منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 سير التابعين موضوع متجدد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شعبانت
المدير
المدير


ذكر عدد المساهمات : 3407
تاريخ التسجيل : 01/10/2010

مُساهمةموضوع: سير التابعين موضوع متجدد   الجمعة 2 نوفمبر - 4:42

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

سير التابعين الأجلاءلفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

اليوم سوف نتازول ملف هام هو سيرة التابعين
فتابعونا يرحمكم الله
لنا مع كل تابعى وقفة
وقبل ان نبدأ السؤال الذى يطرج نفسه من هو التابعى

ما هو تعريف التابعي ؟
التابعون في التأريخ الإسلامي هم شخصيات إسلامية لم تعاصر النبي محمد بن عبد الله ، وعاشت في فترة لاحقة بعد وفاته (في القرن الأول و القرن الثاني الهجري) أو عاشت في فترته ولم تره وإنما كان إيمانها ودخولها للإسلام بعد وفاته، وكان لها دور ملحوظ في فترة حياتها فتعلمت الحديث من الصحابة وعلمته إلى غيرها وكانوا من الذين يتبعون سنن النبي محمد والصحابة.
بحسب بعض التفاسير فإنهم المقصودون من الآية القرآنية: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} سورة التوبة.. ويروي البخاري ومسلم عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّه ِ ‏"‏خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ‏"‏ ‏.‏ قَالَ عِمْرَانُ فَلاَ أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ‏"‏ ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلاَ يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ"‏
تعريف التابعين عند السنة:
و التابعي :عند ابن حجر وهو من لقي الصحابي كذلك . فالأول: المرفوع ، والثاني : الموقوف ، والثالث : المقطوع ، ومن دون التابعي فيه مثله . ويقال للأخيرين: الأثر . والمسند وعند ابن الصلاح التابعي من صحب الصحابي‏.*‏التابع بإحسان‏.*‏ ويقال للواحد منهم تابع وتابعي‏. ويكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه، وإن لم توجد الصحبة العرفية‏.‏ والاكتفاء في هذا بمجرد اللقاء والرؤية أقرب منه في الصحابي، نظراً إلى مقتضى اللفظين فيهما وفي الموسوعة التابعي من صحب صحابيا ولا يكتفي بمجرد اللقاء بخلاف الصحابي مع النبي فإنه يكتفى بذلك لشرف النبي وعلو منزلته فالاجتماع به يؤثر النور في القلب أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره من الأخيار وأشار النبي إلى الصحابة والتابعين بقوله (طوبى لمن رآني وطوبى لمن رآى من رآني) و التابعون هم الطبقة الثانية من المسلمين الذين أخذوا علمهم ودينهم من صحابة رسول الله وقاموا خلفهم بحمل الرسالة والدعوة إليها وقد التف التابعون حول الصحابة يأخذون عنهم القرآن والحديث وينهلون من علوم الشرع على الصورة التي نقلوها لهم عن رسول الله وتتلمذوا على يد الصحابة بإقبال وشغف ومحبة ثم كان لهم الشرف في حمل ذلك ونشره وكان الصحابة قد تفرقوا في الأمصار واشتهر في كل بلد عدد معين من التابعين وكانوا حلقة مهمة ومحكمة ومؤثرة بين الصحابة وجيل أئمة المذاهب وتلاميذهم ومن جاء بعدهم..
نبدأ وعلى بركة الله



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شعبانت
المدير
المدير


ذكر عدد المساهمات : 3407
تاريخ التسجيل : 01/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الجمعة 2 نوفمبر - 4:50



التابعي عطاء بن أبي رباح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ما هي الغاية من دراسة سير الصحابة والتابعين ؟

أيها الأخوة المؤمنون، في الدروس السابقة كان الموضوع حَول أصحاب رسول الله رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين، واليوم ندخل في موضوع جديد، وهو سِيَرُ التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا حَتَّى كُنْتُ مِنْ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح عن أبي هريرة]

نحن بِشَهادة رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع عَدَدٍ كبير من التابعين الأجِلاَّء الذين اقْتفَوا أثر النبي عليه الصلاة والسلام، وأثرَ أصحابه الكرام، وتابِعِيّ اليوم عطاء بن أبي رباح، فقد قيلَ عنه:

((ما رأيتُ أحدًا يريد بالعِلم وجْه الله عز وجل غير هؤلاء الثلاثة: عَطَاء وطاووسُ ومجاهد))
أيها الأخوة الكرام, تَذْكير سريع لِحِكمة تَدريس سِيَر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وسِيَرِ التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين .
كُلّكم يعلم أنَّ الإسلام عقيدة، وعبادة، ومُعاملة، وخُلُق، وأنَّ المسلم إذا وُضِعَت أمامه هذه الحقائق، وتِلْك الأحكام فلا شكَّ أنَّهُ يتأثَّر بها أشدَّ التأثُّر، إلا أنَّه إذا رأى بِأُمّ عَيْنَيْه الإسلامَ مُجَسَّدًا في شخْص، فهذا الشَّخص الذي يحملُ بين جوانِحِهِ مشاعر المسلم، ويتحرَّك في حياتِهِ وِفْق منهج المسلم لهُوَ أبْلَغُ ألف مرَّة من أيَّة محاضرةٍ نظريَّة تُلقى عن الإسلام، وهذا لِسَبَبٍ بسيط، وهو أنَّ القصَّة فيها حقيقة مع البرهان عليها، أنت أمام شخصٍ امْتلأَ عقلهُ بالعلم، وامْتَلأَ قلبهُ بالحُبّ، وتحرَّكَ في سُلوكِهِ وِفْق منهجٍ دقيق، هذا الشَّخص حجَّةٌ عليك، أما إذا بَقِيَ الإسلامُ فِكْرًا، وثقافةً، وبَقِيَ الدِّين أحكامًا شرعِيَّةً، فربَّمَا لا يفْعَلُ فِعْلَهُ في الناس، كما لو تَلَوْتَ على مسامِعِهِم قصَّةَ إنسان تمثَّلَ هذا الدِّينَ بِكُلّ إمكاناتهِ .
من هو التابعي الجليل الذي كان يستفتيه سليمان بن عبد الملك في مناسك الحج, وما هي صفاته الخَلقية كما ذكره الذاكرون, وبماذا نصح سليمان ابنه؟
هذا التابعِيّ الجليل كان مُعاصِرًا لِلخليفة الأمَوِيّ سُلَيمان بن عبد الملك، الذي يقول عنه المؤرِّخون: إنّهُ خليفة المسلمين، وأعْظمُ مُلوك الأرض .
سُليمان بن عبد الملِك يُؤدِّي فريضة الحجّ، وهو في بيت الله الحرام, حاسِرَ الرأس، حافِيَ القدَمَيْن، ليس عليه إلا إزارُهُ، ورداء، شأنُهُ كَشَأن أيّ حاجٍّ من المسلمين، ومن خلْفِهِ ولداهُ، وهما غلامان كَطَلْعَة البدْر بهاءً، وكأكْمام الورْد نظارةً وطيبًا، وما إن انتهى خليفة المسلمين، وأعظمُ مُلوك الأرض من الطَّواف حول البيت العتيق، حتى مالَ على رجلٍ من خاصَّتِهِ، وقالSad أيْن صاحبكم؟ فقال: إنَّهُ هناك قائمٌ يُصَلِّي، فاتَّجَهَ الخليفة، ومن ورائهِ ولداهُ إلى حيثُ أُشير إليه، وهمَّ رِجال الحاشِيَة أنْ يتْبعوا الخليفةَ لِيَفْتحوا له الطريق، ويدْفَعُوا عنه أذى الزِّحام، فثنّاهم، وقال: هذا مقامٌ يسْتوي فيه الملوك والسُّوقَةُ, يسْتوي فيه الحاكمُ والمحكوم، والقويّ والضعيف، والفقير والغنيّ .
-والآن الإنسان إذا ذهَبَ إلى الحجّ, وكان من أغنى أغنياء الأرض، وجلسَ في أفْخَر فندقٍ هناك ، فلا يستطيعُ أن يطوفَ مع عامَّة المسلمين، شأْنُ الحجّ وخصائصُهُ تقتضي أن يكون الحُجَّاج سَواسِيَةً مهما علا بعضهم على بعض- .
يقول هذا الخليفة: ولا يفْضُل فيه أحدٌ على أحد إلا بالقَبُول والتَّقوى، ورُبّ أشْعَثَ أغبر قَبِلَ على الله فتقبَّلَهُ بِمَا لمْ يتقبَّل به المُلوك، ورُبَّ أشْعثَ أغبر قدم على الله في بيته الحرام، فقَبِلَهُ اللهُ بما لمْ يتقبّل به الملوك .
ثمَّ مضى هذا الخليفة نحو هذا الرجل، فوجدَهُ لا يزال في صلاته، غارقًا في ركوعِهِ وسُجودهِ، والناس جُلوسٌ وراءهُ، وعن يمينه وشمالهِ، فجلسَ الخليفة حيث انتهى به المجلس، وجلس معه ولداهُ، وطفِقَ الفتيان القرشِيَّان يتأمَّلان ذلك الرجل الذي قصَدَهُ أمير المؤمنين، وجلسَ مع عامَّة الناس ينتظرُ فراغهُ من صلاتهِ, مَن هو هذا الرَّجل؟ قال: فإذا به شَيْخٌ حبَشِيّ، أسْوَدُ البشَرَة، مُفَلْفَلُ الشَّعْر، أفْطَسُ الأنف، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْوَد, ولمَّا انتهى الرجل من صلاتهِ مال بِشِقِّه على الجِهَةِ التي فيها الخليفة، فحيَّاهُ سليمان بن عبد الملِك، فرَدَّ التَّحِيَّة بِمِثلها، وهنا أقْبَلَ عليه الخليفة، وجعلَ يسْألهُ عن مناسِك الحجّ, مَنْسَكًا منْسكًا، وهو يفيضُ بالإجابة عن كلّ مسْألة، ويُفصِّلُ القَوْل فيها تفْصيلاً، لا يدَعُ سبيلاً لِمُسْتزيد، ويُسْنِدُ كلَّ قَوْلٍ يقولهُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولمّا انتهى الخليفة من مُساءلَتِهِ جزَّاهُ خَيْرًا؛ أيْ قال له: جزاكَ الله خَيْرًا، وقال لِوَلدَيْه : قومَا ‍فَقامَا، وقام الثلاثة نحوَ المسْعى، وفيما هم في طريقهم إلى المسْعى بين الصَّفا والمروَة سمِعَ الفتَيان من يقول: يا معْشَرَ المسْلمين, لا يُفْتِي الناسَ في هذا المقام إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لمْ يوجَد فَعَبْدُ الله بن أبي نجِيح، فالْتَفَتَ أحدُ الغلامَيْن إلى أبيهِ، وقال: كيف يأْمُر عامِلُ أمير المؤمنين الناس بِأَن لا يسْتفْتُوا أحدًا إلا عطاء بن أبي رباح وصاحِبِهِ، ثمَّ جئنَا نحن نسْتفتي هذا الرجل الذي لم يأْبَه للخليفة، ولمْ يُوَفِّهِ حقَّهُ من التَّعظيم؟‍ .
-الآن اسْتمعوا ما قاله سليمان- فقال سليمان لِوَلدِهِ: هذا الذي رأيْتَهُ يا بنيّ، ورأيْتَ ذُلَّنا بين يدَيْه هو عَطاء بن أبي رباح, هو نفسهُ صاحبُ الفتيا في المسجد الحرام, ووارِث عبد الله بن عبَّاس, -يعني خليفة عبد الله بن عبَّاس، الصحابيّ الجليل الذي أوتِيَ فهْمًا في القرآن الكريم، وكان مَوْسوعةً في كلّ العُلوم- ثمَّ أرْدَفَ يقول: يا بنيّ، تَعَلّم العِلْم، فَبِالعِلْم يشْرُفُ الوضيع، وينْبُهُ الخامِل ، ويَعْلو الأرِقَّاء على مراتب المُلوك) .
ولذلك حينما قِيل: رُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب، ليس في هذا مُبالغة إطلاقًا، فرُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب، تعلَّموا العِلم، فإنْ كنتُم سادةً فُقْتُم، أيْ تَفَوَّقْتُم، وإن كنتم وسطًا سُدْتُم، أيْ أصبحْتُم سادةً، وإن كنتم سُوقةً عِشْتُم، أيْ عِشْتُم ‍بالعلم .

كيف كان وضع عطاء الاجتماعي, وكيف قسم وقته , على يد من أخذ العلم

قال: (كان عَبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من أهل مكّة، -وهذه حِكمة، فقد تكون أنت في أدْنى سلّم المجتمع، في الطبقة الدنيا، لا يعرفك أحد، الأب مُتَوَفَّى، والأم فقيرة، جاهلة, وأنت في هذا البيت ، فإذا تعلَّمْتَ العِلْم، وصَلْتَ إلى العَلْياء- كان عطاء بن رباح عبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من أهْل مكَّة، غير أنَّ الله عزّ وجل أكْرمَ الغُلام الحبشيّ بِأَنْ وضَعَ قدَمَيْه مُنْذ نُعومة أظفارهِ في طريق العِلْم، -وَواللهِ الذي لا إله إلا هو لا أغْبِطُ أحدًا إلا شابًّا صغيرًا نشأ في طاعة الله, شيءٌ ثمينٌ جدًّا أن تكون في مقْتَبَل العُمر، تتلقَّى العلْم، وتُغذِّي عقْلَكَ بالعلم، وتُغذِّي قلْبكَ بالحبّ، وتتَّبِعُ منْهجَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فإذا كنتَ شابًّا، وهذه هي حالُك، فكيف إذا صِرْتَ شيْخًا؟ من لمْ تكُن لهُ بِدايةٌ مُحْرقَةٌ، لمْ تكن لهُ نِهايةٌ مُشْرقة، والأمر بين أيديكم، الإله هو الإله، ربّ محمَّدٍ وأصحاب محمّد هو ربُّنا، وإلههُم إلهُنا، فالحقائق واحدة، والظروف واحدة، والمعطيات واحدة، والفرَصُ واحدة، وبإمكانك أن تكون بطَلاً في أيّ عَصْر، كُنْ طَموحًا بالآخرة، حبَشِيّ مملوك لامرأة من قريش، يقفُ أمامهُ خليفة المسلمين، ويقول له: يا بنيّ، هل رأيتَ ذلَّنَا بيْن يدَيْه؟ عبْدٌ حبشي، أسْودُ البشَرة، مُفَلْفَلُ الشَّعر، أفْطسُ الأنف، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود, قال له: هل رأيتَ ذلَّنَا بين يديه؟ هذا هو العلم- .
هذا العَبْدُ الأسْود الممْلوك لامرأة من قريش، قسَّمَ وقْتَهُ ثلاثة أقْسام، -وهذا يهمُّنا كثيرًا، وأنا أتمنَّى عليكم أنْ تُنظِّموا أوقاتكم؛ وقْتٌ للعمل مِن أجل أن تأكل، ووقْتٌ من أجل أن تعبدَ الله عز وجل، ووقْتٌ من أجل أن تطلبَ العِلم، ولا تسْمَح لِجانِبٍ من حياتِكَ أن يطْغى على جانبٍ آخر ، وإلا ندمتَ أشَدّ النَّدَم، ولا تسْمح لِعَمَلِكَ أن يأخذ جلَّ وقْتك .
إذًا: أنت لا تعيش، ولم تعرف حقيقة الحياة، ولا تسْمح لِعَمَلِك أن يحْتَوِيَ كلّ وقْتك، ولا تسْمح لِعِبادتِكَ أن تُنْسيكَ عملكَ الذي ترْتَزِقُ منه، وازِنْ بين عبادتك، وبين عملكَ، وبين طلبِ العلم، فيجب أن نُنَظِّمَ أوْقاتنا- .
جعَلَ قِسْمًا من وقْتِهِ لِسَيِّدَتِهِ، يخْدمها أحسنَ ما تكون الخدمة، ويؤدِّي لها حُقوقها عليه أكْمَلَ ما تؤدَّى الحقوق، وجَعَلَ قِسْمًا من وقْتِهِ لِرَبِّه، يفْرُغُ فيه لِعِبادتِهِ، أصْفى ما تكون العبادة، وأخلصَها لله عز وجل، وجعلَ قِسْمًا ثالثًا لِطَلب العلم، حيث أقْبلَ على منْ بقِيَ حيًّا من أصْحاب رسول الله، وطفِقَ ينْهَلُ من مناهلِهم الثَّريّة الصافيَة، فأخذ عن كبار الصحابة كأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم رِضْوان الله تعالى عنهم، حتى امتلأَ صدره علمًا وفقْهًا وروايةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
ولمَّا رأتْ السيّدة المكيّة أنّ غلامها قد باعَ نفسهُ لله، ووقفَ حياتهُ على طلب العلم، تخلَّتْ عن حقِّها فيه، وأعْتَقَتْ رقبَتَهُ تقَرُّبًا لله عز وجل))
الحقيقة أيّها الأخوة، إنَّهُ من طلبَ العِلْم تكفَّلَ الله له بِرِزْقِهِ، وهذه الحقيقة جعلَتْ من أبي حنيفة أبَا حنيفة العالم الكبير, أنا لا أقول لكم: إنَّك إذا طلبْتَ العِلْم تجِدُ المال تحت الوِسادة, ولكنَّ الله عز وجل يُيَسِّر لك عملاً وقْتُهُ معقول، ودخْلهُ معقول، ويسْمحُ لك هذا العمل أن تطلب العلم، ويستحيل أن تطلب العلم، ويجعلك الله تحت عملٍ يمتصّ كلّ وقتك, فمن طلبَ العِلْم تكفَّلَ الله له بِرِزْقِهِ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

وقال أيضا:

((إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ))

[أخرجه الدارمي في سننه]

إليكم منزلته العلمية, وكيف وصل إليها ؟
حينما أعْتَقَتْهُ سيّدتَهُ اتّخذ عطاءٌ من بيت الله الحرام مُقامًا له، فجعلَهُ دارهُ التي يأْوي إليها، ومدرستَهُ التي يتعلَّمُ فيها، ومُصلاّهُ الذي يتقرَّب إلى الله تعالى فيه، حتى قال بعض المؤرِّخين: كان المسجد الحرام فِراشَ عطاءِ بن أبي رباح نحْوًا من عشرين عامًا, أنتَ انظُر أيَّ مكانٍ ترتاح فيه؟ المؤمن في المسجد كالسَّمَك في الماء، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص, أين ترتاح؟ .
وقد بلغَ هذا التابعيّ الجليل منْزلةً من العِلْم فاقَتْ كلَّ تَقْدير، وسمَا إلى منزلةٍ لمْ يَنَلْها إلا نفرٌ قليل، فقد رُوِيَ أنَّ عبْد الله بن عمر رضي الله عنهما أمَّ مكَّة معْتَمِرًا، فأَقْبَلَ الناس عليه يسألونهُ ويسْتفْتونَهُ، فقال:

((إنِّي لأعْجبُ لكم يا أهْل مكَّةَ، أتَجْتمِعون عليّ لِتَسْألوني عن أسئلةٍ كثيرة ، وفيكم عطاء بن أبي رباح؟))
صحابيّ يرى أنَّ عطاء بن أبي رباح أشدُّ علْمًا منه .
وصَلَ هذا التابعيّ الجليل إلى ما وصَلَ إليه مِن عُلُوّ في مقامه، ومن رُتبةٍ عاليَةٍ في علْمِه، بِخَصْلَتَيْن اثْنَتَيْن؛ الأولى أنَّهُ أحْكَمَ سلْطانهُ على نفْسِهِ، فلَمْ يدَعْ لها سبيلاً في أنْ ترْتَعَ فيما لا نفْعَ له، وأنا أعْتقدُ أنَّ أخواننا الكرام، ورُوَّاد هذا المسجد، وطُلاَّب العلم الشريف، يسْتحيلُ أن يُفكِّر الواحد بِعَمَلٍ فيه معْصِيَة، وهذا حُسْن ظنِّي بكم، ولكن بَقِيَ كيف تتفاوَتون الآن؟ في ألاَّ يدعَ أحدُكم وقْتًا يمْضي بلا فائدة، فَنَحْن نتفاوَت في الاستفادة من كلّ دقيقةٍ من حياتنا، أحيانًا سهْرة لا طائِلَ منها، وجلْسة غير مُجْدِيَة، حديث فارغ، وموضوع سخيف، إنَّ الله يُحِبّ مَعالِيَ الأُمور، ويكْرهُ سَفْسافَها ودَنِيَّها، طبْعًا جميعُ المؤمنين في الأعمّ الأغلب لا يعْصون الله عز وجل، بلغُوا مرْتبةً أعلى من أنْ يعْصُوا ربَّهم، تجاوَزُوا هذه المرحلة، فكيف يتفاوتون الآن؟ وكيف يتمايَزون؟ وكيف يتسابقون؟ في اسْتغلال أوقات الفراغ؛ طلبُ علْمٍ، وقراءة القرآن، ودعوةٌ إلى الله تعالى، أمْرٌ بالمعروف، ونهْيٌ عن المنكر، إصْلاحُ ذات البيْن .
الخصْلة الثانِيَة؛ أنَّهُ أحْكمَ سُلطانهُ على وقْتِهِ، فلمْ يهْدرهُ في فضول الكلام والعمل, فلمْ يسْمح لِنَفْسِهِ أن يُمضِيَ وقتًا في ما لا طائِلَ منه .

ما هي النصيحة التي نصح بها عطاء محمد بن سوقة وحدث بها من حدث ؟

حدّثَ محمَّدُ بنُ سُوقَة جماعةً من زُوَّارِهِ، قال:

((ألا سْمِعُكم حديثًا لعلَّهُ ينفعكم كما نفعَني؟ فقالوا: بلى‍، قال: نصَحَني عطاء بن أبي رباح ذاتَ يومٍ، وقال: يا ابْنَ أخي، إنَّ الذين من قبلنا كانوا يكرهون فُضول الكلام، قلْتُ: وما فُضول الكلام عندهم؟ قال: كانوا يَعُدُّون كلّ كلامٍ فُضولاً ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ، وأن يُفْهم، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

[ سورة المؤمنون الآية: 3]

-قال المفسِّرون: كلّ ما سِوى الله تعالى لَغْوٌ، فأنت إن جَلسْتَ جلسةً فانْتَبِه، لأنّ المؤمن الصادق لا يتكلَّم كلمةً إلا إذا كان لها معنى عميق، يفسِّر آية، يشْرح حديثًا، يبيِّنُ حكمًا شرعِيًّا، يبيِّنُ عظمة الله تعالى في الخلْق، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لا يوجد عندهُ كلام فارغ، الكلام اللَّغو، والموضوعات السَّخيفة، والمبتذلة, والمسْتهلكة، واسْتِماعٌ إلى قصَّة لا طائل منها، وغيبة، مسْتحيل، هذا من صفات المؤمن الصادق، يضْبطُ لِسانَهُ في أعلى درجات الضَّبْط- .
قال: كانوا يَعُدُّون كلّ كلامٍ فُضولاً ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ، وأن يُفْهم، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يُرْوى أو يُدْرى، أو أمْرًا بِمَعْروف، أو نهْيًا عن منكرٍ ، أو علْمًا يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى، أو أن تتكلَّم بِحاجتِكَ ومعيشتِكَ التي لا بدّ منها- تبْحث عن زوجة, هذا عمل مشروع، تبحثُ عن عملٍ، تؤمِّنُ طعامَ أولادك، تُزَوِّجُ أولادك، هذه حاجة أساسيَّة ومشْروعة، ولك فيها حاجة، وفيها امْتِثال لِقَول الله عز وجل:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

[ سورة المائدة الآية: 2]
ثمَّ حدَّق إلى وجهي، وقال: أَتُنْكِرون قوله تعالى:

﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾

[ سورة الانفطار الآية: 10-11]
- الإنسان أحيانًا يَغْفل أنَّ له ملكان يكْتُبان عنه كلّ شيءٍ, قال تعالى:

﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾

[سورة الانفطار الآية: 10-11]
أَتُنْكرون قوله تعالى:

﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

[ سورة ق الآية: 18]

ثمَّ قال: أما يسْتحي أحدُنا لو نُشِرَتْ عليه صحيفَتُهُ التي أمْلاها صَدْر نهارِهِ، ووجدَ أكْثرَ ما فيها ليس من أمْرِ دينه، ولا مِن أمْر دُنياه، -من هؤلاء الذين انتفَعُوا بِعَطاء بن أبي رباح؟- قال: انْتَفَعَ به أهل العِلم المتخَصِّصون، وأربابُ الصِّناعة المحترفون، وأقوامٌ كثيرون غير هؤلاء).

مواقف وعبر :

حدَّث الإمام أبو حنيفة النعمان عن نفسهِ, فقال: (-طبْعًا هذه قصَّة قد تسْتغرِبونها، وأنا أسْتغْربُها معكم، إلا أنَّها ليْسَت مستحيلة الوُقوع، لأنَّ الإنسان أحيانًا قد يُتقنُ المعلومات النَّظريَّة، ولكن في حيِّز التطبيق قد يضْطرب- أخْطأْتُ في خمسة أبواب من المناسك بِمكَّة، فَعَلَّمَنيها حجَّام، -أي حلاَّق، والإنسان إذا حجَّ أوَّل مرَّة تجدُه قد قرأ كُتُبًا كثيرة، واسْتمعَ إلى دروس علْم كثيرة في مناسك الحجّ، يضطرب وينْسى أن يُهَرْوِل، ينْسى أن يضطبِع، يبدأُ من اليسار، وقد يقعُ في أخطاءٍ كثيرة، وهذه لا تقدحُ في مكانتِهِ، لأنَّ النَّظري شيء، والعملي شيءٌ آخر- .
قال أبو حنيفة بن النعمان: أخْطأْتُ في خمسة أبواب من المناسك بِمكَّة، فَعَلَّمَنيها حجَّام ، وذلك أنَّني أردْتُ أن أحْلِقَ لأَخْرجَ من الإحرام، فأتَيْتُ حلاَّقًا، وقلتُ: بِكَم تحْلق لي رأسي؟ فقال الحجَّامُ: هداكَ الله، النُّسُك لا يُشارطُ عليه، اِجْلس ثمَّ ادْفع ما تريد، وكانت هذه مخالفة، لأنّ النُّسُك لا يُشارط عليه، ولا يُساوَم، قال: فَخَجِلْتُ وجلسْتُ، غير أنَّنِي جلسْتُ منحرفًا عن القِبْلة، فأَوْمَأ إليّ بِأنْ اسْتقبِلِ القِبْلة، ففعلْتُ وازْدَدْتُ خجلاً على خجلي، ثمّ أعْطيتُهُ رأسي من جانبي الأيْسَر لِيَحْلقهُ، فقال: أدِرْ شِقَّك الأيْمن، فأَدَرْتُهُ، وجعَلَ يحْلِقُ رأسي، وأنا ساكتٌ أنظر إليه، وأعْجبُ منه! فقال لي : ما لي أراك ساكتًا؟ كَبِّرْ، فجَعَلْتُ أُكبِّر حتى قُمْتُ لأَذْهب، فقال: أين تريد؟ فقلتُ: أريد أن أمضي إلى رحلي، فقال: صلِّ ركْعتين ثمَّ امْضِ إلى حيثُ تشاء .
-هذه قصَّة مرْوِيَّة عن أبي حنيفة النّعمان، فيمْكن أن يتلقَّى المسلم العِلْم عن الحجّ بِشَكلٍ دقيق جدًّا، ثم يذهب ليحجَّ، فيقعُ في أخطاءٍ كثيرة جدًّا، لذلك فإنّ المُمارس كما يقولون سبَقَ الفارس، المعلومات النَّظريَّة شيء، والعمل شيء آخر- .
قال: فصلَّيْتُ ركْعتين، وقلتُ في نفسي: ما ينبغي أن يقعَ مثلُ هذا مِن حجَّام، -ما هذا الحجَّام؟ خمسة أخطاءٍ صحَّحَها لأبي حنيفة, شيخُ الفقهاء, قال: لا يقعُ هذا مِن حجَّامٍ إلا إذا كان ذا علْمٍ- فقلْتُ له: مِن أيْنَ لك ما أمرْتني به من المناسك؟ فقال: لله أنت، لقد رأيْت عطاء بن أبي رباح يفعلُهُ، فأخذْتُ عنه، ووجَّهْتُ الناس إليه، فكان الحجّام تلميذَ عطاء بن أبي رباح) .
الحقيقة أنَّ شيئًا في الإسلام عجيبًا، الحياة تقتضي العمل، فهذا يعمل في الطعام, خضري، أو سمَّان مثلاً، وهذا بنَّاء، وذاك قصَّاب، لكنَّ رَوعة الإسلام أنَّ أصْحاب الحِرَف إن كان لهم مجْلسُ علْمٍ فهم علماء، تجد كلامًا دقيقًا، وحكمًا صحيحًا، وإدراكًا، وهذا شيءٌ يُلفِتُ النَّظر، وهو إنسانٌ عادي له عمل، ولكن لأنَّ لهُ مجلسَ علْمٍ يتلقَّى العِلْم أسْبوعيًّا أصبح هذا على طريق العلماء، تجدُ إنسانًا له عمل، وهو في نظر الناس عادي، لكن حينما يتكلّم يتكلّم بالحكمة، ويقف الموقف المناسب، ويتصرَّف بحِكمة بالغة، وهذه هي آثار مجالس العلم .

كيف تعامل عطاء بن أبي رباح مع الدنيا ؟

أقْبلَت الدنيا على عطاء بن أبي رباح، فأعْرض عنها أشدّ الإعراض، وأباها أشدّ الإباء، وعاش عمرهُ كلَّه يلبسُ قميصًا لا يزيدُ ثمنهُ عن خمسة دراهم، ولقد دعاهُ الخلفاء إلى مصاحبتهم، فلم يَجِب دعوتهم لِخَشْيَتِهِ على دينِهِ من دُنياهم، لكنَّهُ مع ذلك كان يَثِبُ عليهم إذا وجدَ في ذلك فائدةً للمسلمين، أو خيرًا للإسلام، فإذا اتَّصَل عالمٌ بإنسان له قيمة، وشأنهُ لِصَالِحِ المسلمين، فهذا عملٌ صالح، واللهُ تعالى يتولَّى السرائر .
كما قال أبو حنيفة لما عاتبَهُ المنصور، وقد اجتمع به في أحد دور وُجهاء بغداد، قال له: ((يا أبا حنيفة لو تغشَّيتنا، فقال أبو حنيفة: ولِمَ أتغشَّاكم، وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه، وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء؟ قال له: يا أبا حعفر, إنَّك إن قرَّبتني فتَنْتني، وإنّك إن أبْعدتني أزْريْتني، وأنا أُمثّل الإسلام)) .

عطاء بن أبي رباح يدخل مجلس الخليفة هشام بن عبد الملك من أجل ماذا ؟

قال عثمان بنُ عطاء الخرساني: ((انْطلقْتُ مع أبي نريدُ هِشام بن عبد الملك، فلمَّا غدونا قريبًا من دمشق، إذا نحن بِشَيخٍ على حِمار أسْوَد، عليه قميص صفيق، وجبَّة، وقلنْسُوة لاصقة بِرَأسه، وركابه من خشب، فضَحِكْتُ منه، وقلتُ لأبي: مَن هذا؟! قال: اُسْكُتْ, هذا سيّد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح .
فلمَّا قرُبَ مِنَّا نزلَ أبي عن بغْلتِهِ، ونزلَ هو عن حِمارِهِ، فاعْتنقَا، وتساءلاَ، ثمَّ عادا فَرَكِبَا، وانْطلقَا حتَّى وقفَا على باب قصْر هِشام بن عبد الملك، فلمَّا اسْتقرَّ بهما الجلوس حتى أُذِنَ لهما، فلمَّا خرج أبي قلتُ له: حدِّثْني بما كان منكما؟ فقال: بادرَ فأذِنَ له، وواللهِ ما دخلْت إلا بِسَبَبِهِ ، فلمَّا رآهُ هشام رحَّبَ به، وقال: مرْحبًا مرْحبًا، ها هُنا ها هُنا، أي تعال إلى جنبي، ولا زال يقول له: ها هُنا, هَا هُنا حتَّى أجْلسَهُ معهُ على سريرهِ, وإلى جانبِهِ تمامًا، ومسَّتْ ركْبتَهُ ركْبته، وكان في المجْلس أشراف الناس، وكانوا يتحدَّثون فسَكَتُوا .
ثمّ أقْبلَ عليه هشام, فقال: ما حاجتُكَ يا أبا محمَّد؟ قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين ، أهل الله، وجيران رسول الله صلى الله عليه وسلّم تُقسِّم عليهم أرزاقهم، وأُعْطِياتهم، قال: نعم، يا غلام, اُكْتُب لأهل مكَّة والمدينة بِعَطاياهِم وأرزاقِهِم إلى سنة، ثمّ قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ فقال: نعم, يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز، وأهل مجْدٍ أصْلُ العَرَب، وقادة الإسلام ترُدّ فيهم فُضول صدقاتهم، أيْ إذا جنَيت الصدقات منهم، الفضول أَبْقِها في بلادهم، فقال: نعم، يا غلام اُكْتُبْ بِأنْ تُردَّ فيهم فُضول صدقاتهم، قال: هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمّد؟ قال: نعم, يا أمير المؤمنين، أهل الثُّغور يقفون في وُجوه عدُوّكم، ويقتلون من رام المسلمين بِشَرّ، تُجْري عليهم أرزاقًا تدرّها عليهم، هم بِحاجة إلى مساعدة، وهم إنْ هلَكوا ضاعت الثّغور، قال: نعم، يا غلام اُكْتب بِحَمْل أرزاقهم إليهم، هل من حاجةٍ غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين أهل ذِمَّتكم لا يُكلَّفون ما لا يُطيقون، فإنَّما تَجْبون منهم مَعونةٌ لكم على عدوّكم، أيْ لا تُكلِّفوا أهل الذمَّة ما لا يُطيقون، قال: يا غلام، اُكتبْ لأهْل الذمَّة ألاَّ يُكلَّفوا ما لا يطيقون، قال: هل من حاجةٍ غيرها يا أبا محمّد؟ قال: نعم، اتَّقِ الله في نفْسِكَ يا أمير المؤمنين، واعْلَم أنَّكَ خُلِقْت وحْدك، وسوف تموت وحْدك، وتُحْشرُ وحدك، وتُحاسَبُ وحْدك، ولا واللهِ ما معك أحدٌ مِمَّن ترى أمامك، حينما تموت، وحينما تُحشَر، وحينما تُحاسب .
فأكَبَّ هِشامٌ ينْكت في الأرض وهو يبْكي, فقام عطاءٌ فَقُمْتُ معه، فلمَّا صِرْنا عند الباب إذا رجُلٌ قدْ تَبِعَهُ بِكِيسٍ لا أدري ما فيه، وقال له: إنَّ أمير المؤمنين بعَثَ لك بِهذا، فقال: هيْهات، وما أسألكم عليه من أجْرٍ إنْ أجريَ إلا على ربّ العالمين, فو الله إنَّهُ دخل على الخليفة، وخرج من عنده، ولم يشْرب قطْرةَ ماء)) .
يمْكن أن تدخل على الخليفة، فإذا كانت لك مكانةٌ عندهُ، واطْلُب منه تَلْبِيَة حاجات المسلمين من دون طلب حاجات شخْصِيَّة .

كم عمر من الدنيا, وبماذا ملأ حياته التي عاشها في الدنيا ؟

عُمِّرَ عطاء بن أبي رباح حتى بلغَ مئة عامٍ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا, قَالَ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَنْ خَيْرُ النَّاسِ, قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

لا يوجد أجْمل من عمْرٍ طويل في طاعة الله، ولا يوجد أصْعب من عمْرٍ طويل في معصِيَة الله، قال تعالى:

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾

[ سورة النحل الآية: 70]

أخواننا الشباب، أنتم بِطَاعتكم لله، وفي سِنّ شبابكم، يُدَّخَر لكم، وأنتم لا تشعرون، شَيْخوخة من أرْوع فترات العُمْر، لأنَّهُ مَن حفِظَ نفسهُ صغيرًا حفظها الله له كبيرًا، ومن تعلَّمَ القرآن في شبابه متَّعَهُ الله حتى يموت .
أقول لكم وهذه بِشَارة من رسول الله: إنّ الشابّ إذا أقْبَلَ على طلب العلْم، وامْتلأتْ جوانحه بِحُبّ الله ورسوله، وضبطَ جوارحهُ وسلوكه بالكتاب والسنة، فهذا الشابّ له خريف عُمُرٍ يتمنَّاهُ الإنسان تَمَنِّيًا، وقد لا يصِلُهُ، وكنت قد حدَّثكم أنَّ رجلاً بدأ بِتَعليم أولاد المسلمين في الثامنة عشرة من عُمُره، وامْتدَّ به العمر حتى الثامنة والتِّسْعين، وكان إذا رأى شابًّا في الطريق يقول له : يا بنيّ, أنت كنت تلميذي قبل أعوام، وكان أبوك تلميذي، وكان جدّك تلميذي, وكان منتصِبَ القامة، وحادّ البصر، مرهفَ السَّمع, أسنانُهُ في فمِهِ، وذاكرتُهُ قَوِيَّة، فكان إذا قيل لهُ: يا سيِّدي, ما هذا؟ يقول: يا بنيّ، حفظناها في الصِّغر، فحَفِظَها الله علينا في الكِبَر، من عاش تقِيًّا عاش قوِيًّا .
عاش عطاء بن أبي رباح حتى بلغ مئة عام، ملأ حياته بالعلم والعمل، وأتْرعها بالبرّ والتقوى، وزكَّاها بالزُّهْد بما في أيدي الناس، والرغبة بما عند الله، وللهِ درُّ القائل حين قال:

لا تسْألنَّ بُنَيّ آدم حاجــةً وسَل الذي أبوابهُ لا تُغلــقُ
الله يغضبُ إن تركْت سؤالهُ وبنيّ آدم حينما يُسأل يغضبُ
الحسن البصري سُئلَ بما نِلْتَ هذا المقام؟ قال: باسْتغنائي عن دنيا الناس, وحاجتهم إلى علْمي، فلا يليق بالعالم إلا أن يستغني عن دنيا الناس، وأن يحتاج الناس إلى علْمِهِ، أما إذا زهِد الناس في علمِهِ، واحتاج هو إلى دنياهم فالوَيْل له، وسقط حينئذٍ من أعْيُن الناس، فإذا أتاه اليقين وجدهُ الموتُ خفيف الحِمْل من أثقال الدنيا، وكثيرَ الزاد من عمل الآخرة، ومعه فوق ذلك سبعون حجَّةً، ووقفَ خلالها سبعين مرَّة على عرفة .

خلاصة الدرس :

هذا تابعي من التابعين، عَبْدٌ أسْود، وحبشي، وقف أمامه أمير المؤمنين ذليلاً، قال له:

((يا بنيّ، هل رأيْت ذلَّنا بين يديه؟))
تعلَّموا العلمَ، فإنْ كنتم سادةً فُقْتُم، وإن كنتم وسطًا سُدْتم، وإن كنتم سوقةً عِشْتم، ورتبة العلم أعلى الرتب، والعلم لا يُعْطيك بعضَهُ إلا إذا أعْطيتهُ كلَّكَ، فإذا أعْطيتهُ بعْضكَ لم يعْطِكَ شيئًا .
أُقدِّم لكم مِقْياسًا دقيقًا، ابْحث عن صديق من سنِّك لم يطلب العلم، واجْلِس معه نصف ساعة, واسْتَمِع إلى كلامه تجده سخيفًا، ومزْحَهُ رخيصًا، ونظراته غير منضبطة، ولسانه غير مهذَّب، وتعليمات سخيفة، وآراءه غير صحيحة، فهل هناك فرق بين مَن يطلب العلم وينضبطُ عملهُ بالعلم، وبين من يتفلتُ من العلم؟ فالثاني كالدابة الهائمة على وجهها .
عطاء بن أبي رباح نظَّمَ وقْتهُ حينما كان عبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من قريش، فكان ثلث وقتهِ لخِدْمةِ سيِّدته، والثلُث الثاني لأداء عباداته، والثلث الثالث لطلب العلم، ولا تظن أنَّك في سَاعة بالأسبوع تتعلّم منها سير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وفي سَاعةٍ أخرى تتعلَّم فيها السنَّة الشريفة، وفي سَاعة ثالثة تتعلَّم كتاب الله، إنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم .

والحمد لله رب العالمين



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شعبان
المدير
المدير


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

ذكر عدد المساهمات : 7178
تاريخ التسجيل : 16/06/2010
الموقع :
المزاج المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   السبت 3 نوفمبر - 13:34

التابعي عامر بن عبد الله التميمي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

مقدمة عامة :

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وتابِعِيّ اليوم هو عامر بن عبد الله التميميّ، وقبل أن نبدأ قصَّته لا بدَّ من مقدِّمةٍ نحن في أمسِّ الحاجة إليها .
أيها الأخوة الكرام، إنّ الإنسان في هذا الزمان الذي أنبأ به النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

هذا الحديث معروف عندكم، وهناك أحاديث كثيرة تُذكِّرُ بِهُبوط الإنسان في آخر الزمان، يصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، يصبحُ المطر قيظًا، والولد غَيْظًا، ويفيضُ اللئام فَيْضًا، ويغيظ الكرام غَيْظًا، أحاديث لا مجال لِذِكْرها، ولكنَّها تبيِّنُ أنّ حالة الإنسانيَّة في آخر الزمان في هُبوطٍ أخير، هناك سُقوط، وانْهِيارُ قِيَم، وانْهِيارُ مبادئ، وانْهيار مُثُل، واستعار الشَّهوات والفِتَن، فالإنسان في زحْمة هذه الحياة، وفي زحْمة هذه الفتن، حينما يسْتمعُ إلى قصَّة صحابيّ أو تابعيّ، يرى النُّبْل ، والصِّدق، ويرى الإخلاص، والأمانة، والاندفاع إلى الله عز وجل، وكأنَّني أُشبِّه هذا الإنسان برجلٍ يمشي في صحراء, الحرّ شديد، ورِمَال، ثمّ يرى عن بُعْدٍ واحةً من أشجار نخيل وغدير ماءٍ, فنحن إذا دخلنا بيت الله، واسْتمعنا إلى قصّة صحابي أو تابعي، وعِشْنا ساعةً في هذه القِيَم الرفيعة، والمُثُل الفائقة، هذا مِمَّا يَدْعو أن تُنزَّل علينا الرحمة، للقَوْل الذي تعرفونه جميعًا، عند ذِكْرِ الصالحين تتنزَّل الرَّحَمَات، والإنسان حينما يرى هؤلاء الأبطال، وهؤلاء الصحابة الكرام، وهؤلاء التابعين، يرى بطولاتهم، ووُضوح الرؤية عندهم، ويرى انْطلاقًا إلى جنَّة لا يفْنى نعيمها ، هذا يكون لنا دافعًا, وباحِثًا، ومُشَجِّعًا، إنّهم قُدْوةٌ لنا .
الشيء الخطير أيُّها الأخوة, أنَّه كما يُقال: قلْ لي: مَنْ قُدْوتُكَ؟ أقُلْ لكَ: مَن أنت؟، أهل الدنيا قدوتهم مِن جِنْسِهم وعلى شاكلتهم، فالتاجر قدْوتهُ تاجرٌ أكبر منه، والصِّناعيّ قدوَتُهُ صِنَاعِيّ أكبر منه، والمثقَّفُ ثقافةً عِلمانِيَّة قدْوتُهُ علمانيٌّ أكثر ثقافة منه، والقويّ قُدْوتُهُ قويّ أكبر منه، ولكنَّ المؤمن قدوتهُ رسول الله وصحابتُهُ الكرام، الذين سَبَقُوهُ في مجال الإيمان .
فهذه الدروس أيّها الأخوة, نعيشُ بها جميعًا ساعةً، وكأنَّنا في واحةٍ عقِبَ مسيرة في صحراء حارَّة، لأنَّ الذي يحْصَل أنَّك في الأيَّام كلِّها تسْتمِعُ إلى قِصَصٍ مُؤدَّاها سقوط الإنسان، ومادِيَّة الإنسان، وشحّ الإنسان، ولُؤْمُ الإنسان، وقَسْوةُ الإنسان، ونفاقُهُ، وجهْلُه، وحياةٌ فيها جهْل وسُقوط وحِقْد ولؤْم، وفيها أنانيّة وعُدوانٌ وبَغْي، وفيها تجاوُز، فإذا انتقلنا إلى هؤلاء الأبطال الذين عاشُوا حياتهم سُعَداء وكانوا مُلوكًا، مُلوك الدار الآخرة، وكانوا أبطالاً، وكانوا أعلامًا، عشنا حينئذٍ ساعة روعة وشوق .
هل كان عامر بن عبد الله التميمي من الصحابة أم من التابعين, وعلى يد من أخذ العلم, وكيف قسم حياته بعد ما نال مراده من العلم؟
فعامِرُ بن عبد الله التميميّ كان مِن التابعِين الأجِلاَّء، وقبل أنْ أدْخل في تفاصيل حياتِهِ ، لفَتَ نظري في هذا التابعيّ الجليل توازنُه في حياته، فهو في عبادته كان كأرقى العابدين، ولكن إذا انتقلْتَ إلى عملهِ في النهار كان أرقى المجاهدين، وإذا انتقلْت إلى صبْرِهِ كان أشدّ الصابرين، والحقيقة كما كنت أقول لكم دائمًا: نحن مع التَّفوّق لا مع التَّطرّف, نحن مع أنْ يَنْمُوَ الإنسان في جوانِبِهِ الثلاثة، أن ينْمُوَ عَقلهُ، وأن ينْمُوَ قلبهُ، وأن ينضبِطَ سُلوكهُ، ويرقى عملهُ بِشَكْل متوازن.
يُقال: كانت البصْرَةُ على حداثتِها من أغنى بلاد المسلمين، ومن أوْفرها ثرْوةً، بما كان يتدفَّق عليها من غنائِمِ الحرب، ولكنَّ الفتى التميميّ عامر بن عبد الله لمْ يكن له أرَبٌ في ذلك كلّه، لقد كان زاهدًا بِمَا في أيدي الناس راغبًا بما عند الله .
أيها الأخوة، هذه جملة خطيرة جدًّا، فالمؤمن يزْهدُ بِمَا في أيدي الناس، ويرْغبُ بما عند الله، فإذا زهدْتَ بما في أيدي الناس أحبَّكَ الناس، وإذا رغبتَ بما عند الله أحبَّك الله، والعكس غير صحيح، أيْ إذا أحببت ما عند الناس، وطمعْت في مالهم أبْغضَكَ الناس، وإذا زهدْتَ بما عند الله أبْغضك الله تعالى .
رجل البصْرة الأوَّل, الصحابيّ الجليل أبو موسى الأشعري كان والِيَ المدينة الزاهرة، وهو قائد الجيوش فيها، وإمامُ أهلها، ومعلِّمُهم، ومرشدهم إلى الله عز وجل، لزِمَ عامر بن عبد الله التميميّ أبا موسى الأشعري في سِلْمه وحربِهِ، نقول: إنهم تابعون، ومعنى تابعون أي أنَّ هؤلاء اقْتدَوا بالصحابة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، حيث بقيَ عددٌ غيرُ قليل من أصحاب رسول الله رِضْوان الله تعالى عليهم، فهؤلاء التابعون لَزِموا صحابة رسول الله .
فهذا التابعيّ عامر بن عبد الله التميميّ لَزِمَ أبا موسى الأشعري في سلمه وحربهِ، وفي حِلِّهِ وترْحالِهِ، فأخذ عنه كتاب الله طريًّا كما نزل على فؤاد محمَّد صلى الله عليه وسلّم، لأنّ القرآن يجب أن تتلَقَّاهُ قِراءةً، وأنْ تتلقَّاهُ فهْمًا، وأنْ تقْتَدِيَ بِمَن يُطَبِّقُهُ، وتحضرني كلمة أُعْجَبُ بها ، هي في كتاب العُكْبُري، يقول عن كتاب الله العزيز: تؤخذُ ألفاظهُ من حُفَّاظِهِ، وتؤخذُ معانيهِ مِمَّن يُعانيه، يجب أن تلْتقي بإنسانٍ يُعاني هذه المعاني ويعيشُها، وشتَّان بين من يتكلَّم عن معاني القرآن، وهو لا يُعانيها، وبين من يتكلَّم عن معاني القرآن، وهو يُعانيها، وفي الحقيقة عندنا في الأدب مِقياس مِن أرقى المقاييس في رُقِيِّ النصّ الأدبي، يُسَمِّيه الأدباء والنُّقاد (الصِّدْق الفني)، ومعْنى الصِّدق الفنيّ أن يصْدر الأديب عن تجربةٍ حيَّة يعيشها، وعن عاطفةٍ صادقةٍ، فالإنسان إذا حدّثنا عن حقيقة عاشها أبكانا، أما إذا حدَّثنا عن مشكلةٍ خياليَّةٍ لم يُبْكِنا إطلاقًا، فإذا أردْت أن تتأثَّر بأدبٍ ما فابْحَث عن أديبٍ صادقٍ فيما يقول، صِدْقُهُ فنيّ، فأنت لو اسْتمعْتَ مِن فقيرٍ يصفُ حالة الفقْر، ربّما راق له قلبك، أما لو اسْتَمَعْت إلى غَنِيٍّ مُتْرفٍ يصفُ لك حالة الفقْر، ربَّما نفرْتَ من كلامه، لأنَّه لا يعرفُ الشَّوْق إلا من يُكابِدُه، ولا الصَّبابة إلا من يُعانيها .
فأخذ هذا التابعيّ الجليل عن أبي موسى الأشعري كتاب الله رطبًا طرِيًّا كما نزل على فؤاد محمد صلى الله عليه و سلم، وروى عنه الحديث صحيحًا مَوْصولاً بالنبي الكريم الله صلى الله عليه وسلّم، وتفقَّهَ على يدَيْه في دين الله عز وجل، فلمَّا اكْتَمَلَ له ما أراد من العِلْم جعَلَ حياتهُ أقْسامًا ثلاثة، ذكرتُ أشياءَ دقيقة، أنت بِحاجةٍ إلى درس تفسير كتاب الله، وهل مِن كتابٍ على وجه يمكن أن يكون أهَمّ في حياتك من كتاب الله؟ هو منْهجك، وأنت بِحَاجةٍ ماسَّةٍ إلى درْسٍ في الحديث الشريف وشرحه, لأنّ الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

[ سورة الحشر الآية: 7]

فمعرفةُ الذي أتانا به النبي أو أتانا إيَّاهُ النبي فرْضُ عَيْنٍ على كل مسلم، هذا البند الثاني .
أنت كَزَوْج، أو موظَّف، أو طبيب، أو تاجر، أو محامي، أنت في أمسّ الحاجة إلى أن تعرف الأحكام الفقْهيَّة المتعلِّقة بِحِرْفتكَ وحياتك، فأنت كَزَوْج عليك معرفة حقوق الزوج والزوجة ، وطريق معاملة الأهل كما كان يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام، وفي التجارة، وحقوق البيع والشِّراء وشروطهما، والدَّيْن, والحوالة، والوكالة، وأنت بِأمسّ الحاجة إلى درسٍ في السيرة، لأنَّ السيرة إسلامٌ عملي، وحقيقة مع البرهان عليها، فلمَّا اكْتملَ لهذا التابعيّ الجليل العلْم جعَلَ حياتَهُ أقسامًا ثلاثة, وهذا ينقلنا إلى تنظيم الحياة .
أيها الأخوة الكرام، أُناسٌ كثيرون جدًّا يكونون ضَحِيَّة الدنيا، لا تنظيم في حَياتِهِ، يأتي بهُموم عملهِ إلى البيت، فَيَشْقى في بيتِهِ، وينقل هموم بيتِهِ إلى عملهِ، فيَشْقى في عمله، فإذا دَخَلَ إلى بيت الله كانت كلّ مشكلات التجارة في ذهنه في أثناء الصلاة، لقد صلّّى أحدهم صلَّى وراء الإمام فقال له: أنت صلَّيْت ركعتين فقط في صلاة المغرب، فقال الإمام: هذا غير معقول! فقال المُصَلِّي: لا، لأنَّ لي ثلاثة محلاَّت تِجاريَّة، في كلّ ركعة أَحُلّ مشاكل محلّ، وبقي المحلّ الثالث ما حللْتُ مشاكله! لذا أيها الأخوة نظِّموا أوقاتكم، وإنّ لله عملاً بالليل لا يقبلهُ بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبلهُ بالليل، وقْتٌ لأهلك، ووقْتٌ لأولادك، ووقْتٌ لعَمَلِك، وقت لِعِبادتك، ووقْتٌ لطلب العلم، فتَنظيم الأوقات هو الذي يجعلكَ تكْسبُ الدنيا، واللهُ عز وجل قال:

﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾

[ سورة الانشقاق الآية: 19]

قرأتُ مرَّةً مقالة في مَجلَّة مفادها أنَّ في حياة الإنسان ثلاثة أشياء؛ الوقت والصحّة والمال، ومن أجل أن تزهدوا في هذه الدنيا، ففي مرحلة الشباب الصحَّة متوفِّرة، وليس عندهُ مشكلة، تجده يطحن الحجارة، ولكن لا يوجد المال، وفي المرحلة الثانية الصَّحة موفورة، والمال موفور، ولكن ليس لديه الوقت لِيَتَنَعَّم بالمال، من لِقاء إلى لِقاء، واجْتِماعات، دوام، وعمل مضنٍ، وهموم، ولو ذهَب إلى نزْهة لوجدتَهُ ساهيًا, وفي المرحلة الثالثة المال موجود، تقاعَدَ, سلَّم أولادهُ زمام الأمور، والوقت موجود, ولكن لا توجد الصحَّة في جِسْمِهِ, خمسون علَّة، وهذه هي الحياة؛ تغرُّ، وتَضُرّ، وتمُرّ، ولكن حياة المؤمن ليست هكذا، المؤمن عرف هدفهُ من بداية الحياة، وشكَّل حياتهُ تشْكيلاً إسلاميًّا، وجعل هدفهُ واضِحًا، وجنَّدَ طاقاته ونشاطاته ومالهِ ووقتهُ في سبيل هذا الهدف، لاحِظ إنْ أتَيْتَ بِعَدسة، ووقفتَ تحت أشعَّة الشَّمس, وجعلتَ مِحْرقها تحت ورقة، فستحترق هذه الورقة, فالذي حدث أنَّ هذه الأشعّة اجْتمَعت في نقطة فأحْرَقَتْ، والإنسان إذا تجمَّعَتْ طاقاتهُ في شيءٍ واحد يُحَقِّق المستحيل، أما أهل الدنيا فهم مبعْثَرون مُشَتَّتون، أما المؤمن فهو مجموع، عضلاته وخِبْراته وعلمه ومالهِ وذكاؤه وثقافته ومطالعته وطلاقة لِسانه, يفعل بها المستحيل، وكلّ ذلك في سبيل الله .
هذا التابعي الجليل, قال: شطر في حلقات الذِّكْر يقرأُ فيه الناس القرآن الكريم في مسجد البصرة، وشطْر في خَلَوات العبادة ينتصبُ فيه قائمًا بين يدي الله عز وجل حتى تَكِلَّ قدَماه، وشطْرٌ في ساحات الجهاد يسَلّ فيها سيْفًا غازِيًا في سبيل الله، فهو في الجهاد تارةً، وفي العبادة تارةً أخرى، وفي طلب العلم وتعليمه تارةً ثالثة، ولمْ يتْرك في حياته موضِعًا لشيءٍ غير ذلك، حتى دُعِيَ بِعَابِدِ البصْرة، وزاهدها الأوَّل .
ما هو الدعاء الذي كان يناجي عامر به ربه, وما هو الميثاق الذي عهده عامر لذلك الرجل البصري وأمنه عليه؟
أحدُ أبناء البصْرة, قال: (سافرْتُ في قافلةٍ فيها عامر بن عبد الله التميميّ، فلمَّا أقْبَلَ علينا الليل نزلْنا بِغَيْضةٍ فجَمَعَ عامرُ متاعَهُ، وجمعَ فرسَهُ بِشَجَرةٍ، وطوَّلَ له زِمامهُ، وجمعَ له مِن حشائش الأرض ما يُشْبعُهُ، وضرحهُ أمامه، ثمّ دخل الغَيْضة وأوْغَلَ فيها، فقلْتُ في نفسي: والله لأتْبعنَّه، ولأنْظرنَّ ما يصْنعُ في أعماق الغَيْضة في هذه الليلة، فمضى حتى انتهى إلى رابيةٍ ملْتفَّة الشجر، مسْتورة عن الأعيُن, فاسْتقبل القبلة، وانتصبَ قائمًا يصلِّي، فما رأيْتُ أحْسنَ من صلاته، ولا أكمل ولا أخْشع، ولما صلى ما شاء أن يصلِّي طفقَ يدْعو ربّه ويُناجيه، فكان ممَّا قال: إلهي قد خلقتني بِأمرك، وأقمْتني في بلادك بِمَشيئتك، ثمّ قلت ليَ: اسْتَمْسِك، فكيف أسْتمسِكُ إن لم تمسِكْني بِلُطفك يا قويّ يا متين؟ ‍.
-أيها الأخوة الكرام، الإنسان لا بدّ أن تكون له مناجاة مع الله تعالى، وساعة يخْلو بها بِرَبِّه؛ في سجوده، وفي صلاته، وفي ذكره، هذه شحنة، أنا مرَّةً مِصباحٌ كهربائي علَّمني درسًا لا أنساهُ، مصباحٌ يُشْعل بالكهرباء، كنتُ إذا نسيتُ أن أشْحنهُ، وأردْتُ أن أسْتعملهُ فجأةً اضْغطُ الزرّ، فإذا الضوء باهت ضئيل، أما إذا شحنتُهُ، وأردتُ أن أستعملهُ, أرى له ضوءًا كَضَوء الشمس، فكذلك المؤمن كلما شحنْتهُ تألَّق، والشَّحنُ يكون عن طريق العبادة؛ فالصلاة شَحن، والذِّكر شحن، والاستغفار شحن، والدعاء شَحن، وتلاوة القرآن شحن، فبِقَدْر ما تشْحنُ نفْسكَ تتألَّق، فهكذا كان هذا التابعيّ الجليل- .
كان يقول: إلهي إنَّك تعلم أنَّه لو كانت ليَ هذه الدنيا بما فيها، ثمَّ طُلِبَتْ مِنِّي مرْضاةً لك ، لوَهَبْتُها لِطَالِبِها، فهَبْ ليَ نفسي يا أرحم الراحمين، إلهي إنِّي أحْببْتُكَ حُبًّا سهَّلَ عليّ كلّ مصيبة، ورضني بكل قضاء، فلا أُبالي مع حُبِّي لك ما أصبحت عليه، وما أمْسيْتُ فيه .
قال الرجل البصري: ثمَّ إنَّهُ غلبني النعاس فأسْلمْتُ جَفْني إلى النوم، وما زلْتُ أنام واسْتيقظ, وعامر منتَصِبٌ في موقفه، ماضٍ في صلاته, ومناجاته حتى تنفَّس الصبح, -هل يعقل ألاّ ينام الإنسان؟ نعم معقول، أحيانًا يسهر شخصان إلى أذان الفجر، لانْبساطهما، فهل سرورك بالله عز وجل كَسُرورِكَ بِصَديقك من أهل الدنيا؟ قال: (يا موسى, أَتُحِبّ أن أكون جليسك؟ فَصُعِقَ! قال: كيف ذلك يا رب, وكيف أكون جليسك؟ قال: يا موسى, أما علمتَ أنَّه من ذكرني فقد جالسَني، أما علمْت أنِّي جليسُ مَن ذكرني، وحيثما الْتَمَسَني عبدي وجدني)- .
قال: فلمَّا بدا له الفجر، فأدَّى المكتوبة، ثمَّ أقْبلَ يدعو, ويقول: اللهمّ ها قد أصْبح الصبح، وطفقَ الناس يغدون ويروحون، يبتغون من فضلك، وإنّ لِكُلٍّ منهم حاجة، وإنّ حاجة عامر عندك أن تغفر له، اللهمّ فاقْضِ حاجتي وحاجاتهم يا أكرم الأكرمين .
ثمّ قال عامر: اللهمّ إنِّي سألتُكَ ثلاثًا, فأعْطَيتني اثْنَتَين، ومنَعْتني واحدة، اللهمّ فأعْطِنِيها حتى أعْبدَكَ كما أحبّ وأريد، ثمّ نهَضَ من مجلسه، ووقعَ بصَرهُ عليّ، فَعِلَم بمكاني منه في تلك الليلة، فجَزِعَ لذلك أشدّ الجزع، وقال لي في أسى: أراك كنت ترقبني تلك الليلة يا أخا البصرة؟ قلتُ: نعم، فقال: اسْتر ما رأيْت مِنِّي ستَركَ الله .
-أحيانا يصلّي الواحد منَّا قيام الليل فيقيم الدنيا ويقعدها- لكن عامر قال للشخص البصري: اسْتر ما رأيْت مِنِّي ستَركَ الله, فقلتُ: واللهِ لَتُحَدِّثني بِهذه الثلاث التي سألت بها ربّك، أو لأخْبِرَنّ الناس بِما رأيْتُه منك؟ فقال: وَيْحَكَ لا تفعَل, فقال: قلتُ: هو ما أقولهُ لك، فلمَّا رأى إصْراري, قال: أحدِّثك على أن تعطِيني عهْد الله وميثاقهُ ألاّ تُخْبر بهذا أحدًا, فقلتُ: لكَ عليّ عهْدُ الله وميثاقهُ ألاّ أُفْشِيَ لك سرًّا ما دُمْتُ حيًّا، فقال: لمْ يكن شيءٌ أخْوفَ على ديني من النِّساء, فسألْتُ ربِّي أن ينزع من قلبي حبّهنّ، حتى صِرْتُ لا أبالي امرأةً رأيْتُ أم جِدارًا, -وقد يقول أحدكم: غضّ البصر صَعب، وأنا أقول لكم: واللهِ الذي لا إله إلا هو, وكما قال عليه الصلاة والسلام:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ, ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا))

[أخرجه أحمد عَنْ أَبِي أمامة في مسنده]
أنت تصلّي في النهار خمس صلـوات، فما قولك أنَّه كلّما وقعَتْ عيْنك على امرأة أجْنبيَّة، وغضضْتَ بصرك لا تخاف أحدًا، ولا ترجو أحدًا إلا الله ارْتَقَيْت عند الله، مرَّةً قلتُ لكم: أحيانًا تتوافق القوانين مع الشرائع، فإذا ترك أحدٌ سرقة المال، يا تُرى, ترك السرقة خوفًا من الله أم خوفًا من العقاب القانوني؟ الله تعالى أعلم، ولِحِكمة أرادها الله عز وجل أنَّ بعض أوامر الدِّين ينفرد بها من بين كلّ الشرائع، فغضّ البصر مثلاً، لا توجد جهة في الأرض يمكن أن تُحاسبك على نظرك إلى النِّساء، وهذه العبادة عبادة الإخلاص، لأنَّه لا توجد جهة تُحاسِب، وإذا أردت أن تنظر إلى امرأة من النافذة، من يستطيع أن يُحاسبك على نظرك إلى هذه المرأة؟ لذلك قال تعالى:

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾

[ سورة غافر الآية: 19]

إذا كنت طبيبًا، وشَكَتْ لك موضِع ألمٍ من جسمها، فلك الحقّ أن تنظر إلى هذا الموضع كي تعالجهُ، ولكن من الذي يكشف أنَّك نظرْت إلى موضعٍ لسْت بحَاجة إليه؟ الله هو الذي يعلم، قال تعالى:

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾

[ سورة غافر الآية: 19]

لذلك أنا أُردِّد هذا القول كثيرًا: من لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا لمْ يعبأ الله بشيءٍ من عمله- .
قال: فقلتُ: هذه واحدة, فما الثانية؟ قال: سألتُ ربّي ألاّ أخاف أحدًا غيره، -واللهِ توجد بالأرض ملايين الجهات المخيفة، وما أكثر المخاوِف، فإذا ركبْتَ مركبةً فهناك مخاوف، مجيء سائقٍ غافل، وإذا دخلت إلى مكان, فهناك من يُعَرقل عملك، ويُعَقِّد عليه القضايا، فالإنسان تحت أخطار لا يعلمها إلا الله- فاسْتجاب لي، حتى إنِّي واللِه لا أرغب شيئًا في الأرض ولا في السماء سواه، -قال: (يا موسى, خفْني وخَفْ نفسكَ) أنا أقول لكم هذه الحقيقة: مهما رأيْت جهة قوِيَّة شَرِسةً عُدْوانِيَّة، فلا تخَفْ منها، خَفْ من ذنْبٍ تقترفهُ، فلن يَسْمحَ الله لهذه الجهة القويَّة أن تصل إليك، قال تعالى:

﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 81-82]
وقال تعالى :

﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

[ سورة الأنعام الآية: 80]

تصوَّر إنسانًا واقفًا أمام سبعة وُحوش مخيفة، وكلّها تريد أكْلهُ، بِلُقْمة واحدة، ولكنّ هذه الوحوش مربوطة بِيَد جهةٍ واحدة، ومربوطة بِأزِمَّة مُحكمةٍ، وهذه الجهة بصيرة سميعة عليمة حكيمة رحيمة وعادلة، فأنت علاقتك مع الوُحوش أم مع الجهة التي تُمسِكُ أزِمَّتها؟ هذه الجهة لو أَرْخَتْ بعض الأزِمَّة لوصَلَتْ الوحوش إليك، فإذا منَعَتْها عنك انتهى الأمر، وهذا معنى قول الله تعالى:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[ سورة هود الآية: 55-56]
هذا معنى قول بعض العارفين :

أَطِعْ أمْرنا نرْفع لأجلك حجْب َنا فإنَّا مَنَحْنا بالرضا من أحبَّنا
ولُذْ بِحِمانا واحْتَمِ بِجَنابِنــا لِنَحميك ممَّا فيه أشرار خلقنا
قلْتُ: فما الثالثة؟ فقال: سألْتُ ربِّي أن يُذْهِبَ عَنِّي النَّوم حتى أعْبدَهُ بالليل والنهار كما أريد، فمَنَعَنيها، فلمَّا سمِعتُ منه ذلك, قلتُ له: رِفْقًا بِنَفْسِك فإنَّك تقضي ليلكَ قائمًا، وتقطعُ نهاركَ صائمًا، وإنَّ الجنَّة تُدْركُ بأقلَّ ما تصْنع، وإنَّ النار تُتَّقى بأقلَّ مِمَّا تُعاني, فقال: إنَّي لأخشى أن أنْدَمَ حيث لا ينفعُ النَّدَم، والله لأجْتهِدَنَّ في العبادة ما وجدتُ للاجتهاد سبيلاً، فإنْ نجَوْتُ فَبِرَحْمة الله، وإن دخلْتُ النار فَبِتَقْصيري) .
أيها الأخوة، هل تعلمون من هو العاقل؟ العاقل هو الذي لا يعملُ عملاً يندمُ عليه، فأنت الآن تعيش، ولكن يا ترى لو حان الآن وقتُ مُغادرة الدنيا، ألا تنْدم لِمَ لمْ تُصَلِّ أكثر، ولِمَ لمْ تتعلَّم أكثر، ولِمَ لمْ تُنْفِقُ أكثر؟ فالعاقل هو من يعْملُ عملاً لا ينْدمُ عليه أبدًا، هذا ما قالهُ بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم:

((والله لو علِمْتُ غدًا أجلي ما قدرْتُ أن أزيد في عملي))

كيف كان عامر يختار صحبته إذا غزا في سبيل الله ؟

أيها الأخوة, غير أنَّ عامر بن عبد الله لمْ يكن راهبًا من رهبان الليل فحَسْب، بل كان فارسًا من فرسان النهار أيضًا، فما أذَّنَ مؤذِّنُ الجهاد في سبيل الله إلا وكان في طليعة من يُجيب النِّداء، وكان إذا نهَض لِغَزوة من الغزوات مع المجاهدين وقفَ يتوسَّمُ الناس لِيَختار رِفاقهُ، واسْمعوا هذه القصَّة: إذا وقعَ على رِفْقةٍ تُوافقُهُ قال لهم: (يا هؤلاء، إنِّي أريد أن أصْحبكم على أن تُعطوني من أنفسكم ثلاث خِلال، فيقولون ما هنّ؟ فيقول: أولهنّ أن أكون لكم خادمًا، فلا يُنازعني أحدٌ منكم في الخدمة أبدًا، والثانيَة أن أكون لكم مؤذِّنًا فلا يُنازِعَني أحدٌ منكم للنِّداء للصَّلاة، والثالثة أن أُنفقَ عليكم بِقَدر طاقتي، -لذلك يُعرَف الإنسانُ في السَّفَر- فإذا قالوا: نعم، انْضمَّ إليهم، وإذا نازعه أحدٌ منهم في شيء من ذلك رَحَلَ عنهم إلى غيرهم) .

إليكم هذا الموقف لعامر, علام يدل ؟
نزلَ سعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد القادسيّة في إيوان كِسْرى، وأمرَ عمْرو بن مُقَرٍّ أن يجمعَ الغنائم ويُحصيَها، لِيُرْسِلَ خُمسها إلى بيت مال المسلمين، ويقسمُ باقيها على المجاهدين، فاجْتمعَ بين يديه من الأموال والأعلاق والنفائس ما يفوق الوصْف، ويعزّ على الحصر ، فهنا سِلال كبيرة مختَّمَةٌ بالرصاص، مملوءة بآنِيَة الذهب والفضَّة، كان يأكل بها ملوك فارس، وهناك صناديق من نفيس الخشب كُدِّسَتْ فيها ثيابُ كِسْرى وأوْشحَتُهُ ودُروعُهُ المُحَلاَّة بالجوهر والدرر، وصناديق مملوءة بِنَفائس الحليّ وروائع المقْتَنَيات، وتلك أغمادٌ فيها سُيوف ملوك الفرس مَلِكًا بعد ملِك، وسيوف الملوك والقُوَّاد الذين خضعوا للفرس خلال التاريخ، وفيما كان العمَّال يُحْصون هذه الغنائم على مرأى من المسلمين وعلى مَسْمع, أقْبلَ على القوم رجلٌ أشعثُ أغْبر، ومعه حُقّ كبير الحجم, الحُقُّ هو الوعاء الكبير، ثقيل الوزن حملهُ بِيَدَيه كِلْتَيهما، فتأمَّلوهُ فإذا هو حُقٌّ لم تقع عيونهم على مثله قطّ، ولا وجدوا فيما جمعوه شيئًا يعدِلُهُ أو يُقاربهُ، فنظروا في داخله فإذا هو قد مُلئ بِرُوائه الدرّ والجوهر .
فقالوا للرجل: (أين أصبْتَ هذا الكنز الثمين؟ فقال: غنِمْتُهُ في معركة كذا، في مكان كذا، فقالوا: وهل أخذت منه شيئًا؟ فقال: هداكم الله، والله إنّ هذا الحُقّ وجميع ما مَلَكَتْهُ ملوك فارس لا يعدل قلامة ظفر, ولولا حَقُّ بيت مال المسلمين فيه ما رفعْتهُ من أرضهِ، ولا أتَيْتكم به، فقالوا: من أنت أكرمكَ الله؟ فقال: واللهِ لا أخبركم لِتَحمدوني، وما أُخبرُ غيركم لِيُقَرضوني، ولكنَّني أحمدُ الله تعالى وأرجو ثوابهُ، ثمّ تركهم ومضى، فأمروا رجلاً منهم أن يتَّبعهُ، وأن يأتيهم بِخَبرهِ، فما زال الرجل يمضي وراءهُ، وهو لا يعلمُ به، حتى بلغ أصحابهُ، فلمَّا سألهم عنه, قالوا: ألا تعرفهُ؟ إنَّهُ زاهِدُ البصْرة، عامر بن عبد الله التميميّ) .
ما هي الشكوى التي صدرت إلى سيدنا عثمان عن عامر, ومن هو صاحب الشكوى, وما هو الأمر الذي وجهه عثمان لعامر؟
الآن نُنْهي هذه القصَّة بِحادِثٍ مُنَغِّصٍ جرى لهذا التابعيّ الجليل، فهذا التابعيّ الجليل رأى رجلا من أعوان صاحب شُرطة البصرة قد أمسكَ بِخُنَّاق رجل من أهل الذِّمة، وجعل يجُرُّهُ جرًّا، والذِمِّيّ يستغيث الناس، ويقول: (أجيروني أجاركم الله, أجيروا ذِمَّة نبيّكم يا معشر المسلمين، فأقْبلَ عامر عليه، وقال: هل أدَّيْتَ جِزْيتَكَ؟ فقال: نعم أدَّيتها، فالْتفتَ إلى الرجل الممْسِك بِخُنَّاقه، وقال: ماذا تريد منه؟ فقال: أريدهُ أن يذهب معي يكْسحَ حديقة صاحب الشرطة، يكْسح يعني ينظِّف، فقال للذِمِّي: أَتَطيبُ نفسك لهذا؟ فقال الذميّ: كلاَّ، فذلك يرُدّ قُواي، ويشغلني عن كسب قوت عيالي .
فالْتفت عامر إلى الرجل, وقال: دَعْهُ، قال: والله لا أدعهُ، فما كان من عامر إلا أن ألقى رداءهُ على الذميّ، وقال: والله لا تغفر ذِمَّة محمَّد وأنا حيّ، ثمّ تجمَّعَ الناس، وأعانوا عامرًا على الرجل، وخلَّصوا الذِمِّي من القوَّة، فما كان من أصحاب أعوان الشّرطة إلا أن اتَّهموا عامرًا بِنَبْذ الطاعة، ولفَّقوا له تهمةً أنَّه لا يطيعُ أمير المؤمنين، ورمَوْهُ بالخروج عن أهل السنة والجماعة، وقالوا: إنَّه امرؤُ لا يتزوَّج النساء، ولا يأكل لحم الحيوانات، ولا ألبانها، ويتعالى على غشيان مجالس الولاة، ورفعوا أمرهُ إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله عنه .
فأمر الخليفة والِيَهُ على البصرة أن يدعو عامر بن عبد الله إلى مجلسِهِ، وأن يسألهُ عمّا نُسب إليه لِيَرفعَ له خبرهُ، فاسْتدعى والي البصرة عامرًا، وقال: إنَّ أمير المؤمنين أطال الله بقاءهُ أمرني أن أسألك عن أمور نُسِبَت إليك، فقال: سَل عمَّا أمر به أمير المؤمنين، قال: مالكَ تعْزفُ عن سنَّة رسول الله، وتأبى أن تتزوَّج؟ فقال: ما تركتُ الزواج عُزوفًا عن سنّة النبي عليه الصلاة والسلام، فأنا أشْهد أنَّه لا رهْبانيَّة في الإسلام، وإنَّما أنا امرؤً رأى أنَّ له نفْسًا واحدة، فجَعَلها لله عز وجل، وخشِيَ أن تغلبهُ الزوجة عليها، قال: ما لك لا تأكل اللَّحْم؟ فقال: آكلهُ إن وجدْتُهُ واشْتهيْتُهُ، أما إن لم أشْتَهِهِ، أو لم أجدْهُ فإنِّي لا آكله، قال: ما لك لا تأكل الجبن؟ قال: إنَّ بِمَنطقةٍ فيها مجوسٌ يصنعون الجبن، وهم قومٌ لا يفرِّقون بين الميتة والمذبوحة، إنِّي أخشى أن تكون المنفحة التي صُنِع منها الجبن من شاةٍ غير مذكَّاة، فما شهد شاهدان من المسلمين على أنَّه جبْن صُنِعَ بمنفحة شاة مذبوحة أكلته، قال: ما يمْنعك أن تأتي الولاة، وتشهد مجالسهم؟ قال: إنَّ في أبوابكم كثيرًا من طلاَّب الحاجات فادْعوهم إليكم، واقْضوا حوائجهم لديكم، واتْركوا مَن لا حاجة له عندكم، رُفعَت الأقوال إلى أمير المؤمنين فلم يجد فيها شيئًا أو خروجًا عن السنة والجماعة .
أيها الأخوة, غير أن ذلك لم يطفئ نار الشر, وكثر القيل والقال حول عامر, وكادت تكون فتنة بين أنصار الرجل وخصومه, فأمر عثمان رضي الله عنه بتسييره إلى بلاد الشام, واتخاذها دار إقامة له, وأوصى واليه على الشام معاوية بن أبي سفيان أن يحسن استقباله, وأن يرعى حرمته .
فهذا التابعي الجليل حينما خرج من البصرة فرفع يديه, وقال: اللهم من وشى بي وكذب علي, وكان سبباً في إخراجي من بلدي, والتفريق بيني وبين صحبي, اللهم إني صفحت عنه فاصفح عنه, وهبه العافية في دينه ودنياه, وتغمدني وإياه وسائر المسلمين برحمتك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين, ثم وجه مطيته نحو ديار الشام, ومضى لسبيله) .

إليكم لحظته الأخيرة في الحياة :

أيها الأخوة, قضى عامر بقية حياته في بلاد الشام, واختار بيت المقدس دارا لإقامته, وحينما مرِضَ مرَضَ الموت، فدخَلَ عليه أصحابهُ فوجدوهُ يبكي، فقالوا له: (ما يُبكيك وقد كنتَ وكنت؟ فقال: والله ما أبكي حِرْصًا على الدنيا، ولا جزعًا من الموت، وإنَّما أبكي لِطُول السَّفر، وقلَّة الزاد، ولقد أمْسيْت بين صعود وهبوط، إما إلى الجنة وإما إلى النار، فلا أدري إلى أيِّهِما أصير، ثمَّ لفظَ أنفاسَهُ، ولسانهُ رطْبٌ من ذِكْر الله، هناك في أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام، تُوُفِّيَ عامر بن عبد الله التميميّ، وقبرهُ الآن في بيت المقدس).

خلاصة القول :

هذا تابعيّ جليل وقف هذا الموقف، واللهُ تعالى امْتحنهُ, ونجَّاه، وكان بطلاً في النهار، وراهبًا في الليل، وزاهدًا وورِعًا، قال تعالى:

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

[ سورة الصافات الآية: 61]
وقال تعالى:

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

[ سورة المطففين الآية: 26]
والحمد لله رب العالمين



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ام رانيا
عضو ذهبى
عضو ذهبى


عدد المساهمات : 329
تاريخ التسجيل : 15/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الأحد 4 نوفمبر - 2:53

التابعي عروة بن الزبير
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم هذا الحديث الذي دار بين هؤلاء النفر الأربعة :

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم ورحمهم الله تعالى، والتابعيّ اليوم: عروة بن الزبير، قال أحدهم: من سرَّهُ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنَّة, فلْينظر إلى عروة بن الزبير .
بالقرْب من الركن اليماني في الحرم المكيّ جلسَ أربعة فِتيانٍ، صباح الوُجوه، كرام الأحساب، مُعَطَّري الأردان، كأنهم بعض حمامات المسجد، نصاعة أثواب، وأُلْفة قلوب، ومنهم: عبد الله بن الزبير، وأخوه مصعب بن الزبير، وأخوهما عروة بن الزبير، ومعهم عبد الملك بن مروان، -ولهذا الموقف دلالة كبيرة، فأحيانًا الطّفل الصغير في مقتبل حياته يحلم بِمُستقبل ما، يُرْوى عن سيّدنا عمر بن عبد العزيز, أنَّه قال: (تاقَتْ نفسي إلى الإمارة، فلمَّا بلغتُها تاقت نفسي إلى الخلافة، فلمَّا بلغتها تاقَتْ نفسي إلى الجنّة)- .
هؤلاء الأربعة دار حديث بينهم، فتيانٌ صغار، وما لبث أحدهم أن قال: (لِيَتَمَنَّ كلّ منَّا ما يحبّ، فانْطلقَت أخيِلَتُهم ترحّل في عالم الغيب الرَّحل، ومضَتْ أحلامهم تطوف في رياض الأماني الخضر، ثمَّ قال عبد الله بن الزبير: أمنيَّتي أن أملِكَ الحجاز، وأن أنال الخلافة، وقال أخوه مصعب: أما أنا فأتمنَّى أن أملِك العراقَيْن، وألاّ يُنازعني فيهما منازع، وقال عبد الملك بن مروان: إذا كنتما تقْنعان بذلك، فأنا لا أقْنعُ إلا أنْ أملكَ الأرض كلّها, وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان، مَنْ بقيَ؟ عروَة بن الزّبير، وسكت عروة بن الزبير، فلم يقل شيئًا، فالْتفتوا إليه، وقالوا: وأنت ماذا تتمنّى يا عروة؟ قال: بارك الله لكم فيما تمنَّيْتم من أمر دنياكم، -أنا أحيانا أدعو وأقول كما في الدعاء المأثور: (اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إليَّ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم, فأقرر عيني من عبادتك) .
أيها الأخوة, المؤمن قرير العيْن بما تفضَّل الله عليه بِنِعمة الهدى، وفي الحديث:

((من قرأ القرآنَ, ثم رأى أن أحدًا أوتِيَ أفضلَ ممّا أوتَي, فقد استصغر ما عظمه الله))

[أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر]

كنتُ أقول سابقًا: لو أنَّ أحدًا من المؤمنين آتاه الله الهدى، والتُّقى، والعفاف, والاستقامة، وكان ذا دخْلٍ محدود، وكان له صديق على مقعد الدراسة أعطاهُ الله الدنيا والأموال الطائلة، فإذا شعرَ الأوّل أنَّه محروم، لم يعرف حينئذٍ قيمة إيمانه، ولا قيمة الهدى الذي مَنَّ الله به عليه، إذًا: من لوازم الإيمان: أن تعرف قيمة هذه النِّعمة، وألاَّ تتمنَّى الدنيا مع البُعْد والانحراف- أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً, يأخذُ الناسُ عنِّي كتابَ ربّهم, وسنَّةَ نبيِّهم, وأحكامَ دينهم، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز وجل، وأن أحظى بِجَنّته، قال تعالى:

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾

[ سورة الإسراء الآية: 20]

-والإنسان كلَّما كبُر عقْلهُ يعلو اخْتيارهُ، ومرَّةً ضربْتُ مثلاً؛ أنَّ إنسانًا خيَّرناه بين وِعاءٍ بِلَّوْري كبير، أزرق اللَّون رخيص، وبين كأس كريستال غال جدًّا، وقلنا له: اخْتر أيًّا من هذا؟ فاختارَ الوِعاء الكبير، هنا نحكم عليه بِضَعف العقل، قلْ لي: ماذا تختار؟ أقُل لك: من أنت .
حدَّثني صديق في التعليم، خرج مفتِّشًا ابتدائيًا إلى مدرسة تقع على أطراف البلاد، قرية حدوديّة متَّصلة بِبَلَدٍ آخر مفتوح، فسأل المفتِّش أحد طلاَّب الصفّ، قال: قمْ يا بنيّ، ما اسمك؟ فقال: اسمي فلان، ماذا تتمنَّى أن تكون في المستقبل؟ فقال: أتمنَّى أن أكون مهرِّبًا‍! أين الثرى من الثريّا؟- أحدهم طلب الحجاز، وآخر طلب العراقين، وأحدهم طلب الخلافة، وآخرهم طلب أن يكون عالمًا، دارت الأيام دورتها، فإذا بعبد الله بن الزبير يُبايَعُ له بالخلافة عقبَ موت يزيد بن معاوية، فيحكم الحجاز ومصر واليمن وخراسان والعراق، ثمَّ يُقتل عند الكعبة غير بعيد عن المكان الذي تمنَّى فيه ما تمنَّى، وإذا بِمُصعب بن الزبير يتولى إمْرة العراق من قِبَل أخيه عبد الله، ويُقْتل هو الآخر دون ولايته أيضًا، وإذا بعبد الله بن مروان تؤول الخلافة إليه بعد موت أبيه، وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مقتل عبد الله بن الزبير، وأخيه مصْعبٍ على أيدي جنوده، ثمّ يغدو أعظم ملوك أهل الدنيا في زمانه، فماذا كان من أمر عروة؟) .
-أُقْسمُ لكم بالله الذي لا إله إلا هو، إذا طلبْت من الله شيئًا، وكنت صادقًا في طلبك، واللهِ لزَوال الكون أهْونُ على الله من ألاّ تصل إلى هدفك، بين الله وبين عباده كلمتان، قال تعالى:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾

[ سورة الأنعام الآية: 115]

أيْ يا عبادي, منكم الصّدق ومنِّي العدْل، ولكنّ الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالأمانيّ ، قال تعالى:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾

[ سورة النساء الآية: 123]
قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 19]

قرأتُ كلمة لأحد الأدباء، يقول: إنّ القرار الذي يتَّخذهُ الإنسان في شأن مصيرهِ، قلَّمَا تنقضُهُ الأيَّام, إذا كان صادرًا حقًّا عن إرادة وإيمان، يقولون في بعض الأبيات الشِّعريَّة:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر
لا, لأنَّ الشعب أقوى من القدر، ولكنَّ القدر لا يعْقل أن يطلب الإنسان هدفًا نبيلاً والقدر لا يستجيب له، هذا هو المعنى، والإنسان إذا أراد الإيمان والحقيقة، فلا بدّ أن يصل إليها، سمعتم مِنِّي كثيرًا عن زكريَّا الأنصاري، الذي بدأ بِتَعَلّم القراءة والكتابة في الخامسة والخمسين من عمره، وتعلّم القرآن الكريم، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، ومات عن سِتَّة وتسعين عامًا، فالإنسان ما أنت فيه هو صدقك، وما لسْت فيه هو تمنِّياتك، والتَّمَنِّيات لا قيمة لها- .

من هو عروة بن الزبير, وما نسبه, وكيف ينظر الإسلام إلى النسب ؟

أيها الأخوة, وُلِدَ عروة بِسَنَةٍ واحدة بقيَت من خلافة الفاروق رضي الله تعالى عنه، فمَن أبوهُ؟ -الآن اسْمعوا إلى هذا النَّسَب، وقبل أن أتحدَّث إلى نسب هذا التابعيّ الجليل، أقول لكم: ما هو النَّسب؟ النَّسَبُ لا قيمة له إطلاقًا، إذا كان الإنسان كافرًا أو تائهًا أو شاردًا أو عاصِيًا، نسبهُ لا قيمة له إطلاقًا، والدليل قوله تعالى:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾

[سورة المسد الآية: 1-5]

فمن هو أبو لهب؟ إنه عمُّ النبي عليه الصلاة والسلام، ودليل آخر: أنا جدّ كلّ تقيّ، ولو كان عبْدًا حبشِيًّا, لكن إذا توافرَ الإيمان فالنَّسَب تاجٌ يُتَوِّج الإيمان، المؤمن يزيدُه النّسب شرفًا ورفْعةً، ويزيدهُ أصالةً، فلا تعبأ بالنَّسب إذا كنت في معصِيَة الله ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ: اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ, يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ, يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ, عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ, يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ: اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنْ اللَّهِ, لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا, سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة]
قال تعالى:

﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾

[ سورة هود الآية: 45]

أيها الأخوة الكرام، النَّسَب مع المعصِيَة لا قيمة له إطلاقًا، ولكن إذا توافر النَّسب مع الإيمان أصبح تاجًا يُتَوِّج الإيمان- .
قال: (أبوه هو الزُّبَير بن العوَّام حواريّ رسول الله ، -يُرْوى أنَّ مرَّةً عروة بن الزبير أرْسَلَ كتابًا إلى معاوية بن أبي سفيان، قال له: أما بعد؛ فيا معاوية, خليفة المسلمين يخاطَب هكذا، قال له: إنَّ رجالك دخلوا أرضي، فانْهَهُم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأنٌ والسَّلام, معاوية بن أبي سفيان كان إلى جنبه ابنهُ يزيد، دفعَ الكتاب إلى ابنه يزيدَ، وقال: ماذا ترى يا يزيد؟ فقرأ يزيد الكتاب، وانفعَلَ أشدَّ الانفعال؛ تهجُّم وتطاوُل، فقال له: أرى أن تُرْسل له جيْشًا أوَّلُه عندهُ، وآخرهُ عندك، يأتونك بِرَأسِه, فتبسَّم معاوية، وقال له: غير ذلك أفضل، أمر الكاتب أن يكتب، قال له: اكْتُب أما بعد؛ فقد وقفْتُ على كتاب ولد حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولقد ساءني ما ساءكم، والدنيا كلّها هيِّنة جنْب رِضاك، لقد نزلْتُ عن الأرض ومَن فيها ، يأتيه الجواب بعد حين يقول:
أما بعد فيا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءَكَ، ولا أعدمَكَ الله الرأيَ الذي أحلَّكَ مِن قومِكَ هذا المحلّ، جاء بابنِهِ يزيد، وأرسَلَ له الجواب، ماذا اقْترحْتَ عليّ يا بنيّ؟ أن أرسلَ له جيشًا أوَّله عنده, وآخره عندي، يأتونني برأسه، فقال: يا بنيّ, مَن عفا ساد، ومن حلُم عظم، ومن تجاوَزَ اسْتمال إليه القلوب، اِقْرأ الجواب- .
فأبو عروة الزبير بن العوّام حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وأوَّل من سلَّ سيْفًا في الإسلام، وأحد العشرة المبشَّرين في الجنَّة، أُمُّه: أسماء بنت أبي بكر، الملقَّبة بِذات النِّطاقَيْن، جدُّه لأمِّه سيّدنا أبو بكر الصِّديق، خليفة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وصاحبه في الغار، جدَّته لأبيه صفيَّة بنت عبد المطَّلب، عمَّة النبي صلى الله عليه وسلّم، خالتهُ أمّ المؤمنين عائشة رضوان الله تعالى عليها) .
فما هذا النَّسَب؟ أبوه الزبير، وأمّه أسماء، جدّه أبو بكر، وجدّته لأبيه صفيّة عمّة النبي عليه الصلاة والسلام، خالته عائشة، وعروة بن الزبير نزل إلى قبْر عائشة حينما دُفِنَت بِنَفْسِهِ، وسوَّى عليها لحْدها بيَدَيْه، لأنَّها خالته، أَفَبَعْد هذا النَّسَب نسَب؟ وبَعْد هذا الحسَب حسبٌ؟ .

عروة يطلب العلم :

أيها الأخوة, الآن عروة بن الزبير تمنَّى أُمنِيَةً على الله، لذا انقطَعَ إلى طلب العلم، وأكبّ على طلب العلم، -إنسانٌ تجده قد آتاه الله علمًا، وهو نائمٌ، تعلَّم عشرون أو ثلاثون سنة, وهو جالس على ركبتَيْه, يحضر مجالس العلم، ويحضر ويناقش، ويقرأ ويُتابع, ويصبر إلى أن يسْمَحَ الله له أن ينطق- أكبّ على طلب العلم، وانْقطَعَ له، واغْتَنَمَ البقيَّة الباقيَة من صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، فَطَفِقَ يؤمُّ بيوتهم، ويصلِّي خلفهم، ويتتبّع مجالسهم حتى روى عن علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري ، وأسامة بن زيد، وسعيد بن زيد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس، والنعمان بن البشير، وأخذ كثيرًا عن خالته عائشة أُمّ المؤمنين حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يفزع إليهم المسلمون في دينهم، -والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيتهُ كلَّكَ، ولا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنَّه قد علم فقد جهل، نظام الجامعة ليس فيه تفتيش على المدرِّسين، كما هو الحال في التعليم الثانوي، لكنّ في الجامعة أسلوب ذكيّ جدًّا، يستقدمون أستاذًا زائرًا، وهذا الأستاذ الزائر: يلقي محاضرات على طلاَّب الجامعة، فأُستاذ المادَّة: إذا كان مستواه وعلمه قليلاً , من يكْشفُهُ؟ .
لذلك هذا نظام متَّبع في الجامعات، يستقدمون أساتذة في الاختصاص نفسهِ من بقيَّة الجامعات، لِيُلقوا محاضرات على الطلاب، فالأستاذ لا بدَّ له من توسيع دائرة معرفته، ومن المطالعة، وتجويد محاضرته, لكي لا يبدوَ أقلّ مستوًى من الأستاذ الزائر .
مرَّةً جاءنا أستاذٌ زائرٌ من بلاد المغرب العربيّ، وهو آية في اللّغة, والنحو, والصرف، وألقى علينا عِدَّة محاضرات، وجلس في الصَّف الأوَّل عدد من أساتذتنا، أنا كنتُ أتأمَّلُ في هؤلاء، بعضهم جاء بِدَفتر وقلم، وبدأ يكتب بعض الملاحظات, صدِّقوني الذي كتب بعض الملاحظات من الأستاذ المحاضر كبُر في عَين الجميع، لأنَّه تعلَّم، يظلّ المرءُ عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنَّه قد علم فقد جهِل، فالإنسان يتعلَّم دائمًا- .

شهادة عمر بن عبد العزيز بالعلم لعروة :

أيها الأخوة, عمر بن عبد العزيز الخليفة الذي يُعدّ حقيقةً خامس الخلفاء الراشدين، حين قدم المدينة واليًا عليها من قِبَل الوليد بن عبد الملِك، جاءهُ الناس فسلَّموا عليه، فلمَّا صلَّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة، وعلى رأسهم عروة بن الزبير، فلمّا صاروا عنده رحَّب بهم، وأكرم مجلسهم، ثمّ حمِدَ الله عز وجل، وأثنى عليه بما هو أهلهُ، ثمَّ قال:
(إنِّي دعوْتكم لأمرٍ تؤجرون عليه، وتكونون لي فيه أعوانًا على الحقّ، فأنا لا أريد أن أقْطعَ أمْرًا إلا برأْيِكُم أو بِرَأْيِ من حضرَ منكم، فإذا رأيتُم أحدًا يتعدَّى على أحد، أو بلَغَكُم عن عامل لي مظلمة، فأسألكم بالله أن تُبَلِّغوني ذلك، فدعا له عروة بن الزبير بخير، ورجا له من الله السداد والرشاد) .

إليكم هذا الموقف لعمر بن عبد العزيز , علام يدل ؟

وله موقفٌ آخر، عيَّنَ سيّدنا عمر بن عبد العزيز مرافقًا له اسمهُ: عمر بن مزاحم، قال له: (يا عمر، كُنْ إلى جانبي دائمًا، إن رأيْتني ظلمْتُ فأمسِكْنِي من تلابيبي، وهُزَّني هزًّا شديدًا، وقُلْ لي: اتَّق الله يا عمر، فإنَّك ستَموت) .
والإنسان من علامات نجاحهِ تواضُعه، ومن علامات نجاحه: استشارتُه وقبوله للنَّقْد، فالذي يقبل النَّقْد قد ينْمو، والذي يرفض النَّقد يسقط، والإنسان حينما رفض النَّقد ينتهي، لأنَّ الأشخاص دائمًا ينظرون من زوايا متعدِّدة، وليس عليهم ضغوط كالتي على من ينتقدونه، فالإنسان إذا أصغى إلى مَن ينتقدُهُ باحْتِرام وأدبٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا، والصحابي الجليل الحباب بن المنذر لمَّا رأى الموقع غير مناسب في معركة بدر، جاء إلى النبي على اسْتِحياء، وتكلَّمَ كلامًا يقطر رِقَّةً وأدبًا وحياءً وإخلاصًا، قال له:

((يا رسول الله، هذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة؟ قال: بل هو الرأي والمشورة، فقال له: يا رسول الله, هذا ليس بِمَوقعٍ))
فالنبي بِبَساطة اسْتجاب لهذه النصيحة، وأمر بِنَقل الجيش إلى الموضع الذي اقترحه الحباب بن المنذر، فكان لنا قدْوةً صلى الله عليه وسلَّم في سماع النَّصيحة, وقَبولها مع التواضع .

لمحة عن عبادة عروة بن الزبير :

لقد جمع عروة العلمَ إلى العمل، فقد كان قوَّامًا في الهواجر، في أيام الصيف، -نحن نقول للواحد: صُم بالشِّتاء، فالنهار قصير، والجو بارد، ومن دون عطش- أمّا عروَة فكان صوَّامًا في الهواجر، قوَّامًا في العتَمَات، رطْب اللِّسان بذِكْر الله تعالى، وكان إلى ذلك خَدينًا, أيْ مُصاحبًا لكتاب الله عز وجل، عاكفًا على تلاوته، فكان يقرأ ربْع القرآن كلّ نهارٍ، نظرًا في المصحف، ثمّ يقوم به الليل عن ظهر قلب، ولم يُعْرف أنَّه ترَكَ ذلك منذ صدْر شبابه إلى يوم وفاته، غير مرَّةٍ واحدة لِخَطبٍ نزل به، وسيأتي هذا النبأ بعد قليل، وكان عروة يجد في صلاته راحة نفسه، وقرَّة عينِهِ، وجنَّته في الأرض، -وقال أحد العارفين: في الدنيا جنَّة من لم يدخلها لم يدخل جنة الله، وقال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبْعدوني فإبْعادي سياحة، وإن حبسوني فحَبْسي خلْوَة، وإن قتلوني فقَتْلي شهادة- .
كان عروة يُتقنُ صلاته أتمَّ الإتقان، ويطيلها غاية الطول، ورُوِيَ عنه أنَّه رأى رجلاً يصلِّي صلاة خفيفة، فلمَّا فرغ من صلاته دعاه إليه، وقال له: يا ابن أخي، أما كانت لك عند ربّك جلّ وعلا حاجة؟‍ أبِهذه الطريقة تصلّي؟ واللهِ إنِّي لأسأل الله تبارك وتعالى في صلاتي كلّ شيء، حتى الملح- وهكذا أخبرنا الله عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام:

((إنّ الله يحبّ الملحِّين في الدعاء))

[ورد في الأثر]

وعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ, حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ, وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

عروة كان جواداً :

أيها الأخوة, كان عروة بن الزبير سخِيّ اليد، سمحًا جوادًا، -والمعروف أنّه لا يجتمع إيمانٌ وبُخل، كما أنَّه لا يجتمعُ إيمان وحسد، كما أنَّه لا يجتمع إيمان وجبْنٌ- ومِمَّا أُثِرَ عن جوده: أنَّه كان له بستانٌ من أعظم بساتين المدينة، عذْب المياه، ظليل الأشجار، باسق النخيل، وكان يُسوِّر بستانه طوال العام، لِحِماية أشجاره من أذى الماشيَة، وعبث الصِّبْيَة، حتى إذا حان أوان الرّطب، وأيْنَعَت ثماره، واشْتهَتْها النفوس، كسر الحائط في أكثر من جهة, لِيُجيز للناس دخول بستانه, والأكل من ثماره، فكان الناس يُلِمُّون به ذاهبين آيِبين، ويأكلـون من ثمره ما لذَّ لهم الأكل، ويحملون منه ما طاب لهم الحمل .
-أنا سمعتُ قبل خمسين سنة أنّ منطقة الصالحية كلها كانت بساتين، وكان هناك مكان اسمه: جبن الشاويش، كانت كلّ أصحاب البساتين يضعون سلّة من الفاكهة من إنتاجهم في الطريق، وهناك سكِّينُ صغيرة ليأكل المارّ حتى يشبع، ولكن لا أحد يحمل شيئًا من هذا إلى بيته .
وقد كنت مرَّةً في قرية جبليَّة فيها فواكه نادرة، وزرتها اسْتجمامًا لأسبوع، وأنا في الطريق أتنزَّه, فإذا بأحد أصحاب البساتين يشير إليّ، وقال: تفضَّل، فما فهمْتُ منه شيئًا، وتوهَّمْت أنه يريد مساعدة في شيء، فتقدَّمْتُ نحوهُ فأعطاني كمِّيَة فواكه تكفيني أسبوعًا، فاسْتغربْت، ولمَّا حدَّثتُ الناس بما جرى لي, قالوا لي: هذه عادة أهل البلدة، كلّما رأَوا ضيْفًا يعطونه من الفواكه ما تكفيه أسبوعًا أو أسبوعين، فلمَّا بخِل الإنسان بخِلَ اللهُ عليه .
مرَّةً قلت لكم: إنَّ امرأةً صالحة في بيتها شجرة ليمون، تحمل لها أربعمئة أو خمسمئة ليمونة في السنة، ولا يوجد إنسان يطرق الباب بحاجة إلى الليمون إلا وأعطتْه، وكأنّ هذه الشجرة وقفٌ للحيّ كلّه، وهذه الشجرة أعطَتْ عطاءً لِسَنواتٍ مديدة؛ عشرين أو ثلاثين سنة، والحمْل غير طبيعي، توفَّتْ المرأة الصالحة، فجاء بعدها من يطلب الليمون فطرده صاحب البيت، وبعد أسبوع يبُسَت الشجرة وماتَتْ, وعلى هذا فقِسْ، فإذا كنت كريمًا فالله تعالى أكرم، قال سيّدنا ابن عوف: (ماذا أفعل؟ إذا كنتُ أُنفق مائة في الصباح فيُؤتيني ألفًا في المساء) فإذا كنت كريمًا كان الله تعالى أكرم، وإنْ تبْخل يبْخل الله عليك- فكان كلّما دخل هذا البستان يتلو قوله تعالى:

﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً﴾

[ سورة الكهف الآية: 39]

-أنصح أخواننا الكرام: إذا أعطاك الله شيئًا من الدنيا، ولو كان شيئًا طفيفًا, فلا تقل: هذا مِلكي، وحصَّلتُهُ من عرق جبيني، وهذا نتيجة خِبراتٍ متراكمة، هذا كلّه كلامُ شرْكٍ، ولكن قل: ما شاء الله، لا قوَّة إلا بالله- .

إليكم هذه الكلمة :

الآن دخل طَوْر الامتِحان، قلتُ لكم سابقًا: المؤمن له ثلاثة أطوار؛ طور التأديب، وطَور الابتلاء، وطور التكريم، فلا بدَّ من فترة من حياتك تكون للتكريم، لأنَّ الله عز وجل قال:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[ سورة طه الآية: 123]
قال تعالى:

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية: 38]
قال تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾

[ سورة البقرة الآية: 36]

والآن جاء طور الابتلاء، طبْعًا هذا الابتلاء ربما لا يحتمله معظم الناس، ولكن الرِّضا بِمَكروه القضاء أرفعُ درجات اليقين، فهذا الذي كان يطوف حول البيت, ويقول: (يا ربّ, هل أنت راضٍ عنِّي؟ وكان وراءهُ الإمام الشافعي، فقال له: يا هذا، هل أنت راضٍ عنه حتى يرضى عنك؟ قال له: من أنت يرحمك؟ قال الإمام الشافعي: إذا كان سرورك بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمة فقد رضيتَ عن الله) .

إليكم هذا الامتحان الصعب الذي وقع به عروة بن الزبير :

أما امتِحان سيّدنا عروَة فقد كان صعْبًا، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, قَالَ: قُلْتُ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً, قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ, ثُمَّ الْأَمْثَلُ, فَالْأَمْثَلُ, فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا, اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ, وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ, ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ, حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ, مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

والإنسان يُمْتحن على قدْر مكانة دينِهِ، فالخليفة دعا عروة بن الزبير لزيارته في دمشق، فلبَّى دعوته، وصَحِب معه أكبر بنيه، ولمَّا قدِم على الخليفة رحَّب بِمَقْدَمهِ أعظم ترحيب، وأكرم وِفادته أوفى إكرام، وبالغ في الحفاوة به، ثمَّ شاء سبحانه وتعالى أن يمْتَحِنَهُ، ذلك أنَّ ابن عروة دخل على إصْطبل الوليد لِيَتَفَرَّج جِياده الصافِنات، فرَمَحَتْهُ دابَّة رمْحةً قاضِيَةً, أوْدَتْ بِحَياتِهِ -كما أنَّ الآن هناك حوادث سَير، فكذلك قديمًا هناك حوادث خيل- ولم يكد الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده حتى أصابتْ إحدى قدَمَيْه الآكلة، وأصبح معه الموات ، فتورَّمَتْ ساقُه، وجعل الورم يشتدّ، ويمْتدّ بِسُرعة مذهلة، فاسْتدعى الخليفة لِضَيفِهِ الأطباء من كلّ جهة، وحضَّهم على معالجته بأيَّة وسيلة، لكنَّ الأطِبَّاء أجمعوا على أنَّه لا منْدوحة لِبَتْر ساقهِ، -وقد صدق القائل حين قال:

إنَّ الطبيب له علْم يُدِلّ بـه إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتى إذا ما انْتهَت أيام رحلته جار الطبيب وخانتْهُ العقاقيـرُ
قبل أن يَسْرِيَ الورَم إلى جسَدِهِ كلّه، ويكون سببًا في القضاء عليه، ولم يجِد بُدًّا من الإذعان لذلك، ولمَّا حضر الجرَّاح لِبَتْر الساق أحضَرَ معه المبضع لِشَقّ اللَّحم -سألْت طبيبًا: كيف تفتحون الجمجمة؟ فقال لي: القضيَّة بسيطة جدًّا, فقلتُ: كيف والرأس مغلق؟ فقال: نخدِّرهُ ، ونأتي بالمبضع، ونُجري جرْحًا مربَّعًا من ثلاثة أضلاع، نفتح الفرْوة عن اليمين، ونربطها عن اليمين، انكشفت فانكشف العظم، ثمّ نحفر أربعة ثقوب, ونأتي بِخَيط منْشاري غالٍ جدًّا، نُدْخلهُ من ثقب، ويخرج من ثقب آخر, حتى نقطع أوَّل خطّ، ثمّ الثاني، ثمّ الثالث، فإذا بنا نزعنا المربَّع، نفتح الأم الجافية, ثمّ الأم الحنون, ثمّ نصل للدِّماغ، يُنزعُ الورم غير الخبيث، لأنّ هناك ورمًا خبيثًا لا نستطيع نزعهُ، ثمّ نخيط الأم الحنون، ثمّ الجافيَة، ثمَّ نأتي بالعظم المربّع نضعها في مكانه، نحن نحتاج ثقبين ثقبين, ثقبًا فيها، وثقبًا على الطرفين، نربط أربع ربطات، ونرجع الفرْوة، ثمّ نخيطها، وتنتهي العمليّة, هذه المهارة التي أكرم الله بها الإنسان لِمُعالجة أخيه لِكَرامة الإنسان على ربّه- .
فجاء الطبيب بالمَبَاضِع لِشَقّ اللَّحم، والمناشير لِنَشر العظم، قال الطبيب لِعُروة: أرى أن نسْقيك جرعةً من مُسْكر, لكي لا تشعر بالآلام، فقال: هيهات ‍! لا أستعين بِحَرام على ما أرجوهُ مِن عافِيَةٍ، ما عند الله لا يُنال بِمَعصيَة الله، -هناك أدوِيَة مخالفة للشَّرع- فقال له: إذًا نسقيك مخدِّرًا، فقال: لا أحبّ أن أُسلبَ عضْوًا من أعضائي دون أن أشْعرَ بِألمِهِ، واحْتسب بذلك، فلمَّا همَّ الجراح بِقَطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال، فقال: مَن هؤلاء؟ فقال : جيءَ بهم لِيُمسِكوك، فربَّما اشْتدّ عليك الألم، فجذبْت قدمَكَ جذْبةً أضرَّتْ بك، قال: رُدُّوهم لا حاجة لي بهم، وإنِّي لأرجو أن أكْفيَكم ذلك بالذِّكْر والتَّسْبيح، ثمَّ أقبلَ عليه الطبيب، وقطع اللَّحم بالمِبضَع، ولمَّا بلغَ العظم وضع عليه المنشار، وطفِقَ ينشرهُ به, وعروَة يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وما فتىء الجرَّاح ينشر, وعروة يكبّر, ويُهلِّل, حتى بُتِرَتْ الساق بتْرًا، ثمّ أُغْليَت الزَّيتُ في مغارف الحديد، وغُمِسَت فيه ساق عروة لإيقاف تدفّق الدِّماء، وحسْم الجِراح، وأُغْمِيَ عليه إغماءةً طويلة, حالَت دون أن يقرأ حصَّته في كتاب الله، وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي لم يقرأ فيه القرآن, وكانت المرَّة الوحيدة التي فاتهُ فيها ذلك الخير .
ولمَّا صحا عروة دعا بقَدَمِهِ المبتورة فناولوه إيَّاها، فجعلَ يُقبِّلُها بيَدِهِ, ويقول: (أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد, إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ إلى حرامٍ قطّ، ثمَّ تمثَّل بأبيات لِمَعن بن أوْس, قال:

لعَمْركُ ما أهويت كفِّي لريبــةٍ و ما حملتني نحو فاحشةٍ رجلي
ولا قادني سمعني ولا بصري لها ولا دلّني رأيي عليها و لا عقلي
وأعلم أنِّي لمْ تُصِبني مصــيبة من الدَّهر إلا قد أصابتْ فتًى قبلي

ما هو الهم الذي ألم به الوليد بن عبد الملك, وكيف تخلص منه ؟

أيها الأخوة, وقد شقَّ على الوليد بن عبد الملك ما نزل بِضَيفه الكبير من النوازل، فقد احْتسَب ابنه، وفقَدَ ساقهُ في أيَّام معدودات، فجعل يحتال لِتَعْزيَتِهِ وتصبيره على ما أصابه، وصادف أن نزلَ بِدَار الخلافة جماعةٌ من بني عبسٍ فيهم رجلٌ ضرير، فسأله الوليد عن سبب كفّ بصره، قال:
(يا أمير المؤمنين, كان عمر إذا أصابتْهُ مصيبة, قال: الحمد لله ثلاثًا؛ الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، والحمد لله إذْ لمْ تكن أكبر منها، قال: يا أمير المؤمنين, لم يكن في بني عبْس رجلٌ أوْفَرَ مِنِّي مالاً، ولا أكثر أهلاً وولدًا -واللهُ إذا أعطى أدْهش، وإذا أخذ أدْهش- نزلْتُ مع مالي وعِيالي في بطْن واد من منازل قومي، فطرقنا سيْلٌ لم نرَ مثلهُ قطّ، فذهبَ السَّيل بما كان لي من مالٍ وأهل وولدٍ‍‍، ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد, وطفلٍ صغير حديث الولادة, وكان البعير صعبًا فندَّ مِنِّي، فتركْتُ الصَّبيّ على الأرض، ولَحِقْت بالبعير، فلم أُجاوِز مكاني قليلاً حتى سمِعْت صَيْحة الطِّفل, فالْتَفَتُّ فإذا رأسهُ في فمِ ذئْبٍ يأكلهُ، فبادرتُ إليه غير أنَّني لم أستطع إنقاذهُ، إذْ كان قد أتى عليه، ولحِقْت بالبعير فلمَّا دَنَوْت منه, رماني بِرِجلهِ على وجهي رمْيةً حطَّمَتْ جبيني، وذهبتْ بِبَصري، وهكذا وجدْت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل، ولا ولد، ولا مالٍ، ولا بصر .
-والإنسان إذا أصابتْهُ مصيبة, يتصوَّرِ الأصعب منها فيرْتاح- فقال الوليد لِحاجِبِه: انْطلق بهذا الرجل إلى ضَيْفنا عروة بن الزبير، ولْيقصَّ عليه قصَّته, لِيَعلمَ أنَّ في الناس من هو أعظمُ منه بلاءً) والقاعدة النبويَّة: اُنْظر في الدنيا لِمَن هو أدنى منك، وانْظر في الآخرة لمن هو أرقى منك .

إليكم ما قاله إبراهيم بن محمد بن طلحة لعروة على ما أصابه :

الآن حُمِل عروة إلى المدينة، وأُدخل على أهله، ماذا قال؟ بادرَهم قائلاً: (لا يهُولنَّكم ما ترَوْن, لقد وهبني الله عز وجل أربعةً من البنين، ثمَّ أخذ منهم واحدًا، وأبْقى ليَ ثلاثًة، فله الحمد والشكر، وأعطاني أربعة أطراف ثمَّ أخذ منها واحدًا، وأبقى لي منها ثلاثة، وَايْمُ الله لئن أخذ الله لي قليلاً, فقدْ أبقى لي كثيرًا، ولئن ابتلاني مرَّةً, فلطالما عافاني مرَّات -هل تسمعون ما قال؟ هكذا المؤمن- .
ولمَّا عرف أهل المدينة بِوُصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير، تسايلوا على بيته لِيُواسوه ويُعَزُّوه، فكان مِن أحسنِ ما عُزِّيَ به كلمةٌ قالها إبراهيم بن محمّد بن طلحة، قال له: (أبْشِرْ يا أبا عبد الله, فقد سبقَكَ عضْوٌ من أعضائك، وولدٌ من أبنائك إلى الجنَّة، والكلّ يتْبَعُ البعض إن شاء الله تعالى، ولقد أبقى الله لنا مِنك ما نحن فقراء إليه، أبقى لنا منك علمك وفقْهك ورأيَك، أما الطرف الذي سبقك إلى الجنَّة فاحْتسِبْهُ عند الله، نفعنا الله وإيَّانا به، واللهُ ولِيُّ ثوابك، والضَّمِين بِحُسْن حِسابك) .

من نصائح عروة لأبنائه :

ظلّ عروة بن الزبير للمسلمين منارَ هدًى، ودليلَ فلاح، وداعِيَةَ خير طوال حياته، واهْتمَّ بِتَربيَة أولاده خاصَّة، وسائر أولاد المسلمين، فلم يترك فرْصةً لِتَهذيبهم .
قال: (يا بنيّ, تعلَّموا العلم، وابْذُلوا له حقَّه، فإنّكم إن تكونوا صِغارَ قومٍ, فعسى أن يجعلكم العلم كبراء القوم، واسَوْأتاه! هل في الدنيا شيءٌ أقْبحُ من شيءٍ جاهل؟ العالم شيخٌ, ولو كان حدثًا، والجاهل حدث ولو كان شيخًا) .
وكان يقول: (يا بنيّ, لا يَهْدِينَّ أحدكم إلى ربِّه ما يسْتحيي أن يُهْدِيَهُ إلى عزيز قومه ، فإنَّ الله تعالى أعزّ الأعزّاء، وأكرم الكرام، وأحقّ من يُختار له) .
وكان يقول: (يا بنيّ، إذا رأيْتم من رجلٍ فعلةَ خير رائعة فأمِّلوا به خيرًا، ولو كان بنَظر الناس رجل سوء -وهذه قاعدة: إن رأيْت إنسانًا أخلاقيًّا وكريمًا، وله حياء، ويحبّ الخير, فتأمَّل فيه الخير، ولو كان بِنَظر الناس قليل الدِّين- فإنَّ لها عندهُ أخوات، وإن رأيتم من رجلٍ فِعْلةَ شرّ فضيعةً فاحْذروه، وإن كان في نظر الناس رجلَ خير، فإنّ لها عنده أخوات أيضًا, واعلموا أنَّ الحسنة تدلّ على أخواتها، وأنَّ السيِّئة تدلّ على أخواتها) .
وكان يوصي أولاده بلِين الجانب، وطيب الكلام، وبِشْر الوجه، ويقول: (يا بنيّ, مكتوب في الحكمة: لِتَكُنْ كلمتُك طيِّبةً، ووجْهكَ طليقًا, تكنْ أحبَّ للناس مِمَّن يبذل لهم العطاء ، وكان إذا رأى الناس يجْنحون إلى الطَّرَف، ويسْتمرئون النعيم، يُذكِّرهم بما كان عليه رسول الله من شظف العيش، وخشونة الحياة) .
وعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي:

((إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ, وَمَا أُوقِـدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ, فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ؛ التَّمْرُ وَالْمَاءُ, إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ, كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ, وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ, فَيَسْقِينَاهُ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

ما هو العمر الذي قدر لعروة أن يعيشه في الدنيا, وما هو العمل الصالح الذي ختم به حياته ؟

عاشَ عروة واحدًا وسبعين عامًا, مترعةً بالخير، حافلةً بالبِرّ، مُكَلَّلَةً بالتُّقى، فلمَّا جاءه الأجَل المحتوم, أدركهُ وهو صائم، وقد ألحَّ عليه قومه أن يُفْطرَ فأبى، لأنَّه كان يرجو أن يكون فطْرهُ على شرْبة من نهر الكوثر، في قوارير من فضَّة، بأيْدي حور العين .
هذا تابعيّ جليل كان قد ارْتقى، وارْتقى، حتى بلغ الكمال الإنساني .
والحمد لله رب العالمين


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حسن الجن
عضو فعال
عضو  فعال


عدد المساهمات : 408
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الإثنين 5 نوفمبر - 15:45

التابعي عروة بن الزبير
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم هذا الحديث الذي دار بين هؤلاء النفر الأربعة :

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم ورحمهم الله تعالى، والتابعيّ اليوم: عروة بن الزبير، قال أحدهم: من سرَّهُ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنَّة, فلْينظر إلى عروة بن الزبير .
بالقرْب من الركن اليماني في الحرم المكيّ جلسَ أربعة فِتيانٍ، صباح الوُجوه، كرام الأحساب، مُعَطَّري الأردان، كأنهم بعض حمامات المسجد، نصاعة أثواب، وأُلْفة قلوب، ومنهم: عبد الله بن الزبير، وأخوه مصعب بن الزبير، وأخوهما عروة بن الزبير، ومعهم عبد الملك بن مروان، -ولهذا الموقف دلالة كبيرة، فأحيانًا الطّفل الصغير في مقتبل حياته يحلم بِمُستقبل ما، يُرْوى عن سيّدنا عمر بن عبد العزيز, أنَّه قال: (تاقَتْ نفسي إلى الإمارة، فلمَّا بلغتُها تاقت نفسي إلى الخلافة، فلمَّا بلغتها تاقَتْ نفسي إلى الجنّة)- .
هؤلاء الأربعة دار حديث بينهم، فتيانٌ صغار، وما لبث أحدهم أن قال: (لِيَتَمَنَّ كلّ منَّا ما يحبّ، فانْطلقَت أخيِلَتُهم ترحّل في عالم الغيب الرَّحل، ومضَتْ أحلامهم تطوف في رياض الأماني الخضر، ثمَّ قال عبد الله بن الزبير: أمنيَّتي أن أملِكَ الحجاز، وأن أنال الخلافة، وقال أخوه مصعب: أما أنا فأتمنَّى أن أملِك العراقَيْن، وألاّ يُنازعني فيهما منازع، وقال عبد الملك بن مروان: إذا كنتما تقْنعان بذلك، فأنا لا أقْنعُ إلا أنْ أملكَ الأرض كلّها, وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان، مَنْ بقيَ؟ عروَة بن الزّبير، وسكت عروة بن الزبير، فلم يقل شيئًا، فالْتفتوا إليه، وقالوا: وأنت ماذا تتمنّى يا عروة؟ قال: بارك الله لكم فيما تمنَّيْتم من أمر دنياكم، -أنا أحيانا أدعو وأقول كما في الدعاء المأثور: (اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إليَّ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم, فأقرر عيني من عبادتك) .
أيها الأخوة, المؤمن قرير العيْن بما تفضَّل الله عليه بِنِعمة الهدى، وفي الحديث:

((من قرأ القرآنَ, ثم رأى أن أحدًا أوتِيَ أفضلَ ممّا أوتَي, فقد استصغر ما عظمه الله))

[أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر]

كنتُ أقول سابقًا: لو أنَّ أحدًا من المؤمنين آتاه الله الهدى، والتُّقى، والعفاف, والاستقامة، وكان ذا دخْلٍ محدود، وكان له صديق على مقعد الدراسة أعطاهُ الله الدنيا والأموال الطائلة، فإذا شعرَ الأوّل أنَّه محروم، لم يعرف حينئذٍ قيمة إيمانه، ولا قيمة الهدى الذي مَنَّ الله به عليه، إذًا: من لوازم الإيمان: أن تعرف قيمة هذه النِّعمة، وألاَّ تتمنَّى الدنيا مع البُعْد والانحراف- أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً, يأخذُ الناسُ عنِّي كتابَ ربّهم, وسنَّةَ نبيِّهم, وأحكامَ دينهم، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز وجل، وأن أحظى بِجَنّته، قال تعالى:

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾

[ سورة الإسراء الآية: 20]

-والإنسان كلَّما كبُر عقْلهُ يعلو اخْتيارهُ، ومرَّةً ضربْتُ مثلاً؛ أنَّ إنسانًا خيَّرناه بين وِعاءٍ بِلَّوْري كبير، أزرق اللَّون رخيص، وبين كأس كريستال غال جدًّا، وقلنا له: اخْتر أيًّا من هذا؟ فاختارَ الوِعاء الكبير، هنا نحكم عليه بِضَعف العقل، قلْ لي: ماذا تختار؟ أقُل لك: من أنت .
حدَّثني صديق في التعليم، خرج مفتِّشًا ابتدائيًا إلى مدرسة تقع على أطراف البلاد، قرية حدوديّة متَّصلة بِبَلَدٍ آخر مفتوح، فسأل المفتِّش أحد طلاَّب الصفّ، قال: قمْ يا بنيّ، ما اسمك؟ فقال: اسمي فلان، ماذا تتمنَّى أن تكون في المستقبل؟ فقال: أتمنَّى أن أكون مهرِّبًا‍! أين الثرى من الثريّا؟- أحدهم طلب الحجاز، وآخر طلب العراقين، وأحدهم طلب الخلافة، وآخرهم طلب أن يكون عالمًا، دارت الأيام دورتها، فإذا بعبد الله بن الزبير يُبايَعُ له بالخلافة عقبَ موت يزيد بن معاوية، فيحكم الحجاز ومصر واليمن وخراسان والعراق، ثمَّ يُقتل عند الكعبة غير بعيد عن المكان الذي تمنَّى فيه ما تمنَّى، وإذا بِمُصعب بن الزبير يتولى إمْرة العراق من قِبَل أخيه عبد الله، ويُقْتل هو الآخر دون ولايته أيضًا، وإذا بعبد الله بن مروان تؤول الخلافة إليه بعد موت أبيه، وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مقتل عبد الله بن الزبير، وأخيه مصْعبٍ على أيدي جنوده، ثمّ يغدو أعظم ملوك أهل الدنيا في زمانه، فماذا كان من أمر عروة؟) .
-أُقْسمُ لكم بالله الذي لا إله إلا هو، إذا طلبْت من الله شيئًا، وكنت صادقًا في طلبك، واللهِ لزَوال الكون أهْونُ على الله من ألاّ تصل إلى هدفك، بين الله وبين عباده كلمتان، قال تعالى:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾

[ سورة الأنعام الآية: 115]

أيْ يا عبادي, منكم الصّدق ومنِّي العدْل، ولكنّ الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالأمانيّ ، قال تعالى:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾

[ سورة النساء الآية: 123]
قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 19]

قرأتُ كلمة لأحد الأدباء، يقول: إنّ القرار الذي يتَّخذهُ الإنسان في شأن مصيرهِ، قلَّمَا تنقضُهُ الأيَّام, إذا كان صادرًا حقًّا عن إرادة وإيمان، يقولون في بعض الأبيات الشِّعريَّة:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر
لا, لأنَّ الشعب أقوى من القدر، ولكنَّ القدر لا يعْقل أن يطلب الإنسان هدفًا نبيلاً والقدر لا يستجيب له، هذا هو المعنى، والإنسان إذا أراد الإيمان والحقيقة، فلا بدّ أن يصل إليها، سمعتم مِنِّي كثيرًا عن زكريَّا الأنصاري، الذي بدأ بِتَعَلّم القراءة والكتابة في الخامسة والخمسين من عمره، وتعلّم القرآن الكريم، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، ومات عن سِتَّة وتسعين عامًا، فالإنسان ما أنت فيه هو صدقك، وما لسْت فيه هو تمنِّياتك، والتَّمَنِّيات لا قيمة لها- .

من هو عروة بن الزبير, وما نسبه, وكيف ينظر الإسلام إلى النسب ؟

أيها الأخوة, وُلِدَ عروة بِسَنَةٍ واحدة بقيَت من خلافة الفاروق رضي الله تعالى عنه، فمَن أبوهُ؟ -الآن اسْمعوا إلى هذا النَّسَب، وقبل أن أتحدَّث إلى نسب هذا التابعيّ الجليل، أقول لكم: ما هو النَّسب؟ النَّسَبُ لا قيمة له إطلاقًا، إذا كان الإنسان كافرًا أو تائهًا أو شاردًا أو عاصِيًا، نسبهُ لا قيمة له إطلاقًا، والدليل قوله تعالى:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾

[سورة المسد الآية: 1-5]

فمن هو أبو لهب؟ إنه عمُّ النبي عليه الصلاة والسلام، ودليل آخر: أنا جدّ كلّ تقيّ، ولو كان عبْدًا حبشِيًّا, لكن إذا توافرَ الإيمان فالنَّسَب تاجٌ يُتَوِّج الإيمان، المؤمن يزيدُه النّسب شرفًا ورفْعةً، ويزيدهُ أصالةً، فلا تعبأ بالنَّسب إذا كنت في معصِيَة الله ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ: اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ, يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ, يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ, عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ, يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ: اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنْ اللَّهِ, لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا, سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة]
قال تعالى:

﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾

[ سورة هود الآية: 45]

أيها الأخوة الكرام، النَّسَب مع المعصِيَة لا قيمة له إطلاقًا، ولكن إذا توافر النَّسب مع الإيمان أصبح تاجًا يُتَوِّج الإيمان- .
قال: (أبوه هو الزُّبَير بن العوَّام حواريّ رسول الله ، -يُرْوى أنَّ مرَّةً عروة بن الزبير أرْسَلَ كتابًا إلى معاوية بن أبي سفيان، قال له: أما بعد؛ فيا معاوية, خليفة المسلمين يخاطَب هكذا، قال له: إنَّ رجالك دخلوا أرضي، فانْهَهُم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأنٌ والسَّلام, معاوية بن أبي سفيان كان إلى جنبه ابنهُ يزيد، دفعَ الكتاب إلى ابنه يزيدَ، وقال: ماذا ترى يا يزيد؟ فقرأ يزيد الكتاب، وانفعَلَ أشدَّ الانفعال؛ تهجُّم وتطاوُل، فقال له: أرى أن تُرْسل له جيْشًا أوَّلُه عندهُ، وآخرهُ عندك، يأتونك بِرَأسِه, فتبسَّم معاوية، وقال له: غير ذلك أفضل، أمر الكاتب أن يكتب، قال له: اكْتُب أما بعد؛ فقد وقفْتُ على كتاب ولد حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولقد ساءني ما ساءكم، والدنيا كلّها هيِّنة جنْب رِضاك، لقد نزلْتُ عن الأرض ومَن فيها ، يأتيه الجواب بعد حين يقول:
أما بعد فيا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءَكَ، ولا أعدمَكَ الله الرأيَ الذي أحلَّكَ مِن قومِكَ هذا المحلّ، جاء بابنِهِ يزيد، وأرسَلَ له الجواب، ماذا اقْترحْتَ عليّ يا بنيّ؟ أن أرسلَ له جيشًا أوَّله عنده, وآخره عندي، يأتونني برأسه، فقال: يا بنيّ, مَن عفا ساد، ومن حلُم عظم، ومن تجاوَزَ اسْتمال إليه القلوب، اِقْرأ الجواب- .
فأبو عروة الزبير بن العوّام حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وأوَّل من سلَّ سيْفًا في الإسلام، وأحد العشرة المبشَّرين في الجنَّة، أُمُّه: أسماء بنت أبي بكر، الملقَّبة بِذات النِّطاقَيْن، جدُّه لأمِّه سيّدنا أبو بكر الصِّديق، خليفة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وصاحبه في الغار، جدَّته لأبيه صفيَّة بنت عبد المطَّلب، عمَّة النبي صلى الله عليه وسلّم، خالتهُ أمّ المؤمنين عائشة رضوان الله تعالى عليها) .
فما هذا النَّسَب؟ أبوه الزبير، وأمّه أسماء، جدّه أبو بكر، وجدّته لأبيه صفيّة عمّة النبي عليه الصلاة والسلام، خالته عائشة، وعروة بن الزبير نزل إلى قبْر عائشة حينما دُفِنَت بِنَفْسِهِ، وسوَّى عليها لحْدها بيَدَيْه، لأنَّها خالته، أَفَبَعْد هذا النَّسَب نسَب؟ وبَعْد هذا الحسَب حسبٌ؟ .

عروة يطلب العلم :

أيها الأخوة, الآن عروة بن الزبير تمنَّى أُمنِيَةً على الله، لذا انقطَعَ إلى طلب العلم، وأكبّ على طلب العلم، -إنسانٌ تجده قد آتاه الله علمًا، وهو نائمٌ، تعلَّم عشرون أو ثلاثون سنة, وهو جالس على ركبتَيْه, يحضر مجالس العلم، ويحضر ويناقش، ويقرأ ويُتابع, ويصبر إلى أن يسْمَحَ الله له أن ينطق- أكبّ على طلب العلم، وانْقطَعَ له، واغْتَنَمَ البقيَّة الباقيَة من صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، فَطَفِقَ يؤمُّ بيوتهم، ويصلِّي خلفهم، ويتتبّع مجالسهم حتى روى عن علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري ، وأسامة بن زيد، وسعيد بن زيد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس، والنعمان بن البشير، وأخذ كثيرًا عن خالته عائشة أُمّ المؤمنين حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يفزع إليهم المسلمون في دينهم، -والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيتهُ كلَّكَ، ولا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنَّه قد علم فقد جهل، نظام الجامعة ليس فيه تفتيش على المدرِّسين، كما هو الحال في التعليم الثانوي، لكنّ في الجامعة أسلوب ذكيّ جدًّا، يستقدمون أستاذًا زائرًا، وهذا الأستاذ الزائر: يلقي محاضرات على طلاَّب الجامعة، فأُستاذ المادَّة: إذا كان مستواه وعلمه قليلاً , من يكْشفُهُ؟ .
لذلك هذا نظام متَّبع في الجامعات، يستقدمون أساتذة في الاختصاص نفسهِ من بقيَّة الجامعات، لِيُلقوا محاضرات على الطلاب، فالأستاذ لا بدَّ له من توسيع دائرة معرفته، ومن المطالعة، وتجويد محاضرته, لكي لا يبدوَ أقلّ مستوًى من الأستاذ الزائر .
مرَّةً جاءنا أستاذٌ زائرٌ من بلاد المغرب العربيّ، وهو آية في اللّغة, والنحو, والصرف، وألقى علينا عِدَّة محاضرات، وجلس في الصَّف الأوَّل عدد من أساتذتنا، أنا كنتُ أتأمَّلُ في هؤلاء، بعضهم جاء بِدَفتر وقلم، وبدأ يكتب بعض الملاحظات, صدِّقوني الذي كتب بعض الملاحظات من الأستاذ المحاضر كبُر في عَين الجميع، لأنَّه تعلَّم، يظلّ المرءُ عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنَّه قد علم فقد جهِل، فالإنسان يتعلَّم دائمًا- .

شهادة عمر بن عبد العزيز بالعلم لعروة :

أيها الأخوة, عمر بن عبد العزيز الخليفة الذي يُعدّ حقيقةً خامس الخلفاء الراشدين، حين قدم المدينة واليًا عليها من قِبَل الوليد بن عبد الملِك، جاءهُ الناس فسلَّموا عليه، فلمَّا صلَّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة، وعلى رأسهم عروة بن الزبير، فلمّا صاروا عنده رحَّب بهم، وأكرم مجلسهم، ثمّ حمِدَ الله عز وجل، وأثنى عليه بما هو أهلهُ، ثمَّ قال:
(إنِّي دعوْتكم لأمرٍ تؤجرون عليه، وتكونون لي فيه أعوانًا على الحقّ، فأنا لا أريد أن أقْطعَ أمْرًا إلا برأْيِكُم أو بِرَأْيِ من حضرَ منكم، فإذا رأيتُم أحدًا يتعدَّى على أحد، أو بلَغَكُم عن عامل لي مظلمة، فأسألكم بالله أن تُبَلِّغوني ذلك، فدعا له عروة بن الزبير بخير، ورجا له من الله السداد والرشاد) .

إليكم هذا الموقف لعمر بن عبد العزيز , علام يدل ؟

وله موقفٌ آخر، عيَّنَ سيّدنا عمر بن عبد العزيز مرافقًا له اسمهُ: عمر بن مزاحم، قال له: (يا عمر، كُنْ إلى جانبي دائمًا، إن رأيْتني ظلمْتُ فأمسِكْنِي من تلابيبي، وهُزَّني هزًّا شديدًا، وقُلْ لي: اتَّق الله يا عمر، فإنَّك ستَموت) .
والإنسان من علامات نجاحهِ تواضُعه، ومن علامات نجاحه: استشارتُه وقبوله للنَّقْد، فالذي يقبل النَّقْد قد ينْمو، والذي يرفض النَّقد يسقط، والإنسان حينما رفض النَّقد ينتهي، لأنَّ الأشخاص دائمًا ينظرون من زوايا متعدِّدة، وليس عليهم ضغوط كالتي على من ينتقدونه، فالإنسان إذا أصغى إلى مَن ينتقدُهُ باحْتِرام وأدبٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا، والصحابي الجليل الحباب بن المنذر لمَّا رأى الموقع غير مناسب في معركة بدر، جاء إلى النبي على اسْتِحياء، وتكلَّمَ كلامًا يقطر رِقَّةً وأدبًا وحياءً وإخلاصًا، قال له:

((يا رسول الله، هذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة؟ قال: بل هو الرأي والمشورة، فقال له: يا رسول الله, هذا ليس بِمَوقعٍ))
فالنبي بِبَساطة اسْتجاب لهذه النصيحة، وأمر بِنَقل الجيش إلى الموضع الذي اقترحه الحباب بن المنذر، فكان لنا قدْوةً صلى الله عليه وسلَّم في سماع النَّصيحة, وقَبولها مع التواضع .

لمحة عن عبادة عروة بن الزبير :

لقد جمع عروة العلمَ إلى العمل، فقد كان قوَّامًا في الهواجر، في أيام الصيف، -نحن نقول للواحد: صُم بالشِّتاء، فالنهار قصير، والجو بارد، ومن دون عطش- أمّا عروَة فكان صوَّامًا في الهواجر، قوَّامًا في العتَمَات، رطْب اللِّسان بذِكْر الله تعالى، وكان إلى ذلك خَدينًا, أيْ مُصاحبًا لكتاب الله عز وجل، عاكفًا على تلاوته، فكان يقرأ ربْع القرآن كلّ نهارٍ، نظرًا في المصحف، ثمّ يقوم به الليل عن ظهر قلب، ولم يُعْرف أنَّه ترَكَ ذلك منذ صدْر شبابه إلى يوم وفاته، غير مرَّةٍ واحدة لِخَطبٍ نزل به، وسيأتي هذا النبأ بعد قليل، وكان عروة يجد في صلاته راحة نفسه، وقرَّة عينِهِ، وجنَّته في الأرض، -وقال أحد العارفين: في الدنيا جنَّة من لم يدخلها لم يدخل جنة الله، وقال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبْعدوني فإبْعادي سياحة، وإن حبسوني فحَبْسي خلْوَة، وإن قتلوني فقَتْلي شهادة- .
كان عروة يُتقنُ صلاته أتمَّ الإتقان، ويطيلها غاية الطول، ورُوِيَ عنه أنَّه رأى رجلاً يصلِّي صلاة خفيفة، فلمَّا فرغ من صلاته دعاه إليه، وقال له: يا ابن أخي، أما كانت لك عند ربّك جلّ وعلا حاجة؟‍ أبِهذه الطريقة تصلّي؟ واللهِ إنِّي لأسأل الله تبارك وتعالى في صلاتي كلّ شيء، حتى الملح- وهكذا أخبرنا الله عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام:

((إنّ الله يحبّ الملحِّين في الدعاء))

[ورد في الأثر]

وعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ, حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ, وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

عروة كان جواداً :

أيها الأخوة, كان عروة بن الزبير سخِيّ اليد، سمحًا جوادًا، -والمعروف أنّه لا يجتمع إيمانٌ وبُخل، كما أنَّه لا يجتمعُ إيمان وحسد، كما أنَّه لا يجتمع إيمان وجبْنٌ- ومِمَّا أُثِرَ عن جوده: أنَّه كان له بستانٌ من أعظم بساتين المدينة، عذْب المياه، ظليل الأشجار، باسق النخيل، وكان يُسوِّر بستانه طوال العام، لِحِماية أشجاره من أذى الماشيَة، وعبث الصِّبْيَة، حتى إذا حان أوان الرّطب، وأيْنَعَت ثماره، واشْتهَتْها النفوس، كسر الحائط في أكثر من جهة, لِيُجيز للناس دخول بستانه, والأكل من ثماره، فكان الناس يُلِمُّون به ذاهبين آيِبين، ويأكلـون من ثمره ما لذَّ لهم الأكل، ويحملون منه ما طاب لهم الحمل .
-أنا سمعتُ قبل خمسين سنة أنّ منطقة الصالحية كلها كانت بساتين، وكان هناك مكان اسمه: جبن الشاويش، كانت كلّ أصحاب البساتين يضعون سلّة من الفاكهة من إنتاجهم في الطريق، وهناك سكِّينُ صغيرة ليأكل المارّ حتى يشبع، ولكن لا أحد يحمل شيئًا من هذا إلى بيته .
وقد كنت مرَّةً في قرية جبليَّة فيها فواكه نادرة، وزرتها اسْتجمامًا لأسبوع، وأنا في الطريق أتنزَّه, فإذا بأحد أصحاب البساتين يشير إليّ، وقال: تفضَّل، فما فهمْتُ منه شيئًا، وتوهَّمْت أنه يريد مساعدة في شيء، فتقدَّمْتُ نحوهُ فأعطاني كمِّيَة فواكه تكفيني أسبوعًا، فاسْتغربْت، ولمَّا حدَّثتُ الناس بما جرى لي, قالوا لي: هذه عادة أهل البلدة، كلّما رأَوا ضيْفًا يعطونه من الفواكه ما تكفيه أسبوعًا أو أسبوعين، فلمَّا بخِل الإنسان بخِلَ اللهُ عليه .
مرَّةً قلت لكم: إنَّ امرأةً صالحة في بيتها شجرة ليمون، تحمل لها أربعمئة أو خمسمئة ليمونة في السنة، ولا يوجد إنسان يطرق الباب بحاجة إلى الليمون إلا وأعطتْه، وكأنّ هذه الشجرة وقفٌ للحيّ كلّه، وهذه الشجرة أعطَتْ عطاءً لِسَنواتٍ مديدة؛ عشرين أو ثلاثين سنة، والحمْل غير طبيعي، توفَّتْ المرأة الصالحة، فجاء بعدها من يطلب الليمون فطرده صاحب البيت، وبعد أسبوع يبُسَت الشجرة وماتَتْ, وعلى هذا فقِسْ، فإذا كنت كريمًا فالله تعالى أكرم، قال سيّدنا ابن عوف: (ماذا أفعل؟ إذا كنتُ أُنفق مائة في الصباح فيُؤتيني ألفًا في المساء) فإذا كنت كريمًا كان الله تعالى أكرم، وإنْ تبْخل يبْخل الله عليك- فكان كلّما دخل هذا البستان يتلو قوله تعالى:

﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً﴾

[ سورة الكهف الآية: 39]

-أنصح أخواننا الكرام: إذا أعطاك الله شيئًا من الدنيا، ولو كان شيئًا طفيفًا, فلا تقل: هذا مِلكي، وحصَّلتُهُ من عرق جبيني، وهذا نتيجة خِبراتٍ متراكمة، هذا كلّه كلامُ شرْكٍ، ولكن قل: ما شاء الله، لا قوَّة إلا بالله- .

إليكم هذه الكلمة :

الآن دخل طَوْر الامتِحان، قلتُ لكم سابقًا: المؤمن له ثلاثة أطوار؛ طور التأديب، وطَور الابتلاء، وطور التكريم، فلا بدَّ من فترة من حياتك تكون للتكريم، لأنَّ الله عز وجل قال:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[ سورة طه الآية: 123]
قال تعالى:

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية: 38]
قال تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾

[ سورة البقرة الآية: 36]

والآن جاء طور الابتلاء، طبْعًا هذا الابتلاء ربما لا يحتمله معظم الناس، ولكن الرِّضا بِمَكروه القضاء أرفعُ درجات اليقين، فهذا الذي كان يطوف حول البيت, ويقول: (يا ربّ, هل أنت راضٍ عنِّي؟ وكان وراءهُ الإمام الشافعي، فقال له: يا هذا، هل أنت راضٍ عنه حتى يرضى عنك؟ قال له: من أنت يرحمك؟ قال الإمام الشافعي: إذا كان سرورك بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمة فقد رضيتَ عن الله) .

إليكم هذا الامتحان الصعب الذي وقع به عروة بن الزبير :

أما امتِحان سيّدنا عروَة فقد كان صعْبًا، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, قَالَ: قُلْتُ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً, قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ, ثُمَّ الْأَمْثَلُ, فَالْأَمْثَلُ, فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا, اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ, وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ, ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ, حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ, مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

والإنسان يُمْتحن على قدْر مكانة دينِهِ، فالخليفة دعا عروة بن الزبير لزيارته في دمشق، فلبَّى دعوته، وصَحِب معه أكبر بنيه، ولمَّا قدِم على الخليفة رحَّب بِمَقْدَمهِ أعظم ترحيب، وأكرم وِفادته أوفى إكرام، وبالغ في الحفاوة به، ثمَّ شاء سبحانه وتعالى أن يمْتَحِنَهُ، ذلك أنَّ ابن عروة دخل على إصْطبل الوليد لِيَتَفَرَّج جِياده الصافِنات، فرَمَحَتْهُ دابَّة رمْحةً قاضِيَةً, أوْدَتْ بِحَياتِهِ -كما أنَّ الآن هناك حوادث سَير، فكذلك قديمًا هناك حوادث خيل- ولم يكد الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده حتى أصابتْ إحدى قدَمَيْه الآكلة، وأصبح معه الموات ، فتورَّمَتْ ساقُه، وجعل الورم يشتدّ، ويمْتدّ بِسُرعة مذهلة، فاسْتدعى الخليفة لِضَيفِهِ الأطباء من كلّ جهة، وحضَّهم على معالجته بأيَّة وسيلة، لكنَّ الأطِبَّاء أجمعوا على أنَّه لا منْدوحة لِبَتْر ساقهِ، -وقد صدق القائل حين قال:

إنَّ الطبيب له علْم يُدِلّ بـه إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتى إذا ما انْتهَت أيام رحلته جار الطبيب وخانتْهُ العقاقيـرُ
قبل أن يَسْرِيَ الورَم إلى جسَدِهِ كلّه، ويكون سببًا في القضاء عليه، ولم يجِد بُدًّا من الإذعان لذلك، ولمَّا حضر الجرَّاح لِبَتْر الساق أحضَرَ معه المبضع لِشَقّ اللَّحم -سألْت طبيبًا: كيف تفتحون الجمجمة؟ فقال لي: القضيَّة بسيطة جدًّا, فقلتُ: كيف والرأس مغلق؟ فقال: نخدِّرهُ ، ونأتي بالمبضع، ونُجري جرْحًا مربَّعًا من ثلاثة أضلاع، نفتح الفرْوة عن اليمين، ونربطها عن اليمين، انكشفت فانكشف العظم، ثمّ نحفر أربعة ثقوب, ونأتي بِخَيط منْشاري غالٍ جدًّا، نُدْخلهُ من ثقب، ويخرج من ثقب آخر, حتى نقطع أوَّل خطّ، ثمّ الثاني، ثمّ الثالث، فإذا بنا نزعنا المربَّع، نفتح الأم الجافية, ثمّ الأم الحنون, ثمّ نصل للدِّماغ، يُنزعُ الورم غير الخبيث، لأنّ هناك ورمًا خبيثًا لا نستطيع نزعهُ، ثمّ نخيط الأم الحنون، ثمّ الجافيَة، ثمَّ نأتي بالعظم المربّع نضعها في مكانه، نحن نحتاج ثقبين ثقبين, ثقبًا فيها، وثقبًا على الطرفين، نربط أربع ربطات، ونرجع الفرْوة، ثمّ نخيطها، وتنتهي العمليّة, هذه المهارة التي أكرم الله بها الإنسان لِمُعالجة أخيه لِكَرامة الإنسان على ربّه- .
فجاء الطبيب بالمَبَاضِع لِشَقّ اللَّحم، والمناشير لِنَشر العظم، قال الطبيب لِعُروة: أرى أن نسْقيك جرعةً من مُسْكر, لكي لا تشعر بالآلام، فقال: هيهات ‍! لا أستعين بِحَرام على ما أرجوهُ مِن عافِيَةٍ، ما عند الله لا يُنال بِمَعصيَة الله، -هناك أدوِيَة مخالفة للشَّرع- فقال له: إذًا نسقيك مخدِّرًا، فقال: لا أحبّ أن أُسلبَ عضْوًا من أعضائي دون أن أشْعرَ بِألمِهِ، واحْتسب بذلك، فلمَّا همَّ الجراح بِقَطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال، فقال: مَن هؤلاء؟ فقال : جيءَ بهم لِيُمسِكوك، فربَّما اشْتدّ عليك الألم، فجذبْت قدمَكَ جذْبةً أضرَّتْ بك، قال: رُدُّوهم لا حاجة لي بهم، وإنِّي لأرجو أن أكْفيَكم ذلك بالذِّكْر والتَّسْبيح، ثمَّ أقبلَ عليه الطبيب، وقطع اللَّحم بالمِبضَع، ولمَّا بلغَ العظم وضع عليه المنشار، وطفِقَ ينشرهُ به, وعروَة يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وما فتىء الجرَّاح ينشر, وعروة يكبّر, ويُهلِّل, حتى بُتِرَتْ الساق بتْرًا، ثمّ أُغْليَت الزَّيتُ في مغارف الحديد، وغُمِسَت فيه ساق عروة لإيقاف تدفّق الدِّماء، وحسْم الجِراح، وأُغْمِيَ عليه إغماءةً طويلة, حالَت دون أن يقرأ حصَّته في كتاب الله، وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي لم يقرأ فيه القرآن, وكانت المرَّة الوحيدة التي فاتهُ فيها ذلك الخير .
ولمَّا صحا عروة دعا بقَدَمِهِ المبتورة فناولوه إيَّاها، فجعلَ يُقبِّلُها بيَدِهِ, ويقول: (أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد, إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ إلى حرامٍ قطّ، ثمَّ تمثَّل بأبيات لِمَعن بن أوْس, قال:

لعَمْركُ ما أهويت كفِّي لريبــةٍ و ما حملتني نحو فاحشةٍ رجلي
ولا قادني سمعني ولا بصري لها ولا دلّني رأيي عليها و لا عقلي
وأعلم أنِّي لمْ تُصِبني مصــيبة من الدَّهر إلا قد أصابتْ فتًى قبلي

ما هو الهم الذي ألم به الوليد بن عبد الملك, وكيف تخلص منه ؟

أيها الأخوة, وقد شقَّ على الوليد بن عبد الملك ما نزل بِضَيفه الكبير من النوازل، فقد احْتسَب ابنه، وفقَدَ ساقهُ في أيَّام معدودات، فجعل يحتال لِتَعْزيَتِهِ وتصبيره على ما أصابه، وصادف أن نزلَ بِدَار الخلافة جماعةٌ من بني عبسٍ فيهم رجلٌ ضرير، فسأله الوليد عن سبب كفّ بصره، قال:
(يا أمير المؤمنين, كان عمر إذا أصابتْهُ مصيبة, قال: الحمد لله ثلاثًا؛ الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، والحمد لله إذْ لمْ تكن أكبر منها، قال: يا أمير المؤمنين, لم يكن في بني عبْس رجلٌ أوْفَرَ مِنِّي مالاً، ولا أكثر أهلاً وولدًا -واللهُ إذا أعطى أدْهش، وإذا أخذ أدْهش- نزلْتُ مع مالي وعِيالي في بطْن واد من منازل قومي، فطرقنا سيْلٌ لم نرَ مثلهُ قطّ، فذهبَ السَّيل بما كان لي من مالٍ وأهل وولدٍ‍‍، ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد, وطفلٍ صغير حديث الولادة, وكان البعير صعبًا فندَّ مِنِّي، فتركْتُ الصَّبيّ على الأرض، ولَحِقْت بالبعير، فلم أُجاوِز مكاني قليلاً حتى سمِعْت صَيْحة الطِّفل, فالْتَفَتُّ فإذا رأسهُ في فمِ ذئْبٍ يأكلهُ، فبادرتُ إليه غير أنَّني لم أستطع إنقاذهُ، إذْ كان قد أتى عليه، ولحِقْت بالبعير فلمَّا دَنَوْت منه, رماني بِرِجلهِ على وجهي رمْيةً حطَّمَتْ جبيني، وذهبتْ بِبَصري، وهكذا وجدْت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل، ولا ولد، ولا مالٍ، ولا بصر .
-والإنسان إذا أصابتْهُ مصيبة, يتصوَّرِ الأصعب منها فيرْتاح- فقال الوليد لِحاجِبِه: انْطلق بهذا الرجل إلى ضَيْفنا عروة بن الزبير، ولْيقصَّ عليه قصَّته, لِيَعلمَ أنَّ في الناس من هو أعظمُ منه بلاءً) والقاعدة النبويَّة: اُنْظر في الدنيا لِمَن هو أدنى منك، وانْظر في الآخرة لمن هو أرقى منك .

إليكم ما قاله إبراهيم بن محمد بن طلحة لعروة على ما أصابه :

الآن حُمِل عروة إلى المدينة، وأُدخل على أهله، ماذا قال؟ بادرَهم قائلاً: (لا يهُولنَّكم ما ترَوْن, لقد وهبني الله عز وجل أربعةً من البنين، ثمَّ أخذ منهم واحدًا، وأبْقى ليَ ثلاثًة، فله الحمد والشكر، وأعطاني أربعة أطراف ثمَّ أخذ منها واحدًا، وأبقى لي منها ثلاثة، وَايْمُ الله لئن أخذ الله لي قليلاً, فقدْ أبقى لي كثيرًا، ولئن ابتلاني مرَّةً, فلطالما عافاني مرَّات -هل تسمعون ما قال؟ هكذا المؤمن- .
ولمَّا عرف أهل المدينة بِوُصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير، تسايلوا على بيته لِيُواسوه ويُعَزُّوه، فكان مِن أحسنِ ما عُزِّيَ به كلمةٌ قالها إبراهيم بن محمّد بن طلحة، قال له: (أبْشِرْ يا أبا عبد الله, فقد سبقَكَ عضْوٌ من أعضائك، وولدٌ من أبنائك إلى الجنَّة، والكلّ يتْبَعُ البعض إن شاء الله تعالى، ولقد أبقى الله لنا مِنك ما نحن فقراء إليه، أبقى لنا منك علمك وفقْهك ورأيَك، أما الطرف الذي سبقك إلى الجنَّة فاحْتسِبْهُ عند الله، نفعنا الله وإيَّانا به، واللهُ ولِيُّ ثوابك، والضَّمِين بِحُسْن حِسابك) .

من نصائح عروة لأبنائه :

ظلّ عروة بن الزبير للمسلمين منارَ هدًى، ودليلَ فلاح، وداعِيَةَ خير طوال حياته، واهْتمَّ بِتَربيَة أولاده خاصَّة، وسائر أولاد المسلمين، فلم يترك فرْصةً لِتَهذيبهم .
قال: (يا بنيّ, تعلَّموا العلم، وابْذُلوا له حقَّه، فإنّكم إن تكونوا صِغارَ قومٍ, فعسى أن يجعلكم العلم كبراء القوم، واسَوْأتاه! هل في الدنيا شيءٌ أقْبحُ من شيءٍ جاهل؟ العالم شيخٌ, ولو كان حدثًا، والجاهل حدث ولو كان شيخًا) .
وكان يقول: (يا بنيّ, لا يَهْدِينَّ أحدكم إلى ربِّه ما يسْتحيي أن يُهْدِيَهُ إلى عزيز قومه ، فإنَّ الله تعالى أعزّ الأعزّاء، وأكرم الكرام، وأحقّ من يُختار له) .
وكان يقول: (يا بنيّ، إذا رأيْتم من رجلٍ فعلةَ خير رائعة فأمِّلوا به خيرًا، ولو كان بنَظر الناس رجل سوء -وهذه قاعدة: إن رأيْت إنسانًا أخلاقيًّا وكريمًا، وله حياء، ويحبّ الخير, فتأمَّل فيه الخير، ولو كان بِنَظر الناس قليل الدِّين- فإنَّ لها عندهُ أخوات، وإن رأيتم من رجلٍ فِعْلةَ شرّ فضيعةً فاحْذروه، وإن كان في نظر الناس رجلَ خير، فإنّ لها عنده أخوات أيضًا, واعلموا أنَّ الحسنة تدلّ على أخواتها، وأنَّ السيِّئة تدلّ على أخواتها) .
وكان يوصي أولاده بلِين الجانب، وطيب الكلام، وبِشْر الوجه، ويقول: (يا بنيّ, مكتوب في الحكمة: لِتَكُنْ كلمتُك طيِّبةً، ووجْهكَ طليقًا, تكنْ أحبَّ للناس مِمَّن يبذل لهم العطاء ، وكان إذا رأى الناس يجْنحون إلى الطَّرَف، ويسْتمرئون النعيم، يُذكِّرهم بما كان عليه رسول الله من شظف العيش، وخشونة الحياة) .
وعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي:

((إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ, وَمَا أُوقِـدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ, فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ؛ التَّمْرُ وَالْمَاءُ, إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ, كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ, وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ, فَيَسْقِينَاهُ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

ما هو العمر الذي قدر لعروة أن يعيشه في الدنيا, وما هو العمل الصالح الذي ختم به حياته ؟

عاشَ عروة واحدًا وسبعين عامًا, مترعةً بالخير، حافلةً بالبِرّ، مُكَلَّلَةً بالتُّقى، فلمَّا جاءه الأجَل المحتوم, أدركهُ وهو صائم، وقد ألحَّ عليه قومه أن يُفْطرَ فأبى، لأنَّه كان يرجو أن يكون فطْرهُ على شرْبة من نهر الكوثر، في قوارير من فضَّة، بأيْدي حور العين .
هذا تابعيّ جليل كان قد ارْتقى، وارْتقى، حتى بلغ الكمال الإنساني .
والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شروق الفجر
عضو فعال
عضو  فعال


عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الخميس 8 نوفمبر - 22:06

التابعي الربيع بن خثيم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

قف عند معنى هذا القول :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع من حياة التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم، وتابعيّ اليوم هو الربيع بن خثَيم .
قال هلال لضيفه منذر الثوري: (ألا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ، لعلَّنا نؤمن ساعة؟) نقف عند هذا القول قليلاً .
كلّ شيءٍ له منابعُهُ، وكلّ شيءٍ له معدنهُ، فإن أردْت العلم فعليك بِدُور العلم، وإن أردت التجارة فعليك بالأسواق، وإن أردت السِّياحة فعليك بالمتنزَّهات، فالذي يريد العلم الشَّرعي، أو يريد القرب من الله عز وجل, فلا بدّ أن يجلس مع أهل العلم، ولا بدّ أن يرتاد المساجد، ألم يقل أحد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لأخيه: (اجْلس بنا نؤمن ساعة؟ بلى) فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: (كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ, يَقُولُ: تَعَالَ نُؤْمِنْ بِرَبِّنَا سَاعَةً, فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِرَجُلٍ: فَغَضِبَ الرَّجُلُ, فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا تَرَى إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ يُرَغِّبُ عَنْ إِيمَانِكَ إِلَى إِيمَانِ سَاعَةٍ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ رَوَاحَةَ, إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تُبَاهَى بِهَا الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلَام) .
أيها الأخوة، عند أهل الأذواق ما من ساعة أمْتعُ على وجه الإطلاق من مُذاكرة العلم، أو من طلب العلم، أو من تعليم العلم، إذا كان هناك معلِّم ومُتَعلِّم فهذا تعليم، إذا هناك متعلِّم ومعلِّم فهذا تعلّم، وإذا كان هناك مؤمنون بِمُستوى واحد, نقول: مذاكرة العِلم، لكنَّ الذي أريد أن أقوله لكم:
لا يوجد مَن ليس له جَلسات، الإنسان له عمل، وله وقت فراغ، وإن كان وقت الفراغ يقِلّ مع عِظَم التَّبِعات، وقِلَّة الموارد، ولا أريد أن أخرج عن مضمون الدرس، فالذي ليس عنده وقت فراغ لا يَحيا، وإذا أُلغِيَ وقت فراغ الإنسان فقد أُلْغِيَت حياته، لأنّ الإنسان يحيا بِمَبادئه، ويحْيا باتِّجاهاته، ويحيا بِتَأْدِيَة رسالتهِ، فإذا ألغَيْنا في الإنسان وقْت الفراغ, فقد ألغيْنا الوقت الذي يُمضيهِ كما يحبّ، فالوقت الذي تكسب به المال ربما لا تحِبّه، وهذا عمل رتيب، وعمل ربما لا يكون ممْتِعًا، ولكنَّ الوقت الذي تسْعدُ به, هو الوقت الذي تنفقهُ فيما تُحبّ .
فالمؤمن أثْمنُ شيءٍ في حياتهِ هو وقت الفراغ، لأنَّه في هذا الوقت يطلب فيه العلم، وفي وقت الفراغ يلتقي مع أهل العلم، ويدعو إلى الله، ويُحَقِّق رسالته، ويؤكِّد ذاته، ويصِلُ إلى ربِّه، وقد يكسبُ جنَّة الآخرة، المشكلة الآن: أنَّ الإنسان يبحث عن عملٍ إضافي، وأنا معكم في هذا، ولكن هذا العمل الإضافي إذا امْتصَّ كلّ وقت فراغك، وتمكَّنْت أن تُضاعف دَخْلكَ، وتُنْفق هذا الدخل الزائد على ما زاد عن حاجتك, فو الله لأنت الخاسر، أنا أقول كلامًا، وأعني ما أقول: حينما يُلغى وقت الفراغ في حياة الإنسان, فقد أُلغِيَ وُجودهُ الإنساني، وبقيَ وُجودهُ الحيواني، كائنٌ يتحرَّك ويكسب المال، ويأكل ويستريح، ويستيقظ ويعمل, ويكسب المال، ثم يستريح إلى أن يأتيَهُ الأجَل، ولكن لا بدّ من وقتِ فراغٍ تحضرُ فيه مجالس العلم، أو تُعلِّم، أو تلتقي مع من تُحبّ، أو تدعو إلى الله، أو تُطالع .
أيها الأخوة الكرام، المقصود من هذا الكلام أنَّه إذا كان لك دخْلٌ يكفيك، أو يكفيك مع بعض المشقَّة، وبإمكانك أن تُمضي وقتًا طويلاً في معرفة الله، والعمل الصالح، فإيَّاك أن تتورَّط في إلغاء وقت فراغك، لأنَّ هناك أُناسًا كثيرين يقولون: واللهِ لا يوجد وقت, فنحن ندخل إلى بيوتنا بعد نوم أولادنا، ونخرج من بيوتنا قبل اسْتيقاظ أولادنا, وهو يظنّ أنَّه يُحْسنُ صُنعًا، وهو في الحقيقة ألغى وُجودهُ الإنساني، ودقِّقُوا في هذا الكلمة:
الذي يُلغي وقت فراغه يُلغي وُجوده الإنساني، لا ترضى بِعَملٍ يشتريك به صاحبُ العمل من شروق الشمس إلى نصف الليل, لو أعطاك مائة ألف بالشَّهر فأنت الخاسر الأكبر، ولا تقبل عملاً يُلغي وقْت فراغك، إنَّ الآخرة تحتاج إلى وقتٍ، وبالمناسبة أجْمل ما قرأتُ عن الصلاة، وأنّ الصلاة فيها من كلّ أنواع العبادات، الصلاة فيها من الحجّ التَّوَجُّهُ إلى القبلة، وفيها من الصِّيام ترْكُ الطَّعام والشَّراب، وترْكُ الكلام فيما هو بعيد عن الصلاة، وفي الصلاة معنى الزكاة، لأنَّ أصْل كسْب المال هو الوقت، وأنت تقْتطعُ منه لِتُصَلِّي، وفي الصَّلاة معنى التَّشهّد، الأركان الأرْبَعُة للإسلام تدخل في الصَّلاة، ولذلك هي الفرْض المتكَرِّر الذي لا يُلغى بِحَال .

ما الحوار الذي دار بين الهلال بن إساف وبين منذر الثوري ؟

قال له: (أنا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ لعلَّنا نؤمن, قال منذر: بلى، فو الله ما أقْدَمَني الكوفة إلا الرَّغبة في لقاء شيْخِك الرَّبيع بن خُثَيْم، والحنين في العَيْش ساعة في رِحاب إيمانه, -نسأل الله أن يجمعنا مع أهل الحق، فالإنسان المؤمن الصادق المُتَّصِل والصافي والمخلص، اللِّقاء معه جميل، وجنَّة الله في الأرض أن تلتقي مع أهل الإيمان، هؤلاء كما قيل عنهم: كالكبريت الأحمر؛ نادر- قال له: فو الله ما أقْدَمَني الكوفة إلا الرَّغبة في لقاء شيْخِك الرَّبيع بن خُثَيْم، والحنين في العَيْش ساعة في رِحاب إيمانه، ولكن هل اسْتأذنْت لنا عليه؟ فقد قيل لي: إنَّهُ منذ أُصيب بالفالج لزِمَ بيتهُ، وانْصرفَ إلى ربّه، وعزفَ عن لقاء الناس .
-تصوّر إنسانًا أُصيب بالفالج، فهو بعيدٌ عن الله تعالى، وقد ينتحر، وقد ينهار، وتصوَّر إنسانًا مؤمنًا أُصيب بالفالج، وهو قريب من الله، لقد صار هذا المرض خَلْوَةً له، وهذا ما قاله أحد العارفين: ما يصْنعُ أعدائي بي؟ جنَّتي في صدري، إن أبْعَدوني فإبعادي سِياحة، وإن قتلوني فقتْلي شهادة، وإن حبسُوني فحَبْسي خلوة، أجْمَلُ ما في حياة المؤمن أنَّ سعادتهُ تنْبعُ من داخلهِ، ولا يأخذها من الخارج، ولكنَّ عامَّة الناس سعادتهُ من بيتهِ، فإذا حُرِمَ بيتهُ اخْتلَّ توازنهُ، وسعادتهُ من مرْكبته، وسعادتهُ من زوجته، ومن أولاده، ومن مكانتهِ، فإذا حُرمَ هذه الشروط انْهارَ نفْسِيًّا، والمؤمن سعادتهُ من داخلهِ، أيْنمَا ذهبْت به يسْتغني عن أيِّ شرْط مادِّيٍ لِسعادته- .
قال هلال: إنّه لكذلك منذ عرفَتْهُ الكوفة، لم يُغيِّر منه المرض شيئًا، -الذَّهَب ذهَب، فأنا هذه الحقيقة أعرفها، ولكنَّني ما شعرْتُ بها، مرَّةً قرأْتُ مقالة: عثَرُوا على باخرة غرقَتْ في عام 1910، وكانت تحْمل كمِّيَة كبيرة جدًّا من الذَّهَب من أمريكا إلى بريطانيا، أو العكس، غرقَت في عرْض المحيط الأطلسي، والآن هناك شركات تبْحث في التاريخ القديم عن غرَق هذه البواخر العِملاقة التي تحمل من الثَّرَوات ما لا سبيل إلى وصْفه، وكوَّنوا فريق بحث عن طريق غوَّاصات مُسطَّحة, ووصَلوا إلى قاع المحيط، وعَثَروا على هذه السفينة، ورأيْتُ في المجلَّة صُوَرًا لِسَبائِكِ الذَّهَب اللاَّمِعَة التي اسْتُخْرِجَت من المحيط، طبْعًا الفكرة واضحةٌ سابقًا، ولكن أنا عِشْتُ هذه الحقيقة فالذَّهَب ذهَب، وكانت تلك السبائك بِمَنظرها، وكأنَّها صُبَّتْ قبل ساعة، بقِيَت في أعمـاق المحيط منذ 1910، واسْتُخْرِجَتْ قبـل سنة، أيْ بقيَتْ ثمانين عامًا في المياه المالحة, والعوامل الطبيعية، فالذَّهَب يبقى ذهَبًا، ولن يتغيَّر اللَّمَعان والبريق والصَّفار ، فلذلك المؤمن ذهب أربعة وعشرين، وهناك ثمانية عشر، وهناك ستَّة عشر، وهناك من هو مَطليٌّ بالذَّهَب، أما المؤمن الصادق فلن يتغيَّر- .
قال له: لا بأس، ولكِنَّك تعلم أنَّ لِهَؤلاء الأشياخ أمْزِجَةً رقيقة، فهَلْ ترى أن نُبادِر الشَّيْخ فنسْألهُ عمَّا نريد, أم نلْتزمُ الصَّمْت فنَسْمعُ منه ما يريد؟ -والحقيقة: كلّ شخْصٍ يُعاني هذه المشكلة، إذا زارَ أخًا يُحبُّه ويثقُ به، يا ترى يسأل أم يسْمع؟ والله كلاهما خير، فإذا أنْصَتَ فأنا متأكِّد أنَّك إذا ذهبْت إلى رجلٍ تثق بِدِينه وإخلاصِهِ وعلمه، فإذا صمَتَّ فالله تعالى إكرامًا لإخلاصك لطلب العلم، وإكرامًا لإخلاصهِ في تعليم العِلْم, يُلْهِمُه ما أنت بِحاجةٍ إليه، وإذا سألْتهُ فلا مانع، فَمِفتاح العلم السؤال، كلاهما جائز، فإما أن تسأل، وإما أن تستمع- .
فقال هلال: لكنَّ هذا الشيخ لو جلسْتَ معه عامًا بأكملهِ, فإنَّه لا يُكلِّمك إذا لم تكلِّمْه، حضرني حديث وردَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا, إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))
-هناك مؤمن يميل إلى الصَّمت، ومؤمن يميل إلى الكلام، وهناك من يميل إلى اللِّقاء مع الناس، ومؤمن يميل إلى الخَلْوَة، كلّهم على العَين والرأس، وهناك مؤمن يعتني بِمَظهره كثيرًا، ومؤمن أقلّ اعْتِناءً بِمَظهره من الآخر، فهذه طِباع تختلف من مؤمن لآخر، وهناك من هو هادئ الطَّبع، وآخر حادّ الطَّبْع، وهناك إنسان كالحمامة، وآخر كالصَّخرة، أو بالتعبير الإسلامي هناك إنسان عُمَري، وإنسان بَكْري، كسَيِّدنا الصدّيق، هذه الطِّباع كلّها مقبولة، يُطبع المؤمن على الخلال كلّها إلا خيانة والكذب، فإذا فعلهما فليس مؤمنًا، لماذا الربيع بن خثيم لا يُكلِّمُكَ إلا إذا كلَّمْتهُ، ولا يُبادِرُك إلا أن تسْألهُ؟ فهو قد جعل كلامه ذِكْرًا، وصَمْتهُ فِكْرًا، ومن أدقّ الأحاديث الشريفة التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام:

((أمرني ربِّي بِتِسْع؛ خشيَة الله في السرّ والعلانِيَّة، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصِلَ من قطعني، وأن أعْفُوَ عمَّن ظلمني، وأن أُعْطِيَ مَن حرمني، وأن يكون صمتي فكْرًا، ونطقي ذِكْرًا, ونظري عبرةً))
مرَّةً مصباح كهربائي علَّمني درسًا لا أنساه، هذا المصباح يُشْحن بالكهرباء، لمَّا أنسى شحنه، وأضطرّ لاستعماله أجد الضوء خافتًا، ومرَّةً نسيتهُ في الشَّحن يومين دون أن أنتبه، فلمَّا استعملتهُ كان كالشَّمس, وهكذا المؤمـن، كلَّمـا اعتنى بِشَحْنِهِ كلَّما تألَّق، وكلّما أهْمل شَحْنهُ عن طريق الذِّكر والعبادة وتلاوة القرآن كلَّما خَفَتَ ضوءُه، فالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام:

((أُمرتُ أن يكون صمتي فِكْرًا، ونطقي ذِكْرًا، ونظَري عِبْرةً))
قال: فلْنَمْضِ إذًا على بركة الله تعالى) .

إليكم ثمرة اللقاء التي تمت بين الربيع بن خثيم وبين ضيفيه :

قال: (ثمَّ مضيَا إلى الشيخ، فلمَّا صارا عنده سلَّمَا، وقالا: كيف أصْبحَ الشيخ؟ -الآن هيِّئوا أنفسكم إلى كلام ربما لا تقبلونه، ولكنَّ التواضع هكذا، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ, وهو أحدُ التابعين: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ, مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) والإنسان كلّما ارْتقى يتَّهِمُ نفسهُ، قال الإمام الشافعي :

أُحبّ الصالحين ولسْتُ منهم لعلِّي أن أنال بهم شفاعـة
وكرهُ من بضاعتهُ المعاصي ولو كنَّا سواءً في البضاعة
قال: أصبح ضَعيفًا مذْنبًا، يأكل رزقهُ، وينتظر أجله، فقال هلال: لقد نزل بالكوفة طبيبٌ حاذق، أفتأذن بأَن أدْعُوَهُ إليك؟ فقال: يا هلال، إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حق، تداوَوْا عباد الله ، -وكل إنسان يدع الدواء يقع في المعصِيَة، بل إنَّ الحكم الفقهي إذا غلبَ على يقينك أنَّ هناك مرضًا يحتاج إلى دواء، وهذا المرض يؤثِّر تأثيرًا بليغًا على جسمك، فعدَمُ أخْذ الدواء معْصِيَة ، والمبادرة إلى المعالجة فرْضٌ، وأبلغُ من واجب، لأنّ هذا الجسم له قوانين، أنت حينما تُنفِّذ تعليمات الطبيب المؤمن الحاذق الورِع، فأنت تنفِّذُ تعليمات الصانع، لأنَّ الطبيب عرف قواعد هذا الجسْم- قال يا هلال: إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حقّ، ولكنِّي تأمَّلتُ عادًا وثمود وأصحاب الرسّ وقرونًا بين ذلك كثيرًا، ورأيت حرصهم على الدنيا، ورغبتهم في متاعها، وقد كانوا أشدَّ منَّا بأْسًا، وأعظمَ قدرةً، وقد كان فيهم أطبَّاء ومرضى، فلا بقِيَ المُداوي ولا المُدَاوَى، ثمَّ تنهَّدَ تنْهيدةً عميقةً، وقال: ولو كان هذا هو الداء لتداوَيْنا منه، فاسْتأذن منذر، وقال: فما الداء إذًا يا سيّدي الشيخ؟ قال: الداء الذنوب، قال منذر: وما الدواء؟ قال: الاستغفار، قال منذر: وكيف يكون الشفاء؟ قال: بأن تتوب، ثمّ لا تعود, -وهذا كلامٌ واضح كالشمس .
أيها الأخوة، في الأثر الموقوف عن علي بن أبي طالب, قال: (عليكم بخمس, لو رحلتم فيهن المطي لأنضيتموهن قبل أن تدركوا مثلهن؛ لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحيي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، واعلموا أن منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، وإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان) .
وهذه الفقرة من القصّة ذكَّرتني بكتاب قرأته، اسمه: قصص العرب، وهو من أمْتع الكتب، قصصٌ واقعيـّة من أربعة أجزاء، فلمَّا أنْهَيتُ قراءة هذا الكتاب, شعرْت أنَّ كلَّ مَن في الكتاب على وجه الإطلاق كبارًا وصِغارًا، أقوياء وضعفاء، أصِحَّاء ومرضى، أذكياء وحمْقى، ظلاَّمًا ومظلومين، حكَّامًا ومحكومين, كلُّهم الآن تحت أطباق الثَّرى، وهذه موعظة، فهذا المجلس بعد مائة عام ليس منَّا واحد إطلاقًا على وجه الأرض، كلّنا موزَّعون في الثُّرى التي حول دمشق، هذا في باب الصغير، وذاك في قاسيون، وذاك توُفِّيَ، وقد مضى عليه خمسون سنة، وكان يفعل كذا وكذا، وما دامت الحياة ظلاًّ فلا بد من أن تنتهي، إذًا لا بدّ من عملٍ صالح، والدنيا ساعة فاجْعلْها طاعة- .
قال: ثمَّ حدَّق فينا، وقال: السرائر السرائر, عليكم بالسرائر التي تخفى على الناس، وهنّ على الله تعالى بَوادٍ، -كلّ واحد له سرّ، وله قلب، فقد نتشابه، كلّنا في مسجدٍ واحد، وكلّنا يصلِّي، وكلّنا يدفعُ زكاة ماله، وكلّنا يحجّ، ولكنّ هذه السرائر تتفاوُتُ فيما بينها، فالإخلاصَ الإخلاصَ، وعليكم بالسرائر التي تخفى على الناس، وهنّ على الله تعالى بَوادٍ، أي ظاهرة- الْتَمِسوا دواءهنّ، فقال منذر: وما دواؤهنّ؟ الشيخ: التوبة النصوح، ثمَّ بكى حتى بلَّلَتْ دُموعه لِحْيتهُ) وهذا هو الإخلاص، وفي الحديث:

((ركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط))
وعن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن:

((أوصني, قال: أخلص دينك يكفك القليل من العمل))
درهمٌ أُنفِقَ في إخلاص خير من ألف مائة درهم أُنفقتْ في رياء، والإخلاص محصِّلة العلم، وبرأيِ الاقتصاديِّين سِعر العُملة هو محصِّلة القومي، الاقتصاد بأكملهِ، الميزان التجاري ، القدرة على الإنتاج, والقدرة على الاستهلاك، والاستيراد والتصدير، كلّ هذه العوامل الضَّخمة في اقتصاد الأمَّة مُؤدَّاها سِعْر العملة، مُحصِّلة كلّ إيمانك هو الإخلاص، فكلمَّا ارْتقى إيمانك ارتقى إخلاصك، الأدقّ من ذلك؛ كلّما ارتقى توحيدك ارتقى إخلاصك، فالإخلاص مرتبط بالتوحيد، فالأكثر توحيدًا هو الأكثر إخلاصًا، والأقلّ توحيدًا هو الأقلّ إخلاصًا .

السؤال الذي طرحه منذر الثوري على الربيع بن خثيم :
ثمّ قال له منذر: (أَتبكي وأنت أنت؟ قال: هيهات لِمَ لا أبكي؟ وقد أدْركتُ قومًا نحن في جنبهم لُصوص, -فإذا شعر الواحد منَّا أنَّه متميِّز على المجتمع لا تميّز كِبْر, ولكن تميّز طاعة، فهو يرى معظم الناس يمتّعون أبصارهم في النساء، وهو يغضّ بصره، ومعظم الناس يأكلون مالاً حرامًا، وهو ورعٌ جدًّا، فلا يقبض القرش إلا إذا كان حلالاً، وبيته إسلامي، وزوجته محجَّبة، صادق وأمين، فالواحد في هذا الزمان مع الفسق والفجور وشُيوع الفِتَن والشهوات والملذّات، فالذي يستقيم في هذه الحالة يشعر بِعِزَّة الاستقامة، ولكن نحن وُجِدنا في ظرْف عمَّ فيه الفسق، والمستقيم برز وتفوَّق، ولكنَّنا لو وجدنا في مجتمع آخر كمُجتمع التابعين لكنَّا مع المقصِّرين جدًّا، إن لم نقل مع المنافقين، تمامًا لو جئت بِطَالبٍ وسط، وتضعهُ في شعبة ضعيفة يصبح المتفوّقَ الأوَّلَ، هذه يعرفها وتلك يعرفها, ولكنَّك لو وضعته مع المتفوِّقين يصبح آخِرَ واحد، فنحن لعلَّ الله سبحانه وتعالى رحِمَنا إذْ جعلنا في آخر الزمان، لو كنَّا مع الرعيل الأوّل من أصحاب رسول الله لما كان لنا ذِكْرٌ إطلاقًا- .
قال له: لقد أدركْت قومًا نحن في جَنبِهم لُصوص) يريد الصحابة رضوان الله عليهم، امرأة رأَتْ أباها مقتولا في أحد، وبعد قليل رأتْ أخاها مقتولا، ثم رأت زوجها مقتولا، ثم ابنها ‍‍, وتقول: ما فعلَ رسول الله؟ إلى أن بحثتْ عنه، واطْمأنَّت على سلامته، فقالت: يا رسول! كلّ مصيبة بعدك جلَل, نحن في هذا الزمان لا يوجد عندنا نساء بهذا المستوى، فإذا كان هناك ثلاثة جرْحى، وثلاثة آخرون على وشَكِ الموت، والجريح يتمنَّى قطْرة ماء بِمِليون ليرة، هذا الجريح يطلب الماء، فيأتي الساقي ليَسْقيَهُ، فيكون أخوه الذي إلى جنبه يئنّ، فقال: أعْطِ أخي, فلمَّا قُدِّم الماء لأخيه، فقال الثاني: أعطِ الماء لأخي، فلما ذهب ليُعطِيَه وجده فارق الحياة، وذهب إلى الثاني فوجدهُ فارق الحياة، وكذا الثالث, هل عندنا مثل هذا النوع؟ نحن بالحج في المطار مائتا مقعد لمائتي راكب، لو تقف بعد مائتي متر، ويدخل كلّهم الطائرة لوجدت مكانك ، لكنَّك تجدهم يتقاتلون من أجل الأمكنة، شيء عجيب ! هناك فرق نوعي .
أنا مرَّةً في الحجَّة الثانيَة التي أكرمني الله بها, بقيتُ بِمَكَّة عشرة أيام بعد انتهاء الحجّ ، وآخر يوم تمنَّيْت أن أُقبِّل الحجر الأسود، وجئتُ في وقت لا تحتمل فيه الحرارة، فقد بلغتْ ستًّا وخمسين درجة, ومعي مظلّة، ووجدْتُ خمسين شخْصًا يزمعون تقبيل الحجر، واللهِ لو وقفوا بانتظام لقبَّلوه جميعًا في عَشْر دقائق، رأيتُ الضَّرب والشدّ والدَّفْع، هؤلاء المسلمون الذين سيفْتحون العالم, أين النظام؟ أمَا قال له: أدْركتُ قومًا نحن بِجَنبهم لُصوص, فانظرْ إلى تدافع الناس على المركبة، وهم حجاج، وطائرة، ولكلٍّ مكانه، لكنْ لا بدّ أن نتدافع، ونشاتم ويشدّ بعضنا ثياب بعض, لشيءٍ لا قيمة له إطلاقًا .

إليكم هذه العبرة من قول الربيع لابنه :
قال: (وإذْ نحن كذلك, دخل علينا ابن الشيخ فحَيَّانا, وقال: يا أبتِ, إنَّ أمِّي قد صنَعَت لك خبيصًا وجوَّدَتهُ، -نوعٌ من الحلْوَة- وإنَّه ليَجْبر قلبها أن تأكل منه، فهل آتيك به؟ فقال: هاتِهِ ، فلمَّا خرج لِيُحضرهُ, طرق سائلٌ, فقال: أدْخلوه، ولمَّا صار بِصَحن الدار: نظرتُ إليه، فإذا هو رجل كهْلٌ, مُمَزَّق الثِّياب، قد سال لُعابهُ على ذقنه، وبدا من ملامح وجهه أنَّه معتوه، فما كِدْتُ أرفعُ بصري عنه, حتى أقبل ابن الشيخ, ومعه الخبيص، فأشار إليه أبوه أن ضَعها بين يدي السائل، فوضَعَه بين يديه، فأقبل عليها الرجل، وجعل يلتهم ما فيها الْتِهامًا، ولعابهُ يسيل فوقها، فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصَّحفة كلّها، فقال له ابنه: رحمك الله يا أبي، لقد تكلَّفَت أُمِّي، وصنعت لك هذا الخبيص، فأطْعمْتَهُ هذا الرجل الذي لا يدري ما أكل، اسمعوا الجواب .
قال له: يا بنيّ، إذا كان هو لا يدري ما أكل, فإنّ الله يدري ماذا أكل؟ -وهذه ذكَّرتني بِرَسول جاء من معركة نهاوند إلى سيّدنا عمر، قال له: حدّثني عما جرى في هذه المعركة، فقال: فلان قُتِل، وفلان قتل، قال له: تابع, فقال: هناك أناسٌ لا تعرفهم بأسمائهم، بل تعرفهم بوُجوههم؟ فبكى عمر، وقال: ما ضرَّهم إذْ أنّي لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم .
إنسان كريم جواد أعطى امرأة فقيرةً عطاءً كبيرًا، قال له مَن كان جنبَه: لقد كان يرضيها القليل، وهي لا تعرفك، فأجاب وقال: إنْ كان يرضيها القليل، فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني, فأنا أعرف نفسي، لذلك اصْنَع المعروف مع أهله، ومع غير أهله، فإن أصبْت أهلَهُ فقد أصبْت أهله، وإن لم تصِب أهله فأنت أهله، هذا هو الإخلاص، فالمخلص لا يعنيه إطلاقًا ردُّ الفعل، قدّر الفعل، أو لم يقدّره، أساء أو لم يسئْ، فأنت تعاملت مع الله، وما عرف من أتى له بالهديّة، كلّ هذا غير مهمّ، وما عرف من دفع المبلغ، المهم أنّ الله علِم مَن دفع، وهذا هو الإخلاص، وكلَّما نما توحيدك نما إخلاصك، لذا غير المخلص يقع في مطبّ مزْعج، يستجدي المديح، لأنّ إخلاصه ضعيف، حتى يُعَوِّض عن الجهد الذي بذَلَه، فإذا أقام وليمة, قال: ربّما لم يعْجبكم الأكل, لقد قال هذا من أجل أن يسْمع المديح، فاسْتجداء المديح دليل ضعف الإخلاص، وكلّما نما توحيدك نما إخلاصك- .
قال له: يا بنيّ، إذا كان لا يدري ماذا يأكل, فإنَّ الله يدري ماذا يأكل، ثمَّ تلا قوله تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 92]

سمعتُ قصَّة أُسرة سامحها الله، عندهم خادمة في البيت، وعندهم وليمة، والطعام مِمَّا يسيل له اللُّعاب، فربَّة البيت عندها عدّة صحون قديمة في الثلاجة، وألْزَمَت هذه الخادمة أن تأكل هذه الأطعمة التي مضى عليها أيّام، وحرمتها أن تأكل لُقْمة من الطعام الجديد, قال تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 92]

خطب جلل :

وفيما هو كذلك إذْ دخل عليه رجل من ذوي قُرْبة، وقال:

((يا أبا يزيد, قُتِلَ الحُسَيْن بن عليّ كرّم الله وجهه، وابن فاطمة عليها وعليه السلام، فقال الربيع: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثمّ تلا قوله تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

[ سورة الزمر الآية: 46]

ولكنَّ الرجل لم يشْفه كلامه، فقال له: ما تقول في قتله؟ قال: أقول: إلى الله إِيّابهم، وعلى الله حسابهم))
أنا أُرِيحُكُم من أشياء كثيرة، تقييمُ الأشخاص ليس من شأن البشر، ولكنه من شأن خالق البشر، ولا يعلم الحقائق إلا الله، والماضي كلّه تغطِّيه آية:

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية: 134]

الغ التاريخ بآية واحدة، والغ عِبء تقييم الأشخاص بكلمة واحدة، وأنا قبل يومين كنت في تعْزِيَة، والمُتَوَفَّى أعرفهُ، وهو إنسانٌ صالح، ولا أزكِّي على الله أحدًا، ولكن قيل عنه كلامٌ قطعي: إنَّه من أهل الجنَّة, هذا كلام قطعي، فذكرْتُ قَول النبي عليه الصلاة والسلام:

((أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ, بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً, فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ, فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا, فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ, فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ, دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ, فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ, وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ, وَاللَّهِ مَا أَدْرِي, وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي, قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا))
لذا نحن نقول: نرجو الله أن يكرمهُ، ونرجو الله أن يُدخلهُ فسيح جنانه، فإذا قلت: نرجو، فلا إشكال عليك إطلاقًا، أما إذا قلتَ: هو من أهل الجنَّة, فهذا تألٍّ على الله تعالى، ولا يدخل الجنَّة فيما نعلم على وجْه اليقين إلا العشرة المبشَّرين بالجنَّة، وما سواهم نرجو لهم دخول الجنة، لأنَّ تقييم الأشخاص ليس من شأن البشر، بل هو من شأن خالق البشر، قال تعالى:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾

[ سورة الغاشية الآية: 25-26]

من وصايا الربيع لضيفيه حينما نزلا عنده :

قال: (ثمَّ إنِّي رأيتُ وقتَ الظهر قد اقترب، فقلتُ للشيخ: أوْصِني؟ قال: لا يَغُرَّنَك يا هلال كثرةُ ثناء الناس عليك، فإنَّ الناس لا يعلمون منك إلا ظاهرك، واعْلم أنَّك صائرٌ إلى عملك، وأنَّ كلّ عملٍ لا يُبْتغى به وجْهُ الله يضْمحِلّ، فقال المنذر: وأوْصني أنا أيضًا جُزيت خيرًا؟ قال: يا منذر, اتَّق الله فيما علمْت، وما اسْتأثر عليك بعلمه, فَكِلْهُ إلى عالمه، لا تقل فيما لا تعلم يا منذر، لا يقل أحدكم: اللهمّ إني أتوب إليك، ثمّ لا يتوب، ثمّ تكون كِذْبة، ولكن قلْ: اللهمّ تُب عليّ، فيكون دُعاءً، فاجْعل التوبة دعاءً, ولا تجعلها خبرًا، واعْلم يا منذر, أنَّه لا خَير في كلامٍ إلا في تهليل الله، أي التوحيد، وتحميد الله، أي الحمْد، وتسبيح الله، أيْ التنزيه، وسؤالك من الخير، وتعوُّذك من الشرّ، وأمرِكَ بالمعروف، ونَهْيِكَ عن المنكر, وقراءة القرآن ، فقال المنذر: قد جالسْناك فما سمعناك تتمثَّل بالشِّعر، وقد رأينا بعض أصحابك يتمثَّلون به؟ فقال: ما من شيءٍ تقوله هناك إلا كتِبَ، وقُرِئ عليك هناك يوم القيامة، -النبي عليه الصلاة والسلام, قال: شطر بيت, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه,ُ قَال:َ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِل ٌ وَكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ
فنعيم أهل الجنَّة لا يزول، لذلك لم يذكُره النبي صلى الله عليه وسلم، أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ........................
ولا يكْمل الكلام، أما الواحد منَّا فتجِدُه يروي مائة كلمة كلها غلط، ونحن مُحاسبون بما نقول- .
قال: فأنا أكرهُ أن أجد في كتابي بيت شِعْر يُقرأُ عليَّ يوم يقوم الحساب، ثمّ الْتفتَ إلينا جميعًا، وقال: أكْثروا من ذِكْر الموت، فهو غائبكم المُرتقب، وإنّ الغائب إذا طالتْ غَيبَتُه أوْشكَتْ أوْبَتُه, ثمَّ اسْتعْبَر, أيْ بكى، وقـال: ماذا نصْنعُ غدًا إذا دُكَّت الأرض دكًّا دكًّا، وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا، وجيء يومئذٍ بِجَهَنَّم؟ قال هلال: وما كاد الربيع أن ينتهي من كلامه حتى أُذِّن للظُّهر، فأقْبل إلى ابنه، وقال: هيَّا نُجِبْ داعيَ الله, فقال ابنهُ: أعينوني على حَمْلهِ إلى المسجد جُزيتُم خيرًا؟ فرفعناهُ ووضعَ يمناهُ على كتف ابنه، ويُسْراه على كتفي، وجعل يتهادى بيننا، فقال المنذر: يا أبا يزيد, لقد رخَّص الله لك، فلو صلَّيْت في بيتك, فقال: إنَّه كما تقول: ولكنَّني سمعتُ المنادي ينادي: حيّ على الفلاح، فمَن سَمِع منكم المنادي ينادي إلى الفلاح, فلْيُجِبْهُ ولو حَبْوًا) قال عليه الصلاة والسلام:

((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))
أي زحفًا، من شدَّة الخير الذي في صلاة الفجر .

لمحة عن حياة الربيع بن خثيم من حيث؛ نسبه, وعبادته :

الربيع بن خثيم عَلَمٌ من أعلام التابعين، وأحدُ الثمانيَة الذين انتهى إليهم الزهد في عصره، عربيّ الأصل، مُضَرِيّ الأرومة، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في جدَّيْه ، ونشأ منذ نعومة أظفاره في طاعة الله، وفطم نفسه منذ حداثته على تقواه، وكانت أُمّه تنام في الليل، ثمَّ تصْحو فَتجِدُ ابنها اليافع ما زال صافًّا في محرابه، سابحًا في مناجاته، مُستغرقًا في صلاته، فتقول له: (يا ربيع ألا تنام؟ فيقول: كيف يستطيعُ النوم من جنَّ عليه الليلُ، وهو يخشى البيات؟ -مَن لم تكن له بدايةٌ محْرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة- فتتحدَّر الدموع على خدَّي الشيخة العجوز، وتدعو له بالخير، ولمَّا شبّ الربيع ونما، شبَّ معه ورعُه، ونمَت بِنُمُوِّه خشيتُهُ من الله تعالى، ولقد أرَّق أمَّهُ كثرةُ تضرّعه، وشدَّةُ نحيبه في عتمات الليل، والناسُ نيام، حتى ظنَّت به الظنون، وكانت تقول له: يا بنيّ, ما الذي أصابك؟ لعلَّك أتَيْتَ جُرْمًا، لعلَّك قتلْت نفسًا، فقال: يا أُمَاهُ, لقد قتلت نفسًا, فقالت في لهْفة: ومن هذا القتيل حتى نجعل الناس يسْعَون إلى أهله حتى نجعل أهله يعفون عنك؟ واللِه لو علم أهلُ القتيل ما تعانيه من البكاء، وما تُكابده من السَّهر لرحِموِك، فقال: لا تكلِّمي أحدًا، فإنَّما قتلتُ نفسي, لقد قتلتها بالذنوب) .
لقد تتَلْمذَ الربيع بن خثيم على عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأقرب الصحابة هدْيًا وسمْتًا من النبي عليه الصلاة والسلام، وقد تعلَّق الربيع بأُستاذه تعلّق الوليد بأُمِّه، وأحبّ الأستاذُ تلميذَه حُبَّ الأب لوحيده .

إليكم هاتان القصتان اللتان يرويهما من صاحب الربيع :

قال أحدهم:

((بتُّ عند الربيع ليلةً، فلمَّا أيْقن أنِّي دخلتُ في النوم, قام يُصلِّي, فقرأ قوله تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[ سورة الجاثية الآية: 21]

فمكثَ ليلته يُصلِّي بها، يبدؤها ويعيدها، حتى طلع عليه الفجر، وعَيناه تسُحَّان بالدُّموع سحًّا)
وقال بعض أصحابه:

((خرجنا يومًا لصُحبة عبد الله بن مسعود، ومعنا الربيعُ بن خثيم، فلمَّا صرنا على شاطئ الفرات, مررْنا بأتون كبير قد صُعِّرَت نارهُ، فتطايَر شررها، وتصاعدَت ألسنةُ لهيبها، وسُمِعَ زفيرها، وقد ألقي في الأتون الحجارة, لتَحْترِق حتى تصبحَ كلْسا، فلمَّا رأى الربيعُ النارَ, توقَّف في مكانه, وعَرتْهُ رِعدةٌ شديدةٌ، وتلا قوله تعالى:

﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾

[ سورة الفرقان الآية: 12-13]

ثمّ سقط مغشِيًّا عليه، فربطْنا معه حتى أفاق من خشْيتِهِ، ومِلْنَا به إلى بيته) .

ما هو الشيء الذي يلفت النظر في حياة الربيع ؟

الشيء الذي لفتُ النظر في حياة الربيع؛ أنَّه يذكر الموت كلّ يوم اسْتعدادًا له، والمؤمن العاقل لا تغيب عنه هذه الساعة التي لا بدَّ منها، وكان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ كلّ يوم, يقول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي, وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي, وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ) .
فلمَّا احْتضرَ جعَلَت ابنتهُ تبكي، فقال لها: (ما يُبْكيكِ يا بنيّتي, وقد أقبلَ على أبيكِ الخيرُ ؟ ثمَّ أسْلم روحهُ إلى بارئها) .

ما قيل عن الموت :

أيها الأخوة, يولد الطفلُ وكلّ من حوله يضحك، إلا هو فيبكي، وحينما يموت الإنسان كلّ من حوله يبكي، فإذا كان بطلاً عندها فلْيَضْحكْ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ:

((لَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَرْبِ الْمَوْتِ مَا وَجَدَ, قَالَتْ فَاطِمَةُ: واكَرْبَ أَبَتَاهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ, إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف, قال: سمعت عمار بن ياسر بصفين في اليوم الذي مات فيه, وهو ينادي: (إني لقيتُ الجبار، وتزوجتُ الحور العين، اليوم نلقى الأحبة محمداً وحِزبه، عَهِدَ إليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنّ آخر زادك من الدنيا ضباحٌ من لَبَن) .
لقد أعطانا ربُّنا ميزانًا دقيقًا، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾

[ سورة الجمعة الآية: 6-7]

إذا لاح للإنسان شبح الموت، وارْتعدَت فرائسُه، فهذه علامة خطيرة، أما إذا لاح له شبح الموت، وقال: مرحبًا بلِقاء الله، فهذه علامة على أنَّه محِبّ لله، ومستقيم على أمره، وهذا مقياس المؤمن .
والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الإثنين 12 نوفمبر - 22:31


التابعي إياس بن معاوية المزني
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ما هي الصفات التي كان يتميز بها إياس بن معاوية المزني ؟

أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس من دروس سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ, وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ, قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]
التابعيُّ اليوم هو إياسُ بن معاوية المزني .
وردَ اسمُ إياس في بيت شعر للشاعر أبي تمَّام حينما مدح أحمد بن المعتصم، و البيت مشهور جدًّا، قال:

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ
كان إياس بن معاوية مِن أذكى العرب، وكان مِن أشدِّهم حِلمًا الأحنفُ، ومِن أكثرهم سخاءً حاتمُ، ومن أشدِّهم شجاعة عمرو:

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ
متى يكون الذكاء نعمة على صاحبه, ومتى يكون شؤماً عليه ؟
قبل أن نمضيَ في الحديث عن هذا التابعيِّ الجليل، لا بدَّ أن نقف وقفةً عند الذكاء، والحقيقة أنّ الذكاءُ قيمة كبيرة جدا، إلا أنه وحده ربَّما كان مدمِّرا لصاحبه، لأنّ الذكاء يشبه اندفاعا شديدا، فإذا لم يوجد سياجٌ من القيم، ولا توجد مبادئ، ولا توجد استنارة بنور الله عزوجل, فهذا الذكاء يكون شؤما على صاحبه، ألم تسمعوا في الأدعية الشريفة: اللهم اجعل تدبيرهم في تدميرهم .
أيها الأخوة, قليل من التوفيق خيرٌ من كثير من الذكاء:

ولو كانت الأرزاقُ تجري مع الحِجا هلكْنَ إذًا من جهلهن البهــائمُ
الذكاء قيمة عالية جدا، ولكن الذكاء وحده لا يكفي، لا بدَّ من الهدى، ولا بدَّ من أنْ يستنير الإنسانُ بنور الله، لا أملك إلا هذا المثلَ الدقيق جدًّا؛ هذه العينُ لو أن أحدا فحص عينيه عند طبيب العيون، فكانتا في أعلى درجات الحساسية، والرؤية: 12/10، ولم يكن هناك مصباح يتوسَّط بينك وبين المرئي، فالعينُ لا قيمة لها، وكذلك العقل, إن لم يكن هناك هدًى يتوسّط بين العقل وبين الأشياء, فالعقلُ لا يرى، قال تعالى:

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾

[سورة المدثر الآية: 18-20]

العقل وحده قد يطغى، وأكبر دليل العالَمُ الغربي، هذا العالَم يكاد يكون عقلا فقط، وهذا العقل توصَّل إلى تدمير الحياة الاجتماعية، وتدمير البنية الأساسية، وهي الأسرة، فالإنسان عقل وقلب، وعقيدة ومصالح، فحينما تطغى المصلحةُ على العقيدة، ربما كان تدميرُ الإنسان في تدبيره، أما في عالَم الحيوان؛ فأذكى الحيوانات على الإطلاق أكثرُها حقارةً، فالقوارض من أذكى الحيوانات، وإذا كان الإنسان ذا عقل راجح, فهذا من نِعَم الله الكبرى، لكن عقلَه الراجح من دون طاعة لله عزوجل, هذا شؤم على صاحبه، وبالعكس، فالعقلُ من دون هدى أداةٌ انهيار وتدمير، وهل الحربُ الحديثة كما يقول العلماءُ: إلا حربٌ بين عقلين؟، وعلى كلًّ؛ نعمةُ العقل كبيرةٌ، وربُّنا عزوجل, يقول:

﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾

[سورة الفتح الآية: 2]
ومن تمام النعمة أن يكون العقلُ والإيمانُ متكاملين .

ما هو الأمر الذي أشغل عمر بن عبد العزيز, ولماذا دعا والي العراق ؟

سيدنا عمرُ بن عبد العزيز بات ليلةً قلقا مسهَّدا، لم يُغمَض له جفنٌ، لماذا؟ قال: (كان يشغله في تلك الليلة من ليالي دمشق, أمْرُ اختيارِ قاضي البصرة، -والحقيقة: أن الإنسان إذا أوتيَ مقاليدَ الأمور, فأخطرُ أعماله أن يختار مساعديه، وسيدنا عمر يقول: (أريد أميرا، إن كان أميرا بدا وكأنَّه واحد من أصحابه، وإن كان واحدا من أصحابه بدا وكأنه أميرٌ) أي من شدَّة غيرته على مصالح الأمة, لو كان يكن أميرا بدا وكأنه ليس بأمير، ومن شدَّة تواضعه لو كان أميرا بدا وكأنه واحد منهم- يريد هذا الخليفةُ الراشد والخامس كما يقولون: أن يختار قاضيًا للبصرة يقيم بين الناس موازين العدل، ويحكم فيهم بما أنزل الله، ولا تأخذه في الحق رهبةٌ و لا رغبة، وقع اختيارُه على رجلين كفرسيْ رِهان؛ فقهًا في الدين، وصلابةً في الحق، وورعًا في السلوك، ووضاءةً في الفكر، وثقوبًا في النظر، وكلمَّا وجد لأحدهما مزيَّةً ترجِّحه على صاحبه, ألفى في الآخر مزية يقابل بها تلك المزية .
فلما أصبح دعا واليَ العراق عديَّ بن أرطأة، وكان يومئذٍ عنده في دمشق، وقال له: يا عديُّ اجمع بين إياسٍ بن معاوية المزني, والقاسم بن ربيعة الحارثي، وكلمِّهما في أمر قضاء البصرة، وولِّ أحدهما عليه، فقال: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين، جمعَ عديُّ بن أرطأة بين إياس والقاسم، وقال: إن أميرَ المؤمنين أطال اللهُ بقاءه, أمرني أن أُولِّيَ أحدكما قضاءَ البصرة، فماذا تريَانِ؟ قال كلٌّ منهما عن صاحبه: إنه أولى منه بهذا المنصب, -تصوَّر تبدُّلَ القيم، العرب كانوا في تألُّقهم, يقولون: المنيةُ ولا الدنيَّة، والعربُ في تخلُّفهم قد يكون لسانُ حالهم: الدنيةُ ولا المنية، لذلك أحد الشعراء دخل السجن, لأنه قال بيتًا عُدَّ أهجا بيتٍ قالته العربُ، قال الحطيئة:

دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها و اقعُدْ فإنك أنت الطاعمُ الكاسِي
وقد يكون هذا أمنيةَ كل إنسان- وعلى كلٍّ؛ كان كلٌّ منهما يثني على صاحبه, ويقول: إنه أولى بهذا المنصب منه، وذكر من فضله وعلمه وفقهه ما شاء اللهُ أن يذكر، فقال عديُّ: لن تخرجا من مجلسِي هذا, حتى تحسما هذا الأمرَ، فلا بد من أُولِّيَ أحدَكما، فقال له إياسُ: أيها الأمير, سَل عني وعن القاسم فَقِيهَي العـراق الحسنَ البصري ومحمد بن سيرين، فهما أقدرُ الناس على التمييز بيننا، كان القاسمُ يزورهما ويزورانه، وإياسٌ لا تربطه بهما رابطةٌ، فَعَلِمَ القاسمُ أن إياسًا أراد أن يورِّطه في هذا المنصب، قال: أيها الأمير, لا تسل أحدا عني ولا عنه، أيها الأمير, فو اللهِ الذي لا إله إلا هو إنَّ إياسًا أفقه مني في دين الله، وأعلم بالقضاء ، فإن كنتُ كاذبا في قسمي, فما يحلُّ لك أن تولِّيني القضاءَ، وأنا أقترف الكذبَ، وإن كنتُ صادقا في قسمي, فلا يجوز لك أن تعدل عن الفاضل إلى المفضول ، -هذا كلام ليس له جواب- ، فالتفت إياسٌ إلى الأمير، وقال: أيها الأمير, إنك جئتَ برجل, ودعوتَه إلى القضاء, فأوقفتَه على شفير جهنم, -ولقد صحَّ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ, رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

قال : فنجَّا نفسه منها بيمين كاذبة, لا يلبث أن يستغفر اللهَ منها، وينجو بنفسه مما يخاف، فقال له عديُّ: إنما يفهم مثلَ فهمك هذا لجديرٌ بالقضاء، حريٌّ به، ثم ولاَّه قضاءَ البصرة) انظُروا إلى هذا التعفُّف عن ذاك المنصب .
هذا الذي اختاره الخليفةُ الزاهد عمر بن عبد العزيز قاضيًا للبصرة, من هو؟ هذا الإنسانُ ضُرِب لذكائه المثل، فكان ذكيًا فطِنا, ذا بديهة حاضرة .

لمحة عن حياة إياس بن معاوية المزني :

وُلِد إياسُ بن معاوية بن قُرِّةَ المزني سنة (46) للهجرة في منطقة اليمامة في نجد، وانتقل مع أسرته إلى البصرة، وبها نشأ وتعلَّم، وتردَّد على دمشق في يفاعته، وأخذ عمن أدركهم من بقايا الصحابة الكرام وجِلَّة التابعين، ولقد ظهرت على الغلام المزني علائِمُ النجابة ، وأماراتُ الذكاء منذ نعومة أظفاره .
فإذا أكرمَ اللهُ عزوجل أحدًا من أخواننا الكرام بطفل ذكيٍّ جدا, فلا بدَّ أن يهيِّئه تهيئةً تتناسب مع قدراته، ومن يدريك أن هذا الطفل يكون أحدَ أعلام الأمة؟ والطفلُ الفطِن يظهر عليه ذلك منذ نعومة أظفاره، فإذا أكرمَ اللهُ عزوجل أحدًا من أخواننا الكرام بغلام عنده قدرات عالية جدًّا, فينبغي أن يعتنيَ به كثيرا، فلعلَّ اللهَ سبحانه وتعالى ينفع المسلمين به، والحقيقة في البلاد الأخرى أنا لا أقول: متقدِّمة، ولكن بالمقياس المادي متقدِّمة, هناك مدارس خاصة للمتفوِّقين، لأن هؤلاء أعلام الأمة، وكلُّ بلد لها ترتيب، نحن نعطي الأذكياء كلِّيةَ الطِّب، هذا اتِّجاهنا، أي 230 درجة فما فوق للطب، ثم صيدلة، وأقل ننزل إلى الهندسة، إلى آخره، وبعضُ البلاد أعلى العلامات لكلية الحقوق، لماذا؟ لأن خرِّيجي هذه الكلية في الأعمِّ الأغلب محافظون ووزراء و سفراء، بيدهم مقاليد الأمور، فينبغي أن يكونوا على مستوى رفيع جدًّا من القدرات .
ولو أُتيح لبلد ما أن يجعل النخبةَ العالية جدًّا دعاةً إلى الله عزوجل، لأن هذا الداعي يبني النفوسَ، فالمفروض من هؤلاء الذين يصعدون المنابرَ، والذين يتصدَّون لخدمة الخلق وتوجيههم، ولبناء نفوسهم، المفروض أن يكونوا على مستوى رفيع جدًّا من الفطانة والذكاء ، والحقيقة أن الذكاء قدرة عالية جدًّا، والدليل أن صفة من صفات الأنبياء المشتركة هي الفطانة، ولو تعاملتَ مع أيِّ نبيٍّ فضلا عن أخلاقه وقيمه، والوحيِ الذي يأتيه، وعن مستواه الرفيع، وعن خلقه، فضلا عن كل ذلك, فهو في درجة من الذكاء تفوق حدِّ الخيال، هذه قدرات أودعها اللهُ فيهم، لتعينهم على أداء رسالتهم، فلا ينبغي لكلية من كليات الجامعة أن تستأثر بالعباقرة، هكذا الأكمل .

من المواقف التي سجلها التاريخ لإياس وشهد له بذكائه ونفاذ بصيرته :

1- موقفه مع هذا الذمي :
ظهرت على هذا الغلام علائمُ النجابة وأمارات الذكاء منذ نعومة أظفاره، وجعل الناسُ يتناقلون أخبارَه ونوادرَه، وهو ما زال صبيًّا صغيرا، رُوِي عنه أنه كان يتعلَّم الحساب في كتَّاب لرجل من أهل الذِّمة، فاجتمع عند المعلِّم أصحابٌ له، وجعلوا يتكلَّمون في أمور الدين، وهو ينصت إليهم من حيـث لا يدرون، فقال المعلِّم لأصحابـه: (ألا تعجبون للمسلمين فهم يزعمون أنهم يأكلون في الجنة ولا يتغوَّطون! فالتفت إياسٌ إليه، وقال:
أتأذن لي يا معلِّم بالكلام فيما تخوضون فيه؟ قال: نعم تكلَّم، قال الفتى: أكلُّ ما يُؤكل في الدنيا يخرج غائطا؟ فقال المعلِّم: لا، قال: فأين يذهب الذي لا يخرج؟ قال المعلِّم: يذهب في غذاء الجسم, قال الفتى: فما وجهُ الاستنكار منكم, إذا كان يذهب بعضُ ما نأكله في الدنيا غذاءً, أن يذهب كلُّه في الجنة في الغذاء؟) طبعا قسمٌ من الغذاء يسهم في بناء الخلايا ، وقسم يخرج، وقسم يبقى، كما قال النبيُّ الكريم: إن نوحا لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأخرج عني أذاه .

2- موقفه مع قاضي دمشق :
تقدَّم الغلامُ سنةً بعد سنة، وتقدَّمت مع هذه السنين أخبارُ ذكائه أينما حلَّ، فدخل دمشق وهو لا يزال غلاما، فاختلف مع شيخ من أهل الشام في حقٍّ من الحقوق، ولما يئس من إقناعه بالحجَّة، دعاه إلى القضاء، فلما صار بين يدي القاضي احتدَّ إياسٌ، ورفع صوته على خصمه، فقال له القاضي: (اخفِض صوتك يا غلام، فإن خصمك شيخ كبير السن والقدر، فقال إياس: ولكن الحقَّ أكبر منه، فغضب القاضي، وقال: اسكُت، فقال الفتى: ومَن ينطق بحجتي إذا سكتُّ ، فازداد القاضي غضبا، وقال: ما أراك تقول منذ دخلت مجلس القضاء إلا باطلا، فقال إياس : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال له: أحقٌّ هذا أم باطل؟ فهدأ القاضي, وقال: حقٌّ و ربِّ الكعبة) أحيانا الإنسان على صغر سنه, يُؤتى الحجة البالغة في وقتها، ولا تُقدَّر بثمن .

3- موقفه مع عبد الملك بن مروان :
أكبَّ هذا الفتى على العلم، ونهل منه ما شاء اللهُ أن ينهل، حتى بلغ منه مبلغا جعل الشيوخَ يخضعون له، ويأتمُّون به، ويتتلمذون على يديه على الرغم من صغر سنه، والعالم شيخ ولو كان حدَثًا، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخا .
ذات مرة زار عبدُ الملك بن مروان البصرة قبل أنْ يَليَ الخلافة، فرأى إياسا وكان يومئذٍ فتًى يافعا، لم ينبت شاربُه بعد، ورأى خلفه أربعةً من القراء من ذوي اللحى بطيالستهم الخضر، وهو يتقدَّمهم، فقال عبد الملك: (أُفٍّ لأصحاب هذه اللحى، أمَا فيهم شيخٌ يتقدَّمهم، فقدَّموا هذا الغلام، ثم التفت إلى إياس، وقال: يا غلام كم سنُّك؟ -أي ازدراءً له- فقال: أيها الأمير, سني أطال بقاءَ الأمير كسنِّ أسامة بن زيد حين ولاَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم أبو بكر وعمر، فقال له عبد الملك: تقدَّم يا فتى تقدَّم, بارك الله فيك) .

4- موقفه مع الصحابي الجليل أنس بن مالك الأنصاري :
وذات سنة أيضًا خرج الناسُ يلتمسون هلالَ رمضان، وعلى رأسهم الصحابيُّ الجليل أنسُ بن مالك الأنصاري، وكان يومئذٍ شيخا كبيرا، قد قارب المائة، فنظر الناسُ في السماء، فلم يروا شيئا، لكن أنسَ بن مالك جعل يحدِّق في السماء، و يقول: (لقد رأيتُ الهلالَ، ها هو ذاك، وجعل يشير إليه بيده، فلم يرَه أحدٌ، عند ذلك نظر إياسٌ إلى أنس رضي الله عنه، فإذا شعرةٌ طويلة في حاجبه قد انثنت حتى غدتْ قُبالة عينه، وكأنها الهلال، فاستأذنه في أدب، ومدَّ يده إلى الشعرة فمسحها وسوَّاها، ثم قال له: أترى الهلال الآن يا صاحب رسول الله؟ فجعل أنسُ ينظر, ويقول: كلا ما أراه، أين ذهب؟) .
هذا الصحابيّ متقدِّم في السن، وإياس كان فطِنًا وأديبًا مؤَدَّبًا، سحب هذه الشعرة فغاب الهلال، أحد الشعراء وصف جسمه النحيل بأنه كهلال الشك .
شاعت أخبارُ ذكاء إياس، وذاعت وصار الناسُ يأتونه من كل حدب وصوب، ويلقون بين يديه ما يعترضهم من مشكلات في العلم والدين .

5- موقفه مع هذا الدهقان :
رُوِي أن دهقانا أتى مجلسه, فقال: (يا أبا وائلة، ما تقول في المسكِر؟ قال: حرام، قال: ما وجهُ حرمته؟ أقنعني، وهو لا يزيد عن كونه ثمرا وماءً, غُلِيا على النار فصار خمرًا، وكل ذلك مباح لا شيءَ فيه، فلماذا هو حرام؟ فقال إياسُ: أفرغتَ من قولك يا دهقانُ، أم بقيَ لديك ما تقوله؟ قال: بل فرغتُ، قال: لو أخذتُ كفًّا من ماء وضربتُك به, أكان يوجعك؟ قال: لا، قال: لو أخذتُ كفًّا من تراب وضربتُك به, أكان يوجعك؟ قال: لا، قال: لو أخذتُ كفًّا من تِبنْ فضربتك به, أكان يوجعك؟ قال: لا، قال: لو أخذت الترابَ، ثم طرحتُ عليه تبنا، وصببتُ فوقه الماءَ، ثم مزجتهما مزجا، ثم جعلتُ الكتلة في الشمس حتى يبست، ثم ضربتك به، أكان يوجعك؟ قال: وقد تقتلني به، قال: هكذا شأنُ الخمر، فهو حينما جُمِعَت أجزاؤه خُمِّر فأصبح حراما، كما أن الماء و التراب والتبن لو ضربتك به لا تُؤذى، أما إذا جمعتُ هذه العناصر الثلاثة، ويبَّستها في الشمس, فأصبحت كتلةً قاسية، ورميتُك به, قال: قد تقتلني، قال: هكذا الخمر) .
والحقيقة كان هذا القاضي على جانب عالٍ جدا من الذكاء، وظهرت له مواقفُ تدلُّ على فرط ذكائه، وإن علماء النفس, قالوا: هناك منحنى، هذا المنحنى يمثِّل نِسب الذكاء بين البشر، تسعون بالمائة ذكاؤهم متوسِّط، وخمسة بالمائة عباقرة، وخمسة بالمائة أغبياء، لكن الخطَّ العريض دائما هو الخطُّ المتوسِّط .

6- مواقفه في القضاء :
لما ولِيَ القضاءَ, جاءه رجلان يتقاضيان عنده، فادَّعى أحدُهما أنه أودع عند صاحبه مالا، فلما طلبه منه جحده، فسأل إياسُ الرجلَ المدَّعَى عليه عن أمر الوديعة فأنكرها، وقال: (إن كانت لصاحبي بيِّنة فليأتِ بها، وإلا فليس له عليَّ إلا اليمين، فلما خاف إياسٌ أن يأكل الرجلُ المالَ بيمينه التفت إلى المودِع، وقال له: في أيِّ مكان أودعته المالَ؟ أي أعطيته، قال: في مكان كذا، قال: وماذا يوجد في ذلك المكان؟ قال: شجرة كبيرة جلسنا تحتها، وتناولنا الطعام معًا في ظلِّها، ولما هممنا بالانصراف دفعتُ إليه المالَ، فقال له إياسٌ: انطلِق إلى المكان الذي فيه الشجرة, فلعلَّك إذا أتيتها, ذكَّرتك أين وضعت مالك، ونبَّهتْك إلى ما فعلته به؟ فجعل المدَّعي يذهب إلى الشجرة، وأوهمَ المتَّهم أنه بريء، اذهب أيها الرجل إلى الشجرة فلعلك نسيت المالَ هناك، هذا بريء، قال: ثم عُد إليَّ لتخبرني بما رأيت، فانطلق الرجل إلى المكان، وقال إياس للمدَّعى عليه: اجلس إلى أن يجيء صاحبُك، فجلس، ثم التفت إياس إلى من عنده من المتقاضيين، وطفق يقضي بينهم، وهو يرقب الرجل بطرفٍ خفيٍّ، حتى إذا رآه قد سكن, ارتاحت نفسُه, وكأنه صار بريئا واطمأن، التفت إليه وسأله على عجل: أتقدِّر أن صاحبك قد بلغ الموضع الذي أعطاك فيه المال؟ هل تقدِّر أنه وصل إليه؟ قال له: لا إنه بعيد من هنا، فقال له إياس: يا عدوَّ الله تجحد المالَ، وتعرف المكان الذي أخذته فيه، واللهِ إنك لخائن، فبُهِت الرجل، وأقرَّ بخيانته، فحبسه حتى جاء صاحبُه، وأمره بردِّ وديعته إليه) .
ومن ذلك ما رُوي من أن رجلين اختصما إليه في قطيفتين مما يوضع على الرأس، ويُسدَل على الكتفين، مثل القلنسوة أو غطرة ، إحداهما خضراء جديدة ثمينة، وأخرى حمراء بالية، قال المدَّعي: (نزلتُ إلى الحوض لأغتسل، ووضعتُ قطيفتي الخضراء مع ثيابي على حافة الحوض، وجاء خصمي, فوضع قطيفته الحمراء إلى جانب قطيفتي، ونزل إلى الحوض، و خرج قبلي، فلبس ثيابه، وأخذ قطيفتي، فألقاها على رأسه وكتفيه، ومضى بها، فخرجتُ على إثره, وتبعتُه, وطالبته بقطيفتي، فزعم أنها له، فقال إياسٌ للرجل المدَّعى عليه: وما تقول أنت ؟ قال: هي قطيفتي، وهي في يدي، فقال إياس للرجل المدَعي: ألك بيِّنة؟ قال: كلا، فقال لحاجبه: أحضر لي مشطًا، فأُحضر له، فمشط شعرَ رأس الرجلين، فخرج من رأس أحدهما زغب أحمر من نُثار صوف القطيفة، وخرج من رأس الثاني زغبٌ أخضر من نثار صوف القطيفـة، فقضى بالقطيفة الحمراء لصاحب الزغب الأحمر، وبالقطيفة الخضراء لصاحب الزغب الأخضر) أخذ المشط وسرَّح الشعر حتى حصل على بعض الزغب الملوَّن، وعرف مَن هو صاحب الحق؟ .

7- موقفه مع هذا المخادع بدينه :
من أخبار فطنته أيضا: أنه كان في الكوفة رجل يظهر للناس الصلاحَ، ويبدي لهم الورعَ والتقى، حتى كثُر الثناءُ عليه، واتَّخذه بعضُ الناس أمينا لهم يأتمنونه على مالهم إذا سافروا، ويجعلونه وصيًّا على أولادهم إذا أحسُّوا بدنوِّ الأجل، وقد دخل رجلٌ مرة المسجد، وتفرَّس في المصلين، إلى أن اهتدى إلى رجلٍ كثيرِ الخشوع، متألَّقِ الوجه، فأعجبه، فبعد أن أتمَّ صلاته قال له: (إني أردتُ أن أعطيك بعض المال كأمانة عندك، وأنا ذاهب إلى الحج، وقد توسَّمتُ فيك الصلاح، فقال له هذا المصلِّي: وأنا أيضا صائم، قال له: واللهِ أعجبتْني صلاتُك، ولكن لم يعجبني صيامك !) .
فهناك أناس يتَّخذون الدينَ طريقا لكسب المال، أتاه رجلٌ واستودعه مالا، ولما احتاج الرجلُ إلى المال, طالبه فأنكره، فمضى إلى إياس، وشكا له الرجل، فقال للمشتكي: (أعَلِمَ صاحبَك أنك تريد أن تأتيني؟ قال: كلا، فقال: انصرِف، وعُد إليَّ غدا، ثم أرسل إياس إلى الرجل المؤتمن، وقال له: لقد اجتمع لديَّ مالٌ كثير للأيتام، لا كافل لهم، وقد رأيتُ أن أودعه لديك، وأن أجعلك وصيًّا عليهم، فهل منزلك حصين، ووقتك متَّسِع؟ قال: نعم أيها القاضي، هذا الذي جعل نفسه صالحا، قال: تعالَ إليَّ بعد غٍد، وأعِدْ موضعًا للمال، وفي اليوم التالي جاء الرجل المشتكي، فقال له إياس: انطلِق إلى صاحبك، واطلب منه المال، فإن أنكره فقل له: أشكوك إلى القاضي، فأتاه الرجل، فطلب منه المال، فامتنع عن إعطائه وجحده، فقال له: إذًا أشكوك إلى القاضي، فلما سمع ذلك منه دفع المال إليه فورا، وطيَّب خاطره، فرجع الرجل إلى إياس، وقال: لقد أعطاني صاحبي حقي، وجزاك الله خيرا، ثم جاء المؤتمَن بعد غدٍ إلى إياس في موعده، ومعه الحمالون، فزجره وأشهره، قال له: بئس الرجل أنت يا عدوَّ الله، لقد اتخذْتَ الدِّين مطية للدنيا، أي جعل نفسه صالحا، فلما عرض عليه القاضي أموالَ الأيتام الكثيرة، و جاء الخصمُ يطالبه بالمال، فأعطاه المال لكيلا يفضحه عند القاضي، والقاضي جعلها فخًّا له).
الحقيقة إذا أراد القاضي أن ينصف الناس بإخلاص شديد، فإنّ اللهَ عزوجل يلهمه، وهذا مأخوذ من حديثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ, وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا, وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ, وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

فإنْ صدق الإنسان في خدمة الخلق هداه ذلك إلى الطريق الصحيح، والحقيقة أن القضاء شيء صعب، إذا لم توجد التقوى، فقد تلتبس الأمورُ على القاضي، لكن القاضي يحتاج إلى فراسة، ويحتاج إلى فطنة، ويحتاج إلى إلهام من الله عزوجل، ولكنَّ إياسا على الرغم من شدَّة ذكائه وفطنته, فهناك من أقام عليه الحُجَّةَ، وفوق كل ذي علم عليم .

إليكم هذه القصة التي حدثت مع إياس يرويها لنا :

حدَّث عن نفسه, فقال: (ما غلبني أحدٌ قط, سوى رجل واحد، وذلك أني كنتُ في مجلس القضاء في البصرة، فدخل عليَِّ رجل، فشهد عندي أن البستان الفلاني هو ملكٌ لفلان، وحدَّده لي، طبعا الشاهد دليل قويٌّ في القضاء، فجاء الشاهد، وقال: البستان الفلاني لفلان، فقلتُ لهذا الشاهد: وكم عددُ شجرات البستان؟ فأطرق قليلا، ثم رفع رأسه، وقال: منذ كم يحكم سيدُنا القاضي في هذا المجلس؟ قال له: منذ كذا سنة، قال له: كم عددُ خشب سقف هذه الغرفة ؟ قال: فلم أعرف, وقلتُ: الحق معك، ثم أجزتُ شهادته) كذلك الإنسان كلما تفوَّق في شيء, فإنّ اللهَ عز وجل يحجِّمه بأن يأتيه شخصٌ يبدو أنه أكثر منه تفوُّقا .
أنا في الحقيقة لا أريد أن أجعل كما قلتُ في بداية الدرس: أن الذكاء وحده هو كلُّ شيء، لكن ما أجمل أن يكون عقلُ الإنسان متَّقِدًا، وقلبُه صافيا نقيًّا، ما الذي يحصل في الحياة ؟ تجد أحيانا إنسانا يتَّقد ذكاءً، لكنه على خُبث، ذكاء شيطاني, وانحراف، وتفلُّت من أوامر الدين، وأكل لأموال الناس بالباطل، وتجد شخصا آخر يعجبُك تفوُّقه، ولكن لا يعجبك عقلُه، فالمنحرف قد يكون فطنًا جدًّا، والمستقيم قد يكون محدودا جدا، وهذا شيء مؤلِم جدا، لكن إذا اجتمع العقلُ الراجح مع القلب الطاهر, فهذا من أغرب, ومن أندرِ النماذج البشرية .

من إكرام الله لإياس :

بلغ إياسُ بن معاوية السادسة والسبعين من عمره، ورأى نفسَه وأباه في المنام راكبين على فرسين، فجريا معًا، فلم يسبق أباه، ولم يسبقه أبوه، وكان والدُه قد مات عن ستٍّ وسبعين سنة.
أنا سمعتُ كثيرا عن أناس صالحين أكرمهم الله عزوجل بأن عرَّفهم بدنوِّ أجلهم، وهي قصص كثيرة جدا، ولعلَّ هذا من إكرام الله للإنسان، يا تُرى النبيُّ عليه الصلاة و السلام, هل نعاه اللهُ بالقرآن الكريم؟ ما الآية؟ قال تعالى:

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾

[سورة النصر الآية: 1-3]

أي انتهت مهمَّتك، والعظماء الحياة لا تعنيهم، حياتهم جليلة وعظيمة، فإذا أدَّوا رسالتهم فقد انتهت حياتهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام أدَّى رسالته، ألا تقل له أنت إذا وقفتَ أمام قبره: (أشهد أنك بلَّغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغُمة، وجاهدت في الله حقَّ الجهاد) واللهُ عزوجل أقسم بعمر النبي صلى الله عليه وسلم, فقال تعالى:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 72]

إنّه لشيء عظيم أنْ يعيش الإنسان الحقَّ، وفي سبيل الحق، ومن أجل نشر الحق، وأن يبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس من أجل الحق، والإنسان حجمُه عند الله بحجم عمله الصالح، وأعظم مرتبة تنالها عند الله؛ أن تكون جنديًّا من جنود الحق، ولا أنسى هذا الحديث الشريف: يا بِشر، لا صدقة ولا جهاد، فبم تلقى الله إذًا؟ والإنسان لا بدّ له من عمل يذهب به إلى الله عز وجل، والدنيا فانية، قال تعالى:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

[سورة آل عمران الآية: 196-197]

قال علي كرم اللّه وجهه لكميل بن زياد: (يا كميل, القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ ما أقول لك، الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، المال تنقصه النفقة، ومحبة العلم دين يدان بها، مكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعـد موته، وضيعـة المـال تزول بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، ههنا - وأشار لصدره - علماً لو أصبت له حمله) .
وفي ذات ليلة، أوى إياسٌ إلى فراشه، وقال لأهله: (أتدرون أيَّةُ ليلة هذه؟ قالوا: كلا، قال: في هذه الليلة استكمل أبي عمرَه، -كلُّ واحد منا له عمر محدود، الله أعلم به، فقد كنا من حوالي شهر في دعوة خارج دمشق، والداعي بيته صغير لا يتَّسع للضيوف، له زميل عنده مزرعة جميلة، أخذنا إلى هذه المزرعة، هذا كان موظَّفا كبيرا في الزراعة، استقال وأخذ هذه المزرعة، وأنشأ فيها جنات معروشات، ودواجن، شيء جميل، واللهِ كأنه الآن أمامي، يتمتَّع بصحة، وهنا الهواء نقيٌّ، وأنا أعمل رياضة كل يوم، وهنا صفاء، وراحة نفسية، شعرنا أننا نعيش في جنة، وهو غير متقدِّم في السن، الأمس بلغني أنه قد مات، هذه الدنيا، يبني الإنسانُ دنياه لبِنةً لبنةً، أخـذ بيتا صغيرا فكبَّره، وزيَّنه، وأفرشه، واشترى بيتا لابنه، واشترى محلا، وتمكَّن أن يأخذ بيتا في المصيف، اشترى سيارة، وهو يبني يأتيه ملَكُ الموت، لقد ترَك كلَّ شيء وراءه في الدنيا، والمغادرة صعبة، هذه الساعة واللهِ الذي لا إله إلا هو, ما رأيتُ إنسانا عاقلا إلا جعل هذه الساعة نصبَ عينيه، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 92-93]

القرش الواحد نُحاَسب عليه، اسمع الآية الكريمة، قال تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾

[سورة الزلزلة الآية: 7]

كنَّسْ الغرفة في الشتاء، والشمس داخلة إليها، تجد زغبات عالقة في الهواء، هذه هي الذرة، لشدَّة انعدام وزنها، وهي لا وزن لها، فتعلق في الهواء، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[سورة الزلزلة الآية: 8]

أحدُ أثرياء البلاد توفاه الله، وأولادُه خافوا أن يقضي الليلة الأولى في القبر وحده بشكل مخيف، عرضوا على إنسان فقير جدا معدم أن ينام معه ليلة في القبر، ويعطونه مبلغا ضخما، هي قصة رمزية طبعا، جاء منكر ونكير، ووجدا اثنين في القبر، غريب! واحد حرَّك رجله من خوفه، قالا: هذا حيٌّ، وليس بميت، تعالوا نبدأ به، أجلسُوه، وقد لبِسَ كيسَ خيشٍ، وربطه بحبل، من أين أتيت بهذا الحبل؟ قال: من البستان، وكيف دخلت البستان من دون إذن؟ فضربوه، فثاني يوم خرج يصيح، وقال: الله يعين أباكم، حبل من أين أخذته، وكيف دخلت إلى البستان؟ طبعا السؤال أدقُّ من ذلك، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 92-93]

في هذه الليلة استكمل أبي عمرَه، فلما أصبح وجدوه ميِّا))
لهذا النبيُّ الكريم كان يقول ، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ, فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ, فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ, ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي, وَبِكَ أَرْفَعُهُ, إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا, وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

الإنسان إذا نام هناك احتمال أن يستيقظ، واحتمال ألاّ يستيقظ، فإذا استيقظ يحفظه الله ، وإذا لم يستيقظ يرحمه اللهُ .

إليكم مضمون هذه النظريات والحق فيها :

أيها الأخوة, فيما مضى كان يُظن أن الإنسان كان يتمتع بقدرات عقلية محدودة لا تزيد، وكل إنسان له بمستوى معيَّن، هذه النظرة بالية، وغير صحيحة، حلَّتْ محلَّها نظرية أخرى؛ هي أن الإنسان فيه قدرات، إما أنها فُجِّرت، وإما أنها لم تُفجَّر بعد، والدليل أن كبار المخترعين مثل (أديسون): كان ضعيفا في مادة الفيزياء حينما كان طالبا، و(أنشتاين): الذي اخترع نظرية النسبية، وهي أخطر نظرية في الفيزياء، أيضا كانت علاماته متدنِّية في التعليم الثانوي في الفيزياء والرياضيات .
هذه الحقيقة: أن الإنسان فيه طاقات إما أن تُفجَّر، وإما أنها لم تُفجَّر، أنا إيماني أن الإيمان يفجَّر الطاقات، قد يكون الشخصُ عاديا محدودًا جدا، لكن حينما يتعرَّف على الله عزوجل تنفتح طاقاته، فتجد إنسانا قبل أن يتعرَّف إلى الله محدودا، ولكن بعد أن اهتدى إلى الله تألَّق، وانطلق لسانُه، وبدا وكأنه ذكيٌّ جدا .
فأنا أرى, وهذا يؤكِّده العلمُ: أن الطاقات التي أودعها الله في الإنسان غيرُ محدودة، إما أن تُستغل في الحق فتنمو، وإما أن تستغل في الباطل أيضا، لكن المطلوب من الإنسان أن يسعى للكمال ويتفوَّق، وكل إنسان مهما بدا لنفسه أنه محدود القدرات, فهذه نظرة ليست في صالحه، بل هي نظرة خاطئة، وحينما يتعرّف الإنسان إلى الله تنفتح قدراتُه، وتصبح لا سقف لها، فبقدر صدقه يمدُّه الله بهذه الطاقات .
والنقطة الأخيرة في الموضوع: أنا الذي أراه أن الله عزوجل حينما يعلم صدقَ الإنسان في فعل الخير يمدُّه بالطاقات اللازمة، وإذا علم صدقه في الدعوة إلى الله يمدُّه بالطاقات اللازمة، وإذا علم صدقه في نيل الشهادة العالية لتكون سلاحا في يد الحق يمدُّه بالطاقات العالية، فالطاقة ليست مغلقة بل مفتوحة، والإنسان كلما اقترب من الله عز وجل أصبح على مستوى رفيع من هذه القدرات العقلية .
والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الإثنين 12 نوفمبر - 22:34


التابعي عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ما هو الهم الذي دخل على عمر بن عبد العزيز بعد أن توفي سليمان بن عبد الملك ؟

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس من دروس سير التابعين رحمهم الله تعالى، والتابعيُّ اليوم هو عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز .
أيها الأخوة الكرام, في هذه القصة دلالات كثيرة، وتُعدُّ هذه القصة نموذجا من النماذج التي يمكن أن تُّعدَّ منهجا للمؤمنين، فما كاد التابعيُّ الجليل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض ترابَ قبر سلفه سليمان بن عبد الملك أحد خلفاء بني أمية، وقد توفِّي ودُفن، حتى سمع للأرض من حولـه رجَّة، فقال: (ما هذه؟ قالوا: هذه مراكبُ الخلافة يا أمير المؤمنين، هذه مراكب الخلافة، قد أُعِدَّت لك لتركبها، فنظر إليها عمرُ بطرف عينيه، وقال بصوته المتهدِّج الذي نهكه التعبُ، وأذبله السَّهرُ: مالي ولها) .

ما هو الفرق بين الحقيقة والمظهر ؟
أيها الأخوة, هناك حقائق، وهناك مظاهر، والحقائق أهمُّ من المظاهر، الحقائق أن يُرضيَ الإنسانُ ربَّه، وأن يكون في طاعة الله، ولكن المظاهر لا نهاية لها، وهذه المظاهر تنتهي عند الموت، ماذا تنفع صاحبها؟ لذلك أولئك الذين يتعلَّقون بالمظاهر, هؤلاء خاسرون، لأن الموت ينهي تلك المظاهر، ويواجهون عملهم إمَّا الذي فيه تقصير، وإما الذي فيه إساءة، أي الذي فيه عدوان، ولو أن أهل الأرض جميعا من دون استثناء أثنوا عليك، ولم يكن اللهُ راضيًا عنك فأنت أكبر خاسر، ولو أن أهل الأرض جميعا سخطوا عليك, وأنت في مرضاة الله فأنت الرابح، لذلك ابتغوا الرِّفعة عند الله، لقد رأى مظاهر فخمة جدًّا، ولكنه قال ببساطة: مالي و لها، نحُّوها عني, بارك الله عليكم .
الحقيقة أنّ الإنسان بحاجة إلى السعادة، شاء أم أبى، إما أن يستقيها من خارجه، وإما أن تنبع من داخله، فحينما يكون في مرضاة الله عزوجل تنبع من داخله، وحينما لا يكون في مرضاة الله يبحث عنها من خارجه، يبحث عنها في الطعام، وفي البيت الفخم, وفي المركبة الفارهة، وفي الجاه العريض، وفي مُتع الأرض، لكن حينما يكون في مرضاة الله, فهذه السعادة تنبع من ذاته، لذلك لا يعبأ المخلِصُ كثيرا بهذه المباهج، ولا تلك المظاهر، إنها لا تعني عنده شيئا، ولا تقدِّم ولا تؤخَّر، أنت بين الحقائق وبين المظاهر، من قُذِف في قلبه بنور ربَّاني يرى بهذا النور الحقائق، فلا ينخدع بتلك المظاهر، نحن ما الذي يهلكنا؟ المظاهر، فلو دخلت إلى البيوت, ما الذي يجعل الخلاف بين الزوجين؟ المظاهر، هي تريد المظاهر، ودخله لا يسمح له بذلك، لقد دقَّت المظاهرُ رقابَ الرجال، و أحيانا لا أقول: افعلوا هذا، لكن تجلس في بيت بسيط جدا على الأرض، هناك أثاث لغرفة الضيف يكلَّف أربعمائة ألف، وأحيانا أجلس في غرفة ضيوف فيها فُرش من الإسفنج، لا يزيد سمكُها عن أربعة سنتيمتر، مغلَّفة بقماش رخيص، فإذا هناك السرور، وهناك المحبَّة لله، وهناك الشعور بالقرب من الله، ومهما كان الأثاثُ بسيطا فإنّه يسعدُك، وفي حالة البعد عن الله عزوجل مهما كان البيتُ فخما و الأثاث وفيرا فلا يسعدك، فهنيئا لمن عرف الحقائق، وهنيئا لمن وضع يده على سرِّ السعادة، وهنيئا لمن وضع يده على حقيقة حياة الإنسان .
في الدنيا مظاهر وحقائق، فتعليقي على هذه الكلمة، قال: (ما هذا؟ قالوا: إنها مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين، قد أُعدَّت لك لتركبها، فنظر إليها عمرُ بطرف عينيه، وقال بصوته المتهدِّجِ الذي نهَكه التعبُ وأذبَله السَّهرُ: ما لي ولها، نحُّوها عني, بارك الله عليكم .
-ذكرتُ هذه القصَّة مراتٍ عديدة، وسمعتُ أن قريةً من قرى غوطةِ دمشقَ, اتَّفق وجهاؤُها على أن الخاطب لا يُكلَّف إلا بخاتم وساعة، كلُّ هذه المظاهر تحتَ أقدامهم، فيسَّروا بذلك الزواجَ، والآن ما الذي يقف عقبةً أمام زواجِ الشباب؟ إنها المظاهرُ، طلباتُ الأهل: بيتٌ مساحته كذا، بالموقع الفلاني، وغرفةُ الضيوف من النوع كذا، غرفةُ النوم من النوع كذا، ويجب أن يُلبِس مخطوبتَه كذا وكذا وكذا، فتكلَّف الخاطب ثلاثةِ ملايين، اتركوا ابنتكم عندكم، ومَن الذي أشقى البيوتَ؟ المظاهر، لو أخلصنا لله عزوجل، واتَّصلنا به, لانبعثت السعادةُ من داخلنا، هذا الينبوع من السعادة يغنينا, ويزهِّدنا بمصادر اللذة الخارجية- .
قال: نحُّوها عني, بارك الله عليكم، وقرِّبوا لي بغلتي، فإن لي فيها بلاغا، ثم إنه ما كاد يستوي على ظهر البغلة, حتى جاء صاحبُ الشُّرَط ليمشي بين يديه، ومعه ثُلةٌ من رجاله, اصطفُّوا عن يمينه وعن شماله، وفي أيديهم حِرابهم اللاَّمعة، فالتفت إليهم، وقال: مالي بك وبهم حاجة، فما أنا إلا رجل من المسلمين، -عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ, قَالَ:

((أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ, فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ, فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ, فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ, إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ, تَأْكُلُ الْقَدِيدَ))

[أخرجه ابن ماجه في سننه]

قال: فما أنا إلا رجل من المسلمين، أغدو كما يغدون، وأروح كما يروحون) .
سأقول لكم هذه الحقيقة: إذا كان الإنسانُ بسيطا متواضعا طبيعيا من دون تكلُّف، ومن دون أُبَّهة، ومن دون عظمة، ومن دون كهنوت، ومن دون هيئة، ومن دون موكب ضخم ، هل تقلُّ محبُّتُه في قلوب الناس؟ لا واللهِ، بل ربما زادت .

إليكم خطبة الخلافة لعمر بن عبد العزيز :
قال: (ثم سار وسار الناسُ معه حتى دخل المسجدَ، ونودِي للصلاة؛ الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، فتسايل الناسُ على المسجد من كل ناحية، فلما اكتملت جموعُهم, قام فيهم خطيبا، فحمد اللهَ، وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
أيها الناس إني قد ابتُليتُ بهذا الأمر, -ماذا رآه؟ بلاءً، تذكرون أن سيدنا عمر بن الخطاب كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصَّته، وقال: إني قد أمرتُ الناسَ بكذا، و نهيتهم عن كذا، والناسُ كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايمُ اللهِ لا أوتينَّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناسَ عنه, إلا ضاعفتُ له العقوبة لمكانه مني, فصارت القرابةُ من عمر مصيبةً- .
أيها الناس إني قد ابتُليتُ بهذا الأمر، على غير رأيٍ مني، ولا طلب له، ولا مشورة من المسلمين، يبدو أن سليمان بن عبد الملك الذي كان قبله خليفة أوصى له بالخلافة، فقال: هذا الأمر لم يكن لي رأيٌ فيه، ولم أطلبه، ولا كان على مشورة من المسلمين، وإني خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم خليفةً ترضونه، إنما جاء هذا في وصية سليمان بن عبد الملك .
إذًا: أنا خلعتُ هذه الخلافة من عنقي، وأنتم أحرار في اختيار خليفتكم، فصاح الناسُ صيحةً واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فَلِ أمرَنا باليُمن والبركة، أي تولّ أمرنا باليُمن والبركة، فلما رأى أن الأصوات قد هدأت، والقلوب قد اطمأنت، حمد اللهَ كرَّة أخرى، وأثنى على محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وطفِق يحضُّ الناسَ على التقوى، ويزهِّدهم في الدنيا، ويرغِّبهم في الآخرة، ويذكِّرهم بالموت بلهجة تستلين القلوب القاسية، وتستدرُّ الدموع العاصية، وتجرح من فؤاد صاحبها، فتستقرُّ في أفئدة السامعين .
-أخواننا الكرام, إذا أحبَّ اللهُ عبدَه ألقى حبَّه في قلوب الناس، لذلك الناسُ عندهم حاسَّة سادسة، يعرفون بفطرتهم الصادق من الكاذب، والمخلص من الخائن، والورِع من المتفلِّت، والذي ينفعهم مِن الذي يضرُّهم، يعرفون هذا بفطرتهم- .
لذلك أجمع الناسُ أن يختاروا سيدَنا عمر بن عبد العزيز خليفةً للمسلمين عن بيعة، لا عن وصيَّة بعد سليمان بن عبد الملك، ثم رفع صوتَه المتعَب حتى أسمع الناسَ جميعا، وقال: أيها الناس, من أطاع اللهَ وجبتْ طاعتُه، ومَن عصى اللهَ فلا طاعة له على أحد .
أيها الناسُ, كما قال الصدِيق: أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيتُ فلا طاعة لي عليكم، ثم نزل من المنبر، واتَّجه إلى بيته، وأوى إلى حجرته ، فقد كان يبتغي أن يصيب ساعة من الراحة, بعد ذلك الجُهد الجهيد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة) .

ما رأيك في هذا الموقف لابن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ؟

الآن انتهينا من سيدنا عمر بن عبد العزيز، لأن الموضوع ليس عنه، بل الموضوع عن ابنه عبد الملك، وشيء رائع جدا، بل شيء لا يُقدَّر بثمن أن يكون الإنسان عظيما بدينه، وعلمه، وورعه، وأن يكون ابنُه على شاكلته، فمِن سعادة المرء أن يشبه الابنُ أباه .
الآن دقِّقوا في القصة التالية؛ سيدنا عمر بن عبد العزيز ما كاد يسلم جنبَه إلى مضجعه حتى أقبل عليه ابنُه عبد الملك، وكان يومئذ يتَّجه نحو السابعة عشرة من عمره، وقال : (ما تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ -والآن هناك نقطة دقيقة، يقولون: أزهد الناس بالعالم أهلُه وجيرانه، يكون للإنسان شأن كبير، ولكن في بيته يُنادى باسمه، ولكن هذا الخليفة العظيم ربَّى أولادَه تربية عالية، حيث إنّ ابنه إذا أراد أن يخاطبه في البيت, يقول له: يا أمير المؤمنين، وهذا من الأدب، والنبيُّ عليه الصلاة و السلام رأى شابا يمشي أمام شيخ فنهاه، فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه, أنَّ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلاً معه غلام، فقال للغلام :

((مَنْ هَذَا؟ قال: أبي، قال: فَلا تَمْشِ أمامَهُ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ، وَلا تَدْعُهُ باسْمِهِ))
قال النوويّ: قلت: معنى لا تَسْتَسِبَّ له: أيْ لا تفعل فعلاً يتعرّض فيه لأن يسبّك أبوك زجراً لك, وتأديباً على فعلك القبيح- .
قال: ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ فقال: أيْ بنيَّ أريد أن أغفُوَ قليلا، فلم تبقَ في جسدي طاقة، -يقال لك: عُصرت عصرا، هل هناك شيء خلاف الأصول؟ إنسان يومان أو أكثر في عمل مستمر وشاق، أراد أن يغفو قليلا- فقال ابنُه: أتغفو قبل أن تردَّ المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني قد سهرتُ البارحة في عمِّك سليمان، وإني إذا حان الظهرُ صليتُ بالناس، ورددتُ المظالم إلى أهلها إن شاء الله، قال ابنُه: ومَن لك يا أمير المؤمنين أن تعيش إلى الظهر؟ قال له: وهل تضمن أن تعيش إلى الظهر؟ -فألهبت هذه الكلمات عزيمةَ عمر، وأطارت النومَ من عينيه، وبعثت القوةَ والعزم في جسده المتعب- وقال : ادنُ مني يا بني، فدنا منه, فضمَّه إليه، وقبَّل ما بين عينيه، وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي, من يُعِينُنِي على ديني .
-أيها الأخوة، الذي عنده زوجة توقظه للصلاة، لا بدَّ أن يذوب شكرا لله عزوجل، والذي عنده ابنٌ فيه ورع، عنده ورع على أخواته، لا يحب المعصية، هذا من سعادة المرء، تأثَّر تأثرا لأن ابنه لم يسمح له أن ينام ساعة، قبل أن يردَّ المظالم إلى أهلها- ثم قام وأمر أن ينادى في الناس: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها) .

إليكم الحديث عن عبد الملك بن عبد العزيز :

الآن بدأنا في القصة الثانية؛ فمَن عبد الملك هذا؟ وما خبرُ هذا الفتى الذي قال عنه الناسُ: (إنه هو الذي أدخل أباه في العبادة، وسلكه مسلك الزهادة) تعالوا نلمَّ بقصة هذا الفتى الصالح من أولها .
كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا، لي قريب ذهب إلى أمريكا لعند أخيه، قال لي: البيتُ المقابل؛ الفيلا المقابلة فيها شُرفة، وفيها ألبسة أطفال موضوعة على الشرفة، فيبدو بعد حين، أن هناك صداقة وعلاقة بين الجارين، فزار هذا الضيفُ من سورية جارَ أخيه، ومن حديث إلى حديث, سأله: كم ولدا عندك؟ فقال: ليس عندي أولاد، فقال له: عجيب! إني رأيت بعيني ألبسة أولاد صغار في الشرفة، قال: هذه ألبسة الكلاب، ليس عندي أولاد، الابن في هذه البلاد عبءٌ على أبيه، لأن هذا الابن ليس لأبيه، أما طريق المنهج الإسلامي فأقرب شيء إلى الأب ابنُه، لذلك ربُّنا عز وجل ينتظر من المؤمن بعد عرفات أن يذكر كما يذكر أباه، قال تعالى:

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾

[سورة البقرة الآية: 200]

والعرب في الجاهلية إذا أرادوا أن يسبُّوا إنسانا, يقولون: لا أبا لك، قال الشاعر زهير بن أبي سُلمى:

سئمت تكاليف الحياةِ ومن يعشْ ثمانينَ حولاً لا أبَا لك يسأمِ

كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا، فيهم ثلاث بنات، وكانوا جميعا على حظٍّ موفور من التقى، ومقام كبير من الصلاح، لكنَّ عبد الملك كان واسطة العقد، وكوكبة أخوته، فقد كان أديبا، وكان أريبا ذكيا، له سنُّ الفتيان، وعقلُ الكهول، وأروع ما في الشاب عقلُه الكبير، وأروع ما في الشاب ورعُه، وأروع ما في الشاب معرفتُه، وأروع ما في الشاب أدبُه، وأروع ما في الشاب عفَّته، وأروع ما في الشاب توبتُه، وأروع ما في الشاب حبُّه لله عزوجل، وربُّنا عز وجل يعجب لهذا, فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

يعجب ربُّنا عز وجل، إن الله يباهي الملائكة بالشاب المؤمن، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ, قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي تَرَكَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي, وَالصَّوْمُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

ثم إنه نشأ في طاعة الله عزَّ وجل منذ نعومة أظفاره، فكان أقربَ الناس سمتًا إلى آل الخَطَّاب عامة، وأشبههم بعبد الله بن عمر، خاصة في تقواه، وتخوُّفه من معاصيه، وتقرُّبه إليه بالطاعة .
حدَّث ابنُ عمَّه عاصمٌ, فقال:

((وفدتُ على دمشق، فنزلتُ على ابن عمي عبد الملك، وهو عازِب، فصلينا العشاء، وأوى كلٌّ منا إلى فراشه، فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه، وأسلم كلٌّ منا جفنيه إلى الكرى، ثم إني استيقظتُ في الليل، فإذا عبد الملك قائم يصلِّي في العتمة، وهو يقرأ قوله جل وعلا:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾

[سورة الشعراء الآية: 205-207]

-بالمناسبة؛ في سورة الأعراف فيما أذكر, بعد أن تكلَّم ربُّنا عز وجل عن قصص الأنبياء، وكيف أن أقوامهم كذَّبوهم، وكيف أن الله أهلكهم, قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 94-95]

هذه الآية تفيد أن ربنا عز وجل, أوَّلاً: يرسل الرسول، وثانيا: يسوق الشدائد, وثالثا: يبدِّل السيئة بالحسنة، ورابعا: يقصم، هذا قانون، أولا: دعوة سلمية, فإذا لم يستجِبْ للحسنى صبَّ عليه الشدائد، وإذا ما تضرَّع فتح عليه بالخيرات، فإذا لم يشكر قصَمه بإهلاك وعذاب، هذا قانون، وهذا القانون ينطبق على الأمم، والشعوب، وعلى الأفراد، واللهُ عز وجل يسوق إليك مَن يسمعك الحقَّ، فإن استجبت انتهى كلُّ شيء، وإن لم تستجب أتَت الشدائد، وإن تضرَعت نجوت من الشدائد، وإن لم تتضرع أتى الرخاءُ الاستدراجي، وإن لم تشكر أتى القصمُ، قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾

[سورة الشعراء الآية: 205-207]

قال ابنُ عمه عاصم: فراعني منه أنه كان يردِّد الآيةَ، وينشج نشيجا مكبوتا, يقطِّع نِياطَ القلوب، -والحقيقة أنّ صلاة الليل صلاة الإخلاص، أنت قد تؤدِّي الفرائض خوفا من الله عزوجل، ولكنك لا تؤدِّي النوافل إلا حبًّا لله عزوجل، تماما كالذي يؤدِّي الضريبة خوفا من المضاعفة أو العقاب، لكن الذي يتبرَّع هذا دليل محبَّة، وتأدية الضريبة دليل خوف، لكن التبرُّع دليل محبَّة، فأداء الزكاة دليل خوف، وأداء الصدقة دليل محبة، وأداء الصلوات الخمس دليل خوف، وصلاة الليل دليل محبة- .
قال: وكان كلما فرغ من الآية عاد إليها, حتى قلتُ: سيقتله البكاءُ، فلما رأيتُ ذلك, قلتُ: لا إله إلا الله، والحمد لله، كما يفعله المستيقظ من النوم، لأقطع عليه البكاءَ، فلما سمعني سكتَ، فلم أسمع له حسًّا) .
تتلمذ هذا الفتى العمري على أكابر علماء عصره، حتى تملَّى من كتاب الله، وتضلَّع بحديث رسول الله، وتفقَّه في الدين، فغدا على حداثة سنِّه, يزاحم الطبقةَ الأولى من فقهاء أهل الشام في زمانه .

إليكم هذا الموقف الذي يشهد لعبد الملك بن عبد العزيز بالعلم :

فقد رُوي أن عمر بن عبد العزيز جمع قرَّاءَ الشام وفقهاءها، وقال:

(إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في أيدي أهل بيتي، فما ترون فيها؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين, إن ذلك أمر كان في غير ولايتك، ليس لك علاقة، قضية سابقة، وأن وزرَ هذه المظالم على من غصبها، -فطرة سليمة، فلم يرتح إلى ما قالوا، أحيانا الإنسان يسمع أول فتوى لصالحه، وثاني فتوى، وثالث فتوى، ورابع فتوى، وخامس فتوى، ويقول: لستُ مرتاحا، ما هو الدليل؟ فطرة نقيَّة طاهرة، فعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ, قَالَ:

((أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ, وَإِذَا عِنْدَهُ جَمْعٌ, فَذَهَبْتُ أَتَخَطَّى النَّاسَ, فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ, فَقُلْتُ: أَنَا وَابِصَةُ, دَعُونِي أَدْنُو مِنْهُ, فَإِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ, فَقَالَ لِي: ادْنُ يَا وَابِصَةُ, ادْنُ يَا وَابِصَةُ, فَدَنَوْتُ مِنْهُ, حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ, فَقَالَ: يَا وَابِصَةُ, أُخْبِرُكَ مَا جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْهُ أَوْ تَسْأَلُنِي, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَأَخْبِرْنِي, قَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ, قُلْتُ: نَعَمْ, فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ, فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي, وَيَقُولُ: يَا وَابِصَةُ, اسْتَفْتِ نَفْسَكَ, الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ, وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ, وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ, وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ, وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ, قَالَ سُفْيَانُ: وَأَفْتَوْكَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

اسمعوا هذه الكلمة: لو استطعتَ أن تنتزع من فم النبيِّ عليه الصلاة والسلام فتوى لصالحك، ولم تكن محِقًّا فلن تنجَو من عذاب الله، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ, فَلَا يَأْخُذْهَا))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

لو أن القاضي الذي حكم لك هو رسولُ الله، ولم تكن محقًّا, فلن تنجوَ من عذاب الله- فالتفتَ إليه أحدُهم ممّن كان يرى غيرَ رأيهم، وقال: يا أميرَ المؤمنين, ابعث إلى عبد الملك, فإنه ليس دونَ من دعوتَ علمًا أو فقها أو عقلا، أي هؤلاء الذين دعوتهم علماء وفقهاء، ولكن ابنَك ليس أقلَّ منهم فقها ولا علما ولا عقلا، فلما دخل عليه عبدُ الملك, قال له عمر: ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بنو عمِّنا من الناس ظلما، وقد حضر أصحابُها, وجعلوا يطلبونها ، وقد عرفنا حقَّهم فيها؟ فقال عبد الملك لأبيه: أرى أن تردَّها إلى أصحابها ما دمتَ قد عرفت أمرها, وإنك إن لم تفعل, كنتَ شريكا للذين أخذوها ظلما, فانبسطتْ أساريرُ عمر، و ارتاحت نفسُه، وزال عنه همُّه، ولقد آثر الفتى العمري المرابطة على الثغور، والإقامة في إحدى المدن القريبة منها على البقاء في بلاد الشام) .
ما هي مضمون الرسالة التي أرسلها عمر لابنه حينما آثر البقاء على الثغور, ومع من أرسلها, وكيف وجد هذا المرسل عبد الملك؟
الآن مشهد جديد في القصة؛ عبد الملك بن عبد العزيز آثر أن يبقى على الثغور, في قرية على حدود البلاد، عن أن يبقى في بلاد الشام، فمضى إليها، وخلَّف وراءه دمشق ذات الرياض النظرة، والظلال الظليلة، والأنهار السبعة، وكان أبوه على الرغم من كل ما عرفه؛ من صلاحه وتقاه خائفًا عليه من نزعات الشيطان، كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب، حريصا على أن يعلم من أمره كل ما يجوز له أن يعلم، وكان لا يغفل عن ذلك أبدا، ولا يهمله.
حدَّث ميمونُ بن مهران وزيرُ عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره, فقال: (دخلتُ على عمر بن عبد العزيز، فوجدتُه يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك، يعظُه فيها، وينصحه، ويبصِّره، ويحذِّره، وينذره، ويبشِّره، وكان مما جاء فيها قولُه:
أما بعد؛ فإنّ أحقَّ مَن وَعَى عنِّي وفَهِم قولي لأنت, وإنّ اللهَ وله الحمدُ قد أحسن إلينا في صغير الأمر وكبيره، فاذكُر يا بنيَّ, فضلَ الله عليك وعلى والديك، وإياك والكِبر والعظمة، فإنها من عمل الشيطان، وهو للمؤمنين عدوٌّ مبين، واعلم أني لم أبعث إليك بكتابي هذا لأمرٍ بلغني عنك، فما عرفتُ من أمرك إلا خيرا، غير أنه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بنفسك، ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره, لرأيتَ مني ما تكره .
قال ميمونُ: ثم التفت إليَّ عمرُ, وقال: يا ميمون, إن ابني عبد الملك قد زُيِّن في عيني، وإني أتَّهم نفسي في ذلك، وأخاف أن يكون حبِّي له قد غلب على علمي به، وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أبناءهم، قال له: فَسِرْ إليه, واسبِرْ غورَه وانظُر, هل ترى فيه ما يشبه الكبرَ والفخر, فإنه غلام حدَثٌ, ولا آمنُ عليه الشيطان؟ قال ميمون: فشددتُ الرحالَ إلى عبد الملك, حتى قدمتُ عليه, فاستأذنتُ ودخلتُ، فإنه غلام في مقتبل العمر، رَيَّانُ الشباب، بهيُّ الطَّلعة، جمُّ التواضع، قد جلس على حاشية بيضاء فوق بساط من شَعر، فرحَّب بي ثم قال:
قد سمعتُ أبي يذكرك بما أنت أهلٌ له من الخير، وإني لأرجو أن ينفع اللهُ بك، فقلتٌ له: كيف أجدك؟ فقال: بخير من الله عز وجل و نعمة، غير أني أخشى أن يكون غرَّني حسنُ ظن والدي بي، وأنا لم أبلغ من الفضل كل ما يظنُّ، وإني لأخـاف أن يكون حبُّه لي قد غلبه على معرفته بي, فأكون آفةً عليه، فعجبتُ من اتِّفاقهما! ثم قلتُ له: أعلمني من أين معيشتُك ؟ قال: من غلَّة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبيه، ودفعتُ ثمنها من مالٍ لا شبهة فيه، فاستغنيتُ بذلك عن فيء المسلمين, قال: فما طعامُك؟ قال: ليلةً لحمٌ، وليلةً عدسٌ وزيت، وليلة خلٌّ وزيت، قلت له: أما تعجبك نفسُك؟ قال: قد كان فيَّ شيء من ذلك، فلما وعظني أبي, بصَّرني بحقيقة نفسي، وصغَّرها عندي، وحطَّ من قدرها في عيني، فنفعني اللهُ عز وجل بذلك، فجزاه اللهُ من والدٍ خيرا، فقعدتُ ساعة أحدِّثه، وأستمتع بمنطقه، فلم أرَ فتًى كان أجمل وجهًا، ولا أكمل عقلا، ولا أحسن أدبا منه على حداثة سنِّه، وقلَّة تجربته، فلما كان آخرُ النهار أتاه غلامٌ, فقال:
أصلحك اللهُ قد فرغنا، فسكت، فقلت: ما هذا الذي فرغوا منه؟ قال: الحمام، قلتُ: و كيف؟ قال: اخلوه لي، قلتُ: لقد كنت وقعت من نفسي موقعا عظيما، حتى سمعت هذا الآن ، فذُعِر واسترجع, وقال: وما في ذلك يا عمُّ - يرحمك الله-؟ قلت: الحمام لك, قال: لا، قلت: فما دعاك أن تخرج الناسَ منه, كأنك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم، وأن تجعل لها قدرًا يعلو على أقدارهم, ثم إنك تؤذي صاحبَ الحمام في غلَّة يومه، وتُرجع من أتى حمَّامه خائبا، قال: أما صاحب الحمام فأنا أرضيه، وأعطيه غلَّة يومه كلَّها، قلتُ: هذه نفقة سرف خالطها كِبرٌ، وما يمنعك أن تدخل الحمام مع الناس, وأنت كأحدهم؟ قال: يمنعني من ذلك: أن طائفة من رعاع الناس بغير أُزُر, فأكره رؤيةَ عوراتهم، وأكره أن أجبرهم على وضع الأُزر, فيأخذون ذلك عليَّ, على أنه اقتدارٌ مني عليهم بسلطان, الذي أسأل الله أن يخلِّصنا منه كفافا, لا لنا ولا علينا، فعِظني رحمك الله عظةً أنتفع بها, واجعلْ لي مخرجا من هذا الأمر، قلت: انتظِر حتى يخرج الناسُ من الحمام ليلا, ويعودوا إلى بيوتهم, ثم أدخله وحدك، قال: لا جرم ، لا أدخله نهارا بعد اليوم، ولولا شدَّة برد هذه البلاد, ما دخلته أبدا, وقال: أقسمتُ عليك لتطوِينَّ هذا الخبرَ عن أبي، إني أكره أن يظلَّ ساخطا عليَّ، وإني لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه.
قال ميمون: فأردتُ بعد ذلك أن أسْبِر عقلَه, فقلت له: إن سألني أميرُ المؤمنين: هل رأيتَ منه شيئا؟ فهل ترضى ليَ أن أكذب عليه؟ قال: لا، معاذ الله، ولكن قل له: رأيتُ منه شيئا فوعظتُه, وكبَّرتُه في عينه, فسارع في الرجوع عنه، فإن أبي لا يسألك عن كشف ما لم تظهره له، قال: لأن الله عز وجل قد أعاذه من البحث عما استتر، قال ميمون: فلم أرَ والدا قط, ولا ولدا مثلهما, يرحمهما اللهُ عز وجل) .
هذا هو عبد الملك بن عبد العزيز، وإن كانت قصَّةً قصيرة إلا أن فيها دلالات كثيرة، والعبرة أن تربَّي ابنَك على طاعة الله، وعلى التواضع، وعلى خفض الجناح للمؤمنين، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الشعراء الآية: 215]
والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الأحد 18 نوفمبر - 14:19

بارك الله فيك
شكرآ جزيلا على الموضوع الرائع و المميز
ننتظر منك الكثير من خلال ابداعاتك المميزة
لك منـــــــ اجمل تحية ــــــــــي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
سنابل
مشرفة
مشرفة


ذكر عدد المساهمات : 591
تاريخ التسجيل : 21/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الإثنين 19 نوفمبر - 18:25


التابعي الحسن البصري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

لماذا حض القرآن على ذكر القصص ؟

أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع من سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم، والتابعيّ في هذا الدرس هو سيدنا الحسن البصري، وهو علَم من أعلام التابعين، وفي قصَّته موعظة بليغة جدًّا .
أيها الأخوة الكرام, يقول اللهُ عز وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 111]
ويقول تعالى في موضع آخر:

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة هود الآية: 120]

أي إنَّ القصة لها دور في التربية والتعليم يفوق حدَّ التَّصوُّر، لماذا؟ لأن القصة حقيقة مع البرهان عليها، فأنت حينما تتلقَّى الحقائق بشكل مجرَّد قد تقنعك، ولكنها لا تهزُّك، وثَمَّة فرقٌ بين إحداث القناعة، وبين إحداث الموقف .
القصةُ تنطوي على حقيقة، لكنها مجسَّدة في شخص مِن جلدتك, وعلى شاكلتك، يشعر بما تشعر، و يتألَّم بما تتألَّم، ويتحمَّل الضغوط نفسها، وتغريه الشهوات نفسها، ويقف هذا الموقف الكامل، هذا من شأنه أن يحدث فيك موقفا، وشتَّان بين القناعة وبين الموقف، القناعة تستقرُّ في الدماغ، ولكن الموقف يتغلغل إلى كيان الإنسان، كم من طبيب مقتنع أشدَّ القناعة أنّ الدخان حرام، أو أنّ الدخان مُؤْذٍ وضار، ومع ذلك يدخِّن، ولكن حينما يقف أمام غرفة العمليات، ويرى بأمِّ عينه إنسانا شابًّا سويًّا قويًّا متينا، في أوجِّ نجاحه وعطاءه، مُصاب بسرطان في الرئة، هذا المنظر يحدث في الطبيب موقفا، فيدَع بسببه الدخان .
أما المقالات فتحدث له قناعة فحسب، والقناعة شيء، والموقف شيء آخر، فإذا قنعت فربَّما كان تصرُّفُك بعيدا عن قناعتك، لكنك إذا تأثَّرت هذا التأثُّر يحدث موقفا، وهذا التأثر يتغلغل في كيانك كله حتى يسهم في إحداث موقف، لذلك نحن نتمنى المواقف لا القناعات، والقناعات متوافرة، فما من مسلم إلا وهو قناعة أن دينه حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، لكن لماذا المعصية؟ ولماذا الانحراف؟ ولماذا التقصير؟ لأن القناعات متوافرة، لكن التأثير ضعيف، لذلك أردتُ أن يكون هذا الدرسُ درس قصة إسلامية, حتى تروا إنسانا يشترك معك في كل شيء، وتشترك معه في كل شيء، ومع ذلك كان في أعلى علِّيِّين .

ما هو الحظ الذي سعد به هذا الغلام, وما اسمه , وما هي قصته ؟

أيها الأخوة, البشير هو الذي يبشِّر، جاء البشيرُ يبشِّر زوج النبي أمِّ سلمة رضي الله عنها, بأن مولاتها خيرة قد وضعت حملها، وولدت غلاما، فغمرت الفرحةُ فؤادَ أم المؤمنين رضوان الله عليها، وطفحَت البشرى على محيَّاها النبيل الوقور، جارية عند أم سلمة اسمُها: خيرة، أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة و السلام، ولها خصائص وميزات تنفرد بها، وبادرت فأرسلت رسولا ليحمل إليها الوالدة ومولودها، لتقضيَ فترة النفاس في بيتها، في بيت أم سلمة ، فسيدنا الحسن البصري هو هذا الغلام، أين نشأ؟ في بيت إحدى زوجات النبي عليه الصلاة و السلام، فقد كانت خيرة أثيرة عند أم سلمة حبيبةً إلى قلبها، ولسنا في معرض الدخول في موضوع العبيد والجواري، فقد ولَّى الزمنُ الذي كان فيه العبيد والجواري، ولكن من أجل أن تعلَموا أن زيد بن ثابت حينما وصل إليه أهله، وكان عند النبي وخيَّره النبيُّ بين أن يذهب مع أهله وبين أن يبقى عنده، فاختار النبيَّ عليه الصلاة والسلام, لكم أن تفهموا من هذه القصة كلَّ شيء، لماذا؟ اختار زيدُ بن ثابت أن يبقى عند النبي, لشدَّة الرحمة والعطف الذي وجدهما في بيت النبي .
وعلى كلٍّ؛ فهذه الجارية المولاة لأم سلمة لا تقلُّ عن ابنتها حبًّا وعطفا ورحمة، فلما ولدت غلاما دعت الأمَّ ومولودها لتقبع في بيت أم سلمة، وكان بها لهفة وتشوَّقٌ لرؤية وليدها البكر .
أيها الأخوة, النظام الإسلامي أو المنهج الربَّاني يجعل حياة المؤمن كلَّها سعادة، فحينما يتزوَّج يسعد بزوجته، وبعد حين يسعد بأولاده، وبعد حين آخر يسعد بأولاد أولاده، وكلُّ طور من أطوار المؤمن فيه نوع من السعادة ينفرد بها هذا الطَّورُ، لكن حياة الانحراف ما دامت هذه الفتاة شابَّةً نضرة لها من يطلبها، فإذا سلكت طريقَ الحرام، وزوى جمالُها، وكبرت سنُّها, أُلقيت في الطريق كما تُلقى الفأرة الميَّتة، وازِن الآن بين فتاة تزوَّجت، وأنجبت ، وأصبحت أمًّا، ثم أصبحت جدَّةً، وازنْ بين مكانتها الرفيعة، الجدة لها مكانة كبرى في أيِّ أسرة، وازنْ بين مكانتها كامرأة ذات خبرة وعلم ومكانة، وبين امرأة ملقاةٍ في قارعة الطريق ، لأنها سلكت في أيام شبابها طريق الحرام، فلما زوى جمالُها أُلقيت في الطريق .
لذلك أنا أعرف أنّ ما مِن امرأةٍ منحرفةٍ ترى فتاةً تحمل وليدها إلا وتذوب كما تذوب الشَّمعةُ، تمنِّيًا أن تكون مثلها، فتطبيقُ منهج الله عزوجل يمنح الإنسانَ سعادة ما بعادها سعادة.
ما هو إلا قليل حتى جاءت خيرةُ تحمل طفلها على يديها، فلما وقعت عينا أمِّ سلمة على الطفل امتلأت نفسُها أُنْسًا به وارتياحا له، ثم إنك إذا تأمَّلت حكمة الله عزوجل، فما حكمة الله أن هذا الطفل الصغير محبَّبٌ إلى القلوب يتميَّز بصفات نفسية نادرة؛ الصفاء، الذاتية، العفوية، هذا الطفل لو أحزنته ولو أبكيته, فبعد ثانية ينسى ويضحك، ليس عنده حقد، ولو أن كل طفل حقد على أمه وأبيه إذا أدَّبوه, فالقضية كبيرة جدا، ذاتية على صفاء، على لطف، على فطرة سليمة، فالأولادُ يملؤون البيت بهجة وسرورا، فإذا الإنسان رزقه اللهُ الأولادَ فهذه نعمة، فلا يضجر، لأنّ هناك من يضجر، هذه نعمة كبرى خصَّك الله بها، أنت عليك أن تعتنيَ بهؤلاء الأولاد كي يكونوا استمرارًا لك .
كان هذا الوليدُ الصغيرُ قسيمًا وسيمًا, بهيَّ الطلعة، تامَّ الخِلقة، يملأ عينَ الناظر إليه، ويأسر فؤادَ رائيه، ثم التفتت إلى مولاتها، وقالت: (أسمَّيتي غلامك يا خيرة؟ قالت: كلا يا أمَّاه، لقد تركتُ ذلك لك لتختاري له من الأسماء ما تشائين، فقالت: نسمِّيه على بركة الله الحسن، ثم رفعت يديها، ودعت له بصالح الدعاء) .
النبي علَّمنا أنّ على الإنسان أنْ يسمِّيَ قبل أن يقارب أهله، فإذا جاءه مولودٌ يأتي هذا المولودٌ بعيدا عن نزغات الشيطان، وهذا من السنة، فمن والده؟ الفرحة بهذا المولود لم تقتصر على بيت أم سلمة أم المؤمنين، وإنما شاركها بيتٌ آخر من بيوت المدينة، هو بيتُ الصحابي الجليل زيدِ بنِ ثابتٍ كاتبِ وحيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن يسارًا والدَ الصبي كان مولًى له أيضا، فالوالد مولى لسيدنا زيد بن ثابت، والوالدة كانت مولاة لسيدتنا أم سلمة زوج النبي عليها رضوان الله، وكان من آثر الناس عنده، وأحبِّهم إليه .
أقول لأخواننا الذين عندهم محلاَّت تجارية: هذا الموظَّف، هذا أحد أولادك، هكذا الإيمان، أي باللطف والإحسان والمودَّة والعطف والمحبَّة، هكذا الإسلام، ليس هناك تفرقة، أنا أقول لكم كلمة اعتبروها شطحةً: إنْ لم تعاملْ مَن عندك كما تعامل ابنَك فلن ترقى عند الله، فالقضية دقيقة جدا، والإيمان مرتبة عالية, فالإسلام كمال، والإسلام عدالة, ورحمة، وخلُق, و عطاء، وليس أخذا، يقولون كلمة بالتعبير الحديث: استراتيجية, أنا أقول: استراتيجية المؤمن مبنية على العطاء، واستراتيجية الكافر على الأخذ، حتى إنه قيل: انظُر ما الذي يسعدك، أن تعطي أو أنْ تأخذ، فإن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، وإن كان الذي يسعدك أنْ تأخذ فأنت من أهل الدنيا، هذه علامة .

في أي بيت نشأ الحسن البصري من زوجات الرسول, وما اسمها, وكم روت من الأحاديث عن رسول

درجَ الحسنُ بن يسار الذي عُرف فيما بعد بالحسن البصري في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورُبِّيَ في حجر زوجةٍ من زوجات النبي، هي هند بنت سٌهيل ، المعروفة بأم سلمة، وأمُّ سلمة إنْ كنتَ لا تعلم, كانت من أكمل نساء العرب عقلا، وأوفرهن فضلا، وأشدهن حزما، وكانت من أوسع زوجات رسول الله صلى الله عليه سلم علما, وأكثرهن رواية عنه، إذْ روت عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم ثلاثمائة وسبعة و ثمانين حديثا ، ولا يوجد أروع من العلم مع الخُلق، فالذي يرفعك إلى أعلى عليِّين أن تكون أخلاقيا بقدر ما أنت عالم، وأنت عالم بقدر ما أنت أخلاقي، هذان الخطَّان إذا ارتقيتَ فيهما, فأنت في أعلى عليِّين، وكانت إلى ذلك كلِّه من النساء القليلات النادرات اللواتي يكتبن في الجاهلية, وإنما امتدَّت إلى أبعدَ من ذلك، فكثيرا ما كانت خيرة أمُّ الحسن تخرج من البيت لقضاء بعض حاجات أم المؤمنين، فكان الطفلُ الرضيع يبكي من جوعه، ويشتدُّ بكاؤه، فتأخذه أمُّ سلمة إلى حجرها، وتلقمه ثديها لتصبِّره، وتعلِّله عن غياب أمه .
إذًا: هذا التابعيُّ الجليل رضع من زوجة رسول الله، فكأن النبيَّ أبوه من الرضاعة، وكانت لشدَّة حبِّها إياه, يدرُّ ثديُها لبنا سائغا في فمه, فيرضعه الصبيُّ، ويسكت عليه، وبذلك غدت أمُّ سلمة أمًّا للحسن من جهتين؛ فهي أمُّه بوصفه أحد المؤمنين، لأنها أمُّ المؤمنين، وهي أمُّه من الرضاعة أيضا، ولقد أتاحت الصِّلاتُ الواشجة بين أمهات المؤمنين, وقرب بيوت بعضهن ببعض بالغلام السعيد, أن يتردَّد على هذه البيوت كلها .
بالمناسبة وهذا من فضل الله علينا، لقد شاء حكمةُ اللهِ عزوجل أن تولد في بلد إسلامي، فيه مساجد، وفيه مجالس علم، وفيه أهل، وفيه بقيّةُ حياء، وبقية أخلاق، وبقية انضباط، نقول: بقية، ولو أن الإنسان وُلد في شيكاغو الأمريكية مثلا، أو في نيس الفرنسية، ففي هذه المدن الفاسقة الفاجرة, عصابات للخمور والزنا واللواط، واللهِ هذه نعمة كبرى، أن الله عز وجل سمح لك أن تكون في بلد سلامي، وسمح لك أن يسمعك الحقَّ، هذه بشارة أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 23]

أحيانا لا يعرف الإنسانُ قيمة هذه المجالس إلا إذا سافر، فيشعر بوحشة وضيق، فلا يعرف قيمة هذه المجالس إلا مَن ابتعد عن بلاد المسلمين، ومَن أقام في بلاد المشركين من دون ضرورة, فقد برئت منه ذمَّة الله .
تردَّد الحسنُ البصري على بيوت رسول الله، وتخلَّق بأخلاق ربَّاتها جميعا، واهتدى بهديهم، وقد كان كما يحدِّث عن نفسه يملأ هذه البيوت بحركته الدائبة، ويُترعها بلعبه النشيط، حتى إنه كان ينال سقوف بيوت أمهات المؤمنين بيديه، وهو يقفز فيها قفزا .
ظلَّ الحسن يتقلَّب في هذه الأجواء العبِقة بطيوب النبوة، المتألَّقة بسناها، نحن ما أتيح لنا أن نلتقيَ بنبيٍّ، لكن أنا أتصوَّر أن الإنسان لو التقى بنبيٍّ, فهذا شيء كبير وعظيم، وكان أحدُ الصحابة اسمه: ربيعة يخدم النبيَّ، فلما يأتي وقتُ نوم النبيِّ, يقول له: انصرف، أين ينام هذا الصحابي؟ على طرف باب بيت النبي، من شدة تعلُّقه به، فكمالُ الإنسان إذا كان في أَوَّجِّه لا يُصدَّق .
فعن سعد بن أبي وقاص, قال:

((مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين, قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته, قالت: كل مصيبة بعدك جلل))
أي لا قيمة لها، هكذا أحبَّ الصحابةُ رسولَ الله .
أخواننا الكرام, الإسلام كلُّه حبٌّ، فإذا كان القلبُ لا يخفق بالحبِّ, فهو مثل وردة بلاستيك كبيرة وحمراء، ولكنَّ النفس لا تهفو إليها، أما الوردة الطبيعية, فشيء جميل جدًّا، فلا إيمان لمن لا محبَّة له، وإذا لمْ تحب الله عز وجل, فلن تدمع هذه العينُ أبدا, تقرأ القرآن وكأنه كتاب عادي، وتصلِّي وكأنك في حركات رياضية، أين الحبُّ؟ وأين المناجاة؟ وأين أنت من قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 2]

أين هذه؟ قال تعالى:

﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[سورة الذاريات الآية: 17-18]

مرتبته العلمية :

هذا التابعي الجليل تتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عن عثمانَ بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وغيرهم، لكنه أُولِع أكثر ما أولع بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والإنسان الذي لا قدوة له, ما هذا الإنسان؟ إنسان ليس له منهلٌ علمي, إنسان ليس له مسجد يؤمُّه، ليس له أخوان يستأنس بهم، يعيش تائها شاردا على هامش الحياة .
أخواننا الكرام, الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، ولزوم الجماعة من فرائض الدين، فعَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ, قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ:

((أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فِي قَرْيَةٍ دُونَ حِمْصَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ, فَلَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَوَاتُ, إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ, عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ, فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ))

[أخرجه أحمد في مسنده]
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 119]
وقال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[سورة الكهف الآية: 28]

راعه من هذا الصحابي الجليل صلابتُه في دينه - سيدنا علي - وإحسانه لعبادته، وزهادته في زينة الدنيا، وغلبه بيانُه المشرِق، وحكمته البالغة، وأقواله الجامعة، وعظاته التي تهزُّ القلوبَ، وتخلَّق في أخلاقه بالتقى والعبادة، ونسج على منواله في البيان والفصاحة، ولما بلغ الحسنُ أربعة عشر ربيعا من عمره، ودخل في مداخل الرجال، انتقل مع أبويه إلى البصرة ، واستقرَّ فيها مع أسرته، ومِن هنا نُسِب الحسنُ إلى البصرة، وعُرِف بين الناس بالحسن البصري، والبصرة كانت يومئذ قلعةً من أكبر قلاع العلم في عالَم المسلمين، وكان مسجدُها العظيم يموج بمَن ارتحل إليها من كبار الصحابة، وجلَّة التابعين، وكانت حلقاتُ العلم على اختلاف ألوانها تعمر باحات المسجد ومُصَلاَّه، والآن مع تخلُّف المسلمين صار المسجد للصلوات فقط، وأحيانا تجد مسجدا طويلا عريضا، يُصَلَّى الظهر فيه بنصف صف، وفي الصبح بثمانية أشخاص، قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

[سورة مريم الآية: 59]
إنّ الأبلغ من ذلك؛ أنّ المسجد كان له دور خطير، فكان المسجد موطِنًا للقضاء، وموطنًا للعلم، الآن أنا أتمنى أن يعود للمسجد دوره الخطير، يخرِّج علماءَ، ويخرِّج دعاةً، ويخرِّج حفَّاظ القرآن الكريم، وأنْ تُحلَّ المشكلات فيه، ويكون له رسالة واسعة جدًّا .
لزم الحسنُ البصري المسجد، وانقطع إلى حلقة عبد الله بن عباس حبر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنه التفسير، والحديث، والقراءات، كما أخذ عنه وعن غيره؛ الفقهَ واللغةَ والأدب وغيرها، حتى غدا عالما جامعا فقيها ثقةً، فأقبل الناس عليه ينهلون من علمه الغزير .
أخواننا الكرام، تعلَّموا قبل أن ترأسوا، فإن ترأستم فلن تعلَّموا، سمعتُ عن أحد العلماء الذين عاشوا في القرن الرابع عشر, جلس يدرِّس العلم، فأخطأ خطيئة واحدة، أو غلطة واحدة ، فاعتكف سبع سنين في بيته .
فإذا أراد الواحدُ أن يكون داعيةً إلى الله عزوجل, فلْيَطلب العلم بشكل كثيف جداً، حتى إذا أُتيح له أن يعلِّم, يكون قد نضج، ولا يوجد شيء يُزري بالإنسان كالجهل .
فالتفَّ الناسُ حول الحسن البصري يسيخون إلى مواعظه التي تستلين القلوبَ، وتستدرُّ الدموعَ، ويَعُونَ حكمته التي تخلب الألباب، ويتأسَّون بسيرته التي كانت أطيبَ مِن نَشر المسك، وقد انتشر أمرُ الحسن البصري في البلاد، وفشا ذكرُه بين العباد .
دقَّق أيها الأخ الكريم في قوله تعالى:

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾
[سورة الشرح الآية: 1-5]
لا يوجد إنسان يطلب العلم بإخلاص إلا رفعه الله عزوجل، أحيانا تجد أسماءً متألِّقة، أسماء علماء متألِّقين جدا، هذا كان لحَّامًا، وهذا كان نجَّارا، لا يخطر ببالك أن يُذكر العالِم مليون مرة أنه كان نجَّارا، وصار أكبر بكثير من أن يكون نجَّارا، صار عالما، لأنّ رتبة العلم أعلى الرتب، ولما يطلب الإنسانُ العلمَ بإخلاص, يرفع اللهُ شأنَه، قال تعالى:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 4]
إن كلَّ آية يختصُّ بها النبيُّ عليه الصلاة والسلام, فللمؤمن منها نصيب، انتشر أمرُ الحسن في البلاد، وفشا ذكرُه بين العباد، فجعل الخلفاءُ والأمراءُ يتساءلون عنه، ويساقطون أخبارَه, قال تعالى:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 4]
ما قيل عن الحسن البصري :
حدَّث خالد بن صفوان, فقال: (لقيتُ مَسلمةَ بنَ عبد الملك في الحيرة, فقال لي: أخبرني يا خالدُ عن حسن البصرة، فإني أظنُّ أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك, فقال: أصلح اللهُ الأمير, أنا خيرُ مَن يخبِرُك عنه بعلم، قال: أنا جارُه في بيته، وجليسه في مجلسه، وأعلم أهل البصرة به، قال: هاتِ ما عندك, -هل هناك ثروة أعظم من أن يكون لك أخبار طيِّبة بين الناس، وسمعة عطرة؟ هل هناك ما هو أعظم من أن يثنيَ عليك الناسُ في غيبتك؟ أمّا في حضرتك المديح لا قيمة له، لأن هناك من يخافك، وهناك من يطمع في عطائك، فيكيل لك المديح جُزافا، لكن البطولة أَنْ يمدحك الناسُ في غيبتك، هذا هو المدح الحقيقي، وأنت غائب-.
قال: هاتِ ما عندك, قلتُ: إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته, وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أَعْمَلَ الناس به، وإذا نهى عن منكر كان أَتْرَكَ الناس له، ولقد رأيتُه مستغنيا عن الناس، زاهدا بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه، طالبين ما عنده, فقال مسلمةُ: حسبُك يا خالد, كيف يضلُّ قومٌ فيهم مثلُ هذا؟) .
سأله واحد: بِمَ نِلتَ هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي، فكيف إذا كان العكسُ؟ الناسُ مستغنون عن علمه، وهو محتاج إليهم، واللهِ هذا شأنُ بعضِ مَن لم يُوفَّق في دعوته إلى الله عزوجل، الناسُ مستغنون عن علمه، وهو في أشدِّ الحاجة إلى أموالهم، وإلى قوتهم .
دعاء الحسن البصري يدخل في طور الاستجابة الإلهية, إليكم بيان ذلك :
ولما وليَ الحجَّاجُ بن يوسف الثقفي العراقَ، وطغى في ولايته وتجبَّر، كان الحسنُ البصري أحدَ الرجال القلائل الذين تصدَّوا لطغيانه، وجهروا بين الناس بسوء أفعاله، وصدعوا بكلمة الحق في وجهه، فعَلِمَ الحجَّاجُ أن الحسن البصري يتهجَّم عليه في مجلس عام، فماذا فعل؟ دخل الحجَّاجُ إلى مجلسه، وهو يتميَّز من الغيظ، وقال لجلاَّسه: (تبًّا لكم وسحقاً، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يردُّه، أو ينكر عليه، واللهٍ لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء، ثم أمر بالسيف والنطع, ودعا بالجلاد فمَثُل واقفا بين يديه ، ثم وجَّه إلى الحسن بعضَ جنده، وأمرهم أن يأتوا به، ويقطعوا رأسه، وانتهى الأمر .
وما هو إلا قليل حتى جاء الحسنُ، فشخصتْ نحوه الأبصارُ، ووجفت عليه القلوبُ، فلما رأى الحسنُ السيفَ والنطع والجلادَ حرَّك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج، وعليه جلالُ المؤمن، وعزة المسلم، ووقارُ الداعية إلى الله، فلما رآه الحجاجُ على حاله هذه, هابه أشدَّ الهيبة، وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، تعالَ اجلس هنا، فما زال يوسع له, ويقول: ها هنا، والناس لا يصدَّقون ما يرون، ويقول له: تعال إلى هنا يا أبا سعيد، حتى أجلسَه على فراشه، ووضَعَه جنبه، ولما أخذ الحسنُ مجلسه, التفت إليه الحجَّاجُ، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسنُ يجيبه عن كلِّ مسألة بجنان ثابت، وبيان ساحر، وعلم واسع، فقال له الحجاج : أنت سيدُ العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية, وطيَّب له بها لحيته، وودَّعه، ولما خرج الحسنُ من عنده تبعه حاجبُ الحجاج، وقال له: يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاجُ لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك، والذي حدث أنه أكرمك، وإني رأيتك عندما أقبلت، ورأيتَ السيفَ والنطعَ قد حرَّكتَ شفتيك، فماذا قلت؟ فقال الحسن: لقد قلت: يا وليَ نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردا وسلاما عليَّ، كما جعلت النارَ بردا وسلاما على إبراهيم) قال تعالى:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾
[سورة النمل الآية: 62]
لقد علَّمنا اللهُ في القرآن شيئًا أصعب من قطع الرأس؛ أنْ يكون الإنسان في بطن حوت، وفي الليل، وفي البحر، قال تعالى:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 87-88]
أخواننا الكرام, مَن هاب اللهَ هابه كلُّ شيء، ومَن لم يهب اللهَ أهابه اللهُ مِن كل شيء ، حتى يصبح خائفًا من ظله .
من مواقف الحسن البصري :
مِن هذه المواقف البطولية؛ أنه بعد أن انتقل الخليفةُ الزاهد عمر بن عبد العزيز إلى جوار ربِّه، وآلت الخلافةُ إلى يزيد بن عبد الملك، ولَّى على العراق عمر بن هبيرة الفزاري، ثم زاده بسطةً في السلطان، فأضاف إليه خراسان أيضا، وسار يزيد سيرةً غير سيرة سلفه العظيم، فكان يرسل إلى عمر بن هبيرة بكتاب تلوَ الكتاب, يأمره بإنفاذ ما فيه، ولو كان مجافيا للحقِّ، أحيانا يزيد يرسل كتبا وأوامرَ وتوجيهات لواليه على البصرة و خراسان، هذه الأوامر مجافيةٌ للحق، أي فيها ظلم .
دعا عمرُ بن هبيرة كلاًّ من الحسن البصري وعامر بن شرحبيل المعروف بالشعبي، وقال لهما: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك, قد استخلفه اللهُ على عباده، وأوجب طاعته على الناس، وقد ولَّاني ما ترون من أمر العراق، ثم زادني فولاَّني فارسا، وهو يرسل إليَّ أحيانا كتبا, يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته، فهل تجدان لي في متابعتي إياه، وإنفاذ أمره مخرجا في الدين؟ .
فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ومسايرة للوالي، يا بن هبيرة, خفِ اللهَ في يزيد، ولا تخف يزيدَ في الله، واعلم أنّ الله يمنعك من يزيَد، وأنّ يزيدَ لا يمنعك من الله، يا بن هبيرة, إنه يوشك أن ينزل بك ملكُ غليظ شديد، لا يعصي اللهَ ما أمره، فيزيلُك عن سريرك، وينقلك من سَعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفتَ فيه ربَّ يزيد، يا بن هبيرة, إنك إن تكُ مع الله تعالى في طاعته, يكفِك ضائقةَ يزيد في الدنيا والآخرة ، وإنْ تكُ مع يزيد في معصية الله تعالى, فإنّ الله يكِلُك إلى يزيد، واعلم يا بن هبيرة, أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والحسن ساكت .
فالتفت عمرُ بن هبيرة إلى الحسن، وقال: (وما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: يا بن هبيرة, فبكى ابن هبيرة حتى بلَّت دموعُه لحيته، ومال عن الشعبي, تركه إلى الحسن، وبالغ في إعظامه وإكرامه، فلما خرجا من عنده, توجَّها إلى المسجد، فاجتمع الناسُ عليهما، وجعلوا يسألونهما عن خبرَيْهِما مع أمير العراقين, فالتفت الشعبي إليهم, وقال:
أيها الناسُ من استطاع منكم أن يؤثر اللهَ عز وجل على خلقه في كل مقام فليفعل، فو الذي نفسي بيده, ما قال الحسنُ لعمر بن هبيرة: قولا أجهله, ولكنني أردتُ فيما قلت: وجهَ ابن هبيرة، وأراد فيما قاله: وجهَ الله، فأقصاني اللهُ من ابن هبيرة, وأدناه منه, وحبَّبه إليه، فمَن أرضى الناسَ بسخط الله, سخِط عنه اللهُ، وأسخطَ عنه الناسَ، ومَن أرضى اللهَ بسخط الناس, رضيَ عنه اللهُ، وأرضى عنه الناسَ) .

من مواعظ الحسن البصري :

ومن أقوال الحسن: (إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب، متى ازدَدْتَ من أحدهما قربا, ازدَدْتَ من الآخرة بعدا) .
وقال له أحدُهم: (صِف لي هذه الدارَ, قال: ماذا أصف لك من دارٍ أولها عناء، وآخرها فناء، وفي حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، مَن استغنى فيها فُتِن، ومَن افتقر فيها حزن؟) .
وسأله آخر أيضا: (ماذا فعلنا بأنفسنا؟ قال: لقد أهزلنا ديننا، وسمَّنا دنيانا، وأخلقنا أخلاقنا، وجدَّدنا فرشَنا وثيابنا، يتَّكئُ أحدنا على شماله، ويأكل من مالٍ غير ماله، طعامه غصبٌ، وخدمته سُخرة، يدعو بحلوٍ بعد حامض، وبحارٍّ بعد بارد، وبرطبٍ بعد يابس، حتى إذا أخذته القِظَّةُ تجشَّأ من البشم، ثم قال: يا غلام, هات هضوما يهضم الطعام، يا أُحَيْمق, واللهِ لن تهضم إلا دينك، أين جارُك المحتاج؟ أين يتيمُ قومك الجائع؟ أين مسكينُك الذي ينظر إليك؟ أين ما وصَّاك به اللهُ عزوجل؟ ليتك تعلم أنك عددٌ، وأنه كلما غابت عنك شمسٌ, نقص شيءٌ من عددك، ومضى بعضُه معك) .

إليكم نبأ وفاة الحسن البصري :

في ليلة الجمعة من غُرَّة رجب سنة (110هـ), لبَّى الحسنُ البصري نداءَ ربِّه، فلما أصبح الناسُ، وشاع الخبرُ فيهم, ارتجَّت البصرةُ بموته رجًّا، فغُسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه بعد الجمعة، في الجامع الذي قضى في رحابِه حياتَه عالما ومعلِّما وداعيا إلى الله، ثم تبِع الناسُ جميعا جنازته، فلم تُقَمْ صلاةُ العصر في ذلك اليوم بجامع البصرة، لأنه لم يبق فيها أحدٌ يقيم الصلاة، وقد قيل: ولا يعلم الناسُ أن الصلاة عُطِّلت في جامع البصرة منذ أن بُنِيَ إلى ذلك اليوم، يوم انتقال الحسن البصري إلى جوارِ ربِّه .
هذا أحد التابعين، فإذا سمعتم الحسنَ البصري, فهذا هو الحسن البصري، طبعا هذه بعضُ قصصه، وله قصص أخرى .
والحمد لله رب العالمين



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عادل الغزاوى
عضو فضى
عضو فضى


ذكر الابراج : الميزان عدد المساهمات : 293
تاريخ الميلاد : 20/10/1980
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 36

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الجمعة 23 نوفمبر - 18:40

التابعي القاضي شريح
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

سؤال وجه لشريح :

أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثامن من دروس سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم، والتابعيُّ اليوم هو القاضي شريح .
قيل لشريح: (بأي شيء أصبت هذا العلم, فقال: بمذاكرة العلماء، آخذ منهم وأعطيهم).
أيها الأخوة, ما من شيء في الحياة الدنيا أمتع للمؤمن؛ من أن يذاكر المسلمُ أخاه شؤونَ العلم، فجلسة العلم، ومذاكرة العلم، والاستماع للعلم، والنطق بالعلم, شيء يليق بالإنسان المسلم ، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 1-3]

الحقيقة الكبرى في الكون؛ أنّ أيّة مذاكرة تبعدك عن هذه الحقيقة فهي لهو، وأيّة مذاكرة تقرِّبك من هذه الحقيقة فهي حق .

ماذا عن العدل ؟

أيها الأخوة, ليس من عادتي أن أتحدث عن أهل الغرب، ولكن أعجبتني كلمة قالها زعيم بريطاني في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث اجتمع بوزرائه، وقد أتت الحرب على كل شيء، لا معمل، ولا حق، ولا مال، ولا شيء، الحرب المدمرة لا تبقي ولا تذر، تطحن الناس طحناً، فسأل هذا الزعيم وزراءه وزيراً وزيراً: كيف الصناعة عندك يا فلان؟ قال: المعامل كلها مدمرة، كم في حوزتك من المال يا وزير المالية؟ قال: لا شيء، سألهم وزيراً، وكل وزير بحسب اختصاصه, أظهر أن البلاد مدمرة عن آخرها، وصل إلى وزير العدل، قال: يا فلان كيف العدل عندك؟ قال: بخير, قال: كلنا بخير, نحن بخير إذا أخذ العدل مجراه، كلمة قالها زعيم بريطاني لوزرائه في أعقاب الحرب العالمية الثانية .
الدرس اليوم عن القاضي شريح, وقد ورد في الأثر: (عدل يوم واحد أفضل من عبادة ستين سنة) .
ومن طريق أبي نعيم بلفظ: (عدل حكم ساعة خير من عبادة سبعين سنة) .
فلا شيء يرفع الإنسان كالعدل، وقد يتوهم أحدكم أن العدل للقاضي، كل واحد منكم قاضٍ؛ الأب له أولاد فهو قاض بينهم، النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليه رجل، وتبع هذا الرجل ابنه الصغير، وضعه على رجله اليمنى وقبله، ودخلت ابنته بعد ذلك, وضعها على رجله اليسرى ولم يقبلها، فقال النبي الكريم: لمَ لم تسوي بينهما؟ لذلك فالمؤمن عادل، والدنيا كلها لا تساوي عنده شيئاً إذا اقتضت أن يقيم العدل بين الناس .

عمر بن الخطاب يولي شريح مرتبة القضاء في الكوفة :

لقد ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرساً من رجل من الأعراب ، ونقده ثمن الفرس، ثم امتطى صهوته، ومشى به، لكنه ما كاد يبتعد بالفرس قليلاً, حتى ظهر فيه عطب, عاقه عن مواصلة الجري، فانثنى به عائداً من حيث انطلق، وقال للرجل: (خذ فرسك فإنه معطوب، فقال الرجل: لا آخذه يا أمير المؤمنين، وقد بعته منك سليماً صحيحاً، فقال عمر: اجعل بيني وبينك حكماً، قال الرجل: يحكم بيننا شريح ابن الحارث الكندي، فقال عمر: رضيت به .
احتكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وصاحب الفرس إلى شريح، فلما سمع شريح مقالة الأعرابي التفت إلى عمر بن الخطاب، وقال: يا أمير المؤمنين, هل أخذت الفرس سليماً؟ فقال عمر: نعم، قال شريح: احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين، أو ردَّ كما أخذت .
نظر عمرُ إلى شريح معجباً! وغير عمر يحنق عليه .
-إنسان في بلد خليجي وجه إلى شخص مسؤول توصية، فقال له: هذه لا أنفذها لأنها خلاف العدل، فأزيح من منصبه- .
سيدنا عمر نظر إلى شريح معجباً! وقال: وهل القضاء إلا هكذا؟ -أيمكن أن يكون القاضي غير ذلك، هكذا القضاء؛ قول فصل، وحكم عدل- سِرْ إلى الكوفة، فقد ولّيتك قضاءها ، لأنه حَكَمَ عليه، وأُعجِب بهذه النزاهة، وبهذه الجرأة) .
كيف كانت مكانة شريح بين أبناء قومه, ومتى أسلم, وما هو موطنه, وهل يعد شريح من طبقة الصحابة أم التابعين ؟
لم يكن شريح بن الحارث يوم ولاه عمر بن الخطاب القضاء رجلاً مجهول المقام في المجتمع المدني، أو امرءاً مغمور المنزلة بين أهل العلم وأصحاب الرأي من جل الصحابة، وكبار التابعين، فقد كان من أصحاب الفضل وأهل السابقة يقدِّرون لشريح فطنته الحادة، وذكاءه الفذّ، وخلقَه الرفيع، وطول تجربته في الحياة وعمقها .
فهو رجل يَمَنِيُّ الموطن، كِنْدي العشيرة، قضى شطراً غير يسير من حياته في الجاهلية، فلما أشرقت الجزيرة العربية بنور الهداية، ونفذت أشعة الإسلام إلى أرض اليمن، كان شريح من أوائل المؤمنين بالله ورسوله، المستجيبين لدعوة الفضيلة والحق، وكان عارفو فضله، ومقدرو شمائله ومزاياه, يأسون عليه أشد الأسى، ويتمنّون أن لو أتيح له أن يفِدَ على المدينة مبكراً ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى، ولينهل من موارده الصافية المصفاة مباشرة بلا واسطة، ولكي يحظى بشرف الصحبة بعد أن حظي بنعمة الإيمان، وبذلك يجمع الخير من أطرافه، ولكن ما قدر الله كان .
إذاً: ليس شريحٌ صحابياً، لقد عاش في الجاهلية، وأسلم حينما جاء النبي بدعوته، ولكنه لم ينتقل من اليمن إلى المدينة إلا بعد أن توفى الله النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً: هو ليس صحابياً، ولكنه عاش الجاهلية، وعاش الإسلام .
كم هي المدة التي قضاها شريح في مجلس القضاء, ومتى استقال عن هذا المنصب, وكم مكث في الحياة الدنيا ؟
قضى القاضي شريح بين المسلمين أكثر من ستين عاماً، ويكاد يكون هذا الاسم من الأسماء المتألقة في سماء القضاء الإسلامي، لشدة ورعه، وحرصه على إنفاذ أمر الله، وتوِّخيه العدالة التامة، فقد تَعَاقَبَ على إقراره على منصبه كل من عمرَ بن الخطاب, وعثمانَ بن عفان ، وعليِّ بن أبي طالب، ومعاويةَ بن أبي سفيان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، كلُّ هؤلاء الخلفاء أقرُّوه في منصبه .
الحقيقة أحياناً يكون هناك إنسان مخلص جداً، رغم تبدل الحكومات لا يجرؤ أحد على أن يزحزحه من منصبه، لأنه بالتعبير الحديث يملأ منصبه علماً وإخلاصاً وإنتاجاً، وهناك تعبير عامي يقول لك: لا يصح إلا الصحيح، فإذا أخلص الإنسان وأتقن، وكان ملء السمع والبصر، فهذا الإنسان أقوى من التغييرات، وسيدنا عمر عيّنه، ثم أقرَّه سيدنا عثمان، وتتابع على إقراره سيدنا علي, وسيدنا معاوية، بل إن الخلفاء الذين جاؤوا بعد معاوية قد أقروه على منصبه، حتى إن شريحًا طلب إعفاءه من منصبه في أول ولاية الحجاج .
عاش هذا القاضي سبع سنوات بعد المائة الأولى للهجرة حياة مديدة رشيدة، حافلة بالمفاخر والمآسي، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا, قَالَ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ خَيْرُ النَّاسِ, قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))
زرت شخصاً قبل سنوات في أحد الأعياد، وهو والد صديق لي، عمره ستة وتسعون عاماً، قال لي بالحرف الواحد: قبل أيام أجريت تحليلات شاملة، فلم يكن هناك شيء غير طبيعي، ثم قال: واللهِ ما أكلت درهماً حراماً، ولا أعرف الحرام من النساء .
كنت قد حدَّثتكم عن رجل عاش ستةً وتسعين عاماً، أمضاها في تعليم النشء العلم الشرعي، وكان يتمتع بقامة منتصبة، وبصر حاد، وسمع مرهف, وكانت أسنانه في فمه، وكان يقول: حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً .
سمعت أن أحد شيوخ الأزهر الصالحين عاش مائة وثلاثين عاماً، وقد التقيت بابنه في أحد المؤتمرات في المغرب، قال: نعم, عاش أبي هذه السنوات .

اسمع هذه القصة :

الحقيقة تاريخ القضاء الإسلامي يزدان ببدائع هذا القاضي الجليل، فمِن قصص هذا القاضي: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه افتقد درعاً عنده كانت أثيرة غالية عليه, المشكلة هنا مع أمراء، فالقضية مع أمير المؤمنين, مع سيدنا عمر حكم عليه، قال له: (أبق الفرس بحوزتك، أو رُدَّها كما أخذتها، وهذا حكم الله، قال له: هكذا القضاء، اذهب فقد وليتك قضاء الكوفة) .
سيدنا علي بن أبي طالب ما لبث إلا أن وجد هذه الدرع في يد رجل من أهل الكتاب يبيعها في سوق الكوفة، فلما رآها عرفها، وقال: (هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا ، وفي مكان كذا، فقال الذمي: بل هي درعي، وفي يدي يا أمير المؤمنين، فقال علي رضي الله عنه: إنما هي درعي لم أبعها لأحد حتى تصير إليك .
-هناك أشخاص يتوهمون أن المؤمن لا بد أنْ يُسقِط حقه، هذه بساطة وسذاجة، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾

[سورة الشورى الآية: 39]
لكن إذا انتصروا, قال تعالى:

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

[سورة الشورى الآية: 40]

فإذا غلب على ظنك أنه بعفوك عن أخيك الظالم تقرِّبه إلى الله، وتقيله من عثرته، وتعينه على الشيطان, فينبغي أن تعفو عنه، وعندئذ أجرُك على الله، أما إذا غلب على ظنك أن عفوك عن أخيك, يدعوه إلى مزيد من التطاول على الناس، وأخذ أموالهم، والاستخفاف بحقوقهم، فينبغي حينئذٍ ألاّ تعفو عنه، بل ينبغي أن تنتصر، وتقتصّ منه .
النبي عليه الصلاة والسلام جاءه أسير في بدر، وقد شكا له بناته المتلهفات له، ورجاه أن يعفو عنه، وتوسل إليه، فعفا النبي عليه الصلاة والسلام، وعاد الرجلُ إلى ما كان عليه مِن عداوة النبي، ومِن قتل أصحابه، ثم وقع أسيراً في أحد، فرجاه ثانية، قال: (لا أعفو عنك، لئلا تقول: خدعت محمداً مرتين) .
المؤمن له أظافر أحياناً، والمؤمن يطالب بحقه، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾

[سورة الشورى الآية: 39]

أما أهل الدنيا فيريدون للمؤمن أنْ لو أُكِل حقُّه أن يسكت، يقولون: ألست مؤمنًا؟ وإذا كان مؤمناً, قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾

[سورة الشورى الآية: 39]

يجب أن تنتصر مِن الذي بغى عليك، وإذا غلب على ظنك أنك بعفوك عنه تزيده طغياناً, فلا تعفُ عنه، كإنسان يقود المركبة بشكل أرعن، وسبَّبَ إيذاءً لإنسان, أخي سامحه، لا, إذا سامحه هذا، وسامحه ذاك, ازداد رعونة، أما إذا حوسب حسابًا عسيرًا, فلعل هذا الحساب يردعه .
لكن أحياناً لا يكون للشخص أيّ تقصير منه في القيادة، طفل ألقى نفسه أمام المركبة، أنت إذا عفوت عنه، وقلت: هذا قضاء وقدر، فقد قرّبته من الله عز وجل، فأنت المفتي، أمّا إذا غلب على ظنك أن العفو يقربه من الله، ويقيل عثرته، ويعينه على الشيطان، فينبغي في هذه الحالة أن تعفو عنه، وأجرك على الله، أما إذا غلب على ظنك أن عفوك يزيده تطاولاً وجرأة واستخفافاً بحقوق الآخرين, فينبغي ألاّ تعفو عنه، بل ينبغي أن تقتص منه، وأن تنتقم منه، والانتقام بالمعنى الدقيق أنْ توقف الظالم عند حده، هذا هو الانتقام، فقدْ يفهم الناسُ من الانتقام فهماً آخر، على أنه عملية حقد، لا, قال تعالى:

﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة الزخرف الآية: 25]

أي أوقفناهم عند حدهم، وردعناهم، هذا معنى الانتقام- .
فقال الذمي: بيني وبينك قاضي المسلمين .
فقال علي: أنصفت، فَهَلُمَّ إليه .
ثم إنهما ذهبا إلى شريح القاضي، فلما صارا عنده في مجلس القضاء، قال شريح لعلي رضي الله عنه: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ .
قال: لقد وجدت درعي هذه مع هذا الرجل، وقد سقطتْ مني في ليلة كذا، وفي مكان كذا، وهي لم تصل إليه لا ببيعٍ ولا بهبة .
قال شريح للذمي: وما تقول أنت أيها الرجل؟.
فقال: الدرع درعي، وهي في يدي .
كونها في يدي معناها درعي، ولا أتهم أمير المؤمنين بالكذب، لكنها درعي .
فالتفت شريح إلى عليّ كرم الله وجهه، وقال: لا ريب عندي بأنك صادق يا أمير المؤمنين .
أمير المؤمنين، صحابي جليل، باب مدينة العلم، ابن عم رسول الله, ليس معقول أن يكذب، ومع ذلك قال له شريح: لكن لا بد لك من شاهدين يشهدان على صحة ما ادّعيت .
فقال علي: نعم, مولاي قنبر، وولدي الحسن يشهدان لي .
فقال شريح: ولكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز يا أمير المؤمنين .
فقال علي: يا سبحان الله! رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته، أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ))
قال شريح: بلى يا أمير المؤمنين، غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده .
عند ذلك التفتَ عليٌّ إلى الذميِّ، وقال: خذها فليس عندي شاهد غيرهما .
فقال الذمي: ولكني أشهد بأن الدرع لك يا أمير المؤمنين، ثم أردف قائلاً: أمير المؤمنين، يقاضيني أمام قاضيه، وقاضيه يقضي لي عليه، أشهد أن هذا الدين الذي يأمر بهذا لحقٌّ، وأشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً عبده ورسوله، وأسلم .
-شيء لا يُصدق، أمير المؤمنين، والدرع درعه، والقاضي من جماعته، ويشدد هذا القاضي في الإجراءات التامة لتأخذ العدالة مجراها- وقال هذا الذمي: اعلمْ أيها القاضي أن الدرعَ درعُ أمير المؤمنين، وأني اتبعتُ الجيشَ، وهو مُتَّجهٌ إلى صفين، فسقطتْ الدرعُ عن جمله الأورق, فأخذتها .
فقال له علي رضي الله عنه: أما وأنك قد أسلمت, فإني قد وهبتها لك، ووهبت لك معها هذا الفرس أيضاً) .
حدثني أخ كريم عنده معمل، فقال لي: في كل يوم يجد نقصًا شديدًا في البضاعة، ونقصًا في المال، قال: فرَّغتُ إنسانًا حتى يراقب، ولم نعثر على إنسان نتهمه بهذا، فكان الذي يسرق على مستوى عالٍ جداً من الحنكة، يضع في جيبه بضع مئات يفتقدها ظهراً، يحسب البضاعة صباحاً فتنقص مساءً، فرّغ إنسانا كلياً ليراقب فلم يعثر على شيء .
قال لي: بعد عشر سنوات طرق بابي شاب، وقال: واللهِ لم أعرفه، فلما دخل عليَّ قال: أنا فلان الفلاني، كنت أعمل عندك في هذا المعمل، وكنت آخذ من مالك، ومن بضاعتك ، وأنت لا تدري، ولكني تبت إلى الله، وها أنا ذا عائد إليك كي أدفع لك ما عليّ من ذمم .
صاحب المعمل هو أخ من أخواننا، قال له: هذا الذي عليك اتجاهي من بضاعة ومال, وهبتُه لك نظير توبتك وإنابتك إلى الله، ولن أسأل عنه بعد اليوم، وكُلْهُ هنيئاً مريئاً, وإذا أردتَ أن تعود إلى المعمل فمكانك محفوظ .
أنت كمسلم إذا ضلَّ الشخصُ ثم اهتدى, ألا تفرح؟ ألا تحسّ أن قلبك امتلأ فرحًا؟ ألا تكافئ هذا الإنسان مقابل إسلامه بشيء من العطاء؟ .
أيها الأخوة، إنّ الإنسان إذا لم يفرح بأخيه عندما يسلم، أو عندما يصطلح مع الله, لا يكون عنده إيمان، ومن علامات الإيمان؛ أنَّ خبرَ اصطلاحِ إنسانٍ مع الله وتوبته له لا يُقدر بثمن .
لم يمض على هذا الحادث زمن طويل, حتى شوهد الرجل يقاتل الخوارج تحت راية علي بن أبي طالب يوم النهروان، ويمعن في القتال حتى كُتبت له الشهادة .

شريح يحكم بالعدل في مجلس القضاء بين أقرب الناس إليه :

هذا القاضي أيضا, قال له ابنه يوماً: (يا أبت, إن بيني وبين قوم خصومة، فانظر فيها، فإنْ كان الحقُّ لي قاضيتُهم، وإنْ كان لهم صالحتُهم سلفاً .
-أراد ابن شريح أن يعرِض على والده قضيةً بين ابنه وبين أشخاص في خصومة، ثم قصّ عليه قصّته, قال: انطلق فقاضِهم .
ما معنى ذلك؟ الحق لابنه- .
فمضى إلى خصومه، ودعاهم إلى المقاضاة، فاستجابوا له، فلمّا مثلوا بين يدي شريح قضى لهم على ولده، فلما رجع شريح وابنه إلى البيت, قال الابن لأبيه: فضحتني يا أبت، واللهِ لو لم أستشرك من قبل لمّا لُمْتُك .
أنا استشرتك، إذا كان الحقُّ عليَّ صالحتُهم، وإذا كان الحق معي أقاضيهم, فقال شريح: يا بني، والله لأنتَ أحبُّ إلي من ملء الأرض من أمثالهم، ولكن الله عز وجل أعزُّ عليَّ منك .
أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحاً يفوت عليهم بعض حقهم، فقلت لك ما قلت) .
أعرف رجلاً توفي رحمه الله، كان يعمل في منصب حساس في التربية والتعليم، ابنه في إحدى الشهادات لم ينجح في بعض المواد، هذه الورقة عُرضت على أربع لجان، وأغلق الاسم، التصحيح فيه خطأ، فقال: واللهِ لا أنجِّحُه، لأنه لم يُتحْ لكل الطلاب المظلومين هذه الفرصة، وأبقاه .
فالعدالة المطلقة شيء لا يُقدر بثمن .
سمعت عن قاضٍ رُفعت إليه قضية، طبعاً أحد المُدَّعى عليه موقوف، قدّم المحامي أول مذكرة لإطلاق سراحه، فلم يُستَجَبْ له، وثاني مذكرة لم يستجب، والثالثة لم يستجب، والرابعة لم يستجب، والخامسة لم يستجب .
فالموكلون عزلوا المحامي، ووكَّلوا محاميًا آخر، القاضي بعيداً عن هذا الذي جرى, بدا له أن يطلق سراح هذا المتهم، فإذا أطلق سراح هذا المتهم بطلب أول من المحامي الجديد ، ماذا يُفهم؟ أن ذاك المحامي فشل، وأن هذا متألق .
استدعى الموكلين، قال: أبلغوا المحامي السابق أن يقدم طلب الإفراج, ولن أستجيب إلا له، كي يحفظ له كرامته .
الإنسان كلما ارتقى يتقصى العدالة .

من مواقف شريح في مجلس القضاء :

مرة كفل ولد لشريحٍ رجلاً، فقبِل شريحٌ كفالَته، فما كان من الرجل إلا أنْ فرَّ هارباً من القضاء، فسجن شريحٌ ابنَه بالرجل الفارِّ .
الكفيل مسؤول، وكان شريح ينقل إليه طعامه بيده كل يوم إلى السجن، لقد أمر بسجنه, وصار يقدم له الطعام كلَّ يوم بنفسه .
أحياناً كانت الشكوكُ تساورُ شريحاً في بعض الشهود، غير أنه لا يجد سبيلاً لدفع شهادتهم؛ لما توافر من شروط العدالة, فكان يقول لهم قبل أن يدلوا بشهادتهم:
(اسمعوا مني هداكم الله، إنما يقضي على الرجل أنتم، وإني لأتقي النار بكم، أنتم مسؤولون، وأنتم باتقائها أولى، وإنّ في وسعكم الآن أنْ تدعوا الشهادة وتنصرفوا, فإذا أصروا على الشهادة, التفتَ إلى الذين يشهدون له، وقال: اعلم يا هذا, أنني أقضي لك بشهادتهم، وإني لأرى أنك ظالم، ولكني لست أقضي بالظن، إنما أقضي بشهادة الشهود، وإن قضائي لا يحلُّ لك شيئاً حرّمه الله عليك .
-ومن باب أولى، النبي عليه الصلاة والسلام سيّد الخلق، وحبيبُ الحقّ, لو أن إنساناً أدلى إليه بحجة مقنعة، بلسان طليق، وبيان ساطع، فَحَكَمَ النبيُّ له، فهل ينجو هذا الذي حُكِمَ له من عذاب الله؟ لا ينجو .
عندنا قاعدة فقهية أساسية: إنّ حكم القاضي لا يجعل الحق باطلاً، ولا الباطل حقاً، حكمُ القاضي لا يغيِّر شيئاً أبداً، فإذا معك حكم القاضي, فهذا الحكم لا ينجيك يوم القيامة- .
كان هذا القاضي, يقول: غداً سيعلم الظالم مِن الخاسر، إنّ الظالم ينتظر العقاب، وإنّ المظلوم ينتظر النَّصفَ .
-إذا افترق الزوجان، ولم نعرف مَن الظالم، الزوج أم الزوجة, الظالم في الأغلب الأعم لا يُوفَّق في زواجه القادم، والذي يُوفق في زواجه الثاني المظلوم دائماً- .
قال: غداً سيعلم الظالم مِن الخاسر، إنّ الظالم ينتظر العقاب، وإنّ المظلوم ينتظر النَّصفة (العدل)، وإني أحلف بالله عز وجل أنه ما من أحد ترك شيئاً لله عز وجل, ثمَّ أحس بفقده) .

من نصائح شريح لعامة المسلمين :

روي أن أحدهم, قال: (سمعني شريح، وأنا أشتكي بعض ما أغمّني من صديق، فأخذني من يدي، وانتحى بي جانباً، وقال: يا ابن أخي, إياك والشكوى لغير الله عز وجل، فإن مَن تشكو إليه لا يخلو أن يكون صديقاً أو عدواً، فإن كان صديقاً أحزنته، وإن كان عدواً شَمَتَ بك.
ثم قال: انظر إلى عيني هذه، وأشار إلى إحدى عينيه، فو الله ما أبصرتُ بها شخصاً ، ولا طريقاً منذ خمس عشرة سنة، ولكنني ما أخبرت أحداً بذلك إلا أنت في هذه الساعة، أما سمعت قول العبد الصالح:

﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 86]
يعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم .
إنّ المؤمن كلما ارتقى إيمانه لا يبثّ شكواه إلى أحد إلاّ الله، علمُك بحالي يغني عن سؤالي .
هناك إنسان كثير الشكوى، كلما جلس يشكو، يشكو ما في سوق، ويشكو بيته وأولاده، فتملّ منه، كيفما جلس يشكو، لكن المؤمن:

﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 86]

فاجعل الله عز وجل موضع شكواكَ، وموضع حزنك عند كل نائبة تنوبك، فإنه أكرم مسؤول، وأقرب مدعو .

ومن نصائحه أيضاً :
رأى ذات يوم إنسانًا يسأل آخر شيئاً، فقال له: (يا ابن أخي, من سأل إنساناً حاجة فقد عرّض نفسَه على الرق .
وقد قيل: احتجْ إلى الرجل تكن أسيره، استغن عنه تكن نظريه، أحسن إليه تكن أميره, كائناً من كان، -فقد تكون أنت إنسانًا عاديًّا مكتفِيًا، لكن حينما تستغن عن الناس, فأنت نظيرهم، أنت وأقوى شخص سواء, إذا استغنيت عنه، أما إذا سألته، وتضعضعت أمامه, فأنت أسيره، أما إذا أكرمته, فأنت أميره- .
قال له: يا ابن أخي, من سأل إنساناً حاجة, فقد عرَّض نفسه على الرق، فإنْ قضاها له المسؤول فقد استعبده بها، وإنْ ردّه عنها رجع كلاهما ذليلاً ، هذا بذلَ البخلَ، وذاك بذلَ الردَّ، فالبخيل ذليل، والذي يسأل ذليل) .
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا, فَقَالَ:

((يَا غُلَامُ, إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ, إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ, وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

من نصائحه لأهل الخاصة :

وقع في الكوفة طاعون، فخرج صديقٌ لشريح منها إلى النجف، يبتغي المهرب من الوباء، فكتب شريح إليه: أما بعد؛ فإن الموضع الذي تركته لا يقرب حُمامك، ولا يسلب منك أيامك، وإن الموضع الذي سرت إليه في قبضة مَن لا يعجزه طلب، ولا يفوته هرب، وإنا وإياك لعلى بساط ملك واحد، وإن النجف من ذي قدرته لقريب .
كان شريح شاعراً، له شعر قريب المأخذ، حلو الأداء طريف الموضوعات .
روي عنه أنه كان له صبي في نحو العاشرة من عمره، وكان الصبي مؤثراً اللهو، مولعاً باللعب، فافتقده ذات يوم، فإذا هو قد ترك الكتاب، ومضى يتفرج على الكلاب, فلما عاد إلى المنزل سأله: أصليت؟ قال: لا, فدعا بقرطاس وقلم, وكتب إلى مؤدِّبه, يقول:

ترك الصلاة لأكلب يسعى لها يبغي الهراش مع الغواة الرجس
فليأتينك غـدوة بصحيفـــة كتبت له كصحيفـــة المتلمس
فإذا أتاك فـداوه بملامـــة أو عظه موعظة الأديب الكيـس
وإذا هممـت بضربه فبـدرة وإذا بلغت ثلاثــة لك فاحبـس
واعلم بأنك مــا أتيت فنفسه مع ما يجرعنــي أعـز الأنفس

خلاصة القول :

أيها الأخوة، هذا غيض من فيض عن التاريخ الذهبي في القضاء الإسلامي، وكان هذا القاضي شريح قد شغل منصب القضاء ستين عاماً، ملأ أيام قضائه عدالة وإنصافاً، ونزاهة وفخراً، والإنسانُ ينبغي أن يقتدي بشريح، ولو لم يكن قاضياً, أنت قاضٍ بين أولادك، قاضٍ بين موظفيك، قاضٍ بين أقربائك، قاضٍ بين ابنك وزوجته، أو بين ابنتك وزوجها، أنت قاضٍ دائماً، فالإنسان المؤمن ينصف، قال تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

[سورة المائدة الآية: 2]

لو كان الطرف الآخر مجوسيًّا، لو كان كافرًا، لو كان منافقًا، لو كان مشركًا، لو كان فاسقًا، لو كان عاصيًا، ألزم الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم .
والحمد لله رب العالمين



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عادل الغزاوى
عضو فضى
عضو فضى


ذكر الابراج : الميزان عدد المساهمات : 293
تاريخ الميلاد : 20/10/1980
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 36

مُساهمةموضوع: رد: سير التابعين موضوع متجدد   الجمعة 23 نوفمبر - 18:43

التابعي محمد بن سيرين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ما معنى هذا القول ؟

أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، والتابعيّ الجليل اليوم هو محمد بن سيرين .
نقف وقفة متأنية عند من وصفه, فقال: (ما رأيت رجلاً أفقه في ورعه, ولا أورع في فقهه, من محمد بن سيرين) .
معنى هذا القول؛ أن هناك من الرجال من هو فقيه، لكنه ليس ورعاً، ومَن هو ورع، لكنه ليس فقيهًا، فأنْ تجمع بين الفقه والورع هذه صفة جليلة في الإنسان .
أيها الأخوة، التطرف سهل، لكن أن تجمع بين النقيضين, فهذا يحتاج إلى بطولة، مثلاً: أن تكون ليناً, فالقضية سهلة، أنْ تكون قاسيًا أسهل، لكن أن تجمع بين القساوة واللين، هنا البطولة، أن تكون مرهوباً, فقضية سهلة، أن تكون مرغوباً أسهل، أمّا أن تكون مرهوباً مرغوباً, فهذا مِنَ البطولة بمكانٍ .
لذلك المربون دائماً لو أنهم تطرفوا إلى إحدى الصفتين لسقطوا، فلا تكن ليناً فتعصر، ولا قاسياً فتكسر .
إنّ الله عز وجل وصف الأنبياء بأنهم يعبدون الله رغباً ورهباً، خوفاً وطمعاً, فكما قلت قبل قليل: الحالة المتطرفة سهلة، لكن أن تجمع بين اللين والقسوة، وبين الرهبة والرغبة، وأن يرجوك الإنسان، وأن يخافك في وقت واحد .
أنْ تكون فقيهاً, فقضية سهلة، تحتاج إلى ذكاء، وإلى مطالعة، وإلى قراءة، وإلى حفظ، لكن أن تجمع بين الفقه والورع، أو أن تجمع بين الورع والفقه, فهنا البطولة، لذلك قالوا: الفضيلة وسط بين طرفين .
ترك الدنيا سهل، وترك الآخرة سهل، ولكنَّ البطولة أن تجمع بينهما، ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه، حتى يصيب منهما جميعا، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة، ولا تكونوا كلا على الناس .
أنْ توحِّد، ربما حمَلك التوحيد على أن تكون قاسياً مع الناس، وأنْ تغرق في الحُبِّ على حساب التوحيد, فهذا منزلق أيضاً، لكن أن تجمع بين التوحيد والحب, فهذه بطولة الأبطال .
لا يوجد رجل على وجه الأرض أحبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كالصِّدِّيق، لكن حينما مات النبي عليه الصلاة والسلام ما حمله حبه له أن يخرج عن قواعد التوحيد، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ:

((فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ, فَقَالَ: اجْلِسْ فَأَبَى, فَقَالَ: اجْلِسْ, فَأَبَى, فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ, وَتَرَكُوا عُمَرَ, فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ, وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ, قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ..... إِلَى الشَّاكِرِينَ﴾
وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا, حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ, فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا))

أحياناً يوَحِّد الإنسان مع قسوة، أخي أنا رزقي على الله، ولستُ بحاجةٍ إليك، أمَا سمِع بحديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ))
أحياناً التوحيد يحمل الإنسان على مواقف فظّة، وأحياناً الحبّ الشديد يحمل الإنسان على الشرك، تحبُّه حتى تعبده من دون الله، فالبطولة أن تجمع بين التوحيد والحبّ، بين الدنيا والآخرة، بين الرجاء والخوف، بين الرهبة والرغبة، بين أن تكون ورعاً، وبين أن تكون فقيهاً.
هناك أشخاص عندهم ورع، كل شيء عندهم حرام، كلما سئل أحدُهم, قال: هذا حرام حرام، حتى عطل بذلك الحياة، ليس هذا هو الفقه، أنْ تدرأ المسؤولية بالتحريم، هذا ليس فقهاً ، يجب أنْ تعطي الفتوى التي أنت منها واثق مع الدليل، أنْ تعطي الرخصة، إذا كان هناك رخصة، فالفقهاء الكبار يفتون لأنفسهم بالعزائم، وللمسلمين بالرخص رحمةً بهم، خذ نفسك بالعزيمة، هذا فضيلة فيك، أما أنْ تحمل الناس على العزائم، وأن ترهقهم، وأن تهلكهم، فليس هذا هو الورع .
إذاً: أيها الأخوة, أعجبتني كلمة الذي وصف هذا التابعي الجليل: ما رأيت رجلاً أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه, ورع مع فقه، فقيه مع ورع، ولا تنسوا أن ركعتين من ورع خير من ألف ركعة من مخلط .

ما هي حرفة والد ابن سيرين, وماذا عن العمل في الإسلام ؟

عزم سيرين-الحديث عن محمد بن سيرين-، فإذا قلنا: عزم سيرين، فهو أبوه, عزم سيرين على أن يستكمل شطر دينه بعد أن حرّر أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه رقبَتَه .
إذاً: والد محمد بن سيرين كان مملوكاً لسيدنا أنس بن مالك، وبعد أن غَدَتْ حرفته تدرُّ عليه الربح الوفير، والخير الكثير، فقد كان نحّاساً ماهراً، يتقن صناعة القدور .
سيدنا عمر, يقول: (إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني، وقيمة كل امرئ ما يحسنه).
أنا لا أنسى هذه القصة التي رواها أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ: فَقَالَ:

((أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: بَلَى, حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ, وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ, وَقَعْبٌ - إناء - نَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ, قَالَ: ائْتِنِ بِهِمَا, قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا, فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ, وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ, قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا, قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ - المزايدة واردة - فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ, وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ, وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ, وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ, وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَائتِنِ بِهِ, فَأَتَاهُ بِهِ, فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ, ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ, وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا, فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ, فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ, فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا, وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ؛ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ, أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ, أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ))

[أخرجه أبو داود في سننه]

فكل إنسان له حرفة، تجارة، صناعة، فهذا شرف، والإنسان يكتسب شرفه مِن عمله، ومِن حرفته، ومِن صنعته، وكان أصحاب رسول الله رهباناً في الليل، فرساناً في النهار .
أنا أعجب لهذا المؤمن المتفوق في عمله، المتقن لعمله، الذي يكسب قوت يومه، ويده عليا، وهو في الصف الأول في مجالس العلم، وهو في مقدمة المؤمنين، والعار أنْ ترتكب العار، والعار ألاّ تعمل، فالعمل مقدس .
سيدنا عمر يقول لأحد الولاة: (إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً, التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية) .
إنّ العمل عبادة، وهذا يضطرني مرةً بعد مرة إلى أن أقول لكم: إن حرفة الإنسان إذا كانت في الأصل مشروعة، وتعامل معها الرجلُ بطريقة مشروعة, وابتغيتَ بها كفايَةَ نفسك وأهلك، وابتغيت بها خدمة المسلمين، ولم تشغلك عن فريضة, ولا عن طلب علم، انقلبتْ هذه الفريضةُ إلى عبادة .
فأنت في دكانك، أو في مكتبك، أو في حقلك، أو في وظيفتك، أو في عيادتك, أنت من عباد الله عز وجل .
مرةً بعد مرة أقول لكم: النبي رأى رجلاً يصلي في المسجد في غير أوقات الصلاة، قال:

((من يطعمك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك, الصحابة الكرام أثنوا على رجل ثناءً طيباً، قال عليه الصلاة والسلام: من يطعمه؟ قالوا: كلنا يطعمه، قال: كلكم أفضل منه))
بصراحة أقول لكم: لا أحد يحترمك، ولا يحترم دينك إلا إذا كنت متفوقاً في عملك, ويمكن أن تكون أكبر داعية في عملك، وأنت ساكت، من خلال إتقانك للعمل، وإحسانك في المعاملة، والصدق والأمانة .
أكبر دولـة إسلامية الآن ما هي؟ إندونيسيا، فيها مائة وخمسون مليون مسلم، هذه أكبر دولة إسلامية في العالم، إنما دخلها الإسلام عن طريق التعامل التجاري، لا عن طريق الجهاد، ولا عن طريق السيف، وهذا مصداق ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

لا لأنه ربح المال الوفير، واستمتع به، بل لأنه أعطى نموذجاً كاملاً للمسلم .
رجل يبيع البيض، جاءه زبون، فقال له: عندك بيض، قال له: نعم، قال له: طازج، قال: لا والله، ليس طازجًا، الطازجُ عند جاري، هذا المسلم لا يكذب أبداً، والله يرزقه .
لو لبس الإنسانُ لباساً متبذلاً في أثناء العمل، ولو كان عمله مع الزيوت والشحوم، فهذا عمل نظيف .
قال لي رجل مرةً يعمل عملاً أساسه إيقاع الأذى بالآخرين، ما رأيت مكتبًا أفخم من مكتبه، قال لي بالحرف الواحد: أنا عملي قذر، لحكمة بالغة في اليوم التالي ذهبت لأصلح مركبتي عند أخ كريم، في أيام الشتاء، والطريق وحل، وهو يلبس ثياب العمل، أزرق على أسود، كله شحم وزيت، واستلقى تحت المركبة وفكَّ الجهاز، ما شعرتُ إلا وهو يقوم بأنظف عمل، في العين الظاهرة العمل فيه وحل وزيت وشحم، ولكنّه يقوم بأنظف عمل، لأنه عمل شريف، لقد قدّم خدمة، وأخذ أجرها بشكل معتدل .
كلمة نظيف عميقة جداً؛ لا تعني أن المكان نظيف، تعني طريقة الكسب نظيفة .
أكثر أماكن اللهو فيها أناقة ما بعدها أناقة، لكنها أماكن قذرة، مبنية على تحطيم الإنسان، وعلى إفساده، والمرأة هناك سلعةٌ محتقرة، أما محل متواضع في سوق شعبي، بيع وشراء، فهذا عمل شريف ونظيف، فابحثْ عن النظافة في التعامل .

إليكم قصة زواج والد محمد بن سيرين :

وقد وقع اختياره على مولاة لأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه, تُدعى صفية لتكون زوجة له .
والده مملوك عند سيدنا أنس بن مالك، تزوج مولاة سيدنا الصديق اسمها: صفية، كانت صفية جارية في بواكير الشباب، وضيئة الوجه، ذكية الفؤاد، كريمة الشمائل، نبيلة الخصائل، محبَّبة إلى كل من عرفها من نساء المدينة، وكانت أشدَّ النساء حباً لها زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا سيما السيدة عائشة .
تَقدَّم سيرين إلى أمير المؤمنين فخطب منه مولاته صفية، فبادر الصديق رضي الله عنه إلى البحث عن دين الخاطب وخلقه، كما يبادر الأب الشفيق للبحث عن حال خاطب ابنته.
بالمناسبة؛ أنا الذي أراه أنه إذا كان لصحابي مولى، فهذا المولى لا يختلف إطلاقاً عن الابن، بل أن يكون الإنسان مولى لمؤمن, القصدُ من ذلك أن يرى الإسلام عملياً، فهذا الذي أغلق عقله عن أن يفهم الإسلام، ربما فهِمَه بالتعامل الإنساني، هذا أصل أن يكون الإنسان مولى أو مولاة .
مضى يستقصي هذا الصحابي الجليل الصديق أحوال سيرين أشد الاستقصاء، ويتتبع سيرته أدق التتبع، وكان في طليعة من سألهم عنه أنس ابن مالك، فقال له أنس: (زوِّجها منه يا أمير المؤمنين، ولا تخش عليها بأساً، فما عرفته إلا صحيح الدين، رضي الخُلُق, موفور المروءة، ولقد ارتبطت أسبابه بأسبابي منذ سباه خالد بن الوليد .
وافق الصديق على تزويج صفية من سيرين، وعزم على أن يبرهما كما يبرّ الأب الشفيق ابنتـه الأثيرة، فأقـام لإملاكهما حفلاً قلمـا ظفرت بمثله فتاة من فتيات المدينة، وقد شهد إملاكها طائفة كبيرة من كبار الصحابة، كان فيهم ثمانية عشر بدرياً .
-فإذا كان الإنسان ميسور الحال، وزوج ابنته، أو زوج ابنه، وأقام حفلاً كريماً فيه مديح لرسول الله، وقدّم الطعام، وقدّم الضيافة, فهذه فرحة لا تُنسى .
أنا من أنصار أن يُعلن النكاح، ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام إخفاء الخطبة، وإعلان النكاح، وأن يُقام عقدُ قران يُدعى له أقرباء الزوجين العروسين، وتُقدم فيه الضيافة، وتُلقى كلمات تُعرِّف الناس بربهم، وبنبيهم، هذا عمل طيب، ولكن لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أحياناً بعض الآباء يحب أن يوفِّر، هي فرحة في العمر، تبقى غصّة في قلب الفتاة طوال حياتها، ويبقى عدم الاحتفال غصّة في قلب العروس طوال حياته- .
فقد شهد إملاكها طائفة كبيرة من كرام الصحابة، فيهم ثمانية عشر بدرياً, ودعا لها كاتب وحي رسول الله أبي بن كعب، وأمّن على دعائه الحاضرون، وطيَّبتها وزيَّنتها حين زُفت إلى زوجها ثلاثٌ من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عليهم أجمعين، والنكاح من سنة النبي عليه الصلاة والسلام) .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, يَقُولُ:

((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ, فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا, أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ, وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]

وكلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام, يقول:

((ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ؛ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ, وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

ما مِن شاب يغض بصره، ويحفظ فرجه، فهذا الإنسان حقٌّ على الله أنْ يعينه إذا طلب العفاف، وهناك آلاف القصص التي تؤكد هذه الحقيقة .

متى ولد محمد بن سيرين, وعمن أخذ العلم, وما هو الموطن الذي استقر فيه ؟

ولد محمد بن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ورُبِّيَ في بيت يتبوَّأ الورع والتقى من كل ركن من أركانه، ولما أيفع الغلامُ الأريبُ اللبيبُ وجدَ مسجدَ رسول الله .
إنّ رواد المساجد مبارَكون، رواد المساجد وطلاب العلم تضَع الملائكة تضع أجنحتها لهم رضى بما يصنعون، رواد المساجد مؤمنون وربِّ الكعبة، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾

[سورة التوبة الآية: 18]

رواد المساجد هم المباركون؛ لأنه خير البلاد مساجدها، وشرها أسواقها، فلا يضن الإنسان على نفسه بساعتين في الأسبوع أو ثلاث ساعات .
الأسبوع كم ساعة، أتعرفون؟ مائة وثمان وستون ساعة، فإذا خصّص الإنسان منها أربع ساعات لمعرفة الله ومعرفة الدار الآخرة، وأربع ساعات مواصلات، فهذه ثماني ساعات، فلا مانع من أجل أن تعرف الله، من أجل أن يرضى الله عنك، من أجل أن يُبنى الإيمان لبنة لبنة .
لا يوجد إنسان عظيم إلا إذا ارتاد المساجد، وجلس على ركبه ليطلب العلم، لا يوجد إنسان متألق إلا وتتلمذ، وأخذ العلم عن الرجال، إنسان يتألق بالعلم، ولا يرتاد المساجد, هذا مستحيل .
هذا التابعي تلقى العلم عن كبار الصحابة والتابعين، تلقى العلم عن زيد بن ثابت، وأنس ابن مالك، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي هريرة .
حدثني أحد أخواننا الكرام, وكان له دعوة إلى الله، عنده طالب تركي، فوكّل بعض أخوانه بتعليمه، تعلم وأخذ شهادة، وعاد إلى بلده، وبعد عدة سنوات, طُرق باب الشيخ، فإذا بمركبتين كبيرتين تُقِلاَّنِ مائة طالب علم، كلهم تلامذة هذا الطالب الذي درس العلم على يد هذا العالم، يقول هذا العالم وهو يبكي: يا رب, أنا علمت واحداً، وكان من آثار هذا الواحد كل هؤلاء .
فكان تلاميذ الشيخ يمزحون معه، وهم قد علموه، يسألونه حينما تذهب إلى تركيا إذا سُئلت: مَن شيخك، من تقول؟ فأغفل أسماءهم, وذكر اسم شيخه الكبير، قال: أنتم لا أحد يعرفكم، أنا تلميذ فلان .
هي طرفة، الإنسان يفخر بأستاذه، فكيف بزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبو هريرة؟ هؤلاء أساتذة هذا التابعي الجليل، الذين أقبل عليهم إقبال الظامئ على المورد العذب، فنهل من علمهم بكتاب الله، وفقههم بدين الله، وروايتهم لحديث رسول الله، فما أفعم عقله حكمة وعلماً، وأترع نفسه صلاحاً وهداية، ثم انتقلت الأسرةُ مع فتاها إلى البصرة, واتّخذتْها لها موطناً .
أتلاحظون البصرة كيف جذبت لها طلاب العلم؟ كانت البصرة يومئذ مدينة بكراً، اختطَّها المسلمون في أواخر خلافة الفاروق عمر، وكانت تمثل جُلَّ خصائص الأمة الإسلامية ، ومركزًا من مراكز التعليم والتوجيه للداخلين في دين الله، وصورة للمجتمع الإسلامي الجاد الذي يعمل لدنياه، كأنه يعيش أبداً، ويعمل لآخرته, كأنه يموت غداً .

إليكم نمط الحياة الجديدة التي اتخذها ابن سيرين في البصرة :

محمد بن سيرين سلك في حياته الجديدة في البصرة طريقين متوازيين، فجعل شطراً من يومه للعلم والعبادة، وشطراً آخر للكسب والتجارة .
أحياناً ألتقي بأخ في عمله، في دكانه منتج، ومساءً في المسجد، واللِه شيء جميل أن تجمع بين الكسب الحلال، وبين طلب العلم .
فهذا التابعي الجليل جعل شطراً من حياته من يومه للعلم والعبادة، وشطراً آخر للكسب والتجارة، فكان إذا انبلج الفجر، وأشرقت الدنيا, غدَا إلى المسجد يعلِّم ويتعلَّم، حتى إذا ارتفع النهار, مضى إلى السوق يبيع ويشتري، فإذا جاء الليل صفَّ في محراب بيته، وانحنى على أجزاء القرآن يبكي، ويتلو كتاب الله في صلاته، واللهِ شيء جميل .
كان يطوف في السوق في النهار للبيع والشراء، ومع ذلك لا يفتأ يذكِّر الناس بالآخرة.
أنت تاجر، وأنت عامل، وأنت صانع، وأنت في عيادتك, ذكِّر الناسَ بالله، كن داعية في أثناء العمل، هناك أشخاص ليس عندهم إمكانية, تتداخل معهم الأمور، هذا الزبون انصحه، فيه خير، سمته حسن، دُلَّه على الله، ادْعُه إلى المسجد، أعطِه شريطًا، لعل هذا الزبون يصير من كبار المؤمنين عن طريقك، قمْ بتجارتين؛ تجارة مع الله، وتجارة مع البضاعة، فإذا دعوت إلى الله تاجرت مع الله، لقد سمَّاها الله تجارة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[سورة الصف الآية: 10-11]

أحياناً يقول لي أخ: واللهِ فلانٌ قدَّر اللهُ هدايتَه على يدي، هو كان زبونًا من زبائننا، أقول له بشكل عفوي: هذه هي التجارة الحقيقية .
التجارة المادية جمعت الأموال، وقد تنفقها، وقد تتحول إلى غيرك، لكن هذا الذي دلَلْته على الله من خلال التجارة, أنت الآن تاجر حقاً، حتى انتهى بك السعي إلى هداية هذا الإنسان.
كان يطرفهم ويرشدهم إلى ما يقربهم إلى الله، ويفصل فيما يشجر بينهم من خلاف ، وكان يطرفهم بين الحين والحين بالملحة التي تمسح الهمِّ عن نفوسهم المكدودة، من غير أن ينقص ذلك من هيبته، ووقاره عندهم شيئاً .
فإذا مع الإنسان شيء من الدعابة، لطيف، مرح، فهذا جائز وضروري، وقد كان النبي يمزح، فأحياناً المزاح اللطيف يجدد النشاط، والمعلمون الذين يتخيّرون بعض الطرف اللطيفة الأديبة، هؤلاء يجدِّدون نشاط طلابهم .
لا يكن الأب عبوسًا قمطريرًا، فلا بد أنْ يمزح الأب مع أولاده مزاحاً لطيفاً، فآنسهم وابتسم لهم، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، وكان يمزح، ولا يمزح إلا حقاً، وإنّ الدعابة من صفات المؤمنين .
كان الناسُ إذا رأوه في السوق، وهم غارقون غافلون انتبهوا، وذكروا الله عز وجل ، وهلَّلوا وكبروا .
كان في سيرته العملية خير مرشد للناس، فما عرض له أمران في تجارته إلا أخذ بأوثقهما في دينه، ولو كانت فيها خسارة تصيب دنياه, وإنْ كان فيها شبهة تركها، فهو دائماً مع الحلال، ترك شبهة الربا، بيع بسعرين تركه، بيع لأجل مع زيادة الثمن تركه، فأيّ قضية فيها شبهة تركها، واستوثق لدينه .

من مواقف ابن سيرين :

له مواقف غريبة، ولكنها ليست غريبة, لقد ادّعى رجل عليه كذباً أنّ له في ذمته درهمين، فأبى أن يعطيه إياهما، فقال له الرجل: (أتحلف؟ وهو يظن أنه لا يحلف من أجل درهمين، فقال: نعم، وحلف له، فقال له الناس: يا أبا بكر, أتحلف من أجل درهمين، وأنت الذي تركت أمسِ أربعين ألف درهم في شيء رابك مما لا يرتاب منه غيرك؟ فقال: نعم، أحلف, -فما التعليل؟ لأنه لو لم يحلف لأكَل هذا الإنسان الدرهمين حراماً من الإثم- قال: نعم أحلف، فإني لا أريد أن أطعمه حراماً، وأنا أعلم أنه حرام) .
أنت مؤمن، ادّعى رجلٌ عليك زوراً وبهتاناً مبلغًا من المال، فقلت: لكن ليس لك عندي شيء، ولو تساهلتَ معه لأطعمته حرامًا، وكنتَ أنت السبب، لأنك أفسدته، وفتنته في دينه.
إنّ المسلم دقيق، العطاء عطاء، الحق حق، تريد مساعدة، فهذه مساعدة، أو صدقة فهي صدقة، لكن ليس لك عندي شيء، هذا موقف دقيق، تتساهل أنا لا أحلف، فتطعمه مالاً حرامًا، وأنت السبب، المؤمن أمره دقيق، مضبوط، عنده حسابات دقيقة .

ما هي الصورة الجميلة التي كان يتمتع بها ابن سيرين في خلقه ؟

أجمل ما في هذا التابعي الجليل؛ أنّ مجلسه كان مجلس خير وبرٍّ وموعظة، فإذا ذُكر عنده رجلٌ بسوء, بادرَ فذَكَره بأحسن مما يعلم من أمره .
تعرفون القصة، عندما كان النبي بغزوة، فتفقَّد أحد الصحابة كان متخلفاً، فغمز رجل ، قال:

((يا رسول الله, شغله بستانه عن الجهاد معك، فانبرى صحابي جليل، وقال: لا والله يا رسول الله، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدوا ما تخلفوا, عندها سُر النبي كثيراً))
مرةً سمع رجلٌ يسبُّ الحجاجَ بعد وفاته، فقال له: (صه يا بن أخي، إنّ الحَجَّاج مضى إلى ربه .
-انظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم, حينما أسلم عكرمة بن أبي جهل لم يكن إنسان أعدى من أبيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما أسلم عكرمة قال لأصحابه:

((يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا, فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي, ولا يبلغ الميت))
فأمام هذا التابعي الجليل رجلٌ سبَّ الحَجَّاج، فقال له: صه يا ابن أخي, إنَّ الحجاج مضى إلى ربه، وإنك حين تقدمُ على الله عز وجل ستجد؛ أنّ أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشدُّ على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج, -هذا من شأن الله عز وجل، فدعك من هذا كلِّه .
طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه))

[أخرجه الترمذي في سننه]

فلكل منكما يومئذ شأن يغنيه, واعلم يا بن أخي, أن الله جل وعز سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم، كما سيقتص لحجاج ممن يظلمونه, فإذا ظلم اقتصّ الله منه, لكن إذا كنتَ أيضاً ظلمته, فسوف يقتص الله منه، فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسبِّ أحد))
ورد في الأثر القدسي:

((أنا ملك الملوك، ومالك الملوك, قلوب الملوك بيدي، فإن أطاعني العبادُ حوَّلتُ قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم من صلاحكم))
الإمام مالك؛ إمام دار الهجرة, يقول: (لو أن لي دعوة مستجابة لادخرتها لأولي الأمر, لأن في صلاحهم صلاح الأمة) .
عود نفسك على الدعاء لا على السباب .

ابن سيرين من أولئك الرجال الذين لا يخافون في الله لومة لائم :

لهذا التابعي الجليل مواقف مِن ولاة بني أمية، مِن ذلك: أن عمر بن هبيرة الفزاري رجل بني أمية الكبير، وواليهم على العراقين, بعث إليه يدعوه إلى زيارته، فمضى إليه ومعه ابن أخيه، فلما قدِم عليه, رحّب به الوالي، وأكرم وفادته، ورفع مجلسه، وسأله عن كثير من شؤون الدين والدنيا، ثم قال له: (كيف تركت أهل مصرك يا أبا بكر؟ قال: تركتهم والظلم فيهم فاش، وأنت عنهم لاه، فغمزه ابن أخيه بمنكبه، فالتفت إليه، وقال: إنك لستَ الذي تُسأل عنهم، وإنما أن الذي أسأل، ومن أمانة العلم تبيينه، وإنها لشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه .
لما انفض المجلس وَدَّعه عمر بن هبيرة بمثل ما استقبله به من حفاوة وإجلال، وبعث إليه بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار فلم يأخذها، قال له ابن أخيه: ما يمنعك أن تقبل هبة الأمير؟ قال: إنما أعطاني لخير ظنه بي، فإن كنتُ من أهل الخير كما ظن، فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما ظن, فأحرى بي ألاّ أستبيح قبول ذلك) .

ما سبب دخول ابن سيرين السجن ؟

اشترى مرةً زيتاً بأربعين ألفًا مؤجلة، فلما فتح أحد زقاق الزيت, وجد فيها فأراً ميتةً متفسخة، فقال في نفسه: إن الزيت كله كان في المعصرة في مكان واحد، وإن النجاسة ليست خاصة بهذا الزق دون سواه، وإني إن رددته للبائع بالعيب فربما باعه للناس، ثم أراقه كله، فأصبح عليه دين أربعين ألف دينار .
طالبه صاحب الزيت بما له، فلم يستطع سداده، رُفع أمره إلى الوالي, فأمر بحبسه حتى يسدِّد ما عليه، فلما صار في السجن، وطال مكوثه فيه, أشفق عليه السجّان لِمَا عَلِمَ من أمر دينه، وما رأى من شدة ورعه وطول عبادته .
دخل السجن خوفاً من الله، وخوفاً من أن يُحرق في النار يوم القيامة، فصاحب السجن عرف قصته، إنه رجل ورع جداً، قال: (أيها الشيخ, إذا كان الليل, فاذهب إلى أهلك وبت معهم، فإذا أصبحت فَعُدْ إلي .
أنت إنسان عظيم، دخلت هذا السجن من شدة ورعك، واستمرْ على ذلك حتى يُطلق سراحك، كل يوم نَمْ عند أهلك، فقال: لا واللهِ، لا أفعل، قال: ولِمَ، أنا أسمح لك؟ قال: حتى لا أعينك على خيانة ولي الأمر، أنت تخون ولي الأمر بهذا العرض، فإذا قبلتُ هذا العرض, أعنتُك على خيانة ولي الأمر) .

ما رأيك في هذا الموقف لابن سيرين ؟

لما احتضر أنس بن مالك, أوصى بأن يغسله محمد بن سيرين، ويصلي عليه، وكان ما يزال سجيناً، فلما توفي جاء الناس إلى الوالي, بوصية صاحب رسول الله وخادمه، واستأذنوه أن يخلي سبيل محمد بن سيرين لإنفاذ الوصية، فقال لهم محمد بن سيرين: (لا أخرج حتى تستأذنوا صاحب الدين، والإذن ليس من الوالي، بل من صاحب الدين .
-إذا أراد الرجلُ أن يحج بمال، وعليه دين فلا يُقبل حجُّه إلا إذا استأذن صاحب الدين، والذي عليه دين يحرم عليه أن يأكل لونين من الطعام، ونوعين من الفاكهة .
رجل مدين لك بمبلغ من المال، وأنت تأكل نوعين أو ثلاثة من الطعام، وأربعة أنواع فواكه، وخير إن شاء الله، لا يوجد معنا الآن, هذه قلة مروءة- .
فأذن له الدائن، عند ذلك خرج من سجنه، فغسل أنساً، وكفنه, وصلى عليه، ثم رجع إلى السجن كما هو، ولم يذهب لرؤية أهله؛ لأن الإجازة فقط لتغسيل الميت، أما لأهله لم يذهب) .

ما هي المدة التي استغرقها ابن سيرين في الحياة الدنيا ؟

عمّر محمد بن سيرين حتى بلغ السابعة والسبعين، فلما أتاه اليقين, وجده خفيف الحمل من أعباء الدنيا، كثير الزاد لما بعد الموت .
أخواننا الكرام، من حاسب نفسه حساباً عسيراً في الدنيا، كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً، كان حسابه يوم القيامة عسيراً .

رؤيا صالحة :

حدثت حفصة بنت راشد، وكانت من العابدات، قالت: (كان مروان بن المحملي لنا جاراً، وكان ناصباً في العبادة، مجتهداً في الطاعة، فلما مات حزنّا عليه حزناً شديداً، فرأيته في المنام، قلت: يا أبا عبد الله, ما صنع الله بك؟ قال: أدخلني الجنة، قلت: ثم ماذا؟ قال: رُفعت إلى أصحاب اليمين، قلت: ثم ماذا؟ قال: رُفعت إلى المقربين، قلت: فمن رأيت هناك؟ قال: الحسن البصري, ومحمد بن سيرين, من المقربين) .
كله بثمنه؛ ورع، مجتهد، صائم، مُصَلٍّ، دخلُك حلال، إنفاقك حلال، بيتك إسلامي ، عملك إسلامي، فأنت من المقربين, قال تعالى:

﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾

[سورة الواقعة الآية: 88-89]
والحمد لله رب العالمين





‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
سير التابعين موضوع متجدد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: