منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 وصايا للدعاة وصايا للدعاة الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زوزو
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 888
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: وصايا للدعاة وصايا للدعاة الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد   السبت 9 مارس - 21:01

وصايا للدعاة الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
ان الحمد لله..
أما بعد: ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين جبال مكة، في واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، ومضت الأيام تلو الأيام، والشهور تلو الشهور، والسنين تلو السنين، حتى بلغ من العمر40 سنة، فإذا بأمر غريب يحصل له، يقلب عليه حياته كلها، يأتيه الوحي من السماء، ليكون رسول هذه الأمة، ففزع من الأمر أول مرة، ثم علم بعد ذلك بتطمين خديجة له من جانب، وقول ورقة بن نوفل له من جانب آخر، فيأخذ أمر ربه ويصبح بعدها نبي ورسول هذه الأمة. فلما كلفه ربه بتبليغ رسالته، وأن يصدع بالحق، دعاهم إلى الإسلام، واستنكر القوم هذه الدعوة، واستغربوا هذا الأسلوب الجديد الذي لا عهد لهم به، والرسول ينادي فيهم: ((قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)) فأدرك القوم معنى هذه الكلمة، وأنها تعني القضاء على آلهتهم والقضاء عليها يقضي على نفوذهم الواسع وسلطانهم الجاهلي. فلما كان لصاحب الدعوة من المكانة في أنفسهم، لم يتجرؤوا في أول الأمر على قتله، وقتل دعوته في مهدها، بل اتبعوا أساليب شتى قبل قرار القتل، فعرضوا عليه المال والجاه والرئاسة، ولم ينجح العرض إذ رأوا أنه ليس لديه أدنى ميل إلى هذه الأمور التي يرونها عظيمة، فعمدوا إلى أسلوب خسيس يريدون به القضاء على الروح المعنوية العالية فأخذوا يقترحون اقتراحات ساخرة، يحدثنا القرآن عن شيء من ذلك، فيقول - جل وتعالى -: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ} [(90-93) سورة الإسراء] ولما لم ينجح هذا الأسلوب أيضاً، أخذوا يفترون على من سموه من قبل أنه الصادق الأمين، ويلقبونه بألقاب مفتريات، ويشيعون ضد الدعوة إشاعات، ولم يتركوا باباً من المكر والمكيدة إلا طرقوه وها هو القرآن يحدثنا عن مكرهم {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [(46) سورة إبراهيم]. ولما لم تنجح جميع الوسائل التي أشرنا إليها من عرض المال والرئاسة، والسخرية، والشائعات، والافتراءات، وهي ما يسمونه بالحرب النفسية لجأ القوم إلى الحرب الحسية ينالون بها من صاحب الرسالة وأصحابه، فجروا أحقادهم، فعقدت جلسة خاصة ومهمة، لسادات قريش في الحِجر، واستعرضوا الموقف ودرسوه فقدمت بعض الاقتراحات والتي طرحت على بساط البحث والمناقشة للتخلص من النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوته، فقائل: يسجن سجناً مؤبداً ولا يفك. وقائل: يقتل على أيدي عدد من شباب قريش يُنتخبون من عدة قبائل ليتفرق دمه بين القبائل. وقائل: ينفى من البلد. ولما وضعوا خطتهم وحزبوا أمرهم، كشف الله السميع القريب أسرار مؤتمرهم {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [(30) سورة الأنفال] هذا وكانت المحنة على ضراوتها وقسوتها لا تزيد محمداً - عليه الصلاة والسلام - وصحبه إلا صلابةً وتصميماً -تصميماً في المضي مهما كانت التضحيات- وفي الوقت الذي كانوا يؤذونه - عليه الصلاة والسلام - هذا الإيذاء كانوا يؤذون المؤمنين به ويعذبونهم بألوان العذاب، وقد سجل التاريخ ما فعل أمية بن خلف ببلال - رضي الله عنه - في بطحاء مكة ليكفر بمحمد، ويعبد اللات والعزى، ولا يزيد بلال على قوله أحد أحد وهو تحت الصخرة، ولكن إيمانه كان أعظم وأثبت، وكانت هذه الكلمة من بلال تعني الهتاف بلا إله إلا الله، وقل هو الله أحد. وفي مكان آخر من مكة أيضاً نرى آل ياسر يعذبون ويفتنون ليكفروا بالإسلام، ويعبدوا اللات والعزى، ويموت الأب وهو شيخ كبير تحت التعذيب من توه، أما الأم الشجاعة فقد أغلظت القول على أبي جهل، فطعنها برمحه فقتلها، فهي أول شهيدة في الإسلام، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمر بآل ياسر وهم يعذبون فيقول لهم: ((صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)). وقد شهدت أيام النبوة أبطالاً خلد التاريخ بطولتهم وشجاعتهم وثباتهم على عقيدتهم مهما كلفهم ذلك من الثمن، ولو كان الثمن إزهاق أرواحهم الطاهرة فلنتخذ منهم خبيب بن عدي كمثال فقط لندرك أثر العقيدة في نفوسهم وحب ألئك القوم لدعوتهم ودينهم. خبيب أحد الذين بعثهم النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى بعض القبائل التي تسكن بين مكة والمدينة، فبينما هو في طريقه اعتقل ثم حمل إلى مكة وباعوه لبني الحارث بن عامر بن نوفل ليقتلوه بحارث بن عامر الذي قتله خبيب يوم بدر، وفي اليوم المحدد لقتله خرجوا به من الحرم إلى التنعيم ليقتلوه في الحل بعد أن يصلبوه، فاستأذن منهم ليصلي ركعتين يناجي فيهما ربه، فأذنوا له، فصلى ركعتين حسنتين، فلما فرغ، أقبل عليهم فقال: أما والله لولا أن تظنوا إنني لجزع من الموت لاستكثرت، فرفع خبيب على الخشبة فقيل ارجع عن الإسلام نخلي سبيلك، فقال: لا والله ما أحب أن أرجع عن الإسلام، وأن لي ما في الدنيا جميعاً، وله دعوة مستجابة على الكفار في هذه المناسبة في كتب السير وكتب الحديث ولا نطيل بذكرها. لكن مما قاله خبيب - رضي الله عنه - وهو معلق مصلوب " اللهم إني لا أرى إلا وجه العدو اللهم إنه ليس هاهنا أحد يبلغ رسولك عني السلام فبلغه عني" فبلغ جبريل سلامه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأخذوا يمزقون جلده أشلاء برماحهم وهو يترنم بأبياته المشهورة التي منها:

لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا *** قبائلهم واستجمعوا كل مُجمعِ

وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم *** وقربت من جذع طويل ممنع

وكلهم يبدي العداوة جاهداً *** عليّ لأني في وصال بمضبع

إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي *** وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

فيا رب صبرني على ما يراد بي *** فقد بضعوا الحمى وقد يأس مطمعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع

وقد خيروني الكفر والموت دونه *** وقد هملت عيناني من غير مجزع

وما بي حذار الموت إني لميت *** ولكن حذاري جسم نار ملفع

ولست بمبدٍ للعدو تخشعاً *** ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي

ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أي جنب كان في الله مصرعي

وفي وسط هذه المحن أظهر الله دينه، وقويت شوكته وأعز الله أتباعه حتى قامت له دولة في طيبة فطابت لأتباعه، وطاب مُقامهم بها، فجعل الرسول -عليه الصلاة والسلام- يستقبل الوفود تلو الوفود، وهم يدخلون في الإسلام ويسألون عن تعاليمه، وفي الوقت نفسه يرسل جيشه إلى الأطراف، ليدعو إلى الله بالتي هي أحسن أولاً، وللمعاند السيف، وهكذا أظهر الله الإسلام، وأعز أهله ولو كره الكافرون. {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [(Cool سورة المنافقون]، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [(8-9) سورة الصف].

وقافلة الدعوة تسير، ثم سلم الرسول الزمام لرجال أمناء تسلموا الدعوة وساروا بها سيرتها الأولى لم يغيروا ولم يبدلوا، فأخذوا يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا البلاد فأقبل الناس على الإسلام محبةً وتقديراً لحملته، لما رأوا فيه الرحمة والإنصاف والعدل وعدم التناقض، وهي الصفات التي جعلت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. هكذا مثّل الإسلام أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعهم وحببوه إلى الناس ثم انتهت تلك القرون التي هي بحق خير هذه الأمة. فآل الأمر بعد 14 قرناً إلينا، وأصبحنا شئنا أم أبينا نحن المسئولون أمام الله - عز وجل - عن هذه الدعوة، وتبليغها للناس. فمنا المقصر ومنا المفرط ومنا الباذل، وفي ذلك فلتنافس المتنافسون.

فها هي خمسة وصايا، أوصي بها الدعاة إلى الله، الذين سيسألهم الله عن هذا الدين، وماذا فعلوا وقدموا من أجله:

الوصية الأولى:

اعلم أخي الداعية: أنك ستواجه مصاعب جمة، ومتاعب كثيرة، وابتلاءات عديدة، وأنت تسير في طريق الدعوة، وتنشغل بالعمل للإسلام، فإذا ما صبرت وتحملت فإن الألم سيزول والتعب سيذهب ويبقى لك الأجر والثواب إن شاء الله. ألا ترى أن الصائم الذي يصوم في حر الصيف يذهب ألم جوعه وعطشه مع أول رشفة ماء وهو يردد قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله)). فمع دخول أول قدم في الجنة سيزول عنك كل تعب لاقيته، وكل نصب أصابك، ويقال لك: هل رأيت بؤساً قط؟ فتقول بعد أن تغمس في الجنة غمسة: " لا والله يا رب! ما رأيت بؤساً قط ". لقد تبدد تعبك، بل تحول إلى فرحة وسعادة، فقد ثبت لك الأجر والثواب، وزادك الله من فضله فحينئذٍ تتمنى أن لو كنت بذلت أكثر وتعبت أكثر وأكثر في سبيل دينك، وسهرت أكثر وأكثر من أجل ربك، وسافرت وتركت من الدنيا أكثر، وضحيت في سبيل الله أكثر وأكثر، بل تتمنى كما يتمنى الشهيد أن لو عدت إلى الدنيا لتقتل في سبيل الله ثم تحيا ثم تقتل ثم تحيا ثم تقتل، لما رأيت من فضل الله وإكرام الله للشهداء.

اعلم أخي الداعية: أن من تعاطى أسباب الصبر رزقه الله الصبر، ومن تعاطى أسباب الوهن والجزع والخذلان أصيب بما تعاطى أسبابه {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [(33) سورة النحل]. فعليك أيها الداعية بالمصابرة صابر نفسك فترة من الزمان ستجد أنها أصبحت بعد ذلك من النفوس الصابرة، بل الراضية إن شاء الله، ولقد قال أحد السلف: " سقت نفسي إلى الله وهي تبكي فما زلت أسوقها حتى انساقت إليّ وهي تضحك ". فإذا اشتدت عليك المتاعب وكثرت عليك الأعباء وحدثتك نفسك الأمارة بالسوء أن تركن إلى الدنيا ولو لفترة أو وجدت نفسك الأمارة بالسوء تمردت عليك، فعليك أن تسوس هذه النفس حتى تسلم قِيادها لك ويسلس أمرها معك، وتستجيب لأمر الله وهي راضية بعد أن كانت كارهة.

سافر أحد طلاب "بشر الحافي" معه في أحد أسفاره، فعطش الرجل في الطريق فقال له: "نشرب من هذه البئر" فقال بشر: "اصبر إلى البئر الأخرى"، فلما وصلا إليها قال: "البئر الأخرى"، فما زال يعلل كلما جاء إلى بئر قال له البئر الأخرى.. ثم التفت إليه فقال له: "هكذا تنقطع الدنيا".

عليك أخي الداعية: أن تتأمل حياة الأنبياء والرسل عليهم السلام وهم صفوة الخلق وأكرمهم عند خالقهم وأحبهم إليه سبحانه، فقد ألقي في النار إبراهيم - عليه السلام -، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحي، ومكث أيوب في البلاء سنوات فقد فيها ماله وولده، وسجن في بطن الحوت يونس، وبيع يوسف بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين، ولبث بعد ذلك في السجن بضع سنين، كل ذلك وهم راضون بقدر الله، وراضون عن ربهم ومولاهم الحق. فكن يا أخي الداعية من الذين لا يزاحم تدبيرهم تدبير مولاهم، ولا يناهض اختيارهم اختياره سبحانه، فاختيار الله لعبده المؤمن هو أعظم اختيار، وهو أفضل اختيار مهما كان ظاهره صعباً أو شاقاً أو فيه هلكة للمال، أو ضياع للمنصب والجاه، أو فقدٌ للأهل والولد، أو حتى ذهاب للدنيا بأسرها.

أخي الداعية: إنما أنت همة عالية، ونفس تضيء، وهمة تتوقد، أنت لا تعيش لنفسك، ويجب أن تقنع نفسك أنك لا تعيش لها. جد تجد، ليس من سهر كمن رقد، هذا دبيب الليالي يسارقك أنفاسك، وسلع المعالي غاليات الثمن، انظر لنفسك واغتنم وقتك، فالدواء قليل، والطريق طويل، والخطر عظيم، والعقبة كؤود، والناقد بصير.

أخي الداعية: خض ميدان التنافس، وأت بجديد، فإن قال لك البطالون والمثبطون لو تفرغت لنا، فاقرع أسماعهم بصوت عمر بن عبد العزيز: وأين الفراغ؟ والله لا مستراح للمؤمن إلا تحت شجرة طوبى.

استرجع بذاكرتك قصة غزوة بدر وتفكر فيها جيداً، فلقد أحب بعض الصحابة - رضي الله عنهم- وقتها الظفر بالعير، ولكن الله اختار لهم اختياراً أعظم من اختيارهم وأفضل منه، لقد اختار لهم النفير، وفرقٌ بين الأمرين عظيم، عِظَم ما بين الثرى والثريا! فماذا في العير! إنه طعامٌ يؤكل ثم يذهب إلى الخلاء، وثوبٌ يبلى ثم يلقى، ودنيا زائلة. أما النفير فمعه الفرقان الذي فرق الله به بين الحق والباطل، ومعه هزيمة الشرك واندحاره وعلو التوحيد وظهوره، ومعه قتل صناديد المشركين الذين يقفون حجر عثرة أمام الإسلام، ذلك الدين الوليد في جزيرة العرب ومعه، ومعه، ومعه، ويكفي أن معه: " إن الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". وصدق الله تعالى إذ يقول: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [(7) سورة الأنفال].

اعلم أخي الداعية: أن الدين لا يقوم إلا على أكتاف أولي العزمات من الرجال، ولا يقوم أبداً على أكتاف المترخصين والمترفين وحاشاه أن يقوم على أكتافهم، فالدين العظيم لا يقوم إلا أكتاف العظماء من الرجال، المسؤولية الجسيمة التي ناءت بحملها السموات والأرض لا يمكن أن يقوم بها إلا أهلها ورجالها. كيف يقوم الإسلام دون عزمة كعزمة أنس بن النضر الذي قال فيها: " لئن أشهدني الله قتال المشركين لأُري الله ما أصنع "، فشهد أحداً وقاتل حتى وجد بجسده وهو ميت بضع وثمانون طعنة وضربة حتى أن جسده قد مزق تمزيقاً فلم يعرفه أحد سوى أخته عرفته ببنانه. وكيف يقوم الإسلام ويعود إلى سالف مجده وعزه دون عزمة كعزمة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - يوم الردة إذ أقسم ذلك الشيخ الكبير قائلاً: " والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعه ". وقائلاً: " والله الذي لا إله غيره لو جَرَت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رددت جيشاً وجهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا حللت لواءً عقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". كيف يقوم الإسلام ويعود إلى سالف مجده وعزه دون عزمة كعزمة مصعب بن عمير، تلك العزمة التي جعلته يهجر حياة الشباب والرفاهية ونقلته إلى حياة الخشونة والفقر، تلك العزمة التي جعلت مصعباً سبباً في إسلام أكثر أهل المدينة حتى أنك تلمس من قصة حياة مصعب بن عمير أنه صاحب عزمة حتى في مماته، ألا ترى أنه قطعت يده اليمنى وهو يحمل اللواء بها، فحمله بيده اليسرى فقطعت، فحمله بعضديه، كل ذلك وابن قمئة اللعين يضربه بالسيف حتى قتل - رضي الله عنه ورحمه- ، بل إنك قد تشعر وكأن هذه العزمة مستمرة معه حتى بعد موته، فمصعب بن عمير المترف لا يجدون له بعد موته سوى ثوب، إن غطوا به رأسه بدت رجلاه، وإن غطوا به رجليه بدت رأسه! فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغطوا رأسه بالثوب ويضعوا شيئاً من نبات الأذخر على رجليه. كيف يقوم للإسلام قائمة ويعود إلى سالف مجده وعزه دون عزمة مثل عزمة صلاح الدين الأيوبي، تلك العزمة التي حطم بها الصليبيين في حطين، وأعاد الأمة الإسلامية إلى عقيدتها الصحيحة بعد أن كادت تغرق في بحر لجيّ من بدع الشيعة وضلالات الباطنية، ما أحوج الأمة إلى مثل عزمة صلاح الدين التي جعلت هذا السلطان العظيم يترك حياة القصور والأبهة والترف ويرضى بالعيش في خيمة تحركها الريح في العراء ويظل حياته كلها يتحمل حر الصحراء وقيظها في الصيف، وبردها وريحها وثلجها في الشتاء وغيره من المجاهدين، وما أروع ما قاله في حقه المؤرخ ابن شداد في كتابه النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية: " لقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً بحيث ما كان له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في آلاته، ولا كان له اهتمام إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى من يذّكره ويحث عليه، ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر بلاده، وقنع من الدين بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة ".

إن العزمة التي نريدها منك أخي الداعية عزمة شاملة، عزمة في العلم والعمل، عزمة في الدعوة والجهاد، عزمة في الإيمان واليقين والصبر والرضا، عزمة في الحسبة والصدع بالحق، عزمة في إصلاح النفس وهداية الخلق. إننا لا نريدها عزمة ناقصة تقتصر على مجال واحد، بل نريد ذلك الذي سمت همته في شتى مجالات العمل الإسلامي، وليس في مجال دون مجال، أو في ناحية على حساب أخرى، نريد عزمة كاملة شاملة تامة. وليس هناك أبلغ مما قاله الإمام ابن القيم - رحمه الله - في كتابه طريق الهجرتين: " ومنهم السالك إلى الله في كل واد، الواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قِبلة قلبه ونصب عينه يؤمها أين كانت ويسير معها حيث سارت، قد ضرب مع كل فريق بسهم فأين كانت العبودية وجدته هناك، إن كان علم وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو محبة ومراقبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها، ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها. لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي، حيث كانت وأين كانت، جالبةً ما جلبت، مقتضيةً ما اقتضت، جمعتني أو فرقتني، ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها، مراقباً له فيها، عاكفاً عليه بالروح والقلب والبدن، قد سلّمت إليه المبيع منتظراً منه تسليم الثمن {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [(111) سورة التوبة]. انتهى...

إن النفس الإنساني لا بد لها أن تتحرك فإذا هي كفت عن الشر ولم تتحرك للخير، بقى فيها فراغ وخواء، قد يردها إلى الفساد والعياذ بالله. إن كل واحد منا سائر لا واقف إما يميناً أو شمالاً، أو أماماً أو خلفاً، ليس هناك وقوف البتة، إنما هي مراحل تطوى إلى الجنة. مسرع ومبطئ، متقدم ومتأخر " لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ".

إنه لا تمام لحقيقة الإيمان في القلب، حتى يتعرض القلب للمجاهدة في هذا الدين بدءاً من كراهية الباطل، إلى السعي في الإصلاح، إلى نقل الناس من الغواية إلى الهدى، إنها باختصار الدعوة إلى الله، التي تغير ماهية الشيء فتجعل من الرجل غير الرجل، ومن القلب غير القلب، تجعل صاحبها كالنحلة، لا تأكل إلا طيباً ولا تخرج إلا طيباً، وإذا وقفت على عود لم تكسره. بل مثل النخلة، ما أخذت شيئاً منها إلا نفعك. إننا على ثقة بالله -عز وجل-، وإنه ما يزال في الأمة رجال.

على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها *** وتصغر في عين العظيم العظائم

الوصية الثانية:

اعلم أخي الداعية: إن الدعوة إلى الله ليس نشاطاً من الأنشطة تمارسه في أوقات فراغك وتتركه ساعة شغلك.. كلا!! إن الدعوة إلى الله أعظم وأجل من ذلك بكثير، وقضية انتمائك لهذا الدين أكبر من ذلك بكثير، فالإسلام ليس من الأنشطة كالنشاط الثقافي أو الرياضي أو الكشافة تمارسه وأنت طالب وتتركه حين تتخرج، أو تمارسه وأنت أعزب وتتركه بعد الزواج أو تعطيه وقتك قبل الوظيفة فإذا ما صرت موظفاً تركته وأهملته، حاشا وكلا أن تكون الدعوة إلى الله كذلك.

اعلم أنك وقف لله تعالى، فإذا لمع لك فجر الأجر، فليهن عليك ظلام التكليف، إذا ضاق عليك طريق، فشق لنفسك ألف طريق، إذا أُغلق دونك باب، فافتح لنفسك ألف باب، ولن تُعدم وسيلة، قدم من وقتك يومياً ولو بضع ساعات تثقل بها موازينك يوم القيامة. إذا بزغ لك نجم الهمة في ظلام ليل البطالة فأردمه بقمر العزيمة، لتشرق الأرض بنور ربها.

إن قضية العمل للإسلام والانتماء له هي قضية عبوديتك الحقة لله - عز وجل -، فلن ينخلع المسلم عن العمل للدين بمقتضى عبوديته لله إلا مع آخر نفسٍ يخرج منه في هذه الحياة قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [(99) سورة الحجر]. ولقد فهم سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- هذه الحقيقة البسيطة والهامة في دين الله - عز وجل - فوجدنا أن عمّار بن ياسر كان يقاتل في سبيل الله وهو في التسعين من عمره! وأقول كان يقاتل ولم أقل كان يدعو أو يعلم الناس أو يقوم بالحسبة فقط ولكن كان مع ذلك كله يقاتل في سبيل الله وهو في ذلك العمر الذي يرق فيه العظم ويهن فيه الجسم ويشيب فيه الشعر وتضعف فيه القوى. وكان أبو سفيان بن حرب يحرض المقاتلين على القتال وقد جاوز السبعين من عمره، وكذلك اليمان وثابت بن وقش قاتلا في غزوة أحد بالرغم من سنهما الكبير وقد جعلهما النبي - صلى الله عليه وسلم - في مؤخرة الجيش مع النساء، ولماذا نذهب بعيداً؟ فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبع وعشرين غزوة وتلك الغزوات كلها غزاها بعد أن جاوز الرابعة والخمسين من عمره الشريف، بل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد غزوة تبوك وقاد المسلمين فيها وكانت من أصعب الغزوات وأشدها عليهم وقد بلغ الستين من عمره - صلى الله عليه وسلم -. فما بالنا اليوم نرى الكثير يتركون العمل للإسلام بعد التخرج أو الزواج أو الوظيفة أو غيرها!! فليعلم هؤلاء أن أمر الدين ليس عبثاً أو لهواً {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [(15) سورة النور]. إن عاقبة النكوص وخيمة لاسيما لمن عرف الحق ثم انصرف عنه، ولمن ذاق حلاوة الحق ثم انغمس في الباطل {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [(10) سورة الفتح]. إن قضية العمل للإسلام قضية خطيرة، وللأسف قد ينظر إليها البعض ممن يشاركون وكأنها شركة تجارية، فما أن تنفض الشركة وتنتهي الأعوام الدراسية في الجامعة مثلاً أو تنتهي فترة الزمالة والصداقة مع فلان أو فلان لتنتهي القضية برمتها!!

إنك تسرّ كثيراً عندما ترى مئات الشباب وربما آلافاً أحياناً في بعض المحاضرات أو المناسبات، لكنك إذا ما ذهبت تعد العاملين منهم الذين يعملون للدعوة بجد واجتهاد وعزيمة، ممن يصدق عليهم فعلاً مسمى العاملين للإسلام فإنهم لن يجاوزا العشرات، فأين هذه الآلاف والمئات من العمل والبذل والعطاء؟ أين هم من ميادين الدعوة والحسبة والجهاد؟ إنهم يلعبون دور المتفرج فحسب ويكتفون بذلك؛ لأنهم اكتفوا بدرجة انتقالهم من الجاهلية إلى الالتزام بالإسلام، ثم بعد ذلك توقفوا عند هذه الدرجة فلا يرون مفارقتها إلى درجات أخرى، أو حتى بدرجة إعداد أنفسهم للبذل والعطاء في مجالات العمل الإسلامي المختلفة، وإذا سألت أحدهم عن عطائه للإسلام وعمله في سبيل الدين فإنك تجده مستمع فقط فهو يحضر وكفى، سلبي لا عطاء له، مقصر حتى في مجال إعداد نفسه يمر عليه العام وأكثر ولم يقرأ سوى كتاب أو كتابين من الكتب النافعة التي يجب على مثله أن يقرأ مثلها في أسبوع. إن هذه المشكلة تضيّع على الإسلام آلاف الطاقات التي كان يجب أن تتفجر في ميادين العمل الإسلامي المختلفة. إن هؤلاء الذين لا يعطون للإسلام إلا الفضلة من أوقاتهم، والقليل من أموالهم، والضعيف من جهودهم، هؤلاء لا بد أن يعلموا جيداً أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وكما أن الله لا يقبل الرديء من الطعام إذا تصدقت به فكذلك لا يقبل منك الرديء من العمل إذا اخترت أن تعطيه للإسلام قال الله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [(267) سورة البقرة].

إن الإسلام أخي الداعية يريد منك جل وقتك وأكثر مالك وزهرة شبابك، إنه يريدك كلك، يريدك في وقت نشاطك لا في وقت خمولك، يريدك في وقت شبابك وقوتك وصحتك قبل هرمك، إنه يريد من كل شيء منك أطيبه وأحسنه وأجله وأعظمه. ألا ترى أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - تصدق بماله كله في سبيل الله، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((وماذا تركت لأهلك يا أبا بكر؟ قال: "تركت لهم الله ورسوله")). ألا ترى أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - جهز جيش العسرة وحده، ولكم أن تتصوروا رجلاً واحداً يجهز جيشاً كاملاً بسلاحه وعتاده وخيله ودوابه وزاده، وقد كان عدد الجيش يربو على عشرة آلاف مقاتل!! ولك أن تربط بين هذا العطاء العظيم وواقعنا الحالي.

إن الإسلام يريد ذلك الرجل الذي يعطي كل شيء لدينه، يعطي حياته ووقته وماله وبيته وسيارته وكل ما يملك، إننا نريد الرجل الذي يبيع نفسه لله بما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، نريد الرجل الذي يكون له في كل يوم عطاء جديد للإسلام.

إن الإسلام يريد اليوم من كل داعية وكل طالب علم أن يقول لنفسه: هل من الإنصاف أن أستريح وإخواني يتعبون؟ أو أترك العمل للإسلام وأنا أرى ما يعيشه المسلمون من محن قاسية وحرب ضروس مع أعدائهم؟ أن يقول لنفسه كما قال الصحابي الجليل أبو خيثمة يوم تأخّر عن اللحاق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تبوك فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الضّحّ والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم! ما هذا بالنّصَف. إن هذه الكلمات العظيمة يجب أن يقولها كل داعية لنفسه وأن يحدث بها نفسه دائماً.

أخي الداعية: إن عجلة عملَك للإسلام إذا دارت فإياك ثم إياك أن توقفها لحظة بحجة أو بأخرى، فإنك إن فعلت أوشَكَت أن لا تدور أبداً، وإن دارت بعد ذلك دارت بمشقة، فالحسنة تدل على أختها، والطاعة تدعو إلى شقيقتها، والبر يدعو إلى صنوه، والكسل والبطالة كذلك. تذكّر دوماً أنك على ثغر من ثغور الإسلام فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك، فمن ترك ريّ زرعه مرة أو مرات قليلة فسدت وما صلح لها ثمر، صِل أخي الداعية ليلك بنهارك وصباحَك بمسائِك وصيفك بشتائك، فأين المقتدون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وأين وارثو النبوة؟ وأين السالكون لطريقه المقتفون لأثره؟ ((فحقاً الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة)) كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإننا في كل هذا نبحث عن تلك الراحلة التي تتحمل عناء الطريق وقسوة الطقس، وقلة العلف، وثقل الحِمل.

إن الواقع الآن محتاج إلى كل جهد مهما ضئل حجمه وصغرت مساحته وقل عدده، فعند الله لا يضيع مثقال ذرة. {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [(7) سورة الزلزلة]. الأمة بحاجة إلى مضاعفة الجهد، وتكثيف العطاء، وترجمة الكلام إلى عمل. آفة الأمة، كثرة الشاكين المتوجعين، وقلة المداويين. كثرة من يسبون الظلام وقلة من يوقدون ولو شمعة، نعم لم يعد أحد هناك إلا ويشكو فمن المشكو منه إذن؟ إن علينا أن ننتقل من دائرة الشكوى إلى دائرة العمل المتواصل الدؤوب. لا ترضى أخي المسلم أن تكون من المتفرجين، تنتظر العمل من الآخرين، تنتظر حتى يأتي شخص من الخارج، فيصلح لك أوضاع بيتك بل يعمل الجميع وكل على قدر جهده وطاقته. من استطاع منكم أن يميط شوكة من طريق فليمطها، ومن استطاع منكم أن يبذر حبة فليبذرها، من كان عنده علم دعا به، ومن كان عنده مال دعا به، فالمسؤولية على الجميع، كل بحسبه. والأمة كلها مسؤولة عن فرائض الله وحدود الله وشرائع الله وتحكيم كتاب الله. إن المستمع عليه من المسئولية كما على المتكلم، مسؤولية تحويل الكلام إلى عمل، والأفكار إلى وقائع، وإن اختلفت درجة المسؤولية، المسلم مطالب بالعمل إلى آخر رمق، لو قامت الساعة وبيده فسيلة فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها.

فلينطلق كل فرد حسب طاقته *** يدعو إلى الله إخفاءً وإعلانا

ولنترك اللوم لا نجعله عدتنا *** ولنجعل الفعل بعد اليوم نيرانا

الوصية الثالثة:

فلنصدق مع الله..

إن صدق الداعية مع الله يعكس ذلك على دعوته ولا شك، فالمدعوين يرون بأعينهم ويستشعرون بقلوبهم ويحسون بنفوسهم صدق هذا الداعية ويرون ذلك في وجهه، فالعينان صادقتان، واللسان والشفتان كذلك، حتى الابتسامة صادقة، حتى أن البعض يقول: إنّ هذا الرجل صادق قبل أن يَسمع كلامه أو يحاوره. ألا ترى إلى ذلك ((الرجل الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "أنت محمد بن عبد الله"؟ قال: أنا الذي يزعمونني ذلك. قال: "والله ما هذا الوجه بوجه كذاب)). وأنت أخي الداعية كلما كان ميراثك من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن صدقه وإخلاصه عظيماً كلما كان حظك من هذا المعنى عظيماً. إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يورث ديناراً ولا درهماً، إنما ورث دعوة تبلّغ وعلماً تربي عليه نفسك وغيرك، وورث هدىً وتقوى وإيماناً وخشوعاً وإخلاصاً، وكلما كان حظك من ميراث النبوة عظيماً كان اهتداء الناس على يديك بأيسر سبيل ومن أقصر طريق، فهذا المدعو قد يلتزم بالإسلام والعمل به وله، بمجرد رؤيته لك، وآخر يهديه الله بمجرد جلوسك معه دقائق معدودات، وثالث يهديه الله على يديك لمجرد أن سلم عليك وسلمت عليه أو أكلت معه أو حتى ابتسمت له، ورابع يهديه الله على يديك بعد أن جالسك ساعة في سفر. ألا ترى أن عدّاساً مولى عتبة بن ربيعة أسلم على يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن سمع كلمتين اثنتين من الرسول - صلى الله عليه وسلم - هما "بسم الله" نطق بهما الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يمد يده إلى قطف العنب الذي جاء به عدّاس، فلما علم أنه بنيّ أكبّ عليه يقبل يديه ورجليه ويعلن انضواءه تحت راية الإسلام الحنيف. ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما وضع يده على قلب ذلك الشاب الذي كان يحب الزنا ويريد من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن له فيه، فبعد أن انتهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من رفع يده من على قلبه ودعا له بالعفة والعفاف أصبح الزنا أبغض شيء إلى ذلك الرجل بعد أن كان أحب شيء إليه. وكذلك المشرك الذي جاء من مكة إلى المدينة ليقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريض من صفوان بن أمية، فلما أخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما كان من أمره مع صفوان قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. وغيرهم وغيرهم كثير ممن يرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط، فتقع محبته في قلوبهم ويضحوا بعد ذلك بالغالي والرخيص والنفس والنفيس. وأنت كذلك أيها الداعية، كلما كان ميراث النبوة لديك كبيراً كان لك حظ وافر من ذلك كله، فرؤية وجهك قد تكون سبباً في الهداية، ودعاؤك للمدعو قد يكون سبباً في نقله من حال إلى حال، بل وابتسامتك الصادقة تكفي أحياناً من أن تكلم المدعو ساعات تستغرقها لتشرح له فكرك أو تبين له آراءك في شتى المسائل الهامة، فبضع دقائق منك كافية بأن توصل إلى قلب المدعو بعضاً من نور هدايتك، وميراث النبوة الذي يملأ قلبك وأن تشحن بطارية إيمانه الفارغة من بطارية إيمانك العامرة.

إن المؤمن ليزداد ميراثه من النبوة حتى يفوح عبير إيمانه وإخلاصه وصدقه فلا يقف عند المكان الذي يعيش فيه أو الزمان الذي كان يحيا فيه، بل يمتد أثره على الأجيال. ألا ترى أن أمثال مصعب بن عمير وزيد بن حارثة وقبلهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ما زالت ترن كلماتهم في آذان الأجيال المتعاقبة حتى يومنا هذا وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وكل ذلك وهم في قبورهم! ألا ترى أننا نعيش بقلوبنا وشعورنا وكل أحاسيسنا مع خالد بن الوليد حينما نقرأ سيرته ونشعر ساعتها وكأننا نعيش معه في ميدان القتال ونحارب معه ونجاهد معه، ألا ترى أن مجرد قراءتنا لسيرته تبعث في النفوس همة الجهاد وتجعل المرء يستعذب الشهادة في سبيل الله، ويكاد يطير شوقاً لذلك اليوم الذي يلقى فيه الأحبة محمداً وصحبه. فتُرى ما السر في هذا الرجل حتى يكون له ذلك التأثير العجيب في النفوس، في سيرته فحسب فكيف لو كنا رأيناه وقاتلنا تحت رايته؟ إن الزمان بقرونه الأربعة عشر لم يمح أثر خالد بن الوليد وكأنه ما زال حياً يقاتل على صهوة جواده ويكتسح دولتي فارس والروم، وهذا عمر بن عبد العزيز كلما قرأ الواحد منا سيرته خشع وبكى وعاش مع صفحات التاريخ وكأنه حي يجالسه ويكلمه، وأحب أن يعيد قراءة سيرته مرات ومرات دون ملل. وكل هؤلاء وغيرهم ممن على شاكلتهم قد أخلصهم الله بخالصة ذكرى الدار، وأصبحوا وهم في قبورهم دعاةً إلى الحق وهداةً إلى صراط الله المستقيم، تهتدي الأجيال على أيديهم وهم أموات في قبورهم كما اهتدت وهم أحياء، وأبى الله إلا أن يكرم أولياءه أحياءً وأمواتاً وفي الدنيا والآخرة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء لَمّا علم صدق ما في قلوبهم، وأنهم نظروا إلى الخالق ولم يهمهم ماذا قال أو سيقول المخلوق. فاحرص على هذا المعنى تكن من أهله فمن فاته ذلك الموطن العظيم وتلك الدرجة الرفيعة فقد فاته خير كثير.

إن الرجل ليصدق مع ربه ويخلص في سعيه من أجل التمكين للإسلام فيصدُق معه كل شيء، لا يصدق معه عمله ولسانه وجوارحه فحسب، بل يصدق معه سيفه وسلاحه وعدّته وعتاده. جاء في سيرة ابن هشام أنه ((لما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهله بعد غزوة أحد ناول سيفه لابنته فاطمة وقال لها: اغسلي عن هذا دمه يا بنيّة فوالله لقد صدقني في هذا اليوم. وناولها علي بن أبي طالب أيضاً سيفه وقال: وهذا فاغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقني اليوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لئن كنت صدقت القتال، لقد صدَقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة)).

إنما يكون صدق السيف بصدق صاحبه وإنما السيف بضاربه، وأحسن ذلك الشاعر حين قال في أبيات من معناه: ليس لسيف صلاح الدين سوى زند صلاح الدين وقلب صلاح الدين. فسيوف علي بن أبي طالب وأبي دجانة وسهل بن حنيف تختلف عن كافة السيوف. لقد اكتسب السيف الصدق من صاحبه وكذلك سيف صلاح الدين. فقد نجد اليوم سيفاً ولكن لا نجد أمثال هؤلاء الصادقين ليجعلوه صادقاً! وإن الرشاش بيد ابن الخطّاب ورفاقه تختلف عن أيّ رشاش حتى ولو كانت جميعاً من مصنع واحد، وإن الرصاصة التي تنطلق من هؤلاء تختلف عن غيرها، لماذا؟ نحسبهم والله حسيبهم أنهم صادقين، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. أطلق أحدهم رصاصة على أحد قادة الكفر فنقل للمستشفى فتعجب الأطباء والجراحون وقتها، بل وحتى رجال المعمل الجنائي حتى ظنوا أن هذه الرصاصة ليست من الرصاص العادي الذي يعرفونه، بسبب ما أحدثته هذه الرصاصة الوحيدة من الإصابات والكسور الخطيرة، إنها رصاصة عادية لكنها كانت رصاصة صادقة خرجت من بندقية صادقة يحملها رجل صادق مع ربه، مخلص لدينه ودعوته {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} [(17) سورة الأنفال] إننا قد نملك السيف، ولكن أين أمثال علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن الجراح وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل؟ إننا قد نملك السيف، ولكن أين صلاح الدين وقلب صلاح الدين وإخلاص صلاح الدين؟.

قيل لرجل: ارقِ فلاناً بالفاتحة فإن عمر بن الخطاب كان يُرقي بها فيَشفى المريض، فقال: هذه الفاتحة ولكن أين عمر؟.

إن الرجل ليصدق مع ربه ويصدق في دعوته فينعكس ذلك الصدق على كل شيء حتى على دابته التي يركبها، وكأن الصدق قد انتقل منه إلى تلك الدابة العجماء أو تلك السيارة الصماء التي يتحرك بها في سبيل الله. هل تريد أن تدرك شيئاً من هذا المعنى؟ اسمع لخبر الأشقر فرس خالد بن الوليد. قال رجل لخالد بن الوليد: " ما أكثر الروم وما أقل المسلمين"! فقال خالد: "ما أقل الروم وأكثر المسلمين! إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر براء من توجّيه وأنهم أُضعِفُوا في العدد ". وكان فرسه - رضي الله عنه - حفي في مسيره، فالأشقر قد تعلّم الصدق في الجهاد من صاحبه، فلكم قاتلا سوياً، ولكم قطع الأشقر بخالد آلاف الأميال جهاداً في سبيل الله، بل إن خالداً قد قطع دولتي فارس والروم ممتطياً صهوة الأشقر، متنقلاً من أقصى البلاد إلى أقصاها، ومن نصرٍ إلى نصر دون كلل أو ملل أو راحة، بل إنه اقتحم بالأشقر الأهوال، وسار به الليل والنهار، وجاز به البراري والقفار، وهزم به الصناديد والأبطال، حتى أن قَدم الأشقر قد رقّت من كثرة سيره، فتمنى خالد أن لو شُفي الأشقر من مرضه وبرئ من سقمه حتى لو تضاعف عدد الروم! فإن ذلك العدد لا يثبت أمام صدق الأشقر في الجهاد، وهكذا كانت خيول المسلمين ودوابهم. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ((حينما قال لأصحابه بعد أن قالوا: خلأت القصواء. فقال: " ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)). أما إذا قلّ صدق الداعية مع ربه أو كثرت معاصيه، وكثر تعثره فإن ذلك ينعكس على كل شيء حتى على دابته. وصدق من قال من السلف: " إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق زوجتي ودابتي ".



الوصية الرابعة:

احذروا أيها الدعاة المعاصي..

المعاصي أيها الدعاة يقسي القلب، ويوهن البدن ويضعف الحفظ والاستيعاب، ويُذهب الحياء والغيرة، ويضعف تعظيم ووقار الرب وربما ينكّس القلب ويُزِيغه عن الحق، ويؤدي إلى حرمان العلم النافع، ويورث الوحشة في القلب وضيق الصدر. المعاصي تعد خيانة للجوارح التي خلقها الله لتستعمل في طاعته. المعصية تذل أعناقاً طالما ارتفعت، وتخرس ألسناً طالما نطقت، وتصم آذاناً طالما استمعت، وتفرق أسراً وتمزق جموعاً طالما اجتمعت.

احذر أيها الداعية من المعصية، فإن لها حامياً غيوراً يراقب السر وأخفى ويعلم خائنه الأعين وما تخفى الصدور. المعصية أضر على الداعية من ضرر السم في جسده. يقول ابن عباس - رضي الله عنهما-: "إن للحسنة ضياءً في الوجه ونوراً في القلب وسعةً في الرزق وقوةً في البدن ومحبةً في قلوب الناس، وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمةً في القبر والقلب، ووهناً في البدن ونقصاناً في الرزق، وبغضاً في قلوب الناس". كيف يريد الداعية أن يؤثر في الناس وقلوب الناس تبغضه، كيف يريد الداعية أن يتقبل الناس كلامه وقلوبهم تنكره، بسبب المعاصي.

رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانها

فترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسك عصيانها

فيا ليت أن ذوى الصدارة، ومن هم في مكانة التوجيه والتربية لغيرهم يدركوا أن للمعاصي خطراً كبيراً على قلوبهم، وعلى علمهم، وعلى طلاقة لسانهم، وأنها من أقوى الأسباب في نفرة الناس من صاحبها، بل وانتزاع حبه من نفوسهم وصدق الله العظيم: {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} [(18) سورة الحـج] قال الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [(40) سورة النــور].

وعندما نقول المعاصي، فليس المقصود شرب الخمر أو السرقة أو الكذب أو الزنا، فهذه كبائر، ولا شك أن الشاب الملتزم فضلاً عن الداعية أبعد ما يكون عن الكبائر. ولكن عندما نقول ترك المعاصي، فالحديث ينصبُّ على الصغائر، حتى الصغائر لا تليق بالشاب الملتزم فضلاً عن الداعية.

هناك أيها الدعاة معاصي لا ننتبه لها ولا نشعر بأننا قد وقعنا فيها وهي المعاصي المعنوية. هل تعلم بأن عدم التفكر والتدبر في مخلوقات وآيات الله معصية. ثم هل تعلم بأننا معاقبون على فعلنا هذه المعاصي ولكننا أيضاً لا نشعر ولا نعلم بأننا معاقبون. نصلي ولا نشعر بالخشوع - هذه عقوبة - نقرأ القرآن ولا نتأثر - هذه عقوبة - نسمع القرآن ونمر بآيات الوعيد فلا نبكي - هذه عقوبة - لا نتألم حقيقة بآلام وأوضاع وأحوال المسلمين – هذه عقوبة -.

إن الذين يحملون رسالة الإسلام أولى الناس بتقوى الله والانصراف عن الصغائر والمشتبهات فضلاً عما فوقها، فهم الذين ينهون عنها فكيف يقترفونها؟ أضف إلى ذلك الفتنة التي تحدث لعوام المسلمين إذا عرفوا ذلك، وهم عارفون لا محالة وضياع مرتبة القدوة والأسوة التي يجب أن يتحلى بها، ومن أجل ذلك وغيره قال الله تعالى: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[(209) سورة البقرة]. المعاصي سبب كل بلاء فما نزل بلاء إلا بذنب، وفي الحديث: ((إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه)) لكن أين من الدعاة من يشعر بذلك. انقطع نعل أبي عثمان النيسابوري في مُضيّه إلى الجمعة، فتعوق لإصلاحه بعض الوقت ثم قال: "ما انقطع إلا لأني تركت غسل الجمعة".

قال ابن الجوزي - رحمه الله -: "ومن عجائب الجزاء في الدنيا: أنه لمّا امتدت أيدي الظلم من أخوة يوسف وشروه بثمن بخس، امتدت أكفهم بين يديه بالطلب يقولون: وتصدق علينا ".

وقد تكون العقوبة معنوية، فرب شخص أطلق بصره فيما حرمه الله عليه فحَرَمَه الله نور بصيرته. أو أطلق لسانه فحرمه الله صفاء قلبه. أو آثر شبهة في مطعمه فأظلم قلبه وحُرم قيام الله وصلاة المناجاة.

وقد يرى العاصي سلامة بدنه وماله وأهله فيظن أن لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة. ويكفيه أن حلاوة اللذات قد استحالت علقماً وحنظلاً، ولم يبق معه إلا مرارة الأسف والهم والغم والندم. وقد يكون من نتيجة المعصية أن يجعل الله له بغضاً في القلوب وصدوداً عن دعوته بغير سبب ظاهر. فقد قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: " إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر ".

وقد لخص الإمام ابن القيم - رحمه الله - في كتاب الفوائد آثار المعاصي تلخيصاً جميلاً حيث قال معدداً آثار المعاصي: قلة التوفيق، وفساد الرأي وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت، وطول الهمّ والغمّ، وضنك المعيشة.

قيل لبعض السلف: " أيجد لذة الطاعة من عصى؟ قال: ولا مَن هَمّ ".

قال ابن الجوزي - رحمه الله -: " من تأمل ذلّ إخوة يوسف - عليه السلام - يوم قالوا: وتصدق علينا. عرف شؤم الزلل، وذلك رغم توبتهم؛ لأنه ليس من رقع وخاط كمن ثوبه صحيح، فرب عظمٍ هيّنٍ لم ينجبر فإن جُبر فعلى وهنٍ ". فاحذروا أيها الدعاة شرارة تُستصغر، فربما أحرقت بلداً! فيا من عَثَرَ مراراً هلا أبصرت ما الذي عثرك؟

وقد يمتد شؤم المعصية الشخص نفسه لينال المجموعة الصالحة، أو يلحق بهم هزيمة في أي جانب، أو يكون سبباً في ابتلاء شديد، وخاصة إذا كانت هذه المعصية من الكبائر، أو حدثت من أهل الريادة، أو من هو محل أسوة وقدوة، أو لم يتم إنكارها إنكاراً شرعياً كاملاً من ذوي الشأن بعدما عُلمت، أو لم تصدق التوبة النصوح منها وصدق الله العظيم حيث يقول: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}[(25) سورة الأنفال]. وإذا تأملنا في غزوة أحد، وجدنا أن السبب في هزيمة المسلمين فيها هو شؤم معصية بعض الرماة، لا يمثل عددهم أكثر من 4% من مجموع جيش المسلمين في أحد، فماذا كانت نتيجة تلك المعصية؟ قتل سبعون من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبقرت بطونهم، وجدّعت أنوف بعضهم وآذانهم، وجرح الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وشجّ وجهه الشريف وكسرت رباعيته، ورغم ذلك كله فقد عفا الله عنهم كما أخبر سبحانه بقوله {وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ} [(152) سورة آل عمران] وقد سَأل رجل الحسن البصري - رحمه الله -: "كيف عفا الله عنهم وقد قُتل سبعون منهم؟" فقال الحسن: " لولا عفوه عنهم لاستأصلهم ". وكل ذلك من شؤم المعصية وسوء عاقبتها.

فنسأل الله السلامة والعافية، كما نسأله أن لا يفضحنا لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأن يستر عيوبنا وتقصيرنا ومعاصينا إنه سميع قريب مجيب.

الوصية الخامسة:

الدعاة وقيام الليل..

من العجيب أن ترى رجلاً يعمل للإسلام ولا حظ له من قيام الليل! كيف تكون هذه المعادلة الصعبة؟ إن قيام الليل ضرورة أساسية لكل مسلم، فكيف بمن يعمل للإسلام ويحمل تبعات الدين الثقيلة من دعوة وحسبة وجهاد وصدع بالحق؟! ألم يقل الله في كتابه: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [(1-4) سورة المزمل]. لماذا كل هذا؟ تأتي الإجابة سريعاً {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [(5) سورة المزمل] أمانة صعبة، وتكاليف شاقة، وأوامر تحتاج إلى عزمات قوية وهمم عالية، إنها أمانة أبت السموات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها وألقيت على كاهل الإنسان، فمن ذا الذي يطيق القيام بواجبات الدعوة والتربية والحسبة والجهاد دون أن يكون له زادٌ يتزود به ويستعين به على قطع الطريق إلى الله؟ إنه سينقطع في منتصف الطريق ويهلك في المفازة قبل الوصول. إن مدرسة قيام الليل هي أعظم مدرسة يتربى فيها المسلم، ويتعرف فيها على ربه، ويعرف من خلالها أسماء الله وصفاته بكل ما تعني الكلمة من معاني. إنها مدرسة الخشوع والخضوع والتذلل والإنابة لله - عز وجل -، ومن أجل ذلك فإن جميع الشرائع بغير استثناء كان قيام الليل جزءاً منها. اعلم أخي الداعية أن ذُلّك بالليل هو سبيل عزك بالنهار وسجودك وخضوعك بالليل هو سبيل كرامتك بالنهار، وسبيل نصرك على أعدائك وتو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
زوزو
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 888
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: وصايا للدعاة وصايا للدعاة الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد   السبت 9 مارس - 21:04

اعلم أخي الداعية أن ذُلّك بالليل هو سبيل عزك بالنهار وسجودك وخضوعك بالليل هو سبيل كرامتك بالنهار، وسبيل نصرك على أعدائك وتوفيقك في دعوتك واحتسابك وجهادك.
إن قيام الليل هو ملاذ كل من يعمل للإسلام حينما تواجهه المشاكل وتقف أمامه العقبات، أو يقابل بالصدود والنكران، أو تصيبه المصائب، أو يتسلط عليه العدو، فإنه يقف بين يدي ربه ومولاه الذي بيده كل شيء والذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
ليعلم كل داعية أن خشوعه لله بالليل هو الذي سيفتح له مغاليق الأمور، ويفتح له مغاليق القلوب، وهو سبب قوي؛ لأن يضع الله له القبول في الأرض، فيهتدي الناس به مع أقل جهد وأبسط سبب، وفي بعض الأحيان دون سبب ظاهر، فمن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله.
إن قيام الليل أخي الداعية هو المدرسة الأساسية التي ستعلمك رقة القلب وتربي عينيك أن تسح دموع الأوبة والخشوع لله، وستعطيك قوة جديدة في العمل للإسلام، وزاداً عظيماً من التوكل على الله، وستهبك شجاعة في مواجهة أعداء الإسلام. إن قيام الليل هو شجرة عظيمة وارفة الظلال تظل على القلب والجوارح معاً، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها...
كلمةٌ أخيرة: لا عمل أنفع للمسلم من عمل يقضيه في الدعوة إلى الله، بياناً باللسان، وجهاداً باليد، ونفقة من العلم والمال والوقت فكل مسلم على ثغر من ثغور الإسلام، أياً كان تخصصه ومستواه، فالله الله أن يأتي الإسلام من قبله، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، همه أداء الواجب والمشاركة حسب طاقته {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [(286) سورة البقرة]. وإياك ثم إياك أن ترضى بحياة الذل والمسكنة والعبودية لغير الله فإن المسلم ينبغي له أن يأبى ذلك.
لعمري لئن لم يدرك الأمر أهله *** وشيب بمحراب الرسول قلوبهم
فإن الرحى لن يخطئ الحبّ طحنها *** شباب بسيف العصر دوماً مدججٌ
وألبابهم في موكب العلم هودج *** ولله ناموس من العدل أبلج
والله أعلم، والحمد لله أولاً وآخراً، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: وصايا للدعاة وصايا للدعاة الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد   الأحد 10 مارس - 7:03

جزاكم الله خير الجزاء موضوع شامل
نسأل الله أن يرفع قدركم
ويعلي شأنكم ويغفر ذنبكم
ولا حرمكم الله الاجر




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابوتوفيق
مراقب
مراقب


وسام التواصل

وسام الحضور المميز

اوفياء المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 1438
تاريخ التسجيل : 05/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: وصايا للدعاة وصايا للدعاة الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد   الثلاثاء 19 مايو - 10:02

-------------------------------------------
جزاكم الله كل خير
وبارك فيكم
وأحسن إليكم فيما قدمتم
دمتم برضى الله وإحسانه وفضله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
وصايا للدعاة وصايا للدعاة الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: