منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الأنفاس الأخيرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مشمشه
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 808
تاريخ التسجيل : 02/12/2010

مُساهمةموضوع: الأنفاس الأخيرة   الجمعة 18 يناير - 19:56

الأنفاس الأخيرة الأنفاس الأخيرة الأنفاس الأخيرة الأنفاس الأخيرة
كان الحسن يقول: ابن آدم إنك تموت وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك.
ابن آدم: لو أن الناس كلهم أطاعوا الله وعصيت أنت لم تنفعك طاعتهم، ولو عصوا الله وأطعت أنت لم تضرك معصيتهم.
ابن آدم: ذنبك ذنبك، فإنما هو لحمك ودمك وإن تكن الأخرى فإنما هي نار لا تطفأ وجسمٌ لا يبلى ونفسٌ لا تموت([1]).
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد:
فإن الله -عز وجل- جعل هذه الدنيا دار ممر لا دار مقر وجعل بعدها الحساب والجزاء، ولما كان آخر أنفاسنا من هذه الدنيا هي ساعة الاحتضار وما يلاقيه المحتضر من شدة وكرب فإن الكيس الفطن هو من يرى كيف مر الموقف بغيره؟ وكيف تغشى أحبته؟ وماذا جرى لهم لكي يستعد ويتجهز ويكون على أُهبة لملاقاة الموت؟
وقد انتقيت للأخ الحبيب مجموعة من تلك المواقف المختلفة ابتداء بنبي الأمة محمد r ومرورًا بالصحابة والسلف ليكون على بصيرة فينظر موضع قدمه ونهاية أنفاسه .. وهي صور فيها خوف ووجل ولكنها عبرة لمن اعتبر وإيقاظ لمن غفل. وهذا الكتاب هو «الثاني عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» أخذت أصله من كتابي «لحظات ساكنة» بناء على طلب بعض الإخوة.
أدعو الله عز وجل أن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله وأن يمتعنا على طاعته وأن يجعل خير أيامنا أواخرها وخير أعمالنا خواتمها وأن يجعل ما يصيبنا في سكرات الموت تكفيرًا لذنوبنا ورفعًا لدرجاتنا.
عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم
مدخل
أخي الحبيب:
ها أنت تسافر في كل حين .. تبحث عن تجارب الآخرين وتنظر في آثار السابقين.. سافر معنا خمس دقائق أو تزيد لترى موقفًا سيمر عليك بمفردك وستقف معه لوحدك.. شئت أم أبيت...
إنه موقف مر به المؤمن والكافر والبر والفاجر.. الذكر والأنثى والصغير والكبير.. بل حتى الأنبياء والرسل مرّ بهم الموقف المهول واللحظات الحاسمة..
إنه موقف قادم إليك، فتعال لترى وتسمع وتعيش لحظات مع من مرّ بهم الموقف قبلنا.. فخبروه وعرفوه وذاقوا طعمه وشربوا من كأسه.
أما وإنك العاقل الفطن تسير في عيون الآخرين لترى تجارهم وتقلب الكتب لترى كيف تأريخ الأمم.. تعال لترى نهاية أيامهم وآخر أنفاسهم فلقد قرأت كثيرًا وسمعت كثيرًا.. فتواضع لحروفي وأطلق بصرك لتسير معي في رحلة بين السطور..
إنها رحلة عبر الزمن لمن مرّ بهم الموت وحلّ ضيفًا عليهم.. إنها رحلة العمر.. رحلة بدأت وستنتهي، فانظر بين السطور نهايتك واختر لنفسك..
لا يزعجك الخوف فلا فائدة منه لدفع الموت ولا لرده، بل تأمل ساعات النهاية لهؤلاء واحسب نفسك منهم فلكل حي نهاية.. وربما يكون لك في ذلك عبرة. فأنت من الأموات غدًا.. ومن أصحاب القبور..
سآخذ بيدك وتأخذ بيدي في رحلة نوآنس بعضنا وتلتقي فيها قلوبنا.. فنحن رفقاء طريق..
سنسير مع الأنبياء والصالحين ونرى حالهم وما نزل بهم من الكرب وشدة الموت..
فإن لخروج الروح آلام وشدائد .. فهي تُنزع من الجسد وتجذب معها العروق والأعصاب، ألم تر أن الميت ينقطع صوته وصياحه من شدة الألم!!
إنه مشهد مؤثر وموقف لن يتكرر..
إنه مشهد الموت ولحظات الاحتضار.. عندما تبلغ الروح الحلقوم وترتفع من كل مفصل ويتحشرج الصدر وتذرف العينان..
عندها يتيقين ويتأكد الفراق .. ويأتي هذا التأكيد بطوي القدمين ورفعهما من الدنيا وكأنك تودع حياة الجري والسعي في هذه الأرض إلى دار الجزاء والحساب.. قال تعالى في أحسن وصف لهذا المشهد: }وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ{ سورة القيامة، الآية: 29.
عندها تبدأ مسيرة الآخرة.. ورحلة الجزاء والحساب }إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ{.
حال من يرى ظلالاً من الحزن وساعاتٍ من الندم وتفكر في المآل والمصير..
فالموت حقيقة قاسية رهيبة، تواجه كل حي، فلا يملك لها ردًا، ولا يستطيع لها أحدٌ ممن حوله دفعًا، وهي تتكرر في كل لحظة وتتعاقب على مر الأزمنة، يواجهها الجميع صغارًا وكبارًا، أغنياءً وفقراء، أقوياء وضعفاء، ومرضى وأصحاء، قال الله -تعالى-: }قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ{ سورة الجمعة،
الآية: 8.
نهاية الحياة واحدة فالجميع يموت. }كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ{ إلا أن المصير بعد ذلك مختلف }فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ{ سورة الشورى، الآية: 7.
والله عز وجل خلق الموت والحياة لشأن عظيم وأمر جسيم، فقال تعالى: }الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ{ سورة تبارك، الآية: 2.
وقد وصف سبحانه وتعالى شدة الموت في أربع آيات:
الأولى: قول الحق سبحانه وتعالى: }وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ{ سورة ق، الآية: 19.
الثانية: قول الحق سبحانه وتعالى: }وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ{ سورة الأنعام، الآية: 93.
الثالثة: قوله تعالى: }فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ{ سورة الواقعة، الآية: 83.
الرابعة: قوله تعالى: }كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ{ سورة القيامة، الآية: 26.
وقال تعالى يصف مشهد الموت بتفصيل عجيب وتصوير متتابع لهذا الحدث العظيم: }كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ{ سورة القيامة، الآيات: 26-30.
وقال تعالى، في أصدق وصف وأحسن تعبير: }وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ{ سورة ق، الآيتان: 19، 20.
وما أدراك -يا أخي- ما هذا المجيء لسكرات الموت؟ مجيءٌ لا مناص عنه ولا مهرب، لا تجدي معه حيلةٌ ولا تنفع معه وسيلة، إنه بداية نهايتك من هذه الدنيا وانقطاعك عنها، والإقبال على الآخرة ودخول معبرها، وترك ما وراءك من الأموال والقصور، والأهل والدور.
إنها -والله- ساعة مهولة ذات كربٍ شديد وما بعدها إلا وعدٌ أو وعيد، لو تفكرت في حلولها وأنت في نعيم وهناء لتكدرت حياتك ولهانت الدنيا عندك، وصغر عظيمها في عينك، ولتبدل فرحك حزنًا، وسعادتك كدرًا.. كيف لا؟ وأنت تفارق المال والولد، والأحباب والأصحاب إلى دار الجزاء والحساب، أهوالٌ تهون عندها أهوال.. حتى تنتهي في رحلة طويلة شاقة إلى أحد الفريقين }فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ{ سورة الشورى، الآية: 7.
قال الحكيم بن نوح بعض إخوانه: اتكأ مالك بن دينار ليلة من أول الليل إلى آخره لم يسجد فيها ولم يركع فيها، ونحن معه في البحر، فلما أصبحنا قلت له: يا مالك، لقد طالت ليلتك لا مصليًا ولا داعيًا، قال: فبكى، ثم قال: لو يعلم الخلائق ماذا يستقبلون غدًا ما لذوا بعيش أبدًا، إني -والله- لما رأيت الليل وهوله وشدة سواده، ذكرت به الموقف وشدة الأمر هنالك، وكل امريء يومئذٍ تهمُّه نفسه، لا يغني والد عن ولد ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئًا، ثم شهق شهقة فلم يزل يضطرب ما شاء الله، ثم هدأ، فحمل عليَّ أصحابنا في المركب، وقالوا: أنت تعلم أنه لا يحمل الذِّكر فلم تهيجه؟ قال: فكنت بعد ذلك لا أكاد أذكر له شيئًا([2]).
إنه التذكر الدائم والوجل المستمر من ساعة الاحتضار وما بعدها والاستعداد لها بالعمل الصالح والتوبة النصوح.. إنه استعداد الأخيار ومبادرة الصالحين.
ونحن في هذا الزمان نضيع أعمارنا وننفق أوقاتنا فيما لا طائل من ورائه.. ولا فائدة من بعده بل إننا فرحون مستبشرون بذلك.. أرأيت كيف يضيع يومك وتنفق عمرك؟!
أما الحسن فحين مر برجل يضحك، سأله: يابن أخي.. هل جزت الصراط؟ فقال الرجل: لا، قال: فهل علمت إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ فقال: لا، قال: ففيم الضحك؟! عافاك الله والأمر هول، فما رُؤي الرجل ضاحكًا حتى مات([3]).
أخي الحبيب:
أي سفر أطول من هذا السفر؟ وأي زاد تحتاج؟ إنه -أيها الحبيب- زاد الآخرة }وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى{.
أما الموت الذي لم نذقه بعد فلا نَعرفُ ألمه وشدته إلا حين يقع.. فكل منا سيمر بتلك اللحظات العصيبة والدقائق الرهيبة... الأنفاس مشدودة، والعين حائرة كسيرة... إنها لحظة الاحتضار.
وحين تفتح عينك وملك الموت واقف على رأسك.. تُفكر في ماذا تلك اللحظات؟!
ونحن لم نذق الموت بَعُد.. ألمه وغُصَصه وكُربه.. ما هي؟
لحظاتُ لنرى حال من سبقنا إلى ذلك فهذا عمر بن العاص لما احتضر سأله ابنه عن صفة الموت فقال: والله لكأن جنبي في تخت ولكأني أتنفس من سَم إبرَهَ، وكأن غصن شوك يجر به قدمي إلى هامتي([4]).
وسأل عمر -رضي الله عنه- كعبًا فقال: أخبرني عن الموت؟
قال: يا أمير المؤمنين، هو مثل شجرة كثيرة الشوك في جوف ابن آدم، فليس منه عرق ولا مفصل، وهو كرجل شديد الذراعين فهو يعالجها وينتزعها، فبكى عمر.
هذا هو الموت وهذه شدته.. سيكون تفكيرك في تلك اللحظات منحصرًا في أي الأبواب ستدخل، وفي أي الدارين تسكن؟
أخي الحبيب:
إن الموت هو الخطبُ الأفظع، والأمر الأشنع، والكأس التي طعمها أكره وأبشع، وإنه الحادث الأهدم للذَّات، والأقطع للراحات، والأجلب للكريهات، فإن أمرًا يُقَطِّعُ أوصالك، ويُفِّرقُ أعضاءك، ويَهدم أركانك، لهو الأمر العظيم والخطب الجسيم، وإن يومه لهو اليوم العظيم..
أيها الحبيب..
اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كربٌ ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها، لكان جديرًا بأن ينتغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته وحقيقًا بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده([5]).
كيف ونحن نعلم أن وراء الموت القبر وظلمته والصراط ودقته والحساب وشدته أهوالٌ وأهوال.. إنها رحلة ستنتهي بالجميع إلى محط الرحال هناك حيث النهاية جنةٌ أو نار...
قال وهب بن منبه: كان ملك من الملوك أراد أن يركب إلى أرض، فدعا بثياب ليلبسها، فلم تعجبه فطلب غيرها حتى لبس ما أعجبه بعد مرات، وكذلك طلب دابة فأُتي بها فلم تعجبه، حتى أُتي بدواب فركب أحسنها، فجاء إبليس فنفخ في منخره نفخة فجلاه كبرًا، ثم سار وسارت معه الخيول وهو لا ينظر إلى الناس كبرًا، فجاءه رجل رث الهيئة فسلم، فلم يرد عليه السلام، فأخذ لجام دابته، فقال: أرسل اللجام فقد تعاطيت أمرًا عظيمًا. قال: إن لي إليك حاجة، قال: اصبر حتى أنزل، قال: لا، الآن. فقهره على لجام دابته فقال: اذكرها، قال: هو سر، فأدنى له رأسه، فسارَّه وقال: أنا ملك الموت، فتغير لون الملك واضطرب لسانه ثم قال: دعني حتى أرجع إلى أهلي وأقضي حاجتي وأودعهم، قال: لا، والله لا ترى أهلك وثقلك أبدًا، فقبض روحه فخر كأنه خشبة.
ثم مضى فلقي عبدًا مؤمنًا في تلك الحال، فسلم عليه، فرد عليه السلام فقال: إن لي إليك حاجة أذكرها في أُذنك، فقال: هات، فسارَّه وقال: أنا ملك الموت، فقال: أهلاً وسهلاً بمن طالت غيبته عليَّ فوالله ما كان في الأرض غائب أحب إليَّ أن ألقاه منك، فقال ملك الموت: اقضِ حاجتك التي خرجت لها، فقال: مالي حاجة أكبر عندي ولا أحب من لقاء الله تعالى، قال: فاختر على أي حال شئت أن أقبض روحك؟ فقال: تقدر على ذلك؟ قال: نعم إني أمرت بذلك، قال: فدعني حتى أتوضأ وأصلي ثم اقبض روحي وأنا ساجد، فقبض روحه وهو ساجد([6]).
أما -والله- سيأتي يوم مثل يومي.. وسيمر عليك ما مر بي.. ألا فاعتبر.
قال أنس بن مالك: ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن: أول يوم يجيئك البشير من الله -تعالى- إما برضاه، وإما بسخطه، ويوم تُعرض فيه على ربك آخذًا كتابك. إما بيمينك وإما بشمالك. وليلة تستأنف فيها المبيت في القبور ولم تبت فيها قط، وليلة تمخض صبيحتها يوم القيامة([7]).
روي أن ملك الموت دخل على داود عليه السلام فقال: من أنت؟ فقال: من لا يهاب الملوك، ولا تمنع منه القصور، ولا يقبل الرُشا. قال: فإذًَا أنت ملك الموت، قال: نعم، قال: أتيتني ولم استعد بعد!؟ قال: يا داود أين فلان قريبك؟ أين فلان جارك؟ قال: مات. قال: أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد([8]).
أخي الحبيب.. أيام عمرك أيام قلائل، ولحظات محسوبة، وأنفاس معدودة، لو أردت زيادة في عمرك ولو للحظات -مقابل أموال الدنيا أجمع- لما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فكيف بك الآن تضيعها في غير طاعة الله؟.. تنفق الساعات الطوال في لهو ولعب وهي لحظات عمرك الغالية وساعات حياتك الثمينة.. وقد ذكر ذلك أبو حازم فقال: إن بضاعة الآخرة كاسدة، يوشك أن تنفق فلا يوصل منها إلى قليل ولا كثير، ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه، ويتمنى الرجوع إلى حالٍ يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية([9]).
ولنسير لحظات لنرى بعضًا من حالات الاحتضار ونزلات الموت التي هي إلينا قادمة عاجلاً أو آجلاً. هذه حال رسول الله r خير الأنبياء والمرسلين وأكرم الخلق على الله أجمعين عندما أصابته سكرات الموت وشدتها..
فقد قال r وهو يدخل يديه في ركوة ماء ويمسح بها وجهه الشريف: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» رواه البخاري.
ولما رأت فاطمة -رضي الله عنها- ما برسول الله r، من الكرب الشديد الذي يتغشاه قالت: واكرب أباه فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» رواه البخاري.
هذه حال سيد الخلق وحال من تفطرت قدماه وغفر له من ذنبه ما تقدم وما تأخر.
أما حال الصديق أبي بكر -رضي الله عنه- وهو المُبشر بالجنة لما احتضر -رضي الله عنه- تمثلت عائشة -رضي الله عنها- بهذا البيت:
أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى
إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر
فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس كذلك يا بنية ولكن قولي: }وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ{.
ثم قال: انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما ثم كفنوني فيهما فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت([10]).
وهذا فاروق الأمة وثاني الخلفاء الراشدين والمُبشر بالجنة .. هذه حاله وهذا خوفه من الله -عز وجل- فقد قال عبد الله بن الزبير: ما أصابنا حزنٌ منذ اجتمع عقلي مثل حزن أصابنا على عمر بن الخطاب ليلة طُعن، قال: صلى بنا الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أسر الناس وأحسنهم حالاً. فلما كانت صلاة الفجر صلى بنا رجل أنكرنا تكبيره، فإذا هو عبد الرحمن بن عوف، فلما انصرفنا قيل: طُعن أمير المؤمنين. قال: فانصرف الناس وهو في دمه لم يُصل الفجر بعد، فقل: يا أمير المؤمنين الصلاة، الصلاة. قال: ها الله ذا لاحظ لامرئٍ في الإسلام ضيع الصلاة، قال: ثم وثب ليقوم فانبعث جرحه دمًا، قال: يا أيها الناس أكان هذا على ملأ منكم. فقال له علي بن أبي طالب: لا والله، لا ندري من الطاعن من خلق الله أنفسنا تفدي نفسك، ودماؤنا تفدي دمك، فالتفت إلى عبد الله بن عباس فقال: اخرج، فسل الناس ما بالهم وأصدقني الحديث..
فخرج ثم جاء، فقال: يا أمير المؤمنين أبشر بالجنة، لا والله ما رأيت عينًا تطرف من خلق من ذكر أو أنثى.. إلا باكية عليك، يفدونك بالآباء والأمهات، طعنك عبُد المغيرة بن شعبة، وطعن معك اثنا عشر رجلاً فهم في دمائهم حتى يقضي الله فيهم ما هو قاض، تَهْنَك يا أمير المؤمنين الجنة.. قال: غُر بهذا غيري يابن عباس، فقال ابن عباس: ولِمَ لا أقول لك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن كان إسلامك لعزًا، وإن كانت هجرتك لفتحًا، وإن كانت ولايتك لعدلاً، ولقد قتلت مظلومًا، ثم التفت إلى ابن عباس فقال: تشهد بذلك عند الله يوم القيامة؟ فكأنه تلكأ. قال: فقال علي بن أبي طالب وكان بجانبه: نعم يا أمير المؤمنين نشهد لك عند الله يوم القيامة، قال: ثم التفت إلى ابنه عبد الله بن عمر فقال: ضع خدي إلى الأرض يا بني، قال: فلم أبح (أعبأ) بها وظننت أن ذلك اختلاس من عقله. فقالها مرة أخرى: ضع خدي إلى الأرض يا بني، فلما أفعل، ثم قال لي: المرة الثالثة: ضع خدي إلى الأرض لا أم لك، فعرفت أنه مجتمع العقل، ولم يمنعه أن يضعه إلا ما به من الغلبة، قال: فوضعت خده إلى الأرض حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خارجة من بين أضغاث التراب، قال: وبكى حتى نظرت إلى الطين قد لصق بعينيه، قال: واصغيت بأذنين لأسمع ما يقول: قال: فسمعته وهو يقول: يا ويل عمر وويل أمه إن لم يتجاوز الله عنه([11]).
فلو كان هول الموت لا شيء
لهان علينا الأمر واحتُقِر الأمرُ
ولكنه حشر، ونشرٌ، وجنة
ونارٌ وما قد يستطيل به الخبرُ
ولما احتضر عثمان بن عفان رضي الله عنه جعل يقول ودمه يسيل.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعين بك على أموري، وأسألك الصبر على بلائي.
هؤلاء أصابتهم شدة الموت وسكراته وهم الصحابة الأجلاء والرفقاء الأخلاء.. خلفاء الأمة الراشدون والمبشرون بالجنة.. فما بالك بحالنا وكيف إذا نزل بساحتنا؟! فالله المستعان.
أما معاوية بن أبي سفيان فعندما حضرته الوفاة، قال: أقعدوني. فأُقعد، فجعل يُسبّح الله تعالى ويذكره، ثم بكى. وقال: تَذْكُر ربك يا معاوية بعد الهرم والانحطاط، ألا كان هذا وغض الشباب نضر ريان، وبكى حتى علا بكاؤه، وقال: يا رب ارحم الشيخ العاصي ذا القالب القاسي، الله أقل العثرة، واغفر الزل، وجد بحلمك على من لا يرجو غيرك ولا يثق بأحدٍ سواك([12]).
وبكى أبو هريرة في مرضه فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي على بعد سفري وقلة زادي، وأني أصبحت في صعود مُهبطٌ على جنة ونار، ولا أدري أيهما يؤخذ بي([13]).
وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان امرأة عمر بن عبد العزيز: كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخفِ عليهم موتي ولو ساعة من نهار، فلما كان اليوم الذي قبض فيه، خرجت من عنده فجلست في بيت آخر وبيني وبينه باب وهو في قبة له فسمعته يقول: }تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ{ سورة القصص، الآية: 83.
ثم هدأ فجعلت لا أسمع حركة ولا كلامًا، فقلت لوصيفٍ له: انظر أنائمٌ هو؟ فلما دخل صاح، فوثبت فإذا هو ميت([14]).
الله أكبر ما أسرع قدوم تلك اللحظات إلينا }قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ{ نعم أينما اتجهنا ومهما اختفينا فإنه ملاقينا يومًا ما.. ولو قيل إنه سيقدم علينا بعد مئات السنين لأهمنا نقص اليوم والليلة لأن ذلك يقربنا إليه ويدنينا منه وكيف وأعمارنا دون المائة وتقارب الستين.. بل وربما نؤخذ ونحن في زهرة الشباب أو دون ذلك.
ولكن أين الاستعداد للرحيل.. والاستعداد لملاقاته؟ ثم والله ما بعده من السؤال في تلك الحفرة الضيقة ثم الفزعات والأهوال يوم القيامة.. ثم المنصرف إلى أحد الدارين.
أخي المسلم..
قال صفوان بن سليم: في الموت راحة للمؤمن من شدائد الدنيا وإن كان ذا غُصص وكُرب، ثم ذرفت عيناه([15]).
وعند ذكر ما بعد الموت يهون الموت وشدته وألمه وغصصه وسكراته خاصة إذا كان الخوف من فتنة الدين كما قال سفيان الثوري: ما من موطن من المواطن أشد عليّ من سكرة الموت أخاف أن يشدد علي، فأسأل التخفيف فلا أجاب فأُفتن([16]).
وقد بكى ليلة إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: أكل هذا خوفًا من الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذه، وإنما أبكي خوفًا من سوء الخاتمة.
وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى.
وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء أنه لما احتضر جعل يُغمى عليه ثم يفيق ويقرأ: }وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ{.
فمن أجل هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبين الخاتمة الحسنى..
قال: واعلم أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله تعالى منه- لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه.. ما سُمع بهذا ولا عُلم به ولله الحمد، إنما تكون لمن له فسادٌ في العقيدة أو إصرار على الكبيرة، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى نزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطويّة، ويصطدم قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله([17]).
أخي الحبيب .. ليتك ترى حالتك إذا حل بك الموت ونزل بساحتك.. أما وإن الله أمهل لك فهيا لترى حال من سبقنا في تلك اللحظات الحرجة والدقائق المضطربة .. التي ستمر عليك عما قريب وبعد فترة من الزمن قصيرة فانظر في حال من مر عليهم واعتبر بما جرى لهم.
لما نزل الموت بسليمان التيمي قيل له: أبشر فقد كنت مجتهدًا في طاعة الله تعالى، فقال: لا تقولوا هكذا فإني لا أدري ما يبدو لي من الله عز وجل فإنه يقول سبحانه: }وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ{ سورة الزمر، الآية: 47.
قال بعضهم: عملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها حسنات فوجدوها سيئات.
وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء إذا مات الرجل على الحال الصالحة قال: هنيئًا لك، يا ليتني كنت مكانك، فقالت أم الدرداء له في ذلك فقال: هل تعلمين يا حمقاء أن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسي منافقًا، يُسلبُ إيمانه وهو لا يشعر، فأنا لهذا الميت أغبط مني لهذا بالبقاء في الصلاة والصيام([18]).
أخي المسلم.. اسأل الله الثبات على هذا الدين فكل حين نسمع أخبار من ترك طريق الهداية وزلت به قدمه في طريق الغواية.. أخبار تقشعر لها الأبدان وتذهل لها العقول فإنها أشد فتنة وأكبر مصيبة أن يتحول الإنسان من حال الصلاح إلى حال أخرى.. عصمنا الله من ذلك وأحيانا مسلمين وأماتنا مسلمين.
لما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكي لذنب أعلم أني أتيته، ولكن أخاف أني أتيت شيئًا حسبته هينًا وهو عند الله عظيم([19]).
ووالله إن في ذلك لعبرة، فنحن نودع الآباء والأبناء ونرى كيف يوسدون الثرى وينثر عليهم التراب وتغلق عليهم تلك الحفر الضيقة في قبور صغيرة موحشة، ولكننا لا نتفكر فيما نحن عليه مقبلون، ولممر نحن له عابرون.. ولطريقٍ عليه سائرون.
بكى الحسن البصري عند موته وقال: نُفيسة ضعيفة، وأمر مهولٌ عظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولو تفكرت -يا أخي الحبيب- الآن في أن الموت ببابك وملك الموت يطلب جنابك، ولعلمت هول المطلع، ووالله لفزعت وذُهلت، هذا وأنت بحال الدنيا، فكيف والأمر جد، ومن الموت لا بد.. نزل بساحة من سبقنا وله منزل بساحتنا حتى نقدم على الله عز وجل.. وما ظنك بهذا القدوم.. وكيف تجهزت له؟! إنه قدوم على الله بعد مسير في هذه الدنيا وضرب في أطراف وحساب لأزمانها وأوقاتها وذنوبها وحسناتها.. إنه حساب لا يدع مثقال ذرة إلا أحصاها ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا في كتاب.
سُئل أبو حازم: كيف القدوم على الله؟ قال: أما المطيع فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه، وأما العاصي فكقدوم الآبق على سيده الغضبان.
أخي الحبيب...
عش ما بدالك سالمًا
في ظل شاهقة القصور
يُسعى عليك بما أشتهـ
ـيت لدى الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تقعقعت
في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنًا
ما كنت إلا في غرور

أخي الحبيب..
حريٌ بنا أن نعي قول العلاء بن زياد الغدوي: ليُنِزلَ أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه -تعالى- نفسه فأقاله، فليقل بطاعة([20]).
فأقل -أيها الحبيب- نفسك من اليوم، وكن من بقية القوم الذين استعدوا وللآخرة جدوا.
وحالنا -الآن- قريبة من رجل قيل له وهو يجود بنفسه: ما حالك؟ فقال: وما حال من يريد سفرًا بعيدًا فلا زاد ويدخل قبرًا موحشًا بلا مؤنس وينطلق إلى ملكٍ عدلٍ بلا حُجة([21]).
وقال بعضهم: دخلنا على عطاء السلمي نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا له: كيف ترى حالك؟ فقال: الموت في عنقي، والقبر بين يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي.. ولا أدري ما يفعل بي..
ثم بكى بكاءً شديدًا.. حتى غشي عليه، فلما أفاق، قال: اللهم ارحمني وارحم وحشتي في القبر ومصرعي عند الموت وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين.
ويا أخي.. اعلم أن الموت قادم وخطره عظيم، وغفل عنه الناس لقلة حديثهم فيه وذكرهم له، ومن يذكره ليس يذكره بقلبٍ فارغ بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا، فلا ينجع ذكر الموت قلبه.
فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه، كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة خطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه([22]).
وإلا لأصابه ما أصاب الحسن حين دخل على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم، فوالله لقد رأيت مصرعًا لا أزال أعمل له حتى ألقاه([23]).
وأهل الإيمان استعدوا بالعمل الصالح وبرجاء رحمة الله .. ها هم يطوون أكفانهم ويجهزون أنفسهم ويستعدون للرحيل..
قال زينب بنت جحش حين حضرتها الوفاة: إني قد أعددت كفني، فإن بعث لي عمر بكفن، فتصدقوا بأحدهما، وإن استطعتم إذ أدليتموني أن تتصدقوا بحقوقي فافعلوا..
أما عبد الله بن عبد العزيز العمري فقد قال عند موته: بنعمة ربي أُحدث .. إني لم أصبح أملك إلا سبعة دراهم من لحاء الشجر ومثلثها بيدي، وبنعمة ربي أحدث.. لو أن الدنيا أصبحت تحت قدمي لا يمنعني من أخذها إلا أن أزيل قدمي عنها ما أزلتها([24]).
وقال المغيرة بن حبيب: دخلنا على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه وهو يكيد بنفسه، فرع رأسه إلى السماء، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لفرج ولا لبطن([25]).
رحم الله الجميع.. بيننا وبينهم البون الشاسع. فحب الدنيا عندهم رغبة في العبادة والطاعة.. أما الحال اليوم فلماذا حُب البقاء!!
سؤال لا يحتاج إلى جواب، فالحال يُغني والواقع يشهد بأن الدنيا ثارت ثائرتها وأجلبت بخيلها ورجلها.. فطار غبار الكثير يلهث خلفها ويجري في إثرها.. فأناخ ركابه ببابها وكأنه مخلد فيها.. فالله المستعان.
قيل: إن محمد بن المنكدر بكى بكاء شديدًا عند موته، فقيل له: ما يبكيك؟ فرفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إنك أمرتني ونهيتني فعصيت، فإن غفرت فقد مننت، وإن عاقبت فما ظلمت([26]).
وعندما سُئل سعيد بن السائب: كيف أصبحت؟ قال: أصحبت أنتظر الموت على غير عدة([27]).
ولذلك يجب على كل من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدًا، ولا يغتر بالشباب والصحة.. فإن أقل من يموت الأشياخ .. وأكثر من يموت الشبان، ولهذا يندر من يكبر..
ولكن من يدري متى يبغته الموت وتنشب المنية أظفارها في عمره؟ فإذا بها تسكت أنفاسه وتقطع أوصاله.. وتنقله في لحظات من دار الدنيا إلى دار الآخرة فسبحان من ملك فأمر وحكم فعدل وتجاوز فغفر..
عن عمران الخياط قال: دخلنا على إبراهيم النخعي نعوده، وهو يبكي، فقلنا له، ما يبكيك أبا عمران؟ قال: أنتظر ملك الموت لا أدري يبشرني بالجنة أم بالنار([28]).
وصدق فما بعد هذه الدنيا إلا جنةٌ ونار .. ولكن هل نظرنا أين نحن ذاهبون ولأي طريق نحن سالكون، اجتمع علينا طول تسويف وغفلة وأمل ورقدة.. فاللهم أيقظ قلوبنا من سباتها وأغثها بالإيمان وحسن الاعتبار.
أخي الحبيب .. تأهب ..
إن للموت سكرة فارتقبها
لا يداويك إذا أتتك طبيبُ
أعاننا الله على لقائه وجعلنا ممن استعد للموت وكربه وغصصه وجعلنا مثل سلفنا الصالح، فقد كان الجنيد يقرأ القرآن وهو في سياق الموت ويصلي، فختم، فقيل له: في مثل هذه الحال يا أبا علي؟ فقال: ومن أحق مني بذلك، وها هو ذا تطوي صحيفة عملي ثم كَبَّر .. ومات([29]).
وقال محمد بن واسع وهو في الموت.. يا إخوتاه تدرون أين يُذهب بي؟ يُذهب بي والله الذي لا إله إلا هو إلى النار، أو يعفو عني([30]).
أخي..
كأن أهلك قد دعوك فلم
تسمع وأنت مُحشرجُ الصدر
وكأنهم قد قلَّبوك على
ظهر السرير وأنت لا تدري
وكأنهم قد زودوك بما
يتزود الهلكى من العِطر
أخي الحبيب...
ياليت شعري كيف أنت إذا
غُسِّلت بالكافور والسدر
أوليت شعري كيف أنت على
نبش الضريح وظُلمة القبر
لما نزل الموت بأحدهم، وكان صاحب طاعة وعبادة شق عليه وساءه ذلك، فقيل له: أتحب الحياة يا فلان؟ فقال: يا قوم القدوم على الله شديد..
الله أكبر إذا قدمنا على أهل الدنيا حسبنا ألف حساب وقدمنا وأخرنا وأصلحنا وأبدلنا.. هذا وهم بشرٌ مثلنا فكيف القدوم على رب الأرباب؟ ونحن في حال من الزلل والخطأ.. والمعصية والذنب لا يعلمها إلا الله..
أرأيت أخي الحبيب كيف نستعد لامتحان الدنيا ونبذل الغالي والرخيص ونعطل مصالح كثيرة ولا نبالي بسؤال الآخرة.. وهو -والله- عنوان الفوز أو الخسارة..
قيل لأبي مسعود الأنصاري: ماذا قال حذيفة بن اليمان عند موته؟ قال: لما كان عند السحر، قال: أعوذ بالله من صباح إلى النار.. ثلاثًا.. ثم قال: اشتروا لي ثوبين أبيضين، فإنهما لن يُتركا عليّ إلا قليلاً حتى أبدِّل بهما خيرًا منهما أو أُسلبهما سلبًا قبيحًا([31]).
أخي الحبيب..
هذه نداءات قلبية صادقة من أبي الدرداء رضي الله عنه وهو يحتضر فقد جعل يقول: ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟ وبكى، فقالت له امرأته: تبكي وقد صاحبت رسول الله r؟ فقال: مالي لا أبكي ولا أدري علام أُهجم من ذنوبي.
أين الاستجابة لهذه النداءات المخلصة التي تهز أعماق المسلم وتذكره بتلك اللحظات القادمة إليه؟ إنها لحظات طوتها الغفلة وألقى عليها التسويف رداءه. فطال الأمل وقصر العمل وبَعُدَ فجر التوبة.
قال أبو سليمان الداراني: قلت لأم هارون العابدة: أتحبين أن تموتي؟ قالت: لا، قلت: ولِمَ؟ قالت: والله لو عصيت مخلوقًا لكرهت لقاءه.. فكيف بالخالق جل جلاله([32]).
والناس في هذه الدنيا على ضربين مختلفين كما ذكر ذلك شميط بن عجلان بقوله: الناس رجلان، فمتزود من الدنيا ومتنعم فيها، فانظر أي الرجلين أنت؟ إني أراك تحب طول البقاء في الدنيا فلأي شيء تحبه؟ أن تطيع الله عز وجل وتحسن عبادته وتتقرب إليه بأعمال صالحة فطوبى لك، أم لتأكل وتشرب وتلهو، وتلعب وتجمع الدنيا وتثمرها، وتنعم زوجتك وولدك؟ فلبئس ما أردت له البقاء.
ونحن يا أخي كما قال بعض الزهاد: لنا من كل ميت عظة بحاله وعبرة بمآله([33]).
* كان حميد الطويل قائمًا يصلي فمات، فذكروه لابن عون وجعلوا يذكرون من فضله، فقال: احتاج حميد إلى ما قدم([34]).
وقال أبو السور حسان بن حريث وقرأ هذه الآية: }وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ{ قال: هما نشرتان، وطيَّة، أما ما حييت يابن آدم فصحيفتك منشورة فأمل فيها ما شئت، فإذا متَّ طويتْ، ثم إذا بعثت نشرت.. }اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا{([35]).
فصحيفة الحي كتابٌ يدون فيه حتى إذا انتهى عمره طويت تلك الصحائف للحساب.. فصحفنا الآن منشورة.. ولكن ماذا يدون فيها؟ أهي أعمال صالحة وعبادة مقبولة أم غير ذلك.. ولو حمل أحدنا ورقة وقلمًا لمدة ساعة وسجل فيها أفعاله وأقواله ثم أعاد قراءتها بعد تلك الساعة لعلم حاله ورأى صحيفته وهو حي!!
وربما تدارك زللـه ورجع عن غيه وأحسن العمل وجدد التوبة.
عن حميد قال: بينما الحسن في المسجد تنفس تنفسًا شديدًا، ثم بكى حتى أرعدت منكباه، ثم قال: لو أن بالقلوب حياة، لو أن بالقلوب صلاحًا لأبكتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة، إن ليلة تمخّض عن صبيحة يوم القيامة ما سمع الخلائق بيوم قط أكثر من عورة بادية، ولا عين باكية من يوم القيامة([36]).
ولما حضرت ابن المبارك الوفاة قال لنصر مولاه: اجعل رأسي على التراب. فبكى نصر، فقال: ما يبكيك؟ قال: ذكرت ما كنت فيه من النعيم وأنت هنا تموت فقيرًا غريبًا، فقال: اسكت فإني سألت الله أن يحييني حياة السعداء ويميتني ميتة الفقراء، ثم قال: لقني الشهادة ولا تعد علي إلا أن أتكلم بكلام ثان([37]).
الله أكبر همهم الآخرة.. يرون الدنيا مطية للآخرة ومزرعة للحسنات ورفعًا الدرجات.. ولذا استثمروا أوقاتهم وحافظوا على أيامهم وألزموا أنفسهم الطاعة والبعد عن المعصية.. فكانت حياتهم زيادة في الخير .. وطول أعمارهم زيادة في عمل الصالحات.
قال مهدي بن ميمون: رأيت حسان بن أبي سفيان في مرضه، فقيل له كيف تجدك؟ قال: بخير إن نجوت من النار، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: ليلة بعيدة ما بين الطرفين، أُحيي ما بين طرفيها([38]).
لقد كان استعدادهم للموت استعداد من لا يعلم متى يرحل فلم يلهه الأمل ولم يثنيه بُعد الأجل.. كانت معاذة العدوية إذا جاء النهار قالت: هذا يومي الذي أموت فيه، فما تنام حتى تُمسي، وإذا جاء الليل قالت: هذه ليلتي التي أموت فيها، فلا تنام حتى تُصبح([39]).
وقال أبو المنذر إسماعيل بن عمر: دخلنا على ورقاء بن عمر بن كليب وهو يموت فجعل يكبر ويهلل ويَذكُر الله، فلما كَثُر الناس قال لابنه: اكفني رد السلام لا يشغلوني عن ربي([40]).
إن الطبيب بطبه ودوائه
لا يستطيع دفاع مكروه أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي
قد كان يُبري منه فيما قد مضى
ذهب المُداوي والمَداوى والذي
جلب الدواء وباعه ومن اشترى
لما نزل الموت بحذيفة بن اليمان قال: حبيبٌ جاء على فاقةٌ.. قد كنت قبل اليوم أخشاك وأنا اليوم أرجوك([41]).
وبكى الحسن رضي الله عنه بكاءً شديدًا، فقيل له: يا أبا سعيد ما يبكيك؟ فقال: خوفًا من أن يطرحني في النار ولا يبالي([42]).
وقال سليمان التيمي: دخلت على بعض أصحابنا وهو في النزع، فرأيت من جزعه ما ساءني، فقلت له: هذا الجزعُ كُله لماذا؟ وقد كُنت -بحمد الله- على حالة صالحة؟ فقال: ومالي لا أجزع وما أحقُ مني بالجزع؟ والله لو أتتني المغفرة من الله -عز وجل- لأهمني الحياءُ منه فيما أفضيت به إليه([43]).
الله أكبر عرفوا الله حق معرفته وقدروه حق قدره فاستحيوا من سيئاتهم وندموا على زلاتهم، همهم الآخرة ورجاؤهم في الله كبير.. تخالط الآية شغاف قلوبهم }وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا{ يحدوهم الرجاء ويرفرف فوق قلوبهم الخوف.
هذا الربيع بن خثيم لما مرض قالوا له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فتفكر وقال: أين عاد وثمود وأصحاب الرس وقرون بين ذلك كثيرًا؟ قد كانت فيهم الأدواء والأطباء، فلا أرى المداوي بقى ولا المدَاوى، كل قد قضى ومضى([44]).
يأتي القضاء ولا ينفع الاستشفاء.. }كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ{ سورة القيامة، الآيات: 26-30.
أخي المسلم..
وحدثتك الليالي إن شيمتها
تفريق ما جمعته فاسمع الخبرا
وكن على حذر منها فقد نصحت
وانظر إليها ترى الآيات والعبرا
فهل رأيت جديدًا لم يعد خلقًا؟
وهل سمعت بصفوٍ لم يعد كدرًا؟
والموت يمر عبر السطور.. وتقشعر له النفوس.. نتمنى أن ينتهي الحديث عن الموت.. لكن يا رفيق الرحلة بقي خطوات قليلة.. تعال لنرى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- وهو يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد([45]).
عجبًا لهم أمة فيها قلوب حية وآذنًا مستمعة.. الله المستعان الموت لا يفارق ذهنه ساعة، ونحن لا نصبر على سماع شيء عن الموت ولو شطر ساعة.. بل ربما بعضهم يقوم من المكان الذي فيه ذكرٌ للموت وحديث عن الاحتضار.. وما ذاك إلا من الغفلة والحرص على الدنيا ونعيمها الزائل.. هذا وهو حديث في مكانٍ مُنعم بالنعم..
ولغلبة الهوى والنفوس والبعد عن الآخرة ومن باب الموعظة والتذكير.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: أكثروا من ذكر النار فإن حرها شديد وقعرها بعيد، ومقامعها حديد([46]).
ولما حضرت الوفاة الفضيل بن عياض -رحمه الله- غشي عليه، ثم أفاق وقال: يا بعد سفري وقلة زادي([47]).
وكان مطرف بن عبد الله يقول: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيمًا لا موت فيه([48]).
وذلك بالاتجاه إلى الله وعبادته حق العبادة وصدق العودة إليه جل وعلا كما قال العلاء بن زيادة: ليُنزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، وأنه استقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله([49]).
فلو أنزلنا أنفسنا في هذه المنزلة وأوقفنا أنفسنا هذا الموقف لتغيرت أحوالنا ولصلحت أعمالنا.. فصل -أيها الحبيب- صلاة مودع.. واستشعر قرب الموت ودنو الأجل يصلح عملك وينقطع رجاؤك إلا من الله عز وجل..
تهون الدنيا في عينيك وتجعل الآخرة والسعي لها في قلبك..
يلازمك خوف ورجاء .. وعمل وطمأنينة.. فهو خوف بعده أمن وتعب بعده راحة.. ونعيم ما بعده زوال.
وما خاف مؤمنٌ اليوم إلا أمِنَ غدًا بحُسن اتعاظه وصلاح عمله، فإننا في دارٍ أفسح الله لنا فيها بالنعم التي يسبغها علينا صباح مساء، ونحن نُضيع أعمارها في غير ما خُلقنا له، ثم إذا فاجأنا الموت صرخ البعض }رَبِّ ارْجِعُونِ{.
لما ترجع وتعود وأنت لك سنوات تسعى في هذه الدنيا؟ هل نسيت شيئًا لترجع؟ وهل أضعت مفقودًا لتعود وتنظر؟ سنوات طويلة مرت من عمرك وأنت غافل عنها ومقصر في حقها فالآن تطلب الرجوع وترجو العودة.
نعم أنادي بالعودة }لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ{. وأين أنت عن هذا اليوم؟ ألا تعمل وأنت في سعة من الوقت وفسحة من الزمن؟
قيل لجابر بن زيد عند موته: ما تشتهي؟ فقال: نظرة إلى الحسن، فجاء الحسن، فلما دخل عليه قيل له: هذا الحسن، فرفع طرفه وقال: يا إخوتاه الساعة أفارقكم إما إلى الجنة وإما إلى النار.
ما هي إلا جنةٌ ونارُ
أفلح من كان له اعتبارُ
وصدق -والله- في قوله.. فهناك معبران أحدهما إلى الجنة وآخر إلى النار.. وعندها لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار.. }أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ{.
عن المزني قال: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها، فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، ولسوء عملي ملاقيًا، وعلى الله تعالى واردًا، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى([50]).
ولما احتضر نافع بكى، فقيل ما يبكيك؟ قال ذكرت سعدًا وضغطة القبر (أي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي r قال: «إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيًا منها نجا سعد بن معاذ»([51]).

أخي المسلم..
ها هو عمر بن عبد العزيز يذكرنا بمآلنا ومصيرنا وانقطاعنا عن الدنيا فيقول: ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غاديًا أو رائحًا إلى الله عز وجل وتضعونه في صدع من الأرض، قد توسد التراب وخلف الأحباب وقطع الأسباب([52]).
بل هذا عبد الله بن علي لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لتفريطي في الأيام الخالية وقلة عملي للجنة العالية، وما ينجيني من النار الحامية([53]).
ولنرى ثمن الزمن عندهم وقيمة الوقت لديهم واغتنامهم لذلك فإنه لما احتضر عامر بن عبد الله بكى، وقال: لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي وأتوب إليك من جميع ذنوبي، لا إله إلا الله، ثم لم يزل يرددها حتى مات رحمه الله.
أخي الحبيب...
والله إن الموت كما قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم ووالله أن النعيم في جنات عدن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. جنة فيها الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.. فسر إليها وجد في طلبها وأسرع الخطى لتنالها.
قال إبراهيم بن أبي عبده: بلغني أن المؤمن إذا مات تمنى الرجعة إلى الدنيا ليس ذلك إلا ليكبر تكبيرة، أو يهلل تهليلة أو يسبح تسبيحة([54]).
ولمعرفتهم لهذا ولأهمية الزمن في حياتهم والاستفادة منه في الطاعة والتزود للآخرة حرصوا على الاستفادة منه وعدم التفريط في لحظاته.
قال بكير بن عامر: كان لو قيل لعبد الرحمن بن أبي نعيم قد توجه إليك ملك الموت، ما كان عنده زيادة عمل([55]).
وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد.. من ذا الذي يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا الذي يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا الذي يُرضي ربكم بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ ويا من الموت موعده والقبر بيته، والثرى فراشه والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر.. كيف يكون حاله؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشيًا عليه([56]).
وروي أن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قال: انظروا هل أصبحنا؟ فأتي فقيل لم تُصبح، حتى أتى في بعض ذلك، فقيل له: قد أصبحنا. فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، ثم قال: مرحبًا بالموت زائر مُغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافُك.. وأنا اليوم أرجوك.. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار.. ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء.. ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالرُكب عند حلَقِ الذكر([57]).
أخي الحبيب.. أرأيت الحياة لديهم كيف تكون ولماذا يعيشون؟ أين نحن من ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء؟ أين نحن من طلب العلم والاستماع للعلماء؟ كيف نرى أوقاتنا الضائعة إذا وافانا الأجل وحان الرحيل؟
كان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: أريد أن أسافر سفرًا ما سافرته قط.. وأسلك طريقًا ما سلكته قط.. وأزور سيدي ومولاي وما رأيته قط.. وأشرف على أهوال ما شاهدتها قط..
أما عمر بن عبد العزيز فقد قال: لولا أن تكون بدعة لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبدًا، حتى أعلم مما في وجوه رسل ربي إليَّ عند الموت، وما أحب أن يهون على الموت لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن([58]).
وقال بعضهم: عجبًا لمن يعرف أن الموت حق، كيف يفرح؟ وعجبًا لمن يعرف أن النار حق، كيف يضحك؟ وعجبًا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها، كيف يطمئن إليها؟ وعجبًا لمن يعلم أن القدر حق، كيف ينصب ..؟([59])
ونحن في هذه الدنيا تتخطفنا الآمال ونبحر في نهر التسويف.. نجاهد النفس والهوى والشيطان.. حينًا وحينًا.. لنا في نصيحة عمر بن عبد العزيز تطبيق عملي لغلبة الأماني والتفكر والمآل والمصير.
قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: عظني. فقال: اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجدَّ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك فدعه الآن.
يا أيها الناس.. اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخُطَّابها، فأصبحت كالعروس المحيلة، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها عاكفةٌ، والنفوس لها عاشقةٌ، فكم من عاشق لها قتلت، ومطمئن إليها خذلت، فانظروا إليها بعين الحقيقة، فإنها دارٌ كثير بوائقها، وذمها خالقها. جديدها يبلى، ومُلكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، ودها يموت، وخيرها يفوت، فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم ومن رقدتكم قبل أن يقال فلانٌ عليل أو مدنف ثقيل، فهل على الدواء من دليل؟ وهل إلى الطبيب من سبيل؟ فتُدعى لك الأطباء، ولا يُرجى لك الشفاء.
ثم يقال: فلانٌ أوصى، ولماله أحصى..
ثم يقال: قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه وعرق عند ذلك جبينك وتتابع أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، وبكى إخوانك.
وقيل لك: هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، ومنعت من الكلام فلا تنطق، وختم على لسانك فلا ينطق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عُرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوّادك واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنًا بأعمالك([60]).
واعلم -رحمك الله- أن مما يعينك على التفكر في الموت ويفرغك له ويكثر اشتغالك به تذكر من مضى من إخوانك وخلاَّنك، وأصحابك وأقرانك، الذين مضوا قبلك وتقدموا أمامك، كانوا يحرصون حرصك ويسعون سعيك ويأملون أملك ويعملون في هذه الدنيا عملك، وقصت المنون أعناقهم، وقلعت أعراقهم وقصمت أصلابهم، وفجعت فيهم أهليهم وأحباءهم، فأصبحوا آية للمتوسمين وعبرة للمعتبرين([61]).
فالموت قد عدل .. ساوى بين الملك والصغير والكبير، يدخل الغرف الصغيرة.. ولا يرده حاجب القصور الكبيرة.. أفنى من ملكوا الدنيا وقضى على من لا يملكون شيئًا من الدنيا، ولكن...
الناس في غفلاتهم
ورحى المنية تطحنُ
أما أصحاب القصور والدور وأصحاب المناصب الذين يغبطهم الكثير من أهل الدنيا على هذه النعمة لنرى حالهم عند الموت.. كيف يواجهونه؟ وكيف يستقبلونه؟ هل تبقى القوة والمنعة والأبهة والوجاهة أم يسقط كل ذلك ويبقى العمل؟
قال محمد بن منصور البغدادي: دخلت على عبد الله بن طاهر وهو في سكرات الموت فقلت: السلام عليكم أيها الأمير، فقال: لا تسمني أميرًا وسمني أسيرًا.
ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة جعل يقول: والله ولوددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنيمات في جبالها ولم آلي([62]).
وكان المنتصر يضطرب على نفسه عند موته فقيل له: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين. فقال: ليس إلا هذا، لقد ذهبت الدنيا وأقبلت الآخرة([63]).
وهذا التفاوت في معايش الدنيا لا يرد الموت عن العدل بين الجميع فهو بأمر الله مهلك القوى ومفني الدول.. ولكن البدار البدار.. التوبة التوبة قبل الموت.. قال شفيق بن إبراهيم: استعد إذا جاءك الموت أن لا تسأل الرجعة([64]).
والرجعة -أخي الحبيب- لن تُعطي إياها، فلكل أجل كتاب.. ولكن استعد للموت من الآن بالعمل الصالح وبالتوبة النصوح قبل أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله.. إنه ذهاب لا رجوع بعده وندم لا تجدي معه دموع.. ورحيل من ا



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗










http://up.aldwly.com/uploads/13584219651.gif

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مشمشه
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 808
تاريخ التسجيل : 02/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأنفاس الأخيرة   الجمعة 18 يناير - 20:02

بلا عودة.. إنه نهاية الدنيا.. والرحيل من فوق أرضها إلى داخلها.. من سعة القصور ورحابة الدور إلى ضيق القبور.. سؤال وجواب .. وحساب ونقاش..
لما كان عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه قال: أجلسوني، فأجلسوه ثم قال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه وأحدَّ النظر، فقالوا له: إنك لتنظر نظرًا شديدًا، قال: إني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جن، ثم قُبض([65]).
وها هو أمير المؤمنين المأمون لما حضرته الوفاة أمر بجل دابته ففرش له، فاضطجع عليه، ووضع الرماد على رأسه وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم اليوم من قد زال ملكه([66]).
ولما حضرت الوفاة أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين، قال للربيع: يا ربيع هذا السلطان.. لا سلطان من يموت([67]).
إنه الموت نهاية كل حي، لا يفلت منه أحد، ولا يُسبق فيفوته أحد.
وعندما أيقن عبد الملك بن مروان بالموت، قال: والله لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالاً([68]).
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إذا ذكرت الموتى فعدّ نفسك كأحدهم([69]).
وقد قيل لعبد الملك بن مروان في مرض موته: كيف تجدك؟ فقال: أجدني كما قال الله -تعالى-: }وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ{.
نعم.. لقد ذهب ملك الدنيا وزخرفها.. وقدم الكل على الله.
والعمر زمنٌ يمر سريعًا كأضغاث أحلام.. يراه الإنسان لا نهاية له.. ويلهه الأمل عن الآخرة ولذلك كان المعتصم يقول عند موته: لو علمت أن عمري هكذا قصيرٌ ما فعلت([70]).
كلنا أعمارنا قصيرة وآجالنا مكتوبة وأنفاسنا معدودة.. أعمارنا التي مضت كأنها حلم ووالله إنها كساعة من نهار ولكن الخوف من نار تلظى.. وحفرة تختلف فيها الأضلاع..
لنتأمل فعل أمير المؤمنين هارون الرشيد وهو ينتقي أكفانه بيده وينظر إليها، ويقول: }مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ{ سورة الحاقة، الآيتان: 28، 29.
من منا ينتقي أكفانه ويضعها في بيته.. بل ربما لو وجد البعض ثوبًا يشبه الكفن في بيته لأخرجه.. فلا داعي له وهل الموت قريب ليستعد له..؟!
تنام ولم تنم عنك المنايا
تنبه للمنية يا نؤومُ
أخي الحبيب.. لا تقف عن القراءة استمر لحظات وانظر في حال من سبقك واعتبر بحالهم فإن من أتى بعدك سيعتبر بحالك!!
لما احتضر عبد الرحمن بن الأسود بكى، فقيل له.. فقال: أسفًا على الصلاة والصوم .. ولم يزل يتلو حتى مات([71]).
والخروج من هذه الدنيا خروج بكفن وعمل صالح، تُحمل ملفوفًا بكفن تاركًا وراءك قصورًا شيدتها ودورًا بنيتها، فيها أحباب وأصحاب، وزوجات وأبناء.
وكل هذا لديك ولكنك ترحل بكفن.. أرأيت كيف هوان الدنيا ونهايتها؟ قال عمر بن الخطاب لابنه: اقتصدوا في كفني فإن كان لي عند الله خيرٌ أبدلني ما هو خيرٌ منه، وإن كانت على غير ذلك سلبني فأسرع سلبي.. واقتصدوا في حفرتي .. فإنه إن كان لي عند الله خيرٌ أوسع لي منها مد بصري .. وإن كنت على غير ذلك ضيقها عليَّ حتى تختلف أضلاعي([72]).
ولما احتضر سعيد بن مروان قال: يا ليتني لم أكن شيئًا، يا ليتني كهذا الماء الجاري، ثم قال: هاتوا كفني.. أُفٍ لك، ما أقصر طويلك وأقل كثيرك([73]).
وقال عبد الملك بن مروان في مرض موته.. ارفعوني فرفعوه حتى شم الهواء، وقال: يا دنيا ما أطيبك.. إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كنا بك لفي غرور([74]).
إخواني.. جدوا فقد سُبقتم، واستعدوا فقد لُحقتم، وانظروا بماذا من الهوى عُلقتم.. ولا تغفلوا عما له خُلقتم، ذهبت الأيام وما أطعتم، وكتبت الآثام وما أصغيتم، وكأنكم بالصادقين قد وصلوا وانقطعتم، أهذا التوبيخ لغيركم؟ أو ما قد سمعتم؟!
كم سكن مثلك في هذه الدار، فحام الموت حول حماهم ودار، ثم ناهضهم وسلب الجار، فمن أنذر قبل هجومه فما جار، يا هذا العمر عمرٌ قليل، وقد مضى أكثره بالتعليل، وأنت تعرض البقية للتأويل.. وقد آن الأوان أن يرحل النزيل([75]).
يروى عن عبد الله بن شرمة أنه قال: دخلت مع عامر الشعبي على مريض نعوده، فوجّدنا لما به.. ورجلٌ يلقنه الشهادة يقول له: قل لا إله إلا الله، وهو يُكثر عليه، فقال له الشعبي: ارفق به، فتكلم المريض وقال: إن يلقني أو لا يلقني فإني لا أدعها، ثم قرأ: }وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا{ فقال الشعبي: الحمد لله الذي نجى صاحبنا([76]).
وقال القعقاع بن حكيم: قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة، فلو أتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء.
ويروى عن عبد الله بن المبارك أنه لما احتضر نظر إلى السماء، فضحك ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون([77]).
واحتضر بعض الصالحين فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: عليك أبكي.. قال: إن كنت باكية فابك على نفسك، فأما أنا فقد بكيت على هذا اليوم منذ أربعين سنة([78]).
وقال محمد بن القاسم: دخلت على ابن أسلم قبل موته بأربعة أيام بنيسابور، فقال: يا أبا عبد الله، تعال أبشرك بما صنع الله بأخيك من الخير، قد نزل بي الموت، وقد منَّ الله عليّ.. إنه مالي درهم يحاسبني الله عليه.. ثم قال: أغلق الباب ولا تأذن لأحد حتى أموت، وتدفنون كتبي، واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثًا غير كسائي ولبدي وإنائي الذي أتوضأ فيه وكتبي هذه، فلا تكلفوا الناس مؤنة.. وكان معه صرة فيها ثلاثين درهمًا، فقال: هذا لابني أهداه قريب له، ولا أعلم شيئًا أحل لي منه؛ لأن النبي r قال: «أنت ومالك لأبيك» وقال: «أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» فكفنوني منها.. فإن أصبتم لي بعشرة ما يستر عورتي فلا تشتروا بخمسة عشرة، وابسطوا على جنازتي لبدي وغطوا عليها كسائي.. وأعطوا إنائي مسكينًا([79]).
وقيل للكناني لما حضرته الوفاة: ما كان عملك؟ فقال: لو لم يقرُب أجلي ما أخبرتكم به.. وقفت على باب قلبي أربعين سنة فكلما مر فيه غير الله حجبته عنه([80]).
أخي: كم وقفنا على أبواب قلوبنا .. لنرى ولو ساعة من نهار .. ماذا في صحائفنا؟ وماذا نعمل في أيامنا وليالينا؟
هذا بلال مؤذن رسول الله r لما حضرته الوفاة قالت امرأته: واحزناه، فقال: بل واطرباه غدًا نلقى الأحبة؛ محمدًا وحزبه([81]).
وعن أنس بن عياض رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غدًا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة([82]).
وقد قيل لعبد الله بن عمر: توفي فلان الأنصاري، قال: رحمه الله، قالوا: ترك مائة ألف، قال: لكن هي لم تتركه.
وكيف تتركه وهناك كتابٌ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. إنها الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب.
أخي الحبيب.. وقد دب الخوف إلى قلبك.. وتعثر لسانك واهتزت أطرافك وتبعثرت أوراقك ترغب في توبة صادقة وتُجِّد في طلب ملجأ آمن .. رنت عيناك نحو الدار الآخرة وهمك مطلب عالٍ سام.. ترجو رحمة ربك وتخشى عذابه.
أبشر برحمة ومغفرة لمن لجأ إلى جناب الله هاربًا من ذنوبه فارًا من معاصيه.
«ففروا إلى الله» إنه فرار من الله من المعاصي والذنوب ولجوء إلى الرحمن الرحيم غافر الذنب وقابل التوب.
ومن أراد الجنة فلا بد من الموت، رغم آلامه وأهواله وغُصصه وروعاته. قال ابن عبد ربه لمكحول: أتحب الجنة؟ قال: ومن لا يُحب الجنة؟ قال: فأحبب الموت فإنك لن ترى الجنة حتى تموت([83]).
وقال بلال بن سعد -رحمه الله-: يقال لأحدنا تريد أن تموت؟ فيقول: لا، فيقال له: لِمَ؟ فيقول: حتى أتوب وأعمل صالحًا، فيقال له: اعمل، فيقول: سوف أعمل، فلا يُحب أن يموت ولا يحب أن يعمل، فيؤخر عمل الله تعالى ولا يؤخر عمل الدنيا([84]).
نصائح غالية ودرر نفيسة تقدم لمن أراد النجاة وأراد الآخرة..
قال أبو حازم سلمة بن دينار: كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى متّ([85]).
أرأيت -أخي الكريم- كيف القياس؟
هاك الأخرى..
قال ميمون بن مهران: من كان يريد أن يعلم منزلته عند الله عز وجل فلينظر في عمله، فإنه قادم على عمله كائنًا من كان([86]).
وجماع ذلك قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{.
قال أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها: مُنيبة ولها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها وتعجب من عبادتها على حداثتها، فبينما الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آت، فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت، فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت إليه الجارية بكت، فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيك؟ فقالت له: يا أبا سعيد.. التراب يحثى على شبابي ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد: انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبرًا واسعًا وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أُجهز إلى مكة لطال بكائي.. كيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها وبيت الظلمة والدود([87]).
ولنتأمل في نصيحة محمد بن واسع وهي نصيحة قلبية صادقة في وقت حرج وزمنٍ ضيق. قال محمد بن عبد الله مولى الثقفيني: دخلنا على محمد بن واسع وهو يقضي، فقال: يا إخوتي، يا إخوتاه.. هبوني وإياكم سألنا الله الرجعة فأعطاكموها ومنعنيها، فلا تخسروا أنفسكم([88]).
نعم وأنا وأنت سألنا الرجعة فنحن في دار العمل فهيا إلى البدار ولنجلي صدأ القلوب بتوبة صادقة وأوبة سريعة فالأنفاس لم تتوقف بعد ولازالنا في دار العمل..
كان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة .. الرحيلُ.. الرحيلُ، فلما توفي فَقَد صوته أمير المدينة فسأل عنه، فقيل: إنه مات. فقال:
ما زال يلهج بالرحيل وذِكره
حتى أناخ ببابه الجمَالُ
فأصابه متيقظًا مُتشمِّرًا
ذا أُهبةٍ لم تُلهه الآمال([89])
قيل: إن يعقوب عليه السلام قال لملك الموت: إني أسألك حاجة؟ قال: وما هي؟ قال: أن تعلمني إذا دنا أجلي وأردت أن تقبض روحي؟ فقال: نعم، أرسل إليك رسولين أو ثلاثة، فلما انقضى أجله أتى إليه ملك الموت فقال: أزائر جئت أم لقبض روحي؟ فقال: لقبض روحك، فقال: أولست كنت أخبرتني أنك ترسل إليَّ رسولين أو ثلاثة؟ قال: قد فعلت.. بياض شعرك بعد سواده، وضعف بدنك بعد قوته، انحناء جسمك بعد استقامته، هذه رسلي يا يعقوب إلى بني آدم قبل الموت([90]).
وليس هذا هو السائد فكم أخذ الموت من طفل رضيع.. وكم بغت من قد استقام عوده وشب..
بل نرى أكثر أصحاب القبور من الشباب والأطفال والرضع.. ولكن هاك نصيحة موثقة تصلح لجميع الأعمار وتُبنى بها الديار في جنات الخلد..
تأمل أيها الحبيب في وصية تكتب بماء الذهب وتحفظ في ثنايا القلوب..
فقد قال رجل لزهير بن نعيم: يا أبا عبد الرحمن توصي بشيء؟ قال: نعم، احذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة([91]).
وهذه هي النصيحة الباقية.. والمحبة في الله.. حثٌ على الطاعات وتواصٌ باجتناب المحرمات. تذكير بالآخرة واستعداد لها.
قال عبيد بن عمير: كان لرجل ثلاثة أخلاء بعضهم أخص له من بعض، فنزلت به نازلة، فلقي أخص الثلاثة به فقال: يا فلان إنه نزل بي كذا وكذا وإني أحب أن تُعينني، قال: ما أنا بالذي أفعل، فانطلق إلى الذي يليه في الخاصة، فقال: يا فلان إنه قد نزل بي كذا وكذا وأنا أحب أن تُعينني، قال: فانطلق معك حتى تبلغ المكان الذي تريد، فإذا بلغت رجعت وتركتك، قال: فانطلق إلى أبعد الثلاثة، فقال: يا فلان: إنه قد نزل بي كذا وكذا فأنا أحب أن تُعينني، قال: أنا أذهب معك حيث ذهبت، وأدخل معك حيث دخلت، قال: فالأول ماله، خلفه في أهله ولم يتبعه منه شيء، والثاني أهله وعشيرته ذهبوا معه إلى قبره، ثم رجعوا وتركوه، والثالث هو عمله وهو معه حيثما ذهب، ويدخل معه حيثما دخل([92]).
أخي الحبيب...
دعني أسحُ دموعًا لا انقطاع لها

لو كنت تعلم ما بي تعذُرني
كأني بين تلك الأهل منطرحًا
على الفراش وأيديهم تقلبني
كأني وحولي من ينوح ومن
يبكي عليَّ وينعاني ويندبني
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني
ولم أر الطبيب اليوم ينفعني
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها
من كل عرقٍ بلا رفقٍ ولا هون
واستخرج الروح مني في تغرغرها
وصار ريقي مريرًا حين غرغرني
وغمضوني وراح الكل وانصرفوا
بعد الإياس وجدُّوا في شرى الكفن
وأنزلوني في قبري على مهل
وأنزلوا واحدًا منهم يلحدني
وكشف الثوب عن وجهي لينظرني
وأسبل الدمع من عينيه أغرقني
فقام محتدمًا بالعزم مشتملاً
وصَفَّف اللبن من فوقي وفارقني
وقال هُلوا عليه التراب واغتنموا
حُسن الثواب من الرحمن ذي المننِ

إنها رحلة سريعة كلمح البصر.. سحابة بدت واختفت.. تلك هي الدنيا .. تمر مر السحاب، ساعة من زمن ثم تنقضي، ألا إنها -يا أخي- رحلة بدأت وستنتهي..
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قام رسول الله r على حصيرة فقام وقد أثَّر في جنبه، قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً! فقال: «مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرةٍ ثم راح وتركها» رواه الترمذي.
أيها الحبيب.. سرت معي في دروب نالك فيها من الخوف الكثير فهانت الدنيا في عينك ولكن ها هو بصرك بدأت يفارق حروفي فأوصيك ونفسي بتقوى الله.. وانفض غبار الدنيا، ألق رداء الكسل وعليك بالعزيمة الصادقة في مجاهدة النفس.. واجعل آخر حرف في هذا الكتاب بداية للتوبة.. تسبقها دمعة تُجمِّل مآقيك وينفتح لها قلبك.. وأبشر بجنتين وعدك إياها من لا يخلف الوعد }وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ{.
أيها الحبيب.. سنستوحش أنا وأنت إذا افترقنا ولكن لنا في كتاب الله عصمة وفي حديث الرسول r قدوة وفي مجالسة الصالحين أنسٌ وفرحة.. فنعم الزاد ليوم المعاد.
أخي الحبيب..
جمعني الله وإياك في دار كرامته وهون علينا سكرات الموت وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وآنس وحشتنا في القبور وثبتنا على الصراط يوم البعث والنشور.. وحرم وجوه آبائنا وأمهاتنا عن النار وجمعنا معهم في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.. والحمد لله رب العالمين.



([1]) الحسن البصري: 101.
([2]) حلية الأولياء (1/ 18).
([3]) الحسن البصري: (69).
([4]) جامع العلوم: (449).
([5]) الإحياء: (4/ 490).
([6]) الإحياء: (4/ 496).
([7]) التذكرة: (98).
([8]) التذكرة: (48).
([9]) جامع العلوم: (468).
([10]) الزهد: (163).
([11]) تاريخ عمر: (245).
([12]) الثبات عند الممات: (89).
([13]) العاقبة: (135).
([14]) حلية الأولياء: (1/ 283).
([15]) السير (5/ 366).
([16]) صفة الصفوة: (3/ 148).
([17]) الجواب الكافي: (245).
([18]) شرح الصدور: (11).
([19]) الثبات عند الممات: (94).
([20]) حلية الأولياء: (2/ 244).
([21]) الإحياء: (2/ 251).
([22]) الإحياء: (4/ 479).
([23]) التذكرة: (14).
([24]) الثبات عند الممات: (153).
([25]) حلية الأولياء: (3/ 361).
([26]) الزهر الفاتح: (91).
([27]) صفة الصفوة: (2/ 283).
([28]) صفة الصفوة: (3/ 89).
([29]) العاقبة: (133).
([30]) صفة الصفوة: (3/ 271).
([31]) السير: (2/ 368).
([32]) العاقبة: (30).
([33]) العاقبة: (43).
([34]) تذكرة الحفاظ: (1/ 152).
([35]) صفة الصفوة: (3/ 230).
([36]) صفة الصفوة: (3/ 243).
([37]) العاقبة: (145).
([38]) حلية الأولياء: (3/ 117).
([39]) صفة الصفوة: (4/ 22).
([40]) تذكرة الحفاظ: (1/ 230).
([41]) العاقبة: (146).
([42]) الزهر الفائح: (91).
([43]) تسلية أهل المصائب: (88).
([44]) العاقبة: (119).
([45]) العاقبة: (39).
([46]) الحسن البصري: (108).
([47]) العاقبة: (133).
([48]) صفة الصفوة: (3/ 224).
([49]) العاقبة: (90).
([50]) صفة الصفوة (2/ 258)، السير (10/ 76).
([51]) السير: (5/ 99).
([52]) الإحياء: (4/ 480).
([53]) العاقبة: (131).
([54]) شرح الصدور: (Cool.
([55]) السير (5/ 92).
([56]) العاقبة: (40).
([57]) منهاج القاصدين: (431).
([58]) حلية الأولياء: (5/ 316).
([59]) مكاشفة القلوب: (157).
([60]) الإحياء: (3/ 225).
([61]) العاقبة: (50).
([62]) تسلية أهل المصائب: (88).
([63]) الثبات عند الممات: (92).
([64]) الزهد للبيهقي: (239).
([65]) حلية الأولياء: (5/ 325).
([66]) العاقبة: (130).
([67]) العاقبة: (128).
([68]) تاريخ الخلفاء: (205).
([69]) الإحياء: (4/ 480).
([70]) البداية والنهاية: (9/ 74).
([71]) الثبات عند الممات: (92).
([72]) السير: (5/ 112).
([73]) تاريخ الخلفاء: (136).
([74]) السير: (4/ 250).
([75]) البداية والنهاية: (9/ 75).
([76]) التذكرة في الاستعداد لليوم الآخرة: (91).
([77]) العاقبة: (136).
([78]) العاقبة: (135).
([79]) الزهد للبيهقي (1278).
([80]) السير: (2/ 199).
([81]) الإحياء: (4/ 513).
([82]) الثبات عند الممات: (93).
([83]) السير: (5/ 366).
([84]) شروح الصدور: (17).
([85]) العاقبة: (91).
([86]) تذكرة الحفاظ: (1/ 133).
([87]) صفة الصفوة: (4/ 27).
([88]) صفة الصفوة: (3/ 271).
([89]) التذكرة للقرطبي: (40).
([90]) إرشاد العباد (7).
([91]) صفة الصفوة: (4/9).
([92]) حلية الأولياء: (3/ 269).



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗










http://up.aldwly.com/uploads/13584219651.gif

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الأنفاس الأخيرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: