منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الإمام أحمد بن حنبل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ايه
مشرفة
مشرفة


المشرفة الموميزة

شعلة المنتدى

اوفياء المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 1257
تاريخ التسجيل : 04/11/2010

مُساهمةموضوع: الإمام أحمد بن حنبل   الأربعاء 27 فبراير - 14:30

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
الإمام أحمد بن حنبل

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ماذا تعني كلمة الرباني ؟

أيها الأخوة الكرام، أنهينا في الدرس الماضي موضوع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وننتقل اليوم إلى إمام ثالث، هو الإمام الرباني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أحمد بن بلال بن أسد الدهلي الشيباني، أعني ابن حنبل، وأشدُّ ما لفت نظري كلمة الإمام الرباني:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 79]

معنى الإنسان الرباني، أي أنه لا يتحرك إلا بتوجيهات الله، لا يحب إلا لله، لا يبغض إلا لله، لا يعطي إلا لله، لا يمنع إلا لله، لا يصل إلا لله, لا يقطع إلا لله, كل حياته مشغولة بذكر الله, بالدعوة إلى الله, بخدمة الخلق إلى أن يلقى الله، والله عز وجل أمرنا أن نكون ربانيين .
فهناك إنسان رباني، وهناك إنسان شهواني، الشهواني مع مصالحه، مع نزواته، مع غرائزه، مع أهدافه الخسيسة، أما الرباني ينطلق من توجيهات الله، نفسه ليست له، فنيت نفسه في حب الله، يعطي لله، يمنع لله، يسامح لله، يغضب لله، يرضى لله، لا يتكل إلا على الله، لا يرجو إلا الله، لا يعلق الأمل إلا بما عند الله, لا يخاف إلا الله .
أيها الأخوة، يجب أن نكون جميعاً ربانيين .

ما قاله الشافعي عن أحمد :

1- عن ورعه :
قال حرملة, سمعت الشافعي, يقول:

((خرجت من بغداد، وما خلفت بها أفقه، ولا أزهد، ولا أورع، ولا أعلم من أحمد بن حنبل))
شيء في هذه المقولة يلفت النظر، يا ترى, هل دعاتنا يعرف بعضهم قدر بعض, أم يطعن بعضهم ببعض؟ هل هناك إنصاف؟ هل عندك الجرأة الأدبية أن تقول: فلان إنسان جيد، إنسان عالم، إنسان ورع، وأنت عالم مثله، أم توجد عداوة؟ إن لم ننصف بعضنا، إن لم نعرف قدر بعضنا, نسقط جميعاً من عين الله .

2- ما قاله المزني عن أحمد نقلاً عن الشافعي :
وقال المزني: قال لي الشافعي:

((رأيت ببغداد شاباً إذا قال: حدثنا, قال الناس: صدق، قلت: ومن هو؟ قال: أحمد بن حنبل))
أخواننا الكرام، الدعوة إلى الله دعوتان؛ دعوة إلى الله خالصة، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله، الدعوة إلى الله من خصائصها؛ الاتباع، وإنكار الذات، والتعاون، والاعتراف بالفضل، والدعوة إلى الذات المغلفة بالدعوة إلى الله من خصائصها؛ الابتداع، والتنافس، وإنكار الفضل، والطعن في الآخرين، فقبل أن تدعو إلى الله, يجب أن تتأكد ما إن كنت حقيقةً تدعو إلى الله، أم تدعو إلى ذاتك، وأنت لا تدري .

3- ما وصفه الشافعي :
قال الزعفراني: قال لي الشافعي:

((ما رأيت أعقل من أحمد))
بالمناسبة الإنسان لا يزيد عن أن يكون عقلاً يدرك، وقلباً يحب، والنبي عليه الصلاة والسلام بحكمةٍ بالغة, ربط العقل بالقلب, فقال:

((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً))
ذات مرة ضربتُ مثلاً: لو وضعنا على طاولة قطعة الألماس, ثمنها ثمانية ملايين ليرة، هي بحجم حبة البندق, وكأس كريستال ثمنه ألف ليرة، وقلنا لك: اختَرْ، ألا أستطيع أن أكتشف عقلك من اختيارك؟ .
إذا كان عقلك أرجح, اخترت قطعة الألماس, ثمنها ثمانية ملايين، فعن أبي قتادة:

((أتمكم عقلا, أشدكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمركم به، ونهى عنه نظرا، وإن كان أقلكم تطوعا))
فإذا رأيت إنسانًا كل همه طاعة الله، كل همه التقرب إليه، كل همه موالاة أحبابه ، معاداة أعدائه، كل عطائه لله، كل منعه لله، كل وقته لله، لا يرضى إلا إذا رضي الله، هذا الإنسان إذا قلت له: ما أعقلك! ففعلاً ليس هناك من هو أعقل منه .
يروى أن أبا سفيان لما فتح النبي مكة المكرمة, قال:

((يا محمد, ما أعقلك، وما أرحمك، وما أوصلك، وما أحكمك!))
لذلك لا يمكن أن يسمَّى العاصي عاقلاً، ولو كان يحمل شهادة بورد، أبداً، لا يمكن أن يسمى العاصي عاقلاً، لكن يسمى ذكياً في اختصاصه، في الاحتيال، في كسب المال، في الإيقاع بين الآخرين، هو ذكي جداً، ذكاء شيطاني، أمّا أن يسمى عاقلاً, فلا، إنما الدين هو العقل، وَمَن لا عقل له لا دين له، لمجرد أن تعصي الله, فأنت مدموغ بالغباء والكفر، لقول الإمام الغزالي:

((يا نفس, لو أن طبيباً منعكِ من أكلة تحبينها، لا شك أنكِ تمتنعين- مثل واقعي؛ رجل معه ضغط شرياني، يقول له الطبيب: اترك اللحم، يقول: حاضر طبيب-, يا نفس, أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله؟ -يقول له الطبيب : اترك الملح، فلا يذوق الملح شهرين، بع بيتك، يعرضه للبيع مباشرة- يا نفس, أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله؟ إذاً: ما أكفركِ !! أيكون وعيد الطبيب -يقول له الطبيب: يصبح معك جلطة انتبه- أشد عندك من وعيد الله جهنم؟ -إذًا: الجلطة أشد وأخوف عندك من جهنم-، قال: إذاً: ما أجهلكِ!))

4- الخصال التي كانت في الإمام أحمد :
وعن الشافعي قال:

((أحمد إمام في ثماني خصال؛ إمام في الحديث، إمام بالفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في السنة، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في الفقر))
أما عند الفقر, فهناك تعليق جيد, يقول التجار: إذا لم تملك مكتبًا فخمًا، وسيارة غالية, فلا تستطيع أن تعمل، ولا بد لك من سمعة كبيرة، وهذه أثرها خاص بالتجارة، هذه الكلمات تشير إلى مظهر الغني، مكتب فخم، ومركبة فخمة، ومظاهر فخمة، فترى الناس يشترون، ويوكلونك وكالات، ويثقون بك، أما عند العلماء فبالعكس، كلما كان العالم أكثر زهداً, ارتفع عند الله، لأنه إذا انغمس في الرفاهية, لم يصدقه الناس، ولو ادعى الورع والزهد .

((يا محمد, أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره))
فإذا رأيت عالمًا حياته خشنة، ووسط، فهذا وسام شرف له، لأنه الورع حسن، لكن في العلماء أحسن، والسخاء حسن، لكن في الأغنياء أحسن، والتوبة حسنةٌ، لكنها في الشباب أحسن، والحياء حسن، لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والعدل حسن لكن في الأمراء أحسن .
ورد عن النبي أنه قال:

((الفقر فخري، والزهد حرفتي, واليقين قوتي، والعلم سلاحي, والمعرفة رأس مالي، والرضى غنيمتي، وذكر الله أنيسي))

[ورد في الأثر]

مناسبة هذا القول لمضمون الفقرة :

قال بعض العلماء:

((لو أحمد بن حنبل لم يبذل نفسه لِما بذلها له, لذهب الإسلام))
وهناك أمرٌ خطير وقع في عصر الإمام أحمد بن حنبل، فقد شاعت بدعة لا أصل لها، وهي أن القرآن مخلوق، وقد اعتنق هذه البدعة الخليفة، وأي عالم لا يقر أمام الناس بهذه البدعة, يُقتل, ويسجن، ويعذب، وأكثر علماء زمانه قالوا: القرآن، والإنجيل، والتوراة، والزبور, كلها مخلوقة، كما تريدون، والقائلُ منهم يقصد أصابعه عندما يَعُدُّ هذه الكتب، ومَن قال كذلك سلِم من العذاب، إلا الإمام أحمد بن حنبل، فقدْ رفض أن يقر بهذه البدعة، فدخل السجن، وضرب، وعذب سنوات عدة، إلى أن أكرمه الله، وأظهر الحق على يديه .
قال بعض العلماء:

((لو أحمد بن حنبل لم يبذل نفسه لِما بذلها له, لذهب الإسلام))
لذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى, رأى طفلاً صغيرًا أمامه حفرة، كاد أن يقع فيها, فقال له:

((إياك يا غلام أن تقع, فقال: بل إياك أنت يا إمام أن تقع، إني إن وقعتُ وقعتُ وحدي، ولكن إنك إنْ سقطتَ, سقطَ العالَمُ معك))
أحيانًا تكون الأنظار معقودة بعالم يسقط, فيسقط الناس معه، يخيب ظنهم، أحياناً تُعلِّق الآمال على عالم، فإذا تكلم بخلاف قناعته سقط، لذلك قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 39]

لماذا ضَنَّ الله عز وجل على هؤلاء الدعاة بالصفات الكثيرة؟ أليسوا صادقين؟ ألم يذكر أنهم صادقون؟ ألا يصلُّون؟ ألا يصومون؟ أليسوا أمناء؟ لماذا ذكر ذلك؟ قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 39]

يخشونه فقط، لأنّ هذه الصفة اسمها في البلاغة: صفة مترابطة مع الموصوف ترابطًا وجوديًّا، فإذا ألغينا الصفة, ألغينا الموصوف .
تقول: الطائرة كبيرة، والبيت كبير، صفة عادية، قل: غالية الثمن، واليخت أيضاً غالي الثمن، قل: فخمة، والباخرة فخمة، لكن قل: تطير، فهذه الصفة تنفرد بها الطائرة، فإذا ألغيناها ألغينا الطائرة، الطائرة التي وضعت قرب مسجد الشيخ رسلان, هل تطير؟ هذه مطعم، وليست طائرة، كانت طائرة قبل هذا، ما دامت أنها لا تطير, فإذاً ليست بطائرة، بل هيكل طائرة، وربنا عز وجل لما ذكر الذين يبلغون رسالات الله، ما ذكر من صفاتهم إلا صفة واحدة، هي أنهم يخشون الله، ولا يخشون أحداً إلا الله، فإذا تكلموا بالباطل إرضاءً لمن يخشونه، وسكتوا عن الحق إرضاءً لمن يخشونه، فماذا بقي من دعوتهم؟ انتهت، ليس لنا علاقة باستقامتهم، إنه صائم، ويصلي، صادق، أمين، يهمنا إن سكت عن الحق إرضاءً لمن يخشاه, أو نطق بالباطل إرضاءً له, انتهى أمره، فهذه صفة مترابطة مع الموصوف ترابطًا وجوديًّا, قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 39]

الدرجة العلمية التي توصل إليها الإمام أحمد :

أحمد بن حنبل إمام الدنيا، هو إنسان مؤمن، مؤمن كبير، عالم جليل، فقيه، ثم يصل إلى أعلى مرتبة؛ إمام الدنيا .
في الكتب أحيانا يقول لك المؤلِّف: فريد عصره، ووحيد زمانه، الإمام أحمد بن حنبل وصل إلى أعلى درجة، ورغم ذلك جاءه وفد من المغرب معه ثلاثون سؤالاً، طرحوها عليه, فأجاب عن سبعة عشر سؤالاً، والباقي قال لهم: لا أدري، فقالوا: هل من المعقول أنّ الإمام أحمد لا يدري؟ قال لهم: قولوا لمن أرسلكم: إنّ الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم .
العلم هكذا، كلمة (لا أعلم) وسام شرف، هل تصدقون أن الذي يعلم كل شيء لا يعلم شيئاً؟ يجب أن تكون دقيقًا في كلامك، سألوك سؤالاً دقيقًا في الفقه, اتركه للغد، راجعه ، لا تتسرع، وإنْ تعطِ جوابًا سريعًا تصغر، كلمة (لا أعلم) أفضل مليون مرة من أن تعطي فتوى غير صحيحة، لأنه تعلق الناس بك ليس شيئًا قليلا، وأنا عندي سواء أن يحرِّم شخص حلالاً، أو أن يحلل حراماً، فهما سيان، وهذا شيء يمكن أن يكون .
بالمناسبة أي إنسان يقول لك: هذا حرام, فشيءٌ سهلٌ، أما أن يقول لك: حلال، فلا بد أن يعطيك الرخصة والدليل، فقبل أن تقول: حلال أو حرام, عُدَّ إلى المليون، وارجع إلى المراجع، أو اسأل، وهذه نقطة مهمة جداً .

ما هي القدرة الذهنية التي كان يتمتع بها الإمام أحمد, وهل كان يستعين بكتاب حينما يحدث ؟

قال علي بن المديني:

((ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل, وبلغني مع ذلك أنه كان لا يحدث إلا من كتاب))
هذا الذي أمامك أمانة في عنقك .
سمعت عن خطيب أنه قادر على أنْ يلقي خطبة، ولو كان يستلقي على الفراش ، لشدة ثقافته وتمكنه، ومع ذلك لا يلقي على الناس خطبةً إلا من ورقة، فقالوا له: لماذا يا سيدي؟ قال: لأن هذه الخطبة أمانة, سوف أحاسب عنها, كلمةً كلمة، وحرفاً حرفاً .
مرة سألوا أحد رؤساء الجمهوريات في أمريكا: كم تعِدُّ لخطاب يلقى في عشر دقائق؟ قال: عشر ساعات، كم تعِدُّ لخطاب يلقى في ساعة؟ قال: ساعة، كم تعد لخطاب يلقى في ثلاث ساعات؟ قال: لا أعدُّ له إطلاقاً، عند ذلك أقول كلَّ ما يخطر على بالي, والله عز وجل جمع لك الناس، وقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[سورة الجمعة الآية: 9]
مَن جمع لك الناس؟ الله عز وجل، إنّهم لم يأتوا رغبةً في شخصك، بل جاؤوا ينفذون أمرًا إلهيًّا، فما دام الله عز وجل هو الداعي, فكيف يكون إعدادك للخطبة؟ لا بد من إتقانها الإتقان كله .
قال علي بن المديني:

((ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني مع ذلك أنه كان لا يحدث إلا من كتاب))
ولنا به أسوةٌ حسنة، إن هذا العلم دين، حديث حديث، آية آية، تفسير دقيق، ضبط للنصوص، شرح أصولي، لأن هذا أمانة، إن هذا العلم دين, فانظروا عمن تأخذون دينكم .

((ابن عمر دينك دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، -استقامت عقيدتهم، واستقامت نصوصهم، واستقامت أخلاقهم-, ولا تأخذ عن الذين مالوا))

أمر وجه من الإمام أحمد إلى علي بن المديني :

قال علي بن المديني:

((أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألاَّ أحدث إلا من كتاب))
مرة سيدنا عمر قال:

((كنت قد أعددت كلاماً قاله عني أبو بكر))
قال خطيب يومًا: أصعد إلى المنبر, وليس في ذهني ما أقوله، وأتركه على التيسير.
مرة قال لي شخص حضر خطبة: فتح ثمانية وعشرين موضوعًا، ولم يغلق واحدًا، خطر له خاطر قاله، وهذا خطأ فادح، حدثنا رجل توفي رحمه الله، له أب من رواد مسجد، يلاحظ شخصًا في أثناء الخطبة, يجلس على الباب الخارجي للمسجد، يتسلى مع المارة، والخطيب على المنبر، هل هذا معقول, والخطيب على المنبر؟! فجاء, وقال له: يا رجل، أنت مسلم، وحرام عليك ما تفعله، والخطبة مستمرة، والخطيب على المنبر، قال له : أنت مِن كم سنة لك في الجامع؟ قال له: ست سنوات، قال له: أنا منذ ثمانية وعشرين عامًا، فاذهبْ وأحْضِرْ لي كلمة من كلام الخطيب, حتى أكمل لك الخطبة كلها، فمنذ ثمانية وعشرين عامًا لا يوجد في الخطبة تجديد ولا جديد .
إذا كان الله عز وجل هو الذي دعا الناس إلى المسجد، فينبغي أن تعد كلامك، وإعداد الكلام احترام للحاضرين، واحترام لوقتهم، واحترام لمجيئهم، ولأشخاصهم، لأنهم اختاروك على غيرك .

أحمد بن حنبل حجة الله على خلقه :

قال أحد العلماء:

((أحمد بن حنبل حجة الله على خلقه))
يعني لو فرضنا أن الفساد عمَّ، والناس كلهم مدُّوا أيديَهم إلى الحرام، وأحد الناس يعاني من أشد أنواع الفقر، وما مد يده، فهذا حجةٌ على مَن حوله .
أحيانا يعمُّ الفساد، ويقول لك رجل: أنا أعمل بقدر الراتب، لو وجدت إنسانًا مِن ذوي الراتب المحدود يعمل بإخلاص, فهذا الإنسان حجةٌ على مَن حوله .
كل الناس يطلقون أبصارهم في الحرام، وشاب في مقتبل العمر, يغض بصره غضاً حازماً, نقول هذا الشاب: حجةٌ على الشباب، والله عز وجل في كل زمان له أولياء, هم حجةٌ على من عاصرهم، معظم الناس انحرفوا، وفلان لماذا لم ينحرف؟ .
في الزراعة قاعدة لطيفة: أنت بعت بذورًا لخمسين فلاحًا، وجاءك ثلاثة منهم يقولون: ما نبت البذر، لكنَّ واحدًا نبت عنده البذر نباتًا جيدًا، فهذا الواحد حجة على مائة، ويكون الخطأ منهم، لأنه لو كان الخطأ من البذر لما نبتتْ بذرة واحدةٌ، فالخطأ بالمزارع، لأنّ مزارعًا آخر نبت عنده البذر نباتًا جيدًا، فمعنى هذا: أن هذا المزارع حجة على بقية المزارعين .
الأنبياء حجةٌ على الخلق، فمن هو النبي؟ النبي بشر، ولولا أنه تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر، يحب كما نحب, ويشتهي كما نشتهي، ويغضب كما نغضب، ويخاف كما نخاف، ويرجو كما نرجو، ويجوع كما نجوع .
قال عليه الصلاة والسلام:

((أوذيت بالله وما أوذي أحد مثلي، وخفت بالله وما خاف أحد مثلي، ومضى علي ثلاثون ما بين يوم وليلة, لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال))
إذًا: جاع النبي، وخاف، قال تعالى:

﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾

[ سورة القصص الآية: 21]

هذا سيدنا موسى خرج من مصر خائفًا، فالنبي يشبع ويجوع، ويرتوي ويظمأ، ويطمئن، لولا أن النبي عليه الصلاة و السلام تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر .

اصغ السمع لهذا القول :

قال أبو الحسن الميموني، قال لي علي بن المديني بالبصرة قبل أن يمتحن، وبعد ما امتحن أحمد بن حنبل، وضرب، وحبس، وأُخرج:

((يا ميموني, ما قام أحد في الإسلام ما قام به أحمد بن حنبل، فتعجبت من هذا عجباً شديداً, وأبو بكر الصديق رضي الله عنه, و قد قام في الردة، وأمر الإسلام ما قام به، قال الميموني: فأتيت أبا عبيد القاسم بن سلام, فتعجبت إليه من قول علي, قال: فقال لي أبو عبيد مجيباً: بأي شيء يا أبا عبيد ذكرت له أمر أبي بكر؟ قال: إن أبا بكر وجد أنصاراً، وأعواناً، وأن أحمد بن حنبل لم يجد ناصراً واحداً))
عندما امتحن ، ودعي إلى أن يقر أنَّ القرآن مخلوق, لم يجد ناصراً واحداً، ضحى بحياته، وقال: أنا لا أقبل، هذه عقيدتي، ودخل السجن، وعُذب، وضُرب بالسياط، ولم يكن له ناصر .
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا, أنتم أصحابي, أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان, الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ, كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، أجره كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم، قالوا: ولمَ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون))
إذا أحَبَّ الشاب في زماننا أن يستقيم, فأولُ مَن يعارضه أهلُه، المسلمون الذين يصلون في المساجد, منهم مَن يريد اختلاطًا، غناء، أجهزة لهو، هكذا، فإذا كان سيدنا أحمد بن حنبل له موقف رائع، وهو أنه حينما نطق بكلمة الحق، و لم يعبأ بأحَدٍ، ولم تأخذه في الله لومة لائم، لم يجد ولا ناصراً واحداً، لكن الله كان معه ثم نصره .

ما قيل عن أحمد :

قال أبو جعفر:

((كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين))
وقال بعضهم:

((ما رأيت أحداً أجمع لكل خير من أحمد بن حنبل))
أنا أردت من هذه الدروس الخمسة أو الستة, أن تقول: إنْ قلت: فلان حنبلي، فلان شافعي، فلان حنفي، فلان مالكي، أنْ تدرك أنّ هؤلاء أعلام كبار، هؤلاء جمعوا بين العلم والعمل، جمعوا بين العلم والعبادة، بين العلم والطهر، بين العلم والإخلاص، هؤلاء قدوة لنا، وهم علماء كبار، وخلاصة الأُمّة .
والإمام الحسن البصري، وأنتم جميعا تعرفون قصته، لما أدى واجب العلم، وتحدث في عهد الحجاج بكلام أغضب الحجاج، قال لمن استمع لكلامه:

((يا جبناء، والله لأسقينَّكم من دمه، أول شيء طلب السياف ليقطع رأسه, ثم قال: ائتوني به .
دخل الإمام الحسن البصري رأى الحجاج غاضباً، والسياف جاهز والنطع, تمتم الحسن البصري بكلمات ما فهمها أحد، ثم وقف الحجاج، واستقبله، وقال له: أهلاً بأبي سعيد، وأدناه من مجلسه، ثم أجلسه على سريره، وما زال يدنيه منه، ويثني عليه, حتى قال له: يا أبا سعيد! أنت سيد العلماء، ثم عطره، واستفتاه، وأكرمه، وضيفه، وشيعه .
نظر السياف، -لماذا أحضرتموني إذًا؟- فلحقه الحاجب، وقال له: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فعل فيك، فماذا قلت لربك؟ قال له: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، فاستجاب الله له، وألقى في قلب الحجاج هيبته وتعظيمه))
أخواننا الكرام، مَن هاب الله, هابه كل شيء، جرِّبْ، لا تخش إلا الله، وسيسبغ الله عز وجل عليك الهيبة والجلال .
يروون قصة سمعتها من رجل, لا يزال حيًّا يرزق، هذا الرجل يكون والده التلميذ الأول للشيخ بدر الدين الحسني، الذي أرسل إليه السلطان عبد الحميد الصدر الأعظم, الدولة العثمانية كانت تبسط سلطانها على الدول العربية كلها، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، مدة أربعمائة عام, وهي دولة تحكم دول شمالَ أفريقيا بأكملها، والشرق الأوسط بأكمله، والعراق, وإيران, والحجاز، فما قيمة صدرها الأعظم -رئيس وزارتها-؟ شخصية كبيرة جداً، فلهيبة الشيخ بدر الدين عند السلطان, أرسل له الصدر الأعظم, يدعوه لحضور احتفال في استانبول.
ركب البارجة، وتوجه نحو بيروت، ثم ركب مركبة إلى دمشق، ودخل على الشيخ, ينقل له دعوة السلطان, لحضور الاحتفال في استانبول، قال له: يا با, أنا لا أحب هذه الزيارات، من شدة هيبته, كان إذا رفض شيئاً, لا يجرؤ أحد أن يعيد عليه الطلب، وكذا الحال إنْ قلت: ليس لديّ رغبة، وأنا مشغول، ومع ذلك يسحبونك بسيف الحياء، شئتَ أم أبيت، سلم عليه، واعتذر منه .
رجع هذا راكبًا البارجة، ووصل إلى الإسكندرون، ثم تذكّر أنّ الصدر الأعظم، يأتي إلى الشام، ويدعو عالماً، ثم يذهب معه، فكَبُرَت عليه أن يرجع خائبًاً، فقرر أنْ يرجع، ويأخذه بالقوة، فرجع خمسة أيام أخرى بالبحر، وصل للشام, دخل عليه، وكان يصلي، فسلم، وقال له: يا با, أنت رجعت، فارتبك، وقال له: نسيت أن أقبل يدك سيدي، فرجعتُ لأقبِّلها، فدَقِّق النظر رعاك الله .
على قدر الطاعة، على قدر الاستقامة، على قدر الإخلاص, يلبسك الله ثوبَ التقوى والهيبة، وأحياناً تجد رجلاً ليس له قدر أبداً، لكثرة معاصيه وتقصيره، فمن اتقى الله, هابه كل شيء .
الظاهر بيبرس، هذا القائد الذي ردّ المغول، من أكبر القواد، ردّ أكبر هجمة تترية على المسلمين وبلادهم، قال:

((واللهِ ما استقر ملكي, حتى مات العز بن عبد السلام، لشدة هيبته))

سؤال وجه إلى بشر بن الحارث :

قلت لبشر بن الحارث:

((ألا صنعت كما صنع أحمد بن حنبل، عندما وقف موقفاً حازماً من موضوع خلق القرآن؟ فقال: تريد مني مرتبة النبيين, لا يقوى بدني على هذا، حفظ الله أحمد بن حنبل بين يديه، ومن خلفه، ومن فوقه، ومن أسفل منه، وعن يمينه، وعن شماله، فالله قد حفظه))
إذا كان الله معك فمن عليك, وإذا كان عليك فمن معك؟ .

انظر إلى هيبة الإمام أحمد في قلوب الخلق :

قال بعضهم: سمعت بشر بن الحارث, يقول: سئل عن أحمد بن حنبل بعد المحنة فقال:

((أأنا أسأل عن أحمد بن حنبل؟ أُدْخِلَ الكير - أي السجن- فخرج ذهباً أحمر))
أي خرج ذهباً، ولماذا الألماس غالٍ؟ هناك قطعة ألماسٍ بثمانية ملايين، حجمها قدر حبة البندق, لماذا؟ لأن الألماس أساسه فحم، ولكنه تحمل ضغطاً بشكل غير معقول، ضغطٌ وحرارة, حوَّلت الفحم ألماسا، فكل واحد منا إذا تحمل ضغطاً وحرارة يصبح ألماسا، لا تصبح ألماسا إلا تحت الضغوط الشديدة، والاستقامة، والتحمل، فأنت معد لجنة عرضها السموات والأرض، هذه لا تأتي بركعتين بلا وضوء، ولا بليرتين تعطيهما فقيرًا، لا بد من انضباطٍ كاملٍ، يصحبه صبرٌ، قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 2]

مستحيل لا بد مِن فتنة، قال: أُدخِل الإمام أحمد الكير، فخرج منه ذهباً أحمر ، لذلك:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية: 216]

بعض الأئمة قال:

((بستاني في صدري، ماذا يستطيع أن يفعل أعدائي بي؟ إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟))
لذلك قال بعضهم:

((في الدنيا جنة, مَن لم يدخلها, لن يدخل جنة الآخرة))
أية جنة في الدنيا؟ جنة القرب، أنت استقمْ على أمره، وأطِعْه، وأخلص له، ثم انظر كيف يقربك, و كيف يسعدك, وكيف يدافع عنك, وكيف يلقي عليك ثوب الهيبة؟ .

من علامة الحب والبغض لأحمد بن حنبل :

قال بعضهم:

((إذا رأيتم الرجل, يحب أحمد بن حنبل, فاعلموا أنه صاحب سنة))
فعَن سَلْمَانَ, قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يَا سَلْمَانُ, لا تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ أُبْغِضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي))
هذا كلام غير معقول، أنْ يبغض رسول الله، مثلاً قال:

((حب الأنصار مِن الإيمان، وبغضهم من النفاق))
إنسان مؤمن، مخلص، مُتَفَانٍ في محبٌّ لله، متفان في طاعته، إن كنت تكرهه, فهذه علامة نفاق، وإن كنت تحبه, فهذه علامة إيمان .
قال:

((إذا رأيتم الرجل, يحب أحمد بن حنبل, فاعلموا أنه صاحب سنة، -مطبق للسنة- وإذا رأيت الرجل, يقع في أحمد بن حنبل, فاعلم أنه مبتدع، إذا وُجِد إنسان يكرهه فاعلم أنه مبتدع))
نحن الآن عندنا سنة نبوية مطهرة، فلو أنّ إنسانًا أعطاك توجيهًا خلاف السنة، و أنت قبلت هذا التوجيه، ورفضت السنة، فهل عندك إيمان؟ لا والله لا إيمان لك، هل يعلو عندك إنسان على رسول الله؟.
قال لي أخ, كان في مؤتمر مفتي دولة بأوروبا الشرقية، يضع خاتمَ ذهبٍ كبيرًا قال: جلس قريبًا مني، قال له: يا أستاذ، يا إمام, الذهب حرام على الرجال، وذكر له حديثًا لرسول الله، فقال له: هناك قول للإمام أبي حنيفة بالجواز، قال له: هل هذا معقول؟ قال له : عجيب أمرك! أنا أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: قال الإمام أبو حنيفة، إذاً: لا يعرف الفرق بين الرجلين .
يقول الإمام الشافعي:

((الحديث مذهبي، فإذا جاء الحديث خلاف كلامي, فاضربوا بكلامي عُرض الطريق))
الحديث قاعدة، أنا أؤكد على هذا، لو تلقيت توجيهاً من أكبر إنسان في الأرض، افرضه من شيخك، ووجدت حديثاً صحيحاً خلاف كلام شيخك، فماذا تعمل؟ يجب أن تلقي بكلام شيخك عُرض الطريق، وأن تأخذ بحديث رسول الله، هذا هو الإيمان، قد يكون مخطئًا، فهو ليس معصوماً، والأصل في التشريع قولُ النبي عليه الصلاة والسلام، فكل واحد منكم يتلقى توجيهاً يخالف توجيهات النبي، ثم ينفذِّها، ولا يعبأ بتوجيهات النبي, فكأن الإيمان قد خُلِع من قلبه، النبي معصوم بأقواله، وأفعاله، وإقراره، وأحواله، لا ينطق عن الهوى، كلامه وحي غير متلو، بنص القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

[ سورة النجم الآية: 3-4]

ما الأشياء التي حصل عليها أحمد بن حنبل ؟

وقال بعضهم:

((ما أعلم في أصحابنا أفقهَ منه، وما رأيت أكمل منه، اجتمع فيه فقه, وزهد، وأشياء كثيرة، وما رأيت مثله في فنون العلم، والفقه، والزهد، والمعرفة، وكل خير، وهو أحفظ مني، وما رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ منه))
الإنسان لماذا يحسد؟ إذا قلت لي الحسد جبلة بالإنسان، أنا لي اعتراض، من خلق هذه الجبلة؟ هل مِن أحَدٍ غير الله ؟ لماذا خلق هذه الجبلة في الإنسان؟ وهل الله عز وجل يخلق في الإنسان صفة سيئة، ويحاسبه عليها؟ مَنْ عنده جواب على هذا السؤال؟ الله أقره وقال:

﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾

[سورة الفلق الآية: 5]

أصل الحسد حيادي، لمَ خلقه الله في الإنسان؟ خلَقَهُ مِن أجل أنْ يغار من أخيه، من أجل أن يتنافس معه في الخير، نحن نقرأ عن أحمد بن حنبل، ألا يجب أن نغار، ونكون مستقيمين، ورعين، نتعلم، نعلم، نقف موقفًا جريئًا لا نتخاذل، والحقيقة: أنّ الحسد انحرافٌ للغيرة المشروعة، كيف أنه يوجد زواج وزِنا؟ ربنا سبحانه هو الذي صمم الأنثى ، فلماذا صممها؟ لتكون زوجة، هل صممها لتكون عاهرة؟ لا، هذا انحراف، وهي حيادية ، فقدْ أعطاها صفاتها لتكون زوجةً .
وحينما خلَقَ ربنا في الإنسان روحَ التنافس، أو تسميه تنافسًا، تسميه غيرة، تسميه حسدًا، تسميه غبطة، هلْ أتألّم إنْ سمعتُ عن رجل فاقني؟ لا، بل يجب أن أكون مثله، أصل هذه الجبلة مشروع، وجيد جداً، إما أنْ تنحرفَ هذه الجبلة عند أهل الدنيا فتكون حسداً، وإما أنْ تستقيم عند أهل الدين فتكون غبطة .
فالعلماء قالوا: المؤمن يتمنى أن يكون كمن تفوق عليه في أعمال الآخرة، إنسان حفظ كتاب الله، إنسان طلب العلم، علم العلم، الله رفع شأنه، أنتَ تألمتَ لأنك دونه، فحثثتَ الخطا كي تكون مثله .

الحصيلة العلمية التي توصل إليها الإمام أحمد في العلوم :

قال:

((أحصينا استشهادات أحمد في العلوم, فوجدناه يحفظ سبعمائة ألف حديث، أحد العلماء جمعوا كتبه، وقسموا صفحات كتبه على حياته، فكان يكتب كل يوم تسعين صفحة، منذ أن ولد حتى مات))
أنت كم صفحة تقرأ في اليوم؟ يجب أن نغار جميعًا، قال تعالى:

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

[ سورة المطففين الآية: 26]

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

[ سورة الصافات الآية: 61]

وإن قلت: أنا عندي عمل شاق، نقول لك: نظِّمْ وقتك، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، نظم وقتك، لا بد من أن تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله، وقتاً لمعرفة منهجه، وقتاً لطلب العلم, وقتاً لتربية أولادك، وقتاً كي ترقى به عند الله .
هناك نقطة أحب أن أعلق عليها تهمنا جميعاً:
لو تخيلنا رجلاً سافر إلى بلد أجنبي ليأخذ دكتوراه، وهو فقير، فلو أخذ دكتوراه في اختصاص نادر جداً، يرجع ليشغل أعلى منصب في بلده، ويتقاضى أعلى دخل، هذا مثل افتراضي، نحن نركز على المثل، يرجع رأساً ليسكن أفخر بيت بالشام، وله في المصيف بيت، ويركب أفضل سيارة .
فهناك يجب أن يعمل في بلاد الغرب ويدرس، وجد عملاً مثلاً بألف فرنك لمدة ساعتين, فهذا دخلٌ يكفيه، وجد عملاً لأربع ساعات، ولكن الأجر بأربعة آلاف فرنك، واللهِ هذا أفضل، وجد عمل لست ساعات بستة آلاف فرنك، وجد عملاً ثماني ساعات، وهو يفرح بهذا الدخل الاستثنائي، ولكن على حساب الدكتوراه والعلم، ثم لو وجد عملاً كحارس لأربع وعشرين ساعة بعشرين ألف فرنك, فهل يكون رابحًا بها؟ .
دققوا في المثل، أي إذا كان عملك قد امتص كل وقتك، وأعطاك مليونًا, فأنت أكبر خاسر، عندئذ ألغيتَ وجودك، وألغيت هويتك، كيف تعرف الله؟ كيف تعبده؟ كيف تدعو إليه؟ فالدخل إذا كبر جداً على حساب الآخرة, أصبح أكبر خسارة، لا بد من وقت فراغ، يجب أن تنفقه في طاعة الله .

من أخلاق الإمام أحمد بن حنبل :

قال:

((قدم صديق لنا من خراسان، فقال: إني اتخذت بضاعة، ونويت أن أجعل ربحها لأحمد بن حنبل، فكان ربحها عشرة آلاف درهم، أردت حملها إليه، ثم قلت: حتى أذهب إليه، فأنظر كيف الأمر عنده؟ ذهبت إليه, فسلمت عليه، فقلت: فلان، فعرفه، فقلت: إنه ابتاع بضاعة، وجعل ربحها لك، وهو عشرة آلاف درهم، فقال: جزاه الله عني خيراً، نحن في غنى وسعة، وأبى أن يأخذها))
لقد كان إماماً في الفقه والتعفف والتجمل, وبهذا يرقى الإنسان، أبى أن يأخذها .
قال:

((حُمل إلى الحسن ميراثه من مصر مائة ألف دينار، فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس، كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبد الله! هذا من ميراث حلال فخذها, فاستعن بها على علتك، قال: لا حاجة لي بها, أنا في كفاية, فردَّها، ولم يقبل منها شيئاً))
وهذا بعض ورعه .

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايه
مشرفة
مشرفة


المشرفة الموميزة

شعلة المنتدى

اوفياء المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 1257
تاريخ التسجيل : 04/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإمام أحمد بن حنبل   الأربعاء 27 فبراير - 14:31

أحد الأخوة الكرام سألني: ما الحكمة من هذه الدروس التي تتعلق بالأئمة الأربعة، الذين يكثر الحديث عنهم في كل مجلس علم، وفي كل درس فقه، وفي كل جامعة, وفي كل كلية؟ .
أيها الأخوة، أضرب لكم المثل التالي: إنسان عنده آلة, صنعت عام ألف وتسعمائة وثلاثين، متواضعة جداً، يعمل بها، صاحب هذه الآلة, إن لم يزر معملاً أرقى من المعمل الذي صنعت به، يظن أن هذه الآلة أرقى آلة في العالم، وعندئذٍ لا يطوِّرها، أما حينما يطلع على معامل أحدث، وأكبر، وأسرع، وأدق, وأكثر فائدةً، تصغر آلته في نظره، وهو الآن يصغر معها إن بقي على ما هو عليه .
الإنسان إذا انفتح على الآخرين، واطلع على ما عندهم، قرأ عن العلماء السابقين، المحققين, العاملين، المخلصين، المتبحرين يصغر, إلا أنه الآن يصغر من أجل أن يكبر، أما لو عزل نفسه عن دراسة أحوال العلماء, والفقهاء، والدعاة، والذين رفعوا راية هذا الدين، إذا عزل نفسه عن هؤلاء العظام, يكبر في نفسه، ويظن أنه أكبر الناس، وهو في الحقيقة أصغرهم، فبين أن تصغر لتكبر، وبين أن تتوهم أنك كبير، ولست في الحقيقة كبيراً، لما يخرج الإنسان يتحجم، ولما يتحجم, يرسم هدفًا كبير لنفسه, يسعى إليه .
أحيانا الإنسان يقتدي بهؤلاء العلماء بجرأتهم، بإخلاصهم، بورعهم، بتواضعهم، بتعففهم، بتقشفهم، بزهدهم، بصدق توكلهم، بحرصهم على رضاء الله عز وجل، يقتدي بهم، والإنسان أحياناً يستفيد من خبرات الآخرين، من هو العاقل؟ هو الذي لا يجعل من نفسه ضحيةً لمعلوماته، قد تتعلم فكرةً أو حقيقةً على حساب نفسك, فأنت الضحية، إذًا: تعلمت بعد أن ضحيت، أما العاقل يستفيد من خبرات الآخرين, لهذا قالوا: السعيد من اتعظ بغيره, والشقي لا يتعظ إلا بنفسه .
إذاً: نحن مع الانفتاح لا مع الانغلاق، مع الإطلاع لا على التقوقع, مع التعاون لا مع التنافس، مع أن تكون جندياً في جيش، لا أن تتوهم أنك قائد جيش، ولا يوجد جيش إطلاقاً .

ثقة الناس بابن حنبل :

أيها الأخوة، ما زلنا مع الإمام أحمد بن حنبل، عن سليمان بن حرب أنه قال لرجل:

((سل أحمد بن حنبل ما يقول في مسألة كذا، فإنه عندنا إمام))
فأحمد بن حنبل ما الذي اكتسبه؟ اكتسب ثقة الناس، وصدقوني أن أثمن شيء تمتلكه ثقة الناس، لأنهم إذا وثقوا فيك, أمكنك أن توجههم، وأمكنك أن تعلمهم، وأمكنك أن ترعاهم، فلذلك أعيد وأكرر ألف تصرف ذكي وحكيم ودقيق يشد الناس إليك، لكن تصرفًا واحدًا أحمق ينفرهم منك، ولعل في الآية الكريمة خير مؤيد لهذه الفكرة، قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 159]

بسبب الرحمة التي استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، بهذا اللين اجتمعوا نحوك ، انضموا إليك، وثقوا بك، جعلوك قدوةً لهم، جعلوك أسوةً لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب، لو لم تستقر الرحمة في قلبك, لكان مكان الرحمة القسوة, إذاً: لانفضوا من حولك، فاعفُ عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر .
الناس ليسوا أغبياء، من ظن أن الناس أغبياء, فهو وحده الغبي، الناس يعرفون الحق من الباطل، يعرفون المخلص من غير المخلص, يعرفون الصادق من الكذاب، يعرفون المنتفع من عمل ما من غير المنتفع، ويعرفونه بحدسهم .
في بعض الدول الأجنبية نظام المحلفين، نأخذ من الطريق خمسين رجلاً لا على التعيين من حِرَفٍ متنوعة، ومن ثقافات متنوعة، نعرض عليهم قضية قضائية معقدة، نقول لهم : ما رأيكم؟ رأيهم رأي الفطرة، رأيهم رأي بسيط، لكنه صادق، القاضي أحياناً يعرض القضية على خمسين محلفاً، وهؤلاء يدلون بآرائهم، وفي الأعم الأغلب تأتي آراؤهم صحيحة، لأنهم ليسوا مع هؤلاء، وليسوا مع هؤلاء، لا يتعرضون إلى ضغوط شديدة, فتغيِّرَ مجرى أحكامهم .

إليكم محتوى هذه الفقرة :

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول:

((قدمت صنعاء أنا ويحيى بن معين ، فمضيت إلى عبد الرزاق في قريته، وتخلف يحيى، فلما ذهبت أقرع الباب, قال لي جارٌ له بقّالٌ: لا تدقَّ الباب، فإن الشيخ يهاب، -عندنا الإمام النووي من نوى، أبو سليمان الداراني من داريا، يوجد علماء اشتهرت القرية التي ولدوا فيها، النيسابوري من نيسابور، أكثر العلماء الكبار كانوا من قرى، ولكن هذه القرى أصبحت علماً في تاريخ العلم- .
قال: فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج, فوثبت وقبَّلتُ يديه، وفي يدي أحاديث انتقيتها، فسلمت عليه، وقلت: حدثني بهذه يرحمك الله، فإنني رجل غريب، قال: ومن أنت؟ قال: أنا أحمد بن حنبل, فتقاصر وضمَّني إليه، وقال: بالله, أنت أبو عبد الله ؟! ثم أخذ الأحاديث، وجعل يقرؤها حتى أظلم الليل، فقال للبقال: هلم المصباح، وكان عبد الرزاق يؤخر صلاة المغرب))
فالمقصود: أين وصل صيته؟ إلى صنعاء، حيث استقبله هذا العالم الجليل، وتقاصر أمامه.
فكن كما يرضي الله عز وجل، واترك الأمر لله، فإنّ الله عز وجل هو الذي يرفعك ، فلا ترفع نفسك، إن رفعتها خفضك الناس، أمّا إن تواضعت لله, رفعك الله عز وجل، عندنا آية بهذا المعنى:

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

[ سورة الشرح الآية: 1-4]

ترى علماء كبارًا؛ هذا أصله قصاب، وهذا نجار، هذا دولاتي، نسمع بعالم كان يعمل (دولاتيًا)، فلما توفي مشى في جنازته أكثر من ألف إنسان، ورفعنا لك ذكرك، وكل آية تتوجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام لكل مؤمن منها نصيب, بقدر إيمانه واستقامته، إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً, ويضع به آخرين، وهذا حقٌّ وصدقٌ .

انظر إلى هذا الموقف من إسماعيل :

قال بعضهم: أخبرني عبد الله بن المبارك، وكان شيخاً قديماً، قال:

((كنت عند إسماعيل، فتكلم إنسان بشيء, فضحك بعضنا، وثَمَّ أحمد بن حنبل, قال: فأتينا إسماعيل, فوجدناه غضبان، فقال: أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟))
انظرْ إلى العلماء الصادقين، إنهم ملوك .
وهنا نقطة مهمة: إنّ الأقوياء في الأرض ملكوا الرقاب، بإشارة يحركون ملايين الناس، أما الأنبياء فقد ملكوا القلوب، وشتان بين أن تملك الرقاب، وبين أن تملك القلوب .
زارنا ضيف من دولة آسيوية، فالذي رافقه, اعتذر له, أن المطاعم مغلقة اليوم، لأنه يوم عيد مولد رسول الله، قال هذا الرجل: من كم سنة ولد؟ فقال له: من ألف وخمسمائة عام، فصعق, هل من المعقول أنّ إنسانًا من ألف وخمسمائة عام لا تزال ذكراه عطرة في قلوب الناس؟ الأنبياء ملكوا القلوب، أنت يكفي أن تقف أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وتنظر إلى مئات الألوف الذين يمشون أمام قبره ويبكون، ماذا أعطاهم هذا الإنسان, ولم يشاهدوه؟ ماذا أعطاهم؟ هل أعطاهم المال؟ كماله رفعه .

انظر إلى عظمة أحمد في قلب يزيد بن هارون :

قال بعضهم:

((ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لأحمد بن حنبل, ولا أكرم أحداً مثله، كان يقعده إلى جنبه, ويوقره, ولا يمازحه))
أخوانا الكرام، إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، إنسان مسلم, وقور, مستقيم، هل تصدق أنك إذا أكرمته, فكأنك أكرمت الله عز وجل؟ مجتمع المؤمنين مجتمع منضبط، مجتمع فيه محبة، فيه توقير، فيه احترام، فيه مهابة .
والله مرة دخلنا إلى بيت, أذكر ذلك كثيراً، أحد أخواننا أحب أن يشتري بيتًا، فقال لي: هل تذهب معي لتشاهد البيت؟ قلت له: نعم، دخلنا إلى غرفة, فيها جهاز اللهو, مفتوح على مسلسل، وأمامه ولد مستلقٍ على ظهره، رجلاً فوق رجل, يتابع المسلسل، دخلت أنا، ومعنا اثنين، فلم يتحرك، ما هذا الأدب؟ أين أخلاق المسلمين؟ .
النبي الكريم رأى شاباً يمشي أمام شيخ، فقال له:

((من هو؟ قال: أبي، قال: لا تمشِ أمامه، ولا تقعد قبله، ولا تناده باسمه))
لنا أخ أرسلوه في بعثة إلى فرنسا في دورة تدريبية، قال لي: أحببت أن أتعلم البراتيك، وقف على نهر السين، ووجد شابًا هائمًا، يتعلق نظرُه بمياه النهر، فسأله عن اسمه، وعن مشكلته، قال له: آه, لي في الحياة أمنية واحدة، قال له: ما هي؟ قال: أن أقتل أبي، قال له : ولمَ؟ قال: لأني أحب فتاةً فأخذها مني، انظروا إلى هذا الأب، وإلى هذا الابن .
الأب في الإسلام مقدس، هل تصدقون أن الله سبحانه وتعالى ينتظر من عبده أن يذكره كما يذكر أباه؟ فهل ثمّة آية في هذا المعنى؟ قال تعالى:

﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾

[ سورة البقرة الآية: 200]
معنى هذا أنّ الأب مقدس، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾

[ سورة التوبة الآية: 24]

بدأ بالأب، لأنه مصدر الاعتزاز الاجتماعي، أنا ابن فلان، وفي الفقه قضية تحيِّر الناس، وهي أنّ الابن إنْ مات في حياة أبيه، فأولاد هذا الابن المتوفى لا يرثون شيئاً، كيف؟ لكن فات هؤلاء حكمة الشارع العظيم، والنبي قال:

((العم والد))
لو أن هذا الأب نصيبه خمسون ألفًا، والأعمام أعطوا أولاد المتوفى خمسين ألفًا وانتهى الأمر، فالشرع قال: لا، الابن الذي يموت في حياة أبيه لا يأخذ شيئاً، لكن أعمام أولاده الصغار, مكلفون برعاية أولاد أخيهم, حتى نهاية الحياة، وهذا أفضل وأكمل، ولكن الناس الآن أكثروا في قطع الأرحام، ويجري العمل شرعًا بالوصية الواجبة، أما الأكمل أن العم والد، وعليه رعايتهم، وليأخذ هو الخمسين ألفًا من الميراث .

أقوال شتى :

يقول عبد الرزاق:

((ما رأيت أحداً أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل، وما رأيت مثلَه، وما قدم علينا مثلُه))
ربنا عز وجل يبعث على كل مائة عام, مَن يجدِّد لهذه الأمة دينها، وليس معنى هذا أنه واحد، لكن (مَن) تعني أكثر من واحد، وفي كل بلد, هناك رجل مجدِّد، كلما فرغ الدين من مضمونه، وبقي منه الطقوس، والشكليات، والحركات، والاحتفالات، والأناشيد، والولائم، والمزاهر، والكلابيات، والمسابح، والعطور، والمسواك، ولكن لا تقوى، ولا استقامة، تدخل إلى محل تجاري تجد: استقم كما أمرت، ومن تاب معك، والحقيقة لا تجد أيّةَ استقامة .
مرة كنت أصلي في مسجد، وهذه القصة قديمة من عشرين سنة، وهذا المسجد في أحد مصايف الزبداني، فمشيت مع رجل يتجه نحو سيارته، فلما وصلت, وكنتُ قد ظننته إنسانًا ملتزمًا, فوجدت امرأة متفلتة أشدَّ التفلت، كيف جمع بين خروج زوجته، وبين ارتياده المسجد؟.
قال يحيى بن معين:

((واللهِ ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، وليس في شرق ولا غرب مثله))
وقال بعضهم:

((أجاب أحمد بن حنبل عن ستين ألف مسألة بأخبرَنا وحدَّثنَا))
ستون ألفاً مسألة أجاب عنها بالأحاديث، أخبرنا وحدثنا، هؤلاء الذين يحملون السنة, أناس عظام جداً ، هؤلاء الذين نقلوا لنا سنة رسول الله, يجب أن نحترمهم احتراماً كبيراً .
قال بعضهم:

((أجمع المسلمون على أحمد بن حنبل، وقال: كنت إذا رأيته خُيِّل إليَّ أن الشريعة لوح بين عينيه))
أي قضية يجبُّ عنها، وحاجة الناس إلى العالم كحاجتهم إلى الهواء، حاجة الناس إلى الدين حاجتهم إلى الهواء, لأنه كتلة من لحم ودم, فيها شهوات, تريد أن تأكل أطيب الطعام، تريد أن تتزوج، تريد أن تعلو في الأرض، فإذا كانت بلا منهج، فالفساد واقع، بلا منهج يعتدي، العدوان من لوازم أي إنسان يتحرك بلا منهج، فالمنهج أساسي .
وإليكم هذا السؤال: طريق كله منعطافات، وعلى اليمين وديان، وعلى الشمال جبال، وفي الطريق نفسه؛ صخور, وتلال، وحفر، فحاجة هذه المركبة إلى مقود ماسَّة وضرورية، وحاجتها إلى سائق حكيم لازمةٌ حتمًا، لمجرد أن يغفل السائق, يقع الحادث لا محالة، ولمجرد أن يتعطل المقود, يقع الحادث وقوعًا حتميًّا، والإنسان في الحياة الدنيا دونَه مزالق كثيرة، النساء مزلق، المال مزلق، التجارة مزلق، الزواج مزلق، النزهة مزلق .

((يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً, يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل))

الإمام أحمد حجة الله في خلقه :

قال إسحاق:

((إني لأقيس أحمد إلى كبار التابعين، وهو حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، ولا يُدرَك فضلُه))
أخواننا الكرام, هناك نقطة مهمة جداً: في كل مجتمع، في المدرسة، في كل دائرة، ومستشفى، لله عز وجل فيه حجةٌ على بقية الناس، يجعل هناك رجلاً مستقيمًا، والضغوط نفسها، ضِيق الدخل نفسه، القسوة نفسها، المغريات نفسها، ومع ذلك فالمؤمن علَم يطبِّق منهج الله عز وجل في كل مكان، في كل مجتمع، في كل مؤسسة، في كل مستشفى، في كل دائرة إنسان مستقيم .
أحياناً يقولون: في الغابات الكثيفة إذا قلعوا أشجار غابة، أو قلعوا أشجارًا للاستعمالات الخشبية, يُبقُون علامات، وحدودًا بين الأراضي، وربنا عز وجل في كل مجتمع له علامات، فالمؤمن حجة الله على مَن في هذه الدائرة، الكل يأخذون مالاً حراماً، وهو لا يأخذ، بل الدنيا تحت قدمه، أنت أنصحك لوجه الله: كن أنت الحجة، وإياك أن تكون أنت المحجوج .

نبوغ الإمام أحمد :

قال بعضهم:

((لقد كاد هذا الغلام أن يكون إماماً في بطن أمه))
هذا الكلام أسوقه للآباء ، أحياناً يكون للأب طفل؛ فيه تفتح كبير، وذكاء، وطيب، وبراءة، فهذا الطفل له مستقبل كبير، فإياك أن تسوقه وأخوته بعصًا واحدة، إذا توافرتْ في الطفل علائمُ الذكاء, والنجابة, وطلب العلم، وحَفِظَ كتابَ الله صغيرًا، فهذا الطفل يجب أن تكرِّس كل حياتك من أجله، وانتبِهْ فقد يكون داعية كبيرًا، أو مصلحًا اجتماعيًا بارزًا، أو معلمًا جليلاً، وكل هذه الخصائص والأعمال في صحيفتك، أسوق هذه النصيحة للآباء الذين عندهم أبناء متميِّزون، ألمعية، تعلق بالدين .
أجد عندنا كثيرًا من الأخوة الصغار الذين أسمع منهم إجاباتٍ صعبٌ أنْ تُصدَّق، إجابة محكمة دقيقة، بلغة فصيحة، وهم صغار جداً، وهذه علامات نجابة، فكل أب له ابن بهذا المستوى, يجب أن يقف حياته، وإمكاناته, وكل جهوده, من أجل تفجير طاقات ابنه، ليكون امتدادًا له، وليكون خليفة له .
قال بعضهم:

((لقد كاد هذا الغلام أن يكون إماماً في بطن أمه))
وربنا عز وجل له حكمة بالغة، يعطي مؤشرات مبكرة، فترى في الطفل النجيب علائم النجابة في سن مبكرة، نحن يهمنا أن نكشف العبقريات، نكشف الطاقات العالية، نكشف الألمعية في الأبناء، فكل أب يهمل ابنه, والله يعد في حقه مجرماً، لأن الابن أكبر ثروة يملكها الأب, والدليل اسمعوا هذا الحديث:

((خير كسب الرجل ولده))
الإنسان قد يحصل مالاً، يكسب سمعة، تجارة واسعة، مرتبة علمية عالية، ينشئ مسجدًا، يعمر ميتمًا، يؤلف كتابًا، النبي يقول:

((خير كسب الرجل ولده))
من ربّى ولده صغيراً سُرَّ به كبيراً، يدخل على قلب الأب من السرور والبهجة الشيء الكثير, إذا رأى ابنه مؤمناً, مستقيماً، صالحاً، متوازناً، ممّا لا سبيل إلى وصفه, وإذا اختار أن يغترب إلى بلاد المشركين ، واكتشف أن لابنته صاحباً، أو أن ابنه ينحرف انحرافاً خطيراً، أو انحرافاً شاذاً، يدخل على قلبه من الألم ما لا سبيل إلى وصفه، فالآباء إذا أرادوا أن يسعدوا, فعليهم بتربية أبنائهم على القيم الإسلامية، وإذا أرادوا أن ينجوا من الكآبة, فليُرَبُّوا أبناءهم تربية رشيدة حكيمة، لذلك هناك مثل بسيط في التعليم .
إذا كان لدى الطالب امتحان في هذا الكتاب، فيمكنه أنْ يستلقي، ويقرأه تصفحًا، فإذا أمكن أن نعطي للجهد وحدات, نقول: لقد بذل جهداً في قراءة هذه الكتاب، فالقراءة الأولى بنسبة خمسة بالمائة، بعد أن ينتهي من قراءته, لم يذكر ولا كلمة منه، وكأنه لم يقرأه، أما إذا جلس على طاولة، وأمسك بيده قلم رصاص، ولخص كل فكرة، ووضع خطًّا تحت الأفكار الرئيسية، ووضع أسئلة مقترحة في كل فصل، وأعاد الأفكار، وكتبها، فقدْ بذل خمسة وثمانين بالمائة من الجهد، بمعنى أنه يمكن أن يذكر كلَّ أفكار الكتاب .
الشيء نفسه في تربية الأولاد, يمكن أن تبذل جهدًا بسيطًا في تربية الأولاد، كأنْ يسأل الأبُ ابنَه: هل نجحت يا بني؟ فيقول: نعم، نجحت، تسأل والدَه: في أي صف ابنك؟ يقول: واللِه لا أذكر، ثم يسأل ابنَه: يا بني, أنت في أي صف أنت؟ فلا يعرف ابنه في أي صف هو، نجح أم لم ينجح، هذه مشكلة، أما عندما يكون للأب عناية بالغة، ولاسيما في دين الابن، انظر كيف أنّ أكثر الناس يهتمون بدنيا أبنائهم، ولا يهتمون بدينهم، فإذا أهملوا دين أبنائهم، وتفلَّت أبناؤهم من منهج الله, يشبُّون وهم لا يعرفون حق آبائهم، أحياناً أب يقف حياته كلها من أجل ابنه، فيسافر خارج البلاد، ويتزوج بأجنبية، ويأخذ إقامة دائمة، وينسى أباه وأمه ، وكأن الذي ربّاه ما فعل شيئاً، إذًا: الإسلام منهج كامل .

عطر جلستك بذكر الصالحين :
قال بعضهم:

((إني لأتزين بذكر أحمد بن حنبل))
بصراحة هل يوجد رجل منا ليس له سهرة مع أقربائه، أو لقاء، أو وليمة، أو أمسية، أو نزهة؟ لا تجد إنسانًا إلا وعنده أقل من لقاء أو لقاءين في الجمعة مع أقربائه، هذا اللقاء ماذا ينبغي أن تقول فيه؟ هناك موضوعات تبعث في النفس الضيق، التشاؤم، والسوداوية، وهناك موضوعات تزين المجلس، بل إن عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات، فحاولْ في كل جلسة أن تحدث الناس عن عالم جليل، له أعمال طيبة، له موقف نبيل، له كرم، له شجاعة، له فصاحة، له قوة منطق، حاول أن تذكر أشخاصاً تفوقوا على أقرانهم, ترى أن الناس تعلقوا بهم, واستبشروا .
والحقيقة: أنّ الإنسان إما أن يرتفع، وإما أن يسقط، إذا حدثتنا عن الساقطين نسقط معهم، وإن حدثتنا عن المتألقين نتألق معهم، إن حدثنا عن أناس انحرفوا, لعل الانحراف يُزَيَّنُ لنا، لذلك اجتهدْ أن تجعل في كل مجلس حديثاً عن الصالحين، وصحابة رسول الله يشغلون قمة القائمة .

ماذا تفهم من هذا القول ؟

قال أحدهم:

((دخلت على ذي النون السجن، ونحن بالعسكر، فقال: على أي حال سيدنا))
يعني أحمد بن حنبل، العظيم عظيم .
دخل السجن قالوا: إذا لسعت الحشرة حصاناً, تبقى الحشرة حشرةً، والحصان حصاناً، لا ينتقص من قدر الحصان أنْ لسعته حشرة، ولا يزيد من قيمة الحشرة أنها لسعت حصاناً، الحشرة حشرة, والحصان حصان، العظيم عظيم لو دخل السجن، فقال: على أي حال سيدنا، يعني أحمد بن حنبل .

إليكم ما قاله الدهلي عن الإمام أحمد :

قال الدهلي:

((جعلت أحمد إماماً فيما بيني وبين الله))
أنت مؤمن تسعى إلى الله، فيجب أن يكون الشخص بينك وبين الله قدوة لك، تسأله فيجيبك، وتقتدي بأفعاله، وتتخلق بأخلاقه، وتأنس بالقرب منه، وتذكِّرك رؤيته بالله، فعن عمر بلفظ:

((خياركم الذين إذا رُؤوا ذُكِر اللهُ بهم))

[أخرجه البيهقي في سننه]

إذا رأى رجل شخصًا شهوانيًّا, تقفز نفسُه إلى الشهوات التي يمارسها، وإذا رأى إنسانًا حجمه المالي كبير, تقفز نفسه إلى بيته, وسيارته، وتجارته، وأرباحه، أما إذا رأيت ولياً لله تذكّرَ اللهَ مباشرةً، عن عمر بلفظ:

((خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم))

[أخرجه البيهقي في سننه]

ما توصل إليه أحمد من العلوم :

قال النسائي:

((جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث, والفقه، والورع، والزهد، والصبر))
ودائماً إنْ التقينا بإنسان علْمُه دقيق جداً، ولكن معاملته غير راقية, نقول: ليت أخلاقه كعلمه، أحياناً تلتقي بإنسان أخلاقه عالية جداً، لكن معلوماته متواضعة، تقول: ليت علمه كأخلاقه، أما هذا الإنسان فقد جمع بين المعرفة بالحديث، وبين الفقه, والورع، والزهد، والصبر، فهذه هي البطولة, لذلك لا ينصر هذا الدينَ إلا مَن أحاطه مِن كل جوانبه، ورع، وزهد، وصبر، وجرأة، واستقامة, وعلم، ومعرفة، وتحقق .

متى تألق الإمام أحمد ؟

عن المزني قال:

((سئِل عن أحمد بن حنبل: متى تألق؟ فقال: يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين))
الإنسان قد يتألق بموقف تألقًا رائعًا جداً، سيدنا أحمد بن حنبل تألق يوم المحنة، محنة خلق القرآن .

انظر إلى نصيحة العلماء فيما بينهم :

قال العباس: سمعت أبا جعفر الأنباري, يقول: لما حُمِل أحمدُ بن حنبل, -يراد به المأمون- أُخبِرتُ فعبرتُ الفرات إليه، فإذا هو في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر, تعني -أي أتعبت نفسك- فقلت: ليس هذا عناء، قال: فقلت له: يا هذا, الآن أبو جعفر الأنباري, لما علم أن أحمد بن حنبل, حُمل إلى المأمون, ليعترف أن القرآن مخلوق، وإلا أدخل إلى السجن, أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فو الله إن أجبت إلى خلق القرآن, ليجيبنَّ بإجابتك خلقٌ مِن خلقِ الله كثيرٌ .
في بعض البلاد الإسلامية أفتى عالِمٌ بجواز الفائدة، والإيداع بالبنوك، ففي اليوم التالي أُودِع في البنوك أربعة وثمانون مليارًا، ألم يقل له:

((يا غلام, إياك أن تسقط, قال: بل أنت يا إمام إياك أن تسقط، الغلام قال: إني إنْ سقطتُ سقطتُ وحدي، ولكن إن سقطتَ أنتَ سقط معك العالَم))
بلد إسلامي صدرت فتوى من المفتي بجواز الاستثمار الربوي، فردّ عليه في اليوم التالي ثمانية وعشرون عالماً، لكن الأموال أودعت, وإن لم تُجِب, ليمتنعنّ خلقٌ من الناس كثيرٌ، ومع هذا فإن الرجل –المأمون- إن لم يقتلك، فإنك تموت، ولا بد من الموت، فاتَّقِ الله، ولا تجبهم إلى شيء، فجعل أحمد يبكي، وهو يقول: ما شاء الله، ما شاء الله .

انظر إلى طعام أحمد :

قال صالح بن أحمد بن حنبل ابنه الثاني:

((ربما رأيت أبي يأخذ الكسرة, ويجعلها في قصعة، ويصب عليها الماء، ثم يأكلها بالملح))
كان متقشفاً جداً، وكان يأكل من عمل يده، وكان دخله قليلاً، مع كل هذا العلو في الأرض، ومع كل هذه السمعة الطيبة، ومع كل هذا التعظيم, كان فقيراً .

الصفات الخلقية التي يجمعها الإمام أحمد في نفسه :

الحقيقة: أن الحديث عن هذا العالم الجليل حديث يطول، والأقوال فيه كثيرةٌ جداً، قال :

((كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جُهل عليه حلم، واحتمل، ويقول: يكفيني الله، ولم يكن بالحقود ولا العجول، كثير التواضع، حسن الخُلقِ، دائم البشر، لين الجانب، ليس بفظٍّ، وكان يحب في الله، ويبغض في الله، وإذا كان في أمرٍ مِن الدين, اشتد له غضبه، وكان يحتمل الأذى من الجيران))

وفاته :

يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل:

((توفي أبي رحمه الله يوم الجمعة ضحوةً، ودفناه بعد العصر, باثنتي عشرة ليلة من ربيع الآخر، سنة إحدى أربعين ومائتين للهجرة، وصلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، غلبنا على الصلاة عليه، وكنا قد صلينا عليه نحن والهاشميون داخل الدار))
قال:

((مرض أبو عبد الله تسعة أيام، وكان ربما أذِن للناس, فيدخلون عليه أفواجاً، يسلمون عليه, ويردُّ بيده، وتسامع الناس، وكثروا، فأغلق الباعة دكاكينهم))
وقد قيل:

((مشى في جنازته أكثر من ثمانمئة ألف))

خاتمة الدرس :

أيها الأخوة، الناس بعلمائها، والعلماء بورعهم، ولا يكون العالم عالماً إلا إذا كان ورعاً، أمّا كمعلومات؛ فأيُّ إنسان يحصّل المعلومات، فهي ثقافة، أما قيمته ففي ورعه، والباب مفتوح، وكل إنسان ممكن أن يقتدي بهذا الإمام العظيم، وكلُّ إنسان يمكن أن يطلب العلم، ويتعلَّم, ويرقى عند الله، ودائماً المؤمن طموح، وعلو الهمّة من الإيمان، وهؤلاء الأعلام قدوة لنا, فأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهؤلاء الذين مضوا إلى ربهم، وقد تركوا آثاراً عظيمة، والإنسان قيمته بما أحدث من أثر .
ذات مرة أخ من أخواننا حضر فترة طويلة عندنا، ثم توفي، أخبرني ابنه صباحاً توجهت إلى موعد الصلاة عليه في جامع في آخر الحي، فأبَّنه رجل من أهل العلم، ماذا قال؟ قال: أخوكم أبو فلان، كان مؤذناً، ترحموا عليه، أنا دهشت إلى هذا التأبين السريع، إذًا: ماذا سيتكلم؟ هل يتكلم عن مساحة بيته؟ عنده تزيينات من جبصين، أثاث فخم جداً، كل دنياه غير خاضعة للحديث عنه، قلت في نفسي: اعمل عملاً يستطيع المؤبِّن أن يتكلم عنك بأقل مِن خمس دقائق، أنت سوف تؤبن فلانًا، ماذا ستقول عنه؟ إذا لم يكن له عمل صالح، فليس له أثر ، إذًا: فلتكنْ لك خدمة في سبيل الإسلام، لتُذكَر من خلالها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ؛ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ, أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ, أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))

[أخرجه الترمذي, النسائي, أبو داود, الدارمي في سننهم]

مرة سألت طلابي سؤالاً, فقلت: أعطوني اسمَ تاجر كبير, عاش في الشام عام ألف وثمانمائة وخمسة وسبعين، انتظرت دقيقتين, فلم يجب أحد منهم، فقلت لهم: وأنا لا أعرف أحدًا، أما سيدنا عمر، صلاح الدين الأيوبي، أبو حنيفة، الشافعي، أحمد بن حنبل، فهؤلاء الرجال ذِكْرُهم على الألسنة، مِن هنا قال سيدنا علي:

((يا بني، مات خزان المال، وهم أحياء, والعلماء باقون ما بقي الدهر))
يقولون لك: عُقِد قرانٌ في الشيراتون، كلف ستين مليونًا، فالحديث عن هذا العقد، وعن هذا البذخ, حديث بمعرض الذم لا المدح، دفعٌ وذلٌّ، يروون أن إنسانًا دفع ليرةً ذهب، وغداً يدفع ليرتين ليس لها قيمة إلا مع الإخلاص، ومهما أردت أن تنتزع إعجاب الناس بالمال, طريق مسدود، لا ارتقاء فيه .
وقد دعيتُ إلى عقد قران يوم الجمعة عقب صلاة الفجر بمسجد, وكان هناك تجلٍّ عمَّ الحاضرين، ومن دون صالات، من دون تكاليف، فالأمور كلما تبسطت, كلما كانت أقرب إلى الواقع، فاللهم ألهمنا الرشاد والسداد .

والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الإمام أحمد بن حنبل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: