منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

  هجرة النبي صلى الله عليه وسلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم    الإثنين 12 نوفمبر - 23:29

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقا و رزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلا و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون:
لا زلنا في موضوع السيرة، و لا بدَّ من أن يكون واضحا في أذهانكم أن سيرة النبي صلى الله عليه و سلم ليست أحداثا وقعت من دون أن نستنبط منها الدلالات و العبر، ليس القصدُ أن نروي الأحداثَ، و ليس الدرسُ درسَ تاريخ، و لا درس قصص،و لكن درس تشريع و تعليم، فكل موقفٍ وكلُّ حدثٍ وكل تصرُّف و كلُّ قضاء قضاه اللهُ عز وجل لنبيِّه و لأصحابه فهو له معنى كبيراً يلقي ضوءا في حياتنا اليومية.
كلُّكم يعلم أن أصحاب النبيِّ رضوان الله عليهم هاجروا بأمر النبيِّ عليه الصلاة و السلام إلى المدينة، و حينما شعرت قريشٌ أن عدد الصحابة الذين غادروا و التجئوا إلى المدينة ورأوا في إخوانهم الأنصار أنصارا و إخوانا قاسموهم أموالهم ومساكنهم و أعمالهم و أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام إذا انتقل إليهم أصبح في منعة و في قوة،و ربما توجَّه إلى قريش فأقلقها و أقضَّ مضاجعها، حينما أدركت قريش أن هجرة النبيِّ عليه الصلاة و السلام ستكون حاسمةً في تأسيس كيان إسلامي مستقلٍّ بإمكانه أن يتحرَّك و يقلق مضاجع الكفار، عندئذٍ تحرَّكت قريش.
روى ابنُ إسحاق: و لما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم له شيعةٌ و أصحابٌ من غير بلدهم و رأوا خروجَ أصحابه إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا و أصابوا منهم منَعةً فحذروا خروجَ النبي صلى الله عليه وسلم، و عرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون ما يصنعون في أمر النبيِّ عليه الصلاة و السلام حينما خافوه، ما الذي جرى في دار الندوة ؟ دارُ الندوة دار يعقد فيها زعماءُ قريش اجتماعات تشاور، و لا يقطعون أمرا إلا عن تشاور فيما بينهم وما جرى من نقاش و ما جرى من تشاور في دار الندوة، قال بعضهم: نحبس محمدا في الحديد و نغلِّق عليه الأبوابَ و نتربَّص به كغيره من الشعراء، ظنوه شاعرا، و لكنَّ هذا الرأي لم يلقَ استجابة من الحاضرين، طُرِح رأيٌ آخر، يخرجونه من ديارهم، ثم يتركونه يذهب حيث يشاء، و لكن هذا الرأي أيضا لم يلق استجابةً لأنهم خافوا حلاوةَ منطق النبيِّ، و سحرَ بيانه و قدرته على اجتذاب الناس، خافوا أن يجتمع الناسُ حوله فيصبح قوة كبيرة، إذًا رفضوا أن يحبسوه و رفضوا أن يخرجوه، بقيَ حلٌّ ثالث وهو أن يقتلوه، حينما اتَّفقوا على أن يقتلوه ولكن القتل له في الجزيرة العربية مضاعفاتٌ كثيرة، إن الأخذ بالثأر و إن العصبيات القبلية و أن بني عبد مناف كانوا من أعزِّ قبائل قريش و أن هؤلاء لن يدعوا أحدا يقتل محمدا و ينجو بدمه، إذًا ما العمل ؟ اتَّفقوا على أن يقتلوه بطريقة مأمونة، ذلك أن يختاروا من كل قبيلة فتى جلْدا شجاعا ثم يذهب إليه فضربوه جميعا بسيوفهم، و إذًا لا يستطيع بنو هاشم أن يقاتلوا العرب جميعا، عندئذٍ يرضون بالدية و يضيع دمُه بين القبائل جميعا.
الآن دقِّقوا ؛ ربُّنا عز وجل قال:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾

[سورة إبراهيم]
تصوَّر إنسانا قويًّا جدًّ عنده موظَّف ضعيف جدًّا، هذا الموظف ائتمر مع بعض الموظفين على الكيد لهذا المدير أو لصاحب هذه المؤسسة، فاجتمع سرًّا و تداول و خطَّط و كتب و سمى و برمج، هذه الورقة التي كتب عليها خطَّته كانت بعد دقائق عند صاحب المؤسسة،

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾

[سورة إبراهيم]
الآن هناك نقطة مهمة جدا ؛ هذه النقطة هو أن الله يعلم كل شيء معكم أينما كنتم، يعلم سركم و جهركم، يعلم الجهر و يعلم ما تخفي و ما تعلن، يعلم السرَّ و أخفى، ما خفي عنك يعلمه، فإذا كنت معه و أراد خصومُك أن يكيدوا لك أو أن يأتمروا عليك أو أن يخطِّطوا لإيقاع الأذى بك، يجب أن تعلم أن الله عز وجل يعلم كلَّ مكرهم، و أن مكرهم عند الله، معنى عنده، أي عليم به قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

[سورة إبراهيم]
مكرٌ عظيم و ربُّنا عز وجل يبيِّن حجم هذا المكرَ، عِظم هذا المكر، قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

[سورة إبراهيم]
و مع ذلك:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾

[سورة إبراهيم]
كلُّ هذه الخطة وكل هذا التشاور و كل هذا التآمر،و كل هذا الإعداد و كل هذا الترتيب في لمح البصر كان عند صاحب المؤسسة، وهو القوي أما ربُّنا عز وجل، و لله المثل الأعلى وهو يفكر، تفكيره مكشوف وهو يخطِّط تخطيطه مكشوف، وهو يطمح، طموحه مكشوف، وهو يتمنى تمنِّياته مكشوفة، وهو يصارع نفسه و هواه، صراعه مكشوف فإذا كنت مع الله عز وجل فإن الله مطَّلع على كل خصومك، عندئذ من توفيق الله، عندئذٍ من توفيق الله أنه يلهمك الخطة التي تبطل بها كيد خصومك، هؤلاء الذين بعضهم قال: نحبسه و بعضهم قال نخرجه وبعضهم قال نقتله، و بعضهم قال: نقتله بطريقة مأمونة، ننتخب من كل قبيلة فتى جلدا يضربونه ضربة واحدة يضيع دمُه بين القبائل، هؤلاء الذين فكَّروا و خطَّطوا و ائتمروا و فعلوا و دبَّروا غاب عنهم أن اله بيده كل شيء، و هو مع كل شيء، و لا يعجزه شيء، و قد مرَّ بنا في اسم العزيز أن من معاني العزيز أنه يحتاجه كلُّ شيء في كل شيء فحتى هؤلاء الذين ائتمروا على النبي عليه الصلاة و السلام حياتهم بيد الله عز وجل، لذلك إذا كنت مع الله فأنت أقوى مخلوق، لأن خصومك مهما كانوا أقوياء هم ف قبضة الله أولاً، و في علم الله، و تحرُّكهم بقوة الله، في أيِّة لحظة اللهُ سبحانه و تعالى قادر أن يشلَّهم و قادر أن يمنعهم،و قادر أن يحبط عملَهم، لذلك هذه السيرة ليست قصة تُروى و لكن أحداث لها دلالات و لها عبر و لها مغزى عميق، أنت بعد ألفٍ و خمسمائة عام، إذا كنت مع الله عز وجل من هو خصمُك ؟ أيستطيع أحدٌ في الكون أن ينالك بأذى إلا أن يشاء اللهُ، إلا أن يأذن الله، و إلا أن يسمح الله له بذلك، من هنا قال عليه الصلاة و السلام:

((لا يخافن العبد إلا ذنبه و لا يرجون إلا ربه))
قال: أوحى اللهُ للنبي عليه الصلاة و السلام بما دبَّروا له، المؤامرة متى تنتهي ؟ إذا كُشِفت، قوتها في خفائها، و ضعفها في انكشافها، فما دام الله يعلم السرَّ و أخفى، فكل هذا التخطيط اللهُ معهم، و هو معكم أينما كنتم، علِم ما ائتمروا بع و أبلغ النبّض عليه الصلاة و السلام، و انتهى الأمرُ، أنت كمؤمن ما علاقتك بهذا الموضوع ؟ إذا أطعت اللهَ عز وجل قد يبدو لك من القواعد المستنبطة من الحياة أن خصومك سوف يوقعون بك الأذى، إذا وقعت في صراع بين أن تطيع اللهَ و بين أن ترضيَ من هم فوقك، وهذا الصراع يقع دائما، و ربنا عز وجل لحكمة يريدها، يضع المؤمنَ في مكان صعبٍ أحيانا، منطق الأحداث و القواعد المستنبطة من علاقات الناس بعضهم ببعض تنبئك أنك إذا أغضبتَ فلانا فسوف يوقع بك الأذى الشديد، و أمرُ الله عز وجل يتناقض مع توجيه فلان، فهذا درسٌ لنا جميعا، إذا جاءك توجيهٌ أو جاءك ضغطٌ أو جاءك إغراءٌ من إنسان لا يعرف اللهَ عز وجل و أنت تعتقد أنه قويٌّ و بإمكانه أن يفعل بك ما يفعل، و أمرُ الله عز وجل إذا فعلتَه بحسب المظاهر و بحسب القواعد المستنبطة من منطق الأحداث ربَّما أوقع بك الأذى الشديد، أنت إذا أطعت الله عز وجل واعتمدت عليه و توكَّلتَ عليه ما الذي يحدث ؟ أن كلَّ كيدٍ يُكادُ لك في علم الله عز وجل، و أن الله يلهمك المواقف التي تحبط بها كيدهم و أنت لا تدري، هذا هو توفيق الله عز وجل.
إذًا أنا أتمنى عليكم لا أن تكون هذه الأحداثُ قصصا ممتعة تُروى أو قصصا نتبارك بها، بأنها قصة نبيِّنا عليه الصلاة و السلام لا الأمر أخطر بكثير، هذا الذي جاء في السيرة درسٌ تطبيقٌ للقرآن الكريم، أي السيرة، ألم تقل السيدة عائشة:عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

((َ فَقَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ))

[رواه البخاري]
إذًا القرآنُ متلوٌّ و مشاهد، مشاهد في سيرة النبيِّ، لذلك قال بعضُهم تجوُّزا: النبيُّ عليه الصلاة و السلام قرآن يمشي، فكلُّ آيات القرآن و كل قوانين القرآن و كل سنن القرآن متمثِّلة في سيرة النبيِّ عليه الصلاة و السلام، إذًا نحن أول استنباط من هذا الموقف، كفار قريش و زعماء قريش، الرجال الأقوياء الذين أمرهم نافذٌ في بلدهم، بل و في الجزيرة العربية اجتمعوا و قرَّروا و أخذوا احتياطات ودبَّروا و ائتمروا، قال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16)﴾

[سورة الطارق]
وشتان بين كيد البشر و بين كيد خالق البشر، و شتان بين كيد المخلوق و كيد الخالق، و شتان بين كيد الضعيف و بين كيد القوي، شتان بين كيد الجاهل و بين كيد العالِم، شتان بين كيد الحادث و بين كيد القدير فإذا كنت مع الله كان الله معك، كان اللهُ معك، و إذا كان اللهُ معك فمن عليك و إذا كان الله عليك فمن معك، هذا درسٌ يجب أن تطبِّقه كلَّ يوم اشعُر دائما أنك إذا وقعت في ظرفٍ حرج بين أن تطيع الله عز وجل، و تغضب زيدا و يحنق عليك زيدٌ و يتوعَّدك زيد و يلوِّح لك زيد بما عنده من عقوبات، إذا وقعت في ظرف حرج بين أن تطيع الله عز وجل وأن تغضب مخلوقا أو أن تطيع مخلوقا و تغضب خالقا، فاعلم علمَ اليقين أنك إذا أطعتَ الله عز وجل منعك من خصومك، لأنهم في قبضته، و حركاتهم في علمه، و كيدهم عنده، ممكن أن تكتب على ورقة شيئا بعد فترة بسيطة يصل إلى خصمك ما في الورقة، أما وأنت تكتب هي عنده فوق طاقة البشر، قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾

[سورة إبراهيم]
أي وهم يمكرون مكرهم عند الله عز وجل، هذا شيء فوق طاقة البشر هناك آية ثانية دقيقة جدا، قال تعالى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾

[سورة الزخرف]
أنتم هكذا خطَّطتم و هكذا قرَّرتم، و هكذا أجمعتم على قتله، و أن يقتله فتيان من كل قبيلة، و أن يضيع دمُه بين كل القبائل، و أن تعجز بنو مناف عن الأخذ بالثأر من كل هؤلاء جميعا، إذا يضيع دمُه و يقبلون الدية، هكذا خطَّطتم، و هكذا أبرمتم، قال تعالى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾

[سورة الزخرف]
و نحن قرَّرنا أيضا، قرَّرنا أن ننجِّيَّه و نجعله سيِّد البلاد و العباد و أن يأتي إلى بلدكم فاتحا و أن تكونوا جميعا رهن إشارة منه، لو أشار إشارةً لقُتلتم جميعا، و أن يقول لكم: ما تظنون أنيب فاعل بكم ؟ يقولون أخ كريم و ابن أخ كريم، فيقول عليه الصلاة و السلام:

((اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
أنتم هكذا أبرمتم ونحن هكذا أبرمنا، فالبطل هو الذي مع الله دائما، لأن أمر الله هو النافذ، يا فلان و يا شيبة بن ربيعة و يا عتبة و يا أمية بن خلف ؛ خاطبهم في بدر واحدا واحدا، أوجدتم ما وعد ربُّكم حقًّا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا، لقد أخرجتموني و آواني الناسُ خذلتموني و نصرني الناسُ، قالوا أتخاطب قوما جيَّفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إذًا أن تكون مع الحق دائما، الحق هو المنتصر هو الأبدي السرمدي، أنا تأثرتُ أنهم اتَّفقوا، نحبسه، لا، قد يأتي أصحابُه فيأخذونه من حبسه، نقتله، مشكلة، نطلقه مشكلة، إذًا يجب أن نقتله بطريقة مأمونة، قال تعالى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾

[سورة الزخرف]
فإذا كنت مع الواحد الديَّان، و إذا كنت أنت من حزب الله قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)﴾

[سورة المائدة]
إذا كنت وليًّا لله، قال تعالى:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

[سورة يونس]
هنا البطولة، أن تعرف مع من تقف، أن تعرف مع من تناصر، أن تعرف من هو الأقوى، الإنسان الذكي إذا وجد جهتين إذا كان يحبُّ ذاتَه و لا يعلِّق أهمِّية على صحة المبادئ يرى أيُّهما أرجح كفَّة و أيهما أقوى ينحاز له لضمان مستقبله، أنت يجب أن تؤمن أنك إذا كنت مع الله فأنت أقوى إنسان، و هكذا قيل: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، و إذا أردت أن تكون أكرمَ الناس فاتَّقِ الله، و إذا أردت أن تكون أغنى الناس، فكن بما في يدي الله أوثقُ منك بما في يديك، طبعا هذا الاجتماع الخطير الذي ائتمرت فيه قريش على قتل النبيِّ بشكلٍ يسير بُلِّغ للنبيِّ عن طريق الوحي، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام وضع خطَّة بإلهام من الله عز وجل للردِّ على هذه المؤامرة على قتله.
أوَّلاً: أوحى إلى ابن عمِّه - القضية قضية ساعات، و الموضوع كلُّ أصحابه أصبحوا في المدينة،و الأنصار وقفوا موقفا مشرِّفا وهو ينتظرون النبيَّ، فصار هناك أرضٌ، و صار فيه كيان و صار فيه قوة و صار فيه خطر، فقريش معها ورقة رابحة باللغة الحديثة، هو النبيُّ فإذا قتلته انتهت الدعوةُ، فإذا أُفلِت من بين يديها انتهت قريش، فالقضية قضية مصيرية، فاجتمعت و قرَّرت و النبيُّ عليه الصلاة و السلام تلقَّى وحيا من الله عز وجل بما دار في دار الندوة، ووضع خطَّة محكمة بمعونة الله عز وجل و اتِّكالا عليه و ثقة بنصره، و ثقة بأنه معصوم من أن يُقتل، و بأنه نبيُّ هذه الأمة، ونفَّذ الخطة، أنت كمؤمن، و المؤمن لا يأتيه الوحيُ، الوحي انتهى قولا واحدا، طبعا بالمناسبة أنواع،قال تعالى:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)﴾

[سورة الزلزلة]
هذا وحي الأمر للجمادات، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)﴾

[سورة النحل]
هذا وحي الغريزة للحيوانات، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾

[سورة القصص]
هذا وحي الإلهام، وقال تعالى:

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ﴾

[سورة يوسف]
هذا وحي رسالة، فوحي الرسالة انتهى، لكن يمكن أن يأتي إلهانٌ من الله عز وجل، يكون لك خصمٌ دبَّر لك شيئا، فربُّنا عز وجل علِم هذا الشيء فألهمك أن تتَّجه إلى هذا المكان بدلا من هذا المكان، هذا الشيء يقع كلَّ يوم، إذًا علاقة المؤمن بهذه القصة أنك إذا كنت مع الله عز وجل ألهمك الطريق المناسب، و ألهمك الطريق السليم، ألهمك الطريق الذي ينجِّيك من خصومك، ألهمك تصرُّفا و أو موقفا تحبط به مؤامرة خصومك، طبعا لا يوجد إنسان ليس له أعداء، و العداء بين الحق و الباطل قديم و مستمر، فإذا كنت مع الله عز وجل و كان لك خصومك كأن الله عز وجل يلهمك أن تفعل كذا و أن تقول كذا أو أن تمتنع عن الذهاب إلى هذا المكان، أن تذهب إلى هذا المكان، أن تخاطب فلانا و أن تصاحب فلانا، هذا إلهامات هي ثمن و جزاء استقامتك و اعتمادك و اتِّكالك و اعتزازك و طاعتك، و الحقيقة أنك بين إلهام و بين وسوسة فإما أن تتحرَّك بوسوسة الشيطان، و الدعاء الشهير: اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم..." أحيانا الإنسان يفكروا يفكر و يفكر، يخطِّط و يجمع و يطرح و يقسم و يضرب، و يأخذ رأي أصدقاءه ويعمل عملا يكون فيه أجلُه و يكون فيه إفلاسه، و يكون فيه تدميرُه، العاصي يتحرك بوساوس الشيطان، أما المؤمن نظير استقامته و طاعته لله و محبّته لله و اعتماده عليه و توكُّله عليه، يتحرَّك بإلهام من الله عز وجل يلهمه، و القصص على هذا أكثر من أن تُحصى و المؤمن - و أنا واثق بكلامي - المؤمن يشعر أن قوة خفيَّة تدفعه أن يفعل كذا، أو أن يغيِّر اتِّجاهه أو أن يفعل كذا أو أن يقول كذا أو أن يقف هذا الموقف، في النهاية يرى أن هذه المواقف نجَّته من ملمَّة كبيرة،قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

[سورة الطور]
و هذا معنى قوله تعالى:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾

[سورة الأنفال]
قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾

[سورة البقرة]
قال تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)﴾

[سورة التوبة]
و معية الله عز وجل الحفظ و التأييد و النصر و الرعاية.
هذا أولُ درس، مستقيم مهما كان خصمُك قويًّا، حركته بعلم الله و بقبضة الله، بعلم الله و بقبضته، فيلهمك التَّحرُك المناسب لإحباط خطة خصمك، هذا ملخَّص الملخَّص، إذا كنت مستقيما ألهمك الله حركة خاصة تكتشف بعد حين أن هذه الحركة أحبطت خطَّة خصمك، أحيانا يكون موظَّف مؤمن مثلا، مستقيم و دخله حلال أربك الآخرين باستقامته أربك الآخرين، وكشفهم، فيأتمرون عليه،و يلقون عليه بتهمٍ باطلة، و يوّشُون به عند رؤسائهم، و يجعلون من هم فوقه يحنقون عليه هو لا أقول ساذج، و المؤمن ليس ساذجا، المؤمن كيِّس فطِن حذِر لكن باللغة الدراجة " يا غافلا لك الله " هو مستسلم لله عز وجل، و طبَّق شرع الله و ما قبِل الحرام، فتجد ما الذي يحصل، أن كل كيد خصومه عند رؤسائه، ينفضح و ينكشف و تعود الدائرة عليهم، و يزداد قوةً في عمله.
الآن الفكرة أنا أعلِّق عليها أهميَّة كبيرة، نحن عندنا شيء اسمه منطق الأحداث، هناك مراكز قوى في الحياة، فلان قوي و فلان ضعيف، و فلان غنيٌّ و فلان فقير، و فلان يستطيع أن يؤذي و فلان لا يستطيع أن يؤذي، عندنا منطق أحداث، هذا المنطق إذا أنت آثرت طاعة الله عز وجل يتعطَّل، مثلا، جاءك ضغطٌ معيَّن إن لم تفعل كذا تخسر عملك وهذا الفعل يغضب اللهَ عز وجل، لا أفعل و ليكن ما يكون، بمنطق الأحداث يجب أن تخسر عملك، بمنطق الرحمن تزداد قوة في عمل، و يعلو شأنُك و تُمنح ثقة لا حدود لها، و ينقلب خصومُك صغارا مكشوفين يظهر حقدُهم وحسدُهم، و تنكشف مكيدتهم، فإياك أن تستسلم لمنطق الأحداث، استسلم لمنطق القرآن، قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

[سورة النحل]
و قال تعالى:

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

[سورة المائدة]
إذًا هذا أول درس زعماء قريش اتَّفقوا و اجتمعوا و وضعوا خطة محكمة دقيقة، أبلغها اللهُ للنبي و ألهمه خطةً أحبط بها خطَّتهم، -ماذا فعل النبيُّ، قال أوحى إلى ابن عمِّه عليٍّ رضي الله عنه أن يبيت في فراشه تلك الليلة،و أخبره بما كان من عزمه على الهجرة، و أمره أن يتخلَّف عنه حتى يؤدِّيَ ما عنده من الودائع إلى أصحابها، و كان صلى الله عليه و سلم موضعَ ثقة من أهل مكة جميعا، فكانوا يحفظون عنده أماناتهم وودائعهم، ماذا نستنتج ؟ أنا لا تهمُّني الأحداثُ......رأوه على السرير في الفراش، اطمأنوا و ألبسه برده الأخضر، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام خرج من بينهم و لو يروه، أنا مؤمن إيمانا بكل خلية من خلاياي أن كل مخلوق أمامك قد يراك و قد لا يراك، أحيانا يكون الشيءُ معقَّدا جدًّا تجد هذا الموظَّف ببساطة وافق لك، ببساطة عجيبة جدا،ممكن يسبب لك متاعب لا تنتهي، فهذا الموظف ملهَم من الله عز وجل، إنما ربُّنا يوجِّهه توجيها بالتدقيق أو بالتساهل، فهؤلاء الذين وقفوا على باب بيت النبي عليه الصلاة و السلام وهو يتربَّصون به ليقتلوه و أيديهم على سيوفهم، كيف خرج من بينهم و لم يروه، و حينما خرج أمسك حفنةً من تراب و ألقاها على رؤوسهم و قال:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)﴾

[سورة يس]
أنت كمؤمن هذا الذي أمامك مخلوق بيد الله، ممكن ربُّنا عز وجل يعميه عنك، ممكن يفتِّحه عليك، و ممكن ينبِّهه إلى شيء، و ممكن لا ينبِّهه فأنت علاقتك مع الله عز وجل و ليس مع الأشخاص، هذا الشخص بيد الله، هذا الدليل، شباب أشدَّاء أقوياء أيديهم على الزناد بالتعبير الحديث أي على السيوف وهم ينتظرون خروج النبي ليقتلوه و ينفِّذوا خطَّة قريش و النبي عليه الصلاة و السلام خرج من بينهم و ألقى عليهم التراب و قد أصابهم نعاسٌ شديد، غفلوا عنه و خرج من بينهم، قال:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)﴾

[سورة يس]

خرج من بينهم و هم ينظرون إلى فراش النبي وهم مطمئنون أنه في الفراش، و الحقيقة عليٌّ مكانه، و قد سجِّيَ ببرده الأخضر، و لكن عندنا استنباط آخر، و الاستنباط الآخر أقوى ؛ أن هؤلاء الذين اتَّهموه و الذين لم يستجيبوا له لماذا وضعوا عنده أماناتهم ؟ إذًا هو موضعُ ثقة فيهم إذًا هو عندهم صادق، هم ما كذَّبوه لأن الصدق و الأمانة متلازمان، ما دام أمينا فهو صادق، هو صادق و أمين، إذًا كِبرهم ومصالحهم منعتهم من أن يؤمنوا به، و استنباط آخر أن المؤمن دائما موضع ثقة، موثوق بالتجارة موثوق، بكل عمل موثوق، و يؤدِّي الأمانات إلى أهلها، أكبر دعم للمؤمن أن الناس جميعا على اختلاف آراءهم فيه و على اختلاف تقييمهم له وعلى اختلاف ردود فعلهم اتِّجاه إسلامه أما متَّفقون جميعا أنه أمين و لا يخون أبدا، هذا شيء ثابت، إذا كنت مؤمنا حقًّا أنت موضع ثقة، و النبي الكريم قال:

((الأمانة غنى))

لمجرَّد أن تكون أمينا أنت غنيٌّ بالمعنى المادي، لأنك إذا كنت أمينا مُنِحت ثقةَ الناس،و إذا منِحت ثقة الناس تحرَّكتَ حركة واسعة جدًّا.
أذكر صديقا لي يعمل في التجارة، ذهب إلى حلب و دخل إلى معمل ضخمٍ جدّا و هذا المعمل ينتج منسوجات، و لكن عليها طلب شديد، طلب منه بضاعة دينا، قال له انتظر أسبوعا، حضر صاحب المعمل إلى الشام، و سأل عن الصديق، فجاء الجوابُ طيِّبا جدا، معه طيبة و نزيه و أمين، فقال له: أنت لك عندي رصيد سقف مليون ليرة ؛ هذه منذ عشر سنوات ؛ فأْت ببضاعة و بِعها وادفع ثمنها، هذه السمعة الطيبة و هذه النزاهة و الأمانة سبَّبت له غنى ماديا، جاءته بضاعة بمليون ليرة و باعها و ربح و دفع ثمنها، لو كان مشكوكا في أمانته لم يبيعوه إلا نقدا، إذًا الأمانة غنى مادي، و الحقيقة شيء عجيب جدا، الأمين متعفِّف و نزيه وورِع، ظاهر الورع أن تحت يديه أموال كان بإمكانه أن يستفيد منها، قال تعالى:

﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)﴾

[سورة الحشر]
نظير هذه الأمانة و الورع و الزهد و العفَّة أن الله عز وجل يجعله موضع ثقة الناس جميعا، و إذا كان موضع ثقة الناس جميعا أصبح غنيًّا بالمعنى المادي أيضا، أس ثقة الناس بط رأسُ مال آخر، أنا أقول لإخواننا يعملون في التجارة أنت كم رأس مالك ؟ مائة ألف، إذا كنت مستقيما و أمينا يصبح رأسُ مالك خمسين مليون، لأنه عندئذ يثق الناس بك، حتى الأجانب إذا شعروا أن هذا الإنسان موضع ثقة يمنحوه تسهيلات، إذًا الأمانة غنى كما قال النبيُّ الكريم، النبي عليه الصلاة و السلام وهو لم يصدِّقوا دعوته و لم يستجيبوا له لكن أموالهم وودائعهم و نفائسهم موضوعة أمانة عنده، هذا ماذا يعني ؟ أنه صادق في دعوته و لكن كِبرهم و حسدهم ومصالحهم و زعامتهم منعتهم من أن يؤمنوا به و ليس الذي يظنه الناسُ أنهم لم يقتنعوا
روى ابنُ إسحاق عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت:كان لا يخطئ رسولَ الله صلى الله عليه و سلم أن يأتي بيتَ أبي بكر أحدَ طرفي النهار اللقطة النبيُّ عليه الصلاة و السلام كان يزور أبا بكر كل يوم في بيته المودة و المحبة، دائما الزيارة تسبب المودة، النبيُّ ممكن أن يقول له تعالَ إليَّ، طبعا يستجيب، لكن إكراما لهذا الصحابي الجليل، و إكراما لسيد الصحابة كان النبي عليه الصلاة و السلام لا يخطئ، و معنى لا يخطئ هنا لا يفعل، لا يغفل عن أن يفعل، لا يخطئ أن يأتيَ بيت ؟أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بُكرة و إما عشيَّةً، حتى إذا كان اليومُ الذي أذِن الله فيه لرسوله في الهجرة و الخروج من مكة بين ظهري قومه أتانا - كلامُ من ؟ كلام السيدة عائشة - قالت أتانا رسولُ الله صلى الله عليه و سلم بالهاجرة، في وقت غير معتاد، الظهيرة، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسولُ الله في هذه الساعة إلا لأمرٍ جللٍ، لأمر خطير، العادة مع البراد باللغة الدارجة العصر، أو صباحا، أما في الهاجرة، ما جاء رسولُ الله صلى الله عليه و سلم إلا لأمر خطير، فلما دخل تأخَّر له أبو بكر عن سريره فجلس عليه الصلاة و السلام و ليس عند أبي بكر إلا أنا و أختي أسماء بناته الصغار فقال عليه الصلاة و السلام: أخرج عني من عندك، هو قال:

((استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان))
أحيانا يكون عندك شخص مهمٌّ و طفل صغير واقف، تنسى أن الطفل يسمع، هذا الطفل أحيانا ينقل، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام قال:

((المؤمن كيس فطن حذر))
و:

(( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان))
هكذا المؤمن، فقال: أخرج عني من عندك قال يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وهذه لها معنى آخر أي الإنسان أولاده و بناته جزءٌ منه، وما ذاك، ذاك أبي و أمي، قال: إن الله قد أذِن بالخروج و الهجرة، هذا الخبر أسرَّه لسيدنا الصديق بعد ان جاء التوجيه الإلهي، فقال أبو بكر: الصحبة، أي هل بالإمكان أن أصاحبك يا رسول الله، قال: الصحبة نعم، قالت عائشة: فو الله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيتُ أبا بكر يومئذ يبكي ثم قال: يا نبيَّ الله إن هاتين راحلتين كنتُ أعددتهما لهذا أي شعر أنه قد يهاجر مع النبي، فاشترى راحلتين و علفهما و هيَّأهما ليكونا مطيتي رسول الله و صاحبه، فاستأجرا عبد الله بن أرقط رجلا من بني الدؤل بن بكر و كان مشركا، ماذا عندنا كاستنباط من هذا ؟ هذا الرجل خبير بالطرقات، و يستطيع أن يمشي بهما في طريق آمنٍ، بين التلال و بين مسارب الوديان، بطريقة لا يُكشَف، و أنا حينما كنت في الحج أُنبِئتُ أن الطريق الحديث جدا بين مكة و المدينة هو طريق الهجرة الذي سار به النبيُّ صلى الله عليه و سلم، الاستنباط من هنا، أنه أحيانا قد تكون الخبرة عند غير مسلم، هذا غير المسلم ليس معاديا، لكن يجب أن نستفيد من خبرته، فالسؤال دقيق، استأجرا عبد الله بن أرقط، رجل من بني دؤل بن بكر و كان مشركا يدلهما على الطريق و دفعا إليه راحلتيهما و كانتا عنده يرعاهما لميعادهما، الخطة التي رسمها النبيُّ صلى الله عليه و سلم أنه حينما يخرج من البيت تقوم قائمةُ قريش، أين ذهب النبيُّ، إذًا يجنِّدون كلَّ قواهم لإدراك و اللحاق به و إلقاء القبض عليه، إذًا ليس من الحكمة أن يتَّجه النبيُّ إلى المدينة، مستحيل، هو ضعيف، هو مع الصديق رجلان، أما قريش قبيلة و هو أشدَّاء أقوياء حاقدون، إذًا من الذكاء و الحكمة و الفطنة أن يختبأ النبي في أيام ثلاثة إلى أن تضعف همَّةُ قريش في البحث عن النبي، و الخطة المرسومة أن يخرج النبيُّ عليه الصلاة و السلام مع صاحبه الصديق إلى غار ثور، و أن يختفيا في هذا الغار مدةً، حتى ينظرا ما يكون من حال القوم في شأنهما، حتى إذا هدأت العاصفةُ و كفَّ الطلبُ عنهما أخذا في السير إلى المدينة من طريق غير الطريق المألوف، و كان لا بدَّ لهما من دليل حاذق يهديهما سواء السبيل و يأخذ بهما آمنَ طريق و أبعده عن عيون القوم، فاختارا لذلك عبد الله بن أرقط و واعداه أن يوافيهما بعد أيام ثلاثة عند غار ثور، هناك خطة، أنت كمسلم هكذا من دون إعداد و من دون تخطيط و من دون تدبير، أخي اتركْها لسيدنا، أنا على الله نتوكل، والله لا يضيِّعني، هذا موقف غير إسلامي، بالتجارة و في الدراسة و في الزراعة و في العمل و في الوظيفة و في كل شيء خطَّط و هيِّأ لكل مشكلة جواباً و هيّأ لكل ثغرة ما يسدُّها، و هيِّأ لكل مفاجأة ما تغطِّيها به، هكذا فعل النبيُّ، و لو أنه خرج من مكة إلى المدينة احتمال أن يدركه القومُ قويٌّ جدا، تكون ممنوعا معصوما لتا يكفي هذا و ليس معناه يكفي، هو مشرِّع، مع أنه معصوم علَّمنا كيف نأخذ بالأسباب.
قال: غار ثور كهف بأعلى جبل ثور، وهو جبل عالٍ ذو قمَّتين، لا تقل قُمة، القمة من القمامة، قل قِمة، بكسر القاف، جبل عالٍ ذو قمتين على ثلاثة أميال من جنوب مكة، أي تقريبا أربعة و نصف كيلو متر أو خمسة كيلو متر، مسير ساعة، في الطريق المنحدر منها إلى اليمن و المدينة نحو الشمال، و توجَّه النبيُّ على عكس ما يخطر في بال كل الملاحقين و المطاردين، كل المطاردين نحو الشمال، هو اتَّجه نحو الجنوب، نحو طريق اليمن، قال: يمشي السَّائرُ فيه نحو ساعتين في طريق ليِّنٍ كثيف الرمال، ثم يصعد فيه صعودا هيِّنا حتى يصل إلى قمَّته القريبة، فإذا وصل إليها مشى قليلا في طريق ممهَّد سهل كأنه برزخ ثم يأخذ في الصعود إلى القمة الأخرى في مرتقى وعرٍ شديد الانزلاق انحداره شديد، كثير المضايق و الصخور، فلا يزال كذلك يبذل من جهده و قوته و يستعين بكل خبرته و حذقه حتى يصل إلى الغار عند القمة، إذا الواحد ذهب إلى العمرة و أُتيح له أن يزور غار ثورٍ فليفعل ليرى كيف أن الله عز جل حمى نبيَّه صلى الله عليه و سلم في هذا الغار و كانت هذه الحماية سبب انتشار الإسلام، حتى يصل إلى الغار عند القمة الثانية فيجده كهفا ضيِّقا لا تزيد مساحته عن مترين و نصف رابضا تحت صخرة ضخمة تغشِّي جوفَه ظلمةٌ خفيفة له فتحتان، فتحة ضيِّقة في جانب منه، و أخرى من جانب آخر لا تزيد سعتها عن نصف متر، يجب أن يدخلها راكعا أو منحنيا، وهي التي يستطيع الداخلُ أن يدخل منها بغير مشقة كبيرة، ماذا فعل سيدنا الصدِّيق ؟ أبى أن يدخل إلى الغار إلا قبله، لعل فيه أفعى لعلَّ فيه عقرب و لعلَّ فيه سبع، و لعلَّ فيه وحش، هذه قمة التضحية من أجل النبي عليه الصلاة و السلام، في تلك الليلة بات فتيان قريش يرصدون دارَ النبي ليقتلوه عند خروجه، فليس من عادة العرب أن يقتلوا شخصا في عقر داره، هذه عادة كانت متَّبعة و بات عليُّ بن أبي طالب في فراش النبيِّ و تغطَّى ببرده الحضرميِّ الأخضر و جعل القومُ كلما نظروا من خِصاص الباب رأوا عليًّا فظنوه رسول الله، فاطمأنوا،فلما تنفَّس الصبحُ و انكشف الظلامُ قام النائمُ من فراشه فإذا هو عليُّ بن أبي طالب، فجُنَّ جنونُ القوم و طار صوابُهم و حدقوا بعليٍّ ينهرونه و يتجاذبونه و يسألونه عن محمد أين ذهب و أين اختفى فيقول عليٌّ في هدوء لا أدري، أمرتموه بالخروج فخرج فجعلوا يضربونه و يناوشونه بأيديهم و عصيِّهم حتى أخرجوه إلى المسجد فحبسوه هناك و اجتمع القومُ عليه يحاولون بكل وسيلة أن يعرفوا منه مكان النبيِّ فلم يستطيعوا، فلما استيأسوا منه أطلقوه و تفرَّقوا يبحثون عنه في كل مكان و ينقِّبون في كل فجٍّ، و يسألون كلَّ غادٍ و رائحٍ و يقطعون الأرضَ شرقا و غربا و شمالا و جنوبا، و يتتبَّعون آثار الأقدام في كلِّ طريق، و خرج الغضبُ و الغيظُ بهم عن أطوارهم فجعلوا يتخبَّطون بما يفعلون.
روى ابنُ إسحاق: خرج النبيُّ عليه الصلاة و السلام و أبو بكر رضي الله عنه قالت عائشة: أتانا نفرٌ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم فقالوا: أين أبوكِ يا بنت أبي بكر ؟ قلتُ: لا أدري و اللهِ أين أبي، فرفع أبو جهل يدَه و كان فاحشا خبيثا فلطم خدَّي لطمةً طرح منها قُرطي، أي الحلق، و بالمناسبة، سمعتُ أو قرأت أن أبا جهل أيضا أراد أن يؤذيَ ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، السيدة فاطمة، و كانت صغيرة جدا، سألها أين أبوكِ ؟ قالت: لا أدري، فضربها ضربا شديدا، فسمع بهذا أبو سفيان، فذهب إلى بيت أبي جهل و عنَّفه ووبَّخه و قد حمل فاطمة على يده و قال: اضربيه هكذا سمعتُ، لما بلغ النبيَّ صلى الله عليه و سلم هذا رفع يديه إلى السماء و قال: يا ربي لا تنسَها لأبي سفيان، أي كلُّ شيء مسجَّل، كل موقف و كل دفاع، فيُقال أن هذا الموقف من أبي سفيان الذي حارب النبيَّ ثلاث مرات لا تنسَها لأبي سفيان، انتهت حياتُه بالإيمان، آمن بالنبيِّ و أسلم و حسُن إسلامُه، فالإنسان يعتقد أن كلّ حركة و كل سكنة مسجَّلة عليه، هذه عبارة حديثة، ذاك الموقف سجَّلناه، انكتب، و سوف تُحاسَب عنه، أنت اعتقِد أن الله عز وجل سيسجِّل عليك كل موقف وقفتَ موقف المنسحِب، موقف المتبني، موقف المدافع، موقف المتَّقِد حماسا، موقف اللامبالي، موقف الغيور، موقف الشامت، هذه كلها مسجَّلة، فأنت مواقفك تعبير عن ذاتك، و عن إيمانك و عن عقيدتك و عن محبَّتك و عن ورعك و استقامتك، فهذا أبو جهل بن هشام كان فاحشا خبيثا فلطم خدِّي لطمةً طرح منها قرطي.
يروي صاحبُ الدُّرِ المنثور فيما رواه أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم مشى ليلةً على أطراف أصابعه، لئلا يظهر أثرُ رجليه على الأرض العرب كانوا أذكياء جدالا في اقتفاء الآثار، كانوا يعرفون المرأة الحاملَ من آثار أقدامها، يعرفون ذكرا أو أنثى، و كم هي في السنِّ و حامل أو غيب حامل، من آثار الأقدام، هذا علم تفوَّق به العربُ جدا، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام لئلا تظهر آثارُ أقدامه على الأرض كان يمشي على أطراف أصابعه، حتى حفيت قدماه و أنه لم يصل الغارَ حتى تقطَّرت قدماه دمًا، ألم يقل عليه الصلاة و السلام: عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

[رواه الترمذي]
الله يجعلنا من هؤلاء ممن يتبِّع هذا النبيَّ العظيم.
موقف أخير ؛ سيدنا الصديق وهما في طريقهما إلى الغار يمشي تارة خلف النبيِّ و تارة أمام النبي، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام سأله و قال له: لمَ تمشي هكذا ؟ قال: يا رسول الله أذكر الطلبَ، يلاحقونك ؛ فأمشي خلفك، و ذكر الرُّصدَ ؛ ينتظرونك، فأمشي بين يديك، هل هناك أرقى من هذه المحبَّة ؟ خطر في باله أنهم يلاحقونه فيشمي وراءه حتى يكون درعا له، و خطَر بباله خاطرٌ آخر، لعلَّهم أمامه ينتظرونه مشى بيت يديه، فالنبيُّ استغرب، لم تفعل هكذا ؟ قال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، و أذكر الرصد فأمشي أمامك.
على كلٍّ هذه القصة أجملتها آيةٌ واحدة، قال تعالى:

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)﴾

[سورة الأنفال]
أي مكره يعود بالخير على كل العباد، و الإسلام انتشر، مكرُ الله عز وجل يعني تدبيره في ردِّ مكر الكفار، و حفظ النبيِّ عليه الصلاة و السلام، ولم تكَد تمضي أيامٌ ثلاثة حتى يئست قريشٌ من العثور على النبي صلى الله عليه وسلم و أيقنت أنه أُفلِت من يديها و أخذ في طريقه إلى أصحابه في المدينة فكفَّت عنه البحثَ و جعلت مائة ناقة لمن يأتني بالنبيِّ حيًّا أو ميِّتا، طليقا أو أسيرا، و إن شاء الله في درس قادم نتابع طريق الهجرة، و لكنني أُلحُّ عليكم مرة ثانية أن الأحداث معروفة، و أنا حينما أتلو على مسامعكم بعض هذه الأحداث لا ألقي عليكم جديدا، و لكن الذي أعلِّق عليه أهميَّة كبيرة هي الدلائل و العبر و الاستنتاجات و الدروس التي يمكن أن تُستنبط من هذه السيرة كي تكون لنا نورا مضيئا في حياتنا، فنحن عندنا نقطتان أو ثلاثة من أول الدرس ممكن أن الله عز وجل يلهمك الصواب دائما، كلما ائتمر عليك خصومُك يلهمك خطة تحبط بها مساعيهم، هذه لكل مؤمن مستقيم، و الله تعالى ماذا قال:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

[سورة الأنبياء]
الحديث عن سيدنا يونس قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

[سورة الأنبياء]
يُستنبط من هذه الآية أن الله عز وجل إذا حفظ أنبياءه الكرام على قدر إيمانهم و على قدر إخلاصهم و على قدر ورعهم ينالهم نصيبٌ من حفظ الله عز وجل لهم.
والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم    الإثنين 12 نوفمبر - 23:31

أيها الأخوة الأكارم ؛ لما أذِن الله تعالى لرسوله في الحرب و بايعه الأنصارُ على الإسلام أمر النبيُّ صلى الله عليه و سلم أصحابَه من المهاجرين و ممن معه بمكة بالخروج إلى المدينة و الهجرة إليها، و اللحوق بإخوانهم الأنصار و قال: إن الله قد جعل لكم إخوانا و دارًا تأمنون بها.
أقف وقفةً قصيرة عند هذه الكلمة ؛ إن الله قد جعل لكم إخوانا، أي من نعم الله الكبرى على المؤمن أن له إخوانا يعيش معهم، و يبثُّهم مشاعره و يجدهم عند الشِّدة، يصغي إليهم بمشكلاته، و يأخذ من علمهم و يأخذ من حكمتهم و يأخذ من مسيرتهم، يقدِّم لهم ما عنده و يأخذ ما عنده هذه الحياة التي بين المؤمنين فيها من المودَّة و التناصح و المحبَّة و السعادة ما لا سبيل إلى وصفه، فلذلك لا ينبغي للمؤمن أن يتَّخذ أولياء من دون المؤمنين، و لا ينبغي أن تقيم علاقات حميمة مع غير المؤمنين لا ينبغي أن تشارك غير المؤمنين، و لا ينبغي أن تعامل غير المؤمنين، المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةٌ متوادُّون و لو ابتعدت منازلهم، و المنافقون بعضهم لبعض غششَة متحاسدون و لو اقتربت منازلهم، و قد لا تصدِّقون أن نجاح هذه الدعوة الإسلامية كان بسبب هذا التعاون المتين بين المهاجرين و الأنصار، المهاجرون في مكة ضيَّق الكفارُ عليهم، و قيَّدوا حركتهم و أتمروا عليهم، و عذَّبوهم و نكَّلوا بهم، و أصبح الطريق مسدودا، و أصبح الأملُ مفقودا، جاء الأنصارُ آمنوا بالنبيِّ عليه الصلاة و السلام، و جعلوا أرضهم أرضا للمهاجرين و قاسموهم أموالهم و قاسموهم بيوتَهم، و قاسموهم بساتينهم و قاسموهم أعمالَهم فأصبح للإسلام أرضًا أساسُ كيان المجتمع، أو أساس كيان الدولة، إذًا قد لا نصدِّق أن هذه الدعوة الإسلامية العظيمة سببها هذا التعاون، فلذلك ما قيمة أن تعتقد اعتقادا صحيحا و بيننا التحاسد و بيننا التنابذ و بيننا التباغض.
أنا أريد من هذه الحقيقة، و حقيقة السيرة موضوع خطير جدًّا، و اللهِ الذي لا إله إلا هو لو فهمنا أبعادَ السيرة النبوية لكنا في حال خير من هذا الحال، أساس الدعوة الإسلامية مبنيةٌ على المحبة بين المؤمنين، مالك تجد في آخر الزمان هؤلاء مؤمنون و هؤلاء مؤمنون و الهدف واحد و القرآن واحد و النبيُّ واحد، مالك تجد عداءًا و اتِّهاما و معركة قذرة بين الجماعات الإسلامية، هكذا كان المسلمون ؟ لن يصلح هذا الدين إلا بما صلُح به أوَّلُه، بدأ هذا الإسلام غريبا و سيعود غريبا فطوبى للغرباء، أنا الذي أقرأه في هذه السيرة عن المودَّة بين الأنصار و المهاجرين شيء يفوق التَّصوُّر، إذًا نحن علينا أن نقلِّد، إن لم كذلك علينا أن نقلِّد، هكذا علَّمنا النبيُّ، قال:

((إنما الحلم بالتحلم))
إن لم تكن حليما تصنَّع الحلمَ إن العلم بالتعلُّم، و إنما الكرم بالتكرم، أي إن لم تكن تشعر بهذه المحبَّة الجارفة، هذا الحبُّ لأخيك المؤمن فلا أقلَّ من أن تقلِّد الأنصار في خدمة إخوانك و في التَّودُّد لهم و في التعاون معهم و في محضهم النصيحة، إن لم تكن كذلك فقلِّد.
الحقيقة نحن مقياسُنا بالممارسة اليومية، مقياسنا بالعمل، كلُّ هذه المحاضرات و كل هذا الإنصات، و اللهِ لا قيمة له إن لم تكن في بيتك و في عملك مع أخيك ذا ودٍّ و ذا محبَّة،فقال النبيُّ عليه الصلاة و السلام:

((إن الله قد جعل لكم إخوانا و دارا تأمنون بها ))
فخرج أصحابُ النبيِّ عليهم رضوان الله إلى المدينة أرسالا و أقام صلى الله عليه و سلم بمكة ينتظر أن يأذن الله له في الخروج إلى المدينة.
نحن بدأنا الهجرة من هذه المرحلة، أن هناك أمرا إلهيا وجِّه إلى النبيِّ في ضوءه أمرَ أصحابَه أن يهاجروا، فهاجر أصحابُه زرافاتٍ ووحدانا و سوف نرى في هذا الدرس كم تحمَّل أصاحبُه مشقةٍ في سبيل الهجرة واحد في بلدة حمص أراد أن يبيع أرضًا إلى رجل غير مسلم، فسأل أحدَ العلماء، قال له: و اللهِ اسأَل سيِّدنا خالد بن الوليد كم بذل جهدا حتى فتح هذه البلاد، و أنتم الآن ترون كم بذل أصحابُ النبيِّ عليهم رضوان الله من جهد حتى هاجروا و حتى أسَّسوا في المدينة كيانا و حتى بدأ هذا الكيانُ يقوى و حتى انتهى هذا الكيان بأن فتح الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها.
من قصص الهجرة أصحاب رسول الله، من قصصهم هجرة أصحاب رسول الله، فيما رواه ابنُ إسحاق قال: حدَّثتْ أمُّ سلمة لما كان من أمرها و أمر زوجها من هذه الهجرة فقالت: لما أجمع أبو سلمة - زوجها و كان من أصحاب رسول الله - الخروجَ من المدينة إلى مكة رحَّل لي بعيرا، أي جهَّز لي بعيرا، ثم حملني عليه و جعل معي سلمة ابن أبي سلمة في حجري، ثم خرج يقود بعيري، فلما رآه رجالُ بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك، من هم بنو المغيرة ؟ قوم أم سلمة لما رآه قومُ أن سلمة قد جهَّز بعيرا ليهاجر به مع زوجه و ابنه إلى المدينة اعترضه أهلُ زوجته، هذه نفسُك غلبتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتنا هذه على مَ نتركك تسير بها في البلاد ؟ قالت أمُّ سلمة فنزعوا خطامَ البعير من يده، خطام البعير أي زمام البعير، أو عقال البعير، و أخذوني منه، قالت: و عندئذٍ غضب بعد ذلك بنو عبد الأسد، من هم بنو عبد الأسد ؟ أهلُ أبي سلمة، أي ظهر نزاعٌ بين أهل زوجته و بين أهله، و غضب بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة و قالوا: و اللهِ لا نترك ابننا عندنا إذْ نزعتموهما من صاحبنا، ما رضي أهلُ أبي سلمة أن يبقى ابنُ أبي سلمة مع أمه، فتجاذبوا سلمة بينهم، تجاذبوا سلمة هذا الطفل الصغيرَ بينهم حتى خلعوا يدَه، و انطلق به بنو عبد الأسد و حبسني بنو المغيرة عندهم، في وقت قصيرٍ أصبح الابن مخلوع اليد عند أهل أبيه و أصبحت المرأةُ محبوسة عند أهلها و انطلق أبو سلمة إلى المدينة تمزيق للأسرة، و انطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، ففُرِّق بيني و بين ابني و بين زوجي، قالت: فكنتُ أخرج كلَّ غداة فأجلس في الأبطح، و الأبطح مكان إلى جانب الكعبة، الآن إذا الإنسان في طريقه من منًى إلى مكة يجد لوائح كثيرة، الأبطح، قرب الكعبة، فكنتُ أخرج في كل غداة فأجلس في الأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، زوجها في جهة و هي محبوسة و ابنُها عند أهل زوجها و قد خُلِعت يدُه، بقيتُ هذا سنة تقريبا حتى مرَّ بي رجلٌ من بني عمِّي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا ترحمون هذه المسكينة ؟ أنتم جئتم في عصرٍ الإسلام منتشر، في بلد إسلام، و الشعائر تُقام بكل راحة تأتون إلى المساجد و تصلّون و لا أحد يعترضكم، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، من أجل أن تذهب أمُّ سلمة إلى النبيِّ عليه الصلاة و السلام أو من أجل أن تلتحق بزوجها، بنو عبد الأسد و بنو المغيرة تصارعا فيما بينهما و كان الطفلُ ضحيَّةً و كانت هي ضحيةً و توجَّه أبو سلمة إلى المدينة، قال: ألا ترحمون هذه المسكينة ؟ فرَّقتم بينها و بين زوجها و بين ولدها، قالت: فقالوا لي: اِلحقي بزوجكِ إن شئتِ، بعد عام بأكمله قالوا: الحقي بزوجكِ إن شئتِ، فردَّ بنو عبد الأسد إليَّ ابني فارتحلتُ بعيري - بعد ذلك تصوَّروا بين مكة و المدينة أربعةٌ و خمسمائة كيلو متر، لا توجد سيارات و لا طائرة و لا كرنك، لا يوجد إلا هذه الناقة تركبها امرأةٌ و معها ابنُها و هي تيمِّم وجهها شطرَ المدينة، لا بدَّ من أن تسير خمسة عشر يوما بلياليها وحدها، كم كان الثمنُ باهظاً ؟ كلمة هجرة، و اللهِ النبيُّ الكريم هاجر مع أصحابه، أنت ما ذقتَ الهجرة أبدا أنت تعرف الهجرة كفكرة، كموضوع يُلقى عليك أو كخطبة تسمعها أو كمقالة تقرؤها، أما أن تعانيَ في هذه الشروط القاسية، قال: ثم أخذت ابني فوضعتُه في حِجري ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة، و النبيُّ الكريم لما سُئل: من أعظم الرجال حقا على المرأة قال: زوجها، فلما سئل: من أعظم النساء حقًّا على الرجل ؟ قال: أمُّه، زوجها في المدينة و هي مؤمنة، قال: و ما معي أحد من خلق الله، ما هؤلاء النساء ؟ الآن المرأة تخاف من صرصورٍ و تخاف من فأرة و ترتعد خوفًا و تصيح قال: حتى إذا كنتُ بالتنعيم، التنعيم مكان الذي يحرُم منه المعتمرون هناك مسجد الآن ضخم جدًّا الآن للسيدة عائشة، من هذا المكان يحرم المعتمرون إلى مكة المكرمة، قال: حتى إذا كنتُ في التنعيم، و الإنسان لمل يحجُّ أو يعتمر، هذه الأماكن المقدسَّة التي تأخذ من قلبه حظًّا كبيرا يراها رأيَ العين، هذا التنعيم، و هذا غار حراء و هذا غار ثور، و هنا بيعة الرضوان و هنا موقعة بدر و هنا أحُد، لا شكَّ أن المسلم إذا زار هذه الأماكنَ يجد قلبُه و يضطرب، قال: حتى إذا كنت بالتنعيم لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة اسمعوا أيها الإخوة ماذا حدث لها في التنعيم مع رجل مشرك، لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال لي: إلى أين يا ابنة أبي أمية ؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أو ما معكِ أحد؟ قلت: ما معي أحد إلا الله و بُني هذا، بعض العارفين بالله قال: إذا كنتَ في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أن في غِنًى، أي أنا حينما كنتُ في الديار المقدسة ما تمكنتُ من الذهاب إلى غار حراء و لكن سمعت أن شابا جلْدا قويا مفتول العضلات لا يستطيع أن يصل إليه قبل ثلاث ساعات، من أقرب نقطة طريق معبَّد ثلاث ساعات تسلُّق جبال، و هناك مكان في الجبال كالجدار قلت: عليه الصلاة و السلام وصل إلى هذا المكان و بقي فيه الليالي ذوات العدد، أحدُنا أيجرؤ أن يذهب إلى جبل قاسيون و أن يقبع في مغارة، الآن طبعا هناك أنسٌ و هناك سيارات، لكن تصوَّر الجبلَ قبل السيارة و قبل الطرق المعبَّدة، تسلَّق جبلا موحشا اقبَعْ به أياما ثلاثة ألا تخاف، ما تفسير ذلك ؟ أُنسُ النبيِّ عليه الصلاة و السلام بالله كان أقوى من وحشة المكان، أنس النبي عليه الصلاة و السلام بربه كان أقوى من وحشة المكان، و من أقبل على الله عز وجل شعر بطعم القربِ فألقى اللهُ في قلبه الطمأنينة و السكينة، أيْ إذا كنتَ في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنًى.
قال: أو ما معك أحدٌ ؟ قلت: ما معي أحد إلا الله و بنيَّ هذا، فقال: و الله ما لكِ من متَّركٍ، أي لا يجوز أن تُتركِ وحدكِ، هذا مشرك، قال: فأخذ بخطام البعير، أنا كنتُ أفحص طلاَّبا في هذه الأيام فسألتُ أحدَهم أعندك حديث يلخِّص أهداف الدعوة الإسلامية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))

[رواه أحمد]
أيها الإخوة الأكارم كلام دقيق جدًّا، النبيُّ عليه الصلاة و السلام يحدِّد عن طريق " إنما" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:

(( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَعْضِ حُجَرِهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ وَالْأُخْرَى يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ هَؤُلَاءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ))

[رواه ابن ماجه]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

((َ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))

[رواه أحمد]
كلام النبي دقيق جدًّا، ما قال: لأبثَّ مكارم الأخلاق، ما قال: لأدعو إلى مكارم الأخلاق، ماذا قال ؟ قال: "لأتمم" ماذا يعني هذا الكلام ؟ يعني أن في الإنسان جانبا خيِّرا، يؤكِّده قولُه صلى الله عليه و سلم:عَنْ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا ))

[رواه أحمد]
و أنتم أيها الإخوة الأكارم بعد أن عرفتم اللهَ عز وجل و بعد أن اصطلحتم معه، أنا أؤكِّد لكم و وواثق بكلامي أن الخيرَ الذي فيكم الآن له جذورٌ قبل معرفة الله، أحدكم بعد أن عرف اللهَ و استقام على أمره كان قبل أن يتوب و قبل أن يصطلح مع الله على جانب كبير من الخير هكذا، فهذا عثمان بن طلحة قبل الإسلام و قبل أن يسلم و هو مشرك كبُر عليه أن تنتقل هذه المرأةُ وحدها في هذه الصحارى و الفيافي، قال فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي به، فو اللهِ ما صحبتُ رجلا من العرب قط أرى أنه أكرم منه، كان إذا بلغ المنزلَ ؛ مكان الاستراحة أناخ لي ثم استأخر عني حتى إذا نزلتُ استأخر ببعيري فحطَّ عنه ثم قيَّده في الشجرة، ثم تنحَّى إلى شجرة أخرى فاضطجع تحتها، أي ينيخ البعيرَ و يبتعد عن البعير حتى أنزل، ثم يأتي فيأخذ البعيرَ إلى مكان بعيد فينيخه ويريحه و يستقلُّ شجرةً بعيدةً يستريح تحتها، فإذا دنا الرَّواحُ قام إلى البعير فقدَّمه و رحَّله ثم استأخر عني و قال: اركبي، فإذا ركبتُ و استويتُ على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي، قال:فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينةَ، أي تبرَّع في خدمة هذه المرأة و هو مشرك أكثر من خمسة عشر يوما و ليلة يقود بعيرَها و ينيخ البعيرَ و يستأخر عنها فتنزل و يأخذ البعير و ينيخه تحت الشجرة و يستقِلُّ في شجرة بعيدة فإذا حان الرَّواحُ عاد إلى البعير فقدَّمه إلى أم سلمة و استأخر عنها فإذا ركبت و استوت عليه عاد إلى البعير فأخذ بخطامه و قاده إلى مرحلة أخرى، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباءٍ قال: زوجكِ في هذه القرية و كان أبو سلمةَ بها نازلا فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
لكن و اللهِ الذي لا إله إلا هو الذي أعتقده أنا إن رأيتُ عملا طيِّبا أخلاقيا، و إن رأيتُ تضحيةً من إنسان لم يهتدِ إلى الله بعد، أنا أشعر أن هذا الإنسان لا بدَّ لأه من نهاية طيِّبة، لا بدَّ من أن يتعرَّ ف إلى الله في القريب العاجل، لأن هذه الأخلاق أخلاق مؤمنين، أحيانا أنت تواجه مشكلة تواجه إنسانا لم يهتد إلى الله بعد لا يزال شاردا و لا يزال غيرَ مستقيم، لكن ترى منه نبلاً و أخلاقا طيَّبة و تضحية و مؤاثرةً و بذلا و كرما، اِعتقِد معي جازما أن هذا الذي يفعل هذه الأفعال الطيِّبة و يكون بهذه المروءة لا بدَّ من أن تكون له نهاية طيِّبة، لقول النبي عليه الصلاة و السلام:عَنْ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا ))

[رواه أحمد]
و قال:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))

[رواه أحمد]
فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب بني سلمة و ما رأيتُ صاحبا قد كان أكرم من عثمان بن أبي طلحة.
على كلٍّ النقطة المهمة أن أحدنا، نحن جئنا في آخر الزمان، إذا خفَّ البيعُ يتبرَّم، و إذا تأخَّر زواجُه يتبرَّم، و إذا لم يُوفَّق إلى عمل يتبرَّم و كأنه يعاتب اللهَ عز وجل، أن مؤمن يا رب، لماذا تفعل بي هكذا ؟ الجواب هذه قصة، اللهُ عز وجل يريد أن يمتحن المؤمنين، و يريد أن يعليَ قدرهم و يريد أن يراهم في الشدائد ماذا يقولون، هناك عطاء كبير، لا يمكن أن يناله المؤمن وهو في الراحة و هو في درب محفوفة بالورود، طريق الإيمان يحتاج إلى بذلٍ و إلى تضحية و إلى صبر و إلى جلَد، هذه قصة.
قصة أخرى من قصص الهجرة ؛ صهيب بن سنان أحدُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أراد الهجرةَ قال له كفَّارُ قريش: أنت يا صهيبُ أتيتنا صعلوكا حقيرا ؛ معنى صعلوك هنا يعني الفقيرَ، كلمة مستعملة في الجاهلية، أتيتنا صعلوكا حقيرا، أي من الطبقة الدنيا في المجتمع، وفقير، فكثُر مالُك عندنا، و بلغتَ الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك،و نسمح لك نحن، لا أنت أصبحت غنيًّا جدًّا اغتنيتَ في بلدنا و تأخذ مالك و ترحل هكذا ببساطة، أنسمح لك بذلك ؟ ثم تريد أن تخرج بمالك و نفسك، و اللهِ لا يكون ذلك أبدا، هذا شيء مستحيل، فقال لهم صهيبُ - اسمعوا كم هي قيمة الدين عند أصحاب رسول الله، كم هي قيمة الإيمان عندهم - قال: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتُخلُّون سبيلي ؟ إن أعطيتكم مالي كلَّه - الآن يقال: تحويشة العمر يقال لك: جمعت قرشين نظيفة، عندي عشر قروش، و هو عنده عشر ملايين، يقول: ورقة، أي مائة ألف، عامود أي مليون - فواحد جمَّع ثروةً لا بأس بها يقول لكفار قريش: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، خذوا كلَّ مالي أتخلُّون سبيلي ؟ تسمحون لي، طيَّب ما بال أناسٍ اليوم يضحُّون بدينهم من أجل دريهمات، يحلف يمينا كاذبا ليربح مائة ليرة و ليربح قطعة قماش، لذلك حينما ترى المسلمين ألف و مائتا مليون و هم يبيعون دينَهم بعرض من الدنيا قليل، هؤلاء لا شأن لهم عند الله، فعلى قدر تضحيتك لك عند الله شأن، لما رأوا المالَ كلَّه قالوا: نعم، قال: فإني جعلتُ لكم مالي كلَّه، هذا الرجل صهيب بن سنان وصل إلى النبيَّ عليه الصلاة و السلام و أبلغه، النبيُّ عليه الصلاة و السلام يُروى أنه بكى، لماذا بكى ؟ أكبر فيه هذا الإيمان، إنسان يضحِّ بكل ماله من أجل إيمانه، و ضحَّ بكل ثروته و بكل ما جمعه من مالٍ من أجل أن ينجوَ إلى رسول الله، و الإنسان أحيانا يلغي درسَ علم لبيعة يربح فيها عشر ليرات، و الله عشرون ليرة، بسبب تافه، هذا الصحابي الجليل ترك مالَه كلَّه على أملِ أن يلتحق برسول الله، النبيُّ الكريم بكى، أنا أرجِّح أنه بكى تقديرا لهذه التضحية، ثم تبسَّم، و قال: ربِح البيعُ أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى، قالها ثلاث مرات، أي ربحت لذلك ما ترك عبدٌ شيئا لله إلا عوَّضه اللهُ خيرًا منه في دينه و دنياه اِسأل نفسَك بماذا ضحَّيتَ ؟ هل ضحَّيت بوقتك و هل ضحَّيت بخبرتك و هل عرضتْ لك امرأةٌ ذاتُ منصب و جمال فقلت: إني أخاف اللهَ رب العالمين، هل عرض لك عملٌ ذو دخل كبير لكن رأيتَه لا يرضي اللهَ فقلت: إني أخاف اللهَ رب العالمين ؟ هل عرض لك رحلة ممتعة جدًّا و لكن لا ترضي اللهَ فقلت: إني أخاف الله رب العالمين،أنت بماذا ضحَّيت و ماذا قدَّمته لله عز وجل، أنفقت كذا و أوقفت مالي على كذا هكذا، ربح البيعُ أبا يحيى، وكان اسمُه أبا يحيى، قال له ثلاثا: ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى.
قصة ثالثة من قصص الهجرة ؛ قال عيَّاش بن أبي ربيعة لما هاجر إلى المدينة خرج إليه أبو جهل بن هشام و أخوه الحارث بن هشام و كان عيَّاشُ أخاهما و ابن عمهما، أخاهما من أبيهما، و كان أصغرَ ولد أمه فأخبراه - الآن أبو جهل سيتآمر على عياش بن أبي ربيعة - أخبراه - أبو جهل و أخوه - أن أمه نذرت أن لا تغسل شعرَها و أن لا يمسَّ الطيبُ رأسها و أن لا تستظلَّ من شمس حتى تراه عائدا لها، هو أزمع أن يهاجر، أبلغاه ؛ أبو جهل و أخوه ؛ أن أم عياش نذرت أن لا تغسل شعرها و أن ينال شعرَها المشطُ و أن لا تستظل من شمسٍ حتى تراه، ثم قالا له: و أنت أحبُّ ولد أمِّنا إليها، و أنت أصغر أولادها، و أحب أولادها إليها، و أنت في دينٍ - انظُروا إلى الذكاء و الخبث - و أنت في دين منه برُّ الوالدين، أحيان أهلُ الدنيا يستغلُّون دينَك، أنت مؤمن هذه ممنوعة في دينك، ألم تقرأ عن برِّ الوالدين ؟ قال له: و أنت في دين منه برُّ الوالدين فارجِع إلى أمك و اعبُد ربَّك في مكة، اعبُده في مكة، كما تعبده في المدينة، فرقَّت نفسُه و صدَّقهما و هي مؤامرةٌ فقال له عمرُ بن الخطاب:يا عياش و اللهِ ما يريدان إلا فتنتك عن دينك فاحذَرهما، فو الله لو قد آذى أمَّك القملُ لا متشطتْ - لا تصدِّق الكلام تتمشَّط - و لو اشتدَّ عليها حرّث الشمس لاستظلَّت، فقال عياش: أبرُّ أمي، و لي مالٌ هناك آخذه، قال عمر: خذ نصفَ مالي و لا تذهب معهما، فأبى إلا أن يخرج معهما، إذا الإنسانُ أراد أن يقدِم على بلاد المشركين و استُنصِح و استنصح إخوانَه فنصحوه، اِبقَ في بلد المسلمين هناك تُفتن في دينك و هناك تبيع دينك بدنياك و هناك تترك الصلاة وهناك ترى ابنتَك تمشي مع رجل شاب في مقتبل الحياة ليس في إمكانك أن تمنعهما، قد ترى ابتنك قد أحبَّت شخصا غيرَ مسلم و قد جاءت معه بعد منتصف الليل ماذا تفعل ؟ أعجبتك البلادُ و نسيتَ مستقبل أسرتك إذا الإنسان قيَّد اللهُ له من ينصحه فلا يركب رأسَه، فسيِّدنا عمر نصحه أول مرة و ثاني مرة و ثالث مرة حتى بذل و قال له: خذ نصف مالي و لا تذهب معهما، قال: فأبى إلا أن يخرج معهما، مالتْ نفسُه أن يعود إلى مكة، قال له عمر: أما إذا أبيتَ إلا ذلك فخذْ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلولٌ، أي سرعتها عاليةٌ فالزَم ظهرَها فإن رابك من أمرهما ريبٌ فانجٌ عليها، إن رأيتَ أنهم قد احتالوا عليك و قد مكروا بك هذه ناقتي نجيبة سريعة فالزم ظهرها، و إياك أن تنزل عنها، إن رابك مت أمرهما شيءٌ فانجُ عليها، و عُد إلينا، فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي و اللهِ لقد استغلظتُ بعيري هذه، أي بعيري حرونٌ أفلا تعقبني - و معنى تعقبني، أي أتناوب أنا وإياك على بعيرك، مرة أنت و مرة أنا - قال: بلى فأناخ بعيرَه و أناخا ليتحول عليهما،و ليتبادلوا فلما استووا بالأرض عدوَا عليه و أوثقاه بالحبال و جلداه نحو من مائة جلدة ثم دخلا به مكة موثقا في ضوء النهار و قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفهائنا، نصحه سيِّدنا عمر، قال له: خذ نصف مالي، و قال له: الزم طهر هذه الناقة إن رابك من أمرهما شيء فانجُ عليها، أحيانا تأتي النصيحة كأنها من عند الله عز وجل، إذا أنت صادق في شيء و سألت إنسانا تثق بعلمه و إخلاصه و فهمه للشرع فإذا نصحك فاقبل نصيحته.
يُروى أن رجلا له جارٌ عالِم أقدم على عمل تجاري لا يرضي اللهَ عز وجل، أي تجارة محرَّمة فهذا الجار العالم نصحه كثيرا فأبى إلا أن يقدم على هذا المشروع، بعد سنوات وافته المنيةُ، و مات على معصية رُئِيَ في المنام يرتدي ثيابا خشِنة، أي كيس خيش، فتح طرفاه و اخرج منهما يديه، و على خصره حبلٌ خشن يدور حول بحرة و يقول: فلا نصحني و ما انتصحتُ، يا ليتني انتصحتُ، إذا نصحتكم فاقبلوا النصيحة، النصيحة أحيانا ثمينة جدًّا، انظُر إلى النصيحة، أخذا ناقته و قيَّداه و منعاه من الهجرة، فالإنسان دائما يستنصح من يثق بعلمه و خبرته، و من يثق بدينه و إخلاصه، و النبيُّ علَّمنا الاستخارة و الاستشارة، الاستخارة لله عز وجل و الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، دائما، أنا لا أنسى أن أحد أخوتي الأكارم قلتُ له: اِسأل أهل هذه السوق عن هذه المصلحة، جيِّدة، قال لي: سألتُهم واحدا واحدا كلُّهم أجمعوا على أن هذه المصلحة سيِّئة جدًّا، و باللغة الدارجة فاقورة، و كاسدة و لها مشاكل، و اللهِ ما أعجبتني هذه الأجوبة، قلت له اسألْ فلانا، أعرف رجلا مؤمنا في المصلحة، فذهب إليه و قال له كلاما على عكس كلامهم، قال له: و اللهِ مصلحة جيِّدة جدًّا و رائجة و بيعها محقَّق و ربحها وفير، المؤمن نصوح، إذا الواحد اسمه نصوح فلا يغشَّ الناسَ، يتمثَّل باسمه، الأنبياء كانوا نصحةً، المؤمنون نصحةٌ و اللهِ إذا قال لك واحدٌ: انصحْني، و أنت بائع شهد اللهُ لو وجَّهتَه توجيها خلاف مصلحته خُنتَ اللهَ و رسوله، قال لك: انصحني، إن كنت طبيبا و إن كنت محاميا وإن كنت بائعا و إن كنت تاجرا، قال لك انصحني، و اللهِ لو تعرف معنى انصحني صار اللهُ وكيلَه، صار اللهُ عز وجل خالقُ الكون وكيلا له، تفضَّل فانصحه، لون كاسد تقول له: هذا أحسن لون، البضاعة، هذا المؤمن نصوح يفضِّل كسادَ بضاعته وأن يرى بضاعته للسقف في المستودعات و أن لا يغشَّ بها مؤمنا، أما إذا ذكر عيبَها فلا شيء في ذلك، و إن كان أعطاها سعرا مناسبا و ذكر العيبَ هذا عمل طيِّبٌ، قال لي أحد إخواننا يبيع قطعا قال: طُلِب مني قطعة صعدتُ إلى السُّلم لآخذها من على الرَّفِّ، و أنا في أعلى درجة قال لي الزَّبونُ: أصلية، قلتُ لا و الله ليست أصلية، قال: هاتها، كلمة هاتها و كلمة ليست أصلية أصبح البيعُ مشروعا تماما كثيرا هناك بضاعة مقلَّدة، تقول له: هذه أصلية و ليست أصلية، فأنت تكلَّم الحقيقةَ و لا تخشى في الله لومة لائمٍ، لا تصدِّق قول التُّجار: إذا ما كذبنا لا نربح، هذا كلام الشيطان، و أنت في الصدق تربح أرباحا جيِّدة، كن صادقا و عامل ربَّك عز وجل.
من قصص الهجرة سيِّدنا عمر ؛ قال: أما عمرُ بن الخطاب، هذا الموضوع دقيق جدًّا، تسأل أنه سؤال مهمٌّ، يا تُرى أيُعقل أن يكون عمر أشجعَ من رسول الله ؟ و اللهِ مستحيلٌ، تكلَّمت عن هذا في الخطبة مستحيل، سيدنا رسول الله استخفى و هيِّأ راحلةً و هيَّأ خبيرا للطريق وضع عليَّ بن أبي طالب سجَّاه في سريره و ألبسه بردَته و خرج من خوخة بيته، و توجَّها إلى غار ثورٍ، في جنوب مكة، على عكس طريق المدينة، و كلف إنسانا لتقصِّي الأخبار و إنسانا لمحو الآثار و إنسانا لتأمين الزاد، أي رسم خطَّةً دقيقة جدًّا و محكمة، و سيدنا عمر ماذا فعل ؟ قال: رُوِي عن على بن أبي طالب أنه قال: ما علمتُ أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفياً إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه لما همَّ بالهجرة تقلَّد سيفَه و تنكَّب قوسَ - ومعنى تنكَّب وضعه على منكبه - و انتضى في يده أسهمًا - الجعبة للسهام - و اختصر عنزتَه - معه حربة صغيرة وضعها على خاصرته- و على كتفه قوس و في يديه السهام و وضع السيف على جنبه الآخر، و مضى قِبَل الكعبة، ذهب إلى الكعبة و الملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا ثم أتى المقامَ فصلَّى ركعتين ثم وقف على الحلَق" - الحلق جمع حلقة و هي الجماعة متحلِّقون حول بعضهم بعضا، حِلق الذكر، طبعا كفار قريش في فناء الكعبة حلقا حلقا، و جماعات جماعات - وقف على الحلق واحدة واحدة فقال: شاهت الوجوهُ، لا يُرغِم اللهُ إلا هذه المعاطسَ أي أذلَّكم اللهُ، شاهت وجوهكم - هكذا قال - من أراد أن تثكله أمُّه أو يُوَتِّم ولدَه أو تُرمَّل زوجتُه فلْيَلْقني وراء هذا الوادي - تفضَّل، فقال عليٌّ: فما تابعه أحدٌ، ثم مضى لوجهه "، سيدنا عمر هذا تصرُّف شخصي و اختار هذا الطريق، فلو قُتل كان دفع الثمن، نجا يعني الله عز وجل كتب اللهُ له النجاةَ، أما سيدنا النبي مشرِّع، أنا لستُ مضطرا أن أقتديَ بعمر، مع أني أكبِر شجاعته و أكبر بطولته، و لكنه ملزَم من عند الله عز وجل أن أتَّبع النبيَّ، النبيُّ أخذ بالأسباب، لو كان عمرُ مشرِّعا لكان اقتحامُ الأخطار واجبا و لكان أخذُ الحيطة حراما، و لكان إلقاءُ النفس في المهالك سنة، عندئذ تهلك أمَّتُه، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام كما يروي سيدُنا علي: كنا إذا احمرَّت الحِدقُ و حميَ الوطيسُ لُذنا برسول الله، فلم يكن أقربَ إلى العدوَّ منه، مرة سمع أهلُ المدينة جلبةً و ضجيجا فظنوا أن غزوا قد قدم المدينة، فخرجوا من بيوتهم حذرين خائفين فإذا بالنبيِّ عليه الصلاة و السلام قد سبقهم إلى موطن الخطر وعاد يطمئنهم، فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ ))

[رواه البخاري]
سبقهم و عاد يطمئنهم، كان عليه الصلاة و السلام أشجع الناس، و بالمناسبة كما قال حسَّان بن ثابت رضي اله عنه:

و أجمل منك لم تر قط عيني وأكمل منك لم تلِد النسـاءُ
خُلِقتَ مبرَّأً من كل عيــب كأنك قد خلقتَ كما تشـاءُ
***
و مع ذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام مشرِّع، و مادام مشرِّعا علَّمنا أن نأخذ بالأسباب و أن نكثر الحيطة و أن لا نلقي بأيدينا إلى التهلكة و أن نعِدَّ لكل احتمال ما يغطِّيه، و أن نغطِّيَ كلَّ الثغرات و، بعد ذلك نتوكَّل على ربِّ الأرباب.
قد يسأل سائلٌ، النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما أخذ كلَّ هذه الاحتياطات في الهجرة، لماذا أخذ بها ؟ هل أخذ بها عن خوف ؟ لا و اللهِ، أخذ بها تطبيقا لتوجيهات الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)﴾

[سورة الكهف]
و الدليل، لو أن النبي عليه الصلاة و السلام أخذ بكل هذه الاحتياطات، لو أنه أخذ بها عن خوف حينما فوجِئ بأن كفار قريش وصلوا إلى غار ثور و لو نظر أحدُهم إلى موطن قدمه لرآنا، يجب أن ينهار النبيُّ، كلُّ هذه الخطَّة و كلّ هذا الإحكام و كلُّ هذا الإعداد و كلُّ هذا الاحتياط انكشف النبيُّ عليه الصلاة و السلام، لأنه أخذ بالأسباب تطبيقا لأمر الله عز وجل، أما اعتمادُه على ربِّ الأرباب، قال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، قال:

((يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما ؟))
هذه الكلمة اترُكها في بالك، إذا كان اللهُ معك فمن عليك، أيَّة قوة في الأرض تجرؤ على أن تمدَّ يدَها إليك، أيَّة قوة في الأرض مهما كبُرت في الأرض مهما كبرت، و إذا كان الله عليك فمن معك زوجتك أقرب الناس إليك تعاملك أقسى معاملة، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)﴾

[سورة الحج]
فلذلك دائما اعتمِد على الله عز وجل، دائما ثق بالله، دائما قل كما قال صاحبُ هذا المقام:

كن مع الله ترَ اللهَ معك و اترُك الكلَّ وحاذِرْ طمعَك
و إذا أعطاك من يمـنعك ثم من يعطي إذا ما منعـك
كيف شاء فكن في يــده لك إن فرَّق أو جمــعـك
في الورى إن شاء خفضا ذقته، و إذا شاء عليهم رفعك
***
هكذا، إذًا سيدنا عمر مثَّل شخصَه حينما هاجر، أما النبيُّ عليه الصلاة و السلام مشرِّع، هكذا علَّمنا، علَّمنا أن نأخذ بالأسباب، و لكن الصحابة الكرام أنواع، أي موقفه رائع جدًّا، يثلِج القلبَ، و ينتشي الإنسانُ له، من أراد أن تثكله أمُّه أو أن يوتِّم -أن يجعل ولده يتيما - أو أن تُرمَّل زوجتُه فلْيَلقني وراء هذا الوادي، قال عليٌّ: فما تبعه أحدٌ، ثم مضى لوجهه.
الحقيقة بعد الهجرة، بيوت في مكة أصبحت فارغة، و صار فيها أزمة سكن معكوسة، بيوت كثيرة أصبحت فارغة، و ذكر ابنُ إسحاق أن عتبة بن ربيعة و العباس بن عبد المطَّلب و أبا جهل بن هشام مرُّوا و هم مصعِدون إلى أعلى مكة بدار بني جحش، فنظر إليها عتبةُ تخفِق أبوابُها يباباً ليس فيها ساكنٌ، فلما رآها كذلك تنفَّس الصُّعداءَ و قال:

و كلُّ دارٍ و إن طالتْ سلامتُها يوما ستدركها النَّكباءُ و الحوب
***

و هناك بيتان من الشعر على شاكلة هذا البيت:

كلُّ ابنِ أنثى وإن طالت سلامت ُه يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ
فإذا حملتَ إلى القبورِ جنازةً فاعلم أنك بعدها محــمولُ
***
تجد بيتا عامرةً، الحفلات و التزيينات و السهرات و أصوات و الضحك و الولائم، يموت صاحبُ البيت، يختلف الأولادُ فيأخذونها للبيع، تجد محلاًّ فخما جدًّا عرض للبيع، هكذا، الناسُ خلائف، قال تعالى:

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾

[سورة الرحمن]
هذا أحد الشعراء زار قصرَ كسرى بن شروان يصفه وصفا رقيقا جدًّا أي شاهد هذه الدار و كيف كانت عامرةً بكسرى و حوله الحشودُ و الحاشية و الولائم، كيف أصبحت دارا خربةً ماذا قال عندها، قال أبو جهل: أصبحت دارُ بني جحشٍ خلاءً من أهلها قال أبو جهل و هو يشير إلى العبَّاس عمِّ رسول الله، قال: هذا عملُ ابن أخي هذا، هذا عمل ابن أخيك، فرَّق جماعتنا و شتَّت أمكرنا و قطَّع بيننا.
و الحقيقة أنه لولا أنه جاء النبيُّ عليه الصلاة و السلام بهذه الدعوة لما كنا نحن الآن مسلمين، و لما عرفنا ربَّنا سبحانه و تعالى، لو أن الإنسانَ طبَّق أمرَ الله عز وجل، ما كان هناك وئامُ و ما كان اختلاط و ما كان فيه مرح، و ما كان فيه سهرات مختلطة، بعد ما هذا الشاب آمن و استقام على أمر الله، لم يعُد عنده اختلاط، فيأتي الأهلُ، ما كنا هكذا كنا مؤتلفين و كنا مبسوطين و كنا مع بعضنا و أنت فرَّقت العائلةَ عملتَ لنا نساء و رجالا، و لبَّكتنا، و سفرتين في رمضان، ما هذا الدين الذي معك، و من أين أتيت به ؟ يعيشها كلُّ شابٍ مؤمن إذا أراد أن يطبِّق دينَه، فلو أن هناك سهرات و فيه فرح و فيه مرح و فيه احتفالات، طبعا التقوى أقوى، و العاقبة للمتقين، و شرعُ الله أحقُّ أن يُطبَّق، وما زال المسلمون يتلاحقون بالمدينة حتى لم يبق بمكة إلا رسول الله و أبو بكر و علي، و إلا من اعتُقل مكرها، اعتُقل اعتقالا مكرها، من مفتون أو محبوس أو مريض أو ضعيف، و هم المستضعفون الذين قال الله فيهم:

﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99)﴾

[سورة النساء]
طبعا إن شاء الله في درس قادم نتحدَّث عن هجرة النبي صلى الله عليه و سلم.
ومرة ثانية أقول لكم، واللهِ في سيرة النبيِّ عليه الصلاة و السلام من الدروس و العبر و من الدلائل ما لو طبَّقنا هذه السنة في حياتنا لسعَِدنا و أسعدنا، القضية ليست قصة، العملُ أخطر بكثير من قصة، أكبر من قصة، أكبر من سيرة، العمل أنك أمام إنسان كامل، و كلُّ أفعاله تشريع، و كلُّ أفعاله نصائح و كلُّ أفعاله إضاءة لطريقك المعتِم، فنحن إن شاء الله إذا تابعنا سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم، القصد أن نستنبط الدلائل و العبر، و البطولة أن نطبِّقها في حياتنا، و البطولة أيضا أن ترى هؤلاء الأصحاب الكرام كيف بذلوا، و كيف ضحُّوا، و كيف ضحُّوا بالغالي و الرخيص، و النفس و النفيس من أجل دينهم البطولة أن تكون قويا في دينك، و أن تضحِّيَ بكلِّ شيء إلا دينك إلا صلتك بالله عز وجل.
أرجو اللهَ عز وجل أن يوفِّقنا لمتابعة سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و لا يزال درسُ الأحد درس حديث شريف، و لأن السنة هي الأقوال و الأفعال و الإقرار، أمضينا سنوات طويلة في الأقوال، و هانحن الآن في الأفعال، السيرة النبوية أفعال النبي عليه الصلاة و السلام.

والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم    الإثنين 12 نوفمبر - 23:32

أيها الإخوة الأكارم، لا زلنا في دروس السيرة، و لا زلنا في هجرة النبيِّ صلى الله عليه و سلم، و كما بيَّنتُ لكم من قبل، إن أبرز ما في هذه الدروس الدلالات والاستنباطات التي يمكن أن نستنبطها من وقائع السيرة لتكون نورا لنا في طريق الحياة.
كما تكلمتُ في الدرس الماضي في الثلاثة الأيام الأولى قامت قريشٌ و لم تقعد، و تحركت في كل مكان، و سخَّرت كلَّ رجالها، و أرادت أن تلقيَ القبض على النبيِّ صلى الله عليه و سلم و أن تمنعه من أن يصل إلى المدينة، و لكن مسعاها باء بالإخفاق ولم تستطع أن تصل إليه و قد نفَّذ النبي صلى الله عليه و سلم الخطَّة التي رسمها تنفيذا دقيقا، فحينما اشتدَّ عليه الطلبُ كان في غار ثور، و لما مرَّت أيامٌ ثلاثة أيقنت قريشٌ أن النبي لا يمكن أن يبقى في مكة، لا بدَّ من أنه قد ارتحل عنها، لذلك خفَّ عليه الطلب و خفَّت وطأة الملاحقة و جاء الدليلُ الذي استأجره النبيُّ صلى الله عليه و سلم في الوقت المعلوم مع ناقتين لسيِّدنا الصديق و ناقة له، ووصل بهذه الرواحل إلى باب غار ثور وفق الوقت المحدَّد و يروي ابنُ إسحاق قال: لما قرَّب أبو بكر رضي الله عنه الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قدَّم له أفضلهما، هنا الوقفة، النبيُّ علَّمنا أن نؤثر إخواننا في كل شيء، مرة أُعطِي سواكين سواك مستقيم و سواك أعوج، فلما أراد أن يقدِّم أحدهما لأحد أصحابه قدَّم له المستقيم هنا استنباط أولٌ، لا يصحُّ إيمانك و لا يكمل إيمانُك إلا إذا آثرت أخاك بالشيء الذي تختاره لنفسك، لقوله تعالى:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[سورة الحشر]
التفاحة الكبيرة قدِّمها لأخيك، و المكان جانب النافذة في السيارة قدِّمه لأخيك أنت وطِّن نفسك على أن تؤثر إخوانك في كل شيء، و هم يوطِّنون أنفسهم على أن يؤثرونك في كل شيء، و عندئذ تشتبك النفوس، و يصبح المؤمنون كالبنيان المرصوص، عندئذ تشعر أنك في أسرة كبيرة و تشعر أن مجتمع المؤمنين مجتمع عظيم، مجتمع فيه المودَّة و الرحمة مجتمع فيه النصح و الإرشاد.
أيها الإخوة الأكارم ؛ دقِّقوا في هذه الآية، قال تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[سورة التوبة]
و قال تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[سورة التوبة]
ما قال ؟: أولياء بعض، قال بعضهم من بعض، دقّة القرآن الكريم:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[سورة التوبة]

﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

[سورة التوبة]
من طينة واحدة، و من خيانة واحدة، و من عداء واحد و من تشتُّت أي بين المنافقين عداء كبير، أما المؤمنون بعضهم أولياء بعض.
أنا أقول لكم: اللهُ سبحانه و تعالى لا يحبُّنا إلا إذا أحببنا بعضنا، و إلا إذا آثرنا بعضنا في كل شيء، و اللهِ الذي لا إله إلا هو لو أنك آثرت أخاك في كل شيء تحبُّه لنفسك، لأعطاك اللهُ خيرا منه أضعافا مضاعفة تكشف عن معدنك الطيِّب، طبعا النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما قدَّم السواك المستقيم لصاحبه كان لنا قدوةً، سيِّدنا الصدِّيق قدَّم أفضلهما لرسول الله، عوِّد نفسك تختار الأحسن لإخوانك، و إخوانك كذلك أشخاص عندهم حساسية و عندهم أخلاق و عندهم نظر و عندهم عقل إن رأوك خصصتهم بالأحسن، هم أيضا يبادرون إلى أن يخصُّك بالأحسن، نشأت المودَّة و المحبة و التعاون و التكاتف، دائما أهل الدنيا أين مجتمع المؤمنين، أنتم على حق، شيء جميل، أين مجتمعكم الفاضل ؟ أين المودة و المحبة، أين المسامحة، أين الفداء و أين التضحية فيما بينكم ؟ إذًا قدَّم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبي و أمي أنا لا أعتقد أن في الأرض كلها رجلا أحبَّ رجلا كهذا الصديق الجليل إذ أحبَّ النبيَّ عليه الصلاة و السلام، و لا أكتمكم أن تسعة أعشار الإيمان حبٌّ، ألا لا إيمان لمن المحبة له.

(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به))
عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))

[رواه البخاري]
قال له اركب يا رسول الله فداك أبي و أمي، هذا الذي دلَّك على الله هذا الذي عرَّفك بالله، هذا الذي دلَّك على سعادة أبدية لا تنقطع، هذا الذي منحك علما و حلما و رأفةً و رحمةً و أخلاقا واسعةً و معرفة بالله عز وجل، مَنَ مِنَ البشر يستحقُّ الشكر كرسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾

[سورة التوبة]
قال: اركب فداك أبي و أمي، فقال عليه الصلاة و السلام:

((إني لا أركب بعيرا ليست لي ))
يريد النبيُّ أن يدفع ثمنها، لا أركب بعيرا ليست لي، كن عفيفا، لا تقبل العطيةَ بسهولة، اِدفع ثمنها، تعفَّف عن أن تُقدَّم إليك، لتكن يدُك هي العليا، اكسب المال الحلال، هذا استنباط دقيق جدا، قال عليه الصلاة و السلام:

((إني لا أركب بعيرا ليست لي ))
فقال سيدنا الصدِّيق رضي الله عنه: هي لك يا رسول الله، هبة، هي لك يا رسول الله بأبي أنت و أمي، قال: لا، و لكن ما الثمن الذي ابتعتها به يريد النبيُّ عليه الصلاة و السلام أن يدفع ثمن الناقة التي ركبها في الهجرة، مع أن سيدنا الصدِّيق يتمنى أن يقدِّم له لا ناقته بل روحه الشيء الذي يلفِت النظر في أصحاب رسول الله بقدر ما أن بعضهم أسخياء بقدر ما أن بعضهم أعفَّاء، قال: دونك نصف مالي، بارك الله لك في مالك، دُلَّني على السوق، لا تنسوا الفضل بينكم، هو قدَّم لك هذه، أنت انقُده الثمنَ، قال: هي لك يا رسول الله، بأبي أنت و أمي قال: لا و لكن ما الثمن الذي ابتعتها به، هنا الآن صار فيه امتثال، و الامتثال خير من الأدب، قال: ابتعتها بكذا و كذا، قال: قد أخذتها به لك عندي هذا المبلغ ثمن الناقة التي أركبها، أتلاحظون كيف أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام مع انه سيد الخلق يعامل أصحابه و كأنه واحد منهم، هو الذي يقول:

((إن الله يكره أحد عباده متميِّزا على أقرانه.....))
يكرهه الله عز وجل، هذا الموقف رائع جدا، قدَّم أفضلهما لنبيِّ و قال: اركب فداك أبي و أمي، فقال عليه الصلاة و السلام:

((إني لا أركب بعيرا ليست لي ))
فقال: هي لك يا رسول الله بأبي أنت و أمي، قال: لا و لكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا و كذا، قال: قد أخذتها به اشتريتها بهذا الثمن، و لك عندي ثمنها، قال: هي لك يا رسو ل الله فركبا و انطلقا و أردف أبو بكر الصديق رضي الله عنه عامرَ بن فهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق، مولاه جعله سيدنا الصديق خلفه ليكون مِعواناً للنبيِّ عليه الصلاة و السلام و صاحبه في أثناء طريق الهجرة، و كانت أسماءُ بنتُ أبي بكر قد أتتهما بسفرة من الطعام يتبلَّغان بها في سفرهما، قد وضعتها في جراب، و لكن الوقت أعجلها أن تجعل للسفرة عِصاما، أي رباطا، تعلِّقها به في الرحل، فلما أرادت أن تعلِّقها لم تجد غير نطاقها الذي تشدُّ به وسطها، فشقَّته نصفين و علَّقت السفرة بشِقٍّ و تنطَّقت هي بالشق الآخر فسُمِّي أسماءُ بنت أبي بكر ذات النطاقين سيدنا الصدِّيق، و الرواحل و مولاه و ابنته و كل كيانه و كل ماله و كل وقته و كل خبرته و كل مكانته في خدمة النبي عليه الصلاة و السلام من هو النبيُّ ؟ رسول الله، فإذا الإنسان أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربَّه، فكيف إذا أكرم النبيَّ عليه الصلاة و السلام.
يقول ابنُ سعدٍ في الطبقات: إن عبد الله بن أرقط هذا الدليل الذي كان خبيرا بالطريق أخذ بهم في السير و هو يرتجز، في العادة الهارب لا يرتجز، الهارب ساكت، انظُر إلى الذكاء، ما دام النبيُّ الكريم و صاحبه الصدِّيق يتخفَّيان في السفر فقد يُلحقان، أما هذا الدليل صار يرتجز في الطريق و ينشد، ليوهم الناسَ أو من يسمعه أن هذه قافلة عادية، و من صفات المؤمن أنه كيَّس، من صفات الأنبياء أنهم فَطنون من صفات المؤمنين أن المؤمن كيِّس فطِن حذِق، مرة أحد الصحابة أرسله النبيُّ عليه الصلاة و السلام إلى صفوف المشركين في معركة الخندق ليتفقَّد أحوالهم، يبدو أن أبا سفيان شعر أن فيما بين المقاتلين أشخاصا غرباء، فأعطى توجيهه لجنوده أن يتفقد كلٌّ منهم صاحبه فكان هذا الصحابي الجليل نبيها و فطِنا و ذكيا، ما أن انتهى أبو سفيان كلامه حتى وضع يده على يد من جانبه، و قال له: من أنت ؟ هو الغريب قال: أنا فلان، المؤمن من صفاته الذكاء و الفطانة و الكياسة.

((اطَّلعتُ على أهل الجنة فرأيت عامة أهلها من البُله ))
هذا الحديث يحتاج إلى تفسير آخر، أي الإنسان أحيانا يؤثر طاعة الله عز وجل على الدنيا فيُعدُّ عند البُله أبلهَ، أما الذي يؤثر طاعة الله عز وجل على معصيته يؤثر طاعته على الدنيا، هذا في قمة الذكاء، و هذا في قمة الكياسة، هذا في قمة العقل، و على كلٍّ هذا الدليل كان يرتجز في أثناء السير ليضلِّل الناس من حوله، لأن الذي يهرب و يتخفَّى لا يرتجز.
روى البخاري بسند عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال:أُخذ علينا بالرصد، أي على النبي عليه الصلاة و السلام و صاحبه الصدِّيق رصدٌ شديد، مراقبة شديدة، و تتبُّع، فخرجنا ليلا، فأحففنا، أي عجَّلنا ليلتنا و يومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رُفعت لنا صخرةٌ، أي وجدنا صخرة، فأتيناها و لها شيء من الظل، قال الصدِّيق رضي الله عنه: ففرشتُ لرسول الله صلى الله عليه و سلم فروةً معي، ثم اضطجع عليه صلى الله عليه و سلم، فأطلقت أنفض ما حولها، أنظِّف ما حولها، فإذا أنا براعٍ قد أقبل في غُنَيمة، مع بعض الغنمات، يريد هذه الصخرة مثل الذي أردنا، فسألته: لمن أنت يا غلام ؟ قال: أنا لفلان، فقلت له: هل في غنمك من لبن ؟ قال: نعم، قلت له: هل أنت حالبٌ ؟ قال: نعم فأخذ شاةً من غنمه فقلت له: انفُض الضرع، أي امسحه جيَّدا، فحلب كثبة، أي آنيةً من لبنٍ و معي إداوة، الإداوة سقاء الماء، قربة ماء، و معي إداوة من ماء عليها خرقة، لتبرد، طبعا مثل أفعال بعض السائقين الآن، يجعل قربة ماء عليها قماش، هكذا كان سيدنا الصدِّيق كان يجهِّز للنبيِّ الكريم ماءً باردا في هذه الرحلة، إداوة من ماء عليها خرقة، قد ورأْتها لرسول الله، ورَّأتها أي شددت عليها هذه الخرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفلُه ثم أتيت به النبيَّ صلى الله عليه و سلم فقلتُ: اشرَب يا رسول الله، فشرب صلى الله عليه و سلم حتى رضيتُ، ثم ارتحلنا و الطلب في أثرنا، هذه استراحة قصيرة، و الصدِّيق رضي الله عنه بذل كلَّ ما وسعه ليرتاح النبيُّ في هذه الدقائق أو هذا الزمن.
قريش حينما يئست من أن تعثر على النبي صلى الله عليه و سلم جعلت جائزة لمن يأتي به حيًّا أو ميِّتا، مائة ناقة، الآن الناقة ما ثمنها ؟ تقريبا مائة و خمسين ألف، مائة ناقة، خمسة عشر مليون، مبلغ ضخم جدًّا و خمسة عشر مليون للصدَِّيق، لمن يأتي بهما حيًّا أو ميِّتا، مبلغ كبير جدا و ثروة طائلة، قال: كانت قريش حينما فاتها رسول الله قد جعلت مائة ناقة لمن يأتيها به أسيرا أو قتيلا، و أرسلت بذلك في أهل السواحل، فأغرى ذاك ذوي المطامع من أهل البادية لتتبُّع النبيِّ صلى الله عليه و سلم، و كان من هؤلاء سراقة بن مالك، قصته عجيبة سراقة بن مالك علم أن نفرا ثلاثة قد مروا على رواحلهم بقرب الشاطئ فاعتقد سراقة أنهم محمد و أصحابه، تتبَّع أثرهم يريد أن يأتي بهم قريشا طمعا في الجائزة.
يروي البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن ابن شهاب ما حدَّث سراقةُ عن نفسه فيما كان من أمره، قال: جاءنا رسلُ كفار قريش يجعلون في رسول الله و أبي بكر دية كلِّ واحد منهما لمن قتله أو أسره مائة ناقة لكلٌّ واحد، أي مائتا ناقة، أي ثلاثون مليون ليرة، فبينا أنا في مجلس من مجالس قومي إذ أقبل رجلٌ منهم حتى قام علينا و نحن جلوس، قال: يا سراقة إني رأيت آنفا إسوِدةًَ، أشباحا سوداء، إسودة بالساحل أُراها أي أظنها محمدا و أصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، ضمن ثلاثين مليون ليرة، و اللهِ الذي لا إله إلا هو لو اجتمع الناسُ، العالَم الآن خمسة آلاف مليون لو اجتمع خمسة آلاف مليون على أن يمسُّوك بشيء ما سمح اللهُ به لا يستطيعون، كن مطمئنا، هذا سراقة لاحت له الثروةُ و لاحَ له الغنى، ثلاث أشباح ثلاث إسودة ما أظنهم إلا النبيَّ عليه الصلاة و السلام، فقال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، حتى لا يسبقوه، غنيمة كبيرة جدا، إنهم ليسوا بهم،و لكنك رأيت فلانا و فلانا انطلقوا بأعيننا، سمى له أسماء خلابية، هؤلاء أعرفهم، ليسوا محمدا و أصحابه، حتى يضمن الجائزة، ثم لبثت في المجلس ساعة،ثم قمت فأمرتُ جاريتي أن تخرج بفرسي و هي من وراء أكمة، فتحبسها عليه و أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت سيدنا موسى قال:

﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾

[سورة طه]
و قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾

[سورة الشعراء]
الشغلة بالمنطق انتهينا فرعون بكل أسلحته و بكل زبانيته و بكل قدراته و بكل أسلحته، يتبع سيدنا موسى، و سيدنا موسى اتِّجاه البحر و البحر أمامه و فرعون من وراءه، حسب المنطق انتهى، قال تعالى:

﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾

[سورة الشعراء]
في الخندق عشرة آلاف مقاتل طوَّقوا المدينة في جانب واحد لليهود خرق اليهودُ عهدهم مع النبي، و بقي الإسلام قضية ساعة أو ساعتين و ينتهي الإسلام عن آخره، قال أحدهم: أيعدنا صاحبكم أن تُفتح علينا بلادُ قيصر و كسرى و أحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته، ما الذي حدث ؟ أرسل اللهُ ريحا عاصفة قلبت قدورَهم و اقتلعت خيامهم و أطفأت نيرانهم، و ارتحلوا و كفى الله المؤمنين القتال، البطولة أن تكون لك مودة مع الله، أن يحبَّك الله، لأنك إذا أحبك الله أحبَّك كلُّ شي فسراقة ظن أنه سيقبض مبلغا طائلا بعد قليل، القضية بين يديه، قال: ثم لبثت ساعة في المجلس ثم قمت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي فتحبسها عليه و أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططتُ بزجِّه في الأرض و خفضت عاليَه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرَت بي إلى أن أدركت النبيَّ صلى الله عليه و سلم و صاحبه، طبعا حتى إذا دنوتُ منهم هناك واحد ثالث هو عامر بن فهيرة، فعثرت بي فرسي، وقع من على فرسه، فخررت عنها فقمتُ فأهويت يدي إلى كنانتي، إلى جعبة سهامي،فاستخرجت منها الأزلام، السهام، فاستقسمتُ بها، قديما كان " أنجح، لا أنجح، أنجح، " هذا معنى الاستقسام بالأزلام، روح ما روح روح ما روح أو بالعكس ما روح روح ما روح روح، هذا الاستقسام بالأزلام، فأخرجتُ الأزلام من كنانتي فاستقسمتُ بها أضرهم أم لا أضرهم، فخرج الذي أكره، لا أضرهم ما أراد أن يعود صفر اليدين فركبت فرسي و عصيت الأزلام فجعل فرسي يقرِّب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم، كان عليه الصلاة و السلام يقرأ القرآن، وهو لا يلتفت، و أبو بكر يلتفت كثيرا، خوفا على النبيِّ الكريم، عندئذ ساخت يدا فرسي في الأرض، يدا الفرس ساختا في الأرض و انغمست في الرمل ووقع من على الفرس مرة ثانية حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها فأهويت، ثم زجرتها فنهضت فلنم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة ساخت قدماها مرة ثالثة في الأرض ووقعت عنها فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، لا تضرهم، عندئذ ناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبتُ فرسي حتى جئتهم، ووقعه في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمرٌ رسول الله، هذا ليس إنسانا عاديا، أول محاولة و الثانية و الثالثة، قوة عظيمة معه فرسي تسيخ قدماها في الرمل، و أقع من عليها، فقلت لرسول الله صلى الله عليه و سلم: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، و أخبرتهم أخبار ما يريد الناسُ بهم أنهم جعلوا مائة ناقة لك و مائة لصاحبك، إن قبضا عليكما أو أتيا قريشا بكما أحياءً، و عرضت عليهم الزاد و المتاع، عرض سراقة على النبي صلى الله عليه و سلم الزاد والمتاع، أي جاء ليقتلهما أو يأسرهما فعرض عليهما الزاد و المتاع، هذا الذي قاله بعض العارفين:

إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
***
يأتي عدوُّك ليقدم لك الزاد و الطعام، فلم يردَّاني و لم يسألاني إلا أن قالا: أخفِ عنا، إن عدت إلى مكة يئِّس الناسَ في متابعتنا، أخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم، هذه القصة لها تتمَّة أنه قال: يا سراقة كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى، ما هذا الإيمان ؟ النبيُّ ملاحق، و موضوع لمن يقتله مائة ناقة و يقول لسراقة: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى، و في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءت الغنائم و جاء سوارُ كسرى و نادى سراقة و قال: البِس سوار كسرى كما بشَّرك النبيُّ عليه الصلاة و السلام، لبسه فسيدنا الصدّيق يلتفت، وهو لا يلتفت، يقرأ القرآن و لا يلتفت، فكلما علا إيمانك ازدادت ثقتُك بربَّك، و كلما ازدادت ثقتك بربك شعرت أن الله عز وجل لن يتحلَّى عنك، مرَّ النبيُّ عليه الصلاة و السلام في طريقه في الهجرة بأم معبد الخزاعية، وهي أعرابية كريمة، كانت تجلس أمام خيمتها، تطعم و تسقي من يمرُّ بها من السيارة،فلما نزلوا عندها سألوها تمرا أو لحما يشترون منها، فلم يصيبوا عنها شيئا، و قالت و هي تبدي أسفها لهم: و الله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القِرى، لكنا أحوجناكم تشترون منا، لكنا ضيَّفناكم و أكرمناكم، بلا ثمن، و ما كنتم إذًا بحاجة أن تسألوا شيئا أو تدفعوا ثمنا، و كانت السَّنَة مجدِبة، و البادية في قحط شديد، قال ابنُ سعد رواية عن أبي المعبد الخزاعي: فنظر النبيُّ صلى الله عليه و سلم - يبدو أنهم جائعون - إلى شاة في كِسر الخيمة، شاة هزيلة، تجد حيوانا " جلدة وعظمة لا يستطيع أن يقف، تجد أحيانا قطَّة، نظر النبيُّ إلى شاة في كِسر الخيمة فقال: ما هذه ؟ قالت: هذه شاة خلَّفها الجهدُ، من شدَّة التعب و الضعف و الهُزال لا تقوى أن تذهب للمرعى، قال: هل بها من لبن ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، لا يمكن، لا تستطيع أن تمشي، أين اللبن، قال: أتأذنين لي أن أحلبها، انظر إلى الأدب، قالت: نعم بأبي أنت و أمي، إن رأيت بها حلبا، إن رأيت فخذه، فدعا النبيُّ صلى الله عليه بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله عليها و قال: اللهم بارك لها في شاتها، فتفاجَّت و درَّت و اجترَّت ؛ فدعا بإناء برُبط الرهط ؛ إناء كبير؛ فحلي فيه سجًّا حتى غلبه الثُّمانُ، صار رغوةً، فسقاها، سقى الشاة أول شيء، لأنها ميتة من الجوع، فسقى الشاة حتى رويت و سقى أصحابه و سقى أمِّ معبد و شرب صلى الله عليه و سلام آخرهم، انظُر إلى الأدب، رحم الحيوان و رحم صاحبة الحيوان و رحم صاحبه و عامر بن فهيرة و كان عليه الصلاة و السلام آخرهم شربا، و قال:

(( ساقي القوم آخرهم شربا...))
إذا الواحد يريد أن يوزِّع شيئا من المرطِّبات لإخوانه بدأ بنفسه و ابتلع نصفها، أما إذا كان هو آخر واحد، يعمل ترتيبا، الكلُّ يشرب و يبقى له قليل، فصار هناك تنظيم، إذا كان هو آخرهم شربا لا بدَّ أن يوزِّع الكمية بدراسة جيِّدة، حتى يبقى له شيئا، هذا توجيهٌ ثانٍ، قال: ثم حلب ثانيا عودًا على بدءٍ فغادره عندها، ترك لها الحليبَ مرة ثانية، ثم ارتحلوا عنها فقلَّما لبثت أن جاء زوجُها أبو معبد يسوق أعنُزا عجافا جاء بقطيع ماعز عجاف، جلد و عظمة، فلما رأى اللبنَ عجِب، قال: من أين لكم هذا و الشاة عازبة و لا حلوبة في البيت ؟ قال: و اللهِ إنه مرَّ بنا رجلٌ مبارك كان من حديثه كيت و كيت، فقال: و اللهِ إني لأراه صاحبَ قريش الذي يُطلَب، الملاحق ؛ صِفِيهِ لي يا أمَّ معبد، إن شاء الله في درس آخر آتيكم بالوصف الدقيق، قال:رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه غُصنٌ بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة، إذا تكلم سكت أصحابُه، و إذا أمر تبادروا بأمره، حلوُ المنطق، لا هجرٌ و لا نجرٌ، أي وصف دقيق جدًّا و جميل، فجعلت أمُّ معبد تصف له ما بهرها منه، من كمال الطلعة و جمال الهيئة ووقار السمتِ و عظمة الخلُق و سلامة المنطق و عذوبة الحديث و سماحة النفس و طلاقة الوجه و شدَّة الهيبة و جلال المظهر.

و أجملَ منك لم ترَ قطّ عيني و أكملَ منك لم تلِد النساءُ
خُلِقتَ مبرئا من كلِّ عيـب كأنك قد خُلقت كما تشـاءُ
***

طبعا هنا الكاتب جمع الصفاتِ و لخَّصها، قال كمال الطلعة و جمال الهيئة و وقار السمت و عظمة الخلُق و سلامة المنطق و عذوبة الحديث و سماحة النفس و طلاقة الوجه و شدَّة الهيبة و جلال المظهر، قال: و اللهَِ هذا صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكِر، و لو كنتُ وافقته يا أمَّ معبد لا لتمستُ أن أصحبه، و لأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلا أي نوى أن يصحبه، و الصحابة درجات، أعلى مقاما الذين لازموا النبيَّ عليه الصلاة و السلام، لازموه و تعلَّموا منه، و كانوا في خدمته و كانوا يدَه و كانوا سمعه و كانوا أعوانه، هكذا ؛ أمُّ معبد ذكية جدًّا، حينما علمت أن هذا الرجل ملاحق مرَّ بها فتيان فسألوها عن رسول الله فأشفقت عليه منهم، فتعاجمتْ عليهم و قالت له: من هو ؟ إنكم تسألون عن شيء ما سمعتُ به قبل عامي هذا، من هو، و اللهِ كان في العرب أذكياء جدًّا، كلمة قالها زوجُها، قال: إنه مطلوب، فحينما جاءها فتيانُ سألوا عن رسول الله، قال: من هو؟ إنكم تسألون عن شيء ما سمعت به من قبل عامي هذا، المؤمن فيه كمالٌ ظاهر، قلتُ اليوم كلمةً عن علامة المؤمن إذا عاملتَه لا تنسَ كمالَه و لا تنسَ مودَّته، و لا تنس لطفه و لا تنس تواضعه، و لا تنس وفاءه، و لا تنس كرمه، هذا المؤمن، المؤمن حافظ كم كلمة فقط، لا، أي إنسان يمكن أن يحفظ كم كلمة، الكتاب أحسن منه سعَةً، إذا ما فيه أخلاق فالكتاب أحسن منه.
روى ابنُ إسحاق عن عبد الرحمن بين عُوَيمِر قال:حدَّثني رجالٌ من قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، قالوا: لما سمعنا بمخرج النبيِّ بمكة و توقَّعنا قدومَه كنا نخرج إذا صلَّينا الصبحَ إلى ظاهر حرَّتنا، إذا ذهب الإنسانُ إلى المدينة المنورة هناك مكان في ظاهر المدينة أرض وعِرة صخرية، هذا اسمُها حرَّة المدينة، إذا صلَّينا الصبح خرجنا إلى ظاهر حرَّتنا ننتظر النبيَّ صلى الله عليه سلم، فو اللهِ ما نبرح حتى تغلبنا الشمسُ على الظِّلال، فإذا لم نجد ضلاًّ دخلنا و ذلك في أيام حارًّة، حنى إذا كان اليومُ الذي قدِم فيه رسولُ الله صلى الله عليه و سلم جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبقَ ضلُّ دخلنا بيوتنا و قدِم صلى اللهُ عليه و سلم حين دخلنا بيوتنا، فكان أولَ من رآه يهودي و قد رأى ما كنا نصنع، و أنا ننتظر قدومَ رسول الله فصرخ بأعلى صوته، يا بني قيلة هذا جدُّكم قد جاء، أي جدُّكم ؛ من تعتقدون نبوَّته فخرجنا إلى النبيِّ صلى الله عليه سلم و هو في ظلِّ نخلة و معه أبو بكر يا تُرى من رسول الله، لا يعرفون الرسول، آمنوا به قبل أن يروه آمنوا به و صدَّقوه و أحبُّوه و تمنوا أن يقدِّموا أنفسهم في فداءً له و لم يروه بعدُ، رأوه في طل نخلة و معه أبو بكر رضي الله عنه ـ في مثل سنِّه، قريب سنُّ بعضهم، و أكثرنا لم يكن رأى النبيَّ صلى الله عليه و سلم من قبل، و تزاحم عليه الناسُ و ما يعرفونه من أبي بكر سيِّدنا الصدِّيق كان نبيها جدًّا، شعر أنهم التبسوا فقام رضي الله عنه فأظلَّه بردائه، لستُ أنا، انظر إلى هذا الذكاء و الفهم، لما شعر بعيون الناس بالحيرة من هذا قام رضي الله عنه و أظلَّه بردائه، و لما أظلَّه بردائه الآن إذا كان اثنان يمشيان في نفس المستوى، واحدهم هو المدير عام و الثاني معاونُه، فأتوا على مكان، لا بدَّ للمعاون ظان يرجع خطوة إلى الوراء و تضيع الطاسة بعد ذلك، ارجع خطوة إلى الوراء يا سيد،لذلك هكذا فعل سيدنا الصدِّيق، فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفوا أنه رسول الله.
أول شيء فعله النبيُّ صلى الله عليه و سلم في قِباء أنه أسَّس مسجدا هذا بيت الله، مركز النور و مركز الهدى و مركز التوبة و مركز العبادة و مركز التهذيب و مركز الإقبال على الله عز وجل، خير البلاد مساجدها، أول شيء فعله النبيُّ، أنت مسافر و لم ترتَح بعد تعمِّر مسجدا و كان أول عمل قام به النبيُّ صلى الله عليه و سلم في قباء أنه أسَّس مسجدا هناك، فكان أولُ مسجد اُسِّس في الإسلام، و قد عمِل فيه النبيُّ صلى الله عليه و سلم بيده، و ليس لبِنة واحدة و قليل من الإسمنت و لوحة، أعمق من ذلك، بنى فعلا بيده الشريفة هذا المسجد، و شارك أصحابُه في حمل الحجارة و الصخور حتى كان يبدو عليه الجُهدُ و كان يبدو عليه الجهدُ، خمسة عشر يوما راكب ناقة في الحرِّ الشديد، و قد رغِب أصحابُه أن يكفوه بأنفسهم فأبى أن يكون إلا واحدا منهم، هذه السُّنة، هذه اترُكوها في بالِكم، إن الله يكره العبدَ أن يراه ربُّه متميِّزا على أقرانه، طبعا توسَّلوا إليه و ترجَّوه، ارتَح و نحن نشتغل في مكانك فقال: فأبى إلا أن يكون واحدا منهم، هذه عظمة النبيِّ، و لا فرق بين أقواله و أفعاله أبدا، كلُّ شيء قاله فعله، دعاهم إلى التواضع فكان أشدَّهم تواضعا، و دعاهم إلى أن يكونوا سواسية، سوَّى نفسَه معهم و هو سيِّدهم، أحيانا هناك بعض التقديمات للنبيِّ الكريم: يا مَن جئتَ الحياةَ فأعطيتَ و لم تأخذ يا من قدَّست الوجودَ كلَّه و رعيت قضية الإنسان، يا من هيَّأك تفوُّقُك لتكون واحدا فوق الجميع فعشتَ واحدا بين الجميع، هنا العظمة، تكون أنت فعلا عظيم، إنسان نبيهٌ إنسان متفوِّق و تعيش مع إخوانك مع أولادك و مع زوجتك و مع جيرانك و مع أصحاب مهنتك مع زملائك كواحد منهم، هذه مظاهر العظمة.
روى الطبراني بسند رجاله ثقاة عن بنت النعمان رضي الله عنها قالت نظرتُ إلى النبيِّ صلى الله عليه و سلم حين قدِم فنزل و أسَّس المسجدَ فرأيته يأخذ الحجرَ و الصخرَ فيأتي أصحابُه و يقولون: يا رسول الله بأبي أنت و أمي تُعطيني أكفِكَ، أحمله عنك، فيقول: لا خذ مثلَه، ائت بحجر ثانٍ، هذا اتركْه لي، التواضع، نعم.
و في القرآن الكريم نزلت آيةٌ في هذا المسجد، وإذا كان اللهُ أكرمكم بالذهاب إلى عمرة أو إلى حجٍّ الآن مسجد قباء من أجمل المساجد، و فيه الآية الكريمة، قال تعالى:

﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)﴾

[سورة التوبة]
فيه رجال يحبون أن يتطهروا، يحب أن ينقِّيَ نفسه من الغل و الحسد و الغيبة و النميمة و الأخلاق السيِّئة و الكِبر و الاستعلاء.
يروي الرواةُ أن يوم دخول النبيِّ صلى الله عليه و سلم المدينةَ كان يوما حافلا، لم ترَ المدينةُ يوما أشدَّ فرحا و ابتهاجا منه، ازدانت المدينةُ و أشرقتْ جوانبُه و لبِس الناسُ أحسنَ ثيابهم كأنهم في يوم عيد، ووقفتْ ربَّاتُ الخدور على سطوح المنازل ليستشِفْن النبيَّ صلى الله عليه و سلم و صاح الصبيانُ في فرح و ابتهاج، جاء رسولُ الله صلى الله عليه و سلم جاء رسولُ الله.
و روى الإمامُ أحمدُ بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

(( إِنِّي لَأَسْعَى فِي الْغِلْمَانِ يَقُولُونَ جَاءَ مُحَمَّدٌ فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا ثُمَّ يَقُولُونَ جَاءَ مُحَمَّدٌ فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا قَالَ حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ فَكُنَّا فِي بَعْضِ حِرَارِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ بَعَثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الْأَنْصَارَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءَ خَمْسِ مِائَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِمَا فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى إِنَّ الْعَوَاتِقَ لَفَوْقَ الْبُيُوتِ يَتَرَاءَيْنَهُ يَقُلْنَ أَيُّهُمْ هُوَ أَيُّهُمْ هُوَ قَالَ فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا مُشْبِهًا بِهِ يَوْمَئِذٍ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْنَا وَيَوْمَ قُبِضَ فَلَمْ أَرَ يَوْمَيْنِ مُشْبِهًا بِهِمَا ))

[رواه أحمد]
فمرةً التبس على المسلمين من هو النبيُّ فتأخَّر سيدنا الصدِّيق عن النبي صلى الله عليه و سلم و ركب النبيُّ ناقةً، هذه الناقة لها قصةٌ رائعة جدًّا، ولكن رُوِي عن عائشة أنه لمل قدِم رسولُ الله صلى الله عليه و سلم المدينةَ جعل النساءُ و الصبيانُ و الولائدُ يقولون: طلع البدرُ علينا، أنا وقفتُ في قباء في الساحة العامَّة، هناك ساحة عامة أمامك المسجد، و هناك وضعوا شيئا نسمّيه نحن شيئا جماليا عمود من رخام عليه كرة كبيرة كُتِب عليها طلع البدر علينا، أنا و اللهِ أسمع هذا النشيد عشرات بل المئات بل عشرات المئات المرات كلّ عقد قران، و ما شعرتُ أنه اقشعرَّ جلدي إلا حينما رأيتُ في هذه الساحة العامة حينما وصل النبيُّ هذا المكان بالذات و قال أصحابُه:

طلع البدر علينـا من ثنيات الــوداع
وجب الشكر ُعلينا مــا دعـا لله داع
أيها المبعوث فينا جئتَ بالأمر المُطاع
***
الحقيقة أن هذا النشيد يذكِّر المؤمنين الصادقين بقدوم النبيِّ، ارتفع النهارُ و ركب النبيُّ ناقته القصواءَ، التي ما خلقت، سمعتموها في الحديبية و ما كان لها أن تخلق و ليس لها بخلق، في كوكب حافل، و المسلمون يحيطون به مشاةً و ركبانا، و قد تقلَّدوا سيوفهم و تحلَّوا بأحسن ملابسهم و علا وجوههم الزَّهوُ و البشرُ و الابتهاج بمقدم النبي صلى الله عليه و سلم، و قد بلغ من حرصهم على كرامة رسول الله و تعظيمه أنهم كانوا يتزاحمون على زمام ناقته، كل واحد يريد أن يمسك هذا الزمام من حبِّهم له، و حبُّ النبي علامة الإيمان، علامة إيمانك أن تحبَّ النبيَّ عليه الصلاة و السلام، قال: حتى ينازع أحدُهم صاحبَه في الوصول إليه و التَّبرُّك به، و توجَّه النبيُّ نحو المدينة، بين قباء و المدينة هناك نحو ربع ساعة، مثل دُمَّر وابن رشد فجعل لا يمرُّ بدور من دور الأنصار إلا اعترضوا طريقَه، وضعوا له حاجزا، و قالوا: هلمَّ يا رسول الله إلى القوة و المنعة و الثروة، هنا بيت و الأمور ميسَّرة، طعام وشراب و قوة و نحن ندافع عنك، هلم، فيبتسم صلى الله عليه و سلم شاكرا و يدعو لهم بالخير ثم يقول وهو يشير إلى ناقته: جلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة، لم يحدث منازعات، تركها للناقة، و قال مأمورة، اللهُ يوجِّهها وجهةً معيَّنة، خلوا سبيلها فإنها مأمورة، ما كسَر لا خاطرَ إنسان، كلُّ واحد يتمنى أن يدخل النبيُّ إلى بيته، كلُّ واحد حلُم من أحلامه العظيمة أن النبيَّ يدخل إلى بيته، يقف يترجَّاه و يتوسَّل له دعوها فإنها مأمورة، و قد كان في المدينة دورٌ كثيرة تبلغ تسعًا، الدار يعني القبيلة، أو رهط، كلُّ دار محلَّة مستقلة بمساكنها و نخيلها و زروعها، و كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلَّتهم فهي كالقرى المتلاصقة، قرى صغيرة مع بعضها، فلما وصل صلى الله عليه و سلم إلى دار بني سالم بن عوف أدركته صلاةُ الجمعة فصلاَّها هناك في واديهم بمن كان معه من المسلمين، فكانت أوَّلَ جمعة أقامها صلى الله عليه و سلم في الإسلام، أول جمعة.
فاتني أن أقول لكم إن النبيَّ صلى الله عليه و سلم حينما ما خرج من مكة أوَّل ما خرج دعا بهذا الدعاء، و الدعاء له دلالة كبيرة جدًّا، قال:

((و اللهِ إني لأخرج منكِ يا مكةُ، و إني لأعلم أنكِ أحبٌّ أرض الله إلى الله، و أكرمها على الله، و لولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ))
و الرواية الثانية قال النبيُّ الكريم:

((و اللهِ إنكِ لأحبُّ أرض الله إليَّ، و أحبُّ أرض الله إلى الله، و لولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ قهرًا مل خرجتُ ))
أما الدعاءُ الثالث، قال:

((اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحبِّ البلاد إليَّ، فأسكنِّي أحبَّ البلاد إليك ))
المدينة، من هذا الحديث يُستنبط أن المدينة أحبُّ البلاد إلى الله عز وجل.

(( اللهم إنك أخرجتني من أحبِّ البلاد إليَّ فأسكنِّي أحبَّ البلاد إليك ))
على كلٍّ ركب النبيُّ ناقته لما أدركته صلاةُ الجمعة خطب خطبةً أربع أسطر قال: أيها الناس قدَِّموا لأنفسكم، تعلمنَّ و اللهِ ليُصعقنَّ أحدُكم ؛ أي يموت ؛ ثم ليدعنَّ غنمَه ليس لها راعٍ، و ليقولنَّ له ربُّه ليس له ترجمان و لا حاجب، أي يوجد محامي و لا حاجب يحجبه دونه، ألم يأتِك رسولي فبلَّغك ؟ آتيتك مالا وأفضلتُ عليك، فماذا قدَّمتَ لنفسك ؟ فينظرنَّ يمينا و شمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدَّامَه فلا يرى إلا جهنم.

((فمن استطاع أن يقيَ وجهه من النار و لو بشق تمرة فليفعل))
كلام مختصر مفيد، يموت أحدُكم يقول النبيُّ الكريم، يدع غنمه، أي و بيته و داره و مركبته و مكانته الاجتماعية و رصيده و ثروته، كل شيء يدعه و يذهب، يقول الله له عز وجل: ألم يأتِك رسولي فبلَّغك، ماذا فعلت ؟ ينظر يمينه و شماله و خلفه أمامه النار، فإن استطاع أحدُكم أن يتَّقِيَ النار و لو بشقِّ تمرة فليفعل، قال: قوموا إلى صلاتكم " كلام مختصر مفيد، هذه هي الخطبة، ثم انتهت صلاة الجمعة و ركب النبيُّ ناقته فما زالت تسير و قد أرخى لها زمامها حتى برَكت به في مكان مسجده، محلَّ ما برِكت كان المسجد النبوي، و كان مربدا لغلامين، أي أرضا لغلامين يتيمين من بني النجَّار، عند دار أبي أيوب، فنزل عليه الصلاة و السلام و قال:

(( ربِّ أنزلني منزلا مباركا و أنت خير المنزلين ))
قال ذلك أربع مرات، و أخذه الذي كان يأخذ عند الوحي فلما سُرِي عنه قال و قد جاءه الوحي، قال: هذا إن شاء اللهُ يكون المنزلُ، بوحيٍ من الله هذا منزلي، و بعد موته أصبح قبرا، الناقة لم يقل: دعوها فإنها مأمورة، لما وقفت الناقةُ جاءه الوحيُ هنا اجعَل بيتَك في هذا المكان.
و من فضل الله علينا أن قبر النبيِّ ثابتٌ تاريخيا، كثير من الأنبياء قبورهم غير ثابتة، يقرأ الفاتحة، هل ترى حقا أن هنا سيدنا يحيى، الله أعلم، هناك شيء من الشكِ يداخلك، و تزور قبر سيدنا خالد، أكيد أنه هنا مدفون، هناك روايات ضعيفة أنه مدفون، مادام هناك ضعف في الروايات هناك شعور بالقلق، لكن من فضل الله على هذه الأمة أن قبر النبيِّ عليه الصلاة و السلام ثابت ثبوتا قطعيًّا، مكان ما بركت الناقةُ هنا منزله، و بعد وفاته كان قبرا، فقال النبيُّ -قضية وحي الآن- ليس هناك مجاملات، فقال النبيُّ الكريم: أيُّ بيوت أهلنا أقرب ؟ الصحابة أهله، و أنت من أهلك ؟ إخوانك، على شاكلة واحدة و مشرب واحد و من قيم واحدة، فقال أيُّ بيوت أهلنا أقرب ؟ وصف أصحابَه بأنهم أهلُه فقال أبو أيوب: أما يا نبيَّ الله، هذا بيتي، هذه داري و هذا بابي فقال: فانطلِق فهيِّئ لنا مقيلا، هيِّئ لنا البيتَ، فذهب فهيِّأه ثم جاء فقال: يا رسول الله قد هيَّأتُ لك مقيلا قوما على بركة الله فقيلا، ارتاحوا قليلا و نزل النبيُّ عند أبي أيوب فأقام عنده حتى بنى مسجدَه و مساكنه، و جعلت الهدايا من الطعام و الشراب تتوارد على النبيِّ صلى الله عليه و لم و كانت أولَ هدية هُدِيت له قصعةٌ جاء بها زيدُ بن ثابت، فيها خبز مسرود بلبن وسمن، أي فتَّة، يبدو أنه شيء طيِّب كثيرا فقدَّمها إلى النبيِّ صلى الله عليه و سلم و يقول: أرسلتْ بهذه القصعة أمِّي، فقال عليه الصلاة والسلام: بارك اللهُ فيك و في أمِّك، انظُروا إلى دعاءه عليه الصلاة و السلام، و دعا أصحابَه فأكلوا، ثم جاءت قصعةُ سعد بن أبي عبادة فيها ثريد و عُراق لحم، و جعل بنو النجَّار يتناوبون حملَ الطعام إليه طولَ مقامه في دار أبي أيوب، و أقام النبيُّ في دار أبي أيوب سبعة أشهر و قيل: نحو سنة، حتى بنى مسجده و مساكنه و نزل معه أسامةُ بن زيد، و قيل: إن عليًّ بن أبي طالب نزل معه، و كان قد قدِم من مكة.
الدرس القادم إن شاء اللهُ بعد أن نزل النبيُّ إلى المدينة جعل لأهل المدينة نظاما و معاهدةً إن شاء الله نقف عندها وقفةً متأنِّية في الدرس القادم لأنها ذات أهمّية بالغة جدًّا في السيرة، كيف نظَّم النبيُّ المجتمعَ الإسلاميَّ الجديد، لأن المجتمع الإسلامي مجتمع منظَّم، مجتمع فيه حقٌّ وواجب، فيه أخذٌ و عطاء، فيه حقوق و فيه حدود و فيه واجبات، إن شاء اللهُ في الدرس القادم نقف عند الوثيقة التي خطَّها النبيُّ و نظَّم بها مجتمعه في المدينة.

والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم    الإثنين 12 نوفمبر - 23:34

لا زلنا في دروس السيرة، و لا زلنا في سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، و قد انتهينا في الدرس الماضي من وقائع الهجرة، و كيف وصل النبيُّ صلى الله عليه و سلم إلى المدينة و استقبله أهلُها استقبالا حارًّا، و قبل أن نتابع موضوعاتٍ الهجرة نقف وقفتين ؛ الوقفة الأولى عند سراقة بن مالك و قصته التفصيلية، و عند أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، عند سراقة بن مالك و عند أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما، لأن في قصتيهما دلالات كثيرة و استنتاجات رائعة، وهذا من السيرة، نحن ما خرجنا عن السيرة، و لكن أردنا أن نعمِّق و أن نفصّل في فقرتين من فقر الهجرة ؛ الأولى تتعلَّق بسراقة بن مالك، و الثانية تتعلق بأبي أيوب الأنصاري، مما يؤكِّد نبوَّة النبيِّ صلى الله عليه و سلم، سراقة تعلمون أنه كان فارسا من فرسان قومه طويل القامة عظيم الهامة، بصيرا باقتفاء الأثر، عنده قدرات خاصة، بصيرا باقتفاء الأثر صبورا على أهوال الطريق، و كان إلى ذلك أريبا لبيبا شاعرا و كانت فرسُه من عِتاق الخيل، أي ستون حصانا بالتعبير الحديث، كانت فرسه من عتاق الخيل، صفات رائعة، و قلَّما تجتمع في إنسان، هذا حينما سمع أن قريشا رصدتْ مائة ناقة لمن يقبض على النبيِّ حيًّا أو ميِّتا، و مائة ناقة أخرى لمن يقبض على سيِّدنا الصدِّيق حيًّا أو ميِّتا، و مائتا ناقة تعدل كما قلنا في درس سابق ما يزيد عن ثلاثين مليون، أي ثروة ضخمة جدًّا، لذلك مضى سراقةُ يطوي الأرض طيًّا لكنه ما لبث قبل أن يرى محمدًا هو يسير باتِّجاه يلاحق النبيَّ عليه الصلاة و السلام، بعد أن تأكَّد ممَّن دخل عليه وهو في قومه أن ثلاثة يمرُّون إلى جانب الوادي و قد أشار القائلُ إلى أنهما النبيُّ عليه الصلاة و السلام و صاحبه، لكنَّه عمَّى عن ذلك و تجاهل ذلك و قال: هذا فلان ذهب ليبحث عن ناقته و أراد أن تبقى الجائزةُ له.
أولُ تنبيه من الله عز وجل، أحيانا الإنسان يكون مقدِمًا على عمل لا يرضي الله يقع و يُشجُّ رأسُه و يمزق ثوبُه و يفقد دراهمَه، هذه أشياء دقيقة جدًّا لعلَّها إشارات من الله، المؤمن أريب، إذا مضيتَ إلى عمل لا يرضي اللهَ و رأيت بعض المنبِّهات و بعض المذكِّرات، بعض الذي يلفت النظرَ فانتبه، هذا من رحمة الله عز وجل، قبل أن يلقى النبيَّ عليه الصلاة و السلام قبل أن يلقى النبيَّ عثرت به فرسُه و سقط عن صهوتها فتشاءم من ذلك، و قال: ما هذا، ليس هذا من عادته، تبًّا لكِ من فرس و علا ظهرَها ثانية، غير أنه لم يمضِ بعيدا حتى عثرت به مرة أخرى إشارة ثانية من الله عز و جل، أعرف رجلا اغتصب محلاًّ تجاريا من إخوته، و المحلُّ انطلق انطلاقة عجيبة، هو يركب مركبته غلى جانب طريق الحجاز جانب البريد أُصيب بأزمة قلبية و هو يقود سيارته، و كانت إلى جانبه زوجته، و من غرائب الصُّدف أن مضى صديقُه من ذلك المكان، فقاد السيارة و أخذه إلى غرفة الإنعاش في أقرب مستشفى بعد أن صحا قال: آتوني بآلة تسجيل، جاءوا له بآلة تسجيل فقال في هذه الآلة: هذه الدكان لي و لفلان و لفلان، صرَّح بالاغتصاب، ثم أُنعِش و بعدها صحا، و بعد أيام شعر أنه أبلًّ من مرضه فطلب الشريط و كسَّره و عاد إلى سابق سيرته، و بعد ثمانية أشهر وافته المنيَّةُ، ما تفسير هذه القصة ؟ إشارة من الله و تنبيه، و المؤمن نبيهٌ، فسيدنا سراقة جاءته إشارة من الله، إشارة، فازداد تشاؤما و همَّ بالرجوع، فما ردَّه عن همِّه إلا طمعُه بالجائزة، ثم انطلق بفرسه ثانية باتِّجاه النبيِّ و صاحبه و مولى سيدنا أبي بكر، غدَّ السير إلى أن أبصر النبيَّ عليه الصلاة والسلام و صاحبيه فمدَّ يده إلى قوسه من أحل أن يرميَ بقوسه و سهمه النبيَّ صلى الله عليه و سلم، لكنَّ يده جمدتْ في مكانها، ذلك لأنه رأى قوائم فرسه تسيف في الأرض، و الدخان يتصاعد من بين يديه، أي الغبار و يغطِي عينيه و عينيها، فدفع الفرس فإذا هي قد رسخت، جمدتْ في الأرض كأنما سمِّرت فيها بمسامير من حديد فالتفت إلى النبيِّ صلى الله عليه و سلم و صاحبيه و قال بصوتٍ ضارع يا هذان أُدعُوا لي ربَّكما أن يُطلق قوائم فرسي، و لكما عليَّ أن أكفَّ عنكما، فدعا له النبيُّ صلى الله عليه و سلم، فأطلق اللهُ له قوائم فرسه لكن أطماعه بالجائزة ما لبثت أن تحرَّكت من جديد فدفع فرسَه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل، فاستغاث بهما ثانية، و قال: إليكما، أول مرة توسَّل إليهما، والمرة الثانية قال: إليكما زادي و متاعي و سلاحي فخذاه، و لكما عليَّ عهدُ الله أن أردَّ عنكما من ورائي من ورائي من الناس، هذا متاعي و هذا زادي و هذا سلاحي فخذاه و لكما عليَّ أن أردَّ عنكما من ورائي من الناس، فقالا له: لا حاجة لنا بزادك ومتاعك و لكن رُدَّ عنا الناسَ، ثم دعا له النبيُّ صلى الله عليه و سلم فانطلقت فرسُه، فلما همَّ بالعودة ناداهم قائلا: تريَّثوا أكلمكم، فو الله ما يأتيكم مني شيئا تكرهونه، اطمئِنوا، قالا له: ما تبتغي منا ؟ فقال: و اللهِ يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينُك، أي أنت نبيٌّ، أول دليل، و الثاني و الثالث و الرابع و الخامس و السادس، ستة إشارات من الله عز وجل، فقال: و الله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينُك و يعلو أمرُك فعاهدني إذا أتيتكَ في ملكِك أن تكرمني، اُكتُب لي بذلك وصيَّة، أنا الآن متأكِّد أنك نبيٌّ و سوف يظهر دينُك و سوف يعلو شأنك، و لكن عاهدني يا محمد إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني، اكتُب لي بهذا وثيقة، فأمر النبيُّ صلوات الله و سلامه عليه الصدِّيق فكتب له على لوح من عظم و دفعه إليه، و لما همَّ بالانصراف قال عليه الصلاة و السلام -هنا بيت القصيد -:و كيف بكَ يا سراقة إذا لبستَ سواريْ كسرى، إذا واحد أعرابي من أطراف البادية قلنا له: كيف بك إذا ركبتَ طائرة بوش مثلا، و ركبت يختَه و مركبته، و جلست في مكانه يقول لك: لا بد لك من قصير، طبعا نفس النسبة، إنسان ضعيف في صحراء يعهده النبيُّ عليه الصلاة و السلام أن يلبس سواريْ كسرى نبيٌّ عظيم لا ينطق عن الهوى، وهذا من معجزاته صلى الله عليه و سلم قال تعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27)﴾

[سورة الجن]
قال سراقة في دهشة:كسرى بن هرمز ‍! الآن كسرى اسم، أما يبدو في وقته اسم كبير جدًّا، كيف هناك في العالَم دولٌ عظمى، و هناك رؤساء لدول عظمى، و هناك دول أعظم من دول و أن رئيس أعظم دولة في العالم بالمقياس الحديث، قال له: كسرة بن هرمز ‍! يخاطب النبيَّ، قال: نعم كسرى بن هرمز، هنا دقِّقوا و لا تنسوا هذا الموقف، قال: عاد سراقةُ أدراجه ووجد الناسَ أقبلوا ينشدون النبيَّ صلى الله عليه و سلم فقال: ارجعوا لقد نفضتُ الأرضَ نفضًا، بحثا عنه، أبغي المحال، و أنتم لا تجهلون مبلغ بصري بالأثر فرجعوا، ثم كتم خبره مع محمد انظُر إلى الوفاء، و لمَّا يسلم بعد، كتم خبره مع محمد و صاحبه حتى أيقن أنهما بلغا المدينة و أصبحا في مأمنٍ من عدوان قريش، عند ذلك أذاعه، يا جماعة حدث لي مع محمدٍ كيت و كيت، فلما سمع أبو جهل بخبر سراقة مع النبيِّ صلى الله عليه و سلم و موقفه منه لامَه على تخاذله و جُبنه و تفويته فرصةَ القبض عليه، أنت جبان، فأجابه سراقةُ شعرًا، و كان شاعرا، قال له:

أبا حكَمٍ و اللهِ لو كنتَ شاهدًا لأمر جوادي إذْ تسوخ قوائمُه
علمتَ و لم تشكُك بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
***
الموقف لم تذُقه.
الأيام دارت و النبيُّ عليه الصلاة و السلام هاجر واستقرَّ بالمدينة و علا شأنُه و استقرَّ ملكُه و حارب قريشا في بدرٍ و أحد و الخندق، و فتح مكةَ المكرَّمة، و قال:ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخٌ كريم و ابن أخٍ كريم، قال:

(( فاذهبوا فأنتم الطلقاء))
و لما صار النبيُّ كما توقَّع سراقةُ في أعلى مركز، قال سراقةُ: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه و سلم بالجعرانة ؛ مكان بين مكة و الطائف، فدخلتُ في كتيبة من الأنصار فجعلوا يقرعونني بكعوب الرماح و يقولون: إليكَ إليكَ ماذا تريد ؟ و معه كتاب، و معه العظمة، عهدُ النبيِّ، فما زلتُ أشقُّ صفوفهم حتى غدوتُ قريبا من رسول الله، وهو على ناقته، فرفعتُ يدي بالكتاب قلتُ: يا رسول الله أنا سراقة بن مالك، أتذكر.
يا إخوان لا إيمان لمن أمانة له، و لا دين لمن لا عهد له، و اللهِ يا إخوان زوال الكون أهون على الله عز وجل من أن يضيِّع مؤمنا، و المؤمن ذهاب ماله كلِّه أهون عليه من أن يخلف عهدا، من أن ينقض عهده أو يخلف وعده، الموقف الأخلاقي، قال: أنا سراقة بن مالك وهذا كتابك لي، فقال عليه الصلاة و السلام: أُدنُ مني يا سراقة، هذا يومُ بِرٍّ ووفاء، فأقبلتُ عليه و أعلنتُ إسلامي بيد يديه، و نِلتُ من خيره و برِّه، لم يمضِ على هذا اللقاء وقتٌ قصيرٌ حتى تُوُفِّي النبيُّ عليه الصلاة و السلام، نحن نريد أن نسمع و أن نرى ماذا حلَّ بهذا الوعد كيف بك يا سراقة إذا لبستَ سواريْ كسرى، قال: كسرى بن هرمز ! قال عليه الصلاة و السلام: كسرى بن هرمز، أي هوَهوَ، هبَّت الجيوشُ تتَّجه نحو فتح بلاد فارس و كانت معركة القادسية، و في ذات يومٍ من أواخر أيام عمر قدِم على المدينة رسلُ سعد بن أبي وقَّاص يبشِّرون خليفةَ المسلمين بالفتح، هذه القادسية الأصلية، و يحملون إلى بيت مال المسلمين خمسَ الفيء الذي غنِموه، و لما وُضِعت الغنائمُ بين يدي عمر نظر إليها في دهشة، تاج كسرى و سواري كسرى و ثياب كسرى المنسوجة من خيوط الذهب، فقد كان في هذه الغنائم تاجُ كسرى المرصَّع بالدُّرِ و ثيابه المنسوجة بخيوط الذهب ووِشاحه المنظوم بالجوهر، و سواراه اللذان لم ترَ العينُ مثلَهما قط، و ما لا حصرَ من النفائس، فجعل عمر يقلِّب هذا الكنز الثمين بقضيب كان في يده احتقارا له، ما هذا ؟ تاج، و هذا، إذا الواحد كان يقلِّب القمامة أحيانا يترفَّع عنه بيده، يمسك قضيبا، فجعل عمرُ يقلِّب هذه الكنوزَ بقضيب كان بيده ثم التفت إلى من حوله و قال: إن قوما أدَّوا هذا لأمناءُ، ما هذه الأمانة ! لو واحد حامل تاج كسرى و شقَّ نحو إنطاكية لصار مليونير، و باعه هناك، لو حمل سواري كسرى و ذهب إلى بلد آخر قسطنطينية قال: إن قوما أدَّوا هذا لأمناء، كان إلى جانبه سيدنا عليٌّ رضي الله عنه قال: يا خليفة رسول الله أعجِبتَ من أمانتهم لقد عففتَ فعفُّوا و لو وقعتَ لوقعوا، الطُّهرُ منك بدأ، العفةُ منك بدأت، الاستقامة منك بدأت أتعجب يا أمير المؤمنين و يا خليفة رسول الله من أمانتهم لأقد عففتَ فعفُّوا و لو وقعتَ لوقعوا، و هناك رواية أخرى لو رتعتَ لرَتعوا، وهنا دعا الفاروقُ رضوان الله عليه و قال: أين سراقة؟ فألبسه قميصَ كسرى و سراويلَه و قِباءه و خفَّيه و قلَّده سيفه و مِنطقته ووضع على رأسه تاجه و ألبسه سوارين، نعم سوارين، و تحقَّقت نبوءة النبيِّ صلى الله عليه و سلم، عند ذلك هتفَ المسلمون الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم التفت عمرُ إلى سراقة و قال: بخٍ بخٍ، كلمة تعجُّب بخ بخ، أُعيْرابيٌّ أعيرابي تصغير أعرابي، تصغير، شويعر، قويئد، عُويلم، غويلم شجيرة، كتيب، صيغة التصغير، قال: أعيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى و في يديه سواره، ثم رفع رأسه إلى السماء و قال: اللهم: إنك منعتَ هذا المالَ عن رسولك، هنا النقطة الدقيقة، و كان أحبَّ إليك مني، وأكرم عليك مني، إذا الواحد آتاه اللهُ الدنيا فلا يفرح كثيرا، لأن الله عز وجل ما آتاها لمن هو أحبُّ إليه منكَ، هكذا قال سيدنا عليٌّ: فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمدا أم أهانه حين زوى عنه الدنيا، فإن قال: أهانه فقد كذب و إن قال: أكرمه فلقد أهان غيرَه حيث أعطاه الدنيا و قال عليه الصلاة و السلام:عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاء ))

[رواه الترمذي]
هيِّنة على الله، رأى النبيُّ شاةً ميِّتة ألقاها أهلها خارج البيت فقال عليه الصلاة و السلام:عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:

(( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِذَا هُوَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ شَائِلَةٍ بِرِجْلِهَا فَقَالَ أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا))

[رواه ابن ماجه]
كلام سيدنا عمر رائع اللهم إنك تعلم أنك منعتَ هذا المالَ رسولَك وهو أحبُّ إليك مني، و أكرم عليك مني و منعته أبا بكر و كان أحبَّ إليك مني، و أكرم عليك مني،و أعطيتني إياه فأعوذ بك أن تكون قد أعطيتني إياه فتنة لي الأنبياء كانوا فقراء، فإذا أنت كنت غنيًّا فلا مانع لكن إياكَ أن تظنَّ أنك مكرَّم بهذا المال، لا، هذا المالُ ابتلاء، فإن أنفقته في طاعة الله أصبح نعمةً، فإن لم تفعل هو بلاء، ابتلاء و بلاء هذه قصة سراقة بالتفصيل التي مررنا عليها في الدرس الماضي مرورا سريعا.
أما الوقفة المتأنِّية الثانية عند قصة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه كلكم يعلم أن قدر هذا الصحابي الجليل في القسطنطينية، ما قصة هذا الصحابي الجليل ؟
الدرس الماضي وجدت في الدرس موضوعين يحتاجان إلى تفصيل، إذًا هما من صلب السيرة النبوية، أما سيدنا أبو أيوب الأنصاري، تعلمون كيف ناقة النبي قال: دعوها فإنها مأمورة، و كيف أنها وقفت في ساحة، و كيف أن الوحي جاء النبيَّ و كي أن النبيَّ علم أن هذا المكان بأمر الله عز وجل هو مسجد رسول الله و حوله بيوته.
أبو أيوب الأنصاري كيف وصل النبيُّ و كيف بركت ناقتُه القصواءُ و كيف قال: أي بيت أهلنا أقرب، و كيف كان بيت أبي أيوب أقرب البيوت إلى مكان استقرار الناقة، هذا مرَّ بنا في الدرس الماضي، و لكن الوقفة اليوم عند منزل أبي أيوب الذي اختارته العنايةُ الإلهية ليكون منزلَ النبيِّ صلى الله عليه و سلم في هذه الهجرة المباركة.
قال: كان منزلُ أبي أيوب يتألَّف من طبقة فوقها عُليَّة، طبقة فوقها عُليَّة أي فيه غرفة في الطابق الثاني، فأخلى العُليَّة من متاعه و متاع أهله لينزل فيها رسولُ الله، لكنَّ النبيَّ عليه الصلاة و السلام آثر عليه الطبقة السفلى، سيدنا أبو أيوب خطَّط أن هذه الغرفة العالية لرسول الله، أخلى منها متاعه وأثاثها و كلَّ شيء، أما النبيُّ عليه الصلاة و السلام آثر الطبقة السفلى، فامتثل أبو أيوب لأمره و أنزله حيث أحبَّ، و لما أقبل الليلُ - انظُر إلى توقير النبيِّ عليه الصلاة و السلام، و انظر إلى محبَّة النبي، و انظر إلى هؤلاء الأصحاب الذين كانوا يغضُّون أصواتَهم عند رسول الله، الدين كلُّه أدب، الدين كلُّه أدب في أدب - و لما اقبل الليلُ و أوى الرسولُ صلوات الله عليه إلى فراشه، صعِد أبو أيوب و زوجه إلى العُليَّة، و ما أن أغلقا عليهما بابها حتى التفت أبو أيوب إلى زوجته و قال: ويحكِ ماذا صنعنا، أيكون رسول الله أسفل منا و نحن أعلى منه ؟ أنمشي فوق رسول رسول الله، أنصير بين النبيِّ و الوحي ؟ إنا إذًا لهالكون، بكل ما يملك من مشاعر، أنا أكون فوق النبيِّ، أنا أكون بين النبيِ و الوحي ؟ أنا أمشي فوق النبيِّ، قال: ويحكِ ماذا صنعنا أنصير بين النبيِّ و الوحي ؟ إنا إذًا لهالكون، و سُقِط في أيدي الزوجين وهما لا يدريان ماذا يفعلان، النبيُّ نام، دخل و نام، و لم تسكن نفساهما بعضَ السكون، إلا حين انحازا إلى جانب العُليَّة، توقَّعوا أن النبيَّ ينام في الوسط، فانحازا إلى طرف الغرفة، الذي لا يقع فوق رسول الله، و التزماه لا يبرحانه إلا ماشين على الأطراف متباعدين عن الوسط، أي تحرَّجوا حرجا كبيرا أن يتحركَا وسط العلية و تحركا إلى جانب العلية، فلما أصبح أبو أيوب قال للنبي صلى الله عليه و سلم: و اللهِ يا رسول الله ما أُغمِض لنا جفنٌ هذه الليلة، لا أنا و لا أم أيوب فقال عليه الصلاة و السلام: و ممَّ ذلك يا أبا أيوب ؟ خيرا إن شاء الله،النبيُّ كان بسيطا، ليس فيه تعقيدات، ممَّ ذلك يا أبا أيوب ؟ قال: ذكرتُ أني على ظهر بيتٍ أنت تحته، و أني إذا تحرَّكتُ تناثر عليك الغبارُ، لم يكن هناك إسمنت، فآذاك، ثم إني غدوتُ بينك و بين الوحي، فقال عليه الصلاة و السلام: هوِّن عليك يا أبا أيوب، القضية بسيطة جدًّا، إنه أرفق بنا، تحت أريح لنا، أن نكون في السفل لكثرة من يغشانا، عندنا زبائننا كثُر، طول النهار دق بالمفتاح، تفضَّل و خذوا الطريق، يا الله، شغلة، تحت أريح لنا، باللغة الدارجة " التحت أريح" قال: هوِّن عليك يا أبا أيوب، إنه أرفق بنا، أن نكون في السفل لكثرة من يغشانا من الناس، فقال أبو أيوب فامتثلتُ أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أن كانت ليلةٌ باردة، برد، و المدينة باردة، إذا الواحد ذهب إلى العمرة و معه أغراض فليأخذ معه " كنزة" إلى أن كانت ليلةٌ فانكسرت لنا جرَّةٌ بالعُليَّة و أُريق ماؤها في العلية، و لا يوجد إلا لِحافٌ واحد يلتحفانه، فقمتُ إلى الماء أنا و أم أيوب و ليس لدينا إلا قُطيفةٌ كنا نتَّخذها لحافا، و جعلنا ننشِّف بها الماءَ، بأبي أنت وأمي إني أكره أن أكون فوقك، و أن تكون أسفل مني ثم قصصتُ عليه خبر الجرَّةَ فاستجاب لي، كذلك النبيُّ ليِّن اللهم صلِّ عليه، أخذ موقفا و غيِّره الآن ما الذي حدث ؟ أنا قلت كلمة ؛ من حضْرتُك ؟ تراجع، فالنبيُّ شعر أن أبا أيوب يحمِّله ما لا يطيق، بالسكنى فوق، مع أنه في الطابق السفلي أهون للنبيِّ، و النبيُّ لما رأى أبا أيوب متحرِّجا و متألِّما و منكمشا ماذا فعل النبيُّ، قال: فاستجاب لي و صعد إلى العلية و نزلت أنا و أم أيوب إلى السفل، الحمد لله، هنا مكاننا، طيِّب الأعلى أجمل، أقام النبيُّ عليه الصلاة و السلام في بيت أبي أيوب نحوا من سبعة أشهر حتى تمَّ بناءُ مسجده في الأرض الخلاء التي بركت فيها الناقةُ، ثم انتقل إلى الحجرات التي أُقيمت حول المسجد له و لأزواجه، فغدا جارا لأبي أيوب أكرِمْ يهما من متجاوريْن.
أراد أبو أيوب مرَّةً أن يدعوَ النبيَّ على طعام نفيس فذبج ذبيحةً و هيَّأ خبزا و هيَّأ تمرا و أُقطًا، من أطيب الطعام، فأخذ أبو أيوب جديًا فذبحه و قال لامرأته: اِعجِني و اخبزي و أنتِ أعلم بالخبز، ثم أخذ نصف الجدي فطبخه و عمد إلى نصفه الثاني فشواه، فلما نضج الطعامُ ووُضِع بين يدي النبي و صاحبيه أخذ النبيُّ عليه الصلاة و السلام قطعة من الجدي ووضعها في رغيف و قال: يا أبا أيوب بادِر بهذه القطعة إلى فاطمة، فإنها لم تأكل مثلَ هذا منذ أيام، و كان يقول:

((فاطمة بضع مني من أكرمها فقد أكرمني))
و البنت غالية كثيرة، قال: يا أبا أيوب بادِرْ بهذه القطعة إلى فاطمة فإنها لم تُصِب مثل هذا منذ أيام، هنا النقطة، فلما أكلوا و شبعوا قال عليه الصلاة و السلام: خبزٌ و لحم و تمرٌ و رُطبٌ و دمعتْ عيناه، ثم قال:

((و الذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة ))
هاتوا شايًا أخضر، هاتوا رزًّا بحليب، هاتِ الفواكه يا ولد، هات الحلويات، غالي البطيخ، هذه حقها ستٌّ و ثمانون ليرة، قلْ: يا ربي لك الحمد، تجد ه يشتري و يأكل و يُضيِّف و ليس له شكرٌ لله عز وجل، سيدنا عمر أكل خبزا و ملحاً فقال: الحمد لله الذي أشبعنا و شرب ماءً، الذي أسقانا فأروانا، الذي أطعمنا فأشبعنا و أسقانا فأروانا، إذا الإنسان صحَّته طيِّبة و عنده طعامه يأكل، يجب أن يذوب شكرا لله عز وجل، قال: و الذي نفس محمد بيده هذا هو النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة، فإذا أصبتُم مثلَ هذا فضربتُم بأيديكم فيه فقولوا: بسم الله، فإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا و أنعم علينا و أفضل.
عاش أبو أيوب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم حياةً متَّبعا سُنَّة النبيِّ عليه الصلاة و السلام، ما تخلَّف عن غزوة قط، و كانت آخرُ غزواته ؛ الآن اسمعوا: الرجل بلغ الثمانين من عمره ؛ و كانت آخر غزواته حين جهَّز معاويةُ جيشا بقيادة ابنه يزيد لفتح القِسطنطينية و كان أبو أيوب حين ذاك شيخا طاعنا في السِّن، يحبو نحو الثمانين من عمره، فلم يمنعه ذلك العمُرُ أن ينضويَ تحت لواء يزيد و أن يبخُرَ عُباب َ البحر غازيا في سبيل الله، الآن رفعوا الخدمة الإلزامية من خمسة و أربعين إلى خمسة و خمسين، سن الإعفاء، فالناس ثمانون سنة ركب البحرَ غازيا ينبغي وجه الله عز وجل، ما هؤلاء الصحابة ! لكنه لم يمضِ غيرُ قليل على منازلة العدوِّ حتى مرِض أبو أيوب مرضًا أقعده عن مواصلة القتال، أي يبدو أنه أُصيب بالشلل، فجاء يزيدُ ليعوده و يسأله، هل لك من حاجة يا أبا أيوب ؟ قال:اِقرأ عني السلام على جنود المسلمين و قل لهم - طبعا وجودُ أبي أيوب معهم أعطاهم حماسا كبيرا جدًّا، صحابي جليل من أصحاب رسول الله، هو الذي نزل عنده - قال: اقرأ - إذا أنت لك جارٌ و تقدر بجاهك أن تنفع أخاك فلا تقصِّر، إذا وجودك بهذا المكان يحلُّ مشكلة أخيك، و إذا وجودك يحمِّس الآخرين، إذا مكانتك الاجتماعية تشجِّع الناسَ لطلب العلم، إذا كانت مكانتُك الاجتماعية تحضُّ الناس على بذل المال في سبيل الله لا تضن بهذه المكانة، فيبدو أن أبا أيوب وجوده في الجيش أكبر دافع للنصر فمضى في هذا الجيش وهو يزيد عن ثمانين عاما، طاعن في السِّن، و أصابه مرضٌ عضالٌ أقعده عن متابعة القتال، و مع ذلك قال: يوصيكم أبو أيوب أن توغِلوا في أرض العدوِّ إلى أبعد غاية،و أن تحملوه معكم من أغرب الغرائب أن أبا أيوب الأنصاري حمله المسلمون وهو مُقَعد في فتحهم للقسطنطينية، و أن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية، و لفَظ أنفاسَه الطاهرة، و فعلاً الجنود المسلمون استجابوا لهذه الرغبة المُلِحة و كرُّوا على جند العدوّ الكرَّة بعد الكرَّة حتى بلغوا أسوارَ القسطنطينية وهم يحملون أبا أيوب معهم، وهناك حفروا له قبرا ووارَوه فيه، إخواننا الأتراك ؛ أين يقع قبر أبي أيوب ؟ في حي أيوب هنيئا لكم بهذا المقام الذي عندكم، و هنا حفروا له قبرا وواروه فيه، و قبر أبي أيوب الأنصاري الآن في استنبول.
أيها الإخوة الأكارم ؛ ذكرت هاتين القصَّتين لأنهما تفصيل للدرس الماضي، و أريد قبل أن ينتهيَ الدرسُ أن أطرح هذا السؤال، الحقيقة هناك سؤال كبير المسلمون الآن ألف مليون مسلم، و بلغني آخرُ رقم ألف و مائتا مليون مسلم، و كان أصحابُ النبيِّ لا يزيدون عن عشرة آلاف صحابيٍّ، و قد رفرفتْ رايتُهم في أطراف الدنيا، الذي يجب أن نبحث عنه، ربُّنا هوهو، يعني إلهُنا غيرُ إلههم، لا، لا إله إلا الله ربُّنا هو هو، طيِّب و القرآن هو هو، سنة النبيِّ هي هي، طبيعة الإنسان هي هي، الشهوات التي أودعها اللهُ فينا أودعها فيهم، الرغبات التي زُرِعت فينا زُرِعت فيهم، ألا ينبغي أن نسأل هذا السؤال بإخلاص: ما الفرق بيننا و بينهم ؟ كانوا صادقين مع الله، الإسلام له مظاهر و له حقائق، كانوا مع حقائقه، و من أبرز حقائق الدين أن تستقيم على أمر الله، من أبرز حقائق الدين أن تحبَّ اللهَ و رسولَه، حبًّا يدفعك إلى طاعته، من أبرز حقائق الدين أن يكون اللهُ و رسولُه أحبَّ إليك ممَّا سواهما، من أبرز حقائق الدين أن تعرف لماذا أنت في الدنيا، ماذا بعد الموت، هذا الذي يؤدِّي الصلوات و يصوم الصيام المفروض و يحجُّ كما يحجُّ الناسُ و يؤدِّي زكاةَ ماله و يتحايل في ذلك ألقف حيلة و حيلة و يزعم أنه مسلم و هو غارقٌ في الملذَّات التي لا ترضي اللهَ عز وجل هذا محسوب على المسلمين و ليس منهم، لكن و اللهِ هناك واحد كألف و هناك ألف كأُف، و إذا الإنسان شعر أن بابَ الله مفتوحٌ، بابَ البطولة مفتوح، باب الطاعة مفتوح و باب الإخلاص لله مفتوح، درس الجمعة الماضية ذكرت بعض الأعمدة الأساسية للإيمان ؛ العمود الأول الاستقامة على أمر الله، أقول لكم كلاما من قلبي: إذا أحدنا، أحد الإخوة الحاضرين ليس مستعدًّا يطبِّق الشرع تماما لا يعتاد إذا أمضى سنوات تلو السنوات و يقول بعد هذا لم أستفِد شيئا، لأن أحد الأعراب جاء النبيَّ عليه الصلاة و السلام و قال: يا رسول الله عِظني و لا تُطِل، لا تطِل عليَّ، فقال عليه الصلاة و السلام:

(( قل: آمنت بالله ثم استقِم ))
وجد الاستقامة صعبة عنده، قال: أريد أخفَّ من ذلك، قال:

((إذًا فاستعِدَّ للبلاء ))
إذا الاستقامة ثقيلة عليك استعِدَّ للبلاء، وهذا أول طلب، يعني الحلال بيِّن و الحرام بيِّن، و أنا و اللهِ لكم ناصحٌ أمين، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))

[رواه مسلم]
أي إذا الإنسان ما استقام، الطريق مسدود، مهما تزيَّ بزيِّ المسلمين ومهما تظاهر بمظاهر المسلمين، إن لم يستقم فالطريق مسدود، كلمة تصيب كبد الحقيقة، إن لم تضع شهواتِك تحت قدمك، إن لم تأتمر بما أمر اللهُ و إن لم تنتهِ عما نهى اللهُ عنه فالطريق مسدود، تحضر مجلس علم، تقرأ الكتاب الفلاني و تسمع شريطا، و تثني على الخطيب، و تمدح المدرِّس يقول لك: يا أخي مشاعري كلها إسلامية و الحمد لله، و عندك مكتبة إسلامية، كلُّه جميل، لكن مادام معاصي و مادام فيه مخالفات و مادام فيه تقصيرات الطريق إلى الله مسدود، و الأمر خطير و الموت على الأبواب و العمر قصير و المهمَّة صعبة، جدِّدوا فإن البحر عميق، يا أبا ذر جدِّد السفينة فإن البحرَ عميق، الزوجة يا تُرى سافرة أم محجَّبة ؟ الله يصلحها و يهديها لا ترضى معي، " تصطفل" ليس هذا المسلم، لا بدَّ لها من محاولات، هناك في البيت مخالفة هناك في كسب المال مخالفة، هناك في إنفاق المال مخالفة، هناك في العلاقات الاجتماعية مخالفة، في الندوات و السهرات و النُّزهات هناك اختلاطات، هناك انحرافات حتى تشعر أنك أنت مع الله، حتى تحسُّ أن قلبك موصول بالله، حتى تقطف ثمارَ الدين، أقول لكم هذا الكلام لأن إلقاء العلم من دون هذه التوجيهات قد يظنُّ الإنسان أنه تعلَّم، و أنه درس و أنه فهِم السيرة، ما قيمة العلم كلّه إن لم يكن سلوكا بيننا، إذًا أول سؤال أحد الأعمدة الاستقامة، قال تعالى:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾

[سورة هود]
الاستقامة عين الكرامة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾

[سورة فصلت]
العمود الثاني - انظر الاستقامة تحتاج إلى طلب علم حتى أنت بين طلب العلم و بين الالتزام، طلب العلم يعطيك أفقًا أوسعَ، و الاستقامة تجعل الطريق إلى الله سالكا، و الحقيقة الاستقامة سلبية و العمل الصالح إيجابي، فأنت بين طلب العلم و بين العمل الصالح، و النبي قال:

((لا بورك لي في يوم لم أزدد فيه من الله علما و لا بورك لي في يوم لم أزدد من الله قربا))
فأنت في صلاة الفجر، قل: اللهم هب لنا عملا صالحا يقرِّبنا إليك، اسأل نفسك هل لك عمل صالح ؟ لك عمل يصلح للعرض على الله، أما هذا النشيد الذي ينشدونه:
"ما لي عمل يصلح لعرض عليك"
ما معناه، هذا لغرض يعني، ما لي عمل يصلح للعرض عليك، أي هذا المنشِد ظنَّ الشيء رائع جدًّا انم يكون هكذا، اِبحث عن عمل يصلح على العرض على الله، لك عمل و لم دعوة، هناك أخ هديته إلى الله وهناك أخ عاونته، أقرضتَ فقيرا وأعنت مسكينا، ماذا عملت ؟ هناك أعمال تنتهي لمصلحتك، كلها تنتهي لصالحك، هذه الأعمال لا قيمة لها
فيا أيها الإخوة الأكارم عمود الاستقامة يجعل الطريق إلى الله سالكا و عمود العلم يوسِّع الأفق، و عمود العمل يدفعك نحو الله عز وجل الطريق سالكٌ لكن لا بدَّ لك من محرِّك، و المحرِّك هو العلم و العمل فهذا الذي يُجدي، الوقت ثمينٌ و العمر قصير، و المواصلات صعبة و حضور الأخ غالٍ عليَّ كثيرا، أنه يقعد سنة سنتين ثلاثة مقيم على خمس مخالفات في بيته، و في عمله، يجد الطرق كلها مسدودة، و الله كلُّه سمعناه، و لو عمل بما عمل أورثه الله علم ما لم يعمل، لو عمل بما علم، فنحن لا نريد كلاما كثيرا، نريد كلاما قليلا و عملا كثيرا، نريد أن يكون أحدُنا ذا عملٍ أكبرَ من علمه، لا علم غزير و عمل قليل هؤلاء الصحابة هكذا فعلوا، أخلصوا، هناك موضوعات كثيرة المسلمون المتأخرون اشتغلوا، ومزَّقتهم هذه الموضوعات و اختلفوا و أصبحوا فرَقا و أحزابا و شيعا و طوائف، و تراشقوا التُّهم، كل هذه الموضوعات الصحابة ما طرقوها أبدا، وضعوا يدهم على جوهر الدين لا أنسى هذا الموقف و أنا أقوله لكم كثيرا، لما سيدنا عمر امتحن أحد الأعراب الرعاة، قال: بِعمي هذه الشاة وخذ ثمنها، قال: ليست لي قال: قل لصاحبك أكلها الذئبُ، قال: ليست لي، قال: خذ ثمنها، قال و اللهِ إنني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها و قلتُ لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده لصادق أمين، و لكن أين الله، هذه هي الدين كلُّه يتلخَّص في أين الله، ممكن أن تعصيه وهو يراقبك، ممكن أن تغشَّ مؤمنا، تغش إنسانا، تكذب على إنسان، تستبيح مال إنسان تغتصب مال إنسان، تبتزُّ مال إنسان، تعتدي على إنسان تغتاب إنسان من استقام على أمر الله وضع يده على جوهر الدين، و استقيموا و لن تُحصوا، و حينما تستقيمون تعرفون لذَّة القرب، تعرفون معنى أن الدين يسعد الإنسان إلى الأبد.

والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم    الإثنين 12 نوفمبر - 23:35

لا زلنا في موضوع الهجرة، و ما تلا هذا الموضوع من حوادث و من عبر تُستنبط من هذه الحوادث.
الآن وصل النبيُّ عليه الصلاة و السلام إلى المدينة المنورة، و يُعدُّ وصولُه إليها إشعارا بظهور أول كيان للمسلمين، سماها الفقهاءُ دار الإسلام، ظهر أولُ كيان للمسلمين، ماذا فعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام في تنظيم هذا المجتمع، دقِّقوا فيما فعله النبيُّ، أو في العمل الذي بدأ به النبيُّ عليه الصلاة و السلام تنظيم هذا المجتمع.
أولُ شيء فعله بنى المسجد النبويَّ الشريف، إذًا يُعدُّ المسجد الأساس الأول للمجتمع الإسلامي، السؤال لماذا ؟ لماذا يُعدُّ المسجد الأساس الأول للمجتمع الإسلامي ؟ لأن الإسلام عقيدة، والإسلام نظام، الإسلام آداب، في أيِّ مكان تُبثُّ هذه العقيدة، و في أيِّ مكان يُعلّم هذا النظام و في أيِّ مكان تُرسَّخ هذه الآداب غير المسجد، إذًا لا مجتمع إسلامي إلا بمسجد، ما الطريقة التي يمكن أن نصل بها إلى المسلمين، كيف نخاطب المسلمين، كيف نرسِّخ فيهم العقيدة الصحيحة، إذًا حينما بدأ النبيُّ عليه الصلاة و السلام بإنشاء مسجد في المدينة وهو المسجد النبوي الشريف، كان هذا العملُ إشعارا لنا أن المسجد ركيزة أولى و أساسية للمجتمع المسلم، قد يفهم أحدُكم أن المسجد كي نؤدِّي فيه الصلاة أؤكِّد لكم أن أقلَّ وظيفة من وظائف المسجد إقامة الصلاة، أقل وظيفة المسجد كما أنه ليس هناك تجارة بلا متجَر، ليس هناك استيراد بلا مكتب، ليس هناك تحضير بلا مقر، ليس هناك جامعة بلا بناء، جامعة في الهواء، لها بناء، لها قاعات تدريس، ليس هناك أمة بلا وطن، أي الوطن أساسه الأمة، و الجامعة أساسها البناء، و القاعات و المكتبات و التجارة أساسها المتجر، و المجتمع الإسلامي أساسه المسجد، لذلك من علامة الإيمان أن يتعلَّق قلبُك بالمساجد، من علامة النفاق أن تنفر من المساجد، إذًا النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما باشر تنظيمه للمجتمع الإسلامي، النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما بدأ أولَ تنظيم للمجتمع الإسلامي، بدأ بإقامة المسجد، في المسجد تُعلَّم العقيدة، في المسجد يُعلَّم نظامُ الإسلام، في المسجد تُعلَّم آدابه الرشيدة، إذًا إنشاء أول مسجد علامةٌ على أن المسجد هو أساس المجتمع الإسلامي.
الشيء الآخر الحقيقة المجتمع، كلمة مجتمع، أي أفراد بينهم علاقات متينة، هذه العلاقات المتينة القائمة على الأُخوة و المحبة أساسها اللقاءُ، مثلا الموضوع الذي يوضِّح هذه الفكرة موضوع صلة الرحم، لماذا أمرنا النبيُّ عليه الصلاة و السلام بصلة الرحم، ماذا يحدث لو ذهبتَ إلى أختك و زرتها في العيد، ماذا يحدث لو ذهبت إلى عمَّتك أو إلى خالتك أو إلى عمِّك،أو إلى أقرباءك، الحقيقة من السذاجة أن نظن أن صلة الرحم أن تزورهم في العيد، هذه الزيارة بداية التعرف على مشكلاتهم، لولا هذه الزيارة لما عرفتَ أحوالهم، ماذا يحتاجون، ماذا يشكون و ما الذي يعانون، إذًا ليس القصدُ أن تزورهم و أن يقدِّموا لك الضيافة، و أن تهنئهم العيد و السلام عليكم، و انتهى الأمرُ، لا القصد أن تتعرف عن أحوالهم، إلى ما يعانون، و إلى ما ينقصهم، و إلى ما يفرحهم، إلى ما يؤلمهم، و إلى ما يشكون،طيِّب، إذًا ليس القصد الصلة، القصد المعرفة، و المعرفة ليس في حدِّ ذاتها هدفا الهدف أن تبادر إلى المساعدة، كأن الله عز وجل يريد من هذا المجتمع المسلم أن يكون متكاتفا متعاونا متعاضدا، إذًا الصلة وسيلة والمعرفة وسيلة و الهدف أن يتعاون المسلمون فيما بينهم، هذه حكمة العلاقة بين الأقرباء، أي هذه الأسرة أن تكون متماسكة، متعاونة، غنيُّها يعين فقيرها، قويُّها يعين ضعيفها، صحيحها يعين مريضها، أولو الخبرة فيها يعينون ضعيفي الخبرة فيها، فكذلك المسجد، المجتمع الإسلامي أساسه المحبة و التآخي، طيِّب هذه المحبة و التآخي أين تكون ؟ في اللقاء، كيف تعرف أخاك إلا من خلال المسجد، تتعرف إليه في المسجد، و تتعرف على أحواله إلى معاناته و إلى تفوُّقه و إلى ضعفه و إلى حاجاته، الحقيقة ليس القصدُ أن تلتقيَ بأخيك في المسجد، القصد أن تعرف أحواله، القصد أن يتعاون المؤمنون فيما بينهم، مثلا أخٌ له حِرفة له مهنة في هذا المسجد أو أيِّ مسجد آخر، نحن يجب أن نشجِّعه يجب أن نبادر إلى التعاون معه، لأنه هو المؤمن الصادق الذي لا يغشُّ و لا يكذب، لا يطعنك في الظهر مثلا، فطبعا هذا الذي يثق المؤمنون به وهو يستغلُّ هذه الثقة ليـأخذ منهم فوق ما يجب، أو هذا الذي يستغلُّ ثقة المؤمنين به ليطلب من إخوانه فوق ما يستطيعون، هذا خانهم حينما يأتيك أخٌ إلى دكانك أو إلى متجرك أو إلى مكتبك وهو ملؤُه ثقة بأنك مسلم و أنك مؤمن و أنك لن تغشَّه، فإذا أنت استغليت هذه النقطة و رفعتَ عليه السعرَ فقد خُنته، لذلك الموضوع هو أن هذا المجتمع المسلم يتميَّز بعقيدة، و نظام و أخلاق، العقيدة و النظام و الأخلاق لا تُبثُّ و لا تُلقى إلا في بيوت الله، و حينما تأتي إلى بيت الله تأتي لتتزوَّد بالعقيدة الصحيحة، و لتعرف نظام الإسلام، لتعرف آداب الإسلام أنت بين عقيدة و بين عبادات و بين معاملات و بين أخلاق، فالعقيدة في دروس العقيدة، و العبادات في دروس الفقه و المعاملات في دروس الفقه، و الآداب في دروس التزكية، إذًا المسجد الذي بناه النبيُّ عليه الصلاة و السلام كأوَّل عمل فعله هو ركيزة المجتمع الإسلامي، و السبعة الذين يظلُّهم الله تحت ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه من هؤلاء السبعة:و شاب قلبه معلَّق بالمساجد، و علامة المؤمن أنه في المسجد كالسمك في الماء، لأنه بيتٌ من بيوت الله.
الشيء الثاني، من صفات المجتمع الإسلامي المساواة، أما المساواة لا تكون إلا في المسجد، يجوز في عالَم التجارة المدير العام له مكتب فخم جدًّا، و الموظَّف الصغير له غرفة صغيرة جدًّا، هناك مظهر فارق كبير بين مكتب المدير العام، و مكتب الموظَّف الصغير، لكن كل الفروق الدنيوية التي أساسها المالُ أو العلم، أو العلم الدنيوي أو القوة كل هذه الفروق تتلاشى في المسجد، أقلُّ المسلمين شأنا مع أعظمهم شأنا، أقل المسلمين مالا مع أكثرهم مالا، أقل المسلمين نباهةً يجلسون جنبا إلى جنب في بيت من بيوت الله، هذا الجلوس الموحَّد و هذه الصلاة الموحَّدة وهذا الذكر الموحَّد، وهذه المظاهر الصارخة التي توحِّد المسلمين أيضا علامة من علامات الأخوَّة الصادقة بينهم، في المسجد تتعلَّم العقيدة، و تتعلَّم العبادات و المعاملات و الأخلاق، في المسجد نلتقي مع بعضنا بعضا، نتعرَّف إلى أحوال بعضنا بعضا، ونتعاون على صلاح الدنيا و الآخرة، في المسجد نلتقي على شكل متساوي، ونحن في المسجد سواسية كأسنان المشط، هذا مما يرسِّخ العلاقة الطيِّبة بين المؤمنين.
الحقيقة الذي يعتني بالمسجد بناءً كنتُ ذكرت لكم أن أحد أصحاب رسول الله كان في الشام اشترى قناديل و اشترى ما تُعلَّق به و اشترى الفتيلَ و حينما جاء المدينة المنورة أمر غلامَه أن يعلِّق القناديل وأن يسرج هذه القناديل، فلما دخل النبيُّ عليه الصلاة و السلام رأى المسجد في صلاة العشاء و قد ابتهج و قد نوَّرته هذه القناديل، قال: من فعل هذا ؟ قالوا: تميم الداري، فطلبه و أثنى عليه و قال:

((نوَّر اللهُ قلبَك كما نوَّرت المسجد، لو عندي فتاة لزوَجتكها ))
من شدَّة سروره عليه الصلاة و السلام، أي إذا جاء أخ إلى المسجد ووجد المسجد مريحا، نظيف أوَّلاً نظيف جدًّا، وجده مريحا في التهوية و في التدفئة مثلا، هناك ماء بارد و هناك ماء ساخن في الشتاء، و الجلسة مُريحة المرافق جيِّدة، هذا كلُّه يجذب الناسَ إلى المسجد، هناك أشخاص يتحسَّسون من التقصير في نظافة المسجد، يتحسَّسون من الجوِّ الحار أحيانا، يتحسَّسون من ضعف الصوت، فكلُّ من يسهم في توفير راحة رواد المسجد، راحة المصلِّين راحة طلبة العلم، فهذا له عند الله أجرٌ كبير، لأنه يحبِّب الناسَ في المسجد، يجذبهم إلى المسجد.
الحقيقة أن هناك علماء رأوا أن الأموالَ يجب أن تُنفٌّ في بناء المساجد لا في المبالغة في زخرفة المساجد، المبالغة في زخرفة المساجد ربَّما صار عليها إشكالٌ و خلافٌ بين العلماء، على كلٍّ الحكم الفقهي لا يجوز صرفُ أموال الوقف على زخرفة المساجد، لكن يجوز أن ينفق الإنسانُ بطواعية منه و مبادرة منه مالا على تزيين المسجد، لكن يبقى التزيينُ المعتدِل مقبولا و التزيين المبالغ به مكروها، كراهة تنزيهية عند عامَّة الفقهاء، لأن الإنسان إذا دخل إلى بيت الله و شُغِل بهذه الزخرفة و هذه التُحف و هذه الخطوط و تلك الثُّريات، رُبَّما انشغل عن صلاته بتأمُّل هذه الزخرفة، لذلك العلماء على أن، لكن ربُّنا عز وجل قال:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) ﴾

[سورة النور]
و معنى ترفع، فيها معنى زيادة على تُبنى، رفعُ البناء أن يكون بمظهر يجذب النفسَ إليه.
العمل الثاني الذي فعله النبيُّ عليه الصلاة و السلام، أول عمل بناء المسجد، بناء المسجد هو ركيزة المجتمع الإسلامي، لا مجتمع إسلامي بلا مسجد، مركز إشعاع، مركز تعليم، مركز عبادة، مركز ذكر مركز تعاون، بل إن دور المسجد في العصور الإسلامية كان خطيرا جدًّا، أي في كلِّية التربية درسنا في التربية الإسلامية دور المسجد المسجد كان جامعة، و المسجد كان دارَ قضاء، و المسجد كان دار فتوى، و المسجد كان دار تعليم، و المسجد كان دار حلِّ مشكلات المسلمين، مكان لقاء، من المسجد تُجيَّش الجيوش، من المسجد يُعلَن السِّلم و الحرب، كان المقرَّ الأساس للمجتمع الإسلامي.
الآن البند الثاني ؛ البند الثاني الذي فعله النبيُّ صلى الله عليه و سلم بعد أن دخل المدينة و استقرَّ فيها، و بعد أن ظهر أولُ كيان للمسلمين مستقلٍّ عن كيان قريش أصبح هناك ما يُسمَّى في الفقه دار إسلام، نحن الآن عندنا دار إسلام و عندنا دار أمان و عندنا دار حرب، الأرض كلُّها لا تعدو عن أن تكون أحدَ هذه الدور، دار الإسلام أي البلاد التي يقطن بها المسلمون و يحكمها المسلمون، و دار الأمان البلاد التي بينها و بين المسلمين معاهدات، أي وجود سفارة لدولة أجنبية في بلادنا ووجود سفارة لبلادنا في بلاد أجنبية هذه الدولة الأجنبية أصبحت دار أمان، و الدار الثالثة، الدار التي تُعقَد بينها و بين المسلمين أو فيها حالة حرب فبلاد اليهود دار حرب، الدول الصديقة دار أمان، البلاد التي يقطن بها المسلمون و يحكمها المسلمون، أي يطبَّق فيها حكمُ الله عز وجل دار إسلام، فأول دار إسلام في التاريخ الإسلامي هو النبيُّ عليه الصلاة و السلام بعدما انتقل إلى المدينة و أسَّس المجتمع الإسلامي.
الآن ماذا فعل في البند الثاني، البند الثاني، النبيُّ عليه الصلاة و السلام رسَّخ الأخوة بين المؤمنين، أوَّلاً أمر المؤمنين ليتآخوا اثنين اثنين مهاجر و أنصاري، هذه الأخوة الإنسان في الحياة الدنيا، و الحياة فيها متاعب و فيها هموم و فيها قسوة، أعظم ما في الحياة أن يكون لك أخٌ مؤمن صادق وفيٌّ محبٌّ مخلص، فممَّا يخفِّف قسوةَ الحياة، و ممَّا يخفِّف معاناة المعاناة التي يعانيها الناسُ هو وجود الأخوة في الإسلام.
الحقيقة أنه حينما تقطن في بلد متقدِّم جدًّا تجد مظاهر صارخة للمدنية لكن في هذه المدينة الصاخبة وحشةٌ ما بعدها وحشة، قيمة الإنسان بما يملك، ليس هناك شيء اسمه رحمة، أو عطف أو تعاون، هناك علاقات أساسها المادة، مرة قرأتُ مقالا أن في جهة في فرنسا أحبَّت أن تعرف مقدار الدافع الإنساني في المجتمع الفرنسي، فاختارت أكثر طريق فيه كثافة، ( لِيُون – باريس) طريف كثيف جدًّا، و جاءت بسيارة أُصيبت بحادث،وُضِعت على طرف الطريق ووُضِع أمامها إنسانٌ يشبه أن يكون مجروحا، أي أمامه سائلٌ أحمر كأنه مجروح، و انتظروا ما هي أول سيارة بعد وقت يمضي و تقف سيارةٌ لتسعف هذا المصاب، ستُّ ساعات مضتْ دون أن تقف أيَّةُ سيارة لإسعاف هذا المصاب، ست ساعات، الحقيقة المجتمع الغربي مجتمع متقدَِّم جدًّا ماديًّا، لكن متخلِّف جدًّا اجتماعيا، هناك قسوة، قيمة الإنسان رصيدُه في المصرف، قيمة الإنسان قوته، أما المعاني الإنسانية ينبغي أن تسود المجتمع، هذه لا تكون إلا من خلا معرفة الإنسان لله عز وجل، و إذا مارس الإنسانُ الغربي العلاقات الاجتماعية الذكية، هذه ممارسة تجارية هدفُه منها أن يكسب مزيدا من الزبائن، فتجد كلَّ القيم الإنضباطية في المجتمعات الغربية أساسها المكسب المادي، فإذا انقطعت المصلحةُ بينهم و بين من يتعاملون انقلبوا إلى وحوش كاسرة.
إذًا النبيُّ عليه الصلاة و السلام بعد الهجرة و بعد تأسيس المسجد اتَّجه إلى المؤاخاة بين المؤمنين، شيء لا يُصدَّق، النبيُّ عليه الصلاة و السلام جعل المسلم يرث أخاه في الله، جعل التوارث أساسا للعلاقة بين المسلمين، طبعا بعد حين، بعد معركة بدرٍ نُسِخت آيةُ التوارث بين المؤمنين و حلَّت مكانَها القرابة، لأسباب دقيقة جدًّا، لأن مجتمع المسلم مجتمع جديد، مقبِل على إنشاء كيان جديد، و له أعداء كُثُر، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام آخى بين المؤمنين اثنين اثنين، جعل واحدا أنصاريا و الثاني مهاجرا، هذه المؤاخاة من أجل ضمان استمرارها و من أجل أن يكون لها ثمرة طيِّبة،جعل النبيُّ بين هذين الأخوين توارثا أي أن أحدهما، يرث الآخر، لأن الأسر مفككَّة بعضها في مكة و بعضها في المدينة، و الإسلام فرزَ الناسَ فرزا دقيقا، فلذلك جعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام الأخوة في الدين أساس التوارث، إلى أن وقعت موقعةُ بدر، عندئذٍ اجتمع شملُ الأمة و صار التوارثُ أساسه القرابة.
الشيء الثاني الحقيقة أنه عندنا أخ نسبي و عندنا أخ في الإيمان، و الأخ النسبي ليس لك اختيار في وجوده، هذا من أمِّك و أبيك، له عليك واجبات كثيرة، لكن قد يكون الأخُ النسبي في وادٍ و أنت في وادٍ، قد يكون الأخ النسبي بعيدا عن اتِّجاهك الديني، لكن من هو أقرب الناس إليك، أخوك في الإيمان، لأن القضية قضية علمية، الإنسان له مائة صفة فرضا، الأخ في الإيمان تسعون صفة مشتركة بينكما من المائة أما الأخوة النسبية قد تلتقيان بعشر صفات، بعشرين صفة، فكلما زادت الصفاتُ المشتركة بين الشخصين زادت العلاقةُ و المحبَّة، فلذلك من باب أولى أن تنشأ الأخوةُ الصادقة بين المؤمنين، إذًا المؤاخاة وأنا أدعوكم تقليدا للنبيِّ عليه الصلاة و السلام أن أحدكم أن يؤاخي أخًا أي أخ مسؤول عنه في غيابه و في حالاته في أزماته و في حاجاته، و الثاني كذلك، فدائما لك أخٌ معين، أخ يتفقَّد أحوالك أخ يمدُّ لك يد المعاونة، و الشيء الدقيق جدًّا أن الأخوة مع الفوارق مستحيلة، نحن نريد أن نعمل علاقة بين الناس تجمع الناس جميعا، قد يكون الإنسان لا يؤمن بالله أصلا، فكيف ألتقي معه ؟ أن تقيم علاقات مفتعلة بين أناس متباعدين في العقيدة و في السلوك و في القيم و في المبادئ، هذا كلام يشبه الحلم، و الحقيقة أن أساس العلاقة بين المؤمنين أساسها العقيدة الواحدة و القيم الواحدة و الآداب الواحدة و السلوك المنتظم الواحد و المبادئ و الأنظمة التي تحكم كل المسلمين، فنحن في مجتمع لا بدَّ من مؤاخاة بين المؤمنين.
و الحقيقة الثانية أن المجتمع لا يتماسك إلا بالعدل، فإذا فشا الظلمُ بين أفراد المجتمع انقلبت الحياةُ إلى جحيم لا يُطاق، أي المجتمع المسلم أساسه العدل، فالمسلم ماله و ما له عليه، الذي عليه يؤدِّيه و الذي له يطالب به، من دون أن يزيد أو أن ينقص أو أن يجحف في حقِّ أخيه المؤمن، و المجتمع الذي فيه الظلم مجتمع مفكَّك، متداع واهٍ ضعيف فنحن إذا أردنا أن نقيم الإسلام فيما بيننا، و لو كان مجتمعنا صغير جدًّا أساسه العدل و أساسه المحبَّة، أساسه المساواة، و أساسه الإخاء أساسه المعاونة و أساسه البذل، أساسه التضحية، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام آخى بين أصحابه و جعل العلاقة المتينة بين أصحابه أساس المجتمع الإسلامي، لذلك المظاهر التي تُرى بين المسلمين من التباعد و التحاسد و التباغض و التَّخلّي أحيانا، هذه مما تفتَّت وحدتهم و تضعف كيانهم، قال تعالى:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾

[سورة الأنفال]
معنى تفشلوا تضعفوا و معنى تذهب ريحكم، أي هذه السمعة الطَّيِّبة العطرة تتلاشى بين المؤمنين، فكل واحد منا بقدر وسعه و إمكانه عليه أن يقدِّم يدَ العون لإخوانه المؤمنين، مثلا ؛ مع تدابر الناس في دمشق وحدها ما يزيد عن سبعمائة شقَّة جاهزة للسكن، و لكن مغلقة، لكن لماذا مغلقة ؟ لانعدام الثقة فقط، لا يوجد عهد، تعطي هذا البيت لفلان فيصبح له نهائيا، لا يوجد خوف، فعلماء الاجتماع يقولون: ليس هناك أزمة سكن، أزمة ثقة، الأزمة أزمة ثقة بين المسلمين، أما لو كان المسلم عند عهده و عند وعده انتهى الأمرُ، طبعا ليس القصدُ أن ندرس تاريخا، القصد أن هذا السلوك الذي فعله النبيُّ عليه الصلاة و السلام في المؤاخاة بين المؤمنين يجب أن يسود بيننا، لأن التعليم شيء و التربية شيء آخر، التعليم أن تلقيَ على الناس حقائق معلومات و أدلة و براهين و أفكارا، علاقات، أن تلقيها عليهم واضحة مع أدلتها و انتهى الأمرُ لكن التربية أن تجعل من هؤلاء الذين تتعاون معهم مؤمنين حقًّا، في كل صفات المؤمنين، إذًا لا نصبح كما يرضى الله عنا إلا إذا كنا متحابِّين أساس المحبة العدل، خذ ما لك و أعطِ ما عليك، أساس المحبة المساواة،و أساس المحبة التضحية و الإيثار، لذلك الله عز وجل أثنى على الأنصار ثناءً طيِّبا حينما قال:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[سورة الحشر]
الآن بعد أن أسَّس النبيُّ عليه الصلاة و السلام أوَّل مسجد لأنه الركيزة الأول في بناء المجتمع الإسلامي، و بعد أن آخى بين المؤمنين، و طبعا المؤاخاة أساسها التشابه، تشابه القيم، أنت مثلا تنفر من إنسان مزحُه غير لائق، تنفر منه، تنفر من إنسان كذَّاب، أنت صادق، لكن قلبك يهفو للصادق، لو أنك سألتَ نفسك سؤالا دقيقا علميا، لماذا أحبُّ فلانا، لأن فلانا صادق، لأنه أمسين و أنت أمين، لأنه عفيف و أنت عفيف، لأنه أخلاقي و أنت أخلاقي، لأنه يحبُّ الخيرَ و أنت تحبُّ الخيرَ، فكلما نمت الصفاتُ المشتركة بين إنسانين نمت معها المحبَّةُ و الأُلفة و المودَّة و التماسك، إذًا أنت كلما ازددتَ إيمانا ازددتَ حبًّا للمؤمنين، و كلما قلَّ إيمانُك ازددتَ بغضا لهم، كلما ابتعدتَ عنهم في الصفات الأخلاقية ابتعدت عنهم في المحبَّة، كلما اقتربت منهم في أخلاقك اقتربت منهم في المحبَّة، إذًا إذا كان تآخى أخوان في الله من الذي يبتعد عن الآخر، أٌقلُّهم مرتبةً و أقلُّهم انضباطا أقلهم استقامةً استقامتك جيِّدة محبتُك جيدة عملك الصالح جيِّد محبَّتك جيِّدة، إذًا نحن يهمُّنا كما فعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام، العلاقة بين المؤمنين أساسها المؤاخاة، هناك عندنا علاقة بين المؤمنين و بين غير المؤمنين المدينة فيها يهود و فيها مشركون، و فيها قبائل محيطة بها، فالنبي نظَّم العلاقة بين المؤمنين و بين غير المؤمنين، بوثيقة تاريخية لا مجال لقراءتها كلها في هذا المجلس، نقرأ بعضَ بنودها، و نشرح بعض بنودها الآخر.
أول بند، أو بعض هذه البنود ؛ المسلمون من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، و أول مرة ترِد كلم أمة في هذه الوثيقة، قبل كانت قبيلة، بطن، عشيرة، فخذ، أي فرع، أما أول كلمة ترد على لسان النبيِّ تبيِّن أن هذه الكتلة البشرية المؤمنة بالله عز وجل هي أمة في هذه الوثيقة، هؤلاء المسلمون جميعا المسلمون من قريش و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، قريش المهاجرون، من في يثرب أنصار، و من تبعهم من أي قبيلة أخرى فلحق بهم أقام معهم و جاهد معهم، إذًا ذاب فيهم صار واحدا منهم، وليس على أساس إقليمي، على أساس إيماني، على أساس انتماء، على أساس عقيدة، على أساس بذل، المسلمون من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، هذا أول مفهوم، هؤلاء المسلمون جميعا، من قريش و يثرب ومن تبعهم و جاهد معهم، المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم و يفدون عانيهم بالمعروف و القسط بين المسلمين، أي أقام النبيُّ عليه الصلاة و السلام هذا المجتمع على أساس التكافل و التضامن، ما معنى يتعاقدون، أي إذا الواحد قتل أخاه خطأً، فعليه الدية هذه الدية قد لا يستطيعها وحده، فوق طاقته، مائة جمل مثلا، ليس عنده، فهذه في عرف الإسلام أو في عرف الشرع على قومه جميعا نوع من أنواع المشاركة، أقول القتل الخطأ، الآن إذا صار فيه حادث دهس و ضربك، ليس فيها أيَّة نية قتل، لكن خطأ، فالقتل الخطأ، هذا الذي قُتِل له دية كبيرة جدًّا، كان قيِّمَ أولاده، فهذه الدية قد لا يستطيع دفعها من تسبَّب في الحادث، من علائم التكافل و التضامن أن أسيرته كلَها مكفَّلة بدفع هذه الدية، فهذا معنى قول النبي: هؤلاء المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم، أي متضامنون متكاتفون متعاونون، يفدون عانيهم، العاني الفقير،الأسير بالمعروف و القسط بين المسلمين، إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيسةً أو ظلما أو إثما أو عدوانا أو إفسادا بين المؤمنين، أي المسلمون جميعا يجب أن يكونوا يدا واحدة و صفًّا واحد ضدَّ من بغى منهم، أو ابتغى دسيسة، أو ظلما أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين، كلمة " ما دخلني، يصطفلوا " هذه ليست ورادة في العلاقات بين المؤمنين، أنت أخ في أسرة، هناك أخ ظلم، أنا ما دخلني و الثاني ما دخله، و هذا متزوج و جالس لحاله، ظلم أخاه الصغير، إذا كان صار فيه انسحاب و تخلِّي، هذا الأخ القوي يكيد الظلم و العدوان لأخيه الصغير، و إخوته الباقون منسحبون، من هذه المشكلة، أما إذا تدخَّلوا جميعا و أوقفوا الكبير عند حدِّه، و نصروا الصغير، هذا مما يرضي الله عز وجل فأنت مؤمن، و كلُّ مؤمن يعنيك، فهذا بندٌ دقيق جدًّا، أن المؤمنين المتقين جميعا على من بغى منهم، أي من اعتدى، أو ابتغى دسيسة أو ظلما أو إثما أو عدوانا أو إفسادا بين المؤمنين، و أن أيديهم عليه جميعا و لو كان ولدَ أحدهم، هذه من ملامح المجتمع المسلم التي رسمها النبيُّ عليه الصلاة و السلام، أول بند المسلمون من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، البند الثاني هؤلاء المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم و يفدون عانيهم بالمعروف و القسط بين المسلمين، أول بند من هم المسلمون، ثاني بند التضامن و التكافل، ثالث بند أن يكونوا جميعا يدا واحدة على من ظلم أو بغى أو أفسد أو أثم أو دسَّ أو فعل المنكر.
ذمةُ الله واحدة يجير عليهم أدناهم و المؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس، أي معنى الإجارة ؛ أجاره، هذا تقليد كان شائعا في الحياة التي سبقت بعثة النبيِّ عليه الصلاة و السلام، أي إذا إنسان مظلوم و هناك إنسان يظلمه، وهذا اشتجار بإنسان آخر، فهذا المجير لا يستطيع أحدٌ أن ينال هذا الذي أجاره بأمان، أي طريقة من طرق الحماية للضعيف، و تقليد رائع جدًّا، و الضعيف أحيانا يلجأ إلى رجل من أولي الشأن، هذا الرجل يحميه من ظلم من ظلمه، فالظالم حينما يستجير فلانٌ بفلان فإذا اعتدى على فلان كأنه اعتدى على صاحب الشأن الكبير، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما ذهب إلى الطائف، و حينما لقيَ من أهل الطائف العنت و السخرية و التكذيب و الكفرَ عاد إلى مكة و قد هُدِر دمُه عليه الصلاة و السلام، خرج منها يظن أن أهل الطائف يستجيبون له فردّوه أسوأ ردٍّ، دخل مكةَ المكرمة بعد أن عاد من الطائف في حماية المطعِم بن عديٍّ، هذا أجاره و حماه و عندئذٍ ما جرأ أحدٌ من كفار قريش أن ينال النبيَّ عليه الصلاة و السلام بالأذى، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام لم ينسَ له هذا الموقف الأخلاقي في كل معركة قادمة أمر أصحابه أن يكفُّوا عن المطعم بن عديّ و عن أولاده من بعده حفاظا على الموقف الأخلاقي الذي وقفه، فذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم فالإجارة كانت سابقا للوجهاء، النبيُّ ماذا فعل ؟ جعل هذه الإجارة لأيِّ مسلم، أي أقلُّ المسلمين شأنا إذا أجار أحدا لا يستطيع أقوى المسلمين أن يناله بأذى، المقصد من ذلك أن المسلمين عند النبيِّ عليه الصلاة و السلام و من خلال توجيهاته لهم رتبة واحدة، فأقلُّ المؤمنين يجير أكبرهم، و لا يستطيعوا أقواهم أن ينال منهم، هذا معنى قول النبيِّ: ذمتهم واحدة يجير عليهم أدناهم، و المؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس، أما أخطر شيء في هذه الوثيقة أن النبيّ عليه الصلاة و السلام قال:

(( سلمُ المؤمنين واحدة ))
أي المؤمنون لهم أعداء، ليس له حق أن ينفرد الإنسانُ بالصلح مع هؤلاء أو بالعداء مع هؤلاء، يجب أن يكونوا يدًا واحدة و على قلب واحد ورأي واحد، فسلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن، في قتال في سبيل الله إلا على سواء و عدل بينهم، حتى يكون المسلمون أقوياء يجب أن يكون لهم موقفٌ واحد، في سلمهم و في حربهم، أما أن يتفتَّتوا، كل إنسان يأخذ موقفا، هذا التَّفتُّت يضعفهم جميعا، و يجعل عدوًّهم يطمع فيهم، عدوُّهم يتمنى أن يتفرَّقوا حتى ينال منهم واحدا واحدا، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام في الوثيقة قال:

(( سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في سبيل الله إلا على سواء و عدل بينهم.))
هذه كيف نطبِّقها ؟ نحن على مستوى مجتمع صغير، مستوى أسرة، إذا هناك إنسان فاسق فاجر مثلا، يؤذي هذه الأسرة، هل لأحد أفرادها حقٌّ أن يصادقه على حساب الباقين، ليس له حق، هل لأحد أفراد الأسرة أن يقيم معه علاقات طيِّبة وهو يكيل الصاعَ لبقية أفراد الأسرة، هذا لا يجوز، سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء و عدل بينهم.
بندٌ آخر من بنود هذه المعاهدة أو هذه الوثيقة الدستورية: من خرج من المدينة فهو آمن و من قعد فهو آمن إلا من ظلم أو أثم، هناك حرية في الحركة، أردتَ أن تقيم في المدينة فأنت آمن، أردت أن تخرج فأنت آمن، إلا إذا ظلم الإنسان أو أثم.
آخر بند: كلُّ ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو استجار يُخاف فسادُه فإن مردَّه إلى الله عز و جل و إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، معنى هذا البند، أي طبيعة المجتمع الإنساني قد يكون هناك مشكلات، أو شجار أو منازعات أو خصومات، هذه لا بدَّ واقعة في طبيعة النفس الإنسانية، في المجتمع المسلم هذه المشكلات و هذا الشجار و هذه المنازعة و هذه الخصومة يجب أن تُحلَّ وفق كتاب الله و سنة رسوله، و لا يُعقل أن يكون المجتمع المسلم يبحث عن حلٍّ آخر في غير كتاب الله و سنة رسوله، لذلك قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾

[سورة النساء]
من هم أولوا الأمر ؟ العلماء و الأمراء، العلماء الذين يعرفون الأمر الإلهي، و الأمراء الذين ينفَّذونه، الأمير له صفة تنفيذية، و العلم له صفة نقلية تشريعية، ليس العلِم مشرَِّعا لكنه ناقل، ينقل لك بأمانة أمر الله و أمر رسوله، فالآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾

[سورة النساء]
حصلت منازعة و خصومة و خلاف.

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾

[سورة النساء]
في أي شيء.

﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

[سورة النساء]
ما معنى إلى الله، إلى كتابه، و ما معنى لرسوله ؛ سنته، في حياته إليه بالذات، هكذا فعلنا،عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

[رواه البخاري]
الإنسان ليس له أبدا أن يلغيَ عقلَه إطلاقا، لا يستطيع أن يلغي عقله أمام الإنسان إلا أمام إنسانٍ واحدٍ هو رسول الله، لأنه هو معصوم أولاً،و يُوحى إليه، و معه معجزة، هي القرآن، و مع ذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام ما قال شيئا رفضه العقلُ، و لا نهى عن شيء قبله العقلُ، لأن العقل هو مقياس أودعه اللهُ في الإنسان و التشريع الإسلامي هو نظام إلهي فالذي خلق العقلَ هو الذي أنزل هذا الدين، فلا بدَّ من موافقة تامة بين العقل و النقل، لذلك آخر بند مهمٌّ جدًّا، خلاف بين المؤمنين خلاف بين الشركاء، خلاف بين أمٍّ و ابنها أحيانا الأم لا ترضى إلا إذا عصى الابن اللهَ عز وجل، إلا إذا كان فيه اختلاط و هناك علاقات حميمة بين نساء و رجال لا يحللن لهؤلاء الرجال، حتى الأم لا تغضب مَن الحكَم ؟ كتاب الله، أيُّ خلاف في الأسرة، أيُّ خلاف بين الشركاء، أي خلاف بين الجيران، الحكم كلام الله و سنة رسوله، لا ضرر و لا ضرار، و لو كان القانون معك، هذا فيه إضرار لجارك، فلا يُسمَّى المجتمع مسلما إلا إذا طبَّق أوامر الله و أوامر النبيِّ عليه الصلاة و السلام، بل لا يُعدُّ المجتمع مسلما إلا إذا احتكم إلى الله و رسوله، أما إذا احتكمت إلى جهة لا تعرف الله عز وجل، انظُر لأيِّ مسلم يحتكم لجهة لا تعرف اللهَ ليس مسلما، كلُّ مسلم يورِّط أخاه المسلم مع جهة لا تعرف اللهَ هذا ليس مسلما، أريد أن آخذ حقِّي، حقُّك لا تأخذه بهذه الطريقة الظالمة، يجب أن ترجع إلى كتاب الله و إلى سنة رسوله كلام دقيق جدًّا أٌوله لكم كثير ما أشعر أن هناك إنسان له مع الآخر دين و يعرف واحدا يكفيه المبلغ و الضعف لا يجوز أن تفعل هكذا، هذا سلوك غير إسلامي، لا تستطيع أن تأخذ حقَّك إلا بالطرق المشروعة إذا سلَّمته لجهة لا تعرف اللهَ، يمكن أن يأخذوا عشر أضعاف حقهم، أليس كذلك ؟ إذًا إذا هناك مشكلة و خصومة و منازعة و فيه قضية و حدث بين مسلمين و بين جوار و بين أسرة و بين شركاء، هذا الموضوع لا يُحلُّ إلا في ضوء الكتاب و السنة إذا كنتَ مسلما، فإذا رفضتَ كلام الله فلست مسلما قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[سورة الأحزاب]
هذا حكم الله، هذا البيت ليس لك، تقول: أنا موقفي أقوى و موقفي قانوني، كمسلم تحتكم إلى الشرع فيما لك و فيما عليك.
أردتُ من هذا الدرس و إن كان متعتُه أقلَّ من متعة القصة و السيرة لكن هذا أول عمل فعله النبيُّ حينما هاجر و حينما أسَّس مجتمعا مسلما أولا:بنى المسجد، لأنه هذا المقرُّ، مقر الدعوة، مقر بثِّ العقيدة، و مقر تعليم العبادات و مقر تعليم المعاملات، مقر تعليم الآداب، مقر اللقاء، و اللقاء فيه معرفة، و المعرفة فيها تعاون، مقر المساواة، هنا المساواة، مقر التعاون والتكاتف، فأساس المجتمع المسلم المسجد.
ثانيا: الأخوة بين المؤمنين، يتآخى كلُّ واحد مع أخ، قل له أنت أخي في الله، و أنت أخوه في الله، نتعاون ونتناصر و نتناصح، و نتفقَد بعضنا، نتزاور و نتباذل، و اللهِ أنا أتمنى على كل واحد منكم، أحب إذا قلتُ له من أخوك في الله ؟ يقول لي: فلان أخي في الله، أعرف أن فلانا مرض، يبلغني أنه مرض، هناك مشكلة يبلِّغني إياها فنتعاون على حلِّها، ليس موضوع أنه سمعنا محاضرة و مشينا، هذه قضية جامعة و ليس جامعا، إلقاء المحاضرة و الاستماع إليها، و انتهى الأمرُ هذه جامعة، في أيِّ مكان موجودة الجامعات، أما الجامع تعاون محبَّة و تكاتف و تناصر و تناصح و تباذل و، فهذا يريد أخوة في الله، فكل أخ يختار أخا، هكذا النبيُّ قال: تآخيا اثنين اثنين، أعرف الأستاذ فلانا نريد أن نزوره، فلان عنده مشكلة نحلُّها له، هذا الذي يشدُّ الناسَ إلى الدين، لست وحدك في الحياة، أنت تعيش بين أخوة مؤمنين صادقين هذه رقم اثنين.
رقم ثلاثة من هذه الوثيقة الدستورية، فعلا هناك أشياء، مرة أخيرة أسمِّعكم: المسلمون من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، أنت منتمٍ إلى أسرة، منتمٍ إلى جماعة مؤمنة، هؤلاء المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم، تضامن، التضامن و التكافل بين المؤمنين، الثالثة: المؤمنون جميعا على من بغى، أو اعتدى أو ظلم أو أفسد أو دشَّ جميعا، ليس هناك " يصطفلوا"
رابعا: ذمة الله واحدة، مساواة تامة بينهم.
خامسا: سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء و عدل بينهم، من خرج من المدينة فهو آمن و من قعد فهو آمن، إلا من ظلم أو أثم، كل ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فسادُه فإن مردَّه إلى الله و إلى محمد صلى الله عليه و سلم.
إذا أنت مسلم حقيقة اختلفت مع زوجتك، من الحكم ؟ كتاب الله، القرآن فيما لها و فيما عليها، فإذا الواحد رفض ما لها وما عليها أو هي رفضت ما عليها فهي آثمة، مع شريكك و مع جارك، مع صاحبك، مع زميلك، مع أي إنسان، كل ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فسادُه فإن مردَّه إلى الله عز وجل و إلى محمد رسوله
الوثيقة تزيد عن تسعين بندا، نحن حكينا سبع بنود فقط، تسعون بندا هذه الوثيقة نظَّم فيها النبيُّ عليه الصلاة و السلام المجتمع الإسلامي.
و الحقيقة آخر فكرة لماذا تنظيم العلاقات ؟ حتى الإنسان يتفرَّغ للعبادات إذا اشترى بيتا و البيتُ ذهب من يده، يبقى مشوَّشا عسر سنوات، يدخل في المحاكم اثني عشر سنة، كل إنسان يهمل الشرعَ إهماله للشرع يرجعه إلى القضاء، و إذا الواحد علق بالقضاء، يتمزَّق، فتطبيق الشرع من أجل التفرُّغ لمعرفة الله و لطاعته، واحد ساهم في شركة و لم يعمل عقدا، الشريك الثاني شعر أنه لا يوجد عقدٌ و شريكه ضعيف فاستأثر بالشركة وحده، صار هناك منازعات و صارت خصومات، إذا هناك قرابة، القرابة تفسَّخت، صار هناك عداء و صار هناك طلاق من وراءه، صار فيه محاكم، هذا المجتمع المسلم تفتَّت، لأن وقت بدأت الشراكةُ لم يكن هناك عقدٌ و لا كان فيه حقوق وواجبات و حدود، إذًا أنت لما تطبَّق الشرع ليس من أجل أن تتقيَّد، من أجل أن يتفرَّغ قلبُك لمعرفة الله، لو تعمل وصلا، نسي الرجلُ أنه أخذ منك مبلغا، طالبته فلم يتذكَّر، كيف لا تتذكر، أنت اكتب وصلا أريح لك، ماله في هذه الشغلة، قال تعالى:

﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾

[سورة البقرة]
دخلنا في شركة، سحبت و اشتريت بيتا، استحى أخوك،سحبت زوَّجت أولادك، طيّب كم هي المسحوبات غير المسجَّلة، بعد مضي عشرين سنة صار فيه خصومة، أنت عندك بناية و عندك بيت و عندك حائط، و أنا ما عملت هذا الشيء سجِّل المسحوبات كلها، فلما لا إنسان يترك الشرع و يترك النظام يترك أحكام الشرع في التعامل يقع في خصومات و متاهات ما لا نهاية، و تعود عليه سلبا في علاقته مع الله عز وجل، هكذا المؤمنون، هكذا المسلمون ؟ أكَّالين حقوق، دخل في متاهات معه، أما إذا طبَّقنا الشرع تفرَّغ قلبنا لمعرفة الله عز وجل، و أساس الشرع أ، يكون قلبُك فارغا لمعرفته و لطاعته و للتقرُّب منه.
إذًا هذه الملامح نحن نطبّقها في مجتمعنا الصغير، بخلافاتنا مردُّنا إلى كتاب الله و سنة رسوله، بتعاوننا و بمؤاثرتنا و بمحبَّتنا و مؤاخاتنا أرجو الله عز وجل أن تنقلب هذه الموضوعات التاريخية إلى ممارسات عملية نعيشها، ما قيمتها لو تعرّفنا إليها، قضية من ألف و أربعمائة سنة وقعت، إنشاء المسجد و المؤاخاة بين المؤمنين و الوثيقة الدستورية هذه قديمة جدا، فالمعلومات ما لها من قيمة، مضت و انتهت، أما كمسلك و كنظام كمبادئ و كقيم نعيشها، فكلُّ ما أتمناه عليكم أن تنقلب هذه المعلومات و التفصيلات إلى سلوك نعيشه و إلى قيم نتمثَّل بها.

والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: رد: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم    الأحد 18 نوفمبر - 14:18

بارك الله فيك
شكرآ جزيلا على الموضوع الرائع و المميز
ننتظر منك الكثير من خلال ابداعاتك المميزة
لك منـــــــ اجمل تحية ــــــــــي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
 
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: