منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الدين والتدين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بوسى
نائبة المدير العام
نائبة المدير العام


انثى عدد المساهمات : 2012
تاريخ التسجيل : 02/03/2011
الموقع :
المزاج المزاج : تمام

مُساهمةموضوع: الدين والتدين   الأحد 26 فبراير - 7:55

الدين والتدين




مفهوم الدين:

لفظ الدين يطلق في اللغة العربية على معان متعددة:

فيطلق تارة ويراد منه الجزاء، ومنه قوله - تعالى -: (مَالِكِ يَوْمِ
الدِّينِ)[سورة الفاتحة الآية 4 ] أي يوم الجزاء، وهو يوم القيامة.


ويطلق تارة ثانية ويراد منه الحكم والسلطان، ومنه قوله - تعالى -: (مَا
كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ)[سورة يوسف الآية 76 ] أي في
حكمه وسلطانه.


ويطلق ثالثة ويراد منه العادة والشأن، ومنه قول الشاعر:

تقول وقد ذرأت لها وضيني *** أهــذا دينــه أبـدا ودينـي؟

[ذرأت : أي ألقيت. والوضين بطان عريض منسوج من سيور أو شعر ، أو لا يكون
إلا من جلد. والبيت للمثقب العبدي وصححه في اللسان ( ذرأت ) بالدال
المهملة. ]


أي شأنه وشأني.

ويطلق رابعة ويراد منه الطاعة والانقياد، يقال: دان له دينا وديانة: أي خضع، وذل، وأطاع.

ويطلق خامسة ويراد منه ما يتدين به الإنسان، يقال: دان بكذا، أي اتخذه
دينا وتعبد به. [انظر مادة (دين) في القاموس المحيط، والمعجم الوسيط..]


وكلامنا في هذا البحث عن الدين بالمعنى الأخير، وهو ما يتدين به
الإنسان، ولا شك أنه بهذا المعنى يدخل في مفهومه المعنى الذي قبله مباشرة،
وهو الخضوع والذل والطاعة؛ لأن من دان بدين يخضع لتعاليمه، وينقاد لها، ولا
يحيد عنها، كما أنه ليس بعيدا عن سائر المعاني الأخرى؛ لأنها كلها تدور
حول معنى واحد، هو الانقياد والخضوع لسلطان معين.


أما الدين في نظر علماء الأديان، فقد عرفه بعضهم بأنه: " وضع إلهي سائق
لذوي العقول - باختيارهم إياه - إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل،
وهذا يشمل العقائد والأعمال " [دائرة المعارف للبستاني مادة (دين)..]


ومعنى هذا، أن لفظ الدين عند هؤلاء، لا يتناول إلا الأديان السماوية:
كاليهودية والمسيحية والإسلام، أما غيرها من الأديان التي اصطلح عليها بعض
الناس دون أن يكون لها صلة بالسماء، فليست دينا في نظرهم.


ويرى فريق آخر من العلماء: أن الدين هو " عبارة عن الإيمان والعبادة
مهما كانا، فإيمان الوثنيين دين. أو هو عبارة عن الإيمان بقوة أو قوات
سائدة تحكم الأرض، وعن عبادة تلك القوة أو القوات، فيقال: دين حق، ودين
باطل " [المرجع السابق..]


ومعنى هذا: أن الدين عند هؤلاء يشمل الأديان السماوية وغيرها من الأديان
التي هي من صنع البشر، ولا تمت إلى الله بسبب، وقد يشهد لهذا، أن الله سمى
الديانات غير الحقة دينا فقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين)[سورة آل
عمران الآية 85 ] وقال: فيما أمر به نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن
يقوله لكفار قريش: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين)[سورة الكافرون الآية 6
]. والواقع أنه لا خلاف بين الفريقين: فالفريق الأول نظر نظرة خاصة،
والفريق الثاني نظر نظرة عامة، ونحن في بحثنا عن الدين والتدين كظاهرة
اجتماعية لا نقصد المعنى الخاص، لا موسعا بحيث يشمل الأديان السماوية كلها،
ولا مضيقا بحيث يقتصر على الإسلام وحده، وإنما نقصد المعنى العام الذي
يشمل الأديان كلها: سماويها وأرضيها.


أما التدين، فهو التمسك بعقيدة معينة، يلتزمها الإنسان في سلوكه، فلا
يؤمن إلا بها، ولا يخضع إلا لها، ولا يأخذ إلا بتعاليمها، ولا يحيد عن
سننها وهديها. ويتفاوت الناس في ذلك قوة وضعفا، حتى إذا ما بلغ الضعف
غايته، عد ذلك خروجا عن الدين وتمردا عليه.


الدين والتدين كظاهرة اجتماعية:

وظاهرة الدين والتدين، وجدت في المجتمعات الإنسانية من أول وجود
الإنسان، وبقيت إلى يومنا هذا، وستبقى بعد إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها.


وإذا أردنا أن نعرف كيف بدأت هذه الظاهرة؟ وكيف تطورت؟ وإلى أي وضع
انتهت؟ فلست أجد خيرا - في هذا الباب - من كلمة أنقلها عن رسالة التوحيد،
للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، لتنير أمامنا الطريق لمعرفة هذا كله،
ولتكون ركيزة نعتمد عليها في تجلية هذا الموضوع وتوضيحه.


قال - رحمه الله - " كل إنسان - مهما علا فكره وقوي عقله، أو ضعفت فطنته
وانحطت فطرته - يجد من نفسه أنه مغلوب لقوة أرفع من قوته وقوة من أنس منه
الغلبة عليه مما حوله، وأنه محكوم بإرادة تصرفه وتصرف ما هو فيه من العوالم
في وجوه قد لا تعرفها معرفة العارفين، ولا تتطرق إليها إرادة المختارين،
تشعر كل نفس أنها مسوقة لمعرفة تلك القوة العظمى، فتطلبها من حسها تارة،
ومن عقلها أخرى، ولا سبيل لها إلا الطريق التي حددت لنوعها، وهي طريق
النظر، فذهب كل في طلبها وراء رائد الفكر: فمنهم من تأولها ببعض الحيوانات،
لكثرة نفعها، أو شدة ضررها، ومنهم من تمثلت له في بعض الكواكب لظهور
أثرها، ومنهم من حجبته الأشجار والأحجار لاعتبارات له فيها، ومنهم من تبدت
له آثار قوى مختلفة في أنواع متفرقة تتماثل في أفراد كل نوع، وتتخالف
بتخالف الأنواع، فجعل لكل نوع إلها ".


" ولكن كلما رق الوجدان، ولطفت الأذهان، ونفذت البصائر، ارتفع الفكر
وجلت النتائج، فوصل من بلغ به علمه المنازل من ذلك إلى معرفة هذه القدرة
الباهرة، واهتدى إلى أنها قدرة واجب الوجود، غير أن من أسرار الجبروت ما
غمض عليه فلم يسلم من الخبط فيه، ثم لم يكن له من الميزة الفائقة في قومه
ما يحملهم على الاهتداء بهديه، فبقي الخلاف ذائعا، والرشد ضائعا ".


" اتفق الناس في الإذعان لما فاق قدرهم، وعلا متناول استطاعتهم، لكنهم
اختلفوا في فهم ما تلجئهم الفطرة إلى الإذعان له اختلافا كان أشد أثرا في
التقاطع بينهم، وإثارة أعاصير الشقاق فيهم، مع اختلافهم في فهم النافع
والضار لغلبة الشهوات عليهم ".


إن كان الإنسان قد فطر على أن يعيش في جملة، ولم يمنح من تلك الفطرة ما
منحه النحل وبعض أفراد النمل - مثلا - من الإلهام الهادي إلى ما يلزم لذلك،
وإنما ترك إلى فكره يتصرف به على نحو ما سبق، كما فطر على الشعور بقاهر
تنساق نفسه بالرغم عنها إلى معرفته، ولم يفض عليه - مع ذلك الشعور - عرفانه
بذات ذلك القاهر ولا صفاته، وإنما ألقي به في مطارح النظر تحمله الأفكار
في مجاريها، وترمي به إلى حيث يدري ولا يدري، وفي كل ذلك الويل على جامعته،
والخطر على وجوده ".


" أفهل مني هذا النوع بالنقص، ورزئ بالقصور عن مثل ما بلغه أضعف
الحيوانات وأحطها في منازل الوجود؟ نعم هو كذلك، لولا ما أتاه الصانع
الحكيم من ناحية ضعفه ".


" الإنسان عجيب في شأنه: يصعد بقوة عقله إلى أعلا مراتب الملكوت، ويطاول
بفكره أرفع معالم الجبروت، ويسامي بقوته ما يعظم أن يسامي من قوى الكون
الأعظم، ثم يصغر ويتضاءل إلى أدنى درك من الاستكانة والخضوع متى عرض له أمر
ما لم يعرف سببه ولم يدرك منشأه، ذلك لسر عرفه المستبصرون، واستشعرته نفوس
الناس أجمعين ".


" من ذلك الضعف قيد إلى هداه، ومن تلك الضعة أخذ بيده إلى شرف سعادته..
فأقام (الله) [زدنا على النص لفظ الجلالة ليستقيم الكلام بعد حذف بعض
عبارات رأينا إمكان الاستغناء عنها.] له من بين أفراده مرشدين هادين،
وميزهم من بينها بخصائص في أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم، وأيد ذلك - زيادة
في الإقناع - بآيات باهرات، تملك النفوس، وتأخذ الطريق على سوابق العقول،
فيستخذي الطامح، ويذل الجامح، ويصطدم بها عقل العاقل، فيرجع إلى رشده،
وينبهر لها بصر الجاهل فيرتد عن غيه، يطرقون القلوب بقوارع من أمر الله،
ويدهشون المدارك ببواهر من آياته، فيحيطون العقول بما لا مندوحة عن الأذهان
له، ويستوي في الركون لما يجيئون به المالك والمملوك، والسلطان والصعلوك،
والعاقل والجاهل، والمفضول والفاضل، فيكون الإذعان لهم أشبه بالاضطراري منه
بالاختياري النظري، يعلمونهم ما شاء الله أن يصلح به معاشهم ومعادهم، وما
أراد أن يعلموه من شؤون ذاته وكمال صفاته، وأولئك هم الأنبياء والمرسلون.
[رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ص 80 - 83..]


معنى الدين والتدين باختصار:

معنى هذا باختصار

أولا: أن ظاهرة الدين والتدين ظاهرة عامة تشترك فيها كل الجماعات
البشرية على مدى تاريخها الطويل، وعلى اختلاف ما بينها من بداوة وحضارة،
وتخلف وارتقاء.


ثانيا: أن مبعث هذه الظاهرة، إحساس كل فرد في جماعة بأن هناك قدرة أو
قدرا تتصرف فيه وفيما حوله تصرفا يلفت النظر ويبهر العقل، فيستشعر من نفسه
ميلا قويا لمعرفة مصدر هذه القدرة التي لها عليه وعلى غيره هذا الأثر
العجيب.


ثالثا: أن العقول حينما تبحث عن الحقيقة دون أن يكون لها مدد من السماء،
لا يمكن أن تتفق على شيء واحد تؤمن به وتخضع له، وإنما تتشعب بها السبل،
فإذا هي مختلفة في ذلك اختلافا كبيرا:


هناك عقول مشت على فطرتها فوصلت إلى معرفة الله، وهناك عقول مشت على غير
فطرتها فنظرت نظرة ساذجة إلى ما حولها من مصادر القوة والتأثير فيها أو
فيما يحيط بها، فإذا بجماعة تعبد الشمس وأخرى تعبد القمر، وثالثة تعبد
النار، ورابعة تعبد الشجر، وخامسة تعبد البقر.. وغير هؤلاء كثيرون يعبدون
آلهة شتى، وكلها مخلوقات لله، لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا، ولا
حياة، ولا نشورا.


رابعا: أن هذه العقول التي وصلت بفطرتها إلى الحقيقة الحقة وهي الله، لا
تستطيع - مهما سمت وارتقت - أن تستقل استقلالا تاما بمعرفة كل ما يتصل
بالله، وما غيبه عنها من عالم الآخرة التي نوقن أنه نهاية المطاف بعد هذه
الحياة الدنيا، كما أنها لا تستقل بمعرفة الخير والشر، وما يجب أن يلتزم به
الإنسان في حياته الدنيا: من عبادات، ومعاملات، وأخلاق، حتى لا يضل ولا
يشقى.


خامسا: لما تقدم، اقتضت حكمة الله - تعالى - ورحمته بعباده، أن يرسل
إليهم رسلا مبشرين ومنذرين، يدعونهم إلى الدين الحق، وإلى الطريق المستقيم.


هؤلاء الرسل بالنسبة لأممهم - كما يقول الأستاذ الإمام - بمنزلة العقول
من الأشخاص [رسالة التوحيد ص 91.،] وأزيد على هذا فأقول: إنها العقول
الهادية التي لا تضل، والواعية التي لا تغفل، لأنها عقول أعدها الله وهيأها
لتخليص البشرية من أباطيلها وأوهامها، وإنقاذها من شرورها وآثامها،
وهدايتها إلى ما فيه خيرها وسعادتها.


* * *

ولكن على أية صورة بدأت العقيدة الدينية؟ هل بدأت ساذجة فكانت خرافة ووثنية؟ أو بدأت واعية مدركة للحقيقة الإلهية؟

لقد افترق الباحثون في تاريخ الأديان في ذلك إلى فريقين:

* فريق منهم " يذهب إلى أن الدين بدأ في صورة الخرافة والوثنية، وأن
الإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه
بالتوحيد، كما تدرج نحو الكمال في علومه وصناعته.


هذه النظرية نادى بها أنصار مذهب (التطور التقدمي أو التصاعدي) الذي ساد
في أوروبا في القرن التاسع عشر في أكثر من فرع من فروع العلوم، وحاول
تطبيقه على تاريخ الأديان عدد من العلماء. [الدين للدكتور محمد عبد الله
دراز ص 102. ".]


* وفريق آخر " يقرر بالطرق العلمية بطلان هذا المذهب، ويثبت بالعكس أن
عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشر، مستدلا بأنها لم تنفك
عنها أمة من الأمم في القديم والحديث، فتكون الوثنيات إن هي إلا أعراض
طارئة، أو أمراض متطفلة بجانب هذه العقيدة العالمية الخالدة.


وهذه هي نظرية (فطرية التوحيد وأصالته) التي انتصر لها جمهور من علماء
الأجناس، وعلماء الإنسان، وعلم النفس [المرجع السابق.] ". ولا نريد أن نطيل
بذكر مناقشة هذا المذهب أو ذاك، فقد تولى هذه المناقشة أستاذنا الفاضل
المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (الدين) ص103 - 108 بأسلوب
شيق ومنطق بارع. وكلمة الفصل في هذا الموضوع هي قوله في نهاية المطاف: "
هكذا عجزت وسائل العلوم أن تقدم لنا بيانا شافيا يطمئن إليه القلب عن ديانة
الإنسان الأول.


أما من أحب أن يسترشد بنصوص الكتب السماوية، فإنه سوف يجد فيها ما يشد
أزر القائلين بأولية العقيدة الإلهية الصحيحة، لا في الغريزة فحسب
(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)[سورة الروم الآية 30
] بل في التطور الزماني كذلك، فهذه النصوص تنادي بأن الناس بدأوا حياتهم
مستقيمين على الحق، مؤتلفين عليه، وأن الانحراف والاختلاف إنما جاء عرضا
طارئا بعد ذلك (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً
فَاخْتَلَفُوا)[سورة يونس الآية 19 ] وأن استمرار هذا الاختلاف واتساع شقته
إنما كان بتأثير الوراثة، وتلقين كل جيل عقيدته للناشئين فيه((كل مولود
يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))[صحيح البخاري في
كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين جـ3 ص 491. ] إلى ذلك كله فإن
الكتب السماوية متفقة على أن الجماعة الإنسانية الأولى لم تترك وشأنها،
تستلهم غرائزها وحدها بغير مرشد ومذكر، بل تعهدتها السماء بنور الوحي من
أول يوم، فكان أبو البشر هو أول الأفذاذ الملهمين، وأول المؤمنين الموحدين،
وأول المتضرعين الأوابين. [الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص 108..]


* * *

وإذا كانت النتيجة هي أن الديانات السماوية هي الأصل، وأن لها السبق في
الوجود الديني، وأن ما اعتراها من شوب أو خلل وما زاحمها من ديانات وضعية
باطلة، إنما هو محض شذوذ وانحراف صدر عن فئات ضالة مضلة.. إذا كانت النتيجة
هي هذا، فلنا أن نتساءل:


هل بدأت هذه الديانات السماوية واستمرت تتنزل ديانة إثر ديانة على نمط واحد، ثم انتهت وهي على هذا النمط دون تغير ولا تطور؟

أو أنها بدأت على نمط خاص، ثم تطورت إلى أنماط مختلفة، ثم انتهت بنمط آخر هو نسيج وحده؟

الواقع أن الأديان السماوية كلها جاءت متفقة ومختلفة: متفقة في أصولها،
مختلفة في فروعها، كلها يتفق على الجوهر والحقيقة.. على أصول العقيدة،
وأصول الشريعة: فهي جميعا تدعو إلى الإيمان بالله وحده، والإيمان بكل ما
جاء عنه، والأخذ بكل ما يصل بالإنسان إلى الخير ويباعد بينه وبين الشر.


والقرآن الكريم يصرح بوحدة الديانات السماوية كلها في الأصل والجوهر، فيقول:

(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)[سورة الشورى
الآية 13 ]


أما فروع الشرائع وتفاصيلها، وسورها وطقوسها، فتختلف فيها الديانات السماوية اختلافا ظاهرا.

فمثلا فريضة الصلاة، جاءت بها كل الشرائع السماوية، ولكنها تختلف صورها
من شريعة إلى شريعة: فهي في الشريعة الإسلامية قيام، وقراءة، وركوع، وسجود
على كيفية معروفة، وفي الشريعة المسيحية ترانيم وتراتيل تتلى على هيئة
خاصة.


ومثلا فريضة الصيام: جاءت بها كل الشرائع السماوية، كما يصرح بذلك قوله -
تعالى -Sadيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)[سورة
البقرة الآية 183] ولكنها تختلف صورتها من شريعة إلى شريعة، فالصوم في
الشريعة الإسلامية: إمساك عن الطعام والشراب والنساء من طلوع الفجر إلى
غروب الشمس، وفي الشريعة المسيحية: إمساك عن أكل كل ذي روح من الحيوان وما
يتولد منه في وقت معين ... وهكذا تختلف الشرائع السماوية في أمور كثيرة
كلها فرعية غير أصلية وذلك في الحقيقة - كما أوضحناه - اختلاف في الأسلوب
والمنهج لا في الجوهر والهدف، وقد جاء ذلك صريحا في قوله - تعالى
-Sadلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)[سورة المائدة الآية
48 ]


أما لماذا اتحدت الشرائع السماوية في أصولها واختلفت في فروعها؟ فذلك
لأن الأصول ثابتة لا تتغير بحال من الأحوال، فالله - سبحانه - هو الله
بذاته وصفاته لا يتغير ولا يتحول أبدا، والرسل - في كل أمة - هم الرسل بما
يجب لهم وما يجوز في حقهم، والكتب المنزلة - على مدى تاريخ الرسالات - هي
الكتب المنزلة بما لها من قداسة وتعظيم، وكل ما جاء عن الله حق ثابت، وصدق
لا ينقض، وأصول الأخلاق، والعبادات، والمعاملات، أدب متبع وطاعة ملتزمة،
ولا يحيد عن ذلك إلا ضال هالك.


أما الفروع: فهي التي يعتريها التغير والتبديل، ويتناولها التعديل
والتطوير، لأنها ليست أكثر من تطبيق للأصول في صور شتى، ولا بد لهذه الصور
أن تختلف تبعا لاختلاف أحوال المكلفين واستعدادهم، وما يحيط بهم من عوامل
وظروف كثيرا ما يكون لها دخل في التكاليف: فما يصلح لزمان قد لا يصلح لزمان
آخر، وما يلائم طبيعة قوم قد لا يلائم طبيعة قوم آخرين.


وإذا نحن تتبعنا الأطوار التي مرت بها البشرية في مراحلها المختلفة، نجد
أنها أشبه ما تكون بالأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته، فهو يبدأ
بمرحلة الطفولة، ثم يتدرج في مراحل أخرى، ينمو فيها جسمه وعقله حتى يصل إلى
مرحلة الرجولة الكاملة والنضج التام.


والبشرية في أول مراحلها بدأت كالطفل: فيها ما فيه من الضعف وعدم
الاحتمال، فكان لا بد لها في هذه المرحلة من غذاء روحي يتناسب مع طبيعتها
وقدرتها على تقبل هذا الغذاء وهضمه، ثم هي بعد ذلك تمر - متدرجة في مراتب
الكمال - بمراحل متتابعة كل مرحلة تزيد فيها عن سابقتها نموا وقدرة وتقبلا،
وهي في كل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى نوع من الغذاء الروحي يتناسب مع
ما هي عليه من درجة النمو والقدرة والتقبل... وأخيرا تبلغ البشرية تمام
نضجها وغاية رشدها فتحتاج في هذه المرحلة الأخيرة إلى غذاء روحي يلائمها
كما ونضجا.


هذا الغذاء الروحي الذي أمد الله به البشرية في أطوارها ومراحلها
المختلفة هو الدين، وحملة هذا الدين إلى البشرية هم الأنبياء والمرسلون،
ومجموعة هذه الرسل - كما صورهم الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - في حديث
له - بناة بيت واحد يؤسس سابقهم للاحقهم، ويشيد لاحقهم على أساس سابقهم.
[الإسلام عقيدة وشريعة للمرحوم الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ص 37. "..]


صورهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا في حديث له فقالSad(مثلي ومثل
الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية
من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة.
قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين))[رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة،
واللفظ لمسلم.]


ومعنى هذا: أن الديانات السماوية تكون في مجموعها صرحا واحدا، اشترك
الأنبياء جميعا في بنائه، فما من نبي بعث إلا وقد وضع فيه لبنة، حتى إذا
شارف البنيان النهاية ولم يبق منه إلا موضع لبنة بها يتم صلاحه ويكمل حسنه،
بعث الله نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - مبشرا بالإسلام وداعيا له،
فكان - عليه الصلاة والسلام - بما جاء به من الدين الإسلامي - اللبنة
المتممة للبناء، المكملة لحسنه وجماله، وبه أتم الله صرح الديانات التي
تعاقبت جيلا بعد جيل.


* * *

وهكذا شاءت حكمة الله - تعالى -أن يرسل نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم
- بدين أعلى ما يكون هداية وإرشادا، وأسمى ما يكون تشريعا وتبصيرا، وختم
الله برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - الرسالات، وجعلها للناس كافة ولم
تكن لقومه خاصة.


ولكن لم كانت رسالة محمد هي خاتم الرسالات؟ ولم كانت للناس كافة ولم تكن لقومه خاصة؟.. نجيب على ذلك فنقول:

أما لم كانت رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم الرسالات؟

فذلك أمر بدهي وطبعي، فما دمنا قد عرفنا أن الإسلام قد بلغ الغاية في
هدايته وتشريعه، ضرورة أنه جاء لإسعاد البشرية في أرقى مراحلها وأوج
كمالها، فأي شئ يرجى للبشرية بعد ذلك؟...


أي شئ يرجى لها بعد الكمال الذي لا كمال بعده؟... لا شيء إلا أن تمشي
البشرية معتصمة به إلى نهايتها إذ ليس بعد الكمال غاية، ولا بعد بلوغ
المنتهى نهاية، والله - تعالى -يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ
دِينًا)[سورة المائدة الآية 3 ]


وفي تقرير أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والمرسلين
يقول الله - عز وجل -: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ
وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين)[سورة الأحزاب الآية 40 ]
ويقول - عليه الصلاة والسلام -: ((إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول
بعدي ولا نبي))[رواه الإمام أحمد بسنده إلى أنس بن مالك - رضي الله عنه -.]


وأما لم كانت رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - للناس كافة، بل وللإنس والجن جميعا؟ فذلك لعدة أمور:

أولا:

أن الإسلام جاء دينا وسطا بين غيره من الأديان السماوية، فيه من كل دين
أيسره وأحسنه، وأكثره ملائمة وتمشيا مع الطبائع المختلفة لبني الإنسان،
فمثلا عقوبة القتل العمد في الشريعة اليهودية القصاص ولا بد، وفي الشريعة
المسيحية العفو، وأكاد أقول ولا بد، فجاءت شريعة الإسلام تخير ولي الدم بين
القصاص والعفو، وكان هذا أمرا وسطا، يتمشى مع الطبائع المختلفة: فمن طبائع
الناس طبائع لا يشفي غلها إلا القصاص، ومنها طبائع هينة لينة، تميل إلى
التسامح وتأخذ بالعفو، وفي شريعة الإسلام ما يساير طبيعة هؤلاء وأولئك.


ومثلا: الزواج، أطلقته الشريعة اليهودية، ولم تقيده التوراة بعدد معين
من النساء، وقصرته الشريعة المسيحية على امرأة واحدة، لأن الأصل فيها هو
التبتل، فإذا كان ولا بد فزوجة واحدة تكفي.


أما الشريعة الإسلامية، فقد جاءت بتشريع وسط بين هذا وذاك، تشريع يرضي
رغبة من يريد التعدد، ولكن بحدود وقيود، فأباحت له أن يجمع بين أربع زوجات
ولا يزيد، بشرط أن يعدل بينهن ولا يجور، وقصرت من لا يأمن على نفسه الجور
على زوجة واحدة فقط.


ولقد يشهد لوسطية الإسلام في تشريعه قوله - تعالى -: (وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)[سورة البقرة الآية 143 ] وقوله (كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس)[سورة آل عمران الآية 110 ] مع ما
استقر في العقول من أن خير الأمور أوسطها.


ثانيا:

أن البشرية - كما قلنا - قد بلغت رشدها فأصبحت تقاد بالعقل وحده، ولم
يعد ينفع معها مجرد الخوارق والقوارع الملجئة أو شبه الملجئة، فجاء الإسلام
دينا منطقيا، رفع من قيمة العقل، وأعطى للإنسان الحرية التامة في التأمل
والتدبر في كل ما يكلف به، فلا يؤمن بعقيدة يدعى إليها إلا بعد ترو
واقتناع، ولا يتبع تشريعا يشرع له إلا بعد نظر يهديه إلى سلامة التشريع
واستناده إلى المنطق السليم والدليل القويم، ثم هو بعد ذلك يذم التقليد
وينعي على المقلدين لآبائهم وأحبارهم ورهبانهم، فيقول عز من قائلSadوَإِذَا
قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا
أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ)[سورة البقرة الآية 170 ] ويقول عن بعض أهل
الكتاب: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ
اللَّه)[سورة التوبة الآية 31 ] ولا يعني باتخاذهم أربابا إلا طاعتهم طاعة
عمياء والتسليم لهم في كل ما يأمرونهم به ويوجهونهم إليه، فكأنهم - في
نظرهم - آلهة تأمر فتطاع، لأنها تصيب دائما ولا تخطئ.


وليس من شك في أن دينا هذا شأنه وذلك منهجه، يصلح لكل جيل وقبيل من لدن نزوله وإلى أن تقوم الساعة.

ثالثا:

أن الدين الإسلامي دين واسع الأفق، وفيه من المرونة واليسر ما يجعله
صالحا لكل الجامعات الإنسانية على اختلاف ألوانها، وأجناسها وبيئتها،
وظروفها " فهو يتسع للحرية الفكرية العاقلة، ولا يقف - فيما وراء عقائده
الأصلية وأصول تشريعه - على لون واحد من التفكير، أو منهج واحد من التشريع،
وهو بتلك الحرية يساير جميع أنواع الثقافات الصحية، والحضارات النافعة،
التي يتفتق عنها العقل البشري في صلاح البشرية وتقدمها مهما ارتقى العقل
ونمت الحياة " [الإسلام عقيدة وشريعة ص 11 مع تصرف يسير في عبارة الأصل..]


وعلى الجملة فالإسلام - كما يقول أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة - " دين
العقل، فما من أمر جاء به إلا كان موافقا للعقل يدركه ويصدقه.. سئل أعرابي:
لماذا آمنت بمحمد؟ فقال: ما رأيت محمدا يقول في أمر: افعل، والعقل يقول:
لا تفعل، وما رأيت محمدا يقول في أمر: لا تفعل، والعقل يقول: افعل... وإن
النظم التي سنها الإسلام لا تزال برونقها وصفائها أعدل من كل ما اهتدى إليه
العقل البشري من نظم، سواء أكان ذلك في نظام الحكم، أم في نظام المال، أم
في نظام الأسرة... فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يصلح لحكم الإنسانية،
وفيه علاج أدوائها. [المجتمع الإنساني في ظل الإسلام للأستاذ الشيخ محمد
أبو زهرة. ".]


ومما يشهد للدين الإسلامي بأنه دين عام للثقلين جميعا قوله - تعالى
-مخاطبا نبيه محمدا - عليه الصلاة والسلام -: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)[سورة الأعراف الآية 158 ]
وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا
وَنَذِيرًا)[سورة سبأ الآية 28 ] وقوله على لسان نبيه: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ
هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ)[سورة الأنعام الآية 19 ]


هذا، ولا ينبغي أن يفهم بحال من الأحوال، أن قولنا عن الإسلام: إنه أرقى
الأديان السماوية وأسماها، وأكملها وأوفاها، وأن تشريعاته وتوجيهاته قد
بلغت القمة التي لم تبلغها شريعة من قبل، فيه انتقاص لغيره من الشرائع
السماوية، معاذ الله أن يكون ذلك قصدنا، فليس مؤمنا ولا مسلما من ينتقص
شريعة سماوية أنزلها الله على رسول من رسله، الله - تعالى -: يخاطب أمة
محمد - صلى الله عليه وسلم - بقولهSadقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا
أُنْـزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْـزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى
وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)[سورة البقرة الآية 136 ] ويقول مثنيا
على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى من اتبعه من المؤمنين:


(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)[سورة البقرة
الآية 285 ]


والذي يجب أن يفهم: هو أن كل شريعة من الشرائع السماوية تعتبر في وقتها -
بالنسبة لأتباعها - في منتهى الكمال؛ لأنه لا يصدر عن الله - تعالى -إلا
الكمال المطلق، ولأن كل شريعة - كما قلنا - جاءت مطابقة لحاجات المخاطبين
بها، ولو أنها انحطت عن مستواها، لعد ذلك قصورا فيها، لأنها تكون دون
الحاجة، كما أنها لو ارتفعت إلى مستوى شريعة تجيء بعدها لعد ذلك مجافيا
للحكمة والصواب، لأنها تكون فوق الحاجة، والحكمة كل الحكمة هو الملاءمة بين
احتياجات كل أمة وما يشرع لها، كما يلائم الطبيب الماهر بين علة المريض
وما يصف له من دواء.


موقف البشر من الديانات ومدى تمسكهم بها

وبعد فما هو موقف البشر من الديانات، وما مبلغ تمسكهم بها؟

هل استجابت كل أمة لرسولها؟

وهل وقف أتباع كل دين عند حدوده والتزموا بتعاليمه التي دعا إليها، وتشريعاته التي نص عليها؟

أو أنهم ارتكسوا في حمأة الغي والضلال، ونكصوا على أعقابهم عائدين إلى نزعات أهوائهم ونزوات شهواتهم؟

الواقع: أن البشر أمام هذه الديانات فرق شتى:

ففريق لزم الجادة فاتخذ دينه الذي هداه الله إليه سبيله في الحياة، لا
يحيد عنه ولا يميل، فسعد وشق طريقه إلى ما فيه خير الدنيا وسعادة الآخرة.


وفريق ثان:آمن بدينه الذي أرشده الله إليه، ولكنه رغم إيمانه به انحرف
عنه في سلوكه ظاهرا وباطنا، وجاهر بالمخالفة، وبارز الله بالمعصية في غير
مبالاة ولا حياء، فشقي في حياته الدنيا، وعرض نفسه لسخط الله وعقابه.


وفريق ثالث: آمن بدينه الذي ارتضى الله له، ولكنه نافق واتخذ التدين
شعارا زائفا يموه به على العامة، ويخدع به من ينطلي عليهم زوره وبهتانه،
وقد تنبأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الصنف من المنافقين، وبين
مآلهم وعاقبة أمرهم فقالSad(يخرج في آخر الزمان رجال يختلون - أي يطلبون -
الدنيا بالدين يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل
وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله - عز وجل -. أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟
فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران))[رواه الترمذي عن
أبي هريرة.]، [التصرف هنا يوهم أن النفاق يكون في آخر الزمان والواقع أن
النفاق قد تم منذ دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وقد ذكر الله
سبحانه بين الأصناف الثلاثة أول سورة البقرة ( ' وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَقُولُ آمَنَّا ' . . . ).]


وفريق رابع: جحد الأديان كلها، وزعم أنها جميعا أوهام وأباطيل مستحدثة،
يقول أستاذنا المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (الدين) ص 73
وما بعدها: " ذهب بعض كتاب القرن الثامن عشر الذين مهدوا للثورة الفرنسية
إلى أن الديانات والقوانين ما هي إلا منظمات مستحدثة، وأعراض طارئة على
البشرية، حتى قال (فولتير): إن الإنسانية لا بد أن تكون قد عاشت قرونا
متطاولة في حياة مادية خالصة، قوامها الحرث، والنحت، والبناء، والحدادة،
والنجارة... قبل أن تفكر في مسائل الديانات والروحانيات، بل قال: إن فكرة
التأليه إنما اخترعها دهاة ماكرون، من الكهنة، والقساوسة الذين لقوا من
يصدقهم من الحمقى والسخفاء ".


ثم بين - رحمه الله - أن هذه النظرة الساخرة إلى الأديان ليست مبتكرة،
وإنما هي ترديد لصدى مجون قديم كان يتفكه به أهل السفسطة من اليونان،
وكانوا يروجونه فيما روجوه من المغالطات والتشكيكات.


ثم قال: " إنه لم ينقض القرن الثامن عشر حتى ظهر خطأ هذه المزاعم: حيث
كثرت الرحلات إلى خارج أوربا، واكتشفت العوائد، والعقائد، والأساطير
المختلفة، وتبين من مقارنتها أن فكرة التدين فكرة مشاعة لم تخل عنها أمة من
الأمم في القديم والحديث، رغم تفاوتهم في مدارج الرقي ودركات الهمجية ".


ثم قال: "... ولسنا ننكر أن تكون هناك عقيدة معينة قد استحدثت في عصر
ما، أو أن يكون ثمة وضع خاص من أوضاع العبادات قد جاء مجلوبا مصنوعا، فذلك
سائغ في العقل، بل واقع بالفعل، أما فكرة التدين في جوهرها، فليس هناك دليل
واحد على أنها تأخرت عن نشأة الإنسان ".


... وأخيرا هناك فريق خامس.

هو فريق العلمانيين الماديين، الذين لم يستطيعوا أن ينكروا أن هناك
ديانات عريقة في القدم، ولكنهم زعموا - زورا وبهتانا - أنها شاخت بمرور
الزمن، ولم تعد صالحة في وقت بلغت البشرية فيه ما بلغت من تقدم في العلم
ورقي في الحضارة.


يقول أصحاب هذا المذهب وعلى رأسهم (أوجست كونت): " إن العقلية الإنسانية
قد مرت بأدوار ثلاثة: دور الفلسفة الدينية، ثم دور الفلسفة التجريدية، ثم
دور الفلسفة الواقعية، وهذا الدور - في نظره - هو آخر الأطوار وأسماها،
فبعد أن كان الناس يعللون الظواهر الكونية بقوة أو قوى إرادية خارجة عنها،
انتقلوا إلى تفسيرها بمعان عامة، وخصائص طبيعية كامنة فيها، كقوة النمو،
والمرونة، والحيوية... إلخ، ثم انتهوا إلى رفض كل تفسير خارجي أو داخلي،
واكتفوا بتسجيل الحوادث كما هي، ومعرفة ما بينها من ترابط وجودي، بقطع
النظر عن أسبابها وغاياتها، وعلى هذا يكون دور التفكير الديني يمثل الحال
البدائية التي تلهت بها الإنسانية في مرحلة طفولتها، فلما شبت عن الطوق
خلعتها لتستبدل بها ثوبا وسطا في دور مراهقتها، حتى إذا بلغت أشدها، واكتمل
رشدها أخذت حلتها الأخيرة من العلوم التجريبية " [الدين للدكتور محمد عبد
الله دراز ص 77..]


ويعلق على هذا المذهب أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز فيقول: "
نقطة الخطأ البارزة في هذا المذهب التطوري، هي أن أنصاره جعلوا منه قانونا
يستوعب التاريخ كله في شوط واحد، قطعت الإنسانية ثلثيه بالفعل، ونفضت أو
كادت تنفض يدها منهما إلى غير رجعة، فلن تعود إليهما إلا أن يعود الكهل إلى
طفولته وشبابه " [الدين ص 77..]


ثم يمضي في مناقشة هذا المذهب مبينا أن الأدوار الثلاثة المذكورة " لا
تمثل أدوارا تاريخية متعاقبة، بل تصور نزعات وتيارات متعاصرة في كل الشعوب،
وليست كلها دائما على درجة واحدة من الازدهار أو الخمول في شعب ما، ولكنها
تتقلب بها الأقدار بين بؤسى ونعمى، ونحوس وسعود. [المرجع السابق ص 78. ".]


مستحيل أن تزول الديانات وتتلاشى ظاهرة التدين أمام تيار المادية كل ما
يقوله الماديون من أن الديانات سوف تزول، وأن ظاهرة التدين سوف تتلاشى أمام
تيار المادية الجارف، وإعصار العلم العاصف، ليس إلا وهما باطلا وخيالا
صوره لهم خداع الغرور العلمي الذي غطى على كثير من العقول.


قال العلماء الماديون ما قالوا في تقرير هذه الفكرة الحمقاء وتبريرها،
ونقول لهم: أي دليل مادي أو عقلي أمكنكم أن تقيموه على صحة ما تدعون؟ ليس
هناك إلى اليوم دليل واحد يؤيد ما تقولون من أن العلم والدين نقيضان لا
يجتمعان فلا بد أن يزول الثاني بوجود الأول، بل على العكس من ذلك قامت أدلة
كثيرة مادية وعقلية على أن الدين يساير العلم ولا يناقضه.


بل كلما تقدم العلم خطوة كان الدين عندها، وكلما كشف العلم عن سر من
أسرار الكون، كلما برزت حقيقة الألوهية المبدعة جلية واضحة، وازداد العقلاء
المتدينون إيمانا فوق إيمانهم، بل وكثيرا ما رجع المفتونون بالعلم والمادة
عن فتونهم فآمنوا بأن للكون مبدعا يجب أن تتعلق به القلوب وتذل له الجباه.


ولقد أشار القرآن في وضوح إلى أنه لا تنافي بين العلم والدين، بل نراه
في أكثر من آية يوقظ العقول من رقدتها، وينبه القلوب من غفلتها ويصيح
بالناس في لهجة الآمر الصارم أو المنكر اللائم (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[سورة يونس الآية 101 ]


(وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ.)[سورة الذاريات الآية 20 -21 ]

(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)[سورة الأعراف الآية 185 ]

وأخيرا يفتح أمامها كتاب الكون بما حواه من أسرار العلم وعجائب المعرفة
التي لا يزال يظهر منها كل يوم جديد وغريب فيقول: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا
فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
الْحَقُّ)[سورة فصلت الآية 53 ]


ولقد أنصف بعض علماء الغرب وفلاسفتهم فأكدوا أن هذه النظرية القائلة
باضمحلال الدين والتدين أمام تقدم العلم، نظرية باطلة، وقرروا أن العلم
يخدم الدين ويدعمه، يقول الدكتور (ماكس نوردوه) عن الديانات: " أنها ستبقى
ما بقيت الإنسانية، وستتطور بتطورها، وستتجاوب دائما مع درجة الثقافة
العقلية التي تبلغها الجماعة. [الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص 80 ".]


ويقول (آرنست رينان): " إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطل
حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل
سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الفكر الإنساني
في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية. [الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص
80 ".]


ويعلق المرحوم الأستاذ محمد فريد وجدي على قول رينان السابق فيقول: "
نعم مستحيل أن تتلاشى فطرة التدين في الإنسان، لأنها أشرف ميول النفس،
وأكرم عواطفها،... ففطرة التدين ستلازم الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به
القبح والجمال، وروية يجيلها في الكون والكائنات، وستزداد فيه هذه الفطرة
حياة وقوة على نسبة علو مداركه، وسمو معارفه. [دائرة معارف القرن العشرين
للأستاذ محمد فريد وجدي، في مادة (دين). "....]


وبعد فقد انتهى المبشرون بالمذهب المادي إلى الحقيقة الناصعة، وقعدوا
يلهثون بعد ما أتعبوا أنفسهم في تدعيم مذهبهم والترويج له، وإذا بهم يرون
أنفسهم وعلومهم لا شيء أمام هذا المذهب المحجب بحجب كثيفة وكثيرة، فلا يكاد
العلم يرفع لهم حجابا إلا ويجدون من ورائه حجبا، ولا ينفك البحث يصل بهم
إلى حقيقة إلا ويلمحون من وراء الغيب حقائق أخرى وأعظم... وأخيرا يستسلمون
أخيرا لمن هو وراء هذه الحجب والمغيبات، يديرها بعلمه وعلى مقتضى حكمته.


نعم رأينا زعماء هذا المذهب المادي يستسلمون أخيرا لواهب الوجود،
ويلوذون برواق الدين هربا من ماديتهم المتخبطة، وعلمانيتهم المحيرة، فهذا
(كونت) الذي كان يتنبأ بأن فناء الديانات سيكون هو النهاية الحتمية لتقدم
العلوم، قد عاد في آخر أمره متصوفا عجيبا، وكلل حياته بوضع ديانة جديدة
طبعها على غرار النظام الكنسي للديانة الكاثوليكية: في عقائدها، وطقوسها،
وأعيادها، وطبقات قساوستها، رواية كاملة أعاد فصولها ولم يغير إلا أشخاصها "
[الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص 87..]


" وهذا سبنسر، ينتهي بأن يقول عن المجهول: (إنه تلك القوة التي لا تخضع
لشيء في العقول، بل هي مبدأ كل معقول، وهي المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في
الوجود).. أليس هذا المجهول هو بعينه موضوع الديانات، يجيئنا الآن باسم آخر
على لسان العلم؟ " [المرجع السابق..]


أثر الدين في حياة الفرد والمجتمع:

قلنا فيما تقدم: أن نزعة الدين في النفوس نزعة فطرية، ونقول الآن: إن ما
فطرت عليه النفوس لا يمكن لها بسهولة أن تنفك عنه، ولو انفكت عنه لكان
معنى ذلك أنها انتكست وتردت إلى مستوى الحيوان الأعجم الذي لا يملك عقلا
ولا نظرا ولا بصيرة.


وإذا كنا نرى أناسا قد انحرفوا عن الدين، فليس معنى ذلك أنهم انسلخوا من
فطرتهم، وإنما هو مجرد ضعف طارئ أمام مغريات المال أو الجسد تارة، ونزعات
العقل تارة أخرى، ووساوس الوهم تارة ثالثة، ثم لا يلبث أن يزول هذا العرض
الطارئ عن جوهر الفطرة فإذا بها نقية طاهرة على نحو ما فطر الله الناس
عليها.


ولقد نعلم أن القرآن الكريم أشار في أكثر من آية إلى أصالة هذه الفطرة
في جميع بني الإنسان وأن ما طرأ عليها ليس إلا انحرافا، لا يلبثون أن
يرجعوا عنه عندما تكتنفهم الخطوب، وتنزل بهم الكروب، يقول الله - تعالى -:
(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا
إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ
الْإِنْسَانُ كَفُورًا )[سورة الإسراء الآية 67 ].


ويقول: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى
إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ
كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ
مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)[سورة يونس الآية 22-23 ]


معنى ذلك أن الدين يحقق الكمال الإنساني للبشرية، فإذا هي حادت عنه، أو
تنكرت له فقد حادت عن الكمال إلى النقص، وتنكرت لما هو مصدر خيرها ومورد
سعادتها.


نعم إن الدين يحقق الكمال ويوفر الخير والسعادة للبشرية كلها أفرادا وجماعات، ونوضح ذلك فيما يلي:

أما بالنسبة للفرد.

1 - فالدين عنصر ضروري لتكميل القوة النظرية في الإنسان، فهو يخرج
بالعقل والفكر عن سجن الماديات والمحسوسات إلى مجال الغيب الفسيح الذي يجد
العقل فيه متعته ولذته من غير حدود ولا قيود، وبهذا تتسع مدارك الإنسان
ويتفتح عقله على معارف شتى تشق أمامه الطريق إلى ما فيه خيره وسعادته.


2 - والدين عنصر ضروري لتكميل الوجدان، حيث يدعو إلى تعلق المخلوق
بالخالق، وعرفان ماله عليه من فضل ومنه، ومراقبته في السر لاعتقاده أنه
يراه، وبهذا تقوى عند الإنسان عاطفة الحب، والشكر، والإخلاص، والحياء،
والأمل، وغيرها من العواطف التي قد لا تجد لها في دنيا الناس معينا يغذيها
وينميها. وبهذا تسمو عاطفة الإنسان نحو الخير دائما، فيستقيم على الجادة،
ويمضي في حياته طاهر القلب نقي الوجدان.


3 - والدين عنصر ضروري لقوة الإرادة عند الإنسان، فهو يمدها بأعظم
البواعث والدوافع لعمل الواجب، ويحصنها بأقوى الوسائل لدفع اليأس ومقاومة
القنوط، وبهذا يمضي الإنسان في طريقه إلى ما تطمح له نفسه من أماني وآمال
وهو لا يلوي على شيء.


إذا هم ألقى بين عينيه عزمه *** ونكـب عـن ذكـر العواقب جانبا

وأما بالنسبة للمجتمع.

1 - فالدين بما حواه من هداية إلهية وتشريعات سماوية، يكفل للمجتمع
الإنساني كل عوامل السعادة والأمن والاستقرار، ولا يكون ذلك أبدا عن تشريع
وضعي وضعه فرد أو جماعة لأمة معينة؛ ذلك لأن الإنسان مهما سما فكره ونضج
عقله لا يمكن أن يحيط خبرا بكل ما يوفر للإنسانية سعادتها وأمنها
واستقرارها، لأنه - لاعتبارات وملابسات شتى- قد يرى الحسن قبيحا، والقبيح
حسنا، وقد يظن النافع ضارا، والضار نافعا، وقد يشرع على وفق ميوله وهواه
دون مراعاة للمصلحة العامة، وينتهي به الأمر إلى تشريع يقوض ولا ينظم،
ويدمر ولا يعمر، ومن وراء ذلك ضياعه وضياع الجماعة التي يعيش بينها.


والله الذي خلق الإنسان، وركب فيه طبائعه ونوازعه، وآماله وآلامه،
وإيثاره وأثرته، ورغباته وشهوته، هو الخبير بكل علله وأدوائه، والعليم
بوسائل شفائه، وناجع دوائه، فهو وحده الذي يقدر أن يضع للجماعات الإنسانية
من الشرائع والقوانين ما يحقق لها أسباب السعادة، ويوفر لها عوامل العزة
والمنعة، ويهيئ لها كل وسائل الأمن والاستقرار، وذلك يكون في نطاق دين
يدعوها إليه على لسان رسول منها، ويتعبدها به على أنه الدين الحق الذي لا
يحيد عنه إلا هالك.


2 - والدين بعد ذلك هو السلطان المهيمن على نفوس المؤمنين به، يحملهم
على الأخذ بتعاليمه، ويدفعهم إلى القيام بما سنه لهم من تشريع وتنظيم،
ويدفعهم إلى التحلي بالفضائل، ويحول بينهم وبين ارتكاب الرذائل، وليس هناك
وراء الدين شيء يهيمن على النفوس، فلا العقوبات المادية تغني، ولا سلطان
الحاكمين يجدي، وحرمة النظم والقوانين أيا كانت لا يكفلها شيء من ذلك،
وإنما يكفلها ويرعاها شيء واحد هو الضمير الديني الذي ينبع من قرارة النفوس
المؤمنة التي تراقب الله في سرها وعلنها.


3 - والدين يجعل الجماعة الإنسانية على قلب رجل واحد، يجمعهم على الخير
والبر، ويؤلف بين قلوبهم حتى يكونوا إخوة متحابين متناصحين، متعاونين،
متكافلين، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر
والحمى.


هذه الأخوة الدينية هي الأخوة الشاملة الكاملة، التي تجمع بين أجناس شتى: تباعدت أوطانهم، وتباينت لغاتهم، وتعددت ألوانهم...

أما الأخوة التي تقوم على وحدة الوطن أو وحدة اللغة، أو وحدة اللون أو
الجنس فتلك أخوة ضئيلة هزيلة، بل هي في الواقع محض عصبية وعنجهية، ومجرد
تكاتف على الأثرة والأنانية وحب الذات وكراهية الغير!!.


الخلاصة:

والخلاصة: " أن الدين - كما يقول أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز - "
يضع للإنسانية المنهج السوي الذي يجب أن يسير عليه الفرد والجماعة، ويضفي
عليه صبغة القدسية، بحيث يصبح سلوك هذا المنهج ضربا من ضروب الدين، وبابا
من أبواب القربات والعبادات، فضلا عن كونه تحقيقا لمبدأ العدالة، وتلبية
لداعي الفطرة السليمة ".


" وليست قوانين الجماعات، ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة
مدينة فاضلة، تحترم فيها الحقوق، وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل، فإن
الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط، أو السجن، أو العقوبة المادية، لا يلبث أن
يهمله عن اطمئنا



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الدين والتدين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: