منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 تفسير سورة الحجرات (1) مقدّمة بين يدي السّورة - أبو جابر عبد الحليم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شعبان
المدير
المدير


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

ذكر عدد المساهمات : 7178
تاريخ التسجيل : 16/06/2010
الموقع :
المزاج المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الحجرات (1) مقدّمة بين يدي السّورة - أبو جابر عبد الحليم   الثلاثاء 21 فبراير - 22:48


تفسير سورة الحجرات (1) مقدّمة بين يدي السّورة - أبو جابر عبد الحليم


الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:
فقبل الشّروع في تفسير سورة " الحجرات "، فإنّه لا بدّ من مقدّمة للحديث عن مسائل مهمّة تتعلّق بالسّورة، وهي مسائل:
- المسألة الأولى: في إثبات اسم السّورة.
فإنّ كثيرا من السّور ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه سمّاها بذلك، كسورة البقرة، وآل عمران، والنّساء، وبراءة، والكهف، وغير ذلك.
وهناك سورٌ لم يثبُت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه هو الّذي سمّاها ولكنّه ثبت عن الصّحابة، كسورة المائدة، وسورتنا هذه.

فقد صحّ في مسند الإمام أحمد عن الحارث بن ضرار الخزاعيّ رضي الله عنه أنّه ذكر سبب نزول آية:{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ
فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] أنّه قال:" فنزلت الحجُرات ". ثمّ سار على تسميتها بذلك التّابعون والعلماء في تصانيفهم وكتبهم.
ولم يُعلم لها اسمٌ آخر كبعض السّور، وإنّما سمّاها العلماء بـ"سورة الأخلاق" لما سيأتي في فضلها إن شاء الله.
- المسألة الثّانية: معنى اسمها:
الحجرات: جمع حجرة، كظلُمات جمع ظلْمة، وتجمع أيضا على الحُجَر مثل غُرْفَةٍ وغُرَفٍ.
و الحجرة: أوسع من البيت، فهي الشّيء الجامع للبيوت.
روى الإمام أحمد عن أمّ حميد امرأة أبي حميد السّاعدي أنّها جاءت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله، إنّي أحبّ الصّلاة معك، فقال:
(( قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلاَةَ مَعِي، وَصَلاَتُكِ فِيبَيْتِكِخَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِيحُجْرَتِكِ، وَصَلاَتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِيدَارِكِ، وَصَلاَتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاَتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِي مَسْجِدِي )).
المسألة الثّالثة : في اشتقاق الاسم.
الحجرة مأخوذة من الحَجْر، وهو المنع، ومنه أطلق على الحرام الممنوع حِجراً، كقوله تعالى:{وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام:138].
ومنه: الحَجْر على السّفيه والمفلس في الفقه، وسمّي العقل حِجْراً لمنعه عن القبائح، قال الله تعالى:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} [الفجر:5].
وحَجْرُ الإِنسان وحِجْرُه - بالفتح والكسر - حِضْنُه؛ لأنّ الشّيء في الحجر معناه أنّه في حمايته، فيمنعه من الضّرر والأذى.
والحُجْرَةُ سمِّيت بذلك؛ لمنعها النّاس من الوصول إلى ما يُحفظ من الأعراض والأموال.
المسألة الرّابعة : الحكمة من تسمية السّورة بالحجرات.
وهذا علْم مهمّ، يبيّن لك حكمة من سمّاها، فإن كان الله تعالى هو الّذي سمّى السّورة فله الحكمة البالغة، وإن كان النبيّ صلّى الله عليهوسلّم أو أصحابه فلن يكون أيضا خاليا عن الحكمة.
قال الزّركشي رحمه الله وهو يبيّن لنا أهمّية هذا العلم في "البرهان" (1/270-271):
" ينبغي النّظر في وجه اختصاص كلّ سورة بما سمّيت به، ولا شكّ أنّ العرب تراعي في الكثير من المسمّيات أخذَ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء من خلق، أو صفة تخصّه .. ويسمّون الجملة من الكلام أو القصيدة الطّويلة بما هو أشهر فيها، وعلى ذلكجرت أسماء سور الكتاب العزيز "اهـ.
قال الشّيخ الطّاهر بن عاشور رحمه الله:" ووجه تسميتها أنّها ذكر فيها لفظ الحجرات ".
والحقّ، أنّ هذا ليس كافيا لتسمية السّورة بذلك.
إنّما جاءت السّورة لتبنِيَ ركناً من أركان هذا الدّين، ألا وهو طاعة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمه، فأراد الله أن يؤدّب بعضَ من لم يُحسن مخاطبةَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث صاروا - كما سيأتي معنا إن شاء الله - ينادونه صلّى الله عليه وسلّم من وراء الحجرات فأنزل الله تعالى قوله:{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْوَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)} [الحجرات].
فهنا على المسلم أن يتأمّل جيّدا قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، فإنّه إذا كان الّذي يخاطب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمثلِ هذه الطّريقة اعتبره الله تعالى غير عاقلٍ وهو أمرٌ يبدو دقيقا صغيرا، فكيف بمن ترك تعظيم أمره ونهيه ؟ فلا شكّ أنّه أدنى منزلة وأحطّ مرتبة.
فكان اسم السّورة يذكّر المؤمنين بهذه الحادثة؛ حتّى يعظّموا نبيّهم صلّى الله عليه وسلّم في كلّ شؤونهم وجميع أحوالهم.
المسألة الخامسة : ما جاء في فضلها.
سورة الحجرات من مفصّل القرآن، بل أوّل سور مفصّل القرآن، فقد روى الإمام أحمد عن واثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قالَ:
(( أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ )).
فالسّبع: هنّ السّبع الطِّوال، وذلك من "البقرة" إلى "براءة".
والمئون: ما كان فيها مئة آية فأكثر.
والمثاني: هي سورة الفاتحة.
أمّا المفصّل فالمراد به السّور الّتي كثرت فصولها، وهي من " الحُجرات" إلى آخر القرآن على الصّحيح كما في "فتح الباري" (9/74).
وليس هناك دليل خاصّ يدلّ على فضل سورة الحجرات بعينها إلاّ ثناء العلماء سلفا وخلفا على أحكامها، وقد ذكر بعض المفسّرين لفضلها حديثا موضوعا وهو: ( من قرأ سورة الحجرات أعطِي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه ).
ويظهر فضل سورة الحجرات من تسمية العلماء لها بـ" سورة الأخلاق "؛ وذلك لما حوته من الآداب الجليلة والأحكام النّافعة، فهي اشتملت على أنواع الأدب كلّها:
- فمن الأدب مع اللهعزّ وجلّ:
1- ألاّ يقدّم العبد قولاً ولا رأياً ولا شخصاً على قوله سبحانه.
2- وألاّ يتسرّع المؤمن في أمره حتّى يعلم حكمَ الله فيه.
3- تكرار الأمر بتقواه سبحانه وتعالى.
4- ألاّ يمنّ أحدٌ على الله إسلامه وطاعته.
5- ألاّ يزكّي المرء نفسه على الله.
6- مراقبة الله تعالى الّتي تضمّنها قوله تعالى:{وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
7- تذكّر فضل الله وشكره على أن هدى عباده إلى الإسلام.
8- تذكّر فضل الله وشكرُه على أن حبّب لعباده الصّالحين الإيمان وزيّنه لهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
9- اليقين في الله وأمره، والبعد عن الارتياب في أمور الإيمان، وغير ذلك ممّا يأتي في السّورة.
- ومن الأدب مع رسول اللهصلّى الله عليه وسلّم:
1- ألاّ يتقدّم أحد بين يديه بأمر ولا نهي.
2- ألاّ يقدِّم أحدٌ قولَه أو قولَ من يعظّمه على قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
3- الأدب في ندائه ومخاطبته.
4- على المسلم أن يتّهم رأيه لا سنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا بدا له أنّه لا يوافق حاله، كما يشير إليه قوله تعالى:{وَاعْلَمُوا أنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ منَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ}.
5- ترك المنّ عليه بالاتّباع والطّاعة.
- ومن الأدب مع الخلق:
1- فعند التّخاطب نخاطبهم بجميل الخطاب والطيّب من القول.
2- ترك السّخرية منهم والاستهزاء بهم.
3- ترك مناداتهم بما يكرهون من الألقاب.
4- ترك ظنّ السّوء بهم.
5- ترك التجسّس عليهم.
6- الحذر من اغتياب واحد منهم.
7- توقير التقيّ والفاضل منهم ومعرفة حقّه.
8- تعليم الجاهل منهم بالحُسنَى.
9- الأخذ على يد ظالمهم ونصرة مظلومهم.
- ومن الأدب مع النّفس:
1- حثّها على العمل بطاعة الله وتخليصها من العذاب في الدّنيا والآخرة.
2- ترك مدحها وإنزالها فوق منزلتها.
3- توطينها على التثبّت من الأخبار والتأنّي في الأحكام.
4- تدريبها على الخير.
5- حملها على الحكم بالعدل والقسط.
6- إزالة الشكّ عنها.
7- فعل ما يجلب لها الوقار والاحترام.
وغير ذلك من الأمور النّافعة، ممّا يدلّ على فضلها، وأنّها على وجازتها ومجيئها في ثمانية عشر آية تراها حوت هذا الخير كلّه.
المسألة السّادسة : هل هي مكّية أو مدنيّة ؟
هي مدنيّة باتّفاق أهل
العلم، أي: ممّا نزل بعد الهجرة، وحكى السّيوطي في " الإتقان " قولا شاذّا
أنّها مكّية، ولا يعرف قائل هذا القول. وهل بٌنِيت الحجرات إلاّ بعد
الهجرة ؟
وفي " أسباب النّزول " للواحدي رحمه الله أنّ قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} الآية، نزلت بمكّة في يوم فتح مكّة، ولم يثبت أنّ تلك الآية نزلت بمكّة - كما سيأتي إن شاء الله -.
ثمّ لو ثبت، فإنّ العبرة بالزّمان لا بالمكان.
والله الموفّق لا ربّ سواه.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شعبان
المدير
المدير


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

ذكر عدد المساهمات : 7178
تاريخ التسجيل : 16/06/2010
الموقع :
المزاج المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: رد: تفسير سورة الحجرات (1) مقدّمة بين يدي السّورة - أبو جابر عبد الحليم   الثلاثاء 21 فبراير - 22:50


الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد قال الله عزّ وجلّ:{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

وفي هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: مناسبة السّورة لما قبلها من السّور.

اختِير موقع هذه السّورة المبدوءة بهذه الآية وما بعدها لسببين اثنين:

أوّلهما: أنّ سورة الحجرات سُبِقت بسورتين هما نصرةٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفتحٌ لدعوته:
أولاهما سورة (محمّد)، الّتي فيها نصرة له صلّى الله عليه وسلّم بالسّيف على من قاتله ظاهرا، وسورة الفتح الّتي ضمِنت الفتح العظيم لدينه ودعوته[1]، فناسب أن تأتِي بعدهما سورة تأمر بتعظيم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وطاعته، وألاّ يتقدّم أحد بين يديه.
الثّاني: أنّ سورة الحجرات جاءت عقب سورة الفتح الّتي نزلت في شأن حادثة صلح الحديبيّة، حيث توقّف الصّحابة بعضَ الشّيء متردّدين من الصّلح، فجاءت هذه السّورة تدعو المؤمنين ألاّ يقدّموا رأيَهم، ولا ما يبدو لهم في الظّاهر أنّه صواب على أمر النبيّ صلّى اللهعليه وسلّم.

المسألة الثّانية: سبب النّزول.

نزلت هاتان الآيتان وما بعدهما في العام التّاسع من الهجرة النّبويّة، وكان ذلك العام هو عامَ الوفود.

وكانت الوفود مختلفةَ القبائل
متباينةَ الطّباع: فمنها اللّبِق حتّى عُدّ من أحسن الوفود وهو وفد عبد
القيس من البحرين، ومنها ضدّ ذلك.

فلا يتوقّع أحدٌ من جميع الوفود أن
تكون على مستوى واحدٍ من اللّباقة وحُسْنِ المعاملة، فإنّ هناك وفودا
عميقة الجذور في الجاهليّة تصدُر منها هِنَات لا بدّ من غضّ الطّرف عنها.

جاء وفد تميم تحت إمرة رجلين من عظمائهم:

الأقرع بن حابس، ذلك الرّجل الّذي تألّفه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأعطاه مائة من الإبل على ساحة الجِعرانة.

والقعقاع بن معبد.

قدِما ببعض قومهما ليبايعوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكان لا بدّ بعد المبايعة أن يُجعَلَ أحدُهما أميرا.

وهنا تنافس سيّدا كهول أهل الجنّة: أيّهما يكون أولى بالإمارة ؟

روى البخاري عن عبدِ اللهِ بنِ الزّبيْرِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ علَى النَّبِيِّصلّى الله عليه وسلّم:

فقالَ أبُو بَكْرٍرضي الله عنه: أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، وقال عُمَرُرضي الله عنه: بَلْ أَمِّرْ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ.

قال أبُو بَكْرٍرضي الله عنه: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي ! قَالَ عُمَرُرضي الله عنه: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ !

فَتَمَارَيَا، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ(2)} [الحجرات].

وروى البخاري عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ قال: كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا - أبا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما -، رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّصلّى اللهعليه وسلّمحِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ.

فقالَ أُو بَكْرٍرضي الله عنه لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلاَّ خِلاَفِي ! قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الآيةَ.

قال ابنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه: فَمَا كَانَ عُمَرُرضي الله عنهيُسْمِعُ رسولَ اللهِصلّى الله عليه وسلّمبَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ.

المسألة الثّالثة: شرح الألفاظ وبيان المعاني.

-( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ): افتُتِحت هذه السّورة بنداء المؤمنين لسببين:

الأوّل: لبيان أنّ ما سيُذكر من الأحكام والمواعظ هو من أوصاف أهل الإيمان.

لذلك روى ابن أبي حاتم أنّ رجلا أتى عبدَ الله بنَ مسعود رضي الله عنه فقال: اِعْهد إليّ، فقال:" إذا سمعت الله يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرْعِهَا سمعَك فإنّه خيرٌ يأمر به، أو شرّ ينهى عنه ".

الثّاني: فيها بيان لأدب التّخاطب ومفاده أنّ المخاطِب يذكّر من يخاطبُه بمناقبه وفضائله بين يدي كلامه ليستميله إلى قبول قوله.

فيستفيد المسلم أنّه إذا خاطب أحدا واعظاً إيّاه وناصحاً له أن يذكّره بخيرٍ فيه أو في أهله وبلده، فبذلك ينشرح لك صدره ويقبل عليك بقلبه فيسمع لما تقول، ويُجيبك إلى ما أردت.

فالمولى تبارك وتعالى
ينادي عباده المؤمنين مثنِياً عليهم: يا من آمنتم بالله وصدّقتم رُسُلي،
وأقررتم بالبعث والحساب ..الخ، ثمّ أتى على ذكر الأمر والنّهي ليجد آذانا
صاغية وقلوبا واعية. ومن نظائر ذلك:

قوله تعالى:{ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] أي: يا ذرّية من حملنا مع نوح ! وهذا تذكير لهم بصلاح آبائهم، والمعنى: يا ذريّة القوم المؤمنين الصّالحين الّذين آمنوا بنوح عليه السّلام وحملهم الله معه في الفلك .. يا ذرّية هؤلاء الفضلاء كونوا شاكرين مثل آبائكم وكنوح عليه السّلام فإنّه كان عبدا شكورا ..

وقوله تعالى:{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمينَ} [البقرة: 47]، وهذا تذكير لهم بصلاح أبيهم يعقوب عليه السّلام، وتذكير لهم بأنّه آتاهم ما لم يُؤتِ أحدا من العالمين.

ومثل ذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم حنين: (( يَا عَمُّ ! يَا عَبَّاسُ ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ )) فقالَ عَبَّاسٌ رضي الله عنه- وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتًا-: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ ؟. فهو يذكّرهم بأعظم أعمالهم وهو بيعة الرّضوان تحت الشّجرة.

فكذلك ينبغي أن يفعل المسلم في دعوته النّاس إلى الخير
أن يُذكّرهم بما يشحذ هممهم ويُقوّي عزمهم، فإذا دعا إلى الإنفاق شخصا
ناداه: يا ابن المحسِنين فأهل بيتك أهل فضل وإحسان .. وإذا رغّبت شخصا في
الصّلاح فذكّره بآبائه الصّالحين وهكذا.

-( لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ): في ذلك معانٍ كلّها صحيحة ترجع إلى معنى واحد:

الأوّل: قال ابن عبّاس رضي الله عنه:" لا تقولوا خلافَ الكتاب والسنّة "، وهذه رواية عليّ بن أبي طلحة عنه.

فكلّ من قال بخلاف الوحيين فقد قدّم بين يدي الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم..

الثّاني: عن ابن عبّاس رضي الله عنه أيضا قال:" نُهُوا أن يتكلّوا بين يدي كلامه "، وهذه رواية عطيّة العوفي عنه.

لذلك قال مجاهد رحمه الله: لا تفتاتوا على رسول اللهصلّى الله عليه وسلّم، وقال أبو عبيدة: تقول العرب: لا تقدّم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي: لا تعجلوا بالأمر والنّهي دونه ".

وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر ولا تنهوا حتى ينهى.."، وهذا يؤيّده سبب النّزول.

قال ابن القيّم رحمه الله في " مدارج السّالكين ":

" أي: لا تقولوا حتّى يقول، ولا تأمروا حتّى يأمر، ولا تُفتوا حتّى يُفْتِي، ولا تقطعوا أمرا حتّى يكون هو الّذي يحكم فيه ويمضيه ".

الثّالث: لا تقدّموا رأيا حتّى تطّلعوا على الكتاب والسنّة.

لذلك كان من الأدب معه صلّى الله عليه وسلّم:" أنّهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط لم يذهب أحد منهم مذهبا في حاجته له حتّى يستأذنه، كما قال تعالى:{إِنَّمَا
المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا
مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لمَْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ}.

فإذا كان هذا مذهبا مقيّدا بحاجة
عارضة لم يوسّع لهم فيه إلاّ بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدّين:
أصوله وفروعه، دقيقه وجليله، هل يشرع الذّهاب إليه دون استئذانه ؟ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} " [" مدارج السّالكين"].

-( وَاتَّقُوا اللَّهَ ): خافوا الله وراقبوه، واجعلوا بينكم وبين غضبه وسخطه وعذابه وقاية.

-( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ): سميع لأقوالكم الّتي تقدّمونها، وعليم بنيّاتكم وبأفعالكم.

[1]ومن
بدائع ترتيب القرآن الكريم أنّ هاتين السّورتين هما خاتمة المطوّل من
القرآن، وفيهما نصرة له على من عاداه ظاهرا، وختم المفصّل بالمعوّذتين
اللّتين فيهما نصرة على من قصد الضرّ به باطنا. [انظر: " نظم الدّرر " للبقاعيّ رحمه الله].



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شعبان
المدير
المدير


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

ذكر عدد المساهمات : 7178
تاريخ التسجيل : 16/06/2010
الموقع :
المزاج المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: رد: تفسير سورة الحجرات (1) مقدّمة بين يدي السّورة - أبو جابر عبد الحليم   الثلاثاء 21 فبراير - 22:51

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:
فقد قال الله عزّ وجلّ:{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.
كانت تلك الحادثة - حادثة الخيّرين رضي الله عنهما - لها الأثر البليغ على صحابيّ آخر ..
كانت هذه الآيات عليه كالرّعد القاصف، والبرق الخاطف ..
إنّه خطيب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وخطيب الأنصار: ثابت بن قيس بن شماسرضي الله عنه.
وهذه المنزلة يدلّ عليها ما رواه مسلم عن أنسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال:" كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الْأَنْصَارِ ".
فما الّذي أصابَه ؟.. وما له لا يفتح بابَه ؟

روى البخاري ومسلم - واللّفظ له - عن أنسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال:

لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} إِلَى آخِرِ الآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ [ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ ]، وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ !

وَاحْتَبَسَ عنْ النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَسَأَلَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ[1]رضي الله عنه فقالَ:

(( يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ ؟ اشْتَكَى ؟ )) قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى !

قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ ثَابِتٌ:

أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللهِصلّى الله عليه وسلّم، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ !

فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( اذْهَبْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ )).

قال أنسٌ:" فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ".

قال ابن القيّم رحمه الله:" فما الظنّ برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنّته وما جاء به ؟!".

ولقد كان هذا حال الصّحابة رضي الله عنهم، فقد روى البخاري عن المسور بن مخرمة حين جاء عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ليبرم مع النبي صلّىالله عليه وسلّم صلح الحديبية، قال:

( جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّصلّى الله عليه وسلّم بِعَيْنَيْهِ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ:

أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُأَصْحَابُ مُحَمَّدٍصلّى الله عليه وسلّممُحَمَّدًا ! وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ! وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ! وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِنَّهُ قَدْعَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا ).

المسألة الأولى: شرح الألفاظ وبيان المعاني.

- ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ): ذكر العلماء في تكرار النّداء فوائد منها:

أ)
أنّ في ذلك بيان رحمة الله بعباده: ذلك لأنّ النّداء تنبيهٌ للمنادى؛
ليُقبِل على استماع الكلام، ويُقبل بقلبه عليه، كما في قول إبراهيم عليه السّلام لأبيه:{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِيأَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَالرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45)} [مريم].

وكقول لقمان لابنه مرارا في ثنايا وصيّته:{يـا بُنَـيَّ}..

ب) بيان أنّ الأمر في الآية الثّانية مقصود أيضا كالأمر في الآية الأولى، فهو من علامات أهل الإيمان، فعظّموه.

- ( لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ): ذلك لأنّه يدلّ على قلّة الاحتشام وترك الاحترام، لأنّ خفض الصّوت وعدم رفعه من لوازم التّعظيم والتّوقير.

ولقد ذكر العلماء حالتين اثنتين تلحقان برفع الصّوت عليه صلّى الله عليه وسلّم وهو حيّ:

أ) الأولى: ما ذكره ابن كثير في " تفسيره ": أنّه يحرم رفع الصّوت أيضا عند قبره، كما كان يُكره في حياته صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنّه محترم معظّم حيّا وميتا ".

وقال القرطبيّ رحمه الله:" وقد كره بعض العلماء رفعَ الصَّوت عند قبره صلّى الله عليه وسلّم ".

ب) الثّانية: مقاطعة الحديث ورفع الصّوت على من يستدلّ بحديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أثناء المحاورة والمناقشة:

قال ابن العربيّ رحمه الله في " أحكام القرآن ":" حرمة النبيّصلّى الله عليه وسلّمميتا كحرمته حيّا, وكلامه المأثور بعد موته في الرِّفعةمثلُ كلامه المسموع من لفظه; فإذا قرئ كلامُه وجب على كلّ حاضرٍ ألاّ يرفع صوته عليه, ولا يُعرِض عنه, كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفّظه به .."

وزاد القرطبيّ فقال:" وكره بعض العلماء رفعَ الصّوت في مجالس العلماء تشريفا لهم إذ هم ورثة الأنبياء ".

- ( وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ): قولان للمفسّرين:

الأوّل: وهو قول الأكثرين: أنّ المعنى: إذا خاطبتموه فلا تجهروا بكلامكم رافعين أصواتكم، فيكون معنى {لاَ تَجْهَرُوا لَهُ} أي لا تجهروا عليه، واللاّم بمعنى ( على )، كما يقال: سقط لفيه أي على فيه، ومنه قوله تعالى:{يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً}.

وعلى هذا يكون قوله تعالى:{وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} توكيدا لقوله:{لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}.

وهذا لم يرتضِه غيرهم، لأنّ التّأسيس مقدّم على التّوكيد، فقالوا:

الثّاني: المعنى: أي لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا رافعين للصّوت منادين له باسمه، ولكن قولوا له قولا ليّنا فيع توقير وتعظيم.

وهذه الآية شبيهة جدّا بقوله تعالى - على أحد القولين -:{لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} [النّور: 63]. وهذا قول سعيد بن جبير والضحّاك ومقاتل.

وقال القرطبيّ:" أي: لا تخاطبوه: يا محمّد ! ويا أحمد ! ولكن: يا نبيّ الله ! ويا رسول الله ! توقيرا له ".

-( أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ ): كراهة أن تحبط أعمالكم، وهذا كثير في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى في السّورة نفسها:{أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ}، وقوله:{فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى}.

-( وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ): لا تعلمون.

وملخّص ما جاء عن علماء اللّغة أنّ مادّة شعر تدلّ على العلم، فـ( شَعَرَ ) بمعنى ( عَلِمَ )، و" ليت شعري " أي: ليت علمي حاصل، فحذف الخبر وهو كثير في كلامهم.

وأشعره الأمرَ وأشعره به: أعلمه إيَّاه، وفي التّنزيل:{وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: من الآية109]، أي: وما يدريكم ؟

و( المشعَر ): مكان الشّعائر، ومنه ( المشعر الحرام ) وهو بالمزدلفة، لأنّه من معالم الحجّ. ومنه قولنا: هذا شعار المسلمين وذاك شعار الكافرين، أي علامة عليه.

ومنه ( المشاعر ): وهي الحواسّ، لأنّها آلة الشّعور.

والشِّعر: هو الكلام المنظوم البليغ، قال ابن منظور: غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كلّ علم شعرا، كما غلب الفقه على علم الشّرع، والنّجم على الثريّا، ومثل ذلك كثير.

وأطلق العرب ( الشَّعر ) على ما ينبت على بشرة الحيّ لأنّه علامة على كمال نموّه وهو جنين.

المسألة الثّانية: كراهية رفع الصّوت.

دلّت الآية وسبب النّزول على تحريم رفع الصّوت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذكرنا الحالات الّتي تلحق بذلك.

ولكن هذا لا يعني أنّ رفعه مع غيره محمود، فإنّ رفع الصّوت مطلقا من غير حاجة من مساوئ الأخلاق أيضا، قال الله تعالى:{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19].

قال ابن كثير رحمه الله:" أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال:{إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ} أي: غاية مَن رفع صوته أنّه يشبه بالحمير في علوّهورفعه، وهو مع هذا بغيض إلى الله ".

وهذا التّشبيه بالحمير يقتضي تحريمه، وذمّه غاية الذمّ لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِيهِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ ))- رواه البخاري عن ابن عبّاس رضي الله عنه -.

قال القرطبيّ رحمه الله:" وهذه الآية أدب من الله تعالى
بترك الصّياح في وجوه النّاس تهاونا بهم، أو بترك الصّياح جملة، وكانت
العرب تفخر بجهارة الصّوت الجهير، وغير ذلك، فمن كان منهم أشدّ صوتا كان
أعزّ، ومن كان أخفض صوتا كان أذلّ، حتّى قال شاعرهم:

جهير الكلام، جهير العطاس *** جهير الرّواء، جهير النـعم

فنهى الله سبحانه وتعالى عن هذه الخلق الجاهلية، بقوله تعالى:{إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ} أي: لو أنّ شيئا يهاب لصوته لكان الحمار فجعلهم في المثل سواء .."اهـ.

فعُلِم من هذا أنّ رفع الصّوت
لفائدة، كنداء البعيد، أو كإعلان المعلنين، أو بيع البائعين لا يدخل تحت
الذمّ، إنّما المقصود هو النّهي عن رفع الصّوت لغير حاجة.

ويزداد هذا الأمر قبحا إذا كان رفع الصّوت في بيوت الله، فقد كره السّلف رفع الصوت فيها، حتّى بالغ الإمام مالك رحمه الله ولم يُجز رفع الصّوت في دروس العلم !

ولقد روى البخاري ومسلم عن كَعْب بْن مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ رضي الله عنه دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا ! حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ فِي بَيْتِهِ.

فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: (( يَا كَعْبُ ! )) قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ ! فَأَشَارَ بِيَدِهِأَنْ: ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ رضي الله عنه: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ! قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليهوسلّم: (( قُمْ فَاقْضِهِ )).

وفي صحيح البخاري عن السّائِبِ بنِ
يزِيدَ قال: كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَحَصَبَنِي رَجُلٌ،
فَنَظَرْتُ، فَإِذَا عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا، قَالَ: مَنْ أَنْتُمَا ؟- أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا ؟ قَالاَ: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِلأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِصلّى الله عليه وسلّم !

قال الحافظ رحمه الله: " قوله لو كنتما يدل على أنه كان تقدم نهيه عن ذلك وفيه المعذرة لأهل الجهل بالحكم إذا كان مما يخفى مثله ".

والله الموفّق لا ربّ سواه.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شعبان
المدير
المدير


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

ذكر عدد المساهمات : 7178
تاريخ التسجيل : 16/06/2010
الموقع :
المزاج المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: رد: تفسير سورة الحجرات (1) مقدّمة بين يدي السّورة - أبو جابر عبد الحليم   الثلاثاء 21 فبراير - 22:52

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:
فقد قال المولى تبارك وتعالى:{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.
وقد رأينا شرح ألفاظ هذه الآية الكريمة، ثمّ وقفنا أمام أدبٍ رفيع من آداب الإسلام، ألا وهو النّهي عن رفع الصّوت من غير حاجة.
وممّا يجدر الوقوف عنده في هذه الآية قوله تعالى:{أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.
وحبوطُ العمل هو: ذهابه وزواله، وهو عقاب شديد من الله تعالى؛ لأنّ عمل المسلم هو رأس ماله، وزاده الّذي يحمله معه إلى ملاقاة ربّه تعالى، فيُخْشَى أن يكون ممّن قال المولى تعالى فيهم:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23].

ومن محبطات الأعمال:
1- الشّرك باللهتعالى:

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزّمر:65]، وقال بعد أن ذكر ثمانية عشر رسولا:{ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعـام:88].

وفرع الشّرك:

2- الرّياء:

قال تعالى:{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف: 110].

وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( قَالَ اللهُتبارك وتعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِالشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِى غَيْرِى تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ )).

وما أحسنَ قولَ ابن القيّم رحمه الله في " الفوائد ":" العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملا يثقله ولا ينفعه ".

3- الردّة:

فقد قال تعالى:{فَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:5]. وذلك بشرط أن يموت على الكفر، فهذا الإطلاق قُيِّد في آية البقرة حيث قال تعالى:{وَمَنْ
يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: من الآية217]، وهو قول جمهور العلماء، خلافا للمالكيّة.

وثمرة الخلاف
في رجل حجّ، ثمّ ارتدّ، ثمّ عاد إلى الإيمان، فعلى قول الجمهور لا يجب
عليه الحجّ مرّة أخرى، وعلى مذهب غيرهم يجب عليه؛ لأنّ حجّه الأوّل حبط.

هذا أثر الرّدّة في الدّنيا.

أمّا أثر الردّة في الآخرة: فإنّه إذا مات على الكفر فإنّه زيادة على حبوط عمله، فإنّه يؤاخذ بكفره الأوّل:

روى البخاري ومسلم عن ابنِ مسعُودٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالَ: (( مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَبِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ )).

ومعنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: (( أَسَاءَ فِي الإِسْلاَمِ
)) أنّه ارتدّ بعد إسلامه، وهو إجماع من أهل العلم على هذا التّأويل؛
لإجماعهم أنّ الإسلام يجبّ ما قبله، غاية ما في الأمر، أنّه يقيّد، فيقال:
الإسلام يجبّ ما قبله إن مات عليه، أمّا لو ارتدّ - والعياذ بالله - فإنّه
يحاسب بما سلف منه.

4- المنّ والأذى:

قال تعالى:{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ
وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ
بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ
تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى
شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:264].

والمنّ:
هو ذكر النّعمة على وجه التّعديد لها والتّقريع بها، مثل أن يقول: قد
أحسنت إليك ونحو ذلك، ولقد سمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت !
فقال له: اسكت فلا خير في المعروف إذا أحصِي.

والمنّ من الكبائر، فقد روى مسلم عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه عنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )). قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقُلْتُ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قال: (( الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلَفِ الْكَاذِبِ )).

والأذى: هو أن ينفق مع غضب وإهانة، كأن يقول للسّائل: ما أشدّ إلحاحك ! ونحو ذلك.

وفي الآية مثل في غاية الحسن:

فشبّه صاحبَ العمل بالحجر الّذي هو
صفوان، وشبّه عمله وصدقته بالتّراب الّذي ترسّب على الحجر، والمنّ والأذى
والرّياء بالوابل وهو المطر الغزير، فينزل الوابل على الحجر بما عليه من
تراب، فيُذهب التّراب كلّه.

كذلك المنّ والأذى والرّياء يذهب كلّ ذلك ثوابَ الأعمال.

5- ترك صلاة العصر:

فقد روى البخاري عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الحَصِيبِ أنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ )).

وفي تخصيص العصر بالذّكر وفي معنى الحبوط أقوال كثيرة لأهل العلم، وأقربها إلى الصّواب إن شاء الله:

أنّ المراد بحبوط العمل ذهابه هباءً منثورا، وإنّما خُصّت صلاة العصر بالذّكر؛ لأنّها وقتَ صعود أعمال العباد إلى الله، فقد روى الشّيخان عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

(( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَأَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ )).

فمفوّت صلاة العصر عن وقتها لا ترفع أعماله إلى الله عزّ وجلّ.

6- التألّي على الله:

فقد روى مسلم عن جُنْدَبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم حَدَّثَ:

(( أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ ! وَإِنَّ اللهَتعالىقَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُعَمَلَكَ )).

وفي رواية لأبي داود عن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ:

(( كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَىالذَّنْبِ، فَيَقُولُ: أَقْصِرْ ! فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ ! فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا ؟! فَقَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِيقَادِرًا ؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ )).

قال أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.

7- تقديم شيء على الكتاب والسنّة ورفع شيءٍ عليهما:

وهو ما جاء ذكرُه في هذه الآية الكريمة.

قال ابن القيّم رحمه الله:" فما الظنّ برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنّته وما جاء به ؟!".

والله الموفّق لا ربّ سواه



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابوتوفيق
مراقب
مراقب


وسام التواصل

وسام الحضور المميز

اوفياء المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 1462
تاريخ التسجيل : 05/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: تفسير سورة الحجرات (1) مقدّمة بين يدي السّورة - أبو جابر عبد الحليم   الثلاثاء 22 مارس - 12:36

.
جزاكم الله خيراً
ونفع بكم
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ ِِِِِ!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير سورة الحجرات (1) مقدّمة بين يدي السّورة - أبو جابر عبد الحليم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: