منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 ملف كامل عن مكارم الأخلاق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: ملف كامل عن مكارم الأخلاق   الإثنين 21 يناير - 5:38

ملف كامل عن مكارم الأخلاق ملف كامل عن مكارم الأخلاق ملف كامل عن مكارم الأخلاق ملف كامل عن مكارم الأخلاق ملف كامل عن مكارم الأخلاق
ملف كامل عن مكارم الأخلاق

عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أحبُّ الناسِ إلى الله - تعالى - أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله - عز وجل - سرورٌ تدخِله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجةٍ أحبُّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا، ومن كفَّ غضبه، ستر الله عورته، ومَن كظم غيظًا، ولو شاء أن يمضيَه أمضاه، ملأ الله قلبه رضًا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله قدمه يوم تزِلُّ الأقدام، وإن سوء الخلق لَيفسدُ العمل كما يفسد الخلُّ العسلَ))؛ رواه ابن أبي الدنيا، وهو حديث حسن.

ظهر هذا الحديث الشريف محورًا أساسًا، يدور عليه نجاح الأمة الإسلامية، وينبني عليه شرفها، ومجدها، وعزتها، وهو تَمثُّل حُسن الخلق في التعامل مع الآخر، واستحضارُ وصايا مبلِّغ شريعة الإسلام - صلى الله عليه وسلم - في ضبط العلاقة بين الأفراد والجماعات، الذي ما بعثه الله - تعالى - إلا ليتمِّم حسنَ الأخلاق؛ فقد سقطت أكثر من 20 حضارة بسبب فساد أخلاق أهلها، {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].
وَإِذَا أُصِيبَ القَوْمُ فِي أَخْلاقِهِمْ فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ مَأْتَمًا وَعَوِيلا
ولا شكَّ أنَّ المسلم الذي يخالط الناس، يجد نفسه بين فئتين منهم تتجاذبانِه: فئةِ الأخيار، تدعوه إلى الخير والصلاح، وفئةِ الأشرار، تجذبه إلى الشر والفساد وسوء الأخلاق، قال - عليه الصلاة والسلام - من حديث أبي سعيد الخدري: ((ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانةٌ تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصمه الله))؛ البخاري.

ولهذا كان التزام الفئة الخيرة ضروريًّا لاستقامة الحياة وسعادتها؛ فقد أوصى الله - تعالى - رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

وفي "صحيح مسلم" عن سعد بن أبي وقَّاص قال: "كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ستَّة نفر، فقال المشركون للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اطرد هؤلاء، لا يجترئون عليْنا، قال: وكنت أنا (أي: سعد بن أبي وقاص) وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجُلان لست أسمِّيهما، فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقع، فحدَّث نفسه، فأنزل الله: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]"، هكذا تتغير نظرة الناس إلى الآخر، مركزة على معايير غير حقيقية، يقول الإمام الشافعي - رحمه الله -:
عَلَيَّ ثِيَابٌ لَوْ يُبَاعُ جَمِيعُهَا بِفَلْسٍ لَكَانَ الفَلْسُ مِنْهُنَّ أَكْثَرَا
وَفِيهِنَّ نَفْسٌ لَوْ يُقَاسُ بِبَعْضِهَا نُفُوسُ الوَرَى كَانَتْ أَجَلَّ وَأَكْبَرَا
قال الفضيل بن عياض: "اتبعْ طرق الهدى، ولا يضرك قلَّة السالكين، وإياك وطرقَ الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين"، وصدق والله.
كَمْ مِنْ أَخٍ لَكَ لَمْ يَلِدْهُ أَبُوكَا وَأَخٍ أَبُوهُ أَبُوكَ قَدْ يَجْفُوكَا
صَافِ الكِرَامَ إِذَا أَرَدْتَ إِخَاءَهُمْ وَاعْلَمْ بِأَنَّ أَخَا الحِفَاظِ أَخُوكَا
كَمْ إِخْوَةٍ لَكَ لَمْ يَلِدْكَ أَبُوهُمُ وَكَأَنَّمَا آبَاؤُهُمْ وَلَدُوكَا
ولذلك سمعت في الحديث السابق: ((ومَن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام)).

فمن كمال الخُلق: أن تنبسط في وجه أخيك، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((تبسُّمك في وجه أخيك صدقة)) "ص. الترغيب"، وقال أبو جعفر المنصور: "إن أحببتَ أن يكثر الثناءُ الجميل عليك من الناس بغير نائل، فالْقَهُمْ بِبِشْر حسن"، وتأمل في هذه القصة البديعة الرقراقة، التي يرويها عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقبِل بوجهه وحديثه على أشرِّ القوم، يتألَّفهم بذلك، فكان يقبل بوجهه وحديثه عليَّ، حتى ظننتُ أني خير القوم، فقلت: يا رسولَ الله، أنا خير أم أبو بكر؟ قال: ((أبو بكر))، فقلت: يا رسولَ الله، أنا خير أم عمر؟ قال: ((عمر))، فقلت: يا رسول الله، أنا خير أم عثمان؟ قال: ((عثمان))، فلمَّا سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صَدَقَنِي، فلودِدتُ أني لم أسأله"؛ رواه الطبراني، وحسَّنه في "مختصر الشمائل".

ومن كمال الأخلاق: الصبرُ على أذى الجاهلين، ونكايةِ الغافلين، قال – تعالى -: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، ومن عجائب أخلاق الأحنف بن قيس - وكان سيِّدًا في قومه، إذا غضب غضب له مائةُ ألف، لا يسألونه فيم غضب - أنَّه كان يسير يومًا إلى منزله، ووراءَه رجل يتبعه منذ مسافة، يسبُّه ويشتمه، فلمَّا قرب الأحنفُ من بيته (أي من حارتِه) وقف، وقال لهذا الرجل: "يا أخي، أعْطِني ما بقي عندك، أكمل السب والشتم"، فاستغرب الرجل وقال: لماذا؟! قال: "أخشى أن يراك سفهاءُ قومِنا فيؤذوك، وأنا لا أريد أن يؤذوك"، فأطرَقَ الرجل حياءً وانصرف.

يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((أربع إذا كُنَّ فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدقُ الحديث، وحفظُ الأمانة، وحسنُ الخلق، وعفَّةُ مطعم))؛ "ص. الجامع".
إِنِّي لَتُطْرِبُنِي الخِلالُ كَرِيمَةً طَرَبَ الغَرِيبِ بِأَوْبَةٍ وَتَلاقِ
وَيَهُزُّنِي ذِكْرُ المَحَامِدِ وَالنَّدَى بَيْنَ الشَّمَائِلِ هِزَّةَ المُشْتَاقِ
فَإِذَا رُزِقْتَ خَلِيقَةً مَحْمُودَةً فَقَدِ اصْطَفَاكَ مُقَسِّمُ الأَرْزَاقِ
وَالنَّاسُ هَذَا حَظُّهُ عِلْمٌ وَذَا مَالٌ وَذَاكَ مَكَارِمُ الأَخْلاقِ
وَالمَالُ إِنْ لَمْ تَدَّخِرْهُ مُحَصَّنًا بِالعِلْمِ كَانَ نِهَايَةَ الإِمْلاقِ

الخطبة الثانية
لما غاب كثيرٌ من هذه الأخلاق الرفيعة عن المسلمين، وكَلهم اللهُ إلى أنفسهم، فضَنكت معيشتُهم، وقلَّت حيلتهم، فتفشَّت فيهم الأميَّة، وانتشرت بينهم الأمراض، وعظمت بينهم الصراعات، فضعفت هِمَمهم، وذهبت ريحهم، وسلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم، فاستباحوا أراضيَهم، وأخذوا بعض ما في أيديهم، وأمامنا نكبة فلسطين، حيث الحرمات مستباحة، والدماء مسفوحة، والمساجد تهدم، والمستشفيات تقصف، متوسط الجرائم أكثر من 60 قتيلاً و230 جريحًا يوميًّا، طيلة ثلاثة وعشرين يومًا، بلا شفقة ولا رحمة، قال – تعالى -: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 8]، ولكن بالأخلاق الفاضلة ينتصِر المسلمون، بالتصرُّفات السديدة يَسُود المسلمون، بتحكيم أوامر كتاب الله وسنَّة رسوله يعزُّ المسلمون، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].

وقد أُثر عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أنَّه قال: "نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام، فمَن ابتغى العزة في غيره، أذلَّه الله"، وفي وصيته - رضي الله عنه - لسعد بن أبي وقاص ومن معه من الجنود، قال: "وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوِّهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوَّة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عُدَّتنا كعُدَّتهم، فإنِ استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوَّة، وإلاَّ نُنصَر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوَّتنا".

فلنتَّقِ الله في أنفسنا - عباد الله - ولنتخلق بأخلاق الإسلام، ولنقلع عن المعاصي والآثام، قال عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما -: "إنَّ للسيئة اسودادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق"، فاللهم زينَّا بزينة الإسلام، ومتِّعنا بنعمة الإيمان.


فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان خلقه القرآن، لا يصدر إلاَّ عنه، ولا يَتَكَلَّم إلاَّ به، ولا يحاكم الناس إلا إليه، قال - تعالى -: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9]، فحُسن الخلق ميدانٌ للتنافُس بين المؤمنين، ومِضْمار للسِّباق نحو الفوز برضا ربِّ العالمين، فقد سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: ((تقوى الله، وحُسن الخلق))؛ ص. الترمذي، وعن أبي أُمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أنا زعيمٌ ببيت في ربَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيت في وسط الجنة لِمَن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لِمن حسُن خلقُه))؛ ص. ابن ماجه.

وأنت أيها المؤمن، قد تأتي بجبال منَ المعاصي، وأكوام منَ الذنوب، فيأتي حُسن معاملتك للناس في الدنيا، وسلامة أخلاقك معهم، فيكون ذلك شافعًا لكَ لدخول الجنة؛ فعن أبي الدَّرْداء - رضي الله عنه - قال: سمعتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حُسن الخلق))؛ ص. الترمذي.

وليس حسن الخلق كلمة تُقال، ولا درسًا يُلْقَى، ولا فلسفة نظرية مُجَرَّدة وحسْب؛ بل هو سلوكٌ عملي، يظهر أثره في التصرُّفات والمعاملات؛ فقد وصفه عبدالله بن المبارك - رحمه الله - بأنه: "بسْط الوَجْه، وبذْل المعروف، وكف الأذى))، بسط الوجه؛ أي: طلاقته، وإشراقه عند مُقابَلة الناس، من غير عبوس ولا تقطيب، وذلك حقيقة البر:
بُنِيَّ إِنَّ البِرَّ شَيْءٌ هَيِّنُ وَجْهٌ طَلِيقٌ وَلِسَانٌ لَيِّنُ
لقد تَكَبْكَبَتِ الأحزان على نُفُوس كثير منَ الناس، وجثمتِ المآسي على صُدُورهم، واستسلموا لها حتى غابتْ عنهم الابتسامة أو كادتْ؛ أزيد من مليار شخص في العالَم مُصابُون باضطرابات نفسيَّة - حسب منظمة الصِّحَّة العالمية - وفي بلدنا (المغرب) - وحسب إحصاء لوزيرة الصحة -:

26% منَ المَغَارِبة يُعانون مِن مرض الاكتئاب، و

6.6 % يعانون منَ الوسواس القَهْري، و

5.6 % يعانون منَ الأمراض الذهانية، و

6.3% يعانون من الرهاب الاجتماعي، و

9 % يعانون منَ الخوف الداخلي العام، هؤلاءِ يحتاجون منَّا إلى اللمسة الحانية، والمبادرة المفرحة، والمعاملة الرفيقة اللطيفة.
أُحِبُّ الفَتَى يَنْفِي الفَوَاحِشَ سَمْعُهُ كَأَنَّ بِهِ عَنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ وَقْرَا
سَلِيمُ دَوَاعِي الصَّدْرِ لا طَالِبًا أَذًى وَلا مَانِعًا خَيْرًا وَلا قَائِلاً هُجْرَا
وتأمَّل في هذا الخلق العجيب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بَعَثَهُ الله رحمةً للنَّاس، قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "كنتُ أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثرتْ بها حاشية البرد، من شدة جَبْذَته - وعند مسلم: فجاذبه حتى انشقَّ البرد، وحتَّى بقيتْ حاشيته في عنق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك، فالْتَفَتَ رسول - صلى الله عليه وسلم - ثم ضحِك، ثم أمر له بعطاء"؛ متفق عليه.

بَنَيْتَ لَهُمْ مِنَ الأَخْلاَقِ رُكْنًا فَخَانُوا الرُّكْنَ فَانْهَدَمَ اضْطِرَابَا
وَكَانَ جَنَابُهُمْ فِيهَا مَهِيبَا وَلَلأَخْلاَقُ أَجْدَرُ أَنْ تُهَابَا
فأين نحن - عباد الله - من هذه الشِّيَم النبيلة، والأخلاق الرفيعة؟!

لماذا يكثر بيننا الغش والخداع؟ لماذا المحاكم مَلأَى بقضايا الظُّلم والاعتداء؟ لماذا الجريمة مُتَفَشِّيَة بيننا بمختلف صنوفِها وألوانها؟ ونتساءل - بعد ذلك -: لماذا لا يستجيبُ الله دعاءنا في ردِّ أعدائِنا عنَّا؟ يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم))؛ مسلم.

لمَّا كان المسلمون الفاتحون للأندلُس صادقين، قال فيهم أحد قادة لذْريق: "لقد نزل بأرضنا قوم، لا ندري أهبطوا من السماء، أم نبعوا من الأرض"، لكن ما لبثوا أن أضاعوا هذا الحصْن، حينما فسدتْ أخلاقُهم، وانشغلوا بالمَلَذَّات والتفاهات، قال أحد كتَّاب النصارى: "العرب هوَوْا حينما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب، يَميل إلى الخفَّة والمرح، والاسترسال بالشهوات"، {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100].

قيل لإبراهيم بن نصر الكرماني: "إنَّ الظالم فلانًا دخل مكَّة، فقتل وصنع، وكثر الدعاء عليه فلم يستجب للداعين؟ فقال: لأنَّ فيهم عشر خصال، فكيف يستجاب لهم؟ قالوا: وما هنَّ؟ قال:

الأول: أقرُّوا بالله، وتركوا أمره،

والثاني: قالوا: نحب الرسول، ولم يتبعوا سنته،

والثالث: قرؤوا القرآن، ولم يعملوا به، والرابع: زعموا حب الجنة، وتركوا طريقها،

والخامس: قالوا: نكره النار، وزاحموا طريقها،

والسادس: قالوا: إن إبليس عدونا، فوافقوه،

والسابع: دفنوا موتاهم، فلم يعتبروا،

والثامن: اشتغلوا بعيوب إخوانهم، ونسوا عيوبهم،

والتاسع: جمعوا المال، ونسوا يوم الحساب،

والعاشر: نفضوا القبور، وبنوا القصور".

أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ القَدَرُ
وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ
الخطبة الثانية
وإذا كان بسْط الوجه مِن صميم حُسن الخلق، فإنَّ بذْل المعروف، وكفَّ الأذى مِن أعْظم ركائِزِه، وبِغِيَابِهما كثُرتِ الخُصُومات، وتفاقمتِ المشادَّات.

فَمِن بذل المعروف: العفو والصفح، يقول - صلى الله عليه وسلم - مِن حديث عُقبة بن عامر - رضي الله عنه -: ((يا عقبة بن عامر، صِلْ مَن قطعك، وأعط مَن حرمك، واعفُ عمَّن ظلمك))؛ روه أحمد، وهو في الصحيحة، وقلَّة الصبر على العفو قد تُوقع في المهالك، وهاك مثالين لِمَنْ يتجاوز ويصفح، ولمن يغضب ويجنح:

الأوَّل: عن أم سلمة أنَّها أتتْ بطعام في صحفة لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - وكانت النوبة عند عائشة - فجاءتْ عائشة متزرة بكساء، ومعها فهر (حجر)، ففلقت به الصحفة، فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين فلقتي الصحفة، وقال: ((كلوا، غارت أمكم)) مرتين، ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحفة عائشة، فبعث بها إلى أم سلمة، وأعطى صحفة أم سلمة عائشة"؛ البخاري.

الثاني: عن وائل قال: "إنِّي لقاعد مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة (حبل مضفور من جلد)، فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أقتلتَه؟))، قال: نعم قتلته، قال: كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نحتطب من شجرة، فسبَّني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه، فقتلته"؛ مسلم.

فانظر إلى ذهاب المعروف بين الناس ماذا يفعل، وانظر إلى قلة العفو، وتقصُّد الأذى كيف تكون عاقبتهما؟ فاللَّهُمَّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، اللهُمَّ إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا، والأهل والمال، اللهم استر عوراتنا، وآمِنْ روعاتنا، اللهم احْفَظْنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الشِّرْك والمشركين، وانصُر عبادك المجاهدين، في فِلَسطين وسائر بلاد المسلمين، اللهم احفظ بلدنا آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين، اللهم مَن أراد بلاد المسلمين بِكَيْد، فاجْعل كيده في نحره، واجعل الدائرة عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: رد: ملف كامل عن مكارم الأخلاق   الإثنين 21 يناير - 5:40

سبق معنا في الحلقتين الماضيتين حديث عام حول موقع الأخلاق والآداب في الإسلام، وعرفنا أهمية هذا الجانب في صلاح الأمة الإسلامية، واستقامتها على الصراط السوي، الذي أمر به الله - عز وجل - في قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

ونود اليوم - إن شاء الله - وضمن "سلسلة مكارم الأخلاق"، أن نفصل في بعض هذه الأخلاق، وسنبدأ بصفة جليلة، عليها مدار النجاح، وفي كنفها سبيل الفلاح، إنها صفة "علو الهمة"، التي تميز النفوس العالية من السافلة، وتدفع إلى العمل الشريف، ونبذ الكسل والتواني.

وعلو الهمة - كما شرحه أهل العلم -: هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور.

ولا شك أن أعظم ما تبلِّغك همَّتُك أن تنجح في امتحان الآخرة، وتفوز بجنة الرضوان، وتكون في كنف عرش الرحمن؛ قال – تعالى -: {وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19].

قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "ارتحلَتِ الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بَنُون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل"؛ رواه البخاري.

فالمسلم لا ترضى همته بما دون الجنة؛ ولذلك يُكثِر من الطاعات، ويضاعف فعل الخيرات؛ ليرضي رب الأرض والسموات؛ قال – تعالى -: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وهم أصحاب الهمم العالية، وقال - تعالى - في بيان حقيقة الرجال: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 36، 37]، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - تعالى - يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها - حقيرها -))؛ "ص. الجامع"، ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((إن قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة (النخلة الصغيرة)، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها))؛ "ص. الأدب المفرد"؛ بل يأمرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - إذا ما سألْنا اللهَ - تعالى - أن تكون هممنا في المسألةِ عظيمةً، يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة))؛ البخاري.

ومع ذلك، بيَّن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن مِن الناس مَن يخلد إلى الدعة والراحة، ويعتقد أن النجاح على جناح الكسل، وأن الفوز منوط بالخمول، وليس الأمر كذلك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجلُ فيها راحلة (الصالحة للركوب)))؛ مسلم.

يعيش الواحد منا خمسين سنة، أو ستين، أو سبعين، وأعمار الناس، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما بين ستين إلى سبعين، وأقلهم من يجوز ذلك))؛ "ص. الترمذي"، وعند البخاري: ((أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجلَه حتى بلغ ستين سنة))، وعند الترمذي بسند حسن، يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((خير الناس مَن طال عمره، وحسُن عمله، وشر الناس مَن طال عمره، وساء عمله))، أقول: من الناس من يعيش كل هذه السنين، فإذا تأمل، وجد أنه كان يأكل ويشرب وينام، ولسان حاله في الدنيا يقول:
إِنَّمَا الدُّنْيَا طَعَامٌ وَشَرَابٌ وَمَنَامُ فَإِذَا فَاتَكَ هَذَا فَعَلَى الدُّنْيَا السَّلاَمُ
وفي الآخرة يقول: {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56]، ويقول: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء: 73]، سأل معاوية بن أبي سفيان صعصعة بن صوحان - وكان من حكماء العرب - فقال: "يا ابن صوحان، صف لي الناس، فقال: خلق الله الناس أطوارًا: فطائفة للسيادة والولاية، وطائفة للفقه والسنة، وطائفة للبأس والنجدة، وطائفة رِجرِجة بين ذلك، يُغلون السعر، ويُكَدِّرون الماء، إذا اجتمعوا ضروا، وإذا تفرقوا لم يُعْرفوا".

قال أحد الصالحين: "همتَك فاحفظها؛ فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمَن صلَحت له همته، وصدق فيها، صلح له ما وراء ذلك من الأعمال"، وهل تعتقد أن نيل المنى يتم بغير تعب ولا نصب، وأن الذين اشتهروا بالعبادة والصلاح، أو بالمراكز العالية المرموقة كانوا ساكنين خاملين؟ كلاَّ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من خاف أدلج (سار من أول الليل؛ أي: شمر في الطاعة)، ومَن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)) "ص. الترمذي".
أَحْزَانُ قَلْبِي لاَ تَزُولْ حَتَّى أُبَشَّرَ بِالقَبُولْ
وَأَرَى كِتَابِي بِاليَمِينْ وَتُسَرَّ عَيْنِي بِالرَّسُولْ
يقول ابن ناصر السعدي - رحمه الله - في "تفسيره": "كلما عظم المطلوب، عظمت وسيلته، فلا تنال الراحة إلا بترك الراحة، ولا النعيم إلا بترك النعيم".
بَصُرْتَ بِالرَّاحَةِ الكُبْرَى فَلَمْ تَرَهَا تُنَالُ إِلاَّ عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ
فيا أيها الشباب الذين شغلوا زهرة عمرهم باللهو والخفة، واهتبال النزوات، واقتناص الشهوات:
ارفعوا من هممكم، وارفعوا هاماتكم، فالكسل قرين الخفوق، والخمول قرين الرسوب، قال أبو زيد: "ما زلت أقود نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك"، وقال محمد بن عبدالباقي: "ما أعلم أني ضيعت ساعة من عمري في لهو أو لعب"، ولما سئل الشعبي - رحمه الله -: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: "بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور الغراب".

واسمع يا من يتكاسل عن صلاة الصبح، ويتأخر عن الصلوات الأخرى، فلا يدخل المسجد إلا وهو يلهث من السرعة، يدرك ركعة أو ركعتين، من غير خشوع ولا تدبُّر، هذا وكيع يقول: "كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة، لم تفُتْه التكبيرةُ الأولى، واختلفتُ إليه أكثر من ستين سنة، فما رأيته يقضي ركعة"؛ {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35]، وقد قيل للإمام أحمد: "متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم في الجنة".
إِذَا مَا مَضَى يَوْمٌ وَلَمْ أَصْطَنِعْ يَدًا وَلَمْ أَقْتَبِسْ عِلْمًا فَمَا هُوَ مِنْ عُمْرِي


الخطبة الثانية
تظهر قيمة علوِّ الهمَّة في محاربة البَطالة والفراغِ القاتل، ومقاومة الإحساسِ باليأس والاكتئاب، الذي يغذيه شعار الوجوديين: "لا حَل إلا اليأس"، وهو ما يفسر حدوث انتحار في العالم كل 40 ثانية، ففي العالم ما يقارب 200 مليون عاطل، في العالم العربي منهم ما يقارب 30 مليونًا، ويتوقع أن يضاف إليهم 51 مليونًا آخرين في سنة 2009؛ بسبب الأزمة المالية، فكانت النتيجة أن تعاظَم الإحساس بالحقد وحب الانتقام، فكثرت الجرائم، والاعتداء على ممتلكات الغير.

فالدراسات الوطنية الرسمية تقول: إن عدد قضايا الإجرام خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2008، فاق عدد جرائم 2007 كاملة، وبلغ قرابة 220000 جريمة، ليس لها من مسوغ إلا أن بعض الشباب أرادوا الوصول إلى النجاح بالطرق الحرام، وتركوا طرق الحلال؛ حتى مَن أنعم الله عليهم بالوظيفة، لم يقنعوا بما في أيديهم، فطلبوا ما في أيدي الناس، وعلى الرغم من تشريع 300 قانون لمحاربة الغش في المغرب، نجد أن 6 % من مجموع المعاملات المالية هي معاملات غش، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يحذر ويقول: ((مَن غشَّنا فليس منا))؛ مسلم، ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((والمكر، والخديعة، والخيانة في النار))؛ "ص. الترغيب".

وسَجلت وزارة التربية الوطنية أن غياب الموظفين وصل إلى مليوني يوم غياب بمسوغ، وبلا مسوغ، مما كلف الدولة 50 مليار سنتيم، وهو ما يعادل ميزانية بناء 100 مؤسسة تعليمية.

إن همة المسلم تدفعه ليرضى بالحلال وإن كان قليلاً، وينفر من الحرام وإن كان كثيرًا؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ازهد في الدنيا، يحبَّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس، يحبَّك الناس))؛ "ص. ابن ماجه".

"من همم الكبار"
مضى معنا - في الحلقة الماضية - حديث حول علوِّ الهمة، وعظيم فائدته في بلوغ أشرف الأمور، وعدم الرضا بخسيسها وسفسافها، ونودُّ اليوم أن نعرفَ - إن شاء الله - بعض النماذج من هِمَم الكبار، الذين مضوا، فتركوا بصماتهم في جبين التاريخ، تكتب بسيرهم الملاحم، ويستضيء بهممهم الراغبون في الفوز بخيري الدنيا والآخرة.

وسوف ترى من خلال قصصهم العجيبة أنك أمام قوم لا نكاد نمتُّ إليهم بصلة، إلا بأسمائنا، وأنسابنا، وبعض عاداتنا؛ ولكنَّها سنَّة الله في خَلْقه، أن جعل منهم رجالاً مؤهَّلين لِحَمْل لواء دعوته، والدِّفاع عنها بالغالي والنفيس؛ يُصَدِّقُ ذلك قولُ الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله - عز وجل))؛ متفق عليه.

فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحبُ أعلى همة في الوجود، يقول عنه عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير، فقام وقد أَثَّرَ في جنْبِه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء، فقال: ((ما لي وللدنيا، ما أنا في الدُّنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرة، ثم راح وتركها))[1]، نعم، إنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي عَلَّم صحابته كيف تُهْتبل الأوقات، وتُستغلُّ الخلوات، فكان هو وصحابته أَمَنَةً لنا وأمنا.
فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالكِرَامِ فَلاحُ
- يمتحن النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابةَ الكرام؛ ليعرف أعلاهم همة، فيسألهم قائلاً: ((مَن أصبح منكم اليوم صائمًا؟))، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: أنا، قال: ((فمَن تبع منكم اليوم جنازة؟))، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: أنا، قال: ((فمَن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟))، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: أنا، قال: ((فمَن عاد منكم اليوم مريضًا؟))، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: أنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة))[2]؛ ولذلك صدق فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لو كنت متخذًا خليلاً، لاتَّخَذت أبا بكر خليلاً، ولكنه أخي وصاحبي))؛ متفق عليه.
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ
- وهذا أبو هريرة، كان رجلاً فقيرًا مُعدَمًا، وظيفته خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجرته أن يملأ بطنه، قال: "كنتُ امرأ مسكينًا ألزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مِلْءِ بطني"؛ متفق عليه، وكان يقول: "آلله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنتُ لأشد الحَجَر على بطني من الجوع"؛ البخاري، ويقول الناس: مجنون، وما بي إلا الجوع، كان باستطاعته أن يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوَ الله له أن يُعطَى شيئًا منَ الدنيا، ولكن سؤاله كان قوله: "يا رسول الله، إنِّي سمعتُ منك حديثًا كثيرًا فأنساه، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ابسط رداءك))، فبسطتُه، فغرف بيديه فيه ثم قال: ((ضُمَّه))، فضممتُه، فما نسيتُ حديثًا بعدُ"؛ البخاري.

ولذلك استحق أن يكون أروى الصحابة لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عنه الإمام الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره"، وقال عنه البخاري: "روى عن أبي هريرة نحو ثمانمائة أو أكثر من الصحابة والتابعين وأهل العلم".

لهذا كان أبو هريرة سبَّاقًا إلى السؤال عن مصيره في الآخرة، فقال: يا رسول الله، مَن أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لقد ظننت - يا أبا هريرة - ألا يسألني عن هذا الحديثَ أحدٌ أَوَّلُ منك، لما رأيتُ من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)).

وكان من طلباته أن يشرحَ اللهُ صدر أمِّه للإسلام، قال أبو هريرة: "كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أكره، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادعُ الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم اهد أم أبي هريرة))، فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف (مغلق)، فسمعتْ أمي خشف قدمي (صوتهما على الأرض)، فقالت: مكانَك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضة الماء، قال: فاغتسلتْ، ولبستْ درعها (قميصها)، وعَجِلت عن خمارها، ففتحتِ الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا، قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يُحَبِّبَني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويُحَبِّبَهُم إلينا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذا وأمَّه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين، قال: فما خُلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني"؛ مسلم.
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ إِذَا جَمَّعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ
- ومثله ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - الذي قال: "كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل))، فقلت: أسالك مرافقتك في الجنة، قال: ((أوغير ذلك؟))، قلت: هو ذاك، قال: ((فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود))[3].

- هل تصدق أن داود بن أبى هند صام أربعين سنة، لا يعلم به أهله، ولا أحد من الناس؟ كان خبازًا، فيحمل معه طعامه من عند أهله، فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشيًّا، فيفطر معهم، فيظن أهل السوق أنه قد أكل في البيت، ويظن أهله أنه قد أكل في السوق.

- قال عمر بن عبدالعزيز: "إن لي نفسًا توَّاقة، وما حققت شيئًا إلاَّ تاقت نفسي لما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى الزواج من بنت عمي فاطمة، فتزوجت، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة، فوليتها، ثم تاقت نفسي إلى الخلافة، فنلتها، والآن : تاقت نفسي إلى الجنة، فأرجو أن أكون من أهلها".

- عن القاسم بن محمد قال: "كنا نسافر مع ابن المبارك، فكثيرًا ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي: بأي شيء فضل هذا الرجل علينا، حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة؟ إن كان يصلي إنا لنصلي، وإن كان يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنَّا لنغزو، وإن كان يحج إنا لنحج، قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام، فتعشى ليلة في بيت، إذ طفئ السراج، فقام بعضنا فأخذ السراج، وأخذ يستطلع، فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه ابن المبارك، ولحيتُه قد ابتلَّت من الدموع، فقلت في نفسي: بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج وصار إلى ظلمة، ذَكَر القيامة".

هذا عن الرجال، فماذا عن النساء؟


هكذا يكون التنافس في الخيرات، والتسابُق إلى أعلى الدرجات، يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "يرحم الله أبا بكر، ما سبقته إلى خير قط إلا سبقني إليه"، ويقول أبو مسلم الخولاني: "أيظن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يسبقونا، والله لننافسنَّهم فيه".
اصْحَبْ خِيَارَ النَّاسِ حَيْثُ لَقِيتَهُمْ خَيْرُ الصَّحَابَةِ مَنْ يَكُونُ عَفِيفا
وَالنَّاسُ مِثْلُ دَرَاهِمٍ مَيَّزْتَهَا فَوَجَدْتَ مِنْهَا فِضَّةً وَزُيُوفَا


الخطبة الثانية
- أما همم الصغار، فكانتْ كهمم الكبار؛ لأن المدرسة واحدة، والمشارب واحدة؛ فعن سهل بن سعد الساعدي: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام (هو عبدالله بن عباس)، وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فتله (وضعه) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يده"؛ متفق عليه.

- وفي امتحان آخر للصحابة الكرام، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ منَ الشَّجَر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدِّثوني: ما هي؟))، فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة، قال عبدالله: فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله، أخبرنا بها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((هي النخلة))، قال عبدالله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتَها، أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا؛ متفق عليه.

هذه هِمَم السَّلف، رجالِهم ونسائِهم وأطفالِهم، أما نحن، فهمم كثير منا تكاد لا تعدو حطام الدنيا، إن أنفقنا فبتقتير، وإن أعطينا فبمَنٍّ وتقصير، وإن استُنصرنا فجبن وتأخير، وإن تكلمنا فعويل وزفير، مشغول بعضنا ببعض إلا من رحم الله، فمَن منَّا اتَّصَل بهاتفه المحمول جهة غزة ليواسي أحد أفرادها؟ وهذه قنوات مالية لمناصرة المنكوبين في فلسطين، فمَن بعث بشيء من ماله أو زكاته؟ وهذه قوافل الأدوية تشق طريقها إلى غزة المحاصرة، فمن تحركت أريحيته؟ والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويُرَدُّ على أقصاهم))[4].

امرأة أردنية على فراش الموت، أوصتْ أبناءها بتقديم مصاغها الذهبي لسكان غزة، والتبرع أيضًا بنفقات عزائها دعمًا لهم ولصمودهم، إن الأقصى يجأر بصوته مناديًا:
ظَفِرَتْ بِنَا الأَعْدَاءُ يَوْمَ وَدَاعِكُمْ فَدِمَاؤُنَا فَوْقَ الدِّمَاءِ تُرَاقُ
هُتِكَ السِّتَارُ وَقُطِّعَتْ أَوْصَالُنَا وَنِسَاؤُنَا نَحْوَ الهَوَانِ تُسَاقُ
أَوَهَكَذَا يَنْسَى الحَبِيبُ حَبِيبَهُ بِحُطَامِ دُنْيَا مَا لَهَا مَيثَاقُ

ــــــــــــــــــــ
[1] ص. ابن ماجه.
[2] رواه مسلم.
[3] مسلم.
[4] ص. ابن ماجه.
- وعن عبد الله ابن أخت مسلم بن سعد أنه قال: "أردت الحج، فدفع إلي خالي مسلم عشرة آلاف درهم، وقال لي: إذا قدمت المدينة، فانظر أفقر أهل بيت بالمدينة فأعطهم إياها، فلما دخلت، سألت عن أفقر أهل بيت بالمدينة، فدللت على أهل بيت، فطرقت الباب، فأجابتني امرأة: من أنت؟ فقلت: أنا رجل من أهل بغداد، أُودِعتُ عشرة آلاف درهم، وأمرت أن أسلمها إلى أفقر أهل بيت بالمدينة، وقد وصفوكم لي فخذوها، فقالت: يا عبد الله، إن صاحبك اشترط أفقر أهل بيت، وهؤلاء الذين بإزائنا أفقر منا، فتركتهم وأتيت إلى أولئك، فطرقت الباب، فأجابتني امرأة، فقلت لها: مثل الذي قلت لتلك المرأة، فقالت: يا عبد الله، نحن وجيراننا في الفقر سواء، فاقسمها بيننا وبينهم"، وصدق الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: رد: ملف كامل عن مكارم الأخلاق   الإثنين 21 يناير - 5:43

وقفة مع عيد الحب
في إطار سلسلة مكارم الأخلاق، تستوقفنا مناسبة يفرحُ بها عدد كبير من البشر على وَجْه هذه البسيطة، مِمَّن زُيِّن لهم رخص عملهم وهوانه، فرَأَوه حسنًا.

أمَّا موعدُها فهو الرابعَ عشرَ من كلِّ شهر فبراير، وأما المناسبة فهي عيدٌ يحتفل به الغربيون وكنائسهم في كل مكان، ويُرمَز له باللَّون الأحمر؛ حيث يلبسون فيه الأحمر، يتبادلون فيه الرسائل والهدايا ذات اللون الأحمر، خاصَّة الورود التي يغلو ثَمنها هذه الأيام ليقاربَ مائتي درهم؛ ليصير كلُّ ما له لون أحمر باهظَ الثمن، إلاَّ دماءَ المسلمين، التي صارت أرخصَ من الماء، وأهون من ذُباب تحت أديم السماء، إنَّه ما يُسمَّى عندهم: (عيد الحب)، أو (عيد العشَّاق)، أو (فالنتاين).

وما كان لنا أن نذكر هذا اليوم لولا انتشارُ أمره بين شباب المسلمين في شتَّى البقاع، وقد فوجئتُ قبل أربعة أيام، حين وقفت على رسائل تنشر عَبْر الهاتف المحمول، من طرف شركات تِجارية تُخفِّض مَبيعاتِها بمناسبة هذا اليوم، وحين رأيتُ على صفحات (الإنترنت) رسائل التَّهاني، وتبادل عبارات العِشق والغرام، تحت غطاء الوُد والمحبة.

وقِصَّة هذا اليوم أنَّ إمبراطورًا رومانيًّا - في أواخر القرن الثالث الميلادي - حَرَّم الزَّواج على الجنود؛ حتى لا يشغلهم عن خَوْض الحروب، لكن القديس (فالنتاين) تصدَّى لهذا الحكم، وكان يُتم عقودَ الزواج سرًّا، ولكن افتضح أمرُه ودخل السجن، فافتتن ببنت السجَّان؛ ليحكم عليه بالإعدام، أو يرجع عن النَّصرانية إلى دين الرُّومان، فأبى ذلك، ونُفِّذَ فيه الحكم، وكان ذلك في 14 من فبراير سنة 270 ميلادية، فعَظُم أمره، وسطع نَجمه؛ باعتباره أنه قد فَدَى الكنيسة بنفسه، فاعتُبِرَ ذلك اليوم عيدًا للمحبِّين والعشَّاق، وسبيلاً لربط العلاقات المشبوهة بين الرجال والنِّساء؛ حيثُ صار من مظاهره أن يجتمع الفتيان والفتيات، فتكتبُ أسماءُ الفتيات على وُرَيقات، وتوضع في صندوق، ثُمَّ يأخذ كلُّ فتًى وُريقة، فالتي يَطلُع اسمها يصطحبها إلى حيث يشاءان، فصارت المناسبة مناسبة جنسيَّة بامتياز، حتَّى إن المدارس الثانويَّة والجامعات تستعدُّ لهذا اليوم بتأمين الأكياس الواقية؛ خوفًا من انتشار الأمراض الجنسية.

ولا شكَّ أن الأعياد من خصائص الأديان التي تَميَّز بعضُها عن بعض، وقد أَمَرنا شرعُنا بالتزام أعيادنا، وعدم التشبُّه بغيرنا في الاحتفال بأعيادهم؛ قال تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُم نَاسِكُوهُ} [الحج: 67]، وقال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُم شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48].

وفي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72]؛ قال ابن سيرين: "هو الشَّعانين"؛ عيدٌ من أعياد النصارى، وقال مجاهد: هو "أعياد المشركين".

وفي حديث عائشة: "إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يا أبا بكر، إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا))"؛ متفقٌ عليه.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يوم عرفة، ويوم النَّحر، وأيام التشريق - عيدُنا أهلَ الإسلام، وهي أيام أكل وشرب))؛ صحيح أبي داود.

وعن أنسٍ قال: "قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما؛ فقال: ((ما هذان اليومان؟)). قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يومَ الأضحى، ويومَ الفطر))"؛ صحيح أبي داود.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس منَّا مَنْ تشبَّه بغيرنا))؛ الترمذي، وهو حديثٌ حسنٌ.
ليس الحب في الإسلام نزوةً زائلةً، تحرك الشهوات، وتثير في القلوب الأمراض، وليس مقصورًا على يوم بعينه؛ بل هو عاطفة تجمع المتحابِّين على الدوام، ما دامت مقيَّدة بشرع الله؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ أوثق عُرَى الإسلام: أنْ تُحب في الله، وتبغض في الله))؛ صحيح الجامع.

ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذَا أحبَّ الرجلُ أخاهُ؛ فليخبره أنه يحبه))؛ صحيح ابن ماجه.

ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا، أوَلا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم))؛ مسلم، فقال: ((أفشوا السلام بينكم))، ولم يقل أفشوا الرَّذيلة والفساد بينكم.

وليس المقصود بالسلام معناه المادي وحسب، وإنما - أيضًا - السلام النفسي، والسلام الرُّوحي، والسلام الخُلُقي؛ قال البخاري: "وقال عمار: ثلاثٌ مَنْ جمعهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار".

وفي إطار العلاقة الزوجية، يقول ربنا - جلَّ وعلا -: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنْ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

ففي دراسة أجرتها جامعة القاهرة، في مقارنةٍ بين ما سَمَّوه: "الزواج التقليدي"، المبني على شرع الله، وبين ما يُسمَّى: "زواج الحب"، الذي يُسْبَق بقصص غرامية، وبعلاقات قد تكون غير شرعية - كانت النتيجة أن الزواج الذي يأتي بعد قصة حب تنتهي 88% من حالاته بالفشل؛ أيْ: بنسبة نجاح لا تتجاوز 12%، وأما الزواج التقليدي فقد حقق 70% من حالات النجاح؛ أي ستة أضعاف زواج العلاقات قبل الزواج.

فكيف ننتظر بعد هذا أن يُلقننا الغربيون دروسَ العلاقات الزوجية، ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - يضرب لنا أرْوَع الأمثلة في معاملة الأزواج بعضهم مع بعض؛ حيث كان - صلى الله عليه وسلم - يحرص أن يشربَ من الموضع الذي تشرب منه زوجته عائشة - رضي الله عنها - وفي مرض موته يستاك بسواكها، ويَموت - صلى الله عليه وسلم - على صدرها، بين سَحْرها ونحرها؛ ليقولَ لنا بعد ذلك: ((خيركم، خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))؛ صحيح ابن ماجه، ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخر))؛ مسلم.

وتقول عائشة - رضي الله عنها -: "ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يُجاهد في سبيل الله))؛ مسلم.

فانظر - رعاك الله - إلى ما يجري في الدول المتحضِّرة، التي تريد أن نحتفل معها بعيد الحب:
- جاء في دراسة في إحدى أكثر الدول تقدمًا عام 1998م، أن 79% من الرجال يقومون بضرب النساء، خاصَّة إذا كانوا متزوجين.
- وفي دراسة أعدَّها "المكتب الوطني للصحة النفسية" في تلك الدولة المتقدِّمة، أن 17% من النساء اللاَّتي يدخلن غرف الإسعاف - من ضحايا ضرب الأزواج أو الأصدقاء.
- ونشرت مجلة غربية مشهورة جدًّا: "إنَّ قرابة 4000 زوجة من ستة ملايين زوجة مضروبة - يَمُتْنَ نتيجة ذلك الضرب.
- وجاء في دراسة أخرى في بلد أوربي متحضر جدًّا: "إنَّ ما لا يقل عن 100 ألف امرأة، يتعرَّضْن سنويًّا لأعمال العُنف الجسدي أو النَّفسي، التي يمارسها عليهن الأزواج أو الأصدقاء.
- ويكفي أن تعلم أن في دولة أوربية قريبة منا، توزع حبوب الإجهاض في المدارس؛ لتسهيل عملية الرذيلة، وخوفًا من الوقوع في الحرج بسبب الممارسات غير الشرعية، فماذا كانت النتيجة؟ 300 ألف مولود سنويًّا بلا أب شرعي، وفي دولة أخرى يولد طفل من كل عشرة من مراهقة؛ لنصل - حسب الأمم المتحدة - إلى40 مليون حالة إجهاض في العالم، تموت 70 ألف امرأة من هؤلاء المجهضات، وأكثر من 30 مليون حالة منهن غير قانونية، ونسبة المراهقات منهن 60%.

غير أن المؤسف أنْ نَجد بعض شبابنا في بلدنا قد تأثروا بهذه الصيحات، واقتَفَوا أَثَر هؤلاء في ضلالهم، وازْورُّوا عن هَدْي كتاب الله، وتنكبوا عن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فكانت النتيجة مهولة جدًّا - حسب الدراسة الميدانية التي أشرفت عليها الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، وأعلنت عن نتائجها بداية سنة 2008 -: ما يقرب من 1000 حالة حمل غير مرغوب فيه يوميًّا، وما يقرب من 600 حالة إجهاض يوميًّا، من طرف أطباء متخصصين وغير متخصصين، "21 طبيبًا منهم يقبعون الآن في السجن؛ بسبب الإجهاض غير الشرعي، منذ سنة وثلاثة أشهر من الآن"، تشكل النِّساء المتزوجات منهن 52 %، في حين تشكل العَزَبَاتُ 42 %، و المطلقات والأرامل 6 %.

فاتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في أبنائكم وبناتكم.
مَرَرْتُ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَهْيَ تَبْكِي فَقُلْتُ: عَلامَ تَنْتَحِبُ الْفَتَاةُ؟
فَقَالَتْ: كَيْفَ لا أَبْكِي وَأَهْلِي جَمِيعًا دُونَ خَلْقِ اللهِ مَاتُوا


الخطبة الثانية
لقد تنبَّه بعضُ هؤلاء الغربيين الذين نتحدث عنهم إلى خطورة الوضع الأخلاقي عندهم، فصاروا يبحثون عن مخرج لأزمتهم، فلم يجدوا إلا سَنَّ قوانين تحدُّ من هذه الميوعة والتفسخ:
- فقد أعلنت السلطات الصينية عن إغلاقِ 1250 موقع إنترنت غير مشروع، غالبيتها تتضمن موادَّ إباحية ومُخلة بالآداب العامة، ومَسْحِ ما يزيد عن ثلاثة ملايين مادَّة، وذلك خلال حملة انطلقت في 5 يناير الماضي.
- وفي دولة مُتقدمة، أنشئت منظمة مكوَّنة من 30 فتاة عذراء، تحمل اسم "الخاتم الفضي"، قُمْنَ بمهمة لنصح المراهقات بأنَّ السبيل الوحيد لتحقيق الأمان في حياتهن، هو المحافظة على العِفَّة، ويدعونَهُن إلى وضْعِ خاتم فِضِّي في أُصْبعهن؛ لتأكيد تمسكهن بعفتهن حتى الزواج.
- وتقول وزيرة إحدى الدول الغربية، مكلفة بشؤون التعليم المدرسي، بعد أنْ سمحت للممرضين والأطباء العاملين في المدارس بتوزيع حُبُوب الإجهاض على المراهقات - تقول بنبرة من الحزن والأسى: "المراهقات عندنا يُعانين إحباطًا كبيرًا، لا سيما بسبب الحمل المبكر؛ إذ سُجِّلت أكثر من 10 آلاف حالة، وأريد معالجة هذا الوضع المُلِحِّ".
دَوَاؤُكَ فِيكَ وَمَا تَشْعُرُ وَدَاؤُكَ مِنْكَ وَمَا تُبْصِرُ
إنَّ العلاج الربَّاني ليس بحبوب منع الحيض، ولا بالعازل الطبي، ولا بحبوب الإجهاض، إنَّه بالرجوع إلى كتاب الله، وسنة رسوله؛ {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقْد كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليْوَمْ تُنْسَى} [طه: 123-126].


يَحلُّ شهر ربيع الأول، فترى المسلمين يذكرون مناسبة ميلاد الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويعبرون عن حُبِّهم له، وتقديرهم لشخصه، وتعظيمهم لجنابه، واستحضار سيرته العطرة، ومواقفه الدَّعوية المُشرِقة، وهو الذي أحيا الأُمَّة بعد موات، وأيقظ العقلَ بعد سُبات، وزكَّى النُّفوس بالطاعة والإخبات؛ {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2].

غير أنَّ بعضَ الناس عبروا عن حُبِّهم بشيء من التجاوُز والمغالاة، فأطْرَوا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بما حذَّر منه، حين قال: ((لا تُطْروني كما أطْرت النَّصارى ابن مريم، فإنَّما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله))؛ مُتفق عليه.

والحب الحقيقي ليس بذكره في يوم ونسيانه في باقي أيَّام السنة، وليس بألفاظ الثَّناء والتمجيد، ونسيان أعمال الطاعة والتطبيق، فرسولنا الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يُبعث إلاَّ أسوة لنا؛ لنقتدي به في الصغيرة والكبيرة، ونسير على هَدْيِه في السَّرَّاء والضَّرَّاء؛ كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وكما قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

ومَحَبَّة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - تقتضي تفضيله على كلِّ غال ونفيس؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فوالذي نفسي بيده، لا يُؤمن أحدكم حتَّى أكونَ أحب إليه من والده وولده والنَّاس أجمعين))؛ متفق عليه؛ أي: أنْ تُفَضله على كل عزيز، قال بدر الدين العيني: "فكأنه قال: حتَّى أكون أحبَّ إليه من أعزته"، بل وأحب إليك من نفسك أيضًا؛ كما قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6].

وعن عبدالله بن هشام قال: "كنَّا مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو آخذٌ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحبُّ إلي من كل شيء إلاَّ من نفسي، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك))، فقال له عمر: فإنه الآن - والله - لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الآن يا عمر))"؛ البخاري.

وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، وجد حلاوة الإيمان: أنْ يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأنْ يُحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يعودَ في الكُفر كما يكره أن يُقذفَ في النَّار"؛ متفق عليه.

قال حسان:
فإنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ محمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ


وأعظمُ صفةٍ تُحقق هذه المحبة: الاقتداء به، واتِّباع أوامره؛ لذلك قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]؛ قال الحسن البصري: "زعم قوم أنَّهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية".

وقال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كلِّ مَن ادَّعى مَحبة الله، وليس هو على الطَّريقة المحمديَّة، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتَّى يتَّبع الشرع المحمديَّ والدينَ النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله؛ كما ثَبَتَ في الصحيح عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ))".

قال القاضي عياض في "الشفا": "فمن اتَّصف بهذه الصِّفة – يعني: الاقتداء - فهو كاملُ المحبة لله ورسوله، ومن خالفها في بعض هذه الأمور، فهو ناقص المحبة، و لا يَخرج عن اسمها، ودليله قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - للذي حَدَّه في الخمر، فلعنه بعضهم، وقال: ما أكثرَ ما يُؤتى به! فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلاَّ أنه يحب الله ورسوله))"؛ البخاري.

وتَأَمَّل في كلام ابن القيِّم، فإنَّه نفيس قيِّم، يقول رحمه الله: "فمُحِبُّ الله ورسوله، يغار لله ورسوله على قَدْر مَحبته وإجلاله، وإذا خلا قلبه من الغَيْرة لله ولرسوله، فهو من المحبة أخلى، وإنْ زَعَمَ أنَّه من المُحِبِّين، فكيف يصحُّ لعبد أنْ يَدَّعِيَ مَحبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت، ولا لحقوقه إذا ضُيِّعت؟!"، فأين غيرتنا نحن على محارم الله التي تنتهك، وحدوده التي تتجاوز؟! أين حُبُّنا لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لما صَوَّرته الأيادي الآثمة، وعبثت بعرضه الأقلامُ المسمومة، أمْ إنَّنا انشغلنا بدُنيانا عن ديننا، وبذواتنا عن أمتنا؟!

نُرَقِّعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيقِ دِينِنِا فَلاَ دِينُنَا يَبْقَى وَلاَ مَا نُرَقِّعُ


تأمَّل في صنيع الصحابة الكرام الذين كانوا يَعرفون المحبة والاقتداء حقَّ المعرفة، وأنا مقتصر على أربعة أمثلة:
1- لما نزل قولُ الله - تعالى -: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، "مَرَّ رجل كان يصلي مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - على قوم من الأنصار يصلون - وهم ركوع - نحو بيت المقدس، فقال: أشهد أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد وُجِّه إلى الكعبة، فَتَحَرَّفوا نحو الكعبة"؛ متفق عليه، فكم منَّا من يسمعُ حديثَ رسول الله يذكر، ولا يأبهُ له، ولا يلتفت إليه، ويزعم - مع ذلك - مَحبة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم!

وكم مِنَّا من تراه مقيمًا على المعصية، مُصِرًّا على الخطيئة، فإذا حذَّرته منها، وذكرت له حديثَ رسول الله اشمأزَّ منك! {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45].

ولم يبالغ الحكيم حين قال:
أَبُنَيَّ إِنَّ مِنَ الرِّجَالِ بَهِيمَةً فِي صُورَةِ الرَّجُلِ السَّمِيعِ المُبْصِرِ
فَطِنًا بِكُلِّ مُصِيبَةٍ فِي مَالِهِ وَإِذَا أُصِيبَ بِدِينِهِ لَمْ يَشْعُرِ


قال عبدالله بن عباس: "إنَّا كنَّا إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ابتدرته أبصارُنا، وأصغينا إليه بآذاننا"؛ فما بالُ قلوبنا اليومَ باردة تجاه سُنَّة رسول الله، عَصِيَّة على الاقتداء به، مُزوَرَّة عن الاهتداء بهديه؟!

2- قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "كنت في بيت أبي طلحة، وعنده أُبَيُّ بن كعب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسهيل بن بيضاء، وأنا أسقيهم شرابًا، حتَّى إذا أخذ فيهم، إذا رجلٌ من المسلمين يُنادي: ألاَ إنَّ الخمر قد حُرِّمت، فوالله ما انتظروا حتَّى يعلموا، أو يسألوا عن ذلك، فقالوا: يا أنسُ، أَكْفِئْ ما في إنائك، قال: فكفأته، فما عادوا فيها حتَّى لقوا الله"؛ مسلم.

قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا



الخطبة الثانية
3 - عن ابن عمر قال: "اتَّخذ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خَاتَمًا من ذهب، فاتَّخذ الناس خواتيم الذَّهب، فألقى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خَاتَمَه، وقال: ((لا ألبسه أبدًا))، وألقى الناس خواتيمهم"؛ متفق عليه.

وعن عبدالله بن عباس - رضي الله عنه -: "أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى خَاتَمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه وقال: ((يَعْمدُ أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده؟!))، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: خُذْ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم"؛ مسلم.

ولقد رأينا كثيرًا من النَّاس قد تزيَّنوا بخاتم الذَّهب، فلما نُصِحوا بهدي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في ذلك، كانوا ثلاثةَ أصناف:
بعضهم لا يعلم تحريمه، فشرح الله صَدْره للحق، فسارع إلى نزعه.

وبعضهم على عِلْمٍ بالتَّحريم؛ ولكنَّه مُكابر متَّبع لهواه، وهذا لا حيلةَ معه إلاَّ أن يهديه الله تعالى.

وبعضهم يعترف بالتحريم؛ ولكنْ يعتذر بما لا يقبله الشَّرع، كأنْ يعتذر بأنَّها عادته، أو عادة أسرته، أو أنَّه خاتم الخِطبة أو الزواج، أو ما أشبه ذلك.

4- عن عبدالله بن عمر قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذَنَّكُم إليها))، فقال ابنه بلال: "والله لَنَمْنَعُهُنَّ"، فأقبل عليه عبدالله، فسَبَّه سبًّا سيِّئًا، ما سمعته سبَّه مثله قطُّ - وفي لفظ: فضرب في صدره - وقال: "أخبرك عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتقول: "والله لَنَمْنَعُهُنَّ"؟"؛ مسلم.

قال النووي: "فيه تعزير المعترض على السُّنة، والمعارض لها برأيه".

فلا مَحبَّةَ لمن يكذب وهو يعلمُ أنَّ الرسولَ نهاه عن الكذب، ولا مَحبة لمن يغتاب الناس، وهو يعلم أنَّ الرسول شدَّد في تحريم الغِيبة، ولا مَحبة لمن يسرق وهو يعلم أن الرسول نَهى عن السَّرقة.

ورحم الله القائل:
تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ شَنِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: رد: ملف كامل عن مكارم الأخلاق   الإثنين 21 يناير - 5:44

المحبة (2)
في إطار سلسلة مكارم الأخلاق، وبمناسبة الموضوع الذي تناولناه آنفًا، حول أهمية حبِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووُجُوب استحضار سنَّته في كلِّ لحظات أعمارنا، والعمل بها في كلِّ مناحي حياتنا، فإننا اليوم سنعمق النظر في صفة "المحبة"، لنزنَ أنفسنا بميزان الشرع، فنعرف درجة اقتدائنا برسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - ومدى احترامنا لأوامره ونصائحه، في وقتٍ استغلَّ فيه أعداءُ الله ضَعْف هذه المحبَّة في نفوسنا، فرمَونا عن قوس واحدة، فاستَهزَؤُوا بديننا، وسفهوا معتقداتنا، وحاولوا تشويه صورة نبينا - صلى الله عليه وسلم - حتى قال قائلُهم - حين استولوا على بيت المقدس عام 1967 -: "محمد مات، خَلَّف بنات"، مع أن أبا مسلم الخولاني قال: "أيظن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يستأثروا به دوننا، والله لنزاحمنهم عليه زِحامًا، حتى يعلموا أنهم قد خلَّفوا وراءهم رجالاً"، وصرخ الآخر قائلاً: "لن يتوقَّفَ سعيُنا نحو تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليبُ في مكة، ويقام قُدَّاس الأَحَد في المدينة"، مع أنَّ المغاربة يتنصر منهم قرابة 1000 كل سنة، لوجود أكثر من 800 مُنَصِّر بيننا، ويقول الآخر مُوَجِّهًا الخطاب لنا جميعًا: "لن تستطيعوا أن تغلبونا، حتى يكونَ عددُ المصلِّين في صلاة الفجر كعددهم في صلاة الجمعة".

إنَّ منَ الأسباب العظيمة لهذا الوهن الذي نعرفه - معشر المسلمين - والذي جَعَل هؤلاءِ يَتَجَرَّؤُون علينا وعلى ديننا: انفراطَ خيط الألفة والمحبَّة بيننا، وليسأل كلُّ واحد منَّا قلبه: كم جعل فيه من حَيِّز المحبَّة والتعاوُن؟ وقد أخبر بذلك الصادقُ المصدوق - صلى الله عليه وسلم - حين قال: ((دبَّ إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يُثَبِّتُ ذلك لكم؟ أفشوا السلام بينكم))؛ رواه الترمذي، وهو في "صحيح الترغيب"، وكما قال - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه -: ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟))، قالوا: بلى، قال: ((إصلاح ذات البَيْن، وفسادُ ذات البين هي الحالقة))؛ رواه الترمذي، وهو في "صحيح الترغيب".

وَلاَ خَيْرَ فِي وُدِّ امْرِئٍ مُتَلَوِّنٍ إِذَا الرِّيحُ مَالَتْ مَالَ حَيْثُ تَمِيلُ



لقد عَرَّفَ ابنُ القَيِّم هذه المحبة التي فرَّط فيها كثيرٌ منَّا بقوله: "هي قوت القُلُوب، وغذاء الأرواح، وقُرَّة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرمها فهو من جُملة الأموات، والنورُ الذي مَن فَقَدَهُ فهو في بحار الظُّلُمات، والشفاءُ الذي من عَدِمَه حلتْ بقلبِه جميعُ الأسقام، واللذةُ التي مَن لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام"؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]، قال الراغب الأصفهاني: "أي: محبة في القلوب، وكلُّ قوم إذا تحابوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عملوا، وإذا عملوا عمروا".

فالمحبة هي اللحمة التي يجب أن تربطَ المؤمنين، والوشاجة التي يجب أن تحفظَ عزَّتهم ومكانتهم؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنُهم أخلاقًا، الموطؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير فيمَن لا يَألفُ ولا يُؤلَف))؛ الطبراني، وهو في "الصحيحة".

ولقد ضَرَبَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في بيان المحبَّة الحقيقيَّة، التي يجب أن تسود العلاقات بين المسلمين، وأن توطيد هذه المحبة يقتضي الصبر والتحمُّل:
1- عن عبدالله بن زيد بن عاصم قال: "لَمَّا أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئًا، فكأنهم وَجَدوا إذْ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم، فقال: ((يا معشر الأنصار، أَلَم أجدكم ضُلاَّلاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرِّقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي))، كلَّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، قال: ((فإنِّي أعطي رجالاً حَدِيثِي عهد بكفر أتألفهم، أما تَرْضَون أن يذهبَ الناسُ بالأموال، وتذهبون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به))، قالوا: يا رسول الله، قد رضينا، فقال: ((لولا الهجرةُ لكنتُ امرأً منَ الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشِعبًا، لسلكتُ وادي الأنصار وشِعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة (مَن يفضِّل عليكم غيركم)، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض))؛ متفق عليه.
ولذلك كان حب الأنصار من الإيمان؛ كما في الصحيح.

2- وقد يكون من محبة الله لعبده أن يمنعه ملذات الدنيا، زيادة في تمحيصه وابتلائه؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله - عز وجل - ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه، كما تَحمون مريضكم الطعامَ والشرابَ، تخافون عليه))؛ صحيح الجامع.
ولما قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي أحبك"، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((فاستعد للفاقة))؛ الصحيحة.

3- فإذا وجدت القبول من الناس، والشهادة منهم لك بالفضل والصلاح، فاعلم أنها من علامات حب الله لك في الدنيا، والسعادة في الآخرة؛ وقد جاء في الحديث المتفق عليه: ((أنتم شهداء الله في الأرض))؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ اللهَ إذا أحب عبدًا دعا جبريلَ فقال: إنِّي أحب فلانًا فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء فيقول: إنَّ اللهَ يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهلُ السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل، فيقول: إنِّي أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يُبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضَع له البغضاءُ في الأرض))؛ متفق عليه.

4- وكان من فرط حب الصحابة لنبيهم، أنهم كانوا يتقبلون عتابه عند ارتكابهم الأخطاء، ويعلمون أنه ناصح أمين؛ فعن المعرور قال: "لقيت أبا ذر بالرَّبذة - موضع قريب من المدينة - وعليه حُلَّة - ثوبان: إزار ورداء - وعلى غلامه حُلَّة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببتُ رجلاً - قيل: هو بلال - فعيرته بأمه - قال له: يا ابن السوداء - فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكُم - يُصلحون أحوالكم - جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم))؛ متفق عليه.

إِنِّي أَرَى حُبَّ النَّبِيِّ عِبَادَةً يَنْجُو بِهَا يَوْمَ الحِسَابِ المُسْلِمُ
لَكِنْ إِذَا سَلَكَ المُحِبُّ سَبِيلَهُ مُتَأَسِّيًا وَلِهَدْيِهِ يَتَرَسَّمُ




الخطبة الثانية

هذه هي المحبة في صورها المشرقة، كما أرادها اللهُ، وأرادها رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهل حَقَّقْنا شيئًا منها في حياتنا؟ إنَّ المرءَ لَيَتَساءَل عنْ مدى التنافُر الكبير القائم بين كثيرٍ منَ الناس، وهذا الكم الهائل من الدعاوى القضائية التي ترفع كل يوم:
- 93% من أزمات العالَم خلال القرن الماضي أزمات بين المسلمين.
- ومن يناير سنة 2007م إلى أكتوبر، تدخلت مصالح الوقاية المدنية عندنا 180 ألف مرة، بمعدل 700 مرة في اليوم، فهل المحبة منتشرة بيننا؟!
- ولو كانت المحبة سائدةً بيننا، ما بلغتْ حالات طلب الطلاق عندنا 70 ألف حالة سنويًّا، بمعدل قرابة 9 حالات في الساعة.
- ولو كانت المحبة مُتَمَكِّنة مِن قُلُوبنا، لما وجدنا بائعي الخمور عندنا، يبيع الواحد منهم أزيد من 130 قنينة خمر في اليوم، ويتضاعف العددُ في الأعياد الدِّينية، مع ما يستتبع ذلك من خصومات، واعتداءات، وحوادث سير.
- ولو كانت المحبة متجذرة فينا، لما وجدنا المديونية تحتل 10% من الدخل الخام للأسر، ولما وَجَدْنا أن كل مغربي مَدين بأكثر من 3300 درهم لمؤسسات القرض.

لَمَّا تَرَكْنَا الهُدَى حَلَّتْ بِنَا مِحَنٌ وَهَاجَ لِلظُّلْمِ وَالإِفْسَادِ طُوفَانُ



فلْنُراجِع أنفسنا في عَلاقاتنا بِغَيْرِنا، ولنقفْ عند حدود شرعنا، قبل أن يباغتنا الموت، فلا نجد جوابًا لسؤال الملكينِ.

لَمَّا مرض الشافعي، وقربتْ ساعة وفاته، دخل عليه أحد أصحابه وقال له: كيف أصبحْتَ؟ فأجاب الشافعي - وهو الذي تشبَّع بحبِّ الله وحبِّ رسوله، صلى الله عليه وسلم -: "أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقًا، ومن كأس المنية شاربًا، ولسوء عملي ملاقيًا، وعلى الكريم سبحانه واردًا، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها؟".

محاسبة النفس



عرَفنا أن حياة المسلم لا تستقيم إلا إذا أُفعمتْ نفسُه بخَصلة المحبة لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - واليوم نودُّ - إن شاء الله تعالى - طَرْق موضوع آخر، يحمل صفةً أخرى من مكارم الأخلاق، غفل عنها الغافلون، ونسي ذِكرها الذاكرون، إنها صفة "المحاسبة"،.

محاسبةِ النفس على أعمالها، ووزنها بميزان الشرع: أهي على الحق المبين، الذي أرساه رب العالمين، وبيَّن سبيلَه سيدُ المرسلين، أم هي على الضلال المقيم، والخروج عن الطريق المستقيم؟

قال – تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، قال الإمام الطبري: "ولينظر أحدكم ما قدَّم ليوم القيامة من الأعمال، أَمِنَ الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي تُوبِقه؟"، وقال ابن كثير: "أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وانظروا ماذا ادَّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم مَعادكم وعرضكم على ربكم"، وقال قتادة: "ما زال ربكم يقرِّب الساعة، حتى جعلها كغد".

فالدنيا يوم يمضي سريعًا، والآخرة يوم يحل سريعًا، وإن خِلناه بعيدًا؛ كما قال – تعالى -: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج: 6، 7]؛ بل إن هذا الشعور بتقارُب الزمان الذي نُحسه، هو إحدى علامات الساعة التي لا ينتبه لها كثيرٌ منا؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تقوم الساعة، حتى يتقارَبَ الزمان، فتكونَ السنة كالشهر، ويكونَ الشهر كالجمعة، وتكونَ الجمعة كاليوم، ويكونَ اليوم كالساعة، وتكونَ الساعة كاحتراق السَّعَفَة (جريدة النخل اليابسة)))؛ رواه الترمذي، وهو في "ص. الجامع".

وقد يعيش الواحد منا ستين سنة أو سبعين، ولا تزال تراه عريضَ الأمل في الدنيا، ولا يفكِّر في الآخرة أبدًا، وهو في كل يوم يودِّع الناس إلى مقابرهم، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((أعمار أمَّتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلُّهم من يجوز ذلك))؛ "ص. الترمذي"، وفي "ص. البخاري" يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أَعذر الله إلى امرئ أخَّر أجلَه حتى بلَّغه ستين سنة)).

تَمُرُّ بِنَا الأَيَّامُ تَتْرَى وَإِنَّمَا نُسَاقُ إِلَى الآجَالِ وَالعَيْنُ تَنْظُرُ
فَلاَ عَائِدٌ ذَاكَ الشَّبَابُ الَّذِي مَضَى وَلاَ رَائِحٌ هَذَا المَشِيبُ المُكَدّرُ


قال لقمان لابنه: "أيْ بُني، إنك مِن يومَ نزلتَ إلى الدنيا، استدبرتَ الدنيا، واستقبلتَ الآخرة، فأنتَ إلى دار تُقبِل عليها أقربُ مِن دار تبتعد عنها"، وصَدَق أبو الدرداء حين قال: "ابنَ آدم، طَأِ الأرض بقدمك؛ فإنها عن قليل تكون قبرَك، ابنَ آدم، إنما أنت أيام، فكلما ذهب يوم ذهب بعضك، ابنَ آدم، إنك لم تزل في هرم عمرك منذ يومَ ولدتْك أمُّك".

إِذَا مَا تَقَاضَى المَرْءَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ تَقَاضَاهُ شَيْءٌ لاَ يَمَلُّ التَّقَاضِيَا


وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "ارتحلتِ الدنيا مدبِرة، وارتحلتِ الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل"؛ البخاري معلقًا.

فاعلم - بارك الله فيك - أن النفس التي بين جنبيك هي أعدى أعدائك، ومن طبيعتها أنها أمارة بالسوء؛ كما قال – تعالى -: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يوسف: 53]، فإن وَجَدَتْ مَن يحاسبها ويردعها، ارتدعتْ، ورجعت، واستقامت:

وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ


عندها تنقلب إلى نفس لوامة أبيَّة زكية، تلومك على الشر:
لِمَ قمتَ به؟ وتلومك على الخير: لِمَ قصرتَ فيه؟ حتى ترتقي إلى درجة النفس المطمئنة، التي اطمأنَّتْ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا ورسولاً، لا تشعر بالسكينة إلا مع الله، ولا تأنس إلا بالله، لا تتأثَّر بالشهوات، ولا تسيطر عليها النزوات، وشتان بين رجل ذكر الله خاليًا، فاستحضر ذنوبه، ونظر في تقصيره، ففاضتْ عيناه، ورجل اختلى بنفسه، فأرخى ستار المعصية، وبارَزَ بالذنوب ربَّ البرية:

إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلاَ تَقُلْ خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ سَاعَةً وَلاَ أَنَّ مَا تُخْفِي عَلَيْهِ يَغِيبُ


فيا معتقدًا أنه قطع القنطرة، فاطمأن إلى عمله؛ لأنه يركع ركيعات، أو يتصدَّق بدريهمات، أو يَصِل شيئًا من رَحِمه، لا ترضَ عن نفسك؛ فإنه غرور مهلِك، وقد قال أهل الخبرة بالنفوس: "لَأَنْ تصحبَ جاهلاً لا يرضى عن نفسه خيرٌ لك من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه"، فانظر - رحمك الله - إلى فعل السلف: كيف كانوا يحاسبون أنفسهم، وهم مَن هم تقوى، وورعًا، واجتهادًا في العبادة؟!

1- قال الحسن - رحمه الله -: "رحم الله عبدًا وَقَفَ عند همِّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخَّر".
2- روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: "لا يفقه الرجل كلَّ الفقه، حتى يَمقُت الناس في جنب الله، ثم يرجعَ إلى نفسه فيكونَ لها أشدَّ مقتًا".

3- وكان مُطَرِّف بن عبدالله يقول في دعائه بعَرَفة: "اللهم لا تَرُدَّ الناسَ لأجلي".
4- وقال بكر بن عبدالله المزني: "لما نظرتُ إلى أهل عرفات، ظننت أنهم قد غُفر لهم، لولا أني كنت فيهم".
5- وقال أيوب السختياني: "إذا ذُكر الصالحون، كنت عنهم بمعزل".
6- وقال يونس بن عبيد: "إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير، ما أعلم أن في نفسي منها واحدة".
7- وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب ريح، ما قَدَرَ أحد يجلس إليَّ".

8- ولما سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن قول الله - عز وجل -: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32]، قالت: هؤلاء في الجنة: أما السابق بالخيرات، فمن مضى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة والرزق، وأما المقتصد، فمَن اتَّبع أثرَه من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه، فمثلي ومثلكم"، قال ابن كثير: "وهذا منها - رضي الله عنها - من باب الهضم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات".

9- يا مَن يغط في نومه، ولا يعرف استيقاظًا لقيام الليل، ولا لصلاة الفجر، لقد أطار ذِكرُ جهنمَ النومَ عن أعين السلف، يقول أسد بن وَداعة: "كان شدَّاد بن أوس إذا أوى إلى فراشه، كأنه حبة على مِقْلَى، فيقول: اللهم إنَّ ذكرَ جهنمَ لا يَدَعني أنام، فيقوم إلى الصلاة".

ومنهم مَن إذا رأى نار الدنيا، اضطرب وتغيَّرحاله؛ فعن عطاء الخراساني قال: "كان أويس القرني يقف على موضع الحدادين، فينظرإليهم كيف ينفخون الكير، ويسمع صوت النار، فيصرخ ثم يسقط".

وقال الحسن: "كان عمر - رضي الله عنه - ربما تُوقد له النار، ثم يدني يديه منها، ثم يقول: يا ابن الخطاب، هل لك على هذ صبر؟!".

لقد عظَّموا قدر ربهم في قلوبهم، فحاسبوا أنفسهم أشد المحاسبة.

إِنَّا لَنَفْرَحُ بِالأَيَّامِ نَقْطَعُهَا وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الأَجَلِ
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ المَوْتِ مُجْتَهِدًا فَإِنَّمَا الرِّبْحُ وَالخُسْرَانُ فِي العَمَلِ



الخطبة الثانية

إن هذه الأمثلة دليل على أن محاسبة النفس أمر ضروري لاستقامة الحياة، وسلامة العمل من الاغترار والرياء؛ كما قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: "إن المؤمن يرى ذنوبَه كأنه قاعد تحت جبل، يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه، فقال به هكذا".

قال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيًّا، حتى يكون لنفسه أشدَّ محاسبةً من الشريك لشريكه؛ ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوَّان: إن لم تحاسبه، ذهب بمالك".

ومن أشد الصحابة محاسبةً لنفسه عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي كتب إلى بعض عمَّاله قائلاً - وليسمع هذا الكلامَ كلُّ مسؤول، وكل موظف، وكل مَن استرعاه الله رعية -: "حاسبْ نفسَك في الرخاء قبل حساب الشدة؛ فإن مَن حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة، عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألهتْه حياتُه، وشغلتْه أهواؤه، عاد أمره إلى الندامة والخسارة".

فلماذا إذًا ابتزاز الناس، ولماذا أخذ الرِّشْوة، التي يخسر المغرب بسببها مليار دولار ونصفًا سنويًّا؟! ولماذا التماطل في أداء ما أنت مأجور عليه؟

استمع لهذا الحديث الذي تقشعرُّ من سماعه الأبدانُ؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما مِن عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة))؛ مسلم.

وتأمل في إحدى قصص عُمرَ العجيبة مع المحاسبة، التي قد تظهر لبعض الناس كأنها أسطورة من الأساطير، أو ضرب من الخيال: ذكر صاحب "الحلية": أن عمر بعث إليه أميرُه في الشام زيتًا في قِرب؛ ليبيعه ويجعلَ المال في بيت مال المسلمين، فجعل عمر يُفرغه للناس في آنيتهم، وكان كلما فَرغتْ قِربة من قِرَب الزيت، قَلَبها ثم عصرها وألقاها بجانبه، وكان بجواره ابن صغير له، فكان الصغير كلما ألقى أبوه قربةً من القرب، أخذها، ثم قلبها فوق رأسه؛ حتى يقطر منها قطرة أو قطرتان، ففعل ذلك بأربع قرب أو خمس، فالتفتَ إليه عمرُ فجأة، فإذا شَعَرُ الصغير حسنٌ، ووجهُه حسن، فقال له عمر: ادَّهنتَ؟ قال: نعم، قال: مِن أين؟ قال: مما يبقى في هذه القرب، فقال عمر: إني أرى رأسك قد شبع من زيت المسلمين من غير عوض، لا والله، لا يحاسبني الله على ذلك، ثم جره بيده إلى الحلاق وحلق رأسه؛ خوفًا من قطرة وقطرتين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: رد: ملف كامل عن مكارم الأخلاق   الإثنين 21 يناير - 5:46

تجنب الغفلة

سبق معنا - ونحن نتحدَّث عن مكارم الأخلاق - أنْ تناولنا موضوعَ المحاسبة، وضرورة مراقبة النفس، حتى لا تَزيغ بصاحبها إلى مهاوي الرَّدَى، وتنزل به إلى حضيض الموبقات، ووهْدةِ الدَّركات، وسنتعرَّف اليوم - إن شاء الله تعالى - على داءٍ نفسيٍّ خطير، يدلُّنا على خبايا هذه النَّفْس الأمَّارة بالسُّوء، ويدفعنا إلى الحذر الشديد من مغبَّةِ ضياع الأوقات في اللَّهو واللَّعب قبلَ فوات الأوان؛ {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: 56].

إنَّه مرض "الغفلة"، الذي أصاب كثيرًا منَّا، ممَّن انشغل عن دِينه بدنياه، وسَرَح وراءَ ملذَّاته وشهواته، ولم يلتفتْ إلى يوم لقاء ربِّه؛ {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء: 1- 3]، ثلاث آيات متتالية، تحذِّر من الغفلة: الإعراض، اللَّعب، واللَّهو.

قال المناوي: "الغفلة هي: فَقْدُ الشُّعور بما حقُّه أن يُشعَر به"، وقال الراغب: "سهوٌ يعتري الإنسانَ مِن قلَّة التحفُّظ والتيقُّظ"، وقال الجرجاني: "الغفلة عن الشيء: هي ألاَّ يخطرَ ذلك الشيء بباله".

والله - عزَّ وجلَّ - يوصي في آياتٍ كثيرة باليقظة، وعدم السَّهْو عن الله، والغفلة عن عبادته؛ قال - تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205]، وقال - تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

فكيف يَغفُل المسلمُ بعد هذا، والله - عزَّ وجلَّ - عليه رقيب، والموت أقرب إليه من حبل الوريد؟!

وقد كان أبو بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - كثيرًا ما يتمثَّل بقول الشاعر:

كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ



وقال - تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الزخرف: 66]، وعن سهل بن سعد الساعديِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: ((بُعِثتُ أنا والساعةَ كهاتين، وقَرَنَ بين السَّبَّابة والوُسطى))؛ رواه البخاري ومسلم.

فانظر - رعاك الله - إلى الفرْق بين سبابتك والوسطى؛ لتعرفَ التفاوت بينهما، ولِتعلمَ بعد ذلك كم يفصلك عن لِقاء الله، وهل خُلقتَ إلاَّ لهدف واضحٍ جلي، وهو عبادة الله وحده: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].


يَا غَافِلاً عَمَّا خُلِقْتَ لَهُ انْتَبِهْ جَدَّ الرَّحِيلُ وَلَسْتَ بِالْيَقْظَانِ
سَارَ الرِّفَاقُ وَخَلَّفُوكَ مَعَ الْأُلَى قَنَعُوا بِذَا الْحَظِّ الْخَسِيسِ الْفَانِي
وَلَرُبَّمَا تَأْتِي الْمَنِيَّةُ بَغْتَةً فَتُسَاقُ مِنْ فَرْشٍ إِلَى الْأَكْفَانِ



فإن كنت تغفُل، فما ربُّك بغافل عمَّا تعملون، وإن كنت تنسى، فما كان ربُّك نسيًّا، وإن كنتَ تظلم، فسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون؛ {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم: 42]، وإن كنت تسهو وتنام، فإن الله - تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255]، و{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].

يَا غَافِلاً وَلَهُ فِي الدَّهْرِ مَوْعِظَةٌ إِنْ كُنْتَ فِي سِنَةٍ فَالدَّهْرُ يَقْظَانُ



إنَّ الغفلة حجابٌ سميك يُغْشِي القلب، فيجعل بين الغافل وبين ربِّه وحشةً عظيمة، حتَّى يموت عندَه الشُّعور بالذنب، ويفقد الإحساس بالتقصير، فيظنَّ أنَّه على خيرٍ عظيم، فيستهينَ باقتراف الذُّنوب، صغرت أم كبرت؛ يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إيَّاكُم ومُحَقَّراتِ الذُّنوب؛ فإنهنَّ يجتمعنَ على الرَّجل حتَّى يُهلكْنَه))؛ رواه أحمد، وهو في "صحيح الترغيب".

وعن عقبةَ بن عامر - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا رأيتَ الله - عزَّ وجلَّ - يُعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنَّما هو استدراجٌ، ثم تلا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]))؛ رواه أحمد، وهو في "الصحيحة".

وقال أنس - رضي الله عنه: "إنَّكم لتعملون أعمالاً هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعْر، إن كنَّا لنعدُّها على عهد النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلًّم - من الموبقات (أي: المهلكات)"؛ رواه البخاري.

وانظر - بارك الله فيك - إلى أصحابِ القُلوب اليَقِظة، كيف يَحسبون أنفاسَهم، ويُحْصُون ذنوبَهم:
1 - يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: "ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غربتْ شمسُه؛ نقص فيه أَجَلي، ولم يَزِدْ فيه عملي".

2 - وقال الحسن البصري: "أدركتُ أقوامًا، كان أحدُهم أشحَّ على عمره منه على درهمه".

3 - وقيل للإمام أحمد - رحمه الله: "كيف أصبحت؟ فقال: في عُمرٍ ينقص، وذنوبٍ تَزيد".

4 - وقريب منه قول الرَّبيع بن خُثَيم لَمَّا قيل له: كيف أصبحتُم؟ قال: "ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقَنا، وننتظر آجالَنا".

5 - وقال وهب بن منبه: "مكتوب في حِكمةِ آل داود: حقٌّ على العاقل ألاَّ يَغفُلَ عن أربع ساعات: ساعةٍ يُناجي فيها ربَّه، وساعةٍ يُحاسب فيها نفسَه، وساعةٍ يخلو فيها مع إخوته الذين يُخبرونه بعيوبه، ويَصْدُقونه عن نفسِه، وساعةٍ يُخَلِّي فيها بين نفسِه وبين لذَّاتها فيما يَحِلُّ ويَجمُل، فإنَّ في هذه الساعةَ عونٌ على تلك الساعات، وإجمامٌ للقلوب".

6 - ويقول - أيضًا:"مَن جَعل شهوتَه تحت قدميه، فَزِع الشيطان من ظلِّه".

ولقد كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتعوَّذ من الغَفلة؛ لِمَا يعلم من عواقبها الوخيمة، يقول: ((اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجُبن والبُخل، والهَرم، والقَسوة، والغفلة، والعَيْلة، والذِّلة، والمسكنة، وأعوذ بكَ مِن الفَقر والكُفر، والفُسوق والشِّقاق والنِّفاق، والسُّمعة والرِّياء، وأعوذ بك مِن الصَّمَم والبَكَم، والجُنون، والجذام، والبَرص، وسيِّئِ الأسقام))؛ "صحيح الجامع".

- وكان يُحذِّرنا مِن طلب ما تكفَّل الله به، والجريِ وراءَ ما قضى الله به، واللَّهَثِ خلفَ ما قدَّره الله، وهو آتيك لا محالةَ؛ يقول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن كانتِ الدُّنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينيه، ولم يأتِه من الدُّنيا إلاَّ ما كُتِب له، ومَن كانت الآخرةُ نِيَّته، جَمَع الله له أمرَه، وجَعل غِناه في قلبه، وأتته الدُّنيا وهي راغمة))؛ "صحيح ابن ماجه".


إِذَا مَرَّ بِي يَوْمٌ وَلَمْ أَقْتَبِسْ هُدًى وَلَمْ أَسْتَفِدْ عِلْمًا فَمَا ذَاكَ مِنْ عُمْرِي


الخطبة الثانية

إنَّ لمعالجةِ مرض الغفلة طرقًا كثيرة، ستتناول الخطبُ القادمة - إن شاء الله تعالى - بعضَها:
منها: تعجيل التوبة إلى الله - تعالى - من المعاصي، والتقصير في أداء العِبادات قبلَ مباغتةِ الموت؛ {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99- 100].

ومن وصايا لقمان قوله: "يا بُني، لا تؤخِّرِ التوبة، فإنَّ الموت يأتي بغتة، فالسَّعيد مَن أخذ من نفسِه لنفسِه، ومهَّد لها قبل يوم رَمْسِه".

ومنها: الإكثار من ذِكْر الله - تعالى - في الحركات والسَّكَنات، وهذا لا يتطلَّب منَّا مجهودًا كبيرًا؛ إنَّما هي كلماتٌ نحرِّك بها ألْسنتَنا، وقد قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن قَرأَ عَشْرَ آياتٍ في ليلة لَم يُكتبْ مِن الغافلين))؛ "صحيح الترغيب".

وتأمَّلْ - بارك الله فيك - في هذا الحديث البديع، الذي قلَّما يُذكَر، وهو كنز من الكنوز التي يغفل عنها كثير منَّا؛ عن أبي أُمامةَ - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -قال: ((مَن هَالَه اللَّيلُ أن يكابدَه، وبَخِل بالمال أن يُنفقَه، وجَبُن عن العدوِّ أن يقاتلَه - فليُكثرْ أن يقول: سبحان الله وبحمده، فإنَّها أحبُّ إلى الله مِن جبلِ ذهبٍ وفضة، يُنفَقانِ في سبيل الله - عزَّ وجلَّ))؛ أخرجه الطبراني، وهو في "صحيح الترغيب".

ويقول الحسن البصري - رحمه الله -: "تفقَّدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصَّلاة، وفي الذِّكْر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم، وإلاَّ فاعلموا أنَّ الباب مُغلَق".

من هنا تعلم أنَّ الغفلة هي التي جعلتْ حجمَ الإنفاقِ العالميِّ على جراحات التجميل الرسميَّة سنة 2008 يبلغ نحو: 70 مليار دولار، أُجريت فيها أكثرُ من 50 مليون عملية، منها 10 آلاف عملية تجميل للوجه، والجفن، وإزالة التجاعيد بمدينة عربيَّة واحدة خلال 2007 و2008، كثيرٌ منها تجميلٌ كمالِيٌّ لم يُجزْه أهل العِلم.

والغفلةُ هي التي جعلتْ نحو مليار شخص في العالَم مصابين باضطرابات نفسيَّة، ونصفَ شباب بلدٍ عربيٍّ مصابين بارتفاع ضغط الدَّم، إنَّه البعدُ عن الله، والاعتماد على الأسباب، وليس على ربِّ الأسباب.

وتأمَّلْ في هذه القصَّة الطريفة المُعبِّرة، التي تُظهِر يقظةَ الإمام الشافعي، وغفلةَ صاحبِه: فقد شَكَا رجلٌ إلى الشافعي قِلَّة البركة في أُجرتِه - وكانت أُجرتُه خمسةَ دراهم - فأَمَرَه الشافعيُّ أن يذهب إلى صاحبِ العمل، ويأْمُرَه أن ينقص درهمًا، ثم عاد وَشَكَا إليه بقاءَ قلَّة البركة، ثم أمرَه أن يرجع إلى صاحب العمل لينقصَ درهمًا آخر، فحلَّتِ البركةُ في ماله، فقال له الشافعي: إنَّ عملَك لا يستحقُّ إلاَّ ثلاثة دراهم، فالدِّرهمان الزائدان نَزَعَا البركةَ عن بقية المال، ثم أنشد:

جَمَعَ الْحَرَامَ عَلَى الْحَلاَلِ لِيُكْثِرَهْ دَخَلَ الْحَرَامُ عَلَى الْحَلاَلِ فَبَعْثَرَهْ

خطر المعاصي (1)



عرفنا أن صلاح الأفراد والمجتمعات لا يتمُّ إلا عبر نشر المحبَّة، وأن المحبة الحقيقية التي ربَّى عليها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الجيلَ الأول من المسلمين، انبنتْ على محاسبة النفس الأمَّارة بالسوء محاسبةَ الشريك لشريكه، وأن من الأسباب المعينة على ذلك تجنُّبَ الغفلة، التي ما رانتْ على قلب إلا أفسدته، ولا اتصلت بنفس إلا أهلكتها.

وسنحاول اليوم - إن شاء الله تعالى - أن نتناول موضوعًا آخرَ شديد الأهمية، يعتبر إجابة واضحة عن سبب هذه الوضعية المزرية التي يعيشها المسلمون اليوم، وهذه المكانة المتأخِّرة التي تقبع فيها الأمة الإسلامية، بعد أن كانت منارة الدنيا، وقبلة الأمم الأخرى، إنه موضوع "اقتراف المعاصي"، الذي بسببه أهلك الله الأمم السابقة، فكانت عِبرة لمن يعتبر؛ قال – تعالى -: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

قال الإمام الطبري: "فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم، بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم، ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها"، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يصيب عبدًا نكبةٌ فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر))؛ "صحيح الجامع".

ولذلك انتشرت النكبات بين جماعة المسلمين، ما من بقعة في الأرض إلا وتراها مشتعلةً بالخصومات، والمناوءات، والتحالفات؛ بل حتى بين الأفراد أنفسهم، بين الأخ وأخيه، بين الأب وابنه، بين الزوج وزوجته، لا يحصل خصام ولا شقاق إلا بسبب سوء العلاقة مع الله، عن طريق اجتراح المعاصي والذنوب؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله))، ويقول: ((والذي نفسي بيده، ما توادَّ اثنان، فيفرق بينهما، إلا بذنب يُحدِثه أحدهما))؛ رواه أحمد بإسناد حسن، وهو في "صحيح الترغيب".

ولما استسقى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بالعباس ين عبدالمطلب - رضي الله عنه - قال العباس: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يُكشف إلا بتوبة، وقد توجَّه القوم بي إليك؛ لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث"، قال: "فأرخت السماء مثلَ الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس"؛ ذكره الألباني في كتاب "الوسيلة".

فهل من بيننا مثلُ العباس، الذي يعترف بالذنب، ويدعو الله خالصًا من قلبه ليستجيب له؟ أو منا مَن لا يعترف بمعاصيه، ويمضي فيها غافلاً لاهيًا، وكأنه لم يُخلَق إلا للمُتَع والملذات؟

قال أحد الصالحين: "رُبَّ مستدرَج بنِعَم الله عليه وهو لا يعلم، ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم، ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم"، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما سأله عقبةُ بن عامر - رضي الله عنه -: "ما النجاة؟"، قال له: ((أمسِكْ عليك لسانك، ولْيَسَعْك بيتُك، وابْكِ على خطيئتك))؛ رواه الترمذي، وهو في "صحيح الترغيب"، ويقول بلال بن سعد: "لا تنظر إلى صِغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة مَن عصيتَ".

فهل نحن ممن يبكون على خطاياهم المقترَفَة بالليل والنهار، في البر والبحر، في السماء والأرض ولا نبالي؟ وهل ننظر في همِّنا: إن كان لله أمضيناه، وإن كان لغيره تركناه؟ إنه الذهول عن لقاء الله - عز وجل – {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51]، إنها القلوب التي ماتتْ بإدمان المعصية، واستمراء الخطيئة، ورحم الله ابنَ المبارك إذ قال:

رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ وَخيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا


إن للذنوب آثارًا وخيمة على حياة المسلم، أوصلَها بعضُهم إلى خمسين أثرًا، نقتصر اليوم على اثنين منها، ونذكر بعضها - إن شاء الله تعالى - في الجُمَع القادمة:
1- سبب مباشر لتعجيل العقوبة من الله - تعالى - في الدنيا قبل الآخرة:
- قال العلامة السعدي: "إن المعاصي تخرب الديارَ العامرة، وتسلب النِّعمَ الباطنة والظاهرة، فكم لها من العقوبات والعواقب الوخيمة! وكم لها من الآثار والأوصاف الذميمة! وكم أزالتْ من نعمةٍ، وأحلَّت من محنةٍ ونقمةٍ!".

- فلم يُطرَد إبليس من الجنة ويُلعن إلا بذنب، وهو الاستكبار والحسد، وترك طاعة الآمر – سبحانه – {فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا} [الأعراف: 13].

- ولم يُغرِق اللهُ قومَ نوح إلا بذنب، وهو تكذيبهم للرسل؛ {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً} [الفرقان: 37].

- ولم يسلط الله الريحَ العقيم على قوم عاد، حتى تركتهم موتى على وجه الأرض، كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمَّرت ديارهم، وزروعهم، ودوابهم - إلا بسبب المعاصي.

- ولم يُهلك الله قومَ ثمود بالصيحة، حتى ماتوا عن آخرهم؛ إلا سبب المعاصي.

- ولم تُرفع قرى قوم لوط، حتى سمعت الملائكةُ نبيحَ كلابهم، ثم قُلبت عليهم، فَجُعِل عالِيها سافلَها، فهلكوا جميعًا - إلا بمعصية الشذوذ، الذي أصبح يطل برأسه هذه الأيام، وصارتْ بعض الجمعيات الشاذة عندنا تنادي بحرية الأفراد في تحويل جنسهم، وممارسة ما يشاؤون من علاقات، تحت مسمى الحرية وحقوق الإنسان.

- ولم يُمطر السحابُ نارًا تلظى على رؤوس قوم شعيب؛ إلا بالمعاصي.

- ولم يُغرِق فرعونَ وقومَه في البحر إلا المعاصي.

- ولم يُخسف بقارون، وداره، وماله، وأهله؛ إلا بسبب المعاصي.

- ولم يَهلِك بنو إسرائيل عبر القرون، ويُسلَّط عليهم أنواعُ العذاب والعقوبات، حتى مسخهم الله قردة وخنازير - إلا بسبب المعاصي؛ كما قال – تعالى -: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف: 167]، فاستحقُّوا ما هم عليه من الذِّلة والشتات؛ بسبب مكابرتهم وعنادهم؛ {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79].

وإنما قصَّ علينا - سبحانه - قصصَ هؤلاء؛ لأخذ العبرة؛ حتى لا يصيبنا ما أصابهم؛ {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]، فكان الناس يخافون من المعصية خوفًا شديدًا، فيحاذرون الوقوع فيها.

- قيل للحسن البصري: "نراك طويل البكاء، فقال: أخاف أن يطرحني الله في النار ولا يبالي".

- وسأله رجل قال: "يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوِّفوننا حتى تكادَ قلوبنا تطير؟ فقال الحسن: والله لأنْ تصحب أقوامًا يخوفونك حتى تدرك أمنًا، خيرٌ من أن تصحب أقوامًا يؤمِّنونك حتى تلحقك المخاوف".

الخطبة الثانية



2- حرمان العلم: لأن العلم نور يجعله الله في قلوب الصادقين، والمعصية تُسلَّط على هذا النور فتطفئه؛ قال - تعالى -: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282]، قال القرطبي: "وعدٌ من الله – تعالى - بأن مَن اتَّقاه علَّمه؛ أي: يجعل في قلبه نورًا يفهم به ما يُلقى إليه، ومنه قوله – تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29].

ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي الإمام مالك، أعجبه؛ لما رأى عليه مخايِل النجابة والذكاء، وقال له: "إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظُلمة المعصية".

وكان وكيع بن الجراح - شيخ الشافعي - يقول:

أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْتُ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَهْ
وَأَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ المَعَاصِي وَإِنْ كُنَّا سَواءً فِي البِضَاعَهْ


وجاءه تلميذُه الشافعي، فسأله عن أحسن دواء للحفظ، فقال: "والله ما رأيتُ للحفظ مثلَ ترك المعاصي"، فأنشد الشافعي قائلاً:

شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ المَعَاصِي
وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ العِلْمَ نُورٌ وَنُورُ اللَّهِ لاَ يُعْطَى لِعَاصِي



قال الضحاك بن مزاحم - رضي الله عنه -: "ما من أحدٍ تعلَّم القرآن ثم نسيه، إلا بذنبٍ يُحدِثه؛ وذلك بأن الله - تعالى - يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، ونسيانُ القرآن من أعظم المصائب".

قال ابن الجلاد: "نظرتُ منظرًا لا يحل لي، فقال لي أحد الصالحين: أتنظر إلى الحرام؟ والله لتجدن غِبَّهُ ولو بعد حين، قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة".

وقال ابن مسعود: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملُها".

فلنحفظ ألسِنَتنا، فلا نقل إلا حقًّا، ولنحفظ آذاننا، فلا نسمع إلا خيرًا، ولنحفظ بصرنا، فلا ننظر إلا حلالاً، ولنحفظ أيديَنا وأرجُلنا، فلا نحركها إلا فيما ينفعنا.

ومشروعنا - أيها المؤمنون والمؤمنات - ابتداء من الآن هو: لا نقم بحركة إلا إذا تساءلنا: أهي في مرضاة الله، فنقدم عليها، أو هي في سخط الله، فَلْنرجعْ عنها؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: رد: ملف كامل عن مكارم الأخلاق   الإثنين 21 يناير - 5:47

الموضوع القادم
سلسلة مكارم الأخلاق (11)

ان شاء الله

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: رد: ملف كامل عن مكارم الأخلاق   الإثنين 21 يناير - 5:48

خطر المعاصي (2)

ترك المعاصي

في طريق إصلاح النفوس، وبناء الشخصية المسلمة المنشودة، تناولْنا الحديث عن المحبَّة، المبْنيَّة على محاسبة النفس، المؤسسة - بدَوْرها - على جسر الإقلاع عن الغفلة، المنوط بترْك المعاصي، التي عرفنا أنها أساس الداء، ومَجلَبة البلاء، مصدر الهلاك، وسر الخطر الفتاك، مَهلَكة الأمم، وسبب المِحن والنِّقم.

وتبيَّن لنا أن للمعاصي آثارًا على النفوس عظيمة، وعواقبَ على المجتمعات جسيمة، أَوْصَلها بعضُ أهل العلم إلى خمسين أثرًا، ذكرنا منها أنها سبب مباشر لتعجيل العقوبة من الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة، وأنها سبب في حرمان العلم، ونزيد اليوم - إن شاء الله تعالى - أثرًا آخر، وهو:

حرمان الرزق:
لأن المعصية ممحقة للبركة، مجلبة للفقر، والمَقصُودُ بِالرِّزقِ مَا قَلَّ وَكَفَى، لا مَا كَثُرَ وَأَلهى؛ كما في حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما طلعت شمس قط إلا بُعث بِجَنَبَتَيْها مَلَكان يناديان، يُسمِعان أهل الأرض؛ إلا الثقلين: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمس قط إلا بُعث بِجَنَبَتَيْها مَلَكان يناديان، يُسمعان أهل الأرض؛ إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط مُمسكًا تلفًا))؛ رواه أحمد بإسناد صحيح، وهو في "صحيح الترغيب".

وفي "صحيح الترمذي"، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قد أفلح مَن أسلم، وكان رزقه كفافًا، وقَنَّعه الله)).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس الغِنى عن كثْرة العَرَض - متاع الدنيا مع الحرْص على الزيادة - ولكن الغِنى غنى النفس))؛ متفق عليه.

فَكَم مِمَّن يَملِكُ الآلاف المُؤَلَّفة، وهي تشقيه ولا تسعده! فتراه في هَمٍّ لازم، وَتَعَب دَائِم، وَحَسرَة لا تنقضي، وبخاصة إذا صَحِبَ ذلك الشرهُ والتوقُ للمزيد، واستشراف النفس للتسابق على الدنيا؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لو كان لابن آدم واديان من مال، لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا الترابُ، ويتوب الله على من تاب))؛ متفق عليه.

والغِنى الحقيقي أن يجمع الله لك الأمن، والعافية، والكفاف؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبيدالله بن محصن الخطمي - رضي الله عنه -: ((مَن أَصبَحَ مِنكُم آمِنًا فِي سِربِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِندَهُ قُوتُ يَومِهِ - فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها))؛ صحيح الترمذي.

وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: ((يا حكيم، إن هذا المال خَضِرَة حُلوة، فمَن أخذه بسخاوة نفس - بغير إلحاح في السؤال ولا طمع ولا حرص - بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس - بتطلُّع لما في أيدي غيره، وشدة حرصه على تحصيله - لم يبارَك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى))، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لا أَرْزَأُ - لا أنقص ماله بالطلب، والمعنى: لا آخذ - أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر - رضي الله عنه - يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبَى أن يقبله منه، ثم إن عمر - رضي الله عنه - دعاه ليعطيه، فأبَى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم - يا معشر المسلمين - على حكيم، أني أَعرض عليه حقه من هذا الفَيء فيأبى أن يأخذه، فلم يَرْزَأْ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى توفي؛ متفق عليه.

وقديمًا قال الحُطَيْئَةُ:

وَلَستُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
وَتَقْوَى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا وَعِندَ اللهِ لِلأَتْقَى مَزِيدُ



فبقاء المال مع بقاء التقْوى والصلاح، وذهابه بذهابهما؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((نِعمَ المالُ الصالح للرجل الصالح))؛ رواه أحمد، وهو مخرَّج في "مشكاة المصابيح".

والمعصية تُسلَّط على المال فتمحقه، كما تسلط النار على الهشيم؛ قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3].

وضرب الله تعالى المثل بمن سبق، كيف كانوا في بحبوحة من العيش، آمنين مطمئنين، حتى إذا أفسدوا في الأرض، نُزعت البركة من أموالهم، فكانت وبالاً عليهم؛ قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]، وقال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160، 161].

فانظر كيف حرمتهم المعاصي من طيبات كانت لهم حلالاً، فصارت عليهم حرامًا؟!
إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا فَإِنَّ الْمَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
وَدَاوِمْ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الإِلَهِ فَإِنَّ الإِلَهَ سَرِيعُ النِّقَمْ
وَسَافِرْ بِقَلْبِكَ بَيْنَ الوَرَى لِتُبْصِرَ آثَارَ مَنْ قَدْ ظَلَمْ


يقول عبدالله بن عباس - رضي الله عنه -: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلْب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الناس، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظُلمة في القلْب، ووهنًا في البَدَن، ونقصًا في الرِّزْق، وبغضًا في قُلُوب الناس".

فإذا كان العبدُ يُعطى من نِعم الله مع أنه مقيم على المعصية، فليعلم أنه استدراج منه – سبحانه - ليقيم عليه الحجة؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا رَأَيتَ الله يُعطِي العَبدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ استِدرَاجٌ))، ثُمَّ قرأ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]؛ يائسون من النجاة، شديدو الحسرة والحزن؛ أحمد، وهو في الصحيحة.


الدَّهْرُ يَفْتَرِسُ الرِّجَالَ فَلاَ تَكُنْ مِمَّنْ تُطِيشُهُمُ المَنَاصِبُ والرُّتَبْ
كَمْ نِعْمَةٍ زَالَتْ بِأَدْنَى لَذَّةٍ وَلِكُلِّ شَيْءٍ فِي تَقلُّبِهِ سَبَبْ



الخطبة الثانية

إذا كان للمعاصي هذه النتائج الخطيرة على أموال الناس وأرزاقهم، عرفنا السِّر في تخلُّف المسلمين، وشدة فقْر أبنائهم، مع وفْرة أموالهم، وتراكُم ثرواتهم، وعظيم ممتلكاتهم، إنها المعاصي هي التي منعتْ كثيرًا من أصحاب الأموال من إخْراج زكاتهم، هذه الزَّكاة التي تبلغ في المجتمعات العربية وحدها أزيد من 60 مليار دولار، والمعاصي هي التي جعلت مديونية العالَم العربي تفوق 375 مليار دولار، منها 60 مليارًا، هي مبلغ ما يسمى بالفوائد.

والمعاصي هي التي أحْوجت السوق العربية إلى استيراد 92 % من احتياجاتها، وجعلتِ الأمية تنتشر بيننا بنسبة تزيد عن 43 %، والبطالة تفوق 10 % قبل الأزمة المالية، التي ضاعفت النكبات لِتَضَاعُفِ المعاصي؛ فقد خسر العرب إلى الآن أزيد من 2500 مليار دولار بأسواق المال، أما خسائرهم العامة ففاقت 3.1 تريليون دولار، وتراجع الإنتاج المحلي بقرابة 4 % لسنة 2009.

إن المعاصي - وعلى رأسها الغِش، والتساهُل في أكل أموال الناس بالباطل - هي التي ستدفع عنك العجب، إذا علمت أن 3 ملايين من المغاربة (أي: 10 في المائة) - حسب "الشركة المغربية للألعاب والرياضات" - يتعاطون ألعاب الحظ والرهان (أي: القمار) سنة 2008، أغلبهم من متوسطي الدخل، وذوي الدخل الضعيف، مليون منهم يصنف على أنه لاعب منتظم، يلعب مرتين على الأقل في الشهر، وهؤلاء المقامرون أنفقوا على قمارهم نحو: 2.7 مليار درهم خلال سنة 2006، ونجد عندنا شركة واحدة لها أزيد من 2300 فرع، ومع كل ذلك نجد قانوننا الجنائي يظهر تساهلاً واضحًا، من خلال العقوبة التي حددها في الفقرة العاشرة من أحد فصوله، والتي تتراوح ما بين 10 و120 درهمًا، وهي عقوبة لم تتغير في هذا القانون منذ 1962م.

تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ لَذَّتَهَا مِنَ الحَرَامِ وَيَبْقَى الإِثْمُ وَالعَارُ
تَبْقَى عَوِاقِبُ سُوءٍ مِنْ مَغَبَّتِهَا لاَ خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ
المعاصي والأمراض (3)




عرَفْنا خطورة المعاصي، وكيف تؤثِّر سلبًا على العصاة، إمَّا بتعجيل العقوبة في الدُّنيا قبل الآخرة، وإمَّا بحرمان العلم، وإمَّا بحرمان الرِّزْق.

وسنحاول اليوم - إن شاء الله - أن نربِط موضوع المعاصي بما تَعيشه كثيرٌ من دول العالم هذه الأيَّام من ذُعْر وفزع، بسبب انتِشار الأمراض الفتَّاكة، والأوبِئة القاتلة، ممَّا لم يَسمع الناس به من قبل، مثل مرض فقْدان المناعة، الَّذي يخلِّف كلَّ سنة ما يقرب من 4 ملايين وفاة، وسببه المعاصي، وعلى رأسِها: الزِّنا والشُّذوذ، حتَّى وجدْنا في البلْدان الغربيَّة المتقدِّمة أنَّ عدد الفتَيات المراهِقات، اللَّواتي تنجبن يوميًّا، يصِل إلى أرْبعين ألفًا، و 60% من المواليد الجدُد - في بلد أوربي واحد صغير - هم أبناء زنا، لا يرتَبِط آباؤُهم وأمَّهاتُهم بعلاقة زواج، و((مَن يستعفِفْ يعفَّه الله))؛ متَّفق عليه.

وانتشر موت الفَجأة، أو ما يُعْرف بالسَّكتة القلبية، التي يَموت بسببِها كلَّ عام ما يقرُب من 5 ملايين شخص، وفي حديث أنس - رضي الله عنه - يقول النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((من اقتِراب الساعة أن يُرى الهلال قَبَلاً - واضحًا فور طلوعه لِكِبَرِه - فيُقال: لليْلتين، وأن تتَّخذ المساجد طرقًا، وأن يظهر موت الفَجأة))؛ صحيح الجامع.

قال المناوي: "موت الفجأة: أن يسقُط الإنسان ميِّتا وهو قائم يكلِّم صاحبه، أو يتعاطى مصالحه".

قال- صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((موْت الفَجأة أَخْذَةُ أَسَفٍ))؛ صحيح أبي داود.

قال القاري: "الأسَف: الغضب؛ أي: موت الفجأة أثرٌ من آثار غضب الله، فلا يتركه يستعدُّ لمعاده بالتَّوبة، وإعداد زاد الآخِرة، ولم يُمرضه ليكون كفَّارة لذنوبه".

وفي كلِّ سنة يَموت أزْيدُ من 7 ملايين شخص بِسببِ ارْتِفاع ضغْط الدَّم، الَّذي سببُه القلَق، المترتِّب على وخْزِ الضَّمير بعد اقتراف المعاصي، والإحْساس بالذَّنب بعد اقتِحام الجرائم واجتراح الموبقات.

والتَّدخين يقتل ما بين ثُلُث ونصف المدخِّنين، ويكون مسؤولاً عن الوَفَيات النَّاجِمة عن الأزمات القلبيَّة، والسَّكتات الدِّماغية، والأمراض الرِّئويَّة المزمنة، التي سجَّلت 5.4 مليون حالة في 2004 حسب بيانات منظَّمة الصحَّة العالميَّة.

وظهر وباء "سارس" المسبّب لضيق التنفُّس، الذي انتشر عام 2003 م، وأوْدى بحياة أكثر من 800 شخص، وكلَّف الاقتصاد العالمي نحو 40 مليار دولار آنذاك.

والملاريا منتشرة في 107 من البلدان والمناطق التي يعيش فيها 3.2 مليار نسمة، وفي كلِّ عام يَحدث ما بين 350 و 500 مليون نوبة للملاريا، وأكثر من مليون وفاة.

وفي كلِّ سنة يموت أزْيَد من 4.4 مليون شخْص بسبب ارتِفاع الكولسترول في الدم، وسمِعْنا بعد ذلك بِمرض الحمَّى القُلاعيَّة، ومرَض جنون البقر وغيرها.

لقد حدثت أوبِئة عالميَّة، منها وباء الإنفلونزا ما بين 1918م/ 1919م، عندما أُصيب ما يزيد على 200 مليون من البشر، مات منهم ما بين 50 إلى 100 مليون، وفي عامي 1957م و 1958م سبَّبت الإنفلونزا الآسيويَّة وباءً انتشر على نطاق العالم، مؤدِّيًا إلى وفاة أكثر من مليون شخص.

واكتسح العالمَ مرضُ الاكتِئاب، الَّذي يؤدِّي إلى انتِحار 800000 شخص كلَّ عام، معظمُهم من غير المسلمين.

فانظُر إلى العنَت الَّذي أُصيب به الناسُ بسبب عصيانِهم لله تعالى، وتمرُّدهم على القوانين الإلهيَّة، التي ما شُرِعَتْ إلاَّ لمصلحةِ البلاد والعباد، وانظُر كيف تنقلِب العزَّة ذلَّة ومهانة حين نتنكَّب طريق الحقِّ؛ قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]، وقال النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((وجُعل الذِّلَّة والصَّغار على مَن خَالَف أمْرِي))؛ البخاري.

وكان الحسن البصري يقول: "أبَى اللهُ إلاَّ أن يذلَّ أهل معصِيَته، وإن هَمْلَجَتْ بِهم البراذين، وطقْطَقَت بِهم البغال (مَشَت بِهم مشيًا سهلاً، دليلاً على تقلُّبهم في النعمة)، فإنَّ ذلَّ المعصية في رقابِهم".

قال عبدالله بن عمر: أقبل عليْنا رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقال: ((يا معشر المهاجرين، خَمس إذا ابتُليتُم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تُدْرِكوهنَّ))، وذكر منها: ((لم تظْهَرِ الفاحشة في قومٍ قطُّ حتَّى يُعْلِنوا بها، إلاَّ فشا فيهم الطَّاعون والأوْجاع الَّتي لم تكُنْ مضَتْ في أسْلافِهِم الذين مضوْا))؛ صحيح ابن ماجه.

ومرضُ الإيدز اليوم يسمُّونه بالطَّاعون الأبيض.

وعن البراء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((ما اختلج عِرق (اضطرب) ولا عين (طارت) إلاَّ بذنب، وما يدفع الله عنْه أكثر))؛ صحيح الجامع.


وَلا تَقْرَبِ الأَمْرَ الحَرَامَ فَإِنَّمَا حَلاوَتُهُ تَفْنَى وَيَبْقَى مَرِيرُهَا



قال - تعالى - متحدِّثًا عن قوم فِرْعون الَّذين أمعنوا في المعاصي: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [الأعراف: 133].

أخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - في قوله: "آيات مفصَّلات"، قال: كانت آياتٍ مفصَّلاتٍ، يتْبع بعضُها بعضًا ليكون للَّه الحجَّة عليْهِم، وقيل في الطُّوفان: إنَّه الطاعون.

وقال تعالى: {وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزحرف: 48]، قال البغوي: "فكانت هذه دلالاتٍ لموسى، وعذابًا لهم، فكانت كلُّ واحدةٍ أكْبر من الَّتي قبلها".

ونسمع هذه الأيَّام بمرض "إنفلوانزا الخنازير"، الَّذي أصاب الآلاف، وأوْدى بِحياة قرابة المائتين، وهو آخِذٌ في الانتشار، فقد حذَّر الرَّجُل الثَّاني في منظَّمة الصِّحَّة العالميَّة من أنَّه لا توجد أي منطقة في العالم بِمنأى عن خطر هذا الفيروس، وقال مسؤول كبير: "لا نَعْرِف بعدُ كيْف سيتطوَّر المرض، لكنَّنا نشعر بالقلَق؛ لأنَّ معظم الَّذين توفُّوا به هم من الشَّباب والبالغين الأصحَّاء".

ولذلك بادرت إحدى الدول العربية إلى إصدار قرار بإبادة كل قطعان الخنازير التي تملكها فورًا، مليارات الدُّولارات تُصْرَف، وجهود عظيمة تُبْذل، واستِنْفار دولي يرفع مؤشِّرات الضَّغط النَّفسي والشَّد العصبي إلى أعلى درجاتِه، قِيَم الأسهُم في كثيرٍ من الشَّركات الكبرى تنهار، وجيوش من الأطبَّاء يجنّدون في كلِّ مكان، وتخوُّفات من الإصابة بكسادٍ عالمي كبير، حيث وصلت تكلِفة مواجهة أوبِئة الإنفلونزا العام الماضي إلى ثلاثةِ تريليونات دولار، بالإضافة إلى تسبُّبِه في انخفاض يُقارب 5% من إجْمالي النَّاتج المحلي العالمي.

وفي المكسيك، أُغلقت المؤسَّسات التعليميَّة؛ تحسُّبًا لانتِشار الفيروس، ومَنَع "مجلس الأمن القومي الصِّحِّي" التجمُّعات، ومشاركة الجمهور في كافَّة مباريات كرة القَدم؛ بل مُنع النَّاس أن يخرجوا من بيوتِهِم خَمسة أيَّام، حتَّى لا يختلط بعضُهم ببعض، كلُّ ذلك من أجل مواجهة مرض كانوا في غنية عنْه، لو علموا حكمة شرْعِنا في تَحريم أكل لحم الخنزير.

قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3].

إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لا يحرِّم عليْنا شيئًا إلا لصلاح أحوالِنا، وسلامة أبدانِنا، لقد أثبت الطِّبُّ الحديث أنَّ الخنزير يحمل 450 مرضًا وبائيًّا، وهو شرس الطِّباع، تكتنِف حياتَه الجنسيَّةَ الفوضى، ولا يخصِّص لنفسه أنثى معيَّنة، وهو مع ذلِك يأْكُل القمامات والنَّجاسات والقاذورات بشراهةٍ ونَهم، ويأكل الجِيَف، بما فيها جِيف أقرانه، وإن لم يَجد شيئًا أكَل فضلاته، وفوق كلِّ هذا، فالخنزير ينقل صِفاتِه لكلِّ مَن يتناول لحمَه، ويسبِّب مع الوقت أمراضًا عقليَّة وبدنيَّة، وبالأخص الأمراض التَّناسليَّة المدمِّرة؛ لما يشتمل عليه جِسْمُه من ديدان وأمراض، فهل يجوز بعد هذا أكله؟

الخطبة الثانية

عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه -: أنَّه سمع رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يقول عام الفتح وهو بمكَّة: ((إنَّ الله ورسولَه حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام))؛ مسلم.

وعن أبِي هُرَيْرة - رضي الله عنْه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله حرَّم الخمر وثَمنها، وحرَّم الميتة وثَمنها، وحرَّم الخنزير وثمنَه))؛ صحيح الترغيب.

ألا وإنَّ الهدى هدى الله، وإنَّ النجاة في كتاب الله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]، وإنَّ الفلاح في سنَّة رسوله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - القائل: ((تركتُ فِيكم شيئَين لن تضلُّوا بعدَهُما: كتابَ الله وسنَّتي، ولن يتفرَّقا حتَّى يرِدَا عليَّ الحوض))؛ صحيح الجامع.

فأهلُ الطَّاعة والتَّقوى في مأمنٍ من الهُموم والغُموم، وفي بُعْدٍ عن الضَّجر والقَلَق، ذلك بأنَّهم حقَّقوا طاعةَ الله، واجتنبوا معاصيَه، فربُّنا - جلَّ وعلا - يقول: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: 48] ويقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13].

اللَّهُمَّ إنَّا نسألك من الخيرِ كلِّه، ما علِمْنا منه وما لم نعلَمْ، ونعوذ بكَ من الشَّرِّ كلِّه ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللَّهُمَّ إنَّا نعوذ بك من الجُنُون، والجذام، والبرص وسيِّئ الأسقام، اللَّهُمَّ إنَّا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللَّهُمَّ إنَّا نسألك العفْو والعافية في الدين والدُّنيا، والأهْلِ والمال، اللَّهُمَّ استُر عوراتنا، وآمِن روْعاتنا، اللهُمَّ احفَظْنا من بين أيدينا، ومِن خلْفِنا، وعن أيْماننا، وعن شَمائِلنا، ومن فوقِنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تَحتنا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
علامة استفهام
المراقب العام
المراقب العام


وسام الابداع

اوفياء المنتدى

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

انثى الابراج : السمك عدد المساهمات : 1301
تاريخ الميلاد : 03/03/1977
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 39
المزاج المزاج : الحمدلله

مُساهمةموضوع: رد: ملف كامل عن مكارم الأخلاق   الإثنين 21 يناير - 5:52

سلسلة مكارم الأخلاق (15)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://up.aldwly.com/uploads/13621361613.gif
 
ملف كامل عن مكارم الأخلاق
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: