منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد سليم
برونزى


عدد المساهمات : 172
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 13 أبريل - 14:05

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله


إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله
وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.



أما بعد:



هذه
الأربعون ينبغي لطالب العلم أن يحفظها،لأنها منتخبة من أحاديث عديدة. وفي
أبواب متفرقة،بخلاف غيرها من المؤلفات فلو نظرنا إلى عمدة الأحكام لوجدناها
منتخبة؛ لكنها في باب واحد وهو باب الفقه، أما الأربعون النووية فهي في
أبواب متفرقة متنوعة. ونحن نستعين بالله تعالى في التعليق عليها. والله
الموفّق.الحديث الأول



(عَنْ
أَمِيرِ المُؤمِنينَ أَبي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ
تعالى عنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ
بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوله، وَمَنْ
كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا، أَو امْرأَة يَنْكِحُهَا،
فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)[3]

رواه
إماما المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن
بَرْدِزْبَهْ البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيري
النيسابوري، في صحيحيهما اللَذين هما أصح الكتب المصنفة.









الشرح

عَنْ
أَمِيرِ المُؤمِنينَ وهو أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه،آلت إليه
الخلافة بتعيين أبي بكر الصديق رضي الله عنه له، فهو حسنة من حسنات أبي
بكر، ونصبه في الخلافة شرعي، لأن الذي عينه أبو بكر، وأبو بكر تعين بمبايعة
الصحابة له في السقيفة، فخلافته شرعية كخلافة أبي بكر، ولقد أحسن أبو بكر
اختياراً حيث اختار عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وفي قوله سَمِعْتُ دليل
على أنه أخذه من النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة. والعجب أن هذا الحديث
لم يروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمر رضي الله عنه مع أهميته،
لكن له شواهد في القرآن والسنة. ففي القرآن يقول الله تعالى: (وَمَا
تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ )(البقرة: الآية272) فهذه
نية، وقوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً
سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً )(الفتح: الآية29)
وهذه نيّة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:
وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِيْ بِهَا وَجْهَ اللهِ
إِلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلَهُ فِي فِيّ امْرَأَتِك[4]
فقوله: تَبْتَغِي بِها وَجْهَ اللهِ فهذه نية، فالمهم أن معنى الحديث ثابت
بالقرآن والسنة. ولفظ الحديث انفرد به عمر رضي الله عنه، لكن تلقته الأمة
بالقبول التام، حتى إن البخاري رحمه الله صدر كتابه الصحيح بهذا الحديث.







قوله
: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا
نَوَى لهذه الجملة من حيث البحث جهتان: نتكلم أولاً على مافيه من البلاغة:

فقوله:
إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فيه من أوجه البلاغة الحصر، وهو:إثبات
الحكم في المذكور ونفيه عما سواه،وطريق الحصر: إِنَّمَا لأن (إنما) تفيد
الحصر، فإذا قلت: زيد قائم فهذا ليس فيه حصر، وإذا قلت: إنما زيد قائم،
فهذا فيه حصر وأنه ليس إلا قائماً. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى .

وفي
قوله صلى الله عليه وسلم: وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا
يُصِيْبُهَا أو امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ
إِلَيهِ من البلاغة: إخفاء نية من هاجر للدنيا، لقوله: فَهِجْرَتُهُ إِلَى
مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ولم يقل: إلى دنيا يصيبها، والفائدة البلاغية في ذلك
هي: تحقير ماهاجر إليه هذا الرجل، أي ليس أهلاً لأن يُذكر، بل يُكنّى عنه
بقوله: إلى ماهاجر إليه.







وقوله:
مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ الجواب: فَهِجْرَتُهُ
إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فذكره تنويهاً بفضله، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ
لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا أو امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا
هَاجَرَ إِلَيهِ ولم يقل:إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، لأن فيه تحقيراً
لشأن ما هاجر إليه وهي: الدنياأو المرأة.







* أما من جهة الإعراب، وهو البحث الثاني:

فقوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ مبتدأ وخبر، الأعمال: مبتدأ، والنيات: خبره.

وَإِنَّمَا
لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى أيضاً مبتدأ وخبر، لكن قُدِّم الخبر
علىالمبتدأ؛ لأن المبتدأ في قوله: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى
هو: مانوى متأخر.

فمَنْ
كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ
وَرَسُولِهِ هذه جملة شرطية، أداة الشرط فيها: مَنْ، وفعل الشرط: كانت،
وجواب الشرط: فهجرته إلى الله ورسوله.

وهكذا نقول في إعراب قوله: وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا .







أما في اللغة فنقول:



الأعمال جمع عمل، ويشمل أعمال القلوب وأعمال النطق، وأعمال الجوارح، فتشمل هذه الجملة الأعمال بأنواعها.

فالأعمال القلبية: مافي القلب من الأعمال: كالتوكل على الله، والإنابة إليه، والخشية منه وما أشبه ذلك.

والأعمال
النطقية: ماينطق به اللسان، وما أكثر أقوال اللسان، ولاأعلم شيئاً من
الجوارح أكثر عملاً من اللسان، اللهم إلا أن تكون العين أو الأذن.

والأعمال الجوارحية: أعمال اليدين والرجلين وما أشبه ذلك.

الأعْمَالُ
بِالنِّيَّاتِ النيات: جمع نية وهي: القصد. وشرعاً: العزم على فعل العبادة
تقرّباً إلى الله تعالى، ومحلها القلب، فهي عمل قلبي ولاتعلق للجوارح بها.

وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ أي لكل إنسانٍ مَا نَوَى أي ما نواه.

وهنا مسألة: هل هاتان الجملتان بمعنى واحد، أو مختلفتان؟

الجواب:
يجب أن نعلم أن الأصل في الكلام التأسيس دون التوكيد، ومعنى التأسيس: أن
الثانية لها معنى مستقل. ومعنى التوكيد: أن الثانية بمعنى الأولى. وللعلماء
رحمهم الله في هذه المسألة رأيان، يقول أولهما: إن الجملتان بمعنى واحد،
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وأكد
ذلك بقوله: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى .

والرأي الثاني يقول: إن الثانية غير الأولى، فالكلام من باب التأسيس لامن باب التوكيد.

* والقاعدة:
أنه إذا دار الأمر بين كون الكلام تأسيساً أو توكيداً فإننا نجعله
تأسيساً، وأن نجعل الثاني غير الأول، لأنك لو جعلت الثاني هو الأول صار في
ذلك تكرار يحتاج إلى أن نعرف السبب.

* والصواب:
أن الثانية غير الأولى، فالأولى باعتبار المنوي وهو العمل. والثانية
باعتبار المنوي له وهو المعمول له، هل أنت عملت لله أو عملت للدنيا. ويدل
لهذا مافرعه عليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: فمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ
وعلى هذه فيبقى الكلام لاتكرار فيه.

والمقصود من هذه النية تمييز العادات من العبادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض.







* وتمييز العادات من العبادات مثاله:

- أولاً:الرجل
يأكل الطعام شهوة فقط، والرجل الآخر يأكل الطعام امتثالاً لأمر الله عزّ
وجل في قوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا )(الأعراف:الآية31) فصار أكل الثاني
عبادة، وأكل الأول عادة

- ثانياً:
الرجل يغتسل بالماء تبرداً، والثاني يغتسل بالماء من الجنابة، فالأول
عادة، والثاني: عبادة، ولهذا لوكان على الإنسان جنابة ثم انغمس في البحر
للتبرد ثم صلى فلا يجزئه ذلك، لأنه لابد من النية،وهو لم ينو التعبّد وإنما
نوى التبرّد.

ولهذا
قال بعض أهل العلم: عبادات أهل الغفلة عادات، وعادات أهل اليقظة عبادات.
عبادات أهل الغفلة عادات مثاله: من يقوم ويتوضأ ويصلي ويذهب على العادة.
وعادات أهل اليقظة عبادات مثاله: من يأكل امتثالاً لأمر الله، يريد إبقاء
نفسه، ويريد التكفف عن الناس، فيكون ذلك عبادة. ورجل آخر لبس ثوباً جديداً
يريد أن يترفّع بثيابه، فهذا لايؤجر، وآخرلبس ثوباً جديداً يريد أن يعرف
الناس قدر نعمة الله عليه وأنه غني، فهذا يؤجر. ورجل آخر لبس يوم الجمعة
أحسن ثيابه لأنه يوم جمعة، والثاني لبس أحسن ثيابه تأسياً بالنبي صلى الله
عليه وسلم ، فهو عبادة.







* تمييز العبادات بعضها من بعض مثاله:

رجل يصلي ركعتين ينوي بذلك التطوع، وآخر يصلي ركعتين ينوي بذلك الفريضة، فالعملان تميزا بالنية، هذا نفل وهذا واجب، وعلى هذا فَقِسْ.

* إذاً المقصود بالنيّة: تمييز العبادات بعضها من بعض كالنفل مع الفريضة، أوتمييز العبادات عن العادات.

واعلم
أن النية محلها القلب، ولايُنْطَقُ بها إطلاقاً،لأنك تتعبّد لمن يعلم
خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والله تعالى عليم بما في قلوب عباده، ولست
تريد أن تقوم بين يدي من لايعلم حتى تقول أتكلم بما أنوي ليعلم به، إنما
تريد أن تقف بين يدي من يعلم ماتوسوس به نفسك ويعلم متقلّبك وماضيك،
وحاضرك. ولهذا لم يَرِدْ عن رسول الله ولاعن أصحابه رضوان الله عليهم أنهم
كانوا يتلفّظون بالنيّة ولهذا فالنّطق بها بدعة يُنهى عنه سرّاً أو جهراً،
خلافاً لمن قال من أهل العلم: إنه ينطق بها جهراً، وبعضهم قال: ينطق بها
سرّاً ، وعللوا ذلك من أجل أن يطابق القلب اللسان.

ياسبحان
الله، أين رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا ؟ لوكان هذا من شرع الرسول
صلى الله عليه وسلم لفعله هو وبيّنه للناس، يُذكر أن عاميّاً من أهل نجد
كان في المسجد الحرام أراد أن يصلي صلاة الظهر وإلى جانبه رجل لايعرف
إلاالجهر بالنيّة، ولما أقيمت صلاة الظهر قال الرجل الذي كان ينطق بالنية:
اللهم إني نويت أن أصلي صلاة الظهر، أربع ركعات لله تعالى، خلف إمام المسجد
الحرام، ولما أراد أن يكبّر قال له العامي: اصبر يارجل، بقي عليك التاريخ
واليوم والشهر والسنة، فتعجّب الرجل.







وهنا مسألة: إذا قال قائل: قول المُلَبِّي: لبّيك اللهم عمرة، ولبيك حجّاً، ولبّيك اللهم عمرة وحجّاً، أليس هذا نطقاً بالنّية؟

فالجواب:
لا، هذا من إظهار شعيرة النُّسك، ولهذا قال بعض العلماء: إن التلبية في
النسك كتكبيرة الإحرام في الصلاة، فإذا لم تلبِّ لم ينعقد الإحرام، كما أنه
لولم تكبر تكبيرة الإحرام للصلاة ما انعقدت صلاتك. ولهذا ليس من السنّة أن
نقول ما قاله بعضهم: اللهم إني أريد نسك العمرة، أو أريد الحج فيسّره لي،
لأن هذا ذكر يحتاج إلى دليل ولادليل. إذاً أنكر على من نطق بها، ولكن بهدوء
بأن أقول له: يا أخي هذه ما قالها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه،
فدعْها.

فإذا قال: قالها فلانٌ في كتابهِ الفلاني؟ .

فقل له: القول ما قال الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وَإِنَّمَا
لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى هذه هي نيّة المعمول له، والناس يتفاوتون فيها
تفاوتاً عظيماً، حيث تجد رجلين يصلّيان بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب
أو مما بين السماء والأرض في الثواب، لأن أحدهما مخلص والثاني غير مخلص.

وتجد
شخصين يطلبان العلم في التّوحيد، أو الفقه، أو التّفسير، أو الحديث،
أحدهما بعيد من الجنّة والثاني قريب منها، وهما يقرآن في كتاب واحد وعلى
مدرّسٍ واحد. فهذا رجل طلب دراسة الفقه من أجل أن يكون قاضياً والقاضي له
راتبٌ رفيعٌ ومرتبة ٌرفيعة،والثاني درس الفقه من أجل أن يكون عالماً
معلّماً لأمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، فبينهما فرق عظيم. قال النبي صلى
الله عليه وسلم مَنْ طَلَبَ عِلْمَاً وَهُوَ مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ
اللهِ لا يُرِيْدُ إِلاِّ أَنْ يَنَالَ عَرَضَاً مِنَ الدُّنْيَا لَمْ
يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ [5]، أخلص النية لله عزّ وجل .

* ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً بالمهاجر فقال:

فَمَنْ كَانَتْ هِجرَتُهُ الهجرة في اللغة: مأخوذة من الهجر وهو التّرك.







وأما في الشرع فهي: الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.

وهنا مسألة: هل الهجرة واجبة أو سنة؟

والجواب:
أن الهجرة واجبة على كل مؤمن لايستطيع إظهار دينه في بلد الكفر، فلايتم
إسلامه إذا كان لايستطيع إظهاره إلا بالهجرة، وما لايتم الواجب إلا به
فهوواجب. كهجرة المسلمين من مكّة إلى الحبشة، أو من مكّة إلى المدينة.

فمَنْ
كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ
وَرَسُولِهِ كرجل انتقل من مكة قبل الفتح إلى المدينة يريد الله ورسوله،أي:
يريد ثواب الله، ويريد الوصول إلى الله كقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُنَّ
تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)(الأحزاب: الآية29) إذاً يريد الله: أي يريد
وجه الله ونصرة دين الله، وهذه إرادة حسنة.

ويريد
رسول الله: ليفوز بصحبته ويعمل بسنته ويدافع عنها ويدعو إليها والذبّ
عنه،ونشر دينه، فهذا هجرته إلى الله ورسوله، والله تعالى يقول في الحديث
القدسي مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرَاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعَاً [6] فإذا أراد الله،فإن الله تعالى يكافئه على ذلك بأعظم مما عمل.







*وهنا مسألة: بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم هل يمكن أن نهاجر إليه عليه الصلاة والسلام؟

والجواب:
أما إلى شخصه فلا، ولذلك لايُهاجر إلى المدينة من أجل شخص الرسول صلى الله
عليه وسلم ، لأنه تحت الثرى، وأما الهجرة إلى سنّته وشرعه صلى الله عليه
وسلم فهذا مما جاء الحث عليه وذلك مثل: الذهاب إلى بلدٍ لنصرة شريعة الرسول
والذود عنها. فالهجرة إلى الله في كل وقت وحين، والهجرة إلى رسول الله
لشخصه وشريعته حال حياته، وبعد مماته إلى شريعته فقط.

نظير هذا قوله تعالى: ( فَإِنْ
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرسول صلى الله
عليه وسلم ِ)(النساء: الآية59) إلى الله دائماً، وإلى الرسول صلى الله عليه
وسلم نفسه في حياته، وإلى سنّته بعد وفاته. فمن ذهب من بلدٍ إلى بلد
ليتعلم الحديث، فهذا هجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر من بلد إلى بلد
لامرأة يتزوّجها، بأن خطبها وقالت لاأتزوجك إلا إذا حضرت إلى بلدي فهجرته
إلى ماهاجر إليه. فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا بأن علم
أن في البلد الفلاني تجارة رابحة فذهب إليها من أجل أن يربح، فهذا هجرته
إلى دنيا يصيبها، وليس له إلا ما أراد. وإذا أراد الله عزّ وجل ألا يحصل
على شيء لم يحصل على شيء.

قوله
رحمه الله: (رواه إماما المحدّثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن
إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري من بخارى وهو إمام المحدّثين ومسلم
بن الحجّاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصحّ الكتب
المصنّفة أي صحيح البخاري وصحيح مسلم وهما أصحّ الكتب المصنّفة في علم
الحديث، ولهذا قال بعض المحدّثين: إن ما اتفقا عليه لايفيد الظن فقط بل
يفيد العلم.

وصحيح
البخاري أصحّ من صحيح مسلم، لأن البخاري - رحمه الله - يشترط في الرواية
أن يكون الراوي قد لقي من روى عنه، وأما مسلم- رحمه الله - فيكتفي بمطلق
المعاصرة مع إمكان اللقيّ وإن لم يثبت لقيه، وقد أنكر على من يشترط اللقاء
في أول الصحيح إنكاراً عجيباً، فالصواب ما ذكره البخاري - رحمه الله - أنه
لابد من ثبوت اللقي. لكن ذكر العلماء أن سياق مسلم - رحمه الله - أحسن من
سياق البخاري، لأنه - رحمه الله- يذكر الحديث ثم يذكر شواهده وتوابعه في
مكان واحد، والبخاري - رحمه الله - يفرِّق، ففي الصناعة صحيح مسلم أفضل،
وأما في الرواية والصحة فصحيح البخاري أفضل.

تشاجر قومٌ في البخاري ومسلم

وقالوا: أيّ زين تقدّم

فقلت: لقد فاق البخاري صحة لديّ

كما فاق في حسن الصناعة مسلم

قال بعض أهل العلم: ولولا البخاري ما ذهب مسلم ولا راح، لأنه شيخه.

فالحديث إذاً صحيح يفيد العلم اليقيني، لكنه ليس يقينياً بالعقل وإنما هو يقيني بالنظر لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد سليم
برونزى


عدد المساهمات : 172
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 13 أبريل - 14:06

من فوائد هذا الحديث:
.1هذا
الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، ولهذا قال العلماء:مدار
الإسلام على حديثين: هما هذا الحديث، وحديث عائشة: مَنْ عَمِلَ عَمَلاً
لَيْسَ عَلِيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ [7] فهذا الحديث عمدة أعمال القلوب، فهو ميزان الأعمال الباطنة، وحديث عائشة: عمدة أعمال الجوارح، مثاله:
رجل
مخلص غاية الإخلاص، يريد ثواب الله عزّ وجل ودار كرامته، لكنه وقع في بدع
كثيرة. فبالنظر إلى نيّته:نجد أنها نيّة حسنة. وبالنظر إلى عمله: نجد أنه
عمل سيء مردود، لعدم موافقة الشريعة.

ومثال
آخر: رجلٌ قام يصلّي على أتمّ وجه، لكن يرائي والده خشية منه، فهذا فقد
الإخلاص، فلا يُثاب على ذلك إلا إذا كان أراد أن يصلي خوفاً أن يضربه على
ترك الصلاة فيكون متعبّداً لله تعالى بالصلاة.




.2من فوائد الحديث:
أنه يجب تمييز العبادات بعضها عن بعض، والعبادات عن المعاملات لقول النبي
صلى الله عليه وسلم : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ولنضرب مثلاً
بالصلاة، رجل أراد أن يصلي الظهر، فيجب أن ينوي الظهر حتى تتميز عن غيرها.
وإذا كان عليه ظُهْرَان، فيجب أن يميز ظهر أمس عن ظهر اليوم، لأن كل صلاة
لها نية.

ولوخرج
شخصٌ بعد زوال الشمس من بيته متطهراً ودخل المسجد وليس في قلبه أنها صلاة
الظهر، ولاصلاة العصر، ولا صلاة العشاء، ولكن نوى بذلك فرض الوقت، فهل تجزئ
أو لاتجزئ؟

الجواب: على القاعدة التي ذكرناها سابقاً:لاتجزئ؛ لأنه لم يعين الظهر، وهذا مذهب الحنابلة.
وقيل
تجزئ: ولايشترط تعيين المعيّنة، فيكفي أن ينوي الصلاة وتتعين الصلاة
بتعيين الوقت. وهذه رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- فإذا نوى فرض
الوقت كفى، وهذا القول هو الصحيح الذي لايسع الناس العمل إلا به، لأنه
أحياناً يأتي إنسان مع العجلة فيكبر ويدخل مع الإمام بدون أن يقع في ذهنه
أنها صلاة الظهر، لكن قد وقع في ذهنه أنها هي فرض الوقت ولم يأتِ من بيته
إلا لهذا، فعلى المذهب نقول: أعدها، وعلى القول الصحيح نقول: لاتعدها، وهذا
يريح القلب، لأن هذا يقع كثيراً، حتى الإمام أحياناً يسهو ويكبر على أن
هذا فرض الوقت، فهذا على المذهب لابد أن يعيد الصلاة، وعلى القول الرّاجح
لايعيد.




.3من فوائد الحديث:الحثّ على الإخلاص لله عزّ وجل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسّم الناس إلى قسمين:
قسم: أراد بعمله وجه الله والدار الآخرة.
وقسم: بالعكس، وهذا يعني الحث على الإخلاص لله عزّ وجل .
والإخلاص
يجب العناية به والحث عليه، لأنه هو الركيزة الأولى الهامة التي خلق الناس
من أجلها، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)




.4ومن فوائد الحديث:
حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بتنويع الكلام وتقسيم الكلام،
لأنه قال: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وهذا للعمل وَإِنَّمَا
لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وهذا للمعمول له.

ثانيهما:
تقسيم الهجرة إلى قسمين: شرعية وغير شرعية، وهذا من حسن التعليم، ولذلك
ينبغي للمعلم أن لايسرد المسائل على الطالب سرداً لأن هذا يُنْسِي، بل يجعل
أصولاً، وقواعد وتقييدات، لأن ذلك أقرب لثبوت العلم في قلبه، أما أن تسرد
عليه المسائل فما أسرع أن ينساها.




.5من فوائد الحديث:
قرن الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى بالواو حيث قال: إلى الله
ورسوله ولم يقل: ثم رسوله، مع أن رجلاً قال للرسول صلى الله عليه وسلم :مَا
شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: بَلْ مَاشَاءَ اللهُ وَحْدَه [8]فما الفرق؟

والجواب:
أما ما يتعلّق بالشريعة فيعبر عنه بالواو، لأن ماصدر عن النبي صلى الله
عليه وسلم من الشرع كالذي صدر من الله تعالى كما قال: (مَنْ يُطِعِ الرسول
فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ )(النساء: الآية80)

وأما الأمور الكونية: فلا يجوز أن يُقرن مع الله أحدٌ بالواو أبداً، لأن كل شيئ تحت إرادة الله تعالى ومشيئته.
فإذا قال قائلٌ: هل ينزل المطر غداً ؟
فقيل: الله ورسوله أعلم، فهذا خطأ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس عنده علم بهذا.
مسألة: وإذا قال: هل هذا حرامٌ أم حلال ؟
قيل
في الجواب: الله ورسوله أعلم، فهذا صحيح، لأن حكم الرسول صلى الله عليه
وسلم في الأمور الشرعية حكم الله تعالى كما قال عزّ وجل: (مَنْ يُطِعِ
الرسول صلى الله عليه وسلم فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ )(النساء: الآية80)

مسألة: أيهما أفضل العلم أم الجهاد في سبيل الله ؟
والجواب:
العلم من حيث هو علم أفضل من الجهاد في سبيل الله، لأن الناس كلهم محتاجون
إلى العلم، وقد قال الإمام أحمد: العلم لايعدله شيئ لمن صحّت نيّته .
ولايمكن أبداً أن يكون الجهاد فرض عين لقول الله تعالى: ( وَمَا كَانَ
الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (التوبة:122)

فلوكان
فرض عين لوجب على جميع المسلمين: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)[التوبة:122] أي وقعدت طائفة : (لِيَتَفَقَّهُوا فِي
الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ ) [التوبة:122] ولكن باختلاف الفاعل واختلاف الزمن، فقد نقول
لشخص: الأفضل في حقّك الجهاد، والآخر الأفضل في حقك العلم، فإذا كان شجاعاً
قوياً نشيطاً وليس بذاك الذكي فالأفضل له الجهاد؛ لأنه أليَق به، وإذا كان
ذكيّاً حافظاً قوي الحجة فالأفضل له العلم وهذا باعتبار الفاعل. أما
باعتبار الزمن فإننا إذا كنّا في زمن كثر فيه العلماء واحتاجت الثغور إلى
مرابطين فالأفضل الجهاد، وإن كنّا في زمن تفشّى فيه الجهل وبدأت البدع تظهر
في المجتمع وتنتشر فالعلم أفضل، وهناك ثلاثة أمور تحتّم على طلب العلم:

.1بدع بدأت تظهر شرورها.
.2الإفتاء بغير علم .
.3جدل كثير في مسائل بغير علم .
وإذا لم يكن مرجّحاً فالأفضل العلم



.6ومن فوائد الحديث:
أن الهجرة هي من الأعمال الصالحة لأنها يقصد بها الله ورسوله، وكل عمل
يقصد به الله ورسوله فإنه من الأعمال الصالحة لأنك قصدت التقرّب إلى الله
والتقرب إلى الله هو العبادة.

مسألة: هل الهجرة واجبة أم مستحبة ؟
الجواب:
فيه تفصيل ،إذا كان الإنسان يستطيع أن يظهر دينه وأن يعلنه ولايجد من
يمنعه في ذلك، فالهجرة هنا مستحبة. وإن كان لايستطيع فالهجرة واجبة وهذا هو
الضابط للمستحبّ والواجب. وهذا يكون في البلاد الكافرة، أما في البلاد
الفاسقة -وهي التي تعلن الفسق وتظهره- فإنا نقول: إن خاف الإنسان على نفسه
من أن ينزلق فيما انزلق فيه أهل البلد فهنا الهجرة واجبة، وإن لا،فتكون غير
واجبة. بل نقول إن كان في بقائه إصلاح، فبقاؤه واجب لحاجة البلد إليه في
الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والغريب أن بعضهم يهاجر من بلد
الإسلام إلى بلد الكفر لأنه إذا هاجر أهل الإصلاح من هذا البلد، من الذي
يبقى لأهل الفساد، وربما تنحدر البلاد أكثر بسبب قلة أهل الإصلاح وكثرة أهل
الفساد والفسق. لكن إذا بقي ودعا إلى الله بحسب الحال فسوف يصلح غيره،
وغيره، يصلح غيره حتى يكون هؤلاء على أيديهم صلاح البلد، وإذا صلح عامة
الناس فإن الغالب أن من بيده الحكم سيصلح، ولو عن طريق الضغط، ولكن الذي
يفسد هذا - للأسف - الصالحون أنفسهم، فتجد هؤلاء الصالحين يتحزبون ويتفرقون
وتختلف كلمتهم من أجل الخلاف في مسألة من مسائل الدين التي يغتفر فيها
الخلاف، هذا هو الواقع، لاسيما في البلاد التي لم يثبت فيها الإسلام
تماماً، فربما يتعادون ويتباغضون ويتناحرون من أجل مسألة رفع اليدين في
الصلاة، وأقرأ عليكم قصة وقعت لي شخصياً في منى، في يوم من الأيام أتى لي
مدير التوعية بطائفتين من إفريقيا تكفّر إحداهما الأخرى، على ماذا ؟؟ قال:
إحداهما تقول: السنة في القيام أن يضع المصلي يديه على صدره، والأخرى تقول
السنة أن يُطلق اليدين، وهذه المسألة فرعية سهلة ليست من الأصول والفروع،
قالوا: لا، النبي صلى الله عليه وسلم يقول مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ
فَلَيْسَ مِنِّيْ [9] وهذا كفر تبرّأ منه الرسول صلى الله عليه وسلم فبناء على هذا الفهم الفاسد كفّرت إحداهما الأخرى.




فالمهم:
أن بعض أهل الإصلاح في البلاد التي ليست مما قوي فيها الإسلام يبدع ويفسق
بعضهم بعضاً، ولو أنهم اتفقوا وإذا اختلفوا اتسعت صدورهم في الخلاف الذي
يسوغ فيه الخلاف وكانوا يداً واحدة، لصلحت الأمة، ولكن إذا رأت الأمة أن
أهل الصلاح والاستقامة بينهم هذا الحقد والخلاف في مسائل الدين، فستضرب
صفحاً عنهم وعما عندهم من خير وهدى، بل يمكن أن يحدث ركوس ونكوس وهذا ماحدث
والعياذ بالله، فترى الشاب يدخل في الاستقامة على أن الدين خير وهدى
وانشراح صدر وقلب مطمئن ثم يرى مايرى من المستقيمين من خلاف حاد وشحناء
وبغضاء فيترك الاستقامة لأنه ماوجد ماطلبه، والحاصل أن الهجرة من بلاد
الكفر ليست كالهجرة من بلاد الفسق،فيقال للإنسان: اصبر واحتسب ولاسيما إن
كنت مصلحاً،بل قد يقال: إن الهجرة في حقك حرام.




[3] رواه
البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم حديث (1). ومسلم: كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم
إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، حديث (1907)
(155).


[4] رواه
البخاري: كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ
ما نوى، حديث (56). ومسلم: كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، حديث (1628)
(59).


[5] رواه
الإمام أحمد عن أبي هريرة، حديث رقم (8438). بلفظ (من تعلم علما مما يبتغى
به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة) وابن
ماجه: كتاب العلم، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، حديث(252). وأبو داود –
كتاب: العلم، باب: في طلب العلم لغير الله تعالى، (3664).


[6] رواه الأمام أحمد في المكثرين عن أبي هريرة، (2/413) حديث رقم (9340).

[7] رواه
البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث
(2697)، ومسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور،
حديث (1718) (17).


[8] رواه
الإمام أحمد في مسند آل العباس عن عبدالله بن عباس، حديث ( 1964). وأبو
داود – كتاب: الأدب، باب: لا يقال خبثت نفسي، (4980)، والنسائي في سننه
الكبرى- كتاب: عمل اليوم والليلة، باب النهي أن يقال ما شاء الله وشاء
فلان، (10821)، والدارمي في سننه – كتاب: الاستئذان، باب: في النهي عن أن
يقول: ما شاء الله وشاء فلان، (2699).


[9] رواه
البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، (5063). ومسلم (باختلاف):
كتاب النكاحن باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه. (1401)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد سليم
برونزى


عدد المساهمات : 172
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 13 أبريل - 14:07





الحديث الثاني
عَنْ
عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيضاً قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ
جُلُوْسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ
طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيْدُ بَيَاضِ الثِّيَاب شَدِيْدُ سَوَادِ
الشَّعْرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا
أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ
رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ
وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَم، فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ صلى الله عليه وسلم: (الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ اللهُ وَ أَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ الله،وَتُقِيْمَ الصَّلاَة،
وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ،وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البيْتَ إِنِ
اِسْتَطَعتَ إِليْهِ سَبِيْلاً قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ
يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنِ الإِيْمَانِ، قَالَ:
أَنْ تُؤْمِنَ بِالله،وَمَلائِكَتِه،وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ،وَالْيَوْمِ
الآَخِر،وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ: صَدَقْتَ،
قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ
كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ:
فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: مَا الْمَسئُوُلُ عَنْهَا
بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنْ أَمَارَاتِها،
قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا،وَأَنْ تَرى الْحُفَاةَ العُرَاةَ
العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُوْنَ فِي البُنْيَانِ ثُمَّ
انْطَلَقَ فَلَبِثَ مَلِيَّاً ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أتَدْرِي مَنِ
السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوله أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ
جِبْرِيْلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ)








الشرح
قوله: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ بينما هي (بينا) ولكن زيدت (ما) فيها والأصل: بين نحن، فـ: (ما) زيدت للتوكيد.
و: جُلُوسٌ مبتدأ، وخبره: عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
و: ذَاتَ يَوْمٍ ذات هنا تفيد النكرة، أي في يوم من الأيام.
وتستعمل في اللغة على وجوه متعددة، فتارة تكون بمعنى:
.1صاحبة: مثل ذات النطاقين أي صاحبة النطاقين.
.2وتارة تكون اسماً موصولاً: كما في لغة طي،وهم قوم من العرب يستعملون: ذات بمعنى التي،كما قال ابن مالك - رحمه الله- وكالتي أيضاً لديهم ذات) فمثلاً يقول: بعت عليك بيتي ذات اشتريت، أي التي اشتريت.
.3وتارة تكون بمعنى النكرة الدالة على العموم: كما في جملة الحديث ذات يوم.. وهذا أغلب ما تستعمل.
إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ الرجل هنا مبهم، وهو رجل في شكله لكن حقيقته أنه مَلَك.
شَدِيْدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ أي عليه ثياب .
شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعْرِ أي أنه شاب.


لايُرَى
عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ لأن ثيابه بيضاء وشعره أسود ليس فيه غبار
ولاشعث السفر، ولهذا قال: لايُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ لأن المسافر
في ذلك الوقت يُرى عليه أثر السفر، فيكون أشعث الرأس،مغبرّاً، ثيابه غير
ثياب الحضر، لكن لايرى عليه أثر السفر.


وَلايَعْرِفْهُ مِنَّا أَحَدٌ أي وليس من أهل المدينة المعروفين، فهوغريب.
حَتَّى جَلَسَ إِلىَ النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل عنده ليفيد الغاية،أي أن جلوسه كان ملاصقاً للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذا
قال: أَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلىَ رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ أي
كفي هذا الرجل عَلَىَ فَخِذَيْهِ أي فخذي هذا الرجل، وليس على فخذي
النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا من شدة الاحترام.
وَقَالَ
يَا مُحَمَّدُ ولم يقل:يا رسول الله ليوهم أنه أعرابي، لأن الأعراب
ينادون النبي صلى الله عليه وسلم باسمه العلم، وأما أهل الحضر فينادونه
بوصف النبوة أو الرسالة عليه الصلاة والسلام .
أَخْبِرْنيِ عَنِ الإِسْلامِ أي ماهو الإسلام؟ أخبرني عنه.
فَقَالَ:
الإسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدَاً
رَسُولُ اللهِ تشهد أي تقرّ وتعترف بلسانك وقلبك، فلا يكفي اللسان، بل
لابد من اللسان والقلب، قال الله عزّ وجل: (إِلاَّ مَنْ شَهِدَ
بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(الزخرف: الآية86)
وإعراب لاَ إِلَهَ إَلاَّ اللهُ :
لا
إله إلا الله: هذه جملة اسمية منفية بـ (لا) التي لنفي الجنس، ونفي
الجنس أعم النفي، واسمها: (إله) وخبرها: محذوف والتقدير حقٌ، وقوله:
(إلا) أداة حصر، والاسم الكريم لفظ الجلالة بدل من خبر: (لا) المحذوف
وليس خبرها لأن: (لا) النافية للجنس لا تعمل إلافي النكرات.
فصارت
الجملة فيها شيء محذوف وهو الخبر وتقديره: حق،أي: لا إله حق إلا الله
عزّ وجل، وهناك آلهة لكنها آلهة باطلة ليست آلهة حقّة،وليس لها من حق
الألوهية شيء،ويدل لذلك قوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ
الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج:62)
وَأَنَّ
مُحَمَّدَاً رَسُولُ اللهِ أي وتشهد أن محمداً رسول الله،ولم يقل: إني
رسول الله مع أن السياق يقتضيه لأنه يخاطبه، لكن إظهاره باسمه العلم أوكد
وأشد تعظيماً. وقوله: مُحَمَّداً هو محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي
من ذرية إسماعيل، وليس من ذرية إسماعيل رسول سواه، وهو المعني بقول الله
تعالى عن إبراهيم وإسماعيلرَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ) (البقرة: الآية129)
رَسُولُ اللهِ رسول بمعنى مرسل، والرسول هو من أوحى الله إليه بشرع وأمر بتبليغه والعمل به.
َتُقِيْمَ الصَّلاةَ أي تأتي بها قائمة تامة معتدلة.
وكلمة: الصَّلاةَ تشمل الفريضة والنافلة.
وَتُؤْتِي
الزَّكَاةَ تؤتي بمعنى تعطي، والزكاة هي المال الواجب بذله لمستحقه من
الأموال الزكوية تعبداً لله، وهي الذهب والفضة والماشية والخارج من الأرض
وعروض التجارة.
وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ أي تمسك عن المفطرات تعبداً لله تعالى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وأصل الصيام في اللغة: الإمساك.
ورمضان هو الشهر المعروف مابين شعبان وشوال.
وَتَحُجَّ البَيْتَ أي تقصد البيت لأداء النسك في وقت مخصوص تعبداً لله تعالى.
[size=16][size=16][size=16][size=21]إِنِ
اسْتَطَعْتَ إِلِيْهِ سَبِيْلا قَالَ: صَدَقْتَ القائل صدقت: جبريل
عليه السلام وهو السائل، فكيف يقول: صدقت وهو السائل؟ لأن الذي يقول: صدقت
للمتكلم يعني أن عنده علماً سابقاً علم بأن هذا الرجل أصابه،وهو محل
عجب، ولهذا تعجب الصحابة كيف يسأله ويصدقه، لكن سيأتي إن شاء الله بيان
هذا.

[][
se][/]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد سليم
برونزى


عدد المساهمات : 172
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 13 أبريل - 14:09




وتقيم الصلاة أي تأتي بها قويمة، ولاتكون قويمة إلا بفعل شروطها وأركانها وواجباتها - وهذا لابد منه - وبمكملاتها، فهذا يكون أكمل.ولاحاجة لشرح هذه لأنها معروفة في كتب الفقه[20]
وقوله الصّلاةَ يشمل كل الصلاة:الفريضة والنافلة،وهل تدخل صلاة الجنازة أو لا؟
يحتمل
هذا وهذا، إذا نظرنا إلى عموم اللفظ قلنا: إنها داخلة لأنها صلاة،كما
قال الله عزّ وجل : (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً )
(التوبة: الآية84) ‘ وإن نظرنا إلى أن صلاة الجنازة صلاة طارئة حادثة
يقصد بها الشفاعة للميت قلنا: لاتدخل في هذا الحديث، لكن تدخل في عموم
الأمر بإحسان.





وَتُؤْتي الزَّكَاةَ تؤتي بمعنى تعطي، والزكاة هي: المال الواجب في الأموال الزكوية، فيعطيه الإنسان مستحقه تعبّداً لله عزّ وجل ورجاءً لثوابه.
مثال ذلك: الدراهم والدنانير فيهما زكاة، وهي ربع ا لعشر، أي تأخذ ربع العشر وهو واحد من أربعين وتعطيه المستحق.
وقد
بيّن الله عزّ وجل أهل الزكاة في سورة التوبة أنهم ثمانية أصناف فقال
عزّ وجل: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ
وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ
وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً
مِنَ اللَّهِ )(التوبة: الآية60) أي فرضها الله علينا أن نعطيها هؤلاء ولا
نعطي غيرهم: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(التوبة: الآية60) وتفاصيل ذلك
مذكورة في كتب الفقه ولاحاجة إلى تفصيله هنا[21] .







وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ بأن تمسك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس تعبّداً لله تعالى.
والمفطرات أيضاً معروفة لاحاجة إلى ذكرها[22] ولكن ننبّه على شيء مهمّ فيها: أن المفطرات لاتفطر الصائم إلا بثلاثة شروط: أن يكون عالماً، وأن يكون ذاكراً، وأن يكون مريداً.
فضدّ العالم الجاهل، فلو أكل الصائم يظن أن الليل باقٍ ثم تبين أنه قد طلع الصبح وهو يأكل فحكم الصوم أنه صحيح.
ولو
أكل يظن غروب الشمس ثم تبين أنها لم تغرب فالصوم صحيح، ودليل ذلك: ما
رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا في يوم
غيم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس [23]
ولم يأمرهم بالقضاء، فلو كان القضاء واجباً لكان يبينه النبي صلى الله
عليه وسلم ولنُقِلَ إلينا، لأنه إذا كان واجباً لكان القضاء من شريعة
الله، ولابد أن تنقل، وهو داخل في عموم قوله تعالى: (رَبَّنَا لا
تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )(البقرة: الآية286) وقوله: (
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا
تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)(الأحزاب: الآية5).
ولو
أكل غير مريد للأكل أو شرب غير مريد للشرب بأن كان مكرهاً فصيامه صحيح،
ومن ذلك:أن يكره الرجل زوجته فيجامعها وهي صائمة، فليس عليها شيء لاقضاء
ولاكفّارة.
هذه
مهمة لأن كثيراً من الفقهاء يقولون: إن الإنسان إذا أكل جاهلاً بالوقت
سواء من أول النهار أو آخره وجب عليه القضاء إذا تبيّن أنه قد أكل في
النهار، ولكن يقال: إن الذي شرع الصوم للعباد هو الذي رفع عنهم الحرج بهذه
الأعذار.







وَتَحُجّ البَيْتَ أي تقصده. لأداء المناسك في وقت مخصوص تعبّداً لله تعالى.
وهل يدخل في ذلك العمرة أو لا ؟
فيه خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: إن العمرة داخلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : العُمْرَةُ حَجٌّ أَصْغَر[24] لأنه وردت روايات في نفس الحديث فيها ذكر العمرة.
والصحيح أن العمرة دون الحج، أي ليست من أركان الإسلام لكنها واجبة يأثم الإنسان بتركها إذا تمّت شروط الوجوب.
إِنِ اسْتَطَعْتَ إَلِيْهِ سَبِيْلاً مأخوذ من قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )(آل
عمران: الآية97) قد يقول قائل: هذا الشرط في جميع العبادات لقول الله
تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(التغابن: الآية16) فلماذا
خص الحج؟
نقول: خص الحج لأن الغالب فيه المشقة والتعب وعدم القدرة، فلذلك نص عليه وإلا فجميع العبادات لابد فيها من الاستطاعة.
قَالَ:صَدَقْتَ) أي أخبرت بالحق، والقائل هو جبريل عليه السلام.
قَالَ
عُمَرُ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلهُ وَيُصَدِّقُه ووجه العجب أن السائل
عادة يكون جاهلاً، والمصدّق يكون عالماً فكيف يجتمع هذا وهذا، ومثاله:
لوقال قائل: فلانٌ قدم من المدينة، فقال بعضهم:صدقت، فمقتضى ذلك أنه عالم،
فكيف يسأل جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول صدقت؟
هذا محل عجب، وستأتي الحكمة في ذلك.
قَالَ: فَأَخْبِرني عَنِ الإِيمَانِ قال: أي جبريل، فأخبرني: أي يامحمد عن الإيمان؟
والإيمان في اللغة: هو الإقرار والاعتراف المستلزم للقبول والإذعان وهو مطابق للشرع.
وأما
قولهم: الإيمان في اللغة التصديق ففيه نظر، لأنه يقال: آمنت بكذا وصدقت
فلاناً ولايقال: آمنت فلاناً، بل يقال: صدقه، فصدق فعل متعدٍ، وآمن فعل
لازم، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - باستفاضة في
كتابه: (كتاب الإيمان.
وقولنا:
الإيمان المستلزم للقبول والإذعان احترازاً مما لو أقر لكن لم يقبل كأبي
طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ،حيث أقر بالنبي صلى الله عليه وسلم
وأنه صادق لكن لم يقبل ماجاء به - نسأل الله العافية - ولم يُذعن ولم
يتابع، فلم ينفعه الإقرار، فلابد من القبول والإذعان.
ولذلك
يخطئ خطأً كبيراً من يقول: إن أهل الكتاب مؤمنون بالله، وكيف يكون ذلك
وهم لم يقبلوا شرع الله ولم يذعنوا له، فاليهود والنصارى حين بعث رسول
الله كفروا به وليسوا بمسلمين ودينهم دين باطل،ومن اعتقد أن دينهم صحيح
مساوٍ لدين الإسلام فهو كافر خارج عن الإسلام فالإيمان قبولٌ وإذعانٌ.







قَالَ:
الإِيْمَانُ أَنْ تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرسله،
وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنُ بَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ هذه
ستّة أشياء:
أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ الإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء:
الأول
: الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى. فمن أنكر الله تعالى فليس بمؤمن، ومع
ذلك لايمكن أن يوجد أحد ينكر وجود الله تعالى بقرارة نفسه، حتى فرعون الذي
قال لموسى: ما رب العالمين؟ كان مقرّاً بالله، قال له مؤسى: (لَقَدْ
عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
بَصَائِرَ ) (الاسراء: الآية102) لكنه جاحد،كما قال الله تعالى:
(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً
)(النمل: الآية14)







الثاني : الإيمان بانفراده بالرّبوبية، أي تؤمن بأنه وحده الرّب وأنه منفرد بالربوبية، والرب هو الخالق المالك المدبر.
فمن الذي خلق السماوات والأرض ؟ الله عزّ وجل .
ومن الذي خلق البشر ؟ الله عزّ وجل .
ومن يملك تدبير السماوات والأرض ؟ الله عزّ وجل .







الثالث
: إيمان بانفراده بالألوهية، وأنه وحده الذي لا إله إلا هو لاشريك له،
فمن ادعى أن مع الله إلهاً يُعبد فإنه لم يؤمن بالله، فلابد أن تؤمن
بانفراده بالألوهية، وإلا فما آمنت به.







الرابع
: أن تؤمن بأسماء الله وصفاته بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه في كتابه،
أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به
من غير تحريف، ولاتعطيل ولاتكييف، ولا تمثيل، فمن حرّف آيات الصفات أو
أحاديث الصفات فإنه لم يحقق الإيمان بالله .
قال قومٌالرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) استولى،
ومعناه شرعاً ولغة: علا وارتفع على العرش، لكنه علوّ خاص، ليس العلوّ
العام علىجميع المخلوقات. فهذا الذي فسّر (اسْتَوَى) بـ : استولى لم
يحقق الإيمان بالله، لأنه نفى صفة أثبتها الله لنفسه، والواجب إثبات
الصفات.
ومن
قال: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )(صّ: الآية75) أي بقدرتيَّ ، أو:
بقوتيَّ وليس لله يد حقيقة لم يحقق الإيمان بالله، لو حقق الإيمان بالله
لقال: لله عزّ وجل يد حقيقية لكن لاتماثل أيدي المخلوقين،كما قال الله
عزّ وجل : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(الشورى: الآية11) لأننا لانحدث عن
الله إلاعلى حسب ما أخبرنا الله به عن نفسه، فإذا كنّا لايمكن أن نتحدث عن
شخص لم نرهُ وإن كان عندنا في البلد، فكيف نتحدث عن الله تعالى بلاعلم.
وإذا
قال: إن الله لايتكلم بكلام مسموع، ولكن كلامه المعنى القائم بنفسه، وما
سمعه جبريل فهو مخلوق، أصوات خلقها الله عزّ وجل لتعبّر عما في نفسه،
فهذا ما حقق الإيمان بالله. لأن تفسير (الكلام) بهذا المعنى يدلّ على أن
الله تعالى لايتكلم حقيقة، لأنك إذا قلت: الكلام هو المعنى القائم
بالنفس صار معنى الكلام هو العلم، لا أنه المسموع، وعلى هذا فقس.


وعلى
هذا فجميع المبتدعة في الأسماء والصفات، المخالفين لما عليه السلف
الصالح، لم يحققوا الإيمان بالله، ولا نقول إنهم غير مؤمنين، فهم مؤمنون
لاشك، لكنهم لم يحققوا الإيمان بالله، والذي فاتهم من الأمور
الأربعة هو الرابع: الإيمان بأسماء الله وصفاته، فلم يحققوا الإيمان به،
وهم مخطئون مخالفون لطريق السلف، وطريقتهم ضلال بلاشكّ، ولكن لايحكم على
صاحبه بالضلال حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة، وأصر على خطئه
وضلاله، كان مبتدعاً فيما خالف فيه الحق، وإن كان سلفيّاً فيما سواه، فلا
يوصف بأنه مبتدع على وجه الإطلاق، ولا بأنه سلفيّ على وجه الإطلاق ،بل
يوصف بأنه سلفي فيما وافق السلف، مبتدع فيما خالفهم .
ومن مسائل الأسماء والصفات التي حصل فيها خلاف معنى حديث : أَنَّ اللهَ خَلَقَ آَدَمَ عَلَى صُوْرَتِهِ[25] وضجّوا وارتفعت أصواتهم وكثرت مناقشاتهم، كيف خلق آدم على صورته؟
فحرّفه
قومٌ تحريفاً مشيناً مستكرهاً، وقالوا: معنى الحديث: خَلَقَ اللهُ آدم
على صورته أي على صورة آدم - الله المستعان - هل يمكن لأفصح البشر وأنصح
البشر أن يريد بالضمير ضمير المخلوق، بمعنى خلق آدم على صورته أي على صورة
آدم ؟ لايمكن هذا، لأن كل مخلوق فقد خلق على صورته، وحينئذ لافضل لآدم
على غيره. فهذا هراء لامعنى له، أتدرون لما قالوا هذا التأويل المستكره
المشين؟
قالوا: لأنك لو قلت إنها صورة الرب عزّ وجل لمثّلت الله بخلقه، لأن صورة الشيء مطابقةله ، وهذا تمثيل .
وجوابنا على هذا أن نقول : لو أعطيت النصوص حقها لقلت خلق الله آدم على صورة الله ، لكن ليس كمثل الله شيء.
فإن قال قائل: اضربوا لنا مثلاً نقتنع به ، أن الشيء يكون على صورة الشيء وليس مماثلاً له ؟
والجواب
نقول: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ
تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُوْرَةِ القَمَرِ لَيْلَةِ البَدْرِ ثُمَّ
الَّذِيْنَ يَلوُنَهُمْ عَلَى أَضْوَءِ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ[26]
فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه أو
تعتقد أنهم على صورة البشر لكن في الوضاءة والحسن والجمال واستدارة
الوجه وما أشبه ذلك على صورة القمر، لامن كل وجه ، فإن قلت بالأول
فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم أفواه، وإن قلت بالثاني؛ زال
الإشكال وثبت أنه لايلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً له
من كل وجه.
فالمهم
أن باب الصفات بابٌ عظيمٌ، خطره جسيم، ولايمكن أن ينفك الإنسان من
الورطات والهلكات التي يقع فيها إلا باتباع السلف الصالح، أثبت ما أثبته
الله تعالى لنفسه، وانْفِ مانفى الله عن نفسه، فتستريح.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد سليم
برونزى


عدد المساهمات : 172
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 13 أبريل - 14:10



هل تبحث في أمر يكون البحث فيه تعمّقاً وتنطّعاً ؟
الجواب: لا تبحث.
وقد سُئِل الإمام مالك - رحمه الله - عن قول الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه:5] كيف استوى؟
فأطرق
- رحمه الله - برأسه وجعل يتصبب عرقاً من ثقل ما ألقي عليه وتعظيمه الرب
جل وعلا، ثم رفع رأسه وقال: (الاستواء غير مجهول) أي أنه معلوم في اللغة
العربية، استوى على كذا: أي علا عليه واستقرّ، وكل ما ورد في القرآن
والسنةوكلام العرب أن (استوى) إذا تعدّت بـ (على) فمعناه العلو وقوله:
(والكيف غير معقول) أي معناه: أنّا لاندرك كيفية استواء الله على عرشه
بعقولنا: وإنما طريق ذلك السمع. وقوله: (الإيمان به واجب) معناه : أن
الإيمان باستواء الله على عرشه على الوجه اللائق واجب. (والسؤال عنه بدعة)
معناه : أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، لأن مثل هذا السؤال لم يسأل
عنه الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم أشد منا حرصاً
على معرفة الله عزّ وجل ، والمجيب لو سألوه فهو أعلم منا بالله تعالى، ومع
ذلك لم يقع السؤال، أفلا يسعنا ما وسعهم ؟
الجواب: بلى، فيجب على المسلم أن يسعه ما وسع السلف الصالح، فلا يسأل.
ثم
قال الإمام مالك - رحمه الله- : (ما أراك) أي ما أظنك (إلامبتدعاً) تريد
أن تفسد على الناس دينهم، ثم أمر به فأُخرج من المسجد، أي مسجد النبي
صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل: والله لاأستطيع إخراجه، أخشى أن أدخل
في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ
يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ )(البقرة: الآية114) لأني أمنع هذا من دخول
المسجد، لأنه لم يدخل ليذكر فيه اسم الله، بل دخل ليفسد عباد الله، ومثل
هذا يمنع.
فإذا
كان الذي يأكل الثوم والبصل يمنع من دخول المسجد، فكيف بمن يفسد على
الناس أديانهم،أفلا يكون أحقّ بالمنع؟ بلى والله، ولكن كثيراً من الناس
غافلون.
على كلّ حال هذا المقام مقام عظيم، لكني أحذركم أن تتعمّقوا في باب الأسماء والصفات، وأن تسألوا عما لاحاجة لكم به.







يقول
بعض الناس: الله تعالى له أصابع، ويقول المحرفون: ليس له أصابع، والمراد
بقوله: إنَّ قُلُوْبَ بَنِيْ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ
الرَّحْمَنِ[27]
كمال السيطرة والتدبير، سبحانَ الله، أأنتم أعلم أم رسول الله؟ نفوا
الأصابع لظنهم أن إثباتها يستلزم التمثيل، فمثلوا أولاً وعطّلوا ثانياً،
فجمعوا بين التمثيل والتعطيل.






وجاء
آخرون فقالوا: قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأمسك المسواك
بين أصابعه وقال: بين أصبعين من أصابع الرحمن. قطع الله هاتين الأصبعين.
فهل يحلّ هذا ؟
الجواب: لا يحل، أولاً: هل تعلم أن أصابع الله تعالى خمسة: إبهام وسبابة ووسطى وبنصر وخنصر؟ لا تعلم .






ثانياً:
هل تعلم أن كون القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن: بين الإبهام
والسبابة، أو بين الإبهام والوسطى، أو بين الإبهام والبنصر، أو بين
الإبهام والخنصر؟ كيف تقول على الله ما لاتعلم، أم على الله يفترون، فمثل
هذا يستحق أن يؤدّب لأنه قال على الله ما لا يعلم.
فقالوا: أليس النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: وَكَانَ اللهُ سَمِيعَاً بَصِيرَا وضع إبهامه وسبابته على العين والأذن[28]
نقول: بلى، لكن أنت لست رسولاً حتى تفعل هذا، ثم المقصود من وضع الرسول صلى الله عليه وسلم أصبعيه تحقيق السمع والبصر فقط.
وأكرر أن باب الصفات باب عظيم، احذر أن تزل، فتحت رجلك هوّة، فالأمر صعب جداً.
يقول
آخرون في قول الله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ )(الزمر: الآية67) فيشير بيده قابضاً لها على شيء - أعوذ
بالله - والآخرون يقولون: قبضته أي تحت تصرفه، والفرق بينهما عظيم.
فعلى كل حال، أكرر:احذروا باب الصفات أن تخوضوا في شيءٍ لم يتكلم فيه السلف الصالح.
يقول بعض العلماء: من لم يسعه ما وسع الصحابة والتابعين فلا وسّع الله عليه.
قوله:
وَمَلائِكَتِهِ بدأ بالملائكة قبل الرسل والكتب لأنهم عالم غيبي، أما
الرسل والكتب فعالم محسوس، فالملائكة لا يظهرون بالحس إلا بإذن الله عزّ
وجل ، وقد خلق الله الملائكة من نورٍ،كما ثبت عن النبي صلى الله عليه
وسلم وهم لايحتاجون إلى أكل وشرب، ولهذا قيل إنهم صمدٌ أي ليس لهم أجواف،
فلا يحتاجون إلى أكل ولا شرب، فنؤمن أن هناك عالماً غيبياً هم الملائكة.
وهم أصناف، ووظائفهم أيضاً أصناف حسب حكمة الله عزّ وجل كالبشر أصناف ووظائفهم أصناف.




والإيمان بالملائكة يتضمّن:
أولاً : الإيمان بأسماء من علمنا أسماءهم،أن نؤمن بأن هناك ملَكاً اسمه كذا مثل جبريل.
ثانياً : أن نؤمن بما لهم من أعمال، مثلاً:
جبريل: موكل بالوحي، ينزل به من عند الله إلى رسله.
وميكائيل: موكل بالقطر أي المطر، والنبات أي نبات الأرض.
وإسرافيل: موكل بالنفخ في الصور .
هؤلاء
الثلاثة كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم عندما يستفتح صلاة الليل
فيقول: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ وَإِسْرَافِيْلَ [29]
والحكمة من هذا : أن كل واحد منهم موكل بحياة: فجبريل موكل بالوحي وهو
حياة القلوب كما قال عزّ وجل : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً
مِنْ أَمْرِنَا)(الشورى: الآية52) وميكائيل موكل بالقطر والنبات وهو حياة
الأرض، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور وهو حياة الناس الحياة الأبدية.
والمناسبة
ظاهرة، لأنك إذا قمت من النوم فقد بعثت من موت كما قال تعالى: [وَهُوَ
الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ
بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ) (الأنعام: الآية60)] وقال عزّ
وجل: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ
تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى)(الزمر: الآية42)
إذا كان القيام من الليل بعثاً وهؤلاء الملائكة الثلاثة الكرام كلهم موكلون بحياة،صارت المناسبة واضحة.
كذلك
يجب الإيمان بما لبعض الملائكة من أعمال خاصة، فمثلاً: هناك ملائكة
وظائفهم أن يكتبوا أعمال العباد، قال الله عزّ وجل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا
الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ*مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:16-18] فهؤلاء موكلون بكتابة أعمال
بني آدم،وقال الله عزّ وجل أيضاً في آية أخرى
كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ*وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ
كراما كاتبين) [الأنفطار:9-11] يكتبون كل قول يقوله الإنسان، وظاهر الآية
الكريمة أنهم يكتبون ما للإنسان وما عليه وما ليس له ولا عليه، وجه كون
هذا هو الظاهر: أن قوله عزّ وجل
مِنْ قَوْلٍ) نكرة في سياق النفي مؤكّدة بـ: (من) فتفيد العموم، لكن
ماليس له ولا عليه لايحاسب عليه وإنما يقال إنه فاته خير كثير.
وذُكر
أن رجلاً دخل على الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله- فقيه المحدّثين
ومحدث الفقهاء وإمام أهل السنة، دخل عليه وهو يئن من الوجع، فقال له: يا
أبا عبد الله تئنّ وقد قال طاوس: إن الملك يكتب حتى أنين المريض، فأمسك
الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - عن الأنين، وهذا من تعظيم آثار السلف عند
السلف.






ومن الملائكة من هم موكلون بالسياحة في الأرض يلتمسون حِلَق الذّكر والعلم فإذا وجدوها جلسوا.
ومنهم ملائكة موكلون بحفظ بني آدم.
ومنهم ملائكة موكلون بقبض روح بني آدم.
ومنهم ملائكة موكلون بسؤال الميت في قبره.
ومنهم ملائكة موكلون بتلقّي المؤمنين يوم القيامة وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ )(الانبياء: الآية103)
ومنهم
ملائكة موكلون بتحية أهل الجنة كما قال تعالى في كتابه:
(وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب ٍ * سَلامٌ
عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) (الرعد:23-24)
ومنهم
ملائكة يعبدون الله عزّ وجل ليلاً ونهاراً، كما قال سبحانه وتعالى:
(يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الانبياء:20) قال
النبي صلى الله عليه وسلم : ( أَطَّتِ السَّماءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ
تَئِطَّ) والأطيط : هو صرير الرحل على البعير إذا كان الحمل ثقيلاً،فيقول
صلى الله عليه وسلم : ( أَطَّتِ السَّماءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ،
مَامِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِع مِنْهَا إِلاَّ وَفِيْهِ مَلَكٌ
قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِد) [30]
وَكُتُبِهِ
جمع كتاب بمعنى: مكتوب والمراد بها الكتب التي أنزلها الله عزّ وجل على
رسله لأنه ما من رسول إلا أنزل الله عليه كتاباً كما قال الله عزّ وجل :
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النبيينَ
مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ )
(البقرة:213)
وقال
عزّ وجل: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا) أي إبراهيم ونوح:
(النُّبُوَّةَ وَالْكِتَاب) [الحديد:26] واعلم أن جميع الكتب السابقة
منسوخة بما له هيمنة عليها وهو القرآن، قال الله عزّ وجل: (وَأَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)(المائدة: الآية48) كل الكتب منسوخة
بالقرآن،فلا يُعمل بها شرعاً.





واختلف العلماء - رحمهم الله - فيما ثبت في شرائع من قبلنا، هل نعمل به إلا أن يرد شرعنا بخلافه، أو لا نعمل به؟
من العلماء من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا مالم يرد شرعنا بخلافه، وذلك أن ماسبق من الشرائع:
.1إما أن توافقه شريعتنا
.2 وإما أن تخالفه شريعتنا
.3 وإما أن لاندري توافقه شريعتنا أم لا فيكون مسكوتاً عنه
فما وافقته شريعتنا فهو حق ونتبعه، وهذا بالإجماع، واتباعنا إياه لا لأجل وروده في الكتاب السابق ولكن لشريعتنا.
- وما
خالف شريعتنا فلا نعمل به بالاتفاق، لأنه منسوخ، ومثاله لايحرم على
الناس أكل الإبل في وقتنا مع أنها على بني إسرائيل - اليهود خاصة - كانت
محرمة.
- وما
لم يرد شرعنا بخلافه ولا وفاقه فهذا محل الخلاف: منهم من قال: إنه شرع
لنا. ومنهم من قال: ليس بشرعٍ لنا، ولكل دليل، وتفصيل ذلك في أصول الفقه.
والإيمان بالكتب يتضمّن أربعة أمور:
أولاً
: أن نؤمن بأن الله تعالى أنزل على الرسل كتباً، وأنها من عند الله ولكن
لانؤمن بأن الكتب الموجودة في أيدي هذه الأمم هي الكتب التي من عند الله
لأنها محرّفة ومبدلة، لكن أصل الكتاب المنزل على الرسول نؤمن بأنه حق من
عند الله.
ثانياً : أن نؤمن بصحة ما فيها من أخبار كأخبار القرآن وأخبار ما لم يبدل أو يحرّف من الكتب السابقة.
ثالثاً
: أن نؤمن بما فيها من أحكام إذا لم تخالف الشريعة على القول بأن شرع من
قبلنا شرع لنا - وهو ا لحق - إذا لم يرد شرعنا بخلافه.
رابعاً : أن نؤمن بما علمنا من أسمائها، مثل: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى.
فلو قال رجل: أنا لا أومن بأن هناك كتاباً يسمى التوراة، فإنه كافر، لأن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالكتب.
وَرسُلِهِ أي أن تؤمن برسل الله عزّ وجل ، والمراد بالرسل من البشر، وليعلم بأنه يعبر برسول ويعبّر بنبي، فهل معناهما واحد؟
الجواب:
أما في القرآن فكل من ذكر من الأنبياء فهو الرسول ، فكلما وجدت في القرآن
من نبي فهو رسول، لكن معنى النبي والرسول يختلف، والصواب فيه: أن النبي
هو من أوحي إليه بشرع وأمر بالعمل به ولكن لم يؤمر بتبليغه، فهو نبي
بمعنى مُخْبَر، ولكن لم يؤمر بالتبليغ. مثاله: آدم عليه السلام أبو البشر
نبي مكلف لكنه ليس برسول، لأن أول الرسل نوح، أما آدم فنبي كما صح ذلك
عن النبي صلى الله عليه وسلم .
فإذا قال قائل: لماذا لم يرسل؟
فالجواب:
لأن الناس في ذلك الوقت كانوا أمة واحدة، قليلون وليس بينهم اختلاف، لم
تتسع الدنيا ولم ينتشر البشر فكانوا متّفقين فكفاهم أن يروا أباهم على
عبادة ويتبعوه، ثم لما حصل الخلاف وانتشر الناس احتيج إلى الرسل، كما قال
الله عزّ وجل : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ
النبيينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)(البقرة: الآية213)
فإذا قال قائل: ما الفائدة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد آدم عليه السلام إذا كان لم يؤمر بالتبليغ ؟
قلنا
الفائدة: تذكير الناس بالشريعة التي نسوها، وفي هذا لا يكون الإعراض من
الناس تاماً فلا يحتاجون إلى رسول ،ويكفي النبي صلى الله عليه وسلم الذي
يذكرهم بالشريعة، قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ
فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
لِلَّذِينَ هَادُوا )(المائدة: الآية44) هذه هي الفائدة من النبي صلى الله
عليه وسلم ، لأن هذا الإيراد إيراد قوي وهو ما الفائدة من النبوة بلا
رسالة؟ والجواب ماسبق. ولهذا جاء في حديث لكنه ضعيف: عُلَمَاءُ أُمَّتِيْ
كَأَنْبِيَاءِ بَنِيْ إِسْرَائِيْل[31] معناه صحيح لكنه ضعيف من حيث إنه مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
- وأوّل
الرسل نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، واعلم بأنك
ستجد في بعض كتب التاريخ أن إدريس عليه الصلاة والسلام كان قبل نوح عليه
السلام، وأن هناك بعضاً آخرين مثل شيث، كل هذا كذبٌ وليس بصحيح.
فإدريس
بعد نوح قطعاً، وقد قال بعض العلماء: إن إدريس من الرسل في بني إسرائيل،
لأنه دائماً يذكر في سياق قصصهم، لكن نعلم علم اليقين أنه ليس قبل نوح،
والدليل قول الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا
أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنبيينَ مِنْ بَعْدِهِ ) (النساء: الآية163)
وقال الله عزّ وجل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ
وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) (الحديد:
الآية26) فأرسلهم الله وهم القمة، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، فمن
زعم أن إدريس قبل نوح فقد كذب القرآن وعليه أن يتوب إلى الله من هذا
الاعتقاد.
والرسل
عليهم الصلاة والسلام هم أعلى طبقات البشر الذين أنعم الله عليهم، قال
الله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرسول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النبيينَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ) (النساء: الآية69) هذه أربعة أصناف.
النبيون
يدخل فيهم الرسل وهم أفضل من الأنبياء، ثم الرسل أفضلهم خمسة هم أُوُلو
العزم، ذكروا في القرآن في موضعين في سورة الأحزاب وفي سورة الشورى: ففي
سورة الأحزاب قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيينَ
مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى)
(الأحزاب: الآية7) وفي سورة الشورى قال الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ
الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا
وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا
الدِّين)(الشورى: الآية13) فسبحان الله ، هذه وصية من الله للأولين
والآخرين : (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا ) (الشورى:
الآية13) فهي وصية بإقامة الدين وعدم التفرّق في الدين.
وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ [32]
ولما التقى بهم في الإسراء أَمَّهم في الصلاة، فإبراهيم إمام الحنفاء
صلى وراء محمد صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أنه لايقدم في الإمامة إلا
الأفضل،فالنبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل أولي العزم.
والثاني:
إبراهيم الخليل عليه السلام يلي مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم الذي
قال الله فيه: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)(النساء:
الآية125) والذي ابتلاه الله تعالى ببلية لايصبر عليها إلا أولو العزم.
وقصّة
ابتلاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه أتاه ابناً على كبر، ومعلوم أنه
إذا أتى الفريد الوحيد ابنٌ على كبر، سيكون في قلب أبيه في غاية
المحبة للبشر، لما بلغ معه السعي فلم يكن طفلاً لايهتم به، ولم يكن كبيراً
انفرد بنفسه بل بلغ السعي، أي بدأ يمشي معه، تعلق قلبه به تماماً
فامتحنه الله تعالى، بأن رأى في المنام أنه يذبح ابنه، ورؤيا الأنبياء
وحي، فقال له: يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، فلم
يخيره لكن أراد أن يمتحنه، فجاء الابن في غاية ما يكون من الامتثال
والانقياد فقال: يا أبتِ افعل ما تؤمر، لم يقل يا أبت اذبحني، بل قال:
افعل ما تؤمر حتى ينبّهه أنه يفعل هذا امتثالاً لأمر الله عزّ وجل ، افعل
ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلم يجزم، بل قال: إن شاء
الله، كما قال الله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ
ذَلِكَ غَداً*إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف:23-24] فاتفق الأب
والابن على الاستجابة لأمر الله، فلما أسلما أي استسلما لأمر الله، وتلّه
أي أبوهُ للجبين أي على الأرض والجبين: الجبهة، وإنما تلّه على الجبين
دون أن يذبحه مستلقياً لئلا يرى وجه ابنه والسكين تلوح على رقبته، فيخفف
هو عن نفسه ويخفف أيضاً على الابن، فلما تلّه للجبين جاء الفرج من الله
عزّ وجل ، فرّج الله تعالى عنه: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا
إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ) [الصافات:104-105].
هذه
المحبة لهذا الابن وهذا الابتلاء وهذا الامتثال التام يدل على أن محبة
الله في قلب إبراهيم عليه السلام أعظم من محبة الولد، فكان إبراهيم خليل
الله عزّ وجل ، أعطاه الله الخلة. والخلّة: هي أعظم أنواع المحبة، والمحبة
أنواعها عشرٌ، وقيل سبع، لكن أعلاها الخلّة، وفي هذا يقول الشاعر
لمعشوقته:
قدْ تخلَّلتِ مسلك الرّوحِ منّي وبذا سُمِّيَ الخليلُ خَليلا
لأن محبته تخللت مسلك الروح، العروق والعظام والمخ وكل شيء.
ففي
قوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)(النساء: الآية125)
دليل على أن إبراهيم بالنسبة لله عزّ وجل ، أعلى مايكون من المحبوب، ففيه
إثبات المحبة.
وقال
المحرّفون الذين يقولون: إن الله لايحب: إن قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ
اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) مأخوذ من الخِلّة بالكسر، يعني الافتقار
ومعنى (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) أي فقيراً إليه.
وهذا من التّحريف، فكل إنسان على قولهم يكون خليلاً لله، لأن كل إنسان مفتقر إلى الله عزّ وجل .
ولكن
نقول:الخليل هو الذي بلغ غاية المحبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم :
إِنَّ اللهَ اِتَّخَذَنِيْ خَلِيْلاً كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيْمَ
خَلِيْلا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً مِنْ أُمَّتِيْ خَلِيْلاً
لاَتَّخّذْتُ أَبَابَكْرخليلاً [33] .
وهناك
كلمة شائعة عند الناس: يقولون: إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله
وموسى كليم الله، ولاشك أن محمداً صلى الله عليه وسلم حبيب الله فهو حابّ
الله ومحبوب لله ولكن هناك وصف أعلى من ذلك وهو خليل الله، فالرسول صلى
الله عليه وسلم خليل الله. والذين يقولون محمد حبيب الله قد هضموا حق
الرسول صلى الله عليه وسلم،لأن المحبة أقل من الخلة، ولذلك نقول لا نعلم
من البشر خليلاً لله إلا اثنان: إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام،
لكن المحبة كثيرٌ كما قال الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ)(البقرة: الآية195) و: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً)(الصف: الآية4) وغير ذلك من الآيات.
وقوله:
واليوم الآخِرِ اليوم الآخر، هو يوم القيامة، وسمي آخراً لأنه آخر
مراحل بني آدم وغيرهم أيضاً، فالإنسان له أربع دور، في بطن أمه، وفي
الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة وهو آخرها.
- الإيمان باليوم الآخر يتضمّن:
أولاً:
الإيمان بوقوعه، وأن الله يبعث من في القبور، وهو إحياؤهم حين ينفخ في
الصور، ويقوم الناس لرب العالمين، قال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (المؤمنون:16) وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً غُرْلاً[34]
، وأنه واقع لامحالة، لأن الله تعالى أخبر به في كتابه وكذلك في السنة،
وكثيراً مايقرن الله تعالى بين الإيمان به وبين الإيمان باليوم الآخر،لأن
من لم يؤمن باليوم الآخر لايعمل، إذ إنه يرى أن لاحساب.
ثانياً:
الإيمان بكل ماذكره الله في كتابه وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم
مما يكون في ذلك اليوم الآخر، من كون الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة
غرلاً بهماً، أي ليس معهم مال، وهذا كقوله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا
أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) (الانبياء: الآية104) .
ثالثاً: الإيمان بما ذكر في اليوم الآخر من الحوض والشفاعة والصراط والجنة والنار فالجنة دار النعيم، والنار دار العذاب الشديد.
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- في العقيدة الواسطية: ومن الإيمان
باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم يكون بعد
الموت مثل الفتنة في القبر فإن الناس يفتنون في قبورهم ويسألون عن ثلاثة
أشياء: من ربك ؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟
رابعاً: الإيمان بنعيم القبر وعذابه، لأن ذلك ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف.
وهنا ننبّه على ما نسمعه من قول بعض الناس أو نقرأه في بعض الصحف إذا مات إنسان قالوا: انتقل إلى مثواه الأخير.
وهذا
غلط عظيم، ولولا أننا نعلم مراد قائله لقلنا: إنه ينكر البعث، لأنه إذا
كان القبر مثواه الأخير،فهذا يتضمن إنكار البعث، فالمسألة خطيرة لكن بعض
الناس إمّعة، إذا قال الناس قولاً أخذ به وهو لايتأمل في معناه.
وَتُؤْمِنُ
بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرّهِ وهنا أعاد صلى الله عليه وسلم الفعل:
(تؤمن) لأهمية الإيمان بالقدر، لأن الإيمان بالقدر مهم جداً وخطير جداً.
والإيمان بالقدر يتضمّن أربعة أمور:-
الأول : أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً.
دليل
ذلك: عموم الأدلة مثل قول الله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ)(البقرة: الآية282) وخصوص العلم بالغيب، وقد قال موسى عليه الصلاة
والسلام: ( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى)(طـه: الآية52) أي لايجهل ولاينسى ما علم.
وقد ذكر الله عزّ وجل العلم في آيات كثيرة جملة وتفصيلاً:
قال
الله عزّ وجل في الجملة: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
[البقرة:282]، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (الطلاق:
الآية12) أي أخبرنا كم بهذا : (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عِلْماً)(الطلاق: الآية12) هذا مجمل.
أما
التفصيل فقال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا
يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا
تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا)(الأنعام: الآية59) كلمة ما
اسم موصول، وكل اسم موصول فهو مفيد للعموم، فكل شيء في البرّ الله سبحانه
وتعالى يعلمه، وكذلك كل شيء في البحر فالله سبحانه وتعالى يعلمه، وقوله
تعالى: (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ) أي ورقة في أي شجرة إلا يعلمها:
يعلم متى سقطت، وأين سقطت، وكيف سقطت: (وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ
الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)(الأنعام:
الآية59) أي حبة، سواء كانت كبيرة، أو صغيرة في ظلمات الأرض إلا يعلمها
الله عزّ وجل ، فإذا قدرنا أن حبة بر غاصت في قاع البحر، ففوقها طين، وفوق
الطين ماء، وكان ذلك ليلاً أي في ظلمة الليل، وكانت السماء ممطرة،
والغيوم متلبدة، فهذا ظلمة المطر وظلمة الغيوم وكان الجو مغبرّاً، هذا
أيضاً ظلمة، فيعلم الله عزّ وجل الحبة في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولايابسٍ
إلا في كتاب مبين
وإذا
حقق العبد الإيمان بعلم الله، وأنه جلّ وعلا محيطٌ بكل شيء أوجب له
الخوف من الله، وخشيته، والرغبة فيما عنده جل وعلا ، لأن كل حركة تقوم
بها فالله يعلمها.
ثانياً:
الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ، مقادير كل شيء إلى يوم
القيامة، قال الله عزّ وجل: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ
مُبِينٍ) [يس:12] أي في كتاب، وقال عزّ وجل : )وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) [الأنبياء:105] وهو
اللوح المحفوظ : (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ
الصَّالِحُونَ)(الأنبياء: الآية105) ، والآيات في هذا متعددة.
وأخبر
النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لما خلق القلم قال له: اِكْتُبْ،
قَالَ رَبِّ: وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكتُبْ مَاهُوَ كَائِنٌ، فَجَرَى
فِيْ تِلْكَ السَّاعةِ بِمَاهُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ [35] فأمر الله القلم أن يكتب؛ ولكن كيف يوجه الخطاب إلى الجماد؟
الجواب
عن ذلك: نعم، من الله يصح لأنه هو الذي ينطق الجماد ثم إن الجماد،
بالنسبة إلى الله عاقل يصحّ أن يوجه إليه الخطاب، قال تعالى: (ثُمَّ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ
ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت:11)
فوجّه الخطاب إليهما، وذكر جوابهما وكان الجواب لجمع العقلاء (طائعين) دون
طائعات. والحاصل أن الله أمر القلم أن يكتب، وقد امتثل القلم، لكنه أشكل
عليه ماذا يكتب، فقال: ربي وماذا أكتب ؟
قال:
اكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك اللحظة بما هو كائن إلى
يوم القيامة - سبحان الله - من يحصي الحوادث والوقائع إلا الله عزّ وجل ،
وهذا اللوح المحفوظ مشتمل عليها.
- واللوح
المحفوظ لانعرف ماهيته، من أيّ شيء؛ أمن الخشب، أم من حديد، ولانعرف حجم
هذا اللوح ولاسعته، فالله أعلم بذلك والواجب أن نؤمن بأن هناك لوحاً كتب
الله فيه مقادير كل شيء، وليس لنا الحق أن نبحث وراء ذلك.
وقد
ظهر في الآونة الأخيرة ما يسمّى بأقراص الليزر يتسع القرص الصغير إلى
كتب كثيرة، وهو من صنع الآدمي، وأقول هذا تقريباً لا تشبيهاً،لأن اللوح
المحفوظ أعظم من أن نحيط به.
ثالثاً:
أن تؤمن بأن كل ما حدث في الكون فهو بمشيئة الله تعالى،فلا يخرج شيء عن
مشيئته أبداً . ولهذا أجمع المسلمون على هذه الكلمة: ماشاء الله كان وما
لم يشأ لم يكن، فأي شيء يحدث فهو بمشيئة الله.
وهذا
عام، لما يفعله عزّ وجل بنفسه وما يفعله العباد،فكله بمشيئة الله،
ودليل ذلك قول الله عزّ وجل : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ
الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ
وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا
يُرِيدُ)(البقرة: الآية253) وقال عزّ وجل: (وَلَوْ شَاءَ ربك مَا
فَعَلُوهُ) [الأنعام:112] وقال: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ)
[الأنعام:137] وقال عزّ وجل: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ
يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ) [التكوير:29،28] فكل ماحدث في الكون فهو بمشيئة الله، وإذا
آمن الإنسان بهذا سلم من عمل الشيطان، فإذا فعل فعلاً وحصل خلاف
المقصود، قال ليتني لم أفعل، فهذا من عمل الشيطان، لأن الذي فعلته قد
شاءه الله عزّ وجل ولابد أن يكون، لكن إن كان ذنباً فعليك بالتوبة
والاستغفار.
رابعاً: الخلق، ومعناه: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء، فنؤمن بعموم خلق الله تعالى لكل شيء، قال تعالىوَخَلَقَ
كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(الفرقان: الآية2) فكل شيء مخلوق
لله: السموات، والأرضون، والبحار، والأنهار، والكواكب، والشمس، والقمر،
الإنسان، الكل مخلوق لله عزّ وجل وحركات الإنسان مخلوقة لله،لأن الله
تعالى خلق الإنسان وأفعاله، وإذا كان هو مخلوقاً فصفاته وأفعاله مخلوقة
ولا شك، فأفعال العباد مخلوقة لرب العباد عزّ وجل ، وإن كانت باختيار
العباد وإرادتهم لكنها مخلوقة لله، وذلك لأن أفعال العباد ناشئةعن إرادة
جازمة وقدرة تامة، وخالق الإرادة والقدرة هو الله سبحانه وتعالى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد سليم
برونزى


عدد المساهمات : 172
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 13 أبريل - 14:11


هل تبحث في أمر يكون البحث فيه تعمّقاً وتنطّعاً ؟
الجواب: لا تبحث.
وقد سُئِل الإمام مالك - رحمه الله - عن قول الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه:5] كيف استوى؟
فأطرق - رحمه الله -
برأسه وجعل يتصبب عرقاً من ثقل ما ألقي عليه وتعظيمه الرب جل وعلا، ثم
رفع رأسه وقال: (الاستواء غير مجهول) أي أنه معلوم في اللغة العربية،
استوى على كذا: أي علا عليه واستقرّ، وكل ما ورد في القرآن والسنةوكلام
العرب أن (استوى) إذا تعدّت بـ (على) فمعناه العلو وقوله: (والكيف غير
معقول) أي معناه: أنّا لاندرك كيفية استواء الله على عرشه بعقولنا: وإنما
طريق ذلك السمع. وقوله: (الإيمان به واجب) معناه : أن الإيمان باستواء
الله على عرشه على الوجه اللائق واجب. (والسؤال عنه بدعة) معناه : أن
السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، لأن مثل هذا السؤال لم يسأل عنه الصحابة
رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم أشد منا حرصاً على معرفة الله
عزّ وجل ، والمجيب لو سألوه فهو أعلم منا بالله تعالى، ومع ذلك لم يقع
السؤال، أفلا يسعنا ما وسعهم ؟
الجواب: بلى، فيجب على المسلم أن يسعه ما وسع السلف الصالح، فلا يسأل.
ثم قال الإمام مالك -
رحمه الله- : (ما أراك) أي ما أظنك (إلامبتدعاً) تريد أن تفسد على الناس
دينهم، ثم أمر به فأُخرج من المسجد، أي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم
، ولم يقل: والله لاأستطيع إخراجه، أخشى أن أدخل في قوله تعالى: (وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا
اسْمُهُ )(البقرة: الآية114) لأني أمنع هذا من دخول المسجد، لأنه لم يدخل
ليذكر فيه اسم الله، بل دخل ليفسد عباد الله، ومثل هذا يمنع.
فإذا كان الذي يأكل
الثوم والبصل يمنع من دخول المسجد، فكيف بمن يفسد على الناس أديانهم،أفلا
يكون أحقّ بالمنع؟ بلى والله، ولكن كثيراً من الناس غافلون.
على كلّ حال هذا المقام مقام عظيم، لكني أحذركم أن تتعمّقوا في باب الأسماء والصفات، وأن تسألوا عما لاحاجة لكم به.







يقول
بعض الناس: الله تعالى له أصابع، ويقول المحرفون: ليس له أصابع، والمراد
بقوله: إنَّ قُلُوْبَ بَنِيْ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ
الرَّحْمَنِ[27]
كمال السيطرة والتدبير، سبحانَ الله، أأنتم أعلم أم رسول الله؟ نفوا
الأصابع لظنهم أن إثباتها يستلزم التمثيل، فمثلوا أولاً وعطّلوا ثانياً،
فجمعوا بين التمثيل والتعطيل.






وجاء
آخرون فقالوا: قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأمسك المسواك
بين أصابعه وقال: بين أصبعين من أصابع الرحمن. قطع الله هاتين الأصبعين.
فهل يحلّ هذا ؟
الجواب: لا يحل، أولاً: هل تعلم أن أصابع الله تعالى خمسة: إبهام وسبابة ووسطى وبنصر وخنصر؟ لا تعلم .






ثانياً:
هل تعلم أن كون القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن: بين الإبهام
والسبابة، أو بين الإبهام والوسطى، أو بين الإبهام والبنصر، أو بين
الإبهام والخنصر؟ كيف تقول على الله ما لاتعلم، أم على الله يفترون، فمثل
هذا يستحق أن يؤدّب لأنه قال على الله ما لا يعلم.
فقالوا: أليس النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: وَكَانَ اللهُ سَمِيعَاً بَصِيرَا وضع إبهامه وسبابته على العين والأذن[28]
نقول: بلى، لكن أنت لست رسولاً حتى تفعل هذا، ثم المقصود من وضع الرسول صلى الله عليه وسلم أصبعيه تحقيق السمع والبصر فقط.
وأكرر أن باب الصفات باب عظيم، احذر أن تزل، فتحت رجلك هوّة، فالأمر صعب جداً.
يقول
آخرون في قول الله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ )(الزمر: الآية67) فيشير بيده قابضاً لها على شيء - أعوذ
بالله - والآخرون يقولون: قبضته أي تحت تصرفه، والفرق بينهما عظيم.
فعلى كل حال، أكرر:احذروا باب الصفات أن تخوضوا في شيءٍ لم يتكلم فيه السلف الصالح.
يقول بعض العلماء: من لم يسعه ما وسع الصحابة والتابعين فلا وسّع الله عليه.
قوله:
وَمَلائِكَتِهِ بدأ بالملائكة قبل الرسل والكتب لأنهم عالم غيبي، أما
الرسل والكتب فعالم محسوس، فالملائكة لا يظهرون بالحس إلا بإذن الله عزّ
وجل ، وقد خلق الله الملائكة من نورٍ،كما ثبت عن النبي صلى الله عليه
وسلم وهم لايحتاجون إلى أكل وشرب، ولهذا قيل إنهم صمدٌ أي ليس لهم أجواف،
فلا يحتاجون إلى أكل ولا شرب، فنؤمن أن هناك عالماً غيبياً هم الملائكة.
وهم أصناف، ووظائفهم أيضاً أصناف حسب حكمة الله عزّ وجل كالبشر أصناف ووظائفهم أصناف.




والإيمان بالملائكة يتضمّن:
أولاً : الإيمان بأسماء من علمنا أسماءهم،أن نؤمن بأن هناك ملَكاً اسمه كذا مثل جبريل.
ثانياً : أن نؤمن بما لهم من أعمال، مثلاً:
جبريل: موكل بالوحي، ينزل به من عند الله إلى رسله.
وميكائيل: موكل بالقطر أي المطر، والنبات أي نبات الأرض.
وإسرافيل: موكل بالنفخ في الصور .
هؤلاء
الثلاثة كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم عندما يستفتح صلاة الليل
فيقول: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ وَإِسْرَافِيْلَ [29]
والحكمة من هذا : أن كل واحد منهم موكل بحياة: فجبريل موكل بالوحي وهو
حياة القلوب كما قال عزّ وجل : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً
مِنْ أَمْرِنَا)(الشورى: الآية52) وميكائيل موكل بالقطر والنبات وهو حياة
الأرض، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور وهو حياة الناس الحياة الأبدية.
والمناسبة
ظاهرة، لأنك إذا قمت من النوم فقد بعثت من موت كما قال تعالى: [وَهُوَ
الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ
بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ) (الأنعام: الآية60)] وقال عزّ
وجل: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ
تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى)(الزمر: الآية42)
إذا كان القيام من الليل بعثاً وهؤلاء الملائكة الثلاثة الكرام كلهم موكلون بحياة،صارت المناسبة واضحة.
كذلك
يجب الإيمان بما لبعض الملائكة من أعمال خاصة، فمثلاً: هناك ملائكة
وظائفهم أن يكتبوا أعمال العباد، قال الله عزّ وجل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا
الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ*مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:16-18] فهؤلاء موكلون بكتابة أعمال
بني آدم،وقال الله عزّ وجل أيضاً في آية أخرى
كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ*وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ
كراما كاتبين) [الأنفطار:9-11] يكتبون كل قول يقوله الإنسان، وظاهر الآية
الكريمة أنهم يكتبون ما للإنسان وما عليه وما ليس له ولا عليه، وجه كون
هذا هو الظاهر: أن قوله عزّ وجل
مِنْ قَوْلٍ) نكرة في سياق النفي مؤكّدة بـ: (من) فتفيد العموم، لكن
ماليس له ولا عليه لايحاسب عليه وإنما يقال إنه فاته خير كثير.
وذُكر
أن رجلاً دخل على الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله- فقيه المحدّثين
ومحدث الفقهاء وإمام أهل السنة، دخل عليه وهو يئن من الوجع، فقال له: يا
أبا عبد الله تئنّ وقد قال طاوس: إن الملك يكتب حتى أنين المريض، فأمسك
الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - عن الأنين، وهذا من تعظيم آثار السلف
عند السلف.






ومن الملائكة من هم موكلون بالسياحة في الأرض يلتمسون حِلَق الذّكر والعلم فإذا وجدوها جلسوا.
ومنهم ملائكة موكلون بحفظ بني آدم.
ومنهم ملائكة موكلون بقبض روح بني آدم.
ومنهم ملائكة موكلون بسؤال الميت في قبره.
ومنهم ملائكة موكلون بتلقّي المؤمنين يوم القيامة وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ )(الانبياء: الآية103)
ومنهم
ملائكة موكلون بتحية أهل الجنة كما قال تعالى في كتابه:
(وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب ٍ * سَلامٌ
عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) (الرعد:23-24)
ومنهم
ملائكة يعبدون الله عزّ وجل ليلاً ونهاراً، كما قال سبحانه وتعالى:
(يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الانبياء:20) قال
النبي صلى الله عليه وسلم : ( أَطَّتِ السَّماءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ
تَئِطَّ) والأطيط : هو صرير الرحل على البعير إذا كان الحمل ثقيلاً،فيقول
صلى الله عليه وسلم : ( أَطَّتِ السَّماءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ،
مَامِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِع مِنْهَا إِلاَّ وَفِيْهِ مَلَكٌ
قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِد) [30]
وَكُتُبِهِ
جمع كتاب بمعنى: مكتوب والمراد بها الكتب التي أنزلها الله عزّ وجل على
رسله لأنه ما من رسول إلا أنزل الله عليه كتاباً كما قال الله عزّ وجل :
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النبيينَ
مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ )
(البقرة:213)
وقال
عزّ وجل: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا) أي إبراهيم ونوح:
(النُّبُوَّةَ وَالْكِتَاب) [الحديد:26] واعلم أن جميع الكتب السابقة
منسوخة بما له هيمنة عليها وهو القرآن، قال الله عزّ وجل: (وَأَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)(المائدة: الآية48) كل الكتب منسوخة
بالقرآن،فلا يُعمل بها شرعاً.





واختلف العلماء - رحمهم الله - فيما ثبت في شرائع من قبلنا، هل نعمل به إلا أن يرد شرعنا بخلافه، أو لا نعمل به؟
من العلماء من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا مالم يرد شرعنا بخلافه، وذلك أن ماسبق من الشرائع:
.1إما أن توافقه شريعتنا
.2 وإما أن تخالفه شريعتنا
.3 وإما أن لاندري توافقه شريعتنا أم لا فيكون مسكوتاً عنه
فما وافقته شريعتنا فهو حق ونتبعه، وهذا بالإجماع، واتباعنا إياه لا لأجل وروده في الكتاب السابق ولكن لشريعتنا.
- وما
خالف شريعتنا فلا نعمل به بالاتفاق، لأنه منسوخ، ومثاله لايحرم على
الناس أكل الإبل في وقتنا مع أنها على بني إسرائيل - اليهود خاصة - كانت
محرمة.
- وما
لم يرد شرعنا بخلافه ولا وفاقه فهذا محل الخلاف: منهم من قال: إنه شرع
لنا. ومنهم من قال: ليس بشرعٍ لنا، ولكل دليل، وتفصيل ذلك في أصول الفقه.
والإيمان بالكتب يتضمّن أربعة أمور:
أولاً
: أن نؤمن بأن الله تعالى أنزل على الرسل كتباً، وأنها من عند الله ولكن
لانؤمن بأن الكتب الموجودة في أيدي هذه الأمم هي الكتب التي من عند الله
لأنها محرّفة ومبدلة، لكن أصل الكتاب المنزل على الرسول نؤمن بأنه حق من
عند الله.
ثانياً : أن نؤمن بصحة ما فيها من أخبار كأخبار القرآن وأخبار ما لم يبدل أو يحرّف من الكتب السابقة.
ثالثاً
: أن نؤمن بما فيها من أحكام إذا لم تخالف الشريعة على القول بأن شرع من
قبلنا شرع لنا - وهو ا لحق - إذا لم يرد شرعنا بخلافه.
رابعاً : أن نؤمن بما علمنا من أسمائها، مثل: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى.
فلو قال رجل: أنا لا أومن بأن هناك كتاباً يسمى التوراة، فإنه كافر، لأن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالكتب.
وَرسُلِهِ أي أن تؤمن برسل الله عزّ وجل ، والمراد بالرسل من البشر، وليعلم بأنه يعبر برسول ويعبّر بنبي، فهل معناهما واحد؟
الجواب:
أما في القرآن فكل من ذكر من الأنبياء فهو الرسول ، فكلما وجدت في القرآن
من نبي فهو رسول، لكن معنى النبي والرسول يختلف، والصواب فيه: أن النبي
هو من أوحي إليه بشرع وأمر بالعمل به ولكن لم يؤمر بتبليغه، فهو نبي
بمعنى مُخْبَر، ولكن لم يؤمر بالتبليغ. مثاله: آدم عليه السلام أبو البشر
نبي مكلف لكنه ليس برسول، لأن أول الرسل نوح، أما آدم فنبي كما صح ذلك
عن النبي صلى الله عليه وسلم .
فإذا قال قائل: لماذا لم يرسل؟
فالجواب:
لأن الناس في ذلك الوقت كانوا أمة واحدة، قليلون وليس بينهم اختلاف، لم
تتسع الدنيا ولم ينتشر البشر فكانوا متّفقين فكفاهم أن يروا أباهم على
عبادة ويتبعوه، ثم لما حصل الخلاف وانتشر الناس احتيج إلى الرسل، كما
قال الله عزّ وجل : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ
النبيينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)(البقرة: الآية213)
فإذا قال قائل: ما الفائدة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد آدم عليه السلام إذا كان لم يؤمر بالتبليغ ؟
قلنا
الفائدة: تذكير الناس بالشريعة التي نسوها، وفي هذا لا يكون الإعراض من
الناس تاماً فلا يحتاجون إلى رسول ،ويكفي النبي صلى الله عليه وسلم الذي
يذكرهم بالشريعة، قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ
فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
لِلَّذِينَ هَادُوا )(المائدة: الآية44) هذه هي الفائدة من النبي صلى الله
عليه وسلم ، لأن هذا الإيراد إيراد قوي وهو ما الفائدة من النبوة بلا
رسالة؟ والجواب ماسبق. ولهذا جاء في حديث لكنه ضعيف: عُلَمَاءُ أُمَّتِيْ
كَأَنْبِيَاءِ بَنِيْ إِسْرَائِيْل[31] معناه صحيح لكنه ضعيف من حيث إنه مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
- وأوّل
الرسل نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، واعلم بأنك
ستجد في بعض كتب التاريخ أن إدريس عليه الصلاة والسلام كان قبل نوح عليه
السلام، وأن هناك بعضاً آخرين مثل شيث، كل هذا كذبٌ وليس بصحيح.
فإدريس
بعد نوح قطعاً، وقد قال بعض العلماء: إن إدريس من الرسل في بني إسرائيل،
لأنه دائماً يذكر في سياق قصصهم، لكن نعلم علم اليقين أنه ليس قبل نوح،
والدليل قول الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا
أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنبيينَ مِنْ بَعْدِهِ ) (النساء: الآية163)
وقال الله عزّ وجل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ
وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) (الحديد:
الآية26) فأرسلهم الله وهم القمة، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، فمن
زعم أن إدريس قبل نوح فقد كذب القرآن وعليه أن يتوب إلى الله من هذا
الاعتقاد.
والرسل
عليهم الصلاة والسلام هم أعلى طبقات البشر الذين أنعم الله عليهم، قال
الله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرسول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النبيينَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ) (النساء: الآية69) هذه أربعة أصناف.
النبيون
يدخل فيهم الرسل وهم أفضل من الأنبياء، ثم الرسل أفضلهم خمسة هم أُوُلو
العزم، ذكروا في القرآن في موضعين في سورة الأحزاب وفي سورة الشورى: ففي
سورة الأحزاب قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيينَ
مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى)
(الأحزاب: الآية7) وفي سورة الشورى قال الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ
الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا
وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا
الدِّين)(الشورى: الآية13) فسبحان الله ، هذه وصية من الله للأولين
والآخرين : (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا ) (الشورى:
الآية13) فهي وصية بإقامة الدين وعدم التفرّق في الدين.
وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ [32]
ولما التقى بهم في الإسراء أَمَّهم في الصلاة، فإبراهيم إمام الحنفاء
صلى وراء محمد صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أنه لايقدم في الإمامة إلا
الأفضل،فالنبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل أولي العزم.
والثاني:
إبراهيم الخليل عليه السلام يلي مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم الذي
قال الله فيه: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)(النساء:
الآية125) والذي ابتلاه الله تعالى ببلية لايصبر عليها إلا أولو العزم.
وقصّة
ابتلاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه أتاه ابناً على كبر، ومعلوم أنه
إذا أتى الفريد الوحيد ابنٌ على كبر، سيكون في قلب أبيه في غاية
المحبة للبشر، لما بلغ معه السعي فلم يكن طفلاً لايهتم به، ولم يكن كبيراً
انفرد بنفسه بل بلغ السعي، أي بدأ يمشي معه، تعلق قلبه به تماماً
فامتحنه الله تعالى، بأن رأى في المنام أنه يذبح ابنه، ورؤيا الأنبياء
وحي، فقال له: يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، فلم
يخيره لكن أراد أن يمتحنه، فجاء الابن في غاية ما يكون من الامتثال
والانقياد فقال: يا أبتِ افعل ما تؤمر، لم يقل يا أبت اذبحني، بل قال:
افعل ما تؤمر حتى ينبّهه أنه يفعل هذا امتثالاً لأمر الله عزّ وجل ، افعل
ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلم يجزم، بل قال: إن شاء
الله، كما قال الله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ
ذَلِكَ غَداً*إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف:23-24] فاتفق الأب
والابن على الاستجابة لأمر الله، فلما أسلما أي استسلما لأمر الله، وتلّه
أي أبوهُ للجبين أي على الأرض والجبين: الجبهة، وإنما تلّه على الجبين
دون أن يذبحه مستلقياً لئلا يرى وجه ابنه والسكين تلوح على رقبته، فيخفف
هو عن نفسه ويخفف أيضاً على الابن، فلما تلّه للجبين جاء الفرج من الله
عزّ وجل ، فرّج الله تعالى عنه: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا
إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ) [الصافات:104-105].
هذه
المحبة لهذا الابن وهذا الابتلاء وهذا الامتثال التام يدل على أن محبة
الله في قلب إبراهيم عليه السلام أعظم من محبة الولد، فكان إبراهيم خليل
الله عزّ وجل ، أعطاه الله الخلة. والخلّة: هي أعظم أنواع المحبة، والمحبة
أنواعها عشرٌ، وقيل سبع، لكن أعلاها الخلّة، وفي هذا يقول الشاعر
لمعشوقته:
قدْ تخلَّلتِ مسلك الرّوحِ منّي وبذا سُمِّيَ الخليلُ خَليلا
لأن محبته تخللت مسلك الروح، العروق والعظام والمخ وكل شيء.
ففي
قوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)(النساء: الآية125)
دليل على أن إبراهيم بالنسبة لله عزّ وجل ، أعلى مايكون من المحبوب، ففيه
إثبات المحبة.
وقال
المحرّفون الذين يقولون: إن الله لايحب: إن قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ
اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) مأخوذ من الخِلّة بالكسر، يعني الافتقار
ومعنى (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) أي فقيراً إليه.
وهذا من التّحريف، فكل إنسان على قولهم يكون خليلاً لله، لأن كل إنسان مفتقر إلى الله عزّ وجل .
ولكن
نقول:الخليل هو الذي بلغ غاية المحبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم :
إِنَّ اللهَ اِتَّخَذَنِيْ خَلِيْلاً كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيْمَ
خَلِيْلا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً مِنْ أُمَّتِيْ خَلِيْلاً
لاَتَّخّذْتُ أَبَابَكْرخليلاً [33] .
وهناك
كلمة شائعة عند الناس: يقولون: إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله
وموسى كليم الله، ولاشك أن محمداً صلى الله عليه وسلم حبيب الله فهو حابّ
الله ومحبوب لله ولكن هناك وصف أعلى من ذلك وهو خليل الله، فالرسول صلى
الله عليه وسلم خليل الله. والذين يقولون محمد حبيب الله قد هضموا حق
الرسول صلى الله عليه وسلم،لأن المحبة أقل من الخلة، ولذلك نقول لا نعلم
من البشر خليلاً لله إلا اثنان: إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام،
لكن المحبة كثيرٌ كما قال الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ)(البقرة: الآية195) و: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً)(الصف: الآية4) وغير ذلك من الآيات.
وقوله:
واليوم الآخِرِ اليوم الآخر، هو يوم القيامة، وسمي آخراً لأنه آخر
مراحل بني آدم وغيرهم أيضاً، فالإنسان له أربع دور، في بطن أمه، وفي
الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة وهو آخرها.
- الإيمان باليوم الآخر يتضمّن:
أولاً:
الإيمان بوقوعه، وأن الله يبعث من في القبور، وهو إحياؤهم حين ينفخ في
الصور، ويقوم الناس لرب العالمين، قال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (المؤمنون:16) وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً غُرْلاً[34]
، وأنه واقع لامحالة، لأن الله تعالى أخبر به في كتابه وكذلك في السنة،
وكثيراً مايقرن الله تعالى بين الإيمان به وبين الإيمان باليوم الآخر،لأن
من لم يؤمن باليوم الآخر لايعمل، إذ إنه يرى أن لاحساب.
ثانياً:
الإيمان بكل ماذكره الله في كتابه وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم
مما يكون في ذلك اليوم الآخر، من كون الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة
غرلاً بهماً، أي ليس معهم مال، وهذا كقوله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا
أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) (الانبياء: الآية104) .
ثالثاً: الإيمان بما ذكر في اليوم الآخر من الحوض والشفاعة والصراط والجنة والنار فالجنة دار النعيم، والنار دار العذاب الشديد.
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- في العقيدة الواسطية: ومن الإيمان
باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم يكون بعد
الموت مثل الفتنة في القبر فإن الناس يفتنون في قبورهم ويسألون عن ثلاثة
أشياء: من ربك ؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟
رابعاً: الإيمان بنعيم القبر وعذابه، لأن ذلك ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف.
وهنا ننبّه على ما نسمعه من قول بعض الناس أو نقرأه في بعض الصحف إذا مات إنسان قالوا: انتقل إلى مثواه الأخير.
وهذا
غلط عظيم، ولولا أننا نعلم مراد قائله لقلنا: إنه ينكر البعث، لأنه إذا
كان القبر مثواه الأخير،فهذا يتضمن إنكار البعث، فالمسألة خطيرة لكن بعض
الناس إمّعة، إذا قال الناس قولاً أخذ به وهو لايتأمل في معناه.
وَتُؤْمِنُ
بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرّهِ وهنا أعاد صلى الله عليه وسلم الفعل:
(تؤمن) لأهمية الإيمان بالقدر، لأن الإيمان بالقدر مهم جداً وخطير جداً.
والإيمان بالقدر يتضمّن أربعة أمور:-
الأول : أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً.
دليل
ذلك: عموم الأدلة مثل قول الله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ)(البقرة: الآية282) وخصوص العلم بالغيب، وقد قال موسى عليه الصلاة
والسلام: ( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى)(طـه: الآية52) أي لايجهل ولاينسى ما علم.
وقد ذكر الله عزّ وجل العلم في آيات كثيرة جملة وتفصيلاً:
قال
الله عزّ وجل في الجملة: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
[البقرة:282]، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (الطلاق:
الآية12) أي أخبرنا كم بهذا : (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عِلْماً)(الطلاق: الآية12) هذا مجمل.
أما
التفصيل فقال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا
يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا
تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا)(الأنعام: الآية59) كلمة ما
اسم موصول، وكل اسم موصول فهو مفيد للعموم، فكل شيء في البرّ الله
سبحانه وتعالى يعلمه، وكذلك كل شيء في البحر فالله سبحانه وتعالى يعلمه،
وقوله تعالى: (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ) أي ورقة في أي شجرة إلا
يعلمها: يعلم متى سقطت، وأين سقطت، وكيف سقطت: (وَلا حَبَّةٍ فِي
ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ
مُبِينٍ)(الأنعام: الآية59) أي حبة، سواء كانت كبيرة، أو صغيرة في ظلمات
الأرض إلا يعلمها الله عزّ وجل ، فإذا قدرنا أن حبة بر غاصت في قاع
البحر، ففوقها طين، وفوق الطين ماء، وكان ذلك ليلاً أي في ظلمة الليل،
وكانت السماء ممطرة، والغيوم متلبدة، فهذا ظلمة المطر وظلمة الغيوم وكان
الجو مغبرّاً، هذا أيضاً ظلمة، فيعلم الله عزّ وجل الحبة في ظلمات الأرض
ولا رطبٍ ولايابسٍ إلا في كتاب مبين
وإذا
حقق العبد الإيمان بعلم الله، وأنه جلّ وعلا محيطٌ بكل شيء أوجب له
الخوف من الله، وخشيته، والرغبة فيما عنده جل وعلا ، لأن كل حركة تقوم
بها فالله يعلمها.
ثانياً:
الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ، مقادير كل شيء إلى يوم
القيامة، قال الله عزّ وجل: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ
مُبِينٍ) [يس:12] أي في كتاب، وقال عزّ وجل : )وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) [الأنبياء:105] وهو
اللوح المحفوظ : (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ
الصَّالِحُونَ)(الأنبياء: الآية105) ، والآيات في هذا متعددة.
وأخبر
النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لما خلق القلم قال له: اِكْتُبْ،
قَالَ رَبِّ: وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكتُبْ مَاهُوَ كَائِنٌ، فَجَرَى
فِيْ تِلْكَ السَّاعةِ بِمَاهُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ [35] فأمر الله القلم أن يكتب؛ ولكن كيف يوجه الخطاب إلى الجماد؟
الجواب
عن ذلك: نعم، من الله يصح لأنه هو الذي ينطق الجماد ثم إن الجماد،
بالنسبة إلى الله عاقل يصحّ أن يوجه إليه الخطاب، قال تعالى: (ثُمَّ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ
ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت:11)
فوجّه الخطاب إليهما، وذكر جوابهما وكان الجواب لجمع العقلاء (طائعين)
دون طائعات. والحاصل أن الله أمر القلم أن يكتب، وقد امتثل القلم، لكنه
أشكل عليه ماذا يكتب، فقال: ربي وماذا أكتب ؟
قال:
اكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك اللحظة بما هو كائن إلى
يوم القيامة - سبحان الله - من يحصي الحوادث والوقائع إلا الله عزّ وجل ،
وهذا اللوح المحفوظ مشتمل عليها.
- واللوح
المحفوظ لانعرف ماهيته، من أيّ شيء؛ أمن الخشب، أم من حديد، ولانعرف حجم
هذا اللوح ولاسعته، فالله أعلم بذلك والواجب أن نؤمن بأن هناك لوحاً كتب
الله فيه مقادير كل شيء، وليس لنا الحق أن نبحث وراء ذلك.
وقد
ظهر في الآونة الأخيرة ما يسمّى بأقراص الليزر يتسع القرص الصغير إلى
كتب كثيرة، وهو من صنع الآدمي، وأقول هذا تقريباً لا تشبيهاً،لأن اللوح
المحفوظ أعظم من أن نحيط به.
ثالثاً:
أن تؤمن بأن كل ما حدث في الكون فهو بمشيئة الله تعالى،فلا يخرج شيء عن
مشيئته أبداً . ولهذا أجمع المسلمون على هذه الكلمة: ماشاء الله كان وما
لم يشأ لم يكن، فأي شيء يحدث فهو بمشيئة الله.
وهذا
عام، لما يفعله عزّ وجل بنفسه وما يفعله العباد،فكله بمشيئة الله،
ودليل ذلك قول الله عزّ وجل : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ
الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ
وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا
يُرِيدُ)(البقرة: الآية253) وقال عزّ وجل: (وَلَوْ شَاءَ ربك مَا
فَعَلُوهُ) [الأنعام:112] وقال: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ)
[الأنعام:137] وقال عزّ وجل: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ
يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ) [التكوير:29،28] فكل ماحدث في الكون فهو بمشيئة الله، وإذا
آمن الإنسان بهذا سلم من عمل الشيطان، فإذا فعل فعلاً وحصل خلاف
المقصود، قال ليتني لم أفعل، فهذا من عمل الشيطان، لأن الذي فعلته قد
شاءه الله عزّ وجل ولابد أن يكون، لكن إن كان ذنباً فعليك بالتوبة
والاستغفار.
رابعاً: الخلق، ومعناه: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء، فنؤمن بعموم خلق الله تعالى لكل شيء، قال تعالىوَخَلَقَ
كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(الفرقان: الآية2) فكل شيء مخلوق
لله: السموات، والأرضون، والبحار، والأنهار، والكواكب، والشمس، والقمر،
الإنسان، الكل مخلوق لله عزّ وجل وحركات الإنسان مخلوقة لله،لأن الله
تعالى خلق الإنسان وأفعاله، وإذا كان هو مخلوقاً فصفاته وأفعاله مخلوقة
ولا شك، فأفعال العباد مخلوقة لرب العباد عزّ وجل ، وإن كانت باختيار
العباد وإرادتهم لكنها مخلوقة لله، وذلك لأن أفعال العباد ناشئةعن إرادة
جازمة وقدرة تامة، وخالق الإرادة والقدرة هو الله سبحانه وتعالى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد سليم
برونزى


عدد المساهمات : 172
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 13 أبريل - 14:12



وهل صفات الله مخلوقة ؟
الجواب:
لا، لأن صفاته سبحانه وتعالى كذاته كما أن صفات الإنسان كذات الإنسان
مخلوقة. وسنذكر في الفوائد إن شاء الله أن الناس انقسِموا في القدر إلى
ثلاثة أقسام: مُفَرِّط، ومُفْرِط، ومقتصد، أي مستقيم.
قَالَ: صَدَقْتَ القائل جبريل عليه السلام
ثم
قال: أخْبِرْني عَنِ الإِحْسَانِ الإحسان مصدر أحسن يحسن، وهو بذل الخير
والإحسان في حق الخالق: بأن تبني عبادتك على الإخلاص لله تعالى
والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلما كنت أخلص وأتبع كنت
أحسن. وأما الإحسان للخلق: فهو بذل الخير لهم من مال أوجاه أو غير ذلك.
فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : الإحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وعبادة الله
لا تتحقق إلابأمرين وهما: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، أي عبادة الإنسان ربه سبحانه كأنه يراه. عبادة طلب وشوق
وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثاً عليها، لأنه يطلب هذا الذي
يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرّب إليه سبحانه
وتعالى.
فَإِنْ
لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ أي: اعبده على وجه الخوف
ولاتخالفه، لأنك إن خالفته فإنه يراك فتعبده عبادة خائف منه، هارب من
عذابه وعقابه، وهذه الدرجة عند أهل العبادة أدنى من الدرجة الأولى.
فصار للإحسان مرتبتان: مرتبة الطلب، ومرتبة الهرب.
مرتبة الطلب: أن تعبد الله كأنك تراه.
ومرتبة
الهرب: أن تعبد الله وهو يراك عزّ وجل فاحذره، كما قال عزّ وجل:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ )(آل عمران: الآية30)، وبهذا نعرف أن
الجملتين متباينتان والأكمل الأول، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم
الثاني في مرتبة ثانية متأخرة.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ لم يُعِد قوله صدقت اكتفاءً بالأولى.
والساعة
هي: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، يعني البعث، وسميت ساعة لأنها
داهية عظيمة، قال الله عزّ وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا
رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (الحج:1). فقال
النبي صلى الله عليه وسلم مَا المَسْؤُوْلُ عَنْهَا يعني نفسه صلى الله
عليه وسلم بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ يعني جبريل عليه السلام، والمعنى:
إذا كنت تجهلها فأنا أجهلها ولا أستطيع أن أخبرك به، لأن علم الساعة مما
اختص الله به عزّ وجل ، قال الله تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ
السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) (الأحزاب:63) ، وقال عزّ وجل:
(يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا
عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ
ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً
)(الأعراف: الآية187) ولهذا يجب علينا أن نكذب كل من حدد عمر الدنيا في
المستقبل، ومن قال به أو صدق به فهو كافر.
وما
نسمع عن بعض أهل الشعوذة أن عمر الدنيا كذا وكذا قياساً على ما مضى منها
فإنه يجب علينا أن نقول بألسنتنا وقلوبنا كذبتم، ومن صدّق بذلك فهو كافر،
لأنه إذا كان أعلم الرسل البشرية وأعظم الرسل الملكية كلاهما لا يعرفان
متى تكون فمن دونهما من باب أولى بلا شك.
ولَمَا
قال ما السؤول عنها بأعلم من السائل، ثم قال: أخْبِرْنِي عَنِ
أَمَارَاتِهَا أي علامات قربها، لأن الأمارة بمعنى العلامة، والمراد
أمارات قربها وهو ما يعرف بالأشراط،قال الله عزّ وجل: (فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ
أَشْرَاطُهَا )(محمد: الآية18) وأشراط الساعة قسّمها العلماء إلى ثلاثة
أقسام:
أشراط مضت وانتهت
أشراط لم تزل تتجدد وهي الوسطى
أشراط كبرى تكون عند قرب قيام الساعة
ومن علامات الساعة ماذكره صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بقوله:
أَنْ
تَلِدَ الأمَةُ رَبّتَهَا وفي لفظ: ربَّهَا والمعنى: أَنْ تَلِدَ
الأَمَةُ أي الرقيقة المملوكة رَبَّهَا أي سيدها، أو: ربَّتَهَا هل
المراد العين أو الجنس؟
والجواب:
اختلف في هذا العلماء. فمنهم من قال: المراد أن تلد الأمة ربها،يعني أن
تلد الأمة من يكون سيداً لغيرها لا لها، فيكون المراد بالأمة: الأمة
بالجنس.
وقيل
المعنى:إن الأمة بالعين تلد سيدها أو سيدتها،بحيث يكون الملك قد أولد
أمته، ومعنى أولدها أي أنجب منها، فيكون هذا الولد الذي أنجبته سيداً لها:
إما لأن أباه سيدها، وإما لأنه سوف يخلف أباه فيكون سيداً لها.
ولكن
المعنى الأول أقوى، أن الإماء يلدن -من يكونوا أسياداً ومالكين، فهي
كانت مملوكة في الأول، وتلد من يكونوا أسياداً مالكين. وهو كناية عن تغير
الحال بسرعة، ويدل لهذا ماذكره بعد حيث قال:
وَأَنْ
تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ الحفاة: يعني ليس لهم نعال،
والعراة: أي ليس لهم ثياب تكسوهم وتكفيهم، العالة: أي ليس عندهم ما يأكلون
من النفقة أو السكنى أو ما أشبه ذلك، عالة أي فقراء.
يَتَطَاوَلُوْنَ
في البُنْيَانِ أي يكونون أغنياء حتى يتطاولون في البنيان أيهم أطول.
وهل المراد بالتطاول ارتفاعاً، أو جمالاً، أو كلاهما؟
الجواب:
كلاهما، أي يتطاولون في البنيان أيهم أعلى، ويتطاولون في البنيان أيهم
أحسن، وهم في الأول فقراء لا يجدون شيئاً، لكن تغير الحال بسرعة مما يدل
على قرب الساعة.
وهنا مسألة: هل وجد التطاول في البنيان أم لا؟
والجواب:
الله أعلم فإنه قد يوجد ماهو أعظم مما في هذا الزمان،لكن كل أناس وكل
جيل يحدث فيه من التطاول والتعالي في البنيان،وكل زمن يقول أهله: هذا من
أشراط الساعة، والله أعلم، لكن هذه علامة واضحة.
ثُمَّ
انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَليّاً يعني بقيت ملياً أي مدة طويلة كما في
قوله تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً)(مريم: الآية46) أي مدة طويلة، قيل
ثلاثة أيام، وقيل أكثر، وقيل: أقل ولكن المعروف أن الملي يعني الزمن
الطويل.
ثُمَّ
قَالَ: يَاعُمَرُ والقائل النبي صلى الله عليه وسلم أتَدْرِيْ من
السَّائِل؟ قُلتُ: اللهُ وَرَسُوْله أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ
ولعل النبي صلى الله عليه وسلم وجده فيما بعد وسأله: أتدري من السائل؟
أي أتعلم من هو؟ فَقَالَ عُمَرُ: اللهُ وَرَسُوْلهُ أَعْلَمُ وهذا يدل
على أن عمر رضي الله عنه لاعلم له من هذا السائل.
فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ الإشارة هنا إلى شيء
معلوم بالذهن، أي هذا جبريل أتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكَمُ لكنه جاء
بهذه الصيغة أي صيغة السؤال والجواب لأنه أمكن في النفس وأقوى في
التأثير.
من فوائد هذا الحديث:
هذا
الحديث فيه فوائد كثيرة، فلو أراد الإنسان أن يستنبط مافيه من الفوائد
منطوقاً ومفهوماً وإشارة لكتب مجلداً، لكن نشير إشارة قليلة إلى ما يحضرنا
إن شاء الله تعالى، فمنها:
.1بيان
حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يجلس مع أصحابه ويجلسون إليه،وليس
ينفرد ويرى نفسه فوقهم، بل إن الجارية تأخذ بيده حتى توصله إلى بيتها
ليحلب لها الشاة من تواضعه صلى الله عليه وسلم [36]
واعلم أنك كلما تواضعت لله ازددت بذلك رفعة، لأن من تواضع لله رفعه الله عزّ وجل .
.2جواز
جلوس الأصحاب إلى شيخهم ومن يفوقهم،لكن هذا بشرط:إذا لم يكن فيه إضاعة
وقت على الشيخ ومن يفوقه علماً. لأن بعض الناس يأتي إلى من يحافظ على وقته
ويستغله في العلم، فيجلس عنده ويطيل الحديث، فالمحافظ على وقته،يتململ
ويوري مثلاً بقصر الليل أو ما أشبه ذلك، ولكن الآخر لشدة محبته له والتحدث
إليه يبقى.
.3إن الملائكة عليهم السلام يمكن أن يتشكلوا بأشكال غير أشكال الملائكة، لأن جبريل أتى بصورة هذا الرجل كما جاء في الحديث.
فإن قال قائل:وهل هذا إليهم، أو إلى الله عزّ وجل ؟
فالجواب: هذا إلى الله عزّ وجل ، بمعنى: أنه لايستطيع الملك أن يتزيَّى بزيّ الغير إلا بإذن الله عزّ وجل .
.4الأدب مع المعلم كما فعل جبريل عليه السلام، حيث جلس أمام النبي صلى الله عليه وسلم جلسة المتأدب ليأخذ منه.
.5جواز
التورية لقوله: يامُحَمَّد) وهذه العبارة عبارة الأعراب، فيوري بها
كأنه أعرابي،وإلا فأهل المدن المتخلقون بالأخلاق الفاضلة لاينادون الرسول
صلى الله عليه وسلم بمثل هذا.
.6فضيلة
الإسلام،وأنه ينبغي أن يكون أول ما يسأل عنه، ولهذا كان النبي صلى الله
عليه وسلم إذا أرسل الرسل للدعوة إلى الله أمرهم أن يبدؤوا قبل كل شيء
بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
.7إن
أركان الإسلام هي هذه الخمسة،ويؤيده حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْس[37] وسيأتي شرحه.
.8فضل الصلاة وأنها مقدمة على غيرها بعد الشهادتين.
.9الحث على إقامة الصلاة، وفعلها قويمة مستقيمة،وأنها ركن من أركان الإسلام.
.10إن إيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من أركان الإسلام، وكذلك بقية الأركان.
ولو قائل قال: إذا ترك الإنسان واحداً من هذه الأركان هل يكفر أم لا؟
فالجواب:
أن نقول: إذا لم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فهوكافر
بالإجماع، ولا خلاف في هذا. وأما إذا ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج
أو واحداً منها ففي ذلك خلاف، فعن الإمام أحمد - رحمه الله - رواية: أن
من ترك واحداً منها فهو كافر، يعني: من لم يصلِّ فهو كافر، ومن لم يزكِّ
فهو كافر، ومن لم يصم فهو كافر، ومن لم يحج فهو كافر.
لكن هذه الرواية من حيث الدليل ضعيفة.
والصواب:
أن هذه الأربعة لا يكفر تاركها إلا الصلاة، لقول عبد الله بن شقيق - رحمه
الله - كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لايرون شيئاً من الأعمال
تركه كفرٌ إلا الصلاة ولذلك أدلة معروفة[38].
وكذا لو أنكر وجوبها وهو يفعلها فإنه يكفر ،لأن وجوبها أمرٌ معلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وإذا تركها عمداً فهل يقضيها أو لا ؟
نقول:
الموقت لا يقضى، فلو ترك الصلاة حتى خرج وقتها بلا عذر قلنا لا تقضها،
لأنه لو قضاها لم تنفعه لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ
اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(البقرة: الآية229) والظالم لا
يمكن أن يقبل منه، ومن أخرج الصلاة عن وقتها بلاعذر فهو ظالم.ولقول النبي
صلى الله عليه وسلم مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَليْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ
رَدّ [39] .
وكذلك
يقال في الصوم: فلو ترك الإنسان صوم يوم عمداً بلا عذر ثم ندم بعد أن
دخل شوال وأراد أن يقضيه، فإننا نقول له: لا تقضه، لأنك لو قضيته لم
ينفعك، لكونك تعديت حدود الله، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ
عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَليْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ
وعلى
من ترك الصلاة بلا عذر حتى خرج الوقت، أوترك الصوم بلا عذر حتى خرج الوقت
أن يكثر من الطاعات والاستغفار والعمل الصالح والتوبة إلى الله توبة
نصوحاً.
أما الزكاة:إذا تركها الإنسان ثم تاب فإنه يزكي، نقول: زكِّ لأنه ليس للزكاة وقت محدد يقال فيه لاتزكي إلا في الشهر الفلاني.
ومن مات وهو لم يزكِّ تهاوناً، فهل تخرج الزكاة من ماله، أم لا؟
والجواب:
الأحوط -والله أعلم- أن الزكاة تخرج، لأنه يتعلق بها حق أهل الزكاة فلا
تسقط، لكن لاتبرأ ذمته، لأن الرجل مات علىعدم الزكاة.
والحج كذلك، لوتركه الإنسان القادر المستطيع تفريطاً حتى مات، فإنه لايحج عنه، لأنه لايريد الحج فكيف تُحج عنه وهو لايريد الحج.
وهنا مسألة: هل يجب على ورثته أن يخرجوا الحج عنه من تركته؟
والجواب:
لا، لأنه لاينفعه ولم يتعلق به حق الغير كالزكاة، قال ابن القيم في تهذيب
السنن: هذا هو الذي ندين الله به أوكلمة نحوها، وهو الذي تدل عليه
الأدلة.
فيجب على الإنسان أن يتقي الله عزّ وجل لأنه إذا مات ولم يحج مع قدرته على الحج فإنه لوحُجَّ عنه ألف مرة لم تبرأ ذمته.
.11 الانتقال
من الأدنى إلى الأعلى، فالإسلام بالنسبة للإيمان أدنى، لأن كل إنسان
يمكن أن يسلم ظاهراً،كما قال الله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) (الحجرات: الآية14)
لكن الإيمان - اللهم حقق إيماننا- ليس بالأمر الهين فمحله القلب
والاتصاف به صعب.
.12 أن الإسلام غير الإيمان،لأن جبريل عليه السلام قال: أخبرني عن الإسلام وقال: أخبرني عن الإيمان وهذا يدل على التغاير.
وهذه المسالة نقول فيها ما قال السلف:-
إن
ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإن ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان،
فقوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً )(المائدة: الآية3)
يشمل الإيمان، وقوله تعالى: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ
اتَّبَعَنِ )(آل عمران: الآية20) يشمل الإيمان.
كذلك
الإيمان إذا ذكر وحده دخل فيه الإسلام، قال الله تعالى: (وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ)(الصف: الآية13) بعد أن ذكر (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ)(الصف: الآية11) قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف:13.
- أما
إذا ذكرا جميعاً فيفترقان ،ويكون الإسلام بالأعمال الظاهرة من أقوال
اللسان وعمل الجوارح، والإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب
وأعمالها. مثاله: هذا الحديث الذي معنا، ويدل على التفريق قول الله عزّ
وجل: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ
قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ
)(الحجرات: الآية14).
فإن
قال قائل: يرد على قولنا: إذا اجتمعا افترقا إشكال، وهو قول الله تعالى في
قوم لوط: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا
وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذّاريات:35-36]
فعبر بالإسلام عن الإيمان؟
فالجواب:
أن هذا الفهم خطأ، وأن قوله: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ) يخص المؤمنين وقوله: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ
بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يعم كل من كان في بيت لوط، وفي بيت لوط من ليس
بمؤمن، وهي امرأته التي خانته وأظهرت أنها معه وليست كذلك، فالبيت بيت
مسلمين، لأن المرأة لم تظهر العداوة والفرقة، لكن الناجي هم المؤمنون
خاصة، ولهذا قال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
وهم ما عدا هذه المرأة، أما البيت فهو بيت مسلم.
ويؤخذ
من هذه الآية فائدة هي: أن البلد إذا كان المسيطر عليه هم المسلمون
فهوبلد إسلامي وإن كان فيه نصارى أو يهود أومشركون أوشيوعيون، لأن الله
تعالى جعل بيت لوط بيت إسلام مع أن امرأته كافرة، هذا هو التفصيل في مسألة
الإيمان والإسلام.
والحاصل
أنه إذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، وإن ذكر الإيمان وحده دخل
فيه الإسلام، وإن ذكرا جميعاً افترقا، فصار الأمر كما قال بعضهم: إن
اجتمعا افترقا، إن افترقا اجتمعا ولهذا نظائر: كالمسكين والفقير، والبر
والتقوى، فهذه الألفاظ إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت.
.13 أن أركان الإيمان ستة كما سبق، وهذه الأركان تورث للإنسان قوة الطلب في الطاعة والخوف من الله عزّ وجل .
.14 أن من أنكر واحداً من هذه الأركان الستة فهو كافر، لأنه مكذّب لما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
.15 إثبات الملائكة وأنه يجب الإيمان بهم.
وهنا مسألة: هل الملائكة أجسام، أم عقول، أم قوى؟
والجواب:
الملائكة أجسام بلا شك،كما قال الله عزّ وجل: (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ
رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ)(فاطر: الآية1] وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
أطت السماء والأطيط: صرير الرحل،أي إذا كان على البعير حمل ثقيل، تسمع
له صريراً من ثقل الحمل،فيقول عليه الصلاة والسلام: وحق لها أن تئط، مَا
مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِع إِلاَّ وَفِيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ للهِ
أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِد [40] ويدل لهذا حديث جبريل عليه السلام: أنه له ستمائة جناح قد سد الأفق، والأدلة على هذا كثيرة.
وأما
من قال: إنهم أرواح لا أجسام لهم، فقوله منكر وضلال، وأشد منه نكارةً من
قال: إن الملائكة كناية عن قوى الخير التي في نفس الإنسان، والشياطين
كناية عن قوى الشر، فهذا من أبطل الأقوال.
.16 أنه
لابد من الإيمان بجميع الرسل، فلو آمن أحد برسوله وأنكر من سواه فإنه لم
يؤمن برسوله، بل هو كافر، واقرأ قول الله عزّ وجل: (كَذَّبَتْ قَوْمُ
نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء:105)
مع
أنهم إنما كذبوا نوحاً ولم يكن قبله رسول، لكن تكذيب واحد من الرسل تكذيب
للجميع. وكذلك تكذيب واحد من الكتب في أنه نزل من عند الله تكذيب للجميع.
.17 إثبات اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.
وقد
أنكر البعث كل المشركين، قال الله عزّ وجل: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً
وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)
(يّـس:78) أي يتفتت، فأجاب الله عزّ وجل بأن أمر نبيه أن يقول: ( قُلْ
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
عَلِيمٌ) (يّـس:79) فهذا دليل، ووجه كونه دليلاً: أن القادر على الإيجاد
قادر على الإعادة، وقال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ
ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه)(الروم: الآية27) فإذا كان ابتداء
الخلق هيناً وأنتم أيها المشركون تقرون به فإعادته أهون، والكل هين على
الله عزّ وجل وهذا الدليل الأول في الرد على منكري البعث.
الدليل
الثاني: قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) يعلم كيف يخلق عزّ
وجل ويقدر على خلقه، فكيف تقولون إن هذا ممتنع؟ ثم قال تعالى: (الذي جعل
لكم) [يس:80] أي جعل لكم أيها المنكرون ولغيركم، (مِنَ الشَّجَرِ
الْأَخْضَرِ نَاراً )(يّـس: الآية80) معنى الآية: أن في بلاد الحجاز شجراً
يقال له المرخ والعفار يضربونه بالزند ثم يشتعل ناراً، مع أ نه أخضر ورطب
وبارد أبعد ما يكون عن النار، ومع ذلك تخلق منه ا لنار، فالقادر على أن
يخلق من الشيء ضده قادر على أن يعيد الشيء نفسه، ثم قال سبحانه وتعالى:
(فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)(يّـس: الآية80) وهذا إلزام لهم،
وليس أمراً غريباً عليكم بل أنتم تستعملونه.
الدليل
الثالث: من الأدلة في الرد على منكري البعث قول الله تعالى: (أَوَلَيْسَ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ
يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (يّـس:81)
فالجواب:
(بَلَى) [يس:81] وقد أجاب سبحانه وتعالى نفسه، لأن خلق السماوات والأرض
أكبر من خلق الناس ( وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)[يس:81] أي ذو الخلق
التام مع القدرة التامة : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ
يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّـس:82) من كان أمره إذا أراد شيئاً أن
يقول له كن فيكون، فلا يعجزه شيء، فإن أمر موجوداً أن يعدم عدِم،
أومعدوماً أن يوجد وُجِد مهما كان.
وفي
قصة موسى عليه السلام لما وقف على البحر العميق أمره الله تعالى أن يضرب
البحر فضربه مرة واحدة فانفلق وصار اثني عشر طريقاً يبساً في الحال، فمن
يقدر على أن يمايز بين الماء؟ لا يقدر أحد إلاالله عزّ وجل لأنه إذا أراد
شيئاً أن يقول له كن فيكون.
وبهذه
المناسبة أودّ أن أنبّه علىكلمة دارجة عند العوام، حيث يقولون (يا من
أمره بين الكاف والنون) وهذا غلط عظيم، والصواب: (يا من أمره بعد الكاف
والنون) لأن ما بين الكاف والنون ليس أمراً، فالأمر لا يتم إلا إذا جاءت
الكاف والنون لأن الكاف المضمومة ليست أمراً والنون كذلك، لكن باجتماعهما
تكون أمراً.
فالصواب
أن تقول: (يا من أمره -أي مأموره- بعد الكاف والنون) كما قال تعالى:
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ* فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس:82-83]
المهم
أنه يجب علينا أن نؤمن باليوم الآخر وإن كانت العقول الضعيفة
تستبعده،لأن الله تعالى إذا أمر حصل هذا فوراً،كما قال تعالى: (إِنْ
كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً )(يّـس: الآية53) فبصيحة واحدة تأتي
الخلائق كلها.
.18 أن
تؤمن بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر معترك عظيم من زمن الصحابة إلى
زماننا هذا، وسبق لنا أن له مراتب أربع وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة،
والخلق، فلنتكلم عن كل واحد منها تفصيلاً،وذلك لأهميته:-
المرتبة الأولى : العلم
بأن
تؤمن بأن الله عزّ وجل عالم بكل شيء جملة وتفصيلاً مما يتعلق بفعله بنفسه
كالخلق والإحياء أو بفعل عباده، والأدلة على هذا كثيرة، قال الله تعالى:
(وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(البقرة: الآية282) وقال عزّ وجلأَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14)
والجواب: بلى.
وأما
التفصيل ففي آية الأنعام قوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا
يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا
تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ
الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)
(الأنعام:59)
فإن
قال قائل:لدينا إشكال : مثل قول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى
نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ
أَخْبَارَكُمْ) (محمد:31)
وقال
الله عزّ وجل: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْب)(المائدة:
الآية94) وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا
يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)
(آل عمران:142)
وأمثال هذه الآيات مشكلة، لأن ظاهرها تجدد علم الله عزّ وجل بعد وقوع الفعل؟
والجواب عن هذا الإشكال من أحد وجهين:
الوجه
الأول: إن علم الله عزّ وجل بعد وقوعه غير علمه به قبل وقوعه، لأن علمه
به قبل وقوعه علم بأنه سيقع، وعلمه به بعد وقوعه علم بأنه واقع، نظير هذا
من بعض الوجوه: الله عزّ وجل مريد لكل شيء حتى المستقبل الذي لانهاية
له،مريد له لاشك، لكن الإرادة المقارنة تكون عند الفعل: (إِنَّمَا
أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
(يّـس:82)
فهاهنا
إرادتان: إرادة سابقة، وإرادة مقارنة للفعل، فإذا أراد الله تعالى أن
يخلق شيئاً فإنه يريده عند خلقه، لكن كونه أراد أن يخلق في المستقبل فهذا
غير الإرادة المقارنة، كذلك العلم.
الوجه
الثاني: (حَتَّى نَعْلَمَ) [محمد:31] أي علماً يترتب عليه الثواب
والعقاب، لأن علم الله الأزلي السابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب،
فالثواب والعقاب يكون بعد الامتحان والابتلاء،كما قال تعالى:
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ
وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد:31)
وحينئذ قد زال الإشكال ولله الحمد.
وقد
قال غلاة القدرية: إن علم الله تعالى بأفعال العباد مستأنف حيث يقولون:
الأمر أنف يعني مستأنف، فيقولون: إن الله لايعلم الشيء، إلا بعد
وقوعه،فهؤلاء كفرة بلا شك لإنكارهم ما دلّ الكتاب والسنة عليه دلالة قطعية،
وأجمع عليه المسلمون.
المرتبة الثانية : الكتابة وهي أنواع :
.1الكتابة العامة في اللوح المحفوظ، كتب الله تعالى كل شيء.
.2 الكتابة
العُمريّة، وهي أن الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر بعث الله
إليه الملك الموكل بالأرحام، وأمرَ أن يكتب: أجله ورزقه وعمله وشقي أو
سعيد. فهذه كتابة عمرية لأنها مقيدة بالعمر،أي تكتب مرة واحدة،ولايعاد
كتابتها.
.3 الكتابة الحولية، وهي التي تكون ليلة القدر، كما قال الله عزّ وجل: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان:4)
يعني يبيّن ويفصل (كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وليس أمر من أمر الله إلا وهو حكيم.
وذكر
بعضهم: كتابة يومية،واستدل لذلك بقوله عزّ وجل: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن:29)
ولكن الآية ليست واضحة في هذا المعنى.
وهنا مسألة: هل الكتابة تتغير أو لاتتغير؟
الجواب: يقول رب العالمين عزّ وجل: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (الرعد:39)
أي
اللوح المحفوظ ليس فيه محو ولا كتاب، فما كتب في اللوح المحفوظ فهو كائن
ولاتغيير فيه، لكن ما كتب في الصحف التي في أيدي الملائكة فهذا: (يَمْحُوا
اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) قال عزّ وجل: ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)(هود: الآية114).
وفي
هذا المقام يُنكَرُ على من يقولون: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن
أسألك اللطف فيه) فهذا دعاء بدعي باطل، فإذا قال: (اللهم إني لا أسألك رد
القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) معناه أنه مستغن، أي افعل ما شئت ولكن خفف
وهذا غلط، فالإنسان يسأل الله عزّ وجل رفع البلاء نهائياً فيقول مثلاً:
اللهم عافني، اللهم ارزقني وما أشبه ذلك.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال:لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهَمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ [41] فقولك: (لا أسألك رد القضاء،ولكن أسألك اللّطف فيه) أشد.
واعلم أن الدعاء قد يرد القضاء،كما جاء في الحديث: لاً يَرُدُّ القَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ [42]
وكم من إنسانٍ افتقر غاية الافتقار حتى كاد يهلك،فإذا دعا أجاب الله
دعاءه، وكم من إنسان مرض حتى أيس من الحياة فيدعو فيستجيب الله دعاءه.
قال الله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الانبياء:83)
فذكر حاله يريدُ أنّ اللهَ يكشفُ عنهُ الضُّرَّ، قال الله فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) (الانبياء: الآية84)
المرتبة الثالثة : المشيئة :
ومعناها:
أن تؤمن بأن كل كائن وجوداً أو عدماً فهو بمشيئة الله، كالمطر، والجفاف،
ونبات الأرض، والإحياء، والإماتة، وهذا لا إشكال فيه، وهو مشيئة الله
عزّ وجل لفعله ،وكذلك ما كان من فعل المخلوق فهو أيضاً بمشيئة الله،ودليل
ذلك قوله تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا
تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
[التكوير:28-29] وقال الله عزّ وجل: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ
مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ) [البقرة:253] وأجمع
المسلمون على هذه الكلمة: (ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.)
ففعل
العبد بمشيئة الله. ويرد إشكال وهو إذا كان فعل العبد بمشيئة الله صار
الإنسان مجبراً على العمل، لأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فيؤدي
هذا الاعتقاد إلى مذهب الجبرية، وهو مذهب الجهمية.
* والجهمية: لهم ثلاث جيمات كلها فساد:
الجهم: وهذا يتعلق بالصفات، والجبر: يتعلق بالقدر، الإرجاء: يتعلق بالإيمان، ثلاث جيمات كلها لاخير فيها.
ولهذا
قول القائل: إذا كان كل شيء بمشيئة الله وبكتابة الله،فنحن مجبرين على
أعمالنا؛ قولٌ لايخفى مافيه من الفساد، لأنه إذا كان الإنسان مجبراً وفعل
الفعل ثم عُذب عليه، ولهذا لو حدث من بشر لصاح الناس به، فكيف بالخالق
عزّ وجل ؟
ولذلك يعتبر هذا القول من أبطل الأقوال، ونحن نشعر بأنهم لايجبرون على الفعل ولا على الترك، وأننا نفعل ذلك باختيارنا التام.
وبهذا التقرير يبطل هذا الاستفهام الحادث المحدث، هل الإنسان مسير أو مخير ؟
وهذا
سؤال غير وارد وعلى من يسأل هذا السؤال أن يسأل نفسه:هل أجبره أحد على أن
يسأل هذا السؤال؟ وكلٌّ يعرف أن الإنسان مخير لا أحد يجبره، فعندما أحضر
من بيتي إلى المسجد هل أشعر بأن أحداً أجبرني؟ لا، وكذا عندما أتأخر
باختياري لا أشعر بأن أحداً أجبرني، فالإنسان مخيّر لا شك، لكن ما يفعله
الإنسان نعلم أنه مكتوب من قبل، ولهذا نستدل على كتابة الله عزّ وجل
لأفعالنا وإرادته لها وخلقه لها بعد وقوعها، أما قبل الوقوع فلا ندري،
ولهذا قال الله عزّ وجل: ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إن الله عليم خبير) (لقمان:
الآية34) فإذا كان هذا هو الواقع بالنسبة للمشيئة: أن الله تعالى يشاء كل
شيء لكن لا يجبر العباد، بل العباد مختارون فلا ظلم حينئذ، ولهذا إذا
وقع فعل العبد من غير اختيار رُفِع عنه الإثم، إن كان جاهلاً أو مكرهاً
أو ناسياً،فإنه يُرفع عنه الإثم لأنه لم يختره.
ولهذا
لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ
وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّار
قَالُوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَفَلا نَدَعُ العَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى
مَا كُتِبَ، قَالَ: لا، اعْمَلُوْا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ،
أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ -اللهم اجعلنا منهم- فَيُيَسَّرُوْنَ
لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ
فَيُيَسَّرُوْنَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَة ثُمَّ قَرَأَ النبي صلى
الله عليه وسلم - مستدلاً ومقرراً لما قال- قول الله عزّ وجل: (فَأَمَّا
مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ
بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل:5-10) [43]
إذاً نعمل .الرّزق مكتوب ومراد لله، ومع ذلك الإنسان يسعى للرزق.
وكذا
الولد مكتوب أي أن الإنسان سيولد له مكتوب، ومع ذلك فالإنسان يسعى لهذا
ويطلب الأولاد بالنكاح، ولا يقول: سأنام على الفراش وإن كان الله مقدراً
لي الولد سيأتي به، فلو قال أحد هذا الكلام لقالوا: إنه مجنون.
كذلك العمل الصالح: اعمل عملاً صالحاً من أجل أن تدخل الجنة، ولا أحد يمنعك من الطاعة، ولا أحد يكرهك على المعصية.
وقد
احتجّ المشركون بالقدر على شركهم،كما قال الله عنهم: ( سَيَقُولُ
الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا
وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ)[الأنعام:148].
والجواب:
قال الله تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى
ذَاقُوا بَأْسَنَا) [الأنعام:148] فلم تقبل منهم هذه الحجة، لأن الله تعالى
جعل ذلك تكذيباً وجعل له عقوبة: (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) .
فإن
قال قائل: إن لدينا حديثاً أقرّ فيه النبي صلى الله عليه وسلم الاحتجاج
بالقدر،وهو أن آدم وموسى تحاجا -أي تخاصما- فقال موسى لآدم: أنت أبونا
خيبتنا، أخرجتنا ونفسك من الجنة -لأن خروج آدم من الجنة من أجل أنه أكل من
الشجرة التي نُهِيَ عن الأكل منها -فقال له آدم: أتلومني على شيء قد كتبه
الله عليَّ قبل أ ن يخلقني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حَجَّ آدَمُ
مُوْسَى مرتين أو ثلاثاً وفي لفظ: فَحَجَّهُ آدَمُ [44] يعني غلبه في الحجة.
هذا يتمسّك به من يحتجّ بالقدر على فعل المعاصي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد سليم
برونزى


عدد المساهمات : 172
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 13 أبريل - 14:14



وهل صفات الله مخلوقة ؟
الجواب:
لا، لأن صفاته سبحانه وتعالى كذاته كما أن صفات الإنسان كذات الإنسان
مخلوقة. وسنذكر في الفوائد إن شاء الله أن الناس انقسِموا في القدر إلى
ثلاثة أقسام: مُفَرِّط، ومُفْرِط، ومقتصد، أي مستقيم.

قَالَ: صَدَقْتَ القائل جبريل عليه السلام
ثم
قال: أخْبِرْني عَنِ الإِحْسَانِ الإحسان مصدر أحسن يحسن، وهو بذل
الخير والإحسان في حق الخالق: بأن تبني عبادتك على الإخلاص لله تعالى
والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلما كنت أخلص وأتبع كنت
أحسن. وأما الإحسان للخلق: فهو بذل الخير لهم من مال أوجاه أو غير ذلك.



[]


فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : الإحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وعبادة
الله لا تتحقق إلابأمرين وهما: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، أي عبادة الإنسان ربه سبحانه كأنه يراه. عبادة طلب وشوق
وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثاً عليها، لأنه يطلب هذا الذي
يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرّب إليه سبحانه
وتعالى.

فَإِنْ
لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ أي: اعبده على وجه الخوف
ولاتخالفه، لأنك إن خالفته فإنه يراك فتعبده عبادة خائف منه، هارب من
عذابه وعقابه، وهذه الدرجة عند أهل العبادة أدنى من الدرجة الأولى.



[size=21][/size]


فصار للإحسان مرتبتان: مرتبة الطلب، ومرتبة الهرب.
مرتبة الطلب: أن تعبد الله كأنك تراه.
ومرتبة
الهرب: أن تعبد الله وهو يراك عزّ وجل فاحذره، كما قال عزّ وجل:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ )(آل عمران: الآية30)، وبهذا نعرف أن
الجملتين متباينتان والأكمل الأول، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم
الثاني في مرتبة ثانية متأخرة.

قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ لم يُعِد قوله صدقت اكتفاءً بالأولى.
والساعة
هي: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، يعني البعث، وسميت ساعة لأنها
داهية عظيمة، قال الله عزّ وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا
رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (الحج:1). فقال
النبي صلى الله عليه وسلم مَا المَسْؤُوْلُ عَنْهَا يعني نفسه صلى الله
عليه وسلم بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ يعني جبريل عليه السلام، والمعنى:
إذا كنت تجهلها فأنا أجهلها ولا أستطيع أن أخبرك به، لأن علم الساعة مما
اختص الله به عزّ وجل ، قال الله تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ
السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) (الأحزاب:63) ، وقال عزّ وجل:
(يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا
عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ
ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً
)(الأعراف: الآية187) ولهذا يجب علينا أن نكذب كل من حدد عمر الدنيا في
المستقبل، ومن قال به أو صدق به فهو كافر.

وما
نسمع عن بعض أهل الشعوذة أن عمر الدنيا كذا وكذا قياساً على ما مضى منها
فإنه يجب علينا أن نقول بألسنتنا وقلوبنا كذبتم، ومن صدّق بذلك فهو
كافر، لأنه إذا كان أعلم الرسل البشرية وأعظم الرسل الملكية كلاهما لا
يعرفان متى تكون فمن دونهما من باب أولى بلا شك.

ولَمَا
قال ما السؤول عنها بأعلم من السائل، ثم قال: أخْبِرْنِي عَنِ
أَمَارَاتِهَا أي علامات قربها، لأن الأمارة بمعنى العلامة، والمراد
أمارات قربها وهو ما يعرف بالأشراط،قال الله عزّ وجل: (فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ
أَشْرَاطُهَا )(محمد: الآية18) وأشراط الساعة قسّمها العلماء إلى ثلاثة
أقسام:



[size=21][/size]


أشراط مضت وانتهت
أشراط لم تزل تتجدد وهي الوسطى
أشراط كبرى تكون عند قرب قيام الساعة
ومن علامات الساعة ماذكره صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بقوله:
أَنْ
تَلِدَ الأمَةُ رَبّتَهَا وفي لفظ: ربَّهَا والمعنى: أَنْ تَلِدَ
الأَمَةُ أي الرقيقة المملوكة رَبَّهَا أي سيدها، أو: ربَّتَهَا هل
المراد العين أو الجنس؟

والجواب:
اختلف في هذا العلماء. فمنهم من قال: المراد أن تلد الأمة ربها،يعني أن
تلد الأمة من يكون سيداً لغيرها لا لها، فيكون المراد بالأمة: الأمة
بالجنس.

وقيل
المعنى:إن الأمة بالعين تلد سيدها أو سيدتها،بحيث يكون الملك قد أولد
أمته، ومعنى أولدها أي أنجب منها، فيكون هذا الولد الذي أنجبته سيداً لها:
إما لأن أباه سيدها، وإما لأنه سوف يخلف أباه فيكون سيداً لها.



[size=21][/size]


ولكن
المعنى الأول أقوى، أن الإماء يلدن -من يكونوا أسياداً ومالكين، فهي
كانت مملوكة في الأول، وتلد من يكونوا أسياداً مالكين. وهو كناية عن تغير
الحال بسرعة، ويدل لهذا ماذكره بعد حيث قال:

وَأَنْ
تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ الحفاة: يعني ليس لهم نعال،
والعراة: أي ليس لهم ثياب تكسوهم وتكفيهم، العالة: أي ليس عندهم ما يأكلون
من النفقة أو السكنى أو ما أشبه ذلك، عالة أي فقراء.

يَتَطَاوَلُوْنَ
في البُنْيَانِ أي يكونون أغنياء حتى يتطاولون في البنيان أيهم أطول.
وهل المراد بالتطاول ارتفاعاً، أو جمالاً، أو كلاهما؟

الجواب:
كلاهما، أي يتطاولون في البنيان أيهم أعلى، ويتطاولون في البنيان أيهم
أحسن، وهم في الأول فقراء لا يجدون شيئاً، لكن تغير الحال بسرعة مما يدل
على قرب الساعة.

وهنا مسألة: هل وجد التطاول في البنيان أم لا؟
والجواب:
الله أعلم فإنه قد يوجد ماهو أعظم مما في هذا الزمان،لكن كل أناس وكل
جيل يحدث فيه من التطاول والتعالي في البنيان،وكل زمن يقول أهله: هذا من
أشراط الساعة، والله أعلم، لكن هذه علامة واضحة.



[size=21][/size]


ثُمَّ
انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَليّاً يعني بقيت ملياً أي مدة طويلة كما في
قوله تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً)(مريم: الآية46) أي مدة طويلة، قيل
ثلاثة أيام، وقيل أكثر، وقيل: أقل ولكن المعروف أن الملي يعني الزمن
الطويل.

ثُمَّ
قَالَ: يَاعُمَرُ والقائل النبي صلى الله عليه وسلم أتَدْرِيْ من
السَّائِل؟ قُلتُ: اللهُ وَرَسُوْله أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ
ولعل النبي صلى الله عليه وسلم وجده فيما بعد وسأله: أتدري من السائل؟
أي أتعلم من هو؟ فَقَالَ عُمَرُ: اللهُ وَرَسُوْلهُ أَعْلَمُ وهذا يدل
على أن عمر رضي الله عنه لاعلم له من هذا السائل.

فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ الإشارة هنا إلى شيء
معلوم بالذهن، أي هذا جبريل أتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكَمُ لكنه
جاء بهذه الصيغة أي صيغة السؤال والجواب لأنه أمكن في النفس وأقوى في
التأثير.



[size=21][/size]


من فوائد هذا الحديث:
هذا
الحديث فيه فوائد كثيرة، فلو أراد الإنسان أن يستنبط مافيه من الفوائد
منطوقاً ومفهوماً وإشارة لكتب مجلداً، لكن نشير إشارة قليلة إلى ما يحضرنا
إن شاء الله تعالى، فمنها:

.1بيان
حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يجلس مع أصحابه ويجلسون إليه،وليس
ينفرد ويرى نفسه فوقهم، بل إن الجارية تأخذ بيده حتى توصله إلى بيتها
ليحلب لها الشاة من تواضعه صلى الله عليه وسلم [36]

واعلم أنك كلما تواضعت لله ازددت بذلك رفعة، لأن من تواضع لله رفعه الله عزّ وجل .
.2جواز
جلوس الأصحاب إلى شيخهم ومن يفوقهم،لكن هذا بشرط:إذا لم يكن فيه إضاعة
وقت على الشيخ ومن يفوقه علماً. لأن بعض الناس يأتي إلى من يحافظ على وقته
ويستغله في العلم، فيجلس عنده ويطيل الحديث، فالمحافظ على وقته،يتململ
ويوري مثلاً بقصر الليل أو ما أشبه ذلك، ولكن الآخر لشدة محبته له والتحدث
إليه يبقى.

.3إن الملائكة عليهم السلام يمكن أن يتشكلوا بأشكال غير أشكال الملائكة، لأن جبريل أتى بصورة هذا الرجل كما جاء في الحديث.
فإن قال قائل:وهل هذا إليهم، أو إلى الله عزّ وجل ؟
فالجواب: هذا إلى الله عزّ وجل ، بمعنى: أنه لايستطيع الملك أن يتزيَّى بزيّ الغير إلا بإذن الله عزّ وجل .
.4الأدب مع المعلم كما فعل جبريل عليه السلام، حيث جلس أمام النبي صلى الله عليه وسلم جلسة المتأدب ليأخذ منه.
.5جواز
التورية لقوله: يامُحَمَّد) وهذه العبارة عبارة الأعراب، فيوري بها
كأنه أعرابي،وإلا فأهل المدن المتخلقون بالأخلاق الفاضلة لاينادون الرسول
صلى الله عليه وسلم بمثل هذا.

.6فضيلة
الإسلام،وأنه ينبغي أن يكون أول ما يسأل عنه، ولهذا كان النبي صلى الله
عليه وسلم إذا أرسل الرسل للدعوة إلى الله أمرهم أن يبدؤوا قبل كل شيء
بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

.7إن
أركان الإسلام هي هذه الخمسة،ويؤيده حديث عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْس[37] وسيأتي شرحه.

.8فضل الصلاة وأنها مقدمة على غيرها بعد الشهادتين.
.9الحث على إقامة الصلاة، وفعلها قويمة مستقيمة،وأنها ركن من أركان الإسلام.
.10إن إيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من أركان الإسلام، وكذلك بقية الأركان.
ولو قائل قال: إذا ترك الإنسان واحداً من هذه الأركان هل يكفر أم لا؟
فالجواب:
أن نقول: إذا لم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فهوكافر
بالإجماع، ولا خلاف في هذا. وأما إذا ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج
أو واحداً منها ففي ذلك خلاف، فعن الإمام أحمد - رحمه الله - رواية: أن
من ترك واحداً منها فهو كافر، يعني: من لم يصلِّ فهو كافر، ومن لم يزكِّ
فهو كافر، ومن لم يصم فهو كافر، ومن لم يحج فهو كافر.

لكن هذه الرواية من حيث الدليل ضعيفة.
والصواب:
أن هذه الأربعة لا يكفر تاركها إلا الصلاة، لقول عبد الله بن شقيق - رحمه
الله - كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لايرون شيئاً من الأعمال
تركه كفرٌ إلا الصلاة ولذلك أدلة معروفة[38]
.

وكذا لو أنكر وجوبها وهو يفعلها فإنه يكفر ،لأن وجوبها أمرٌ معلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وإذا تركها عمداً فهل يقضيها أو لا ؟
نقول:
الموقت لا يقضى، فلو ترك الصلاة حتى خرج وقتها بلا عذر قلنا لا تقضها،
لأنه لو قضاها لم تنفعه لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ
اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(البقرة: الآية229) والظالم لا
يمكن أن يقبل منه، ومن أخرج الصلاة عن وقتها بلاعذر فهو ظالم.ولقول النبي
صلى الله عليه وسلم مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَليْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ
رَدّ [39] .

وكذلك
يقال في الصوم: فلو ترك الإنسان صوم يوم عمداً بلا عذر ثم ندم بعد أن
دخل شوال وأراد أن يقضيه، فإننا نقول له: لا تقضه، لأنك لو قضيته لم
ينفعك، لكونك تعديت حدود الله، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ
عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَليْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ

وعلى
من ترك الصلاة بلا عذر حتى خرج الوقت، أوترك الصوم بلا عذر حتى خرج
الوقت أن يكثر من الطاعات والاستغفار والعمل الصالح والتوبة إلى الله
توبة نصوحاً.

أما الزكاة:إذا تركها الإنسان ثم تاب فإنه يزكي، نقول: زكِّ لأنه ليس للزكاة وقت محدد يقال فيه لاتزكي إلا في الشهر الفلاني.
ومن مات وهو لم يزكِّ تهاوناً، فهل تخرج الزكاة من ماله، أم لا؟
والجواب:
الأحوط -والله أعلم- أن الزكاة تخرج، لأنه يتعلق بها حق أهل الزكاة فلا
تسقط، لكن لاتبرأ ذمته، لأن الرجل مات علىعدم الزكاة.

والحج كذلك، لوتركه الإنسان القادر المستطيع تفريطاً حتى مات، فإنه لايحج عنه، لأنه لايريد الحج فكيف تُحج عنه وهو لايريد الحج.


[size=21][/size]


وهنا مسألة: هل يجب على ورثته أن يخرجوا الحج عنه من تركته؟
والجواب:
لا، لأنه لاينفعه ولم يتعلق به حق الغير كالزكاة، قال ابن القيم في تهذيب
السنن: هذا هو الذي ندين الله به أوكلمة نحوها، وهو الذي تدل عليه
الأدلة.

فيجب على الإنسان أن يتقي الله عزّ وجل لأنه إذا مات ولم يحج مع قدرته على الحج فإنه لوحُجَّ عنه ألف مرة لم تبرأ ذمته.
.11 الانتقال
من الأدنى إلى الأعلى، فالإسلام بالنسبة للإيمان أدنى، لأن كل إنسان
يمكن أن يسلم ظاهراً،كما قال الله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) (الحجرات: الآية14)
لكن الإيمان - اللهم حقق إيماننا- ليس بالأمر الهين فمحله القلب
والاتصاف به صعب.

.12 أن الإسلام غير الإيمان،لأن جبريل عليه السلام قال: أخبرني عن الإسلام وقال: أخبرني عن الإيمان وهذا يدل على التغاير.
وهذه المسالة نقول فيها ما قال السلف:-
إن
ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإن ذكر الإسلام وحده دخل فيه
الإيمان، فقوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً )(المائدة:
الآية3) يشمل الإيمان، وقوله تعالى: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
وَمَنِ اتَّبَعَنِ )(آل عمران: الآية20) يشمل الإيمان.

كذلك
الإيمان إذا ذكر وحده دخل فيه الإسلام، قال الله تعالى: (وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ)(الصف: الآية13) بعد أن ذكر (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ)(الصف: الآية11) قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف:13.



[size=21][/size]


- أما
إذا ذكرا جميعاً فيفترقان ،ويكون الإسلام بالأعمال الظاهرة من أقوال
اللسان وعمل الجوارح، والإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب
وأعمالها. مثاله: هذا الحديث الذي معنا، ويدل على التفريق قول الله عزّ
وجل: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ
قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ
)(الحجرات: الآية14).

فإن
قال قائل: يرد على قولنا: إذا اجتمعا افترقا إشكال، وهو قول الله تعالى
في قوم لوط: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا
وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذّاريات:35-36]
فعبر بالإسلام عن الإيمان؟

فالجواب:
أن هذا الفهم خطأ، وأن قوله: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ) يخص المؤمنين وقوله: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ
بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يعم كل من كان في بيت لوط، وفي بيت لوط من ليس
بمؤمن، وهي امرأته التي خانته وأظهرت أنها معه وليست كذلك، فالبيت بيت
مسلمين، لأن المرأة لم تظهر العداوة والفرقة، لكن الناجي هم المؤمنون
خاصة، ولهذا قال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
وهم ما عدا هذه المرأة، أما البيت فهو بيت مسلم.

ويؤخذ
من هذه الآية فائدة هي: أن البلد إذا كان المسيطر عليه هم المسلمون
فهوبلد إسلامي وإن كان فيه نصارى أو يهود أومشركون أوشيوعيون، لأن الله
تعالى جعل بيت لوط بيت إسلام مع أن امرأته كافرة، هذا هو التفصيل في مسألة
الإيمان والإسلام.

والحاصل
أنه إذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، وإن ذكر الإيمان وحده دخل
فيه الإسلام، وإن ذكرا جميعاً افترقا، فصار الأمر كما قال بعضهم: إن
اجتمعا افترقا، إن افترقا اجتمعا ولهذا نظائر: كالمسكين والفقير، والبر
والتقوى، فهذه الألفاظ إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت.

.13 أن أركان الإيمان ستة كما سبق، وهذه الأركان تورث للإنسان قوة الطلب في الطاعة والخوف من الله عزّ وجل .
.14 أن من أنكر واحداً من هذه الأركان الستة فهو كافر، لأنه مكذّب لما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
.15 إثبات الملائكة وأنه يجب الإيمان بهم.
وهنا مسألة: هل الملائكة أجسام، أم عقول، أم قوى؟
والجواب:
الملائكة أجسام بلا شك،كما قال الله عزّ وجل: (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ
رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ)(فاطر: الآية1] وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
أطت السماء والأطيط: صرير الرحل،أي إذا كان على البعير حمل ثقيل، تسمع
له صريراً من ثقل الحمل،فيقول عليه الصلاة والسلام: وحق لها أن تئط، مَا
مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِع إِلاَّ وَفِيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ للهِ
أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِد [40] ويدل لهذا حديث جبريل عليه السلام: أنه له ستمائة جناح قد سد الأفق، والأدلة على هذا كثيرة.

وأما
من قال: إنهم أرواح لا أجسام لهم، فقوله منكر وضلال، وأشد منه نكارةً من
قال: إن الملائكة كناية عن قوى الخير التي في نفس الإنسان، والشياطين
كناية عن قوى الشر، فهذا من أبطل الأقوال.

.16 أنه
لابد من الإيمان بجميع الرسل، فلو آمن أحد برسوله وأنكر من سواه فإنه لم
يؤمن برسوله، بل هو كافر، واقرأ قول الله عزّ وجل: (كَذَّبَتْ قَوْمُ
نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء:105)

مع
أنهم إنما كذبوا نوحاً ولم يكن قبله رسول، لكن تكذيب واحد من الرسل
تكذيب للجميع. وكذلك تكذيب واحد من الكتب في أنه نزل من عند الله تكذيب
للجميع.

.17 إثبات اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.
وقد
أنكر البعث كل المشركين، قال الله عزّ وجل: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً
وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)
(يّـس:78) أي يتفتت، فأجاب الله عزّ وجل بأن أمر نبيه أن يقول: ( قُلْ
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
عَلِيمٌ) (يّـس:79) فهذا دليل، ووجه كونه دليلاً: أن القادر على الإيجاد
قادر على الإعادة، وقال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ
ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه)(الروم: الآية27) فإذا كان ابتداء
الخلق هيناً وأنتم أيها المشركون تقرون به فإعادته أهون، والكل هين على
الله عزّ وجل وهذا الدليل الأول في الرد على منكري البعث.

الدليل
الثاني: قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) يعلم كيف يخلق عزّ
وجل ويقدر على خلقه، فكيف تقولون إن هذا ممتنع؟ ثم قال تعالى: (الذي جعل
لكم) [يس:80] أي جعل لكم أيها المنكرون ولغيركم، (مِنَ الشَّجَرِ
الْأَخْضَرِ نَاراً )(يّـس: الآية80) معنى الآية: أن في بلاد الحجاز شجراً
يقال له المرخ والعفار يضربونه بالزند ثم يشتعل ناراً، مع أ نه أخضر ورطب
وبارد أبعد ما يكون عن النار، ومع ذلك تخلق منه ا لنار، فالقادر على أن
يخلق من الشيء ضده قادر على أن يعيد الشيء نفسه، ثم قال سبحانه وتعالى:
(فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)(يّـس: الآية80) وهذا إلزام لهم،
وليس أمراً غريباً عليكم بل أنتم تستعملونه.

الدليل
الثالث: من الأدلة في الرد على منكري البعث قول الله تعالى: (أَوَلَيْسَ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ
يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (يّـس:81)

فالجواب:
(بَلَى) [يس:81] وقد أجاب سبحانه وتعالى نفسه، لأن خلق السماوات والأرض
أكبر من خلق الناس ( وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)[يس:81] أي ذو الخلق
التام مع القدرة التامة : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ
يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّـس:82) من كان أمره إذا أراد شيئاً أن
يقول له كن فيكون، فلا يعجزه شيء، فإن أمر موجوداً أن يعدم عدِم،
أومعدوماً أن يوجد وُجِد مهما كان.

وفي
قصة موسى عليه السلام لما وقف على البحر العميق أمره الله تعالى أن يضرب
البحر فضربه مرة واحدة فانفلق وصار اثني عشر طريقاً يبساً في الحال، فمن
يقدر على أن يمايز بين الماء؟ لا يقدر أحد إلاالله عزّ وجل لأنه إذا
أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

وبهذه
المناسبة أودّ أن أنبّه علىكلمة دارجة عند العوام، حيث يقولون (يا من
أمره بين الكاف والنون) وهذا غلط عظيم، والصواب: (يا من أمره بعد الكاف
والنون) لأن ما بين الكاف والنون ليس أمراً، فالأمر لا يتم إلا إذا جاءت
الكاف والنون لأن الكاف المضمومة ليست أمراً والنون كذلك، لكن باجتماعهما
تكون أمراً.

فالصواب
أن تقول: (يا من أمره -أي مأموره- بعد الكاف والنون) كما قال تعالى:
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ* فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس:82-83]

المهم
أنه يجب علينا أن نؤمن باليوم الآخر وإن كانت العقول الضعيفة
تستبعده،لأن الله تعالى إذا أمر حصل هذا فوراً،كما قال تعالى: (إِنْ
كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً )(يّـس: الآية53) فبصيحة واحدة تأتي
الخلائق كلها.

[size=21] .18 أن
تؤمن بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر معترك عظيم من زمن الصحابة إلى
زماننا هذا، وسبق لنا أن له مراتب أربع وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة،
والخلق، فلنتكلم عن كل واحد منها تفصيلاً،وذلك لأهميته:-
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد سليم
برونزى


عدد المساهمات : 172
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 13 أبريل - 14:23

تابعوونا
مع
الحديث الثالث
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدوء الليل
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 784
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الإثنين 16 أبريل - 14:09

الحديث الثالث
عَنْ
أَبِيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم
يَقُوْلُ: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُوْلُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ،
وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البِيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)




الشرح
عَنْ أَبِيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هذه كنية، عبد الله بن عمر هذا اسم علم.
والكنية: كل ما صدر بأبٍ، أو أم، أو أخ، أو خالٍ، أو ما أشبه ذلك. والعلم: اسم يعين المسمى مطلقاً.
رَضِيَ
اللهُ عَنْهُمَا قال العلماء: إذا كان الصحابي وأبوه مسلمين فقل: رضي الله
عنهما، وإذا كان الصحابي مسلماً وأبوه كافراً فقل: رضي الله عنه .

قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ يَقُوْلُ: بُنِيَ الإِسْلامُ الذي بناه هو الله
عزّ وجل، وأبهم الفاعل للعلم به، كما أُبهم الفاعل في قوله تعالى: (
وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً)(النساء:الآية28) فلم يبين من الخالق، لكنه
معلوم، فما عُلم شرعاً أو قدراً جاز أن يبنى فعله لما لم يسم فاعله.




عَلَى خَمْسٍ أي على خمسِ دعائم.
شَهَادَة أنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُوْلُ اللهِ (شهادة) يجوز فيها وجهان في الإعراب:
الأول: الضم (شهادةُ) بناء على أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هي شهادة.
والثاني: الكسر (شهادةِ) على أنها بدل من قوله: خمس، وهذا البدل بدل بعض من كل.
وقد سبق الكلام على الشهادتين في شرح حديث جبريل عليه السلام



وَإِقَامِ الصّلاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البّيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَان وهذا سبق الكلام عليه في شرح حديث جبريل عليه السلام[
لكن في هذا الحديث إشكال وهو:تقديم الحج على الصوم.
والجواب عليه أن يقال: هذا ترتيب ذكري، والترتيب الذكري يجوز فيه أن يقدم المؤخر كقول الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد من بعد ذلك جده
فالترتيب هنا ترتيب ذكري.
وقد سبق في حديث جبريل تقديم الصيام على الحج، ونقول في شرح الحديث:
إن الله عزّ وجل حكيم، حيث بنى الإسلام العظيم علىهذه الدعائم الخمس من أجل امتحان العباد.
- الشهادتان: نطق باللسان، واعتقاد بالجنان.
- إقام
الصلاة: عمل بدني يشتمل على قول وفعل، وما قد يجب من المال لإكمال الصلاة
فإنه لا يعد منها، وإلا فمن المعلوم أنه يجب الوضوء للصلاة، وإذا لم تجد
ماءً فاشتر ماءً بثمن ، ومن المعلوم أيضاً أنك ستستر العورة في الصلاة
وتشتري السترة بمال لكن هذا خارج عن العبادة، ولذلك نقول:إن الصلاة عبادة
بدنية محضة.




- إيتاء الزكاة:
عبادة مالية لا بدنية، وكون الغني يجب أن يوصلها للفقير، وربما يمشي وربما
يستأجر سيارة، هذا أمر خارج عن العبادة، ولهذا لو كان الفقير عند الغني
أعطاه الدراهم مباشرة بدون أي عمل، ولا نقول: اذهب أيها التاجر إلى أقصى
البلد ثم ارجع.




- صوم رمضان:
عبادة بدنية لكن من نوع آخر، الصلاة بدنية لكنها فعل، والصيام بدني لكنه
كف وترك، لأنه قد يسهل على الإنسان أن يفعل،ويصعب عليه أن يكف، وقد يسهل
عليه الكف ويصعب عليه الفعل، فنوعت العبادات ليكمل بذلك الامتحان، فسبحان
الله العظيم.




- حج البيت: هل يتوقف الحج على بذل المال؟
فيه تفصيل: إذا كان الإنسان يحتاج إلى شد رحل احتاج إلى المال، لكن هذا خارج العبادة، هذا من جنس الوضوء للصلاة.
وإذا قدرنا أن الرجل في مكة فهل يحتاج إلى بذل المال؟
الجواب: إذا كان يستطيع أن يمشي على رجليه فلا يحتاج إلى بذل المال، والنفقة من الأكل والشرب لابد منها حتى وإن لم يحج.
لذلك الحج - عندي- متردد بين أن يكون عبادة مالية، أوعبادة بدنية مالية، وعلىكل حال إن كان عبادة مالية بدنية فهو امتحان.



فصارت هذه الحكمة العظيمة في أركان الإسلام أنها:
بذل المحبوب، والكف عن المحبوب، وإجهاد البدن، كل هذا امتحان.
بذل
المحبوب: في الزكاة ،لأن المال محبوب إلى الإنسان،كما قال الله عزّ وجل:
(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [العاديات:8] وقال وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) (الفجر:20)

والكف عن المحبوب: في الصيام كما جاء في الحديث القدسي: يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِيْ
فتنوعت
هذه الدعائم الخمس على هذه الوجوه تكميلاً للامتحان، لأن بعض الناس يسهل
عليه أن يصوم، ولكن لا يسهل عليه أن يبذل قرشاً واحداً، وبعض الناس يسهل
عليه أن يصلي،ولكن يصعب عليه أن يصوم.

ويذكر
أن بعض الملوك وجبت عليه كفارةفيها تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين
متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. فاجتهد بعض العلماء وقال لهذا
الملك: يجب عليك أن تصوم شهرين متتابعين ولا تعتق، فقيل للمفتي في ذلك
فقال: لأن الشهرين أشق على هذا الملك من إعتاق رقبة، والمقصود بالكفارة محو
ما حصل من إثم الذنب، وأن لا يعود.

فنقول: هذا استحسان لكنه ليس بحسن وفي غير محله لأنه مخالف للشرع، فألزمه بما أوجب الله عليه وحسابه على الله عزّ وجل، وليس إليك.




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
يوسف ابو سعيد
عضو فعال
عضو  فعال


عدد المساهمات : 411
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله   الجمعة 4 يناير - 1:42

بارك الله فيكم كلمات تقطر ذهبا
فيها تسمو النفوس الى بارئها بفهم اسلامى
بارك الله بكم على حسن اختياركم
دمت متألقة بمواضيع مميزة
وردود طيبة
جزاكم الله عنا كل خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
شرح الاربعين النووية لفضيلة الشيخ بن العثيمين–رحمه الله
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: