منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الكفراوى
عضو فضى
عضو فضى


عدد المساهمات : 257
تاريخ التسجيل : 13/02/2011

مُساهمةموضوع: ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة   الإثنين 4 مارس - 10:39

ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة
ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة
ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة
ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة
ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة

إن للنظر والاجتهاد في أحكام النوازل المقام الأسمى في الإسلام لما له من موصول الوشائج بأصوله وفروعه الحظ الأوفى والقدح المعلى ،وهو الميدان الفسيح الذي يستوعب ما جدّ من شؤون الحياة والأحياء ، وتعرف من خلاله أحكام الشرع في الوقائع والمستجدات الدينية والدنيوية .
ولا يخفى على أهل العلم والإصلاح ما وقع خلال الأسابيع الماضية من عدوان غاشم على العراق استهدف أرضه ومقدراته وانتهك حقوق شعبه وحرماته ، فكانت نازلة عظيمة أصيبت بها الأمة العربية و الإسلامية في فؤادها وتأثر لها العالم أجمع ، ولعلها بداية السيل الغربي العرم على بلادنا ومقدساتنا وثقافاتنا الإسلامية .
عندها علت صيحات الغيورين محذّرةً من هذه الفتنة ومرشدةً للمخرج الشرعي منها ، فخرج على إثرها عدد من الفتاوى الشرعية للجان وهيئات علمية وكذا لأفراد من أهل العلم ؛ بيّنت أحكام بعض النوازل التي وقعت في الحرب ؛ كحكم جهاد الغزاة من الأمريكان والبريطانيين ، والتعاون مع البعثيين في ذلك ، وحكم مناصرتهم ومظاهرتهم على المسلمين في هذه الأزمة ، وهل يجوز لجيوش المسلمين المشاركة في هذه الحرب بتقديم العون والدعم مهما كان لأولئك المعتدين إلى غيرها من المسائل الواقعة والمتوقعة الحدوث خلال الأيام القادمة .
وقد أدى خروج بعض هذه الفتاوى في الساحة الإسلامية إلى شيءٍ من التباين والاختلاف في أحكامها ، والتنافر والتباعد بين أعلامها ، إضافة للحيرة والاضطراب التي اعترت كثير من المسلمين من جراء هذا الاختلاف ، في حين أننا في أمس الحاجة في هذه الأزمات للتقارب والائتلاف و التعاون وجمع الكلمة على الحق . ومن أجل هذا المقصد العظيم أحببت أن أشارك إخواني الباحثين وطلبة العلم الناصحين بتوضيح أهم ضوابط النظر والاجتهاد في مثل هذه النوازل ، وذكر الملامح الهامة لاجتهادٍ أمثل يستند على نصوص الشرع ويتوافق مع مقاصده الكلية وقواعده العامة.
ومن أجل ذلك قسمت هذا البحث إلى ثلاثة مطالب :
المطلب الأول :مناهج الفتيا في النوازل المعاصرة .
المطلب الثاني:الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهد قبل الحكم في النازلة .
المطلب الثالث: الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهد أثناء بحث النازلة .
هذا والله أسأل أن يجد القارئ في هذا التأصيل لفقه النوازل ما ينتفع به طلبة العلم والباحثين ويرأب الصدع الذي حدث بين بعضهم من جرّاء أحداث الأزمة الراهنة ، ولا أزعم أخواني القراء الإحاطة والإستقصاء وإنما هي محاولة متواضعة أفتح فيها المجال لأهل العلم والفضل لإشباع هذا الجانب المهم من التأصيل ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، كما أود التنبيه أني قد استعنت في بحثي هذا بدراستي الموسعة حول هذا الموضوع في رسالتي للدكتوراه والتي كانت بعنوان Sadمنهج استنباط الأحكام الفقهية للنوازل المعاصرة ، دراسة تأصيلية تطبيقية) والتي سوف تنزل المكتبات قريباً إن شاء الله.


المطلب الأول :مناهج الفتيا في النوازل المعاصرة
برزت في العصر الحاضر مناهج في النظر فيما استجد حدوثه من نوازل وواقعات وبرز لكل منهج منها علماء ومفتون وجهات تبني اجتهادها في النوازل من خلال رؤية هذه المناهج وطرقها في النظر .
وهذه المناهج المعاصرة في الفتيا والاجتهاد ليست وليدة هذا العصر بل هي امتداد لوجهات نظر قديمة واجتهادات علماء وأئمة سلكوا هذه المناهج وأسسوا طرقها .
فلن يكون مقصود بحثنا تأريخ هذه المناهج ورموزها إلا بقدر ما يوضح مناهج الفتوى والنظر في عصرنا الحاضر إذ هي الوعاء لكل ما يجدَ وينزل بالناس من أحكام وواقعات معاصرة .
ويمكن إجمال أبرز هذه المناهج المعاصرة في النظر في أحكام النوازل إلى ثلاثة مناهج، هي كالتالي : -

أولاً : منهج التضييق والتشديد .
من المقرر شرعاً أن هذا الدين بُني على اليسر ورفع الحرج وأدلة ذلك غير منحصرة ، فاستقراء أدلة الشريعة قاضٍ بأن الله عز وجل جعل هذا الدين رحمة للناس ، ويسراً، والرسول صلى الله عليه وسلم أصل بعثته الرأفة والرحمة بالناس ورفع الآصار والأغلال التي كانت واقعة على من قبلنا من الأمم ، يقول الله تعالى : لَقَدْ جَاءكمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( ) .
ويقول عز وجل : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  ( ) ، ويقول عليه الصلاة والسلام : (( إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً ))( ) .
ومن أبرز أوصافه عليه الصلاة والسلام ما قاله ربه عز وجل : وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ( ) .
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يترك بعض الأفعال والأوامر ، خشيه أن يشق على أمته كما قال عليه الصلاة والسلام : (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ))( ).
ونظائره من السنة كثير ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه بالتيسير أيضاً على الناس وعدم حملهم على الشدة والضيق ، فقد قال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ لما بعثهما إلى اليمن : (( يسِّرا


ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا ))( ) .
إن منهج التضييق و التشدد من الغلو المذموم انتهاجه في أمر الناس سواءً كان إفتاءً أو تعليماً أو تربية أو غير ذلك ، وقد يهون الأمر إذا كان في خاصة نفسه دون إلزام الناس به ، ولكن الأمر يختلف عندما يُتجاوز ذلك إلى الأمر به ، والإلزام به،ويمكن إبراز بعض ملامح هذا المنهج في أمر الإفتاء بما يلي :-

أ‌- التعصب للمذهب أو للآراء أو لأفراد العلماء :
تقوم حقيقة التعصب على اعتقاد المتعصب أنه قبض على الحق النهائي – في الأمور الاجتهادية – الذي لا جدال ولا مراء فيه ،فيؤدي إلى انغلاقٍ في النظر وحسن ظنٍ بالنفس وتشنيع على المخالف والمنافس ، مما يولد منهجاً متشدداً يتَّبعه الفقيه أو المفتي بإلزام الناس بمذهبه في النظر وحرمة غيره من الآراء و المذاهب؛ مما يوقعه وإياهم في الضيق والعنت بالانغلاق على هذا القول أو ذاك المذهب دون غيره من الآراء و المذاهب الراجحة .
يقول الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ : (( من أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه ويشدد عليهم))( ) .
مع العلم بأن مذهب جمهور العلماء عدم إيجاب الالتزام بمذهب معين في كل ما يذهب إليه من قول .( )
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ :-
(( وإذا نزلت بالمسلم نازلة يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان ، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول ، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به ، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ))( ).
ولا يختلف الحال والأثر إذا كان التعصب لآراء وأقوال طائفة أو إمام معين لا يُخرَج عن اجتهادهم وافقوا الحق أو خالفوه .
والناظر في أحوال الناس المعاصرة وما أصابها من تغيّر وتطور لم يسبق له مجتمع من قبل مع ما فيه من تشابك وتعقيد ، يتأكد لديه أهمية معاودة النظر في كثير من المسائل الفقهية التي بنيت على التعليل بالمناسبة أو قامت على دليل المصلحة أو العرف السائد ؛ كنوازل المعاملات المعاصرة من أنواع البيوع والسلم والضمانات والحوالات وغيرها ، أو كنوازل الأزمات والحروب كالتي تمر بالأمة هذه الأوقات ،وقد يكون التمسك بنصوص بعض الفقهاء وشروطهم التي ليس فيها نصٌ صريح أو إجماع من التضييق والتشدد الذي ينافي يسر وسماحة الإسلام ، وخصوصاً إن احتاج الناس لمثل هذه القضايا أو المعاملات التي قد تدخل في كثير من الأحيان في باب الضرورة أو الحاجة الملحة .
ومن ذلك ما نراه في مجتمعنا المعاصر من شدة الحاجة لمعرفة بعض أحكام المعاملات المعاصرة التي تنزل بحياة الناس ، ولهم فيها حاجة ماسة ، أو مرتبطة بمعاشهم الخاص من غير انفكاك ، والأصل الشرعي فيها الحل ، وقد يطرأ على تلك المعاملات ما يخلّ بعقودها مما قد يقربها نحو المنع والتحريم ، فيعمد الفقيه لتغليب جهة الحرمة والمنع في أمثال تلك العقود التي تشعبت في حياة الناس ، مع أن الأصل في العقود الجواز والصحة ( ) ، والأصل في المنافع الإباحة ( ) .
فيصبح حال أولئك الناس إما بحثاً عن الأقوال الشاذة والمرجوحة فيقلدونها ولن يعدموها ، وإما ينبذون التقيد بالأحكام الشرعية في معاملاتهم وهي الطامة الكبرى، ولو وسَّع الفقهاء على الناس في أمثال تلك العقود وضبطوا لهم صور الجواز واستثنوا منها صور المنع ووضعوا لهم البدائل الشرعية خيراً من أن يحملوا الناس على هذا المركب الخشن من المنع العام والتحريم التام لكل تلك العقود النازلة .( )
ومن الأمثلة في هذا المجال أيضاً ما يقع في الآونة الأخيرة أيام الحج من تزايد مطرد لأعداد الحجاج وما ينجم عنه من تزاحم عنيف ومضايقة شديدة أدت إلى تغير اجتهاد كثير من العلماء المفتين في كثير من المسائل ، ومخالفة المشهور من المذاهب تخفيفاً على الناس من الضيق والحرج ، وكم سيحصل للناس من شدة وكرب لو تمسك أولئك العلماء بأقوال أئمتهم أو أفتوا بها دون اعتبار لتغير الأحوال والظروف واختلاف الأزمنة والمجتمعات .
فرمي الجـمار في أيام التشريق يبدأ من زوال الشمـس حتى الغـروب ، وعلى رأي الجمهور لا يجزئ الرمي بعد المغرب . ( )
ومع ذلك اختار كثير من المحققين وجهات الإفتاء جواز الرمي ليلاً مراعاة للسعة والتيسير على الحجاج من الشدَّة والزحام .( )
ولعل الداعي يتأكد لمعاودة النظر في حكم الرمي قبل الزوال وخصوصاً للمتعجل في اليوم الثاني من أيام التشريق ؛ لما ترتب على الرمي بعد الزوال في السنوات الماضية من ضيق وحرج شديد ، ولا يخفى أن القاعدة في أعمال الحج كما أنها قائمة على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم قائمة أيضاً على رفع الحرج والتيسير . وقد أفتى بالجواز بعض الأئمة من التابعين وهو مذهب الأحناف .( )

ب - التمسك بظاهر النصوص فقط .
إن تعظيم النصوص وتقديمها أصل ديني ومطلب شرعي لا يصح للمجتهد نظر إذا لم يأخذ بالنصوص ويعمل بها ، ولكن الانحراف يحصل بالتمسك بظواهر النصوص فقط دون فقهها ومعرفة مقصد الشرع منها .ومما يدل على وجود هذا الاتجاه ما ذكره د . صالح المزيد بقوله : (( وقد ظهر في عصرنا من يقول : يكفي الشخص لكي يجتهد في أمور الشرع يقتني مصحفاً مع سنن أبي داود ، وقاموس لغوي ))( ).
وهذا النوع من المتطفلين لم يشموا رائحة الفقه فضلاً أن يجتهدوا فيه ، وقد سماهم د . القرضاوي ( بالظاهرية الجدد ) ـ مع فارق التشبيه في نظري ـ حيث قال عنهم : (( المدرسة النصية الحرفية ، وهم الذين أسميهم ( الظاهرية الجدد ) وجلهم ممن اشتغلوا بالحديث ، ولم يتمرسوا الفقه وأصوله ، ولم يطلعوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط ولا يكادون يهتمون بمقاصد الشريعة وتعليل الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال ))( ).
وهؤلاء أقرب شيء إلى ألسنتهم وأقلامهم إطلاق كلمة التحريم دون مراعاة لخطورة هذه الكلمة ودون تقديم الأدلة الشافية من نصوص الشرع وقواعده سنداً للتحريم وحملاً للناس على أشد مجاري التكليف ، والله عز وجل قد حذر من ذلك حيث قال سبحانه : وَلا تَقُـولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِـنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَـلالٌ وَهَذَا حَـرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَـذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْـتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَـذِبَ لا يُفْلِـحُونَ ( ).
فكم من المعاملات المباحة حرمت وكثير من أبواب العلم والمعرفة أُوصدت وأُخرج أقوام من الملَّة زاعمين في ذلك كله مخالفة القطعي من النصوص والثابت من ظاهر الأدلة ؛ وليس الأمر كذلك عند العلماء الراسخين .
يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ : (( لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أوتحريمه أو إيجابه أو كراهيته ..قال غير واحد من السلف : ليحذر أحدكم أن يقول : أحل الله كذا أو حرّم كذا ، فيقول الله له كذبت لم أحل كذا ، ولم أحرمه ))( ) .
وهذا التحذير من إصدار أحكام الله تعالى قاطعة في النوازل والواقعات من دون علم راسخ لا شك أنه يفضي إلى إعنات الناس والتشديد عليهم بما ينافي سماحة الشريعة ورحمتها بالخلق .
وقد وقع في العصور الأخيرة من كفّر المجتمعات والحكومات حتى جعلوا فعل المعاصي سبباً للخروج عن الإسلام ، ومن أولئك القوم ؛ ما قاله ماهر بكري أحد أعضاء التكفير والهجرة : (( إن كلمة عاصي هي اسم من أسماء الكافر وتساوي كلمة كافر تماماً ، ومرجع ذلك إلى قضية الأسماء ، إنه ليس في دين الله أن يسمى المرء في آنٍ واحد مسلماً وكافراً ))( ) !!؟
وكما حدث من بعض طلبة العلم في الأزمة الأخيرة في العراق من التكفير والإخراج من الملة لكل من ظاهر الكفار فقط ؛دون التفريق بين التولي و الموالاة أو دون النظر في حال المعين وما قد يشوبه من إكراه أو تأويل أو غير ذلك
إن هذا المنهج القائم على النظر الظاهر للنصوص دون معرفة دلالاتها أعنت الأمة وأوقع المسلمين في الشدة والحرج ولعله امتداد للخوارج في تشديدهم وتضييقهم على أنفسهم والناس ، أو الظاهرية في شذوذهم نحو بعض الأفهام الغريبة والآراء العجيبة .

ج ـ الغلو في سد الذرائع والمبالغة في الأخذ بالاحتياط عند كل خلاف .
دلت النصوص الكثيرة على اعتبار سد الذرائع والأخذ به حماية لمقاصد الشريعة وتوثيقاً للأصل العام الذي قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد . ولله در ابن القيم ـ رحمه الله ـ إذ يقول :-
(( فإذا حرّم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه ، فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقاً لتحريمه ، وتثبيتاً له ، ومنعاً من أن يقرب حماه ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقصاً للتحريم وإغراءً للنفوس به )) ( ).
ويحدث الإشكال في اعتبار قاعدة سد الذرائع عندما تؤول المبالغة في الأخذ بها إلى تعطيل مصالح راجحة مقابل مصلحة أو مفسدة متوهمة يظنها الفقيه ؛ فيغلق الباب إساءةً للشرع من حيث لا يشعر كمن ذهب إلى منع زراعة العنب خشية اتخاذه خمراً ، والمنع من المجاورة في البيوت خشية الزنا ، فهذه الأمثلة وغيرها اتفقت الأمة على عدم سده ، لأن مصلحته راجحة فلا تترك لمفسدة مرجوحة متوهمة . ( )
وقد يحصل لبعض متفقهة العصر الحاضر المبالغة في رفض الاقتباس من الأمم الأخرى فيما توصلت إليه من أنظمة وعلوم ومعارف ومخترعات ؛ معتبرين ذلك من الإحداث في الدين والمخالفة لهدي سيد المرسلين .( )
والناظر في كثير من النوازل المعاصرة في مجال الاقتصاد والطب يرى أنها في غالبها قادمة من الدول الكافرة وأن تعميم الحكم بالرفض بناءً على مصدره ومنشأه تحجر وتضييق . ولا تزال ترد على الناس من المستجدات والوقائع بحكم اتصالهم بالأمم الأخرى من العادات والنظم ما لو أغلَق المفتي فيه على الناس الحكم وشدّد من غير دليل وحجة ؛ لانفض الناس من حول الدين وغرقوا فيها من غير حاجة للسؤال ، ولذلك كان من المهم سد الذرائع المفضية إلى مفاسد راجحة وإن كانت ذريعة في نفسها مباحة كما ينبغي فتح الذرائع إذا كانت تفضي إلى طاعات وقربات مصلحتها راجحة .( )
.. ومن ملامح منهج التضييق والتشدد في الفتوى في النوازل :
الأخذ بالاحتياط عند كل مسألة خلافية ينهج فيها المفتي نحو التحريم أو الوجوب سدّاً لذريعة التساهل في العمل بالأحكام أو منعاً من الوقوع في أمرٍ فيه نوع شبهة يخشى أن يقع المكلف فيها ، فيجري هذا الحكم عاماً شاملاً لكل أنواع الناس والأحوال والظروف .
فمن ذلك منع عمل المرأة ولو بضوابطه الشرعية ووجود الحاجة إليه ( ).
وكذلك تحريم كافة أنواع التصوير الفوتغرافي والتلفزيوني مع شدة الحاجة إليه في أوقاتنا المعاصرة .( )إلى غيرها من المسائل التي أثبت جمهور العلماء جوازها بالضوابط والشروط الصالحة لذلك .
ويجب التنبيه ـ في هذا المقام ـ على أن العمل بالاحتياط سائغ في حق الإنسان في نفسه لما فيه من الورع واطمئنان القلب ، أما إلزام العامة به واعتباره منهجاً في الفتوى فإن ذلك مما يفضي إلى وضع الحرج عليهم . ( )
وقاعدة : استحباب الخروج من الخلاف ( )؛ ليست على إطلاقها بل اشترط العلماء في استحباب العمل بها شروطاً هي كالتالي :-
أ ـ أن لا يؤدي الخروج من الخلاف إلى الوقوع في محذور شرعي من ترك سنة ثابتة أو اقتحام مكروه أو ترك للعمل بقاعدة مقررة .
ب ـ أن لا يكون دليل المخالف معلوم الضعف فهذا الخلاف لا يلتفت إليه .
ج ـ أن لا يؤدي الخروج من الخلاف إلى الوقوع في خلاف آخر .
د ـ أن لا يكون العامل بالقاعدة مجتهداً ؛ فإن كان مجتهداً لم يجز له الاحتياط في المسائل التي يستطيع الاجتهاد فيها

بل ينبغي عليه أن يفتي الناس بما ترجح عنده من الأدلة والبراهين .( )
يقول د . الباحسين في بيان بعض آثار العمل بالاحتياط في كل خلاف حصل :
((ووجه الشبه في معارضة هذه القاعدة لرفع الحرج ، هو أنه إذا كان وجوب الاحتياط يعني وجوب الإتيان بجميع محتملات التكليف ، أو اجتنابها عند الشك بها ، فإن في ذلك تكثيراً للأفعال التي سيأتي بها المكلف أو سيجتنبها ، وفي هذه الزيادة في الأفعال ما لا يتلاءم مع إرادة التخفيف والتيسير ورفع الحرج ، بل قال بعض العلماء : إنه لو بنى المكلف يوماً واحداً على الالتزام بالاحتياط في جميع أموره مما خرج من موارد الأدلة القطعية لوجد من نفسه حرجاً عظيماً ، فكيف لو بنى ذلك جميع أوقاته ، وأمر عامة المكلفين حتى النساء وأهل القرى والبوادي فإن ذلك مما يؤدي إلى حصول الخلل في نظام أحوال العباد ، والإضرار بأمور المعايش))( ) .

ثانياً : منهج المبالغة في التساهل والتيسير .
ظهر ضمن مناهج النظر في النوازل المعاصرة منهج المبالغة والغلو في التساهل والتيسير ، وتعتبر هذه المدرسة في النظر والفتوى ذات انتشار واسع على المستوى الفردي والمؤسسي خصوصاً أن طبيعة عصرنا الحاضر قد طغت فيه المادية على الروحية ، والأنانية على الغيرية ، والنفعية على الأخلاق ، وكثرت فيه المغويات بالشر والعوائق عن الخير ، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر حيث تواجهه التيارات الكافرة عن يمين وشمال تحاول إبعاده عن دينه وعقيدته ولا يجد مَنْ يعينه بل ربما يجد من يعوقه .
وأمام هذا الواقع دعا الكثير من الفقهاء إلى التيسير ما استطاعوا في الفتوى والأخذ بالترخص في إجابة المستفتين ترغيباً لهم وتثبيتاً لهم على الطريق القويم( ).
ولاشك أن هذه دعوى مباركة قائمة على مقصد شرعي عظيم من مقاصد الشريعة العليا وهو رفع الحرج وجلب النفع للمسلم ودرء الضرر عنه في الدارين ؛ ولكن الواقع المعاصر لأصحاب هذا التوجه يشهد أن هناك بعض التجاوزات في اعتبار التيسير والأخذ بالترخص وربما وقع أحدهم في رد بعض النصوص وتأويلها بما لا تحتمل وجهاً في اللغة أو في الشرع .
وضغط الواقع ونفرة الناس عن الدين لا يسوّغ التضحية بالثوابت والمسلمات أوالتنازل عن الأصول والقطعيات مهما بلغت المجتمعات من تغير وتطور فإن نصوص الشرع جاءت صالحة للناس في كل زمان ومكان .
يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ـ رحمه الله ـ في ذلك : (( فعموم الشريعة لسائر البشر في سائر العصور مما أجمع عليه المسلمون ، وقد أجمعوا على أنها مع عمومها صالحة للناس في كل زمان ومكان ولم يبينوا كيفية هذه الصلوحية ؛ وهي عندي تحتمل أن تتصور بكيفيتين :
الكيفية الأولى : أن هذه الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر …
الكيفية الثانية : أن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلاً للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر كما أمكن تغيير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصين والترك من غير أن يجدوا حرجاً ولا عسراً في الإقلاع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة))( ).
فمن الخطأ والخطر تبرير الواقع والمبالغة في فقه التيسير بالأخذ بأي قولٍ والعمل بأي اجتهادٍ دون اعتبار الحجة والدليل مقصداً مُهِّماً في النظر والاجتهاد .
ولعل من الدوافع لهذا الاتجاه الاجتهادي ؛أن أصحاب هذه المدرسة يريدون إضفاء الشرعية على هذا الواقع ، بالتماس تخريجات وتأويلات شرعية، تعطيه سنداً للبقاء . وقد يكون مهمتهم تبرير، أو تمرير ما يراد إخراجه للناس من قوانين أو قرارات أو إجراءات تريدها السلطة .
ومن هؤلاء من يفعل ذلك مخلصاً مقتنعاً لا يبتغي زلفى إلى أحد ، ولا مكافأة من ذي سلطان ولكنه واقع تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام حضارة الغرب وفلسفاته ومسلماته .
ومنهم من يفعل ذلك ، رغبة في دنيا يملكها أصحاب السلطة أو مَن وراءهم من الذين يحركون الأزرار من وراء الستار ، أو حباً للظهور والشهرة على طريقة :
خالف تعرف ، إلى غير ذلك من عوامل الرغب والرهب أو الخوف والطمع التي تحرك كثيراً من البشر ، وإن حملوا ألقاب أهل العلم وألبسوا لبوس أهل الدين .
ولا يخفى على أحد ما لهذا التيار الاجتهادي من آثار سيئة على الدين وحتى على تلك المجتمعات التي هم فيها ،فهم قد أزالوا من خلال بعض الفتاوى الفوارق بين المجتمعات المسلمة والكافرة بحجة مراعاة التغير في الأحوال والظروف عما كانت عليه في القرون الأولى ( ) .


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الكفراوى
عضو فضى
عضو فضى


عدد المساهمات : 257
تاريخ التسجيل : 13/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة   الإثنين 4 مارس - 10:49

فالمصلحة عند العلماء ما كانت ملائمة لمقاصد الشريعة لا تعارض نصاً أو إجماعاً مع تحققها يقينياً أو غالباً وعموم نفعها في الواقع ، أما لو خالفت ذلك فلا اعتبار بها عند عامة الفقهاء والأصوليين إلا ما حُكِي عن الإمام الطوفي ـ رحمه الله ـ أنه نادى بضرورة تقديم دليل المصلحة مطلقاً على النص والإجماع عند معارضتهما له.( )
وواقع الإفتاء المعاصر جنح فيه بعض الفقهاء والمفتين إلى المبالغة في العمل بالمصلحة ولو خالفت الدليل المعتبر ومن ذلك ما قاله بعض المعاصرين ممن ذهبوا إلى جواز تولي المرأة للمناصب العالية : (( إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الناس في مكة سورة النمل وقص عليهم في هذه السورة قصة ملكة سبأ التي قادت قومها إلى الفلاح والأمان بحكمتها وذكائها ، ويستحيل أن يرسل حكماً في حديث يناقض ما نزل عليه من وحي …ـ إلى أن قال ـ هل خاب قوم ولوا أمرهم امرأة من هذا الصنف النفيس ))( ) .
ولا شك في معارضة هذا الكلام لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة )) ( ) .
ومن ذلك أيضاً ما أفتى به فضيلة المفتي السابق بجمهورية مصر العربية على جواز الفوائد المصرفية مع معلومية الربا فيها ، ومخالفته للنصوص والإجماع المحرم للربا قليله وكثيره .( )
وظهر في الآونة الأخيرة بعض الفتـاوى التي أباحت بيع الخمر من أجل مصلحة

البلاد في استقطاب السياحة ، وإباحة الإفطار في رمضان من أجل ألا تتعطل مصلحة الأعمال في البلاد ، وإباحة التعامل بالربا من أجل تنشيط الحركة التجارية والنهوض بها ، والجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع لما في ذلك من تهذيبٍ للأخلاق وتخفيفٍ للميل الجنسي بينهما !! ؟ ( ) .
وبعضها جوزت التسوية بين الأبناء والبنات في الميراث ( ) ، بل وبعضها جوزت أن تمثل المرأة وتظهر في الإعلام بحجة التكييف مع تطورات العصر بفقه جديد وفهم جديد .( )
وكل هذه وغيرها خرجت بدعوى العمل بالمصلحة ومواكب الشريعة لمستجدات الحياة .

ب – تتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب :
الرخص الشرعية الثابتة بالقرآن والسنة لا بأس في العمل بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه )) ( ) .
أما تتبع رخص المذاهب الاجتهادية والجري وراءها دون حاجةٍ يضطر إليها المفتي ، والتنقل من مذهب إلى آخر والأخذ بأقوال عددٍ من الأئمة في مسألة واحدة بغية الترخص ، فهذا المنهج قد كرهه العلماء وحذَّروا منه ، وإمامهم في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما قال : (( إني أخاف عليكم ثلاثاً وهي كائنات : زلة عالم ، وجدال منافق بالقرآن ، ودنيا تفتح عليكم )) ( ) . فزلة العالِم مخوفة بالخطر لترتب زلل العالَم عليها فمن تتبع زلل العلماء اجتمع فيه الشر كله .
وقد حكى بعض المعاصرين خلافاً بين العلماء في تجويز الأخذ برخص العلماء لمن كان مفتياً أو ناظراً في النوازل .( )
ولعل حكاية الخلاف ليست صحيحة على إطلاقها وذلك للأسباب التالية : -
1- أن الخلاف الذي ذكروه في جواز تتبع الرخص أخذوه بناءً على الخلاف في مسألة الجواز للعامي أن يتخير في تقليده من شاء ممن بلغ درجة الاجتهاد ، وأنه لا فرق بين مفضول وأفضل ، ومع ذلك فإنهم وإن اختلفوا في هذه المسألة إلا أنهم اتفقوا على أنه إن بان لهم الأرجح من المجتهدين فيلزمهم تقليده ولا يجوز لهم أن يتتبعوا في ذلك رخص العلماء وزللهم والعمل بها دون حاجه أو ضابط .( )
فلا يصح أن يُحكى خلافٌ للعلماء في مسألة تخريجاً على مسألة أخرى تخالفها في المعنى والمضمون ، ولا تلازم بينها وذلك أن الخلاف في حق العامي ، أما المجتهد

المفتي فلا يجوز له أن يفتي إلا بما توصل إليه اجتهاده ونظره .( )
2- أن بعض العلماء جوّز الترخص في الأخذ بأقوال أي العلماء شاء وهذا إنما هو في حق العوام ـ كما ذكرنا ـ كذلك أن يكون في حالات الاضطرار وأن لا يكون غرضه الهوى والشهوة ، يقول الإمام الزركشي ـ رحمه الله ـ في ذلك : (( وفي فتاوى النووي الجزم بأنه لا يجوز تتبع الرخص ، وقال في فتاوٍله أخرى ؛ وقد سئل عن مقلد مذهب : هل يجوز له أن يقلد غير مذهبه في رخصة لضرورة ونحوها ؟ ، أجاب : يجوز له أن يعمل بفتوى من يصلح للإفتاء إذا سأله اتفاقاً من غير تلقّط الرخص ولا تعمد سؤال من يعلم أن مذهبه الترخيص في ذلك )) .( )
فالعلماء لا يجوزون تتبع الرخص إلا في حالات خاصة يبرّرها حاجة وحال السائل لذلك لا أن يكون منهجاً للإفتاء يتبعه المفتي مع كل سائل أوفي كل نازلة بالهوى والتشهي .( )
3 – أن هناك من العلماء من حكى الإجماع على حرمة تتبع الرخص حتى لو كان عامياً ومن أولئك الإمام ابن حزم ـ رحمه الله ـ( )وابن الصلاح ـ رحمه الله ـ( ) وكذلك ابن عبد البر حيث قال رحمه الله Sad(لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً))( )
وقد أفاض الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في الآثار السيئة التي تنجم عن العمل بتلقّط الرخص وتتبعها من المذاهب وخطر هذا المنهج في الفتيا .( )
والتساهل المفرط ليس من سيما العلماء الأخيار وقد جعل ابن السمعاني ـ رحمه الله ـ من شروط العلماء أهل الاجتهاد : الكف عن الترخيص والتساهل ، ثم صنف ـ رحمه الله ـ المتساهلين نوعين :
(( 1- أن يتـساهل في طلـب الأدلـة وطرق الأحـكام ويأخـذ ببـادئ النظر وأوائـل
الفكر فهذا مقصر في حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز .
2 - أن يتساهل في طلب الرخص وتأول السنة فهذا متجوز في دينه وهو آثم من الأول ))( ) .
والملاحظ أن منهج التساهل القائم على تتبع الرخص يفضي إلى اتباع الهوى وانخرام نظام الشريعة (( فإذا عرض العامي نازلته على المفتي ، فهو قائل له : أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق ، فلا يمكن والحال هذه أن يقول له : في مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت ))( ) أو سأبحث لك عن قولٍ لأهل العلم يصلح لك ، وقد قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ : (( لو أن رجلاً عمل بكل رخصه ؛ بقول أهل الكوفة في النبيذ ، وأهل المدينة في السماع ، وأهل مكة في المتعة كان فاسقاً )) .( )
ويروى عن إسماعيل القاضي ـ رحمه الله ـ أنه قال : (( دخلت على المعتضد فدفع إلي كتاباً فنظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم، فقلت : مصنف هذا زنديق ،فقال: لم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت: الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر ، وما من عالم إلا وله زلة ، ومن جمع زلل العلماء ، ثم أخذ بها ذهب دينه ، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب ))( ) .
ولعل واقعنا المعاصر يشهد جوانب من تساهل بعض الفقهاء في التلفيق بين المذاهب وتتبع الرخص كما هو حاصل عند من يضع القوانين والأنظمة أو يحتج بأسلمة القانون بناءً على هذا النوع من التلفيق ، أما حالات الضرورة في الأخذ بهذا المنهج فإنها تقدر بقدرها .

ج – التحايل الفقهي على أوامر الشرع .
وهو من ملامح مدرسة التساهل والغلو في التيسير ؛ وقد جاء النهي في السنة عن هذا الفعل حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ))( ) .
وعلى ذلك اتفق أكثر أهل العلم على عدم تجويزه .( ) وفي ذلك يقول الإمام القرافي ـ رحمه الله ـ : (( لا ينبغي للمفتي : إذا كان في المسألة قولان : أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف ؛ أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين ، ودليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى و إجلاله وتقواه ، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق نعوذ بالله من صفات الغافلين ))( ) .
وقد حكى أبو الوليد الباجي ـ رحمه الله ـ عن أحد أهل زمانه أخبره أنه وقعت له واقعة ، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائباً ، فلما حضروا قالوا : لم نعلم أنها لك ، وأفتوه بالرواية الأخرى ، قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز .( )
وقد فصَّل الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ القول في الحيل الممنوعة على المفتي وما هو مشروع له حيث قال :
(( لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه ، فإن تتبع ذلك فسق وحُرِمَ استفتاؤه ، فإن حَسُن قصده في حيلةٍ جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة ، لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك ، بل استحب ، وقد أرشد الله نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثاً فيضرب به المرأة ضربةً واحدة . وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً إلى بيع التمر بدراهم ، ثم يشتري بالدراهم تمراً آخر ، فيخلص من الربا .
فأحسن المخارج ما خلّص من المآثم وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم والله الموفق للصواب ))( ) .
وقد وقع كثير من الفقهاء المعاصرين في الإفتاء بجواز كثير من المعاملات المحرمة تحايلاً على أوامر الشرع ؛ كصور بيع العينة المعاصرة ومعاملات الربا المصرفية ، أو التحايل على إسقاط الزكاة أو الإبراء من الديون الواجبة ، أو ما يحصل في بعض البلدان من تجويز الأنكحة العرفية تحايلاً على الزنا ، أو تحليل المرأة لزوجها بعد مباينته لها بالطلاق ،وكل ذلك وغيره من التحايل المذموم في الشرع .( )

ثالثاً : المنهج الوسطي المعتدل في النظر والإفتاء .
الشريعة الإسلامية شريعة تتميز بالوسطية واليسر ولذا ينبغي للناظر في أحكام النوازل من أهل الفتيا والاجتهاد أن يكونوا على الوسط المعتدل بين طرف التشدد والانحلال كما قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ : (( المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال .
والدليل على صحة هذا أن الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة ؛فإنه قد مرّ أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط ، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين ؛ خرج عن قصد الشارع ولذلك كان مَنْ خرج عن المذهب الوسط مذموماً عند العلماء الراسخين …فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل ، ولا تقوم به مصلحة الخلق ، أما طرف التشديد فإنه مهلكة وأما طرف الانحلال فكذلك أيضاً ؛ لأن المستفتي إذا ذُهِبَ به مذهب العنت والحرج بُغِّض إليه الدين وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة ، وهو مشاهد ، وأما إذا ذُهِبَ به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي على الهوى والشهوة ، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى واتباع الهوى مهلك ، والأدلة كثيرة ))( ) .
ولعل ما ذكرناه من ملامح للمناهج الأخرى المتشددة والمتساهلة كان من أجل أن يتبين لنا من خلالها المنهج المعتدل ؛ وذلك أن الأشياء قد تعرف بضدها وتتمايز بنقائضها.
وقد أجاز بعض العلماء للمفتي أن يتشدد في الفتوى على سبيل السياسة لمن هو مقدم على المعاصي متساهل فيها ، وأن يبحث عن التيسير والتسهيل على ما تقتضيه الأدلة لمن هو مشدد على نفسه أو غيره ، ليكون مآل الفتوى : أن يعود المستفتي إلى الطريق الوسط .( )
ولذلك ينبغي للمفتي أن يراعي حالة المستفتي أو واقع النازلة فيسير في نظره نحو الوسط المطلوب باعتدال لا إفراط فيه نحو التشدد ولا تفريط فيه نحو التساهل وفق مقتضى الأدلة الشرعية وأصول الفتيا ، وما أحسن ما قاله الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ : (( إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشدد فيحسنه كل أحد ))( ).
والظاهر أنه يعني تتبع مقصد الشارع بالأصلح الميسور المستند إلى الدليل الشرعي.
ولاشك أن هذا الاتجاه هو اتجاه أهل العلم والورع والاعتدال ، وهي الصفات اللازمة لمن يتعرض للفتوى والتحدث باسم الشرع ، وخصوصاً في هذا العصر .
فالعلم هو العاصم من الحكم بالجهل ، والورع هو العاصم من الحكم بالهوى ، والاعتدال هو العاصم من الغلو والتفريط ، وهذا الاتجاه هو الذي يجب أن يسود ، وهو الاجتهاد الشرعي الصحيح وهو الذي يدعو إليه أئمة العلم المصلحون .( )
وسيأتي مزيد بيان لبعض الآداب والضوابط المكملة لأصحاب هذا الاتجاه المعتدل من أجل الوصول إلى أدق النتائج وتحقيق الصواب والتوفيق من الله عز وجل ؛ وهو موضوع المطلبين القادمين – بإذن الله ـ .

























المطلب الثاني : الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهد قبل الحكم في النازلة

يتعلق بالنظر في النوازل شروط جمة منها العلم والعدالة ؛ فشرط العلم يدخل فيه الإخبار بالحكم الشرعي على الوجه الأكمل بعد معرفة الواقعة من جميع جوانبها .
وشرط العدالة يدخل فيه عدم التساهل في الفتوى بالشرع والمحاباة فيها ، مع مراعاة وجه الحق في كل ذلك والنظر إلى مشكلات الناس برحمة ويسر الشرع ، وحمل أفعالهم على الوسط في أحكامه .
إلى غيرها من الشروط التي ذكرها أهل العلم فيمن يتصدى للنظر والإفتاء ، وهي كالتكملة والتتمة لما ينبغي أن يكون عليه الناظر من العدالة والعلم .( )
إلا أن خطة النظر والاجتهاد والإفتاء في النوازل والواقعات قد أصابتها عوارض أخرجتها عن النهج الذي قرره أهل العلم من مبادئ وأسس للنظر ، وهذا النوع من الخلل إما أن يكون من جهة الزيغ في إصدار الأحكام ، أو في كيفية النظر في تناول هذه المستجدات ، وإما من جهة انحراف الناظر وعدم إخلاصه وتقواه في فتواه واجتهاده ؛ مما جعل بعض الأئمة والعلماء يتذمرون ويشتكون من ذلك في كل عصر يخرج فيه أهل النظر والاجتهاد عن الطريق السوي .
وقد حصل ما يدل على ذلك في عهد مبكر يشهد عليه الإمام مالك ـ رحمه الله ـ حيث قال : (( ما شيء أشد عليّ من أن أُسأل عن مسألة من الحلال والحرام لأن هذا هو القطع في حكم الله ، ولقد أدركت أهل العلم والفقه في بلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه ، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا ، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غداً لقللوا من هذا ، وإن عمر بن الخطاب وعلياً وعلقمة ( ) : خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون ،ثم حينئذٍ يفتون فيها وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا ، فبقدر ذلك يُفتح لهم من العلم ))( ) .
ويتضح لنا من كلام الإمام مالك ـ رحمه الله ـ المنهجية المثلى التي كان السلف رحمهم الله يتبعونها عند نظرهم واجتهادهم في الأحكام والواقعات من عدم التسرع في الفتوى أو التقصير في بحثها ، والنظر فيها ، أو قلة التحري والتشاور في أمرها ، مما يؤدي إلى انخرامٍ ظاهرٍ في نظام النظر والاجتهاد و الفتيا أو تسيبٍ واعتسافٍ في احترام هذا المقام العالي من الشريعة . ( )
ومن أجل هذه الأهمية في المحافظة على هذا المقام والتأكيد على ما يحتاجه الفقيه من ضوابط وشروط للنظر لا سيما في النوازل المعاصرة التي يكثر فيها زلل الأقدام وانحراف الأفهام وذلك بما تميز به عصرنا من صراعات ثقافية وتيارات فكرية بالإضافة إلى كثرة المؤثرات النفسية والاجتماعية والسياسية مما يجعلها في عصرنا أشد من أي عصر مضى ، ويزداد أمر الانحراف في الاجتهاد والنظر خطراً تبعاً لاتساع دائرة انتشار هذه الاجتهادات والفتاوى بواسطة وسائل الإعلام الحديثة من طبع ونشر وإذاعة وتلفزة .
إن الضوابط والآداب التي ينبغي أن يراعيها الناظر في النوازل وخصوصاً ما كان منها معاصراً ، منها ما يحتاجه قبل الحكم في النازلة وهذا النوع من الضوابط يكون ضرورياً لإعطاء المجتهد أهلية كاملة وعدة كافية يتسنى بها الخوض للنظر والاجتهاد في حكمها ، وهناك ضوابط أخرى يحتاجها الناظر أثناء البحث والاجتهاد في حكم النازلة ، ينتج من خلال هذه الضوابط أقرب الأحكام للصواب وأوفقها للحق ؛ بإذن الله :
وسيكون البحث في هذا المطلب حول أهم الضوابط التي يحتاجها الناظر في النوازل قبل الحكم في النازلة ؛ على النحو التالي :

أولاً : التأكد من وقوعها .
الأصل في المسائل النازلة وقوعها وحدوثها في واقع الأمر ، وعندها ينبغي أن ينظر المجتهد في التحقق من وقوعها والتأكد من حدوثها ، ومن ثمَّ استنباط حكمها الشرعي ، وقد يحصل أن يُسأل الفقيه المجتهد عن مسألة لم تقع تكلفاً من السائل وتعمقاً منه في تخيلات وتوقعات لا تفيد صاحبها ولا تنفع عالماً أو متعلماً ، وذلك لبعد وقوعها واستحالة حدوثها .
ولا يخفى أن التوغل في باب الاجتهاد إنما هو للحاجة التي تنزل بالمكلف يحتاج فيها إلى معرفة حكم الشرع وإلا وقع في الحرج والعنت أو الخوض في مسائل الشريعة بغير علم أو هدى ، أما إذا كان باب الاجتهاد مفتوحاً من غير حاجة وقعت ودون حادثة نزلت ، فلا شك في كراهية النظر في مسائل لم تنزل أو يستبعد وقوعها .( )
ويؤيد ذلك ما جاء عن سلفنا الصالح من كراهية السؤال عمَّا لم يقع وامتناعهم عن الإفتاء ، فيها وبعضهم ذهب إلى التشديد في ذلك والنهي عنه .( )
ويروى عن الصحابة في ذلك آثار كثيرة منها :-
- أن رجلاً جاء إلى ابن عمر رضي الله عنهما فسأله عن شيء ؛ فقال له ابن عمر رضي الله عنهما : (( لا تسأل عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يلعن من سأل عما لم يكن )) ( ) .
- وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه إذا سأله إنسان عن شيء قال : (( آلله ! أكان هذا ؟ فإن قال : نعم ، نظر وإلا لم يتكلم )) ( ) .
- وعن مسروق قال : كنت أمشي مع أبي بن كعب رضي الله عنه فقال : فتىً : ما تقول يا عماه في كذا وكذا ؛ قال : يا بن أخي ! أكان هذا ؟ قال : لا ، قال : فاعفنا حتى يكون )) ( ) .
- ويروى عن عبد المـلك بن مروان ـ رحمه الله ـ أنه سأل ابن شهـاب ـ رحمـه الله ـ، فقال له ابن شهاب : أكان هذا بأمير المؤمنين ؟ قال : لا ، قال : فدعه ، فإنه إذا كان ، أتى الله عز وجل له بفرج )) ( ) .
فهذه الآثار وغيرها كثير ؛ تبين حرص الصحابة والتابعين على عدم الخوض في مسائل لم تقع سواءً بالسؤال عنها أو بالجـواب فيها ؛ لأن النظر فيها لا ينفع كـما
هو معلوم عن الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال فيهم ابن عباس رضي الله عنهما : (( ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سألوا إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن ، وما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم ))( ) .
ويوضح ابن القيم ـ رحمه الله ـ مقصد ابن عباس بقوله : ( ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة ) (( المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبين لهم أحكامها في السنة لا تكاد تحصى ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعضل المسائل ، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها ، بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به ، فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه ، فأجابهم ، وقد قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ *قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ( ) )) ( ) .
فعلى المجتهد أو المفتي في النوازل أن يتأكد من وقوع النازلة ولا ينظر في المسائل الغريبة والنادرة أو المستبعدة الحصول ، ولكن إذا كانت المسألة ولو لم تقع منصوصاً عليها ، أو كان حصولها متوقعاً عقلاً فتستحب الإجابة عنها ، والبحث فيها ؛ من أجل البيان والتوضيح ومعرفة حكمها إذا نزلت .
وفي هذا يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ بعد أن حكى امتناع السلف عن الإجابة في ما لم يقع : (( والحق التفصيل ، فإذا كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها وإن لم يكن فيها نص ولا أثر ؛ فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها .
وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد ، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم ولا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ، ويعتبر بها نظائرها ويفرع عليها فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى والله أعلم )) ( ) .

ثانياً : أن تكون النازلة من المسائل التي يسوغ النظر فيها .
بينا فيما سبق أهمية مراعاة المجتهد وتأكده من وقوع النازلة وترك النظر عما لم يقع أو يستبعد وقوعه عقلاً وذلك حتى لا ينشغل أهل الاجتهاد عما هو واقع فعلاً أو ما لا نفع فيه ولا فائدة .
وإذا قررنا مبدأ النظر في الوقائع الحادثة للناس والمجتمعات ؛ فللمجتهد بعد ذلك أن يعرف ما يسوغ النظر فيه من المسائل وما لا يسوغ ؛ وهذا الضابط لا ينفك عن الذي قبله ، وذلك لان المجتهد قد يترك الاجتهاد في بعض المسائل التي لا يسوغ فيها النظر لأن حكمها كحكم ما لم يقع من المسائل لعدم الفائدة والنفع من ورائها فالضابط الذي ينبغي أن يراعيه المجتهد الناظر ألا يشغل نفسه وغيره من أهل العلم إلا بما ينفع الناس ويحتاجون إليه في واقع دينهم ودنياهم .
أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدال أو التعالم والتفاصح أو امتحان المفتي وتعجيزه أو الخوض فيما لا يحسنه أهل العلم والنظر ، أو نحو ذلك فهذه مما ينبغي للناظر أن لا يلقي لها بالاً ؛ لأنها تضر ولا تنفع وتهدم ولا تبني وقد تفرق ولا تجمع .
وقد ورد النهي عن ذلك كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : (( نهى عن الغلوطات ))( ).
وجاء عن معاوية رضي الله عنه : أنهم ذكروا المسائل عنده ، فقال : (( أما تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عضل المسائل )) ( ) .
قال الخطابي ـ رحمه الله ـ في هذا المعني : (( أنه نهي أن يُعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا و يسقط رأيهم فيها ، وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسألة ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به )) ( ) .
فشداد المسائل وصعابها مما لا نفع فيه ولا فائدة إلا إعنات المسئول لاشك أنه مذموم شرعاً ينبغي أن يحذر الفقيه أو الناظر من الانسياق الملهي خلف هذه المسائل والانشغال بها عما هو أهم وأعظم ، كذلك ينبغي للناظر أن لا يقحم نفسه ويجتهد في المسائل التي ورد بها النص إذ القاعدة فيها : (( لا مساغ للاجتهاد في مورد النص )) ( ) .
والمقصود بهذه القاعدة – على وجه الإجمال – ما قاله الإمام الزركشي ـ رحمه الله ـ أن (( المجتهد فيه وهو كل حكم شرعي عملي أو علمي ( ) يقصد به العلم ليس فيه دليل قطعي )) ( ) .
ويمكن من خلال النقاط التالية إبراز ما يسـوغ للمجتهد أن ينظر فيه من النوازل بإجـمـالٍ :-
1- أن تكون هذه المسألة المجتهد فيها غير منصوصٍ عليها بنصٍ قاطعٍ أو مجمع عليها .
2- أن يكون النص الوارد في هذه المسألة – إن ورد فيها نصٌ – محتملاً قابلاً للتأويل .
3- أن تكون المسألة مترددة بين طرفين وضح في كل واحدٍ منهما مقصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر . ( )
4- أن لا تكون المسألة المجتهد فيها من مسائل أصول العقيدة والتوحيد أو في المتشابه من القرآن والسنة .
5- أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل والوقائع أو مما يمكن وقوعها في الغالب والحاجة إليها ماسة . ( )

ثالثاً : فهم النازلة فهماً دقيقاً :
إن فقه النوازل المعاصرة من أدق مسالك الفقه وأعوصها حيث إن الناظر فيها يطرق موضوعات لم تطرق من قبل ولم يرد فيها عن السلف قول ، بل هي قضايا مستجدة، يغلب على معظمها طابع العصر الحديث المتميز بابتكار حلولٍ علمية لمشكلات متنوعة قديمة وحديثة واستحداث وسائل جديدة لم تكن تخطر ببال البشر يوماً من الدهر والله أعلم .
من هذا المنطلق كان لا بد للفقيه المجتهد من فهم النازلة فهماً دقيقاً وتصورها تصوراً صحيحاً قبل البدء في بحث حكمها ، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكم أُتِي الباحث أو العالم من جهة جهله بحقيقة الأمر الذي يتحدث فيه ؟ فالناس في واقعهم يعيشون أمراً ، والباحث يتصور أمراً آخر ويحكم عليه .
فلابد حينئذ من تفهم المسألة من جميع جوانبها والتعرف على جميع أبعادها وظروفها وأصولها وفروعها ومصطلحاتها وغير ذلك مما له تأثير في الحكم فيها.( )
ولأهمية هذا الضابط جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما ما يؤكد ضرورة الفهم الدقيق للواقعة حيث جاء فيه : (( أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ، فافهم إذا أُدليَ إليك ؛ فإنه لا ينفع تكلم بالحق لا نفاذ له…ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك ، واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق )) ( ) .
يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ معلقاً وشارحاً هذا الكتاب بقوله : (( ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم :
أحدهما : فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً .
والنوع الثاني : فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر ؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجراً … ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحةً بهذا ، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله ))( ) .
ومما ينبغي أن يتفطن له المفتي أو الناظر التبيّن من مقصود السائل أو المستفتي وطلب المزيد من الإيضاح والاستفصال منه ؛ وذلك حين لا يفهم المفتي صورة النازلة كما يجب ، من أجل التعرف السليم على الحكم الشرعي الذي تندرج تحته تلك النازلة أو حين يكون الأمر يدعو إلى التفصيل والإيضاح .
وقد ضرب ابن القيم ـ رحمه الله ـ عدَّة أمثلةٍ في هذا المجال فمن ذلك :
(( - إذا سُئِلَ عن رجل حلف لا يفعل كذا وكذا ، ففعله ؛ لم يجز له أن يفتي بحنثه حتى يستفصله ؛ هل كان ثابت العقل وقت فعله أم لا ؟ وإذا كان ثابت العقل فهل كان مختاراً في يمينه أم لا ؟ وإذا كان مختاراً فهل استثنى عقيب يمينه أم لا ؟ وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالماً ذاكراً مختاراً أم كان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً؟ وإذا كان عالماً مختاراً فهل كان المحلوف عليه داخلاً في قصده ونيته أو قصد عدم دخوله مخصصه بنيته أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه ؟ فإن الحنث يختلف باختلاف ذلك كله )) ( ) .
فالمقصود أن يتنبه المفتي والناظر على وجوب الفهم الكامل للنازلة والاستفصال عند وجود الاحتمال لأن المسائل النازلة ترد في قوالب متنوعة وكثيرة فإن لم يتفطن لذلك المجتهد أو المفتي هلك وأهلك . ( )
والمتأمل في بعض فقهاء العصر يجد بعضهم يجازف بالفتوى في أمور المعاملات الحديثة مثل التأمين بأنواعه وأعمال البنوك والأسهم والسندات وأصناف الشركات ، فيحرم ويحلل ، دون أن يحيط بهذه الأشياء خبراً ويدرسها جيداً ومهما يكن علمه بالنصوص عظيماً ومعرفته بالأدلة واسعة ، فإن هذا لا يغني ما لم يؤيد ذلك معرفة تامة بالواقعة المسئول عنها وفهمه لحقيقتها الراهنة . ( )

رابعاً : التثبت والتحري واستشارة أهل الاختصاص :
بيّنا في الضابط السابق أهمية فهم النازلة فهماً دقيقاً واضحاً كافياً يجعل الناظر متصوراً حقيقة المسألة تصوراً صحيحاً يحسن بعدها أن يحكم بما يراه الحق فيها وقد يحتاج الفقيه أن يستفصل من السائل عند ورود الاحتمال إذا دعى إلى ذلك المقام .
ومما ينبغي أيضاً للناظر أن يراعيه هنا زيادة التثبت والتحري للمسألة وعدم الاستعجال في الحكم عليها والتأني في نظره لها فقد يطرأ ما يغير واقع المسألة أو يصل إليه علم ينافي حقيقتها وما يلزم منها ، فإذا أفتى أو حكم من خلال نظرٍ قاصرٍ أو قلة بحثٍ وتثبتٍ وتروٍ فقد يخطئ الصواب ويقع في محذور يزل فيه خلق كثير ( ) .
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤيد التثبت والتحري في الفتيا والاجتهاد ؛ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( من أفتى بفتيا غير ثبت ، فإنما إثمه على من أفتاه )) ( ) .
وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام : (( أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار )) ( ) ، و يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله : (( من أجاب الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون )) ( ) .
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يُسأَل عن المسألة فيتفكر فيها شهراً ، ثم يقول: (( اللهم إن كان صواباً فمن عندك ، وإن كان خطأ فمن ابن مسعود ))( ) .
وجاء عن الإمام مالك ـ رحمه الله ـ أنه قال : (( إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة ، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن ))( ) . وقال أيضاً : (( ربما وردت عليَّ المسألة فأفكر فيها ليالي ))( ) .
ولاشك في دلالة هذه الأحاديث والآثار على أهمية التثبت في الفتوى وعدم الاستعجال في إجابة كل أحدٍ دون تروٍ ونظرٍ ، فالمفتي في النوازل إذا وضع نصب عينيه أهمية خطته وشرفها اتخذ الإخلاص والتثبت شعاره ضمن النجاح في القيام بمسئوليته الجسيمة .( )
يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في ذلك : (( حقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعدّ له عدّته وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه , ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به ، فإن الله ناصره وهاديه ، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب )) ( ) .
ومما ينبغي أن يراعيه الناظر في النوازل من التثبت والتحري استشارة أهل الاختصاص ، وخصوصاً في النوازل المعاصرة المتعلقة بأبواب الطب والاقتصاد والفلك وغير ذلك ، والرجوع إلى علمهم في مثل تلك التخصصات عملاً بقوله تعالى : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( ) .
فإن كانت النازلة متعلقة بالطب مثلاً ، وجب الرجوع إلى أهل الطب وسؤالهم والاستيضاح منهم ، وإن كانت النازلة متعلقة بالاقتصاد والمال فيُرجَعُ حينئذٍ لأصحاب الاختصاص في الاقتصاد أو للمراجع المختصة في ذلك الشأن ، فالذي لا يعرف حقيقة النقود الورقية المعاصرة أفتى بأنها لا زكاة فيها ، أو أن الربا لا يجري فيها اعتماداً على أنها ليست ذهباً أو فضة . ( )
كما أن الذي لا يعرف مجريات ما يسمى ( بأطفال الأنابيب ) لا يستطيع أن يعطي فتوى صحيحة فيها بالحِلِّ أو الحرمة إلا إذا وضحت له حالات هذه العملية
وفروضها ، فيستطيع حينئذٍ أن يعطي الحكم المناسب لكل حالة .( )
ولعل في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاستشارة ضمانٌ للمفتي من القول بلا علم وخصوصاً فيما ينزل من مسائل معاصرة ، والاجتهاد الجماعي في وقتنا الحاضر المتمثل بالمجامع الفقهية وهيئات الإفتاء ومراكز البحث العلمي تحقق الدور المنشود الذي ينبغي للمفتي أو المجتهد مراعاته والالتزام به لتتسع دائرة العلم وتزداد حلقة المشورة من أجل الحيطة والكفاية في البحث والنظر .
يقول الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ معلقاً على أهمية ذلك : (( ثم يذكر المسألة ـ أي المفتي ـ لمن بحضرته ممن يصلح لذلك من أهل العلم ويشاورهم في الجواب ، ويسأل كل واحد منهم عما عنده ، فإن في ذلك بركة واقتداء بالسلف الصالح ، وقد قال الله تبارك وتعالى : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ( ) ، وشاور النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع وأشياء وأمر بالمشاورة ، وكانت الصحابة تشاور في الفتاوى والأحكام )) ( ) .

خامساً : الالتجاء إلى الله عز وجل وسؤاله الإعانة والتوفيق .
وهذا الضابط من أهم الآداب التي ينبغي أن يراعيها الناظر في النوازل ليوفق للصواب ويفتح عليه بالجواب ، وما ذلك إلا من عند الله العليم الحكيم ، القائل في كتابه الكريم ؛ يحكي عن الملائكة :  سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ  ( ) .
وقد استحب بعض العلماء للمفتي أن يقرأ هذه الآية وكذلك قوله تعالى :  رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي*وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي *وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ( )
وغيرها من الأدعية والأوراد لأن من ثابر على تحقيق هذه الصلة الملتجئة بالله كان حرياً بالتوفيق في نظره وفتواه . ( )
وما أروع ما قاله الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ مؤكداً هذا النوع من الأدب للمفتي : (( ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة ، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق ، وما أجدر من أمّل فضل ربه أن لا يحرمه إياه ، فإذا وجد في قلبه هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق، فعليه أن يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة ، فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها ، فإن ظفر بذلك أخبر به وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله ، فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده ، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ لك النور أو تكاد ولا بد أن تضعفه ، وشهدتُ شيخ الإسلام ـ ابن تيمية ـ قدس الله روحه إذا أعيته المسائل واستصعب عليه ، فرّ منها إلى التوبة والاستغفار و الاستغاثة بالله واللجوء إليه ، واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته ، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مداً ، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ .. )) ( )
ولعل من أشد المزالق التي يقع بها بعض المفتين ضعف الصلة بالله عز وجل وقلة الورع ، مما قد يؤدي إلى سلوك هذا الصنف من المفتين إلى إرضاء أهوائهم أو أهواء غيرهم ممن ترجى عطاياه وتخشى رزاياه ، أو قد يكون باتباع أهواء العامة والجري وراء إرضائهم بالتساهل أو بالتشديد ، وكله من اتباع الهوى المضل عن الحق .
والله عز وجل قد حذر من ذلك حيث قال :  ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُون*إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ( ) .
وكذلك قوله تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم أيضاً بقوله : وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ  ( ) ، إلى غيرها من الآيات والأحاديث .
وصدق الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ حيث قال : (( ما من الناس أعز من فقيه ورع)) ( ) . ويعلل الإمام الشاطبي عزّة وندرة هذا النوع من الفقهاء ؛ بأن أفعاله قد طابقت أقواله فيقول ـ رحمه الله ـ : (( فوعظه أبلغ وقوله أنفع وفتواه أوقع في القلوب ممن ليس كذلك ، لأنه الذي ظهرت ينابيع العلم عليه واستنارت كليته به، وصار كلامه خارجاً من صميم القلب ، والكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب ،ومن كان بهذه الصفة فهو من الذين قال الله فيهم :  إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ( ) ، بخلاف من لم يكن كذلك ، فإنه وإن كان عدلاً وصادقاً وفاضلاً لا يبلغ كلامه من القلوب هذا المبلغ ، حسبما حققته التجربة العادية ))( ).
فما أحوج الفقيه المفتي في عصرنا الحاضر إلى تقوية الصلة بالله والافتقار إليه حتى يكون في حمى الإيمان بالله مستعلياً وعن الخلق مستغنياً وبالحق والصواب موفقاً ـ بإذن الله ـ .( )
فهذه بعض الضوابط التي ينبغي للناظر والمجتهد في النوازل مراعاتها قبل البحث في حكم النازلة .
والحقيقة أن هناك ضوابط وآداب أخرى كثيرة ذكرها أهل العلم ـ ربما يندرج بعضها فيما ذكرنا ـ لعل من أهمها مناسبة للمقام في هذا المطلب ما قاله الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ : (( لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال :
1- أن تكون له نية ، فإن لم يكن له نية ؛ لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور .
2- أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة .
3- أن يكون قوياً على ما هو فيه وعلى معرفته .
4- الكفاية وإلا مضغه الناس .
5- معرفة الناس )) ( ) ، وقد وفّى وكفى الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في بيانها وشرحها بالدليل والبرهان في كتابه القيم إعلام الموقعين . ( )


















الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الكفراوى
عضو فضى
عضو فضى


عدد المساهمات : 257
تاريخ التسجيل : 13/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة   الإثنين 4 مارس - 10:50

المطلب الثالث:الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهد قبل الحكم في النازلة

بيّنا فيما سبق بعض الضوابط التي يحتاجها الناظر في النوازل قبل الحكم أو الفتيا في الواقعة ، ولعلنا في هذا المطلب أكثر احتياجاً لسوق بعض الضوابط التي ينبغي مراعاتها ، أثناء الحكم على النازلة ، من أجل بلوغ الناظر الدرجة العليا من المعرفة والفهم للأدلة والقواعد وما يتعلق بالنظر من ظروف وأحوال تؤدي بمجموعها إلى استفراغ المجتهد وسعه وجهده للوصول إلى الحكم الصحيح ـ إن شاء الله تعالى ـ .
فمن هذه الضوابط ما يلي :-

أولاً :الاجتهاد في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة :
والمقصود بذلك أن يبذل المجتهد وسعه في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة بتتبع طرق الاستنباط المعروفة والجري في ذلك على سنن النظر المعهودة ، فقد يجد الحكم منصوصاً عليه أو قريباً منه ، وقد يلجأ إلى القياس على الأدلة ، أو التخريج على أقوال الأئمة ؛ مع مراعاة عدم مصادمة حكمه للنصوص والإجماعات الأخرى أو مخالفتها للعقول الصحيحة والفطر السليمة فهذا مسلمٌ اعتباره في الشريعة .
وسوف نتعرض في الفصل القادم ؛ للبحث في طرق معرفة حكم النازلة بشيء من التفصيل ـ بإذن الله ـ ولكن يجدر بنا هنا أن نذكر بعض الآداب التي ينبغي للناظر مراعاتها من خلال هذا الضابط ومما له صلة في مبحثنا :-

أ – أن يذكر دليل الحكم في الفتوى النازلة :
يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في ذلك : (( ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه ذلك ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجاً مجرداً عن دليله ومأخذه ، فهذا لضيق عَطَنِه وقلة بضاعته من العلم ، ومن تأمل فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حِكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته )) ( ) .
وقال ـ رحمه الله ـ في موضع آخر : (( عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى وهذا العيب أولى بالعيب ، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل ، فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم والقياس الصحيح عيباً )) ( ) .
ثم بيّن ـ رحمه الله ـ ما صار إليه الأمر في الفتوى بعد الصحابة والتابعين بقوله : (( ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم ، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط ، ولا يذكر للجواب دليلاً ولا مأخذاً ، ولا يعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل ، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه ، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يدري ما حالهم في الفتاوى ؟ ! )) ( ) .
ونُقِل عن الإمام الصيمري ـ رحمه الله ـ وغيره القول بعدم مطالبة المفتي بذكر الدليل في فتواه ( ) .
ولعل الأقرب إلى الصواب في هذه المسألة ـ والله أعلم ـ : أن ذكر الدليل في الفتوى يرجع إلى حال السائل وطبيعة الفتوى أو النازلة ؛ فإذا كان السائل له علم بالشرع ، ودراية في معاني الأدلة ، أو طلب معرفة الدليل ، فينبغي للمفتي أو الناظر ذكر الدليل والحجة أو الحكمة من المشروعية ؛ تطميناً لقلب السائل وزيادة في علمه وتوثيقاً لفهمه ، أما لو كان المستفتي أمياً لا يفقه معنى الدليل فذكره له مضيعة للوقت وخطاباً لمن لا يفهم .
وكذلك لو كانت النازلة تتعلق بمهام الدين ومصالح المسلمين أو بها غموض قد يطرأ في الذهن فينبغي كذلك للمفتي ذكر الدليل والحجة ، والاهتمام ببسط الأدلة ما أمكنه ذلك .( )

ب – أن يبين البديل المباح عند المنع من المحظور :
وهذا الأدب له من الأهمية في عصرنا الحاضر القدر العظيم ، وذلك أن كثيراً من المستجدات الواقعة في مجتمعنا المسلم قادمة من مجتمعات كافرة أو منحلة لا تراعي القيم والثوابت الإسلامية ؛ فتغزو مجتمعاتنا بكل قوة مؤثرة ومغرية كالمستجدات المالية والفكرية والإعلامية وغيرها .فيحتاج الفقيه إزاءها أن يقرّ ما هو مقبول مباح شرعاً ويمنع ما هو محظور أو محرم مع بيانه لحكمة ذلك المنع وفتح العوض المناسب والاجتهاد في وضع البدائل المباحة شرعاً حماية للدين وإصلاحاً للناس، وهذا من الفقه والنصح في دين الله عز وجل .
كما قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ : (( من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكانت حاجته تدعو إليه ؛ أن يدله على ما هو عوض له منه ، فيسد عليه باب المحظور ويفتح له باب المباح وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر مع الله وعامله بعلمه ؛ فمثاله من العلماء : مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء ؛ يحمي العليل عما يضره ، ويصف له ما ينفعه ، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ما بعث الله من نبي إلا كان حـقاً عليه أن يدل أمته على خـير ما يعلمه لهم ، وينـهاهم عن شر ما يعـلمه لهم )) ( ) . وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم ))( ) .

ج – التمهيد في بيان حكم النازلة :
ينبغي للناظر في النوازل التمهيد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولاً لدى السائلين، وقد ذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ : (( إذا كان الحكم مستغرباً جداً مما تألفه النفوس وإنما ألفت خلافه ، فينبغي للمفتي أن يُوطِّئ قبله ما يكون مؤذناً به؛ كالدليل عليه والمقدمة بين يديه ، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة ، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير أب ، فإن النفوس لما آنست بولد بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب )) ( ) .
كما ينبغي أيضاً للناظر إن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له منه ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه وذلك من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه وشاهده قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ( ).
وقد يحتاج الفقيه الناظر أيضاً أن يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه لما فيها من تكميل موضوع السؤال أو لعلةٍ ترتبط بينهما قد يحتاج إليها السائل فيما بعد أو يستفيد منها عموم أهل الواقعة .
وقد ترجم الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ لذلك في صحيحه فقال : (( باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه )) ، ثم ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما ؛ ما يلبس المحرم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ، و لا الخفاف ، إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل الكعبين )) ( ).
وهذا أيضاً من كمال العلم والنصح والإرشاد في بيان أحكام النوازل .( )

ثانياً : مراعاة مقاصد الشريعة .
المراد بالمقاصد الشرعية هي : المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة فيدخل في هذا : أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها ويدخل في هذا أيضاً معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها .( )
وقد يراد بالمقاصد أيضاً : الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد .( )
فهذه الأسرار والغايات التي وضعت الشريعة لأجلها من حفظ الضروريات وإصلاح لأحوال العباد في الدارين ؛ معرفتها ضرورية على الدوام ولكل الناس، فالمجتهد يحتاج إليها عند استنباط الأحكام وفهم النصوص وغير المجتهد للتعرف على أسرار التشريع .
ولذلك كان الناظر في النوازل في أمس الحاجة إلى مراعاتها عند فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات ، وكذلك إذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة فإنه لابد وأن يستعين بمقصد الشرع ، وإن دعته الحاجة إلى بيان حكم الله في مسألة مستجدة عن طريق القياس أو الاستصلاح أو الاستحسان أو العرف المعتبر تحرى بكل دقة أهداف الشريعة ومقاصدها .( )
فإذا ثبت بما لا يدع مجالاً للشك : (( أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً )) ( ) ؛ كان لزاماً على المجتهد والمفتي في الوقائع الحادثة اعتبار ما فيه مصلحة للعباد ودرء ما فيه مفسدة عليهم .
فيستحيل أن تأمر الشريعة بما فيه مفسدة أو تنهى عما فيه مصلحة بدليل استقراء آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول الإمام البيضاوي ـ رحمه الله ـSad(إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد ))( ).
ويؤكد على ذلك الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ وهو من المعتنـين بذلك بقولــه : (( القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوءان من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بها ، والتنبيه على وجوه الحِكم التي لأجلها شرع الأحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناهما ، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة )) ( ) .
فينبغي عندئذٍ أن يراعي الناظر في النوازل تحقيق المصالح في حكمه وفتواه حتى لا يخرج عن كليات الشريعة ومقاصدها العليا .



ولعلنا أن نذكر في هذا المقام بعض الجوانب المهمة التي ينبغي أن يدركها الناظر في النوازل من خلال مراعاته لمقاصد التشريع ، وهي كالتالي : -
أ – تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر :
إن اعتبار تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر هو من مقصود الشرع الذي حافظ على ما يجلب فيه النفع ويدفع فيه الضرر ، وكثيراً ما يكون اجتهاد الناظر في النوازل بناءً على اعتبار حجِية المصلحة المرسلة التي لم يرد في الشرع نصٌ على اعتبارها بعينها أو بنوعها ولا على استبعادها ولكنها داخلة ضمن مقاصد الشرع الحنيف وجمهور العلماء على اعتبار حجيتها .( )
ولذلك قال الإمام الآمدي ـ رحمه الله ـ : (( فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة أفضى ذلك أيضاً إلى خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية لعدم وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها ))( ) .
وواقعنا المعاصر يشهد على اعتبار المصلحة المرسلة في كثير من المسائل المستجدة في الأنظمة المدنية والدولية وصورٍ من التوثيقات اللازمة لبعض العقود المالية والزوجية وغيرها .
وإذا لم يكن للفقيه فهم وإدراك لمقاصد الشرع وحفظ ضرورياته ؛ و إلا أغلق الباب بالمنع على كثير من المباحات أو فتحه على مصراعيه بتجويز كثير من المحظورات .
ولهذا ذكر الأصوليون عدَة ضوابط من أجل تحقق المصلحة المعتبرة والعمل بها عند النظر والاجتهاد ، وهي بإيجاز : -
1- اندراج المصلحة ضمن مقاصد الشريعة .
2- أن لا تخالف نصوص الكتاب والسنة .
3- أن تكون المصلحة قطعية أو يغلب على الظن وجودها .
4- أن تكون المصلحة كلية .
5- ألا يفوت اعتبار المصلحة مصلحة أهم منها أو مساوية لها . ( )
ومما ينبغي للناظر في النوازل في هذا المقام ؛ أنه إذا أفتى في واقعة بفتوى مراعياً فيها مصلحة شرعية ما ، فإن عليه أن يعود في فتواه ويغير حكمه فيها في حالة تغيّر المصلحة التي روعيت في الفتوى الأولى ،ولا يخفى أن تغير الفتوى هنا إنما هوتغيرٌّ في حيثيات الحكم لا تغيرٌّ في الشرع ، والحكم يتغير بحسب حيثياته ومناطه المتعلق به ، وهذا أمر ظاهر .
ولعل من الأمثلة على ذلك : السفر إلى بلاد الكفار فإن كانت فيه مصلحة مرجوة تعود على صاحبها بالنفع الديني أو العلمي أو المادي كان السفر جائزاً ، وإذا زالت المصلحة أو قلت فلا يجوز حينئذٍ السفر للمضار المترتبة على ذلك.( )

ب ـ اعتبار قاعدة رفع الحرج :
يقصد بالحرج : (( كل ما يؤدي إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالاً أو مآلاً )) ( ) ، فيكون المراد برفع الحرج : ((التيسير على المكلفين بإبعاد المشقة عنهم في مخاطبتهم بتكاليف الشريعة الإسلامية )) ( ) .
وقد دلت الأدلة على رفع الحرج من الكتاب والسنة حتى صار أصلاً مقطوعاً به في الشريعة .
كما في قوله تعالى :  مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ  ( ) ، وقـوله تعـالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  ( ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
(( إن هذا الدين يسر ))( )، إلى غيرها من الأدلة المتواترة في حجية هذا الأصل .
فإذا تبين لنا قطعية هذا الأصل وجب على المجتهد أن يراعي هذه القاعدة فيما ينظر فيه من وقائع ومستجدات ، بحيث لا يفتي أو يحكم بما لا يطاق شرعاً من المشاق ، كما يجب عليه أن يراعي الترخيص في الفعل أو الترك على المكلفين الذين تتحقق فيهم الأعذار والمسوغات الشرعية المبيحة لذلك ، كما في الترخيص في الضروريات أو التخفيف لأصحاب الأعذار ورفع المؤاخذة عنهم( ).
وهناك شروط لابد للناظر من تحقيقها عند اعتباره لقاعدة رفع الحرج فيما يعرض له من نوازل وواقعات ، وهي :
1 ـ أن يكون الحرج حقيقياً ، وهو ما له سبب معين واقع ؛ كالمرض والسفر ، أو ما تحقق بوجوده مشقة خارجة عن المعتاد ، ومن ثمَّ فلا اعتبار بالحرج التوهمي وهو الذي لم يوجد السبب المرخص لأجله ؛ إذ لا يصح أن يبني حكماً على سبب لم يوجد بعد كما أن الظنون والتقديرات غير المحققة راجعة إلى قسم التوهمات .
2- أن لا يعارض نصاً ، فالمشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه ، وأما في حال مخالفته النص فلا يعتد بهما . ( )
3ـ أن يكون الحرج عاماً ، قال ابن العربي ـ رحمه الله ـ : (( إذا كان الحرج في نازلة عامة في الناس فإنه يسقط وإذا كان خاصاً لم يعتبر عندنا ، وفي بعض أصول الشافعي اعتباره وذلك يعرض في مسائل الخلاف )) ( ) .

ج ـ النظر إلى المآلات :
ومعناه أن ينظر المجتهد في تطبيق النص ؛ هل سيؤدي إلى تحقيق مقصده أم لا ؟ فلا ينبغي للناظر في النوازل والواقعات التسرع بالحكم والفتيا إلا بعد أن ينظر إلى ما يؤول إليه الفعل .
وقاعدة اعتبار المآل أصل ثابت في الشريعة دلت عليها النصوص الكثيرة بالاستقراء التام ( ) .
كما في قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ ( ).
وقوله تعالى : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ( ) .
وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أشير إليه بقتل من ظهر نفاقه قوله : (( أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه )) ( ) ، وقوله : (( لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم )) ( ) .
إلى غيرها من النصوص المتواترة في اعتبار هذا الأصل . ( )
يقول الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في أهمية اعتباره عند النظر والاجتهاد : (( النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفه ، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل ، فقد يكون ؛ مشروعاً لمصلحة قد تستجلب أو لمفسدة قد تدرأ ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه ، وقد يكون غير مشروع ، لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحه تندفع به ، ولكن له مآل على خلاف ذلك ، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية ، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها ، فيكون هذا مانعاً من انطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة مثلها أو تزيد ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية ، وهو مجال للمجتهد صعب المورد ، إلا أنه عذب المذاق ، محمود الغب ، جارٍ على مقاصد الشريعة ))( ) .
وكم من أبواب للشر انفتحت بسبب فتاوى لم يُعتبر فيها ما تؤول إليه بعض الوقائع والمستجدات من مفاسد وأضرار ، كما يحصل في بعض البلدان الإسلامية من تجويز عمل المرأة في جميع التخصصات ومشاركتها الرجل في جميع المجالات دون تقدير المفاسد المترتبة على هذا النوع من الاجتهاد . وقد يحصل في اعتبار قاعدة النظر إلى المآل خير ونفعٌ عظيم ؛ تشهد له بعض الفتاوى مثل التي ظهرت في جريمة الاتجار في المخدرات والمسكرات واستحقاق من يفعل ذلك القتل تعزيراً ، فكان فيها إغلاق لباب الشر وحفظ للعباد من أهل الفساد .

ثالثاً : فقه الواقع المحيط بالنازلة :
ويقصد بهذا الضابط أن يراعي الناظر في النوازل عند اجتهاده تغيّر الواقع المحيط بالنازلة سواءً كان تغيراً زمانياً أو مكانياً أو تغيراً في الأحوال والظروف وعلى الناظر تبعاً لذلك مراعاة هذا التغير في فتواه وحكمه .
وذلك أن كثيراً من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية ؛ فالأحكام تنظيمٌ أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد ، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة ، فكم من حكم كان تدبيراً أو علاجاً ناجحاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه ، أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق .
ومن أجل هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون ، وصرّح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات ، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وُجِدَ الأئمة الأولون في عصر المتأخرين وعايشوا اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما قال المتأخرون .( )
وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة : (( لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان )) ( ) .
ومن أمثلة هذه القاعدة :
- أن الإمام أبا حنيفة ـ رحمه الله ـ يرى عدم لزوم تزكية الشهود ما لم يطعن فيهم الخصم ، اكتفاء بظاهر العدالة ، وأما عند صاحبيه أبي يوسف ومحمد ـ رحمهما الله ـ فيجب على القاضي تزكية الشهود بناء على تغير أحوال الناس . ( )
- كذلك أفتى المتأخرون بتضمين الساعي بالفساد لتبدل أحوال الناس مع أن القاعدة : (( أن الضمان على المباشر دون المتسبب )) وهذا لزجر المفسدين .( )
- ومـن الفـتاوى ما ذهـب إليـه شـيخ الإسلام ابن تيـمية وتلميذه ابن القيم ـ رحمهما الله ـ في تقييد مطلق كلام العلماء وقالا بإباحة طواف الإفاضة للحائض التي يتعذر عليها المقام حتى تطهر ( ) ، وقد عمل بها بعض العلماء المعاصرين مراعاة لتغير أحوال الناس .
- كذلك جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا مع أنه مكان للعبادة ينبغي أن لا يغلق وإنما جُوِّزَ الإغلاق صيانة للمسجد من السرقة والعبث . ( )
إلى غيرها من الأمثلة الكثيرة التي غيّر فيها الأئمة المتأخرون كثيراً من الفتاوى بسبب تغير الأزمنة واختلاف أحوال الناس .( )
يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ في فصل Sad تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد ) : (( هذا فصل عظيم النفع جداً وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى مراتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ، ومن الرحمة إلى ضدها ، ومن المصلحة إلى المفسدة ومن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل ))( ) .
ولعل هذا النص النفيس للإمام الجليل ابن القيم ـ رحمه الله ـ يكون مناراً لأهل النظر والاجتهاد يهتدون به في بحثهم واجتهادهم من أجل أن يراعي المجتهد أو المفتي أثناء اجتهاده ونظره الظروف العامة للعصر والبيئة والواقع المحيط بالناس ، فربَّ فتوى تصلح لعصر ولا تصلح لآخر ، وتصلح لبيئة ولا تصلح لأخرى ، وتصلح لشخص ولا تصلح لغيره ، وقد تصلح لشخص في حال ، ولا تصلح له نفسه في حال أخرى .
ولأهمية هذا المقام يمكن أن نذكر بعض الضوابط المهمة التي ينبغي أن يراعيها الناظر عند تغيّر الأزمنة أو الأمكنة أو الظروف لتحقق تغير الفتوى عندها ، ويمكن أن نوجزها فيما يلي :
1- أن الأحكام الشرعية ثابتة لا تتغير بمرور الزمان ولا بتغير الأحوال وكون الحكم الشرعي يختلف من واقعة إلى واقعة بسبب تغير الزمان أو المكان أو الحال ليس معناه أن الأحكام مضطربة ومتباينة بل لأن الحكم الشرعي لازم لعلته وسببه وجارٍ معه ، فعند اختلاف أحوال الزمان والناس تختلف علة الحكم وسببه فيتغير الحكم بناءً عليه . ( )
2- أن الفتوى لا تتغير بحسب الهوى والتشهي واستحسان العباد واستقباحهم بل لوجود سبب يدعو المجتهد بإعادة النظر في مدارك الأحكام ، ومن ثمَّ تتغير الفتوى تبعاً لتغير مدركها نتيجةً لمصالح معتبرة وأصول مرعية تُرَجَّح على ما سبق الحكم به .
3- أن تغير الفتوى يجب أن يكون مقصوراً على أهل الاجتهاد والفتوى وليس لأحدٍ قليل بضاعته في العلم أن يتولى هذه المهمة الصعبة ، وكلما كان النظر جماعياً من قِبل أهل الاجتهاد كان أوفق للحق والصواب .( )

رابعاً : مراعاة العوائد والأعراف .
المقصود بالعرف أو العادة عند الأصوليين : (( هو ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول ))( ) .
وقد جرى الفقهاء على اعتبار العادة والعرف والرجوع إليها في تطبيق الأحكام الشرعية في مسائل لا تعد لكثرتها ، منها : سن الحيض ، والبلوغ ، والإنزال ، والأفعال المنافية للصلاة ، والنجاسات المعفو عنها ، وفي لفظ الإيجاب والقبول وفي أحكامٍ كثيرة جداً من مسائل البيوع والأوقاف والأيمان والإقرارات والوصايا وغيرها . ( )
ولهذا كانت قاعدة ( العادة محكمة ) بناءً على ما جاء عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ موقوفاً : (( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن )) ( ) .
فإذا كانت العادة والعرف لهما اعتبار في الشرع ، مع كثرة ما يطرأ عليهما من تغير وتبديل بحسب الأزمنة والأمكنة وتطور أحوال الناس ، فإن على العلماء مراعاة ذلك التغير بقدر الإمكان . وخصوصاً ما كان من قبيل الفتيا في الأمور الواقعة أو المستجدة لعظم شأنها وسعة انتشارها .
يقول الإمام القرافي ـ رحمه الله ـ في ذلك Sad(إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين ، بل كل ما هو في الشريعة
يتبع العوائد : يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة )) ( )،
وزاد أيضاً ـ رحمه الله ـ : (( ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفتٍ لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي وموضع الفتيا : أن لا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده ، وهل حدث لهم عرف في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا ؟ وإن كان اللفظ عرفياً فهل عُرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا ؟ وهذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء ، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواءً أن حكمهما ليس سواء )) ( ) .
وقد قرر أيضاً هذا المعنى في موضع آخر بقوله : (( وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام فمهما تجدد العرف اعتبره ، ومهما سقط أسقطه ، ولا تجمد على المسطور في الكتب طوال عمرك .. والجمود على المنقولات أبداً اختلاف في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين )) ( ) .
وقد حرر الإمام ابن القيم فصلاً مطولاً ـ كما بيناه سابقاً ـ في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد وسرد الكثير من الأمثلة والشواهد .( )
ثم قال ـ رحمه الله ـ في موضع آخر مؤكداً على أهمية مراعاة العرف في الفتوى :-
(( وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل فيُغرِ الناس ، ويكذب على الله ورسوله ويغير دينه ويحرِّم ما لم يحرمه الله ، ويوجب ما لم يوجبه الله والله المستعان )) ( ) .
ولأهمية هذا الضابط وأنه قد يكون مزلةً لبعض أهل الفتيا والنظر ؛ اشترط الفقهاء والأصوليون شرائط يكون فيها العرف معتبراً ؛ صيانة لأحكام الشريعة من التبديل والاضطراب ، وهي أربعة شروط أذكرها مختصرة :-
1-أن يكون العرف مطرداً أو غالباً .
2-أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرفات قائماً عند إنشائها .
3-أن لا يعارض العرفَ تصريحٌ بخلافه .
4-أن لا يعارض العرفَ نصٌ شرعي بحيث يكون العمل بالعرف تعطيلاً له .( )
ويظهر مما سبق ذكره ، أن مراعاة العوائد والأعراف المتعلقة بالأشخاص والمجتمعات عند النظر والاجتهاد أمر مهم وطلب ضروري لا بد منه لكل مجتهد ومفتٍ ولعل مراعاة ذلك في عصرنا الحاضر آكد لتشعب الناس في البلاد الواسعة المختلفة الظروف والعوائد وتيسر وسائل الاتصال الحديثة للانتقال إلى مكان المفتي أو سماعه ؛ مما يجب عليه أن لا يطلق الجواب حتى يعرف أعراف السائلين وما يليق بهم من أحكام الشرع ، وليحذر من إطلاق الفتاوى معممة دون تخصيص ما يحتاج منها إلى تخصيص بسبب ظروف السائل وعوائده ، وخاصة إذا كانت شريحة المتلقي أو المستمع لهذه الفتوى واسعة الانتشار في أكثر من بلد كما هو الحاصل في برامج الفتيا في الإذاعة والتلفاز .( )

خامساً : الوضوح والبيان في الإفتاء .
وهذا الضابط مهم في تبليغ الحكم المتعلق بالنازلة فلا يكفي الإخبار وحده بحكم الواقعة بل لا بد أن يكون ذلك الإخبار واضحاً بيناً لا غموض فيه ولا إبهام فيه، وألا يفضي إلى الاضطراب والاختلاف في معرفة المعنى المقصود بالفتوى .
وقد وضح الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ أهمية هذا الضابط بقوله : (( لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة ، بل عليه أن يبين بياناً مزيلاً للإشكال متضمناً لفصل الخطاب ، كافياً في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال : يقسم على الورثة على فرائض الله عز وجل وكتبه فلان ، وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال : يصلي على حديث عائشة ... وسئل آخر فقال : فيها قولان ولم يزد ..))( ) .
ويدخل ضمن هذا الأدب في الفتيا مخاطبة الناس بلغة عصرهم التي يفهمون متجنباً وعورة المصطلحات الصعبة وخشونة الألفاظ الغريبة ، متوخياً السهولة والدقة .
وقد جاء عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (( حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون ، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله )) ( ) .
فمراعاة حال السائلين من حيث فهم الخطاب وإدراك معنى الحكم مطلبٌ مهم يجب على الناظر مراعاته وتوخيه دون أن يكون قاصراً على فهم طائفة معينة ، أو خالياً من التأصيل العلمي اللائق بالفتوى تنزّلاً لحال العوام من الناس بل على الناظر مراعاة الوسط والاعتدال بين ما يفهمه العامي ويستفيد منه المتعلم ، ولذلك قال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ في ضمن صفات المفتي :
(( وليتجنب مخاطبة العوام وفتواهم بالتشقيق والتقعير ، والغريب من الكلام ، فإنه يقتطع عن الغرض المطلوب ، وربما وقع لهم به غير المقصود ))( ) .
ولذلك ينبغي للناظر في النازلة أن يعتبر نفسه عند الإجابة مفتياً ومعلماً ومصلحاً وطبيباً مرشداً حتى تبلغ فتواه مبلغها ويحصل أثرها بإذن الله .

.. هذه بعض الضوابط التي جرت الإشارة إليها بإيجاز ليتسنى للمجتهد والمفتي مراعاتها وتوخيها قدر استطاعته .
وهناك الكثير من الآداب والضوابط ذكرها العلماء في معرض حديثهم عن الاجتهاد وأدب المفتي أعرضت عن بعضها لعدم الحاجة إليها في عصرنا الحاضر كما أغفلت بعضها الآخر رجاء عدم الإطالة والتشعب .
ولعلي أكتفي بجملةٍ من الضوابط المجملة ذكرها الإمام الخطيب البغدادي يحسن إيرادها في خاتمة هذا المبحث وهي كما قال ـ رحمه الله ـ :
(( ينبغي ـ أي للناظر المجتهد أو للمفتي ـ أن يكون : قوي الاستنباط ، جيد الملاحظة، رصين الفكر ، صاحب أناة وتؤدة ، وأخا استثبات وترك عجلة ، بصيراً بما فيه المصلحة مستوقفاً بالمشاورة ، حافظاً لدينه مشفقاً على أهل ملته ، مواظباً على مروءته ، حريصاً على استطابة مأكله ، فإن ذلك أول أسباب التوفيق ، متورعاً عن الشبهات ، صادفاً عن فاسد التأويلات ، صليباً في الحق ، دائم الاشتغال بمعادن الفتوى ، وطرق الاجتهاد ، ولا يكون ممن غلبت عليه الغفلة ، واعتوره دوام السهر، ولا موصوفاً بقلة الضبط منعوتاً بنقص الفهم معروفاً بالاختلال ، يجيب بما لا يسنح له ، ويفتي بما يخفى عليه .. )) ( )
وأخيراً : ينبغي للناظر التزام حِمى ( لا أدري ) عند عدم العلم فإن هذا لا يضع من قدره ولا يحط من شأنه ، وذلك أن الإحاطة متعذرة ولابد من أشياء تكون مجهولة وهو محل ( لا أدري ) ومن طمع في الإحاطة فهو جاهل ، ومن تقدم لما ليس له به علم فهو كذاب .( )
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما Sad( إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله ))( )
وجاء عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قوله : (( العلم ثلاثة : كتاب ناطق ، سنة
ماضية ، ولا أدري )) ( ).
والنصوص في ذلك كثيرة وآثار العلماء الربانيين شاهدة على اعتبار هذا الأصل والالتجاء إليه عند عدم القدرة والعلم .( )
وختاماً أسأل الله عزوجل أن يرزقنا وإياكم الإخلاص والتوفيق أن يقينا شر مصارع الجهل والهوى ، فما أصبت فمن الله وحده وماأخطأت فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله تعالى من كل ذنب وخطيئة ، والله تعالى أعلم وأحكم وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.


أعده
الدكتور / مسفر بن علي القحطاني
أستاذ الفقه وأصوله في جامعة الملك فهد للبترول


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
Admin
Admin


انثى عدد المساهمات : 402
تاريخ التسجيل : 10/06/2010
الموقع :
المزاج المزاج :

مُساهمةموضوع: رد: ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة   الجمعة 8 مارس - 9:04

بارك الله فيك لهذا الطرح الرائع والقيم
سلمت يداك
جزاك الله خير الجزاء
وعمر الله قلبك بالايمان وطاعة الرحمن
ورزقك المولى الفردوس الأعلى
ونفع الله بك وزادك من علمه وفضله
غفر الله لك ولوالديك ماتقدم من ذنبهم وما تأخر
وقِهم عذاب القبر وعذاب النار
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://markzaldawli.yoo7.com
 
ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: