منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 دبلوماسية النبي مع الزعماء .. خلق نبوي أمر إلهي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: دبلوماسية النبي مع الزعماء .. خلق نبوي أمر إلهي    السبت 30 مارس - 20:30

دبلوماسية النبي مع الزعماء .. خلق نبوي أمر إلهي
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
دبلوماسية النبي مع الزعماء .. خلق نبوي أمر إلهي

دبلوماسية النبي الزعماء نبوي إلهي راغب السرجاني

المبحث الأول: روعةُ الدبلوماسية أمرٌ إلهي!

لعل العجب من روعة دبلوماسية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكمال أخلاقه يزول عندما نعلم أن هذه الأخلاق السامية ما هي إلا جزء لا يتجزأ من دين الإسلام، وأمر واضح تمام الوضوح من رب العالمين، إن الله تعالى علَّمنا أن نحسن الحوار مع مَن خالفنا، وألا نُجَرّ أبدًا إلى سفاسف الأمور، أو مساوئ الأخلاق مهما كانت الظروف، وللنظر إلى التوجيهات الربانية الراقية التي تهدي إلى هذا الطريق. يقول تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 24 - 26].
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم على وجه اليقين أنه على الحق والهدى، ومع ذلك أمره الله في تحاوره مع المشركين أن يقول لهم: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24]. إنها الأرضية المشتركة التي نقف عليها.. أحدنا على حق والآخر على باطل، فلنتناقش ولنتحاور حتى نصل إلى الحقيقة الغائبة.. إنها طريقة الحوار المثلى، وغاية الأدب، ومنتهى سموِّ الأخلاق. ثم يعلِّمه الله أن يخاطبهم في أدب جم فيقول لهم: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 25، 26].
إنه ينسب لفظ "الجُرْم" إلى نفسه، وهو عادة يأتي في الأخطاء والزَّلاِّت، وينسب لفظ "العمل" لهم، وهو يحتمل الصلاح أو الفساد. ثم إنه يُسَلِّم الأمر كله لله تعالى، فيقول: إن الله تعالى سيجمع بيننا جميعًا يوم القيامة، ويحكم بيننا بالحق الذي يراه، فنعرف ساعتها من الذي أصاب ومن الذي أخطأ.. إنها أرقى وسيلة ممكنة من وسائل التحاور، لا تحمل أي صورة من صور العصبية والتَّزمُّت، إنما فيها كل الأدب، وكل التقدير للطرف الآخر. ومثل هذا يقال على ما جاء في القرآن محدِّدًا طريقة الحوار مع أهل الكتاب. قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46].
يا لَروعةَ الأسلوب! إنه لا يطلب منا أن نتحاور مع أهل الكتاب بأسلوبٍ حَسنٍ فقط، بل يطلب منَّا دائمًا أن نبحث عن الأسلوب الأحسن والأفضل والأجمل..
هل هناك في تشريعات الأرض، وفي أقوال الفلاسفة ما يقترب من هذا الجمال الأخلاقي؟!
ثم انظر إلى تقريب العقول وترقيق القلوب، حين يقول: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] إنه يبعث في أهل الكتاب هِمَّة التعاون والتآلف لا التنافر والتباغض، إنَّ إلهنا واحد، وقد أنزل إلينا وإليكم كُتبًا كريمة نؤمن بها جميعًا، فلماذا الشقاق والخلاف؟!
وعلى هذا النسق راجِع الآيات القرآنية لتستمتع بالكنوز الأخلاقية..
يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].

ويقول تعالى: {ودَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109].
وحَصْر مثل هذه الآيات يصعب لكثرتها.. وسبحان الذي جمَّل هذا الشرع وأتقنه، حتى خرج إلينا على صورة يعجز البيان عن وصفها!

المبحث الثاني: دبلوماسية النبي صلى الله عليه وسلم مع الزعماء


إذا كانت أحكام الإسلام رائعة في منطقها وشكلها وصياغتها، فإن الأروع من ذلك أنها بكاملها قابلة تمامًا للتطبيق الفعلي في حياة الناس، ولقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم خير دليل على صلاحية هذا المنهج الرباني لحُكْم حياة البشر. ولننظر إلى هذه القواعد المثالية في تعامله صلى الله عليه وسلم مع زعماء الأعداء، وذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول: حسن الاستماع إلى رأيهم
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع إلى مخالفيه بل يُنصت، حتى لو كانت عروضهم غير مقبولة عقلاً أو شرعًا، فكان يعطيهم فرصة الكلام والتعبير عن الرأي؛ لتتاح له بعد ذلك فرصة الكلام وشرح ما يدعو إليه..
انظر إلى هذا المثال الرائع في التحاور مع زعماء المشركين، وذلك عندما دار حوار راقٍ بينه صلى الله عليه وسلم وعتبة بن ربيعة من كبار سادة قريش.. يقول عتبة بن ربيعة وهو يساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك الإسلام: "يا ابن أخي، إنك منَّا حيث قد علمت من السِّطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعِبْتَ به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به مَن مضى مِن آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها"؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قلْ يَا أبا الوليد أسمعْ". قال: "يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا؛ حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا؛ حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإنْ كنت تريد به مُلكًا ملَّكناك علينا، وإنْ كان هذا الذي يأتيك رِئيًا تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نُبْرِئك منه؛ فإنَّه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُدَاوى منه".
حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: «فاسمعْ مني». قال: أفعل. فقرأ صلى الله عليه وسلم: {بسم الله الرحمن الرحيم* حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 1 - 5]. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك». فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: "نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به". فلما جلس إليهم قالوا: "ما وراءك يا أبا الوليد؟" قال: "ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشِّعْر ولا بالسِّحر ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني، واجعلوها بي، وخَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليَكُونَنَّ لقوله الذي سمعتُ منه نبأٌ عظيم، فإن تُصِبْهُ العرب فقد كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وإن يظهر على العرب فمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وعِزُّه عِزُّكُمْ، وكنتم أسعدَ الناس به"، قالوا: "سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه!!" قال: "هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم".
وهذا الحوار في غاية الأهمية؛ ويعتبر دستورًا في الدبلوماسية والتفاوض، فعلى الرغم من أن عتبة بن ربيعة كان قد قدَّم كلامه بمجموعة من التهم الموجهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل على هدوء أعصابه، ولم ينفعل، إنما واصل الاستماع في أدب واحترام، وعندما قال عتبة إنه سيعرض أمورًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبِل ذلك، بل قال: قل يا "أبا الوليد" اسمع.. فهو يُكَنِّيه بِكُنْيَتِهِ، أي يُناديه بأحب الأسماء إليه ويلاطفه ويرقق قلبه، ولما عرض عتبة بن ربيعة الأمور التي جاء بها لم يقاطعه النبي صلى الله عليه وسلم مع سفاهة العروض وتفاهتها، بل إنه صبر حتى النهاية وقال في أدب رفيع: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم.. قال صلى الله عليه وسلم: «فاسمع مني»..
لقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرصة كاملة لعتبة لكي يتكلم ويعرض وجهة نظره، وبعد انتهائه تمامًا بدأ هو في الكلام؛ ليضرب لنا بذلك أروع الأمثلة في التحاور مع الآخرين، وإن كانوا مخالفين تمامًا في العقيدة والدين.

المطلب الثاني: مدح الزعماء والقادة والثناء عليهم !!
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتصر على التودد والملاطفة والرقة في الخطاب لزعماء الأعداء، بل كان يتجاوز ذلك إلى ثناءٍ ومدحٍ لهم، وذلك من باب "أنزلوا الناس منازلهم"!!
فها هو صلى الله عليه وسلم يمدح سهيل بن عمرو وهو حينذاك من قادة المشركين حين جاءه يفاوضه في صلح الحديبية، ويقول للمسلمين: «لقد سَهُلَ أمركم»؛ لما يعلمه من سهولة أمر سهيل بن عمرو وحسن طباعه..
واستمع إليه صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم عن خالد بن الوليد قبل إسلامه، وكان ذلك في العام السابع من الهجرة، أي بعد عدة مواقع حربية كان خالد بن الوليد فيها على رأس الجيوش المشركة، ومن أهمها غزوة أحد، وغزوة الأحزاب، وصلح الحديبية.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للوليد بن الوليد أخي خالد بن الوليد - وكان الوليد مسلمًا حينذاك - «أين خالد؟» (يعني لماذا لم يُسلِمْ خالد؟) فقال الوليد: يأتي به الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما مثلُه جَهِلَ الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجِدَّه مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له، ولقدَّمناه على غيره».
فمع الذكريات الأليمة المرتبطة بخالد بن الوليد - وبخاصة مصيبة أحد - إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمتنع من الثناء على عقله، ويتعجب من كَوْنِه لم يدرك قيمة الإسلام مع شدة ذكائه وحكمته، ثم إنه يُثني على خبرته العسكرية وإمكانياته القتالية الفَذَّة، فيعلن أنه لو انضم للمسلمين فسوف يُقَدِّمُهُ على غيره من السابقين إلى الإسلام؛ وذلك لقناعة الرسول صلى الله عليه وسلم بمواهبه المتميزة في الحروب والمعارك. وليس سهلاً مطلقًا على قائد أن يَمْدَح زعيمًا معاديًا له إلا إذا كان على درجة كبيرة من الأخلاق والحكمة والنزاهة..
ثم هاهو صلى الله عليه وسلم يمدح أخلاق زعماء مشركين رفضوا الدخول في دينه، ولم يقبلوا أن ينصروه!! ولماذا؟! لأنه رأى بعين حيادية أن لهم أخلاقًا عظيمة في بعض الجوانب فامتدحها، على الرغم من غياب الأخلاق الحسنة في جوانب أخرى.. إنهم بنو شيبان الذين يسكنون في شمال شرق الجزيرة العربية على أطراف العراق، ويتحالفون مع دولة فارس العظمى آنذاك.. لقد عرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فاستحسنوا أمره جدًّا، وكانت ردودهم عليه في غاية الأدب، ولكنهم رفضوا صراحةً أن يدخلوا في الإسلام؛ خوفًا من كسرى فارس، ومع أن الأخلاق السلبية في الموقف كثيرة، ومن الممكن أن يُطَعن بها في شرف القوم، كغياب الحكمة وبُعْدِ النظر، وعدم القدرة على إدراك قيمة الدين الإسلامي، وكأخلاق الجُبْنِ والخوف من كسرى، وعدم نصرة المظلوم، والتردد وغياب الحسم والحزم... هذه كلها أخلاق سلبية كان من الممكن أن يُعَلِّقَ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إلا أنه أغفل عمدًا الحديث عن كل هذه السلبيات، وانطلق يمدح أخلاقًا أخرى إيجابية رآها.
لقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَا أَسَأْتُمْ فِي الرّدّ إذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصّدْقِ، وَإِنّ دِينَ اللّهِ لَنْ يَنْصُرَهُ إلّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، أَرَأَيْتُمْ إنْ لَمْ تَلْبَثُوا إلّا قَلِيلًا حَتَّى يُورِثَكُمُ اللّهُ أَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَيُفْرِشَكُمْ نِسَاءَهُمْ أَتُسَبّحُونَ اللّهَ وَتُقَدّسُونَهُ» فَقَالَ النّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ: اللّهُمّ لَك ذَا، فَتَلَى رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46]، ثُمّ نَهَضَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَ بِيَدَيّ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ يَا أَبَا حُسْنٍ أَيَّةُ أَخْلَاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَشْرَفَهَا بِهَا يَدْفَعُ اللّهُ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَبِهَا يَتَحَاجَزُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ».
لقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم التعليق على الأخلاق السلبية، ولم يقل لبني شيبان: أنتم فاقدون للمروءة والنجدة.. إنما احترم أخلاقهم الإيجابية، وفي مقدمتها الصدق، إذ إنه من الخطر الشديد أن يقبل القوم الإسلام ثم يتركوه بعد ذلك، فحَسَنٌ جدًا أن يُفْصِحُوا عن خوفهم وقلقهم من البداية. ثم إنهم كانوا في غاية الأدب في التعبير عن رفضهم للدعوة، وقدَّر الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ذلك، وفوق ذلك فهم متواضعون غيرُ متكبِّرين يُعْلِنُونَ أنهم سيتنازلون عن رأيهم، ويدخلون في دين الإسلام إن ظهر أمر هذا الدين على مُلْكِ فارس وغيرها. إن هذا الموقف منه صلى الله عليه وسلم ليُعَتَبر من المواقف المحورية التي يجب أن يتمثَّلها المسلمون في حوارهم مع غير المسلمين. إنه لا يمتنع عن ذِكْرِ محاسنهم وفضائلهم دون كذب ولا رياء، إنما يذكر الحق الذي رآه، وفي هذا إحقاق للحق، وفي الوقت نفسه ترقيق لقلوب المخالفين والمعارضين مما يجعل خلافهم مع المسلمين أقلَّ حدة وأضعف شوكة.
ومن الأمثلة العظيمة أيضًا التي تدل على احترام رسول الله صلى الله عليه وسلم لزعماء غير المسلمين ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم، ويحرص على تكراره من ثناء ومديح للنجاشي ملك الحبشة.. فإنَّه ما تردد صلى الله عليه وسلم أن يقول صراحةً: «إن بها مَلِكًا لا يُظلَمُ عنده أحدٌ، وهي أرضُ صدقٍ». إنه يمدح الملك النصراني بشيء هو فيه فعلاً، ولابد لكل إنسان من شيء إيجابي فيه يستحق المدح، ولكن ليس كل الناس قادرين على إبراز الحُسْنِ عند غيرهم، بل يعتقد بعض قاصري الفهم من المسلمين أنه يجب ترك الثناء على غير المسلمين خوفًا من أن يكون هذا نوعًا من الموالاة أو التودد المرفوض. ولا بد أن نأخذ في الاعتبار أن النصرانية التي كانت في الحبشة آنذاك كانت نصرانية محرَّفة كأي مكان في الدنيا، وظهر ذلك في موقف البطارقة من كلام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه عن المسيح عليه السلام، ومع ذلك فهذا التحريف لم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر محاسنهم والثناء على فضائلهم.
ولم يكن هذا السلوك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه زعماء غير المسلمين سلوكًا عابرًا في حياته، وإنما كان أصلاً من الأصول التي يحتكم إليها صلى الله عليه وسلم في كل تعاملاته معهم، ويظهر هذا جليًّا في رسائله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الأرض وزعمائها، فهو لم يختص واحدًا دون الآخر باحترام أو توقير، وإنما عاملهم جميعًا بمنتهى الدبلوماسية، وبأعلى درجات الأخلاق بصرف النظر عن مللهم ونحلهم: فقد كان مِنْهُمُ النصارى، ومنهم المجوس، ومنهم عبدة الأوثان، كما أنه لم ينظر إلى أعراقهم.. بل عظَّم الجميع من عرب ومن عجم..
لقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة رسائل إلى ملوك الأرض, حينذاك دعاهم فيها إلى الإسلام، وكان اللافت للنظر أنه في كل رسائله كان يصف الملك أو الزعيم بالعظمة، ولم يتحرِّجْ من وصف رجل غير مسلم منحرف العقيدة بهذا الوصف..
يقول صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى قيصر الروم: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم…».
ويقول كذلك في رسالته إلى كسرى فارس: «من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس…».
ويقول في رسالته إلى المقوقس زعيم مصر: «من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط…».
وإلى النجاشي زعيم الحبشة: «هذا كتاب من محمد النبي إلى النجاشي الأصحم، عظيم الحبشة...».
وهكذا كانت رسائله صلى الله عليه وسلم، تفيض احترامًا وتقديرًا على الرغم من اختلاف العقيدة والعرق مع من يراسلهم، فالتعامل الأخلاقي تعامل إنساني لا يرتبط بأرض أو زمان.

المطلب الثالث: عدم التشفي في قادة الأعداء عند انكسارهم!

وهذا خلق عجيب من أخلاقه العظيمة صلى الله عليه وسلم، فكل إنسان ذاق ظلمًا، أو شعر بألم، يتمنى في قرارة نفسه أن يرى هذا الذي أذاقه الظلم وأشعره بالألم يذوق من نفس الكأس التي أذاقها له. إن هذا شعور فطري غريزي عند كل الناس، حتى قال ربنا في كتابه وهو يصف فوائد القتال في سبيل الله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] فجعل شفاء صدور المؤمنين أحد الفوائد المهمة للمقاتل، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان طرازًا فريدًا من البشر، فكان لا يحب أن يرى عدوه منكسرًا، ولا ذليلاً، بل كان يرفع من همَّته، ويشجعه، وينزله مكانته، ويعطيه، وكأنه أحد المقربين إليه!! ولنأخذ مثالين فقط على هذا الأمر، فالمجال لا يتسع للتفصيل.
أولاً: أخلاقه صلى الله عليه وسلم مع عدي بن حاتم زعيم قبيلة طيئ:
كانت قبيلة طيئ من القبائل التي قاومت الإسلام بشدة، ولفترة طويلة، وقد كان لها من الخلفيات ما يجعل قبولها للدخول في الدين الجديد "الإسلام" صعبًا، فقد كانت من فروع ربيعة القحطانية، وهم فرع بعيد جدًا عن فروع قريش العدنانية، ومن ثم فالحساسية القَبَلِيَّة بينها وبين قريش كانت على أشدِّ ما يكون، وكان لقبيلة طيئ صنمها الخاص بها واسمه: "الفِلْس"، وكان الناس يزورونه من أماكن بعيدة.. ثم إن فريقًا منهم تَنَصَّرَ ويَمَّمَ وجهه شطر الدولة الرومانية، فحالفها وتعاون معها، فتجمعت بذلك عدة عوامل تمنع هذه القبيلة من قبول فكرة الإسلام: أمور قبلية، وأمور عقائدية، فضلا عن موالاتهم للدولة الأولى في العالم وهي الدولة الرومانية..
فإذا أضفت إلى كل ذلك أنهم كانوا من القبائل القوية التي تبسط سيطرتها على مساحات شاسعة في الجزيرة؛ حتى لم يكن يأمن أحد على سفره إلى العراق أو الشام إلا بموافقةٍ وقبولٍ من رجال قبيلة طيئ.. إذا أضفت ذلك علمت أن تفكيرهم في الإسلام سيكون متأخرًا جدًا.
ثم تدرك مدى عداوتها للإسلام حين تعلم أنَّ من أبنائها كعب بن الأشرف الزعيم اليهودي المشهور، الذي ناصب المسلمين العداء في كل مكان؛ فقد كان أبوه من طيئ، وأمُّه من بني النضير، ولما اشتدَّ كيدُه للمسلمين وألَّب عليهم الجزيرة العربية بكاملها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فقُتل، وفقدت طيئ بمقتله رمزًا هامًا من رموزها بين العرب.
لقد كان على رأس هذه القبيلة العزيزة عدي بن حاتم الطائي، وهو ابن الزعيم العربي الشهير: "حاتم الطائي"، والذي كان مضربًا للمثل في الكرم وحسن الضيافة.. وقد شعر "عدي بن حاتم" أن البساط يُسْحَبُ من تحت أقدامه، وأن مكانته تَهتَزُّ في الجزيرة العربية؛ فحقد حقدًا شديدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقول: "بُعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين بُعث، فكرهته أشد ما كَرِهْتُ شيئًا قط".
ومرَّت الأيام، وفُتِحَتْ مكة، وآمن أهلها، وأسلمت هوازن، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم السرايا هنا وهناك تَهْدِمُ الأصنام التي تُعْبَدُ من دون الله، وكان من السرايا التي أرسلها صلى الله عليه وسلم سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى قبيلة طيئ لهدم صنم الفلس، وقاومت طيئ مقاومة شديدة.. ثم إنهم فَرُّوا في كلِّ مكانٍ، وأُسِرَ بعضُهم، وفَرَّ عدي بن حاتم إلى حلفائه من ملوك الشام، وأُسِرَتْ أخته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنَّ عليها بغير فداء، فانطلقت إلى الشام تدعو أخاها إلى القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له: "لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، ائته راغبًا، أو راهبًا" !!

وكان عدي بن حاتم قد كره حياته كلاجئ في غير بلاده. ولنترك له الأمر ليُصَوِّرَ حاله حينئذ..
يقول عدي: "فكرهت مكاني الذي أنا فيه، حتى كنت له أشد كراهية له مني من حيث جئت، فقلت: لآتينَّ هذا الرجل، فوالله إن كان صادقًا فلأسمعنَّ منه، وإن كان كاذبًا ما هو بضائري".
وجاء عدي بن حاتم إلى المدينة المنورة، وهو في هذه الحالة المنكسرة، وهو في هذا الضعف الذي لا يَخْفَى على أحد، فماذا فعل معه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
يقول عدي: فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال: «من الرجل؟» فقلت: عدي بن حاتم. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لَقِيَته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك! ثم أكمل عدي: ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل في بيته تناول وسادة في أدم محشوة ليفًا فقذفها إليَّ، فقال: «اجلس على هذه». قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: "بل أنت"، فجلست عليها وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض! قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك !!
وصدق عدي – والذي خَبِر الملوك وعرفهم – فليس هذا سلوك الملوك!
إنه صلى الله عليه وسلم لم يعلِّق تعليقًا سلبيًا على حرب عدي السابقة له، ولم يقل له ما الذي جاء بك بعد فرارك؟ ولم يقل له أين حلفاؤك من الرومان؟ بل لم يسأله ماذا تريد؟! لقد أخذه ببساطة عجيبة إلى بيته دون أن يؤمِّن الطرق، أو يصفَّ الحرس، وفي طريقه إلى البيت وقف يتحدث مع امرأة عجوز في تواضع عجيب، ثم أدخله بيته المتواضع جدًا، والذي لم يكن فيه إلا وسادة واحدة بسيطة، فقدَّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي ليجلس عليها، فاستحيا عدي، وقال: بل أنت، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصر على جلوس الزعيم الطائي عدي بن حاتم، وجلس هو على الأرض!!!

ما أروع سيرتك يا خير البرية!

ثم يقول عدي بن حاتم: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعدي بن حاتم، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، ثَلَاثًا».. قُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ.. قَالَ: «أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ».. فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟..! قَالَ: «نَعَمْ، أَلَسْتَ مِنَ الرَّكُوسِيَّةِ؟ وَأَنْتَ تَأْكُلُ مِرْبَاعَ قَوْمِكَ؟» قُلْتُ: بَلَى.. قَالَ: «فَإِنَّ هَذَا لا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ»، قَالَ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا فَتَوَاضَعْتُ لَهَا. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ؛ تَقُولُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ، وَمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ، وَقَدْ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ. أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ؟».. قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ سَمِعْتُ بِهَا. قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَيَفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ»، قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟..!! قَالَ: «نَعَمْ، كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَيُبْذَلَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» !!
هكذا وفي بساطة شديدة قَبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القائد الكبير، والزعيم المعروف، في صفوف المسلمين، ولم يقل في نفسه لعله يحرِّك جموعَ طيئ ضد الإسلام، ولم يذكر حربه للمسلمين، ولا كرهه لهم، إنما تعامل معه في منتهي الحلم والرفق والتقدير..
وقد قال عديٌّ رضي الله عنه بعد ذلك: فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْحِيرَةِ فَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارٍ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَنْ فَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَهَا!!
ثانيًا: أخلاقه صلى الله عليه وسلم مع عبد ياليل بن عمرو زعيم قبيلة ثقيف:
وهذه - والله - شخصية عجيبة، ما توقَّع أحدٌ قطُّ أن يُحْسِنَ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد تركت هذه الشخصية جروحًا عميقة في نفسه صلى الله عليه وسلم لعدة سنوات، بل إنه عندما أتى للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأته راغبًا في الإسلام كما أتى الآخرون، إنما جاء يجادل ويناور!!

إنها شخصية من أهم الشخصيات في الجزيرة العربية بكاملها!! إنه عبد ياليل بن عمرو الثقفي.. زعيم قبيلة ثقيف المشهورة!! وتاريخه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد السواد!!
وتبدأ قصته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أُغْلِقَتْ أبوابُ الدعوة في مكة بعد وفاة أبي طالب عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مدينة الطائف؛ ليدعو قبيلة ثقيف إلى الله، لعلها تقف موقفًا مشرِّفًا معه، فالتقى مع زعماء ثقيف، وكانوا ثلاثة على رأسهم "عبد ياليل بن عمرو"، وعرض عليهم الأمر، فوجد منهم ما لم يتخيله من الجحود والإنكار والصد عن سبيل الله، بل وجد منهم السخرية والاستهزاء والاستخفاف- كما مرَّ بنا - حتى قال زعيمهم "عبد ياليل بن عمرو": إنه ليمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسله !! ثم كان من هذا الزعيم وأصحابه ما يَعرف الجميع من حثٍّ للغلمان والسفهاء أن يطاردوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه زيد بن حارثة رضي الله عنه بالحجارة والسباب، حتى أخرجوهما تمامًا من منطقة الطائف..
إن هذا الموقف السفيه لمن أشدِّ مواقف الدعوة ألمًا على نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وظلَّ الوضع على هذه الصورة القاتمة لسنوات متصلة.. فلم يؤمن أحد من ثقيف إلا قليل القليل، بل لعلَّه لم يؤمن منهم قبل الفتح إلا الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
وفي العام الثامن من الهجرة قامت ثقيف بالتحالف مع هوازن لتكوين حزب ضخم يهدف إلى استئصال المسلمين، وذلك في غزوة حنين، ولكنهم هُزِموا بفضل الله، وبعد هزيمتهم فرَّت جيوشهم إلى حصونهم في الطائف، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمدة شهر كامل، ولكنه لم يقدر على إخراجهم من الحصون، ومن ثم غادر المنطقة دون أن يفتح الطائف.. وكانت هذه صدمة للصحابة رضي الله عنهم، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هَوَّنَ عليهم الأمر، بل دعا لثقيف بالهداية كما تقدم بنا في هذا البحث. ولكن تفاقم أمر ثقيف عندما قَتَلت زعيمَها عروة بن مسعود رضي الله عنه، عندما أسلم ودعاهم إلى الإسلام، فأثَّر ذلك جدًا في رسول الله صلى الله عليه وسلم..
ومرَّت الأيام، وفي رمضان من العام التاسع من الهجرة وجدت قبيلة ثقيف أن قوة المسلمين أصبحت هي القوة الأولى في الجزيرة العربية، وبخاصة بعد فرار الجيوش الرومانية منها في تبوك، ففكَّرت أن تأتي المدينة لتبايع على الإسلام!! وكان واضحًا من كلامهم وترتيبهم أنهم ما جاءوا حُبًا للإسلام، ولا اقتناعًا به، ولكن لرؤيتهم أنهم لا طاقة لهم بحرب المسلمين، ومن ثَمَّ كوَّنوا وفدًا يُحاور ويفاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليصل معه إلى أفضل ما يمكن أن يصلوا إليه، وجعلوا على رأس هذا الوفد "عبد ياليل بن عمرو" الزعيم القديم الذي سَخِرَ في يومٍ ما من رسول الله صلى الله عليه وسلم سخريةً شديدة، ولكن دارت الأيام دورتها، وجاء زعيم ثقيف منكسرًا أمام الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، الذي مُكِّن له في الأرض، وأصبح في مركز القوة..
وبرغم كل هذا التاريخ الأسود استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف - وعلى رأسه "عبد ياليل" - خير استقبال، ولم يُذَكِّرْهُمْ بماضيهم أبدًا، ولم يقل لهم شيئًا عن سخريتهم منه يوم ذهب إليهم صلى الله عليه وسلم طالبًا نصرتهم، ولم يقل: هذه بتلك، أو: اليومَ باليومِ الذي سخرتم فيه مني.. بل قابلهم صلى الله عليه وسلم بالترحاب وبالبسمة وبالكرم وبالضيافة وبالهدية.. بل جلس معهم يستمع لمفاوضاتهم ومقترحاتهم التي كانت في غاية السفاهة، ومع ذلك لم ينفعل عليهم، أو يغضب منهم، بل ناقشهم في هدوء، وتكلَّم معهم في رَويَّة!!
لقد طلبوا أن يُسْلِموا ولكن بشروط منها: أن يأذن لهم في الربا والزنا وفي الخمر، وأن يُعْفَوْا من الصلاة، وأن تُتْرَكَ لهم اللات دون أن تُكسر.. !!
لقد كانت مطالب سفيهة تدل على عدم فقهٍ لمعنى الإسلام، ومع سفاهة تلك المطالب إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفقد أعصابه أو يتركهم، إنما أخذ يُفَسِّرُ لهم ويشرح، ورفض مطالبهم هذه في منتهى الأدب، وبأسلوب يَغْلِبُ عليه الرفق واللين، وكان يُحاورهم كل ليلة بعد صلاة العشاء، ويُكثر من الحديث معهم، وكان قد ضرب لهم قُبَّة (خيمة) في المسجد النبوي تكريمًا لهم، وتعظيمًا لقَدْرِهِم.. هذا مع أنهم لم يُسلموا بعد..

وفي نهاية الأمر، قَبِلَ وفد ثقيف بالإسلام كاملاً دون انتقاص ولا تفريط، ودخلت بعد ذلك قبيلة ثقيف في الإسلام، وكانت من أكثر الناس ثباتًا على الإسلام حتى في زمان الردة..
وليس من شكٍّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو سلك معهم مسلكًا عنيفًا، أو أظهر فيهم تشفيًا وشماتة لكانت حالهم غير هذه الحال، ولأصبحوا حَجَرَ عَثْرَةٍ في طريق الأمن والأمان في الجزيرة العربية كلها، ولكنه صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا ما دأب على تذكيرنا به حين قال: "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ".
ولقد رأينا الخير الواسع الذي عمَّ الجزيرة بكاملها، بل عمَّ العالم بهذا النهج الذي انتهجه في التعامل مع الناس، وفي التعامل مع المخالفين له، والمعترضين عليه، والطاعنين فيه، والساخرين منه، وقد صدق صلى الله عليه وسلم حين وصف قيمة الرفق بقوله المختصر المبدع: "من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير".

وصلِّ اللهم وسلِّمْ وبارِكْ على مَنْ عَلَّمَ الناسَ الخيرَ، وهَدَاهم إلى الرُّشد.. رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلِّم.




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
دبلوماسية النبي مع الزعماء .. خلق نبوي أمر إلهي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: