون )) [يونس:93].

وعلى هذا يمكن القول بأن "الخلاف والاختلاف " يراد به مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الحالة أو الهيئة أو الموقف.

وأما ما يعرف لدى أهل الاختصاص بـ "علم الخلاف "


فهو علم يمكِّن من حفظ الأشياء التي استنبطها إمام من الأئمة، وهدم ما
خالفها دون الاستناد إلى دليل مخصوص، إذ لو استند إلى الدليل، واستدل به
لأصبح مجتهداً وأصولياً، والمفروض في الخلاف ألاّ يكون باحثاً عن أحوال
أدلة الفقه، بل حسبه أن يكون متمسكاً بقول إمامه لوجود مقتضيات الحكم - إجمالاً - عند إمامه كما يظن هو، وهذا يكفي عنده لإثبات الحكم، كما يكون قول إمامه حجة لديه لنفي الحكم المخالف لما توصل إليه إمامه كذلك.

الجــدل و "علم الجـــدل":

إذا اشتد اعتداد أحد المخالفين أو كليهما بما هو عليه من قول أو رأي أو
موقف، وحاول الدفاع عنه، وإقناع الآخرين به، أو حملهم عليه سميت تلك
المحاولة بالجدل.

فالجدل في اللغة "المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة " مأخوذ من "جدلت
الحبل " إذا فتلته وأحكمت فتله، فإن كل واحد من المتجادلين يحاول أن يفتل
صاحبه ويجدله بقوة وإحكام على رأيه الذي يراه.

وأما "علم الجدل " فهو: علم يقوم على مقابلة الأدلة لإظهار أرجح الأقوال الفقهية(4).

وعرَّفه بعض العلماء بأنه "علم يقتدر به على حفظ أي وضع يراد ولو باطلاً وهدم أي وضع يراد ولو حقا ً" (5).

ويظهر في هذا التعريف أثر المعنى اللغوي للجدل، لأنه - على هذا - علم لا يتعلق بأدلة معينة، بل هو قدرة أو ملكة يؤتاها الشخص ولو لم يحط بشيء من الكتاب والسنة ونحوهما.

الشــــقــاق:

فإذا اشتدت خصومة المتجادلين، وآثر كل منهما الغلبة بدل الحرص على ظهور
الحق ووضوح الصواب، وتعذر أن يقوم بنما تفاهم أن اتفاق سميت تلك الحالة بـ
"الشقاق" و "الشقاق" أصله: أن يكون كل واحد في شق من الأرض أي نصف أو جانب
منها، فكأن أرضاً واحدة لا تتسع لهما معاً، وفي التنزيل ((وَإنْ خِفْتُم
شِقاق بيْنِهِما )) [النساء:35] أي خلافاً حاداً يعقبه نزاع يجعل كل واحد
منهما في شق غير شق صاحبه، ومثله قوله تعالى ((فَإِنّما هُمْ فِي شِقاق ٍ))
[البقرة:137].

المقبول والمـردود مـن الاختــلاف:

قضت مشيئة الله تعالى خلق الناس بعقول ومدارك متباينة، إلى جانب اختلاف
الألسنة والألوان والتصورات والأفكار، وكل تلك الأمور تفضي إلى تعدد الآراء
والأحكام، وتختلف باختلاف قائليها، وإذا كان اختلاف ألسنتنا وألواننا
ومظاهر خلقنا آية من آيات الله تعالى، فإن اختلاف مداركنا وعقولنا وما
تثمره تلك المدارك والعقول آية من آيات الله تعالى كذلك، ودليل من أدلة
قدرته البالغة، وإن أعمار الكون وازدهار الوجود، وقيام الحياة لا يتحقق أي
منها لو أن البشر خلقوا سواسية في كل شيء، وكل ميسر لما خلق له ((وَلوْ شاء
ربُّك لجَعل النَّاسَ أمَّةً واحِدةً، ولا يزالون مُخْتلِفين إلاّ مَنْ
رَحِم ربُّك ولذلِك خَلقهم )) [هود:118-119].

إن الاختلاف الذي وقع في سلف هذه الأمة - ولا يزال واقعاً - جزء من هذه الظاهرة الطبيعية، فإن لم يتجاوز الاختلاف حدوده بل التزمت آدابه كان ظاهرة إيجابية كثيرة الفوائد.

بعض فوائد الاختلاف المقبول:

وكما أسلفنا فإنه إذا التزمت حدود الاختلاف، وتأدب الناس بآدابه كان له بعض الإيجابيات منها:

(أ ) أنه يتيح - إذا صدقت النوايا - التعرف على جميع الاحتمالات التي يمكن أن يكون الدليل رمى إليها بوجه من وجوه الأدلة.

(ب ) وفي الاختلاف - بالوصف الذي ذكرناه - رياضة للأذهان، وتلاقح للآراء، وفتح مجالات التفكير للوصول إلى سائر الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول إليها.

(ت ) تعدد الحلول أمام صاحب كل واقعة ليهتدي إلى الحل المناسب للوضع الذي
هو فيه بما يتناسب ويسر هذا الدين الذي يتعامل مع الناس من واقع حياتهم.

تلك الفوائد وغيرها يمكن أن تتحقق إذا بقي الاختلاف ضمن الحدود والآداب
التي يجب الحرص عليها ومراعاتها، ولكنه إذا جاوز حدوده، ولم تراع آدابه
فتحول إلى جدال وشقاق كان ظاهرة سلبية سيئة العواقب تحدث شرخاً في الأمة - وفيها ما يكفيها - فيتحول الاختلاف من ظاهرة بناء إلى معاول للهدم.

أقســام الخــلاف من حيث الدوافـــع:

1 - خلاف أملاه الهوى: قد يكون الخلاف وليد رغبات نفسية لتحقيق غرض ذاتي أو
أمر شخصي، وقد يكون الدافع للخلاف رغبة التظاهر بالفهم أو العلم أو الفقه.
وهذا النوع من الخلاف مذموم بكل أشكاله، ومختلف صوره لأن حظ الهوى فيه غلب
الحرص على تحري الحق، والهوى لا يأتي بخير، فهو مطية الشيطان إلى الكفر،
قال تعال:

((أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رسولٌ بِما لا تهوى أنفسكُم استكْبرتُم فَفريقاً
كذّبْتُم وفريقاً تقْتُلون )) [البقرة:87] وبالهوى جانب العدل مَنْ جانبه
من الظالمين.

((فَلا تتَّبِعوا الهوى أن تَعْدِلوا )) [النساء:135] وبالهوى ضل وانحرف الضالون

((قُلْ لا أتّبع أهْواءكُم قَدْ ضَلَلْتُ إذَنْ وما أنا مِن المُهْتدين ))
[الأنعام:56] والهوى ضد العلم ونقيضه، وغريم الحق، ورديف الفساد، وسبيل
الضلال: ((وَلا تتَّبع الهوى فيُضِلَّك عنْ سبيل الله )) [ص:26].

((وَلَوِ اتّبع الحقُّ أهْواءَهُم لفَسَدتِ السماواتُ والأرضُ ومَنْ فيهِنَّ )) [المؤمنون:71].

((وإِنَّ كَثِيراً ليُضِلُّون بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْم ٍ)) [الأنعام:119].

وأنواع الهوى متعددة، وموارده متشعبة، وإن كانت في مجموعها ترجع إلى "هوى
النفس وحب الذات" فهذا الهوى منبت كثير من الأخطاء وحشد من الانحرافات، ولا
يقع إنسان في شباكه حتى يزين له كل ما من شأنه الانحراف عن الحق،
والاسترسال في سبيل الضلال، حتى يغدو الحق باطلاً والباطل حقاً والعياذ
بالله. ويمكن رد خلاف أهل الملل والنحل ودعاة البدع في دين الله تعالى إلى
آفة الهوى، ومن نعم الله على عبده ورعايته - سبحانه - أن يكشف له عن مدى ارتباط مذاهبه وأفكاره ومعتقداته بهوى نفسه، قبل أن تهوي به في مزالق الضلال، حيث يضيء المولى - سبحانه -
مشاعل الإيمان في قلبه فتكشف زيف تلك المذاهب أو الأفكار أو المعتقدات ذلك
لأن حسنها في نفسه لم يكن له وجد حقيقي، بل هو وجود ذهني أو خيالي أو صوري
صوره الهوى وزينه في النفس ولو كان قبيحاً في واقعه، أو لا وجود له إلا في
ذهن المبتلى به.

ولاكتشاف تأثير الهوى في فكرة ما طرق كثيرة: بعضها خارجي، وبعضها ذاتي:

(أ) فالطرق الخارجية لاكتشاف أن الهوى وراء الفكرة -موضع الاختلاف- أن تكون
مناقضة لصريح الوحي من كتاب وسنة، ولا ينتظر ممن يزعم في نفسه الحرص على
الحق أن يلهث وراء فكرة تناقض كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

ومما يكشف كون الفكرة وليدة الهوى: تصادمها مع مقتضيات العقول السليمة التي
يقبل الناس الاحتكام إليها، ففكرة تدعو إلى عبادة غير الله، أو تحكيم غير
شريعته في حياة الناس، وفكرة تدعو إلى إباحة الزنا، أو تزيين الكذب، أو تحض
على التبذير لا يمكن أن يكون لها مصدر غير الهوى، ولا يدعو لها إلاّ من
بيد الشيطان زمامه.

(ب) أما الطرق الذاتية لاكتشاف ما إذا كان الهوى محضن الفكرة فتكون بنوع من
التأمل والتدبر في مصدر تلك الفكرة، ومساءلة النفس بصدق حول سبب تبنيها
لتلك الفكرة دون غيرها، وما تأثير الظروف المحيطة بصاحب الفكرة، ومدى ثباته
عليها إن تبدلت؟ وهل هناك من ضغوط وجهت المسار دونما شعور؟ ثم الغوص في
أعماق الفكرة نفسها، فإن كانت قلقة غير ثابتة، تتذبذب بين القوة والضعف
تبعاً لمشاعر معينة، فاعلم أنها وليدة الهوى ونزغ من الشيطان فاستعذ بالله
السميع العليم، واحمده على أن بصّرك بالحقيقة قبل أن يسلسل قيادك لهوى
النفس.

2 - خلاف أمـــلاه الحـــق: قد يقل الخلاف دون أن يكون للنفس فيه حظ أو
للهوى عليه سلطان، فهذا خلاف أملاه الحق، ودفع إليه العلم، واقتضاه العقل،
وفرضه الإيمان، فمخالفة أهل الإيمان لأهل الكفر والشرك والنفاق خلاف واجب
لا يمكن لمؤمن مسلم أن يتخلى عنه، أو يدعو لإزالته لأنه خلاف سداه الإيمان
ولحمته الحق.

وكذلك اختلاف المسلم مع أهل العقائد الكافرة والملحدة، كاليهودية
والنصرانية والوثنية والشيوعية، ولكن الاختلاف مع أهل تلك الملل وهذه
العقائد لا يمنع من الدعوة إلى إزالة أسبابه بدخول الناس في دين
الله أفواجاً وتخليهم عن دواعي الخلاف من الكفر والشرك والشقاق والنفاق
وسوء الأخلاق والإلحاد والبدع والترويج للعقائد الهدامة.

3 - خــلاف يتردد بين المدح والذم، ولا يتمحض لأحدهما، وهو خلاف في
أمور فرعية تتردد أحكامها بين احتمالات متعددة يترجح بعضها على بعضها الآخر
بمرجحات وأسباب سنأتي على ذكرها - إن شاء الله - ومن أمثلة هذا
التقسيم: اختلاف العلماء في انتقاض الوضوء من الدم الخارج من الجرح، والقيء
المتعمد، واختلافهم في حكم القراءة خلف الإمام وقراءة البسملة قبل الفاتحة
والجهر بـ "آمين " وغير ذلك من أمثلة تضيق عن الحصر، وهذا النوع من
الاختلاف مزلة الأقدام، إذ يمكن فيه أن يلتبس الهوى بالتقوى، والعلم بالظن،
والراجح بالمرجوح، والمردود بالمقبول، ولا سبيل إلى تحاشي الوقوع في تلك
المزالق إلا باتباع قواعد يحتكم إليها في الاختلاف، وضوابط تنظمه، وآداب
تهيمن عليه، وإلاّ تحول إلى شقاق وتنازع وفشل، وهبط المختلفان فيه عن مقام
التقوى إلى درك الهوى، وسادت الفوضى، وذر الشيطان قرنه.

رأي العلماء في الاختلاف:

ومع ما تقدم فإن العلماء قد حذروا من الاختلاف بكل أنواعه، وأكدوا على وجوب اجتنابه.

يقول ابن مسعود رضي الله عنه : "الخلاف شر " (6)، وقال السبكي رحمه الله:
"…إن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، " قال تعالى: ((ولكنِ اخْتلَفُوا
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر… )) [البقرة:253]، وكذا
السنة: قال عليه الصلاة والسلام: "إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم
واختلافهم على أنبيائهم "(7)، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، هذا وقد
أدرج السبكي رحمه الله تحت النوع الثالث من الاختلاف (الذي يتردد بين المدح
والذم )أقساماً ثلاثة،

فقال: "…والاختلاف على ثلاثة أقسام، أحدهما في الأصول، وهو المشار إليه في القرآن، ولا شك أنه بدعة وضلال.

والثاني في الآراء والحروب هو حرام أيضاً لما فيه من تضييع المصالح،

والثالث في الفروع، كالاختلاف في الحل والحرمة ونحوهما "(Cool والذي قطع به أن الاتفاق فيه - أي: في الثالث خير من الاختلاف.

كما نبه رحمه الله إلى كلام ابن حزم في ذم الاختلاف في ذلك أيضاً، إذ لم يجعل ابن حزم رحمه الله شيئاً من الاختلاف رحمة، بل اعتبره - كله - عذاباً.

ويكفي لمعرفة أضرار الاختلاف وخطورته أن نبي الله هارون عليه السلام عدّ
الاختلاف أكبر خطراً، وأشد ضرراً من عبادة الأوثان. فحين صنع السامري لقومه
عجلاً من الذهب وقال لهم: ((هذا إلهُكُم وَ إلهُ مُوسى )) [طه:88] التزم
جانب الصمت وبقي ينتظر أخاه موسى عليه السلام، ولما وصل موسى ورأى القوم
عاكفين على العجل وجه أشد اللوم إلى أخيه، فما كان عذر أخيه إلا أن قال:
((يا ابن أمّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيتي ولا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أنْ
تَقُولَ فرَّقْتَ بيْنَ بَنِي إسْرائيل وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي… ))
[طه:94] فجعل من خوف الفرقة والاختلاف بين قومه عذراً له في عدم التشديد في
الإنكار، ومقاومة القوم والانفصال عنهم حين لا ينفع الإنكار!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 13:55

اختلاف الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لم يكن في عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم ما يمكن أن يؤدي إلى الاختلاف بالمعنى الذي ذكرناه، ذلك لأن
رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجع الجميع باتفاق، و مردهم في كل أمر
يحزبهم، ومفزعهم في كل شأن، وهاديهم من كل حيرة؛ فإذا اختلف الصحابة رضوان
الله عليهم في شيء ردوه إليه عليه الصلاة والسلام فبين لهم وجه الحق فيه،
وأوضح لهم سبيل الهداية، وأما الذين ينزل بهم من الأمور ما لا يستطيعون رده
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعدهم عن المدينة المنورة، فكان يقع
بينهم الاختلاف كاختلافهم في تفسير ما يعرفونه من كتاب الله، أو سنة رسوله
صلى الله عليه وسلم وتطبيقه على ما نابهم من أحداث، وقد لا يجدون في ذلك
نصاً فتختلف اجتهاداتهم... هؤلاء ذا عادوا إلى المدينة، والتقوا برسول الله
صلى الله عليه وسلم عرضوا عليه ما فهموه من النصوص التي بين أيديهم أو ما
اجتهدوا فيه من القضايا، فإما أن يقرهم على ذلك فيصبح جزءاً من سنته صلى
الله عليه وسلم ، وإما أن يبين لهم وجه الحق والصواب فيطمئنون لحكمه صلى
الله عليه وسلم ، ويأخذون به، ويرتفع الخلاف، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

(أ ) ما أخرجه البخاري ومسلم
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إلاّ في
بني قريظة " فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى
نأتيها، أي: ديار بني قريظة.

وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد
منا ذلك. فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحداً منهم (9). وظاهر
من هذا الحديث الشريف أن الصحابة رضوان الله عليهم انقسموا إلى فريقين في
موقفهم من أداء صلاة العصر: فريق أخذ بظاهر اللفظ (كما يقول المناطقة ) أو
بما يسميه أصوليو الحنفية بـ "عبارة النص ". وفريق استنبط من النص معنى
خصَّصه به.

وتصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم للفريقين دليل على مشروعية كل من المذهبين.

فالمسلم إذن: له أن يأخذ
بظاهر النص، وله أن يستنبط من المعاني ما يحتمله النص، ويمكن التدليل
عليه، ولا لوم على من بذل جهده، وكان مؤهلاً لهذا النوع من الجهد. فالفريق
الثاني من الصحابة، رضوان الله عليهم، فهموا أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم إنما أراد أن يأمرهم بالمبالغة في الإسراع، ولذلك اعتبروا أن أداءهم
الصلاة قبل الوصول إلى بني قريظة لا ينافي أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالصلاة في بني قريظة، ما دامت الصلاة لن تؤخرهم عن الوصول. ومن
الطريف أن ابن القيم رحمه الله أورد اختلاف الفقهاء في تصويب أن من
الفريقين، وبيان الأفضل من فعل كل منهما، فمن قائل: إن الأفضل فعل من صلى
في الطريق فحاز قصب السبق في أداء الصلاة في وقتها وتلبية أمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ومن قائل: إن الأفضل فعل من أخرها ليصليها في بني
قريظة. . . (10).

قلت: وما دام رسول الله صلى
الله عليه وسلم لم يعنف واحداً منهما، فكان على الفقهاء رحمهم الله أن
يسعهم ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألا يخوضوا في أمر قد
تولى، عليه الصلاة والسلام، حسمه والانتهاء منه.

(ب ) ومن أمثلته كذلك ما أخرجه
أبو داود والحاكم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: (احتلمت في
ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل (11) فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم
صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عمرو
صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " فأخبرته بالذي ((وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً )) [النساء:29]. فضحك رسول الله صلى الله
عليه وسلم ولم يقل شيئاً ) (12).

التــــأويل وأنواعـــه:

لسنا بصدد ذكر كل ما اختلف فيه
الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، بين آخذ بظاهر النص،
وبين متدبر ومقلب له على مختلف وجوهه، ومستنبط لشتى المعاني منه، فذلك أمر
يطول، وتقصر دونه المجلدات فضلاً عن هذا البحث، ذلك لأنهم رضوان الله
عليهم قد فهموا من تلك الوقائع أن هذا الدين يسر، وأن الشرع متَّسع
للطريقتين ومقرُّ للمنهجين. . .

والمجتهدون الحذقة، والفقهاء
المهرة هم الذين يجتهدون في بيان ما يحقِّق كليّات الشريعة، ويوصِّل إلى
مقاصدها، فأحياناً يكون ذلك بالأخذ بظاهر اللفظ، وأحياناً يكون بالأخذ بما
وراء ظاهر اللفظ، وهو ما يعرف بالتأويل، ولعل من المفيد أن نلقي الضوء على
هذا الموضوع، مستعرضين بإيجاز أنواع التأويل وضوابطه. . .

يأتي التأويل من الأخذ بما وراء ظاهر اللفظ، ويكون عبارة عن:

1- تـــأويـــل قـــريب:

وهو ما يمكن معرفته بأدنى تأمل
مع احتمال اللفظ له، مثل: اعتبار التصدق بمال اليتيم، أو التبرع به لغيره،
أو إتلافه مساوياً لأكله، أو أولى بالتحريم الذي دل عليه قوله تعالى:

((إنَّ الذين يأْكُلون أمْوال اليتامى ظُلماً إنَّما يأكُلون في بُطونِهِمْ ناراً… )) [النساء:10].

ومنه: اعتبار التبول في إناء
ثم صب البول في الماء الراكد مساوياً للتبول المباشر فيه، الذي ورد النهي
عنه بقوله صلى الله عليه وسلم : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل
فيه "(13). باعتبار أن كلا المعملين مؤد لتلوث الماء، وإثارة الوسوسة.

2- تأويــل بعيـــد:

وهو ما يحتاج لمعرفته والوصول
إليه مزيد من التأمل مع كون اللفظ يحتمله، وذلك كاستنباط ابن عباس رضي الله
عنهما، أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى:

((وَحَمْلُهُ وَ فِصالُهُ
ثَلاثُونَ شَهْراً )) [الأحقاف:15] مع قوله تعالى: ((والوالِداتُ يُرْضِعْن
أولادهُنَّ حَوْلينِ كامِلينِ لِمَنْ أراد أن يُتمّ الرّضاعة ))
[البقرة:233].

وكاستدلال الإمام الشافعي على
كون الإجماع حجة بقوله تعالى: ((وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ
مَا تَبيَّنَ لَهُ الهُدى وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ
نُولِّهِ مَا تَولّى ونُصْلِهِ جهنَّم وَسَاءَتْ مَصِيرا ً)) [النساء:115].

وكذلك استدلال الأصوليين بقوله
تعالى: ((فَاعْتِبِرُوا يَا أولِي الأبْصَار ِ)) [الحشر:2]. . على حجية
القياس، وكونه دليلاً شرعياً. فهذه استنتاجات وإن بدت يسيرة، يتعذر الوصول
إليها ما لم يكن الإنسان جوال الفكر، ثاقب النظر، كما تحتاج إلى تأمل وتدبر
لا يتيسران لعامة الناس.

3- تأويل مستبعد:

وهو ما لا يحتمله اللفظ، وليس
لدى المُؤَوِّل على تأويله أي نوع من أنواع الدلالة، وذلك نحو تفسير بعضهم
قول الله تعالى: ((وَعَلاَماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدون )) [النحل:16]
بأن النجم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والعلامات هم الأئمة.
وكتفسير بعضهم قوله تعالى: ((وَمَا تُغْنِي الآياتُ والنُّذُر عَنْ قَوْمٍ
لاَ يُؤْمِنُون )) [يونس:101 بأن الآيات هم الأئمة، والنذر هم الأنبياء.

وكتفسير آخرين قوله تعالى: ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ العَظِيم )) [النبأ:1-2] بالإمام علي رضي الله عنه ، وأنه هو النبأ العظيم(14).

ضــــوابط التــأويل:

ويتبين مما ذكرنا أن
التأويل يحتاج بالإضافة إلى القدرة على التدبر والتأمل إلى ما يدل عليه
ويلجئ إليه، وإلاّ فإن الأخذ بالظواهر أسلم، ولا يطرق باب التأويل إلاّ في
الأمور الاجتهادية، وأما في المسائل الاعتقادية فلا مجال للاجتهاد فيها،
فإن الأخذ بظواهر النصوص مع تفويض المعاني المرادة منها، وما قد تدل عليه
من كيفيات هو الأسلم دائماً، وهو موقف السلف رضوان الله عليهم.

وعند الاضطرار إلى التأويل لا
بد من فهم النص وتحليله، ومعرفة سائر أوجه دلالته التي تشهد لها اللغة،
وتدعمها مقاصد الشريعة، وتساعد عليها كليَّاتها وقواعدها العامة، ولذلك كان
الحكم باعتبار النص على ظاهره أو تحليله لمعرفة ما يستلزمه من وجوه
الدلالات من أهم ضروب الاجتهاد الفقهي والاعتبار الشرعي المأمور به في قوله
تعالى: ((فَاعْتَبِرُوا يا أولي الأَبْصَارِ )) [الحشر:2 ].

إن ابن عباس رضي الله عنهما عند بيانه ضوابط التفسير قد ذكر أنه على أربعة أوجه:

· فوجه تعرفه العرب بكلامها.

· ووجه لا يعذر أحد بجهالته.

· ووجه يعلمه العلماء.

· ووجه لا يعلمه إلا الله.

وعلى ذلك، فإن التأويل، وقد
اتضح فيما تقدم معناه وأنواعه، قد ظهرت الصلة الوثقى بينه وبين التفسير؛
فقد جاء كل منهما في موضع الآخر في كثير من استعمالات الشارع الحكيم، وذلك
في نحو قوله تعالى: ((وَما يعْلمُ تأوِيلَهُ إلاّ اللهُ، والرَّاسِخُون في
العِلْمِ يقولون آمَنَّا به )) [آل عمران:7].

فقد ذهب
معظم المفسرين إلى أن المراد بالتأويل هنا التفسير والبيان ومنهم: الطبري
الذي نقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف.

كذلك ورد في دعاء رسول الله
صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: "اللهم فقِّهه في الدين،
وعلمه التأويل" استعمل التأويل بمعنى التفسير والبيان، وإن كان بعض
العلماء، كالراغب الأصفهاني في مفرداته، قد اعتبر التفسير أعم من التأويل،
كما أنه نبه إلى أن التفسير أكثر ما يستعمل في بيان الألفاظ وشرحها، وأن
التأويل يكثر استعماله في بيان المعاني والجُمل.

كما أشار كذلك إلى أن التأويل
يغلب إطلاقه على استنباط المعاني من نصوص الكتاب والسنة، أما التفسير
فيتناول استنباط المعاني منها ومن غيرها.

ولعل هذه الصلة الوثقى بين
الاصطلاحين في استعمال الكتاب والسنة لهما خاصة، تبيح لنا استعارة الضوابط
التي وضعها أهل الاختصاص للتفسير كضوابط للتأويل كذلك.

إن مما لا شك فيه أنه قد وردت
في كتاب الله أمور قد استأثر الله تعالى بعلمها، كمعرفة حقائق الأسماء
والصفات، وتفاصيل الغيب ونحو ذلك. . . كما أن هناك أموراً أخرى أطلع عليها
نبيه صلى الله عليه وسلم واختصه بمعرفتها. . . ولا شك أن مثل هذه الأمور،
ليس لأحد أن يخوض فيها بتفسير أو تأويل. . بل عليه أن يلزم حدود ما ورد
فيها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهناك قسم ثالث:
وهو عبارة عن العلوم التي علمها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مما أودع
في كتابه،وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتعليمها وبيانها. وهذا القسم يشتمل
على نوعين:

الأول:

وهو ما لا يجوز الخوض فيه إلاّ بطريق السمع، كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغيره.

الثاني:

ما يؤخذ بطريق النظر والاستدلال، وهذا أيضاً لأهل الاختصاص فيه موقفان:

(أ) فقسم منه اختلفوا في جواز تأويله، كآيات الأسماء والصفات. ومذهب السلف: منع التأويل، وهو الصحيح.

(ب) وقسم اتفقوا على جوازه، وهو استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهو المسمى بـ "الفقه ".

هذا وقد وضع العلماء للتأويل والتفسير شروطاً منها:

أولاً: ألاَّ يرفع التأويل ظاهر المعنى المفهوم من اللفظ حسب القواعد اللغوية، وأعراف العرب في التخاطب بهذه الألفاظ.

ثانياً : ألاَّ يناقض نصاً قرآنياً.

ثالثاً: ألاَّ يخالف قاعدة شرعية مجمعاً عليها بين العلماء والأئمة.

رابعاً : وجوب مراعاة الغرض الذي سيق النص له من خلال سبب النزول أو الورود.

أما أنواع التأويل الباطلة والمردودة، فيمكن إدراجها ضمن الأقسام التالية:

الأول : التأويل والتفسير الصادران عن غير المؤهل لذلك ممن ليس لديه تحصيل علمي كاف في اللغة والنحو، وبقية لوازم التأويل.

الثاني : تأويل المتشابهات بدون سند صحيح.

الثالث : التأويلات التي من شأنه أن تقرر مذاهب فاسدة مخالفة لظواهر الكتاب والسنة، أو لما أجمع عليه المسلمون.

الرابع : التأويل مع القطع بأن مراد الشارع ذلك، دون دليل.

الخامس : التأويل القائم على الهوى، كتأويلات الباطنية وأمثالهم.

وهذه التأويلات المردودة كلها تندرج تحت ما سبق أن ذكرناه من التأويل المستبعد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 14:02

أهل الاجتهاد من الصحابـــــة:

ونظراً لأهمية الاجتهاد
وخطورته، وما يترتب عليه من آثار، لم يكن يمارسه من أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلاّ الأكفاء القادرون.

وحين يمارسه غيرهم فيخطئ، كان عليه الصلاة والسلام ينكر ذلك ولا يقر أحداً عليه.

* وأخرج أبو داود والدارقطني
من حديث جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجرٌ في رأسه، ثم احتلم،
فسأل أصحابه : هل تجدون رخصة لي في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت
تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
أُخبر بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم
يعلموا فإنما شفاء العيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب
- شك من راوي الحديث - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده... "
(15) فالرسول عليه الصلاة والسلام - لم يعذر المفتين هنا - من أصحابه، بل
عنَّفهم وعاب عليهم أنهم أفتوا بغير علم، واعتبرهم بمثابة القتلة لأخيهم،
وأوضح أن الواجب على من كان مثلهم في "العيِّ" - أي الجهل والتحيُّر -
السؤال لا المسارعة إلى الفتوى ولو بغير علم، والذي نبه إليه رسول الله صلى
الله عليه وسلم حول ضرورة السؤال هو ما ورد في القرآن العظيم نفسه في قوله
تعالى: ((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُون ))
[النحل:43].

* وأخرج الإمام أحمد والشيخان
وأبو داود والنسائي والطبراني عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلاً فقال: لا إله
إلا الله؛ فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقال: لا إله إلاّ اله وقتلته؟! " قلت
يا رسول الله: إنما قالها خوفاً من السلاح. قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى
تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلاّ الله يوم القيامة؟ " فما
زال يكررها حتى تمنيت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (16).

ففي الحديث الأول أنكر رسول
الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة أخذهم بعموم الأدلة الدالة على وجوب
استعمال الماء لواجده بغض النظر عن حالته، فهم لم ينتبهوا إلى قوله تعالى:
((وإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحدٌ مِنْكُمْ
مِنَ الغائطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فلمْ تجِدوا ماءً فتيمّموا صعيداً
طيِّبا ً)) [المائدة:6] ولم يسألوا وهم ليسوا من أهل النظر.

وأما حديث أسامة فيفهم منه
كأنه رضي الله عنه تأول قول الله تعالى: ((. . .فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ
إيمانُهُمْ لمَّا رأَوْا بَأْسَناَ. . . )) [غافر:85]، واعتبر الآية نافية
للنفع في الدنيا والآخرة وأنها عامة في الحالين وليست خاصة بالآخرة، كما هو
ظاهر من الآية الكريمة، ولعل ذلك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يعنفه.

تلك بعض فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم التي لم يقرهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم (17).

لقد كان الناس يستفتونه، عليه
الصلاة والسلام، في الوقائع فيفتيهم، وترفع إليه القضايا فيقضي فيها(18)،
ويرى الفعل الحسن فيستحسنه ويثني على فاعله، ويرى الفعل المغاير فينكره،
ويستعلم منه أصحابه رضوان الله عليهم ذلك، ويرويه بعضهم لبعضهم الآخر فيشيع
بين الآخرين، وقد يختلفون فيتحاورون فيما اختلفوا فيه بدافع الحرص، دون أن
يجاوزوا ذلك إلى التنازع والشقاق،وتراشق الاتهامات وتبادل الطعون لأنهم
بالرجوع إلى كتاب الله تعالى، والى رسوله صلى الله عليه وسلم يحسمون أي
خلاف دون أن تبقى أية رواسب يمكن أن تلقي ظلالاً على أخوَّتهم.

تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من الاختلاف:

كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يدرك أن بقاء هذه الأمة رهين بتآلف القلوب التي التقت على الحب في
الله، وأن حتفها في تناحر قلوبها، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يحذر من أن
يذر الخلاف قرنه فيقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " (19). وكان كرام
الصحابة رضوان الله عليهم يرون أن الخلاف لا يأتي بخير كما في قول ابن
مسعود رضي الله عنه: "الخلاف شر ".

لذلك كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يجتث بذرة الخلاف قبل ن تتنامى. . . عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما قال: هَجَّرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فسمع أصوات
رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول الله يعرف في وجهه الغضب فقال: "إنما هلك
من كان قببكم باختلافه في الكتاب "(20).

وعن النزال بن سبرة قال: سمعت
عبد الله بن مسعود قال؛ سمعت رجلاً قرأ آية سمعتُ من رسول الله صلى الله
عليه وسلم خلافها، فأخذت بيده فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
"كلاكما محسن " قال شعبة: أظنه قال: "لا تختلفوا فإن من قبلكم اختلفوا
فهلكوا " (21).

فهنا يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة ومن يأتي بعدهم عواقب الاختلاف ويحذرهم منه.

وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يُعلم الصحابة رضوان الله عليهم أدباً هاماً من آداب الاختلاف في
قراءة القرآن خاصة، فيقول في الحديث الصحيح: "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه
قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا " (22) فيندبهم عليه الصلاة والسلام
للقيام عن القرآن العظيم إذا اختلفوا في بعض أحرف القراءة، أو في المعاني
المرادة من الآيات الكريمة حتى تهدأ النفوس والقلوب والخواطر، وتنتفي دواعي
الحدة في الجدال المؤدية إلى المنازعة والشقاق، أما إذا ائتلفت القلوب،
وسيطرت الرغبة المخلصة في الفهم، فعليهم أن يواصلوا القراءة والتدبر
والتفكير في آيات لكتاب. ونرى كذلك أن القرآن الكريم كان - أحياناً - يتولى
التنبيه على "أدب الاختلاف " حين يقع بين الصحابة رضوان الله عليهم، فعن
عبد الله بن الزبير قال: "كاد الخيِّرانِ أن يهلكا - أبو بكر وعمر رضي الله
عنهما.. رفعا أصواتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم ليه ركب بني
تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس، وأشار الآخر بالقعقاع بن معبد بن
زرارة، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك،
فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله تعالى: ((يا أيُّها الذين آمنوا لا
تَرْفعُوا أصواتكم فوقَ صوتِ النّبي . . .الآية )) قال ابن الزبير: فما كان
عمر يُسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه (23).

معالم أدب الاختلاف في عصر النبوة:

نستطيع على ضوء ما سبق أن نلخص معالم "أدب الاختلاف " في هذا العصر بما يلي:

(1) كان الصحابة رضوان الله
عليه يحاولون ألا يختلفوا ما أمكن، فلم يكونوا يكثرون من المسائل
والتفريعات (24)، بل يعالجون ما يقع من النوازل في ظلال هدي الرسول صلى
الله عليه وسلم؛ ومعالجة الأمر الواقع - عادة - لا تتيح فرصة كبيرة للجدل
فضلاً عن التنازع والشقاق.

(2) إذا وقع الاختلاف رغم
محاولات تحاشية سارعوا في ردّ الأمر المختلف فيه إلى كتاب الله وإلى رسوله
صلى الله عليه وسلم وسرعان ما يرتفع الخلاف.

(3) سرعة خضوعهم والتزامهم بحكم الله ورسوله وتسليمهم التام الكامل به.

(4) تصويب رسول الله صلى الله
عليه وسلم للمختلفين في كثير من الأمور التي تحتمل التأويل، ولدى كل منهم
شعور بأن ما هب إليه أخوه يحتمل الصواب كالذي يراه لنفسه، وهذا الشعور كفيل
بالحفاظ على احترام كل من المختلفين لأخيه، والبعد عن التعصب للرأي.

(5) الالتزام بالتقوى وتجنب
الهوى، وذلك من شأنه أن يجعل الحقيقة وحدها هدف المختلفين، حيث لا يهم أيُّ
منهما أن تظهر الحقيقة على لسانه، أو على لسان أخيه.

(6) التزامهم بآداب الإسلام من انتقاء أطايب الكلم، وتجنّب الألفاظ الجارحة بين المختلفين، مع حسن استماع كل منهما للآخر.

(7) تنزههم عن المماراة ما
أمكن، وبذلهم أقصى أنواع الجهد في موضوع البحث، مما يعطي لرأي كل من
المختلفين صفة الجد والاحترام من الطرف الآخر، ويدفع المخالف لقبوله، أو
محاولة تقديم الرأي الأفضل منه.

تلك هي أبرز معالم "أدب الاختلاف " التي يمكن إيرادها.. استخلصناها من وقائع الاختلاف التي ظهرت في عصر الرسالة.

الاختلاف في عصر الصحابة وآدابه:

حاول بعض الكتاب على الساحة
الإسلامية، أن يصوروا جيل الصحابة رضوان الله عليهم بصورة جعلت العامة ترى
أن ذلك الجيل ليس متميزاً فحسب، بل هو جيل يستحيل تكراره، وفي هذا من
الإساءة للإسلام ما لا يقل عن إساءة أولئك الضالين الذين يزعمون أن استئناف
الحياة الإسلامية في ظل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعد عصر
الصحابة ضرب من المستحيل، يجب ألاّ تتسامى نحوه الأعناق، وبذلك يطفئون جذوة
الأمل في نفوس لا تزال تتطلع إلى الحياة في ظل الشريعة السمحاء.

إن الصحابة رضوان الله عليهم
أمة صنعها كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم ، وكتاب الله وسنة
رسوله صلّى الله عليه وسلم بين ظهرانينا ولا يزالان قادرين على صنع أمة
ربانية في أي زمان وفي أي مكان إذا اتخذا منهجاً وسبيلاً، وتعامل الناس
معهما كما كان الصحابة يتعاملون، سيظلان كذلك إلى يوم القيامة، وادعاء
استحالة تكرار الرعيل الأول إنما هو بمثابة نسبة العجز إلى كتاب الله وسنة
رسوله صلّى الله عليه وسلم ، وفي ذلك محاولة لإثبات أن أثرهما الفعال في
حياة الناس كان تبعاً لظروف معينة، وأن زماننا هذا قد تجاوزهما بما ابتدع
لنفسه من أنظمة حياة، وتلك مقولة تنتهي بصاحبها إلى الكفر الصراح.

إن أصحاب رسول الله صلّى الله
عليه وسلم قد اختلفوا في أمور كثيرة، وإذا كان هذا الاختلاف وقع في حياة
رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وإن كان عمره لا يمتد إلى أكثر من لقائه
عليه الصلاة والسلام، فكيف لا يختلفون بعده؟ إنهم قد اختلفوا فعلاً، ولكن
كان لاختلافهم أسباب وكانت له آداب، وكان مما اختلفوا فيه من الأمور
الخطيرة:

إن أصحاب رسول الله صلّى الله
عليه وسلم قد اختلفوا في أمور كثيرة، وإذا كان هذا الاختلاف وقع في حياة
رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وإن كان عمره لا يمتد إلى أكثر من لقائه
عليه الصلاة والسلام، فكيف لا يختلفون بعده؟ إنهم قد اختلفوا فعلاً، ولكن
كان لاختلافهم أسباب وكانت له آداب، وكان مما اختلفوا فيه من الأمور
الخطيرة:

1- اختلافهم في وفاته عليه الصلاة والسلام:

فقد كان أول اختلاف بينهم، بعد
وفاته عليه الصلاة والسلام، حول حقيقة وفاته صلّى الله عليه وسلم ، فإن
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصر على أن رسول الله لم يمت، واعتبر
القول بوفاته إرجافاً من المنافقين توعدهم عليهم، حتى جاء أبو بكر رضي الله
عنه وقرأ على الناس قوله تعالى: ((وَمَا مُحمَّدٌ إلاّ رسُولٌ قد خَلَتْ
مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلبْتُمْ على
أعْقَابِكُم، وَمَنْ يَنْقَلِبْ على عَقِبيهِ فَلَنْ يضُرَّ الله شيئاً،
وسيجْزي الله الشاكرين )) [آل عمران:144]، وقوله تعالى: ((إنَّكَ مَيِّتُ
وإنَّهُم ميِّتُون )) [الزمر:30]. فسقط السيف من يد عمر، وخر إلى الأرض،
واستيقن فراق رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، وانقطاع الوحي، وقال عن
الآيات التي تلاها أبو بكر "كأني، والله، لم أكن قرأتها قط "(25).

ويروي ابن عباس رضي الله عنهما عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال له في خلافته:

"يا ابن عباس هل تدري ما حملني
على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ قال: قلت:
لا أدري يا أمير المؤمنين أنت أعلم.

قال: فإنه - والله - إن كان
الذي حملني على ذلك إلاّ أني كنتُ أقرأ هذه الآية: ((وكذلك جعلناكُم أمَّةً
وسطاً لِتَكُونوا شُهداء على الناسِ ويَكُون الرَّسولُ عليكمُ شهيداً ))
[البقرة:143] فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سيبقى
في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه الذي حملني على أن قلت ما قلت
(26). فكأنه رضي الله عنه قد اجتهد في معنى الآيات الكريمة، وفهم أن المراد
منها: الشهادة في الدنيا، وذلك يقتضي بقاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ،
إلى آخر أيامها. "

2- اختلافهم في دفنه عليه الصلاة والسلام:

ثم اختلفوا في المكان الذي
ينبغي أن يدفن فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقال قائل: "ندفنه في
مسجده. وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر رضي الله عنه: إني
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: "ما قبض نبي إلاّ دفن حيث يقبض "
فرفع فراش رسول الله صلّى الله عليه وسلم الذي توفي عليه، فحفر له تحته
"(27).

فهذان أمران خطيران زال الخلاف فيهما بمجرد الرجوع إلى الكتاب والسنة.

3- اختلافهم في خلافة رسول الله صلّى الله عليه وسلم :

فقد اختلفوا فيمن تكون الخلافة
فيهم، أفي المهاجرين أم في الأنصار؟ أتكون لواحد أم لأكثر؟ كما وقع
الاختلاف حول الصلاحيات التي ستكون للخليفة، أهي الصلاحيات نفسها التي كانت
لرسول الله صلّى الله عليه وسلم بصفته حاكماً وإماماً للمسلمين أن تنقص
عنها وتختلف؟!

يقول ابن إسحاق: "ولما قبض
رسول الله صلّى الله عليه وسلم انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة
في سقيفة بني ساعدة واعتزل علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن
عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر، وانحاز معهم
أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل "(28) وأوشكت فتنة كبرى أن تقع، ولو وقعت
لما كان ذلك بالأمر المستغرب كثيراً، فالفراغ الذي تتركه شخصية عظمى مثل
رسول الله صلّى الله عليه وسلم في أمة كان لها النبي والقائد لا يمكن أن
يملأ بسهولة، ولا سيما أن فيهم رجالاً، مثل: عمر، كان قد وقر في أذهانهم
استحالة موته صلّى الله عليه وسلم في تلك الظروف، فكل فرد في الأمة كان
يحبه عليه الصلاة والسلام أكثر مما يحب نفسه التي بين جنبيه، وهم الذين
كانوا يبتدرون قطرات وضوئه عليه الصلاة والسلام قبل أن تسقط على الأرض، فلا
تكاد تسقط إلاّ في يد أحدهم، وما من أمة على الأرض أحبت نبيها وقائدها
محبة الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقد كان
أحدهم لا يستطيع أن يملأ عينيه من النظر إليه، من حبهم له وهيبته التي ملأت
قلوبهم وجوانحهم -رغم تواضعه الشديد- وإن وقع الصدمة بوفاته عليه الصلاة
والسلام كان حريًّا بأن يفقد الكثيرين منهم صوابهم، بل وقد فعل ولا غرو في
ذلك، فقد كان الرسول صلّى الله عليه وسلم اليد الحانية التي حملت إليهم عز
الدنيا وسعادة الآخرة، ومع ذلك فقد تعالوا على مض الحزن وألم الفراق، وتلوا
قول الله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إلاّ رسُولُ قدْ خَلتْ مِنْ قبْلِه
الرُّسُل أفإنْ مَات أوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم، ومَنْ ينقلِبْ على
عقبيه فلن يضُرّ الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين )) [آل عمران:144] ثم
توجهوا لاحتواء الأمر، وحفظ الرسالة الخالدة، والحيلولة دون أسباب الفتنة.

صحيح أنّ هناك زعامة واقعية
كانت لأبي بكر ثم لعمر رضي الله عنهما، ولم يكن من المسلمين من تنقطع
الأعناق إليه، مثل: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فأبو بكر كان وزير الرسول
صلّى الله عليه وسلم وصاحبه ورفيق هجرته ووالد زوجته الأثيرة لديه، وهو
الذي لم يكن يفارقه في أي أمر مهم. وعمر رضي الله عنه هو من هو؟ فقد كان في
إسلامه عزة للمسلمين، وفي هجرته إرغام لأنوف المشركين، وفي رأيه تأييد من
رب العالمين... وكثيراً ما ورد "…جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومعه
أبو بكر وعمر " و "ذهب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر " و
"غزا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر "... وهذا كله قد
يخفف من الكارثة التي زلزلت الأقدام والقلوب، بيد أن الإحساس بالفارغ في
مثل هذه المواقف قد يتجاوز الفضائل والمناقب، ويؤدي إلى ارتباك ليس من
السهل احتواؤه والسيطرة عليه، وهنا فإن الرجال الذين تربوا في ظلال النبوة
قد كمتهم آدابها في سائر الأحوال... حال الاتفاق وحال الاختلاف.. وفي كل
شأن من شؤون الحياة، هذه الآداب كانت كفيلة بدرء سائر الأخطار المحتملة،
والحفاظ على الرسالة، وحماية وحدة الأمة وتسيير الأمور بشكل مماثل لما كانت
تسير عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول الرواة: "أتى آتٍ
إلى أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة
بني ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن
يتفاقم أمرهم ".

جاء هذا الخبر إلى الشيخين و
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجهز ولم يدفن بعد، قال عمر: فقلت لأبي
بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى تنظر ما هم عليه. وليدع
سيدنا عمر يروي بقية ما حدث، حيث قال: … إن الأنصار خالفونا واجتمعوا
بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة فانطلقنا نؤمهم، حتى لقينا - منهم - رجلان
صالحان فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، وقالا: أين تريدون يا معشر
المهاجرين. قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. قالا: فلا عليكم ألاّ
تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قال : قلت : والله لنأتينهم،
فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا بين ظهرانينا رجل مزمل،
فقلت: من هذا الرجل ؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت ماله؟ فقالوا: وجع فلما
جلسنا نشهد خطيبهم… ثم ذكر مآثر الأنصار وفضائلهم، وما يدل على أنهم أولى
بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرهم.

وهنا لا بد من وقفة، فالأنصار
أهل البلد، وهم فيها الغالبية المطلقة - كما يقال اليوم - وهم الذين آووا
ونصروا، وتبوّؤوا الدار والإيمان وفتحوا للإسلام قلوبهم قبل بيوتهم، وليس
هناك مهاجري واحد إلاّ ولأخ له من الأنصار عليه فضل كبير، ولو كان في أمر
الخلافة نص قاطع من كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام لانتهى
الأمر بذكره والاحتكام إليه، وارتفع الخلاف، ولكن ليس هناك شيء من ذلك، فلم
يبق إلاّ التحلي بكل خصال الحكمة والحنكة، وأدب الاختلاف والحوار العقلاني
الهادئ القائم على إثارة أنبل المشاعر وأفضلها لدى كل من الطرفين، لتجاوز
العقبة، واحتواء الأزمة، والخروج منها، وذلك ما كان يقول سيدنا عمر.

ولما سكت -أي خطيب الأنصار -
أردت أن أتكلم وقد زوّرت (هيأت وحسنت ) في نفسي مقالة أعجبتني. فقال أبو
بكر: على رسلك يا عمر؛ فكرهت أن أغضبه، فتكلم، وهو كان أعلم مني وأوقر -
فوالله ما ترك كلمة أعجبتني من تزويري إلاّ قالها في بديهته، أو مثلها أو
أفضل حتى سكت، ومما قال رضي الله عنه: "أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم به
أهل" وأشاد بهم وبما قدموا لدينهم ولإخوانهم المهاجرين، وذكر من فضائلهم
ومآثرهم ما لم يذكره خطباؤهم، ثم بدأ في إخراج المدينة - وحدها - فالجزيرة
العربية اليوم - كلها - تستظل بظل الإسلام ، وإذا كان المهاجرون القاطنون
في المدينة يمكن أن يسلموا لإخوانهم قريش، وما لم تتوحد الكلمة فلن يكتب
لرسالة الإسلام تجاوز الحدود والانتشار خارج الجزيرة، إذن فمصلحة الدعوة
تقتضي أن يكون الخليفة من قريش لتستمر الرسالة، وتتحد الكلمة، وتجتمع
القلوب، ويستمر المد الإسلامي، ثم خيَّرهم بين أحد قرشيين لا يماري أحد في
فضل أي منهما: عمر وأبي عبيدة، ونزع نفسه من الأمر ".

يقول سيدنا عمر: "ولم أكره
شيئاً مما قاله غيرها - أي: غير ترشيحه لعمر وأبي عبيدة - وكان- والله أن
أقدم فتضرب عنقي لا يقرِّبني ذلك إلى إثم، أحب إلي من أن أتأمّر على قوم
فيهم أبو بكر… ".

ثم قام من الأنصار خطيب آخر
يريد أن يرجع الأمر إلى الإطار الأول الذي وضعه خطيبهم الأول فيه .. فقال:
"…منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش " قال عمر: "فكثر اللغط، وارتفعت
الأصوات حتى تخوّفت الاختلاف " (29) فقلت: "ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده
فبايعته، ثم بايعه المهاجرون،ثم بايعه الأنصار "(30). وقد كاد سعد بن عبادة
مرشح الأنصار رضي الله عنه أن يقتل في الزحام "فقد تدافع الناس لمبايعة
أبي بكر حتى كادوا يقتلون سعداً دون أن ينتبهوا له "(31).

وهكذا استطاع الصحابة رضوان
الله عليهم حشم هذا الخلاف دون أن تبقى في النفوس رواسب الإحن، وتوحدت كلمة
المسلمين للمضي برسالة الحق إلى حيث شاء الله لها أن تنتشر.

4- اختلافهم حول قتال مانعي الزكاة:

كان هذا الأمر رابع الأمور
الخطيرة التي اختلف فيها الصحابة، واستطاعوا التغلب عليها بما تحلّوا به من
صدق النية إلى جانب أدب الاختلاف؛ فبعد أن بويع أبو بكر رضي الله عنه
بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت بعض القبائل حديثة العهد
بالإسلام عنه، وتابع بعض من كان ادّعى النبوة، مثل: مسيلمة الكذاب وغيره،
كما امتنعت بعض القبائل عن أداء الصلاة والزكاة، وامتنعت بعض القبائل عن
أداء الزكاة فقط، وكان سبب امتناع بعضهم عن أداء الزكاة أنفة واستكباراً أن
يدفعوا لأبي بكر رضي الله عنه ، وسوّل الشيطان لبعضهم بتأويل فاسد، حيث
زعموا أنها، في أصل الشريعة، لا تدفع لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
لأنه هو المخاطب بأخذها، ومجازاتهم عليها بالتطهير والتزكية، والدعاء لهم
في قول الله تعالى: ((خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزّكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنْ صَلاَتَكَ سَكَنَّ لَهُمْ
واللهُ سمِيعُ عَلِيمٌ )) (التوبة: 103) ونسي المانعون للزكاة أو تناسوا أن
هذا الخطاب لم يكن مقصوراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل يتناول
من يلي الأمر بعده - عليه الصلاة والسلام - لأنه خطاب له صلى الله عليه
وسلم بصفته حاكماً وإماماً للمسلمين؛ فإن أخذ الزكاة من أهلها وتسليمها
لمستحقيها من الأمور الداخلة ضمن تنظيم المجتمع وإدارته كإقامة الحدود
ونحوها، تنتقل مسؤوليتها إلى القائمين بأمر المسلين بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم نيابة عن الأمة.

كما أن كل مسلم كان يبايع رسول
الله صلى الله عليه وسلم فيما يبايعه على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مما
لا يترك مسوّغاً للتفريق بينهما، وحرصاً من الخليفة الأول على استمرار
مسيرة الإسلام يقرر أبو بكر الصديق رضي الله عنه قتالهم لحملهم على التوبة
وأداء الزكاة، والعودة إلى حظيرة الإسلام ، والالتزام بكل ما بايعوا عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم (32)، وإزاء الموقف الذي اتخذه الخليفة الأول
يقع الخلاف بينه وبين عمر رضي الله عنهما الذي تراءى له للوهلة الأولى عدم
جواز مقاتلة مانعي الزكاة. يقول أبو هريرة رضي الله عنه : "لما توفي رسول
الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب،
فقال عمر: فكيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله
ونفسه إلاّ بحقها وحسابه على الله تعالى"؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من
فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً
كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر:
فوالله ما هو إلاّ أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه للقتال فعرفت
أنه الحق " (33).

وقال ابن زيد: "افترضت الصلاة
والزكاة ـ جميعاً ـ لم يفرق بينهما وقرأ: ((فإنْ تابوا وَأَقامُوا الصلاة
وآتَوُا الزكاة فإِخْوانُكم في الدّين )) [التوبة:11]. وأبى أن يقبل الصلاة
إلاّ بالزكاة، وقال : رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه ـ يريد بذلك إصراره
على مقاتلة من فرق بين الصلاة والزكاة ـ " (34). وكان سبب الخلاف بين أبي
بكر وعمر رضي الله عنهما أن سيدنا عمر ومن معه تمسكوا بظاهر لفظ الحديث،
واعتبروا مجرد دخول الإنسان الإسلام ـ بإعلان الشهادتين ـ عاصماً لدمه
وماله ومحرّماً لقتاله. أما الصديق رضي الله عنه فقد تمسك بقوله صلى الله
عليه وسلم "إلاّ بحقها " واعتبر الزكاة حق المال الذي تفقد بالامتناع عن
أدائه عصمة النفس والمال، كما فهم من اقتران الصلاة والزكاة في معظم آي
الكتاب، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنهما مثلان لا فرق بينهما.

وما داموا متفقين على أن
الامتناع عن الصلاة دليل ارتداد واتباع لمدعي النبوة، فإن الامتناع عن
الزكاة ينبغي أن يعتبر كدليل ارتداد يقاتل مرتكبه، وبذلك استطاع الصدّيق
رضي الله عنه أن يقنع بقية الصحابة بصواب اجتهاده في وجوب قتال مانعي
الزكاة (35). واعتبارهم مرتدين ما لم يتوبوا، ويقيموا الصلاة ويؤتوا
الزكاة... وبذلك ارتفع الخلاف في هذه المسألة الشائكة، واتفقت الكلمة على
قتال مانعي الزكاة، كما اتفقت على قتال المرتدين ردة كاملة، وحفظ الإسلام
من محاولات العبث والاتيان عليه ركناً بعد أن أخفقوا في الإتيان عليه
كاملاً، ولو لا هذا الموقف من الصديق ثم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم لما قامت للإسلام قائمة ولا نحصر في المدينة ومكة وأرز إليهما، وسادة
الرّدة والفتنة سائر أرجاء الجزيرة(36).

5- اختلافهم في بعض المسائل الفقهية:

إذا تركنا الأمور الخطيرة التي
احتويت، وبحثنا في غيرها نجد ما لا ينقضي منه العجب في أدب الاختلاف
وتوقير العلماء بعضهم بعضاً، فمما اختلف فيه الشيخان ـ أبو بكر وعمر رضي
الله عنهما ـ غير ما ذكرنا.. سبي أهل الرِّدة، فقد كان أبو بكر يرى سبي
نساء المرتدين على عكس ما يراه عمر الذي نقض ـ في خلافته ـ حكم أبي بكر في
هذه المسألة، وردهن إلى أهليهن حرائر إلاّ من ولدت لسيدها منهن، ومن جملتهن
كانت خولة بنت جعفر الحنفية أم محمد بن علي رضي الله عنهما.

كما اختلفا في قسمة الأراضي المفتوحة: فكان أبو بكر يرى قسمتها وكان عمر يرى وقفها ولم يقسمها.

وكذلك اختلفا في المفاضلة في
العطاء، فكان أبو بكر يرى التسوية في الأعطيات حين كان يرى عمر المفاضلة
وقد فاضل بين المسلمين في أعطياتهم.

وعمر لم يستخلف على حين
استخلفه أبو بكر، كما كان بينهما اختلاف في كثير من مسائل الفقه(37)، ولكن
الخلاف ما زاد كلاً منهما في أخيه إلاّحباً، فأبو بكر حين استخلف عمر قال
له بعض المسلمين: "ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد
ترى من غلظته؟ قال: أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك " (38).

وحين قال أحدهم لعمر رضي الله عنه: "أنت خير من أبي بكر. أجهش بالبكاء وقال: والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر "(39).

تلك نماذج من الاختلافات بين
الشيخين، اختلفت الآراء وما اختلفت القلوب، لأن نياطها شدَّت بأسباب السماء
فما عاد لتراب الأرض عليها من سلطان.

بين عمــر وعـلــي:

وقد كان بين عمر وعلي رضي الله
عنهما بعض الاختلافات، ولكن في نطاق أدب رفيع. فقد أرسل عمر رضي الله عنه
مرة إلى امرأة مغيبة (زوجها غائب ) كان يُدخلَ عليها فأنكر ذلك، فأرسل
إليها، فقيل لها أجيبي عمر. فقالت: يا ويلاه ما لها ولعمر؟ فبينما هي في
الطريق (إليه ) فزعت فضربها الطلق، فدخلت داراً فألقت ولدها، فصاح الصبي
صيحتين ثم مات. فاستشار عمر صحب النبي صلى الله عليه وسلم فأشار عليه
بعضهم: أنه ليس عليك شيء، إنما أنت والٍ مؤدب، وصمت علي رضي الله عنه ،
فأقبل عليه عمر وقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم،
وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديته عليك، فإنك أنت
أفزعتها، وألقت ولدها بسببك؛ فأمر عمر أن يقسم عقله (دية الصبي ) على
قومه(40). وهكذا نزل عمر على رأي علي رضي الله عنهما ولم يجد غضاضة في
العمل باجتهاده وهو أمير المؤمنين، وقد كان في رأي غيره له منجاة.

بين عمر وعبد الله بن مسعود:

عبد الله بن مسعود من أقرأ
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكتاب الله، ومن أعلمهم بسنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى كان كثير من الصحابة يعدونه من أهل بيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم لكثرة ملازمته له، قال أبو موسى الأشعري: "كنا حيناً
وما نرى ابن مسعود وأمّه إلاّ من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة
دخولهم ولزومهم له "(41). وقال أبو مسعود البدري مشيراً إلى عبد الله بن
مسعود، وقد رآه مقبلاً: "ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك بعده
أحداً أعلم بما أنزل الله تعالى من هذا القادم. فقال أبو موسى: لقد كان
يشهد إذا غبنا، ويؤذن له إذا حجبنا "(42).

وعمر رضي الله عنه معروف من هو
في فقهه وجلالة قدره، وقد كان ابن مسعود أحد رجال عمر رضي الله عنهما في
بعض الأعمال، وقد وافق عبد الله، عمر رضي الله عنهما في كثير من اجتهاداته،
حتى اعتبره المؤرخون للتشريع الإسلامي أكثر الصحابة تأثراً بعمر، وكثيراً
ما كانا يتوافقان في اجتهاداتهما، وطرائقهما في الاستدلال، وربما رجع عبد
الله إلى مذهب عمر في بعض المسائل الفقهية كما في مسألة مقاسمة الجد الإخوة
مرة إلى الثلث، ومرة إلى السدس (43).

ولكنهما اختلفا في مسائل كثيرة
أيضاً، ومن مسائل الخلاف بينهما: أن ابن مسعود كان يطبق يديه في للصلاة،
وينهى عن وضعهما على الركب، وعمر كان يفعل ذلك وينهى عن التطبيق.

وكان ابن مسعود يرى في قول الرجل لامرأته: "أنت عَلَيَّ حرام " أنه يمين، وعمر يقول: هي طلقة واحدة.

وكان ابن مسعود يقول في رجل
زنى بامرأة ثم تزوجها: لا يزالان زانيين ما اجتمعا، وعمر لا يرى ذلك،
ويعتبر أوله سفاحاً وآخره نكاحاً (44).

ولقد ذكر ابن القيم في "إعلام
الموقعين " أن المسائل الفقهية التي خالف فيها ابن مسعود عمر رضي الله
عنهما بلغت مائة مسألة وذكر أربعاً منها(45). ومع ذلك فإن اختلافهما هذا ما
نقص من حب أحدهما لصاحبه، وما أضعف من تقدير ومودة أي منهما للآخر، فهذا
ابن مسعود يأتيه اثنان: أحدهما قرأ على عمر وآخر قرأ على صحابي آخر، فيقول
الذي قرأ على عمر: اقرأنيها عمر بن الخطاب، فيجهش ابن مسعود بالبكاء حتى
يبل الحصى بدموعه، ويقول: اقرأ كما أقرأك عمر فإنه كان للإسلام حصناً
حصيناً، يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن (46).

ويقبل ابن مسعود يوماً وعمر
جالس فلما رآه مقبلاً قال: "كنيّف مُلئ فقهاً أوعلما ً" وفي رواية: "كنيّف
ملئ علماً آثرت به أهل القادسية "(47). هكذا كانت نظرة عمر لابن مسعود رضي
الله عنهما، لم يزده الاختلاف بينهما في تلكم المسائل إلاّ محبة وتقديراً
له، ولنا أن نستنبط من تلك الأحداث آداباً تكون نبراساً في معالجة القضايا
الخلافية.

بين ابن عبَّاس وزيد بن ثابت:

وحتى نتلمس المزيد من أدب
الاختلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم نعرض القضايا الخلافية، فنقول: كان
ابن عباس رضي الله عنهما يذهب كالصدِّيق وكثير من الصحابة إلى أن الجد يسقط
جميع الإخوة والأخوات في المواريث كالأب، وكان زيد بن ثابت كعلي وابن
مسعود وفريق آخر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يذهب إلى توريث الإخوة
مع الجد ولا يحجبهم به، فقال ابن عباس يوماً: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن
الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً!: وقال: لوددت أني وهؤلاء الذين
يخالفونني في الفريضة نجتمع، فنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة
الله على الكاذبين. . . (48).

تلك أمثلة من اختلافات الصحابة
الفقهية، نوردها لا لنعمق الهوة ونؤصل الاختلاف بل لتنحصر ضالتنا في
استقراء آداب نلتقي عليها في حل خلافاتنا الفقهية حتى يغدو أسلوب حياة لنا
في تعاملنا مع الناس.

إن ابن عباس رضي الله عنهما
الذي بلغت ثقته بصحة اجتهاده وخطأ اجتهاد زيد هذا الحد الذي رأيناه، رأى
زيد بن ثابت يوماً يركب دابته فأخذ بركابه يقود به، فقال زيد: تَنَحَّ يا
ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل
بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج ابن عباس يده، فقبلها زيد
وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا(49). وحين توفي زيد قال ابن عباس:
"هكذا يذهب العلم "(50) وفي رواية البيهقي في سننه الكبرى "هكذا ذهاب
العلم، لقد دفن اليوم علم كثير "(51). وكان عمر رضي الله عنه يدعو ابن عباس
للمعضلات من المسائل مع شيوخ المهاجرين والأنصار من البدريين وغيرهم (52).

والحق لو أننا حاولنا تتبع
القضايا الخلافية بين الصحابة في مسائل الفقه، وسلوكهم في عرض مذاهبهم
لسودنا في ذلك كتباً، وهذا ليس مبتغانا هنا إنما نورد نماذج - فقط - نستشف
منها الآداب التي تربى عليها جيل الصحابة رضوان الله عليهم، لتدل على مدى
التزامهم بأدب الاختلاف في الظروف كلها.

وحين جرى الكتاب بما سبق في
علم الله، ووقعت الفتن الكبرى، وحدث ما حدث بين الصحابة ـ لأمور الله وحده
العالم بكل أسبابها، والمحيط بسائر عواملها ـ حين حدث ذلك ووقع السيف بينهم
ما نسي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضائل أهل الفضل منهم، ولا
أنستهم الأحداث الجسام والفتن العظام مناقب أهل المناقب منهم، فهذا أمير
المؤمنين علي رضي الله عنه يقول عنه مروان بن الحكم: "ما رأيت أحداً أكرم
غلبة من علي ما هو إلاّ ولينا يوم الجمل فنادى مناديه. . . ولا يذفف ـ أي
يجهز ـ على جريح " (53).

ويدخل عمران بن طلحة على عليّ
رضي الله عنه، بعدما فرغ من معركة الجمل، فيرحب به ويدنيه ويقول: "إني
لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله عز وجل فيهم: ((وَنَزَعْنَا
مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إخْواناً على سُرُرٍ مُتَقَابِلِين ))
[الحجر:47]. ثم أخذ يسأله عن أهل بيت طلحة فرداً فرداً وعن غلمانه وعن
أمهات أولاده... يا ابن أخي كيف فلانة؟ كيف فلانة؟ ويستغرب بعض الحاضرين
ممن لم يحظوا بشرف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يدركوا ماذا
يعني أن يكون الإنسان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول رجلان
جالسان على ناحية البساط: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس وتكونون
إخواناً في الجنة؟ فيغضب الإمام علي، ويقول للقائلين: "قوما أبْعَدَ أرضِ
الله وأسحقها فمن هو إذاً إن لم أكن أنا وطلحة، فمن إذن؟! " (54).

ويسأل بعضهم أمير المؤمنين علياً عن "أهل الجمل " أمشركون هم؟ فيقول رضي الله عنه: من الشرك فرُّوا .

قال: أمنافقون هم؟ فيقول رضي الله عنه: إن المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلاً .

فيقال: فمن هم إذن؟ فيقول كرَّم الله وجهه: إخواننا بغوا علينا (55).

وينال أحدهم من أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها بمحضر من عمار بن ياسر الذي كان على غير موقفها يوم
الجمل ـ كما هو معروف ـ فيقول رضي الله عنه: "اسكت مقبوحاً منبوحاً، أتؤذي
محبوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشهد أنها زوجة رسول الله صلى الله
عليه وسلم في الجنة؟ لقد سارت أمنا عائشة رضي الله عنها مسيرها وإنا لنعلم
أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا
بها ليعلم إياه نطيع أو إياها " (56).

أي أدب بعد هذا ينتظر صدوره من
رجال قضت مشيئة الله أن تتلاقى رماحهم، لكن النور الذي استقوه من مشكاة
النبوة ظل ينير قلوباً عجزت الإحن أن تغشاها، ففاضت بمثل هذا الأدب في
الاختلاف، وحمداً لله فما كان الله جل شأنه ليجمع في رجال عصور الخير
الاختلاف ومجانفة الأدب.

وصف ضرار لـ "علي " وبكاء معاوية.

أخرج أبو نعيم عن أبي صالح
قال: كدخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي علياً، فقال:
أو لا تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: أما إذ لا بد، فإنه
والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من
جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل
وظلمته، كان والله غزير العبرة (الدمعة)، طويل الفكرة، يقلب كفيه ويخاطب
نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب (ما غلظ وخشن من الطعام)
كان ـ والله ـ كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع
تقربه إلينا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ
المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس
الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ـ وقد أرخى الليل
سدوله، وغارت نجومه ـ يميل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ (يضطرب
ويتقلب) تململ السليم (الملسوع) ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو
يقول: يا ربنا يا ربنا، يتضرع إليه، يقول للدنيا: ألي تعرضتِ؟ ألي تشوفتِ؟
(اطلعت) هيهات، هيهات، غرِّي غيري، قد بتتُّك ثلاثاً (طلقتك طلاقاً باتاً)
فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير، آه آه، من قلة الزاد وبعد السفر
ووحشة الطريق. . .

فوكفت دموع معاوية على لحيته
ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال معاوية: كذا
كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وَجْدُكَ (حزنك) عليه يا ضرار؟ قال : وَجْدُ
من ذُبحَ واحدها في حِجرها، لا ترقأ (تسكن وتنقطع) دمعتها، ولا يسكن حزنها.
ثم قام فخرج (57).

سمات أدب الاختلاف في عهد الخلافة الراشدة:

من خلال استعراضنا لقضايا
الاختلاف نلحظ أن الهوى لم يكن مطيَّة أحد الصحابة رضوان الله عليهم
أجمعين، وأن الخلافات التي أفرزت تلك الآداب لم يكن الدافع إليها غير تحري
الحق، وهذا غيض من فيض من معالم أدب الاختلاف بين الصحابة بعد عهد الرسالة
وانقطاع الوحي:

1- كانوا يتحاشون الاختلاف، وهم يجدون عنه مندوحة، فهم يحرصون الحرص كله على عدمه.

2- وحين يكون للخلاف أسباب
تبرره من مثل وصول سنة في الأمر لأحدهم لم تصل للآخر، أو اختلافهم في فهم
النص، أو في لفظة كانوا وقافين عند الحدود يسارعون للاستجابة للحق،
والاعتراف بالخطأ دون أي شعور بالغضاضة، كما كانوا شديدي الاحترام لأهل
العلم والفضل والفقه منهم، لا يجاوز أحد منهم قدر نفسه، ولا يغمط حق أخيه،
وكل منهم يرى أن الرأي مشترك، وأن الحق يمكن أن يكون فيما ذهب إليه، وهذا
هو الراجح عنده، ويمكن أن يكون الحق فيما ذهب إليه أخوه، وذلك هو المرجوح،
ولا مانع يمنع أن يكون ما ظنه راجحاً هو المرجوح ، ولا شيء يمنع أن يكون ما
ظنه مرجوحاً هو الراجح.

3- كانت أخوة الإسلام بينهم
أصلاً من أصول الإسلام الهامة التي لا قيام للإسلام دونها، وهي فوق الخلاف
أو الوفاق في المسائل الاجتهادية.

4- لم تكن المسائل الاعتقادية مما يجري فيه الخلاف، فالخلافات لم تكن تتجاوز مسائل الفروع.

5- كان الصحابة رضوان الله
عليهم قبل خلافة عثمان رضي الله عنه منحصرين في المدينة، وقليل منهم في
مكة، لا يغادرون إلاّ لجهاد ونحوه، ثم يعودون فيسهل اجتماعهم، ويتحقق
إجماعهم في كثير من الأمور.

6- كان القراء والفقهاء بارزين
ظاهرين كالقيادات السياسية، وكل له مكانته المعروفة التي لا ينازعه فيها
منازع، كما أن لكل شهرته في الجانب الفقهي الذي يتقنه، مع وضوح طرائقهم
ومناهجهم في الاستنباط وعليها بينهم ما يشبه الاتفاق الضمني.

7- كانت نظرتهم إلى استدراكات بعضهم على بعض أنها معونة يقدمها المستدرك منهم لأخيه وليست عيباً أو نقداً.

الخلاف في عهد التابعين وآدابه:

كان من سياسات أمير المؤمنين
عمر رضي الله عنه ألاَّ يسمح للصحابة من المهاجرين والأنصار بالإقامة خارج
المدينة، فهم في غير المدينة ـ دائماً ـ مسافرون يذهبون لغزو أو تعليم أو
ولاية أو قضاء أو غير ذلك من المهام، وتبقى المدينة المستقر والمقام لهم
بعد ذلك، فهي حاضرة الدولة وقاعدة الخلافة، وهم حملة رسالة الإسلام و رعيله
الأول فيجب أن يكونوا قريبين من الخليفة، أعواناً له على أعبائه، مشاركين
إياه في شؤون الأمة كلها.

فلما ولي عثمان رضي الله عنه
لم ير بأساً في أن يسمح لكل من أراد من الصحابة مغادرة المدينة أو يستوطن
حيث يشاء من ديار الإسلام، فتفرق فقهاء الصحابة وقراؤهم في الأمصار التي
فتحت، والبلدان التي مصرت، فاستوطن المصرين (البصرة والكوفة ) ما يزيد عن
ثلاثمائة من الصحابة، وأقام في مصر والشام عدد منهم.

ولقد نقل أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم بعد أن رجع من حنين ترك في المدينة اثني عشر ألفاً من
الصحابة، بقي منهم فيها حتى وفاته عشرة آلاف، وتفرق ألفان منهم في
الأمصار(58).

وقد حمل علم وفقه الفقهاء
والقراء من الصحابة بعدهم من تلقى عنهم من التابعين، أمثال: سعيد بن المسيب
(59) الذي يعتبر راوية عمر وحامل فقهه في المدينة، وعطاء بن أبي رباح في
مكة، وطاووس في اليمن، ويحيى بن أبي كثير في اليمامة، والحسن في البصرة،
ومكحول في الشام، وعطاء في خراسان، وعلقمة في الكوفة وغيرهم. . . وهؤلاء
كانوا كثيراً ما يمارسون الفتوى والاجتهاد بمشهد من أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم الذين تلقوا العلم والفقه عنهم، وتربوا على أيديهم، وتأدبوا
بآدابهم، وتأثروا بمناهجهم في الاستنباط، فما خرجوا عن آداب الصحابة في
الاختلاف عندما اختلفوا، ولا جاوزوا تلك السيرة، وهؤلاء هم فقهاء الجمهور
الذين تأثرت بهم جماهير الأمة، وعنهم تلقوا الفقه، ولعل مما يوضح ذلك الأدب
هاتان المناظرتان في الدية.

أخرج عبد الرزاق (60) من طريق
الشعبي قال: جاء رجل إلى شريح، فسأله عن دية الأصابع، فقال: في كل أصبع
عشرة إبل. فقال الرجل: سبحان الله . . . هذه وهذه سواء (مشيراً إلى الإبهام
والخنصر ) فقال شريح: ويحك، إن السنة منعت القياس، اتبع ولا تبتدع.

وأخرج مالك في الموطأ عن ربيعة
قال: سألت سعيد بن المسيب. كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة من الإبل. قلت:
ففي أصبعين؟ قال عشرون. قلت ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون. قلت ففي أربع؟ قال
عشرون. قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها (أي: ديتها ) فقال
سعيد: أعراقي أنت؟ فقال ربيعة: بل عالم متثبت. أو جاهل متعلم. قال سعيد: هي
السنة يا ابن أخي (61).

وينتهي الأمر عند هذا الحد دون
أن يحتد طرف ويتهم الآخر بالجهل، أو يزعم لنفسه إصابة الحق وما يراه غيره
الباطل، فمذهب سعيد والحجازيين أن دية المرأة كدية الرجل حتى تبلغ الثلث من
ديته، فما زاد عن الثلث تكون فيه ديتها نصف دية الرجل، ذلك لحديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده (عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها )
(62). ومذهب العراقيين أن ديتها نصف دية الرجل ابتداءً.

وناظر الشعبي (عامر بن شراحيل
الكوفي ) رجلاً في القياس، فقال له: أرأيت لو قتل الأحنف بن قيس وقتل معه
طفل صغير أكانت ديتهما واحدة أم يفضل الأحنف لعقله وحلمه؟ قال الرجل: بل
سواء، قال: فليس القياس بشيء.

والتقى الأوزاعي بأبي حنيفة في
مكة، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه؟
فقال أبو حنيفة: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء. فقال
الأوزاعي: كيف وقد حدّثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه.

فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد عن
إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان لا يرفع يديه إلاّ عند افتتاح الصلاة ولا يعود لشيء من ذلك.

فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم، عن أبيه وتقول: حدّثني حماد عن إبراهيم؟

فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم، عن أبيه وتقول: حدّثني حماد عن إبراهيم؟

فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه
من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر، وإن كان
لابن عمر فضل صحبة فالأسود له فضل كثير، وعبد الله هو عبد الله، فسكت
الأوزاعي (63).

ونقل عن أبي حنيفة أنه قال:
"هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحداً عليه ولا نقول: يجب على أحد قبوله
بكراهية فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به "(64).

فالجميع متبعون، فحين تصح
السنة لا يخالفها أحد وإذا حدث فإنه اختلاف في فهمها، يسلم كل للآخر ما
يفهمه، ما دام اللفظ يحتمله، ولا شيء من الأدلة الصحيحة عند الفريقين
يعارضه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 14:03

المذاهـب الفقهيـة:
المذاهب
الفقهية التي ظهرت بعد عصر الصحابة وكبار التابعين يعدها بعضهم ثلاثة عشر
مذهباً، وينسب جميع أصحابها إلى مذهب "أهل السنّة " الذي كان وبقي مذهب
جماهير المسلمين وعامتهم، ولكن لم ينل حظ التدوين سرى فقه ثمانية أو تسعة
من هؤلاء الأئمة، وقد تباين ما دوِّن من فقههم فحظي بعضهم بتدين كل فقهه،
على حين اقتصر على بعضه بالنسبة للآخرين، ومما دوِّن لهؤلاء وهؤلاء عرفت
أصول مذاهبهم ومناهجهم الفقهية وهؤلاء هم:
أولاً: الإمام أبو سعيد الحسن بن يسار البصري توفي سنة (110هـ ).
ثانياً: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي توفي سنة (150هـ ).
ثالثاً: الإمام الأوزاعي أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد توفي سنة (157هـ ).
رابعاً: الإمام سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري توفي سنة (160هـ ).
خامسا: الإمام الليث بن سعد توفي سنة (175هـ ).
سادساً: الإمام مالك بن أنس الأصبحي توفي سنة (179هـ ).
سابعاً: الإمام سفيان بن عينة توفي سنة (198هـ ).
ثامناً: الإمام محمد بن إدريس الشافعي توفي سنة (204هـ ).
تاسعاً: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل توفي سنة (241هـ ).
وهناك الإمام داود بن على الأصبهاني البغدادي المشهور بالظاهري نسبة إلى الأخذ بظاهر ألفاظ الكتاب والسنة توفي سنة (270هـ ).
وغير هؤلاء كثير أمثال: إسحاق بن راهويه المتوفى سنة (238هـ )، وأبي ثور
إبراهيم بن خالد الكلبي المتفى سنة(240هـ ). وهناك آخرون لم تنتشر مذاهبهم،
ولم يكثر أتباعهم، أو اعتبروا مقلّدين لأصحاب المذاهب المشهورة.
أما الذين
تأصلت مذاهبهم وبقيت إلى يومنا هذا، ولا يزال لها الكثير من المقلدين في
ديار الإسلام كلها، ولا يزال فقههم وأصوله مدار التفقه والفتوى - عند
الجمهور- أولئك هم الأئمة الربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.

مناهج الأئمـة المشهورين:

يعتبر
الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، فقهاء حديث وأثر، فهم الذين تلقوا فقه
أهل المدينة، وحملوا علومهم، أما الإمام أبو حنيفة فهو وارث فقه "أهل
الرأي " ومقدّم مدرستهم في عصره.

إن
الاختلاف الذي كان بين مدرسة "سعيد بن المسيب" التي قامت على فقه الصحابة
وآثارهم، وسار على نهجها المالكية والشافعية والحنابلة وبين مدرسة "إبراهيم
النخعي " التي تعتمد الرأي إن غاب الأثر، هذا الاختلاف كان طبيعياً أن
ينتقل إلى كل من أخذ بمنهج إحدى المدرستين، ولا ينكر أحد أن الخلاف قد خفت
حدته كثيراً في هذا الطور، ذلك أنه بعد انتقال الخلافة إلى بني العباس، نقل
العباسيون بعض كبار علماء الحجاز إلى العراق ليشر السنة هناك، منهم: ربيعة
بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد (85) وهشام بن عروة(86) ومحمد بن
إسحاق(87) وغيرهم، كما أن بعض العراقيين رحلوا إلى المدينة وتلقوا عن
علمائها، كأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم(88) ومحمد بن الحسن اللذين (89) أخذا
عن مالك(90) كما انتقل كثير من آراء العراقيين وأفكارهم إلى الحجاز كانتقال
أفكار الحجازيين إلى العراق، ومع ذلك فقد نجد الأئمة الثلاثة مالكاً
والشافعي وأحمد يشكلون منهجاً متقارباً فيما بينهم وإن اختلفوا في بعض
مناهج الاستنباط وطرائقه، على حين تميز الإمام أبو حنيفة عنهم في منهجه.
1- منهج الإمـام أبى حنيفـة:
بقي
الإمام أبو حنيفة رمزاً لمنهج مختلف عن مناهج الأئمة الثلاثة ويشكل ظاهر،
فقواعد مذهبه كما بينها هو تتلخص بقوله: "إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته،
فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار الصحاح
عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله وسنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم
إلى قول غيرهم. فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن المسيب (وعدّد
رجالاً)، فلي أن أجتهد كما اجتهدوا ".

هذه هي
الأصول الكبرى لمذهب أبي حنيفة، وهناك أصول فرعية أو ثانوية مفرعة على هذه
الأصول أو راجعة إليها، وهي التي يبدو فيها الخلاف ويظهر، كقولهم: "قطعية
دلالة اللفظ العام كالخاص "(91) و"مذهب الصحابي على خلاف العموم مخصص له
"(92)، و"كثرة الرواة لا تفيد الرجحان " و"عدم اعتبار مفهوم الشرط والصفة
"(93) و"عدم قبول خبلا الواحد فيما تعم به البلوى "(94) و"مقتضى الأمر
الوجوب قطعاً ما لم يرد صارف " و"إذا خالف الراوي القفيه روايته بأن عمل
على خلافها: فالعمل بما رأى لا بما روى " و "تقديم القياس الجلي على خبر
الواحد المعارض له " و"الأخذ بالاستحسان(95) وترك القياس عندما تظهر إلى
ذلك حاجة " ولذلك نقلوا عن الإمام أبي حنيفة قوله: "علمنا هذا رأي وهو أحسن
ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه ".

2- منهج الإمـام مالـك:

أما
الإمام مالك رحمه الله فذو منهج مختلف، فهو يقول: "أفكلّما جاءنا رجل تركنا
ما يزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله "(96) وقد مربنا أن
مذهبه هو مذهب الحجازيين أصحاب مدرسة الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله ،
وتتلخص قواعد مذهب مالك بما يلي:

· الأخذ بنص الكتاب العزيز.

· ثم بظاهره وهو العموم.

· ثم بدليله وهو مفهوم المخالفة.

· ثم بمفهومه (ويريد مفهوم الموافقة ).

· ثم تنبيهه، وهو التنبيه على العلة كقوله تعالى: ((فّإنَّهُ رِجْس أَوْ فِسْقاً )).

وهذه أصول خمسة ومن السنة مثلها فتكون عشرة.

· ثم الإجمـاع.

· ثم القياس.

· ثم عمل أهل المدينة.

· ثم الاستحسان.

· ثم الحكم بسد الذرائع.

· ثم المصالح المرسلة(97).

· ثم قول الصحابي (إن صح سنده وكان من الأعلام ).

· ثم مراعاة الخلاف (إذا قوي دليل المخالف ).

· ثم الاستصحاب.

· ثم شرع من قبلنا.

4- منهج الإمـام الشافعي:

وأما
قواعد وأصول مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله، فهي ما أجمله في رسالته
الأصولية "الرسالة " التي تعتبر أول كتاب أصولي جامع أُلِّف في الإسلام.

قال رحمه
الله: "الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح الإسناد به فهو المنتهى، والإجماع أكبر
من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها
ظاهره أولاها به. وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إستاداً أولاها، وليس
المنقطع بشيء ما عدا منقطع لتن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال
للأصل لِمَ وكيف؟ وإنما يقال للفرع لِمَ؟ فإذا صح قياسه على الأصل صح وقامت
به الحجة "(98).

فالإمام
الشافعي - إذن - يرى أن القرآن والسنة سواء في التشريع، فلا يشترط في
الحديث شرطاً غير الصحة والاتصال لأنه أصل، والأصل لا يقال له: لِمَ وكيف؟
فلا يشترط شهرة الحديث(99) إذا ورد فيما تعم به البلوى - كما اشترط ذلك
الإمام أبو حنيفة - ولم يشترط عدم مخالفة الحديث لعمل أهل المدينة - كما
اشترط ذلك مالك - ولكنه لم يقبل من المراسيل(100) إلا مراسيل سعيد بن
المسيب، لأن لها طرقاً متصلة عنده، وقد خالف في هذا مالكاً والثوري
ومعاصريه - من أهل الحديث - الذين كانوا يحتجون بها(101) وأنكر الاحتجاج
بـ"الاستحسان " مخالفاً في ذلك المالكيَّة والحنفيَّة معاً، وكتب في رد
الاستحسان كتابه "إبطال الاستحسان " وقال قولته المشهورة: "من استحسن فقد
شرع " كمارد "المصالح الرسلة " وأنكر حجيتها، وأنكِر الاحتجاج بقياس لا
يقوم على علّة منضبطة ظاهرة، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، كما أنكر
على الحنفية تركهم العمل بكثير من السنن لعدم توفر ما وضعوه فيها من الشروط
كالشهرة ونحوها، كما أنه لم يقتصر - كمالك - على الأخذ بأحاديث الحجازيين.

هذه هي أهم وأبرز أصول مذهب الإمام الشافعي إجمالاً، وفيها من المخالفة لأصول الحنفية والمالكيّة ما لا يخفى.

4- منهج الإمـام أحمد بن حنبـل:

وأما الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فقواعد مذهبه شديدة القرب من قواعد مذهب الإمام الشافعي -التي تقدم ذكرها - فهو يأخذ:

أولاً:
بالنصوص من القرآن والسنة، فإذا وجدها لم يلتفت إلى سواها، ولا يقدم على
الحديث الصحيح المرفوع شيئاً من "عمل أهل المدينة أو الرأي أو القياس، أو
قول الصحابي، أو الإجماع القائم على عدم العلم بالمخالف ".

ثانياً:
فإن لم يجد في المسألة نصاً انتقل إلى فتوى الصحابة، فإذا وجد قولاً لصحابي
لا يعلم له مخالفاً من الصحابة لم يقده إلى غيره، ولم يقدم عليه عملاً ولا
رأياً ولا قياساً.

ثالثاً:
فإذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن
أقوالهم، فإن لم يتضح له الأقرب إلى الكتاب أو السنة حكى الخلاف ولم يحزم
بقول منها.

رابعاً: يأخذ بالحديث المرسل والضعيف إذا لم يجد أثراً يدفعه أو قول صحابي أو إجماعاً يخالفه، ويقدمه على القياس.

خامساً: القياس عنده دليل ضرورة يُلْجأ إليها حين لا يجد واحداً من الأدلة المتقدمة.

سادسا: يأخذ بسد الذرائع (102).

5 - منهـج الإمام الظاهري:

ولعل من
المناسب التعرض إلى قواعد المذهب الظاهري وأصوله باختصار، ذلك لأن هذا
المذهب من المذاهب الإسلامية ذات الأثر والتي لا يزال لهابين أهل السنة
أتباع، وقد وقع أشد أنواع الخلاف بين الظاهرية وبين الحنفية ثم المالكية،
ثم الحنابلة، ثم الشافعية، وقد كان داود يعترف للشافعي بكثير من الفضل.

وأبرز
أصول المذهب الظاهري: التمسك بظواهر آيات القرآن الكريمة والسنة وتقديمها
على مراعاة المعاني والحكم والمصالح التي يظن لأجلها أنها شرعت. ولا يعمل
بالقياس(103) عندهم ما لم تكن العلة منصوصة في المحل الأول (المقيس عليه)
ومقطوعاً بوجودها في المحل الثاني (المقيس ) بحيث ينزل الحكم منزلة (تحقيق
المناط )(104).

كما يحرم
العمل بالاستحسان، ويستدل بالإجماع الواقع في عصر الصحابة فقط؛ ولا يعمل
بالمرسل والمنقطع خلافاً للمالكية والحنفية والحنابلة، ولا يعمل بشرع من
قبلنا، ولا يحل لأحد العمل بالرأي لقوله تعالى: ((مَا فَرَّطْناَ فِي
الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ… )) (الأنعام :38) وتعدية الحكم المنصوص عليه إلى
غيره تعد لحدود الله تعالى، ولا يحل لأحد القول بالمفهوم المخالف.

والتقليد حرام على العامي كما هو حرام على العالم وعلى كل مكلف جهده الذي يقدر عليه من الاجتهاد (105) .

ولنــا كلمــة:

والحقيقة
أن كثيراً الأصول التي نسبت إلى الأئمة المتبوعين هي أصول مخرّجة على
أقوالهم، لا تصح بها الروايات عنهم، فالتشبث بها، والدفاع عنها، وتكلف
إيراد الاعتراضات والإجابات عنها، والرد على ما يخالفها، والانشغال بكل ذلك
عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذلك كله من أبرز دواعي
الاختلاف السيئ الذي لم يهدف إليه الأئمة أنفسهم رحمهم الله، وقد أبعد هذا
المتأخرين من المسلمين عن معالي الأمور، وشغلهم بسفاسفها حتى تدنت الأمة
إلى ذلك الدرك الهابط الذي تتمرغ فيه اليوم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 14:04

المقصود بـجملة " اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان "

السؤال: هل
هناك ما يعرف بـ " اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان " , فهل هناك ما
يثبت ذلك من الكتاب والسنَّة النبوية ؟ . أفيدونا ، أفادكم الله , وجزاكم
الله خيراً .
الجواب :
الحمد لله
مسألة " اختلاف – أو تغيُّر - الفتوى باختلاف الزمان والمكان " : لنا معها وقفات :
1. يجب أن يُعلم أن الأحكام
الشرعية المبنية على الكتاب والسنَّة : غير قابلة للتغيير ، مهما اختلف
الزمان ، والمكان ، فتحريم الخمر ، والزنا ، والربا ، وعقوق الوالدين ، وما
يشبه ذلك من الأحكام : لن يكون حلالاً في زمان ، أو في مكان ؛ لثبوت تلك
الأحكام الشرعية بنصوص الوحي ، ولاكتمال التشريع بها .
2. اتخذ بعض أهل الأهواء من
تلك الجملة مطية لهم للعبث بالأحكام الشرعية الثابتة بنصوص الوحي المطهَّر ،
ولتمييع الدين من خلال تطبيقها على أحكام قد أجمع أهل العلم على حكمها منذ
الصدر الأول ، ولا يسلم لهم الاستدلال بها ، فهي لا تخدم أغراضهم ، وإنما
نص الجملة في " الفتوى " ، لا في " الأحكام الشرعية " ، وبينهما فرق كبير ،
فالأول في مسائل الاجتهاد ، وما كان بحسب الواقع ، فاختلاف الواقع والزمان
له تأثير في الفتوى باحتمال تغيرها .
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله :
وحكم الله ورسوله لا يختلف في
ذاته باختلاف الأزمان ، وتطور الأحوال ، وتجدد الحوادث ؛ فإنه ما من قضية ،
كائنة ما كانت ، إلا وحكمها في كتاب الله تعالى ، وسنَّة رسوله صلى الله
عليه وسلم ، نصّاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك ، علِم ذلك مَن علمهُ
، وجهله من جهله ، وليس معنى ما ذكره العلماء من " تغير الفتوى بتغير
الأحوال " : ما ظنه من قَلَّ نصيبهم - أو عُدم - من معرفة مدارك الأحكام
وعِلَلها ، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية
البهيمية ، وأغراضهم الدنيوية ، وتصوراتهم الخاطئة الوبية ، ولهذا تجدهم
يحامون عليها ، ويجعلون النصوص تابعة لها ، منقادة إليها ، مهما أمكنهم ،
فيحرفون لذلك الكلِم عن مواضعه ، وحينئذ معنى " تغير الفتوى بتغير الأحوال
والأزمان " : مراد العلماء منه : ما كان مستصْحَبة فيه الأصول الشرعية ،
والعلل المرعية ، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى ، ورسوله صلى الله
عليه وسلم .
" فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " ( 12 / 288 ، 289 ) .
3. القول بتغير الأحكام
الشرعية الثابتة بالوحي يعني تجويز تحريف الدِّين ، وتبديل أحكامه ، والقول
بذلك يعني تجويز النسخ بعد كمال التشريع ، ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم
، وليُعلم أن الإجماع نفسه لا يمكن أن ينسخ حكماً ثابتاً في الشرع إلا أن
يكون مستنده النص ، فإن لم يكن كذلك – وهو غير واقع في حقيقة الأمر - : كان
القول به تجويزا لتبديل الشريعة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن
مرادهم أن " الإجماع " يدل على نص ناسخ ، فوجدنا من ذُكر عنهم : أنهم
يجعلون الإجماع نفسه ناسخاً ! فإن كانوا أرادوا ذلك : فهذا قول يجوِّز
تبديل المسلمين دينَهم بعد نبيِّهم ، كما تقول النصارى مِن : أن المسيح
سوَّغ لعلمائهم أن يحرِّموا ما رأوا تحريمه مصلحة ، ويحلوا ما رأوا تحليله
مصلحة ، وليس هذا دين المسلمين ، ولا كان الصحابة يسوِّغون ذلك لأنفسهم ،
ومَن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك : فإنه يستتاب ، كما يستتاب
أمثاله ، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم ، والمفتي ، فيصيب ، فيكون له أجران ،
ويخطئ ، فيكون له أجر واحد .
" مجموع الفتاوى " ( 33 / 94 ) .
وهذا من أعظم خصائص الشريعة وأحكامها القطعية .
قال الإمام الشاطبي رحمه الله في بيان ميزات أحكام التشريع القطعية - :
الثبوت من غير زوال ، فلذلك لا
تجد فيها بعد كمالها نسخاً ، ولا تخصيصاً لعمومها ، ولا تقييداً لإطلاقها ،
ولا رفعاً لحكم من أحكامها ، لا بحسب عموم المكلفين ، ولا بحسب خصوص بعضهم
، ولا بحسب زمان دون زمان ، ولا حال دون حال ، بل ما أثبت سبباً : فهو سبب
أبداً لا يرتفع ، وما كان شرطاً : فهو أبداً شرط ، وما كان واجباً : فهو
واجب أبداً ، أو مندوباً : فمندوب ، وهكذا جميع الأحكام ، فلا زوال لها ،
ولا تبدل ، ولو فُرض بقاء التكليف إلى غير نهاية : لكانت أحكامها كذلك .
" الموافقات " ( 1 / 109 ، 110 ) .
4. ضابط فهم هذه العبارة في أمرين :
أ. التغير في الفتوى ، لا في الحكم الشرعي الثابت بدليله .
ب. التغير سببه اختلاف الزمان ، والمكان ، والعادات ، من بلد لآخر .
وقد جمعهما الإمام ابن القيم رحمه الله في قوله :
" فصل ، في تغير الفتوى ،
واختلافها ، بحسب تغير الأزمنة ، والأمكنة ، والأحوال ، والنيات ، والعوائد
" ، والعوائد : جمع عادة ، وهو فصل نفيس ، ذكر فيه – رحمه الله – أمثلة
كثيرة ، فلتنظر في " إعلام الموقعين " ( 3 / 3 فما بعدها ) .
ونضرب على ذلك أمثلة ، منها :
1. اللُّقَطة ، فإنها تختلف من
بلد لآخر ، ومن زمان لآخر ، في تحديد قيمة ما يجوز التقاطه ، وتملكه من
غير تعريف ، فيختلف الأمر في البلد نفسه ، فالمدينة غير القرية ، ويختلف
باختلاف البلدان ، والأزمنة .
2. زكاة الفطر ، ومن المعلوم
أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرعها طعاماً ، بمقدار صاع ، وقد نص الحديث
على " الشعير " ، و " التمر " ، و " الإقط " ، وهي الآن ليست أطعمة في
كثير من البلدان ، فالشعير صار طعاماً للبهائم ، والتمر صار من الكماليات ،
والإقط لا يكاد يأكله إلا القليل ، وعليه : فيفتي العلماء في كل بلد بحسب
طعامهم الدارج عندهم ، فبعضهم يفتي بإخراج الأرز ، وآخر يفتي بإخراجها ذرة ،
وهكذا .
فالحكم الشرعي ثابت ولا شك ، وهو وجوب زكاة الفطر ، وثابت من حيث المقدار ، ويبقى الاختلاف والتغير في نوع الطعام المُخرَج .
والأمثلة كثيرة جدّاً ، في الطلاق ، والنكاح ، والأيمان ، وغيرها من أبواب الشرع .
وانظر مثالاً صالحاً لهذا في جوابنا على السؤال رقم ( 125853 ) .
قال القرافي رحمه الله :
فمهما تجدد في العُرف : اعتبره
، ومهما سقط : أسقطه ، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك ، بل إذا
جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك : لا تُجْرِه على عرف بلدك ، واسأله عن
عرف بلده ، وأَجْرِه عليه ، وأفته به دون عرف بلدك ، ودون المقرر في كتبك ،
فهذا هو الحق الواضح .
والجمود على المنقولات أبداً :
ضلال في الدِّين ، وجهل بمقاصد علماء المسلمين ، والسلف الماضين ، وعلى
هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق ، والعتاق ، وجميع الصرائح والكنايات ، فقد
يصير الصريح كناية فيفتقر إلى النية ، وقد تصير الكناية صريحا فتستغني عن
النية .
" الفروق " ( 1 / 321 ) .
وقد أثنى ابن القيم رحمه الله على هذا الفقه الدقيق فقال – بعد أن نقل ما سبق - :
وهذا محض الفقه ، ومَن أفتى
الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفهم ، وعوائدهم ، وأزمنتهم ،
وأحوالهم ، وقرائن أحوالهم : فقد ضلَّ ، وأضل ، وكانت جنايته على الدِّين
أعظم من جناية مَن طبَّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم ، وعوائدهم ،
وأزمنتهم ، وطبائعهم ، بما في كتابٍ من كتب الطب على أبدانهم ، بل هذا
الطبيب الجاهل ، وهذا المفتي الجاهل : أضر ما يكونان على أديان الناس ،
وأبدانهم ، والله المستعان .
" إعلام الموقعين " ( 3 / 78 ) .
ولينظر جواب السؤال رقم : ( 39286 ) .

والله أعلم



الإسلام سؤال وجواب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 15:00

ما هي الأحاديث التي تصلح دليلا شرعيا ؟
ما هي الأحاديث التي يتم الأخذ بها والاستدلال بها شرعا ؟
الحمد لله
الأحاديث التي يجب الأخذ بها
والاستدلال بها هي الأحاديث المقبولة : الصحيحة أو الحسنة ، أما الأحاديث
الضعيفة أو المكذوبة فلا يجوز الاستدلال بها على الحكم الشرعي :
قال الإمام الشافعي رحمه الله في "الرسالة" (ص/463) :
" ويجب أن يقبل الخبر في الوقت
الذي ثبت فيه ، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر " انتهى. يعني : متى
ثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب العمل به .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل :
" سألت أبي عن الرجل يكون عنده
الكتب المصنفة ، فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة
والتابعين ، وليس للرجل بَصَرٌ بالحديث الضعيف المتروك ، ولا الإسناد القوي
عن الضعيف ، فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير منها فيفتي به ويعمل به ؟
قال : لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها ، فيكون يعمل على أمر صحيح ، ويسأل عن ذلك أهل العلم " انتهى.
"إعلام الموقعين" (4/179)
وقال الإمام مسلم رحمه الله :
" اعلم رحمك الله أن صناعة
الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم
الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم إذ الأصل الذي يعتمدون
لأديانهم: السنن والآثار المنقولة من عصر إلى عصر من لدن نبينا صلى الله
عليه وسلم إلى عصرنا هذا " انتهى.
"التمييز" (ص/218)
وقال الإمام السرخسي رحمه الله :
" ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام ، كما أن العمل بخلافه حرام " انتهى.
"أصول السرخسي" (2/7) .
وقال النووي رحمه الله :
" قال العلماء : الحديث ثلاثة
أقسام , صحيح , وحسن , وضعيف . قالوا : وإنما يجوز الاحتجاج من الحديث في
الأحكام بالحديث الصحيح أو الحسن ، فأما الضعيف فلا يجوز الاحتجاج به في
الأحكام والعقائد ، وتجوز روايته والعمل به في غير الأحكام ، كالقصص ,
وفضائل الأعمال , والترغيب والترهيب " انتهى.
"المجموع" (1/98) .
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله :
" فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان " انتهى.
"فضل علم السلف" (ص/57) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (1/250) .
وقال العلامة زكريا الأنصاري رحمه الله :
" من أراد الاحتجاج بحديث من
السنن أو المسانيد إن كان متأهلا لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا يحتج به
حتى ينظر في اتصال إسناده وأصول رواته ، وإلا فإن وجد أحدا من الأئمة صححه
أو حسنه فله تقليده ، وإلا فلا يحتج به " انتهى.
"فتح الباقي شرح ألفية العراقي"
وانظر جواب السؤال رقم (115125) لمعرفة حكم من يرد الحديث الصحيح .
و (79163) لمعرفة شروط الحديث الصحيح .
والله أعلم .


الإسلام سؤال وجواب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 15:00

القواعد الذهبية في أدب الخلاف




  • أولاً: قواعد عامة في الخلاف
  • ثانياً: الآداب التي يجب اتباعها للخروج من الخلاف:
  • ثالثاً: ما بعد الخلاف.


القواعد الذهبية في أدب الخلاف

الحمد لله الذي لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة ، وله
الحكم وإليه ترجعون ، والصلاة والسلام على النبي الكريم الذي كان يستفتح
صلاته بقوله‏:‏ الله رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض اهدني
لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وعلى آله
وأصحابه ومن سار على هداهم من أهل الحق والدين إلى يوم البعث والنشور
‏.‏‏.‏
وبعد ،،
فهذه قواعد جمعتها في الأدب الواجب على أهل الإسلام عند الاختلاف عملاً بقوله سبحانه وتعالى ‏:‏ ‏(‏وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله‏)‏ الشورى‏:‏10
وقوله سبحانه‏:‏ ‏(‏يا
أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن
تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
ذلك خير وأحسن تأويلاً‏)‏ النساء‏:‏59
وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا‏)‏ آل عمران‏:‏103
أسأل الله أن ينفع بها عباده المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها ، وقد
جعلناها مختصرة موجزة ليسهل جمعها، ولا يعسر على طالب العلم التوسع فيها ،
وفهمها ، والحمد لله رب العالمين ‏.‏
القواعد الذهبية لماذا‏؟‏
قد يسأل سائل لماذا سميت هذه القواعد الذهبية‏؟‏
والجواب أن القاعدة الواحدة منها أفضل لطالب العلم ومبتغي الحق من اكتساب الألوف من دنانير الذهب ‏.‏
ذكر الإمام ابن كثير - رحمه الله - في ترجمته لحبر هذه الأمة وأعلمها بكتاب
الله ، وهو عبد الله بن عباس رضي الله عنه هذا الخبر ‏:‏
وقال بعضهم أوصى ابن عباس بكلمات خير من الخيل الدهم ، وقال ‏:‏ ‏(‏لا
تكَلَّمن فيما لا يعنيك حتى تجد له موضعاً ، ولا تُمار سفيهاً ولا حليماً
فإن الحليم يغلبك ، والسفيه يزدريك ، ولا تَذْكُرَنَّ أخاك إذا توارى عنك
إلا بمثل الذي تحب أن يتكلم فيك إذا تواريت عنه ، واعمل عمل من بعلم أنه
مجزي بالإحسان مأخوذ بالإجرام‏)‏ ‏.‏
فقال ابن عباس ‏:‏ ‏(‏كلمة منه خير من عشرة آلاف‏)‏ ‏.‏ البداية والنهاية 308/8
وهذه الكلمات من ابن عباس رضي الله عنهما قواعد في الأخلاق ، وآداب الجدال لا تقدر بمال ‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 15:01

أولاً‏:‏ قواعد عامة في الخلاف‏:‏
1‏)‏ ما لا يتطرق إليه الخلل ثلاثة‏:‏ كتاب الله ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإجماع الصحابة ، وما سوى ذلك ليس بمعصوم‏:‏
الأصول التي يتطرق إليها الخلل
والتي يجب الرجوع إليها عند كل خلاف هي كتاب الله سبحانه وتعالى ، وسنة
نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة ، ثم ما علم يقيناً أن أمة
الإسلام جميعها اجتمعت عليه ، وما سوى هذه الأصول الثلاثة فليس بمعصوم من
الخطأ ‏.‏
ويترتب على القاعدة السابقة ما يلي‏:‏
أ‏)‏ لا يجوز لأحد أن يخرج عن المقطوع دلالته من كتاب الله ، وسنة رسوله ، وما علم يقيناً أن الأمة قد أجمعت عليه‏.‏
ب‏)‏ ظني الدلالة من الكتاب
والسنة يرد إلى المقطوع ، والمتشابه يرد إلِى المحكم لقوله تعالى ‏:‏ ‏(‏هو
الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ، وأخر متشابهات فأما
الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند
ربنا وما يتذكر إلا أولو الألباب‏)‏ آل عمران‏:‏7
ج‏)‏ ما تنازع فيه المسلمون
يجب أن يردوا الخلاف فيه إلى كلام الله ، وكلام رسوله ، عملاً بقوله تعالى
‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم
الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً‏)‏ النساء‏:‏59
2‏)‏ رد المعلوم من الدين ضرورة كفر‏:‏
لا يجوز الخلاف في حكم من
الأحكام المقطوع بها في الإسلام ، والمقطوع به هو المجمع عليه إجماعاً لا
شبهة فيه ، والمعلوم من الدين بالضرورة كالإيمان بالله وملائكته ، وكتبه ،
ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى ، وأن القرآن الذي
كتبه الصحابة ويقرؤه المسلمون جميعاً إلى يومنا هذا هو كتاب الله لم ينقص
منه شيء ، والصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ، ووجوب الزكاة والحج ، وحرمة
الربا والزنا ، والخمر ، والفواحش ، ونحو ذلك من المعلوم من الدين بالضرورة
أنه من الإسلام ، وكل ذلك لا يجوز فيه خلاف بين الأمة ورد هذا ومثله كفر
‏.‏
3‏)‏ الخلاف جائز في الأمور الاجتهادية‏:‏
الأحكام الاجتهادية الخلافية
التي وقع التنازع فيه بين الأمة في عصور الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا
يجوز فيها الاختلاف ، ولا يجوز الحكم على من اتبع قولاً منها بكفر ولا فسق
ولا بدعة ‏.‏
ولمن بلغ درجة النظر والاجتهاد
أن يختار منها ما يراه الحق ، ولمن عرف الأدلة وأصول الفقه أن يرجح بين
الأقوال ، ولا بأس بالتصويب والتخطيء ، وبالقول إن هذا راجح ، وهذا مرجوح ،
وذلك كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج ، وقراءة الفاتحة
وراء الإمام في الجهرية ، والجهر والإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم ،
وإتمام الصلاة في السفر ‏.‏
4‏)‏ وقوع الاختلاف وكونه رحمة وسعة أحياناً‏:‏
الخلاف في الأمور الاجتهادية
الظنية واقع من الصحابة والتابعين والأئمة وجميع علماء وفضلاء هذه الأمة ،
وذلك أنه من لوازم غير المعصوم ، ولا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه
وسلم ،وأما من بعده فلا عصمة لأحد منهم ، والخطأ واقع منهم لا محالة‏.‏
وهذا الخلاف الجائز ، أو السائغ ، قد نص كثير من سلف الأمة أن فيه أنواعاً من الرحمة لهذه الأمة‏:‏
أ‏)‏ الرحمة في عدم المؤاخذة‏:‏
‏(‏ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏)‏
البقرة‏:‏286 وقد ثبت في صحيح البخاري رحمه الله أن الله قال بعد أن أنزل
هذه الآية ، وتلاها الصحابة ‏:‏ قد فعلت ، والمجتهد المخطئ معذور ، بل
مأجور أجراً واحداً كما جاء في الصحيحين ‏:‏ إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب
فله أجران ، وإذا اجتهد فله أجر واحد‏.‏ متفق عليه‏.‏
ب‏)‏ الرحمة والسعة في جواز أخذ القول الاجتهادي كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة المجتهدين‏:‏
قال ابن قدامة رحمه الله في
مقدمة كتابه المغني ‏:‏ ‏(‏أما بعد ‏.‏‏.‏‏.‏ فإن الله برحمته وطوله جعل
سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام وأوضح بهم مشكلات
الأحكام ‏:‏ اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة‏)‏‏.‏
وقال الإمام الحجة القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم ‏:‏ ‏(‏لقد نفع الله باختلاف أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم ، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا
رأى أنه في سعة، ورأى أن خيراً منه قد عمل عمله‏)‏ جامع بيان العلم وفضله
80/4
وذكر ابن عبد البر في كتابه
جامع بيان العلم وفضله‏:‏ ‏(‏أن عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد اجتمعا
فجعلا يتذكران الحديث فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفاً فيه القاسم ، وجعل ذلك
يشقُّ على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر ‏:‏ لا تفعل فما يسرني أن لي
باختلافهم حمر النعم‏)‏ جامع بيان العلم وفضله 80/2
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله ‏:‏ ‏(‏أن رجلاً صنف كتاباً في الاختلاف فقال أحمد ‏:‏ لا
تُسمِّه كتاب الاختلاف ، ولكن سمه كتاب السعة‏)‏ ‏.‏ الفتاوى 79/30
5‏)‏ يجب اتباع ما ترجح لدينا أنه الحق‏:‏
ما تنازع فيه الصحابة وأئمة
الإسلام بعدهم ، وعلم بعد ذلك أن النص بخلافه فإنه يجب علينا فيه اتبع ما
تبين أنه موافق للدليل ، وعدم اتهام السابقين بكفر أو فسق أو بدعة وذلك ‏:‏
كترك الجنب الذي لا يجد ماء للصلاة حتى يجد الماء ، وصرف الدينار
بالدينارين ، ونكاح المتعة ، ومنع التمتع في الحج ، وجواز القدر غير المسكر
من خمر العنب ، ومثل هذه المسائل كثير ‏.‏
6‏)‏ أسباب الخلاف التي يعذر فيها‏:‏
أسباب الخلاف التي يعذر فيها
المخالفون كثيرة ‏:‏ كمعرفة بعضهم بالدليل ، وجهل بعضهم له والاختلاف حول
صحة الدليل ، وضعفه ، وكونه نصاً على المسألة أو ظاهراً أو مؤولاً، وتفاوت
فهمهم للنص وتقديم بعضهم دلالة من دلالات النص على أخرى ، كمن يقدم الفحوى
على الظاهر ، وكمن يقدم الظاهر على الفحوى،كما اختلفوا في قوله صلى الله
عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر
في الطريق ، فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيهم وقال بعضهم ، بل نصلي ، لم يرد
منا ذلك فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم‏)‏ متفق
عليه
ومثل هذه الأسباب يعذر أصحابها إذا اجتهد كل منهم لمعرفة الحق ‏.‏
7‏)‏ أسباب الخلاف التي لا يعذر فيها المخالف‏:‏
وأما الأسباب الأخرى التي لا
يعذر فيها المخالف فهي الحسد والبغي ، والمراءاة والانتصار للنفس ومن كانت
هذه دوافعه للخلاف ، حرم التوفيق والإنصاف ، ولم يهتد إلا للشقاق والخلاف
كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏كان
الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، وأنزل معهم الكتاب
بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه
من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم ، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا
فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏)‏ البقرة‏:‏213
فالذين هداهم الله هم الذين لا يبغون ‏.‏
8‏)‏ وجوب طاعة الإمام في الأمور العامة وإن أساء ما لم يخرج من الإسلام‏:‏
منهج أهل السنة والجماعة
الصلاة خلف أئمة الجور والجهاد معهم ، وإن كانوا فجاراً ، والصوم بصومهم
والحج بحجهم ، وإعطاء الزكاة لهم ‏.‏
ففي الصلاة صلى المسلمون خلف
الذين حاصروا الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وصلى السلف خلف
الحجاج والوليد ، والمختار بن أبي عبيد ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم
بالصلاة خلف الولاة وإن كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها ‏.‏
وفي الزكاة قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أدوا إليهم حقهم ، وسلوا الله حقكم‏)‏ متفق عليه
9‏)‏ لا يجوز للإمام أن يحجر نشر علم يخالفه‏:‏
ليس لإمام المسلمين أن يحجر
الناس من نشر علم يخالف رأيه ، أو مذهبه ، بل عليه أن يترك كل مسلم وما
تولى، كما ترك عمر رضي الله عنه عماراً وغيره يذكر ما يأثره عن الرسول رضي
الله عنه في التيمم‏.‏
وأفتى ابن عباس وابن عمر رضي
الله عنهم بخلاف رأي عمر رضي الله عنه في متعة الحج ، وأفتى حذيفة وغيره من
الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بخلاف رأي عثمان رضي الله عنه في إتمام
الصلاة بعرفة ومنى ‏.‏
ولكن يجب على الإمام أن يمنع
نشر الكفر والبدع والزندقة ، وأن يقيم الحدود الشرعية في ذلك ، فسب الله
وسب رسوله وسب دينه يوجب القتل لقوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ من بدل دينه
فاقتلوه»رواه البخاري ، والساعي في المتشابهات ، والتشكيك في الدين يجب
تعزيره كما فعل عمر رضي الله عنه مع صبيغ بن عسل ‏.‏
والمسلم المتأول المخطئ يناقش في خطئه ، وتأوله كما فعل عمر رضي الله عنه أيضاً مع الذين شربوا الخمر تأولاً ‏.‏
ولا يجوز الحكم على متأول إلا بعد قيام الحجة عليه ‏.‏
10‏)‏ لكل مسلم الحق بل عليه الواجب في إنكار المنكر والأمر بالمعروف‏:‏
لما كان الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر واجباً من الله على كل مسلم وجب على ولي الأمر إطلاق يد المسلم
في ذلك إلا ما كان من حقوقه هو كإقامة الحدود ، والتعازير ، وأما ما كان
تحت ولاية المسلم فهذا له كتأديب الزوجة ، والولد في حدود ما شرعه الله في
ذلك ، وكذلك إنكار المنكر باللسان ، لو كان هو منكر الإمام نفسه عملاً
بقوله تعالى ‏:‏ ‏(‏إن
الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في
الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا
فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم‏)‏ البقرة‏:‏159-160
فلا يجوز للمسلم أن يكتم علماً
، ولا أن يقر على باطل إذا علم أن إقراره رضا ومتابعة ، وقد بين النبي صلى
الله عليه وسلم ذلك حيث يقول ‏:‏ ‏(‏ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن
عرف برئ ، ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا ‏:‏ أفلا نقاتلهم ‏؟‏ قال
‏:‏ لا ‏.‏ ما صلوا‏)‏ رواه مسلم
ونص الحديث أن المسلم لا يبرأ إلا بالإنكار ، وقد يسلم بالسكوت وعدم الرضا إذا لم يستطع الإنكار باللسان ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 15:02

ثانياً‏:‏ الآداب التي يجب اتباعها للخروج من الخلاف‏:‏

هذه جملة من الآداب التي إذا اتبعها المسلمون فيما ينشأ بينهم من خلاف اهتدوا بحول الله ومشيئته ورحمته إلى الحق ‏.‏
1‏)‏ التثبت من قول المخالف‏:‏
أول ما يجب على المسلم أن
يتثبت في النقل ، وأن يعلم حقيقة قول المخالف ، وذلك بالطرق الممكنة
كالسماع من صاحب الرأي نفسه ، أو قراءة ما ينقل عنه من كتبه لا مما يتناقله
الناس شفاهاً ، أو سماع كلامه من شريط مسجل أيضاً مع ملاحظة أن الأشرطة
الصوتية يمكن أن يدخل عليها القطع والوصل ، وحذف الكلام عن سياقه ، ولذلك
‏.‏ يجب سماع الكلام بكامله ولو أن أهل العلم يتثبتون فيما ينقل إليهم من
أخبار لزال معظم الخلاف الذي يجري بين المسلمين اليوم ، وقد أمرنا الله
بالتثبت كما قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين‏)‏ الحجرات‏:‏6
وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً‏)‏ الإسراء‏:‏36
وقد وقفت بنفسي أنا كاتب هذه
السطور على حالات كثيرة من الخلاف التي كان أساسها التسرع في النقل، وعدم
التثبت فيه ، وعندما وقع التثبت تبين أن الأمر بخلافه‏.‏
2‏)‏ تحديد محل التنازع والخلاف‏:‏
كثيراً ما يقع الخلاف بين
المخالفين ، ويستمر النقاش والردود وهم لا يعرفون على التحديد ما نقاط
الخلاف بينهم، ولذلك يجب أولاً قبل الدخول في نقاش أو جدال تحديد مواطن
الخلاف تحديداً واضحاً حتى يتبين أساساً الخلاف، ولا يتجادلان في شيء قد
يكونان هما متفقين عليه ، وكثيراً ما يكون الخلاف بين المختلفين ليس في
المعاني ، وإنما في الألفاظ فقط فلو استبدل أحد المختلفين لفظة بلفظة أخرى
لزال الإشكال بينهما ‏.‏
ولذا لزم تحديد محل الخلاف تحديداً واضحاً‏.‏
3‏)‏ لا تتهم النيات‏:‏
مهما كان مخالفك مخالفاً للحق
في نظرك فإياك أن تتهم نيته ، افترض في المسلم الذي يؤمن بالقرآن والسنة
ولا يخرج عن إجماع الأمة ، افترض فيه الإخلاص ، ومحبة الله ورسوله ،
والرغبة في الوصول إلى الحق ، وناظره على هذا الأساس، وكن سليم الصدر
نحوه‏.‏
لا شك أنك بهذه الطريقة ستجتهد
في أن توصله إلى الحق إن كان الحق في جانبك وأما إذا افترضت فيه من
البداية سوء النية ، وقبح المقصد فإن نقاشك معه سيأخذ منحى آخر وهو إرادة
كشفه وإحراجه ، وإخراج ما تظن أنه خبيئة عنده ، وقد يبادلك مثل هذا الشعور ،
فينقلب النقاش عداوة ، والرغبة في الوصول إلى الحق رغبة في تحطيم المخالف
وبيان ضلاله وانحرافه‏.‏
4‏)‏ أخلص النية لله‏:‏
اجعل نيتك في المناظرة هو
الوصول إلى الحق وإرضاء الله سبحانه وتعالى ، وكشف غموض عن مسألة يختلف
فيها المسلمون ، ورأب الصدع بينهم ، وجمع الكلمة وإصلاح ذات البين ‏.‏
وإذا كانت هذه نيتك فإنك تثاب
على ما تبذله من جهد في هذا الصدد ‏.‏ قال تعالى ‏:‏ فاعبد الله مخلصاً له
الدين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما الأعمال بالنيات
وإنما لكل امرئ ما نوى‏)‏ متفق عليه
5‏)‏ ادخل إلى المناظرة وفي نيتك أن تتبع الحق وإن كان مع خصمك ومناظرك‏:‏
يجب على المسلم الذي يخالف
أخاه في مسألة ويناظره فيها ألا يدخل نقاشاً معه إلا إذا نوى أن يتبع الحق
أني وجده ، وأنه إن تبين له أن الحق مع مخالفه اتبعه وشكر لأخيه الذي كان
ظهور الحق على يده لأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس‏.‏
6‏)‏ اتهم رأيك‏:‏
يجب على المسلم المناظر وإن
كان متأكداً من رأيه أنه صواب أن يتهم رأيه ، ويضع في الاحتمال أن الحق
يمكن أن يكون مع مخالفه ، وبهذا الشعور يسهل عليه تقبل الحق عندما يظهر،
ويلوح له ‏.‏
7‏)‏ قبول الحق من المخالف حق وفضيلة‏:‏
إن قبول الحق من مخالفك حق
وفضيلة ، فالمؤمن يجب أن يذعن للحق عندما يتبينه ، ولا يجوز له رد الحق ،
لأن رد الحق قد يؤدي إلى الكفر كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تماروا
في القرآن فإن مراء في القرآن كفر ‏.‏‏.‏‏)‏ رواه أحمد وصححه الألباني في
صحيح الجامع 4444
والمماراة هنا معناها المجادلة ، ودفع دلالته بالباطل لأن هذا يكون تكذيباً لله ورداً لحكمه ، وليس تكذيباً للمخالف ‏.‏
ورد الحق كبراً من العظائم ،
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏(‏الكبر بطر الحق وغمط الناس‏)‏ رواه مسلم وبطر الحق رده ‏.‏
8‏)‏ اسمع قبل أن تُجِب‏:‏
من آداب البحث والمناظرة أن تسمع من مخالفك قبل أن ترد وأن تحدد محل الخلاف قبل أن تخوض في الموضوع‏.‏
9‏)‏ اجعل لمخالفك فرصة مكافئة لفرصتك‏:‏
يجب على كل مختلفين أن يعطي كل منهما للآخر عند النقاش فرصة مكافئة لفرصته فإن هذا أول درجات الإنصاف ‏.‏
10‏)‏ لا تقاطع‏:‏
انتظر فرصتك في النقاش ، ولا تقاطع مخالفك وانتظر أن ينتهي من كلامه ‏.‏
11‏)‏ اطلب الإمهال إذا ظهر ما يحتاج أن تراجع فيه نفسك‏:‏
إذا ظهر لك أن أمراً ما يجب أن
تراجع فيه النفس وتتفكر فيه لتتخذ قراراً بالعدول عن رأيك أو إعادة النظر
فيه ، فاطلب الإمهال حتى تقلِّب وجهات النظر ‏.‏ وأما إذا تحققت من الحق
فبادر إعلانه ،والإذعان له فإن هذا هو الواجب عليك فالذي يخاصمك بالآية
والحديث يطلب منك في الحقيقة الإذعان إلى حكم الله وحكم رسوله ‏.‏
وكل من ظهر له حكم الله وحكم رسوله وجب عليه قبوله فورا كما قال تعالى ‏:‏ ‏(‏إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون‏)‏ النور‏:‏51
12‏)‏ لا تجادل ولا تمار‏:‏
لا يكن دخولك في نقاش مع أخيك
المسلم هدفه الجدال والمماراة ، بل يجب أن يكون مقصدك معرفة الحق، أو
توضيحه لمخالفك ، لأن الجدال مذموم والمماراة مذمومة ، والجدال والمماراة
أن يكون الانتصار لرأيك‏;‏ وقطع خصمك وإثبات جهله ، أو عجزه ، وإثبات أنك
الأعلم أو الأفهم ‏.‏ أو الأقدر على إثبات الحجة‏.‏
13‏)‏ حدد مصطلحاتك واعرف جيداً مصطلحات مخالفك‏:‏
كثيراً ما يتجادل اثنان ويختلف
قوم ولا يكون سبب خلافهم إلا أنهم يستعملون كلمات ومصطلحات كل منهم يفهمها
بمعنى يختلف عما يفهمها الآخر ‏.‏
من أجل ذلك يجب عليك أن تحدد
معاني كلماتك التي قد يفهمها مخالفك على صورة أخرى ، وكذلك المصطلحات التي
تستعملها ، وأسأل مخالفك عن معاني كلماته ، ومصطلحاته حتى تعرف مراده من
كلامه ‏.‏
ومن المصطلحات التي يختلف في معناها الناس في الوقت الحاضر‏:‏
المنهج ، طريق السلف ، وسائل
الدعوة ، أساليب الدعوة ،البدعة المكفرة ، الهجر ، التطرف ، الإرهاب ،
الخروج ‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، وكذلك يجب أن تعلم أن مخالفك يفهم هذه المصطلحات كما
نفهمها أنت ، أو كما هو معناها الحقيقي في اصطلاح العقيدة ، الأصول ،
البدعة ‏.‏
14‏)‏ إذا تيقنت أن الحق مع مخالفك فاقبله وإذا قبل منك الحق فاشكره ولا تمن عليه‏:‏
يجب على المسلم إذا علم الحق
من كلام مخالفه أن يبادر إلى قبوله فوراً لأن مخالفك في الدين يدعوك إلى
حكم الله حكم رسوله ، وليس إلى حكم نفسه ‏.‏
وأما اذا كان رأياً مجرداً ، ورأيت أن الحق معه ، وأن المصلحة الراجحة في اتباعه فاقبله أيضاً لأن المسلم رجاع إلى الحق ‏.‏
وأما إذا وافقك مخالفك ، ورجع
عن قوله إلى قولك فاشكر له إنصافه ، وقبوله للحق ، واحمد الله أن وفقك إلى
إقالة عثرة لأخيك ، وبيان حق كان غائباً عنه‏.‏
15‏)‏ لا تيأس من قبول مخالفك للحق‏:‏
لا تكن عجولاً متبرماً غضوباً
إلى اتهام مخالفك الذي لم يقبل ما تدلي به من حجة ، وإن كنت على يقين مما
عندك، ولا تيأس أن يعود مخالفك إلى الحق يوماً ، ولربما خالفك مخالف الآن
ثم يعود بعد مدة إلى الحق فلا تعجل‏.‏
16‏)‏ أرجئ النقاش إلى وقت آخر إذا علمت أن الاستمرار فيه يؤدي إلى الشقاق والنفور‏:‏
إذا تيقنت أن النقاش والحوار
سيؤدي الاستمرار فيه إلى الشقاق ، والنفور فاطلب رفع الجلسة ، وإرجاء
النقاش إلى وقت آخر ، وتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أنا زعيم
ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً‏)‏ رواه أبو داود ، وحسنه
الألباني في السلسلة 273
17‏)‏ الإبقاء على الأخوة مع الخلاف في الرأي في المسائل الخلافية أولى من دفع المخالف إلى الشقاق والعداوة‏:‏
إذا علمت من مخالفك أنه لا
يبقى أخاً إلا ببقائه على ما هو عليه من أمر مرجوح ورأي مخالف للحق في نظرك
فتركه على ما هو عليه أولى من دفعه إلى الشقاق والخلاف لأن بقاء المسلمين
أخوة في الدين مع اختلافهم في المسائل الاجتهادية خيرمن تفرقهم وتمزقهم
وبقائهم على خلافاتهم ‏.‏‏.‏‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شنكوتى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 562
تاريخ التسجيل : 27/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 15:03

ثالثاً‏:‏ ما بعد الخلاف‏.‏
إذا وقع الخلاف بين مسلم وآخر في المسائل التي يسوغ فيها الخلاف ، وهي
الأمور الاجتهادية ، أو الأمور التي اختلف الصحابة والأئمة فيها قديماً فإن
الواجب الشرعي هو اتباع الخطوات السابقة في أدب الخلاف والمناظرة ‏.‏
ولا شك أنه لو اتبعت الخطوات السابقة قضي على الخلاف بإذن الله ، ووصل المختلفان إلى الاتفاق ، ووفقا بحول الله إلى الحق ‏.‏
وأما إذا ظهر لكل منهما صحة نظره وسلامة قوله ، وأنه لا يستطيع أن يدين الله إلا بما يراه ، فإن واجب المختلفين ما يأتي‏:‏
1‏)‏ إعذار المخالف وترك أمره لله سبحانه وتعالى‏:‏
الأدب الشرعي الأول هو إعذار من يخالفك الرأي من المسلمين في الأمور
الاجتهادية ، وإيكال أمره لله ، وتنزيهه من فساد النية ، وإرادة غير الحق
ما دام ظاهره هو الدين والعدل‏.‏
2‏)‏ إبقاء الأخوة‏:‏
لا يجوز لمسلم أن يقاطع أخاه المسلم لرأي ارتآه ، أو اجتهاد اجتهد في ما
دام يعلم أنه تحرى الحق ، واتبع ما يظن أنه الصواب ، ولا يجوز في مثل هذه
الحالة هجران أو تعزير ، ولا شك أنه لو أن كل مختلفين تهاجرا لم يبق مسلم
مع مسلم ‏.‏
3‏)‏ لا تشنيع ولا تفسيق ولا تبديع للمخالف في الأمور الاجتهادية‏:‏
لا يجوز اتهام المخالف ولا التشنيع عليه ، ولا ذكره من أجل مخالفته ، ولا
تبديعه ، ولا تفسيقه ومن صنع شيئاً من ذلك فهو المبتدع المخالف لإجماع
الصحابة‏.‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ‏:‏ ‏(‏وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها
على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم ، كمسائل في العبادات ،
والمناكح والمواريث والعطاء ، والسياسة ، وغير ذلك ، وحكم عمر أول عام في
الفريضة الحمارية بعدم التشريك ، وفي العام الثاني بالتشريك في واقعة مثل
الأولى ، ولما سئل عن ذلك قال ‏:‏ تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي‏.‏
وهم الأئمة الذين ثَبَتَ بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة ، ودل
الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم‏)‏ مجموع الفتاوى‏.‏
وقال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن نصر المروزي ‏:‏ ‏(‏ولو أنا
كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه
وبدعناه ، وهجرناه ، لما سلم معنا ابن نصير ، ولا ابن مندة ، ولا من هو
أكبر منهما ، والله هو هادي الخلق إلى الحق ، هو أرحم الراحمين ، فنعوذ
بالله من الهوى والفظاظة‏)‏ سير أعلام النبلاء 40/14
4‏)‏ لا يجوز التشنيع ولا التبديع ولا التفسيق لأحد من سلف الأمة ومجتهديها إذا خالف بعض الأمور القطعية اجتهاداً‏:‏
ولا يجوز لنا التشنيع ولا التبديع ولا التفسيق لأحد من سلف الأمة المشهود
لهم بالخير ، إذا علم أنه خالف في بعض الأمور القطعية اجتهاداً منه ‏.‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ‏:‏ ‏(‏وليس في ذكر كون المسألة قطعية
طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف ،
وقد تيقنا صحة أحد القولين مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد لوضع
الحمل ، وأن الجماع المجرد عن الإنزال يوجب الغسل ، وأن ربا الفضل حرام ،
والمتعة حرام‏)‏ الآداب الشرعية 186/1
5‏)‏ يجوز بيان الحق وترجيح الصواب وإن خالف اجتهاد الآخرين‏:‏
لكل من المختلفين أن يذكر ما يراه حقاً ، وينشر ما يراه صواباً ، ويرجح ما
يراه الراجح ، وله أن يبين أن قول معارضه مرجوح لأن كلمتان العلم لا يجوز ،
وعلى كل مجتهد أن يذكر ما يعتقد أنه الحق ، وإن خالف من خالف من الأئمة
والعلماء والأقران ‏.‏
وقد خالف ابن عمر وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهما - عمر بن الخطاب ، وأبا
بكر الصديق - في متعة الحج ، وأفتيا بخلافهما ، هذا مع كمال الموالاة
للصديق والفاروق‏.‏
وكان كل إمام وعالم يفتي بما يراه الصواب وإن خالف غيره ، وقد قال الإمام
مالك ‏:‏ ‏(‏ما منا إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر‏)‏ يعني النبي صلى
الله عليه وسلم ‏.‏
6‏)‏ لا يجوز حمل الناس على الرأي الاجتهادي‏:‏
لا يجوز لعالم مجتهد ، ولا لإمام عام أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده ‏.‏
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمن ولي أمراً من أمور المسلمين ،
ومذهبه لا يجوِّز شركة الأبدان فهل يجوز له منع الناس ‏؟‏
فأجاب ‏:‏ ليس له منع الناس من مثل ذلك ، ولا من نظائره مما يسوغ فيه
الاجتهاد ، وليس معه بالمنع نص من كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا ما هو
في معنى ذلك ، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك ، وهو مما يعمل به
عامة المسلمين في عامة الأمصار ‏.‏
وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل ، ولا
للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل ، ولهذا لما
استشار الرشيد مالكاً أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل منعه من
ذلك ‏.‏
وقال ‏:‏ إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار ، وقد
أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم ، وصنف رجل كتاباً في الاختلاف ، فقال أحمد
‏:‏ لا تسمِّه كتاب الاختلاف ، ولكن سمه كتاب السعة‏.‏ ولهذا كان بعض
العلماء يقول ‏:‏ إجماعهم حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة ، وكان عمر بن
عبد العزيز يقول‏:‏ ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يختلفوا لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً ، وإذا اختلفوا
فأخذ رجل بقول هذا ، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة ، وكذلك قال غير مالك
من الأئمة‏:‏ ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ‏.‏
ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب
الشافعي رحمه الله وغيره ‏:‏ إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد ،
وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها ، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية ،
فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار
عليه ، ونظائر هذه المسائل كثيرة ‏:‏ مثل تنازع الناس في بيع الباقلا
الأخضر في قشريه ، وفي بيع المقاثي جملة واحدة ، وبيع المعطاة والسلم،
الحال ، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره ،
والتوضؤ من ذلك ، والقراءة بالبسملة سراً أو جهراً ، وترك ذلك ، وتنجيس بول
ما يؤكل لحمه وروثه ، أو القول بطهارة ذلك ، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة ،
وترك ذلك ،والتيمم بضربة أو ضربتين إلى الكوعين ، أو المرفقين والتيمم لكل
صلاة أو لوقت كل صلاة أو الاكتفاء بتيمم واحد ، وقبول شهادة أهل الذمة
بعضهم على بعض ، أو المنع من قبول شهادتهم ‏.‏
ومن هذا الباب الشركة بالعروض ، وشركة الوجوه ، والمساقاة على جميع أنواع
الشجر والمزارعة على الأرض البيضاء فإن هذه المسائل من جنس الأبدان بل
المانعون من هذه المشاركات أكثر من المانعين من مشاركة الأبدان، ومع هذا
فما زال المسلمون من عهد نبيهم وإلى اليوم في جميع الأعصار والأمصار
يتعاملون بالمزارعة والمساقات ، ولم ينكره عليهم أحد ولو منع الناس مثل هذه
المعاملات لتعطل كثير من مصالحهم التي لا يتم دينهم ولا دنياهم إلا بها
‏.‏

ولهذا كان أبو حنيفة رحمه الله يفتي بأن المزارعة لا تجوز ، ثم يفرع على
القول بجوازها ، ويقول ‏(‏إن الناس لا يأخذون بقولي في المنع ، ولهذا صار
صاحباه إلى القول بجوازها كما اختار ذلك من اختار من أصحاب الشافعي
وغيره‏)‏ الفتاوى الكبرى 79/30-81
هذا والحمد لله على منه وإحسانه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شعبانت
المدير
المدير


ذكر عدد المساهمات : 3407
تاريخ التسجيل : 01/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الأربعاء 1 فبراير - 15:15

مجهود رائع وكبير في طرح هذا الموضوع


فكل الشكر والامتنان لك


جزاك الله خيرا


ننتظر جديدك
يثبت الموضوع للاهميتة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابوتوفيق
مراقب
مراقب


وسام التواصل

وسام الحضور المميز

اوفياء المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 1462
تاريخ التسجيل : 05/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة    الثلاثاء 19 مايو - 22:11

جزاكم الله خيراً
ونفع بكم
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كيف أفهم رأيا شرعيا اختلف فية الائمة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: