منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الأساليب الأدبية في مواعظ الحسن البصري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: الأساليب الأدبية في مواعظ الحسن البصري   الجمعة 5 أكتوبر - 6:32

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
الأساليب الأدبية في مواعظ الحسن البصري
كثيرًا ما نسمع في مجال النقد الأدبي اتهام نص إبداعي بالمباشرة والخطابية، وأن المبدع يلجأ إلى الوعظ في إيصال فكرته إلى المتلقي، وأن عليه أن يقدم الفكرة بشكل رمزي غير مباشر.

يقال هذا: إذا كان النص ملتزماً في توجهه بالإسلام وما ينبثق عنه من ضوابط عقدية وفكرية وأخلاقية فيما يسمى الآن أدباً إسلامياً، وكان الناقد ينطلق من الرؤى التجديدية المنبثقة من معين الآداب العربية والإسلامية.

أما إذا كان الناقد ينطلق في نقده من الرؤى الحداثية بأفكارها المستوردة من الغرب، فإنه لا يقبل أن يدخل معنا في الحوار منذ البدء، لأن الأدب والنقد في نظره بمنأى عن الدين والأخلاق.

وحديثي يتوجه إلى الفئة الأولى التي نتفق معها بأن الالتزام في الأدب لا يحده بل يمده، ويتواصل مع الفئة الثانية إذا هي أقرت بقاعدة الالتزام، وذلك بأن النص الأدبي لا يطلب منه دائماً أن يكون رمزاً، وغير مباشر، وخيالاً تصويرياً، ومبالغات، وغير ذلك مما يقرره بعض النقاد والدارسين.

فأدب الوعظ فنٌ قائم بذاته، وله مبدعوه الذين اشتهروا به منذ القدم، ويلحق به ما يسمى: " بأدب الحكمة والوصايا" سواء أكان في الشعر أم في النثر.

ولعل تقديم نماذج من أدب الوعظ يبين بعض ما أريد الوصول إليه، من أن هذا الأدب يتمتع بالحيوية والقدرة على التأثير في مجاله، مثل غيره بل أكثر، وأن فيه من تنوع أساليب البيان والمعاني والبديع ما يجعله من عيون الأدب.

وقد عرف تاريخ الكلمة الأدبية التراثية من أصحاب هذا الفن رجلاً كان له حضوره غير العادي في عصره، هو الإمام الحسن البصري، الذي ولد في المدينة سنة إحدى وعشرين للهجرة، وتوفي في البصرة عن ثمان وثمانين سنة.

ونصوصه مبثوثة في كتب العلم والأدب والحِكَم والمواعظ، والتي منها: "كتاب جامع العلوم والحكم" لابن رجب الحنبلي، وكتاب: " الزهد" الذي جمع نصوصه وحققها الدكتور محمد عبد الرحيم محمد.

يقول عنه ثابت بن قُرَّة: "لقد كان - أي الحسن- من دراري النجوم علماً وتقوى وزهداً وفصاحة، مواعظه تصل إلى القلوب، وألفاظه تلتبس بالعقول، وما أعرف له ثانياً، قريباً ولا مدانياً..."(1)

وفيما يأتي أختار بعض النصوص من هذا الكتاب، وأُعلق عليها بما تيسر بإذن الله - سبحانه -.

حادثوا القلوب.. واقدعوا الأنفس:

يقول: الحسن البصري: " حادثوا هذه القلوب بذكر الله فإنها سريعة الدثور، واقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة، وإنكم إن تطيعوها في كل ما تنزع إليه لا تبقي لكم شيئا"(2).

فقوله: " حادثوا هذه القلوب بذكر الله فإنها سريعة الدثور" تشخيص للقلب، واعتباره إنساناً مستقلاً يحادثه صاحبه، وهي صورة يأنس بها صاحب القلب نفسه عندما يتوجه إلى قلبه وكأنه شخص آخر فيطلب منه أن يتذكر ولا يغفل، ودثور القلب غفلته، ودثور السيف والثوب صدؤه واتساخه، وقوله: " واقدعوا هذه الأنفس... " أي: اكبحوها تشبيه لها بالفرس الجامحة التي يشد لجامها للسيطرة عليها، والتصرف بالتشبيهات من الأساليب البيانية الأدبية المؤثرة في إبلاغ المعنى إلى المتلقي، وحمله على الاستجابة النفسية التي تدفعه إلى العمل.

كِدْتُ أن أكون السواد المُخْتَطف:

وللقصة أثر كبير في المتلقي، والعناية بها واضحة في القرآن الكريم، وفي السُّنة النبوية، حتى صار الهدي القرآني والنبوي مقصد الواعظين يستقون من معينهما في الوعظ، وتأثر الكتاب في كل عصر ومصر بذلك، والحسن البصري كثيراً ما يستعين بالقصة للوصول إلى قلب سامعه، وكان له من صدق اللهجة ما جعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يُقِرُّه في مجلسه بمسجد البصرة إذ منع غيره من الوعاظ من مساجد البصرة والكوفة وغيرهما.

يقول الحسن البصري: "كان رجل من المسلمين يبلغه موت أخ من إخوانه فيقول: كدت والله أن أكون أنا السواد المختطف، فيزيده الله بذلك جداً واجتهاداً، فيلبث بذلك ما شاء الله، ثم يبلغه موت أخ من إخوانه فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كدت والله أن أكون أنا السواد المختطف، فيزيده الله بذلك جداً واجتهاداً.

قال الراوي: فردَّدَ الحسن هذا الكلام غير مرة، فوالله مازال كذلك حتى مات موتاً كيساً"(3)، فهذه القصة أقرب إلى ضرب الأمثال منها إلى رواية قصة واقعية، لانعدام العناصر الحقيقية للأحداث من الشخصيات والزمان والمكان، وإسناده الفعل إلى مجهول، وتركيزه على الحدث المجرد والعبرة منه، وهي الاستعداد للموت الذي يأتي فجأة، والتهيؤ له بالعمل الصالح.

ففي القصة يأتي خبر موت (أخ) إلى (رجل) من المسلمين بصيغة النكرة فيتأثر بذلك ويعد نفسه للموت، ويتكرر الحدث بالطريقة نفسها، ليعطي الثمرة نفسها من حصول الموعظة والجد والاجتهاد بالعمل الصالح، ويتدخل الراوي ليوضح لنا أن الرجل من المسلمين كان الحسن البصري نفسه، وكان الأخ الذي يموت هو أي أحد من المسلمين، حتى أفضى به الأمر أن يموت موتاً كيِّساً، أي: حسناً.

وما كان للحسن البصري أن يقول للناس: إنه يعني نفسه بذلك الذي يأخذ العبرة، فيزكي نفسه، فيقع في دائرة المحظور في الوعظ! وهذا أبلغ في الموعظة، والتكرار في القصة عامل آخر من عوامل التأثير بأسلوب الإطناب، يجدد به التأثير في المتلقي ويجعله في دائرة التذكر الدائم.

لا حياة لمن تنادي:

ونجد لدى الحسن البصري أسلوب المثال الحقيقي بدلاً من ضرب المثل بالمجهول، فقد "رأى شيخاً في جنازة، فلما فرغ من الدفن، قال له الحسن: يا شيخ، أسألك بربك أتظن أن هذا الميت يود أن يرجع إلى الدنيا فيتزيد من عمله الصالح، ويستغفر الله من ذنوبه السالفة؟ فقال الشيخ: اللهم نعم، فقال الحسن: فما بالنا لا نكون كهذا الميت؟! ثم انصرف وهو يقول: أي موعظة؟! ما أنفعها لو كان بالقلوب حياة! ولكن لا حياة لمن تنادي". (4)، فالحكاية عن الغائب في النص السابق حكاية حاضرة في هذا النص يعتمد الحوار القصير المكثف، ويتخذ من التشبيه التمثيلي بين حالة حاضرة، وحالة ماضية، وحالة مستقبلة أسلوباً، ويدخل أسلوب القسم لتأكيد المعنى واستجماع النفس التي ما تزال تلهو وتغفل، ثم يلجأ إلى أسلوب التهويل(أي موعظة)، والتعجب (ما أنفعها لو كان بالقلوب حياة)، ثم التيئيس الذي يهدف إلى التخويف من حالة الغفلة العامة عند الإنسان(ولكن لا حياة لمن تنادي)، والجملة الأخيرة في لحظتها تحمل معنى تشبيه الأحياء بالأموات فيما يظهر لعدم انتفاعهم بالموعظة، والأموات بالأحياء لتمنيهم العودة إلى الحياة لاستدراك ما فات، ولكن هيهات هيهات!!

قيام يفترشون وجوههم:

وقد يجعل القصة رواية مباشرة منه - رحمه الله - إذ يقول: " والله لقد أدركت أقواماً، وصَحِبتُ طوائف منهم، ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أَقْبَل، ولا يأسفون على شيء منها أدبر، ولهي كانت أهون في أعينهم من هذا التراب. كان أحدهم يعيش خمسين سنة لم يطو له ثوب قط، ولا نصب له قدر، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئاً، ولا أمر في بيته بصنعة طعام قط، فإذا كان الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون ربهم في فكاك رقابهم، وكانوا إذا عملوا الحسنة، دأبوا في شكرها، وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسألوا الله أن يغفرها، وإنكم أصبحتم في أجل منقوص، والعمل محفوظ، والموت والله في رقابكم، والنار بين أيديكم، فتوقعوا قضاء الله في كل يوم وليلة". (5)

في هذا النص جملة من الأساليب الأدبية والبلاغية، فقد عمد إلى الرواية المشاهدة للقصة، وذلك أوقع من الخبر المنقول لثقة السامع بصدق المتحدث، وليس الخبر كالمعاينة! وإذ استوثق من تصديقهم لما يخبر أطنب في وصف من يخبر عنهم، ويعظ بحالهم، مستخدماً أسلوب المقابلة القائمة على التضاد في موقفهم من الدنيا، فإذا كان أكثر الناس يفرحون إذا هي أقبلت، ويحزنون إذا هي أدبرت، فإن هؤلاء القوم المشمرون بالجد لا يأبهون بالدنيا في حالي إقبالها وإدبارها.

ويشبه الدنيا في هوانها بالتراب، بل هي أهون، وينتقل بعد ذلك من مظاهر الوصف المعنوي إلى مظاهر الوصف الحسي الدال على الحالة المعنوية التي هم فيها، فـ"لم يطو له ثوب" كناية عن عدم التنعم باللباس، "ولا نصب له قدر، ولا أمر في بيته بصنعة طعام" كناية عن عدم التنعم بالطعام، " ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا" كناية عن عدم التنعم بالنوم، و"قيام على أطرافهم يفترشون وجوههم" كناية عن التعبد عامة وبالسجود خاصة، و "يناجون ربهم في فكاك رقابهم" كناية عن تذللهم في الدعاء لربهم، وتشبيه لعبودية المخلوق للخالق بعبودية المخلوق للمخلوق في مجتمع كان لعبودية الرق فيه شأن، يعايشه الناس بأنفسهم.

ومثل هذه الأساليب التصويرية التي تحفز الخيال بالحسي إلى المعنوي، وتكشف المعنى في أكثر من صورة، تؤثر في مراكز الاستقبال في القلب والعقل تأثيراً محموداً، فإذا لم يحمله على الاقتناع المباشر حمله على التفكير، وإذا لم يدفعه إلى العمل الفوري هيأه للتحرك إلى العمل في مرة قادمة.

هل رأيت فقيهًا بعينيك؟!:

ونجد في مواعظ الحسن البصري أساليب علم المعاني تخدم هدفه، في إيصال موعظته لسامعيه، ويحشد في الجملة الواحدة أكثر من أسلوب.

فعن عمران بن القصير قال: "سألت الحسن عن شيء، فقلت: إن الفقهاء يقولون كذا وكذا، فقال: وهل رأيت فقيها بعينيك!؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، المداوم على عبادة ربه - عز وجل -"(6).

فالحسن يستنكر على عمران بن القصير قوله: "إن الفقهاء يقولون كذا وكذا" ذلك أن الفقه غير الكلام عند العلماء الربانيين، فصاغ عبارته بأسلوب الاستفهام الإنكاري، الذي يتضمن النفي، ثم يتابع إيضاحه لما استنكره فيعرف الفقيه بأسلوب القصر بإنما و بتعريف المبتدأ والخبر بأل التعريف "إنما الفقيه الزاهد في الدنيا"وأسلوب القصر بأداة واحدة يفيد التوكيد، وبأداتين يفيد زيادة التوكيد، فهو نفى المعنى الشائع للفقيه أولاً ثم أكَّدَ المعنى الذي يريده بأداتين من أساليب القصر، وأضاف للجملة الأولى جملة ثانية بأسلوب الإطناب، لوجود علاقة عموم وخصوص بين الزهد في الدنيا والمداومة على عبادة الله - سبحانه -، وجاء بكلمة "ربه" ليفيد معنى قرب العابد من المعبود، المتضمن إشارة الإقرار بالربوبية المستدعية للشكر من المربوب.

بئس الرفيقان الدرهم والدينار:

وفي حملته على الدنيا ومغرياتها، وتحذير الناس منها بشكل دائم يلفت نظر مستمعيه إلى الدرهم والدينار اللذين يفتنان الناس ويغريانهم، يقول حزم بن أبي حزم: "سمعت الحسن يقول: بئس الرفيقان الدرهم والدينار، لا ينفعانك حيث يفارقانك"(7).

وذلك أن الإنسان يحب أن يكون درهمه وديناره معه حيث يذهب وكأنهما رفيقان، والمتوقع من الرفيق أن ينفع عند الحاجة، فإذا تخلى عن مرافقه أشد ما يكون محتاجاً إليه فبئس الرفيق هو إذن. وهكذا الدرهم والدينار في نظر الحسن البصري لا ينفعانك حيث يفارقانك، والمعنى يحتمل أن يكون لا ينفعانك لأنهما يفارقانك، أو لا ينفعانك عندما يفارقانك فتذهب إلى الآخرة ويبقيان في الدنيا لغيرك، وبين المعنيين صلة.

ما يصنع بالزرع إذا طاب؟!:

ويحرص الحسن على الاستفادة من كل سَانحَةٍ للموعظة، فقد حضر يوماً مجلساً جمع شيوخاً وشباباً فقال: معشر الشيوخ، ما يصنع بالزرع إّذا طاب؟ قالوا: يحصد، ثم التفت فقال: معشر الأحداث، كم من زرع لم يبلغ، قد أدركته الآفة فأهلكته، وأتت عليه الجائحة فأتلفته، ثم بكى، وتلا: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: 25] (Cool، فقد جعل من مادة الزرع وسيلة لإيصال المعنى بأبلغ صورة محسوسة، بما يُسمى التشبيه التمثيلي، وكثيراً ما يضرب القرآن الكريم، مثل الحياة الدنيا بالزرع الذي ينمو صغيراً ثم يشتد سُوقه، ثم يصفر فيستحصد، وهكذا خاطب الشيوخ الذين عاشوا أعمارهم بجملة واحدة فقال: ما يصنع بالزرع إذا طاب؟ أي: إذا بلغ أَوَان الحصاد فقالوا: يحصد! وهو الموت بالنسبة للإنسان، ثم التفت إلى الشباب الذين تضطرم الآمال في قلوبهم المقبلة على الحياة، ليوقظهم من غفلة الشباب واغترارهم بطول الأمل، ليقول لهم: كم من زَرْعٍ لم يبلغ (أوان الحصاد) قد أدركته الآفة (وهو أخضر) فأهلكته، وأتت عليه الجائحة (أي المصائب) فأتلفته.

والحسن البصري لا يكتفي بنقل الصورة الواعظة لغيره وينسى نفسه، بل يتفاعل أشد التفاعل بما يقول، كما هنا، ثم بكى وتلا: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: 25] وهو ما يسميه نقاد الكلمة الأدبية صدق التجربة، وفيه سر التأثير في المتلقي.

أمانيها كاذبة وآمالها باطلة:

ومع أن مواعظ الحسن البصري مقاطع قصيرة أو جمل معدودة، فإن له مواعظ طويلة سواء في مجالس خاصة اتخذت أسلوب المشافهة، أو في المراسلات التي كانت تتم بينه وبين بعض الولاة والخلفاء، فمن الخلفاء والولاة الذين وعظهم الحسن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - (9) إذ كتب إليه رسالة طويلة في ذم الدنيا، ومثلها في الطول موعظة وعظه بها أصحابه(10)، ومثلها ما روي في موعظته المشهورة لعمر بن هُبيرة والي العراق، في مجلس حضر فيه هو والشعبي، خوَّفَ فيه الوالي من طاعة الخليفة في معصية الله تعالى(11).

ووعظَ النَّضْر بن عمرو والي البصرة(12)، وعَدِي بن أرطأة (والي البصرة)(13)، والحجَّاج في أكثر من مناسبة (14)، كما أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - كاتبه عدة مرات يطلب منه الموعظة.

والميزة في هذه المواعظ أنها طويلة مكتوبة أو مشافهة، ويظهر فيها التصرف بالأساليب الأدبية والبلاغية أكثر من تلك المقاطع القصيرة. "، فمع فقرة من رسالته عن الدنيا إلى عمر بن عبد العزيز(15) يقول فيها: "واعلم يا أمير المؤمنين أن أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وعيشها نكد، وتاركها موفق، والمتمسك بها هالك غرق.. "،.

وقد وصف عمر بن عبد العزيز هذه الرسالة قائلاً: "وصلت مواعظك النافعة فاشتفيت بها، وقد وصفت الدنيا بصفتها، والعاقل من كان فيها على وجل، فكأن كل من كتب عليه الموت من أهلها قد مات".

فقال الحسن يصف استجابة أمير المؤمنين للموعظة: "لله در أمير المؤمنين من قائل حقاً، وقابل وعظاً، لقد أعظم الله جل ثناؤه بولايته المنة، ورحم بسلطانه الأمة، وجعله بركة ورحمة"(16).

فهذه الرسائل الطويلة تظهر فيها الأساليب البديعية اللفظية من غير تكلف ولا إكثار، تخدم المعنى، وتجعله أدنى إلى القبول لتقديمه في ثوب من اللفظ الجميل الذي يستند إلى المجانسة والسجع والمقابلة والطباق بالتماثل والتضاد.

يسر المرء ما كان قدم من تقى:

وكان الحسن البصري يعنى بالموعظة الشعرية يتمثل بها في نفسه، ويبلغها سامعيه، ومن ذلك ما روي أن أصحابه دخلوا عليه يوماً فوجدوه يبكي وينشد(17):

دعُوه لا تلومُوه دعُوه *** فقد عَلِمَ الذّي لم تعلَمُوه

رأَى علم الهُدى فسَما إليه *** وطالبَ مطلباً لم تطلبُوه

أجابَ دُعاءَهُ لماَّ دعَاهُ *** وقامَ بأمرِه وأضَعتُموه

بنفسِي ذاكَ مِن فَطِن لبيبٍ *** تذَوَّقَ مَطْعمًا لم تَطعمُوه

ونحن لا نعرف قائل الأبيات، ونجدها تتضمن شيئاً من الرمز الشفيف، مع وضوح الألفاظ، وبساطة الصورة الخيالية (رأى علم الهدى فسما إليه) و (تذوق مطعماً لم تطعموه) التي رسمت صورة حركية في الصورة الأولى، ووضعت المعنوية موضع المحسوس في الثانية.

وربما أبدى إعجابه ببيت شعر، فقد روي أن رجلاً أنشده يوما(18):

وأجرأُ من رأيتُ بظهرِ غَيبٍ *** على عَيبِ الرِّجالِ ذُوو العُيوب

فقال الحسن: لله در هذا القائل! إنه لكما قال!، فهو استعمل أسلوب التعجب والتوكيد الإنكاري والإطناب في تثبيت المعنى.

وروي أنه كان يتمثل إذا أصبح وفرغ من تسبيحه ببيت الشعر(19):

وما الدُّنيا باقِية لحيٍّ *** ولا حيّ على الدُّنيا بباق ٍ

وإذا أمسى بكى وتمثل بيت الشعر:

يسرُّ الفَتى ما كانَ قدَّم من تُقى *** إذا عرفَ الدَّاء الذي هو قَاتلُه

وهذان البيتان مبنيان على الوضوح؛ لأنهما تعبران عن تجربة الحياة، واكتساب الحكمة منها، والشطر الأخير من البيت الثاني فيه تشبيه للذنوب المهلكة لصاحبها، والتقوى المنجية لها بالداء القاتل، والدواء الشافي من الداء.

صاحب الأسلوب المونق:

وقد عرف النقاد المنصفون من المعاصرين مكانة الحسن البصري وأهمية مواعظه وأثرها، يقول الدكتور شوقي ضيف(20): "وهو بلا ريب أكبر من ثبتوا في هذا العصر، ذلك الأسلوب المونق الذي تأثر به عبد الحميد (الكاتب) ومن خلفوه من الكتاب، إذ كان يقتدر على تصريف الكلم، مع السلامة من التكلف، والبراءة من التعقيد، وليس ذلك فحسب، بل أيضا مع تحلية لفظه بالمزاوجات والمقابلات والتشبيهات والاستعارات والتقسيمات الدقيقة" ونقل له نصوصاً عدة في كتابه لإظهار سمو أدب المواعظ.

من سمات أدب المواعظ:

وخص الدكتور عدنان النحوي كتاباً لهذا الفن سماه " أدب الوصايا والمواعظ.. منزلته ونهجه وخصائصه الإيمانية والفنية"، وكان منطلق الكتاب بحثاً قدمه المؤلف في الندوة العلمية السنوية التي أقامتها رابطة الأدب الإسلامي العالمية عن "أدب الوصايا والمواعظ في الإسلام" سنة 1417هـ/ 1996م بمدينة حَيْدَر أباد في الهند برئاسة الشيخ أبي الحسن الندوي - رحمه الله -. ولخص الدكتور عدنان النحوي في الفصل الخاص بالدراسة الفنية الموجزة لسمات أدب المواعظ أنقل منها بإيجاز ما يأتي(21):

1- تأتي المواعظ مباشرة قوية لتقرير الحقائق للترغيب أو الترهيب.

2- تأتي على صيغة السؤال والتعجب والدهشة والدعوة إلى التأمل والتفكير أو الأمر والنهي.

3- تأتي على أسلوب القصة والخبر والحكمة لتبرز سنن الله في الحياة والكون.

4- تأتي على أسلوب الحوار، وعلى أسلوب التكرار للتأكيد والتثبيت.

5- تأتي على أسلوب ضرب الأمثال لتقديم الموعظة في صورة مؤثرة في النفس.

ولقد وجدنا هذه الأساليب ظاهرة في مواعظ الحسن البصري على قلة النصوص التي استشهدت بها مراعاة لعدم الإطالة، وفي هذا غنية لمن أراد الغناء، وابتعد عن المكابرة والمراء.




ــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- كتاب الزهد، ص3، جمع وتحقيق د. محمد عبد الرحيم محمد، دار الحديث، القاهرة.

2- ص20.

3- ص21.

4- ص21.

5- ص30-31.

6- ص49.

7- ص50.

8- ص63.

9- ص30.

10- ص40.

11- ص75.

12- ص163.

13- ص167.

14- ص166.

15- ص168.

16- ص169.

17- ص61.

18- ص54.

19- ص22.

20- العصر الإسلامي، د. شوقي ضيف، ص50، مكتبة المعارف، القاهرة.

21- أدب الوصايا والمواعظ، د. عدنان النحوي، صـ269، نشر دار النحوي في الرياض، ط1، 1418هـ / 1998م.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاروق
عضوVIP
عضوVIP


اوفياء المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 1445
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأساليب الأدبية في مواعظ الحسن البصري   الأحد 14 أكتوبر - 6:35


ليس غريب عليك الابداع والتميز
اختياراتك دائما مميزة ورائعه كما تعودنا
منك فعلا معلومات قمة الروعه
تقبل مروري



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابوتوفيق
مراقب
مراقب


وسام التواصل

وسام الحضور المميز

اوفياء المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 1438
تاريخ التسجيل : 05/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: الأساليب الأدبية في مواعظ الحسن البصري   الخميس 9 أبريل - 8:57

جزاكم الله كل خير
وجعله فى ميزان حسناتكم
وانار دربكم بالايمان
ودمتم بحفظ الرحمن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الأساليب الأدبية في مواعظ الحسن البصري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: