منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فيفى
عضو متألق
عضو متألق


عدد المساهمات : 608
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم   الثلاثاء 5 مارس - 22:01

غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم
غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم
غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم
غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم د. راغب السرجاني
اولا الجزء الاول

إعداد الرسول لحرب هوازن

غزوة حنينلقد نقلت المخابرات الإسلامية بسرعة إلى الرسول أخبار هوازن، واستعدادها للحرب، وكان الرسول وقتئذٍ في مكة، فأرسل الرسول مباشرة الصحابي الجليل عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلميّ ؛ ليتأكد من الخبر، فجاء بتأكيد ذلك، كما ذكر أحد المسلمين لرسول أن هوازن قد جاءت على بكرة أبيهم بنسائهم ونعمهم وشائهم. وكان رد فعل الرسول جميلاً جدًّا، فقد تبسم وقال: "تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ"[1].

يقين في النصر، وبدأ الرسول في إعداد العُدَّة لهذا الموقف الخطير، وكان إعداده فعلاً على أعلى مستوى.

أولاً: قرر الخروج للقتال في مكان متوسط بين هوازن ومكة، فقد آثر ألاّ ينتظر بمكة. وفي ذلك حكمة كبيرة جدًّا؛ لأنه لو بقي في مكة وغزاها مالك بن عوف بجيشه، فقد يتعاون أهل مكة معه. ونحن نعلم أن أهل مكة حديثو عهد بشركٍ وجاهلية، وهذه كارثة؛ لأن الحرب بذلك ستصبح من الداخل والخارج، ومن ثَمَّ فضَّل الرسول أن يخرج بجيشه إلى مكان مكشوف بعيد عن مكة.

ثانيًا: قرر أن يخرج بكامل طاقته العسكرية، ويأخذ معه العشرة آلاف مقاتل الذين فتح بهم مكة من قبل؛ لأن أعداد هوازن ضخمة وكبيرة.

ثالثًا: أخذ معه من داخل مكة المكرمة المسلمين الطلقاء الذين أسلموا عند الفتح، وفي ذلك بُعد نظر كبير من الرسول ؛ فهؤلاء إن تركوا في مكة، قد ينقلبون إلى الكفر مرة ثانية، وقد ينفصلون بمكة عن الدولة الإسلامية، وخاصةً إذا تعرض المسلمون لهزيمة من هوازن. ومعنى خروجهم مع المسلمين أن الرسول يقربهم، ويثق فيهم، وهذا أدعى إلى تثبيت أقدامهم في الإسلام، هذا إضافةً إلى وجود غنائم كثيرة، والرسول قال: "تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ".

فإذا أعطاهم من هذه الغنائم، سيكون ذلك تأليفًا لقلوبهم، أضف إلى ذلك أيضًا أن أعدادهم الكبيرة ستلقي الرهبة في قلوب هوازن. ولا شك أن قريشًا لها مكانة في قلوب العرب، فعندما يخرج منها عدد في داخل هذا الجيش، ستقع الرهبة في قلوبهم، ويكون النصر حليفًا للمسلمين؛ فالرسول من أجل ذلك كله أخذ معه من مكة ألفين من الطلقاء، وأصبح الجيش الإسلامي بعد إضافة الألفين اثني عشر ألفًا، وهذا أكبر عدد في تاريخ المسلمين حتى الآن.

رابعًا: لم يكتفِ الرسول بسلاح الجيش الإسلامي الذي فتح به مكة المكرمة، مع كون هذا السلاح من الأسلحة الجيدة والقوية جدًّا، بدليل انبهار أبي سفيان به عند رؤيته للجيش الإسلامي. ومع ذلك لم يكتفِ به ، كما لم يكتفِ بسلاح المسلمين من الطلقاء، وإنما سعى إلى عقد صفقة عسكرية كبرى لتدعيم الجيش الإسلامي؛ فقد ذهب بنفسه إلى تجار السلاح في مكة المكرمة، وكان على رأس هؤلاء التجار صفوان بن أمية، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وكان هذان الاثنان لا يزالان على شركهما وقتئذ، فطلب منهما السلاح على سبيل الاستعارة بالإيجار والضمان، حتى إن صفوان بن أمية سأل الرسول وهو لم يزل على كفره: أغصبٌ يا محمد؟ فقال : "بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ"[2].

أي أنا أستعيرها بالإيجار، وأضمن عند ضياع بعضها أن أعوِّضك عن هذا الفاقد. هذا مع أن الرسول هو الزعيم المنتصر، وصفوان بن أمية هو أحد القادة المهزومين، لكن الرسول كان عادلاً في كل أموره، لم يكن يستحلّ مال مُعاهَدٍ بأية صورة من الصور. وصفوان كما نعلم كان في عهد الرسول مدة أربعة أشهر يفكر فيها في أمر الإسلام، كما ذكرنا ذلك من قبل.

والشاهد في هذه القصة أن إعداد الجيش الإسلامي كان على أفضل الصور الممكنة، والجدير بالذكر هنا أن الرسول اصطحب معه في هذه الغزوة بعض المشركين، كان منهم صفوان بن أمية، ونوفل بن الحارث تجار السلاح في مكة المكرمة؛ وذلك لكي يحموا أسلحتهم، ويحملوها للمسلمين. وقد يسأل بعضنا: لماذا قبل الرسول أن يستعين بالمشركين في هذه المعركة، ورفض أن يستعين بهم في بدر قبل ذلك، وقال : "فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ"[3]؟

الجواب أن الظرف كان مختلفًا، فالنصر في بدر كان من الممكن أن يُنسب للمشركين لقلة أعداد المسلمين، وعدم استقرار دولتهم، أما الآن فلا يدَّعِي أحد أبدًا أن نصر المسلمين وعددهم اثنا عشر ألف مقاتل، كان بسبب الأفراد المشركة المعدودة في الجيش الإسلامي؛ ولهذا فالرسول لم يرَ مشكلة أن يأخذ معه بعض المشركين. ويجب أن نضع في اعتبارنا أن هؤلاء المشركين لن يأخذوا من الغنيمة، ولكن سيعطيهم أجرًا على عملهم هذا بالاتفاق.

خامسًا: اهتم الرسول اهتمامًا كبيرًا بالحراسة الليلية للجيش الإسلامي، لئلاّ يُباغت فجأة، ووضع عليها أنس بن أبي مرثد .

سادسًا: اهتم الرسول كثيرًا بالحالة المعنوية للجيش الإسلامي، فقد بشرهم كما ذكرنا أن جيوش هوازن ستصبح غنيمة للمسلمين إن شاء الله. ولا ننسى أن المسلمين قد ذهبوا إلى حُنَيْن ومعنوياتهم مرتفعة؛ لأنهم قد حققوا انتصارًا عظيمًا مهيبًا منذ أيامٍ عندما فتحوا مكة المكرمة، وهي من أعظم المدن وأشرف الأماكن. ومما سبق يتبين لنا أن إعداد المسلمين لمعركة حُنَيْن كان إعدادًا قويًّا متقنًا، ومن الواضح أن المسلمين قد أخذوا بكل الأسباب المادية المتوفرة عندهم، وكان جيشهم بالفعل في أبهى صورة عندما خرجوا من مكة المكرمة.
الجيش الإسلامي يتوجه إلى وادي حنين

وتوجه الجيش الإسلامي إلى وادي حُنَيْن حيث جموع هوازن هناك في 6 من شوال سنة 8 هجرية، ووصل يوم 10 من شوال سنة 8 هجرية، وفي أثناء الطريق -وهذه نقطة مهمة جدًّا- والجيش يمشي في صورته البهية، قال بعض المسلمين الجدد من الطلقاء كلمة تعبِّر عن مرض خطير سَرْعان ما انتشر في الجيش بكامله بلا استثناء، كما تنتشر النار في الهشيم. وهذه الكلمة كانت في ظاهرها تبدو كأنها بسيطة، ولكن كان لها من الأثر ما لم يتخيله المسلمون قَطُّ، قال المسلمون: لن نُغْلَب اليوم من قلة.

هذه أفضل عدة كما ذكرنا سار فيها المسلمون، فإذا كانوا قد فتحوا مكة وانتصروا على قريش بعشرة آلاف، فلا شك أنهم سينتصرون على هوازن في حُنَيْن باثني عشر ألف مقاتل. هكذا اعتقد المسلمون، بل صرحوا بذلك، وهذا ليس بكلام فقط، وإنما هو أمر قلبي خرج على ألسنتهم. وعندما قال المسلمون هذه الكلمة، شقَّ ذلك على رسول الله ، وظهر على وجهه الحزن، وشعر أن أمرًا خطيرًا سيحدث، ومشكلة كبرى ستقع لهذا الجيش الكبير، ولكن لماذا كل هذه التداعيات الكبيرة لهذه الكلمة البسيطة؟! الحقيقة أن الجملة في ظاهرها صحيحة، في تركيبها ومعناها، بل إن هذه الجملة مستنبطة من حديث لرسول الله ، إذ قال : "ولاَ يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ"[4].

وهذا نفس معنى الجملة تقريبًا. ومعنى الحديث أن الجيش الذي وصل إلى اثني عشر ألف مقاتل لن يهزم بسبب قلة العدد، لكن من الممكن أن يهزم لأسباب أخرى؛ فقد يهزم لأسباب مادية، أو أسباب قلبية. أي اثني عشر ألف جندي، لكن ليس هناك إعداد عسكري، أو قوة سلاح، أو عندهم خلل في الخطة، أو عدم مهارة في القيادة، أو غير ذلك من الأمور المادية. هذه الأشياء كلها من الممكن أن تكون سببًا في الهزيمة، ولكن يجب أن نعلم أن هذا الإعداد كان على أعلى مستوى، ولكن ليست هذه هي المشكلة، فمن الممكن أن نُغلب لأسباب قلبية، وهذا أمر خطير للغاية. لقد قال الجيش الإسلامي هذه الكلمة تعبيرًا عن مرض قلبي خطير، فاسمعوا هذا الكلام، ودقّقوا فيه كثيرًا، هذا المرض هو العُجْب بالنفس وبالعدد وبالإعداد المادي، هذا المرض هو الاعتماد على الأسباب، ونسيان رب الأسباب، هذا المرض هو الظن أنني أنا الذي فعلت، وليس الله الذي فعل.

لا شك أن الصحابة، وغيرهم من الصالحين لو سُئلوا سؤالاً مباشرًا: هل النصر من عندك أم من عند الله؟

فلا شك أن الجميع سيجيب وبلا تردد: بل هو من عند الله .

لكن هذا الشعور الخفي، شعور الإعجاب بالنفس والغرور، يتسلل إلى النفس بلطف شديد، لا يشعر به المؤمن، إلا وقد تفاقم. ومن الجدير بالذكر أن الإعجاب بالنفس ليس هو الثقة بالنفس، فالثقة بالنفس أمر محمود، والإعجاب بالنفس أمر مذموم، والثقة بالنفس أمر مطلوب لكي ينتصر الجيش، ولن ينتصر جيش أو ينجح عمل بغير الثقة بالنفس، لكن لا يجب أن تزيد الثقة بالنفس حتى تصل إلى درجة التوكل على النفس، وليس التوكل على الله . والفارق بين الثقة بالنفس والإعجاب بالنفس شعرة، والموفَّق من وفقه الله .

لقد كان من الواضح من كلام الذين قالوا: لن نغلب اليوم من قلة، أنها تعبر عن ثقة زائدة عن الحد بالنفس؛ فلذلك حزن الرسول حزنًا شديدًا ظهر على وجهه، ولو قيلت الجملة نفسها على سبيل تبشير المسلمين، وطمأنتهم لكانت جملة مناسبة وجميلة ومستحسنة، لكن ذلك لم يحدث، فقد أعجب المسلمون بعددهم، وتوكلوا على كثرتهم، وهذا هو المرض الذي ذكره ربنا I في كتابه الكريم في حق هؤلاء فقال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} [التوبة: 25].

العجب بالكثرة، ولا يقولَنَّ أحد أبدًا: إن هذا المرض كان عند الطلقاء حديثي الإسلام فقط، لا -للأسف الشديد- بل المرض قد انتقل من الطلقاء إلى عامة أفراد الجيش الإسلامي حتى وصل إلى معظم السابقين، وهذا أمر خطير، وسنرى أثر هذا الكلام بعد قليل. والأمراض القلبية كالعجب، والكبر، وحب الدنيا، والحسد، أمراض معدية بالفعل، إذا ظهرت في طائفة، ولم تعالج جيدًا، تنتشر كالوباء؛ فلذلك كان دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمًّا في علاج هذه الأمراض.

وقد كان واضحًا أن هذا الدور لم يتم على الوجه الأكمل في هذه المعركة، فحدث ما حدث، وانتشرت الكلمة في الجيش كله، وكان من الواضح أيضًا أن هذه الكلمة الخطيرة لها أثر في كل الناس. وهذا غريب! البعض يؤثر في الكل، نَعَمْ البعض قد يؤثر في الكل، فهذا البعض القليل قد يؤثر في الكل الكثير؛ فلذلك من الخطر بمكان أن يخرج ضعيف الإيمان في وسط الجيش المؤمن، ولولا ظروف مكة حديثة الإسلام، وخطورة انقلاب مكة، كما ذكرنا في بداية التحليل، لكان من الأفضل ألاّ يخرج للقتال متذبذب الإيمان، ولكن كانت هذه ظروف قهرية، اضطر المسلمون فيها إلى اصطحاب الطلقاء؛ ولذلك يقول ربنا في كتابه الكريم: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47].

نعم عامة الطلقاء لم يكونوا منافقين محترفي النفاق، ولكنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، ولم يمروا بتجارب إيمانية كافية، ولم يعيشوا في المحاضن التربوية إلا قليلاً، وكان هذا الأمر متوقعًا منهم فعلاً، ولكن الأخطر أن الله I يقول في الآية نفسها: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47].



فقد استمع المسلمون السابقون إلى هذه الكلمات، وتأثروا بها، وقد مر بنا مواقف مشابهة قبل ذلك في غزوة أُحد، وسيمر بنا مرة أخرى في غزوة تبوك، وسنتحدث عنها بتفصيل أكثر عندما نتكلم عن تبوك إن شاء الله. المهم أنه في هذا المقام أن الجيش الإسلامي اتجه إلى حُنَيْن، وهو متيقن أن النصر حليفه، ليس لأن الله معه، ولكن لأنه كثير العدد. هكذا بصراحة، فهذا المرض القلبي الخطير قاد إلى شيء خطير آخر، هو الثقة الزائدة بالنفس، مما يدفع الإنسان إلى عدم الاكتراث بقوة عدوه، وعدم التأكيد على سير العملية العسكرية بالصورة التي ينبغي أن تكون عليها، وظهر بعض القصور في أداء المسلمين. وقد رأينا أداء المسلمين على أحسن صورة، عندما كانوا معتمدين تمام الاعتماد على الله I، قبل أن ينطقوا بهذه الكلمة، فقد خرجوا من مكة المكرمة بعدة بهية، وجيوش قوية، وبإعداد على أحسن مستوى، ولكن عندما أُعْجبنا بالكثرة بدأنا نقلل من الاهتمام بالتفاصيل، والمخابرات الإسلامية لم تتعامل مع الوضع الجديد بدقة كافية، ومن ثَمَّ لم تكتشف العيون الإسلامية الكمائن التي زرعها مالك بن عوف حول وادي حُنَيْن، وبالتالي سنرى الجيش الإسلامي يدخل في منطقة شديدة الخطورة دون دراسة كافية.

وفوق ذلك كانت خطوات الجيش الإسلامي متثاقلة، وهو في طريقه إلى حُنَيْن، فقد قطع المسافة القصيرة في فترة طويلة؛ فالجيوش في ذلك الوقت كانت عادتها أن تقطع في اليوم الواحد حوالي خمسين كيلو مترًا. وقد رأينا أن الجيش الإسلامي توجه من المدينة إلى مكة المكرمة لكي يفتحها في عشرة أيام، والمسافة بينهما 500 كيلو متر تقريبًا، أي بمعدل خمسين كيلو مترًا في اليوم، وهذا معدل طبيعي جدًّا، يزيد أحيانًا أو يقل لاختلاف الظروف، لكن يبقى المعدل حوالي 50 كيلو مترًا. ولكن هنا في قصة حُنَيْن الجيش الإسلامي قطع مسافة 20 كيلو مترًا فقط في ثلاثة أو أربعة أيام، تخيل الجيش خرج في 6 شوال، ووصل إلى حُنَيْن في 10 شوال، ومن المفروض أنه يقطع هذه المسافة في نصف يوم فقط، ولكنه قطعها في ثلاثة أو أربعة أيام.

هذا التأخير في الحركة مرجعه في الأساس عدم الاكتراث بالعدو؛ لشدة الثقة في النفس. وبالطبع هذا أمر خطير، ومن ثَمَّ وصل مالك بن عوف بجيشه إلى وادي حُنَيْن قبل المسلمين، وبالتالي نشر قواته في الأماكن المناسبة، واحتل المواقع الاستراتيجية، واستراحت جيوشه بصورة كافية قبل اللقاء، وكل ذلك كان في صالح المشركين. وعندما نرجع بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، وبالتحديد في غزوة بدر، نجد أن المسلمين عندما وصلوا إلى أرض القتال قبل المشركين استطاعوا أن يأخذوا الأماكن المناسبة، واحتلوا المواقع الاستراتيجية، وكان هذا سببًا من أسباب النصر.

الجيش الإسلامي في حُنَيْن لزيادة الثقة بالنفس وللعُجْب بالعدد، اندفع إلى سهل حُنَيْن دون تروٍّ، ولم يضع أية حماية لخلفية الجيش الإسلامي قبل أن يدخل في وادي حُنَيْن، ولم ينظر إلى الكمائن، وألقى بثقله الكامل في الوادي، وهذا خطأ عسكري فادح. وفي الحقيقة عندما نحلل هذه المعركة نعجب جدًّا من وجود هذه الأخطاء؛ لأن الجيش فيه كفاءات عسكرية هائلة؛ فالجيش يقوده الرسول بحكمته العسكرية المعروفة، وبدقته في إدارة الأمور، ويضم بين صفوفه خالد بن الوليد، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعلي بن أبي طالب، والحُبَاب بن المنذر، وسعد بن أبي وقاص، وأبا عبيدة بن الجراح، وغيرهم من العمالقة العسكريين، فكيف يحدث هذا القصور؟!

الحقيقة أن هذا الكلام ليس له عندي إلا تفسير واحد، وهو أن الله I يريد أن يلفت الأنظار إلى الخطأ القلبي الخطير الذي أصيب به المسلمون؛ فلذلك حجب الرؤية عنهم، فوقعوا في أخطاء لا يقعون فيها أبدًا في الظروف العادية، ولو أن هذه المعركة تكررت ألف مرة لا يمكن للمسلمين أبدًا أن يقعوا في هذه الأخطاء، ولكنه أمر الله I؛ ولذلك فربنا I لم يُرِد للرسول أن يقول خطبة أو كلمة تُشعِر المسلمين بالمأساة التي ستحدث لهم إذا أصيبوا بداء العجب؛ لأنهم لو خرجوا من المشكلة بكلمة أو خطبة ولم يصابوا بمصابٍ فادح، سيتسلل المرض أكثر وأكثر إلى قلوبهم، فلا بد من مصيبة تهز المسلمين، وتوضح لهم الرؤية، والصورة تمام الوضوح؛ فمصيبة واحدة مثل هذه المصائب تترك أثرًا تربويًّا أعمق من الأثر الذي تتركه ألف خطبة.

ومن أجل ذلك لم يكن هناك وحي في هذه القضية ينبِّه المسلمين إلى خطورة ما هم مقبلون عليه، فربنا I أراد أن يذيق المسلمين النتيجة المُرَّة لمرضهم الخطير، وهذا أبلغ في تربية هؤلاء المسلمين، وفي تربيتنا. ولا شك أن غزوة حُنَيْن بما حدث فيها من أزمات ما زالت محفورة في أذهان المسلمين إلى الآن، وستظل كذلك إلى يوم القيامة؛ فلذلك سجلها المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم إلى يوم الدين؛ كي لا ينسى المسلمون أبدًا هذه الأزمة، ولكن ماذا حدث في حُنَيْن؟
يوم حنين ودرس لا ينسى

لقد حدثت كارثة، فما هي إلا دقائق من دخول الجيش الإسلامي في وادي حُنَيْن، حتى انهالت عليه الأسهم والرماح من كل مكان، وثارت خيول هوازن في وجوه المسلمين، وخرجت فرق هوازن من هنا وهناك، وأحيط بالمسلمين من كل مكان، فخارت عزائمهم في لحظات.

سبحان الله! عمالقة في الحروب فترت همتهم جميعًا إلا أقل القليل، وأخذ معظم الجيش قرارًا واحدًا في لحظة واحدة، وهو الفرار، الفرار العشوائي في أي اتجاه، ليسوا متحرِّفين لقتال، أو متحيزين إلى فئة، لا مقاومة، لا محاولة، لا تفكير، لا شيء إلا الفرار، صدمة في غاية القسوة. وإنني أرى أن صدمة حُنَيْن أشد من صدمة أُحد؛ ففي أُحد خالف بعض رجال الجيش، وثبت بعضهم، وقاتل بعضهم حتى الشهادة، أما هنا فلم يثبت من المسلمين إلا عشرة أو اثني عشر من الرجال فقط، من أصل اثني عشر ألف مقاتل، وهذا يعنى ثبات واحد من كل ألف، أي نسبة الثبات واحد في الألف في الجيش الإسلامي في حُنَيْن، وهذه كارثة خطيرة.

أزمة خطيرة طاحنة، فقد شعر المسلمون أن الصحراء الواسعة أصبحت ضيقة جدًّا لا تسمح بالفرار، ولسان حالهم جميعًا يقول: نفسي نفسي. وتأمل كلام الله I وهو يصف حالة الجيش الإسلامي في أول لحظات يوم حُنَيْن، إذ يقول: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25].

مصيبة حقيقية أن ينزع الله نعمة الثبات من فرد أو جماعة أو جيش أو أمة، فالثبات هبةٌ من رب العالمين I، وهو القائل: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

وكل الناس تحتاج إلى الثبات حتى الأنبياء، وانظر إلى قول الله : {وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً} [الإسراء: 74].

واللهُ لا يُعطي الثبات إلا لمن ارتبط به حقًّا، وكان خالص النية، سليم القلب، حسن العمل. وكان الموقف يوم حُنَيْن مذهلاً بالفعل، فيُروَى أن أبا قتادة الخزرجي لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فقال له في ذهول: ما بال الناس؟! فلم يجد عمر ردًّا إلا أن قال: أمر الله[5].

ولعلَّ هذا من أعمق الدروس في تاريخ الصحابة أجمعين، وهذا درس لا ينسى، وقد نفعهم بعد ذلك، ولسنوات طوال في حروب كثيرة دارت مع الفرس والروم وغيرهما من أجناس الأرض، وما فر المسلمون الذين شهدوا حُنَيْنًا بعد ذلك؛ فكلهم أيقنوا وفقهوا جيدًا أن النصر ليس بالعدد، ولا بالعدة، وإنما بنصر ربِّ العالمين للجيش. وعمر بن الخطاب الذي كان مذهولاً ذلك اليوم، لا يدري ماذا حدث للمسلمين، أدرك على الفور سبب الفرار، وخلفيات الهزيمة، واحتفظ بالدرس العظيم، مع أنه كان ممن ثبتوا ولم يفر قدر أنملة . وبعد سنوات طويلة من غزوة حُنَيْن أرسل عمر بن الخطاب رسالة إلى جنوده في فارس، يشرح لهم أسباب النصر مبنية على ما حدث في يوم حُنَيْن، إذْ قال في رسالته المشهورة: إنكم لا تُنصرون على عدوِّكم بقوة العدة والعتاد، إنما تنصرون عليه بطاعتكم لربكم ومعصيتهم له، فإن تساويتم في المعصية، كانت لهم الغلبة عليكم بقوة العدة والعتاد.

وهذا ما شاهده في يوم حُنَيْن، فقد رأى أن الغلبة أصبحت لهوازن على المسلمين بقوة العدة والعتاد؛ لأن المسلمين كما ذكرنا اثنا عشر ألفًا، والمشركين أكثر من خمسة وعشرين ألفًا، ولا ينصر القلة على الكثرة إلا بعون الله وإرادته، قال تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].

وقد ولَّى المسلمون كلهم يوم حُنَيْن مدبرين إلا القليل.
مواقف الطلقاء يوم حنين

في هذا الموقف الصعب تباينت مواقف الطلقاء، فمنهم من صرّح بكفره بعد أن كان متظاهرًا بالإسلام، مثل كَلَدَة بن الحنبل، ولكنه أسلم بعد ذلك وله صحبة، فهذا الرجل قال في ذلك الوقت: ألا بطل السِّحْر اليوم.

فهو يتهم الرسول بالسحر، مع أنه خارج مع المسلمين على أنه مسلم. ومنهم من لم يكتفِ بالكفر، بل حاول قتل الرسول مثل شيبة بن عثمان، وبفضل الله أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه. ومنهم من أظهر الشماتة دون أن يظهر الكفر كأبي سفيان زعيم مكة الذي قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر[6].

فقد فرح بهزيمة المسلمين؛ لأنه لم يكن قد ثبت على الإسلام حتى هذه اللحظة، ولكن بعد ذلك -ولله الحمد- حسن إسلامه. ومنهم من تردد في الأمر فلم يعرف أين الحقيقة مثل سهيل بن عمرو، ومنهم من ثبت على الإسلام ولم يمضِ على إسلامه أسبوعين أو ثلاثة ولم يتردد لحظة، مثل عكرمة بن أبي جهل . وتعالَوْا بنا لكي نرى الفهم الراقي عنده ، وفهمه للإسلام وللنصر وللهزيمة، في حوار لطيف جدًّا دار بينه وبين سهيل بن عمرو في أثناء فرار المسلمين يوم حُنَيْن، فقد قال عكرمة عندما رأى فرار المسلمين: هذا بيد الله، ليس إلى محمد منه شيء.

أي ليس هو السبب، أي أن النصر والهزيمة بيد الله ، وهذا ليس معناه عدم صدق محمد . ثم قال كلمة جميلة جدًّا، لا ينطق بها إلا من عاش سنوات وسنوات في الإسلام، قال: إن أُدِيل عليه اليوم، فإن له العاقبة غدًا.

يا الله! الأيام دول، فإذا هُزم اليوم، فلا شك أن النصر سيكون حليفه غدًا أو مستقبلاً، وذلك مثل قول ربنا I في كتابه: {وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].

وهذا الرجل لم يسلم إلا منذ أسبوعين أو ثلاثة، وهذا اليقين قد أدهش سهيل بن عمرو الذي قال له: والله إن عهدك بخلافه لحديث.

أي أنت لم تسلم إلا منذ وقت قصير، كنت قبلها تعبد هبل، فكيف توقن هذا اليقين في صدقه، وأنت إلى أيام قليلة سابقة كنت على خلاف دينه؟

فقال عكرمة في وضوح وفي فَهْمٍ: يا أبا يزيد، إنا كنا على غير شيء، وعقولنا ذاهبة، نعبد حجرًا لا يضر ولا ينفع.

كما رأينا تباينت مواقف الناس، والغالب الأعم منهم قد فرَّ من أرض المعركة إلا قليلاً ثبت فيها. وفي رأيي أن هذه المعركة كانت شديدة الشبه بمعركة أُحد، فكلاهما كانا مصيبة ولمرض قلبي؛ ففي أُحد كان حب الدنيا، وفي حُنَيْن العُجب بالنفس، ولكن الفارق بين أُحد وحُنَيْن أن أحداث الموقعتين وقعت بصورة معكوسة؛ ففي أُحد بدأت المعركة بنصر المسلمين ثم حدثت المصيبة، وفي حُنَيْن بدأت المعركة بمصيبة للمسلمين، ثم حدث النصر لهم. ولكن كيف تم النصر للمسلمين مع وجود هذه الأزمة الطاحنة؟ وكيف خرج المسلمون من هذه الكارثة؟



[1] رواه أبو داود (2501)، وصححه الألباني.
[2] رواه أبو داود (3562)، وصححه الألباني.
[3] رواه مسلم (1817) ترقيم فؤاد عبد الباقي، والترمذي (1558) ترقيم أحمد شاكر، وأحمد (25199) ترقيم النسخة الميمنية.
[4] رواه أبو داود (2611)، والترمذي (1555)، وأحمد (2682)، وصححه الألباني.
[5] ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة - بيروت، 1396هـ- 1971م، 3/623.
[6] ابن كثير: السيرة النبوية 3/619.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيفى
عضو متألق
عضو متألق


عدد المساهمات : 608
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم   الثلاثاء 5 مارس - 22:04


رسول الله.. الأسوة والقدوة

غزوة حنينفي مثل هذه الأزمات الهائلة، يتخلى الكثيرون عن المسئولية، سواء كان جهادًا أو غيره من الأعمال، فماذا نفعل في مثل هذه المواقف؟

الرسول ضرب لنا القدوة في ذلك، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فقد قدم لنا منهجًا عمليًّا واضحًا للخروج من مثل هذه الأزمات، فماذا فعل الرسول ؟

كان أهم شيء فعله أن ضرب لنا القدوة من نفسه كقائد، إذ إنه لو فرَّ القائد فلا أمل في ثبات الجنود، وإذا تخلى القائد عن المسئولية فلن يحملها أحد. الرسول ثبت في هذه الموقعة ثباتًا عجيبًا، بل إنه لم يكتفِ بالثبات وعدم الفرار، بل كان يركض بدابته ناحية الكفار، حتى إن العباس -وكان من الثابتين معه - كان يمسك بلجام الدابة ليمنعها من التقدم؛ خوفًا على رسول الله . فالرسول يدخل في وسط جيش الكفار، والجيش كله يسير في اتجاه عكس الرسول ، ويفر إلى الوراء، والرسول متقدم إلى الأمام ينادي بأعلى صوته: "أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ. هَلُمُّوا إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ"[1].

يا تُرى هل يوجد أحد مثل رسول الله ؟

مستحيل! مهما قرأت في التاريخ والسير أو المعارك، من المستحيل أن تجد مثل ذلك الموقف أبدًا؛ إذا فكر القائد في النجاة بنفسه، فلا شك أن الجنود سيحبطون إحباطًا يمنعهم من أية مقاومة، أما إذا ثبت القائد وتقدم، وجاهد وضحَّى بنفسه، فهذا من أعظم الدروس التربوية لجيشه ولأمته، وإلا فلماذا تُعطى الراية في المعارك لأفضل الناس وأقواهم وأشجعهم؟

لأن الناس تبعٌ لراياتهم وقائدهم، فإذا هرب الشجاع الذي يحمل الراية، فلا شك أن غيره سيهرب وسينهزم؛ فلذلك نجد أن أشد القتال دائمًا يدور حول الراية، ليس لمجرد قتل رجل شجاع، ولكن لأن سقوط الراية سيؤثر معنويًّا في كل الجيش. والرسول كان يدرك هذا الكلام جيدًا؛ فلذلك حرص كل الحرص على عدم التراجع خطوة واحدة مع كل المخاطر التي تعرض لها، ولكن هذه هي الفرصة الأخيرة لجيشه ولأمته أن تراه ثابتًا فتثبت بثباته؛ ففِعل رجل في ألف رجل خيرٌ من قول ألف رجل في رجل، وألف خطبة في الثبات والتضحية لا تساوي موقف الرسول يوم حُنَيْن.

وهذه رسالة إلى كل المسئولين عن عمل، والذين يديرون أعمالاً جماعية للأمة الإسلامية، ثبات القائد يعني ثبات الجنود، وتضحية الرئيس تعني تضحية المرءوسين.

هذه هي الخطوة التي فعلها الرسول ، وهي ضرب القدوة من نفسه كقائد.

الأمر الثاني وهو في غاية الأهمية، فقد ركز الاعتماد على الموثوق فيهم من الجنود، فالقائد كفرد لا يستطيع أن يفعل شيئًا بدون الجنود، حتى وإن ثبت فلا بد أن يكون معه جنود. الزعيم لا يأتي بالنصر إلا إذا كان معه أمة، لكن يتفاوت الناس في إمكانياتهم وأخلاقهم، وفي تربيتهم، وفي تاريخهم، ومن أجل ذلك يتفاوت الناس في درجة الاعتماد عليهم؛ فهناك من يعتمد عليه في أمور، وهناك من يعتمد عليه في أمور أخرى، وهناك من لا يعتمد عليه بالكُلِّيَّة في أمر من الأمور، والقائد المحنك والرئيس الذكي هو الذي يدرك بوضوح إمكانيات من حوله، يعرف الأعمال البسيطة التي يستطيع الجميع القيام بها، ويعرف الأعمال الصعبة التي لا يقوم بها إلا بعض الرجال، كما يعرف الأعمال شديدة الصعوبة التي لا يفلح في أدائها إلا أقل القليل من الرجال، وكلما ازدادت حكمة القائد أدرك المستوى الدقيق لكل من حوله، وبالتالي لا يكلف أحدًا من جنوده فوق طاقته، وبناءً على ذلك يحقق نسبة نجاح كبيرة.

وتعالوا بنا لنرى كيف طبّق الرسول هذا الكلام، فهو أفضل من يُقيِّم الرجال، وأفضل من يقدِّر إمكانياتهم، فالرسول لم ينادِ في هذه المعركة على اثني عشر ألف مقاتل الذين معه؛ لأنه يعرف أن فيهم أناسًا حديثي الإسلام يصعب عليهم أن يثبتوا في هذه المواقف، بل إنه لم ينادِ على العشرة آلاف مقاتل الذين فتح بهم مكة، مع أننا نعرف جميعًا أن الذي دخل في الإسلام قبل الفتح له درجة عالية في الميزان الإسلامي، ومع ذلك لم ينادِ عليهم كلهم؛ لأنه يعلم أن منهم من آمنوا رهبة من الدولة الإسلامية، أو رغبة في خيراتها بعد انتصارات متتالية، مثل قبائل غطفان وسليم وتميم وغيرهم، ولكنه وجَّه النداء في أولئك الذين يثق في دينهم، ويطمئن لعقيدتهم. فهو يعلم تمامًا أنهم وإن فروا في أول يوم حُنَيْن إلا أنهم سيعودون سريعًا إلى حالتهم الأولى من البذل والعطاء والجهاد بمجرَّد التذكير؛ لأن معدنهم شديد النقاء.

ولكن من هؤلاء الذين وثق فيهم الرسول ؟

إنهم أصحاب الشجرة، أصحاب بيعة الرضوان الذين شهدوا صلح الحديبية، والذين فتحوا خيبر بعد ذلك، وهم الذين قال الله في حقهم: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].

ويجب أن نعلم أن هؤلاء بايعوا قبل ذلك على عدم الفرار، ولا شك أنهم لو تذكروا هذه البيعة، بيعة الرضوان، لعادوا فورًا إلى القتال؛ لأنهم يقينًا لم يبايعوا هذه البيعة نفاقًا؛ لأن الله I ذكر في كتابه أنه علم ما في قلوبهم، وهؤلاء نزلت عليهم السكينة قبل ذلك، وهم على أبواب مكة في سنة 6 هجرية كما نعلم، وليس معهم إلا سلاح المسافر، نزول السكينة عليهم في هذا اللقاء في حُنَيْن سيحدث إن شاء الله بشرط أن يعودوا، وهؤلاء وإن كانوا ألفًا وأربعمائة فقط من اثني عشر ألفًا إلا أن الواحد منهم بمائة، وإن شئت فقل: بألف أو بأكثر من ألف. وهؤلاء إذا ثبتوا فكل الناس بعد ذلك ستثبت بثباتهم؛ فلذلك وجّه الرسول نداءه إلى هؤلاء، فقد أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي على هؤلاء المبايعين على عدم الفرار، فرفع العباس صوته، ونادى بكل ما فيه من قوة: يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، اللَّهَ اللَّهَ، الكرة على نبيكم يا أصحاب السَّمُرة.

ثم إن الرسول خص النداء أكثر، فهو لم ينادِ على كل أصحاب الشجرة؛ لأنه يعرف نوعية الرجال الذين معه، فقد أمر العباس أن ينادي على الأنصار، وخص الأنصار من أصحاب الشجرة، فرفع العباس صوته ونادى: يا أنصار الله وأنصار رسوله.

ثم إنه خص أكثر وأكثر، فنادى على الخزرج: يا بني الخزرج، يا بني الخزرج.

ثم إنه خص أكثر وأكثر فنادى على بني حارثة من الخزرج، وهم من خير دور الأنصار كما قال في الحديث عن أبي أسيد الساعدي في البخاري ومسلم[2].

فماذا كان ردُّ فعل أصحاب الشجرة، والأنصار، والخزرج، وبني حارثة؟

وأترك لكم العباس يصوِّر ردَّ فعل هؤلاء أجمعين، حيث يقول: "فوالله، لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها".

أي عادوا بسرعة كالبقر الذي يدافع عن أولاده الصغار، وقال الأنصار في لحظة واحدة وبصورة جماعية وبحماسة لافتة للنظر: يا لبيك، يا لبيك[3].

سبحان الله! جاءوا من كل مكان في أرض الموقعة، وعلى الرغم من كل الأزمة التي يعيشها المسلمون إلا أنهم أتوا من كل مكان، حتى إنهم لا يرون الرسول من شدة تزاحم الناس، والرجل كان يجد صعوبة في العودة؛ لأنه يقود البعير أو الدابة في عكس الاتجاه، ومع ذلك كان يعود، وينزل على قدميه ويترجل؛ لكي يلحق بالرسول ، وهؤلاء هم الرجال الذين على أكتافهم تُبنى الأمة، وما هي إلا لحظات حتى كان مع الرسول مائة من الرجال، فمنذ قليل كان معه حوالي عشرة أو اثني عشر، والآن معه مائة، وعندما تجمعوا قال : "حَمِيَ الْوَطِيسُ"[4].

أي حميت الحرب واشتدت الحرب، وبدأ المسلمون في قتال دامٍ فعلاً، فالذين اجتمعوا حول الرسول ثابتين كلهم، والثابتون الأوائل هم:

أبو بكر الصديق.

وعمر بن الخطاب.

وعلي بن أبي طالب.

والعباس.

وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.

والفضل بن العباس.

وأيمن بن عبيد، وهو ابن أم أيمن.

وأسامة بن زيد، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

فهؤلاء قد ثبتوا من البداية، ثم جاء الأنصار كما ذكرنا حتى كملوا مائة، ثم بدأ المسلمون يتوافدون من كل مكان، وأمسك الرسول حفنةً من التراب، وقذفها في وجوه الكفار، وقال: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ"[5].

فدخل التراب في عيون وأنوف جميع الكفار، وكانت نقطة تحوُّل فارقة في موقعة حُنَيْن، وكانت البداية ثبات القائد الأعلى ، ثم ثبت بثباته مجموعة قليلة من الرجال، ثم عاد إليه من الفارّين مجموعة أكبر، حتى وصلوا إلى مائة، ثم عاد الأنصار جميعًا وأصحاب الشجرة، ثم سرت روح المقاومة والثبات في الجميع، وعادوا يقاتلون في سبيل الله؛ فأول الغيث قَطْرة، ثم ينهمر. وهذه أول خطوة وهي ثبات القائد، ثم الاعتماد على الموثوق فيهم من الجنود، أما الخطوة الثالثة فقد كانت في غاية الأهمية، فماذا فعل مع هؤلاء الذين عادوا؟

كان أول شيء فعله أن ذكرهم بما نسوه، ألم تحدث المصيبة ويحدث الفرار؛ لأنهم ذكروا قوتهم وعددهم ولم يذكروا نصر الله لهم؟

إذن فليتذكر الجميع الآن أن النصر من عند الله ، فرفع رسول الله صوته يطمئن المسلمين ويقول: "انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"

ثم رفع يده إلى السماء، وابتهل إلى الله تعالى في الدعاء، وقال في إلحاح: "اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْنَا"[6].
وما النصر إلا من عند الله

سبحان الله في هذه اللحظات العظيمة عولج المرض الخطير الذي أصيب به المسلمون يوم حُنَيْن، فقد أدركوا بما لا يدع مجالاً للشك أن الناصر الحقيقي هو الله ، واستوعبوا بكل ذرة في كيانهم قول الله : {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10].

وانتقلت هذه الآية في لحظات يسيرة وسريعة من المفاهيم النظرية إلى الوقائع العملية، ولما تغير واقع المسلمين بهذه الصورة أذن الله للنصر أن ينزل على المسلمين. وكما تعودنا ينزل النصر في صورة لا يتوقعها المسلمون؛ ليعترف الجميع أن النصر من عند الله. ووسائل تحقيق النصر في حُنَيْن كانت عجيبة كما كانت من قبل في بدر، والأحزاب، وخيبر، ومكة، وغيرها. فماذا حدث؟

أنزل ربنا I على جنود الرحمن من المؤمنين السكينة، فقاتلوا بثبات وقوة، قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 26].

ونزع الخوف من قلوبهم فلم يروا خمسة وعشرين ألف مقاتل أو أكثر، فثبتوا في أرض القتال، وأنزل الله الرعب في قلوب الكافرين، فولوا مدبرين متنازلين بسهولة شديدة عمّا حققوه من نصر، متراجعين بمنتهى البساطة عن كل تقدم وصلوا إليه، وأنزل الله الملائكة كما قال I: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 26].

وفي لحظات يفر جيش المشركين من جيش المسلمين، كيف حدث هذا؟!

كيف فرَّ أكثر من خمسة وعشرين ألف مقاتل في عُدَّة حسنة، وفي مواقع إستراتيجية جيدة، وفي حالة معنوية عالية من اثني عشر ألفًا تفرقوا هنا وهناك؟!

كيف؟! لا تسألوا عن الأسباب المادية، فقط قل: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ} [الأنفال: 10].

لقد فر المشركون يوم حُنَيْن في لحظات معدودة، وانطلقوا يفرون في كل مكان، فالرعب قد ملأ قلوبهم، وتركوا وراءهم أموالهم وأنعامهم، وأكثر نسائهم وأولادهم. سبحان الله! وصف الله موقف المشركين بعد عودة المسلمين إلى ربهم بقول بليغٍ مختصر معجز، فقال I: {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 26].

ومن العذاب أن تأخذ قرار الفرار، ومن العذاب أن تهرب، وأنت الأكثر عددًا وعدة، ومن العذاب أن تتنازل عن حصاد السنين من المال والأنعام في لحظة واحدة، ومن العذاب أن تتخلى عن زوجتك وأولادك، ومن العذاب أن تشعر أن كل شيء يطاردك حتى الجماد. تخيلوا هذا الكلام حقيقة! فهذا عمرو بن سفيان الثقفي كان من المشركين الذين فروا في حُنَيْن -وقد أسلم وحسن إسلامه بعد ذلك والحمد لله- يقول: فانهزمنا، فما خُيِّلَ إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا، فأعجرت[7] حتى دخلت الطائف[8].

أي أسرعت على فرسي من شدة خوفي؛ لأنه يتخيل أن الأرض كلها تطلبه، وهذا هو العذاب بعينه.

وعذّب الذين كفروا، وفر الجيش المشرك في ثلاثة اتجاهات؛ فقد فرَّ جزء إلى أوطاس (جانب من جوانب وادي حُنَيْن)، وجزء فر إلى منطقة نخلة، والجزء الثالث والرئيسي فر إلى مدينة الطائف. فقد فر الجميع بهذه الصورة المخزية المشينة، وهرب معهم قائدهم مالك بن عوف الذي دفعهم إلى هذه المهزلة العسكرية، واندفع المسلمون خلفهم هنا وهناك يطاردونهم في كل مكان، فقد توجهت سرية إلى أوطاس، وأخرى إلى نخلة، وتوجه الجيش الرئيسي بقيادة الرسول إلى الطائف لحصار هوازن وثقيف فيها، وأوقف الرسول توزيع الغنائم الهائلة التي حصلوا عليها حتى يعود من الطائف، وجعل كل هذه الغنائم في وادٍ اسمه الجعرانة بجوار حُنَيْن، وكانت هذه أكبر وأعظم غنائم تحصل في معركة واحدة في تاريخ العرب قاطبةً، فقد أتى مالك بن عوف كما ذكرنا بكل صغيرة وكبيرة في قومه ليجعلها تقع بعد ذلك في أيدي المسلمين، و"تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله"[9]، كما أخبر بذلك الرسول .

وبلغ السبي من النساء في هذه الموقعة ستة آلاف من النساء، وهذا رقم هائل! وتجاوز عدد الإبل أربعة وعشرين ألفًا، والأغنام أربعين ألفًا، والفضة كانت تزيد على أربعة آلاف أوقية من الفضة، أي حوالي مائة وخمسين كيلو جرامًا من الفضة. نصر هائل فعلاً، لم يتوقعه، ولم يحلم به أحد، فمعركة حُنَيْن من المعارك العجيبة فعلاً بكل المقاييس. وتخيلوا شهداء المسلمين في هذه الموقعة الضروس خمسة فقط! وكان قتلى المشركين سبعين فردًا.

والذي يشاهد الأعداد الهائلة المشتركة في هذه الموقعة: اثني عشر ألفًا يحاربون أكثر من خمسة وعشرين ألفًا، يتخيل أن الضحايا سيكونون بالمئات، بل بالآلاف، ولكن ذلك لم يحدث، فقد انقسمت المعركة ببساطة إلى جزأين لا ثالث لهما، جزء أول فر فيه المسلمون دون قتال تقريبًا، والجزء الثاني فر فيه المشركون دون قتال تقريبًا كذلك. هذه النتائج الهائلة، والغنائم العظيمة جاءت دون قتال يذكر، فرّ وكرّ، ثم كر وفر.

وهكذا تغيرت الأحداث في دقائق، وانقلب النصر إلى هزيمة، وتحولت الهزيمة إلى نصر، وكان الفارق هو تغير قلبي لا يراه أحد من البشر، لكن الله يراه؛ انحراف في الفهم ولو للحظات أدى إلى الفرار، وعودة إلى الفهم الصحيح في لحظات كذلك أدت إلى نصر؛ وذلك لكي تبقى الحقيقة واضحة في الذهن وراسخة في أعماق المسلمين {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10].

ولا يخفى علينا أن حُنَيْنًا تتكرر كثيرًا في حياتنا، فما أكثر توكُّلنا على الطبيب الماهر المشهور للدرجة التي تمنعنا أحيانًا من رفع الأيدي إلى الله I لطلب الشفاء منه، وهو الشافي! ولا أقصد طبعًا عدم التداوي، فالتداوي أمر نبويّ، ولكن الاعتماد على الطبيب، ونسيان رب الطبيب، هذا لا يُقبل. وكثيرًا ما نثق بمال الأغنياء من البشر، وننسى أن نرفع أيدينا بالدعاء لله الغني الرازق الذي بيده ملكوت السموات والأرض! وكثيرًا ما نوقن في توصية من كبير أو واسطة إلى عظيم، ولا نلجأ إلى الكبير العظيم المتعال I! وكثيرًا ما نطرق كل الأبواب، ولا نطرق باب الرحمن I! وكثيرًا ما نسأل كل البشر، ولا نسأل المنّان الكريم! وكثيرًا ما نطمئن لما في أيدينا، ولا نطمئن إلى ما في يدي الله مالك السموات والأرض وما بينهما!

لقد ذكرت لكم مرارًا أن حُنَيْنًا تتكرر في حياتنا كثيرًا، فنفرّ ونفشل، ونهرع ونخاف ونفزع، ولن نثبت وننتصر ونأمن إلا بما فعله الأولون، ولن يكون ذلك أيضًا إلا بأخذ بالأسباب مع الاعتماد الكامل على ربِّ الأسباب I، ولن يكون ذلك إلا بفقهٍ عميق للتاريخ، وقراءة متأنية للسيرة، واتّباع دقيق لمنهج سيد البشر وأعظم الخلق وإمام الرسل محمد .



[1] المباركفوري: الرحيق المختوم، دار الوفاء - مصر، الطبعة السابعة عشرة، 1426هـ- 2005م، ص358.

[2] البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب فضل دور الأنصار (3578). مسلم: كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب في خير دور الأنصار رضي الله عنهم (2511).

[3] المباركفوري: الرحيق المختوم ص358.

[4] مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين (1775).

[5] رواه مسلم (1777)، وأحمد (2762)، وحسنه شعيب الأرناءوط.

[6] ابن كثير: السيرة النبوية 3/626.

[7] أعجرت: أسرعت.

[8] ابن كثير: السيرة النبوية 3/631.

[9] رواه أبو داود (2501)، وصححه الألباني.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيفى
عضو متألق
عضو متألق


عدد المساهمات : 608
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم   الثلاثاء 5 مارس - 22:06

المسلمون يصلون إلى وادي الجعرانة

غزوة حنين
رجع الرسول من الطائف بعد أربعين يومًا كاملة، ووصل إلى وادي الجعرانة ليبدأ في مهمة أخرى عظيمة، وهي مهمة تقسيم الغنائم الهائلة على الجيش المنتصر. ونريد أن نقف وقفة سريعة مع فكرة الغنائم، فهذه خَصِيصةٌ لهذه الأمة العظيمة؛ لأن الغنائم لم تكن مشروعة للأمم السابقة. روى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن الرسول قال: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي"، وذكر منها: "وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ"[1].

وهي نعمة من الله ، وحافز قوي للمجاهد، ومعوِّض للمجاهد عن تركه للديار، والأعمال، والأسرة، والوطن. ولا شك أن الجيش الذي توزع عليه الغنائم، يقاتل بحمية تختلف عن الجيش الذي لا يتجاوز فيه راتب الجنود دراهم معدودة، والتشريع الإسلامي يقول: إن أربعة أخماس الغنيمة توزَّع على أفراد الجيش المقاتل، وخُمس الغنيمة الباقي يذهب إلى الدولة، تتصرف فيه حسب المصلحة. ولكننا نرى الدول في زماننا هذا، والقادة الكبار، والزعماء يستكثرون هذا العطاء الضخم للجنود، ويحتفظون به للدولة أو لهم، ويسلبون بذلك حق الجنود. ولا شك أن ذلك سيكون له انعكاس كبير على قتال الجنود في المعارك، وعلى أداء الجنود في الحروب. فماذا فعل الرسول في غنائم حُنين الهائلة؟
اختلاف القدماء في تقسيم الرسول لغنائم حنين

إن كُتَّاب السير اختلفوا فيما فعله في غنائم حُنين، والجميع متفقون أنه في كل المعارك السابقة، بدايةً من بدر وحتى هذه اللحظة كانت توزَّع بالنسبة الشرعية المعروفة: أربعة أخماس على الجيش، والخمس للدولة، إلا أن الأمر بالنسبة لحُنين اختلف بين الفقهاء؛ فمنهم من قال: إن الرسول وزَّع الغنائم بكاملها على المؤلفة قلوبهم؛ والمؤلفة قلوبهم هم الذين أسلموا حديثًا، سواء من أهل مكة الطلقاء أو من الذين أسلموا من الأعراب قبل فتح مكة مباشرة. ومن العلماء الذين قالوا هذا الرأي ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري.

ومنهم من قال: إن الرسول وزّع أربعة أخماس الغنيمة على الجيش بكامله، ثم أعطى المؤلفة قلوبهم من الخمس المتبقي المملوك للدولة. وممن قال بهذا الرأي القرطبي، وأبو عبيد بن سلاّم صاحب كتاب الأموال، وابن خلدون، والقاضي عياض، وغيرهم.
الرأي الذي نميل إليه

والحقيقة أننا نميل إلى هذا الرأي الأخير، وهذا الرأي يتفق مع الشرع والعقل والنقل، وعندنا لذلك أكثر من دليل:

أولاً: هذه الغنائم ليست ملكًا لرسول الله ليوزِّعها بطريقة تخالف التوزيعة الشرعية، وهذه الغنائم أصبحت الآن ملكًا للجيش، لا تؤخذ منه إلا باستئذان خاص، وهذا لم يحدث. ومن قال: إن هذا أمرٌ خاص بالرسول يلزمه الدليل على ذلك، وإلا يصبح من حق أي زعيم أن يقول: إن ظرفي يماثل ظرف يوم حُنين، فيأخذ الغنائم كلها وينفقها حسب ما يرى.

ثانيًا: لو كان هناك تغيير في تقسيم الغنائم لتوقعنا أن يذكر أن هذا أمر خاص بهذه الواقعة، حتى لا يعتقد البعض أن ما فعله هذا في حُنين قد نَسَخَ التقسيمة السابقة للغنائم. ونحن لم نجد حتى الآن هذا القول، وخاصةً أن هذه المعركة هي آخر موقعة حربية مع العرب، فحتى موقعة تبوك التي حدثت بعد ذلك، لم يحدث فيها قتال، ولم يكن فيها غنائم. فالموضوع خطير، ولا بد من توضيح.

ثالثًا: ما رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك عن عمرو بن عبس ، أن الرسول قال لأعرابي عند توزيع غنائم حُنين -بعد أن أمسك وبرة من سنام بعير بين إصبعيه-: "إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ وَلاَ هَذِهِ إِلاَّ الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ"[2].

وهذا تصريح من الرسول قاله بعد توزيع الغنائم، ولا ندري -سبحان الله- كيف خفي هذا الحديث عمّن قال: إن الرسول قد وزع الغنائم كلها على المؤلفة قلوبهم. والحديث أيضًا رواه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت، والإمام مالك عن عمرو بن شعيب. ورأينا حرص الرسول وتأكيده على أنه في هذا اليوم يوم حُنين، لا يملك إلا الخمس فقط من الغنائم.

رابعًا: لو راجعنا أرقام الغنائم ومن وُزِّع عليهم، لأدركنا أنه من المستحيل أن يكون الرسول قد قسم كل هذه الغنائم على المؤلفة قلوبهم فقط. إن عدد الذين أعطاهم الرسول هذا العطاء السخي لا يزيدون في أي كتاب من كتب السيرة على عشرين رجلاً، ولو جمعنا الأسماء من الكتب المختلفة سنصل بالرقم إلى أربعين أو خمسين بالكاد، فإذا كان الرسول يعطي الناس مائة مائة من الإبل، فعطاؤه لأربعين رجلاً سيبلغ أربعة آلاف بعير فقط، مع أنه كان يعطي بعضهم خمسين وليس مائة، أي سيكون أقل من أربعة آلاف أو خمسة آلاف، فهذه أربعة آلاف بعير، فأين ذلك من أربعة وعشرين ألف بعير هي غنائم حُنين؟!

وهذا غير الشياه، أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، وغيرها من السبي ستة آلاف، ولم يرد أنه أعطى أرقامًا كبيرة كمائة بعير، أو خمسين بعيرًا إلا لهذه المجموعة من الزعماء المؤلفة قلوبهم فقط.

خامسًا: هل كان يرضى أفراد القبائل من الأعراب ومن قريش بإعطاء زعمائهم فقط، أم أنهم لا يرضون أبدًا إلا إذا أخذوا شيئًا ولو قليلاً؟

أي لو أعطينا زعيم قبيلة غطفان مائة من الإبل، فهل سيرضى ألفان أو ثلاثة آلاف غطفاني عدم إعطائهم. لا شك أن قلوب الجميع كانت تهفو إلى الغنيمة، فكل هؤلاء الناس كانوا في حاجة إلى تأليف القلوب؛ لذلك نحن نرى أن تسعة وتسعين بالمائة من المسلمين الذين دخلوا في الإسلام بعد صلح الحديبية، وبعد فتح خيبر يحتاجون إلى تأليف القلوب، ولن يترفع منهم عن هذه الغنيمة إلا قليل القليل، أمثال خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، والعباس، وهم بعض الأفراد المعدودين، أما الجميع فسيحتاج إلى تأليف.

ودليل ذلك أن الرسول عند الأزمة في حُنين لم ينادِ على الذين أسلموا بعد الفتح؛ لأنه يعلم أن الكثير منهم ما أسلم إلا رغبًا أو رهبًا، ولكن الرسول قَصَر الدعوة في أصحاب الشجرة وفي أهل الحديبية، وهم الذين ضَمِن إيمانهم. أي إنه لكي يُرضِي المسلمين الجدد عليه أن يُعطي عشرة آلاف مقاتل من اثني عشر ألف مقاتل، فيكون المتبقي ألفًا وأربعمائة من الصحابة ، وهم أصحاب الشجرة؛ أي إذا كان الرسول ناويًا أن يُعطِي عشرة آلاف مقاتل من الغنيمة، أيعجزه أن يُعطي الألف وأربعمائة مقاتل الباقين؟!

إنه كلام غريب ولا يقبل، وأصحاب الشجرة هم الذين أدوا ما عليهم، والذين دافعوا، وكافحوا كيد المشركين؛ فإعطاء ألف وأربعمائة لا يؤثر مطلقًا في إعطاء عشرة آلاف وستمائة، فليس هناك أي داعٍ من حرمانهم من الغنيمة الشرعية المستحقة، وهي أربعة أخماس الغنائم.
استدراك.. والرد عليه

وقد يقول قائل: إن هناك من يعكر صفو هذا التحليل، وهو أمران:

الأول: رواية البخاري ومسلم عن أنس بن مالك؛ لذلك أعطى الرسول المؤلفة قلوبهم، ولم يعطِ الأنصار شيئًا.

والأمر الثاني: ما جاء في رواية البخاري ومسلم أن الأنصار قد وَجَدُوا في أنفسهم بعد توزيع الغنائم. أي حزنوا، ولو كانوا قد أخذوا، فماذا يحزنهم؟ وهذان الأمران إن شاء الله سنردُّ عليهما فيما بعد.

إن الشرع والمنطق والنقل يقول: إن الرسول قسّم أربعة أخماس الغنائم على الجيش بكامله، سواء كانوا من المهاجرين أو الأنصار، أو الأعراب الذين أسلموا قبل الفتح أو طلقاء مكة. أي أنه قد قسم أربعة أخماس الغنائم على اثني عشر ألف مقاتل، وبعد ذلك قسّم الخمس المتبقي والمملوك للدولة، والذي يملك فيه كزعيم للدولة وكقائد للأمة الإسلامية حق التصرف، قام الرسول بتقسيم هذا القسم على المؤلفة قلوبهم، وهم الأربعون أو الخمسون رجلاً الذين أعطاهم وزادهم حتى يؤلِّف قلوبهم، والأربعة أخماس قام الرسول بتقسيمها بين الاثني عشر ألف بالتساوي؛ لحديث عبادة بن الصامت في مسند أحمد بن حنبل، وذكر فيه أن الرسول كان يقسّم الغنائم بين الناس بالتساوي، كان الفارس يأخذ ثلاثة أضعاف الرَّاجِل، أي من معه فرس يأخذ ثلاثة أضعاف المترجِّل في القتال؛ لأنه يتولى رعاية الفرس من ماله الخاص، ومن جهده الخاص، وكانت الدولة لا تملك هذه الخيول، ولا تنفق عليها. والجزء الثاني وهو خمس الغنيمة قام الرسول بتوزيعه بالطريقة التي يريدها وحسب ما رأى، وكان هذا التوزيع يخصّ به الرسول بعض الرجال دون غيرهم.

كانت غنائم حُنين -كما قلنا قبل ذلك- أربعة وعشرين ألفًا من الإبل، وأربعين ألفًا من الشياه، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، هذا غير ستة آلاف من السبي.

إن أربعة أخماس الغنيمة تساوي 19200 من الإبل، و32 ألف شاة، و3200 أوقية من الفضة، و4800 من السبي، وهذه الأربعة الأخماس وزعها الرسول على 12 ألفًا، وكانوا يقيمون الجمل الواحد بعشرة من الشياه. على ذلك لو حسبت الحسبة سوف تجد أن كل واحد من أفراد الجيش سوف يأخذ إما جملين، وإما 20 من الشياه، وبعض الكتب تقول: إن الواحد من 12 ألفًا كان يأخذ أربعة من الجمال، أو أربعين شاة، ولكن عندما نحسبها سوف نجد أن هذا الكلام غير مقبول؛ لأن الواحد كان يأخذ جملين أو عشرين من الشياه، أو أن يكون عدد الغنائم أكثر من ذلك.

ولكن الثابت والصحيح أن عدد الغنائم أربعة وعشرين ألفًا من الإبل، وأربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، فوجب أن تكون هذه التقسيمة كما نقول، وهي جملان أو عشرون من الشياه، وبذلك نستطيع أن نوزع الغنائم على 12 ألفًا، وبعد ذلك نقسّم الفضة، كل واحد يأخذ ربع أوقية من الفضة، وكان السبي يقسم بمعرفة الرسول ، وكان السبي 4800 يتوزعون على 12 ألفًا، فهناك من يأخذ، وهناك من لا يأخذ، وأحيانًا كان يقرع بين الصحابة ، وأحيانًا كان يعوضهم بالمال، وأحيانًا كان يعطي البعض، والبعض الآخر يُعطى من الغزو اللاحق بعد ذلك. المهم أنه قسّم السبي على الصحابة ، والقاعدة التي تحكم هذا التقسيم كما ذكرنا التقسيم بالتساوي، فهذا كان الوضع.
وقفة مهمة

أما بالنسبة للخمس المتبقي فهذا يحتاج إلى وقفة طويلة، هذا المال مِلك للدولة، والرسول كقائد يوجّهه في الوجه الأصلح للدولة؛ قد يشتري به السلاح، وقد يفتدي به الأسرى، وقد تُعطَى منه الهبات لأهل النجدة، والبأس في الحرب، وقد تُعطَى منه الرواتب والأجور، وقد يدخل في مشروعات الدولة المختلفة. المهم أن القائد ينفقه في الوجه الأصلح للدولة، والرسول رجل عمليّ يعيش على أرض الواقع، وهو يعلم أن في جيشه حديثي عهد بالإسلام، منهم من يقف على شفا حفرة، ومنهم من هو متردد جدًّا في أمر الإسلام، ومنهم من دخل الإسلام رهبًا من قوته، أو رغبًا في أمواله، ومنهم من كان سيِّدًا مطاعًا في قومه، ليس لأحدٍ في العرب كلمة واحدة عليه، فأصبح الآن تابعًا للرسول ، ومنهم من لو أمر قبيلته بالرِّدَّة ومحاربة المسلمين لفعلوا ذلك.

ويعلم الرسول كل هذه الأمور، والرسول لم يفترض أن الجميع مقتنع تمامَ الاقتناع بالإسلام، ولم يفترض أن الإيمان قد تغلغل في قلوبهم، ولم يفترض أن نور الإسلام قد محا تمامًا ظلمات الكفر التي عاشوا فيها سنوات وسنوات، وكان الرسول يعلم أن الدولة الإسلامية تقف الآن على فوهة بركان خطير، ولو خطر على ذهن كل سيد من سادات العرب، وكل زعيم من زعماء القبائل المختلفة، أن يثور وينقلب على الدولة الإسلامية، فإن هذا قد يؤدي إلى دمار شامل في الدولة الجديدة؛ لأن الدولة الجديدة لم تستقر بعدُ، وبخاصة أن أموال وأملاك الدولة الإسلامية اتسعت جدًّا، وكثر أتباع المسلمين، وليس هناك وقت كافٍ لتربية كل هؤلاء المسلمين الجدد.

عَلِم الرسول أنه لن يأمن جانب هؤلاء الزعماء السابقين إلا بترضية سخية ومجزية من الدولة الإسلامية؛ لأن هؤلاء الزعماء لو أحسوا أن حالتهم المادية قد استقرت، وأن أموالهم قد كثرت، وأن وضعهم الاجتماعي قد تحسن بعد انتمائهم للدولة الإسلامية، فسيُحِبُّون هذه الدولة التي حققت لهم هذا الرخاء، وسوف يحاولون بكل طاقة أن يدعموا هذه الدولة ليستمر وضعهم في التحسُّن إلى أن يحسن إسلامهم بعد ذلك.

نَعَمْ، إن الإيمان الذي يكون سببه حب المال إيمانٌ ضعيف، ولكن هذا يكون في البداية فقط، وإذا دخل في محاضن التربية الإسلامية يبدأ الإيمان في الرسوخ تدريجيًّا حتى يصبح الإيمان أغلى عنده من المال، وهذا يحتاج إلى وقت، والرسول كان يعرف أن نظام القبليّة المترسخ في الجزيرة العربية منذ قرون يجعل لقائد القبيلة الكلمة العليا المطلقة في قبيلته؛ لذلك فكر أن يشتري رضا هؤلاء الزعماء بالمال، وهؤلاء الزعماء سيؤثرون تأثيرًا إيجابيًّا في أتباعهم من القبائل المختلفة، ومن ثَمَّ فهو يشتري استقرار الدولة الإسلامية.

ولكننا نجد معوِّقًا لهذا الأمر، وهذا المعوق يحتاج إلى دراسة؛ لأن الرسول يريد أن يشتريهم بالمال، ولكن كان هناك مشكلة، وهي أن هؤلاء الذين بذلوا الجهد في معركة حُنين، والذين كانوا سببًا مباشرًا من أسباب النصر هم قدامى المهاجرين والأنصار، وهؤلاء -بفضل الله- ثابتون في الإسلام دون شك، ولا يحتاجون إلى إغراء بالمال أو بغيره، وتاريخهم معروف جدًّا، ومواقفهم مشرفة، وأياديهم بيضاء على الإسلام والمسلمين.

وهؤلاء الأنصار والمهاجرون هم الذين اجتهدوا يوم حُنين، وكان الرسول من عادته أن يُعطي عطاء أكبر لأهل البلاء ولمن بذل جهدًا زائدًا في القتال، وفعل ذلك في أكثر من موقعة قبل حُنين، فلو أراد الرسول أن يكافئهم على جهدهم، فمن أين يعطيهم؟ كان يعطيهم الرسول من الخمس الذي تمتلكه الدولة، فماذا يفعل الرسول في هذا الموقف المحيِّر؟ هل يعطي زعماء القبائل الذين أسلموا حديثًا، ولم يبذلوا الجهد المطلوب في حُنين، ولم يعودوا إلى الصف إلا بعد رؤية الأمور تتجه لصالح المسلمين، ويشتري بإعطائهم استقرار الدولة الإسلامية؟ أم يُعطي الأنصار والمهاجرين الذين أبلوا أحسن البلاء ليكافئهم على جهدهم؟

الحقيقة أن الرسول عقد مقارنة بين الوضعين، واختار الرسول -ودون تردد- الرأي الأول، وهو استقرار الدولة الإسلامية؛ لأن استقرار الدولة هدف تتضاءل بجواره الأهداف الأخرى، ولو تزعزع هذا الاستقرار، فإن الجميع سيدفعون الثمن، سواء من قدامى المسلمين أو من الذين أسلموا حديثًا، والجميع سيعانون من هذا الاضطراب في استقرار الدولة الإسلامية.



لا ننكر أن هناك ضررًا نفسيًّا وماديًّا سيقع على الأنصار والمهاجرين، ولكن الضرر الأكبر هو اضطراب الدولة الإسلامية وعدم استقرارها، فقام الرسول بتطبيق قاعدة دفع أكبر الضررين وجلب أكبر المنفعتين، ورأى الرسول أن شراء زعماء القبائل بالمال مُقدَّم على مكافأة الأنصار والمهاجرين، بل وجد الرسول أنه لا يستطيع أن يعطي جزءًا لسادة القبائل وجزءًا للمهاجرين والأنصار؛ لأن هذا سيؤدي إلى نقص عطاء سادة القبائل، فقد يستصغرونه أو يستحقرونه، ولا يتحقق المطلوب. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى سيجدون أنفسهم لا يشعرون بشيء من التميز عن غيرهم، ومن ثَمَّ قد لا يرضون تمام الرضا. وهذا الكلام قد لا يرضي عواطف المستمعين، ولكنه -لا شك- يقنع عقولهم.

وهذا الكلام نجد له تطبيقات كثيرة وعملية سوف نراها بعد ذلك في الفتوح، وفي أحداث الفتنة، وفي مواقف أخرى كثيرة سنراها في أكثر من موقف من مواقف التاريخ. ولا شك أن هذا هو الأفضل والأحكم؛ لأنه في الأساس اختيار نبويّ أقرَّه رب العالمين I، ولم ينزل وحي يعارض هذا القرار.

ونحن نعلم أن هناك أناسًا لن تقبل بهذه القسمة، ويظنون أن فيها جورًا، ولكننا نتذكر أن هذا هو فعل النبي المؤيَّد بالوحي. وقد رأينا بعض الاستغراب ممن عاصر هذا الموقف، وعدم الفَهْم، وكان ممن استغرب مؤمنون شديدو الإيمان كالأنصار ، كذلك استغربه بعض الذين لم يتمكّن الإيمان في قلوبهم، وليسوا من السادة، ووصل استغرابهم إلى درجات غير مقبولة.

جاء رجل من الأعراب إلى الرسول ، كما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ، وقال في غلظة: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله .

فغضب الرسول ، وقال: "وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟".

ونجد هنا أن الرسول لم ينسب العدل في هذه القسمة له وحده، ولكنه قال: "يعدل الله ورسوله"؛ تأكيدًا على أن الأمر مؤيَّد بالوحي. وسبحان الله! مع أن هذه الكلمة كانت فاجرة من هذا الرجل، وقد تحمل على الكفر إلا أن الرسول لم يشأ أن يقتله بها، مع أن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد عرضا قتل هذا الرجل، ولكن الرسول أمرهم ألاّ يقتلوه لعلّةٍ واضحة، وهي ألاّ يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. كان الرسول يعلم أنه لو قتل هذا الرجل لنفر الناس بعيدًا عن الدولة الإسلامية، مخافة القتل عند الخطأ؛ لذلك عامله الرسول كما يعامل المنافقين الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر.

ولكن هذه القصة أوضحت بصورة كبيرة بعض أحوال المسلمين الجدد، وأن هذه القصة ما كانت حدثًا عارضًا في يوم حُنين، وإنما تكررت كثيرًا عند تقسيم غنائم حُنين. ولا شك أن هذا كله كان يتراكم في ذهن الرسول ليصبح سببًا واضحًا في القرار الذي أخذه بخصوص توزيع الخمس على الزعماء والسادة.

وهناك موقف آخر من رجل أعرابي، وهذا الموقف قد جاء في البخاري ومسلم، وهو يوضِّح طبيعة ونفسيات الأعراب الذين كانوا يشاركون في حُنين، يقول أبو موسى الأشعري : كنت عند النبي ، وهو نازل بالجِعْرانة بين مكة والمدينة، ومعه بلال ، فأتى النبيَّ أعرابيٌّ فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟

وكان الرسول قد وعد بتقسيم الغنائم، ولكن هذا الوعد كان يوم حُنين، ثم توجه المسلمون إلى الطائف، وظل المسلمون أربعين يومًا في حصار الطائف، هذا غير أيام الذهاب والعودة، فتلطف الرسول معه وقال له: "أَبْشِرْ".

أي سوف أعطيك. فردَّ الأعرابي في غلظةٍ تعبر عن نفسية منحرفة، فقال: قد أكثرت عليَّ مِن أبشر؟

هذا الرد من الأعرابي قد أثر جدًّا في نفسية الرسول ، فغضب، وذهب إلى أبي موسى الأشعري وبلال، وقال: "رَدَّ الأَعْرَابِيُّ الْبُشْرَى، قُلْتُ لَهُ: أَبْشِرْ، فَرَفَضَ، فَاقْبَلاَ أَنْتُمَا".

فقالا: قبلنا.

ونرى في هذه القصة غلظة الأعراب الذين أسلموا حديثًا، ولم تُربَّ أخلاقهم بعدُ في الإسلام. وشئنا أم أبينا، فإن هذه النوعية من الناس، وهذه الفئة من المسلمين ستظل موجودة إلى يوم القيامة، فإما أن نعترف بالواقع ونتعايش معه، ونتعامل معهم على هذا الأساس، وإما أن نعيش في مثاليات وهميّة ليس لها مكان على أرض الواقع، مع كل ما يحمله هذا النهج الأخير من خطورة على الأمم. ونريد أن نلفت الأنظار إلى نقطة مهمَّة قبل الخوص في تفصيلات ما حدث عند تقسيم الخمس على الزعماء والسادة، وهو أنه لولا ثقة الرسول التامة بالسابقين من الأنصار والمهاجرين لكان تطبيق هذا القرار مستحيلاً؛ لأن درجة إيمانهم لو كانت سطحيّة لاحتاجوا هم أيضًا إلى تأليف القلوب وإعطاء الأموال، ولكن الرسول كان يعرف تمامًا أنهم عاشوا ليعطوا لا ليأخذوا، وعاشوا لدينهم لا لأنفسهم، وطلبوا الجنة ولم يطلبوا الدنيا.

ولنرَ ما فعله الرسول في هذا الخمس مع زعماء مكة وقادة القبائل، مع العلم أن هذا الخمس يمثِّل رقمًا كبيرًا من الغنائم، فهو يتكون من 4800 من الإبل، و8000 شاة، و800 أوقية من الفضة، و1200 من السبي.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيفى
عضو متألق
عضو متألق


عدد المساهمات : 608
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم   الثلاثاء 5 مارس - 22:08

وقفنا في المقال السابق أمام قضية الغنائم بوجه عام، ثم ركزنا أكثر على غنائم يوم حنين، وكيف قسّمها رسول الله على المسلمين، وعرفنا أن رسول الله قد وزّع أربعة أخماس الغنائم على كل مَن شارك في الغزوة، ثم أعطى المؤلفة قلوبهم من مال الخمس الخاص بالدولة. ونقف هنا مع مَن أعطاهم رسول الله من خمس الدولة، وتفسيره لذلك.
الرسول يعطي أبا سفيان

وأول لقاء كان مع أبي سفيان زعيم مكة الأول الذي ظل يحكم مكة ست سنوات متصلة من غزوة بدر إلى فتح مكة، وهو من أصحاب رءوس الأموال الضخمة في مكة، وهو قد طُعن كثيرًا في كرامته في غضون الشهرين السابقين، بدايةً من زيارته إلى المدينة المنورة كما رأينا قبل ذلك لمحاولة إطالة مدة الحديبية، ومرورًا بموقفه في الطريق من المدينة إلى مكة، وإيمانه في ظروف قاسية جدًّا على قلب أي زعيم، ومرورًا أيضًا بدعوة أهل مكة لعدم الدفاع عنها وفتحها لرسول الله دون قتال، وانتهاءً بنزع زعامة مكة منه وإعطاء هذه الزعامة لأحد الأمويين الذي كان من سنِّ أبنائه، وهو عَتَّاب بن أَسِيدٍ .

لا شك أن الرسول كان يقدِّر كل هذه المعاناة التي يشعر بها أبو سفيان في الإسلام، كما أنه يعلم أنه لن يرضى بقليل من العطاء؛ لأنه كان من كبار أغنياء مكة، فلن يرضيه أن يأخذ عشرة أو عشرين جملاً، فهذا كبير زعماء مكة؛ لذلك أراد الرسول أن يعطي له عطاءً ضخمًا.

جاء أبو سفيان إلى الرسول ، وهو في وادي الجعرانة، وقد رأى أبو سفيان كما رأى الجميع الغنائم الهائلة التي لا يحلم بها عربي، قال أبو سفيان -وهو ينظر إلى الغنائم-: يا رسول الله، أصبحت أكثر قريش مالاً.

أبو سفيان يلمح للرسول بوجود المال الكثير؛ ليعطيه منه. فتبسّم ولم يتكلم، فلما رأى أبو سفيان أن التلميح غير مُجْدٍ، قال: أعطني يا رسول الله من هذا المال.

ونحن لا نتعجب من كلام أبي سفيان وتصريحه للرسول بطلبه للمال هكذا تصريحًا؛ لأن هذه كَمِّيَّات كبيرة، وسوف توزع، فلعله إن لم يصرح وزِّعت على غيره، وبعد ذلك لا ينفع الندم، فقال الرسول في يسر وسهولة: "يَا بِلاَلُ".

وكان بلال هو من يوزِّع هذه الغنائم، فقال: "يَا بِلاَلُ، زِنْ لأَبِي سُفْيَانَ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الْفِضَّةِ، وَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ".

يا الله! انظرْ بلال يوزع الغنائم! إن الله يعز من يشاء {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].

بلال الذي كان يُباع ويُشترى ويُعذب، هو الآن المقرَّب من زعيم الدولة، وهو الذي يُعطي هذا وذاك من الزعماء السابقين.

نظر أبو سفيان إلى العطايا وهو لا يصدق نفسه لكثرة الأغنام والإبل والفضة، في لحظة واحدة أصبح أبو سفيان يمتلك أربعين أوقية من الفضة -أي حوالي كيلو ونصف من الفضة؛ لأن الأوقية حوالي 37.5 جرامًا- ومائة من الإبل، ورقم مائة من الإبل هذا رقم ضخم وهائل، حتى إن دية القتيل مائة من الإبل. وكان هذا الرقم هو الذي رصدته قريش لمن يأتي بالرسول أو الصِّدِّيق حيًّا أو ميتًا عند الهجرة إلى المدينة، فوجد نفسه -سبحان الله- يطلب المزيد قبل أن يَفْنَى هذا المال الغزير، يقول: ابني يزيد، يا رسول الله.

فقال في منتهى البساطة: "زِنْ لَهُ يَا بِلاَلُ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ".

فقال أبو سفيان: يا رسول الله، ابني معاوية.

فقال رسول الله : "زِنْ لَهُ يَا بِلاَلُ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ".

ذهل أبو سفيان، وقال في صدق: إنك الكريم، فداك أبي وأمي، ولقد حاربتك، فنِعْمَ المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرًا.

نشعر بالصدق في كلمات أبي سفيان، ما الذي غيَّره؟

تغيَّر من رجل يشكُّ في نبوة الرسول إلى رجل مؤمن مادح لرسول الله ، فما الذي ثبته بعد تردُّد؟

وما الذي أسعده بعد حزن؟

إنه المال، الثلاثمائة من الإبل، والمائة وعشرون أوقية من الفضة، وماذا تمثل هذه الأموال إلى جوار هداية إنسان؟

وما هذه الأموال إلى جوار استقرار الدولة الإسلامية؟!

وما هذه الأموال إلى جوار تأليف قلوب بني أمية؟

وما هذه الأموال إلى جوار ثبات أهل مكة على الإيمان؟

المال حلو ونضر، ولكنه يتصاغر جدًّا إلى جوار هذه المعاني.

هذه كانت نظرة الرسول ، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، يعطي وكأنَّ المال لا ينتهي.
الرسول يعطي حكيم بن حزام

وجاء حكيم بن حزام، وهو أيضًا من مسلمي الفتح، ودار بينه وبين الرسول حوار، والحوار في البخاري ومسلم، يقول حكيم بن حزام : سألت رسول الله ، فأعطاني مائة من الإبل. ثم يقول حكيم: ثم سألته فأعطاني مائة ثانية، ثم سألته فأعطاني مائة ثالثة.

أعطاه الرسول ثلاثمائة من الإبل، وقال الرسول عندما رأى أن حكيم بن حزام يريد المزيد، والمزيد من المال، فأحبَّ الرسول أن يعلمه درسًا، ويوقف الطلب المتكرر، فأعطاه درسًا تربويًّا في منتهى العظمة، قال له: "يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ". ولم يقل: حلوًا خضرًا؛ لأن المقصود بالمال هنا الدنيا كما في الحديث: "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ".

ثم يقول الرسول : "فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ -يعني: بغير شرط ولا إلحاح- بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ، وَتَشَوُّفٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يِأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى".

وسمع حكيم بن حزام هذا الدرس، وفقه مراد الرسول ، فأسرع بردِّ المائة الثانية والثالثة، وأخذ المائة الأولى فقط، ثم قال في صدق: "يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأُ أحدًا من بعدك يا رسول الله حتى أموت". أي أنني لا آخذ من أحد شيئًا، ولا أنقص أحدًا أبدًا ماله.

وسبحان الله! كان حكيم بن حزام صادقًا في قسمه، فما كان يأخذ من أحد شيئًا، حتى إنه كان يرفض العطاء الذي يستحقه من أبي بكر، ثم عمر بعد ذلك؛ لأنه أقسم أنه لا يأخذ من أحد شيئًا أبدًا. فهذا كان درسًا نبويًّا عظيمًا، ولننظر إلى المنهج الإسلامي العظيم كيف يشكِّل الناس، ويعيد بناء الناس على صورة أشبه بالملائكة منها بالبشر.
الرسول يعطي الزعماء من الخمس

وبدأ الرسول يوزِّع بقية الخمس من الغنائم على زعماء مكة، وأعطى من يعتقد أن في قلبه ضغينة للإسلام، وحقدًا على الدولة الجديدة؛ إما لدوافع قبليّة، وإما لأنهم أقارب لبعض من قتلوا على يد المسلمين، أو أنه قد نزعت زعامتهم الشخصية؛ فأعطى سهيل بن عمرو ، وهو أحد كبار زعماء مكة، والمفاوض القرشيّ الشهير في صلح الحديبية، والذي أسلم منذ أيام قليلة في فتح مكة. وأعطى الحارث بن هشام أخا أبي جهل؛ وذلك ليتألف قلبه، وليهون عليه مصابه في أخيه زعيم مكة سابقًا أبي جهل، وليتألف قلوب بني مخزوم. وأعطى النضير بن الحارث أخا النضر بن الحارث شيطان قريش المعروف، الذي كان من ألد أعداء الرسول ، والذي قُتل في أعقاب غزوة بدر، أعطاه ليتألف قلبه، وليتألف قلوب بني عبد الدار. وهكذا أعطى كثيرًا من زعماء مكة ؛ ليضمن استقرار الأوضاع في مكة.

بدأ الرسول يعطي زعماء القبائل من الأعراب حتى يضمن ولاءهم للدولة الإسلامية، وأعطى عُيَينة بن حصن زعيم قبيلة بني فزارة، فأعطاه مائة من الإبل. وهذا الرجل كان رجلاً غليظًا جدًّا، سيِّئ الخُلُق، وقد اشتراه بالمال، وإن كانت أخلاقه لم تتغير كثيرًا، وهذا الرجل ارتدَّ بعد وفاة الرسول ، ولكنه عاد وتاب أيام أبي بكر الصِّدِّيق .

وأعطى رسول الله أيضًا زعيم بني تميم الأقرع بن حابس، وكان من غلاظ الطباع وحديثي الإسلام، وكانت بنو تميم قبيلته قوية، أعطاه مائة من الإبل ليتألف قلبه وقبيلته. وكذلك أعطى عباس بن مِرْدَاس زعيم قبيلة سُليم، ويبدو أنه قدَّر قيمة العباس أقل من قيمة عيينة والأقرع، فأعطى له خمسين ناقة فقط، ومع أن الخمسين ناقة هذا رقم كبير جدًّا، إلا أن ذلك لم يعجب العباس بن مرداس، فذهب إلى رسول الله يطلب المزيد، ويطلب المساومة ويقارن نفسه مع عُيَينة والأقرع زعيمي فزارة وتميم، وبدأ يقول شعرًا في ذلك، قال:

فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْـبُ الْعَبِيدِ *** بَيْـنَ عُيَيْنَـةَ وَالأَقْـرَعِ

العبيد هذا هو فرسه، يقول: إن نصيبه أصبح قليلاً بين عيينة والأقرع.

وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلاَ حَابِسٌ *** يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ

وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا *** وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لاَ يُرْفَـعِ

أي أن الذي يَضَعُ رسولُ الله قدرَه لن يُرفع بعد ذلك، فلما سمع الرسول هذه الكلمات، قال: "اقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ، وَزِيدُوهُ إِلَى مِائَةٍ".

وزادوا له في العطاء. ولننظر إلى تعليق الرسول ، وهو تعليق يدل على أن هؤلاء ما دخلوا في الإسلام إلا رغبًا في هذه الأموال، أو رهبًا من الدولة الإسلامية، وبعد ذلك حسن إسلام العباس بن مرداس، وصار من فضلاء الصحابة .

نجحت سياسة إعطاء الأموال لتأليف القلوب في تثبيت هؤلاء المسلمين الجدد على الإسلام، وبالتالي تثبيت الدولة الإسلامية. روى مسلم عن أنسٍ ، أنه قال: "إن كان الرجل ليُسْلِمَ ما يريد إلا الدنيا، فما يُسْلِم حتى يكون الإسلامُ أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها".
الرسول يعطي صفوان بن أمية قبل أن يسلم !

بل إن الرسول في يوم حُنين، أو عند توزيع غنائم حُنين أعطى من غنائم حُنين بعض المشركين، ومن أشهر من أعطاهم زعيم مكة الكبير صفوان بن أمية، وكان لا يزال مشركًا، وأبوه الزعيم المشهور أمية بن خلف، وأمية قُتل كافرًا في بدر، وصفوان بن أمية هو من زعماء مكة الذين اشتركوا في الحروب المتتالية ضد المسلمين، وممن فرَّ من مكة بعد الفتح، وكان الرسول قد أعطاه قبل ذلك مدةَ أربعة أشهر ليفكر في أمر الإسلام، ثم استأجر منه السلاح في غزوة حُنين، وخرج صفوان وهو لا يزال مشركًا مع الجيش المسلم في حُنين؛ ليحمل الأسلحة للجيش المسلم على جماله، وظهرت منه بعض الكلمات التي توضح ميلاً للإسلام، وذلك لما غُلب المسلمون في أول الأمر وهربوا، قال أحد المشركين -وكان اسمه كلدة بن الحنبل-: بطل السِّحْر اليوم.

فاعترض صفوان على شماتة كلدة، وقال: اسكت فضَّ الله فاك؛ فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إليَّ من أن يربني رجل من هوازن.

إن أمية وإنْ قال هذا الكلام من ناحية قبلية، إلا أنه عبر عن اختفاء الضغينة الشديدة للرسول من قلبه، وهذه الضغينة كانت موجودة في قلوب كل المشركين في مكة. ويبدو أن الرسول أحسَّ منه فرصة إسلام، فأراد أن يجزل له العطاء بصورة أضخم فوق ما يتصور. وقف صفوان بن أمية يشاهد الناس الذين توزَّع عليهم الغنائم مائة ومائة ومائة، وهو من المشركين، نادى الرسول على صفوان بن أمية، وأعطاه مائة من الإبل، كما أعطى الزعماء المسلمين من أهل مكة، فوجده الرسول ما زال واقفًا، ينظر إلى شعب من شعاب حُنين، قد مُلئ إبلاً وشاءً، وبدت عليه علامات الانبهار من كَمِّيَّات الأنعام، فقال له : "أَبَا وَهْبٍ، يُعْجِبُكُ هَذَا الشِّعْبِ؟".

تعجبك هذه الأغنام وهذه الإبل؟ قال صفوان في صراحة شديدة: نَعَمْ.

إنه منظر جميل جدًّا! كميات ضخمة من الأموال، فقال الرسول في بساطة، وكأنه يتنازل عن جمل أو جملين: "هُوَ لَكَ وَمَا فِيهِ".

أذهلت المفاجأة صفوان، ووضحت الحقيقة أمام عينيه، والتي ظلت غائبة عنه سنين طويلة، ولم يجد صفوان بن أمية نفسه إلا قائلاً: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.

أسلم صفوان في مكانه، يقول صفوان بن أمية كما روى الإمام مسلم في صحيحه: والله لقد أعطاني رسول الله ، وأعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى صار أحبَّ الناس إليَّ .

أيُّ خير أصاب صفوان !

أيُّ خير تحقق لقبيلة بني جمح عندما أسلم زعيمها!

وأيّ خير تحقق لمكة!

وأي خير تحقق للمسلمين، وقد أضيف إليهم قوة الزعيم المكيّ المشهور صفوان بن أمية، الذي حسن إسلامه بعد ذلك، وصار من المجاهدين في سبيل الله.

إن كل هذا الخير قد تحقق بمجموعة من الإبل والشياه، وما هي قيمة هذه الإبل والشياه فهي إما تؤكل أو تموت، إن الدنيا بكاملها -وليس الإبل والشياه فقط- تفنى وتزول، ولكن الذي لا يزول هو نعيم الجنة، وكم من البشر سيذوق نعيم الجنة هذا ويخلد فيه؛ لأنه أُعطَى ذات يوم مجموعة من الإبل والشياه! أليس هذا فهمًا راقيًا من رسول الله لحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، وحقيقة الغنائم وحقيقة البشر؟ أليس هذا تقديرًا صائبًا من الرسول الحكيم في هذه المقارنة التي عقدها المصطفى ؟

الأغنام في مقابل الإسلام، الدنيا في مقابل الآخرة، وجد الرسول أن الأغنام قد هانت عليه، بل هانت عليه الدنيا بكاملها، أعطاها دون تردد، فالدنيا عنده لا تعدل جناح بعوضة، والدنيا عنده قطرة في يمٍّ واسع، الدنيا عنده أهون من جدْيٍ أَسَكَّ[1] ميِّت. وهذا لم يكن كلامًا نظريًّا فلسفيًّا، وإنما رآه كل الناس بعيونهم، وكان واقعًا في حياته، وحياة الصحابة ، وكان هذا الواقع بارزًا في أبهى صورة؛ حيث أعطى كما لم يعطِ أحد من العالمين، حتى بعد ما أعطى هذا العطاء، لم يتبقَّ في يده شيء لنفسه ، لم يتبق ما يعوض به فقر السنين، وانقضاء العمر، وقد بلغ الستين من عمره، بل تجاوز الستين ، لم يحتفظ بشيء، وقد وزَّع هنا وهناك على الأعراب، وعلى حديثي الإسلام، حتى ما بقي معه شيء لنفسه .

حاصر الأعراب رسول الله يطلبون المال والأنعام حتى اضطروه -وهو الزعيم المنتصر، والقائد الأعلى- إلى شجرة، فانتزعت رداءَه، فقال في أدب، وفي رفق، وفي لين يليق به كنبيٍّ، ويجدر به كمعلِّم : "أَيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ لَكُمْ عِنْدِي عَدَدُ شَجَرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَّمْتُهُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلاً، وَلاَ جَبَانًا، وَلاَ كَذَّابًا".

صلى الله تعالى عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، وصدق فما كان بخيلاً، ولا جبانًا، ولا كذّابًا .
الرسول يفسر بنفسه كل شيء

كان هذا هو فقهه يوم حُنين، وكان هذا هو قراره في توزيع خمس الغنائم بالكامل على المؤلفة قلوبهم، وكانت هذه أبعاد هذا القرار، وكانت هذه تبعات هذا القرار، وكانت هذه نتائج هذا القرار، وكانت هذه هي الصورة في ذهن الرسول ، فهل استوعب كل الصحابة هذه الصورة؟

وهل فهموا جميعًا هذه الأبعاد وأدركوا هذه النتائج؟ وهل يا تُرى اقتنعوا جميعًا بهذا القرار الذي أعطى المؤلَّفة قلوبهم، ولم يعطِ السابقين شيئًا؟

والحق أن الإجابة: لا، لم يفهم كل الصحابة هذا الفهم في هذا الوقت. نَعَمْ هناك من استوعب الموضوع بكامله، ولكن هناك من لم يستطع أن يدرك هذه الأبعاد النبيلة في فقه الرسول ، فكان لا بد من الاستفهام والتساؤل.

مِن هؤلاء مثلاً سعد بن أبي وقاص ، أبدى الاستغراب وقال: يا رسول الله، أعطيت عيينة والأقرع مائة، وتركت جُعَيْل بن سُراقة الضمريّ؟

وكان جعيل بن سراقة من فقراء المسلمين من أهل الصُّفَّة، فأجاب الإجابة الشافية، قال : "أَمَا وَالَّذَِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَجُعَيْلُ بْنُ سُراقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلاَعِ[2] الأَرْضِ كُلُّهُمْ مِثْلُ عُيَيْنَةَِ بْنِ حِصْنٍ وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَلَكِنِّي تَأَلَّفْتُهُمَا لِيُسْلِمَا، وَوَكَلْتُ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى إِسْلاَمِهِ".

هذه الكلمة تفسر كل شيء، فهذه الكلمة كانت تعدل عند جعيل مال الأرض كله، فليس معنى أنه أعطى واحدًا ومنع الآخر، أن الأول أفضل من الثاني، بل على العكس، إن جعيل بن سراقة أغلى من ملْءِ الأرض من عيينة والأقرع، مع أن جعيلاً أقل مالاً، وأقل شهرة، وأقل وضعًا اجتماعيًّا، ولكنه أعلى إيمانًا، وقدرًا، وأرسخ قدمًا في الإسلام. وجعيل فَقِه هذا المعنى، وهذه الشهادة من رسول الله ، فكانت عنده أغلى، ليس من غنائم حُنين فقط ولكن أغلى من كل الدنيا.

كان هناك استنكار بعض الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص من إعطاء حديثي الإسلام، وترك السابقين من المهاجرين والأنصار، لكن هناك استنكار آخر كان أكثر أهمية، وكان أكثر خطورة، وهو استنكار مجموعة أخرى من المسلمين، وهذه المجموعة كانت من الأنصار. ووجه الأهمية ومكمن الخطورة أن هذا الاستنكار لم يكن فرديًّا في الأنصار، وإنما كان جماعيًّا من مجموعة كبيرة من الأنصار.

وهذا الموقف مشهور ومعروف، ولكن هناك دروس لا تُحصى وتحتاج إلى تحليل كبير، وإلى استخراج عِبَر وعظات، وتحتاج إلى تعلُّم النهج النبوي الراقي جدًّا في إدارة الأمور، وكيف يخرج من الأزمات الطاحنة؟ ويخرج بأفضل النتائج التي لا تخطر على بال إنسان. إنه الفقه النبوي الحكيم والمنهج الرباني في تربية البشر.

د. راغب السرجاني


[1] جدي أسك: أي صغير الأذنين. انظر: النووي: شرح صحيح مسلم 18/93.

[2] طلاع الأرض: ما يملأ الأرض حتى يطلع ويسيل



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فيفى
عضو متألق
عضو متألق


عدد المساهمات : 608
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم   الثلاثاء 5 مارس - 22:32


غنائم حنين والأنصار

غزوة حنينتكلمنا عن توزيع غنائم حُنَيْن، وتقسيم أربعة أخماس الغنائم على الجيش بكامله، ثم توزيع الخمس المتبقي على المُؤَلّفة قلوبهم من طلقاء مكة وزعمائها، وكذلك زعماء القبائل العربية المختلفة، وكان توزيعًا سخيًّا، فقد بلغ نصيب البعض مائةً من الإبل، وتجاوز هذا الرقم للبعض الآخر، وكانت العلة في ذلك هو عمل النبي على استقرار الدولة الإسلامية، ووازن بين مصلحة هذا الاستقرار وبين مفسدة حرمان المجاهدين الذين بذلوا الجهد، وكانوا سببًا مباشرًا في النصر يوم حُنَيْن، فوجد بعد الموازنة أن استقرار الدولة الإسلامية أثقل؛ لذا أعطى المؤلفة قلوبهم ومنع السابقين الأولين.

فَهِم كثير من الصحابة هذا الموقف، ولكن هذا الفهم لم يكن من الجميع، بل غضبت مجموعة من الصحابة لهذا الفعل، فقد شعرت هذه المجموعة أنها حرمت ما تستحقه، وكانت هذه المجموعة من الأنصار، وغضب كثير منهم؛ لأن النبي لم يعطهم من الخمس المملوك للدولة مع أنه أعطى بسخاء مجموعةً حديثة العهد بالإسلام، مع أنهم ما قدموا شيئًا للإسلام، وما شاركوا في تأسيس الدولة الإسلامية.
حقائق تاريخية

قبل أن نلقي اللوم على أحدٍ لا بد من مراجعة بعض الحقائق التاريخية المهمة:

أولاً: على أكتاف الأنصار قامت الدولة الإسلامية الأولى، وقبل ظهور الأنصار لم يكن للمسلمين وطن يجمعهم بل كانوا مشتتين في الأرض، فالبعض في مكة، والبعض الآخر في الحبشة، ومجموعة في القبائل، جعل الله الأنصار سببًا في جمع شمل المسلمين، وفي إقامة الدولة الإسلامية، وذلك عندما استضافوا الرسول والمسلمين في مدينتهم.

ثانيًا: أخذ الأنصار منذ اللحظة الأولى في دخولهم الإسلام القرار في مواجهة الأحمر والأسود من الناس، فكانوا على علم أن إسلامهم يعني مفارقة العرب قاطبة، ومنه قطع الحبال التي بينهم وبين اليهود، ومواجهة العالم، وقد فعلوا ذلك بمنتهى التجرد.

ثالثًا: صغر حجم المال في أعين الأنصار، بل لعله كان منعدمًا، لدرجة أنهم لا يرون لأنفسهم حقًّا في أموالهم الشخصية، ويعطونها للآخرين بطيب نفس قلّ أن يوجد مثله في البشر، وذكرنا مقاسمتهم لأموالهم بينهم وبين المهاجرين أجمعين، بصرف النظر عن حالة الأنصاري الذي ينفق، وقدّر الله ذلك وذكره في كتابه واصفًا الأنصار بصفة الإيثار، قال I: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

حتى الفقير من الأنصار كان ينفق في سبيل الله، ويؤثر غيره على نفسه، وهو محتاج، وهذا ما طُبع عليه الأنصار بشهادة رب العالمين لهم.

رابعًا: اشترك الأنصار في كل غزوات الرسول ، بل كانوا الجانب الأعظم من الجيش في بدر أول مواقع المسلمين، وكان عدد المجاهدين في بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، كان الثلثان من الأنصار، واستمر الأمر على ذلك في باقي الغزوات المتأخرة التي ازداد فيها عدد المسلمين جدًّا، لكن في الغزوات الأولى كان معظم الجيش من الأنصار وأرضاهم، ولهم من المواقف المشرفة في التاريخ ما لا يحصى، ومن أشهر المواقف موقف أُحُد لما فرّ بعض المسلمين وأحبط بعضهم، لكن ظل الأنصار ثابتين مدافعين عن النبي وعن دين الله ، وفي الغزوة نفسها استشهد سبعة من شباب الأنصار تحت أقدام النبي دفاعًا عنه، وضربوا في غزوة أُحُد أمثلة البطولة والفداء كسعد بن الربيع، وحنظلة، وأنس بن النضر، وعبد الله بن حرام، وخيثمة، وعمرو بن الجموح، وغيرهم -رضي الله عنهم جميعًا- ممن قدموا أنفسهم فداء للنبي من الأنصار، وبلغ شهداء الأنصار في غزوة أُحُد ستّةً وستين شهيدًا، وكان عدد الشهداء سبعين شهيدًا.

خامسًا: كانت حالة الأنصار فقيرة على خلاف ما يتوقع الكثيرون، وذكرنا ذلك في حديثنا عند بداية العهد المدني، والقارئ للسيرة يظن أن الأنصار كانوا أغنياء لكثرة عطاء الأنصار وكرمهم، مع أن حالة المدينة الاقتصادية كانت منخفضة جدًّا، وليس أدل من ذلك مواقف الجوع الكثيرة التي مرت بها المدينة المنورة، ومن أشهرها حصار الأحزاب في أواخر العام الخامس الهجري، وقبل هذه الواقعة بثلاث سنوات، كانت المدينة في حالة فقر شديد، فكان معظم الأنصار فقراء.

سادسًا: هذه النقطة من الأهمية بمكان ولا بد من وضعها في أذهاننا كخلفية رئيسية لغضب وحزن الأنصار بعد تقسيم غنائم حُنَيْن، فبعد أن حدثت الغزوة في حُنَيْن وفر معظم الجيش، نادى النبي في البداية على أصحاب الحديبية، ثم نادى على الأنصار، فقال: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ".

فالأنصار هم رجال الأزمات، وفرسان المواقف الصعبة، فقالوا دون تردد: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك يا رسول الله، يا لبيكاه.

ثم عادوا ووقفوا حول النبي يدافعون عنه، وقادوا حملة مضادة على المشركين، فغيّر الله من حال إلى حال، وانقلبت الهزيمة إلى نصر بعد أن جعل الله الأنصار سببًا في ذلك.

هذا تاريخ الأنصار منذ إسلامهم وحتى هذه اللحظة، ومكانتهم في الإسلام لا ينكرها أحد، وكان يفتخر بالأنصار ، وكان يقول : "الأَنْصَارُ كَرِشِي وَعَيْبَتِي".

وكرش الرجل أي: خاصته، وعيبة الرجل: موضع سره، ثم قال: "وَلَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ".

هذه خلفية لا بد منها قبل التحدث عن موقف الأنصار من غنائم حُنَيْن، وضَعْ نفسك مكان الأنصار، فبعد هذه المواقف التي حدثت منهم، والانتصارات التي حققوها واقعًا وتاريخًا، إذا بثمرات النصر الصعب، والتضحية المتكررة توزع على الآخرين.
موقف الأنصار

ووجد الأنصار في أنفسهم وَجْدًا عظيمًا إلى أن قال بعضهم: إذا كانت الشدة فنحن نُدْعى، وتُعطى الغنائم غيرنا.

وقد ورد ذلك في الصحيحين عن أنس ، وفي بعض الروايات قال بعضهم: يغفر الله لرسول الله ، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم.

وكان موقفًا في غاية الصعوبة ولافتًا للنظر، وقال بعض الأنصار: إن كان من أمر الله صبرنا، وإن كان من أمر الرسول استعتبناه.

ففي قولهم الالتزام بالحكم للشرعي، فلا بد من السمع والطاعة إذا صدر الأمر من الله، ولو كان اختيارًا بشريًّا من رسول الله عاتبناه على هذا الاختيار.
مثل تقريبي

وقبل أن نلوم الأنصار على معاتبتهم لرسول الله ، نضرب مثلاً يقرب موقف الأنصار ويضعك في داخل هذا الموقف، هب أنك عملت في شركة، وهذه الشركة عملت فيها منذ بدايتها، ووهبت لها عمرك ووقتك، وأعطيتها كل ما تملك من وقت وجهد، وغير ذلك، وظللت هكذا عشر سنوات، وعظم أمر هذه الشركة بعد ذلك بأعمالك، وخلال هذه الفترة لم تطلب لنفسك في كل تاريخ الشركة أي شيء زائد عن الحد، مع كونك تعمل أكثر مما يطلب منك، وبمرور الأيام جاء من يعمل في الشركة إلى جوارك فإذا به سيئ الخُلق، غير منضبط في عمله، ويتحدث بالسوء عن صاحب الشركة، وحققت الشركة نجاحًا كبيرًا في آخر السنوات العشر، وكنت سببًا في هذا النجاح، والموظف الجديد كان معوقًا لهذا النجاح، وبعد هذا النجاح الكبير، أعطى صاحب الشركة كلاًّ منكما راتبه، ثم إذا به يعطي الموظف الجديد نصف مليون جنيه مكافأة زائدة عن المرتب، وكن صادقًا مع نفسك فيما تفعله، وهذا المبلغ ليس عشوائيًّا، فثمن الناقة خمسة آلاف جنيه في زماننا، فمائة من الإبل تساوي نصف مليون جنيه، ولم يأخذ الأنصاري غير راتبه ونصيبه الشرعي، وكذلك المؤلفة قلوبهم أخذوا نصيبهم الشرعي، مع الزيادة التي نفلت لهم، ونفهم من ذلك قول سيدنا أنس بن مالك في صحيح البخاري وسلم قال: "ولم يعط الأنصار شيئًا".

فكأنهم لم يأخذوا شيئًا مقارنة بينهم وبين المؤلفة قلوبهم، أو لم يعط الأنصار شيئًا من الخمس المتبقي من الغنيمة، فظاهر الأمر أن الأنصار لم يأخذوا كالمؤلفة قلوبهم، وكان الموقف في غاية الصعوبة، ونعذر الأنصار فيه تمامًا، بل كان الأنصار في غاية الأدب فيما دار بينهم وبين رسول الله من حوار، وكان يعذر الأنصار، ويقدر موقفهم.
موقف سعد بن عبادة

وعلى الرغم من كل ما ذكرناه، وعلى الرغم من المثل الذي أوضحنا به الصورة، فهذا الموقف لم يكن من عامة الأنصار، بل كان من بعض شباب الأنصار، وما يدل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس بن مالك ، أن رسول الله سأل عن الذي قال هذا الكلام معلنًا اعتراضه، قال فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لِرَسُولِ اللَّهِ ، يُعْطِي قُرَيْشًا، وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ.

وكان سعد بن عبادة موافقًا لهذا الرأي إلا أنه لم يبدِ ذلك، وهذا الكلام واضحٌ في رواية الإمام أحمد رحمه الله، عندما قال سعد بن عبادة لرسول الله : يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، فقد قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيئًا.

فقال له النبي : "وَأَيْنَ أَنْتَ يَا سَعْدُ؟".

فقال: ما أنا إلا امرؤ من قومي.

فأنا أشعر بما يشعرون به، وإن لم أُبْدِ ذلك. ونضع في حسباننا أن الأنصار بشر، وجُبِل البشر على حب المال، فإذا كان هذا المال حلالاً صرفًا، فما المانع من طلبه؟ خاصة إذا كنت سببًا في هذا المال، وهناك أمر آخر في غاية الأهمية، كان الأنصار يخشون أن يتركهم النبي ، ويعيش في مكة المكرمة خير بقاع الأرض، وأحبّ بلاد الله إلى قلب الرسول ، وفيها الأهل والعشيرة، وفيها الطفولة والشباب والذكريات، وفيها أعز قبائل العرب قريش، وأهم مركز من مراكز التجارة في الجزيرة العربية، ويفد إليها الناس جميعًا من كل مكان، وفيها من المقومات الكثيرة ما يجعل اختيارها كعاصمة للدولة الإسلامية أمرًا مقبولاً جدًّا ومتوقعًا، وثارت الأنصار لما قسم النبي ، ومن قبل شهرين قال الأنصار ذلك الكلام في فتح مكة، وطمأنهم النبي أنه لن يبقى في مكة، وسيعود معهم إلى المدينة، وقال لهم : "الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ".

فقد خافوا من تغير الأحداث، وأن النبي اتخذ رأيًا جديدًا، وأنه سيعود إلى مكة المكرمة، ولن يعود معهم إلى المدينة المنورة، وشعر النبي بما يدور في خَلَد الأنصار، فقد أكد النبي في حواره معهم على أنه سيعود إلى المدينة المنورة.

ومن الأمور المهمة التي ينبغي ذكرها عظمة سعد بن عبادة والأنصار جميعًا في صراحتهم إلى أبعد درجة، وهذه الصراحة التي ساعدت على حل الأزمة، أما لو أخذ الأنصار بمثاليات غير واقعية، وأنكروا وجود مشكلة لتفاقمت هذه المشكلة، وحينها يصعب الحل أو يستحيل.
علاج الرسول لهذه الأزمة

هذه بوادر أزمة خطيرة، فسريان مثل هذا الشعور في نفس هذه الطائفة المهمة من الجيش قد يؤدي إلى كوارث مستقبلية، وقد تعصف هذه الكوارث بالدولة الإسلامية، وما الحل إذا بدأت مجموعة من الجنود بالانسلاخ عن جيش المسلمين؟ وبنظرة إلى منهج النبي الفريد نجده قد وضع حلولاً عملية تجمع بين إقناع العقل وإرضاء العاطفة.

أولاً: عدم التغافل عن النار التي تحت الرماد، وكان الموقف الشرعي والعقلي لرسول الله في توزيع الغنائم سليمًا تمامًا، وهو الأولى بلا جدال، بدليل أن الوحي لم ينزل بخلاف ذلك، ومع ذلك حرص النبي على حل الموقف من بدايته، ولم يقل كغيره من الناس: إذا كان رأيي صوابًا فلا يضرني كلام الناس، ولم يقل: إن الله راضٍ ومطلع على الأمر فليس هناك داعٍ إلى توضيح الأمر، ولم يقل: إن الأنصار شديدو الإيمان، وهذا كلام عارض لن يؤثر في مستقبل الدولة الإسلامية، ولم يقل: إن الأيام كفيلة بحل هذه القضايا، ولم يقل: إني رسول الله وواجب عليهم طاعتي؛ لكنه أخذ في حل هذه القضية، ولم يؤجل هذه القضية، ولو ليوم واحد، أو حتى لساعة واحدة، كان حاسمًا في قراره، وسريعًا في حل الأزمة، فقال لسعد بن عبادة: "فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ".

ولم يتغافل النبي عن الأزمة في بدايتها.

ثانيًا: أراد النبي ألا ينتشر هذا الأمر في عموم المسلمين، فكان الاجتماع مقتصرًا على الأنصار؛ لئلا يفتن بعضهم بالشبهة التي أثيرت، وحتى لا يأخذ المسلمون موقفًا سلبيًّا من الأنصار إذا تبين خطأ الأنصار، ولتبقى صورة الأنصار كما هي عند عامة الناس، فجاء رجال فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، وسمح بدخول الأنصار فقط، وبهذا حصر المشكلة في نطاق محدود، وفي بعض الروايات كما يُروى عن أنس أنه سألهم تصريحًا: "أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟".

فقالوا: لا، إلا ابن أخت لنا.

فقال لهم: "ابْنُ أَخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ".

فالشاهد في ذلك أن كل الحاضرين من الأنصار.

ثالثًا: مما ساعد على حل المشكلة حرصه على لقاء أصحاب المشكلة بنفسه ؛ ليسمع منهم، ويسمعوا منه دون واسطة، وقد لا تنقل الواسطة الكلام كما قيل، وليس هذا تقليلاً من شأن الواسطة، بل إن شعور الجنود بالقرب من قائدهم يساعد في حل الكثير من المشاكل، ويساعد الحوار بين القائد والجنود على إخراج بعض القضايا التي يكتمها الجنود عادة، وهذا يساعد على احتواء الأزمة في بدايتها.

رابعًا: علل النبي بوضوح وصراحة الأمر الذي فعله أو تقسيمه للغنائم، ذكر لهم السبب الذي من ورائه أعطى هؤلاء وترك الأنصار، فقال رسول الله : "إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالاً حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ لأَتَأَلَّفَهُمْ بِذَلِكَ".

ولم يعطهم لأدائهم المتميز، أو كفاءتهم في القتال، أو لأنهم أهله وقبيلته وعشيرته، بل يعلم النبي أن قلوبهم مترددة، وأن أقدامهم ليست راسخة بعدُ في الإسلام، ولذلك أعطاهم النبي ، وكانت هذه الكلمات في منتهى الوضوح، وبدون تورية لتحل المشكلة حلاًّ جذريًّا.

خامسًا: لفت النبي نظر الأنصار إلى النصف المملوء من الكوب، فليس من الصواب النظر إلى النصف الفارغ فتتشاءم، أو النظر إلى النصف المملوء فقط فتتفاءل، بل لا بد من النظر إلى كل الكوب لتتوازن النظرة، فوضح لهم النبي أنهم وإن لم يأخذوا شيئًا من الغنائم ومن العطايا السخية، فقد استفادوا أشياء أخرى، ما قدمه النبي لهم، وما استفادوه من اعتناقهم لهذا الدين، وانضمامهم إلى هذا الكيان الجديد (الدولة الإسلامية).

فلا بد من النظرة المتوازنة، حتى لا يشعروا بالغبن أو الظلم، ولم يترك النبي هذا الكلام دون توثيق، فقد ذكر طرفًا مما حصله الأنصار في الإسلام، وكان صريحًا في منتهى الوضوح، ولم يشعر بالحرج وهو يعدد النعم على الأنصار، وكان مباشرًا في حديثه ليفهم الناس حديثه ، فقال : "مَا مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا عَلَيَّ فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالاً، فَهَدَاكُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ، وَأَعَدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟".

فهو يعدِّد نعمًا من نعم كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، وهل هذه النعم أثقل أم المائة الناقة التي أخذها هذا أو ذاك؟ وقد بدأ النبي بنعمة لا يُعدَلُ بها شيءٌ، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بعد عبادتكم للأصنام التي صنعتموها بأيديكم؟ ونسيتم كيف كانت حياتكم، وكيف كانت نظراتكم للحياة بصفة عامة؟ وهل نسيتم الجاهلية وانتقالكم بالإسلام من الظلمات إلى النور؟ وكيف صار لكم ذكر وشأن، ليس في الجزيرة فقط، بل في العالم أجمع، وليس في زمانكم فقط، بل إلى يوم القيامة؟ أليست هذه مكاسب واقعية، وبجانب ربحكم للآخرة، فقد غمرتكم النعم أيضًا في الدنيا؟ ألم آتكم عالة فأغناكم الله؟ وأصبحتم دولة لها كيان ومركز ومكانة، لكم جيوش هنا وهناك، ولكم معاملات مع جميع العرب، ولكم سفارات مع دول العالم، لكم تجارة هنا وهناك، لكم صولات وجولات وغنائم وانتصارات، أهكذا كان وضعكم قبل الإسلام؟ كانت يثرب قبل الإسلام مدينة في غاية البساطة، ليس لها تأثير على حياة العرب فضلاً عن حياة العالم. ثم ألم آتكم أعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ أنسيتم حروبكم الدامية، ودماء الأوس والخزرج التي سالت أعوامًا على أرض يثرب يوم بُعاث، والكراهية والحقد والضغينة التي كانت تملأ قلوبكم قبل الإسلام؟

من المؤكد أن الجميع لم ينسوا هذا الأمر، وكانت الكلمات ثقيلة جدًّا وقعت كالصخر على أسماع الأنصار وأرضاهم، ولم يجد الأنصار ما يقولوه غير أن قالوا: لله ولرسوله المَنّ والفضل.

بعد هذا العلاج الذي قدمه النبي لحل هذا القضية التي كادت أن تعصف بهذا المجتمع الذي قام على الحب والألفة، صمت الأنصار ومنعهم أدبهم أن يعددوا أفضالهم على الدولة الإسلامية، ومنعهم اقتناعهم أن الإسلام نعمة لا يعدلها شيء، لكن النبي كان مشفقًا عليهم، فقال لهم : "أَلاَ تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟".

فقال الأنصار في أدب جم: وبماذا نجيب يا رسول الله؟ ولله ولرسوله المن والفضل، وما أخذناه كان أكثر بكثير مما منع منا.

فعالج النبي الأمر بوسيلة أخرى، وهي وسيلة رفع الروح المعنوية لصاحب الأزمة، وإشعاره بقيمته، وإقناعه بتقدير القائد لموقفه وجهده، ولا يجحد فضله، فقال وهو يرفع من قيمة الأنصار: "أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدِّقْتُمْ: جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلاً فَوَاسَيْنَاكَ، وَخاَئِفًا فَأَمَّنَّاكَ، وَمَخذُولًا فَنَصَرْناَكَ، وَمُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ".

وإن كان أدب الأنصار منعهم من ذكر فضلهم على النبي فهو لا ينكره ولا يجحده، بل اعترف به وقدره، فبغيركم ما كانت هناك دولة، وبدونكم ما كانت هناك نصرة، صدقتموني ونصرتموني وآويتموني وأغنيتموني، فلم ينطق الأنصار بكلمة واحدة مما أصابهم من حرج شديد، فاستغل النبي هذا الصمت واستخدم وسيلة أخرى، وهي تهوين حجم الخسارة في عيون الناس، فقال في رقة شديدة: "أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا (اللعاعة: شيء يسير جدًّا) تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟".

ثم استخدم رسول الله وسيلة أخرى لعلاج هذه القضية، وحرَّك عواطف الأنصار ومشاعرهم المرهفة التي تميز بها الأنصار فقال: "أَلاََ تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟".

إن كانوا هم قد رجعوا بالنوق والشياه، فقد رجعتكم برسول الله ، فأي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًّا؟! ثم أقسم فقال: "فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ".

ثم بدأ في الدعاء فقال: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ".

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا.

ثم كانت الوسيلة الأخيرة وهي التذكير بالآخرة، فقال : "إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ".

قد نعطش في حياتنا لنُروى من الحوض، قد يُؤْثر علينا غيرنا فنقبل طمعًا في ما عند الله، وقد نبيع الدنيا بكاملها لنشتري الآخرة، "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".

وبعد هذه الكلمات التي لامست أسماع الأنصار، قالوا وبمنتهى الصدق: رضينا بالله ورسوله حظًّا وقسمًا.

وخرج المسلمون من الأزمة، ونجح النبي بهذا الأسلوب التربوي في معالجة قضية من أخطر القضايا في المجتمع الإسلامي، ورضي الأنصار أن تُعرَّف كل هذه الغنائم الهائلة بكلمة لُعاعة، وإنها لكذلك.
منهج النبي في علاج هذه الأزمة

بمراجعة منهج النبي التربوي في علاج هذه القضية الشائكة، نجد أنه احتوى على عشر نقاط:

1- حل الأزمة بسرعة وعدم التغافل عن النار تحت الرماد وعدم التسويف.

2- الحيلولة ضد انتشار الأزمة، وحل الأزمة مع أهلها فقط.

3- لقاء أصحاب الأزمة بصورة مباشرة دون وساطة.

4- الصراحة والوضوح وراء الفعل الذي أغضب أصحاب الأزمة، وما هو السبب الحقيقي وراء إحداث الأزمة.

5- النظر بتوازن إلى الموقف، ولفت أنظار أصحاب الأزمة إلى ما حصلوه من إيجابيات.

6- الاعتراف بقيمة أصحاب الأزمة، وفضل أصحاب الأزمة، ورفع معنوياتهم.

7- تهوين حجم الخسارة التي خسرها أصحاب الأزمة إن كانت هينة فعلاً.

8- تحريك عواطف ومشاعر أصحاب الأزمة، إلى جوار إقناع عقولهم.

9- الدعاء المخلص لهم أن يرحمهم الله ويثبت أقدامهم.

10- التذكير بالآخرة، وأن المرء في الدنيا لا يعدم أن يخسر شيئًا ليكسب الجنة.

فتلك عشرة كاملة، وبهذا يتضح لنا أن السيرة النبوية هي منهج عملي للخروج من كل أزمة تواجهنا في حياتنا مهما تفاقمت، وصدق الرسول الكريم حيث قال: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي".

وما كانت هذه الوسائل تجدي في حل الأزمة لولا أن قلوب الأنصار مخلصة، وأن درجة إيمانهم عالية، وأن هدفهم فعلاً الجنة، وأن حياتهم بكاملها كانت في سبيل الله.

د. راغب السرجاني



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
غزوة حنين ووقفات مع توزيع غنائم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: