منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 ثلاثيّاتٌ نبَويَّة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 10:24



ثلاثيات نبوية


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الثلاثية العاشرة آية المنافق
عن
أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ
كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» رواه الشيخان.

في رواية أخرى لهذا الحديث: عن عبد
الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلة
من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا
خاصم فجر» رواه البخاري ومسلم.

ولأبي يعلى: «ثلاث من كن فيه فهو منافق -وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم-: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان».
آية المنافق: الآية: العلامة،
والمنافق: هو الذي يظهر خلاف ما يبطن، والنفاق على قسمين: اعتقادي، وعملي،
فالأول يخرج من الملة، والثاني لا يخرج منها.

والنفاق المذكور في هذا الحديث عملي وليس اعتقادياً.
ثلاث علامات للنفاق ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ..
العلامة الأولى: الكذب
والكذب بالإضافة إلى كونه علامة من
علامات النفاق فهو من أبغض الأمور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأبغض الناس إليه من يكذب في حديثه، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: " ما
كان خلقٌ أبغضَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، وَلَقَدْ
كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الْكِذْبَةَ فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى
يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً" رواه أحمد والترمذي.

وبين عليه الصلاة والسلام ما ينتظر
الكذاب في برزخه، فعن سَمُرة بنِ جُنْدَُب رضي الله عنه قال : كان
النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال:«من رأى
منكم الليلة رؤيا»؟ قال : فإن رأى أحد قصها، فيقول ما شاء الله، فسألنا
يوماً فقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا»؟ قلنا: لا. قال: «لكني رأيت الليلة
رجلين أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس،
ورجل قائم بيده كَلُّوب من حديد، يدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه،
ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت : ما
هذا» ؟ فأجابا بقولهما: أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يحدث بالكَذْبة،
فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة رواه البخاري.

والكذاب في الآخرة متوعد بنار تلظى،
فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
:«إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما
يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» رواه الشيخان.

ولابن حبان: «إياكم والكذب؛ فإنه مع الفجور، وهما في النار».
ولأحمد والطبراني: «لَا يُؤْمِنُ
الْعَبْدُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْكَذِبَ فِي
الْمُزَاحَةِ، وَيَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا». والمراء:
المجادلة.






لا يكذب المرء إلا من مهانته أو فعله السـوء أو من قلة الأدب
الخصلة الثانية: إذا وعد أخلف
وقد قال تعالى: }وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا{.
ومعنى الآية: وأتموا الوفاء بكل
عهد التزمتم به، إن العهد يسأل اللهُ عنه صاحبه يوم القيامة، فيثيبُه إذا
أتمه ووفَّاه، ويعاقبه إذا خان فيه.

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:
"فالمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه، وقد
يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة" (الفتح 1/90).

ويقول العلامة ابن القيم -رحمه
الله-: "وإخلاف الوعد مما فطر الله العباد على ذمه واستقباحه، وما رآه
المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيح" (إغاثة اللهفان 2/47).

وقد أنكر الله تعالى على من يعد وعداً أو يقول قولاً لا يفي به، فقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ{ [سورة الصف:2].
وقد أجمعَ العلماءُ على أن مَن وعد إنساناً شيئاً ليس بمنهيّ عنه فينبغي أن يفي بوعده (الأذكار للنووي 733).
فالوفاء بالوعد صفة من صفات الكرام، وإخلافه صفة من صفات اللئام..
وكما قيل:
وميعاد الكريم عليه دين فلا تزدِ الكريمَ على السلام
يُذكرِّه سلامك ما عليه ويغنيك السلام عن الكلام
وقد أنشدوا:
إذا قلت في شيء نعم فأتمَّـه فإن نعم دينٌ على الحر واجبْ
وإلا فقل لا تسترح وترح بها لئلا يقول الناس إنك كاذبْ
وقد قال تعالى عن إسماعيل -عليه السلام- مادحاً إياه بصفة الوفاء بالوعد: }وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا{ [سورة مريم 54].
قال مجاهد: "لم يَعِد شيئاً إلا
وفى به"، وقال مقاتل رحمه الله: "وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه
الرجل فأقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى رجع إليه الرجل" (معالم
التنزيل 5/237).

الخصلة الثالثة: وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ
وقد رهب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في أحاديث كثيرة، منها:
ففي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله
عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين
يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فقيل هذه غدرة فلان ابن فلان».

وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم
يستعيذ بالله من الخيانة ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس
الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» [رواه أبو داود
والنسائي]

وعن أنس رضي الله عنه قال: ما
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له،
ولا دين لمن لا عهد له» رواه أحمد.

ولما أخرجت قريش نبينا صلى الله
عليه وسلم من مكة وكان لهم أمانات عنده لم يذهب النبي صلى الله عليه وسلم
بمالهم، وقد كان التأويل سائغًا، ولو كان غير رسول الله صلى الله عليه
وسلم لوجد لنفسه ألف عذر في الذهاب بأموال من طرده وأخرجه من داره! أما
النبي صلى الله عليه وسلم فقد عهد إلى علي رضي الله عنه أن يرجع
الأمانات إلى أهلها.

فعلى المسلم أن يحذر من النفاق وعلاماته غاية الحذر.
وإذا كان الكذب والخيانة وإخلاف
الوعود من سمات المنافقين، والنفاق في النار، فإن ضد هذه الخصال تورث جنات
النعيم.. ففي مسند الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ
أَضْمَنْ لَكُمْ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا
إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا
فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ».







الثلاثية الحادية عشرة حق الطريق
عن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إياكم والجلوس في الصُعُدات، فإن كنتم لابد فاعلين فأعطوا الطريق حقه».
قيل: و ما حقه؟ قال: «غض البصر، ورد السلام، وإرشاد الضال». أخرجه الطحاوي
في مشكل الآثار، والبزار في مسنده.

الصُّعُدات: الطرق.
فحق الطريق الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث:
أولاً: غض البصر
وغض البصر واجب بدليل القرآن والسنة..
وإجالة البصر في المحرمات مما يفضي
إلى الفواحش والموبقات، ولا يشك أحد في أنّ كل ما أفضى إلى الزِّنا فهو
محرم؛ لقول الله تعالى :
}وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا{.

ومما يبين أنّ النظر إلى الحرام من أقوى اسباب الزنا أن الله تعالى قال: }قُلْ
لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
{.

فذكر غض البصر، وأتبعه بحفظ الفرج؛ لأن غض البصر سببه.
ومعنى الغض : الكف، وكل شيء كففته فقد غضضته
وقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه
وسلم لعلي رضي الله عنه :«يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ
النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» [أحمد] .

وما قيل في الرجل يُقال في المرأة ،
فقد ورد عن نبهان مولى أم سلمة رضي الله عنها قالت : كنت عند النبي صلى
الله عليه وسلم ومعي ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا
بالحجاب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«احْتَجِبَا مِنْهُ » فقلنا :
يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال النبي صلى الله عليه
وسلم : «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ» [أحمد
وأبو داود والترمذي]. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء إذا وقفن
للصلاة خلف الرجال ألا يرفعن رؤوسهن في الصلاة حتى يرفع الرجال لئلا
يشاهدنهم على تلك الحال ، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت قال
النبي صلى الله عليه وسلم : «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، مَنْ كَانَ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَرْفَعْ رَأْسَهَا حَتَّى
يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُءُوسَهُمْ». قَالَتْ : وَذَلِكَ أَنَّ أُزُرَهُمْ
كَانَتْ قَصِيرَةً؛ مَخَافَةَ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَاتُهُمْ إِذَا سجدوا
[أحمد وأبو داود].

وينبغي أن يعلم أنّ من نظر بشهوة
إلى امرأة فقد زنا، لأنه قد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: «زِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ » [لهما]، وسماه
زناً لأنه سببه وطريق المفضي إليه.

وثبت أنه صلى الله عليه وسلم منع
من منكر النظر إلى الأجنبية بيده، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
قال : كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءت امرأة من
خثعم ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، وجعل النبي صلى الله عليه
وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر [البخاري]. وفي روايةٍ لأبي يعلى :
أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم : لم لويت عنق ابن عمك؟ فقال :
«رأيت شاباً وشابةً؛ فلمْ آمَنْ عَلَيْهِما الشَّيْطانَ»

فما هي الأمور تعين على غض البصر؟
أولاً: أن تذكر نعمة الله عليك،
إذا كنت ممن يطلق بصره في الحرام، إذا كنت ممن يلَغُ في أعراض المسلمين
فأغمض عينك لساعتين لتنظر إلى عظيم نعمة الله عليك، فإذا بان لك ذلك
واستشعرت أهمية هذه النعمة فلماذا تعصي الله بها؟

ثانياً: اعلم أن الله مطلع عليك، وقد قال تعالى: }يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور{[غافر: 19].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: }يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ{: إذا نظرت إليها تريد الخيانة أم لا، }وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ{: إذا قدرت عليها أتزني بها أم لا.
ثالثاً: أن تعلم أنّ الله سائلك عن
هذه الجوارح، هل استعملتها في طاعة الله؟ أم جعلتها أداة لمعصيته؟ وهي
ستشهد عليه إن أنت فعلت ذلك، قال تعالى:
} يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [النور: 24]، وقال في الكافرين: }الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [يس: 65]، وقال: }وَيَوْمَ
يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى
إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ
وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
{ [فصلت: 19-20].

رابعاً: هب أنك ملأت عينيك بهذه
المرأة، ما الذي تستفيده؟ أججت ناراً؟ وأثرت شهوةً، وأيقظت نائماً، ولم
تنل مراداً!! أهذا حال العقلاء؟!

ولله رد القائلة للأصمعي لما أخذ ينظر إليها:
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوما أتعبتك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلَّه أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
وقد قيل: من أطلق بصرَه طال أسفُه.
وأخيراً مما يعين على غض البصر مراقبة الله، ولذا ختم الله آية غض البصر بقوله: }إن الله خبير بما يصنعون{، وختم الآية بذلك أفاد فائدتين:
الأولى: أنه لا تخفى عليه خافية من أعمالنا، ومنها إجالة الأبصار فيما حرم علينا.
الثانية: أن من أسباب غض البصر أن تعلم أن الله خبير يعلم أحوالنا.
الأمر الثاني: رد السلام.
يعني إذا كنت جالساً فمر عليه أحد
وسلم فرد السلام عليه، وقد دلت النصوص على أنّ رده فرض، وإذا كنتم جماعة
فرده واحد كفى، وإذا رده الجميع أثيبوا جميعاً، ورده يكون بالعبارة التي
رضيها الله لنا -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته- وينبغي إذا مر بك شخص
ولم يسلم أن تبتدره، فإن لم تفعل فأحسن الظن به، ربما كان مشغولاً، أو لم
يشاهدك، وإن وقع بصره عليك، فإن القلب إذا شُغل لم ير البصر وإن كان يرى!

الأمر الثالث: إرشاد الضال.
ثبت عند البزار والطبراني عن ابن
عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن تبسمك في
وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة، وإن
أمرك بالمعروف صدقة، وإرشادك الضال يكتب لك به صدقة».






الثلاثية الثانية عشرة خير الأعمال
عن
أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما
عمل ابن آدم شيئاً أفضل من: الصلاة، وإصلاح ذات البين، وخلق حسن» أخرجه
البخاري في التاريخ الكبير

الأمر الأول في ثلاثية هذا الحديث: الصلاة
بين لنا هذا الحديث العظيم أنّ
الصلاة أفضل أعمالنا، بل لا حظَّ في الإسلام لمن فرط في الصلاة كما أثر عن
أسلافنا، والأحاديث التي بين فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم كفر تارك
الصلاة لا تخفى عليكم أيها الإخوة والأخوات، منها: «إن بين الرجل والشرك
ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر».

وكما توعد المفرط فيها جاء الترغيب والمدح لمن حافظ عليها..
فهي ركن من أركان الإسلام.
وبها يكفر الله ذنوبنا، ففي
الصحيحين: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أرأيتم لو أن نهرا بباب
أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء»؟ قالوا: لا يبقى
من درنه شيء. قال: «فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا».

وفي حديث آخر أخرجه الطبراني في
الأوسط: « تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الفجر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون،
فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها،
ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا
صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتبُ عليكم شيء حتى تستيقظوا».

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن
لله ملكا ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم، قوموا إلى نيرانكم التي
أوقدتموها فأطفئوها» [رواه الطبراني في الأوسط والصغير].

والذي يحافظ على هذه الصلوات
وأركان الإسلام يبعثه الله مع الصديقين، والصديقون أفضل من الشهداء، فعن
عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول
الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممن أنا؟
قال: «من الصديقين والشهداء» [رواه البزار].

فينبغي الحرص على هذه الأعمال التي
يكون الإنسان بالمحافظة عليها من الصديقين والشهداء، ولا يخفى على أحد ما
أعده الله للشهداء في سبيله.

وعند الطبراني: «خمس من جاء بهن مع
إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن
ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وآتى الزكاة طيبة
بها نفسه، وأدى الأمانة».

وعند مالك وأبي داود: «خمس صلوات
كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن
كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله
عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة».

وأختم الحديث عن الأمر الأول من
ثلاثية اليوم بهذا الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رجلان من
بَلِيٍّ من قضاعة أسلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد أحدهما
وأخر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله: فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل
الشهيد، فتعجبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
«أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة وكذا وكذا ركعة صلاة سنة»
[رواه أحمد] يعني: ستة آلاف ومائة وعشرين ركعة في السنة

الثاني: إصلاح ذات البين
لا شك أن الخلاف واقع بين الناس،
فكلنا بشر، وكلنا ذوو خطأ، وليس معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ
الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» [الترمذي].

والإصلاح بين الناس أمر رباني وتوجيه نبوي..
قال تعالى: } وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ{، وقال: } وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا{، وقال: }وَإِنْ
خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ
وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ
بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا
{

ورخص النبي صلى الله عليه وسلم في الكذب للإصلاح كما سيأتي في ثلاثية أخرى بإذن الله.
ورغب ديننا في القيام بعملية الإصلاح بين المتخاصمين..
قال تعالى: }لاَّ
خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
{.

وأكتفي هنا بذكر حديث واحد رغب فيه
سيدنا صلى الله عليه وسلم في الإصلاح بين الناس، قال صلى الله عليه وسلم:
«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ
وَالصَّدَقَةِ»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «إصَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛
فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ
الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» [أحمد وأبو داود والترمذي].

والإصلاح بين الناس دليل على رجاحة العقل، ومحبة الخير للناس.
الأمر الثالث: وخلق حسن
حسن الخلق من أصعب الأعمال، وهو خير الأعمال عند الله، والموفق من وفقه الله.
ولقد عجبت كثيراً عندما وجدت رسالة
لأحد الإخوة بعنوان: أيسر العبادات، ظننت أنه سيتحدث عن الذكر، ولكنني
فوجئت بأن الحديث عن حسن الخلق، والصدق يا إخوة أن تحسين الأخلاق ليس
بالأمر الهين، فلم يكن العنوان موفقا لهذه الرسالة، ولكنه يسير على من يسره
الله عليه.

وقد قيل في تعريف حسن الخلق: بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه.
وقيل: حسن الخلق قسمان: أحدهما مع
الله- عز وجل- وهو أن تعلم أن كل ما يكون منك يوجب عذرا، وأن كل ما يأتي
من الله يوجب شكرا، فلا تزال شاكرا له معتذرا إليه سائرا إليه بين مطالعة
منته وشهود عيب نفسك وأعمالك.

والثاني: حسن الخلق مع الناس: وجماعه أمران: بذل المعروف قولا وفعلا، وكف الأذى قولا وفعلا.
وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إليه في كثير من الأحاديث، منها:
قوله e: «إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً» متفقٌ عَلَيْهِ. وقال e: «مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ» الترمذي. وقال e:
«أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ
خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» الترمذي. وقال: «أنَا زَعِيمٌ ببَيتٍ في أعلَى
الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» أبو داود.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗











عدل سابقا من قبل رضا في الأربعاء 30 مايو - 10:38 عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 10:25

الثلاثية الثالثة عشرة المحرومون من الجنة
عن
عمار بن ياسر رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الدَّيُّوث، والرَّجُلة من النساء، ومدمن
الخمر». قالوا: يا رسول الله، أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديوث؟
قال: «الذي لا يبالي من دخل على أهله». قلنا: فما الرجلة من النساء؟ قال:
«التي تشبه بالرجال» رواه الطبراني.

هذا الحديث اشتمل على ترهيب شديد عن أمور ثلاثة:
الأمر الأول: الدِّياثة.
والدَّيُّوث عرفه النبي صلى الله
عليه وسلم في هذا الحديث بقوله: «الذي لا يبالي من دخل على أهله»، فهو
الذي لا يغار على عرضه. فتفسير النبي صلى الله عليه وسلم له من باب
التفسير بالمثال، فهو عديم الغيرة على أهله.

والغَيْرة هي :الحمية والأَنَفَة،
يُقال: رجل غَيُور، وامرأة غيور وغَيْرى. والمِغْيار: شديد الغيرة. وفلان
لا يتغيَّر على أهله: لا يغار عليهم.

والغيرة على العرض دليل الرجولة، ولذا كان هذا الخلق معروفاً عند الصحابة رضي الله عنهم..
ومما يدل لذلك ما ثبت في الصحيحين
أنّ سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته
بالسيف غير مصفَّح- يعني بحدِّه لا بعرضه-، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير
مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن».

وفي رواية لمسلم: قال سعد بن
عبادة: يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلاً لم أمسَّه حتى آتي بأربعة
شهداء ؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نعم» . فقال : كلا والذي
بعثك بالحق، إنْ كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله
أغير مني» .

وفي رواية عند أبي يعلى وفي مصنف
عبد الرزاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار ألا
تسمعون ما يقول سيدكم»؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمه؛ فإنه رجل غيور،
والله ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن
يتزوجها من شدة غيرته. قال سعد : والله إني لأعلم يا رسول الله إنها لحق
وإنها من عند الله، ولكني عجبت.

يقول النووي رحمه الله (شرح مسلم
10/131) :" ليس قوله رداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مخالفةً من
سعد بن عبادة لأمره صلى الله عليه وسلم ، وإنما معناه الإخبار عن حالة
الإنسان عند رؤيته الرجل عند امرأته واستيلاء الغضب عليه، فإنه حينئذ
يعاجله بالسيف وإن كــان عاصياً"

وهذا الكلام من سعد رضي الله عنه كان قبل تشريع اللعان كما دلت عليه بعض الروايات في مسند الإمام أحمد.
ولنتأمل -أخي كريم وأختي الكريمة-
هذه القصة التي أوردها ابن كثير في البداية والنهاية (11/83)، قال: "ومن
عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة- 286هـ- أنَّ امرأة تقدمت إلى قاضي
فادَّعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنكره، فجاءت ببينة تشهد لها
به، فقالوا : نريد أن تُسفرَ لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا.
فلما صمَّمُوا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدعيه. فأقرَّ
بما ادَّعت؛ ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها. فقالت المرأة - حين عرفت ذلك
منه وأنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر -: هو في حلٍّ من صَداقي عليه
في الدنيا والآخرة ".


إني لأمنحك الصدود وإنني قسماً إليك مع الصدود أميل
الأمر الثاني الذي رهب عنه نبينا صلى الله عليه وسلم: الخمر
ولن أستقصي الأدلة التي تتوعد شارب الخمر، فهذا مما لا تسمح به هذه العجالة، ولكنني أقتصر على ذكر قصة عجيبة..
ورد في سنن النسائي، والبيهقي،
ومصنف عبد الرزاق، وصحيح ابن حبان، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه
قال:" كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس، فأحبته امرأة بغي،
فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة، فجاء البيت ودخل معها، فكانت كلما
دخل باباً أغلقته دونه، حتى وصل إلى امرأة وَضِيئة –يعني: جميلة- جالسة،
عندها غلام وإناء خمر، فقالت له: إنَّا لم ندعك لشهادة، وإنما دعوتك لتقعَ
علي، أو تقتل الغلام، أو تشرب الخمر، فإن أبيتَ صحت بك وفضحتك. فلما رأى
أنه لا بد له من أحد هذه الأمور تهاون بالخمر، فشرِبه، فسكر، ثم زنى
بالمرأة وقتل الغلام. فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبداً
إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه".

واسمحوا لي أيها الإخوة والأخوات أن أتحاور قليلا مع مدمن الخمر..
يا أخي الحبيب..
يا مدمن الخمر..
لن أذكرك بنصوص الوعيد التي تعلمها
وأعلمها، ولكنني سأسألك سؤالاً: إذا جاء إليك ابنك الصغير وأراد شراء
بسكوت أو حلوى فأعطيته مالا، وهو في طريقه إلى المتجر اعتدى عليه أحد وأخذ
ماله؟ هل ترضى بذلك؟ أم أنّ الحرقة ستحيط بقلبك أن يُعتدى على طفلك
ويُؤخذَ ماله؟ لا شك أن هذا أمر صعب .. هل تعلم أخي الحبيب أن هذا اللص
المعتدي هو أنت.. أنت من اعتدى على ولده؟ كيف ذلك؟ لأن هذا المال الذي
تبعثره في الشراب هو حق ولدك.. حق زوجك.. حق من تنفق عليهم، لقد ظلمت نفسك
بأن عصيت الله وعرضتها لغضبه، وظلمت من تعول من أسرتك. أسأل الله أن
يهديك.

الأمر الثالث: تشبه المرأة بالرجل
وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.
وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من
الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.

وفي رواية: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء.
وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة
المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل.

وفي سنن البيهقي: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء».
قبيح أن تتشبه المرأة بالرجل، ولكن أقبح من ذلك تشبه الرجال بالنساء، هذه بلية البلايا والعياذ بالله.
بقي ماذا؟ بقي أن أشير إلى أن هذه
النصوص التي يُذكر فيها عدم دخول الجنة لصاحب معصية معينة المراد بذلك:
عدم دخولها بدون سبق عذاب، وقيل غير ذلك، لكن من عقيدة الإسلام أن كل ذنب
سوى الشرك فهو تحت المشيئة، ولا يوجب الخلود في النار إلا الشرك، قال
تعالى:
} إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء{، فلا منافاة بين نصوص الكتاب والسنة، }ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيها اختلافا كثيراً{.




الثلاثية الرابعة عشرة البيان الأول
عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه ، قَال: لَمَّا قَدِمَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ
إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَدِمَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ
وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ
لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ
قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا
الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
بِسَلَامٍ» رواه الترمذي، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

راوي الحديث: عبد الله بن سلام،
أبو الحارث الإسرائيلي، حليف الانصار، من خواص أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم، كان من أحبار اليهود، وهو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن
ثلاث لا يعلمها إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول ما يأكله أهل الجنة؟
ومن أين يشبه الولد أباه وأمه؟

ولعل هذه الأسئلة تأتي في ثلاثية أخرى؛ فإنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك عن ثلاث.
هذا الحديث هو البيان الأول للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وقد أمر بثلاثٍ:
الأمر الأول: إفشاء السلام
وأمر به ربنا في كتابه، قال الله تعالى :}فَإِذَا
دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ
الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
{ [النور: 61].

والذي نص عليه المفسرون في تأويل هذه الآية ثلاثةَ أمور:
أن يسلم الإنسان على أخيه إذا دخل بيته.
أن يسلم على أهل بيته إذا دخل عليهم.
أن
يسلم على عباد الله الصالحين إن كان البيت خالياً، يعني إذا دخل بيتاً
خالياً قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كما صح عن ابن عمر رضي
الله عنهما.

وقد قال نبي الله صلى الله عليه
وسلم :«حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ». قِيلَ: مَا هُنَّ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ :«إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا
دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا
عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فشمته، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ
فَاتَّبِعْهُ» [رواه البخاري ومسلم].

وقال صلى الله عليه وسلم :«السلام
اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض، فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل المسلم
إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم
السلام، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم» [رواه البزار].

في إفشاء السلام أجر كبير:
فعن عمران بن الحصين رضي الله عنه
قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد
عليه ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«عشر». ثم جاء آخر فقال:
السلام عليكم ورحمة الله، فرد فجلس، فقال :«عشرون». ثم جاء آخر فقال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد فجلس، فقال :«ثلاثون» [ رواه أبو
داود والترمذي] .

وهو سبب لدخول الجنة، سأل أبو شريح
رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرني بشيء يوجب لي
الجنة. قال :«طيب الكلام ، وبذل السلام ، وإطعام الطعام» [رواه الطبراني
وابن حبان في صحيحه] .

الأمر الثاني: إطعام الطعام
وقد أمر الله تعالى بذلك في آيات، منها:
قوله تعالى: }وَأَذِّنْ
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ
يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا
رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا
الْبَائِسَ الْفَقِيرَ
{ [الحج: 27-28].

وقوله في السورة نفسها:}وَالْبُدْنَ
جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ
فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا
فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ
سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
{ [الحج: 36].

ومن هدي نبي الله صلى الله عليه
وسلم أنه كان يأمر أصحابه بذلك، لا سيما إذا رأى أهل الفاقة، كما في حديث
مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال فيه: كُنَّا عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ
النَّهَارِ، قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، مُجْتَابِي
النِّمَارِ، أَوْ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ
مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْفَاقَةِ،
فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى
ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ :«
}يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ
وَاحِدَةٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
{، -وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ- }اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ{،
تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ
صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».

ولإطعام الطعام العديد من الفوائد، منها:
النجاة من أهوال القيامة:
قال تعالى :}وَيُطْعِمُونَ
الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا
نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا
* إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا *
فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً
وَسُرُورًا
{ [الإنسان: 8-11].

عبوساً: تعبِس فيه الوجوه. وقمطريراً: شديداً.
وهو سبب للنجاة من النار:
فلقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» [البخاري ومسلم].
ومن أسباب دخول الجنة:
فعن البراء بن عازب رضي الله عنه
قال :جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله،
علمني عملا يدخلني الجنة. قال :«أعتق النسمة وفك الرقبة، فإن لم تطق ذلك
فأطعم الجائع واسق الظمآن» [أحمد].

وفي سنن الترمذى قول رسول الله صلى
الله عليه وسلم :«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا، تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ
بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا». فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ
فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ :«لِمَنْ أَطَابَ
الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى
لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ».

الأمر الثالث: الصلاة في جوف الليل
وقد وردت كثير من الأحاديث ترغب في هذا الأمر..
قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل
الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» مسلم. وقال: « إن في الليل لساعة لا
يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه،
وذلك كل ليلة» رواه مسلم.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى ترم قدماه، فلما قيل له في ذلك قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً»؟



الثلاثية الخامسة عشرة ثلاثة يحبهم الله
عن
أبي ذر رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ: الرَّجُلُ يَلْقَى الْعَدُوَّ فِي
الْفِئَةِ فَيَنْصِبُ لَهُمْ نَحْرَهُ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ
لِأَصْحَابِهِ، وَالْقَوْمُ يُسَافِرُونَ فَيَطُولُ سُرَاهُمْ حَتَّى
يُحِبُّوا أَنْ يَمَسُّوا الْأَرْضَ، فَيَنْزِلُونَ، فَيَتَنَحَّى
أَحَدُهُمْ، فَيُصَلِّي حَتَّى يُوقِظَهُمْ لِرَحِيلِهِمْ، وَالرَّجُلُ
يَكُونُ لَهُ الْجَارُ يُؤْذِيهِ جِوَارُهُ، فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ
حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ ظَعْنٌ».

هذا حديث جليل القدر خرجه الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير.
«يشنؤهم الله»: يبغضهم.
وقوله: «فَيَطُولُ سُرَاهُمْ» السُرى لا يكون إلا ليلاً، وأما الآية: }أسرى بعبده ليلاً{ للتأكيد.
« يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ ظَعْنٌ»: ظعن أي ارتحال لأحدهما.
هذا الحديث دليل على إثبات صفة المحبة لله تعالى.
وهذا مما لا يجوز لأحد أن ينكره، فالله يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الصفات المحبة..
قال تعالى: }وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{، وقال: }وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{ وقال: }فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ{، وقال: }إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ{، وقال: }قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ{، وقال: }فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ{، وقال: }إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ{، وقال: }وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ{.
وإنما أنكر هذه الصفة من أنكرها من
المعطلة –قالوا:- لأن المحبة لا يمكن أن تتصور إلا بين المتماثلات! وهذا
خطأ؛ فإن الله يقول في كتابه:
}كَلا
بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ *وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ
الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ
الْمَالَ حُبًّا جَمًّا
{.

وفسروها بإرادة الثواب.
وقالت طائفة منهم: إثبات المحبة يفضي إلى القول بالتشبيه، والله لا يشبه خلقه!
والجواب: هل المخلوق يريد الثواب أم
لا؟ فإن قالوا: لا، كذبوا. وإن قالوا: نعم، قلنا: والله يريده. ألا يدل
على هذا على المشابهة؟ فسيقولون: إرادة غير إرادة. فسنقول لهم: قولوا
بالمحبة، ولكنها محبة غير محبة، فالفرق بين صفاتنا وصفات ربنا كالفرق بين
ذاتنا وذاته سبحانه.

والأثر المسلكي الذي يترتب على
إيماننا بأن ربنا يحب: امتثال الأفعال التي يحب الله أصحابها؛ فإن الله
إذا أحب عبدا حفظ جوارحه، قال تعالى في الحديث القدسي: «فإذا أحببته –أي:
العبد- كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يسعى بها،
ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» [رواه
البخاري].

أول مذكور في هذه الثلاثية:
الرَّجُلُ يَلْقَى الْعَدُوَّ فِي الْفِئَةِ فَيَنْصِبُ لَهُمْ نَحْرَهُ
حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لِأَصْحَابِهِ

أي: يقاتل في سبيل الله فيصبر ولا يفر، فيقتل أو ينصر.
وهذه أعظم كرامة أن يقتل أحدنا في سبيل الله، قال تعالى: }وَلا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ
أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ
اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا
بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ*
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
{.

وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: }وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ{
قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ
فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ
تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ
الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً فَقَالَ هَلْ
تَشْتَهُونَ شَيْئًا قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ
مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا
يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى
نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ
لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا» رواه مسلم.

الثاني: رجل لم يثنه طول السفر عن قيام ليله
هذا رجل معتاد على قيام الليل، لا
يستطيع أن يتركه، ولا تطيب نفسه بذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم
أعلمنا بأن التعب والنصب قد أخذ منه، ولكنه ما إن حطوا رحالهم إلا قام بين
يدي الله يناجي ويدعو ..

وإنَّ مما يحمل على بلوغ هذه
الرتبة التأملَ في الأحاديث التي رغب بها النبي صلى الله عليه وسلم في
قيام الليل. فمن أمعن النظر في ذلك سهل عليه أن يواظب عليه وألا يتركه
مهما كان من أمر..

وتأمل قول الله تعالى: }تَتَجَافَى
جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ
لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
{ [السجدة 16-17].

أي: ترتفعُ وتَتَباعَدُ، والجَفاء بَيْن النَّاسِ هُو التَّبَاعُدُ.
فلا تطيب نفس أحدهم بالركون إلى فراشه، فبينهم وبين فرشهم جفاء.
الثالث: الصابر على أذى جاره
وإنما رغب النبي صلى الله عليه
وسلم في الصبر على أذية الجار لعظيم حقه. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت»

وقال صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه».
وقال: «أول خصمين يوم القيامة جاران» [أحمد].
وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم يشكو جاره فقال: «اطرح متاعك على الطريق»، فطرحه، فجعل
الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسول الله لقيت من الناس. قال: «وما لقيت منهم»؟ قال: يلعنونني. قال: «قد
لعنك الله قبل الناس» فقال: إني لا أعود. فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: «ارفع متاعك فقد كفيت» رواه الطبراني.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 10:26





الثلاثية السادسة عشرة المبغوضون
عن
أبي ذر رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ثَلَاثَةٌ يَشْنَؤُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: التَّاجِرُ الحلاف،
وَالْبَخِيلُ الْمَنَّانُ، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ».

حديث صحيح خرجه الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير.
في رواية: «أربعة يبغضهم الله:
البياع الحلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر» [رواه
النسائي وابن حبان في صحيحه].

ويشنؤهم: يبغضهم.
أرشد هذا الحديث إلى اتصاف ربنا بصفة البغض، فالله يبغض ويحب، وقد دلت النصوص على ذلك، قال تعالى: }وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ{، والمعنى: أبغض خروجهم.
وقال: }كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ{، والمقت: البغض. والمعنى: عظم بغضاً.
فدلت هذه الآيات على أن الله تعالى
يبغض بعض عباده، وبعض أعمالهم، والغضب صفة فعلية، والصفات الفعلية هي
التي تتعلق بمشيئة الله تعالى.

والمخلوق يبغض، والفرق بين صفاتنا وصفاته كالفرق بين ذاتنا وذاته سبحانه، قال تعالى: }ليس كمثله شيء وهو السميع البصير{.
ألا ترى أن الله حي والمخلوق حي،
لكن حياة الله كاملة لم تبدأ من زوال، ولا تنتهي إلى عدم، ولا نقص يعترها،
وحياة المخلوق يعتريها النقص والوصب والنصب والألم والهم والغم..

وحياة المخلوق تبدأ من عدم، وتنتهي إلى عدم، أما الله فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء.
وهكذا القول في جميع صفات الله، دستورنا في باب الصفات قول ربنا: }ليس كمثله شيء وهو السميع البصير{، ليس كمثله شيء رد على الممثلة والمشبهة، }وهو السميع البصير{ رد على المعطلة.
أول المبغوضين في هذا الحديث: التاجر الحلاف.
فإن الله تعالى أمر بحفظ الأيمان، قال تعالى: }واحفظوا أيمانكم {. وهذه الآية تتضمن ثلاثة معانٍ:
الأول: الإقلال من الحلف.
الثاني: عدم الحنث إذا كان الحلف.
الثالث: القيام بالكفارة عن الأيمان التي حنث صاحبها فيها.
وقال تعالى: }وَلَا
تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا
وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
{

وهذه الآية فيها قولان:
الأول: لا تجعل الله تعالى عرضة
ليمينك ألا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير. وهذا قول ابن عباس
ومجاهد وعكرمة وغيرهم رضي الله عنهم.

الثاني: لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارّين مصلحين، فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه. وهذا قول ابن زيد رحمه الله.
وثبت في الصحيحين قول نبينا صلى
الله عليه وسلم: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب». فهو مما يسهم في شراء
السلعة؛ لأن النفوس مجبولة على تعظيم الله تعالى، فإذا حلف به صُدِّق
الحالف، ولكن لا بركة في ثمن جاء به الحلف.

فاحذر أيها التاجر من الحلف في بيعك، واعلم أن الرزق بيد الله تعالى، فلا تجعل الله عرضة ليمينك.
وفي صحيح مسلم عن قتادة رضي الله
عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم وكثرة الحلف في
البيع؛ فإنه ينفق ثم يمحق»

وقد ثبت في صحيح ابن حبان عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه قال: مر أعرابي بشاة فقلت: تَبيعُها بثلاثة
دراهم؟ فقال: لا والله، ثم باعها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقال: «باع آخرته بدنياه». وهذا من أسوأ الأحوال والعياذ بالله.

ومن الأحاديث التي رهب فيها النبي
صلى الله عليه وسلم عن الحلف في البيع حديث سلمان رضي الله عنه ، الذي
قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم
القيامة: أُشَيْمِطٌ زان، وعائلٌ مستكبر ورجلٌ جعل الله بضاعته؛ لا يشتري
إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» [رواه الطبراني في المعاجم الثلاثة].

الثاني: البخيل المنان.
هذا والعياذ بالله قد جمع حشفا وسوء كِيلة، جمع بين خصلتين قبيحتين ..
الخصلة الأولى: البخل.
قال تعالى: }الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما
آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً
مُهِيناً
{، وقال: }وَمِنْهُمْ
مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون * فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً
فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما
وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ
{، وقال: }ها
أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ
نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ
تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا
أَمْثالَكُمْ
{، وقال: }وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى{.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يستعيذ بالله من البخل، فقد كان كثيرا ما يقول: «اللهم إِنِّي أَعُوذُ
بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ
وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» [البخاري ومسلم].

وأما الخصلة الثانية: المن. وهو أن
يذكر الإنسان ما يظنّ أنّه أنعم به على أخيه، وذلك مستقبح فيما بين
النّاس، ولقبح ذلك قيل: المنّة تهدم الصّنيعة.

قال تعالى: }الَّذِينَ
يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما
أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ
خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ
وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ
تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْ ءٍ
مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
{.

والثالث: الفقير المختال
المختال: المتكبر. ومن شأن الفقر أن
يحدث انكسارا في القلب، والكبر ممقوت من الغي والفقير، ولكنه من الفقير
أقبح، لانعدام المقتضي له، كما أن الزنا ممقوت من الشاب والشيخ، ولكنه من
الشيخ أقبح.

وقد حذر ربنا سبحانه من الكبر، قال
تعالى في الحديث القدسي الذي رواه الطبراني : «العزة إزاري، والكبرياء
ردائي، فمن نازعني فيهما شيئاً ألقيته في النار ولا أبالي».

وفي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». فقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ
يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ
جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ
النَّاسِ».





الثلاثية السابعة عشرة موعظة نبوية
عن
أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: عظني وأوجز، فقال: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ
صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا،
وَاجْمَعْ الْإِيَاسَ مِمَّا فِي يَدَيْ النَّاسِ» رواه أحمد.

ولفظ الطبراني في المعجم: «صلِّ
صلاة مودع؛ فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك، وايأس مما في أيدي الناس تكن
غنيا، وإياك وما يعتذر منه».

هذا الحديث فيه حرص الصحابة على
الخير، فكثيرا ما يطلب الواحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعظه
ويوصيَه.. قال الصحابة: يا نبي الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال:
«عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة». وقال له أسود المحاربي: أوصني. فقال:
«أمسك يدك»، وفي المسند قال له رجل أوصني. قال: «لا تكن لعاناً». وفي معجم
الطبراني عن أميمة رضي الله عنها -مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم-
قالت: كنت أصب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه، فدخل رجل فقال:
أوصني، فقال: «لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت بالنار، ولا تعص والديك
وإنْ أمراك أن تتخلى من أهلك ودنياك، ولا تشربن خمرا فإنها مفتاح كل شر،
ولا تتركن صلاة متعمدا فمن فعل ذلك فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله صلى
الله عليه وسلم».

وهذا كله يدل على حرص الصحابة رضي الله عنهم على الخير.
أول وصية في ثلاثية هذا الحديث: صل
صلاة مودع؛ فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك المودِّع المصلي، والمودَّع:
العمر والدنيا. والمراد أنك إذا أردت أن تقف للصلاة بين يدي الله تعالى
فعد نفسك ميتا بعدها، فمن فعل ذلك أتى بها تامة كما أمر الله تعالى.

فالوصية الأولى تضمنت الاجتهاد في
إيقاع الصلاة على أكمل حال وأحسنه. هب أخي الكريم أنك علمت بأن صلاة الظهر
القادمة هي آخر صلاة، كيف سيكون حالك عند أدائها؟ لا شك أنه ستكون أفضل
صلاة قمت بها، فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في قوله وفعله، ستراعي
أركانها، وواجباتها، وسننها، وخشوعها، ولو كان هذا حالنا مع صلاتنا
لانصلح أمرنا، أما قال تعالى:
}إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر{؟

قال بكرٌ المزنيُّ رحمه الله: "إذا أردت أنْ تنفعَك صلاتُك فقل: لعلِّي لا أُصلِّي غيرها".
وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء
عن معروف الكرخي رحمه الله أنه أقام الصلاة، ثم قال لرجل: تقدَّم فصلِّ
بنا، فقال الرجل: إنِّي إنْ صليتُ بكم هذه الصلاة لم أُصلِّ بكم غيرَها ،
فقال له معروف: وأنتَ تحدِّث نفسك أنّك تُصلِّي صلاةً أخرى؟ نعوذُ بالله
من طولِ الأمل؛ فإنَّه يمنع خيرَ العمل.

فهذه الصلاة التي أشار إليها نبينا
صلى الله عليه وسلم هي صلاة المحسنين؛ لأن الإحسان عرفه صلوات الله
وسلامه عليه بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإنه لم تكن تراه فإنه يراك»
رواه الشيخان.

وإن مما يعين على تحقيق ذلك أن
تعلم أنه ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت، ففي سنن أبى داود، عن عمار بن ياسر
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرجل
لينصرف وما كتب له إلا عشرُ صلاته، تسْعُها، ثمنها، سبْعُها، سدسها،
خمسها، ربعها، ثلثا، نصفها». وإن الرجلين ليكونان في الصف الواحد والفرق
بينهما في صلاتهما كما بين السماء والأرض.

الوصية الثاني: ولا تكلَّمْ بكلام تعتذر منه غدا
أصله: ولا تتكلم. وإنما حذقت إحدى التاءين تخفيفاً.
وهذه وصية بحفظ اللسان، ليس
المقصود منها ألا تعتذر، فمن أخطأ ولم يعتذر فقد أساء مرتين، وإنما المراد
أن تحفظ لسانك، أما إذا أخطأت فلابد من الاعتذار. فالنهي عما يعتذر منه
وليس عن الاعتذار.

وتأمل هذه الوصية النافعة الماتعة
من الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين (ص 276): " اعلم أنه
ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلامًا ظهرت فيه
المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد
ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا
يعدلها شيء".

والعبد يهوي بالكلمة الواحدة في النار سبعين خريفا كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم، فالعاقل من صان لسانه وحفظه..
أورد الغزالي رحمه الله في إحياء
علوم الدين (3/120) هذا الأثر: "قيل لعيسى- عليه السلام-: دلنا على عمل
ندخل به الجنة. قال: لا تنطقوا أبدا، قالوا: لا نستطيع ذلك، فقال: فلا
تنطقوا إلا بخير".

وفي الإحياء الدين (3/120): قال
وهب بن منبه رحمه الله: في حكمة آل داود: "حق على العاقل أن يكون عارفا
بزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شانه".

الوصية الثالثة: واجمع الإياس مما في يَدَيْ الناس.
قال السعدي رحمه الله في بهجة قلوب
الأبرار (ص 169): "هذه الوصية توطين للنفس على التعلق بالله وحده، في
أمور معاشه ومعاده، فلا يسأل إلا الله، ولا يطمع إلا في فضله. ويوطن نفسه
على اليأس مما في أيدي الناس؛ فإن اليأس عصمة. ومن أَيِس من شيء استغنى
عنه، فكما أنه لا يسأل بلسانه إلا الله، فلا يعلق قلبه إلا بالله، فيبقى
عبداً لله حقيقة، سالماً من عبودية الخلق، قد تحرر من رقِّهم، واكتسب بذلك
العز والشرف؛ فإن المتعلق بالخلق يكتسب الذل والسقوط بحسب تعلقه بهم".

رحمه الله فما أحسن كلامه!
وأختم بهذه القصة التي أوردها
الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (15/426) في ترجمة أبي الحسن الكرخي
المعتزلي، قال الإمام الذهبي رحمه الله: "لما أصاب أبا الحسن الكرخي
الفالجُ في آخر عمره، حضر أصحابه، فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج،
والشيخ مقل ولا ينبغي أن نبذله للناس، فكتبوا إلى سيف الدولة بن حمدان،
فأحسَّ الشيخ بما هم فيه، فبكى، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث
عودتني، فمات قبل أن يحمل إليه شيء. ثم جاء من سيف الدولة عشرة آلاف درهم،
فتصدق بها عنه. توفي رحمه الله في سنة أربعين وثلاث مئة، وكان رأسا في
الاعتزال، الله يسامحه"

ولا أدري .. أيكون عجبي من حال أبي الحسن، أم من إنصاف الذهبي!؟ رحمهما الله.





الثلاثية الثامنة عشرة ثلاث وصايا لمعاذ رضي الله عنه
عن
معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه أراد سفراً، فقال يا نبي الله أوصني.
قال: «اعبد الله لا تشرك به شيئا»، قال: يا نبي الله زدني. قال: «إذا أسأت
فأحسن». قال: يا رسول الله زدني. قال: «استقم وليحسن خلقك» أخرجه ابن
حبان في صحيحه.

هذه الوصية النبوية لمعاذ رضي الله عنه اشتملت على ثلاثة أمور، من ظفر بها نال خيري الدنيا والآخرة.
الوصية الأولى في هذا الحديث: «اعبد الله ولا تشرك به شيئاً»
ولي مع هذه الوصية ثلاث وقفات:
الأولى: أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا بعبادة الله، وهذه هي العلة التي من أجلها أوجد الله الخلق، قال تعالى: }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون{، وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
وما من رسول أرسله الله تعالى إلا أمر قومه بعبادة الله.
ولما كانت عبادة الله لا تصح ولا
تقبل إلا إذا نزه الإنسان نفسه عن الشرك، وأسلم قلبه لله، وأخلص الدين كله
له، ثنى النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الشرك، كما قال تعالى:
}وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا{،
وهذا هو معنى لا إله إلا الله، معناها: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً،
فالإله هو المعبود، لا إله إلا الله: لا معبود إلا الله، ومن عبد من دون
الله تعالى فإنما عبد بالباطل. قال تعالى:
}ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ{، وقال: }ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ{.

الوقفة الثانية: إذا أردت أن تقف
على قبح الشرك وتدرك شيئا من ذلك فأمعن النظر في هذه القصة التي حدثت بين
يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم..

ثبت في الصحيحين عمر بن الخطاب
رضي الله عنه أنه قال: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ
صَبِيًّا فِي السَّبْيِ، فأَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا
وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
«أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ»؟
قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أَرْحَمُ
بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» .. ومع ذلك كله:
}
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا
عَظِيمًا
{، وقال: }إِنَّ
اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا
{.

الثالثة: الشرك بالله دليل الغباء.. كيف ذلك؟
تأمل معي، لو أن زيداً في مكان
ومعه اثنان ، الأول صحيح، والثاني مريض مشلول أعمى أصم، فاحتاج إلى
مساعدة، فعهد بذلك إلى الذي لا يسمعه ولا ينظر إليه وترك السليم، ما قولك
في هذا؟ لا ريب أنه نوع من الجنون.

وهكذا من يترك الله ويلجأ إلى غيره، من يدعو غير الله ويترك السميع القريب المجيب الخبير العليم سبحانه وتعالى.
الوصية الثانية في هذا الحديث: «إذا أسأت فأحسن».
لماذا؟ الجواب في كتاب الله: }إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ{، فمن مكفرات الذنوب: الحسنة بعد السيئة .
ثبت في الصحيحين عَنْ ابْنِ
مَسْعُودٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ
قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ،
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
}أَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ{. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ».

فمن أساء فعليه أن يحسن، وإن التوبة بعد الذنب لمن أعظم أنواع الإحسان.
الوصية الثالثة: «استقم وليحسن خلقك»
فما هي الاستقامة؟
قال ابن حجر رحمه الله: "الاستقامة كناية عن التمسك بأمر الله تعالى فعلا وتركا" (الفتح13/257).
وكأنه قد أخذ هذا المعنى من كلام
عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي،
ولا تروغ روغان الثعالب"( شرح السنة، للحسين بن مسعود البغوي: 1/31)

والعبد يسأل ربه في كل صلاة أن يرزقه الاستقامة، ففي كل صلاة نقرأ: }اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ{.
قال ابن مسعود رضي الله عنه -كما
في مسند الإمام أحمد-: خطّ لنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطّا، ثمّ
قال: «هذا سبيل اللّه»، ثمّ خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله ثمّ قال: «هذه
سبل متفرّقة، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه،
}وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ{».

ولما جاء إليه سفيان بن عبد الله
الثقفي رضي الله عنه وقال: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل
عنه أحدا بعدك؟ قال له: «قل آمنت بالله ثم استقم».

وقبل أن أختم بالحديث عن حسن الخلق أتوجه إليك أيها القارئ الكرم بسؤال:
لو دنا أجل أحدنا، وضمن له أن تجاب له دعوتان، بأي شيء سيدعو؟
لا أشك لحظة في أنه سيدعو بأن يكون
الله عونه في مصيره المجهول الذي سيقدم عليه. كما أنه إذا تذكر أسرته
وأطفاله سيسأل الله أن يحفظهم ويرعاهم بعد موته.

هل تعلم أخي الكريم أن الله قد تكفل بهذين الأمرين لمن استقام على دينه؟ أين ذلك؟
قال تعالى: }إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
{.

ومعنى الآية: إن الذين قالوا ربنا
الله تعالى وحده لا شريك له، ثم استقاموا على شريعته، تتنزل عليهم
الملائكة عند الموت قائلين لهم: لا تخافوا من الموت وما بعده، ولا تحزنوا
على ما تخلفونه وراءكم من أمور الدنيا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون
بها.

فما أعظم بركةَ الاستقامة على دين الله تعالى.
وفي آخر الحديث ختام بالحض على حسن الخلق، وقد سبق الكلام عنه في ثلاثية سابقة، ولكنني سأختم بأثرين عظيمين في باب حسن الخلق..
الأول: قال علي رضي الله عنه :
"حسن الخلق في ثلاث خصال: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على
العيال"(إحياء علوم الدين: 3/ 57).

الثاني: قال الإمام أحمد رحمه الله: "حسن الخلق: أن لا تغضب ولا تحقد" (جامع العلوم والحكم ص 160).



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 10:29

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





الثلاثية التاسعة عشرة وصايا نبوية لأبي ذر رضي الله عنه
عَنْ
أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ
الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»أخرجه
الترمذي.

هذا الحديث من رواية الصحابي
الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه ، والمشهور أن اسمه جُنْدُب بنُ
جُنَادة، تقدم إسلامه وتأخرت هجرته فلم يشهد بدرا، ومناقبه كثيرة جدا، مات
سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه .

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه بثلاثة أمور:
الوصية الأولى: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ»
التقوى من وقى الشيء إذا صانه
وحماه، والتقوى في الشرع قال عنها طلق بن حبيب رحمه الله –كما في تفسير
ابن أبي حاتم (1/98)- : "العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء رحمة
الله، وترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله".

وفي الأثر أن عمر بن الخطاب سأل
أبياً رضي الله عنهما عن التقوى ، فقال له: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال
نعم. قال فما عملت فيه؟ قال شمرت وحذرت. قال: فذاك التقوى".

وهذا المعنى أخذه ابن المعتز فقال:
خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك الـــتقى
واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرنَّ صغــيرة إنَّ الجبال من الحصــى
وقوله صلى الله عليه وسلم: «حيثما
كنت» أي: في أي مكان، فإن بعض الناس يكون تقيا في مكان دون مكان، بعض
الناس إذا كان مع أصحابه وبين قومه أظهر الخوف من الله باجتناب المعاصي،
وإذا خلا بمحارم الله انتهكها والعياذ بالله، وهذا من أسوأ ما يكون، فقد
ثبت عند ابن ماجة عن ثوبان رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، فَيَجْعَلُهَا
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا». - وهو ما يُرى في ضوء الشمس
من خفيف الغبار- فقال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا جلِّهم لنا أن لا نكون
منهم ونحن لا نعلم. فقال: «أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من
الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها».

لقد كان أسلافنا يحذرون من الرياء،
فكان الواحد منهم مع نفسه أتقى وأبرَّ لله منه مع الناس، بخلاف حال كثير
منا، نحذر الناس ونتدثر بينهم بثوب التقى، فإذا خلونا فلا تسألْ عن حالنا!

فراقب الله يا عبد الله حيثما كنت، واعلم أن الله لا تخفى عليه خافية، قال تعالى: }وَمَا
تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا
تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ
تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي
الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا
أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
{.

قال ابن المبارك رحمه الله لرجل:
راقب الله تعالى. فسأله الرجل عن تفسيرها، فقال له: كن أبداً كأنك ترى
الله عز وجل (إحياء علوم الدين للغزالي 4/ 297)

فلا ينبغي لأحدنا أن يجعل الله أهون الناظرين إليك.
ولله در القائل:
إذا خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب
ولاتحسبن الله يغفل ساعــة ولا أن ما تخفيه عنه يغيـب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهـب وأن غداً للناظــرين قريب
الوصية الثانية: «وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا»
أتبع: ألحق. السيئة: وهي ترك بعض
الواجبات، أو ارتكاب بعض المحظورات. الحسنة: التوبة منها. أو الإتيان
بحسنة أخرى. تمحها: تمح عقابها وأثرها السيئ في القلب.

وهذا من فضل الله علينا، فكل بني آدم خطاء، فمن رحمة الله أن من أخطأ ثم استدرك وأحسن فإن الله يغفر له ذلك.
بل إن الله تعالى يبدل السيئة إلى حسنة في حق من تاب عنها، قال تعالى: }وَالَّذِينَ
لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ
وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
{.

والتبديل نوعان: يبدلها الله إلى
حسنات، ويبدل الله أحوال التائبين، فمن تاب من الزنا صيره عفيفاً، ومن تاب
من الكفر كان مؤمناً، ومن تاب من الفحش صار طاهراً، وهكذا..

وقد دلت النصوص على أن الذنب إذا
كان من الكبائر فلابد من إحداث توبة له، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي
الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصلوات الخمس،
والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينَهن إذا اجتنب
الكبائر».

فالصغائر تمحى بالحسنات، والكبائر لابد لمحوها من حسنة التوبة، وإن الله بر رحيم غفور شكور يغفر ما شاء لمن شاء.
الوصية الثالثة: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
وقد سبق الكلام عن هذا، وحسبي هنا أن أذكر ببعض الآثار في حسن الخلق..
وقد عرفه ابن المبارك رحمه الله بتعريفين:
الأول: قال: "هو طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكفّ الأذى".
والثاني: بقوله: "حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من النّاس"
وقد أوردهما ابن رجب في جامع العلوم والحكم.
وقال الماوردي رحمه الله: «إذا
حسنت أخلاق الإنسان كثر مُصافُوه، وقل معادوه، فتسهَّلت عليه الأمور
الصِّعاب، ولانت له القلوب الغِضاب" (أدب الدنيا والدين، للماوردي، ص 237)

وقال بعض البلغاء: "حسن الخلق من
نفسه في راحة، والناس منه في سلامة، وسيء الخلق الناس منه في بلاء، وهو من
نفسه في عناء" (أدب الدنيا والدين، للماوردي، ص 237).

وأختم بقول ابن المبارك رحمه الله: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم" (تاريخ مدينة دمشق، لابن هبة الله، 32/445).






الثلاثية العشرون ثلاث من الإيمان
عن
أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»
أخرجه البخاري ومسلم.

قال الإمام الجليل أبو محمد بن أبي
زيد -إمام المالكية بالمغرب في زمنه-: جميعُ آداب الخير تتفرَّع من أربعة
أحاديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليقل خيراً أو ليصمت»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء
تركه ما لا يعنيه»، وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له الوصيَّة: «لا
تغضب»، وقوله: «لا يؤمن أحدُكم حتَّى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه» (فتح
القوي المتين في شرح الأربعين، لفضيلة الشيخ/ عبد المحسن العباد، ص 62).

دل هذا الحديث على أن الإيمان
بالله واليوم الآخر يثمر خيرا، ويدفع إلى العمل بالصالحات، ولا يكون إيمان
أحدنا مقبولاً إلا إذا صدقه العمل، لأن سلف هذه الأمة عرفوا لنا الإيمان
بأنه قول وعمل واعتقاد، فلا إيمان إلا بهذه الثلاثة، وتعجبني عبارة لأحد
علماء عصرنا قال فيها: اجمع في تعريفك للإيمان بين خمسة نونات: قول
باللسان، اعتقاد بالجنان، عمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة
الشيطان. فمن اعتقد ذلك برئ من الإرجاء، فالمرجئة لا يدخلون العمل في مسمى
الإيمان، والله تعالى قال في كتابه:
}وما كان الله ليضيع إيمانكم{،
والمراد: صلاتكم، فإن الصحابة سألوا نبينا صلى الله عليه وسلم عن الذين
صلوا إلى بيت المقدس قبل نسخ القبلة، فنزلت الآية، فهي دليل على أن العمل
من الإيمان.

ولا يقال: العمل شرط في الإيمان،
هذا خطأ، فقولك شرط يخرج العمل عن مسمَّى الإيمان، لأن الشرط خارج عن
ماهية الشيء، والصحيح أن يقال ما قال سلفنا: العمل من الإيمان. قل بقول
السلف ولا تتكلف.

ودل الحديث على أنّ الإيمان باليوم
الآخر يحمل على كل خير، وعلى ترك المحرمات، فالإنسان إذا أيقن بأنه صائر
إلى ربه اتقاه، ولذلك لما توعد الله المطففين قال:
}أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ{؟

فمن الإيمان بالله واليوم الآخر ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن تقول خيراً أو أن تسكت
قال الشافعي رحمه الله: معنى
الحديث: إذا أراد أن يتكلَّم فليُفكِّر، فإن ظهر أنَّه لا ضرر عليه
تكلَّم، وإن ظهر أنَّ فيه ضرراً وشكَّ فيه أمسك.

والخير: كل لفظ يحسب لك في ميزان حسناتك.
وقد دعت هذه الجملة النبوية إلى أحد شيئين:
قول الخير.
الصمت.
ومن فعل ذلك حفظ لسانه، والنصوص التي تدعو إلى حفظ اللسان أكثر من أن تحصر، منها:
قوله تعالى: }مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ{.
أي: فعلى الإنسان أن يحذر لأن كلماتِه معدودة.ولما سأل أبو موسى رضي
الله عنه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: أي المسلمين أفضل؟ قال صلى
الله عليه وسلم: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» متفق عليه. وفي الصحيحين
عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يَزِلُّ بها إلى النار أبعدَ مما
بين المشرق والمغرب».

ومعنى «يتبين»: يفكر أنها خير أم لا.
وعند البخاري: «إن العبد ليتكلم
بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن
العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في
جهنم».

وفي جامع الترمذي عن سفيان بن عبد
الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به. قال:
«قل: ربيَ الله ثم استقم». قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ
بلسان نفسه ثم قال: «هذا».

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه
وسلم: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله
تعالى قسوة للقلب! وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي» رواه الترمذي.

وقد ثبت عند النسائي عن عبد اللّه
بن أبي أوفى رضي اللّه عنهما قال: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويُقصِّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي
مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة".

ومما يذكر عن عيسى عليه السلام أنه قال: "طوبى لمن خزن لسانه".
والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة جداً.
الوصية الثانية: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره
وقد ذهب الأوزاعي والحسن رحمهما
الله ومن قبلهما عائشة رضي الله عنها إلى أن حد الجوار أربعون داراً من كل
جانب، ولو قال أحد: هذه مسألة ترجع إلى العرف وتحدد به لكان قريبا من
الصواب، والعلم عند الله تعالى.

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار في كثير من أحاديثه:
منها:
حديث الترمذي: «خير الجيران عند اللّه: خيرهم لجاره».
وعند الطبراني: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به».
وعند الترمذي: «أحسن إلى جارك تكن مؤمنا».
وفي صحيح البخاري: «واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن». قيل: من يا رسول اللّه؟ قال: «الّذي لا يأمن جاره بوائقه».
وفي المسند وغيره قال رجل: يا رسول
الله، إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها
بلسانها. قال: «هي في النار». قال: يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة
صيامها وصلاتها، وأنها تتصدق بالأثوار من الأَقِط، ولا تؤذي جيرانها. قال:
«هي في الجنة».

ولذلك كله ثبت في الصحيحين قول نبينا: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه».
ومن حق جارك عليك -كما ورد في بعض
الآثار-: إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه،
وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنّأته، وإذا أصابته مصيبة عزّيته، وإذا
مات اتّبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجبَ عنه الرّيح إلا بإذنه
–وهذه يقصر فيها كثير من الناس يكتفي الواحد منهم بإعلان على صحيفة لا يعرف
جيرانه اسمها فضلاً عن متابعتهم لها ليتخلص بذلك من سؤال الدنيا، فأين حق
الجار؟ وأين الآخرة؟ - ومن حقه: إذا اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل
فأدخلها سرّا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده".

الوصية الثالثة: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه
وحسبي أن أذكِّر هنا بقصة عظيمة
أوردها الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: جاء رجل
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني مجهود». فأرسل إلى بعض نسائه
فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل
ذلك. حتى قلن كلُّهن مثلَ ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء.
فقال: «من يضيف هذا الليلة رحمه الله» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا
رسول الله. فانطلق به إلى رَحْله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا،
إلا قوتُ صبياني. قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئ السراج،
وأَرِيه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكلَ فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. فقعدوا
وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قد عجب
الله من صنيعكما بضيفكما الليلة».







الثلاثية الحادية والعشرون ثلاثة لعنق في النار
عن
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «يخرج عنقٌ من النار يتكلم يقول: وكِّلت اليوم بثلاثة: بكل جبار،
وبمن جعل مع الله إلها آخر، وبمن قتل نفسا بغير نفس، فينطوي عليهم،
فيقذفُهم في غَمَرات جهنم» رواه الإمام أحمد في المسند.

هذا من الأحاديث الغيبة التي يجب
الإيمان بما جاء فيها، فكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من
الغيبيات يجب الإيمان به، ولن تستقر قدم أحدٍ في دين الإسلام إن لم يؤمن
بمثل هذه الغيبيات النبوية.

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاثة من الأشقياء..
الشقي الأول: الجبار.
والجبار: المتكبر. وفي رواية لهذا الحديث: «بكل جبار عنيد»، وهو: المستكبر على الله لا يقبل الحق ولا يُذْعن له.
الشقي الثاني: المشرك.
وقد سبق في ثلاثيتين سابقتين حديث عن التكبر والشرك، ولذا سأسترسل في هذه الحلقة عن ..
الشقي الثالث: وهو من قتل نفساً بغير نفس
ورد الوعيد في حق من فعل ذلك في كثير من الآيات والأحاديث:
قال الله تعالى: }مِنْ
أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ
نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ
النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا
{ [المائدة: 32] .

ومعنى الآية: من قتل نفسا بغير سبب
من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك
والمحاربة فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله،
وأنه من امتنع عن قَتْل نفس حرَّمها الله فكأنما أحيا الناس جميعًا;
فالحفاظ على حرمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس كلهم.

ومن الآيات التي توعدته بالعذاب: }وَالَّذِينَ
لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا
{ [الفرقان : 68-69].

وهو متوعد بالخلود في النار والعياذ بالله:
قال تعالى:}وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا
{ [النساء :93].

وكفى بها زاجراً.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه،
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره،
إلا الرجل يموت مشركا أو يقتل مؤمنا متعمدا» رواه أبو داود وابن حبان.

وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه
أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يقضى بين الناس يوم
القيامة في الدماء» الشيخان.

وتأمل في هذا الذي سيحدث قبل أن يقضى بين القاتل والمقتول:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت
نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ
تَشْخَبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِي، حَتَّى يُدْنِيَهُ
مِنْ الْعَرْشِ» فَذَكَرُوا لِابْنِ عَبَّاسٍ التَّوْبَةَ، فَتَلَا هَذِهِ
الْآيَةَ:
}وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ...{، قَالَ: مَا نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا بُدِّلَتْ، وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟ الترمذي.

وفي رواية للطبراني في المعجم الأوسط: «فيقول الله للقاتل: تعست ، ويذهب به إلى النار».
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي
فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» البخاري. أي: فإذا
فعل ذلك ضُيِّق عليه.

والدماء المحرمة أربعة: دم المسلم، ودم الذمي، ودم المعاهد، ودم المستأمن، وأشدها وأعظمها دم المؤمن.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله" البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا
يَزَالُ الْمُؤْمِنُ مُعْنِقًا صَالِحًا مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا،
فَإِذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا بَلَّحَ» (سنن أبي داود). ومعنقاً: يسير
سيراً سريعاً إلى ربه، وبلَّح –هنا-: انقطع سيره.

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل
مؤمن بغير حق» ابن ماجة.

وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة
رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أهل السماء
وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» الترمذي.

ويزداد البلاء سوء، ويتفاقم الأمر،
ويستفحل الخطب، إذا قتل القاتل ورأى أنه على هدىً؛ كحال من يكفر الناس،
ويستبيح دماءهم. فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: «من قتل مؤمنا فاغتَبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا
عدلا» أبو داود أي: يرى أحدهم أنه على هدى فلا يستغفر الله!!

إن من العجائب العجيبة أن تجد
أحداً يقتل علياً رضي الله عنه ويرى أنه على خير، وأعجب منه من يمدحه،
أعني عمران بن حِطَّان –عليه من الله ما يستحق- بقوله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحسبـه أوفى البرية عند الله ميـــزانا
هذا قوله، ورد عليه بعضهم بقوله:
بل ضربة من غوي أوردته لظى فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصداً بضربــته إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانـا
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم
قد قال –كما في صحيح البخاري-: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن
ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما» فكيف بالمسلم!! وعَنْ جَرِيرٍ رضي الله
عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتْ النَّاسَ»، ثم قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا
بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [البخاري ومسلم].



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 10:32


الثلاثية الخامسة والعشرون ثلاث من عوفي منها دخل الجنة
عن
ثوبان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من جاء يوم
القيامة بريئا من ثلاثٍ دخل الجنة: الكبر، والغلول، والدين» رواه أحمد
والترمذي وابن ماجة.

أول خصلة تدخل البراءة منها الجنة: الكبر
والكبر: العظمة، قال تعالى: }وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ{، أي: معظم أمره.
وأما في الاصطلاح فقد عرفه النبي
صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح الإمام مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه ،
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ».
فقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا
وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ،
الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ».

وما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحتاج بعده إلى تعريف غيره..
فاستحقار الناس كبر، ورد النصح كبر.
والفرق بين الكبر والعجب أن العجب قاصر والتكبر متعدٍ.
فشعور الإنسان بالعظمة هذا هو العجب، وتعاليه على الناس في معاملته معهم هذا هو الكبر.
والكبر ثلاثة أنواع: الكبر على الله تعالى، والكبر على رسوله صلى الله عليه وسلم، والكبر على عباده.
والكبر نهى عنه ربنا في كتابه، قال تعالى: }وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ{.
والصَّعَرُ: داءٌ يلوي عنقَ البعير. فمن الكبر إذا حدثت أحداً أن تشيح بوجهك عنه.
ولقد ذم الله في كتابه الكبر، وذمه رسوله صلى الله عليه وسلم..
فالكبر مانع من الاستجابة للحق،
فما أعرض المعرضون عن دعوة المرسلين إلا بتكبرهم، وما استحق إبليسٌ اللعنة
الأبدية إلا بكبره، قال تعالى:
}وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ{. وقال: }وَلَقَدْ
آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ
الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ
اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
{

والأحاديث في هذا الباب كثيرة، منها:
قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«احتجت النار والجنة فقالت هذه: يدخلني الجبارون والمتكبرون. وقالت هذه:
يدخلني الضعفاء والمساكين. فقال الله عز وجل لهذه: أنت عذابي أعذب بك من
أشاء، وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها»
رواه البخاري ومسلم.

وفي جامع الترمذي قال صلى الله
عليه وسلم: «إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون
والمتشدقون والمتفيهقون». قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون
والمتشدقون. فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون».

وأقبح ما يكون الكبر من الفقير،
فعند مسلم قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم
القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك
كذاب، وعائل مستكبر».

فالزنا قبيح من الشيخ والشاب، ولكنه من الشيخ أقبح؛ لضعف الداعي عنده، وهكذا الكبر في الفقير.
وانظر كيف يحشر الله المتكبرين..
ثبت في سنن الترمذي، عَنْ عَمْرِو
بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ،
يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي
جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ
مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ؛ طِينَةَ الْخَبَالِ».

ولا يدخل الجنة متكبر كما مر معنا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثانية التي ينبغي أن يبرأ الإنسان منها ليكون من أهل الجنة: الغلول
والغلول: أخذ شيء من الغنيمة قبل أن تقسم.
قال تعالى: }وما كان لنبي أن يغل ومن يغلُل يأت بما غل يوم القيامة{.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن
عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: مات رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «هو في النار» فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها.

وفي الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ
ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ
وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَادِي الْقُرَى وَمَعَهُ عَبْدٌ
لَهُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ،
فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ ([1]

حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ
الشَّهَادَةُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي
أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا
الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا». فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ
ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِرَاكٍ
أَوْ بِشِرَاكَيْنِ. فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شِرَاكٌ أَوْ
شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ».

وهذا يدل على أن الاعتداء على المال العام أشد إثماً وأعظم جرماً من الاعتداء على مال المعين.
ومن صور الغلول ما يهدى للعمال،
لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «هدايا العمال غلول» [أحمد]، وكل من اعتدى
على المال العام فهو غال والعياذ بالله.

المسألة الثالثة: الدين.
الواجب على المسلم أن يتجنب
الاستدانة قدر الإمكان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على من
مات وعليه دين. كما في سنن أبي داود، وسنن النسائي، وأصله في صحيح مسلم،
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»
رواه الترمذي. قال السيوطي رحمه الله : أي: محبوسة عن مَقامها الكريم([2]
).

ولا بأس بالاستدانة، فقد استدان
النبي صلى الله عليه وسلم، وأطول آية في القرآن هي آية الدين التي
بُيِّنَت فيها أحكامُه، ولكن إذا استدان الإنسان فليكن صادقا في عزمه على
رد الحق لأصحابه، ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ
أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ،
وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ».

فمن كان عازما على رد الحق، صادقا في ذلك، ومات قبل ذلك فهذا يؤدي الله تعالى عنه كما جاء في الحديث.
ومثل هذه الأحاديث تتنزل في حق من
وجد ولم يف لصاحب الدين، أو أخذ وهو لا ينوي الأداء. أما غيره فإن نفسه لا
تحبس عن النعيم، ولا يمنع من دخول الجنة، وتأمل هذا الحديث الذي رواه
الترمذي عن جابر بن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قال: لَقِيَنِي رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: «يَا جَابِرُ مَا
لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا»؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ
أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا. قَالَ:
«أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ»؟ قَالَ: قُلْتُ
بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ
إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ، فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا،
فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ
تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ:
إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ،
وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:
}وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا{».

فعُلم أن عبد الله بن حرام رضي الله عنه مات مديناً ولم يحرمه الله من نعيمه.
فهذا يدل على أن المدين الذي يمنع
من دخول الجنة ومن نعيم القبر من ماطل في الأداء أو نوى أخذ بأموال الناس،
والعلم عند الله تعالى.





الثلاثية السادسة والعشرون أهل الجنة ثلاثة
عَنْ
عِيَاضِ الْمُجَاشِعِيِّ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو
سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ
الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو
عِيَالٍ» أخرجه مسلم.

ليس المراد من هذا الحديث أن الجنة لا يدخلها إلا هؤلاء، وإنما المراد أن هؤلاء من أهلها.
والجنة: دار الكرامة التي أعدها الله لعباده المتقين.
أول الثلاثة: السلطان المقسط المتصدق الموفق.
قال في اللسان (مادة س ل ط 7/320):
"السُّلْطانُ: الوالي. وهو فُعْلان يذكر ويؤنث والجمع السَّلاطِينُ، وقيل
للأُمراء سَلاطين؛ لأَنهم الذين تقام بهم الحجة والحُقوق".

أما المقسط فهو العادل. فأقسط معناها: عدل، وقسط: جار وظلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «الموفق»: أي لما يرضي الله سبحانه وتعالى، من امتثال أوامره واجتناب مناهيه.
ولا انتظام لحياة الناس إلا بالعدل، وقد أمر به ربنا في كتابه، قال تعالى: }إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى
وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
{، وقال: }يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ
بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
{، وقال: }إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ
نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
{.

ورغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه.
فالإمام العادل مستجاب الدعوة،
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ثلاثة لا ترد دعوتهم، الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم
تفتح لها أبواب السماء ويقول: بعزتي، لأنصرنك ولو بعد حين» رواه الترمذي.

ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل كما في الصحيحين.
والإمام المقسط على يمين الرحمن في
منابر النور يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله
على منابر من نور عن يمين الرحمن- عز وجل- ، الذين يعدلون في حكمهم
وأهليهم وما وَلُوا» رواه مسلم.

وما ولوا: من كانت لهم عليه ولاية.
وأحب الناس إلى الله الإمام
العادل؛ لعظيم بركته، قال صلى الله عليه وسلم: «إن أحبَّ الناس إلى الله
يوم القيامة، وأدناهم منه مجلسا: إمام عادل، وأبغضَ الناس إلى الله،
وأبعدهم منه مجلسا: إمام جائر» رواه الترمذي.

وفي مجمع الزوائد: لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المنجيات من عذاب الله ذكر العدل في الغضب والرضا.
وكما جاء الترغيب في ذلك جاء
الوعيد الشديد في ترك العدل، وقد سبق ذكر نصوص ذلك في حديث سابق عن الظلم،
وإذا كان الرجل الذي لا يعدل بين زوجتيه يأتي يوم القيامة وشقه مائل فكيف
بمن لا يعدل بين أمة من الناس!

فالحاكم الغشوم الظلوم شقي في
الدنيا والآخرة، يدل لذلك حديث جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال:
بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنيمة بالجعرانة ([1]
) إذ قال له رجل: اعدل. قال: «لقد شَقِيْتُ إن لم أعدل» البخاري.

وقد كان من دعاء نبينا صلى الله
عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ
عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي
شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» مسلم. والحاكم المستبد الظالم
أول داخل في هذا، وهل يمكن أن يرد الله دعوةً دعا بها رسول الله صلى الله
عليه وسلم؟!

قال تعالى: }وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ{.
الثاني من أهل الجنة: وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ
أي: يحنو ويشفق عليهم، يرحم عباد
الله، يرحم الفقراء، يرحم العجزة، يرحم الصغار، يرحم كل من يستحق الرحمة،
رقيق القلب ليس قلبه قاسيا، لكل ذي قربى ومسلم، وأما للكفار فإنه غليظ
عليهم هذا أيضا من أهل الجنة.

فالمسلم يرحم إخوانه، ويخفض لهم جناح الذل، والذل لم يمدح في كتاب الله إلا في موضعين:
الذل للمؤمنين، قال تعالى: }يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ
{

والذل للوالدين، قال تعالى: }وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ{.
وفي الصحيحين أن نبينا صلى الله
عليه وسلم قال: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد،
إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمّى».

وفيهما عن عائشة رضي الله عنها
قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقَبِّلُونَ
الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ
الرَّحْمَةَ».

وعند أبي داود والترمذي: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمْكم من في السماء».
والثالث: وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ
وهذا يدل على أن الأخلاق تكتسب، فالصبر بالتصبر، والعفة بالتعفف.
فقوله: «عفيف» عن السؤال، بالطبع،
بحسب أصل طبعه، «متعفف»: مبالغ في ذلك بالاكتساب، ففيه إيماء إلى أن
الأخلاق غريزية باعتبار أصلها، وإنما تزكو وتنمو بالمزاولة. والمراد: أنه
مع وجود الداعي للسؤال من كثرة العيال لم يُرِق ماءَ وجهه، ولم يسال أحداً
شيئاً. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ
فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنْ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ
حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طعمة» أحمد. وفي جامع الترمذي
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُرِضَ
عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ
مُتَعَفِّفٌ، وَعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ
لِمَوَالِيهِ».

وقد قال بعض العارفين: "ما سأل
إنسان الناس إلا لجهله بالله تعالى وضعف يقينه، وما تعفف متعفف إلا لوفور
علمه بالله، وتزايد معرفته به، وكثرة حيائه منه".









الثلاثية السابعة والعشرون ثلاثة دعا عليهم الأمينان عليهما الصلاة والسلام
عَنْ
جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ : صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «آمِينَ آمِينَ آمِينَ». قَالَ:
«أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ
أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ
اللَّهُ. قُلْ آمِينَ. فَقُلْتُ: آمِينَ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ
أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ
النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ. قُلْ آمِينَ. فَقُلْتُ: آمِينَ. قَالَ:
وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ فَدَخَلَ
النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ. قُلْ آمِينَ. فَقُلْتُ: آمِينَ». رواه
الطبراني في الكبير، وابن حبان، وابن خزيمة.

آمين: اللهم استجب.
والمؤمِّنُ داعٍ، قال تعالى: }وَقَالَ
مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً
وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ
سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ *
قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا
{، وهارون عليه السلام لم يكن يدعو، وإنما الداعي موسى عليه السلام، فدل قول الله تعالى: }دعوتكما{ على أنَّ المؤمن داعٍ

وأما «فأبعده الله»، أي: من رحمته.
هؤلاء الثلاثة دعا عليهم جبريل
عليه السلام، وأمن على دعائه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الدعاء
في بقعة مباركة، وفي ساعة استجابة، ففي صحيح مسلم، عن أَبِي مُوسَى
الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ:
قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ
الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ».

فمثل هذا الدعاء هل يرده الله؟ اللهم لا.
فمن هم هؤلاء الذين دعاء عليهم الأمينان جبرائيل ونبينا عليهما الصلاة والسلام؟
الأول: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة
لأن من بر والديه -لا سيما عند
تقدمهما في السن- فهذا في الجنة. والأحاديث التي رغب فيها النبي في بر
الوالدين كثيرة أجتزئ منها ثلاثةً:

الأول: عن عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى
الله؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم
أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» رواه البخاري ومسلم.

والثاني: عن عبد الله بن عمرو رضي
الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت
أبايعك على الهجرة وتركت أبويَّ يبكيان؟ فقال: «ارجع إليهما، فأضحكهما كما
أبكيتهما» رواه أبو داود.

وأما الثالث ففي مسند الإمام أحمد،
عن أنس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي
عُمْرِهِ، وَأَنْ يُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ؛ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ،
وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».

ويتأكد هذا البر بالوالد إذا كَبِرَ وأسنّ.
الثاني: من ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصل عليه.
وهذا مغبون، غافل، فإن من خير
القربات ومن أعظم الطاعات الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثبت
في سنن الترمذي عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه ، قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا
اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ،
اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ،
جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ». قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ
لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: «مَا شِئْتَ». قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ؟
قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ:
النِّصْفَ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قَالَ:
قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ
خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ إِذًا
تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

لذا كان من الغبن الفاحش أن يذكر
عندك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فلا تصلي عليه، قال صلى الله عليه
وسلم: *«من نسي الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة» رواه ابن ماجة.

والحديث قواه بعض أهل العلم بشواهده كابن الملقن.
ومعنى نسي: ترك عمداً، كما في الآية عن المنافقين: }نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ{ .
فأيُّ كرامة تفوق هذه الكرامة؟
الثالث: من أدرك رمضان فلم يغفر له
وذلك لكثرة ما يغفر الله لعباده في رمضان..
فهذا الشهر شهر خير وبركة، مما يجلي ذلك:
أنَّ الله اختاره لإنزال القرآن الكريم، وكفى بذلك فضلاً، قال تعالى :} شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ{ [البقرة : 185]. وما ذكر الله شهراً باسمه في القرآن سوى رمضان.
ومما جاء في فضائله حديثُ أبي
هريرة رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
:«إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ
أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ» رواه الشيخان. وللترمذي:
« إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ
الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ
فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ
يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ
أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ
النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ».

وفي هذا الشهر ليلة خير من ألف شهر، يقول سبحانه وتعالى: }
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا
لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ *
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ
أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
{.

ولذا كان رسولنا صلى الله عليه
وسلم يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر، قال أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُ
أَصْحَابَهُ: «قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرٌ مُبَارَكٌ،
افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، يُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ
الْجَنَّةِ، وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ
الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ
خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» رواه أحمد.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 10:55



الثلاثية الأولى إن الله يرضى لكم ثلاثا
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ
لَكُمْ ثَلَاثًا: فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا
بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ.
وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ
الْمَال» رواه مسلم وأحمد.

وفي بعض الطرق:«آمركم بثلاث، وأنهاكم عن ثلاث» رواه ابن حبان.

الأمر الأول الذي يرضاه الله وأمر به: عبادته.

والله ما أوجدنا على الأرض إلا من أجل عبادته، قال تعالى:
}وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون{
فما هي العبادة؟

العبادة هي التذلل لله محبة وتعظيماً، وهي اسم جامع
لكل ما يحبه الله. فكل ما أمر الله به، أو أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم
فهذه عبادة. فإذا كان الله تعالى قد أوجدنا في الأرض لذلك فإن من الغبن
الفاحش أن يغفل الإنسان عنها.

قال صلى الله عليه وسلم :«تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا»، وقد سبق تعريف العبادة، فما هو الشرك؟

الشرك في اللغة من المشاركة، وفي الشرع : أن تجعل لله نداً في ألوهيته، أو ربوبيته، أو أسمائه وصفاته.

الشرك في الألوهية أن تتوجَّه بالعبادة لغير الله ، وكان الواجبُ أن يُفردَ اللهُ بها.

في الربوبية: أن لا تفرد الله بأفعاله، فتعتقد أنّ فلاناً يحيي ويميت، ويفعل ما لا يقدر عليه إلا الله.

في الأسماء والصفات أن تنعت شخصاً بصفة لا تنبغي إلا لله.

والشرك قسمان: أصغر، وأكبر ..

فما هو الشرك الأصغر؟

ضابط الشرك الأصغر أيها المؤمنون: "كل ما نهى الله
تعالى عنه مما هو ذريعة إلى الأكبر، وكان وسيلة للوقوع فيه، وجاء في
النصوص تسميته شركاً، ولم يصل إلى حد صرف العبادة إلى غير الله " .
كالحلف بغير الله ويسير الرياء .

فما هو الفرق بين الشركين الأكبر والأصغر ؟

1.
الأكبر يخرج من الملة والأصغر لا يخرج منها.
2.
الأكبر يخلد في النار والأصغر لا يخلد فيها.
3.
الأكبر يحبط العمل بخلاف الأصغر.
4.
الأكبر يبيح الدم والأصغر لا يبيحه.
5.
الأكبر يمنع الموالاة مطلقاً.
ويكفي في التحذير من الشرك أنّ الله لا يغفره، قال تعالى:
} إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء{.
قال صلى الله عليه وسلم :« وتعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»

وقد أمر الله بذلك، قال تعالى:
}واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا{.
وقال تعالى:
} وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{.
وتأمل أيها القارئ الكريم ما يدل على أهمية هذا الاعتصام:

في سنن ابن ماجه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث
جيشا من المسلمين إلى المشركين، فحاصر مسلم كافر، فقال الكافر: إني مسلم .
فطعنه فقتله . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله
هلكت، قال «وما الذي صنعت»؟

فأخبره بالذي صنع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه»؟

قال: يا رسول الله لو شققت بطنه لكنت أعلم ما في قلبه.

قال :«فلا أنت قبلت ما تكلم به، ولا أنت تعلم ما في قلبه»!

فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم، فلم يلبث
إلا يسيرا حتى مات، قال الراوي: فدفناه، فأصبح على ظهر الأرض. فقالوا: لعل
عدوا نبشه. فدفناه . ثم أمرنا غلماننا يحرسونه . فأصبح على ظهر الأرض .
فقلنا لعل الغلمان نَعَسُوا . فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر
الأرض . فألقيناه في بعض تلك الشعاب فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
«إن الأرض لتقبل من هو شر منه، ولكن الله أحب أن يريَكم تعظيم حرمة لا
إله إلا الله». ومع ذلك فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم بقتل من أراد أن
يفرق جمعنا، لأن حرمة اجتماع المسلمين أعظم من حرمة المسلم.

فمتى يترك الناس الموالاة والمعاداة على جماعات
وجمعيات وأحزاب تفت في عضد هذه الأمة؟ متى تكون دعوتنا لله؟ وولاؤنا لله؟
ومحبتنا لله؟ وبغضنا لله؟ كثير من الناس يظن أنه يدعو إلى الله، وإنما
يدعو لحزبه أو جماعته أو نفسه! فلا يراد بالأخ عند هؤلاء إلا من انتمى إلى
جماعتهم، أما غير المنتمين إليهم فلا يطلق عليه لفظ الأخوة، والله يقول:
}إنما المؤمنون إخوة{.
سمعت أحدهم يسأل عن آخر فقال له أتعرف فلاناً؟ فرد عليه: من الإخوان؟ فكان الجواب: لا، من عامة الناس! والله يقول:
} إنما المؤمنون إخوة{. فمتى نعقل ذلك؟
الأمر الثالث: «وتطيعوا لمن ولاه الله عليكم أمركم»

وقد كثرت النصوص التي أوجب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، بل إن الله في القرآن قد أمرنا بطاعتهم، قال الله تعالى:
} يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم{
ولعلي أختم بهذا الحديث الذي أخرجه مسلم عن عَوْف
بْن مَالِكٍ الأَشْجَعِىَّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
-صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ
تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ
عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ
وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ».

قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟

قَالَ: « لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ
لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ أَلاَ مَنْ وَلِىَ عَلَيْهِ وَالٍ
فَرَآهُ يَأْتِى شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا
يَأْتِى مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ
».





الثلاثية الثانية ثلاثة يبغضها الله
عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يكره لكم: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَال» رواه مسلم وأحمد.
وعند ابن حبان: «وينهاكم عن ثلاث».

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال:

قال السيوطي رحمه الله في الديباج على صحيح مسلم بن
الحجاج (4/318): "هو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يَعني من
أحوالهم وتصرفاتهم، واختلف في حقيقة هذين اللفظين؛ فقيل: فعلان ماضيان،
وقيل: اسمان مجروران منونان".

ونجد في حديث آخر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم
ندبنا إلى ترك ما لا يعنينا، قال صلى الله عليه وسلم :«مِنْ حُسْنِ
إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ» والحديث مخرج في جامع الإمام
الترمذي.

ومما يتناوله الحديث كذلك نقل الأخبار، أن يتحدث
الإنسان بكل ما سمع، وهذا بلا شك يفضي إلى التدخل فيما لا يعني، وقد نهانا
نبينا صلى الله عليه وسلم عن التحدث بكل ما يسمع، لا بد أن تسكت عن كثير
مما تسمعه ولا تشيعه، فإنما جعل الله لك أذنين ولساناً واحداً فأنصفهما
ولا تظلمهما كما قال السلف.

قال صلى الله عليه وسلم :« كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا : أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» أخرجه مسلم.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : "لَا يَكُونُ إمَامًا مَنْ حَدَّثَ بكل ما سمع".

فهذا النهي النبوي يستفيد منه المسلم أن يحفظ
لسانه، لا تنقل الأخبار، لا تقحم نفسك بالحديث فيما لا يعنيك، وهنا كلمة
لطيفة قالها الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين (ص 276): "اعْلَمْ
أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ
الكَلامِ إِلاَّ كَلاَماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى
الكَلاَمُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ؛
لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلاَمُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ
مَكْرُوهٍ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلاَمَةُ لا يَعْدِلُهَا
شَيْءٌ" . وهذه كلمة تُكتب بماء الذهب من إمام جليل ..

وعن أنس رضي الله عنه قال: توفي رجل، فقال رجل آخر
-ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع-: أبشر بالجنة. فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «ما تدري! فلعله تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا
ينقصه» رواه الترمذي.

الأمر الثاني الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم: كثرة السؤال

وهذه فيها تفسيران:

التفسير الأول: السؤال عن الأمور التي لا تدعو الحاجة إليها، فيكون النهي عن تكلف المسائل.

والأسئلة على قسمين :

سؤال تعنت وتكلف كسؤال بني إسرائيل فهذا حرام .

سؤال تعلم، وهذا أمر الله به، قال تعالى:
}فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون{
التفسير الثاني لقول نبينا صلى الله عليه وسلم : «وكثرة السؤال»: سؤال المال.

فالمسلم ينبغي أن يكون عفيفاً..

ففي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ
تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِى
وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ».

وعند البيهقي قول نبينا
e: «من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة نزلت به فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب».
وعند النسائي قال
e :« لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله» .
وفي حديث آخر: «إني لأعطي الرجل العطية فينطلق بها
تحت إبطه وما هي إلا النار». فقال له عمر: ولم تعط يا رسول الله ما هو
نار؟ فقال: «أبى الله لي البخل، وأبوا إلا مسألتي».

الأمر الثالث إضاعة المال..

والمراد من ذلك التبذير..

قال تعالى:
}وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا{.
والتبذير: الإسراف كما قال ابن مسعود رضي الله عنه .

ومعنى
}إخوان الشياطين{: أولياء الشياطين، وكذلك تقول العرب لكلّ ملازم سنةَ قوم وتابع أثرهم: هو أخوهم.
ولن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ذكر منها نبي الله صلى الله عليه وسلم: «عن ماله؛ من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه»؟







الثلاثية الثالثة حلاوة الإيمان
خرَّج
البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحهما، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، عَنِ
النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ
بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أن يكون اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ
إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ
إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ
أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ».

دل هذا الحديث على أنّ للإيمان حلاوةً، وهذا شيء
يشعر به المخلصون الصادقون، ولهذا كان بعض السلف تمر به أوقات فيقول: إن
كان أهل الجنة في نعيم مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وكان غيره يقول: لو يعلم
الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجلدونا عليه بالسيوف.

فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلب كما يذوق أحدنا الماءَ بالفم، وهو غذاء القلوب وقوتها.

وهذه الحلاوة لا يجدها إلا من عمر وقته بطاعة الله،
وقد سئل وهيب بن الورد رحمه الله: هل يجد طعم الإيمان من يعصي الله؟ قال :
لا، ولا من هم بالمعصية. فالقلب المريض والعياذ بالله يستحلي ما فيه
هلاكه، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو
مؤمن»؛ لأنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان، فاستغنى بها عن استحلاء
المعاصي.

أول خصلة بها يجد الإنسان طعم وحلاوة الإيمان: أن يكون اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا

وقد ذم الله في القرآن الكريم من قدم محبة شيء على حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى:
}قُلْ
إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ
كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ
وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ
اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
{ [التوبة: 24].
كلُّ هذه المذكورات في الآية جُبِل المرء على
محبتها، وليس المراد تحجير هذا أو ذمَّ من قام به، وإنما المراد من الآية
ذمُّ من قدم حبها على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، فإنَّ حبها مركوز
في نفوسنا.

وهذه الآية دلت على مسألة مهمة جداً، وهي أنه لا
يكفي أن تحب الله! لا يكفي أن تحبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل
لابد من أن تقدِّمَ حبَّ الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم على أيِّ شيء.

قال عبدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ رضي الله عنه
:كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ
بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي . فَقَالَ
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى
أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ :
فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الْآنَ يَا عُمَرُ» [البخاري].

قال ابن حجر رحمه الله :" قال الخطابي: حبُّ
الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد عليه الصلاة
والسلام حب الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه.
قلت: فعلى هذا فجواب عمر أولاً كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال
أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه؛ لكونه السبب في نجاتها من
المهلكات في الدنيا والأخرى، فأخبر بما اقتضاه الاختيار، ولذلك حصل الجواب
بقوله: «الآن يا عمر» أي : الآن عرفت فنطقت بما يجب" (فتح الباري
11/528).

الخصلة الثانية: وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :«من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» [رواه أبو داود]

هذه هي حقيقة العبودية لله تعالى، أن تجعل شرع الله
دليلاً في كل شيء، إذا أحببت أحببت لله لا لهوى نفسك، وإذا أبغضت زيداً
فلأنه من العصاة الذي يبغض الله فعالهم، لا لأنه سبك أو نال منك أو لموقف
معين.

كثير من الناس يحب للدنيا، ويعطي ويعيش لها، فهذا
عبد الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فحري بالمسلم أن يفتش نفسه،
وأن يجعل من شرع الله دليلاً لمن يحب ويبغض.

والحب على قسمين: فطري جبلّي، وسببي كسبي.

فأما الفطري الجبلّي: فلا لوم على العبد فيه، فإن الله فطره على ذلك، كحب الرجل الطعام، وحبه الماء، وحبه ابنه، وزوجته، وأصدقاءه.

وأما الكسبي السببي: فهو الإرادي الذي يحاسب الله عليه العبد، إذا صرفه لغير مرضاة الله تبارك وتعالى.

الخصلة الثالثة: وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي
الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ
يُقْذَفَ فِى النَّارِ

ومما يحمل على هذا البغض أن تتأمل فيما يلي:

الشرك يحبط جميع الأعمال، قال تعالى :
}وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [الأنعام:88] .
والشرك هبوط إلى حضيض المذلة ، قال تعالى :
}وَمَنْ
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ
الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
{ [الحج:31] .
والشرك مهدر للدم مبيح للمال ، كما قال تعالى:
}فَإِذَا
انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ
مَرْصَدٍ
{ [التوبة:5]
وقد حرم الله الجنة على المشرك وحكم عليه بالخلود في النار ، كما قال تعالى :
}إِنَّهُ
مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
{ [المائدة:72]
والشرك أعظم الظلم ، مثلاً : فعن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ
}الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ{،
شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
وَقَالُوا: أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ -ظنوا أنّ المراد : ظلم النفس
بالمعصية، وظلمُ الأخ لأخيه بغيبةٍ ونحوها - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم :«لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا
قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ:
}يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{» رواه الشيخان.
والشرك سبب هلاك الأمم، قال تعالى :
} قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ{ ، قال ابن الجوزي في زاد المسير (6/306) :" }كان أكثرهم مشركين {، المعنى : فأُهلكوا بشِركهم ".
والشرك ضلال مبين؛ لذلك يعترف المشركون بضلالهم فيقولون:
}تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ{ [ص: 97-98] . وقال :} وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا{ [النساء: 116] .
الشرك لا يمكن أن يتحقق الأمن معه، قال تعالى :
}
وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ
أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *
الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ
لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ
{ [الأنعام: 81-82] .
والشرك لا يغفره الله،:
} إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء{ [النساء: 48، 116].



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 10:56




الثلاثية الرابعة من وظائف الجمعة
عن
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم:
«ثلاث حق على كل مسلم: الغسل يوم الجمعة، والسواك، ويمس من طيب إن وجد»
أخرجه مسلم.

ثلاث وظائف من وظائف الجمعة اشتمل عليها هذا الحديث المبارك:
الوظيفة الأولى: الغسل
وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله
في حكمه على قولين: الوجوب والاستحباب، وليس هذا المصنف محلا للاستطراد
في مسائل الفروع المختلف فيها، ما يهمنا الآن أن نذكر بعض النصوص التي رغب
فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم في غسل الجمعة.

من ذلك حديث أَبِى سَعِيدٍ
الْخُدْرِىِّ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»
البخاري ومسلم.

وعن عَبْدِ اللَّهِ بن عمر رضي
الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:
«إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِىَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»
البخاري ومسلم.

وفي سنن أبي داود أنّ عمر بن
الخطاب رضي الله عنه بينا هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل، فقال عمر:
أتحتبسون عن الصلاة؟ فقال الرجل: ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت. فقال
عمر: والوضوءَ أيضاً!؟ أو لم تسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل».

ومن هذه النصوص: حديث أَبِى
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ
رَاحَ في الساعةِ الأولى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي
السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي
السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ
رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً،
وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً،
فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ
الذِّكْرَ» أخرجه البخاري ومسلم.

وعن أوس بن أوس الثقفي رضي الله
عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من غسل يوم الجمعة
واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ،
كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها» رواه أحمد وأبو داود
والترمذي.

كل هذه نصوص يرغب فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم في غسل الجمعة، والتبكير إليها.
الأمر الثاني: السواك
يعني من وظائف الجمعة أن تستاك،
وقد ثبت في الصحيحين قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشقَّ على
أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة».

وثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» رواه النسائي.
ونبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك كما قالت عائشة رضي الله عنها في صحيح الإمام مسلم.
وعند ابن ماجة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك. وكان إذا أُقيمت الصلاة بدأ بالسواك.
وفي مسند أبي يعلى: قال صلى الله
عليه وسلم: «لقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه ينزل علي فيه قرآن» رواه أبو
يعلى، وعند البزار قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا تسوك ثم
قام يصلي قام الملك خلفه، فيستمع لقراءته، فيدنو منه، حتى يضع فاه على
فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم
للقرآن ».

الأمر الثالث: ويمس من طيب إن وجد
وقد ثبت عَنْ سَلْمَانَ
الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه أنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه
وسلم: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا
اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ
طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ
يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ،
إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» [أخرجه
البخاري].

ومن باب الشيء بالشيء يذكر: فهذه بعض الوظائف الأخرى التي ينبغي أن يحرص عليها يوم الجمعة:
لبس أحسن الثياب، قراءة سورة
الكهف، الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، صلاة الجمعة،
الدعاء، النافلة البعدية لصلاة الجمعة.




الثلاثية الخامسة الدعاء المستجاب
عن
أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث
دعوات مستجابات لا شكَّ فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة
المظلوم».

حديث حسن أخرجه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة في السنن.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاث دعوات مستجابات:
الدعوة الأولى التي يستجيب لها ربنا: دعوة الوالد
والوالد: الأب والأم، يستجيب الله
لدعوتهما سواء كانت الدعوة للولد أو كانت عليه، بمعنى: لو دعا له بالخير،
أو دعا عليه بالشر فإن الله يستجيب هذه الدعوة.

ولهذا ثبت في حديث آخر أنه قال:
«لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا
تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاءً فيستجيبُ
لكم » أخرجه مسلم.

وهنا لابد لي من أن أبعث برسالتين:
رسالة للوالد، ورسالة للولد.
رسالة الوالد أقول له فيها: يبغي
عليك أن تحذر غاية الحذر من الدعاء على ولدك، مادام أن الله تعالى يستجيب
دعوتك سواء كانت لولدك أم عليه أليس من العقل أن تدعو له بصلاح الحال
بدلاً من الدعاء عليه؟ أليس من الأنفع أن تدعو له بخير حتى ينصلح حاله
وينقلب عقوقه إلى بر؟

ورسالتي للأولاد أن يحذروا من غضب الوالدين، وألا يعينوا الشيطان على والدِيهم، وأن يعلموا أنّ غضب الله في غضب الوالدين.
واستمع إلى هذه القصة التي أخبر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
:«كَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ
فِيهَا فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ.
فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي؟ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ،
فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي
فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، أُمِّي وَصَلَاتِي؟
فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ
أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ: أَيْ رَبِّ،
أُمِّي وَصَلَاتِي؟ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ
لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ
بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ
يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ
لَكُمْ؟ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ
رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا،
فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ
جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ، فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ،
وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ
بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ. فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟
فَجَاءُوا بِهِ. فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا
انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ: يَا غُلَامُ
مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي. قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى
جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ، وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ
صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا
كَانَتْ، فَفَعَلُوا. أخرجها الشيخان.

فإياك وغضب الوالد، ففي رواية لهذه
القصة :«فَغَضِبَتْ أمُّه فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يَمُوتَن جُرَيْجٌ
حَتَّى يَنْظُر فِي وُجُوه الْمُومِسَات»، فغضب الله في غضب الوالدين،
ورضاؤه في رضائهما، أما ترى أن هذا الرجل من أولياء الله، أجرى الله على
يديه هذه الكرامة، ولكن لما غضبت أمه عليه لم يمنع صلاحه من استجابة الله
لدعائها.

الدعوة الثانية: دعوة المسافر
قال أهل العلم: ومتى طال السفر كان
أقربَ إلى إجابةِ الدُّعاء؛ لأنَّه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغُربة
عن الأوطان، وتحمُّلِ المشاق، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء.

وقد ثبت في حديث آخر أنّ النبي صلى
الله عليه وسلم ذكر الرجل يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ
يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ،
وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ،
فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» [مسلم].

فهذا الحديث ذكر فيه النبي صلى
الله عليه وسلم أربعة أمور تقتضي إجابة الدعاء، ومع ذلك لم يكن لها أثر مع
وجود هذا المانع، منها: «يطيل السفر» ، فالمسافر مستجاب الدعوة.

الدعوة الثالثة: دعوة المظلوم
ولو كان كافراً، لابد أن يستجيب الله له.
ثبت عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ
رضي الله عنه قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رضي
الله عنه فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا
حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ
فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا
تُحْسِنُ تُصَلِّي؟ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ
فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم مَا أَخْرِمُ عَنْهَا أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي
الْأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ. قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ
بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى
الْكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا
إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا
لِبَنِي عَبْسٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ
قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ، قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ
سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ
بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أَمَا
وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ؛ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا
كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ
فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ
شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. رواه البخاري
ومسلم.

وقد ورد أنه كان يتعرض للفتيات يغمزهنّ وقد سقط حاجبه على عينه عياذاً بالله!!




الثلاثية السادسة قصة إبراهيم وسارة عليهما السلام
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا ثَلَاثَ
كَذَبَاتٍ؛ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
قَوْلُهُ :
}إِنِّي سَقِيمٌ{، وَقَوْلُهُ: }بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا{.
وبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنْ
الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ
مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا،
فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ : أُخْتِي. فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا
سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ،
وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلَا
تُكَذِّبِينِي. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ
يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ، فقالت: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ
وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ
عَلَيَّ الْكَافِرَ، فأُخذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا
أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ اللَّهَ فَأُطْلِقَ.

ثُمَّ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا
بِيَدِهِ الثَّانِيَةَ فدعت: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ
وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ
عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ. فَقَالَ: ادْعِي
اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ. فَدَعَا بَعْضَ
حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا
أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ. فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ
قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَاً؟ قَالَتْ : رَدَّ
اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. قَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. رواه الشيخان.

هذه قصة جليلة القدر عظيمة الشأن ..
مهياً : ما الخبر؟
سبق أن تناولت هذه القصة في
رسالتي: "قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم"، وأتناولها هنا من ناحية
أخرى، أركز فيها على الثلاثية المذكورة فيها.

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في
بدايتها : أنّ إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث مرات، ثنتين منها في ذات
الله، جاء في رواية :«كلها في ذات الله» [أخرجه أبو يعلى]، وللترمذي: «مَا
مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَ بِهَا عَنْ دِينِ» أي : جادل بها عن
دين الله، وإنما خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم اثنتين لأن الثالثة وإن
كانت في ذات الله إلا أنَّ لنفسه حظاً فيها. ولكنّ الثلاث في ذات الله
تعالى .

الأولى: قوله: إني سقيم
أي سأسقم. كما قال تعالى :} إنك ميت{ أي ستموت ؛ لأن الإنسان يمرض في الدنيا ويصح ، ويفرح ويحزن .. فهذه أمور لا شك أنها تجري علينا –نحن البشر- .
وأما قوله : } فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فاسألوهم إن كانوا ينطقون{
أي : إن كان ينطقون ففعله كبيرهم
هذا ، ولكنهم لا ينطقون فكيف يفعله. وقيل أراد لهم ضرب المثل. كما قال
الملكان لداود عليه السلام :
}إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً{
ولم يكن أخاه وليس له نعاج ، وإنما جرى الكلام مجرى التنبيه لداود عليه
السلام على ما فعل ، والمراد ضرب المثل. قال ابن كثير رحمه الله في حديث
:«كذب إبراهيم ثلاث مرات» :" ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم
فاعله، حاشا وكلا ، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزاً ، وإنما هو من
المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث: «إن في المعاريض
لمندوحةً عن الكذب» " .

والمعاريض جمع مِعْراض، والتعريض أن
تقول كلاماً محتملاً تقصد به خلاف ما يظنه السامع، ولا حرج فيها، وحديث:
«إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» لا يصح مرفوعاً، ولكنه ثبت عن عمران
بن حصين عند البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح.

والمراد: إن في المعاريض فسحةً وسعة.
وسأذكر بعض النماذج التي ذكرها ابن قدامة رحمه الله في المغني في هذا الباب:
فمن ذلك ما روي من أن مُهَنا
والمروذي وجماعة كانوا عند الإمام أحمد، فجاء رجل يطلب المروذي، ولم يرد
المروذي أن يكلمه، فوضع مهنا أصبعه في كفه وقال: ليس المروذي هاهنا وما
يصنع المروذي هاهنا؟ يريد ليس هو في كفه، ولم ينكر ذلك أبو عبد الله.

وروي أن مهنا قال للمروذي: إني
أريد الخروج -يعني السفر إلى بلده- وأحب أن تسمعني الجزء الفلاني، فأسمعه
إياه ثم رآه بعد ذلك فقال: ألم تقل إنك تريد الخروج؟ فقال له مهنا: قلت لك
إني أريد الخروج الآن؟ فلم ينكر عليه.

وكان إبراهيم النخعي إذا طلبه إنسان ولم يرد لقياه خرجت إليه الخادم وقالت: اطلبوه في المسجد.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يمزح ولا يقول إلا حقا، ومن مزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه وهذه
هي المعاريض والتورية، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعجوز: لا تدخل الجنة
عجوز يعني أن الله ينشئهن أبكاراً عربا أترابا.

وقال أنس: جاء رجل إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فقال يا رسول الله احملني. فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : «إنا حاملوك على ولد الناقة». قال: وما أصنع بولد الناقة ؟ قال :
«وهل تلد الإبل إلا النوق» رواه أبو داودز

وقال لامرأة -وقد ذكرت له زوجها- :
«أهو الذي في عينه بياض»؟ فقالت: يا رسول الله أنه لصحيح العين! وأراد
النبي صلى الله عليه وسلم البياض الذي حول الحدق.

وقال لزاهرٍ رضي الله عنه -وقد
احتضنه من ورائه- : «من يشتري هذا العبد»؟ فقال: يا رسول الله تجدني إذا
كاسداً قال : «لكنك عند الله لست بكاسد».

وهذا كله من التأويل والمعاريض وقد سماه النبي صلى الله عليه و سلم حقاً، فقال: «لا أقول إلا حقا».
ويروى عن شقيق أن رجلا خطب امرأة
وتحته أخرى فقالوا: لن نزوجك حتى تطلق امرأتك. فقال: اشهدوا أني قد طلقت
ثلاثاً، فزوجوه، فأقام عند امرأته، فقالوا: قد طلقت ثلاثاً؟! قال: ألم
تعلموا أنه كان لي ثلاث نسوة فطلقتهن؟ قالوا: بلى قال: فهذا ما أردت.

وقد أوردت كل ذلك لئلا يظن أن خليل الله باشر الكذب الذي يمقت الله عليه، حاشا وكلا.
والثالثة: قوله عن سارة: هي أختي
فالمراد أخوة الإيمان.
إن من أعظم فوائد هذه القصة الخالدة أنّ الله يدافع عن المؤمنين .. أما قال الله :} إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحين{ ؟ أما قال الله :} إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا{ ؟
ومن فوائدها: أنّ للدعاء أثراً كبيراً في تحقيق العفاف، فسارة عليها السلام اعتصمت به فلم تُمَس بسوء.
ومما يوضح أهمية الاعتصام بالدعاء لتحقيق العفة هذه القصة الوادردة في مسند الإمام أحمد:
استحكمت الشهوة بأحد الشباب فجاء
إلى رسول صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يأذن له في الزِّنا قائلاً : يا
رسول الله ائذن لي في الزِّنا . فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه !
فقال صلى الله عليه وسلم «ادن» ، فدنا منه قريباً ، قال : «أتحبه لأمك»؟
قال : لا والله جعلني الله فداءك . قال : «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» .
قال: «أفتحبه لابنتك»؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك . قال
: «ولا الناس يحبونه لبناتهم» . قال: «أفتحبه لأختك»؟ قال : لا والله
جعلني الله فداءك . قال : «ولا الناس يحبونه لأخواتهم» . قال : «أفتحبه
لعمتك»؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك . قال : «ولا الناس يحبونه
لعماتهم» . قال : «أفتحبه لخالتك »؟ . قال : لا والله جعلني الله فداءك .
قال : «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال : فوضع يده عليه وقال : «اللهم
اغفر ذنبه ، وطهر قلبه ، وحصن فرجه». فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء
"

والشاهد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فتحققت العفة، كما اعتصمت بالدعاء سارة فتحقق مرادها .
ولذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم
يدعو ويقول :« اللهم إني أسألك الهدى ، والتقى ، والعفاف ، والغنى» رواه
مسلم. ولما قال ابن حُمَيد للنبي صلى الله عليه وسلم علمني دعاءً ، قال له
: «قل : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي ، وَمِنْ
شَرِّ بَصَرِي ، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي ، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي ، وَمِنْ
شَرِّ مَنِيِّي» أخرجه أبو داود.

والمعنى كما قال في عون المعبود
(4/286): " وَهُوَ أَنْ يَغْلِبَ ماؤه عَلَيْهِ حَتَّى يَقَعَ فِي
الزِّنَا أَوْ مُقَدَّمَاتِهِ ، يَعْنِي مِنْ شَرّ فَرْجِهِ".

إن من فوائد هذه القصة أنّ إبراهيم
لما أُخذت زوجته ، وحلّ الظلم بساحته لجأ إلى ربه بالصلاة ، وهذا هو هدي
نبينا صلى الله عليه وسلم ، ففي سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

ولما ظنت مريم عليها السلام أنّ جبريل من البشر وأراد بها سوء قالت :} إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً{ .. ما أحسنَ طنَّها بربها، ولذا ذكرت من أسمائه الرحمن، وفيه من براعة الاختيار ما فيه .
ويوسف عليه السلام لما راودته امرأة العزيز عن نفسه قال: }معاذ الله{، وهذا اعتصام منه بالدعاء، وقال: }رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه{، ولشدة اعتصامه بربه ودعائه أنجاه الله، وقالت امرأة العزيز في ذلك: }ولقد راودته عن نفسه فاستعصم{، قال ابن عباس: فامتنع، وقال قتادة: فاستعصى.
من فوائدها: أنّه يستعان بالصلاة على الشدائد والكرب، فإن إبراهيم عليه السلام استعان بها لما أُخذ زوجُه.er



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 10:58

الثلاثية السابعة ثلاثة لا تسأل عنهم
ثبت
في مسند الإمام أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى
إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها
مؤنة الدنيا فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم».

المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «لا تسأل عنهم» أنهم من الهالكين بارتكابهم لهذه العظائم.

الأول: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا

(ال) في الجماعة للعهد الذهني، أي فارق جماعة
المسلمين، وشق صفهم، سواء كان خروجه على إمامه ببدعة كالخوارج، أو كان
بنحو بغي أو حِرابة.

وقد أمر الله تعالى في القرآن بطاعة ولاة
الأمر، وأمر بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم في غيرما حديث، ونهى الله
تعالى ونهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الخروج؛ لما يترتب على ذلك من
فتن عظيمة، تسفك فيها الدماء، ويختل الأمر، ويغيب الأمن، وتضعف الشوكة،
ويتزعزع الصف، والنصوص في هذا المعنى كثيرة ..

قال تعالى:
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ{.
وهذه المسألة سيكون فيها زيادة تفصيل في ثلاثية أخرى بإذن الله تعالى.

الثاني الذي هو من الهالكين: أمة أو عبد أبق فمات

وهذا لا وجود له في يومنا هذا على حد علمي،
وديننا قد هدف إلى العتق، وجعل العتق في الكفارات ليتحرر الناس من عبودية
البشر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ اللهُ بكل عضو منه عضوا منه من
النار» [البخاري ومسلم].

وقد ثبت في صحيح الإمام مسلم قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة»

وفي حديث آخر: «إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة»، وفي رواية: «فقد كفر حتى يرجع إليهم»[رواه مسلم].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «اثنان لا تجاوزُ صلاتهما رؤوسهما: عبد أبق من
مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع» [رواه الطبراني].

وأما الثالث: وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده

فهذه امرأة خائنة تبرجت حال غياب زوجها وقد كفاها أمر الدنيا.

ويستفاد من ذلك ذم التبرج

ولعلي أطيل الوقفة هنا لأن هذه المعصية عمت بها البلوى في زمننا هذا..

أيتها الأخت الكريمة، يا من آمنت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ..

لقد كثرت النصوص التي تحذر عن التبرج..

فالتبرج من صفات الجاهلية الأولى ، قال الله تعالى :
} ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى{
[الأحزاب:33]. وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم : «أبغض الناس إلى الله
ثلاثة: مُلحدٌ في الحرم ، ومبتغٍ في الإسلام سنةَ الجاهلية ، ومُطَّلِبُ
دمِ امرئ بغير حق ليُهْرِيق دمَه» رواه البخاري. فكل من أعمل سنة
الجاهلية فهو داخل في هذا الوعيد (انظري فتح الباري : 12/211).

والمتبرجة ملعونة على لسان رسول الله صلى
الله عليه وسلم القائل : «سيكون آخر أمتي نساء كاسيات عاريات، على
رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات» (معجم الطبراني الأوسط،
وصححه الألباني في السلسلة :6/411).

قال ابن عبد البر رحمه الله :" «كاسيات
عاريات» : يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات
بالاسم عاريات في الحقيقة " (التمهيد : 13/204).

والمتبرجة متوعَّدة بنار تلظَّى، قال النبي
صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياط
كأذناب البقر يَضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات، مميلات مائلات ،
رؤوسهن كأسنمة البُخْت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن
ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» رواه مسلم. «مائلات»: عن طاعة الله وما
يلزمهن حفظه. «مميلات»: أي يملن غيرهن بفعلهن المذموم. «والبخت»: ناقة
طويلة العنق.

والتبرج هتك لستر الله، فعن عائشة رضي الله
عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة وضعت ثيابها
في غير بيت زوجها فقد هتكت سِتر ما بينها وبين الله» رواه أحمد.

والمعنى: إذا تبرَّجت للأجانب هتك الله سترها أي: فضحها، فالهتيكة هي الفضيحة (انظري فيض القدير : 3/137).

والتبرج من علامات النفاق؛ لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «خير نسائكم الودود، الولود، المواتية، المواسية إذا
اتقين الله. وشر نسائكم المتبرجات، المُتَخَيِّلات، وهنَّ المنافقات،
لا يدخل الجنة منهنَّ إلا مثل الغراب الأعصم» رواه البيهقي، وصححه
الألباني في صحيح الجامع :3330.

والغراب الأعصم أبيض الجناحين، وهذا نادر في الغربان (لسان العرب: 12/406) فالمعنى : لا يدخل الجنة من المتبرجات إلا قليلاً .

والتبرج معصية لأمر الله تعالى القائل :
} ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها {
[النور:31] ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «كل أمتي يدخلون الجنة
إلا من أبى من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» رواه البخاري.

فخير لك – أختي المسلمة – أن تختاري طريق الحجاب ؛ فإنه طهر ونقاء، وعفة وحياء.

أسأل الله أن يعصمنا من الزيغ وأن يحفظنا من الزلل.



الثلاثية الثامنة من أمر الجاهلية
عن
أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«ثلاث لن تزال في أمتي: التفاخر في الأحساب، و النياحة، والأنواء» رواه
أبو يعلى والضياء المقدِسي.

رواية الإمام مسلم: «أربع في أمتي من أمر
الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء
بالنجوم، والنياحة».

الأمر الأول من هذه الثلاثية: التفاخر في الأحساب

قوله صلى الله عليه وسلم: «في الأحساب»، أي:
في شأنها وسببها، والحسب: ما يعده الرجل من الخصال التي تكون فيه؛
كالشجاعة والفصاحة وغير ذلك .. وقيل: الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر
آبائه.

فالمراد من الحديث التفاخر والتعاظم بِعَدِّ
مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم، وذلك جهل عظيم، فلا فخر إلا بالطاعة، ولا عز
لأحد إلا بالله.

فلا ينتفع أحد إلا بتقوى الله عز وجل، فلا ينبغي لأحد أن يتفاخر بذلك.

لن ينتفع أحد بنسبه، ففي حديث آخر في صحيح
مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ
يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ».

ولن ينتفع بماله إن لم يستعمله في طاعة الله، قال تعالى:
}وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا{
كل هذه الأشياء لا اعتبار لها عند الله، عند
ابن ماجة وفي المعجم الكبير للطبراني، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ رضي الله
عنه ، قَالَ: مَرَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رَجُلٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا»؟ قال
سهل: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ
أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ
يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ: «مَا رَأْيُكَ فِي
هَذَا»؟ قُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا
حَرِيٌّ إِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، وَإِنْ خَطَبَ أَنْ لا
يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم: «لَهَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا».

وفي الصحيحين أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما أُنْزِلَ عَلَيْهِ:
}وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ{
قال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ لاَ
أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ
أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ
عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا
فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لاَ أُغْنِي
عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم
القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة».

الأمر الثاني من أمور الجاهلية التي حذرنا منها نبي الله صلى الله عليه وسلم: النياحة

ما هي النياحة؟ النياحة البكاء بجزع وعويل. أو قل: الصراخ والعويل في البكاء كما في معجم لغة الفقهاء.

والنياحة كفر والعياذ بالله، قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة
على الميت» رواه مسلم.

وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله
عنهما، قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة رن إبليس رنة
فاجتمعت إليه جنوده، فقال: ايأسوا أن تردوا أمة محمد على الشرك بعد يومكم
هذا، ولكن افتنوهم في دينهم وأفشوا فيهم النوح.

فهو يرضى بذلك لأن النياحة كفر والعياذ بالله.

ولعن النبي صلى الله عليه وسلم صوتين في الدنيا، منهما: النياحة.

وفي الصحيحين: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية».

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بايع امرأة بايعها على نبذ النياحة وعدم فعلها.

وعند ابن ماجة: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور».

والنائحة إذا لم تتب تقام من قبرها –كما أخبر
رسول الله صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع
من جرب والعياذ بالله.

ويكفي أن تعلم المرأة أن الميت يعذب ببكاء
أهله عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فهل ترضى عاقلة أن تكون
سبباً في أن يعذب ميتها ببكائها؟

وهنا قد يسأل سائل فيقول: كيف يعذب ببكائها والله يقول:
}ولا تزر وازرة وزر أخرى{؟
فالجواب بأحد وجهين:

يعذب إذا أوصى بالنوح عليه.
أو إذا علم أنهم يفعلون ذلك بالأموات ولم يوص بتركها.
الأمر الثالث: الأنواء

رواية الإمام مسلم: «والاستسقاء بالنجوم».

والمراد إضافة السقيا ونزول الغيث إلى النجوم، وإنما أنعم الله على عباده بها.

وقد ثبت في الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ
خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي
إِثْرِ سماء كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى
النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ»؟ قَالُوا:
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى
مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ
وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا
مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى
مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ».

فالواجب على الإنسان أن يسند النعمة إلى مسديها، إلى الله تعالى .

فهذه الأمور من مسائل الجاهلية التي أمر
النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«أبغض الناس إلى الله ثلاثة» وذكر منهم صلى الله عليه وسلم من اتبع سنة
الجاهلية.




الثلاثية التاسعة من حق المسلم على المسلم
عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث
كلهن حق على كل مسلم: عيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس إذا
حمد الله عز و جل» رواه الإمام أحمد.

الأمر الأول: عيادة المريض

العيادة في الاصطلاح: هي الزيارة والافتقاد (أي التفقد)، أما المريض: فهو من اتصف بالمرض.

وقد ترجم الإمام أبو عبد الله البخاري في
صحيحه بقوله: باب وجوب عيادة المريض، قال ابن حجر رحمه الله: "جزم
بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة، قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على
الوجوب بمعنى الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون للندب،
للحث على التواصل والأُلفة" [فتح الباري (10/ 117)].

وهناك آداب ينبغي مراعاتها عند عيادة المريض، منها:

1- أن يلتزم بالآداب العامة للزيارة كأن يدق الباب برفق، وألا يبهمَ نفسه، وأن يغض بصره، وألا يقابل الباب عند الاستئذان.

2- أن تكون العيادة في وقت ملائم، فلا تكون في وقت الظهيرة صيفاً على سبيل المثال.

3- أن تكون العيادة بعد ثلاثة أيام من المرض،
وقيل: تستحب من أول المرض، ورأي الجمهور عدم التقيد بزمن، كما قال ابن
حجر وهو الحق إن شاء الله.

4- أن يدنو العائد من المريض ويَجِلس عند رأسه ويضع يده على جبهته ويسألَه عن حاله وعما يشتهيه.

5- أن تكون الزيارة غباً أي يوما بعد يوم، وربما اختلف الأمر باختلاف الأحوال سواء بالنسبة للعائد والمريض.

فمن الناس من إذا زار يوماً ازداد مرض المريض به، ومنهم من يكون حبيباً إليه لا يتمنى مفارقتَه.

فعلى الثقيل الأول أن يخفف ولو لم يزر لكان أولى!

6- ينبغي للعائد ألا يطيل الجلوس حتى يضجر المريض، أو يشقَّ على أهله، فإذا اقتضت ذلك ضرورة فلا بأس.

7- ألا يكثر العائد من سؤال المريض؛ لأن ذلك يثقل عليه ويضجره.

8- من آداب العيادة أن يدعو العائد للمريض
بالعافية والصلاح، وقد وردت في ذلك أدعية عديدة منها: أسأل الله العظيم رب
العرش العظيم أن يشفيك (سبع مرات) وأن يقرأ عنده بالفاتحة والمعوذتين
والإخلاص ويرقيَه بذلك.

9- ألا يتكلم العائد أمام المريض بما يقلقه ويزعجه وأن يظهر له من الرقة واللطف ما يَطِيب به خاطره.

10- أن يوسع العائد للمريض في الأمل، ويشير عليه بالصبر لما فيه من جزيل الأجر، ويحذره من اليأس ومن الجزع لما فيهما من الوزر.

11- ألا يكثر عواد المريض من اللغط والاختلاف بحضرته لما في ذلك من إزعاجه.

ومن الأحاديث التي رغب فيها النبي صلى الله عليه وسلم في عيادة المريض:

حديث مسلم القدسي: قال النبي صلى الله عليه
وسلم : «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني،
قال يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا
مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده»؟

وفي صحيح مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من عاد مريضا لم
يزل في خُرْفَة الجنة» . قيل يا رسول الله: وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها»

و الجنا: اسم لما يجتني من الثمر ويجمع، فشبه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحرزه عائد المريض من الثواب بما يحرز
المخترف من الثمر.

وعند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح اليوم منكم صائما؟» قال أبو
بكر: أنا. قال: «من عاد منكم اليوم مريضا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «من
شهد منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «من أطعم منكم اليوم
مسكينا؟» قال أبو بكر: أنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما
اجتمعن في رجل إلا دخل الجنة».

وعند الترمذي عن علي رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يعود مسلما غُدوة
إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون
ألف ملك حتى يصبح، وكان له خَرِيفٌ في الجنة».

غدوة: هي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، والعشية: آخر النهار

الخريف: الثمر المخروف أي المجتنى.

وعند الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضا نادى مناد من
السماء: طبت، وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا».

طبت: دعاء له بأن يطيب عيشه في الدنيا

وطاب ممشاك: طِيْبُ الممشى كناية عن سلوك طريق الآخرة.

وفي المسند عن هارون بن أبي داود قال: أتيت
أنس بن مالك فقلت: يا أبا حمزة، إن المكان بعيد، ونحن يعجبنا أن نعودك،
فرفع رأسه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيما رجل يعود
مريضا فإنما يخوض في الرحمة، فإذا قعد عند المريض غمرته الرحمة». قال:
فقلت يا رسول الله، هذا للصحيح الذي يعود المريض، فالمريض ماله؟ قال:
«تُحَطُّ عنه ذنوبُه».

الأمر الثاني: اتباع الجنائز

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تشييع الرجال
للجنازة سنّة، لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه : " أمرنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم باتّباع الجنائز"، والأمر هنا للنّدب لا للوجوب
للإجماع، وقال الزّين بن المنير من المالكيّة : إنّ اتّباع الجنازة من
الواجبات على الكفاية.

ومما نهى عنه النبي
e هنا ما ورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبع جنازة معها رانَّة " أخرجه ابن ماجه.
يعني نائحة صائحة.

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال في وصيته: " فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار " أخرجه مسلم.

ومن الأحكام المهمة في اتباع الجنائز أنه ليس
من السنة في شيء رفعُ الصوت عند التشييع بذكر ونحوه، وقد كان أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الجنائز. ولابد من
الإسراع بالجنازة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة؛
فإن تك صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم»
أخرجه الشيخان.

ويجوز المشي أمام الجنازة وخلفها، وعن يمينها
ويسارها، على أن يكون قريبا منها، إلا الراكب يسيرُ خلفها، لقوله صلى
الله عليه وسلم: «الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها» رواه
أبو داود.

وأما فضل اتباع الجنائز فقد ورد في أحاديث، منها:

حديث أبي بكر السابق في عيادة المريض.

ومنها: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «من شهد الجنازة
حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» قيل: وما
القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين». ولمسلم: «أصغرهما مثل أحد».

الأمر الثالث: وتشميت العاطس إذا حمد الله عز وجل

بأن يقول: رحمك الله، فإن لم يحمد لم يشمته.

في حديث آخر: «وإذا عطَس فحمد الله فشمته»؛
وذلك أن العطاس نعمة من الله؛ لخروج هذه الريح المحتقِنة في أجزاء بدن
الإنسان، وقد يسر الله لها منفذاً تخرج منه فيستريح العاطس. فشرع له أن
يحمد الله على هذه النعمة. وشرع لأخيه أن يقول له: "يرحمك الله" وأمره أن
يجيبه بقوله: "يهديكم الله ويصلح بالكم" فمن لم يحمد الله لم يستحق
التشميت.

وقد عطَس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم
فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقيل: يا رسول الله عطس عندك رجلان فشمت
أحدهما ولم تشمت الآخر! فقال: «إن هذا حمِد الله وإن هذا لم يحمَد الله»
رواه الشيخان.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 16:52



[center]الثلاثية الثامنة والعشرون صور استجابة الدعاء
عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه
وسلم قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ
وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ:
إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ
فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا».
قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ» رواه أحمد.

هذا الحديث دليل على أن من دعا، وخلا دعاؤه من الموانع فإن الله يعطيه إحدى ثلاث:
العطية الأولى: أن تُعجل دعوته، فيُعطى ما سأل.
العطية الثانية: أن يُحرم ما سأله في الدنيا، ولكن يَدَّخِّر الله له أجر هذه الدعوة في الآخرة.
وقد ورد في بعض الآثار أن من
استجاب الله له في الدنيا إذا رأى ثواب من ادخر الله له أجر دعوته يتمنى
أن لو حُرِم من الإجابة في الدنيا ليَحظى بثواب الآخرة.

العطية الثالثة: أن يصرف الله عنه من السوء قدر دعائه.
مثال ذلك: يسأل زيد مالاً، فلا يعطى المال، ولكن يصرف الله عنه مرضاً لولا الدعاء لنزل به.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَا
يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ
إِلَّا الْبِرُّ» رواه الترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يغني حذر من
قدر، والدعاء ينفع مما نزل و مما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه
الدعاء فيَعْتَلِجان إلى يوم القيامة» رواه الحاكم. ومعنى «يعتلجان»:
يتصارعان.

والدعاء إما أن يكون قوياً فيرد القضاء، وأما أن يكون غير ذلك فيخففه كما قاله ابن القيم رحمه الله.
والله يقدر الأمور بأسبابها، فالله يقدر أنَّ فلاناً تقل عليه المصائب لكثرة دعائه، وأنَّ فلاناً لا يدعو وتكثر مصائبه.
وأما قول الصحابة للنبي صلى الله
عليه وسلم إذا نكثر. أي من الدعاء. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الله أكثر»، معناه –كما قال ابن حجر رحمه الله- أنّ الله أكثرُ ثوابا
وعطاء مما في نفوسكم، فأكثروا ما شئتم فإنه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو
أكثرُ منها وأجل.

قال ابن عبد البر رحمه الله (التمهيد 5/345): "هذا الحديث من التفسير المسند لقول الله عز وجل: }ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{، فهذا كله من الاستجابة".
فالله كريم، ولكنه حكيم، ومن حكمة الله أن لا يعجل الإجابة أحياناً لصاحبها، قال الله عز وجل: }وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض{.
ومن عباد الله من لو استجاب له فأغناه لبغى في الأرض، ومنهم من يبتليه
بالضراء ليسمع تضرعه، ولأنه خير له في آخرته، فسبحان الحكيم الخبير.

وينبغي على العبد أن يعلم أن خيرة الله له خير من خيرة نفسه لنفسه..
وتأمل هاتين الآيتين:
الأولى: }وَلَوْ
يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ
لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ
لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
{.
قال ابن كثير رحمه الله في التفسير (4/251): "يخبر تعالى عن حلمه ولطفه
بعباده: أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في
حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا
يستجيب لهم -والحالة هذه -؛ لطفا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم
أو لأموالهم وأولادهم بالخير والبركة والنماء؛ ولهذا قال:
}وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ{،
أي: لو استجاب لهم كلَّ ما دعوه به في ذلك لأهلكهم، ولكن لا ينبغي
الإكثار من ذلك، كما جاء في الحديث...«لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على
أولادكم، لا تدعوا على أموالكم،لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة
فيستجيبُ لكم"اهـ. والحديث الذي ذكره ابن كثير رحمه الله أخرجه مسلم وأبو
داود.

الثانية: }وَأَصْبَحَ
الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ
اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ
لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا
يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ
{. والحديث فيها عن الذين أُعجبوا بقارون، لما رأوه في زينته وأُبَّهته قالوا: }ياليت لنا مثل ما أوتي قارون{، فحرموا من ذلك، فلما خسف الله به الأرض علموا أن خيرة الله لهم خير من خيرة أنفسهم لأنفسهم.

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اثنين من موانع إجابة الدعاء: الدعاء بإثم، وقطعية الرحم.
وموانع الدعاء كثيرة؛ منها: عدم
الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء، وعدم الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ومنها: الاستعجال، وأكل الحرام، والغفلة حال الدعاء.

فكيف يكون الدعاء بالإثم؟
أي بشيء محرم، فإنه لا يستجاب له؛ لأن الدعاء بالإثم ظلم، وقد قال الله تعالى: }إنه لا يفلح الظالمون{، ومن استُجيب له فقد أفلح.
وأما الدعاء بقطيعة الرحم فهذا تخصيص بعد التعميم، والمراد: هجران القرابة بنحو إيذاء أو صد، نحو: اللهم باعد بيني وبين أبي.
وهذا التخصيص يدل على عظيم إثم قطيعة الرحم، فإفرادها بالذكر يقتضي أنها معصية من كبائر الذنوب.
والأرحام: الأقارب. والقطيعة: عدم الصلة، وهو من الكبائر لقول الله تعالى: }فَهَلْ
عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ
وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ
{.

ورد في التمهيد لما في الموطأ من
المعاني والأسانيد لابن عبد البر (5/347): عن عائشة رضي الله عنها أنها
قالت: "ما من عبد يدعو الله بدعوة فتذهب حتى يُعجلَ له في الدنيا، أو
يدخرَها له في الآخرة إذا هو لم يعجل أو يقنط" قال عروة: فقلت: يا أمتاه
وكيف عجلته وقنوطه؟ قالت: يقول: قد سألت فلم أعط، ودعوت فلم أجب".

وهذا الأثر أثبت أن من موانع
الإجابة العجلة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُسْتَجَابُ
لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ
لِي» أخرجه الشيخان.

وقال سعيد بن المسيِّب رحمه الله:
"ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة، فتذهب برجاء، حتى يعجلها له في الدنيا
أو يدخرها له في الآخرة" (التمهيد 5/347).

وقد وفي الحديث من الفوائد أن الله
لا يتعاظمه شيء أعطاه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكثر». في
صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا
يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ
الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمْ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ». وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (يَا
عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ
قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ
مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ
الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) رواه مسلم.





الثلاثية التاسعة والعشرون المهلكات
عَنِ
ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم: «ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ،
وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بنفْسِهِ» رواه الطبراني في المعجم الكبير.

والمهلكات: الموقعات في المهالك.
الأولى: الشح المطاع.
وقد خص المطاع؛ لينبه أن الشح في النفس ليس مما يُستحق به ذمٌّ إذ ليس هو من فعله، وإنما يذم بالانقياد له.
والشح: بخل مع حرص. وقيل: تناول ما ليس للإنسان؛ ظلما وعدوانا، من مال أو غيره.
جاء رجل إلى ابن مسعود رضي الله
عنه فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أخاف أن أكون قد هلكت. فقال له عبد
الله: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول:
}وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{،
وأنا رجل شحيح، لا أكاد أخرجُ من يدي شيئًا! فقال ابن مسعود رضي الله عنه
: ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشح الذي ذكر الله في
القرآن أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل" رواه
ابن جرير في التفسير.

فما هو الفرق بين البخل والشح؟
الشُّح الْحِرْص عَلَى مَا لَيْسَ
عِنْده، وَالْبُخْل بِمَا عِنْده. قال القرطبي رحمه الله (التفسير 18/21):
"قال طاوس: البخل: أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يَشُِحَّ بما في
أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام". فهذا قول.

وقال ابن القيم رحمه الله (الوابل
الصيب ص 52): "الفرق بين الشح والبخل أن الشح هو شدة الحرص على الشيء،
والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه. والبخل: منع
إنفاقه بعد حصوله، وحبه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله،
فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد
أطاع شحَّه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووُقِي شرَّه، وذلك هو المفلح. قال
الله تعالى:
}ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون{".

وهذه الآية تكررت في موضعين من القرآن؛ في الحشر، والتغابن. ومعناها: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح.
وسبب نزول التي في الحشر ما ثبت في
صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ مَا
مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ يُضِيفُ هَذَا»؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا.
فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ
صِبْيَانِي. فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ،
وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً. فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا،
وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ
كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ
أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «عجِب اللَّهُ
اللَّيْلَةَ فَعَالِكُمَا»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:
}وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ{.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم
من الشح، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، أَنَّ
رَسُولَ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ
الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ
الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا
دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» رواه مسلم.


وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قيل: يا
رسول الله، وما هي؟ قال: «الشرك بالله والشح، وقتل النفس التي حرم الله
إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف
المحصنات الغافلات المؤمنات» رواه النسائي.

وفي سنن أبي داود، قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «شرُّ ما في رجل شح هالع، وجبن خالع».
الثانية: اتباع الهوى
قال الراغب في المفردات (ص 548): "الهوي: ميل النفس إلى الشهوة".
فاتباع الهوى هو: إيثار ميل النفس إلى الشهوة، والانقياد لها فيما تدعو إليه من معصية الله تعالى.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يستعيذ بالله من ذلك، ففي سنن الترمذي: كان من دعاء رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء».

وفي المسند للإمام أحمد، عن أبي
بَرْزَة الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «إنَّ مما أخشى عليكم شهواتِ الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلاتِ
الهوى».

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما ذكر الله- عز وجل- الهوى في موضع من كتاب إلا ذمه" ذم الهوى لابن الجوزي.
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "الهوى شر داء خالط قلبا" (السنة لعبد الله بن أحمد 1/ 138 رقم 105)
الثالثة: إعجاب المرء بنفسه
ومعناه: أن يظن بنفسه ما ليس فيها.
و قال القرطبي رحمه الله: "هو النظر إلى نفسه بعين الكمال والاستحسان مع نسيان منة الله، فإن وقع على الغير واحتقره فهو الكبر".
جاء عن عمر رضي الله عنه أنه
قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم إعجابُ المرء برأيه، ومن قال: أنا عالم، فهو
جاهل. ومن قال: أنا في الجنة فهو في النار" (أورده ابن حجر في المطالب
العالية).

والآيات التي نهى الله تعالى فيها عن تزكية النفس يؤخذ منها التحذيرُ من الإعجاب بها، كما قال أبو السعود رحمه الله.
قال تعالى: }فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم{،
المراد من هذه الآية أن يستعيذ الإنسان من الشيطان قبل قراءة القرآن،
فالمعنى: إذا أردت قراءة القرآن. ولا يَمنع ذلك من أن يكون المرادُ كذلك أن
يستعيذ منه بعد القراءة، كما قال الرازي([1]) رحمه الله؛ لئلا يتسرب إلى النفس شيءٌ من العجب.

ومن سمات السلف احتقار النفس والإزراءُ بها، فهذا من التواضع الذي يحبه الله.
في الصحيحين -في قصة الإفك- قالت
عائشة رضي الله عنه : "وكنت أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ
مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ
اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي
كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى،
وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا".

وهي من؟ التي سبح الله نفسه لما رماها الناس }وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ{.
ولما رأى بكر بن عبد الله المزني الناس في عرفة قال: "لولا أنا فيهم لقلت: قد غفر الله لهم"، وهو من هو رحمه الله.
فينبغي أن يكون لسان حال المؤمن: من أولى بنار الله مني؟ إن المؤمن جمع إحسانا وخوفا، والمنافق جمع إساءة وأمنا.
وقد نظر عمر بن الخطاب إلى أبي بن
كعب رضي الله عنهما ومعه ناس، فعلاه بالدِّرة، فقال: يا أمير المؤمنين ما
تصنع؟ قال: "إنها فتنة للتابع، ومذلة للمتبوع".

وفي الأثر: "إعجاب المرء بنفسه من الخيلاء".
وكل من رأى أن لنفسه فضلا على
الناس فله نصيب من العُجب والعياذ بالله. ولهذا فُسِّر التواضع بقولهم: أن
لا ترى أحداً إلا وظننت أن له عليك فضلاً.

في شرح ابن بطال قال مطرف رحمه الله: "لِأَن أبيت نائمًا وأصبحَ نادمًا أحبُّ إليَّ من أن أبيت قائمًا وأصبحَ مُعْجَبًا".
ويقال: أوحى الله تعالى إلى داود
عليه السلام: (يا داود، كانت تلك الزَّلَّةُ مباركةً عليك)! فقال: يا رب
وكيف ذلك؟ فقال: (إنَّ أنين المذنبين أحبُّ إليّ من زَجَل –صوت-
المسبِّحين).




الثلاثية الثلاثون المنجيات
عَنِ
ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم: «ثلاثٌ مُنَجِّيَات: الْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى،
وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَخَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ
وَالْعَلانِيَةِ» رواه الطبراني في المعجم الكبير.

من أيِّ شيء تكون النجاة بهذه الأشياء؟ تكون النجاة بها من عذاب الله تعالى.
المُنَجِّية الأولى: العدل في الغضب والرضا
وهذا عزيز جداً، وهو أنَّ الإنسان
لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا
يراقب الله فيما يقول ولا يتوقف.

ومن الأدعية النبوية: «اللَّهُمَّ
بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا
عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ
خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ،
وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ
وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى
لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ
مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا
هُدَاةً مَهْدِيِّينَ» رواه أحمد والنسائي.

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقصة رجل لم يقل كلمة حق حال غضبه فخاب وخسر ..
قال صلى الله عليه وسلم: «قال رجل:
وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ. وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ،
فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» رواه مسلم.

وفي رواية أبي داود، قال صلى الله
عليه وسلم: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ،
فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ،
فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ
فَيَقُولُ: أَقْصِرْ. فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ:
أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ
اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ
الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا،
أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ
فَادْخُلْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي. وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ
إِلَى النَّارِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ
وَآخِرَتَهُ.

قال ابن رجب (جامع العلوم والحكم ص
17): "فهذا غَضِبَ لله، ثم تكلَّم في حال غضبه لله بما لا يجوزُ وحَتَم
على الله بما لا يعلم فأحبط الله عمله، فكيف بمن تكلَّم في غضبه لنفسه
ومتابعة هواه بما لا يجوز"؟

ولهذا ورد في صحيح البخاري عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم أَوْصِنِي. قَالَ: «لَا تَغْضَبْ». فَرَدَّدَ مِرَارًا،
قَالَ: «لَا تَغْضَبْ».

وفي مساوئ الأخلاق للخرائطي قال
عروة بن الزبير رضي الله عنهما: "مكتوب في الحكم: يا داود إياك وشدة
الغضب، فإن شدة الغضب مفسدة لفؤاد الحكيم".

المنجية الثانية: القصد في الفقر والغنى
القصد: التوسط والاعتدال في الأمور بلا غلو أو تفريط.
والمراد من الحديث: من كان كان
فقيراً لَم يبخل بما عنده خوفاً من نفاد الرِّزق، ولم يُسرف بتحميل نفسه
ما لا طاقة له به، كما قال تعالى:
}وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً{، ومن كان غنيًّا لَم يحمله غناه على السَّرف والطغيان، قال تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً{.

المنجية الثالثة: خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ
قال الجوهري في الصحاح (6/ 2327): "الخشية: خوف يشوبه تعظيم".
وقد مدح الله من يخشاه، قال تعالى: }إِنَّ
الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ
بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا
يُشْرِكُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي
الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ
{.

وقال: }وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ{، وقال: }إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ{، وقال: }إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ
الْبَرِيَّةِ * جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
{.

ثبت في الصحيحين عن عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ: فَإِذَا مَاتَ
فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا –فرقوا- نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي
الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ
عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ. فَأَمَرَ اللَّهُ
الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ،
ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ.
فَغَفَرَ لَهُ».

وسبيل الخشية من الله في السر
والعلن أن تعلم أن الله لا تخفى عليه خافية، وأنه يرى مكانك، ويسمع كلامك،
ويعلم سرك ونجواك، فمن استحضر ذلك في خَلواته أوجب له ذلك تركَ المعاصي
في السِّرِّ.

وقال الشافعي رحمه الله: أعزُّ الأشياء ثلاثة: الجودُ من قِلَّة، والورعُ في خَلوة، وكلمةُ الحقِّ عند من يُرجى ويُخاف ([1]).
وكتب ابنُ السَّماك الواعظ إلى أخٍ
له: "أما بعدُ، أُوصيكَ بتقوى الله الذي هو نَجِيُّكَ في سريرتك، ورقيبُك
في علانيتك، فاجعلِ الله من بالك على كُلِّ حالك في ليلك ونهارك، وخفِ
الله بقدر قُربه منك وقُدرته عليك، واعلم أنَّك بعينه ليس تَخرُجُ من
سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى مُلك غيره، فليَعْظُم منه حَذَرُك،
وليكثر منه وَجَلُكَ، والسلام"

وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى
إلى نبيٍّ من الأنبياء: (قُلْ لقومك: ما بالكم تسترون الذنوبَ من خلقي
وتُظهرونها لي، إنْ كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإنْ كنتم
تَرَونَ أني أراكم فلم جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم)؟

وكان وهيبُ بن الورد رحمه الله يقول: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه منك.
وقال له رجل: عِظني، فقال: اتَّقِ الله أنْ يكونَ أهونَ الناظرين إليك.
قال ابن رجب رحمه الله: "دخل
بعضُهم غَيضةً ذات شجر -غَيْضَة : مجمع الشجر في فيض الماء والشجر الكثير
الملتف- فقال: لو خلوتُ هاهنا بمعصيةٍ مَنْ كان يراني؟ فسمع هاتفاً بصوت
ملأ الغَيْضَةَ:
}أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ{.

وراود بعضُهم أعرابيةً، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكبُ، قالت: فأين مُكوكِبُها؟
ومن درر الحارثُ المحاسبي: المراقبةُ علمُ القلب بقرب الربِّ.
وقد سُئِل الجنيد بما يُستعانُ به على غضِّ البصر، فقال: بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره.
وكان الإمامُ أحمد يُنشِدُ:
إذا ما خَلَوْتَ الدَّهرَ يوماً فلا تَقُلْ خلوت ولكن قــل عليّ رقيب
ولا تَحْسَبَنَّ الله يَغْفُلُ سَاعـــــةً ولا أنَّ ما يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
وليعلم أن من كان يجترئ على ما حرم
الله عليه في الخلوة فإن الله يملأ قلوب المؤمنين بغضا له، قال أبو
الدرداء: "لِيَتَّقِ أحدُكم أنْ تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو
بمعاصي الله، فيلقي الله له البغضَ في قلوب المؤمنين".

قال ابن رجب: "ومِنْ أعجب ما رُوي
في هذا ما رُوي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيبٌ أبو محمد تاجراً
يَكْرِي الدراهمَ، فمرَّ ذات يوم، فإذا هو بصبيان يلعبون، فقال بعضهم
لبعض: قد جاء آكِلُ الربا، فنكس رأسه، وقال: يا ربِّ، أفشيت سرِّي إلى
الصبيان، فرجع فجمع ماله كُلَّه ، وقال: يا ربِّ إنِّي أسيرٌ، وإني قد
اشتريتُ نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح، تصدَّق بالمال كلّه وأخذ
في العبادة، ثم مرَّ ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض:
اسكتوا فقد جاء حبيبٌ العابد".

وأختم المقالة بحديث رسولنا صلى
الله عليه وسلم، فعند ابن ماجة عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه ، عَنْ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا
مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ
جِبَالِ تِهَامَةَ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً
مَنْثُورًا». قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا،
جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. قَالَ:
«أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ
مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا
بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا».



[/center]



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 16:52


الثلاثية الحادية والثلاثون الكفارات
عَنِ
ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم: «ثَلاثٌ كَفَّارَاتٌ: انْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ،
وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ، وَنَقْلُ الأَقْدَامِ إِلَى
الْجَمَاعَاتِ». رواه الطبراني في المعجم الكبير.

المراد بالكفارات: كفارات الذنوب والآثام.
في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي
الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا
أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ
الدَّرَجَاتِ»؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِسْبَاغُ
الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ،
وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ».

الكفارة الأولى: انتظار الصلاة بعد الصلاة
وأصل الرباط الحبس على الشيء، كأنه
حبس نفسه على هذه الطاعة. والمراد أنه نوع من أنواع الرباط، وهو متيسر
لكل أحد، بخلاف المرابطة في الثغور، ورباط الثغور لا يعدله شيء، لكن من
أنواع الرباط: انتظار الصلاة بعد الصلاة.

ومن كان في انتظار الصلاة فإنه في صلاة:
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال أحدكم في صلاة
ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة». وللبخاري:
«إنَّ أحدَكم في صلاةٍ ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تقول: اللهم اغفر
له، اللهم ارحمه. ما لم يقم من مصلاه أو يحدث».

وقال صلى الله عليه وسلم:
«الْقَاعِدُ يَرْعَى الصَّلَاةَ كَالْقَانِتِ، وَيُكْتَبُ مِنْ
الْمُصَلِّينَ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ
إِلَيْهِ» رواه أحمد.

وإن الله ليباهي ملائكته بأهل الرباط في المساجد:
قال عبد الله بن عَمْرٍو رضي الله
عنهما: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَغْرِبَ،
فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ، وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَس –جهده-، وَقَدْ
حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: «أَبْشِرُوا، هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ
فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ،
يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ
يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى» رواه ابن ماجة.

وانتظار الصلاة بعد الصلاة يكتبه الله في عليين:
فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله
عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «صَلَاةٌ فِي
إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ» رواه أبو
داود.

الكفارة الثانية: إسباغ الوضوء في السبرات.
معنى إسباغ الوضوء: إتمامه.
والسبرات جمع سَبْرة، والسَّبْرة: الغداة الباردة.
وفي رواية عند مسلم: «على المكاره».
فلابد هنا من أمرين: إسباغ الوضوء، وأن يكون إسباغه على الكريهات، والمراد أن يكون على حالةٍ يشق على النفس فيها الوضوء.
ومما يحمل على ذلك تذكر فضل
الوضوء، ومن ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ
فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا
بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا
غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا
يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ
رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ
أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ
الذُّنُوبِ»رواه مسلم.

والأحاديث التي بين فيها نبينا صلى
الله عليه وسلم أن إسباغ الوضوء كفارة للخطايا كثيرة، منها حديث عثمان
رضي الله عنه ، لما توضأ وأسبغ الوضوء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: «من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه،
وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة»رواه مسلم.

ومنها: «ما من عبد يتوضأ فيحسن
الوضوء، فيغسل وجهه حتى يسيل الماء على ذقنه، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل
الماء على مرفقيه، ثم غسل رجليه حتى يسيل الماء من كعبيه، ثم يقوم فيصلي
إلا غفر له ما سلف من ذنبه» رواه الطبراني.

وإسباغ الوضوء من الإيمان بالله:
فعن أبي مالك الأشعري رضي الله
عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ
شَطْرُ الْإِيمَانِ» رواه ابن ماجة. وهو من الأدلة الكثيرة على أن الإيمان
قول وعمل.

الكفارة الثالثة: َنَقْلُ الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ
المراد كما في رواية أخرى: «كثرة الخطا إلى المساجد».
صلاة الجماعة واجبة على الرجل،
وإثبات الفضل للشيء لا يدل على عدم وجوبه كما يظن بعض الناس، بل الفضل
والأجر في الواجب أكثرُ منه في المندوب، قال الله تعالى في الحديث القدسي:
(وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب([1]) إليَّ مما افترضته عليه) رواه البخاري.

ودليل وجوبها حديث أبي هريرة رضي
الله عنه في الصحيحين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ
هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى
مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ».

ولولا أن الصلاة في جماعة واجبةٌ لما همَّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
وأجر الجماعة مضاعف، قال صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» رواه البخاري ومسلم.
والصلاة في جماعة يعجب الله منها، قال صلى الله عليه وسلم: « إن الله تبارك وتعالى ليعجب من الصلاة في الجمع» أحمد.
وإدامة المحافظة على صلاة الجماعة
وإدراكها من أولها أربعين يوما وقاية من النار ومن النفاق.. فعن أنس بن
مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى لله
أربعين يوما في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من
النار، وبراءة من النفاق» رواه الترمذي.

وثبت في صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ
بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أنه قَالَ: خَلَتْ الْبِقَاعُ حَوْلَ
الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ
الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ
لَهُمْ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا
قُرْبَ الْمَسْجِدِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ
أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ
آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ».

قال ابن مسعود رضي الله عنه :
"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى
هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ
لِنَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ
سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا
يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ
نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ. وَمَا
مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى
مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ
خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ
عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً. وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا
إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى
بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ" رواه
مسلم.

يهادى: يَمْشِي بَيْنهمَا مُتَّكِئًا عَلَيْهِمَا يَتَمَايَل إِلَيْهِمَا.




الثلاثية الثانية والثلاثون دعوات نبي الله سليمان عليه السلام
عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله
عليه وسلم قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ
بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ،
وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ
هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا
خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. أَمَّا اثْنَتَانِ
فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ
الثَّالِثَةَ» رواه ابن ماجة.

أول ما يستفاد من هذا الحديث
المبارك أنَّ باني المسجد الأقصى سليمانُ عليه السلام، لكن جنح المحققون
من أهل العلم إلى أن إبراهيم عليه السلام هو أول من بناه، ثم بناه سليمان
بناءً أعظمَ من البناء الأول. فالمسجد الحرام أولُ مسجد بُني، قال تعالى:
}إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين{. وقد كان بناؤه على يد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، قال تعالى: }وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل{.
وبعده بُني المسجد الأقصى، فقد سأل أبو ذر رضي الله عنه رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ؟
قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ:
«الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى». قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ:
«أَرْبَعُونَ سَنَةً» أخرجه الشيخان.

وهذا عهد إبراهيم عليه السلام، قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (الفتاوى 27/351): "فالمسجد الأقصى كان
في عهد إبراهيم عليه السلام, لكن سليمان عليه السلام بناه بناءً عظيمًا,
فكل من المساجد الثلاث بناه نبي كريم ليصلي فيه هو والناس".

الدعوة الأولى: السداد في الحكم
فمعنى «حكما يوافق حكمه»، أي: يوافق حكم الله ولا يعارضه، سأل سداداً وتوفيقاً في القول، وقد أكرمه الله تعالى بذلك، قال سبحانه: }وَدَاوُدَ
وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ
غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا
سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ
الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
{.

قال السعدي رحمه الله (التفسير ص
78): "واذكر هذين النبيين الكريمين داود وسليمان، مثنيا مبجلا، إذ آتاهما
الله العلم الواسع والحكم بين العباد، بدليل قوله:
}إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ{"

فقوله تعالى: }وكلاً{، أي: داود وسليمان عليهما السلام }آتينا حكماً وعلماً{،
أي: بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام، قال الحسن البصري رحمه الله: "لولا هذه
الآية لرأيت أنّ الحكام قد هلكوا، ولكن الله حمد هذا بصوابه، وأثنى على
هذا باجتهاده".

الدعوة الثانية: الملك العظيم
قال تعالى: }وَلَقَدْ
فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ
أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ
مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ* فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ
تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَاب* وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ
بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ* وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ* هَذَا
عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
{.

قوله: } وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ{،
أي: ولقد ابتلينا سليمان وألقينا على كرسيه شق وَلَد، وُلِد له حين أقسم
ليطوفنَّ على نسائه، وكلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن
شاء الله، فطاف عليهن جميعًا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد،
}قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ{
رجع سليمان إلى ربه وتاب، قال: رب اغفر لي ذنبي، وأعطني ملكًا عظيمًا
خاصًا لا يكون مثلُه لأحد من البشر بعدي، إنك- سبحانك- كثير الجود والعطاء.
}فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ{: فاستجبنا له، وذللنا الريح تجري بأمره طيِّعة مع قوتها وشدتها حيث أراد. }والشياطين كلَّ بناء وغواص{: وسخَّرنا له الشياطين يستعملهم في أعماله: فمنهم البناؤون والغوَّاصون في البحار. }وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ{: وآخرون وهم مردة الشياطين، موثوقون في الأغلال. }هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{: هذا المُلْك العظيم والتسخير الخاص عطاؤنا لك يا سليمان، فأعط مَن شئت وامنع مَن شئت، لا حساب عليك" ا.هـ من التفسير الميسر.

هاتان الدعوتان حققهما الله تعالى
لسليمان عليه السلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا اثْنَتَانِ
فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ
الثَّالِثَةَ».

الدعوة الثالثة: ألا يَأْتِيَ
المسجد الأقصى أحد لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ
مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ

وقد كان بعض الصحابة إذا دخل
الأقصى لم يشرب الماء فيه؛ مبالغة في تمحيص نية الصلاة، فإن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: «لا يريد إلا الصلاة فيه».

وهذا يدل على فضل المسجد الأقصى.
ومن فضائله:
أنه مسجد مبارك، وأن أرضه مباركة، قال تعالى:}سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ
{.

وبركة الشام والأقصى تتضح من أمور:
وفرة الماء، وكثرة الثمار والزروع، وخصوبة الأرض، وكونها مهاجرَ الأنبياء، ومسرى رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأرضَ الرباط والجهاد.
ومن فضائل الأقصى: أنه القبلة الأولى التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليها. قال تعالى: } وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه{.
ومنها: أن الله توعد بالعذاب من صد الناس عنه، فإن هذه الآية: }ومن أظلمُ ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين{ نزلت في بختنصر([1])
الذي خرَّب بيت المقدس وبقي مخربا إلى زمان عمر رضي الله عنه ، وتبقى
الآية عامة لتتناول بوعيدها كل من صد عن بيوت الله ومنع فيها ذكر الله.

ومن فضائله: أنه من المساجد التي
يشرع شد الرحال إليها، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تُشَدُّ الرحال إلاّ
إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا, والمسجد الحرام, والمسجد الأقصى» رواه
الشيخان، وسيأتي الحديث عن ذلك في ثلاثية أخرى بإذن الله.

ومنها: أن الصلاة فيه مضاعفة. فعن
أبي ذر رضي الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم أيهما أفضل: أمسجد رسول الله أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «صلاةٌ في مسجدي أفضل من أربع صلواتٍ فيه، ولنعم المصلى هو،
وليوشكن أن يكون للرجل مثلُ شَطَنِ فرسه من الأرض حيث يرى منه بيتَ المقدس
خيرٌ له من الدنيا جميعا» رواه الحاكم.

والصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف صلاة، وهذا يدل على أن الصلاة في الأقصى بمائتين وخمسين صلاة.
وأما حديث «صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي بألف صلاة، وفي بيت المقدس بخَمْسِمائة صلاة» فضعيف لا يصح.
ومن فضائله: أن دولة الإسلام في
آخر الزمان تكون عنده، لحديث أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قال
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ
رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ
أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِه،ِ فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فَعُمِدَ بِهِ إِلَى
الشَّامِ، أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ»
رواه أحمد.

وعمود الكتاب: دولة الإسلام كما قال أهل العلم.
ومن فضائله: أن أهله يثبتون عند الفتن، فهم أهل الرباط والجهاد.
فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله
عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ
طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ
قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ
مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ كَذَلِكَ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: «بِبَيْتِ
الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».




الثلاثية الثالثة والثلاثون عاقبة الرياء
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ
الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ [ثلاثة]: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ،
فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ:
قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ
قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ
فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.

وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ
وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ
فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ
وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَبْتَ،
وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ
الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ
فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.

وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ،
وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ
نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا
تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ
فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ
جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ
أُلْقِيَ فِي النَّارِ». رواه مسلم، وما بين المعكوفتين للنسائي.

دل هذا الحديث العظيم على وجوب الإخلاص، وكل عمل لا يمكن أن يكون صالحاً إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط:
الشرط الأول: الإيمان بالله. فإن الكافر لا يقبل عمله. قال تعالى: }وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ{، وقال: }وَالَّذِينَ
كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً
حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ
فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
{.

الشرط الثاني: أن يراد به وجه الله. فمن عمل ولم يخلص، أو أراد بعمله الدنيا، لم ينتفع بعمله. قال تعالى: }وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ{. وقال: }مَنْ
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ
يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ
مِنْ نَصِيبٍ
{.

الشرط الثالث: متابعة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» رواه
الشيخان. وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ
أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» رواه مسلم.

ولذلك قال الفضيل بن عياض رحمه الله في تأويل قول الله تعالى: }الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً{:
أحسنه: أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وما أصوبه؟ فقال: إن
العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابالم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا
لم يقبل.

هؤلاء الثلاثة في هذا الحديث قاموا بأجلِّ الأعمال..
فالقتال في سبيل الله من أحب الأعمال إلى الله تعالى، قال الله: }إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ{.
وتعلم العلم وتعليمه من أفضل
الأعمال، قال الإمام أحمد رحمه الله: "طلب العلم لا يعدله شيء إذا صحت
النية". والله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يستزيد من شي إلا من
العلم، قال تعالى:
}وقل رب زدني علماً{. والله يقول: }يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{.
هذا في تعلم العلم. أما التعليم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ
اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى
النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ
النَّاسِ الْخَيْرَ» رواه الترمذي.

والإنفاق من أعظم القربات، قال صلى
الله عليه وسلم: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ
الْمَاءُ النَّارَ» رواه أحمد والترمذي.

لكن لما لم تكن النية لله عذبهم الله بهذه الأعمال.
ولذلك الله الله في الإخلاص.
وسيأتي الحديث عن الإخلاص مستوفيا
في ثلاثية أخرى، عند الكلام على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ
لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ،
وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ» رواه
الترمذي.

وفي الحديث: أن الرياء محبط للعمل.
قل الجرجاني رحمه الله: "الرياء: ترك الإخلاص في العمل بمراعاة غير الله فيه" (التعريفات، ص 119).
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم
في غير ما حديث عن الرياء.. ففي صحيح ابن خزيمة ثبت عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال: «يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر». فقالوا: يا رسول الله
وما شرك السرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته جاهدا؛ لما يرى من
نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر».

والمرائي لا حظَّ له في الأجر:
كما هو الحال في هذا الحديث. ففي
مسند الإمام أحمد، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ
بِالسَّنَاءِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ وَالنَّصْرِ وَالرِّفْعَةِ
فِي الدِّينِ، وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا
فَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ».

والمرائي مفضوح في الآخرة:
ففي الصحيحين، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ
سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ». قال
العلماء: أي يُفضح في الآخرة. ويؤيد هذا حديث الطبراني، عن معاذ بن جبل
رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يقوم في
الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة».

والمرائي مخذول، يتخلى الله عنه:
ففي صحيح الإمام مسلم، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ
عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي
تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».

وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه ،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشركُ
الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء. يقول الله
عز وجل -إذا جُزِيَ الناسُ بأعمالهم*-: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في
الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء » رواه أحمد.

وفي سنن البيهقي قال ابن عباس رضي
الله عنهما: "من راءى بشيء في الدنيا من عمله وكله الله إليه يوم القيامة،
وقال: انظر هل يغني عنك شيئا".

وفي الإحياء (3/ 296) "يقال: إن
المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي، يا غادر، يا خاسر، يا
فاجر. اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، فلا أجر لك عندنا"

فما هي النعم التي عرَّفها الله لهؤلاء؟
أما المجاهد فعرفه نعمة الشجاعة، وأما المنفق فنعمة المال، والمعلم عرفه نعمة العلم.
والإخلاص من الأمور العزيزة التي
تحتاج إلى طول مجاهدة. ومما يوضح نية الرياء أمور ذكرها علي رضي الله عنه
بقوله: " للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في
الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه وينقص إذا ذم" (الإحياء 3/ 296).

وأقبح أنواع الرياء أن ترائي بما لم تعمل!
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "كانوا يراءون بما يعملون، وصاروا اليوم يراءون بما لا يعملون" (الإحياء: 3/296).
أي: يتشبع الإنسان بما لم يعط رياءً.
وفي الحديث عدم الاتكال على رحمة
الله؛ فإن هؤلاء وقعوا في الشرك الأصغر ولم يغفر لهم، وعُذبوا بذنبهم،
فحسن الظن أن يحسن الإنسان العمل ويرجوا رحمة ربه، والغرور: إساءة العمل
والاتكال على رحمة الله.





‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 16:55



[center]الثلاثية الرابعة والثلاثون ثلاث وصايا لأبي هريرة رضي الله عنه
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله
عليه وسلم بِثَلَاثٍ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ،
وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ» رواه
الشيخان.

قول أبي هريرة رضي الله عنه :
أوصاني خليلي، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما النبي صلى الله
عليه وسلم فلم يتخذ من أصحابه خليلاً، قال صلى الله عليه وسلم: *«لَوْ
كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا،
وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدْ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا» رواه البخاري ومسلم.

وبهذا نعلم أن الأولى أن يقال:
النبي صلى الله عليه وسلم خليل الله، هذه أبلغ من قولهم: حبيب الله؛ فإن
الخُلَّة أقوى درجات المحبة. قال الشاعر لمعشوقته:

قدْ تخلَّلتِ مسلك الرّوحِ منّي وبذا سُمِّيَ الخليلُ خَليلا
ولهذا يُقال: إن الله يحب المتقين،
ولا يُقال: خليلهم؛ فالخلة أعلى من المحبة، ولا نثبتها إلا في حق إبراهيم
ونبينا عليهما الصلاة والسلام.

وهذا الحديثان لا تعارض بينهما،
فالخلة لها جانبان؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتخذ خليلا من أمته، أما
كل واحد من الأمة فيجب عليه أن يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خليلاً،
فيقدمه بحبه على كل أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ
أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ
والناسِ أجمعين» متفق عليه.

ووصية النبي صلى الله عليه وسلم لصحابي من أصحابه وصية للأمة كلها، ودليل ذلك قول الله سبحانه: }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا{.
بل إن الخطاب في القرآن إذا توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن
أمَّته داخلةٌ فيه ما لم يدل الدليل على غير ذلك، ولذلك قال تعالى:
}يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ{.

الوصية الأولى: صيام ثلاثة أيام من كل شهر
وهذا يعدل صوم الشهر كله؛ فإن
الحسنة بعشر أمثالها. فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،
عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قال الله عز وجل: إِذَا هَمَّ
عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ
عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ،
وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ،
فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً» رواه الشيخان.

والصوم من أسباب النجاة من النار،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ
النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» رواه البخاري ومسلم. وعن أبي أمامة الباهلي
رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَامَ
يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ
خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» رواه الترمذي.

وهو من أسباب دخول الجنة، قال نبي
الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ
الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا
يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟
فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا
أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ » رواه البخاري ومسلم. ولمَّا جاء
أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: يَا
رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ له:
«عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عَدْلَ لَهُ» رواه أحمد.

وقد ندب النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى صوم الاثنين، والخميس، والست من شوال، ويوم عرفة، وتاسوعاء، وعاشوراء، إلى غير ذلك..
الوصية الثانية: صلاة الضحى
ويكفي لبيان فضل هذه الصلاة حديث
أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ
قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ
تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ
صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ
صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ
رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى» رواه البخاري ومسلم.

والسلامى: المَفصل. وفي الإنسان
ثلاثمائة وستون مفصلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فِي الْإِنْسَانِ
ثَلَاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ
كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ». قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا
نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا،
وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنْ الطَّرِيقِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَرَكْعَتَا
الضُّحَى تُجْزِئُكَ» رواه أبو داود.

ومن حاول أن يتصور نفسه بدون مفاصل كيف تكون حياته يعلم عظيم نعمة الله عليه بها.
وهذا الحديث من أدلة من قال باستحباب مداومة صلاة الضحى خلافا لمن قال: يَغِبُّ بها.
وأقل الضحى ركعتان، ولا حدَّ لأكثرها على الصحيح.
ولو صلاها أربعاً فأكثر لكان خيرا
عظيماً، ففي سنن الترمذى، عن أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ابْنَ آدَمَ،
ارْكَعْ لِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَكْفِكَ
آخِرَهُ». أي: أكفك من كل سوء.

وقد سمَّاها النبي صلى الله عليه
وسلم صلاة الأوابين، وبداية وقتها إذا ارتفعت الشمس قدر رمح، وأفضله عند
حرارة الشمس قبل أن تنتصف في السماء.

الوصية الثالثة: الوتر
حكم الوتر سنة مؤكدة، وقد كان
النبي صلى الله عليه وسلم يداوم عليه في السفر والحضر. قال علي رضي الله
عنه : الوتر ليس بحتم كصلاة المكتوبة، ولكن سن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقال: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن» رواه أبو
داود.

وقوله: «إن الله وتر»: واحد؛ ذاتاً وصفةً وفعلاً.
وأقل الوتر ركعة، قال صلى الله عليه وسلم: «من شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة» رواه الحاكم.
وهذه الخمس والثلاث إن شاء صلاها بقعود واحد وتسليمة واحدة، وإن شاء سلم بين كل ركعتين، وهو الأفضل.
ووقت الوتر من صلاة العشاء الآخرة
إلى طلوع الفجر، والأفضل آخر الليل لمن طمع أن يقوم آخره، وإلا أوتَرَ
أوله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل
فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل
مشهودة محضورة، وذلك أفضل» رواه مسلم.






الثلاثية الخامسة والثلاثون ثلاث جمل تُذهِب الكرب
عَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم كَانَ يدعو عِنْدَ الْكَرْبِ يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ
الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ، وَرَبُّ
الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» رواه الشيخان.

الكلمة الأولى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ
معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.
وإنما جيء بكلمة (بحق) لأربع آيات في كتاب الله:
الأولى: }ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ (الحج: 6).
الثانية: }ذَلِكَ
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ
الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
{ (الحج: 62).

الثالثة: }ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{ (لقمان: 30).
الرابعة: }يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ{ (النور: 25).
وحذف خبر لا النافية للجنس سائغ في لغة العرب، قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة:
وشاع في ذا الباب إسقاطُ الخبر إذ المرادُ معْ سقوطه ظهر
فهناك آلهة عبدت من دون الله، ونحن نقول: لا إله إلا الله؛ لأن ما عبد من دون الله فإنما عُبد بالباطل.
ولو صَدَقنا في هذه الكلمة لما صرف
أحد شيئا من العبادة لغير الله، إن من الغريب أن يقول أحد هذه الكلمة ثم
يدعو الشيخ فلان أن يرزقه الذرية، أو أن يخاف من شيخه خوف السر الذي لا
يصلح إلا لله، فلو طلب منه أن يحلف بشيخه -وكان كاذبا- لم يجرؤ على ذلك،
ولو طلب منه أن يحلف بالله لحلف به يميناً مغلظةً ألف مرة وهو كاذب. هذا هو
الشرك الأكبر، ليس الحلف بالله كاذباً؛ ولكن الخوف من غير الله بهذه
الطريقة.

وقد ورد اسمان من أسماء الله في هذه الجملة: العظيم، والحليم.
العظيم: الذي لا شيء يعظم عليه، هو صاحب العظمة والكبرياء، قال تعالى: }وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ (الجاثية: 37). أي: يعظمه أهل السماء وأهل الأرض.
الحليم: الذي يؤخر العقوبة مع القدرة. قال تعالى: }وَلَوْ
يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا
مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا
جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا
{ (فاطر: 45).

الكلمة الثانية: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
من المحتمل أن يكون العظيم نعتا لله تعالى، أو نعتا للعرش، والثاني أولى؛ لسببين:
الأول: لأن وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى في تعظيم العظيم كما قال ابن حجر رحمه الله في الفتح (11/146).
الثاني: لأننا لو جعلناه نعتا لله
فهذا تكرار لما قبله، بخلاف ما لو جُعل نعتا للعرش ففيه زيادة معنى، وحمل
الكلام على المعنى الجديد أفضل من حمله على التأكيد، وهذا معنى قول أهل
العلم: التأسيس خير من التأكيد.

وعظمة العرش يبينها حديثان:
الأول: قول نبينا صلى الله عليه
وسلم: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل
العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» ([1]).

والثاني: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ رضي الله عنهما، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ
مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ
أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» رواه أبو داود.
هذا ملك واحد من الذين يحملون العرش، فكيف بالمحمول؟!

الكلمة الثالثة: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
قال ابن كثير رحمه الله في التفسير
(5/490): "الكريم: الحسن البهي. فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع
والعلو، والحسن الباهر؛ ولهذا قال من قال: إنه من ياقوتة حمراء".

وأما إذا كان الكريم نعتا لله تعالى فمعناه: المعطي تفضلاً.
في هذا الحديث قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، فأين الدعاء؟
الدعاء هو الذكر، فكل الذكر دعاء، قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الدعاء الحمد لله» رواه الترمذي.
ولذا قال أمية ابن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جُدْعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إنَّ شيمتَك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومـا كفاه عن تعرِّضِه الثنـاء



الثلاثية السادسة والثلاثون ثلاثةٌ أَقسم عليهن نبينا صلى الله عليه وسلم
عن
أبي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيُّ رضي الله عنه ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ
عَلَيْهِنَّ -وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ-: مَا نَقَصَ مَالُ
عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ. وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا
إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا. وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ
إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» رواه أحمد والترمذي.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«ثلاثة» والمراد بها خصال، لأن التنوين في الكلمة تنوين عوض، والمعروف أنّ
العدد ثلاثة يخالف المعدود في التذكير والتأنيث، فلماذا لم يقل النبي صلى
الله عليه وسلم: ثلاث وقال: ثلاثة، ما دام أن المعدود خصال؟

الجواب: أن المعدود إذا حذف جاز
الوجهان في العدد. ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم
أتبعه ستاً من شوال» رواه مسلم. والمحذوف أيام، ولم يقل ستةً؛ لأن المعدود
إذا حُذف جاز الوجهان من التأنيث والتذكير في العدد.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقسم عليهن». هذا يدل على جواز الحلف من استحلاف.
وفائدة هذا القسم التأكيد، وهو يحمل
على قبول الكلام والحرص على الوصية. والقسم قليل في حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فإن الله تعالى ندب إلى ذلك، قال تعالى:
}واحفظوا أيمانكم{ (البقرة: 89). والمراد من هذه الآية ثلاثة أمور:

الأول: الإقلال من الحلف.
الثاني: عدم الحنث إذا حلفت.
الثالث: التكفير عند الحنث.
ونبينا صلى الله عليه وسلم هو
الصادق المصدَّق المصدوق من غير حلف، وإنما أقسم صلى الله عليه وسلم؛
حرصاً على أمته، لحملهم على العمل بهذه الأمور.

وجملة: «وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ» جملة معترضة.
الأمر الأول: ما نقصَ مالٌ من صدقة
المراد من ذلك أمران:
الأول: أجر الآخرة. وأضرب مثالاً:
أرأيت لو كان لأحد داران، فحول متاعه من الدار الأولى إلى الدار الثانية،
هل نقص متاعُه أم تغيَّر مكانُه؟ الثاني هو الصحيح. فكل من تصدَّق فإنما
عمَّر آخرته بصدقته. ومن فعل ذلك بارك الله له فيما بقي من ماله فيُجبَرُ
بذلك هذا النقصُ الحسي، هذا معنى الحديث. وقد كان بعض السلف إذا رأى
السائل قال: "مرحباً بمن جاء يحول مال دنيانا إلى أُخرانا".

الثاني: العِوض في الدنيا، بجانب أجر الآخرة. وقد دلت الأدلة على ذلك، أذكر منها آية وحديثين:
أما الآية فقول الله تعالى: }وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ{
(سبأ:39). قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (6/523): "أي: مهما أنفقتم
من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي
الآخرة بالجزاء".

وأما الحديثان فحديث أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ
يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا
خَلَفًا. وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» متفق
عليه.

ونصيحتي لنفسي ولإخواني: أن نحظى كل
يوم بهذه الدعوة المباركة.. كيف ذلك؟ بأن نتصدق يومياً، ومما يسهل علينا
ذلك أن يجعل أحدنا في بيته عُلبة يضع فيها كلَّ يوم قبل أن يخرج للعمل
شيئاً ولو يسيراً، عاهد نفسك أن تضع كل يوم فيها شيئاً من المال وإن كان
قليلا، فمن أدام ذلك أصابته دعوة الملكين الكريمين كل يوم.

وأما الحديث الثاني: فعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ –ثم َقَالَ صلى
الله عليه وسلم-: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ،
سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ
خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ»؟ متفق عليه.

وفي الحديث القدسي إشكال:
الأول يتبيَّنُ بمعرفة معنى
الإنفاق، فالإنفاق:إخراج المال من اليد، ومنه: نفق البيع، أي: خرج من يد
البائع إلى المشتري. ونفقت الدابة: خرجت روحُها. ونفق الزاد: فني. فأنفق
إذ نفد جزءٌ من ماله، فكيف نثبت هذا بالنسبة لله وما عند الله لا ينفد؟
الجواب: إنما قال الله: (أَنفق أُنفق عليك) من باب المشاكلة.

بقي أن يقال قبل هنا هل يجوز أن يتصدق ويريد الإنسان هذا العوض الدنيوي المنصوص عليه في الحديث؟
الجواب: لا ريب أن إرادة الإنسان
بعمله الدنيا من الشرك بالله، ولكن رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في بعض
الأعمال ببيان ما لها من جزاء في الدنيا والآخرة، كصلة الرحم، قال صلى
الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ،
وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» متفق عليه. ولو كان
حراماً التفاتُنا إلى ما ذَكر النبي صلى الله عليه وسلم من حظِّ الدنيا
لكان ذكرُه لغواً، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك. فمثل هذا يَطلب
به الإنسانُ الحسنيين، لا حرج عليه في ذلك، ولكن ليكن القصد الأسمى
والهدفُ الأعلى الآخرة.

الأمر الثاني: الصبر على المظلمة عز
قال صلى الله عليه وسلم: «وَلَا
ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ
عِزًّا». والمراد بقوله: «فصبر» أي: حبس نفسه على ألمها، ولم ينتقم من
صاحبها. والعز المشار إليه في الدارين، في الدنيا والآخرة.

أما لو انتصر لنفسه فا حرج عليه، ولكن ليس له أجر في ذلك.
في حديث آخر في صحيح مسلم، قال صلى
الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ
عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا
رَفَعَهُ اللَّهُ».

وإذا زاد الله المظلوم عزاً فإنه يزيد الظالم ذلاً.
الأمر الثالث: «وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ»
أي: لقصد الغنى والزيادة، أما من
حلت له المسألة فلا يتناوله هذا الحديث.. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ
ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ
حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ. وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ
اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا
مِنْ عَيْشٍ. وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ
مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ،
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ. فَمَا
سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا
صَاحِبُهَا سُحْتًا» رواه مسلم. وهذه ستأتي في ثلاثية قادمة بإذن الله
تعالى.

[/center]



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 16:56


الثلاثية السابعة والثلاثون ثلاثةٌ تباح لهم المسألة
عَنْ
قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ رضي الله عنه قَالَ:
تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى
تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا». قَالَ: ثُمَّ قَالَ:
«يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ
ثَلَاثَةٍ: رَجُل تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى
يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ. وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ
مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ
عَيْشٍ. وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ
ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ،
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ. فَمَا
سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا
صَاحِبُهَا سُحْتًا» رواه مسلم.

بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة:
الأول: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ
يعني: رجل يريد أن يصلح بين
طائفتين، وهذا الصلح يقتضي بذلَ مال، كما لو اعتدت طائفة على أختها فأهلكت
زرعها، أو أنفقت ماشيتها، وحتى نوجد للصلح سبيلا لابد من تحمل هذه
الخسارة، فيقوم أحد من الناس ويتكفل بهذه الخسائر، سواء استدان أو تعهد
بدفعها وإن لم يستدن، فالحَمالة الكفالة وزناً ومعنى، فهذا يعان ويعطى؛
تحقيقا للصلح بين المسلمين.

وهذا يدل على أهمية الصلح بين
المسلمين، فينبغي لكل من سمع بخصومة بين اثنين أن يصلح بينهما؛ لأن
الخصومة تقع بيننا، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ
أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ
فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» رواه مسلم. ولذا ينبغي الاهتمام بإصلاح ذات
البين، قال تعالى:
}لا
خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ
مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
{ (النساء: 114).

الثاني: رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ
كما لو سرق ماله، أو احترق، أو أخذه
لص فلم يترك له شيئا، أو جاء سيل فأغرق متاعه، أو جاء برد فأفسد زرعه
وثماره. فهذا تباح له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش. والقوام: ما يقوم
بحاجته، ويستغني به.

الثالث: رجل كان غنيا فافتقر
أي: بدون سبب ظاهر، وبدون جائحة
معلومة، فهذا له أن يسأل لكن لا يُعطى حتى يشهد ثلاثة من أهل العقول من
قومه بأنه أصابته فاقة، فيعطى حتى يصيب قواماً من عيش.

وإنما شرط الحِجى –وهو العقل-؛ تنبيها على أنه يشترط في الشاهد التيقظ.
وأما اشتراط الثلاثة فقد قالت
الحنفية: هو شرط في بينة الإعسار، فلا يقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا
الحديث. وقال الجمهور: يقبل من عدلين كسائر الشهادات سوى الزنا، وحملوا
الحديث على الاستحباب. والأولى التمسك بظاهر الحديث. قال الخطابي رحمه
الله (معالم السنن 2/58): "وليس هذا من باب الشهادة، لكن من باب التبَيُّن
والتعرُّف؛ وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات".

قوله صلى الله عليه وسلم: «ما سوى
ذلك سحت». والسحت: من سَحَتَهُ وأَسْحَتَهُ، أي: استأصلَه. والسحت هنا هو
الحرام، وسمي سحتا؛ لأنه يُسْحِت بركة المال، وربما يسحت المال كلَّه،
فيكونُ عليه آفات وغرامات تُسحت ماله من أصله.

وقد دل هذا الحديث على أمور، منها:
جواز نقل الصدقات من بلد إلى بلد آخر.
ومنها: أن الحد الذي يَنتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قوام العيش، وسداد الخُلَّة.
ومن فوائده: تحريم السؤال.
وقد كثرت الأحاديث التي حذر فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم من مسألة الناس، وبين سوء عاقبة ذلك:
فالسائل يلقى الله بشر حال.. فعن
ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال
المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مُزْعَة لحم» رواه
البخاري ومسلم.

وفي سنن أبي داود قال صلى الله عليه
وسلم: «الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ
شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ». والكدوح: آثار
الخموش.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله» رواه النسائي.
وماذا فيها؟ النار والعياذ بالله..
فعن مسعود بن عمرو رضي الله عنه
قال: جيء برجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقال: «كم ترك»؟
قالوا: ثلاثة دنانير. فقال: «ترك ثلاث كيَّاتٍ». قال الراوي: فلقيت عبد
الله بن القاسم مولى أبي بكر فذكرت ذلك له، فقال له: ذاك رجل كان يسأل
الناس تكثرا. رواه البيهقي.

وتأمل في هذا التشبيه النبوي: «من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر» رواه الطبراني في الكبير.
وفي مسند الإمام أحمد وغيره قال صلى
الله عليه وسلم: «إني لأعطي الرجلَ العطية فينطلق بها تحت إبطه وما هي
إلا النار». فقال له عمر: ولم تعطي يا رسول الله ما هو نار؟ فقال: «أبى
الله لي البخل، وأبوا إلا مسألتي».

وعند ابن خزيمة: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار».
فعلى المسلم أن يكون عفيفاً، لا يلجأ إلا إلى الله، ولا يسأل غيره..
وإن من بنود بيعة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: عدمَ المسألة..
ففي صحيح مسلم، عن عَوْفُ بْنُ
مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً
أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ»؟ -وَكُنَّا
حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ- فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ! ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ»؟ فَقُلْنَا:
قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ
رَسُولَ اللَّهِ»؟ قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ
بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى
أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ
الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا، وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا». فَلَقَدْ
رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا
يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه
قَالَ: "أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ:
بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ أَدْنُوَ مِنْهُمْ، وَأَنْ أَنْظُرَ إِلَى
مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنِّي وَلا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي،
وَأَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإِنْ جَفَانِي، وَأَنْ أُكْثِرَ مِنْ لا حَوْلَ
وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، وَأَنْ أَتَكَلَّمَ بِمُرِّ الْحَقِّ، وأن
لا تَأْخُذَنِي فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، وَأَنْ لا أَسْأَلَ النَّاسَ
شَيْئًا". رواه أحمد والطبراني.

والعفة سبب من أسباب دخول الجنة،
قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ شَيْئًا
وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ»؟ فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا. فَكَانَ لَا
يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا. رواه أحمد.




الثلاثية الثامنة والثلاثون ثلاث وصايا

عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا
أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ
إِلَّا مُؤْمِنٌ» رواه مالك، وأحمد، وابن ماجة.

الوصية الأولى: الاستقامة
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، فما هي الاستقامة؟
أُثر تعريفها عن الخلفاء الأربعة([1]) :
سئل صديق الأمة وأعظمها استقامة؛ أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال: "أن لا تشرك بالله شيئا".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب"
والمراوغة دأب اليهود؛ ففي الصحيحين
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ
-وَهُوَ بِمَكَّةَ-: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ
الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ». فَقِيلَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؛ فَإِنَّهُ يُطْلَى
بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا
النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ
الْيَهُودَ؛ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ
شُحُومَهَا جَمَلُوه([2])، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ».

وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "استقاموا: أخلصوا العمل لله".
وقال عليٌّ، وابن عباس رضي الله عنهم: "استقاموا: أدوا الفرائض".
ومعنى «لن تحصوا» قيل المراد:
فسددوا وقاربوا. فالسَّدادُ: هو حقيقةُ الاستقامة، وهو الإصابةُ في جميع
الأقوالِ والأعمال. والمقاربة: أنْ يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرض إذا لم
يُصِبِ الغرضَ نفسَه. ولكن بشرط أنْ يكونَ مصمِّماً على قصد السَّداد
وإصابة الغرض، فتكون مقاربتُه عن غير عمد.

وقيل في المعنى: أي: لن تحصوا ما لكم كم الأجر باستقامتكم. وهذا يقودنا إلى الحديث عن ثمرات الاستقامة، وهي:
الحفظ في الدنيا والآخرة، والبشارة عند الموت بعدم الخوف والحزن، والبشارة بالجنة:
قال تعالى: }إن
الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا
تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا
وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور
رحيم
{.

قال ابن كثير في التفسير (7/177): "}تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ{، قال مجاهد، والسدي، وزيد بن أسلم، وابنه: يعني عند الموت قائلين: }أَلا تَخَافُوا{، قال مجاهد، وعكرمة، وزيد بن أسلم: أي مما تقدمون عليه من أمر الآخرة، }وَلا تَحْزَنُوا{، على ما خلفتموه من أمر الدنيا، من ولد وأهل، ومال أو دين، فإنا نَخْلُفُكم فيه، }وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ{، فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير".
الوصية الثانية: الصلاة
قال صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةَ»، وهذا يتضمن الوصية بها.
والصلاة منهاة عن الآثام، قال تعالى: } إنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ{ العنكبوت: 45).
ومكفرة للذنوب، فقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ نَهْرَاً بِبَابِ أَحَدِكُمْ
يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ
دَرنهِ([3])
شَيْءٌ»؟ قالوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرنهِ شَيْءٌ. قَالَ: «فَذلِكَ مَثَلُ
الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا» (متفقٌ
عَلَيْهِ).

وفي المعجم الأوسط للطبراني رحمه
الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تبارك وتعالى ملكا ينادي عند
كل صلاة: يا بني آدم، قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم،
فأطفئوها».

وعن ابن مسعود رضي الله عنه :
أنَّ رَجُلاً أصَابَ مِن امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأتَى النبيَّ صلى الله عليه
وسلم فَأخْبَرَهُ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:
}أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ{. فَقَالَ الرَّجُلُ أَلِيَ هَذَا ؟ قَالَ «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» (متفقٌ عَلَيْهِ ).

وعن أَبي هريرة رضي الله عنه ،
أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ،
وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ
تُغشَ الكَبَائِرُ» (رواه مسلم).

وقد توعد الله في كتابه من ترك هذه
الركن العظيم، ويكفي أن تعلم أن العلماء مختلفون في تارك الصلاة هل يدفن
إذا مات في مقابر المسلمين، أم يدفن في مقابر الكافرين؟ ولا خلاف بينهم في
أنه كافر، ولكن هل كفره يخرجه عن الملة؟ هذه فيها قولان.

قال تعالى: } فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا{ (مريم:59). وهو واد في جهنم.
وقال: }فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون{(الماعون: 4-5).
قال عطاء بن يسار رحمه الله: "الويل: واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت" (تفسير ابن كثير 1/311).
وفي مسند أحمد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ
عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ
وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ
وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ».

قال ابن القيم رحمه الله: "من شغل
برئاسته فهو مع فرعون، ومن شغل بماله فهو مع قارون، ومن شغل بوزارته فهو
مع هامان، ومن شغل بتجارته فهو مع أبي بن خلف".

الوصية الثالثة: الوضوء
ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المحافظة على الوضوء.
قال المناوي رحمه الله في فيض القدير (1/636): "بإسباغه وإدامته واستيفاء سننه وآدابه".
والمراد كذلك: أن يتوضأ الإنسان كلما أحدث، وإن لم يرد الصلاة، وإن لم يكن الوقت قت صلاة.
والوضوء من الإيمان كما بينت السنة،
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الطُّهور شطر الإيمان» (رواه مسلم).
والطهور بضم الطاء: التطهر بالماء من الحدث، وأما بفتحها فهو الماء. وشطر:
نصف، وما هو المراد بذلك؟ للعلماء أقوال عديدة في هذه، ما يهمنا دلالة
الحديث على أن الوضوء من الإيمان. ولذلك نجد آية الوضوء في القرآن صُدرت
بنداء المؤمنين
}يا أيها الذين آمنوا{،
وأيما آية نادى الله فيها المؤمنين ثم أتبع نداءه بأمر فإن هذا الذي أمر
به من الإيمان بالله. والعكس صحيح، إذا صدر النهي بنداء المؤمنين فهذا يدل
على أن ارتكاب هذا النهيِّ نقص في الإيمان.




الثلاثية التاسعة والثلاثون وفد الله ثلاثة
عن
أبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ،
وَالْمُعْتَمِرُ» رواه النسائي. وعند ابن ماجة، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ
أَجَابَهُمْ، وَإِنْ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ».

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه،
وسألوه فأعطاهم» رواه البزار.

قوله نبينا صلى الله عليه وسلم: «وفد الله»: أي: قادمون عليه؛ امتثلاً لأمره. والإضافة إضافة تشريف.
الأول: الحاج
وهو من قصد البيت لأداء المناسك تعبدا لله.
والحج ركن من أركان الإسلام. قَالَ الله تَعَالَى : }وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ{ (آل عمران: 97).
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما
المتفق على صحته: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بُنِي
الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأنَّ
مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاَةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ،
وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».

وعن أَبي هريرة رضي الله عنه ،
قَالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أيُّهَا
النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُم الحَجَّ فَحُجُّوا». فَقَالَ
رَجُلٌ: أكُلَّ عَامٍ يَا رَسولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا
ثَلاثاً. فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ
لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ». ثُمَّ قَالَ: «ذَرُوني مَا
تَرَكْتُكُمْ؛ فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ
سُؤالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا أمَرْتُكُمْ
بِشَيءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَن
شَيْءٍ فَدَعُوهُ» رواه مسلم
.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استمتعوا بهذا البيت؛ فقد هُدم مرتين،
ويرفع في الثالثة» رواه البزار.

قال المناوي رحمه الله (فيض القدير 1/639): "بناه إبراهيم عليه السلام، ثم هدم فبناه العمالقة، ثم هدم فبنته قريش".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة t، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ».
وهذا التخريب غير محاولة الجيش الذي سيخسف به، ولا يقتضي انقطاع الحج كما قال ابن بطال؛ فإن عيسى في آخر الزمان سيحج.
الثاني: المعتمر
والعمرة في اللغة الزيارة. وفي الشرع: التعبد لله بالطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، والحلق أو التقصير.
وهل هي واجبة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين؛ الوجوب، والاستحباب.
الثالث من وفد الله: الغازي
والجهاد من أفضل لأعمال عند الله كما سيأتي معنا.
دل هذا الحديث العظيم على فضل هذه
العبادات: الحج، والعمرة، والغزو؛ فإن الله أضاف أصحابها إلى نفسه إضافة
تشريف. وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن دعاءهم مستجاب، وأن مستغفرهم
مغفور له.

وحسبي هنا أن أستطرد في بيان فضل الحج الذي دل عليه هذا الحديث؛ لأننا في موسمه ([1])..
فالحج نوع من الجهاد في سبيل الله:
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت:
يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ فقال: «لَا، لَكِنَّ
أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي
الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جهاد الكبير والضعيف
والمرأة: الحج والعمرة» رواه النسائي. وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ،
عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» رواه ابن
ماجة.

والحج من أفضل الأعمال:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله
ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال:
«حج مبرور» رواه البخاري ومسلم.

والحج المبرور: الذي لا معصية فيه.
والحج والعمرة والجهاد سبب لسعة الرزق:
أما الحج والعمرة فلحديث عبد الله
بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تابعوا
بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد
والذهب والفضة» رواه الترمذي.

وأما الجهاد فلقول النبي صلى الله
عليه وسلم في مسند الإمام أحمد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُعِثْتُ
بِالسَّيْفِ؛ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَه،ُ وَجُعِلَ رِزْقِي
تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ
خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».

المغفرة:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج فلم يرفُث، ولم يفسُق،
رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» رواه البخاري ومسلم.

أما الرفث فقد قال النووي رحمه الله
(شرح مسلم 9/119): "قَالَ الْأَزْهَرِيّ: هِيَ جَامِعَة لِكُلِّ مَا
يُرِيدهُ الرَّجُل مِنْ الْمَرْأَة".

ويشمل ذلك الجماع؛ لقول الله تعالى: }أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيَام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُمْ{.
والفسوق: المعصية. فالفاسق: من خرج عن طاعة الله.
وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه :
"لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ
فَلْأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ، فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: «مَا لَكَ
يَا عَمْرُو»؟ قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: «تَشْتَرِطُ
بِمَاذَا»؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ
الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ
مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ»؟
رواه مسلم.

الأجر الكبير:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ترفع إبل الحاج رجلا، ولا تضع
يدا، إلا كتب الله له بها حسنة، أو محا عنه سيئة، أو رفع بها درجة» رواه
البيهقي.

وعنه رضي الله عنه أنه قال: جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ أنصاري، فأَقْبَلَ
عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «سَلْ عَنْ حَاجَتِكَ
وَإِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ»؟ قَالَ: فَذَلِكَ أَعْجَبُ إِلَيَّ. قَالَ:
«فَإِنَّكَ جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ خُرُوجِكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ
الْبَيْتَ الْحَرَامَ , وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ؟ وَجِئْتَ تَسْأَلُ
عَنْ وُقُوفِكَ بِعَرَفَةَ, وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ؟ وَعَنْ رَمْيِكَ
الْجِمَارَ, وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ؟ وَعَنْ طَوَافِكَ بِالْبَيْتِ,
وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ؟ وَعَنْ حَلْقِكَ رَأْسَكَ , وَتَقُولُ:
مَاذَا لِي فِيهِ»؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ. قَالَ:
«أَمَّا خُرُوجُكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْبَيْتَ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ
وَطْأَةٍ تَطَأُهَا رَاحِلَتُكَ يَكْتُبُ اللَّهُ لَكَ بِهَا حَسَنَةً,
وَيَمْحُو عَنْكَ بِهَا سَيِّئَةً. وَأَمَّا وُقُوفُكَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ
اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي
بِهِمُ الْمَلائِكَةَ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا
غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي, وَيَخَافُونَ
عَذَابِي, وَلَمْ يَرَوْنِي, فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ فَلَوْ كَانَ
عَلَيْكَ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ, أَوْ مِثْلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا, أَوْ
مِثْلُ قَطْرِ السَّمَاءِ ذُنُوبًا غَسَلَ اللَّهُ عَنْكَ. وَأَمَّا
رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَإِنَّهُ مَذْخُورٌ لَكَ. وَأَمَّا حَلْقُكَ
رَأْسَكَ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَسْقُطُ حَسَنَةٌ. فَإِذَا
طُفْتَ بِالْبَيْتِ خَرَجْتَ مِنْ ذُنُوبِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ»
رواه الطبراني في الجامع الكبير.

ومن خرج من بيته يريد الحج ثم مات أجرى الله عليه أجر الحج إلى يوم القيامة:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج
إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم
القيامة، ومن خرج غازيا فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة» رواه أبو
يعلى.

ويبعث من مات في الحج ملبيا:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ
فوقصته، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ
وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثوبيه الذين أحرم فيهما، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ،
وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» رواه البخاري ومسلم.

وقصته، وأَقْعَصَتْهُ، وأَوْقَصَتْهُ: كسرت عنقه.
وأكبر كرامة نيل الجنة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t،
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ
الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» رواه الشيخان.

عَنْ جَابِرٍ t
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ». قَالُوا:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ؟ قَالَ: «إِطْعَامُ
الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ».



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 16:57



[center]الثلاثية الأربعون ثلاثة تعدل الدنيا
عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأنصاري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ
مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ
يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها».

رواه البخاري في الأدب المفرد وفي
تاريخه، والترمذي، وابن ماجة، والحميدي في مسنده، والعقيلي في الضعفاء،
وابن أبي الدنيا في القناعة، والخطيب في التاريخ، والبيهقي في الزهد،
والقضاعي في المسند.

ثلاثة أمور إذا تحققت للعبد فكأنما حيزت له الدنيا كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأمر الأول: الأمن
وقوله صلى الله عليه وسلم: «في
سربه»، المشهور بكسر السين: أي في نفسه. وقيل السرب: الجماعة، فالمعنى في
أهله وعياله. وقيل بفتح السين، أي: في مسلكه وطريقه، وقيل بفتحتين أي: في
بيته.

والصحيح أن المراد: من أصبح آمنا في نفسه.
مما يبين لنا أهمية هذه النعمة العظيمة أمور:
منها: أن الله قد قدمها على نعمة الرزق..
قال تعالى: }وَإِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ
أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ
إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
{ (البقرة : 126)، وبدأ بالأمن قبل الرزق لفائدتين:

الأولى: لأنَّ استتباب الأمن سبب
للرزق، فإذا شاع الأمن واستتبَّ ضرب الناس في الأرض، وهذا مما يدر عليهم
رزق ربهم ويفتح أبوابه. ولا يكون ذلك إذا فُقد الأمن.

الثانية: لأنه لا يطيب طعام، ولا يُنتفع بنعمة رزق إذا فقد الأمن.
والأمن مطلب عام لجميع الناس,
فإبراهيم عليه السلام يدعو الله أن يحقق هذه النعمة لموطنه. ويوسف عليه
السلام يطلب من والديه دخول مصر مخبراً باستتباب الأمن بها:
} فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ { (يوسف: 99). ولمَّا خاف موسى أعلمه ربه أنه من الآمنين ليهدأ رَوْعه، وتسكنَ نفسه: }
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ
وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ
إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
{ (القصص: 31).

ومما يدل على أهمية هذه النعمة : أنَّ رسولنا صلى الله عليه وسلم
كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُمَّ
أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ
وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وترضى. رَبُّنَا وَرَبُّكَ
اللَّهُ» رواه الترمذي، والدارمي.

ومن ذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم
لما رحم أهل مكة يوم فتحها ذكرهم بما ينالون به الأمن؛ مما يدل على
أهميته لدى المؤمنين والكافرين، فقال : «من دخَل دارَ أبي سفيان فهو آمن،
ومن ألقَى السّلاحَ فهو آمن، ومن دخل المسجدَ فهو آمن» رواه مسلم.

وهل أدل على أهمية هذه النعمة من أنَّ العبادات لا يتأتى الإتيان بها على أكمل صورها إلا بنعمة الأمن؟ فالصلاة قال الله فيها: }حَافِظُواْ
عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ
* فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ
فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
{
(البقرة: 238-239). ومن شروط وجوب الحج: الأمن. فإذا وجد الإنسان نفقة
الحج ولم يكن الطريق إليه آمناً فلا يجب عليه الحج قولاً واحداً، قال الله
تعالى:
}فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ{ (البقرة: 196).

الأمر الثاني: العافية
لو اجتمع عندك مال قارون ولم يمن
الله عليك بالعافية لما كان لك من سبيل إلى التمتع بهذا المال. ولذلك يجب
على الإنسان أن يشكر ربه، كم من إنسان لا يستطيع مغادرة فراشه بعدم
العافية؟ كم من إنسان مريض بفشلٍ في الكلى لا يستطيع أن يرتوي من الماء؟
ومع ذلك تجد أحدنا في كامل قوته وعافيته فإذا سألته عن حاله شكا ربه
لعباده، وهذا من أكبر الخذلان والعياذ بالله. قل الحمد لله وأكثر من ذلك،
فوالله لو ظل أحدنا ساجدا منذ خرجه من بطن أمه إلى يوم موته لما كافأ نعمة
واحدة من أنعم الله عليه.

في سنن الترمذي أن أبا بكر الصديق
رضي الله عنه قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: قَامَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْأَوَّلِ
عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: «اسْأَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ
وَالْعَافِيَةَ؛ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا
مِنْ الْعَافِيَةِ».

وقال صلى الله عليه وسلم لعمه العباس رضي الله عنه : «يا عم، أكثر الدعاء بالعافية» أخرجه الطبراني.
وعند البزَّار عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم مبتلين، فقال: «أما كان هؤلاء يسألون العافية» ؟!
والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يكن
يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في
الدنيا والآخرة، اللهم أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي،
اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن
يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي([1])» رواه أبو داود.

وهنا إشكال:
في القرآن الكريم في موضعين: }ربنا أفرغ علينا صبراً{. أليس سؤال الصبر يستلزم سؤال البلاء؟ ألا يعارض هذا الندبَ إلى سؤال العافية؟
ولا تعارض بين هذا وبين الأحاديث التي ندب فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى سؤال العافية..
فالمرء قبل البلاء يسأل الله العافية، فإذا نزل البلاء كان على قسمين:
أ/ بلاء يرجى زواله، فنسأل الله تعالى عنده العافية والصبر.
ب/ وبلاء لا يرجى زواله كموت أحد، فهنا نسأل الله الصبر.
الأمر الثالث: رزق اليوم.
أي: من طعام وشراب وسائر ما يحتاج إليه من أدوية ونحوها.
«فكأنما حيزت»: أي ضمت وجمعت. «له الدنيا بحذافيرها» أي: بجوانبها.
فعلى المسلم أن يكثر من حمد الله
تعالى وشكره، فبهذا المعيار يكون كثير منا قد جمع الدنيا وأمثالها، فإن لم
يكن من الشاكرين فإن الله يقول:
}وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ{ (إبراهيم:7).




الثلاثية الحادية والأربعون فضلنا على الناس بثلاث
عَنْ
حُذَيْفَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ:
جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا
الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا
لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ، وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت
العرش، لم يعطها نبي قبلي» رواه مسلم، وأحمد، والنسائي.

في صحيح مسلم لم يذكر الآيتين من
سورة البقرة، وعلى هذا تكون الثلاثة: «جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ
الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا،
وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ».

من هم الذين فُضِّلنا عليهم؟ الأمم السابقة.
بماذا فضلنا؟ بثلاث خصال..
الخصلة الأولى: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة..
والمراد بذلك الصفوف في الصلاة. والله تعالى قال عن الملائكة: }وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ{،
أي: نقف صفوفًا في الطاعة. وقد ثبت عن العلاء بن سعد رضي الله عنه، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أطَّت السماء وحُقّ لها أن تَئِطّ، ليس
فيها موضع قَدَم إلا عليه ملك راكع أو ساجد». ثم قرأ:
}وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ{ رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق.

والأَطيطَ: صوتُ الرحل والإِبلِ من ثِقلِ أحماله.
وأقسم الله بقوله: }وَالصَّافَّاتِ صَفًّا{. وهم الملائكة تصف في عبادتها صفوفًا متراصة.
فهذه الخصلة اختُصت بها هذه الأمة، أنهم يكونون صفوفاً في الصلاة..
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم
لأصحابه: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عندَ ربها»؟ فقالوا: يا رسول الله،
وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قالَ: «يتمون الصفوف الأولى، ويتراصون في
الصف». فلابد من مراعاة هاتين المسألتين في الصلاة..

المسألة الأولى: إتمام الصف الأول ثم الأول..
فعن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ
صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» رواه النسائي.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من سد فرجة بنى الله له بيتاً في الجنة، ورفعه بها درجة» أخرجه المحاملي في الأمالي.
وهنا أُشير إلى خطأ شائع لدى بعض
إخواننا: أنه إذا جاء أحدهم ولم يجد فرجة في الصف جرّ إليه من يقف معه!
هذا خطأ، وأما ما يروى من أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل صلى خلف الصف
وحده: «ألا دخلت في الصف؟ أو جذبت رجلا صلى معك؟ أعد الصلاة» فهو ضعيف جدا
كما قرره الألباني رحمه الله، قال في الضعيفة: "وإذا ثبت ضعفُ الحديث فلا
يصحُّ حينئذ القولُ بمشروعية جذب الرجل من الصف ليصف معه؛ لأنه تشريع بدون
نص صحيح، وهذا لا يجوز بل الواجب أن ينضم إلى الصف إذا أمكن، وإلا صلى
وحده وصلاته صحيحة. وكذلك لو حضر اثنان وفي الصف فرجة، الراجح أن سدَّ
الفرجة واجب ما أمكن، وإلا وقف وحده. أما حديث وابصة بن معبد أن النبي صلى
الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد. فهو صحيح
رواه أبو داود. وهو محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام إلى الصف
وترك فيه فرجة، وبهذا قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله. انظر ارواء
الغليل الحديث 541، ص 329"(السلسلة الضعيفة 2/322).

والمسألة الثاني: تسوية الصفوف.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن
مالك رضي الله عنه ، أنه قالَ: أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بوجهه، فقالَ: «أقيموا صفوفكم، وتراصوا؛ فإني أراكم من
وراء ظهري». قال أنس: وكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ
صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ.

والتراص: هوَ التضام، والتداني، والتلاصق. ومنه قوله تعالى: }إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ{ (الصف:4).
وفي هذا دليل على أن الإمام يُستحب له أن يقبل على المأمومين بعد إقامة الصلاة، ويأمرَهم بتسوية صفوفهم.
وروى مالك في الموطأ عن نافع، أن عمر رضي الله عنه كانَ يأمر بتسوية الصفوف، فإذا أخبروه أنها قد استوت كبر.
الخصلة الثانية: وَجُعِلَتْ لَنَا
الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا
إِذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ

في رواية: «فأينما أدركت أحداً من
أمتي الصلاة فعنده مسجده». إلا فيما ثبت النص بعدم صحة الصلاة فيه، فقد
ثبت النهي عن الصلاة في المقبرة، والحمام، وأعطان الإبل، وكذلك الموضع
المغصوب، والنجس؛ لاشتراط الطهارة لبدن المصلي وثوبه وبقعته.

وكذلك من عدم الماء أو ضرّه
استعماله فله العدول إلى التيمم بجميع ما تصاعد على وجه الأرض، سواء
التراب الذي له غبار أو غيره، كما هو صريح هذا الحديث مع قوله تعالى:
}فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ{ (المائدة:6), فإن الصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض من جميع أجزائها.

ويدلّ هذا الحديث على أن التيمم
ينوب مناب طهارة الماء، ويفعل به ما كان يفعله بالوضوء، من الصلاة والطواف
ومس الصحف وغير ذلك. والشريعة أنابت التراب مناب الماء عند تعذر
استعماله، وهذا يدل على أنه إذا تطهر بالتراب ولم ينتقض وضوؤه لم يبطل
تيممه بخروج الوقت، ولا بدخوله، وأنه إذا نوى التيمم للنفل استباح الفرض
كطهارة الماء، وأن حكمه حكم الماء في كل الأحكام في حالة التعذر.

الثالثة: «وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي»
وقد ورد في فضل هاتين الآيتين عدد من الأحاديث ..
من ذلك: ما ثبت عند الترمذي عَنْ
النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم قَالَ : «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ،
خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ
لَيَالٍ فَيَقْرَبُهَا شَيْطَانٌ». فإذا قرأت هاتين الآيتين في بيتك ثلاث
ليال لم يقرب بيتَك شيطان .

ومن أحسن ما ورد في فضلهما قول
نبينا صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ
آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».

والمراد : من كل سوء . قال ابن حجر
رحمه الله في الفتح (9/56) :" «كَفَتَاهُ»: أَيْ أَجْزَأَتَا عَنْهُ مِنْ
قِيَام اللَّيْل بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: أَجْزَأَتَا عَنْهُ عَنْ قِرَاءَة
الْقُرْآن مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ دَاخِل الصَّلَاة أَمْ خَارِجهَا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَجْزَأَتَاهُ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالِاعْتِقَادِ؛
لِمَا اِشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان وَالْأَعْمَال إِجْمَالًا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ كُلّ سُوء. وَقِيلَ: كَفَتَاهُ شَرّ
الشَّيْطَان. وَقِيلَ: دَفَعَتَا عَنْهُ شَرّ الْإِنْس وَالْجِنّ. وَقِيلَ:
مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مَا حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِهِمَا مِنْ الثَّوَاب عَنْ
طَلَب شَيْء آخَر. وقَالَ النووي مَا نَصُّهُ: قِيلَ: مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ
مِنْ قِيَام اللَّيْل، وَقِيلَ مِنْ الشَّيْطَان، وَقِيلَ مِنْ الْآفَات،
وَيُحْتَمَل مِنْ الْجَمِيع".





الثلاثية الثانية والأربعون ثلاث دعوات نبويات
عَنْ
أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزِّنا.
فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه! فقال صلى الله عليه وسلم: «ادن»،
فدنا منه قريباً، قال: «أتحبه لأمك»؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك.
قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبه لابنتك»؟ قال: لا والله
يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال:
«أفتحبه لأختك»؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه
لأخواتهم». قال: «أفتُحبه لعمتك»؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال:
«ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أفتحبه لخالتك»؟ قال: لا والله جعلني
الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». فوضع صلى الله عليه وسلم
يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه». فلم يكن بعد ذلك
الفتى يلتفت إلى شيء. رواه أحمد في المسند.

هذه ثلاث دعوات نبويات مباركات دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب..
الدعوة الأولى: اللهم اغفر ذنبه
والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه.
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه عزم على فعل الفاحشة، ولأنه
تكلم أمام رسول الله رضي الله عنه بما لا يليق، ولأنه بشر لابد أن يكون
له ذنب، ولأنه صلى الله عليه وسلم أراد العفاف له، وسبيل ذلك بطهارة القلب
ومغفرة الذنب؛ فللذنوب شؤم عظيم على أصحابها تحرمهم من نيل كل خير.

الدعوة الثانية: وطهر قلبه
ومناسبة هذه الدعوة: أن حب الفاحشة
تمكن من قلبه، ولذا استأذن لها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فناسب أن
يدعو له بطهارة القلب.. والمراد من الشهوات. فالمعنى: نزه قلبه عن حب
الفاحشة.

الدعوة الثالثة: وحصن فرجه
وهذا دعاء له بالعفة، وأن يوفق لمنع إعمال فرجه في الحرام.
هذا الحديث دليل على فوائد، منها:
بركة أسلوب الإقناع، وهو أسلوب نبوي، فهؤلاء الصحابة لما زجروا هذا الشاب دعا به النبي صلى الله عليه وسلم وحاوره وأقنعه.
منها: كريم أخلاق النبي صلى الله
عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يُر معلمٌ أفضل منه. وتأمل هذه
القصة التي حدث بها أنس بن مالك رضي الله عنه .. قال أنس رضي الله عنه
بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :مَهْ مَهْ. فقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«لَا تُزْرِمُوهُ([1]
دَعُوهُ». فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ :«إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا
تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ
لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ».
فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ([2]) عَلَيْهِ. رواه البخاري ومسلم.

وعند أهل السنن أنّ الأعرابي قال :
اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا .
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :«لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا».
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ
النَّاسُ إِلَيْهِ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ
:«إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ،
صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ» رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

أهم فائدة هنا: عظيم أثر الدعاء في
تحقيق العفاف.. ولو أن كل امرئ تحركت الشهوة فيه وتلاعب الشيطان بخطراته
وفكره أعمل هذا الحديث برجوعه إلى نفسه بهذه الأسئلة، وبدعاء الله أن يطهر
قلبه ويحصن فرجه لسادت العفة مجتماعتنا، ولكان الطُّهرُ عنوان أمتنا.

وهذا الأمر دلت عليه كثير من الأدلة الشرعية..
منها: أن يوسف عليه السلام لما دعته امرأة العزيز لجأ إلى باب الدعاء ..
قال تعالى: }وَرَاوَدَتْهُ
الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ
وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ
مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
{ (يوسف: 23).

قال أبو السعود رحمه الله :" أي :
أعوذ بالله معاذاً مما تدعينني إليه، وهذا اجتناب منه على أتم الوجوه،
وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص
منه"(تفسير أبي السعود : 4/265)

ويوضح القرآن الكريم شدة تعوذه بالله من هذه الجريمة بكلمة واحدة جرت على لسان صاحبة القصة }فاستعصم{.
"أي: امتنع طالباً للعصمة ، وهو بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ،
والتحفظ الشديد، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها" (تفسير أبي
السعود : 4/265)

ولما رأى يوسف عليه السلام الإصرار
الشديد على طلب النسوة وشغفهن به دعا مرة أخرى، وزاد من تمسكه بحبل نجاته
من كربه وعنائه، فقال:
}رَبِّ
السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ
عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ
{ (يوسف: 33).

ومما يوضح أثر الدعاء في تحقيق
العفاف أن مريم عليها السلام عندما ظنت أن جبريل عليه السلام – وقد تمثل
في صورة بشر – يريد بها سوء استعاذت ودعت لصيانة نفسها منه:
}قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا{ (مريم: 18).

ومن الأدلة أن سارة زوج إبراهيم
عليه السلام – كما ثبت في الصحيحين النبي صلى الله عليه وسلم - لما دخلت
على طاغية وذهب يتناولها بيده، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك
وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر، فأُخذ. فقال: ادعي الله
ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية فأُخذ مثلها أو أشد، فقال:
ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق. فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني
بإنسان إنما أتيتموني بشيطان. فأخدمها هاجر فأتته وهو يصلي ، فأومأ بيده
مَهْيَم([3])؟ قالت: رد الله كيد الكافر نحره وأخدم هاجر.

ولهذا كله كان من هدي نبينا صلى
الله عليه وسلم الدعاء بالعفة، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى، والتقى،
والعفاف، والغنى» رواه مسلم.

وعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم
رجلاً دعاءً فقال له: «قل: اللهم إني أعوذ بك من شرِّ سمعي، ومن شرِّ
بصري، ومن شرِّ لساني، ومن شرِّ قلبي، ومن شرِّ منيي» رواه أبو داود.

ومعنى الحديث :" تعوذ من أن يغلب
المني عليه حتى يقع في الزِّنا أو في مقدماته ، يعني: من شر فرجه، وغلبة
المني عليه؛ حتى لا يقع في الزِّنا، والنظر إلى المحارم " (عون المعبود :
2/286).












[/center]



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الأربعاء 30 مايو - 16:58

الثلاثية الثالثة والأربعون ثلاثة تشتاق لهم الجنة
عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتَاقُ إِلَى
ثَلَاثَةٍ: عَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَسَلْمَانَ» رواه الترمذي، وهو حسن
بمجموع طرقه كما في صحيح الجامع.

مثل هذه الأحاديث الواجب على
المسلم أن يمرها على ظاهرها، فيؤمن بما قاله رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فالجنة تشتاق إلى ثلاثة ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث،
ولا نقول: المقصود أنهم من أهل الجنة، فبالغ في بيان ذلك حتى قال: إن الجنة
تشتاق إليهم. ولا نقول: المراد اشتياق أهل الجنة، من الحور والغلمان
والملائكة. الذي أوجد هؤلاء وأمكنهم من الاشتياق لقادر على أن يوجد ذلك في
الجنة. يقول العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله –في تفسيره لسورة الكهف
في الآية:
}فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ{-
"أي: أنه مائل يريد أن يسقط، فإن قيل: هل للجدار إرادة؟ فالجواب: نعم له
إرادة، فإن ميله يدل على إرادة السقوط، ولا تتعجب إن كان للجماد إرادة فها
هو "أُحُد" قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم إنه: «يُحِبُّنَا
وَنُحِبُّهُ»، والمحبة وصف زائد على الإرادة، أما قول بعض الناس الذين
يجيزون المجاز في القرآن: إنَّ هذا كناية وأنه ليس للجماد إرادة فلا وجه
له".

ويقول العلامة القرآني الشنقيطي
رحمه الله في الآية نفسها: "هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل
بها القائلون: بأن المجاز في القرآن. زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا
يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز. وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا
مانع من كون إرادة الجدار حقيقة، لأن الله تعالى يعلم أنّ للجمادات
إراداتٍ وأفعالاً وأقوالاً لا يدركها الخلق، كما صرح تعالى بأنه يعلم من
ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا:
}وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ{
(الإسراء: 44)، فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم، وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم
يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة.

فمن الآيات الدالة على ذلك: قوله تعالى: }وَإِنَّ
مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ
مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا
لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
{
(البقرة: 74). فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل
واضح في ذلك. لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه. وقوله
تعالى:
}إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا
الْأِنْسَانُ...
{
(الأحزاب: 72). فتصريحه جل وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت أي
خافت، دليل على أن ذلك واقع بإرادة وإدراك يعلمه هو جل وعلا ونحن لا
نعلمه.

ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما
ثبت في صحيح مسلم: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعرف حجراً
كان يسلم علي بمكة». وما ثبت في صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب
عليه صلى الله عليه وسلم جزعاً لفراقه. فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجذع
كلاهما بإرادة وإدراك، يعلمه الله ونحن لا نعلمه، كما صرح بمثله في قوله:
}وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ{
(الإسراء: 44)، وزعْمُ من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها وإنما
هي ضَرْبُ أمثال زعم باطل؛ لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن
معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوعُ إليه. وأمثال هذا كثيرة
جداً. وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن
يكون الله علم منه إرادة الانقضاض، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة، وهذا
واضح جداً كما ترى" (أضواء البيان: 3/339).

فالجنة تشتاق، وأهلها يشتاقون لهؤلاء الثلاثة، وسأذكر لكل واحد شيئاً يسيرا من المناقب
أولهم: علي بن أبي طالب
وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها.. لم يسجد لصنم قط..
في الصحيحين لما خَرَجَ النبي صلى
الله عليه وسلم إِلَى تَبُوكَ اسْتَخْلَفَ عَلِيًّا رضي الله عنه ،
فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ فقَالَ له صلى
الله عليه وسلم: «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ
هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي». وهذه
منقبة عظيمة لعليٍّ رضي الله عنه .

وفيهما عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يحب الله ورسوله، ويحبه
الله ورسوله، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ». قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ
يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ
النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ
بْنُ أَبِي طَالِبٍ»؟ فَقَالُوا: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ
اللَّهِ. قَالَ: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأْتُونِي بِهِ». فَلَمَّا جَاءَ
بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ
بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ
عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى
الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ
فِيهِ؛ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا
خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ».

وفي صحيح مسلم، قَالَ عَلِيٌّ رضي
الله عنه : "وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ
لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا
مُنَافِقٌ".

وهو ممن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ.
وقبل أن أغادر علياً رضي الله عنه
إلى غيره اذكر بمقالة لابن كثير رحمه الله، قال: "وقد غلب هذا في عبارة
كثير من النساخ للكتب، أن يفرد علياً رضي الله عنه بأن يقال: "عليه
السلام" من دون سائر الصحابة، أو"كرم الله وجهه"، وهذا وإن كان معناه
صحيحا، لكن ينبغي أن يُسَاوى بين الصحابة في ذلك؛ فإن هذا من باب التعظيم
والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان بن عفان أولى بذلك منه، رضي الله
عنهم أجمعين" (تفسير القرآن العظيم: 6/478-479).

وأما الثاني: فعمار بن ياسر رضي الله عنه
وأمه سمية مولاة بني مخزوم، من كبار الصحابيات رضي الله عنها..
وأول من أعلن إسلامه من الناس ستة: أبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، رضي الله عنهم.
وأول شهيدة في الإسلام أمه سمية طعنها أبو جهل لعنه الله بحربة في قبلها فقتلها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
لآل ياسر وهم يعذبون: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» رواه أبو نعيم
الأصبهاني في معرفة الصحابة.

ولما عذَّبه المشركون بالنار، كان
النبي صلى الله عليه وسلم يمر به، فيُمِرُّ يدَه على رأسه، ويقول: «يا
نارُ كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة
الباغية» رواه ابن سعد.

وقد نزلت هذه الآية فيه: }إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان{ كما قال قتادة رحمه الله. قال ابن حجر في الإصابة: "واتفقوا على أنها نزلت في عمار رضي الله عنه ".
وذلك أنه لما أكره ذكر آلهتهم
بخير، وشكا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «كيف تجد قلبك»؟ قال:
مطمئنا بالإيمان. قال: «إن عادوا فعد» رواه الحاكم في المستدرك. وفي سنن
الترمذى، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أنه قَالَ: جَاءَ عَمَّارٌ
يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ». وفيه
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي
-وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ،
وَمَا حَدَّثَكُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ». وقال فيه: «ملئ عمار
إيمانا إلى مشاشه» أخرجه النسائي. والمُشاش: رؤوس العظام الليّنة التي
يمكن مضغُها.

وأما الثالث: فسلمان الفارسي رضي الله عنه
ويكفي لبيان فضله رضي الله عنه
ما ثبت في جامع الترمذي رحمه الله من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه
أَنَّهُ قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثُمَّ
لَمْ يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ وَكَانَ سَلْمَانُ بِجَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخِذَ سَلْمَانَ وَقَالَ: «هَذَا
وَأَصْحَابُهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ
مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ».

ومما ينسب إليه: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم.
كان رضي الله عنه حكيماً واعظاً
ذا رأي سديد، فهو الذي أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق،
ومن مواعظه: "العلم كثير، والعمر قصير؛ فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر
دينك، ودع ما سواه فلا تعانه".

وفي صحيح البخاري لما آخى النبي
صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء رضي الله عنهما، زار سلمان أبا
الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلَةً([1])
فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ
لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ،
فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ:
مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ
ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ. ثُمَّ ذَهَبَ
يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ
سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ
لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ
عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ سَلْمَانُ».

فرضي الله عن عليٍّ وعمارٍ وسلمانَ وسائر الصحب الكرام.



الثلاثية الرابعة والأربعون أعيادنا
عَنْ
عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ
التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ
وَشُرْبٍ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي.

هذه ثلاثة أعياد تضمنها هذا الحديث الشريف..
فمن أعيادنا: يوم عرفة
ويم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو يوم عظيم له فضائله ووظائف..
أما فضائله:
فقد أقسم الله به في موضعين من كتابه:
قال تعالى :} وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ{ (البروج: 1-3).
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم -مفسراً هذه الآية- :«الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ
الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ
يَوْمُ الْجُمُعَةِ» رواه الترمذي.

وقال سبحانه :} وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ{(الفجر: 1-3).
قال ابن كثير رحمه الله (تفسير
القرآن العظيم: 8/390): " قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة؛ لكونه
التاسع، وأن الشفع يوم النحر؛ لكونه العاشر. وقاله ابن عباس، وعكرمة،
والضحاك أيضاً".

وهو يوم إكمال الدين :
فعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ
قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ
تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ
لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا . قَالَ : أَيُّ آيَةٍ ؟ قَالَ:
}الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا{.
قَالَ عُمَرُ : قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي
نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَائِمٌ
بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ" أخرجه الشيخان.

وهو يوم المباهاة
فالله تعالى يباهي بأهل الموقف
ملائكته. ثبت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله
عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ :«إِنَّ اللَّهَ
عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ
عَرَفَةَ، فَيَقُولُ : انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا
غُبْرًا» رواه أحمد.

قال ابن عبد البر رحمه الله :" وهذا يدلُ على أنهم مغفورٌ لهم لأنه لا يباهي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغفران والله أعلم" .
وأما وظائفه فخمسٌ:
الأولى: صومه.
وصيامه يكفر سنتين. قال نبينا صلى
الله عليه وسلم:«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ
يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» رواه
مسلم. وفي لفظ له : أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صَوْمِ يَوْمِ
عَرَفَةَ فَقَالَ:«يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ».

وهذا لغير الحاج. قال الإمام مسلم
في صحيحه: "بَاب اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ
عَرَفَةَ مسلم" ، ثم أورد حديث أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ رضي
الله عنها: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي
صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ
صَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ
بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ.
رواه الشيخان.

أما حديث نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرف بعرفة فضعيف.
وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما
قال: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصم يوم عرفة، وحججت مع
أبي بكر فلم يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا
لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه"رواه عبد الرزاق في المصنف.

وفي المصنف أيضاً قال عطاء رحمه الله: "من أفطر يوم عرفة ليتقوى به على الدعاء كان له مثل أجر الصائم".
من وظائفه: الدعاء
فعن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ
أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُ
الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا
وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا
شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ» رواه الترمذي.

قال في تحفة الأحوذي (8/482): "«خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ»؛ لِأَنَّهُ أَجْزَلُ إِثَابَةً وَأَعْجَلُ إِجَابَةً".
فلو لم يكن الدعاء فيه مستجاباً لما كان خير الدعاء .
ومنها: التكبير .. وهو قسمان :
مطلق، وهذا يكون في العشر كلها،
ومقيد بدبر الصلوات، وهذا يكون لغير الحاج من فجر عرفة إلى آخر أيام
التشريق، وللحاج من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق.

ولا بأس من أن يكون التكبير
جماعياً. قال الإمام الشافعي رحمه الله- في التكبير في الفطر- :" فإذا
رأوا هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى"(الأم:1/462).

فلماذا التحق يوم عرفة بأيام
العيد؟ قال ابن تيمية رحمه الله: وإنما يكون يوم عرفة عيدا لأهل عرفة
لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار فإنما يجتمعون يوم النحر فكان هو يومَ
عيدهم".

ومن أعيادنا: يوم النحر.
وهو اليوم العاشر من ذي الحجة. وهو
أعظ أيام الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويسمى بيوم الحج
الأكبر؛ لأن معظم أعمال الحج تقع فيه، من الوقوف عند المشعر الحرام بعد
الفجر، ورمي جمرة العقبة، والذبح، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة،
والسعي بين الصفا والمروة.

ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أيام التشريق:
أيام التشريق هي الأيام الثلاثة
التي تكون بعد عيد الأضحى، فالحادي عشر: يوم القر، والثاني عشر يوم النفر
الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني. وتسمى بأيام منى لأن الحجاج يكونون
فيها بمنى. وهي الأيام المعدودات التي ذكر الله في كتابه، وهي الأيام
المعلومات على قول بعض المفسرين. والصحيح أن المعلومات العشر من ذي الحجة.
وسميت بأيام التشريق من تشريق لحم الهدي، وتشريق اللحم تقديده. وأعظم
فائدة دل عليها هذا الحديث أن لكل قوم عيداً، فلا يجوز للمسلم أن يشارك
الكافرين في أعيادهم.




الثلاثية الخامسة والأربعون التقوى والذكر والتوبة
عَنْ
مُعَاذ بن جبل رضي الله عنه ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
أَوْصِنِي. فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ،
وَاذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وشَجَرٍ، وَمَا عَمِلْتَ مِنْ
سُوءٍ فَأَحْدَثْ لِلَّهِ فِيهِ تَوْبَةً؛ السِّرُّ بِالسِّرِّ،
وَالْعَلانِيَةُ بِالْعَلانِيَةِ» رواه الطبراني في المعجم الكبير، وهو
حديث حسن لغيره.

الذي يلاحظ في وصايا رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن كلماتها معدوداتٍ، وعباراتِها قصيرة، وينبغي على
الداعية إلى الله أن يلتزم هذا الهدي النبوي.

ثبت في الصحيحين أن ابن مسعود رضي
الله عنه كان يذكِّر الناس كلَّ يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد
الرحمن إنَّا نحبُّ حديثَك ونشتهيه، ولَودِدْنا أنَّك حدَّثتنا كلَّ يومٍ،
فقال: ما يمنعني أنْ أحدِّثكم إلا كراهةَ أنْ أُمِلَّكم؛ إنَّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يتخوَّلُنا بالموعظة كراهة السآمة علينا.

قال ابن رجب رحمه الله: "والبلاغةُ
في الموعظة مستحسنةٌ؛ لأنَّها أقربُ إلى قَبولِ القلوب واستجلابها،
والبلاغةُ: هي التَّوصُّل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب
السامعين بأحسنِ صُورةٍ مِنَ الألفاظ الدَّالَّة عليها، وأفصحها وأحلاها
للأسماع، وأوقعها في القلوب. وكان صلى الله عليه وسلم يقصر خطبته ولا
يُطيلُها، بل كان يُبلِغُ ويُوجِزُ" (جامع العلوم والحكم ص 28).

وثبت في صحيح مسلم عن جابر بنِ
سمُرة رضي الله عنه قال: كنتُ أُصلِّي معَ النَّبيِّ صلى الله عليه
وسلم، فكانت صلاتُه قصداً، وخطبته قصداً. ورواية أبي داود: كان رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم لا يُطيلُ الموعظةَ يومَ الجمعة، إنَّما هنَّ كلماتٌ
يسيرات.

وخرَّج مسلم من حديث أبي وائل قال:
خطبنا عمارٌ فأَوْجَزَ وأَبْلغَ، فلما نزل قلنا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ
لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ[1]؟
فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ
مَئِنَّةٌ[2] مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا».

وعن الحكم بن حزْن قال: شَهِدْنَا
الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ
وَأَثْنَى عَلَيْهِ، كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّبَاتٍ مُبَارَكَاتٍ، ثُمَّ
قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا كُلَّ مَا
أُمِرْتُمْ بِهِ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا» رواه أبو داود.

أول وصية: تقوى الله حسن الوسع والطاقة
قال له صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ». وقد قال تعالى: }فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{ (التغابن: 16).
والتقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بامتثال أمره، واجتناب نهيه.
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله:
"بلغني أنّ رجلا من بعض الفقهاء كتب إلى ابن الزّبير رضي اللّه عنهما
يقول: ألا إنّ لأهل التّقوى علاماتٍ يُعرفون بها، ويَعرفونها من أنفسهم:
من رضي بالقضاء، وصبر على البلاء، وشكر على النعماء، وصدق في اللسان، ووفّى
بالوعد والعهد، وتلا لأحكام القرآن" (جامع الأصول: 11/ 703، 704).

والتقوى هي وصية الله تعالى للناس أجمعين، للأولين والآخرين، قال تعالى: }وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ{ (النساء: 131).
ونصوص القرآن والسنة طافحة بذكر ما للمتقين من النعيم المقيم عند رب العالمين.
الوصية الثانية: «وَاذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وشَجَرٍ»
في المراد من ذلك قولان لأهل العلم:
الأول: أنه صلى الله عليه وسلم أشار بالشجر إلى الحضر، وبالحجر إلى السفر، أي: اذكره حضراً وسفراً.
الثاني: أن المراد في الشدة والرخاء، فالحجر عُبِّر به عن الجدب حال الشدة، وبالشجر عن الرخاء.
وعلى كلا القولين فقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم من معاذ أن يذكر الله على كل أحواله..
والذكر من أيسر العبادات، ومع هذا نغفل عنه كثيراً، أسأل الله أن يصلح أحوالنا..
وأهم ما يذكر به عند الحث على ذكر الله أن ذكر الله يفضي إلى الفلاح في الدارين: قال تَعَالَى: }وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرَاً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (الجمعة : 10).
ولا يمكن أن يتحقق فلاح إلا بأمرين :
- النجاة من المرهوب.
- وتحقق المرغوب. وهذا كله في ذكر الله.
ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي
الله عنه أنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ
لَهُ جُمْدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ
الْمُفَرِّدُونَ». قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ» (مسلم). قال في
فيض القدير: "أي المنفردون المعتزلون عن الناس، من فرد إذا اعتزل وتخلى
للعبادة" (فيض القدير 4/ 122).

الوصية الثالثة: وَمَا عَمِلْتَ
مِنْ سُوءٍ فَأَحْدَثْ لِلَّهِ فِيهِ تَوْبَةً؛ السِّرُّ بِالسِّرِّ،
وَالْعَلانِيَةُ بِالْعَلانِيَةِ

قال المناوي رحمه الله (فيض
القدير: 4/438): "أشار إلى عجز البشرية وضعفها، كأنه قال إنك إن توقيت
الشر جهدك لا تسلم منه، فعليك بالتوبة إلى ربك والرجوع إليه حسب الإمكان،
«السر بالسر والعلانية بالعلانية» أخبر أن الشر الذي يعمل ضربين: سراً
وجهراً، فالسر فعل القلب، والعلانية فعل الجوارح، فيقابل كل شئ بمثله".

إذا انحرف قلبه شغله بطاعة، لو خطرت له معصية بقلبه تفكر في قدرة الله، هذه توبة السر. وإذا عصى بجوارحه أحسن بها.
ويدخل في هذا التوجيه النبوي: أن
من دعا إلى بدعة في صحيفة أو بعض وسائل الإعلام فإن توبته لا تكون تامة
إلا إذا صحح خطأه في ذات الوسيلة، لا يمكن أن يطبع ضال كتابا ينفي فيه
عذاب القبر، وينفي نزول المسيح عليه السلام، وينكر فيه حد الردة، ثم يتوب
بينه وبين نفسه. لا، لابد من البيان، كما نشرت باطلك في كتاب أو صحيفة أو
فضائية فلابد إذا من الله عليك بالهداية أن تصحح هذا الخطاء في ذات
الوسائل التي انتشر بها الباطل.

وقد قال تعالى: }إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى
مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ
يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ
تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
{ (البقرة: 159-160).

فتوبة الكاتمين للعلم لا تكون إلا بثلاثة شروط:
الأول: التوبة؛ وهي الرجوع عما حصل من الكتمان.
الثاني: الإصلاح لما فسد بكتمانهم؛ لأن كتمانهم الحق حصل به فساد.
الثالث: بيان الحق غاية البيان. وبهذا تبدل سيئاتهم حسنات.
فإذا كان هذا من كتم حقاً، فأولى بهذا البيان من نشر باطلاً.

وان شاء الله نكمل غدا بقية الاجزاء



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الخميس 31 مايو - 18:38


الثلاثية السادسة والأربعون اليمن في ثلاث
عن
مِخْمَرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا شُؤْمَ، وَقَدْ
يَكُونُ الْيُمْنُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ،
وَالدَّارِ» رواه الترمذي وابن ماجة.
أول فائدة يستفيدها المسلم من هذا الحديث تحريم التشاؤم.
قال تعالى عن اليهود الذين كفروا بنبينا صلى الله عليه وسلم: }وَإِنْ
تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ
حَدِيثًا{ (النساء: 78). وقال عن الكافرين من قوم موسى عليه السلام: }
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ
سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا
طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ{ (الأعراف: 131).
قال صديق حسن
خان رحمه الله: "وبالجملة: التطير من عمل أهل الجاهلية المشركين، وقد ذمهم
الله تعالى به، ونهاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه، وأخبر أنه
شرك" (الدين الخاص: 2/144).
وعن أبي هريرة
رضي الله عنه ، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «لَا عَدْوَى،
وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ» رواه الشيخان.
والمراد من نفي
العدوى نفي تأثيرها إلا أن يشاء الله، فالمريض لا يستقل بنقل مرضه، وإنما
الأمر لله، وبهذا يزول الإشكال إذا علمنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم
أمر بالفرار من المجذوم بقوله في صحيح البخاري: «فر من المجذوم فرارك من
الأسد». فالأمراض لا تعدي بنفسها كما يعتقده أهل الجاهلية، وإنما قد يحدث
ذلك ولكن بأمر الله.
والطيرة:
التشاؤم، والطيرة: التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم. مثال المرئي: طائر
البوم. ومثال المسموع: سماع صوت شخص معين. ومثال المعلوم التشاؤم ببعض
الأزمنة. وقد كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم حاجة زجر الطير، فإذا طار
ذات اليمين أقدم، وإن طار ذات الشمال أحجم. وهذا سفه في العقل! وما أدري
ماذا يصنعون إذا طار لأعلى، أو اختلف مسار طيرهم!!
والمراد من نفي
الهامة: طير معروف، تزعم العرب أنه إذا قتل القتيل فإن هذه الهامة تأتي
إلى أهله، وتنعِق على رؤوسهم حتى يأخذوا بثأره.
والمراد بنفي صفر الشهر المعروف؛ فقد كان العرب يتشاءمون به.
قال ابن القيم
رحمه الله: "وهذا يحتمل أن يكون نفياً، وأن يكون نهياً، أي: لا
تطَيَّروا... والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك
وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه" (مفتاح دار السعادة:
3/280).
ومن الأحاديث
المحرمة للتشاؤم حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «الطيرة شرك»- ثلاثاً- ثم قال ابن مسعود: "وما
منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أبو داود، والترمذي.
قال البيهقي
رحمه الله: "قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: يريد -والله تعالى أعلم-
الطيرة شرك على ما كان أهل الجاهلية يعتقدون فيها، ثم قال: «وما منا إلا»
يقال: هذا من قول عبد الله بن مسعود وليس من قول النبي صلى الله عليه
وسلم، وقوله: وما منا إلا وقع في قلبه شيء عند ذلك على ما جرت به العادة
وقضت به التجارب، لكنه لا يَقِرُّ فيه، بل يحسن اعتقاده أنْ لا مدبر سوى
الله تعالى، فيسأل الله الخير، ويستعيذ به من الشر، ويمضي على وجهه متوكلا
على الله عز وجل"(شعب الإيمان: 2/623).
وقال ابن حجر
رحمه الله: "وإنما جعل ذلك شركاً لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعاً أو يدفع
ضراً، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى"(الفتح: 10/213). فهم قطعوا توكلهم على
الله واعتقدوا أنَّ غيرَه يمكن أن يكون سببا في جلب نفع أو دفع ضر، وهذا
وهم لا حقيقة له، وتعلق بغير الله، ولهذا كانت الطيرة من الشرك بالله
والعياذ بالله.
ومن النصوص
المرهبة عن الطيرة حديث عمران بن حصين رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تَطَيَّر أو تُطُيِّر له» رواه البزار.
وهذا الحديث جوّد إسناده ثلاثة من العلماء: المنذري في الترغيب والترهيب
(4/25)، والهيثمي في المجمع (5/117)، والألباني بشواهده في غاية المرام
(289) –رحم الله الجميع-.
قال الألباني
رحمه الله: "وهذا الحديث يعطي بمفهومه أن لا شؤم في شيء، لأن معناه: لو
كان الشؤم ثابتا في شيء ما، لكان في هذه الثلاثة، لكنه ليس ثابتا في شيء
أصلا. وعليه فما في بعض الروايات بلفظ «الشؤم في ثلاثة». أو «إنما الشؤم
في ثلاثة» فهو اختصار، وتصرف من بعض الرواة. والله أعلم. وقد ثبت في مسند
الإمام عن قتادة، عن أبي حسان، قال: دخل رجلان من بني عامر على عائشة،
فأخبراها أن أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشؤم
في ثلاثة ...». فغضبت، وقالت: والذي أنزل الفرقان على محمدٍ صلى الله عليه
وسلم ما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، إنما قال: «كان أهل
الجاهلية يتطيرون من ذلك». وفي رواية لأحمد: "ولكن نبي الله صلى الله عليه
وسلم كان يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار
والدابة». ثم قرأت عائشة: }ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب{
إلى آخر الآية..."... ولعل الخطأ الذي أنكرته السيدة عائشة هو من الراوي
عن أبي هريرة، وليس أبا هريرة نفسه، فقد روى أحمد من طريق أبي معشر، عن
محمد بن قيس قال: "سئل أبو هريرة: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الطيرة في ثلاث: في المسكن، والفرس والمرأة» ؟ قال: كنت إذاً أقول على
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل! ولكن سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: «أصدق الطيرة الفأل، والعين حق». وأبو مَعْشر فيه
ضعف"اهـ.
ورواية الصحيحين: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ».
وفي رواية
الطحاوي في شرح المعاني: (2/381): «الطيرة في المرأة، والدار، والفرس». قال
الألباني: الحديث بهذا اللفظ شاذ، ففي رواية أخرى زيادة في أوله: «إن كان
الشؤم في شيء...». وهي زيادة من ثقة فيجب قبولها، لاسيما وقد جاءت من
طريق أخرى عن ابن عمر عند البخاري ولها شواهد كثيرة".
مسألة أخيرة هنا:
كيف يعالج الإنسان هذا الشعور في نفسه؟
الجواب: بأمور، منها:
صدق التوكل على
الله. أن تعلم أن كل شيء بقدر الله. الدعاء بما ورد في حديث عبد الله بن
عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ردته
الطيرة من حاجة فقد أشرك». قالوا: يا رسول الله، ما كفارة تلك؟ قال: «أن
يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» رواه
أحمد.




الثلاثية السابعة والأربعون ما يتبع الميت
عن
أنسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ
اثْنَانِ، وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ،
وَعَمَلُهُ. فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ » رواه
البخاري ومسلم.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت»، أي: يصحبه إلى قبره.
ومن الفوائد اللغوية هنا أنه إذا حُذف المعدود جاز في العدد أن يذكر أو يؤنث.
فكيف يصحب المالُ الميت؟
المراد بذلك
بعض ماله، فإنه قد يشيع بسيارته التي خلفها، وقد يكون مع ولده مال، ومالهم
ماله قبل أن يموت، وهكذا. وليس المراد أن كلَّ ماله يكون معه. وفي السابق
كان عبيد الميت يشيعونه، والرقيق مال.
وأما صحبة أهله له فواضحة.
وقد ورد في الحديث أن الميت يسمع قرع نعال أهله عند رجوعهم بعد دفنه.
وهذا الحديث يريد به النبي صلى الله عليه وسلم أن نحسن العمل..
والعمل الصالح له بركات عديدة في الدنيا، والبرزخ، والآخرة..
ففي الحياة الدنيا :
1/ يوضع القبول للصالحين في الأرض .
قال تعالى: } إِنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا{
(مريم: 96). فيُحبُّهم الناسُ بصلاحهم وقربهم من الله تعالى . وهذا
المعنى جاء ذكره في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ
صلى الله عليه وسلم قَالَ : «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى
جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ
جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ : إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ
يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ» رواه الشيخان.
2/ نيل محبة الله تعالى:
وهذا ما جاء
ذكره في الحديث السابق، وفي الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري في
صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ
آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ
إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ
إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ».
وهذه هي الغاية التي شمر لها المشمرون، وسعى لنيلها المخلصون، فأي نعيم يعدل هذا النعيم، وأي شيء أعظم من أن يحبك الله؟
3/ تكفير السيئات :
ومن منّا لا
يذنب؟ من منا لا يعصي الله؟ يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ
بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» رواه
مسلم. وليس المراد التحريض على الذنب، ولكنه حكاية واقع لا بد منه، فالذي
نلام عليه تركنا للاستغفار ونحن نذنب.
وقال عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ» رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.
لكنَّ الفرقَ
بين الصالح وغيره أن الصالح إذا أذنب لم يتماد في غيه، ولم يسترسل في ذنبه،
بل يقلع إذا ذُكِّر بالله، أما غيره بخلافه ، قال الله تعالى: }إِنَّ
الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ
تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ* وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ
فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ{ (التوبة: 201-202).
فمن بركة العمل الصالح أنّ أهله يكفر الله ذنوبهم ..
قال تعالى :} وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى{ (طه: 32). وقال: }وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ{ (المائدة: 9). وقال: }فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{ (الحج: 50).
4/ خير الخلق من يعمل بالصالحات:
فلا اعتبار للمال والجاه وكثرة الولد عند الله إذا فسد من أنعم الله عليه بذلك: }وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى{ (الليل: 11). وقال: }وَمَا
أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا
زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء
الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ{ (سبأ: 37). وقال: }وَأَمَّا
مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ
كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ
الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ{ (الحاقة: 25-29).
فكيف يتفاضل الناس عند ربهم ؟ بالعمل الصالح، وهذا من بركته ..
قال الله تعالى: } إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ{ (الحجرات: 13). وقال: }إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ{ (البينة: 7) .
5/ حفظ الله وولايته لأهل العمل الصالح:
قال تعالى :}وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ{ (الأعراف: 196). وقال: }إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ
بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ
النَّعِيمِ{(يونس: 9). وقال: }اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ{ (البقرة: 257). وقال سيد الصالحين صلى الله عليه وسلم: «احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ» رواه أحمد والترمذي.


وفي الحديث
القدسي الذي مرّ معنا: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ
بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ
الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ
الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ
سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».
6/ يحفظ الله الصالحين في ذريتهم.
وفي ذلك يقول ربنا: }وَأَمَّا
الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ
تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ
أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن
رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ
تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا{ (الكهف: 82).
فحفظ الله الغلامين بسبب صلاح أبيهما .
7/ العيش الكريم :
وليس بالضرورة
أن يكون محصوراً في المال الوفير، والعطاء الجزيل! فكم من إنسان تكدست
خزائنه بالأموال وهو من أتعس العباد في الحال والمآل؟!
ولكنها السعادة، والقناعة، وتسهيل الأمور، وراحة النفس، وانشراح الصدر، وطمأنينة القلب، قال تعالى: }مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم
بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{ (النحل: 97).
مهما حاصره
الفقر، لو قطن الجوع ببطنه لم يفارقه، لو لازمه العوز ملازمة ظلِّه، فهو
سعيد مادام من المؤمنين الصالحين، وعد الله، ومن أصدق من الله قيلاً
وحديثاً؟
8/ الاطمئنان لحظة الاحتضار:
قال تعالى: }إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ{ (فصلت: 30). قال ابن كثير رحمه الله: " } تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ{ يعني عند الموت قائلين: } أَلا تَخَافُوا{ مما تقدمون عليه من أمر الآخرة، }وَلا تَحْزَنُوا{ على ما خلفتموه من أمر الدنيا، من ولد وأهل، ومال أو دين، فإنا نخلفكم فيه، } وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ { فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير"([1]).
وأما بركة العمل الصالح في البرزخ :
فصاحبه:
1/ يفرح بمصيره:
فعن أَبي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا
الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ:
قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لِأَهْلِهَا: يَا
وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ
إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَ الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ» رواه البخاري.
2/ يسعد في قبره كما في حديث البراء الطويل.
وأما بركته في الآخرة:
1/ فأهله يخفف عليهم في الموقف:
فيوم القيامة يمر على الصالحين كما بين الظهر والعصر كما في الحديث الصحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم.
2/ وأعظم بركة ينالها الإنسان بعمله الصالح جنة الله ودار كرامته:
قال تعالى: }إِنَّ
الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ
الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا{ (الكهف: 107-108).
فيا أيها
الإخوة: أما آن لنا أن نقبل على الله؟ أما حان وقت الجد في طاعة الله؟ كم
ستبقى في هذه الحياة؟ لو ظللت ساجداً في التراب لله الوهاب عمرك كله لما
عدل ذلك ساعة في جنة الله؟ فكيف تعرض عن الله والله لم يكلفك ذلك، إنما هو
جد واجتهاد وعمل، مع مراعاة مصالح دنياك } وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ{ (القصص: 77)، إنما هو فعل للخيرات بحسب وسعك، وبعد عن المنكرات ، هل هذا محال؟ اللهم لا.
إن المشركين يندمون على شركهم وخلو صحائفهم من الصالحات:
قال تعالى: }
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ
فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي
كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا
نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم
مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا
فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ{ (فاطر: 36-37). وقال: }حتى
إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي
أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ
قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{ (المؤمنون: 99-100). وقال:}وَلَوْ
تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ
رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا
مُوقِنُونَ{ (السجدة: 12). وقال: }يَوْمَ
يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ
رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ
لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ{ (الأعراف: 53).





الثلاثية الثامنة والأربعون ثلاثة حق على الله عونهم
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ:
الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ
الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» رواه الترمذي.
والحديث حسن عند أهل العلم.
أول أمر تجدر
الإشارة إليه هنا أن على المسلم أن يعتقد أن الله يوجب على نفسه ما شاء،
ولا يوجب أحد على الله شيئا، بل الله يوجب على نفسه ما شاء؛ إذ أنه لا
سلطان لشيء على الله.
كتب الله على
نفسه أن يعين ثلاثة، وقبل أن أبدأ معهم وألج إلى شرحٍ يخصهم أقول: يؤخذ من
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حق على الله عونهم» أن العون يستمد من
الله. وهذا هو معنى ما نقوله في صلاتنا: }إياك نعبد وإياك نستعين{.
فالعون والتوفيق والسداد والرشد والهداية إلى الصواب من الله وحده. ولذلك
إذا علم المسلم هذا فينبغي عليه أن لا يتعلق قلبه إلا بربه. ولْيعلم أنّ
الله أذن له في اتخاذ الأسباب، فيتخذها ويعلم أن العون من الله مسبب هذه
الأسباب. والاستعانة عبادة كما أرشدت إليه آية سورة الفاتحة، فصرفها إلى
غير الله شرك، فمن استعان بغير الله فقد أشرك إذا استعان به في أمر لا
يقدر عليه إلا الله تعالى.
أول المعانين: المجاهد في سبيل الله.
والمراد بالجهاد أمران:
جهاد الأعداء بالسلاح.
والجهاد بالعلم.
فنشر الدين، وتعليم الناس، وإقراء القرآن، والذب على الإسلام بالرد على
شبهات أعدائه ربما يفوق الجهاد بالسلاح؛ لأن الجهاد بالسلاح يقوى عليه كل
أحد، أما هذا النوع من الجهاد فلا يقوى عليه إلا العلماء، أسأل الله أن
يبارك في أعمارهم جميعاً. كل ذلك جهاد في سبيل الله. قال تعالى: }فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا{ (الفرقان:52). وهذه الآية مكية، والمراد بها: الجهاد بالقرآن.
وقد نطقت
الأحاديث بفضل الجهاد بنوعيه، ومما يدل لذلك حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله
عنه الذي قال فيه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ؟ قَالَ: «لَا
أَجِدُهُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ
مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ»؟ قَالَ:
وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ رواه الشيخان.
وقال النبي صلى
الله عليه وسلم -جواباً على من قال له: أي العمل أفضل؟-: «إِيمَانٌ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قال: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ». قِيلَ :ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : «حَجٌّ مَبْرُورٌ» رواه
الشيخان.
وعند البيهقي قوله صلى الله عليه وسلم: «لقيام الرجل في الصف ساعة أفضل من عبادة ستين سنة».
ولا يمكن أن
يجتمع دخان جهنَّم وغبار في سبيل الله؛ لقول نبينا صلى الله عليه وسلم:
«لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ
اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» رواه الترمذي.
وفي جهاد
الدعوة جاء حديث مسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ دَعَا
إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا
يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ
كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ
ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا».
المعان الثاني: المكاتب يريد الأداء.
هذا عبد كاتب سيده على مال يريد أن يعتق نفسه به.
والكتابة قد أمر الله تعالى بها: }فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا{ (النور:33). أي: صلاحاً في تقويم دينهم ودنياهم. وقال تعالى في حق المكاتبين: }وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ{ (النور:33)، وهذا أمر للسيد ولغيره من المسلمين. وجعل الله للمكاتب حق في الزكاة بقوله: }وفي الرقاب{. وهذا من عون الله تعالى لهم.
وقد ثبت عن
النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أعم من ذلك، فقال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ
النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ
يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» رواه البخاري.
والمعان الثالث: الناكح يريد العفاف
النكاح رتب
الله عليه من الفوائد شيئاً كثيراً: عون الله، وامتثال أمر الله ورسوله،
وتحصين الفرج، وغض البصر، وتحصيل النسل، والإنفاق على الزوجة والأولاد،
فإن العبد إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له أجراً سواء كانت
مأكولاً أو مشروباً أو ملبوساً أو مستعملاً في الحوائج كلها. وهو معين
لأداء العبادات، وفيه تعاون الزوجين على مصالح دينهما ودنياهما، وبه تُحصل
الذرية الصالحة.. إلى غيرها من واوات يعسُر حصرُها..
ومما دل عليه هذا الحديث مسألتان:
الأولى: أنَّ الزواج من سبل تحقيق العفة.
وهذا أمر معلوم، والأدلة على ذلك كثيرة. قال تعالى: }وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ{
(النور:33). وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ
الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ
شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛
فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ».
قال النووي
رحمه الله: "قال العلماء: معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها؛
لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء، والالتذاذ
بنظرهن وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته
وتزيينه له. ويستنبط من هذا: أنه ينبغي لها أن لا تخرج بين الرجال إلا
لضرورة، وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها، والإعراض عنها مطلقاً"([1]).
والمسألة الثانية: أنّ من ثمرات العفة نيل معونة الله.
يتبع





‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الخميس 31 مايو - 18:41




الثلاثية التاسعة والأربعون ثلاثٌ منقِّيات مُطَهِّرات
[
عن
عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: قُلْتُ للنبي صلى الله عليه وسلم:
ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ:
فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو»؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ
أَشْتَرِطَ. قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا»؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي.
فقال صلى الله عليه وسلم: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ
مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا،
وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» رواه مسلم في كتاب
الإيمان، باب كَوْنِ الْإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا
الْهِجْرَةِ، وَالْحَجِّ.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاث كفارات ماحيات منقيات..
الكفارة الأولى: الإسلام.
ثبت في السنن
الكبرى للنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوماً كانوا قتلوا فأكثروا،
وزنوا فأكثروا، وانتهكوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا محمد،
إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو أخبرتنا هل لما عملناه كفارة؟ فأنزل
الله عز وجل: }وَالَّذِينَ
لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ
ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا
صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ
اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا والذين{ (الفرقان: 69-71).
فالمشرك إذا أسلم غفر الله له جميع ذنوبه. وهل يؤاخذ المشرك بغير الشرك؟ الجواب نعم، الكافر يؤاخذ بثلاثة أشياء:
الكفر، وترك الواجبات، وارتكاب المحرمات. قال تعالى: }كُلُّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي
جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي
سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ
الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ
بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ{ (المدثر: 38-46).
فالتكذيب بيوم
الدين كفر، وترك الصلاة والإطعام والإحسان إلى خلق الله إهمال لواجب،
وخوضهم في الباطل فعل للمحرمات، قال قتادة في قوله: }وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ{: "كلما غوي غاو غوينا معه"([1]). لكن لو قام الكافر بالطاعات فإن الله لا يقبلها إلا بعد الإسلام؛ فإن من شروط العمل الصالح: الإيمان. قال تعالى: }وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ{ (التوبة: 54).
وإذا أسلم فإن
الله يثبت له أجر ما عمله من قربات، ودليل ذلك أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ
رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ أُمُورًا
كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ هَلْ لِي فِيهَا مِنْ
شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ» رواه مسلم. وَالتَّحَنُّثُ
التَّعَبُّدُ. فهذا الحديث دل على أن أعمال البر إذا عملها الإنسان حال
كفره ثم أسلم فإن الله يثيبه عليها. وهذا من فضل الله العظيم، وما أعظمَ
فضلَ الله على عباده، الكافر إذا أسلم يمحو الله سيئاته، ويثبِّت حسناته،
والحمد لله على فضله وإحسانه.
الكفارة الثانية: الحج.
وقد مضى الحديث عنه في ثلاثية سابقة عند الكلام عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ».
الهادم الثالث للذنوب: الهجرة.
والمراد بها هنا: ترك دار الكفر إلى دار الإسلام.
وقد أمر الله بها بقوله: }يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ{ (العنكبوت: 56).
وعن الحارث
الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَأَنَا
آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: السَّمْعُ، وَالطَّاعَةُ،
وَالْجِهَادُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْجَمَاعَةُ» رواه أحمد والترمذي.
فالهجرة يكفر الله بها الذنوب والخطايا كما دل عليه هذا الحديث، والأدلة على ذلك كثيرة؛ قال تعالى: }إِنَّ
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ
ٱللَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{(البقرة:218). وقال: }فَٱلَّذِينَ
هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِى
وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ
وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَاٰرُ ثَوَاباً
مّن عِندِ اللهِ واللهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ{ (آل عمران:195). وقال: }وَٱلَّذِينَ
آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ
آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم
مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{ (الأنفال:74). وقال: }ثُمَّ
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ
جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ{
(النحل:110). ومن الأدلة حديث جَابِرٍ رضي الله عنه : أَنَّ الطُّفَيْلَ
بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ
وَمَنْعَةٍ؟ حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَأَبَى ذَلِكَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ
لِلْأَنْصَارِ. فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو
وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا([2]) الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ([3]) لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ([4])، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ([5])
حَتَّى مَاتَ. فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ
وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا
صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي؛ بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا
يَدَيْكَ؟! قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ.
فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ»
رواه مسلم.
وهنا وقفة
مهمة: إذا كان هذا في حق من هاجر من الصحابة، ولم يحفظ عنه أنه نصر دين
الله بشيء، ولم يعلم أنه جاهد، لمجرد الهجرة غفر الله له قتل نفسه. فما
ظنك بالمهاجرين، الذي نصر الله بهم الدين، وأعز بهم النبي الكريم؟ وثبت عن
سبرة بن الفاكه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين
آبائك! فعصاه فأسلم، فغفر له. فقعد له بطريق الهجرة، فقال له: تهاجر وتذر
دارك وأرضك وسماءك! فعصاه فهاجر. فقعد بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فتقاتل
فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال! فعصاه فجاهد. فمن فعل ذلك فمات كان حقا
على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن
وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة» رواه النسائي، وابن حبان في
صحيحه، والبيهقي.









الثلاثية الخمسون ثلاثٌ يُمْسَكُ عنهُنَّ
عَنْ
ثَوْبَانَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا
ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا»
رواه الطبراني في الكبير، وهو صحيح لغيره.
المراد بالإمساك عن هذه الثلاثة: الإمساك عن الخوض فيها بالباطل.
الأمر الأول الذي يمسك عنه: الصحابة.
والمراد الإمساك عن شيئين:
الإمساك عن الإساءة إليهم. والإمساك عن ذكر ما جرى بينهم من الخصومة.
كيف عرفنا ذلك؟
لأنه إما أن يكون المراد الإمساك عن ذكر الفضائل أو أن يكون المراد
الإمساك عن المساوئ، والفضائل ملأ الله بها كتابه، وإذا احتمل الأمر شيئين
فسقط أحدهما تعيّن الآخر.
أما الأمر الأول –وهو الإمساك عن سبهم- فلأن سبَّهم من كبائر الذنوب، وربما أفضى إلى الكفر والعياذ بالله.
وقد دلت آي الكتاب على أن الصحابة لا يقع فيهم إلا كافر أو منافق..
دليل الأول قول الله: }
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى
الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ
فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ
أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي
الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ
فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ
الْكُفَّارَ{ (الفتح 29).
"قال الإمام
مالك رحمه الله: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية"، ثم قال: "لقد أحسن مالك في
مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد
رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين"([1]).
وأما الدليل على أنه منافق فقول الله تعالى: }وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا
آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ
يَعْلَمُونَ{ (البقرة 13).
وفي هذه الآية ثلاث فوائد:
الأولى: أنّ سب الصحابة من سمات النفاق، فالمنافقون سفهوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، «ومن تشبه بقوم فهو منهم».
الثانية : أنّهم مؤمنون؛ لأن الله تولى الدفاع عنهم، قال تعالى: } إن الله يدافع عن الذين آمنوا{.
الثالثة: أنّ من ألصق بهم عيباً كان أحقَّ به، قال تعالى في الآية : } أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء{.
ومن الأدلة على
وجوب الإمساك عن سبهم: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا
أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ
أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ
أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» رواه البخاري ومسلم.
ومنها أنّ
النبي صلى الله عليه وسلم لعن من سب أصحابه فقال: «من سب أصحابي فعليه لعنة
الله والملائكة والناس أجمعين» رواه الطبراني، وصححه الألباني. وعلينا أن
نعلم أنّ سبَّهم قدح في الله، وفي رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي
القرآن.
قدح في الله؛
لأنه اختارهم لصحبة نبيه ولحفظ دينه. وقدح في القرآن؛ لأنهم نقلته. وقدح في
النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أصحابه من جهة، إذ كيف يَصْحَبُ مطعوناً
فيهم، ومن جهة أخرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو من زكاهم ورباهم.
ومن قدح في
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان شراً من النصارى، فالنصارى خير منهم؛
لأنهم يقولون: خير الناس الحواريون، وأولئك يقولون: شر الناس الصحابة.
والأمر الثاني: دل الحديث على وجوب الإمساك عما شجر بينهم، وعن غير ذلك من الذنوب..
قال ابن تيمية
رحمه الله في العقيدة الواسطية: " ثُمَّ الْقَدْرُ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ
فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ، نَزْرٌ، مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ
الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ؛ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ،
وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ، وَالْعِلْمِ
النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ
بِعِلْمِ وَبَصِيرَةٍ وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ
الْفَضَائِلِ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ
الْأَنْبِيَاءِ، لَا كَانَ وَلَا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمْ هُمْ
الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ
وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى".
دع ما جرى بين الصحابة في الوغى بسيوفهم يوم التقى الجمعان
فقتيلهم منهم وقاتلهــم لهـم وكلاهما في الحشر مرحومان
والله يوم الحشر ينزع كل مــا تحوي صدورهم من الأضغان
الأمر الثاني الذي يمسك عنه: النجوم.
والمراد أن نمسك عن الأمور التي لم يأت بها دليل.
قال قتادة رحمه
الله: "خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً
لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا.
فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطَأَ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ،
وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ"([2]).
ما عدا هذه الأمور علينا أن نمسك عنه.
الأمر الثالث: القدر.
والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، فما هو المراد بالإمساك عنه؟
المراد الإمساك
عن الخوض فيه بدون دليل، والجدال فيه. وقد سأل أحدهم عليا رضي الله عنه
فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر؟ قال: طريق مظلم لا تسلكه. فأعاد
السؤال، فقال: بحر عميق لا تلجه. فأعاد فقال: سرُّ الله قد خفي عنك فلا
تفتشه. وثبت عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ
وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَرِ، فَكَأَنَّمَا تَفَقَّأَ فِي
وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنْ الْغَضَبِ، فقَالَ لَهُمْ: «مَا لَكُمْ
تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بِهَذَا هَلَكَ مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ». فلا نتكلم فيه بالباطل، لكن نثبت أنه من أركان
الإيمان، ونبين مراتبه، ونرد على الجبرية والقدرية، ونرد على ما يعرض
للناس من إشكالات في أمره، أما الكلام بالباطل، وتكلف ما لا نعلمه،
والمراء فيه هذا هو الممنوع.







الثلاثية الحادية والخمسون ثلاثٌ تكلموا في المهد
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا
ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ؛ وَكَانَ جُرَيْجٌ
رَجُلًا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ
أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ
أُمِّي وَصَلَاتِي؟ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا
كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ.
فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي؟ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ،
فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي
فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي،
فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ. فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى
يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ
جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ
بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ؟ قَالَ
فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ
يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ
عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ.
فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا
يَضْرِبُونَهُ. فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ
الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ. فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا
بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ. فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ
أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ
أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي. فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ
يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ
صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا
كَانَتْ، فَفَعَلُوا. وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ
رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ
أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ابْنِي مِثْلَ هَذَا. فَتَرَكَ الثَّدْيَ
وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا
تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ –
فجعلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَحْكِي
ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ فَجَعَلَ
يَمُصُّهَا، قَالَ:- وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا
وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ سَرَقْتِ. وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ ابْنِي
مِثْلَهَا. فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ
اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ فَقَالَتْ:
حَلْقَى! مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ
ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ.
وَمَرُّوا بِهَذِهِ الْأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ:
زَنَيْتِ سَرَقْتِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهَا،
فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا؟! قَالَ: إِنَّ ذَاكَ
الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي
مِثْلَهُ. وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنِ،
وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا»
رواه مسلم.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة تكلموا في المهد..
أولهم: عيسى عليه السلام
وعيسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل، وأولو العزم هم –على المشهور- الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: }شَرَعَ
لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ
أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ{ (الشورى: 13).
وقد أخبرنا الله بما قاله في مهده، قال تعالى عن أمه: }فَأَتَتْ
بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا
فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا
كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ
مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا
أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي
بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ
وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ *مَا كَانَ لِلَّهِ
أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا
يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
{ (مريم: 27-35).


وقال تعالى عنه: }وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ{ (آل عمران: 46).
هذا كلامه في
مهده، أما كلامه في كهولته ففي آخر الزمان عندما ينزل، ويكسر الصليب، ويضع
الجزية فلا يقبلها؛ لأنه لن يقبل إلا الإسلام، والمسلم لا يدفع جزيةً،
وهذا النزول ثبت بكتاب الله وبسنة رسول الله. فكيف يكون مؤمناً من أنكر
كتاب الله وسنةَ رسوله؟ ألا بعداً لكل كذاب أثيم.
وقال تعالى: }إِذْ
قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ
وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ
النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ
الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ
طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ
تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ{ (المائدة: 110).
وأول كلمة قاله: }إني عبد الله{، وقد تضمنت الرد على النصارى؛ فهو عبد، وليس رباً، وليس ابناً للرب- تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً-.
الثاني: صاحب جريج الراهب
وقد دلت قصة جريج على جملة فوائد، أذكرها باختصار؛ لأنه قد سبق الكلام عنها في موضع آخر([1]).
منها: أنّ العفة من سمات الإيمان .. كيف ذلك؟ لأن الله قال: }إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا{، وقد دافع ها هنا عن أهل العفة ، فعُلم أنّ العفة من الإيمان.
ومنها أن اتهام
الشخص ليس يقدح في طهره وعفته، فقد اتُّهم جريجٌ كما في هذه القصة، واتهمت
أمنا عائشة رضي الله عنها، فقد أشاع المنافقون حديث الإفك، فإن رأس
المنافقين لما رآها مع صفوان بن المعطل السلمي قال: والله ما نجا منها ولا
نجت منه، عليه لعائن الله إلى يوم القيامة. واتهم يوسف عليه السلام، رمته
امرأة العزيز بذلك فقد قالت لبعلها: }ما جزاء من أراد بأهلك سوء{ !! واتهمت مريم عليها السلام، قال الله عن قومها: } قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا{.
ولكن الله تولى الدفاع عنهم.
ومنها: أنه ينبغي لكل والد أن يحذر من الدعاء على الأولاد.
ومن الأحكام
المهمة التي اشتملت عليها هذه القصة أن الأب أو الأم إذا نادى على ابنه
وكان يصلى نافلة فالواجب عليه أن يلبي نداء والديه . هذا هو الصحيح، وهو
وجه في المذهب الشافعي. وقول المالكية. ولذا قال الإمام مسلم رحمه الله
عند هذا الحديث: باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها.
ومن دروسها أنّ
الحسد داء عضال، فقوم هذا الرجل لما لم يتمكنوا من أن يكونوا مثله حسدوه،
وحاولوا الإضرار به، وقد قيل: "ودت الزانية أن لو زنى الناس جميعاً".
منها أنَّ التبين والتريث والتثبت أمر دلت هذه القصة على أهميته، ولو قاموا بذلك لما ضُرب جريج ظلماً.
وأنّ مما يعين على العبادة أن تتخذ لها مكاناً بعيداً عن الناس ؛ لئلا ينشغل المرء بهم.
وفيها إثبات الكرامة وأنها كانت في الأمم السابقة.
وفيها الاستعانة بالصلاة.
وفيها أنّ
التمسح والتبرك بالصالحين فعل من لا يقتدى بفعله، فالذين أخذوا في ضربه هم
من فعل ذلك ، فالتبرك بالصالحين ذريعة إلى الشرك وبدعة في الإسلام ، وليس
من أحد يتبرك بشيء من آثاره إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفيها حسن خلقه إذ لم يرض منهم أن يشيدوها من الذهب.
وفيها : سوء عاقبة الغضب؛ فبالغضب دعت أم جريج عليه ، ولذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه.
وفيها أنّ الزِّنا قبيح محرم في جميع الشرائع السابقة.
قال ابن عثيمين
رحمه الله: "واستدل بعض العلماء من هذا الحديث على أن ولد الزنى يلحق
الزاني؛ لأن جريجا قال: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي. وقد قصها النبي صلى
الله عليه وسلم علينا للعبرة، فإذا لم ينازع الزاني في الولد واستلحق
الولد فإنه يلحقه. وإلى هذا ذهب طائفة يسيرة من أهل العلم. وأكثر العلماء
على أن ولد الزنى لا يلحق الزاني؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد
للفراش وللعاهر الحجر». ولكن الذين قالوا بلحوقه قالوا: هذا إذا كان له
منازِع كصاحب الفراش، فإن الولد لصاحب الفراش، وأما إذا لم يكن له منازع
واستلحقه فإنه يلحقه؛ لأنه ولده قدرا، فإن هذا الولد لا شك أنه خلق من ماء
الزاني، فهو ولده قدرا، ولم يكن له أب شرعي ينازعه، وعلى هذا فيلحق به.
قالوا: وهذا أولى من ضياع نسب هذا الولد لأنه إذا لم يكن له أب ضاع نسبه
وصار ينسب إلى أمه" وهذا المذهب الذي حكاه ابن عثيمين رحمه الله قال به شيخ
الإسلام ابن تيمية في مواضع من الفتاوى.
الثالث: قال: «وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ، وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ...»
الدابة الفارهة
ليست سيارة كما هو معلوم، وإنما فرس جيد نشط قوي، من أحسن ما يكون في ذلك
الزمان. وأما الشارة الحسنة: الهيئة واللباس.
فكلام هذا الصبي الصغير آية من آيات الله تعالى، ولا شيء يُعجز الله، وها نحن نقرأ في القرآن الكريم: }يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ (النور: 24).
ويستفاد من قصة هذا الغلام الثالث أمور:
منها: دعاء الأم لولدها بالخير.
ومنها: أنّ
الغنى والمكانة في الدنيا ليست دليلا على محبة الله للعبد، فهذا الرجل كان
في نعمة عظيمة ولم يتمن هذا الصبي حاله؛ لأنه كان جباراً. بل الغالب أن
الغنى والجاه يصد صاحبه عن سبيل الله، قال نبينا صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا
مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ
وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا» رواه البخاري
ومسلم. والمعنى: أنّ المكثرين من الدنيا هم المقلون من الأعمال الصالحة
يوم القيامة، وذلك لأن الغالب على من كثر ماله في الدنيا أن يستغني ويتكبر
ويعرض عن طاعة الله، لأن الدنيا تلهيه فيكون مكثرا في الدنيا مقلا في
الآخرة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي
الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ وَلَا يُعْطِي الدِّينَ
إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ» رواه أحمد.
ومنها: أن مرجع
الضمير قد يكون مذكوراً، وقد يكون معلوماً، فقد جاء في الحديث: «
وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا»، يريد: أهلها. وهذا كما في
قول الله تعالى: }حتى توارتْ بالحجاب{ (ص: 32). يعني الشمس، ولم يسبق لها ذكر.
وأهم فائدة من
هذه القصة: اللجوء إلى (حسبي الله ونعم الوكيل) عند الظلم.. فهذه الجارية
اعتصمت بها لما ظُلمت، وأخذت تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. ومعنى هذه
الجملة: يكفيني الله، وهو نعم من أفوض إليه أمري.
وهذه الكلمة ما
ذكرت في شدة وكرب إلا وهونه الله على صاحبه، وجعل الله له من أمره يسراً.
والدليل على أنها تقال عند الشدائد سنن الترمذي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي
الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدْ الْتَقَمَ
الْقَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الْإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ
فَيَنْفُخُ»، فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمْ: «قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا».
قال الملا علي القاري رحمه الله: "قولهم: وما تأمرنا؟ أي: أن نقول الآن، أو حينئذ، أو مطلقا عند الشدائد"([2]).
وأما حديث: «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله و نعم الوكيل» فلا يثبت([3]).
وكما تقال عند وقوع الظلم فإنها تقال كذلك إذا خيف من وقوعه.
فعن أم
المؤمنين عائشة وزينب بنت جحش رضي الله عنهما، أنهما تفاخرتا فقالت زينب:
زَوجني الله وزوجَكُن أهاليكن. وقالت عائشة: نزلت براءتي من السماء في
القرآن. فَسَلَّمَت لها زينب، ثم قالت: كيف قلتِ حين ركبت راحلة صَفْوان
بن المعطل؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت زينب: قلت كلمة
المؤمنين" رواه الطبري في التفسير (19/119).
وهنا سؤال في هذه القصة؟ كيف دعا الصبي أن يجعله الله مثل الجاري المظلومة؟
الجواب: أنه
أراد حالها لا بلاءها، أراد سيرتها وعفتها وطهرها واستقامتها وحسن لجوئها
على ربها واعتصامَها به، ولم يرد أن ينسب إلى باطل ظلماً.




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الخميس 31 مايو - 18:43



الثلاثية الثانية والخمسون ثلاثٌ لا لعب فيها
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ
جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» رواه أبو داود،
والترمذي، وابن ماجة. والحديث حسن.
وفي لفظ: «ثَلَاثٌ لَا يَجُوزُ فِيهِنَّ اللَّعِبُ: الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعِتْقُ». وَفِي إسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ.
وَعَنْ عُمَرَ
بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: "أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إذَا
تُكُلِّمَ بِهِنَّ: الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ، وَالنِّكَاحُ،
وَالنَّذْرُ».
وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه : "ثَلَاثٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ".
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: "ثَلَاثٌ اللَّعِبُ فِيهِنَّ كَالْجِدِّ: الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالْعِتْقُ".
وَعَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "النِّكَاحُ جِدُّهُ وَلَعِبُهُ سَوَاءٌ".
وهذه الآثار رَوَاهُنَّ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ.
والله تعالى يقول في كتابه: }وَإِذَا
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا
لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا
تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ
يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيمٌ{ (البقرة:231).
وقد كان الرجل
يُطلق في الجاهلية ويَنكح ويُعتق ويقول: أنا طلقت وأنا لاعب، فأنزل الله
هذه الآية السابقة، والمعنى: ولا تتخذوا آيات الله وأحكامه لعبًا ولهوًا؛
فإنها جد كلَّها، فمن هَزَل فيها لزمته. ففيه إبطال أمر الجاهلية، وتعزيز
الأحكام الشرعية.
والهزل: أن يراد بالشيء غير ما وضع له بغير مناسبة بينهما، والجد ما يراد به ما وضع له أو ما صلح له اللفظ مجازاً.
فلو أن شخصا رزق ببنت، ولقي صاحبه العانس([1])، وأراد أن يمزح معه فقال: زوجتك ابنتي، فلو قال صاحبه قبلت فقد تم العقد ووقع.
ولو أن شخصا
تزوج امرأة وكان يعملان في حقل التمثيل، وفي إحدى المشاهد قال لها أثناء
التمثيل: أنت طالق، فإنها تطلق عليه. وكذلك لو قال رجل لامرأته *-هازلاً-:
طلقتك. فالطلاق يقع بالإجماع، وحكى هذا الإجماعَ غيرُ واحد من أهل العلم.
وكذلك الحالُ في الرَّجعة([2]).
فلو قال شخص: أرجعت زوجتي وكان قد طلقها ومازالت في العدة فقد رجعت. فإن
الرجعة تحصل بالوقاع مع النية، وباللفظ؛ أرجعتك ونحوِ ذلك.
قال المناوي
رحمه الله في فيض القدير (3/396) "فإذا قال: راجعتك عادت إليه واستحل منها
ما يستحل من زوجته، وبهذا أخذ الأئمة الثلاثة: الشافعي، وأبو حنيفة،
وأحمد. ويعضده }إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين{، فجعل الهزو في الدين جهلا، ولن يلحق الجهل إلا بأهله".
ولذلك على
المسلم أن يحذر من اتخاذ هذه الأحكام عبثاً ولعباً. وخص الثلاثة بالذكر
لخطورتها وتعلقها بالفروج، وإلا فإن الصحيح أنّ كل تصرف ينعقد بالهزل.
فالشرع صان قداسة الزوجية من العبث بهذا الحكم.



الثلاثية الثالثة والخمسون ثلاث عقوبات في هذه الأمة
عن
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ
وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ وَمَتَى ذَاكَ؟ قَال: «إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ
وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ» رواه الترمذي.
ثلاث عقوبات أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعها في هذه الأمة..
العقوبة الأولى: الخسف
فما معنى الخسف؟ الخسف هو: "الذهاب في الأرض" (تفسير القرطبي13/318)، فهو ذهاب المكان ومن عليه وغيبوبته في بطن الأرض.
وهو عذاب الله لقارون لما بغى وأفسد، قال تعالى: }فَخَسَفْنَا
بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن
دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ{ (القصص:81).
وفي الصحيحين
عن ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، أنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنْ الْخُيَلاء
خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ».
يتجلجل: يغوص في أعماقها وباطنها من غير أن يصل إلى آخرها.
وهذا الرجل
الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: قارون، وقيل: غيره. والمهم أن
الحديث دلَّ على أن من أسباب الخسف الكفر والكبر والعياذ بالله.
وعذب الله به بعضَ الأمم السابقة، قال تعالى: }وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأرْضَ{ (العنكبوت:40).
ودل الحديث الذي ذكرته أولا على أن الخسف سيقع في هذه الأمة..
وقد حذر الله العصاة من هذا العذاب، قال تعالى: }أَفَأَمِنَ
ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأرْضَ
أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ{ (النحل:45).
وقال –عن الكافرين-: }إِن
نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ
ٱلسَّمَاء إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ{ [سبأ:9]. كسفا من العذاب: قطعا من العذاب كما صُنع بقوم شعيب عليه السلام.
وقد كان النبي
يستعيذ من الخسف، وعلمنا ذلك، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: لَمْ
يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ
هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ
وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي،
اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ
يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ
أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» رواه أحمد، وأبو داود وقال: قال وَكِيعٌ: يَعْنِي
الْخَسْفَ.
ومن صور الخسف
الزلازل التي تميد بالأرض فتخرب المدن بعد عمارها، وقد ذكر صلى الله عليه
وسلم أن الزلازل تكثر بين يدي الساعة، ففي صحيح البخاري قولُ نبينا صلى
الله عليه وسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ،
وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ
الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ».
قال ابن حجر
رحمه الله: "وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من
الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها" (فتح الباري
13/87).
العقوبة الثانية: المسخ
وهو تغيير الصورة. تتحول صورة الآدمي إلى صورة حيوان أو غيره.
وهذه العقوبة حلت ببني إسرائيل الذين اعتدوا في السبت..
قال تعالى: }وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ في ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ{ (البقرة:65).
وقال تعالى: }وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ{ (المائدة:60).
وعن ابن حبان: «لا تقوم الساعة حتى يكون في أمتي خسف ومسخ».
وعند الترمذي: «يكون في هذه الأمة أو في أمتي خسف أو مسخ أو قذف في أهل القـدر».
قال ابن تيمية:
"المسخ واقع في هذه الأمة ولا بد، وهو واقع في طائفتين: علماء السوء
الكاذبين على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والمجاهرين المنهمكين
في شرب الخمر والمحارم"
وقال: "إنما
يكون الخسف والمسخ إذا استحلوا هذه المحرمات بتأويل فاسد، فإنهم إن
يستحلوها مع اعتقاد أن الشارع حرمها كفروا ولم يكونوا من أمته، ولو كانوا
معترفين بحرمتها لما عوقبوا بالمسخ كسائر من يفعل هذه المعاصي، مع
اعترافهم بأنها معصية".
العقوبة الثالثة: القذف
القذف: الرمي بالحجارة من جهة السماء.
وهو العذاب الذي عذب الله به قوم لوط لما كفروا وارتكبوا الموبقات فقال: }إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حاصباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نجيناهم بِسَحَرٍ{ [القمر:34].
وقال: }وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِي مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ{ (هود:82، 83).
قال مجاهد: "ما
الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ببعيد. وقال قتادة وعكرمة: "يعني ظالمي
هذه الأمة، والله ما أجار الله منها ظالماً بعد". (انظر تفسير القرطبي
9/83).
وهو العذاب الذي عذب الله به أصحاب الفيل، قال تعالى: }أَلَمْ
تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأصحاب ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ
كَيْدَهُمْ في تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ *
تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ{ (الفيل:1-4).
وقد حذر الله قريشا من هذا العذاب، قال تعالى: }أَمْ أَمِنتُمْ مّن في ٱلسَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصبا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ{ (الملك:17).
وقال: }أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا{ [الإسراء:68].
فمتى تنزل بالأمة هذه العقوبات؟
يجيبك نبيك صلى الله عليه وسلم: «إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ».
والقينات جمع قينة، والمراد بها الجارية المغنية، وليس الإشكال في كونها جارية، وإنما في كون الجاريةِ مغنيةً.
وكذلك المعازف،
وهي: آلات اللهو، وهذا مما انتشر انتشارا عظيماً في هذه الأيام، ولا ينبغي
لأحد أن يشك في حرمة الاستماع لهذه الآلات، وفي صحيح البخاري قول نبينا
صلى الله عليه وسلم: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ
يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ».
والبخاري علق هذا الحديث بصيغة الجزم، فالحديث صحيح عنده، وقد وصله
الإسماعيلي في مستخرجه.
قال ابن حجر
رحمه الله: "لا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه
البخاري من حديث أبي عامر وأبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف» الحديث.. من
جهة أن البخاري أورده قائلا "قال هشام بن عمار" وساقه بإسناده، فزعم ابن
حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعله جوابا عن الاحتجاج به على
تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط
الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من
كتابه مسندا متصلا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل
الانقطاع".
فدل هذا الحديث على أن هذه الأمة سينالها شيء من هذه العقوبات التي أخبر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم..
فالواجب الحذر
الشديد من معصية الله، فقد دلت النصوص على أن المعصية تفضي إلى ذلك،
كالشرك، والبغي، وعقوق الوالدين، والتكبر، والاستماع إلى الأغاني
والمعازف، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعمل قوم لوط، والغلو في
الدين، والكفر بنعمة الله، والزنا، والربا، وشرب الخمر، كل هذه المعاصي
ثبت في ديننا أنها سبب في نزول العذاب من عند الله.
أسأل الله أن
يشملنا بعفوه، وأن يعاملنا بما هو أهله، وأن يغفر لنا، فوالله لو عاملنا
بما نحن أهله لكان الهلاك أقرب إلينا من أنفسنا ..
}وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ{.
}وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ{.








الثلاثية الرابعة والخمسون ثلاث برئ منهنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن
أبي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا
فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ،
فَصَاحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ
عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ
مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئَ مِنْ
الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ " رواه البخاري ومسلم.
إن كانت من
وقفة مع هذا الجزء من هذا الأثر -وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ
أَهْلِهِ- فمع دلالته على عظم العلاقة بين الزوجين، ففي أحرج اللحظات التي
تمر بالمرء يتخذ الرجل من زوجه ملاذاً ومستراحاً، ولا ننسى حديث الصحيحين
الذي قالت فيه عائشة رضي الله عنها: "إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ فِي
بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللَّهَ
جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ،
وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟
فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ. فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ،
وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ.
فَلَيَّنْتُهُ، فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ،
فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ
يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» ثُمَّ
نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى»، حَتَّى
قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ.
برئ النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثٍ:
والسؤال: ليس منا من فعل كذا، وأنا بريء من كذا، هل يلزم من هذه البراءة الخروجَ من الإسلام والكفر؟
الجواب لا.
قال العلماء: هذا معناه ليس من سنتنا وطريقتنا، وفائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك.
والحافظ ابن حجر
رحمه الله في الفتح لما تحدث عن حديث: «ليس منا من لطم الخدود...» قال:
"ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبري المذكور في حديث أبي موسى حيث قال:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة والحالقة والشاقة. وأصل
البراءة الانفصال من الشيء، وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلاً.
قال: وحكي عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول ينبغي أن يمسك عن
ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر"(بتصرف من الفتح: 3/164).
وهذا هو الذي
ينبغي أن يسير عليه الدعاة، أن يتركوا تأويل هذه الألفاظ ليكون أبلغ في
الزجر، فنطلق حيث أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثال ذلك في الزجر عن
ترك الصلاة نقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي
بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» بدون تفصيل في نوع هذا الكفر،
هذا عند الموعظة وفي الخطب، أما الحديث لطلاب العلم، أو الفتوى فيلزم
التفصيل. فالنبي صلى الله عليه وسلم برئ من ثلاث:
الأولى: الصالقة
يجوز الصالقة، والسالقة، وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة. وقيل: التي تضرب وجهها.
فالبكاء بصوت
يعذب الله بسببه، وأما البكاء بدون صوت فمما لا حرج فيه؛ فقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم يبكي إذا فقد عزيزاً من أقربائه ..
فعَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دخل النبي صلى الله عليه وسلم
على ابنه إبراهيم وهو يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه :وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ :«يَا
ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ
صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ،
وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا
إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» رواه البخاري ومسلم.
وعَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم -وهي أم كلثوم- وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ : فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ"
رواه البخاري.
وعن أُسَامَة
بْن زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرْسَلَتْ ابْنَةُ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ
فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ:«إِنَّ لِلَّهِ مَا
أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى،
فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ
لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَعَاذُ بْنُ
جَبَلٍ وَأُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ،
فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ
تَتَقَعْقَعُ –تضطرب؛ تصعد وتنزل-، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ :«هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا
اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ
عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» البخاري ومسلم.
وعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ :
«اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي،
وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا
الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» رواه مسلم.
الثانية: الحالقة
والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة.
الشاقة
والشاقة التي تشق ثوبها عند المصيبة
وفي هذا الحديث فوائد:
منها أن الولاء
والبراء لا ينبغي أن يخضع لأهوائنا، فقد قال هذا الصحابي: "أنا بريء ممن
برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم". فالذي يُتبرأ منه من تبرأ منه رسول
الله صلى الله عليه وسلم، كالمشرك من اليهود والنصارى، والذي يوالى ويحب
من والاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما نبهت على هذه لأن كثيرا من
الناس يختل عندهم مفهوم الولاء والبراء، فيكون الولاء لمن كان معهم في
حزبهم أو جماعتهم أو جمعيتهم، وهذه مخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
منها: تحريم النياحة، والأحاديث التي تدل لذلك كثيرة، لعلي أقف معها في الحلقة القادمة عند ثلاثية أخرى فيها ذكر النياحة.
ومنها أن المرأة سابقا كانت تبقي على شعرها ولا تقصه، فإنها إذا كانت تحلقه للمصيبة دل هذا على أن الأصل أنها لا تقربه.
وفي هذا الوقت
لما انفتح الناس على صنائع الكافرين صارت المرأة تقصر شعر رأسها حتى يكون
كرأس الرجل، ولا يخفى وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تشبهت
بالرجال.
ومنها: إنكار المنكر والاهتمام لذلك.
فهذا الصحابي بمجرد ما أفاق أنكر ما لم يتمكن من إنكاره قبل أن يُغشى عليه.
وفيه الأدب مع
الوالدين والستر عليهما، فهذه المرأة التي صاحت هي زوج أبي موسى أم عبد
الله بنت أبي دومة كما عند النسائي، والدة أبي بردة ابنِه، ولما حدث ابنه
بالحديث لم يقل صاحت أمي، وإنما قال: امراة من اهله



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الخميس 31 مايو - 18:53



الثلاثية الخامسة والخمسون ثلاثة هي الكفر
عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة
من الكفر بالله: شق الجيب، والنياحة، والطعن في النسب» رواه ابن حبان في
صحيحه والحاكم.
رواية ابن حبان له: «ثلاثة هي الكفر...».
مضى معنا ثلاثة ثلاثيات تتحدث عن النياحة..
الأولى: عن
أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثٌ
لن تزال في أمتي: التفاخر في الأحساب، والنياحة، والأنواء» رواه أبو يعلى
والضياء المقدِسي.
والثانية:
الحديث السابق: "برئ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مِنْ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ" رواه البخاري ومسلم.
والثالثة في هذا الحديث.
قول النبي
صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة من الكفر بالله» معنى ذلك: المراد أن ذلك من
أعمال الكفار لا من خصال الأبرار. أو المراد كفر النعمة. أو سمي ذلك كفرا
تغليظا وزجرا.
ومن السلف من كره تفسيرها لأن إطلاقها أبلغ في الزجر. وهذا هو الحق إن شاء الله، إلا عند الفتوى أو لطلاب العلم.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال كفرية:
الخصلة الأولى: شق الجيب
الجيب: ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخط.
الخصلة الثانية: النياحة.
والنياحة: البكاء بجزع وعويل.
وقد كثرت النصوص التي تحذر من النياحة..
فقد ثبت في السنة أن النياحة كفر، وليست من طريقة المسلمين، وقد تبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها..
فدل هذا
الحديث على أنها كفر، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في
الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ، وَضَرَبَ الْخُدُودَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ».
ورسول الله
صلى الله عليه وسلم بريء من كل نائحة، كما في الحديث السابق "برئ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّالِقَةِ،
وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ" رواه البخاري ومسلم.
وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يبايع على ترك النياحة. قالت أم عطية رضي الله
عنها: "أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ لا نَنُوحَ، فَمَا
وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ: أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ
الْعَلَاءِ، وَابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ،
وَامْرَأَتَيْنِ" رواه البخاري.
وهذا يدل على فشو هذه المعصية في أوساط النساء، وأسأل الله أن يصلحهن.
وعَنْ
امْرَأَةٍ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَعْرُوفِ
الَّذِي أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَعْصِيَهُ فِيهِ: أَنْ لَا نَخْمُشَ
وَجْهًا، وَلَا نَدْعُوَ وَيْلًا، وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا، وَأَنْ لَا
نَنْشُرَ شَعَرًا" رواه أبو داود.
وهذه الفعال كلها دليل الجزع والسخط وعدم الصبر على أقدار الله.
والمراد من الدعاء بالويل: قولهن عند المصيبة: واويلاه. والخمش فهو الخدش. ونشر الشعر: تفريقه.
والنياحة من
أمور الجاهلية.. قال صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ
أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ،
وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ،
وَالنِّيَاحَةُ». وأبغض الأشياء إلى الله اتباع سنن الجاهلية، ففي صحيح
البخاري، قال صلى الله عليه وسلم: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ
ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ
الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ
دَمَهُ».
والنائحة متوعدة بالعذاب الأليم..
فقد قال نبي
الله صلى الله عليه وسلم: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ
مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ
قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» رواه مسلم.
ومعنى ذلك
أن جلدها يكون أجرب، ثم يوضع عليها سربال -وهو الثوب- من قطران، والقطران:
مادة سريعة وشديدة الاشتعال، فيكون جلدها أجرب ويغطى بمادة شديدة
الاشتعال، فما أكبرَ هذه الخسارة!
والواجب على
الرجال أن يمنعوا النساء من النياحة، ففي الحديث عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي
الله عنها قالت: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: غَرِيبٌ وَفِي
أَرْضِ غُرْبَةٍ! لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ. فَكُنْتُ
قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقَبَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْ
الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ
تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ»
-مَرَّتَيْنِ-قالت: فَكَفَفْتُ عَنْ الْبُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ.
وهذا يدل
على أن مجاملة النساء بالنياحة أمر قديم، وهو من أقبح ما يكون، تجد المرأة
في أحسن حال، وصوت ضحكها يملأ الطرقات، فإذا دخلت بيت العزاء رفعت بالعويل
صوتها، وأغرقت الأرض بدموعها، بنوع من التمثيل لا مثيل له، وكأننا أمام
فيلم استعان فيه مخرجه بأبرع الممثلين. وهذا لا يليق بمؤمنة تؤمن بالله
واليوم الآخر.
وأختم بتذكير بأمور ثلاثة تعين الأخت المسلمة على ترك النياحة والتخلص منها..
الأول: أن
تعلم أن قدر الله نافذ، ومن مات لا ترده نياحة، وأجل الله لا يؤخر، فمن رضي
فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط. فمن الناس من تجري المصيبة عليهم وتكون
سببا في رضاء الله عنهم بصبرهم، ومنهم من يجزع فتكون سببا لغضب الله
عليهم، فتجمع المرأة بنياحتها على فقيدها بين خسارتين: فقد الميت، وفقد
الدين.
ثانيا: التأمل في عاقبة الصابرين..



والصبركاسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
ثالثاً: العلم بأن الميت يُعذب بهذه النياحة..
فعن النعمان
بن بشير رضي الله عنهما قال: "أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته
تبكي واجبلاه، واكذا، واكذا، -تعدد عليه- فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا
قيل لي: أنت كذلك"؟ رواه البخاري
وهذا هو
الندب: تعديد شمائل الميت ولو لم يصحبه بكاء. وقال في النهاية: النهاية في
غريب الأثر (5/33): "النَّدْب: أن تَذكر النائحةُ الميّت بأحسنِ أوصافِه
وأفعاله".
ومعنى واجبلاه: أن هذا الميت مثل الجبل ملجأ لي وقد فقدته.
ثبت في سنن
الترمذي عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِي رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ
يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ: وَا جَبَلَاهْ، وَا سَيِّدَاهْ،
أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ:
أَهَكَذَا كُنْتَ»؟
يلهزانه: أي يَدْفعانه ويَضْربانه. واللَّهْز: الضَّرب بِجُمْع الكَفَّ في الصَّدر.
الخصلة الثالثة: الطعن في النسب
أي: الوقوع
فيها بنحو ذم وعيب، بأن يقدح في نسب أحد من الناس، فيقول: ليس هو من ذرية
فلان، وذلك يحرم؛ لأنه هجوم على الغيب، ودخول فيما لا يعني، والأنساب لا
تعرف إلا من أهلها.








الثلاثية السادسة والخمسون ثلاث دعوات لسعدٍ رضي الله عنه
زار
نبي الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة رضي الله عنه فاستأذن عليه
وقال: « السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ». فقال سعد: وعليك
السلام ورحمة الله، ولم يُسمِع النبيَّ صلى الله عليه وسلم، حتى سلَّم
ثلاثاً وردَّ عليه سعدٌ ثلاثاً ولم يسمعه، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم
فاتَّبعه سعد، فقال: يا رسول الله -بأبي أنت وأمي- ما سلمت تسليمة إلا هي
بأذني، ولقد رددت عليك ولم أُسمِعْك؛ أحببتُ أن أستكثر من سلامك ومن
البركة. ثم أدخله البيت فقرَّب له زبيباً فأكل نبي الله صلى الله عليه وسلم
فلما فرغ قال: « أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ
طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ» رواه
أحمد وأبو داود.
في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لسعد بن معاذ لما أكل عنده، ولا تعارض بينهما لتعدد القصة.
اشتمل هذا الحديث على ثلاث دعوات لسعد رضي الله عنه .. وهذا بناء على أن هذه الجمل دعائية وليست خبرية، وهذا هو الحق؛ لأمور:
أولاً: لأن جعل ذلك من الدعاء يفتح باب التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: ولأنه يفضي إلى شيوع الدعاء بين المؤمنين.
ثالثاً:
لحديث المسند، عن أنس رضي الله عنه : "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم
إذا أفطر عند قوم قال: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وتنزلت
عليكم الملائكة». فهذا هو الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان
يدعو لمن يأكل عنده كما سيأتي معنا.
الأولى: أفطر عندكم الصائمون
وهذا يدل
على فضل تفطير الصائمين، ووجه ذلك أن يقال: لولا أنّ في تفطيرهم أجراً
عظيماً لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لسعد أن يحقق الله له ذلك بأن
يقصد الصائمون بيته فيأكلوا عنده.
وأوضح دلالة
من ذلك حديث نبينا صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ
مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ
شيئاً» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
وتفطير
الصائمين إطعامٌ للطعام وزيادة، وقد بين الله في كتابه أنه أعدَّ لمن يقوم
بذلك عينا من ماء ممزوج بالكافور يجريها هؤلاء حيث شاءوا: }عَيْنًا
يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ
بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا *
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا{ (الإنسان:6-Cool.
الثانية: وأكل طعامكم الأبرار
الأبرار جمع
بَرَ، وهم الذين برُّوا الله تبارك وتعالى بطاعتهم إياه وخدمتهم له، حتى
أرضَوه فرضي عنهم كما قال الطبري في تفسيره (7/482).
وهذه تعمُّ التي قبلها وتزيدُ عليها. وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لسعد رضي الله عنه لأمرين:
الأول: لأن إطعام الطعام سبب لدخول الجنة.
ففي سنن
الترمذي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا،
تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا».
فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ
:«لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ
الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ».
وعند الإمام
أحمد في مسنده أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسول الله، علِّمني عملاً يدخلني الجنة. قال: «أعتق النَّسَمة وفكَّ
الرقبة، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن».
والنسمة
بفتحتين: الروح، أي: أعتق ذا نسمة. وفي رواية عند الطبراني في الأوسط
وغيرِه أن الأعرابي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أليستا واحدة؟ -يعني:
عتق النسمة وفك الرقبة؟- فقال صلى الله عليه وسلم: «لا، عتق النسمة أن
تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعطي في ثمنها». يعني : تعين في ذلك.
الثاني: أن البر يتقوى بهذا الطعام على طاعة الله، فيصيبك شيء مما ألمَّ به من أجرٍ وحسنات من غير أن ينقص ما عنده.
وقد ثبت عن
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: «لا
تُصَاحِبْ إِلاّ مُؤْمِناً، وَلاَ يَأْكُلُ طَعَامَكَ إِلاّ تَقِيّ» رواه
أبو داود والترمذي.
ولا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث الصحيحين: «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»، كيف ذلك؟
لأن المراد
بهذا طعام الحاجة، فأطعم كل من وما يحتاج إلى الطعام، ولو بهيمةً، فإن
الإنسان يؤجر عليها، أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَأْكُلُ
طَعَامَكَ إِلاّ تَقِيّ» فالمراد طعام الدعوة، ففيه الأمر بملازمة
الأتقياء ودوام مخالطتهم، وترك الفجار؛ لأن المطاعمة توقع الألفة والمودة
في القلوب، فالمعنى: لا تؤالفْ من ليس من أهل التقوى والورع ولا تجالسْه
ولا تطاعمْه. هذا ما قاله السيوطي رحمه الله في مرقاة الصعود.
وهل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بقوله: «أكل طعامكم الأبرار» يشمل شرب الماء؟
الجواب: نعم؛ فإن سقيا الماء إطعامُ طعامٍ، قال تعالى: }فَلَمَّا
فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ
بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ
فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ{ (البقرة: 249).
ولهذا قال المناوي عند شرح هذا الحديث في فيض القدير (2/69):"«وأكل طعامكم»، أي: وشرب شرابكم الأبرار، صائمين ومفطرين".
الدعوة الثالثة: وصلَّت عليكم الملائكة
صلاة الملائكة: دعاؤهم واستغفارهم.
قال البخاري في صحيحه (4/1802): "بَاب قَوْلِهِ: }إِنَّ
اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ".
والملائكة تدعو للمؤمنين وتستغفر لهم، قال تعالى: }الَّذِينَ
يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا
وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا
وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ
آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ
يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ (غافر: 7-9).
وهذه القصة دليل على فوائد، منها:

أن زيارة الإخوان سنة نبوية.

تواضع النبي صلى الله عليه وسلم.

فضل السعدين، سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ؛ لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لهما.

أن الاستئذان يكون بالسلام.

تكرار السلام لمن لم يسمعه.

رد السلام وعدم إسماعه لمصلحة.

ذكاء سعد بن عبادة رضي الله عنه .

الاعتذار للإخوان ببيان عذرك لهم لئلا توغر صدورهم.

بركة
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه تتفرع منها فائدة: أنه ينبغي الحرص
على الأعمال التي دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابها، كالحلق بعد الحج
والعمرة فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة ثلاثا للمحلقين،
ولعلَّ هذا يكون كتابا أسميه: أعمال دعا النبي صلى الله عليه وسلم
لأصحابها.

سرعة إكرام الضيف، لأنه قرب زبيبا بمجرد دخول النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: }وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ{ (هود: 69).

الدعاء
لمن أصبت من طعامه. والسنة أن تدعو بهذه الدعاء تارة، وبغيره تارة، فمن
السنة أن تقول: «اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ
أَسْقَانِي» رواه مسلم، أو تقول: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا
رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ» رواه أحمد وأبو داود
والترمذي.




الثلاثية السابعة والخمسون ثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم
عن
أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ
إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنْ
ابْنِ السَّبِيلِ. وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا
لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ
مِنْهَا سَخِطَ. وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ:
وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا
وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ»، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: }إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا{ رواه البخاري ومسلم.
ولفظ مسلم:
«ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى
فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ. وَرَجُلٌ
بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ
لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ
أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ».
مر معنا في مثل هذه الأحاديث أن المراد ثلاثة أصناف، وليس المراد ثلاثة رجال.
هذه ثلاثيتان في حديث واحد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاث عقوبات، وذكر أن أصحابها ثلاثةٌ.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إليهم» هذا الوعيد ورد في القرآن في موضع واحد:
قال تعالى: }إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا
أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ{ (آل عمران: 77).
والمعنى: لا ينظر إليهم برحمة.
والكافرون في القرآن متوعدون بعقوبتين:
الأولي: عدم نظر الله إليهم. يعني برحمة كما سبق.
والثانية: عدم نظرهم إلى الله. قال تعالى: }كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ{ (سورة المطففين: 15).
وهي دليل
على أن المؤمنين يرون ربهم؛ لأنه كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: "فإذا
حُجب عنه هؤلاء في حال السخط رآه المؤمنون في حال الرضى".
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يزكيهم»: لا يثني عليهم، ولا يمدحهم، وقيل: لا يطهرهم من دنس الذنوب.
«ولهم عذاب
أليم»: موجع. قال الواحدي رحمه الله: هو الذي يخلص إلى القلوب وجعه.
والعذاب: كل ما يُعْيِي الإنسان ويشق عليه. قال النووي رحمه الله:
"وَأَصْل الْعَذَاب فِي كَلَام الْعَرَبِ مِنْ الْعَذْب وَهُوَ الْمَنْع.
يُقَال: عَذَبْته عَذْبًا إِذَا مَنَعْته، وَعَذُبَ عُذُوبًا أَيْ
اِمْتَنَعَ، وَسُمِّيَ الْمَاء عَذْبًا لِأَنَّهُ يَمْنَع الْعَطَش،
فَسُمِّيَ الْعَذَاب عَذَابًا لِأَنَّهُ يَمْنَع الْمُعَاقَب مِنْ
مُعَاوَدَة مِثْل جُرْمه، وَيَمْنَع غَيْره مِنْ مِثْل فِعْله".
فمن هؤلاء المعذبون؟
الأول: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ
أي له ماء زائد عن حاجته ، كان له بئر، ومنع منها ابن السبيل المحتاج إليها.
قال ابن بطال رحمه الله: "فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل".
فكل إنسان
عنده ماء من مزرعة أو بئر أو غير ذلك، في أرض فلاة خالية من السكان، يمر
الناس من عنده ليشربوا فيمنعهم والعياذ بالله متوعد بهذا العذاب.
وهذا الذي يمنع فضل الماء مغبون خاسر، فبالإضافة إلى ما ينتظره من هذه العقوبات فقد حرم نفسه من أجر جزيل يوصله إلى جنة الله..
فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس صدقة أعظم أجراً من ماء» رواه البيهقي.
وعن أنس أن
سعداً رضي الله عنهما، أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول
الله، إن أمي توفيت ولم توص، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم، وعليك
بالماء» أخرجه الطبراني في الأوسط.
وعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: *«بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ اشْتَدَّ
عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ،
وَخَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ،
فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ
الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ
أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ
لَهُ فَغَفَرَ لَهُ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي
الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»
رواه البخاري ومسلم.
الثاني:
رَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ
أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ
قال ابن
عثيمين رحمه الله: "وذلك أن بيعة الإمام واجبة، يجب على كل مسلم أن يكون له
إمام سواء كان إماما عاما كما كان في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من
الخلفاء، أو إماما في منطقته كما هو الحال الآن. ومنذ أزمنة بعيدة من زمن
الأئمة الأربعة ومن بعدهم والمسلمون متفرقون، كل جهة لها إمام، وكل إمام
مسموع له ومطاع بإجماع المسلمين. لم يقل أحد من المسلمين: إنه لا تجب
الطاعة إلا إذا كان الخليفة واحدا لجميع بلاد الإسلام. ولا يمكن أن يقول
أحد بذلك؛ لأنه لو قيل بهذا ما بقى للمسلمين الآن إمام ولا أمير، ولمات
الناس كلهم ميتة جاهلية؛ لأن الإنسان إذا مات وليس له إمام فإنه يموت ميتة
جاهلية، يحشر مع أهل الجهل والعياذ بالله الذين كانوا قبل الرسالات.
فالإمام في مكان وفي كل منطقة بحسبها. فهذا الرجل بايع الإمام لكنه بايعه
للدنيا لا للدين، ولا لطاعة رب العالمين، إن أعطاه من المال وفى، وإن منعه
لم يف، فيكون هذا الرجل والعياذ بالله متبعا لهواه غير متبع لهداه، ولا
طاعة مولاه، بل هو بنى بيعته على الهوى. قد يقول قائل: نحن لم نبايع
الإمام؟ فيقال: هذه شبهة شيطانية باطلة، هل الصحابة رضي الله عنهم حين
بايعوا أبا بكر هل كل واحد منهم بايع حتى العجوز في بيتها واليافع في
سوقه؟ أبدا المبايعة لأهل الحل والعقد، ومتى بايعوا ثبتت الولاية على كل
أهل هذه البلاد شاء أم أبى. ولا أظن أحدا من المسلمين بل ولا من العقلاء
يقول: إنه لابد أن يبايع كل إنسان ولو في جحر بيته، ولو عجوزا أو شيخا
كبيرا أو صبيا صغيرا! ما قال أحد بهذا. حتى الذين يدعون الديمقراطية في
البلاد الغربية وغيرها لا يفعلون هذا وهم كاذبون حتى انتخاباتهم كلها
مبنية على التزوير والكذب ولا يبالون أبدا إلا بأهوائهم فقط. في الدين
الإسلامي متى اتفق أهل الحل والعقد على مبايعة الإمام فهو الإمام شاء
الناس أم أبوا، فالأمر كله لأهل الحل والعقد. ولو جعل الأمر لعامة الناس
حتى للصغار والكبار والعجائز والشيوخ وحتى من ليس له رأي ويحتاج أن يولى
عليه ما بقى للناس إمام؛ لأنهم لابد أن يختلفوا"([1]).
والانتخاب الآن نظام ألجأت إليه الضرورة، لكن على الناس أن يعلموا أنها
ليست من الإسلام في شيء. أن يُرشَّح الشيوعيُّ ويُرشِّح النصراني هذا ليس
من دين الله في شيء. لكن للضرورة حكمها.
الثالث:
وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ
الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا،
فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ
يعني رجل حلف بالله كاذبا ليبيع سلعته.
وقول النبي
صلى الله عليه وسلم: «بعد العصر» لا أظن أن أحدا يفهم من ذلك أنه لو باعها
بالحلف الكاذب الظهر أو الفجر لما نالته هذه العقوبة. إذا ما فائدة ذكر
العصر؟ لأن غالب بيعهم كان في العصر.
وهذا يدل أن
وقت العصر تعظم فيه المعاصي؛ لارتفاع الملائكة بأعمال الناس إلى الله،
فيعظم أن يرتفعوا عن العبد بالمعصية إلى الله تعالى كما قال ابن بطال
.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الخميس 31 مايو - 18:55



الثلاثية الثامنة والخمسون ثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (2)
عَنْ
أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ». قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا
وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ،
وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ».
قول النبي
صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» مضى بيان
معناها.
وفي هذا الحديث زيادة: «لا يكلمهم الله». أي: لا يكلمهم بما يسرهم.
وإنما كان
المعنى: لا يكلمهم بما يسرهم لما ثبت من أحاديثَ دالةٍ على أنّ الله يكلم
العصاة والكافرين بما يسوؤهم. ففي الصحيحين عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي
الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ
بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى
إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا
يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا
النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ
تَمْرَةٍ».
فالنفي هنا ليس نفياً لمطلق الكلام، ولكنه للكلام المطلق الذي هو كلام الرضا.
ففيه: أنّ الكلام من صفات الله تعالى. ولو قلنا إنه لا يتكلم لكان أولياء الله بمنزل أعدائه الذين لا يكلمهم.
والكلام
باعتبار أصله صفة ذاتية، وباعتبار آحاده صفة فعلية، والصفة الذاتية هي
التي لا تنفك عن ذات الله، فالله موصوف بها منذ الأزل. وأما الفعلية: فهي
التي تتعلق بمشيئة الله. فالله متكلم بما شاء وكيف شاء، لا نقول: كلامه
عبارة عما في نفسه أو حكاية. بل يتكلم حقيقة. قال تعالى: }وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا{ (النساء: 164). والمصدر المؤكِّد ينفي المجاز. وقال سبحانه: }يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي{ (الأعراف: 144). وقال سبحانه: }مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ{ (البقرة: 253). وقال سبحانه: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ{ (الشورى: 51). وقال سبحانه: }فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى{ (طه: 11 – 12). وقال سبحانه: }إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي{ (طه: 14). وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله. فهذه الصفات نؤمن بها ونجريها على دستورنا}ليس كمثله شيء وهو السميع البصير{.
ومن عجبٍ أن ينكر أناس هذه الصفة ويعرفون الكلام بالمعنى القائم بالنفس، ويقولون قال الأخطل:



إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
والجواب عن زعمهم من وجوه:
1. أن
ما في النفس لا يكون كلاما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ
اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا
لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» رواه الشيخان. فالكلام أمر مغاير لما
يدور بنفسك ويقوم بها من المعاني.
2. أجمع
العلماء أن من تكلم بأجنبي في صلاته بطلت، ولم يقل أحد ببطلان صلاة من
حدثته نفسه بشيء. وهذا يدل على أنّ الكلام غير المعنى القائم بالنفس.
3. لا تصح نسبة هذا البيت للأخطل.
4. المحفوظ: إن البيان لفي الفؤاد.
5. قبح لمن نبذ الكتاب وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل
6. كيف نستقي عقيدتنا من نصراني لا يعرف ماذا يعتقد في ربه، ويقول باتحاد الناسوت في اللاهوت؟
7. الأخطل من المولِّدين الذين جاؤوا بعد اختلاط اللسان، واسمه الأخطل، والخطل: فساد الكلام كما قال ابن تيمية في كتاب الإيمان.
وأما قول الله: }وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ{
(المجادلة: Cool. فالمراد: يقولون ذلك فيما بينهم استهزاء، فهو قول
لسانيٌّ. فالمراد قول السر وليس المراد المعنى القائم بالنفس. ولهذا في
الحديث: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ
خير منهم» فجعل الجهر مقابل السر.
والكلام صفة كمال، وكل كمال فالله أولى به، ولهذا أنكر الله على قوم موسى لما عبدوا العجل بقوله: }وَاتَّخَذَ
قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ
خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ
سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ{ (الأعراف: 148).
وهؤلاء
قالوا ما قالوا؛ فرارا من التشبيه. ونقول لهم: ألا يمكن أن يقوم المعنى
قائما بنفوس المخلوقين؟ فإن قالوا: نعم ولكنه قيام غير قيام؟ قلنا: أثبتوا
الكلام وقولوا: كلام غير كلام. فالقول في بعض الصفات كالقول في البعض
الآخر، لكن أن تثبت بعضا من الصفات وتنفي الأخرى هذا تحكم.
وإنما استطردت في هذا لقبح التأويل، وصرف نصوص الكتاب والسنة بلا دليل، والله الهادي إلى سواء السبيل.
لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال له الصحابة رضي الله عنهم: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَقَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا؟
وفيه حرص الصحابة على الخير، فالصحابة كانوا أحرص شيء على الخير.
قولهم: خابوا وخسروا، الخيبة: عدم نيل البغية والمراد. وخسروا: هلكوا. من هم؟
الأول: المسبل إزاره
يراد به:
الذي يجعل ثوبه أسفل كعبيه؛ كبرا واختيالاً. فهذا الحديث يفسره الحديث
الآخر: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه البخاري ومسلم.
والكبر والعياذ بالله سبب لعذاب الله في الدنيا والآخرة.
أما في
الدنيا فلحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«بينما رجل يجُرُّ إزاره من الخيلاء خُسِف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم
القيامة» رواه البخاري ومسلم.
وأما في
الآخرة فلهذا الحديث، ولحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده، عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُحشر المتكبرون
يوم القيامة أمثال الذرِّ في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان،
فيساقُون إلى سجن في جهنم يسمى بُولَس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من
عصارة أهل النار؛ طينةَ الخبال» رواه الترمذي.
الثاني: المنان
المن له ثلاثة معانٍ:
الأول: المن في الحرب، وهو أن يترك الأسير الكافر من غير عوض.
الثاني: المن الفعلي وهو الإثقال بالنعمة، وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: }لقد من الله على المؤمنين{ (آل عمران: 164). وقوله سبحانه: }كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم{ (النساء: 94).
الثالث: أن
يكون ذلك بالقول؛ بأن يذكر الإنسان ما يظن أنه أنعم به على أخيه، وذلك
مستقبح فيما بين الناس، وقد قيل قديماً: المنة تهدم الصنيعة.
وقد ذم الله تعالى المن في مواضع عديدة من القرآن، قال تعالى: }يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ
وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ
تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى
شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ{ (البقرة: 264).
"يا من
آمنتم بالله واليوم الآخر لا تُذْهِبُوا ثواب ما تتصدقون به بالمنِّ
والأذى، فهذا شبيه بالذي يخرج ماله ليراه الناس، فيُثنوا عليه، وهو لا
يؤمن بالله ولا يوقن باليوم الآخر، فمثل ذلك مثل حجر أملس عليه تراب هطل
عليه مطر غزير فأزاح عنه التراب، فتركه أملس لا شيء عليه، فكذلك هؤلاء
المراؤون تضمحلُّ أعمالهم عند الله، ولا يجدون شيئًا من الثواب على ما
أنفقوه. والله لا يوفق الكافرين لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها" (التفسير
الميسر، ص277).
ثبت عن أبي مليكة الذماري رحمه الله أنه كان يقول -في هذه الآية: }كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون{ (المطففين: 15)-: "المنان والمختال، والذي يقطع بيمينه أموال الناس" (جامع البيان للطبري 10/492، ومساوئ الأخلاق للخرائطي 320).
فالمن
–والعياذ بالله- ينقص الأجر وقد يذهب به بالكلية، وهو آفة من آفات النفس،
ومظهر من مظاهر سوء الخلق، ويوغر الصدور، ويحبط الأعمال، ويستجلب غضب الله
سبحانه، ويستحق صاحبها الطرد من رحمته، وهي من صفات المنافقين. ويحرم
صاحبها من نعمة نظر الله إليه يوم القيامة.
الثالث: المنفق سلعته بالحلف الكاذب
يجوز في الحلف كسر اللام وإسكانها.
وهذه لها ثلاث صور:
الأولى: أن يحلف أنه اشتراها بكذا وهو كاذب.
الثانية: أن يحلف أنه لم يشترها بهذا السعر وإنما اشترى به.
الثالث: أن يحلف أنه أُعطي فيها كذا وهو كاذب.
والحلف الصادق في البيع يمحق البركة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بالكاذب؟!






الثلاثية التاسعة والخمسون ثلاثة قبلنا يُتأسَّى بهم
عن
ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ إِذْ
أَصَابَهُمْ مَطَرٌ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ، فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ([1])،
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ لَا
يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ، فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا
يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ. (وفي طريقٍ: عفا الأثر، ووقع الحجر،
ولا يعلم بمكانكم إلا الله، ادعوا الله بأوثق أعمالكم).
فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أَرُزٍّ([2])،
فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ، وَأَنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ
فَزَرَعْتُهُ، فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا،
وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْمِدْ إِلَى
تِلْكَ الْبَقَرِ فَسُقْهَا. فَقَالَ لِي: إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ
مِنْ أَرُزٍّ؟ فَقُلْتُ لَهُ: اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَإِنَّهَا
مِنْ ذَلِكَ الْفَرَقِ. فَسَاقَهَا، فلم يترك شيئاً. فَإِنْ كُنْتَ
تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ (وفي طريق: رجاء رحمتك
ومخافة عذابك) فَفَرِّجْ عَنَّا. فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ([3]).
فَقَالَ
الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ
شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ آتِيهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ
لِي، فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِمَا لَيْلَةً، فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا،
وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنْ الْجُوعِ([4])،
فَكُنْتُ لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ، فَكَرِهْتُ أَنْ
أُوقِظَهُمَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا فَيَسْتَكِنَّا
لِشَرْبَتِهِمَا([5])،
فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. فَإِنْ كُنْتَ
تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا.
فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ.
فَقَالَ
الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ
عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَنِّي أردتها عَنْ نَفْسِهَا
فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ
فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ
تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ
عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا
بِحَقِّهِ. فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ
عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي
أَعْطَيْتُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ
خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا. فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا»
رواه البخاري ومسلم.
هؤلاء الثلاثة أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بحالهم حتى نتأسى بهم، ونقتديَ بفعالهم، ونسلك سبيلهم، ونترسم خطاهم..
الأول: رجل توسل إلى الله بأمانته.
نمَّا لأجيره ماله، ولما جاء يطلبه لم يحل بينه وبينه.
وقد قال الله تعالى: }إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها{ (النساء: 58).
وتوعد النبي
صلى الله عليه وسلم من ضيع الأمانة بقوله: «القتل في سبيل الله يكفر
الذنوب كلَّّها إلا الأمانة، يؤتى بالعبد يوم القيامة -وإن قتل في سبيل
الله- فيقال: أد أمانتك. فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال:
انطلقوا به إلى الهاوية. فيُنطلَق به إلى الهاوية، وتُمثل له أمانته
كهيئتها يوم دُفعت إليه، فيراها فيعرفُها، فيهوي في أثرها حتى يدركَها،
فيحملُها على مَنكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج زلَّت عن منكبيه، فهو يهوي في
أثرها أبد الآبدين». ثم قال: «الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة،
والكيل أمانة، وأشد ذلك الودائع» رواه أحمد، والبيهقي موقوفا، وذكر عبد
الله ابن الإمام أحمد في كتاب الزهد أنه سأل أباه عنه فقال: إسناده جيد.
الثاني:توسل إلى الله ببره لوالديه.
وأعجب ما في
قصة هذا أنّه فعل هذا بدون أن يعلم أن فيه أجراً معيناً، بدون أن يعلم أن
من فعله وحلَّ به ضيق فتوسل به استجاب الله دعاءه، ونحن نعلم هذا، ولا
يقوى أحد عليه إلا من رحم الله. شأنه شأنَ أبي بكر رضي الله عنه الذي
جمع بين أربع خصال في يوم وهو لا يدري أن التلبس بها في يوم واحد يدخل
الجنة. ونحن نعلم ذلك، ولعل قليلاً منا من حصل له هذا.
فدلت القصة
على فضل برِّ الوالدين، فقد كان بالإمكان أن يسقي هذا الرجل أهله وولده
ويرجئ أمر والديه إلى أن يستيقظا ولا يقدح ذلك في برِّه، وأعظم إشارة لنا
في قصة هذا البار: أنه إذا كان هذا الرجل لم يقدم أهله على والديه فيما لا
حرج فيه، فكيف تسول لنا أنفسنا أن نقدم أولادَنا وزوجاتِنا على أمهاتنا
فيما فيه الحرج والإثم ؟! ولقد قرن الله حقه بحق الوالدين في آيات عديدة،
منها قوله: }وَقَضَى
رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ
كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ
لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا{ (الإسراء: 23). فالواجب على الإنسان أن يعطي كلَّ ذي حق حقه.
قال ابن حجر
رحمه الله (فتح الباري: 6/510): "وفي القصة: فَضْل بِرّ الْوَالِدَيْنِ
وَخِدْمَتهمَا وَإِيثَارهمَا عَلَى الْوَلَد وَالْأَهْل وَتَحَمُّل
الْمَشَقَّة لِأَجْلِهِمَا. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ تَرْكه أَوْلَادَه
الصِّغَار يَبْكُونَ مِنْ الْجُوع طُول لَيْلَتهمَا مَعَ قُدْرَته عَلَى
تَسْكِين جُوعهمْ. فَقِيلَ: كَانَ فِي شَرْعهمْ تَقْدِيمُ نَفَقَة
الْأَصْل عَلَى غَيْرهمْ. وَقِيلَ: يَحْتَمِل أَنَّ بُكَاءَهُمْ لَيْسَ
عَنْ الْجُوع، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَرُدّهُ. وَقِيلَ: لَعَلَّهُمْ
كَانُوا يَطْلُبُونَ زِيَادَةً عَلَى سَدّ الرَّمَق، وَهَذَا أَوْلَى".
الثالث: توسل بعفته. وأعجب به من رجل.
فهذا الرجل
يراود هذه الفتاة لسنوات وهي تتأبى عليه، فلما سنحت الفرصة، وتمكن منها،
وهي التي جاءت إليه تطلب مالاً، وتهيأ لنيل مراده، هنا تطرق النصيحة أذنه،
والدافع لردها قوي، فإن للشهوة سلطاناً على أصحابها تقودهم كما تُقاد
العجماوات من البهائم، ولكن الله أحيا وازع الإيمان والخوف بهذه الكلمة:
اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقام ونزع عنها، ولم يأخذ المال الذي
أعطاه لها. فما أجمل العفةَ، وما أحسنَ عاقبتها!!
وهذا الحديث دليل على فوائد:
ففي الحديث:
التوسل بالعمل الصالح، ولا ريب أنّ هذا مشروع، والأدلة عليه كثيرة.
والتوسل: التقرب، والمراد أن يجعل الإنسان بين يدي دعائه ما يكون سبباً
لقبوله، والتوسل المشروع يكون بأسماء الله وصفاته، كأن تقول: يا رزاق
ارزقني. ويكون بالعمل الصالح كما في هذه القصة. ويكون بذكر الحال وإظهار
الفقر، كما قال موسى عليه السلام:}رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ{
(القصص:24). ومن أنواعه التوسل بدعاء العبد الصالح، فليس من حرج أن تطلب
إلى شخص توسَّمْت فيه صلاحاً أن يدعوَ لك، وإنما الحرج أن تدعوَ هذا
الصالح، فهنا الحرج والشرك.
وأما التوسل
بما لم يثبت في الشرع أنه وسيلة فليس بمشروع، كالتوسل بجاه النبي صلى الله
عليه وسلم، أو بحق فلان؛ ولا ريب أن جاه النبي صلى الله عليه وسلم عند
الله عظيم، ولكن من ينتفع به؟ الذي ينتفع به صاحبه صلى الله عليه وسلم.
وفيه بركة الدعاء، وأنه إذا ألَّمت بالمرء ضائقة فعليه أن يرفع أمره إلى الله، وأن يلجأ إليه.
وإن من العجائب أنّ المشركين قال الله عنهم: }فَإِذَا
رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ{ (العنكبوت: 66)، وكثير من الناس عند الضيق يلجأ إلى فلان وفلان. وهذا من أقبح ما يكون.
وفي القصة
إثبات الكرامات للصالحين، وفضل الإخلاص. واستجابة الله للمضطرين. وفيها:
جواز الحلف من غير استحلاف. وأن الغيب لله. واتخاذ الأسباب. والترغيب في
فعال الخير بذكر حال السابقين. واستصلاح الودائع. وأن الله يعبد خوفاً
وطمعاً. وفيها: فضل الرفقة الصالحة. وفيها: عظيم بركة الصدق مع الله.
وفيها: أن الفقر من أسباب شيوع الفاحشة واستفحال أمرها. وأن التصدق سبب
لسيادة العفة. وبركة التذكير بالله والتخويف منه. وأنه لا يأس ممن يقول:
لا إله إلا الله. وأن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. وأنه لا يقوى
على كشف الكربات إلا الله.
وأختم بإشكال وسؤال..
أما
الإشكال: فقد قال هؤلاء الثلاثة : اللهم إن كنت تعلم! قال ابن حجر رحمه
الله: "فِيهِ إِشْكَال؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِن يَعْلَم قَطْعًا أَنَّ اللَّه
يَعْلَم ذَلِكَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي عَمَله ذَلِكَ هَلْ
لَهُ اِعْتِبَار عِنْد اللَّه أَمْ لَا، وَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ
عَمَلِي ذَلِكَ مَقْبُولًا فَأَجِبْ دُعَائِي"([6]).
وبهذا يزول الإشكال، وإذا زال الإشكال ثبتت فائدة أخرى: وهي أن الصالحين
يعملون الخير ويسيئون الظن بأنفسهم، ويخشون ألا يتقبل الله منهم.
وأما السؤال –وهو متوجه إلينا جميعاً-: إذا كنا مكان هؤلاء فهل سنجد في أعمالنا خبيئةَ صدق نتوسل بها إلى ربنا؟


الثلاثية الستون ليس لابن آدم من ماله إلا ثلاث
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا
لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى،
أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ
لِلنَّاسِ» رواه مسلم.
قوله صلى
الله عليه وسلم: «يقول العبد: مالي مالي» أتى بصيغة المضارع إيماء إلى أن
هذا القول ديدنُه ودأبُه بحسب طبعه، أي: مالي هو الذي أعتني به وأهتم،
فالتكرار لفظاً للتعظيم والاهتمام.
فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المال الذي نهتم به إنما هو ثلاث، ثلاث جهات للصرف تبذل فيها الأموال:
الجهة الأول: الطعام والشراب. وهذا من المباحات بشرط عدم الإسراف، وعدم شراء ما يحرم أكله.
الجهة الثانية: اللباس. ويقال فيها ما قيل في الجهة الأولى: أنه لا بأس ببذل المال لتحصيل ذلك بدون إسراف. فأبليت أي: أخلقت الثوب.
فما أنفقه الإنسان على نفسه في طعامه وشرابه ونحوِ ذلك فلا يكون له ولا عليه، إلا إذا كانت له فيه نيةٌ صالحة.
الجهة الثالثة: ما أعطى فاقتنى.
ومعناها: ادخر لآخرته ثوابه وفي بعض نسخ صحيح مسلم: «فأقنى»، بحذف التاء، أي: أرضى.
فالمال الذي يُنفق هو المال الذي سيبقى لأصحابه في الآخرة.
قال الله تعالى: }مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ{ (النحل:96).
وقال تعالى: }مَنْ
ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ
أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ{ (البقرة:245). وقال: }مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ{ (الحديد:11).


وليس بالله حاجةٌ إلى أحد من عباده، وإنما المراد أن الله يوفي العبدَ يوم القيامة أجر صدقته.
قال ابن مسعود رضي الله عنه : "لما نزلت: } مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا{
قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن الله عز وجل ليريد منا
القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح». قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله
يده. قال: فإني قد أقرضت ربي عز وجل حائطي. وحائطه له فيه سِتمائة نخلة،
وكانت أم الدحداح وعيالها فيه، فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح!
قالت: لبيك. قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل. فقالت له: ربح البيع".
رواه الطبري وأبو يعلى والطبراني.
وعن عائشة
رضي الله عنها: أنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه
وسلم: «مَا بَقِيَ مِنْهَا»؟ قالت: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلاَّ كَتِفُها.
قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرُ كَتِفِهَا» رواه الترمذي.
وعن أبي
هريرة رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ
تَصَدَّقَ بعَدلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -وَلاَ يَقْبَلُ اللهُ
إِلاَّ الطَّيبَ- فَإنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ
يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى
تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ » رواه البخاري ومسلم.
ثم بين
النبي صلى الله عليه وسلم أن ما عدا ذلك من الأموال فإنك ستبقيه إلى
الورثة. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ»؟
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ
إِلَيْهِ. قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا
أَخَّرَ» رواه البخاري.
قال بعض
الملوك لأبي حازم الزاهد: لماذا نكره الموت؟ فقال له: "جعلت مالك بين
عينيك؛ فأنت تكره فراقه، ولو قدمته لآخرتك لأحببت اللحوقَ به".
وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يعجبه شيء من ماله إلا قدمه لله.
ودخل رجل
على أبي ذر فلم يجد في بيته شيئا، فقال: أين متاعك؟ فقال: إن لنا بيتا نوجه
إلينا متاعنا. فقال له الرجل: لابد لك من متاع ما دمت هنا. قال: إن صاحب
البيت لا يدعنا فيه.
وقال الحسن: "بئس الرفيقان الدرهم والدينار، لا ينفعانك حتى يفارقانك".
وقيل لحكيم: جمع فلان مالا. فقال: وهل جمع له عمرا يفرقه فيه قالوا: لا. قال: ما فعل شيئاً.
جمعت مالا ففكر هل جمعت له يا جامع المال اياماً تفــرقه
المال عندك مخزون لوارثـــه ما المال مالك غلا حين تنفقه
وقال بعض السلف: ابن آدم، إنما تسكن يوم القيامة فيما بنيت، وتنزل يومئذ على ما نقلت في حياتك من متاعك.
وليس معنى ذلك أن يهلك الإنسان ماله بحجة أن يريد أن يعمر آخرته، فإن الله تعالى يقول: }وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا{
(الإسراء: 29). أي: ولا تمسك يدك عن الإنفاق في سبيل الخير، مضيِّقًا على
نفسك وأهلك والمحتاجين، ولا تسرف في الإنفاق، فتعطي فوق طاقتك، فتقعد
ملومًا يلومك الناس ويذمونك، نادمًا على تبذيرك وضياع مالك. فإن النبي صلى
الله عليه وسلم ثبت عنه أنه عاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ قارب فيه على الْمَوْتِ، فقال سعد: يَا
رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنْ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ،
وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ
بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لا». قَالَ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ «لا،
الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ
أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ
النَّاسَ» رواه البخاري ومسلم. فسعد له ابنة واحدة ومع ذلك قال له النبي
صلى الله عليه وسلم: «الثلث كثير». ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما
يقول: "وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية؛ لأن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: «الثلث كثير» رواه الشيخان.
والإسلام لا
يحارب جمع المال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ الْمَالُ
الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ» رواه أحمد. وقال صلى الله عليه وسلم:
«لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا
فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ
حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» رواه البخاري ومسلم. وثبت
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أنه قال: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى
النَّبِيِّ بِأَلْفِ دِينَارٍ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فوضعها
فِي حِجْرِ النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ
وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ»
–مَرَّتَيْنِ- رواه الترمذي. الذي يحاربه الإسلام أن يملكك مالك لا أن
تملكه، أن يكون المال في قلبك لا في يدك.
هذا الحديث أرشد إلى أن ما ننفقه يدخر الله لنا أجره. ومع ذلك فإن الله وعد بالخلف في الدنيا، قال تعالى: }وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ{
(سبأ: 39). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى
الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا
مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ
مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا
تَلَفًا» رواه البخاري ومسلم. وثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ،
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : «قَالَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» رواه البخاري ومسلم. ومما يدل لذلك
هذه القصة التي حدثنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e
قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ
صَوْتاً في سَحَابَةٍ: اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ
السَّحَابُ فَأفْرَغَ مَاءهُ في حَرَّةٍ، فإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ
الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَت ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ
المَاءَ، فإذَا رَجُلٌ قَائمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ
بِمسحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، ما اسمُكَ؟ قال: فُلانٌ
-للاسم الذي سَمِعَ في السَّحابةِ-، فقال له: يا عبدَ الله ، لِمَ
تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوتْاً في السَّحابِ
الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ، لاسمِكَ. فَمَا
تَصْنَعُ فِيهَا؟ فَقَالَ: أمَا إذ قلتَ هَذَا فَإنِّي أنْظُرُ إِلَى مَا
يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أنَا وَعِيَالِي
ثُلُثاً، وَأردُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» رواه مسلم.
فالصدقة التجارة الرابحة مع الله، قال تعالى: }
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ
تِجَارَةً لَّن تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن
فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ { (فاطر: 29-30). وقال:}مَّثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ
وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{ (البقرة: 261).



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الخميس 31 مايو - 18:56


الثلاثية الحادية والستون ثلاث وصايا لحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَنْ
مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ،
وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ». فَقَالَ
لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا
أُحِبُّكَ. فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذ؛ُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ
كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ،
وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» رواه أحمد وأبو داود.
ثلاثة أمور حض النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً على أن يستعين بالله في تحقيقها.
الأمر الأولى: ذكر الله.
قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعني»، طلب العون من الله عبادة، والمسلم يقول في كل ركعة يقرأ فيها بأم الكتاب: }اهدنا الصراط المستقيم{.
والمراد بالذكر: أن يتحرك اللسان بالكلمات التي تعبدنا الله بها، كالحمد
لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا
بالله..
والذكر أيسر العبادات وأصعبها! كيف
ذلك؟ أيسرها لأنه لا يُكلفك أكثر من أن تحرك به لسانك، والعسير الاستمرار
عليه وإدامته. هذا لا يوفق له إلا المخلصون، فليس الشأن أن تذكر الله،
وإنما أن تديم ذلك وتكثر منه. فإن الله تعالى قال عن المنافقين: }ولا يذكرون الله إلا قليلاً{ (النساء: 142). أما المؤمنون فقد أمرهم بقوله: }يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً{ (الأحزاب: 41).
وسبيل الإكثار من الذكر أمران:
الأول: الدعاء بأن يوفقك الله لذلك كما في هذا الحديث.
الثاني: بالتعرف على فضله، وتوطين
النفس بين الحين والآخر على الاستمرار عليه، ومن جاهد نفسه في ذلك وفقه
الله، فمن يتصبر يصبره الله، ومن يصدق في سعيه يوفقه الله.
ويكفي لبيان فضل الذكر قول الله تعالى: }وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرَاً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ { (الجمعة : 10). وللفلاح ركنان: حصول المرغوب، وفوات المرهوب، والذكر يحقق هذين الأمرين.
الأمر الثاني: الشكر.
والشكر: عرفان الإحسان. ولما كان
للشكر أركانٌ ثلاثة، وهي: الاعتراف بالنعمة بالقلب، والتحدث بها والثناء
على المنعم، وتسخيرها في طاعة مسديها والمنعم بها؛ ناسب أن يُدعى بالعون
على القيام بذلك. فلابد –كي يكون المرء شاكراً- من تسخير ما أولاه الله من
النعم في طاعته، كما قال تعالى: }اعملوا آلَ دَاودَ شكراً{
(سبأ: 13). ومعنى الآية: يا آل داود اعملوا شكرًا لله على ما أعطاكم،
وذلك بطاعته وامتثال أمره. وهذا لا يكون إلا بعونٍ من الله تعالى.
الأمر الثالث: حسن العبادة.
والعبادة لا تكون حسنة إلا إذا توفر فيها أمران:
الإخلاص، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا أخلص المرء في عبادته ولم
توافق عبادته عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مردودة عليه، وإذا
تابع ولم يخلص لم تقبل، فلابد من اجتماع الأمرين في كل عبادة نقوم بها.
رأى سعيد بن المسيب رحمه الله رجلا يصلي بعد الفجر، فأنكر عليه، فقال له
الرجل: يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: "إن الله لا يعذب على
الصلاة، ولكن عذب على مخالفة السنة" رواه البيهقي، وعبد الرزاق في المصنف،
والدارِمي.
هذا الحديث جمع بين طاعة الجنان،
واللسان، والأركان. فـ «اللهم أعني على ذكرك»: هذه طاعة اللسان. «وشكرك»:
طاعة الجنان. «وحسن عبادتك» طاعة الأركان.
ومما دل عليه هذا الحديث فضل معاد
بن جبل رضي الله عنه ، وقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم:
«وَأَعْلَمُهُمْ –الأمة- بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»
رواه الترمذي. وقال عنه: «مُعَاذُ بن جَبَلٍ أَمَامَ الْعُلَمَاءِ
بِرَتْوَةٍ» رواه الطبراني. أي: برمية حجر.
ومن فوائد الحديث:
أنّ من السنة إذا أحب الرجل أخاه
أن يعلمه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه
يحبه» رواه أبو داود والترمذي. وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا كان عند
النبي صلى الله عليه وسلم فمر به رجل، فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أعلمته»؟ قال: لا. قال: «أعلمه». قال:
فلحقه فقال: إني أحبك في الله. فقال: أحبَّك الذي أحببتني فيه. رواه أبو
داود.
فأي العبارتين يقول المحبوب كما في هذا الحديث؛ أحبك الله، أم: وأنا أحبك في الله كما في حديث معاذ؟
الجواب: قد يقال: يقول المحبوب لمن
يحبه في الله: أحبك الله الذي أحببتني فيه، إلا إذا كان المحبوب يحب
المحبَّ ويبادله الحب فيقول: وأنا أحبك في الله. هذا القول لا بأس به إن
وجد من علمائنا من قال به.
ومنها: حث الإسلام على التحاب
والتواد في الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أحب معاذاً في الله وأعلمه
بذلك، ولنا في رسولنا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ومن شأن ذلك أن يفضي
إلى شيوع المحبة بيننا. وتأمل في ثمار ذلك:
فالحب في الله سبب لنيل محبة الله.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن
النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله
على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه
القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحبه في الله.
قال: فإني رسول الله إليك: إن الله قد أحبك كما أحببته فيه» رواه مسلم.
والحب في الله من علامات صدق الإيمان:
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله» رواه الطبراني. وعن أنس
بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن
فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب
المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في
النار» رواه الشيخان.
وممن يظلهم الله في ظله المتحابُّون فيه:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين
المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» رواه مسلم. ومن
السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجلان تحابا في
الله» رواه الشيخان.
والحب في الله سبيل الجنة:
قال نبينا صلى الله عليه وسلم:
«والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا،
أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» رواه مسلم.
ومن فوائد الحديث: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم. فقد أخذ بيد معاذ وأوصاه وأخبره بحبه له.
ومنها: أن الحب في الله لابد أن يورث محبة الخير للمحبوب وبذلَ النصيحة له، وإلا كان حباً متهماً، ولم يكن في الله.
بقيت مسألة أخيرة: متى يقال هذا الدعاء؟
كلمة دبر الشيء تحتمل أمرين: أنه بعد الشيء، أو في آخره قبل انتهائه. فدبر الحيوان –مثلاً- مؤخرته.
فالقاعدة فيما يقال دبر الصلاة أنه
إذا كان المذكور أذكارا فإنه يكون بعد السلام، وإذا كان المذكور دعاء فإنه
يكون قبل السلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسبح ويحمد الله ويكبر
ويهلل بعد السلام، أما قبل السلام فقد ثبتت عنه كثير من الأدعية، تراجع في
صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للألباني رحمه الله.
ومما يؤيد هذا رواية الإمام أحمد
والطبراني رحمهما الله: «فَإِنِّي أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي
كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ
عِبَادَتِكَ».





الثلاثية الثانية والستون ثلاث علامات للساعة
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ
نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي
إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ،
وَدَابَّةُ الْأَرْضِ» رواه مسلم.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن
ثلاث علامات للساعة إذا جاء وقتها وخرجن فلا ينفع كافراً أن يؤمن بالله
بعدها، ولا ينفع مؤمناً أن يكسب خيراً ولا يعتد به. كما قال تعالى: }هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ
أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ
رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ
أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا
مُنْتَظِرُونَ{ (الأنعام:158).
والمعنى: هل ينتظر الذين أعرضوا
وصدوا عن سبيل الله إلا أن يأتيهم ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم، أو
يأتي ربك -أيها الرسول- للفصل بين عباده يوم القيامة، أو يأتي بعض أشراط
الساعة وعلاماتِها الدالة على مجيئها، وهي طلوع الشمس من مغربها؟ فحين
يكون ذلك لا ينفع نفسا إيمانها، إن لم تكن آمنت من قبل، ولا يُقبل منها إن
كانت مؤمنة كسبُ عمل صالح إن لم تكن عاملة به قبل ذلك.
وهل المرد أن الواحدة من هذه الثلاث إذا ظهرت انقطع الانتفاع بالعمل، أم لابد من اجتماعهن؟
رجح جماعة الأول([1])،
والصحيح الثاني؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بأن يوماً من
أيام الدجال كسنة سأله الصحابة: كيف تكون الصلاة فيه؟ فأجابهم، وهذا يدل
على أن العمل بعد ظهوره لا ينقطع الانتفاع به.
العلامة الأولى: طلوع الشمس من مغربها
ثبت عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله
عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ
تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ»؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا
تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى
يُقَالَ لَهَا : ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ. فَتَرْجِعُ
فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ
إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً وَلَا
تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ
جِئْتِ. فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي
لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى
مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي
أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ. فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ
مَغْرِبِهَا. أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ ؟ ذَاكَ حِينَ }لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا{» رواه البخاري ومسلم.
العلامة الثانية: الدجال
المسيح الدجال. ولفظ المسيح من
الأضداد، يطلق على الصِّديق والضِّليل. وسُمِّي المسيح مسيحاً لأنه ممسوحُ
العين، قال صلى الله عليه وسلم: «المسيح الدجال ممسوح العين» رواه مسلم.
وسُمي دجّالاً لأنه يُلبِّس على الناس بما معه من الشبهات، فالدَّجل
تغطية الشيء، والدجَّال المموِّه الكذاب.
وليس من المناسب إثارة المباحث
المتعلقة بالمسيح الدجال في حلقة صغيرة كهذه، ولكنني أريد أن أذكر بمسألة
في غاية من الأهمية تتعلق بالمسيح الدجال، وهي: كيف يتقي المسلم هذه
الفتنة؟
الجواب: تُتقى بأمور:
الأول: بتصحيح المعتقد في الله.
فمن علم أسماء الله وصفاته علم أن لله عينين وأنه ليس بأعور والدجال أعور،
وعلم أن الله تعالى لا يأكل ولا يشرب والدجال يأكل ويشرب ، والله لا يُرى
في الدنيا والدجال يُرى.
الثاني: بالاستقامة على دين الله
وسلوك سبيل الصالحين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنْ يَخْرُجْ
وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ
فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ
مُسْلِمٍ» رواه مسلم. أي: والله يتولى المسلم، والمسلم الذي يحظى بحفظ
الله هو الصالح، قال تعالى: }وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ{
(الأعراف: 196). وقد ثبت في سنن ابن ماجه أنَّ شاباً صالحاً لا يقدر
الدجال على زعزعة إيمانه بشبهاته، قال صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ مِنْ
فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلَهَا
وَيَنْشُرَهَا بِالْمِنْشَارِ حَتَّى يُلْقَى شِقَّتَيْنِ ثُمَّ يَقُولَ:
انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا، فَإِنِّي أَبْعَثُهُ الْآنَ ثُمَّ
يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي. فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ وَيَقُولُ لَهُ
الْخَبِيثُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَأَنْتَ عَدُوُّ
اللَّهِ، أَنْتَ الدَّجَّالُ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ بَعْدُ أَشَدَّ
بَصِيرَةً بِكَ مِنِّي الْيَوْمَ». وهكذا يفعل الإيمان عندما يخلص إلى
القلوب ويتمكن منها.
الثالث: أن يُتعوَّذ بالله بعد
التشهد في الصلاة من فتنته. قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَشَهَّدَ
أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ،
وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ
الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» البخاري ومسلم.
الرابع: حفظ عشر آيات من أول الكهف؛
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ
سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ». وقال صلى الله عليه وسلم:
«من أدركه فليقرأ عليه فواتِح سورة الكهف» رواه مسلم.
الخامس: الفرار منه؛ لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ،
فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ
مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ؛ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ» رواه
أحمد وأبو داود.
ويكون هلاك الدجال على يد عيسى ابن
مريم عليه السلام عند باب لد، فإذا قُتل خنس أتباعه من اليهود، فاختبئوا
وراء الحجر والشجر، فيُنطق الله الحجر والشجر. قال صلى الله عليه وسلم:
«فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الدَّجَّالُ-أي إلى عيسى- ذَابَ كَمَا يَذُوبُ
الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى عَلَيْهِ
السَّلَام: إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً لَنْ تَسْبِقَنِي بِهَا،
فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ اللُّدِّ الشَّرْقِيِّ، فَيَقْتُلُهُ،
فَيَهْزِمُ اللَّهُ الْيَهُودَ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ
اللَّهُ يَتَوَارَى بِهِ يَهُودِيٌّ إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ
الشَّيْءَ، لَا حَجَرَ وَلَا شَجَرَ وَلَا حَائِطَ وَلَا دَابَّةَ، إِلَّا
الْغَرْقَدَةَ فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ لَا تَنْطِقُ، إِلَّا قَالَ:
يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمُسْلِمَ هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ اقْتُلْهُ»
رواه مسلم وأحمد.
العلامة الثالثة: خروج الدابة
يقول تعالى: }وَإِذَا
وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ
الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا
يُوقِنُونَ{(النمل: 82).
يقول ابن مسعود رضي الله عنه :
أكثروا من تلاوة القرآن قبل أن يرفع. قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما
في صدور الرجال؟ قال: يُسرى عليه ليلاً فيصبحون منه فقراء، وينسون قول لا
إله إلا الله، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع عليهم
القول" رواه الدارمي والطبراني في الأوسط وعبد الرزق في المصنف.
وهذه الدابة لا يليق بالمسلم أن
يبحث عن أمور لم ترد في الكتاب ولا في السنة، كصفتها، وفصيلتها، ونحو
ذلك... فنؤمن بأنها دابة من خلق الله تكلم الناس ونسكت عما سُكت عنه.
وهذه الدابة لها وظيفتان:
الأولى: تكلم الناس، وتقول: إنَّ
الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، هذا على قراءة من فتح همزة (إنَّ).
وأما على قراءة من كسر همزة (إنَّ) فيكون كلامها غير مبين في الآية لأن
الجملة استئنافيةً. ولكن القراءات يفسر بعضها بعضاً. ولذا قرأ أبي رضي
الله عنه (تنبئهم).
الثانية: ما جاء ذكرها في حديث
النبي صلى الله عليه وسلم: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى
عَلَيْهِ السَّلَام وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَام، فَتَخْطِمُ
الْكَافِرَ بِالْخَاتَمِ، وَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا» رواه
أحمد. وهذا معنى قراءة ابن عباس رضي الله عنهما: (تَكْلَمُهم).




الثلاثية الثالثة والستون ثلاث تحسدنا اليهود عليها
قالت
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم
–اليهود-لا يحسُدونا على شيءٍ كما يحسُدونا على يومِ الجمعة التي هدانا
الله لها وضلُّوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى
قولنا خلف الإمام: آمين» رواه أحمد في المسند.
وفي حديث آخر ضُعِّفت بعض جمله([1]): «لم تحسدْنا اليهود بشيء ما حسدونا بـ (ثلاث): التسليم، والتأمين، (واللهم ربنا لك الحمد)» رواه البيهقي.
والحسد: أن يرَى الرجل لأخيه نعْمة فيَتَمنَّى أن تزول عنه وتكون له دُونه.
هذه ثلاثة أمور تحسُد اليهود عليها هذه الأمة:
الأمر الأول: الجمعة
فقد فرض الله على اليهود يوم
الجمعة بعينه، فأبوا، وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق في يوم السبت شيئا
فاجعله لنا، وليس ذلك بعجيب لحبهم المخالفة، كما وقع لهم في قوله: }وادخلوا البابَ سجداً وقولوا حطَّة{
(البقرة: 58)، فغيروا وبدلوا. فليس هذا غريبا عن يهود الذين تجري محبة
المخالفة في كل قطرة من دمائهم. وهذا القول أولى من قول من قال: إن الله
لم يعين لهم يوما وإنما وكل الأمر إلى اختيارهم فضلوا، واستدل أصحاب هذا
القول بقوله صلى الله عليه وسلم: «فاختلفوا»، ولم يقل: فخالفوا. والجواب ما
قاله النووي رحمه الله: "يمكن أن يكونوا أمروا به صريحا فاختلفوا هل يلزم
تعينه أم يسوغ إبداله بيوم آخر"([2]).
وهذا تأويل قول الله تعالى: }إِنَّمَا
جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ
لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ{ (النحل: 124).
والمعنى: إنَّما جعل الله تعظيم يوم
السبت بالتفرغ للعبادة فيه على اليهود الذين اختلفوا فيه على نبيهم،
واختاروه بدل يوم الجمعة الذي أُمِروا بتعظيمه. فقوله: }على الذين{، أي: فُرض عليهم احترامُه وتعظيمُه، وإلا فالفضيلة الحقيقية ليوم الجمعة الذي هدى الله هذه الأمة إليه.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«نحن الآخِرون ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أنَّ كلَّ أمة أوتيت
الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا
هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد» رواه
البخاري ومسلم. أي: صار عيدنا أسبق من عيدهم، وصاروا لنا في عيدنا تبعا،
فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة، ومنهم من عيده بعده.
الأمر الثاني: القبلة
الذي ذكره الحافظ العلائي في
تذكرته أن الراجح عند العلماء أن الكعبة قبلة الأنبياء كلِّهم كما دلت
عليه الآثار. فالكعبة كانت قبلة اليهود لكنهم لم يهتدوا إليها.
وقد كانت القبلة في بداية الأمر إلى بيت المقدس، قال تعالى: }قَدْ
نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً
تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا
كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ
بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ{ (البقرة: 144).
قد نرى تحوُّل وجهك -أيها الرسول-
في جهة السماء، مرة بعد مرة; انتظارًا لنزول الوحي إليك في شأن القبلة،
فلنصرفنك عن "بيت المقدس" إلى قبلة تحبها وترضاها، وهي وجهة المسجد الحرام
بـ "مكة"، فولِّ وجهك إليها. وفي أي مكان كنتم -أيها المسلمون- وأردتم
الصلاة فتوجهوا نحو المسجد الحرام.
فاستقبال القبلة مما حسدونا عليه؛
لأن الكعبة أول بيت وضع للناس، وأعظم بيت في الأرض؛ ولا يوجد بيت قصده ركن
من أركان الإسلام للحج إلا الكعبة؛ ولذلك حسدنا اليهود عليها، وأثاروا
ضجة عظيمة على التولي عن قبلتهم إلى الكعبة، وصاروا مع من يناصرهم من
المشركين؛ أحدثوا أمراً عظيماً حتى إن بعض المسلمين ارتد -والعياذ بالله-
عن الإسلام لما سمع من زخرف القول من هؤلاء اليهود، وغيرهم.
والله سبحانه تعالى كان قد أعلم
نبيه صلى الله عليه وسلم بما سيكون في أمر القبلة، وبما سيثار حول هذا
التحول من قبل يهود، قال تعالى: }سَيَقُولُ
السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي
كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ
عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ
عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ
يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى
الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ{ (البقرة: 142-143).
ومن لطائف الآية أن اليهود عندما
استقبل الكعبة بعد بيت المقدس الذي صلى إليه سنة ونصف السنة قالوا: ترك
قبلته وسيترك دينه. وقال المنافقون: ما هذا كل يوم يستقبل جهةً. وقال
المشركون قريبا من ذلك. فقال الله عنهم كلهم: }سيقول السفهاء من الناس{ فهم أحقر شأنا من أن يفرد كل منهم بالذكر هنا.
وهذا المعنى موجود في سبب قصر سورة
الكوثر، هذه السورة سبب نزولها أنّ الكفار قالوا في نبين صلى الله عليه
وسلم: إنه أبتر لا عقب له. فنزلت السورة، ولما كانت رداً على هؤلاء لم
تطل، فكانت أقصر سورة تحقيرا لهم.
فالعاقل لا يبالي باعتراض السفيه، ولا بما يثيره أعداء دين الله، وإن كان واجبا عليه أن يدفع شبهاتهم بنور الوحي: }قل لله المشرق والمغرب{.
ودلت الآية على أنه لا يعترض على
أحكام الله إلا سفيه مهما ادعى أنه من أهل الاستنارة والفكر والوعي وأنه
عدو للظلاميين والظلامية إلى غير ذلك من هذه المصطلحات التي أرهقوها
وأتعبوها! أما المؤمن فيقول أمام أمر الله: سمعنا وأطعنا. هذه هي الاستنارة
الحقيقة بنور الوحي، وهذا هو الفكر الثاقب المؤيد بالشرع.
الأمر الثالث: على قولنا خلف الإمام آمين
وذلك لأمرين:
الأول: لأنه مظهر من مظاهر وحدة المسلمين.
الثاني: لأننا نؤمن على دعاء الله بأن يجنبنا سبيلهم.
ومعنى آمين: رب استجب.
وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التأمين خلف الإمام في الصلاة بقوله: «إذا قال الإمام: }غير المغضوب عليهم ولا الضالين{ فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري ومسلم.
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الإمام: }غير المغضوب عليهم ولا الضالين{، فقولوا: آمين، يجبكم الله» رواه الطبراني في الكبير.
أعظم فائدة يدل عليها هذا الحديث:
أن أكثر ما يزعج اليهود وحدة هذه الأمة؛ فإن أحفاد القردة والخنازير
يعلمون أنه في اليوم الذي ستتمع فيه هذه الأمة لن تبقى لهم بالأرض باقية،
فإن أهل الإسلام لو زحفوا إليهم وتفل كل واحد منهم لغرقوا جميعاً وهلكوا،
ولذلك نرى جهودهم في تفريق كلمتنا، وبث العداوات بيننا، ولا أدري والله متى
نفيق من غفلتنا، ونستيقظ من رقدتنا، مرة بعد مرة تصفعنا التجارب المرة،
ولكننا لا نفيق! ومرة بعد مرة نكشف عن المكيدة والمؤامرة تلبس أزياء
مختلفة، ولكننا لا نعتبر! والله المستعان.
ومن فوائد هذا الحديث أن كل من يحسد إخوانه ففيه شبه من اليهود والعياذ بالله.



يتبع






‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: ثلاثيّاتٌ نبَويَّة   الخميس 31 مايو - 20:25

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الثلاثية الرابعة والستون ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم (3)
عن
أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم
عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر» رواه مسلم.
سبق
معنا في ثلاثيتين معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يكلمهم الله يوم
القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم». فمعنى لا يكلمهم
أي بما يسرهم، فإن الله تعالى يتكلم تكليم غضب، فأهل النار لما قالوا: }ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون{، قال لهم: }اخسئوا فيها ولا تكلمون{،
فالمراد كلام الرحمة والرضا. وقوله: لا ينظر إليهم، أي: برحمة. ولا
يزكيهم: لا يثني عليهم، ولا يمدحهم. وقيل: لا يطهرهم من دنس الذنوب. ولهم
عذاب أليم: موجع. قال الواحدي رحمه الله: هو الذي يخلص إلى القلوب وجعه.
والعذاب: كل ما يُعْيِي الإنسان ويشق عليه.
الأول: شيخ زان
وإنما
ذكر الشيخ ولم يذكر الشاب مع أن الزنا قبيح من الجميع إذ داعيته قد ضعفت،
وهمته قد فترت، وقوته قد نُكست، وشهوته قد انطفأت، وغلمته قد انتفت،
فزناه عناد ومراغمة. وهذا يدل على حبه لمعصية الله وقلة إيمانه. فالشيخ لا
يقوى على الوطء الحلال إلا بنصب وتعب، فلماذا الحرام؟ ولهذا فرق من فرق
من الفقهاء في القبلة للصائم بين الشاب والشيخ الكبير، وإنما المعتبر
المقدرة على كبح جماح الشهوة وعدمُ التمادي معها.
ثم
إن الشيخ ليس كالشاب في قوة عقله وتأنيه وعدم تسرعه، فإقدامه على هذه
المعصية دليل على استخفافه بحق الحق، وقلة مبالاته به، ورذالات طبعه.
وقد قيل: من لم يرعو عند الشيب، ولم يستح من العيب، ولم يخش الله في الغيب، فليس لله فيه حاجة.
ولهذا من العجائب في قصة يوسف عليه السلام أن تسعة من الدوافع لمعصية الزنا اجتمعت عنده، منها كونه شابا، ومع ذلك قال: }معاذ الله{.
ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربَّك ليعجب من الشاب
ليست له صبوة» رواه أحمد. والصبوة: الميل إلى الهوى. ومن السبعة الذين
يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «شاب نشأ في طاعة الله» رواه
الشيخان. وإنما أكرمه الله بذلك لقوة الداعي عنده للمعصية، فإذا كف نفسه
عنها جازاه الله تعالى بذلك.
الثاني: ملك كذاب
وذلك
لأن الامام لا يخشى من أحد، وإنما يحتاج إلى الكذب من يريد مصانعة من
يحذره، فالملك يحذر من؟ فهذا دليل على حبه للمعصية واستخفافه بدين الله
تعالى.
والكذب اليوم خصلة ملازمة للحكام إلا من رحم الله، وهؤلاء لا أعلم إن كانوا موجودين أم لا!
وليس المراد بكذَّاب صيغة المبالغة، وإنما المراد نعتُه بذلك ونسبتُه إليه، وهذا سائغ في لسان العرب.
والكذب: الإخبار بخلاف الواقع.
ومن
أعظم أسباب كذب الملوك: كثرة كلامهم، فلكل رئيس خطابات يخاطب بها شعبه في
مناسبات مختلفة، فتجد ملف هذا الرئيس خلواً من الإنجازات الحقيقة، فيملأ
خطابه بالكذب والوعود التي لا يشك عاقل في عدم إرادة الوفاء بها.
وإذا كان الكذب مع ضعف الداعي إليه بهذه المكانة من السَّخَط فإن من صدق وقد أحرجه الصدق لبمكانٍ عند الله.
الثالث: عائل مستكبر
قيل:
المراد بالعائل ذو العيال الذي يتكبر عن أخذ الصدقة. وهذا ضعيف. والصحيح
أن المراد: فقير مستكبر. والكبر بطر الحق وغمط الناس.
ومن أسباب الكبر المال، فإن المال يدعو إلى الترفع على الناس، فهذا الذي قل ماله أن انعدم ما الذي يحمله على ذلك؟
مع
التأكيد على أن الكبر مذموم من الجميع، والجميع داخل في الوعيد الرباني:
«الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار»
رواه مسلم. ومن أسبابه كذلك:
المنصب. وبلوغك المنصب الذي تتعالى به دليل على أنه لا يبقى لأحد، ولولا ذا ما بلغته.
النسب. والله يقول: }إن أكرمكم عند الله أتقاكم{ (الحجرات: 13). ويقول صلى الله عليه وسلم : «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» رواه مسلم.
وعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ
بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْ
لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ
الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُِبِيَّةَ
الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ
وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ
تُرَابٍ» رواه أبو داود والترمذي واللفظ له.
عبية بضم العين وخفضها: نخوتها وفخرها. وهذا قاله يوم فتح مكة. وفحم جهنم: الآباء الذين ماتوا على الكفر.
إن كريم الأصل كالغصن كلما ازداد من خير تواضع وانحنى
العجب والاغترار بالنفس:
وعليك أن تتذكر يا ابن آدم أنك: تنتنك عرقة، وتؤذيك بقة، وتقتلك شرقة، فكيف تتكبر وهذا حالك؟!
يَا مُظْهِرَ الْكِبْرِ إعْجَابًا بِصُورَتـِهِ اُنْظُرْ خَلَاكَ فَإِنَّ النَّتْنَ تَثْـــرِيبُ
لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِيمَا فِي بُطُونِهِـمْ مَا اسْتَشْعَرَ الْكِبْرَ شُبَّانٌ وَلَا شِيـبُ
هَلْ فِي ابْنِ آدَمَ مِثْلُ الرَّأْسِ مَكْرُمَةً وَهُوَ بِخَمْسٍ مِنْ الْأَقْذَارِ مَضْـرُوبُ
أَنْفٌ يَسِيلُ وَأُذْنٌ رِيحُهَا سَهِــكٌ وَالْعَيْنُ مُرمَصَةٌ وَالثَّغْرُ مَلْعُــوبُ
يَا ابْنَ التُّرَابِ وَمَأْكُولَ التُّرَابِ غَدًا أَقْصِرْ فَإِنَّك مَأْكُولٌ وَمَشْــرُوبُ
مرمصة: الرَّمَص: وسخ جامد في العين، فإن سال فهو غَمَص.
والسَّهَكُ ريح كريهة تجدها من الإنسان إذا عَرِقَ، تقول: إنه لَسَهِكُ الريح، وقد سَهِكَ سَهَكاً، وهو سَهِكٌ.
وفي
الإحياء عن مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير أنه رأى المُهَلَّب وهو
يتبختر في جبة خز، فقال: يا عبد الله، هذه مشية يبغضها الله ورسوله. فقال
له المهلب: أما تعرفني؟ فقال بلي، أعرفك، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة
قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرِة. فمضى المهلب وترك مشيته تلك
ودل
الحديث على أن من أسباب الكذب المداهنة والمصانعة، فإن الملك متوعد بهذا
العذاب لأنه يُصانَع ولا يصانِع، ويُداهَن ولا يُداهِن. ففيه دليل على أن
ذلك من أسباب الكذب.
فمن
قام به شيء من ذلك فعليه أن يعلم –ليكف لسانه عن الكذب- أن من أرضى الناس
بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس كما في الحديث الصحيح.
وهنا
أثبتُ كلمة بديعة للقاضي عياض رحمه الله: "سبب تخصيص هؤلاء بهذا الوعيد
أن كلاً منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه، وعدم ضرورته إليها،
وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يعذر أحد بذنب، لكن لما لم يكن إلى هذه
المعاصي ضرورة مزعجة ولا دواعي معتادة أشبه إقدامُهم عليها المعاندةَ
والاستخفاف بحق الله تعالى وقصدَ معصيته".
وقال الطيبي رحمه الله: "يعني الزنا قبيح ومن الشيخ أقبح، والكذب سمج ومن الملك أسمج، والتكبر مذموم ومن الفقير أذم".




الثلاثية الخامسة والستون من فوائد الاستغفار
عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه
عز وجل: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي
ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا،
فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ.
ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ. فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي.
فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ
لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ
فَأَذْنَبَ. فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا
يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ
غَفَرْتُ لَكَ» رواه مسلم.
هذا
العبد أذنب ثلاثا، في كل مرة يعاود الذنب، يتوب ثم يذنب، ولكنه رجاع إلى
الله، فقال الله في المرة الثالثة: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ
لَكَ».
فما هو المراد بذلك؟
لا
يجوز لأحد أن يظن أن المراد: افعل ما شئت من المعاصي فإنه لا حرج عليك،
لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء. بل المراد: ما دمت أنك تذنب وتستغفر
فإني أغفر لك.
فالذي يتوب من الذنب ويعود إليه له حالان:
الحال الأولى: أن يتوب ونفسه تحدثه بمعاودة الذنب، فهذا كالمستهزئ بربه، وهذا يخادع الله ولكنه في الحقيقة إنما يخدع نفسه.
الحال
الثانية: أن يتوب وفي نفسه أنه لا يعود إلى المعصية التي خلع نفسه عنها،
ولكن في يوم ما ضعفت نفسه، ونقص إيمانه، وعاد إلى الذنب. فهذا عودته إلى
الذنب لا تنقض توبته الأولى، ولا يكون كالمستهزئ بربه، ويجب عليه أن يحدث
توبة كلما عاد إلى الذنب.
هذا الحديث اشتمل على ثمرة عظيمة من ثمرات الاستغفار، وهي مغفرة الذنوب..
وقد قال تعالى: }وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا{ (النساء :110).
وقال في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي» رواه الترمذي.
وقال
صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ،
لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي
أَجْسَادِهِمْ. قَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَزَالُ
أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» رواه أحمد.
وقال
نبينا صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ
لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ» رواه أبو داود.
ومن فوائد الاستغفار كذلك:
أنه مجلبة للرزق:
قال تعالى عن نوح عليه السلام: }
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ
السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ
وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا{ (نوح : 10-12).
وقال:}وَأَنِ
اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم
مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ
فَضْلَهُ { (هود :3).
وقال عن هود عليه السلام: }
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ
السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ
وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ{ (هود: 52).
وهو أمان من العذاب:
قال تعالى: }وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ (الأنفال :33).
والاستغفار مجلبة لرحمة الله تعالى:
قال تعالى: }لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{ (النمل :46).
ومنها الفوز في الآخرة ودخول الجنة والرفعة فيها:
فعن الزبير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار» رواه البيهقي.
وعن عبد الله بن بُسْر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «طوبى([1]) لمن وَجد في صحيفته استغفاراً كثيراً» رواه ابن ماجة.
وقال
صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي
الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ
لَكَ» رواه أحمد وابن ماجة.




الثلاثية السادسة والستون ثلاث أسئلة في القبر
عَنْ
الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ
الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ،
فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْنَا
حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ
يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا
بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» -مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا- زَادَ فِي
حَدِيثِ جَرِيرٍ هَاهُنَا وَقَالَ: «وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ
نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ: يَا هَذَا
مَنْ رَبُّكَ، وَمَا دِينُكَ، وَمَنْ نَبِيُّكَ» وحديث البراء حديث طويل
معروف أخرجه أبو داود وغيره.
وفي سنن الترمذي عن البراء، عن النبي صلى الله عليه وسلم -في قول الله تعالى: }يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة{- قال: «في القبر إذا قيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟».
أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن أمر غيبي، والواجب علينا أن
نعلم أنّ من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بما أخبر به النبي صلى الله
عليه وسلم من أمور الغيب، ولا يمكن أن يستقر للعبد قدم في الإسلام إلا
بعد أن يُؤمن بجميع الغيبيات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الغيبيات هذه: فتنة القبر..
فما هي الفتنة ؟
الفتنة في اللغة: الاختبار والامتحان.
وفي الشرع هي: سؤال الملكين الميت عن ربه ونبيه ودينه.
ثبوت الفتنة:
ثبتت فتنة القبر بالقرآن في قوله تعالى:}يُثَبِّتُ
اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ
اللّهُ مَا يَشَاء{(إبراهيم: 27).
فمعنى
الآية أنَّ الله يثبت المؤمنين عند الفتنة في قبورهم ويوفقهم لسديد القول
وصحيح الجواب، بخلاف غيرهم من الذين لا ينالهم توفيق الله جزاءَ ما فعلوه
في الدنيا من الكفر والنفاق. وقد سمعنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
وهو يفسر لنا هذه الآية في حديث الترمذي الذي مر معنا.
فلا
خلاف بين المفسرين في أنَّ هذه الآية دالة على إثبات فتنة القبر، ولكنهم
اختلفوا في موضع الشاهد منها.. فمنهم من قال: الشاهد قوله تعالى: }فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{، وجعل الحياة البرزخية من الحياة الدنيا، ومنهم من جعله في قوله: }وَفِي الآخِرَةِ{،
فجعل الحياة البرزخية أولى درجات الآخرة. قال الإمام الطبري: " تثبيته
إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، }وفي الآخرة{ بمثل الذي ثبتهم به في الحياة الدنيا، وذلك في قبورهم حين يسألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم"([1]).
والفتنة
ثابتة بالسنة في أحاديث كثيرة، منــها قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي
قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ»
رواه مسلم.
ومنها
ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ -أَوْ قَالَ
أَحَدُكُمْ- أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ
لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالْآخَرُ النَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ :مَا
كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ
عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا
نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ
سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ
يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ : أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ.
فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا
أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ
ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ
فَقُلْتُ مِثْلَهُ لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ
أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ. فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ.
فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ
فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ»
الترمذي.
ومن
أدلة فتنة القبر ما جاء عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ
الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ،
وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رواه أبو داود.
وهذه
من السنن الغائبة، فينبغي إذا فرغ الناس أن يمكث الناس بعد الدفن نحوا من
ربع الساعة بقدر ما ينحر الجزور يسألون الله المغفرة والثبات للميت.
فمَن المفتون في قبره؟
لا
خلاف في أنَّ الذي يُفتن: المؤمن والمنافق. وأنكر بعضهم أنَّ الكافر
يُفتن مستدلاً بدليل عقلي وهو: أنه لا فائدة من سؤاله؛ لأنه قد بان كفرُه.
والصحيح ما قضى به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتنة الكافر كما
في حديث البراء، وأما قوله: بان كفرُه فإن المؤمن الذي بان إيمانه يُفتن
فما الفائدة من سؤال؟؟ فمثل هذه الأمور الواجب على المسلم أن يُسلِّم فيها
لله تعالى وألا يُقحم عقله فيها، والعاقل من قدم قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم ولم يعارضه بشيء ولم يضرب به الأمثال.
فما الذي يترتب على الفتنة؟
أحد
أمرين: عذاب أو نعيم. فمن اجتاز الامتحان وثبته الله نُعِّم في قبره، ومن
لم يوفق للإجابة الصحيحة عذب والعياذ بالله. فمن أدلة العذاب حديث زَيْد
بْن ثَابِتٍ رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ
إِذْ حَادَتْ بِهِ، فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ
خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ: «مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ
الْأَقْبُرِ»؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. قَالَ: «فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ»؟
قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ. فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ
تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ
اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ
مِنْه» رواه مسلم.
ودليل
النعيم قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ
بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ
أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى
قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ. فَلَمَّا
وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ
يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ؛
لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟
فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ
اللَّهُ: }وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ{» رواه أحمد وأبو داود، وأصله عند مسلم.
فمن الناجون من فتنة القبر؟
دلت
السنة على أن بعض الناس لا يفتن في قبره، والذي لا يفتن في القبر لا
يعذب، لأن العذاب فرع عن الفتنة، فيلزم من عدم الفتنة عدم العذاب، ولا
يلزم من الفتنة عذاب.
فمن من الناس لا يفتن؟
الأول: الشهيد.
فقد
سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ
يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: «كَفَى
بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً» رواه النسائي.
الثاني: المرابط.
فعن
فَضالةَ بنِ عبيد عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ
قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إِلَّا الَّذِي مَاتَ
مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ» رواه أبو داود
والترمذي.
وعَنْ
سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ
وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ
يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» رواه
مسلم.
الثالث: من مات يوم الجمعة أو ليلتها.
قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر» رواه أحمد([2])
.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010