منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 تسلط الشيطان على هاجر القرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
وفاء
عضوVIP
عضوVIP


انثى عدد المساهمات : 725
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: تسلط الشيطان على هاجر القرآن   السبت 3 مارس - 10:29


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

تسلط الشيطان على هاجر القرآن


والحمدُ لله ربِّ العالَمين، والصَّلاةُ والسَّلام على أشرفِ المرسَلين - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ما أكثرَ الَّذين يَشكُون مِن تسلُّط
الشياطين عليهم، وتمكُّنهم مِنهم، أما لو علِموا الحقيقة، لعَلِموا أنَّهم
هم أنفسُهم مَن أمْكنوا أعداءَهم منهم، وأسْلموا أنفسَهم إليهم، وفيما يَلي
بيانُ المقصود، والله وحْدَه لا شريكَ له هو أعظمُ مقصود؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: 36].




في هذا البيانِ الإلهي متناهِي الرَّوعة
والجَلال، يُشَبِّهُ الحَقُّ - جَلَّ وَعَلا - نورَ القُرآنِ وضياءَه بضوءِ
النِّيران التي يُشعِلها السادةُ الكرماء للناس في طرُق الصحراءِ ليهتدي
إليها الضلال، وعابِروا السَّبيل؛ فيُقدِّموا لهم حاجتهم مِن الطَّعام
والشَّراب والزَّاد، ثم يدلوهم على الطَّريقِ الصَّحيح.




وإنَّها حقًّا وصِدقًا ويَقينًا لَفُرصةٌ
خليقةٌ أنْ يَهتبلها كلُّ ضالٍّ ليذهب إلى صاحِب النار، فيَجِد عندَه كلَّ
ما تحتاجه نفْسُه مِن حاجات معنويَّة وماديَّة؛ كالأمن، والأمان،
والرَّاحة، والطَّعام، والشَّراب ومعرِفة الطريق الصحيحة الموصلة إلى
هدَفِه.




وهذا ما فَعَله نبيُّ الله موسى - صلَّى
الله عليه وسلَّم - عندَما رأى نارًا في الصَّحراءِ، حيث ترَك أهلَه،
وذَهَب إليها طالبًا الهُدى كما حَكَى ربُّنا عنه قائلاً: ﴿ إِذْ
رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴾ [طه: 10]

وقال الحطيئةُ يَمْدح بغِيض بنَ عامر بن شماس:



مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ
تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوْقِدِ


أي: (يَضعُف بصرُك عندما تنظُر إلى نارِه مِن عِظَم الوَقود، واتِّساع الضَّوء).



وقال الأديبُ الحاجُّ أبو عامِر بن عيشون قصيدةً يمدَح الأفضلَ حاكِم مصر كان فيها:




مَنْ وَاجَهَ الشَّمْسَ لَمْ يَعْدِلْ بِهَا قَمَرًا
يَعْشُو إِلَى ضَوْئِهِ لَوْ كَانَ ذَا رَمَدِ


أي: يُبصِر نارَه ضعيف البَصر؛ لأنها مِن عظيم قدْرها تبعث ضياءً عظيمًا يراه كلُّ أحدٍ مهما كان بصرُه ضعيفًا.



فعِندما أخَذ مغنِّي الأفضل ابنُ طوفان
هذه الأبيات، وغنَّاها للأفْضل، فكَافَأ الأفضلُ أبا عامر؛ مؤلِّف الأبيات،
فلمَّا كان مِن الغد، وافاه بخمسين دِينارٍ وكسوة، وحلَّ منه بقَبول
وحَظْوة.




هذا عن نورِ البشَر، فكيف بنورِ ربِّ البشَر - جلَّ وعلا؟!

نعمْ، وأيّ نورٍ أعظمُ مِن نورِ كتاب الله تعالى، كما وصَف ربُّنا - جلَّ وعلا -كتابه بمواضعَ كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا
﴾ [النساء: 174]، (والنُّور المبين: الظاهِر الواضِح الجلي)، فكان حَقًّا
على كل ذِي لبٍّ إذ أضاءَ الله له الطريق، وأنارَه بالذِّكر الحَكيم، أن
يفْزعَ إلى نورِ الله - الذي ما مَنَّ الله على البشريةِ مع كثرةِ مِننه،
ولا أنْعَم عليها - مع جليلِ نِعمه - بمنَّةٍ ولا نِعمةٍ هي أعظَمُ، ولا
أجلُّ مِن نور القرآن الحكيم، فينال منه حاجتَه مِن الهدى، والشِّفاء لكلِّ
أمراضِه النفسيَّة والجسديَّة.




ولكنَّ المغبونين - وما أكثرَهم - تعاموا
قصدًا عن هذا الضِّياء - الذي مِن عَظيمِ قَدرِه لا يخفى على أحد - إعراضًا
منهم عنه، ورَفضَا منهم لشريعتِه التي رسمَها لهم، وخُلودًا منهم
لأهوائِهم الفاسِدة، واختيارًا أحمقَ منهم لطُرق الزَّيغ والضلال، وإيثارًا
أخرقَ منهم للسَّير في الطريقِ المظلِم الحالك على الطريقِ المنير
الواضِح، مَرضًا في قلوبهم، وعمًى في بصائرهم.




ولَمَّا كان هذا السَّيْر في الظلام،
والضَّلال عنِ اختيارٍ بشَري محْض، وإرادة آدميَّة صِرْف، وليس نتيجة عمًى
يحول بيْن صاحبِه ورُؤية هذا النُّور الساطِع، كان التعبيرُ الإلهي البليغ
عنْ هذا الإعراضِ بالفِعل: (يَعْشُ)، ولم يقل: (يَعْمَ).




والفَرْق بيْن الفِعلين أنَّ العمَى لا
شأنَ للإنسان به، ومِن ثَمَّ فلا حسابَ عليه، أمَّا (العشو)، فهو:
التعامِي؛ أي: اصطناع العمَى، وصَرْف البصر زهدًا، ورغبةً في عدمِ الرؤية،
كما قال الشاعر:





أَعْشُو إِذَا مَا جَارَتِي بَرَزَتْ
حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي الخِدْرُ


أي: أصْرف بصَري عن جارتي حتى لا أراها؛ عَفافًا وطهرًا.



فهذه استعارة، حيثُ شَبَّه - جَلَّ وَعَلا
- نورَ القرآن في هدايتِه إلى طريقِ الحق بالنُّورِ الذي يَهدي السائِر في
دُروبِ الصحراء، وحذف المشبَّه به، ودلَّل عليه بالسِّياق، وشبه المعرض
عنِ القرآن بمن يصطنع العمَى، ويؤثِر الظلام على النور؛ اتباعًا لهواه
المريض، وإيثارًا لشهوتِه العاجِلة.




وقدِ اختارَ الحقُّ - جلَّ وعلا - اسمَ (الرحمن)
مِن دون سائرِ الأسماء الحسنى؛ ليشيرَ به إلى نفْسه المقدسة؛ تذكيرًا لهذا
المغبونِ الأخْرَق بأنَّ الرحمن ما أنْزل هذا القرآنَ بما فيه مِن أوامرَ
ونواهٍ ليشقَّ به على العباد، ويُضيِّق عليهم به معايشهم، وما أنزله إلاَّ
رحمةً بهم، وحنانًا عليهم، وهي الأنفعُ لهم في الدنيا والآخِرة، ولولا أن
فيه مصلحة العباد والبلاد ما أنزله ربنا - جلَّ وعلا - كما قال تعالى: ﴿ هُوَ
الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ
﴾ [الحديد: 9]، فقدْ أخبَرنا ربُّنا - جلَّ وعلا - أنَّه ما أنزل القرآنَ
إلاَّ رأفة ورحمة، ومقتضاهما أن يُخرِجنا بالقُرآن مِن الظلماتِ إلى
النُّور، وأنَّ الخيرَ فيما شرَعه لنا مِن أوامر ونواهٍ، حتى وإن خفِي
علينا سرُّ الرحمة، والرأفة؛ إذ هو خالقنا - جلَّ وعلا - وهو أعلمُ منَّا
بما يُصلِحنا.




قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:

فأخْبَر سبحانه أنَّ مَن عَشِي عن ذِكره،
وهو كتابُه الذي أَنْزل على رسوله، فأعْرَض عنه، وعَمِي عنه، وعشَتْ بصيرته
عن فَهمه وتدبُّره ومعرفةِ مُراد الله منه، قيَّض الله له شيطانًا؛ عقوبةً
له بإعراضه عن كتابِه، فهو قَرينه الذي لا يُفارِقه في الإقامةِ ولا في
المسير، ومولاه وعشيرُه الذي هو بِئس المولَى وبِئس العشير؛ "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي".




وهذا التعامي يكون بصُورٍ شتَّى، منها:

1- الانشغال عنْ تلاوة القُرآن، ومدارسته، وتدبُّره، وتعلُّمه، وفَهمه، والعمل به.

2- الانشغال عن تعلُّم التلاوة الصحيحة للقُرآن.

3- الانشغال عنِ التعبُّد بتلاوةِ القرآن، والقيام به تَقرُّبًا إلى الله تعالى، مع العِلم بالثوابِ العظيم لهذا العمَل.

4- ترْك مأموراتِ القرآن، وإتْيان محظوراتِه مع العِلم بذلك، فيترك ما علمه الله مِن الحقِّ لهوى نفسِه، ولقضاء حاجتِه المحرَّمة.

5- سلوكُ طريقِ الضالِّين، وترْك سبيل المتَّقين، فلا يَخاف سطوتَه، ولا يخشَى عِقابَه.




وفي التوكيدِ على أنَّ أشدَّ صُور التعامي هي سلوكُ سبيلِ الضالين في
المعاصِي يقول ابنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: "ولا يَزال
العبدُ يُعاني الطاعةَ ويألفها ويحبُّها ويؤثِرها حتى يرسلَ الله - سبحانه
وتعالى - برحمتِه عليه الملائكة تؤزُّه إليها أزًّا، وتُحرِّضه عليها،
وتُزعِجه عن فِراشه ومجلسه إليها.




ولا يزال يألَف المعاصي ويحبُّها ويؤثِرها، حتى يرسلَ الله إليه الشياطين، فتؤزُّه إليها أزًّا"؛ "الجواب الكافي".



وقال ابنُ القيِّم - رحمه الله تعالى -
أيضًا في كونِ المعاصي سببًا في تسليطِ الشياطين على الإنسان: "إنَّها
تُجرِّئ على العبدِ ما لم يكُن يَجترِئ عليه مِن أصناف المخلوقات، فتَجترِئ
عليه الشياطينُ بالأذَى والإغواء والوسوسةِ، والتخويف والتحزين، وإنسائِه
ما به مصلحته في ذِكره، ومضرَّته في نِسيانه، فتَجترِئ عليه الشياطين حتى
تؤزَّه في معصيةِ الله أزًّا، وتَجترِئ عليه شياطينُ الإنس بما تَقدِر عليه
مِن الأذَى في غيْبته وحضورِه، ويَجترِئ عليه أهلُه وخدمُه وأولادُه
وجيرانُه حتى الحيوان البهيم؛ قال بعضُ السَّلف: إنِّي لأَعْصي الله فأعرِف
ذلك في خُلُق امرأتي ودابَّتي!




وكذلك يَجترِئ عليه أولياءُ الأمر
بالعقوبةِ التي إنْ عدَلوا فيها أقاموا عليه حدودَ الله، وتَجترِئ عليه
نفسُه، فتتأسَّد عليه وتصعُب عليه، فلو أرادَها لخيرٍ لم تُطاوعْه ولم
تَنْقَدْ له، وتَسوقه إلى ما فيه هلاكُه، شاءَ أم أبَى"؛ "الجواب الكافي".




وأمَّا عن سببِ هذا التَّعامِي فمعروف:
فإنَّ المتعامِي مشغولٌ بتحقيقِ شهواته، وتَحصيلها عن كلِّ خير وبِرٍّ
ومعروف، وعن مجرَّد النظر في المصحَف، وتعلُّم القرآن، ومعرفة الحقّ، وإذا
توصَّل يومًا لمعرفة الحقّ، أو وصَل الحقُّ إليه عن طريقِ دُعاته وحامليه،
ووجد أنَّ هذا الحقَّ يحول بيْنه، وبيْن شهواتِه الرَّخيصة، ونزَواته
الدَّنيئة، فإنَّه يُؤثِر هواه المريض، وشهواتِه العاجلةَ عنِ الباقية
الخالدة، وأئمَّة هؤلاء المغبونين الملوك، وذَوو الجاه والسُّلْطان،
وطالبوا المال، والتَّرَف، والرَّفاهية، فإنَّ هؤلاء أكثرُ الناس إنكارًا
للحقِّ بعدَ معرفتِه - إلاَّ مَن رحِم ربي - كما فعَل هِرَقل عندما جاءَه
وافدُ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأراد أن يُسلِم، ولما رأى أنَّ
القساوسة لا يُتابعونه على ذلك، وأنَّ الْمُلْكَ سيخرجُ من يدِه بالإسلام،
آثَر الفانيةَ على الباقية، فلا حولَ ولا قوَّة إلا بالله، وصدَق الله؛ إذ
يقول: ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 37 - 41].




فأيُّ طغيان أعظمُ مِن تقديم الدنيا الفانية على الآخِرة الباقية؟!

وتُرَى: هل حقَّقَ بهذا التقديم الأبْلَه السعادةَ في الدنيا؟!

أم تقلَّب في نارِ الحسْرة، والنَّدم على تَضييعه لما يعلم أنَّه هو الخيرُ بعينه؟!

هذا، وهو يعلم أنَّ ما يَنتظره من حرِّ نارِ الآخرة أشدُّ وأبقَى!

فأنَّى له الراحة بعدَ هذا، وذاك؟!

إنَّ السعادةَ الحقيقيَّة مِن نصيب
الصِّنف الآخَر من البَشر، وهم المتَّقون الذين نهوا أنفسَهم عنِ الهوى
المخالفِ لشَرْع الله - عزَّ وجلَّ.




فهؤلاءِ فحسبُ هم الذين يعيشون في الجنَّة
الأرضيَّة، وهي جنةُ الطاعة كما قَالَ ابنُ القيِّم - رَحِمَهُ اللهُ
تَعَالَى -: "ولا تَحسبْ أنَّ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
﴾ [الانفطار: 13 - 14]، مقصورٌ على نعيمِ الآخِرة وجحيمها فقط، بل في
دُورِهم الثلاثةِ كذلك (الدنيا/ البرزخ/ الآخرة)، فهؤلاءِ في نعيم، وهؤلاء
في جَحيم، وهلِ النعيمُ إلاَّ نعيم القلْب؟ وهلِ العذاب إلاَّ عذاب القلْب؟
وأي عذابٍ أشد مِن الخوف والهمِّ والحزن، وضِيق الصَّدْر، وإعراضه عنِ
الله والدارِ الآخِرة، وتَعلُّقه بغيرِ الله، وانقطاعِه عنِ الله، بكلِّ
واد منه شُعبة؟ وكل شيءٍ تعلَّق به وأحبَّه مِن دون الله، فإنَّه يسومه
سوءَ العذاب"؛ "الجواب الكافي".




ولهذه العِلَّة أشارَ ربُّنا إلى نفْسِه المقدَّسة بهذا الاسمِ الحسَن: (الرحمن)؛ ليُذكِّر هؤلاءِ المغبونين أنَّ كمالَ الرحمة في اتِّباع القُرآن، وإِنْ سَبَّبَ لَهُمْ ذَلِكَ فقدانَ شيءٍ من الدُّنيا.



هذا هو الشقُّ الأوَّل مِن الآية، والذي
تناول فيه ربُّنا - جلَّ وعلا - الذنبَ الذي هو: التَّعامي، والتغافُل،
والإعراض عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ - جلَّ وعلا.




أما العقوبة فتناوَلَها الشقُّ الثاني مِن الآية.



حيثُ النتيجةُ الطبيعيَّة لمن يُعرِض عن
ذِكْر الرَّحمن - جلَّ وعلا - أَمَا لو عَلِم ما جناه على نفْسِه هذا
المعرِضُ بإعراضه، لكان حريًّا أن يراجِع نفْسَه، ألاَ فليعلمنَّ هذا
المعرِض أنَّه بإعراضه، وتعاميه عن الحقِّ قدْ فقَدَ الحصانةَ
الربَّانيَّة، وَحُرِمَ من المعية الإلهيَّة، ومِن ثَمَّ فاز بالمعية
الشيطانيَّة، وأصبح في متناولِ السِّهام الإبليسيَّة، عياذًا بالله تعالى،
إذِ العبدُ لا يُحرِز نفسَه مِن الشيطان إلاَّ بذِكْر الرحمن - جلَّ وعلا -
كما في الحديثِ الصحيحِ عنِ الحارثِ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ الله -
صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - أمَر يحيى بن زَكريا
بخمسِ كلمات؛ أن يعملَ بهنَّ، ويأمرَ بهنَّ بني إسرائيل أن يَعملوا بهنَّ،
فكاد أن يُبطِئ، فقال له عيسى: إنَّك قدْ أُمرْتَ بخمس كلمات أن تَعمل
بهنَّ وتأمر بهنَّ بَني إسرائيل أنْ يَعملوا بهنَّ، فإمَّا أنْ تأمرهم،
وإمَّا أنْ آمرهم.




فقال:
لا تَفعلْ يا أخي، فإنِّي أخشَى إنْ سبقتَني إليهم أنْ أُعذَّب، أو يُخسَف
بي، فجمَع الناسَ في بيتِ المقدس حتى امتلأ، وقعَد على الشرف، فحَمِد الله
وأثْنَى عليه، ثم وعظَهم، فقال: إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - أمَرني بخمسِ
كلماتٍ، وأن أعملَ بهنَّ وأن آمُرَكم أن تَعملوا بهنَّ: أولهنَّ:
أن تَعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، وإنَّ مَثل ذلك كمَثَل رجلٍ
اشترى عبدًا مِن خالِص مالِه بذَهبٍ أو وَرِق، فقال: هذه دَاري وهذا عمَلي
فاعملْ وأدِّ إليَّ عملَك، فجَعل يعمل ويؤدِّي عمله إلى غيرِ سيِّده،
فأيُّكم يسرُّه أن يكونَ عبدُه كذلك يَعمل ويؤدِّي عملَه إلى غيرِه؟ وإنَّ
اللهَ خلقَكم ورزقَكم فاعبدوه ولا تُشركوا به شيئًا، وأمرَكم بالصَّلاة،
فإذا صليتُم فلا تَلتفِتوا، فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يَنصِبُ وجهَه لوجه
عبدِه ما لم يلتفتْ، وآمُركم بالصيام، وإنَّ مثَل ذلك كمَثَل رجلٍ معه
عِصابة فيها صُرَّة مِن مِسْك، فكلُّهم يحبُّ أن يَجِد رِيحها، وإنَّ فَم
الصائم أطيبُ عندَ الله مِن رِيح المِسْك، وآمُركم بالصَّدقة، وإنَّ مَثَل
ذلك كمثَل مَن أسَرَه العدوُّ فشدُّوا يدَه إلى عُنقه وقرَّبوه؛ ليضربوا
عنقَه، فقال: أنا أفتدي نفْسي منكم، فجعل يُعطي القليلَ والكثير حتى
يفدينفسَه منهم، وآمرُكم بذِكْر الله كثيرًا، وإنَّ مَثَل ذِكر
الله - عزَّ وجلَّ - كمَثَل رجلٍ طلبَه العدو سراعًا في أثرِه، فأتى حصنًا
حصينًا، فأحْرِز نفسَه فيه، وإنَّ أحْصَنَ ما يكون العبدُ مِن الشيطانِ إذا
كان في ذِكْر الله تعالى، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم -: ((وأنا آمُرُكم بخمسٍ اللهُ أمَرني بهنَّ: بالجماعة، والسَّمع
والطاعة، والهِجرة، والجِهاد في سبيلِ الله؛ فإنَّه مَن خرَج مِن الجماعة
قِيدَ شِبر فقدْ خلَع ربقةَ الإسلام مِن عُنقه إلا أنْ يرجِع، ومَن دعا
بدعْوى الجاهلية، فهو مِن جُثاءِ جهنَّم، قالوا: يا رسولَ الله، وإنْ صام،
وإن صلَّى؟ قال: وإنْ صام، وإنْ صلَّى، وزَعَم أنَّه مسلم، فادعوا المسلمين
بأسمائِهم بما سمَّاهم الله - عزَّ وجلَّ - المسلمين المؤمنين، عباد الله -
عزَّ وجلَّ))؛ رواه أحمد والترمذي.




والشاهدُ مِن الحديث أنَّ الإنسانَ معصومٌ
مِن الشيطان ما دامَ في معيَّة الرحمن - جل جلاله - ولا يكون مَسعودًا
بهذه المعيَّة الإلهيَّة إلاَّ في حالِ ذِكر الله - عزَّ وجلَّ - ذِكرًا
بما شرَع، والذِّكْر في المقامِ الأوَّل هو تعلُّم الشريعة، والعملُ بها،
وأمَّا تحريك اللِّسان بألفاظٍ لا يعلم العبدُ لها معنًى، أو يعلم معناها،
ولا يَعمل بمقتضاها، بحيثُ يقرأ الأمر ولا يَعمل به، ويَقرأ النهي ويأتيه،
فهذا أقربُ إلى العَبثِ منه إلى الذِّكر، وقدْ صار هذا العابثُ بعبثِه
أبعدَ عنِ الله مِن كلِّ بعيد، وأوْلى للشيطان مِن كلِّ وليٍّ له عِياذًا
بالله تعالى، وكم عابثٍ يحرِّك لسانه بالقُرآن، وهو أبعدُ الخلق عن منهجِه
القويم، وأبعدهم عنْ صِراطه المستقيم.




وأقربُ الأمثلة على ذلك: مثال ذلك الهالِك الذي ذكَر الله نبأَه في القرآن قائلاً: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ *
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ
يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: 175 - 177].




فهلاكُ ذلك الهالكِ لم يكُن بإعراضه عنِ
التلاوة لآيات الرحمن، ولا بإعراضِه عن فَهْمها، ولكن بإعراضِه عن العملِ
بمقتضى ما قرَأ، وعلم، فلمَّا أعْرض عن العملِ بما عَلَّمَه الله تعالى مِن
آياته كان جزاؤُه الحرمان مِن المعية الإلهيَّة، وتحصيل المعية
الشيطانيَّة، فأصابه الشيطانُ بسهامِه التي ما كان له أن يُصيبَه بها لولا
ما كان منه مِن ترْك العمَل بالآيات، وهو ما عبَّر عنه القرآنُ بالانسلاخِ
مِن آيات الله.




وفي هذا المعنى يقولُ ابنُ القَيِّمِ -
رَحِمَه اللهُ تعالى -: "وذلك لأنَّ الطاعةَ حِصنُ الربِّ - تبارك وتعالى -
الذي مَن دخَلَه كان مِن الآمنين، فإذا فارَق الحصنَ اجترأ عليه قُطَّاعُ
الطريق وغيرُهم، وعلى حسبِ اجترائه على معاصِي الله يكون اجتراءُ هذه
الآفاتِ والنفوس عليه، وليس له شيءٌ يردُّ عنه، فإنَّ ذِكر الله وطاعتَه
والصدقة وإرشاد الجاهل، والأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقاية تردُّ عن
العبد، بمنزلةِ القوَّة التي تردُّ المرَض وتقاومه، فإذا سقطتِ القوَّة
غلَب واردُ المرضِ فكان الهلاك، فلا بدَّ للعبدِ مِن شيءٍ يردُّ عنه، فإنَّ
موجبَ السيِّئات والحسنات تتدافَع، ويكون الحُكم للغالِب - كما تقدَّم،
وكلَّما قوي جانبُ الحسناتِ كان الردُّ أقوى كما تقدَّم، فإنَّ الله يدافِع
عنِ الذين آمنوا، والإيمان قولٌ وعملٌ، فبحسب قوَّة الإيمان يكون
الدَّفْع، والله المستعان"؛ "الجواب الكافي".




وقال - رحمه الله تعالى - في المعصية:
"إنَّها مدَدٌ مِن الإنسان يمدُّ به عدوَّه عليه، وجيشٌ يقويه به على
حرْبِه؛ وذلك أنَّ الله سبحانه ابتلَى هذا الإنسانَ بعدوٍّ لا يُفارِقه
طرفةَ عين، ولا يَنام منه ولا يَغفُل عنه، يراه هو وقَبيلُه مِن حيث لا
يراه، يبذل جهدَه في معاداتِه في كلِّ حال، ولا يدَعُ أمرًا يكيده به يقدِر
على إيصاله إليه إلاَّ أوْصَله إليه، ويَستعين عليه ببَنِي جِنسه مِن
شياطين الجن، وغيرهم مِن شياطين الإنس، فقدْ نصَب له الحبائل، وبغَى له
الغوائِل، ومدَّ حولَه الأشراك، ونصَبَ له الفخاخَ والشِّباك، وقال
لأعوانِه: دُونكم عدوَّكم وعدوَّ أبيكم لا يفوتكم، ولا يكون حظُّه الجَنَّة
وحظُّكم النار، ونَصيبه الرَّحْمة ونصيبكم اللَّعْنة، وقدْ علمتم أنَّ ما
جرى عليَّ وعليكم مِن الخزي والإبعاد مِن رحمةِ الله بسببه ومِن أجْله،
فابذلوا جهدَكم أن يكونوا شركاءَنا في هذه البليَّة؛ إذ قدْ فاتنا شِرْكةُ
صالحيهم في الجنة، وقدْ أعلَمَنا الله سبحانه بذلك كلِّه مِن عدوِّنا،
وأمَرَنا أن نأخذَ له أُهبتَه ونعدَّ له عُدَّتَه"؛ "الجواب الكافي".




ولهذه العِلَّة، لا أَشَقَّ على الشيطان مِن ذِكر الله تعالى، وهو ما يُشير إليه ربُّنا - جلَّ وعلا - في قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ
ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].




لقد قَسَّمَ الله تعالى الناس بهذه الآية الكريمة إلى صِنفين لا ثالثَ لهما:

الأول: ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾.

الثاني: ﴿ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾.



وبعدَ هذا التقسيم الإلهي للناس أمَر
الحقُّ - جلَّ وعلا - نبيَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يلزمَ مجالسةَ
القِسم الأوَّل منهما.




والسؤال:
لماذا اختارَ الحقُّ - جلَّ وعلا - الفِعل: (واصبر)، وعدَل عن سائرِ
الأفعال الأخرى التي يُمكن أن تُستخدَمَ في هذا المقام، مثل: (وجالِس/
واصحبْ/ والْزَم/...)؟


ج:
إنَّ الذي أمَر بذلك هو الخالقُ - جلَّ وعلا - وهو أعلمُ بالعبدِ مِن
نفسه، ويَعلم أنَّ الذِّكر مع سهولتِه في الحقيقة، لكنَّه أشقُّ شيءٍ على
الإنسان!




لماذا؟!

ج:
لأنَّ الشيطانَ لا يُحارِب الإنسانَ ليمنعَه مِن طاعة كما يُحارِبه
ليمنعَه من الذِّكر؛ إذ يستجمع كلَّ أسلحته ليصدَّه عنْ ذِكر الله تعالى.




لماذا؟

ج: لأنَّ الشيطان يعلم أنَّ العبدَ إذا كسب منه هذه الجولةَ، فلن يَقدِر عليه في جولةٍ أخرى البتةَ!



لماذا؟

ج: لأنَّه لا يَنفع العبدَ عند الله إلا شيءٌ واحدٌ، ألاَ وهو: القلبُ السليم، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88 - 89].



والقلبُ السليم هو القلْب النَّقي مِن أمراض القلوب، وأمراضُ القلوب مع كثرتِها تنقسِم إلى قسمين:

الأول: أمراض الشبهات،
وهي أن يكونَ الإنسانُ مرتابًا في أصلِ التشريع - عياذًا بالله تعالى -
وهذه الأمراضُ تُخْرِجُ صاحبَها من ملَّة الإسلام - عياذًا بالله تعالى -
وهو ما أشارَ إليه ربُّنا بقوله تعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [البقرة: 10].




الثاني: أمراض الشهوات،
وهي أنْ يَكونَ الإنسان مُوقِنًا بأصلِ التشريع، ولكنَّه عاجزٌ عن العملِ
به؛ خُضوعًا لشهوته الغالِبة عليه، وهذه الأمراضُ لا تُخْرِجُ صاحبَها مِن
مِلَّة الإسلام، ولكنَّها تنقص درجتَه الإيمانيَّة، وتجعله مُستأهِلاً
للعذاب - عياذًا بالله، وإن لم يستوجبِ الخلود فيه، وهو ما أشار إليه
ربُّنا بقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا ﴾ [الأحزاب: 32].




ولا يقي العبدَ، ولا يَشفيه مِن كِلا
النوعين إلاَّ ذِكرُ الله تعالى، فالنَّوع الأوَّل من الذِّكر: هو شهودُ
دروس العلم، وتعلُّم الشريعةِ مِن العلماء الربانيِّين، والعمَل بما
يُعلِّموننا إيَّاه مِن العلم؛ إذ عِلْمُ هؤلاء العلماء الربانيِّين هو ما
يُخرِج الله به ظلماتِ الشك والرَّيب، مِن القلوبِ؛ ليحلَّ محلَّها نور
العِلم واليقين، ويَبرأ به العبدُ مِن أمراض الشبهات.




والنوع الثاني مِن الذِّكر: هو
تلاوةُ القرآن بتدبُّر سواء في داخلِ الصلوات المكتوبات، والنوافِل، أم
خارِج الصلاة، وسائِر الأذْكار الأخرى؛ كأذكار الصباح، والمساء، وقبْل
النوم، وعندَ الاستيقاظ، والدُّخول، والخروج مِن المسجِد، والمنزل،
والخَلاء، وغير ذلك، وهذا النَّوْع مِن الذِّكر يعمل على تقويةِ الإيمانِ
في القلْب، وغرْس التقوى ممَّا يكون له أكبرُ الأثَر في الوقايةِ مِن
الأمراض والشهوات، والشفاء ممَّا هو كائنٌ منها في القلب.




فمُواظبة العبدِ على هذين النوعين مِن الأذكار تَحصينٌ منه لنفسِه تحصينًا لا يجِد الشيطان معه إليه مِن سبيلٍ إلى شيء.



فحيثُ كان ذِكْر العبد للرحمن كانتْ معيةُ
الرحمن للعبد، ومتى كانتْ معية الرحمن للعبد، كان تحصينُ الرحمن لعبدِه
مِن كيد الشيطان وسهامه، فبالله عليكم، أيّ خلْقٍ مِن خلق الله تعالى
يَقدِر أن ينالَ مَن عبَد في حِصنِ العزيز الجبَّار - جلَّ وعلا؟!




فذِكر العبدِ لربِّه - جل وعلا - عندَ
مَطعمه، ومشربه، وملبسه، ودخوله مسكنَه، وجماعِ زوجته، وسائِر أمورِه يحفظه
مِن كيد الشيطان، وسهامه، ومشارَكته له في أمورِه كلها، ومتى غفَل العبدُ
عن ذِكر ربِّه - جلَّ وعلا - كانتْ معيَّةُ الشيطان، ومشاركته للعبدِ فيما
نسِي فيه ربَّه مِن مَطعمٍ، أو مَشربٍ، أو ملبسٍ، أو مسكنٍ، أو جماعٍ
للزوجة، أو غير ذلك مِن الأعمال.




وكان مستأهلاً بهذا الإعْراض والتعامي،
وتلك الغَفلة والغمْرة، للوعيدِ الربَّاني، والعِقاب الإلهيّ، فيسلِّط الله
عليه شيطانًا مريدًا يلزمه، فيَزيده ضلالاً على ضلاله كما قال تعالى: ﴿ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ
﴾ [الناس: 4]؛ لأنَّ الوسواسَ هو كثيرُ الوسوسةِ؛ ليضلَّ بها الناس،
والخنَّاس هو كثيرُ التأخُّر والرجوع عنْ إضلال الناس، فهو وسواسٌ عندَ
الغفْلة عن ذِكر الرحمن، خنَّاس عندَ ذِكْر الرحمن.




فلا سبيلَ للشيطانِ البتةَ إلى قَلبٍ
عامرٍ بذِكْر القُرآن ذَكرًا حقيقيًّا مشروعًا، يَتواطأ معه مكنونُ القلوب
مع منطوقِ اللِّسان تَواطؤًا تَظهر ثمرتُه على أفعال الأرْكان، بحيث يكون
العبدُ مرآةً صافية يَظهر عليها وبوضوحٍ، وجلاء صَفاء التشريع الإلهي
النَّقي مِن كلِّ دَنس، وخبث.




وقدِ اعترَف الشيطانُ نفسُه بهذه الحقيقةِ الخالدة: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [الحجر: 39 - 40].



إنَّما محلُّ الشيطان، ومَسْكنه، ومبيته،
ومأواه تلك القلوب الخرِبة مِن الإيمان، القَفْر مِن التقوى، تلك القلوب
التي لا تَعقِل ما تُردِّده الألسن مِن معاني الألفاظ القرآنية، ومِن ثَمَّ
فلا سبيلَ لها إلى إصلاحِ أعمال صاحبِها.




تلك القلوب التي يظنُّ أصحابُها القربَ من الله تعالى، وهم أبعدُ عنه مِن كلِّ بعيدٍ - عياذًا بالله تعالى.



هذه هي العقوبة في الدُّنيا، أن يُسَلِّطَ
الله شيطانًا قرينًا مصاحبًا ملازمًا، على مَن أعرض عنه، ورغِب عن
معيَّته، لا يبرحه طرفةَ عين، يقودُه إلى فسادِ دُنياه، وآخِرته؛ إذ ابتعَد
عن ذِكر الرحمن الذي يقود أهلَه إلى صلاحِ الدنيا والآخِرة.




وهو معَ هذا الزَّيْغ، والضلال يُوهِم
نفسَه أنَّه على صواب، فلا يتذكَّر لمذكِّر، ولا يَتَّعظ لواعِظ، بل يدَّعي
عندَ كلِّ موطنٍ أنَّه على صوابٍ، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 37].




فهم لا يَعتِرفون بحقيقةِ ما هم فيه مِن
الضلال؛ بل يُجيبون على مَن يدعونهم إلى الهُدى قائلين ما حَكاه ربُّنا عن
ذوي القلوبِ المريضة: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ *
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ
كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 8 - 13].




وحالُهم في الدُّنيا كما قال تعالى - أيضًا -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124].



هذا حالُهم في الدنيا: ضلال، ومخادَعة،
ومكابَرة، ومجادَلة، وطعْن في أهل الإيمان، واستهزاء بدُعاتهم إلى الله
تعالى، وضنْك، وبُؤس، وشقاء.




قال ابنُ القيِّم - رحمه الله تعالى - في تفسيرِ الآية: "أي تُنْسَى في العَذابِ كما نَسيتَ آياتي فلمْ تذكُرْها، ولم تعملْ بها.



وإعْراضه عن ذِكره يتناول إعراضَه عن
الذِّكر الذي أنزله، وهو أن يَذكُر الذي أنزله في كتابِه، وهو المرادُ
بتناولِ إعراضه عن أن يَذكُر ربَّه بكتابِه، وأسمائه وصفاتِه، وأوامره
وآلائِه ونِعمه، فإنَّ هذه كلها توابعُ إعراضه عن كتابِ ربِّه تعالى، فإنَّ
الذكرَ في الآية إمَّا مصْدر مضاف إلى الفاعِل، أو مضاف إضافةَ الأسماء
المَحْضة، أعْرَض عن كتابي ولم يَتلُه ولم يتدبَّرْه، ولم يعملْ به ولا
فَهِمه، فإنَّ حياتَه ومعيشتَه لا تكون إلا مُضيَّقةً عليه، منكّدة،
معذَّبًا فيها.




والضَّنك: الضِّيقُ والشدة والبلاء، ووصْفُ المعيشة نفسِها بالضنك مبالَغة، وفسِّرت هذه المعيشةُ بعذابِ البرزخ.



والصحيح: أنَّها تتناول
معيشتَه في الدنيا وحالَه في البرزخ، فإنَّه يكون في ضنْك في الدارين، وهو
شدَّة وجهد وضِيق، وفي الآخِرة ينسى في العذاب، وهذا عكسُ أهلِ السعادة
والفلاح، فإنَّ حياتهم في الدنيا أطيبُ الحياة، ولهم في البرزخ وفي الآخرة
أفضلُ الثواب"؛ "الوابل الصيِّب من الكلم الطيِّب".




هذا عنِ الدنيا الفانية، وأمَّا في الآخِرة فعذابٌ أشد وأنْكَى، كما قال ربنا - عزَّ وجلَّ -:﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
﴾ [الزخرف: 38]، يتبرَّأ منه الشيطانُ الذي كان يُطيعه في غوايتِه، ومن
الآيات التي تُصوِّر هذا التبرؤَ الشيطاني مِن أوليائِه الذين كانوا
يطيعونه في الدنيا، ويَتَّبعونه في ضلالِه وغوايته، ما قاله ربُّنا - جلَّ
وعلا -: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ
الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ
فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ
دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا
أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ
إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 22]، هكَذا يتبرَّأ الشيطانُ
مِن أتباعه مذكِّرًا لهم أنَّهم هم الذين اختارُوه عمدًا، وقصدًا، وأنَّهم
هم الذين مَكَّنوه مِن أنفسهم بإعراضِهم عن ذِكْر الرحمن - جلَّ وعلا -
ويُذكِّرهم: ما أنا بمنقذِكم، ولا أنتم بمُنقذي، كلُّنا في العذابِ
مُشترِكون، كلٌّ منَّا ينال جزاءَ ما فعَل؛ أنا في العذاب جزاءً وفاقًا على
دَعوتي لكم إلى الضَّلال، وأنتم معي في العذابِ جَزَاءً وفاقًا على
طاعتِكم لي فيما دعوتُكم إليه مِن الضَّلال.




قال ابنُ القَيِّم - رَحِمَه اللهُ تعالى -:

"ثُمَّ أخبَر سبحانه أنَّ الشيطانَ يصدُّ
قرينَه ووليَّه عن سبيلِه الموصلِ إليه وإلى جَنَّته، ويحسب هذا الضالُّ
المصدود أنَّه على طريقِ هدًى، حتى إذا جاءَ القرينان يومَ القيامة يقول
أحدُهما للآخَرِ: ﴿ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
﴾ [الزخرف: 38]، كنتَ لي في الدُّنيا، أضللْتَني عنِ الهدى بعدَ إذ
جاءَني، وصددْتَني عن الحقِّ وأغويتني حتى هلكتُ، وبِئس القرينُ أنت لي
اليوم.




ولَمَّا كان المصابُ إذا شارَكه غيرُه في
مُصيبةٍ، حصَل له بالتأسِّي نوعُ تخفيف وتسلية، أخبَر الله سبحانه أنَّ هذا
غيرُ موجودٍ وغيرُ حاصل في حقِّ المشتركين في العذاب، وأنَّ القرين لا
يجِد راحةً ولا أدْنى فرَح بعذابِ قرينه معه، وإنْ كانت المصائبُ في الدنيا
إذا عمَّت صارتْ مسلاةً، كما قالت الخنساءُ في أخيها صَخْرٍ:





وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي
عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي


وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ
أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي




فَمَنعَ اللهُ سبحانه هذا القدْرَ مِن الراحةِ على أهلِ النار فقال: ﴿ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ [الزخرف: 39]"؛ "الجواب الكافي".



ومِن خلال ما سبَق يَظهَرُ لنا أهميةُ
ذِكْر الله تعالى في وِقايةِ الإنسان مِن كيْدِ الشيطان وتسلُّطه عليه،
وأنَّ الشيطانَ لا قِبلَ له بالمرءِ إلا عندَ غفلته، وأمَّا المداوِمُ على
ذِكْر ربِّه فهو في حِصنٍ حَصينٍ لا يَقدِر كلُّ الشياطين طُرًّا - بمَن
فيهم إبليس الأب - أنْ ينالوا مِن المتحصِّن بذِكْر الله شيئًا البتَّةَ.

كما يَنبغي التذكيرُ بأنَّ الهجرَ الأعظمَ هو هجرُ العمَل، والذِّكرَ الأعظم هو ذِكرُ التطبيقِ للقرآن والاتِّباع للسنة.

اللهمَّ اجعلْنا مِن أوليائك الذين تَعصِمهم مِن كيْد الشيطان، آمين.

فهل مِن مُتَّعِظ؟! فهل مِن متذكِّر قبلَ فوات الأوان؟!

اللهمَّ اجعلنا مِن أوليائك الذين تَعصِمُهم مِن كيْد الشيطان، آمين.

وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.

سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفِرك، وأتوبُ إليك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تسلط الشيطان على هاجر القرآن
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: