منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:24

عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح ابن عدي بن كعب القرشي
أسماء زوجاته رضي الله عنه

زينب بنت مظغون ابن حبيب وانجبت له عبدالله - عبد الرحمن الأكبر - حفصة ام المؤمنين هي زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم
ام كلثوم بنت جرول الخزاعيه وانجبت له عبيد الله - زيد الأصغر
جميلة بنت ثابت بن أبي الأفلح الأوسي وانجبت له عاصم وهو جد الخليفه عمر بن عبد العزيز
أم كلثوم بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وانجبت له زيد الاكبر - رقية
أم حكيم بنت الحارث بن هشام ابن المغيرة وانجبت له فاطمة
حبيبة بنت الخارجة الأنصارية وانجبت له عياض
وله امتان
فكيهة وانجبت له عبد الرحمن الأوسط - زينب

لهية وانجبت له عبد الرحمن الاصغر

عمر بن الخطاب في الجاهلية

في رحاب مكة المكرمة ، وجوها القائظ ، وريحها اللافحة ، وصحاريها المقفره ، وبعد حادثة الفيل بثلاث عشرة سنة ؛ ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث نشأ في كنف والده ، وورث عنه طباعه الصارمة ، التي لا تعرف الوهن ، والحزم الذي لا يدانيه التردد ، والغلظة التي لم يعرف فيها ألوان الترف ، ولا مظاهر الثراء التي تحقق له ما يريد .
أمضى شطرا من حياته في الجاهليه ، ونشأ كأمثاله من أبناء قبيلته ، وامتاز عليهم بأنه كان ممن تعلم القراءة والكتابة واصبح واحدا من سبعة عشر يتقنون ذلك ، فحفظ الشعر وأيام العرب ، وأنسابهم ، غير أن أباه لم يتركه ليستمتع بالقراءة بعد أن تعلمها ، بل حمله على أن يرعى له الإبل في الوديان المعشبة المحيطة بمكة ، وأقبل على تعلم الفروسية والمصارعة حتى اتقنهما ، فكان يمسك اذن الفرس بيد ، والاذن الاخرى بيده الاخرى ثم يثب على الفرس حتى يقعد عليه بين اعجاب الشباب من قريش ، وينطلق بالفرس يسبق كل من يسابقه ، ولقد تفوق في المصارعه حتى صرع كل من صارعه .

اشتغل عمر رضي الله عنه بالتجارة وربح منها ما جعله في وضع مادي لا بأس به ، وكسب معارف متعددة في البلاد التي زارها للتجارة ، فرحل الى الشام صيفا والى اليمن شتاءْ ، واحتل مكانة بارزة في المجتمع المكي الجاهلي ، وأسهم بشكل فاعل في بناء تاريخ اسرته ، حيث كان جده نفيل بن عبد العزى تحتكم اليه قريش في منازعاتها ، فضلاْ عن ان جده الاعلى كعب بن لؤي كان عظيم القدر والشأن عند العرب ، فقد ارخوا بسنة وفاته الى عام الفيل ، وتوارث عمر عن اجداده هذه المنزلة الكبيرة ، قال عنه ابن سعد : (( إن عمر كان يقضي بين العرب في خصوماتهم قبل الاسلام )).

ولا ضير في ذلك فهو من أشراف قريش وإليه كانت السفارة ، وقال عنه إبن الجوزي (( كانت السفارة الى عمر بن الخطاب ، إن وقع حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرا ، او نافرهم منافر ، او فاخرهم مفاخر ، بعثوه منافراْ ومفاخراْ , ورضوا به رضي الله عنه )).
كان أهل مكة في الجاهلية يعبدون الاصنام ، ويتقربون إليها ، وكان عمر احد هؤلاء الذين عكفوا على عبادتها ، وكان شبابها يشربون ويطربون ، فأدلى عمر بدلوه معهم ، وأسام سرح اللهو حيث أساموا ! إلا أن ولعه بالمعرفة شغل كثيرا من الوقت الذي يستهلكه غيره من الشباب في الملهيات .

ذلكم هو عمر بن الخطاب في الجاهلية : رجل قوي البنيان ، رابط الجأش ، ثابت الجنان ، صارم حازم ، لا يعرف التردد والأرجحة ، احتشدت في شخصيته الرجولة الحقة التي اكسبته مكانة بين قومه في الجاهلية والاسلام .

صفاته الخلقية :

أبيض أمهق ، تعلوه حمرة ، حسن الخدين والأنف والعينين ، غليظ القدمين والكفين ، مجدول اللحم ، طويلاْ جسمياْ أصلع ، قد فرع الناس طولاْ ، كأنه راكب على دابة ، وكان قويا شديداْ ، لا واهناْ ، ولا ضعيفاْ ، وكان يخضب بالحناء ، وكان طويل السبلة ( طرف الشارب ) وكان اذا مشى أسرع ، واذا تكلم أسمع ، واذا ضرب اوجع ، اعسر يسر ، يعمل بكلتا يديه .

إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه

كانت أول شعاعة من نور لامست قلبه ، يوم رأى نساء قريش يتركن بلدهن ويرحلن إلى بلد بعيد عن بلدهن بسبب ما لقين منه ومن غيره من كفار مكة ، فرق قلبه ، وعاتبه ضميره ، فرثى لهن ، وأسمعهن الكلمة الطيبه التي لم يكن يطمعن ان يسمعن منه مثلها .

قالت ام عبد الله بنت حنتمة : لما كنا نرتحل مهاجرين الى الحبشة ، أقبل عمر حتى وقف علي ، وكنا نلقى منه البلاء والاذى والغلظه علينا ، فقال لي : انه الانطلاق يا أم عبد الله ؟ قلت نعم ، والله لنخرجن في ارض الله ، آذيتمونا وقهرتمونا ، حتى يجعل الله لنا فرجاْ ، . فقال عمر : صحبكم الله . ورأيت منه رقة لم أرها قط . فلما جاء عامر بن ربيعة - وكان قد ذهب الى بعض حاجاته - وذكرت له ذلك ، فقال : كأنك قد طمعت في إسلام عمر ؟ قلت له نعم . فقال : انه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب . لم يكن أحد يصدق ان عمر يسلم ، ولكن الله إستجاب فيه دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : (( اللهم أعز الاسلام بأحب الرجلين إليك : بأبي جهل بن هشام ، او بعمر بن الخطاب )) فكان من فضل الله على عمر أن كان أحب الرجلين إلى الله .

وبينما كانت قريش قد اجتمعت فتشاورت في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أي رجل يقتل محمداْ ؟ فقال عمر بن الخطاب : أنا لها ، فقالوا : انت لها ياعمر . فخرج في الهاجرة ، في يوم شديد الحر ، متوشحاْ سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضاْ من أصحابه ، فيهم أبو بكر وعلي وحمزه رضي الله عنهم في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكه ولم يخرج فيمن خرج الى ارض الحبشه ، وقد ذكروا له انهم اجتمعوا في دار الارقم في اسفل الصفا . فلقيه نعيم بن عبد الله النحام ، فقال : اين تريد يا عمر ؟ قال أريد هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها ، وعاب دينها ، وسب آلهتها فأقتله ، قال له نعيم : لبئس الممشى مشيت يا عمر ، ولقد والله غرتك نفسك من نفسك ، ففرطت وأردت هلكة بني عدي ، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداْ ؟ فتحاورا حتى علت أصواتهما ، فقال عمر : إني لأظنك قد صبوت ولو أعلم ذلك لبدأت بك ، فلما رأى النحام أنه غير منته قال : فإني اخبرك ان اهلك واهل خنتك قد اسلموا وتركوك وما انت عليه من ضلالتك .
فلما سمع مقالته قال : وأيهم ؟ قال : خنتك وابن عمك واختك .

فلما سمع عمر ان اخته وزوجها قد اسلما احتمله الغضب فذهب اليهم فلما قرع الباب قالوا : من هذا ؟ قال : ابن الخطاب . وكانوا يقرؤون كتابا في ايديهم ، فلما سمعوا حس عمر قاموا مبادرين فاختبؤوا ونسوا الصحيفه على حالها . فلما دخل ورأته اخته عرفت الشر في وجهه ، فخبأت الصحيفه تحت فخذها قال : ما هذه الهيمنة ( الصوت الخفي ) التي سمعتها عندكم ؟ ( وكانوا يقرؤون طه ) فقالا : ما عدا حديث تحدثناه بيننا . قال : فلعلكما قد صبوتما ، فقالت اخته : ارأيت يا عمر ان كان الحق في غير دينك ؟.. فوثب عمر على خنته ( اي زوج اخته ) سعيد وبطش بلحيته فتواثبا ، وكان عمر قوياْ شديداْ فضرب بسعيد الارض ووطئه وطأْ ثم جلس على صدره ، فجاءت اخته فدفعته عن زوجها فنفحها نفحه بيده ، فدمى وجهها ، فقالت وهي غضبى : يا عدو الله ، اتضربني على ان اوحد الله ؟ قال نعم . قالت : ما كنت فاعلا ففعل ، اشهد ان لا اله الا الله وان محمداْ رسول الله ، لقد اسلمنا على رغم انفك ، فلما سمعها عمر ندم وقام عن صدر زوجها فقعد ، ثم قال : اعطوني هذه الصحيفه التي عندكم فأقرأها ، فقالت اخته لا افعل . قال : ويحك ، قد وقع في قلبي ما قلت ، فأعطينيها انظر إليها ، وأعطيك من المواثيق ان لا اخونك حتى تحرزيها حيث شئت .

قالت : انت رجس ؛ ( ولا يمسه إلا المطهرون ) فقم فاغتسل او توضأ ، فخرج عمر ليغتسل ورجع الى اخته فدفعت اليه الصحيفه ، وكان فيها طه وسور اخر فرأى فيها : بسم الله الرحمن الرحين ، فلما مر بالرحمن الرحيم ذعر ، فألقى الصحيفه من يده ، ثم رجع الى نفسه فأخذها فإذا فيها : ( الايات من 1 - 8 من سورة طه ) فعظمت في صدره . فقال : من هذا فرت قريش ! ثم قرأ فلما بلغ الى قوله تعالى : (( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري * إن الساعه آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ) طه 14 - 16 . قال : ينبغي لمن يقول هذا ان لا يعبد معه غيره ، دلوني على محمد . فلما سمع خباب ذلك خرج من البيت فقال : أبشر يا عمر ، فإني ارجوا ان تكون قد سبقت فيك دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين : ( اللهم اعز الاسلام بأحب الرجلين اليك : بأبي جهل بن هشام ، او بعمر بن الخطاب ) قال : دلوني على مكان رسول الله ، فلما عرفوا منه الصدق قالوا : هو اسفل الصفا . فاخذ عمر سيفه فتوحشه ثم عمد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وضرب عليه الباب ، فلما سمعوا صوته وجلوا - وكان حمزه وطلحة على الباب والنبي صلى الله عليه وسلم داخل يوحى اليه - ولم يجترئ احد منهم ان يفتح له ، لما قد علموا من شدته على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى حمزه وجل القوم ، قال : مالكم ؟ قالوا عمر بن الخطاب ؟ قال : عمر بن الخطاب ؟ افتحوا له ؛ فان يرد الله به خيراْ يسلم ، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيناْ . ففتحوا له ، واخذ بحجزته وبجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة ، وقال : (( ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ والله ما ارى ان تنتهي حتى ينزل الله بك قارعه )) فقال له عمر : يا رسول الله ، جئتك اومن بالله وبرسوله وبما جئت به من عند الله ، قال : فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ان عمر قد أسلم ، فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في انفسهم حين اسلم عمر مع حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، وعرفوا انهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينتصفون بهما من عدوهم )) .

لما اسلم عمر اسلم بإخلاص ، وعمل لتاكيد الاسلام بمثل الاندفاع الذي كان يعمل به لمحاربته ، فقال : يا رسول الله ، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : بلى ، والذي نفسي بيده إنكم على الحق ، إن متم وإن حييتم .
قال عمر : ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن وكان الرسول صلى اللع عليه وسلم قد رأى انه قد آن الأوان للإعلان ،وان الدعوة التي كانت كالوليد الضعيف الذي لا بد له من الرعاية والحفظ قد غدت قوية تدرج وتمشي وتستطيع ان تدافع عن نفسها ، فأذن بالاعلان وخرج صلى الله عليه وسلم في صفين ، عمر في أحدهما ، وحمزه في الاخر وكان لصفين كديد ككديد الطحين ، حتى دخل المسجد ، فنظرت قريش الى عمر وحمزه ، فأصابتهم كآبه لم تصبهم قط وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ( الفاروق )

روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه انه قال : ( ما زلنا اعزة منذ اسلم عمر ) . وقال : ( كان اسلام عمر فتحاْ ، وكانت هجرتة نصراْ وكانت امارته رحمة ؛ لقد رأيتنا وما نستطيع ان نصلي بالبيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا ) .

كان إسلام عمر رضي الله عنه في السنه السادسه من النبوة بعد اسلام حمزة رضي الله عنه بثلاثة أيام في ذي الحجة . وكان المسلمون يومئذ تسعة وثلاثين . قال عمر رضي الله عنه : لقد رأيتني وما اسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا تسعة وثلاثون رجلاْ فكملتهم أربعين . فأظهر الله دينه ، واعز الاسلام . وروي انهم كانوا اربعين او بضعة واربعين رجلاْ وإحدى عشر امرأة ، ولكن عمر لم يكن يعرفهم لأن غالب من أسلم كان يخفيه خوفاْ من المشركين ، ولا سيما عمر فقد كان عليهم شديداْ فذكر انه اكملهم اربعين ولم يذكر النساء لأنه لا إعزاز بهن لضعفهن .
وحسب لإسلام عمر مكانة ورفعة وسمواْ قول ابن عباس : لما اسلم عمر قال المشركون : قد انتصف القوم منا وأنزل الله : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) الانفال : 64 .

هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
بدأت الهجرة إلى المدينة بعد بيعة العقبة . فكان اول من قدم المدينة من اصحاب رسول الله صلى الله علية وسلم وهم : مصعب ابن عمير ، وابن ام مكتوم ، ثم قدم بلال وسعد وعمار بن ياسر ، ثم قدم ابن الخطاب في عشرين راكباْ . ولما عزم على الهجرة أخبر عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص ، واتفقوا على الصحبة على ان يجتمعوا في منازل في بني غفار على عشرة أميال من مكة ، فمن تخلف عن الموعد تركوه ورحلوا ، فجاء عمر وعياش وحبس هاشم في مكة وفتن في دينه ، فسار حتى وصل قباء ( في طرف المدينة ) فنزل على رفاعة بن عبد المنذر ، فلحقهما أبو جهل وأخوه الحارث ، فقالا لعياش : إن امك قد نذرت الا يظلها سقف ، ولا يمس رأسها دهن حتى تراك ؛ فستشار عمر ، فقال له عمر : والله ما أراد الى ردك عن دينك ، فاحذرهما ولا تذهب ، فوالله لو آذى امك القمل لدهنت ومتشطت ، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت . قال عياش ، فإن لي بمكة مالا لعلي آخذه فيكون قوه للمسلمين ، وأكون قد بررت قسم أمي . فقال عمر : إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاْ ، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما ، فأبى إلا ان يخرج معهما ، فلما ابى قال له عمر : اما إذ قد فعلت ما فعلت ، فخذ ناقتي هذه ، فإنها ناقه نجيبة ذلول فالزم ظهرها ، إن رابك من القوم ريب فانج عليها ، فلما كانوا بضجنان ( جبل على بريد من مكه ) قال أبو جهل : والله يا اخي لقد استغلظت بعيري هذا افلا تعقبني على ناقتك ؟ قال : بلى . فأناخ وأناخا ليتحول عليها ، فلما استووا على الارض اوثقاه ربطاْ ، حتى دخلا به مكه ، فقالا : هكذا يا اهل مكه فافعلوا بسفهائكم . ثم حبسوه .

وروى علي بن ابي طالب رضي الله عنه : ما علمت ان احد من المهاجرين هاجر إلا متخفيا ، إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ فإنه لما هم بالهجره تقلد سيفه ، وتنكب قوسه ، وانتظى في يده اسهماْ واختصر عنزته ( العنزة عصا في قدر نصف الرمح ، وهي اطول من العصا وأقوى من الرمح ) ، وذهب الى مكه ، والملأ من قريش بفنائها ، فطاف بالبيت ، سبعا متمكناْ ، ثم اتى المقام ، فصلى متمكناْ ، ثم وقف على الحلق واحده واحده ... فقال لهم : شاهت الوجوه ، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ، من أراد ان تثكله امه ، ويوتم ولده ، او يرمل زوجه فيلقني وراء هذا الوادي . قال علي رضي الله عنه : فما تبعه احد إلا قوم من المستضعفين ، علمهم وارشدهم ومضى لوجهه .
وكان قدوم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى المدينه قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، وكان معه من لحق به من اهله وقومه ، وأخوه زيد بن الخطاب ، وعمرو وعبد الله أبنا سراقه بن المعتمر ، وخنيس بن حذافه السهمي ، زوج ابنته حفصة ، وابن عمه سعيد بن زيد ، وهو احد العشره المبشرين بالجنه ، وواقد بن عبد الله التيمي ، حليف لهم ، وخولى بن ابي خولى ، ومالك بن ابي خولى ، حليفان لهم من بني عجل وبنو البكير ، وإلياس وخالد ، وعاقل ، وعامر ، وحلفاؤهم من بني سعد بن ليث ، فنزلوا على رفاعه بن المنذر في بني عمرو وبن عوف بقباء .
وهكذا ظل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خدمة دينه وعقيدته بالأقوال والأفعال ، لا يخشى في الله لومة لائم ، وكان رضي الله عنه سنداْ وعيناْ لمن اراد الهجره من مسلمي مكة حتى خرج ، ومعه هذا الوفد الكبير من أقاربه وحلفائه . ساعد عمر رضي الله عنه غيره من أصحابة الذين يريدون الهجرة ، وخشي عليهم من الفتنه والإبتلاء في أنفسهم .

هذا وقد نزل عمر رضي الله عنه بالمدينه ، واصبح وزير صدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عويم بن ساعده ، وقيل : بينه وبين عتبان بن مالك : وقيل : بينه وبين معاذ بن عفراء وقد علق ابن عبد الهادي على ذلك وقال : لا تناقض بين الاحاديث ، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد آخى بينه وبين كل اولئك في اوقات متعدده ؛ فإنه ليس بممتنع ان يؤاخي بينه وبين كل اولئك في اوقات متعدده .
عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ميادين الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم

أجمع المؤرخون على ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهد المشاهد جميعها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغب عن واحده منها .
غزوة بدر : في هذه الغزوه تكلم عمر مع المتكلمين حينما استشارهم الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بدء المعركه فأحسن الكلام ، ودعا الى قتل المشركين ، وكان أول من استشهد من المسلمين يوم بدر مهجع مولى عمر رضي الله عنه ، وقتل عمر رضي الله عنه خاله العاص بن هشام المشرك ، وأشار بقتل أسرى بدر من المشركين . وعندما قدم عمير بن وهب الى المدينه قبل اسلامه ، عرف عمر خبث نواياه فأمسك بحمالة سيف عمير الذي في عنقه بشده فعطله عن إمكانية استخدام سيفه للاعتداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر نفراْ من الصحابة بحراسة الرسول صلى الله عليه وسلم .
غزوة احد : كان من ضمن الصحابه الذين ابلوا بلاءْ حسناْ فيها وثبت مع من ثبت من الصحابه ، وبعد نهاية المعركه قام ابو سفيان بالسؤال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما لعلمه بمكانة هؤلاء الثلاثة في جيش المسلمين ، ففي موتهم يعتقد المشركون انهم قد قضوا على شأفة المسلمين .

غزوة بني المصطلق : كان لعمر موقف يريد فيه قتل عبد الله بن أبي سلول ؛ الذي أضرم فتنه بين المسلمين فقال عمر : لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( فكيف يا عمر اذا تحدث الناس ان محمداْ يقتل أصحابة ؟ لا .. ولكن أذن بالرحيل ) .
غزوة الاحزاب : يروي جابر بن عبد الله فيقول : ( إن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس ، فجعل يسب كفار قريش وقال : يا رسول الله ، ما كدت ان اصلي حتى كادت الشمس تغرب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( وانا والله ما صليتها . فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان ( احد اودية مكه ) ، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم بعدها المغرب ))
غزوة صلح الحديبية : ذكر المؤرخون ان عمر رضي الله عنه اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ، فقال : ما زلت أتصدق وأصوم ، وأصلي ، وأعتق من الذي صنعت يومئذ ، مخافة كلامي الذي تكلمت به ، حتى رجوت ان يكون خيراْ .

غزوة خيبر : عندما اقبل في خيبر نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : فلان شهيد ، فقال صلى الله عليه وسلم (( كلا اني رايته في النار في بردة غلها ، او عباءة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن الخطاب ، اذهب فناد في الناس : إنه لا يدخل الجنه إلا المؤمنون )) قال : فخرجت فناديت : ألا انه لا يدخل الجنه إلا المؤمنون .
فتح مكة : حينما قام حاطب بن أبي بلتعه بإفشاء سر المسلمين نحو مكه مع احد النساء ، أوحى الله إلى نبيه بالأمر ، وبعد تحقيق الرسول صلى الله عليه وسلم معه قال صلى الله عليه وسلم (( انه قد صدقكم . فقال عمر : يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق ! فقال صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدراْ وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراْ فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ))
غزوة حنين : كان فيمن ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم في المعركة من المهاجرين ابو بكر وعمر رضي الله عنهما ، ومن الصحابه من اهل بيته علي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، وابنه الفضل ، وابو سفيان بن الحارث ، وابنه ، وغيرهم رضي الله عنهم جميعاْ .

غوزة تبوك : تصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنصف ماله ، وأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء للناس بالبركة عندما أصاب الناس مجاعة ! . ثم قال صلى الله عليه وسلم : (( خذوا في أوعيتكم )) فأخذوا في اوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءْ إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا وفضلت منه فضله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله لا يتلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عنه الجنه )) رواه مسلم

موقف عمر عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن اسحاق : قال الزهري : وحدثني سعيد بن المسيب ، عن ابي هريرة قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال : ( ان رجالاْ من المنافقين يزعمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه اربعين ليله ثم رجع اليهم بعد ان قيل قد مات ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى ، فليقطعن ايدي رجال وارجلهم زعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ) . قال : واقبل ابو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر ، وهو يكلم الناس فلم يلتفت الى شئ حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بين عائشه ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت عليه بردة حبرة فأقبل عليه حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ثم اقبل عليه فقبله ثم قال : بأبي أنت وأمي ، اما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداْ . قال : ثم رد البردة على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال : على رسلك يا عمر أنصت ! . فأبى إلا ان يتكلم ! . فلما رآه ابو بكر لا ينصت اقبل على الناس ، فلما سمع الناس كلامه اقبلوا عليه وتركوا عمر ؛ فحمد الله واثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنه من كان يعبد محمداْ فإن محمداْ قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . ثم تلا هذه الآية (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين )) أل عمران 144

قال : فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الأية نزلت حتى تلاها ابو بكر يومئذ قال : وأخذها الناس عن أبي بكر رضي الله عنه فإنما هي في أفواههم فقال أبو هريرة : قال عمر رضي الله عنه والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات .

خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

قال ابن كثير : كانت وفاة الصديق رضي الله عنه في يوم الإثنين عشية ، وقيل : بعد المغرب ، ودفن من ليلته ، وذلك لثمان بقين من جمادى الاخر سنة ثلاث عشر بعد مرض دام خمسة عشر يوماْ . وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين ، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان ، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا . فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة اشهر ، وكان عمره يوم توفي ثلاثاْ وستين سنة ، السن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جمع الله بينهما في التربة ، كما جمع بينهما في الحياة ، فرضي الله عنه وأرضاة .

فقام بالأمر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أول من سمي بأمير المؤمنين . وكان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة ، وقيل : غيره وقد تمت بيعة أمير المؤمنين " عمر بن الخطاب " خليفة للمسلمين بإجماع الأمه على ذلك في اليوم التالي لوفاة " أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبدأ الخليفة الجديد يواجه الصعاب والتحديات التي قابلته منذ اللحظة الأولى وبخاصة الموقف الحربي الدقيق لقوات المسلمين بالشام ، وقد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد رضي الله عنهما ؛ فأرسل على الفور جيشاء إلى العراق بقيادة أبي عبيدة بن مسعود الثقفي ، وكان عمر يخفي وراء شدته ، رقة ووداعة ورحمة عظيمة ، وكأنة يجعل من تلك الشدة والغلظة والصرامة ستاراْ يخفي وراءه كل ذلك الفيض من المشاعر الإنسانية العظيمة ، التي ميزته في القيادة الحكيمة .

الفتوحات الاسلامية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه


قد لا يسعني ايها الاخوه ذكر فتوحات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهي كثيره وكثيره جدا فكيف أستطيع ان ألخص في سطور فتوحات أكبر فاتح على وجه الارض فهو من كسر شوكة المجوس كسراْ لم ينجبر بعدها وهو من أذل الفرس والروم وسأذكر لكم الاراضي التي فتحها وهي :

1- العراق : وأهم المعارك التي وقعت بالعراق معركة القادسيه .
2- إيران : وأهم المعارك التي وقعت في إيران معركة نهاوند .
3- الشام وفلسطين : وأهم المعارك التي وقعت معركة اليرموك .
4- مصر وليبيا : وأهم حدث فتح الإسكندرية في 29 رمضان سنة 21 هـ .

بعض الاحاديث الصحيحة في مناقب الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

1- عن جابر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( رأيتني دخلت الجنة ، فإذا بالرميصاء امرأة أبي طلحة . وسمعت خشفة فقلت ما هذا ؟ فقال : هذا بلال . ورأيت قصراْ بفنائه جارية فقلت : لمن هذا ؟ فقال : لعمر ، فأردت أن أدخله فنظر إليه ، فذكرت غيرتك . فقال عمر : بأبي انت وأمي يا رسول الله ! أعليك أغار )) رواه البخاري

2- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( بينما أنا نائم . إذ رأيت قدحاْ أتيت به ، فيه لبن فشربت منه إنى لأرى الري يجري في أظافري . ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب )) قالوا : فماذا أولت ذلك ؟ يا رسول الله ! قال : (( العلم )) متفق عليه .

3- عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر )) رواه البخاري

4- عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب )) صحيح ابن ماجه .

فاجعة مقتل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
على الرغم من سياسة العدل والخوف من الله تعالى الذي اتسم به عمر رضي الله عنه في تسيير شؤون الدولة الإسلامية ، إلا ان هذا لم يشفع له عند الحاقدين والمغرضين الذين امتلأت قلوبهم حقداْ وكرهاْ على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ؛ فلا ريب في حقدهم ، فقد طمس بإيمانه العظيم بالله تعالى ، معالم الشرك في البلاد المفتوحة ، وقضى على البدع ، والاهواء ، والزيغ ، والفساد ، وأحل بدلاْ من ذلك العدل ، والأمن ، والرخاء ، قال الهرمزان ملك الاهواز حينما قدم المدينة على عمر : ( عدلت فأمنت فنمت ) .
وكان ابن مسعود إذا ذكر عمر رضي الله عنه أخذ يبكي حتى يبتل الحصى من دموعه ، ثم يقول : (( إن عمر كان حصناً حصيناً للإسلام ، وما رأيت عمر إلا وكان بين عينيه ملكاً يسدده .. كان إسلامه فتحاً ، وكانت هجرته نصراً ، وكانت إمارته رحمة )) رواه البخاري

حقاْ لقد اسس رضي الله عنه دولة إسلاميه مترامية الأطراف ، أقام اركانها ، ووطد بنيانها ، وبسطها حتى بلغت بحر قزوين وجنوب آسيا الصغرى شمالاْ ، وحدود ليبيا غرباْ ، وأرض النوبة جنوباْ ، وخراسان وسجستان شرقاْ ، وحكم عشرة أعوام ونحو نصف عام ، فيسر الله تعالى له أن تكون دولته أقوى دولة في زمانه ، لذلك لم يكن مقتل عمر رضي الله عنه حادثاْ فردياْ عابراْ بل كان مؤامرة سياسية واسعة اشتركت فيها كل القوى المعاديه للإسلام آنذاك ؛ ممثله في تلك الشخصيات التي ظهرت على مسرح الاحداث وتحدثت عنها الروايات التاريخيه وبينت لنا أطراف الجريمة والمؤامرة .
حيث كان المتآمرون على قتله رضي الله عنه ثلاثة رؤوس رئيسة ، واربع مختلف عليه :

1- الهرمزان : الفارسي المجوسي ، ملك الاهواز ، ومن كبار قادة الفرس في حربهم ضد المسلمين ، في معركة القادسية ، وقبلها ، وبعدها . وقد هزمه الله تعالى على ايدي المسلمين الفاتحين في معركة تستر ، والقي القبض عليه ، وسيق أسيراْ الى المدينة ، في سنه 17 هـ على الأرجح ، وبقي فيها بعد ما أخذ الأمان من الخليفة عمر رضي الله عنه .

2- أبو لؤلؤة فيروز : عبد للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، وأخذه من حروب الفرس ، وكان فارسياْ مجوسياْ ، وقع رقيقاْ عبداْ في أحد حروب المسلمين للفرس ، ولما وزع العبيد الأرقاء على المجاهدين ، كان هو من نصيب المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، وقد ألح المغيرة بن شعبة على عمر رضي الله عنه أن يقيم أبو لؤلؤة في المدينة ، لينتفع به المسلمون ، فهو حداد نجار نقاش صانع ، ويستفيد المغيرة من دخله وأمواله ، لأنه عبد له فأذن عمر بذلك .

3- جفينة : عبد رقيق نصراني رومي ، كان من سبي الروم في فتح الشام ، وصار رقيقاْ من نصيب أحد المسلمين ، وأقام في المدينة .

4- كعب الأحبار : وكان من يهود اليمن ، ومن أحبار اليهود هنالك ، والعاملين بالتوراة ، وقد أسلم في خلافة عمر رضي الله عنه ، وانتقل من اليمن إلى المدينة ، وأقام فيها . وهذا الرابع مختلف عليه ! .
تآمر هؤلاء المغرضون على حياة عمر رضي الله عنه ، حيث اخبر كعب الاحبار عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قد دنا أجله ، وقربت وفاته ، وزعم أن هذا مذكور في التوراة !

وقبل اغتيال عمر رضي الله عنه جاء ابو لؤلؤة فيروز الفارسي شاكياْ سيده المغيره بن شعبة . وقد كان المغيرة يطلب منه ان يدفع له كل يوم اربعة دراهم ، مقابل الآلات الحديدية والطواحين التي يصنعها ، فاعتقد ابو لؤلؤة انه مظلوم عند المغيرة ، وان المغيرة يستغله ويظلمه ، ويأخذ منه مالاْ كثيراْ ! وهو أربعة دراهم في اليوم !

قال أبو لؤلؤة لعمر : يا امير المؤمنين : إن المغيرة قد أثقل علي ، ويأخذ مني مالاْ كثيراْ ، فكلمه ليخفف عني ، قال له عمر : ما طلب منك المغيرة مالاْ كثيراْ ، فاتق الله ، وأحسن على مولاك ، وكان في نية عمر ، ان يكلم المغيرة عندما يقابلة ، ويطلب منه ان يخفف على أبو لؤلؤة ! فذهب ابو لؤلؤة غاضباْ ، وهو يقول : إن عدل عمر وسع الناس كلهم غيري ، فلم يعدل معي ! .

وكان أبو لؤلؤة موتوراْ حاقداْ على عمر بالذات ، لنجاح المسلمين في خلافته في تحطيم الدولة الساسانية المجوسية . وكان ابو لؤلؤة إذا رأى أطفال السبايا المجوس في المدينة ، يمسح على رؤوسهم ، ويبكي ، ويقول : لقد أكل عمر كبدي !!! . وبعد المحاوره بينه وبين عمر اضمر قتله ، فصنع ابو لؤلؤة خنجراْ له رأسان ، وكان حاداْ ماضياْ ، ونوى قتل عمر به .

ذهب ابو لؤلؤة الى الهرمزان ، واراه الخنجر ، وقال له : كيف ترى هذا ؟ قال الهرمزان : إنك لا تضرب احداْ بهذا الخنجر الى قتله ! وكان عمر رضي الله عنه يسير يوماْ في المدينة مع مجموعة من الصحابة ، فلقي ابا لؤلؤة في الطريق . فقال له عمر : لقد سمعت انك تقول : لو اشاء لصنعت رحى ( طاحونة ) تطحن بالري ، فأجابه ابو لؤلؤة بغضب وحقد وعبوس : لأصنعن لك رحى يتحدث بها الناس !!. فقال عمر للصحابة الذين معه : إن هذا العبد يهددني ويتوعدني !! واجتمع ثلاثة من المتآمرين : الهرمزان وابو لؤلؤة وجفينة ، يتدارسون كيفية تنفيذ المؤامرة ، واغتيال عمر ، وكان مع ابو لؤلؤة الخنجر الذي اعده لجريمته . وبينما كان الثلاثة مجتمعين ، مر بهم عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق رضي الله عنهما . فما ان شاهدوه خافوا وفزعوا ، وكانوا جالسين على الارض ، فهبوا واقفين فزعين ، فسقط من ابي لؤلؤة الخنجر الذي كان يحمله ، وهو الخنجر الذي طعن به عمر بعد ذلك !! . ونفذ ابو لؤلؤة مؤامؤته ، وطعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بخنجره المسموم ذي الحدين ، فجر يوم الاربعاء 26 ذي الحجه سنه 23 هـ .

قال احد شهود الحادث العدواني على الخليفه عمر رضي الله عنه ، وهو عمرو بن ميمون الأودي رحمه الله :
إني لقائم ( أي : في الصف ينتظر صلاة الفجر ) ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس ، غداة اصيب ، وكان إذا مر بين الصفين ، قال استووا ، فإذا استووا تقدم فكبر ، وربما قرأ سورة يوسف او النحل او نحو ذلك في الركعه الاولى ، حتى يجتمع الناس ، فما هو إلا ان كبر ، فسمعته يقول : قتلني - او أكلني - الكلب ! حين طعنه ، فطار العلج بسكين ذات طرفين ، لا يمر على احد يميناْ تو شمالاْ الا طعنه ، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاْ ، مات منهم سبعة ، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساْ ، فلما ظن العلج انه مأخوذ نحر نفسه ، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه - للصلاة بالناس - فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى ، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون ،

غير انهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون : سبحان الله ، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة ، فلما انصرفوا قال عمر : يا ابن عباس ، انظر من قتلني ؟ فجال ساعه ، ثم جاء فقال : غلام المغيرة ، قال : الصنع ، قال : نعم ، قال : قاتله الله قد امرت به معروفاْ ، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام ! ... قال عمرو بن ميمون يكمل روايته للحادث : فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه ، وكأن الناس لم تصيبهم مصيبة قبل يومئذ ، فأتي بنبيذ ( تمرة نبذت في ماء اي : نقعت فيه ، كانوا يفعلون ذلك لاستعذاب الماء ) فشربه ، فخرج من جوفه ، ثم اتى بلبن فشربه فخرج من جوفه ، فعلموا انه ميت ، فدخلنا عليه ، وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه .. وقال : يا عبد الله بن عمر ، انظر ما علي من الدين . فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين الفاْ او نحوه ، قال : ان وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم ، وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ، ولا تعدهم إلا غيرهم ، فأد عني هذا المال ، وإنطلق إلى عائشه ام المؤمنين فقل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل امير المؤمنين ، فإني لست اليوم للمؤمنين اميراْ ، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يبقى مع صاحبيه . فسلم عبد الله بن عمر ، واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعده تبكي ، فقال : يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : كنت اريد لنفسي ولاوثرنه به اليوم على نفسي .

فلما اقبل قيل : هذا عبد الله بن عمر قد جاء ، قال عمر : ارفعوني ، فاسنده رجل إليه فقال : ما لديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين ، أذنت ؟ قال : الحمد لله ، ما كان من شئ أهم إلي من ذلك . فإذا أنا قضيت فاحملني ثم سلم فقل : يستأذن عمر بن الخطاب ؛ فإن أذنت فأدخلوني ، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين . قال : فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي ، عبد الله بن عمر قال : يستأذن عمر بن الخطاب ، قالت عائشه : أدخلوه . فأدخل ، فوضع هنالك مع صاحبيه .

وجاءت روايات أخرى فصلت بعض الاحداث التي لم تذكرها رواية عمرو بن ميمون قال ابن عباس رضي الله عنه : إن عمر رضي الله عنه طعن في السحر ، طعنه ابو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ، وكان مجوسياْ ، وقال أبو رافع رضي الله عنه : كان أبو لؤلؤة عبداْ للمغيرة بن شعبة ، وكان يصنع الأرحاء ، وكان المغيرة يستغله كل يوم اربعة دراهم ، فلقي ابو لؤلؤة عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن المغيرة قد أثقل علي غلتي ! فكلمه ان يخفف عني . فقال عمر : اتق الله واحسن الى مولاك . ومن نية عمر ان يلقى المغيره فيكلمه يخفف عنه ، فغضب العبد ، وقال : وسع كلهم عدله غيري ؟! فأضمر على قتله ، فاصطنع خنجراْ له رأسان وشحذه وسمه ، ثم أتي به الهرمزان ، فقال : كيف ترى هذا ؟ قال : أرى انك لا تضرب به احداْ الا قتلته ، قال : فتحين ابو لؤلؤة عمر فجاءه في صلاة الغداء حتى قام وراء عمر ، وكان عمر إذا اقيمت الصلاة يتكلم ويقول , اقيموا صفوفكم ، فقال كما كان يقول : فلما كبر وجاء ابو لؤلؤة وجأة ( ضربه بالسكين ) في كتفه ، ووجأه في خاصرته ، فسقط عمر ، قال عمرو بن ميمون رحمه الله سمعت عمر لما طعن يقول : (( وكان أمر الله قدراْ مقدوراْ )) سوره الاحزاب 38

ظل عمر رضي الله عنه يحتضر ثلاثة ايام ، وكانت هذه الايام كلها دروس وعبر تتجلى فيه كل معاني الإيمان والخوف من الله والشعور بالمسؤوليه ، والنصح لهذه الامه ، وحمل هم هذا الدين حتى الرمق الاخير ، حيث دعا وهو على فراش الموت الى طريقه جعل امر الخلافه شورى بين الصحابه السته المبشرين بالجنه ، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم وهم : (( عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحه بن عبيد الله ، والزبير بن العوام )) رضي الله عنهم جميعا .
وقال عمر : ( والله لو كان ابو عبيده حيا لستخلفته )
ولم يجعل فيهم السابع المبشر بالجنه الذي كان حياْ آنذاك ، وهو سعيد بن زيد رضي الله عنه ؛ لانه من بني عدي ، ومن أقارب عمر رضي الله عنه ، وكان عمر شديد الحرص على إبعاد الإماره عن أقاربه ، حيث رفض ترشيح ابنه عبد الله لهذا الامر ، حتى انتهى الامر بين أصحاب الشورى السته ؛ بإختيار عثمان بن عفان ( ذي النورين ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:29


قيمة عمر في التاريخ الإسلامي والعالمي:

عمر بن الخطاب في ميزان الاسلامإنَّ حياة الفاروق عمر بن الخطاب صفحة مُشْرقة من التاريخ الإسلامي، الذي بهر كل تاريخ وفَاقَه، والذي لم يحو تاريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد والإخلاص والجهاد والدعوة في سبيل الله[1].

إن حياة الفاروق عمر إنما هي قدوة للدعاة، والعلماء، والساسة، ورجال الفكر، وقادة الجيوش، وحكام الأمة، وطلاب العلم، وعامة الناس، لعلهم يستفيدون بها في حياتهم، ويقتدون بها في أعمالهم، فيكرمهم الله بالفوز في الدارَيْن..

صاحبنا اليوم -كما قيل عنه- (كان طويلاً جسيمًا أصلع صلعة عرف بها، فكان يقال له: أصلع قريش أو الأصيلع. شديد الحمرة.. كان يَفْرَع الناسَ طولاً كأنَّه على دابة. ويصفه ابنه عبد الله فيقول: كان أبي أبيض لا يتزوج النساء لشهوة إلا لطلب الولد، أعسر يعمل بكلتا يديه، كأنَّه من رجال بني سَدُوس..

وإذا ذهب إنسان مع خياله مُجسدًا هذه الأوصاف، تراءت له صورة من أجمل صور الرجال ملاحةً ومَهابةً وجلالاً).[2]

إنّ حياة عمر بن الخطاب تُمثل نموذجًا في غاية الروعة لمن يريد أن يصنع مَجدا، أو يحقق هدفا، أو يغيّر من حياته إلى الأحسن، ونحن إذ نعيش دقائق من حياتنا مع هذا العملاق العظيم عمر بن الخطاب ، يجدر بنا أن نضع نصب أعيينا هدفا واضحا نحاول تحقيقه، بل وننتقل من حياة الترف والبذخ والتنافس في الدون؛ إلى حياة الجد والاجتهاد والتسابق إلى النعيم الدائم، والعيش الرغد {فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54، 55]
التعريف بعمر بن الخطاب :

ولا تقتصر الاستفادة من تاريخ عمر بن الخطاب على المسلمين فحسب، بل تعم الفائدة الجميع، مسلمين وغير مسلمين، ولا ننس أن نقول: إنه صاحب الفضل في ابتكار الكثير من الوسائل التي ما زال الناس ينتفعون بها إلي اليوم فهو:

* "أول من دوّن الديوان وعمل فيه؛ والديوان سِجِل أو كتاب تُدوّن فيه وتُسجَّل أسماء أفراد الجيش والذين يُعطَون والعمال"[3].

* "وهو أول من اتخذ الدِّرة.

* وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين"[4].

* "وهو أول من جمع القرآن في الصحف.

* وهو أول من سَنَّ قيام شهر رمضان، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة.

* وهو أول من ضرب في الخَمْر.

* وهو أول من فتح الفتوح وهي الأرضون والكور التي فيها الخراج والفيء، فتح العراق كله السواد والجبال، وأذربيجان، وكور البصرة وأرضها، وكور الأهواز، وفارس، وكور الشام ما خلا أجنادين فإنها فتحت في خلافة أبي بكر الصديق رحمه الله، وفتح عمر كور الجزيرة، والموصل، ومصر، والإسكندرية، وقتل رحمه الله وخيله على الرَّي وقد فتحوا عامَّتها.

* وهو أول من مسح السواد وأرض الجبل، ووضع الخراج على الأرضين، والجزية على جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهمًا، وعلى الفقير اثني عشر درهمًا، وقال: لا يعوز رجلاً منهم درهم في شهر. فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر رحمه الله مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم ودانقين ونصف.

* وهو أول من مصّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل وأنزلها العرب، وخَطَّ الكوفة والبصرة خططًا للقبائل.

* وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار.

* وهو أول من كتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وقسم القسوم في الناس، وفرض لأهل بدر وفضّلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقدمهم في الإسلام.

* وهو أول من حمل الطعام في السفن من مصر في البحر حتى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة"[5].
نسب عمر بن الخطاب وقبيلته :

عمر بن الخطاب في عداد أشراف مكة نسبًا، ومن أرفعها قدرًا، وأعلاها منزلة، فهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي.

"وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وقيل: حنتمة بنت هشام بن المغيرة. فعلى هذا تكون أخت أبي جهل وعلى الأول تكون ابنة عمه، قال أبو عمر: ومن قال ذلك -يعني بنت هشام- فقد أخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل والحارث ابني هشام، وليس كذلك وإنما هي ابنة عمهما؛ لأن هشامًا وهاشمًا ابني المغيرة أخوان، فهاشم والد حنتمة وهشام والد الحارث وأبي جهل.

وكان يقال لهاشم جد عمر: ذو الرمحين.

وقال ابن منده: أم عمر أخت أبي جهل. وقال أبو نعيم: هي بنت هشام أخت أبي جهل وأبو جهل خاله"[6].
مولد عمر بن الخطاب :

وُلد في السنة الثالثة عشرة من ميلاد الرسول بمكة، وذلك بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة.
دعاء النبي لعمر بن الخطاب :

روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ".

لماذا أحد هذين الرجلين؟

كان أهل الإسلام يجتمعون في بدء الإسلام سرًّا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، لقلة عددهم، وشدة قريش عليهم.

وكان ممن عرف بالشدة على المسلمين عمر بن الخطاب، وأبو جهل، وكان لهما من المكانة الشيء الكبير، وفي هذا الوقت كان النبي يتوقع خيرًا للإسلام والمسلمين، بإسلام أحد هذين الرجلين.

أما عمر بن الخطاب، فكان من أشراف قريش، لا من الأشراف اللاهين العابثين تفاهة وانغماسًا في الملذات، فما كانت أيام شبابه لهوًا وعبثًا، ولكن كان يأخذ نفسه بمعالي الأمور ويدع سفاسفها، لا يرضى الدنية، دقيق الحس فصيح اللسان، قوي العارضة، عرفت قريش عنه كل ما يشرفها، ويجعله في الصدارة مع إخوانه فأعطته المكانة التي شرفت بتقلده إياها, فإن عمر كان سفير قريش في الجاهلية، وما أعلى السفارة قدرًا عند ذوي الفصاحة والحجى، وكانت قريش أفصح العرب, وبلغتها نزل القرآن فأين عمر وهو سفيرها في هذا المجال! وهل أرضى للمرء عند نفسه، وأكرم عند قومه من أن يكون المقدم إذا حق اللقاء، والمفوه المنشود إذا كان المجال الحجة والكلام؟![7]

ولعل أبا جهل كان يتصف بصفات عديدة من قوةِ جسدٍ، وثروة كبيرة وعائلة عريقة، غير أن كليهما يشترك في صفة عزيزة الوجود في الرجال، في حين كان الإسلام في حاجة شديدة إليها، ألا وهي صفة القيادة، ولعل هذا كان سر دعوة النبي أن يعز الله الإسلام بأحدهما.

"فبالرغم من الحرب العنيفة التي يشنّها الرجلان على الإسلام، لم تكن تخفى على رسول الله مقومات الزعامة والقيادة فيهما، وأن وجود أحدهما في الصف الإسلامي يعني قوة هذا الصف واعتزازه، وإن وراء الكفر المتبجح قلوبًا لم تصطدم بعدُ بتيار الإسلام القوي، ولم تصل لها القوة الكهربية الضخمة. إنها حين تكون الصدمة قوية قد تغير الكيان كله، وهذا ما وقع في قدر الله، ودفع إلى إسلام عظيم الرجال عمر بن الخطاب"[8].

ولا ننس هذه الرواية التي معنا وفيها أن النبي دعا لعمر خاصة بأن يسلم فيروي ابن ماجه بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله : "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَاصَّةً"[9].

وقد استجاب الحق تبارك وتعالى لتلك الدعوة النبوية، فقر الإسلام بالفاروق، وعز به أهل الإسلام.

ولقد بلغ عمر أوجًا شاهقًا في محراب الإيمان والتقوى، والتبتل والتخشع، حتى إن رسول الله ليرى رؤيا عجيبة ورؤيا الأنبياء حق فيقول: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهُمْ مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمْرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الدِّينُ".

وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سمع النبي يقول: "أَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ". وفي لفظ آخر: "أَقْوَاهُمْ فِي اللَّهِ عُمَرُ".

وقال في مدحه للفاروق وعدم حبه للباطل: "هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، هَذَا رَجُلٌ لا يُحِبُّ الْبَاطِلَ"[10].

وقال الرسول : "لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ"[11].

وقال ابن حجر العسقلاني: السبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي من الموافقات التي نزل القرآن الكريم مطابقًا لها، ووقع له بعد النبي عدة إصابات.
الرسول يشهد بعبقرية الفاروق :

روى البخاري بسنده عمن سمع أبا هريرة قال سمعت النبي يقول: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ"[12].

معاني بعض الكلمات:

استحالت غربًا: تحولت إلى دلو كبيرة كناية عن قوة أخذه وعمله.

ضرب الناس بعطن: أي رووا ورويت إبلهم فأقامت على الماء.
من أطاعه رشد :

عن أبي قتادة قال: قال رسول الله : "إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ أَرْشَدُوا"[13].
ويدعو له بالشهادة :

ويروي ابن ماجه بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمٍيصًا أَبْيَضَ، فَقَالَ: "ثَوْبُكُ هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ؟", قَالَ: لا بَلْ غَسِيلٌ. قَالَ: "الْبَسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمِتْ شَهِيدًا"[14].

ولله در علي بن أبي طالب ما أبلغه عندما قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر.
أقوال الصحابة في الفاروق:
1- عائشة أم المؤمنين :

عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: من رأى ابن الخطاب، علم أنه غناء للإسلام، كان والله أحوذيًّا. نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها. وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا ذكرتم عمر طاب المجلس.
2- سعيد بن زيد :

روى عن سعيد بن زيد أنه بكى عند موت عمر فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: على الإسلام، إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا تُرتق إلى يوم القيامة.
3- أبو طلحة الأنصاري :

والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم.
4- حذيفة بن اليمان :

إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل مقبل لم يزل في إقبال, فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار.
5- عبد الله بن سلام :

جاء عبد الله بن سلام بعد أن صلي على عمر فقال: إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه، فلن تسبقوني بالثناء عليه، ثم قال: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، جوادًا بالحق، بخيلاً بالباطل، ترضى من الرضا، وتسخط من السخط، لم تكن مداحًا ولا معيابًا، طيب العرف، عفيف الطرف.
6- العباس بن عبد المطلب :

كنت جارًا لعمر بن الخطاب . فما رأيت أحدًا من الناس كان أفضل من عمر، إن ليله صلاة، ونهاره صيام، وفي حاجات الناس.
7- علي بن الحسين :

عن ابن أبي حازم عن أبيه قال: سئل علي بن الحسين عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومنزلتهما من رسول الله قال: كمنزلتهما اليوم، وهما ضجيعاه.
آراء بعض المستشرقين في عمر الفاروق :

1- قال موير في كتابه (الخلافة): كانت البساطة والقيام بالواجب من أهم مبادئ عمر وأظهر ما اتصفت به إدارته عدم التحيز والتقيد، وكان يقدر المسئولية حق قدرها، وكان شعوره بالعدل قويًّا، ولم يحارب أحدًا في اختيار عماله، ومع أنه كان يحمل عصاه ويعاقب المذنب في الحال، حتى قيل إن درة عمر أشد من سيف غيره، إلا أنه كان رقيق القلب، وكانت له أعمال سجلت له شفقته، ومن ذلك شفقته على الأرامل والأيتام.

2- وقالت عنه دائرة المعارف البريطانية: كان عمر حاكمًا عاقلاً، بعيد النظر، وقد أدى للإسلام خدمة عظيمة.

3- وقال الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتابه (محمد وخلفاؤه): إن حياة عمر من أولها إلى آخرها تدل على أنه كان رجلاً ذا مواهب عقلية عظيمة، وكان شديد التمسك بالاستقامة والعدالة، وهو الذي وضع أساس الدولة الإسلامية، ونفذ رغبات النبي وثبتها، وآزر أبا بكر بنصائحه في أثناء خلافته القصيرة، ووضع قواعد متينة للإدارة الحازمة في جميع البلدان التي فتحها المسلمون، وإن اليد القوية التي وضعها على أعظم قواده المحبوبين لدى الجيش في البلاد النائية وقت انتصارهم لأكَبر دليل على كفاءته الخارقة لإدارة الحكم، وكان ببساطة أخلاقه، واحتقاره للأبهة والترف، مقتديًا بالنبي وأبي بكر وقد سار على أَثَرهما في كتبه وتعليماته للقواد.

الإسلام هو الذي صنع من عمر الفاروق.
الجاهلية والإسلام في حياة عمر وجها لوجه :

"إن الإنسان هذا الكائن العجيب، يعتبر سيدًا لعناصر الكون كلها، يوازن أعتاها وأقساها فيرجحه ويربو عليه، يوم يكون شخصًا فاضلاً، ولكنه يلعن في الأرض والسماء ويَرْجَحه الذر والهباء يوم يكون شخصًا ساقطًا"[15].

هذا ما حدث تمامًا مع عمر بن الخطاب، بون شاسع وفرق كبير بين عمر بن الخطاب قبل إسلامه، وأبي حفص عمر بن الخطاب الفاروق بعد إسلامه.
مشاهد من حياته في الجاهلية :

كان يدافع عن كل ما أَلِفته قريش من عادات وعبادات ونظم وكانت له طبيعة مخلصة تجعله يتفانى في الدفاع عما يؤمن به، وبهذه الطبيعة التي جعلته يشتد في الدفاع عما يؤمن به قاوم عمر الإسلام في اللحظات الأولى، ووقف بالمرصاد أمام الدعوة في بدايتها، وخشي عمر أن يهز هذا الدين النظام المكي الذي استقر، والذي يجعل لمكة بين العرب مكانة، والذي أعطى لمكة ثروتها الروحية، وثروتها المادية، فهو سبب ازدهارها وغنى سراتها؛ ولذلك قاوم سراة مكة هذا الدين، وبطشوا بالمستضعفين من معتنقيه وكان عمر من أشد أهل مكة بهؤلاء الضعفاء.

ولقد ظل يضرب جارية أسلمت، حتى عيت يده، ووقع السوط من يده، فتوقف إعياءً، ومر أبو بكر فرآه يعذب الجارية فاشتراها منه وأعتقها.

وفي الجاهلية كان له صنم يعبده، فعندما جاع أكله, كيف يأكل العابد معبوده! إنه لسفه عظيم، وضلال مبين.

ها هو الفاروق الذي كان يعبد الأصنام، ويتصدى لكل من يحاول إهانة هذه الأحجار ويصب العذاب صبًّا في وجه من يحاول تنزيلها عن مكانتها العالية في ظنه.

ومع ذلك كان رجلاً بليغًا، حصيفًا، قويًّا، حليمًا، شريفًا، قوي الحجة، واضح البيان، مما أهّلهُ لأن يكون سفيرًا لقريش، ومفاخرًا ومنافرًا لها مع القبائل، قال ابن الجوزي: كانت السفارة إلى عمر بن الخطاب، إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرًا، أو نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرًا ومفاخرًا، ورضوا به متحدثًا بلسانهم وهم أفصح الناس، وسفيرًا لهم وهم أعرق الناس نسبًا وأعظمهم جاهًا.

وكما نرى في هذه المشاهد التي توحي لنا بتناقض غريب وعجيب خلّفته الجاهلية بغبارها وركامها في هذا التاريخ العمري، نرى صفات إيجابية وأخرى سلبية، ولا شك أن كل إنسان يحمل بين جنبيه ألوانًا متعددة من الصفات والخصائص منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي، ولكن عمر بن الخطاب به من الإيجابيات الكثير الذي يميزه عن غيره من الناس، وقد استفاد الإسلام بشكل واضح من أخلاق عمر الإيجابية وأكّد عليها ونمّاها بشكل أوضح.

فمن الصفات الإيجابية البارزة لدى عمر بن الخطاب صفة القيادة، وما زال الإسلام ينمي فيه هذه الصفة ويؤكد عليها إلى أن وصل بعمر أن يكون يومًا ما أميرًا للمؤمنين، وخليفة للصديق أبي بكر رضي الله عنهما.

وقد استفاد الإسلام أيضًا من صفة الشدة عند عمر وجعلها بمثابة الدرع الواقي الذي يحمي هيبة الإسلام أمام من تُسول له نفسه المساس بقدسية هذا الصرح العظيم -الإسلام- ففي كثير من المواقف نجد الفاروق يشهر سيفه قائلاً: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله.

لقد عاش عمر في الجاهلية وعرف حقيقتها، وتقاليدها، وأعرافها، ودافع عنها بكل ما يملك من قوة، ولذلك عندما دخل الإسلام عرف جماله وحقيقته وتيقن الفرق الهائل بين الهدى والضلال، والكفر والإيمان، والحق والباطل، ولذلك قال قولته المشهورة: "إِنَّمَا تُنْقَصُ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الإِسْلامِ مَنْ لا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ".

وهذه هي شهادة الفاروق عمر بن الخطاب عن الإسلام وعزته: "إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ".

رغم السيادة التي كان فيها عمر في جاهليته من قيامه بأمر السفارة في قريش، ومكانته المرموقة بين القوم، إلا أنه أدرك بعد إسلامه البون الشاسع بين من يؤمن بالله وبين من يعبد الأحجار والأوثان والأنصاب والأزلام التي لا تنفع ولا تضر.

يخاف الفاروق من ربه خوفًا صادقًا، أدى به إلى الاجتهاد في عبادة الله ، والتفاني في مرضاته.

وهذا هو الخوف الإيجابي الذي يعين المرء على المزيد من طاعة الله، فليس الخائف من يبكي وتسيل دموعه، ثم يمضي قدمًا في معاصي الله، وإنما الخائف هو من يترك معصية الله خوفًا منه.

هذا هو الفاروق الذي ملك إمارة المسلمين وورث كسرى وقيصر، يخاف من الدنيا ومن غرورها، ومن المال وفتنته يقول المِسْور بن مَخْرمة : أُتِي بمال فوُضع في المسجد، فخرج عمر إليه ليتصفحه وينظر إليه، ثم هملت عيناه.

فما أحرانا أن نقتدي بالفاروق في البكاء من خشية الله تعالى.

فماذا عساه أن يكون عمر لو لم يدخل في هذا الدين العظيم، كان سيمحى من ذاكرة التاريخ والإنسانية، ويتساوى مع أساطين الكفر، وأئمة الضلالة كأبي جهل بن هشام، وأُبي بن خلف، وأبي لهب بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة، ولكنه بإسلامه سطر اسمه في سجل العظماء الذين نصروا الله في كل المواطن التي شهدوها, هكذا ينصر الحق تبارك وتعالى من يقوم بنصره، ومن يتحمل المتاعب من أجل الدعوة ومن أجل الدفاع عن الحق.

لقد تبوأ عمر بالإسلام مكانة لم ينلها إلا عدد قليل ممن اصطفاه الله في هذه الحياة الدنيا، مكانة سامقة، تجعل الرجل علامة بارزة في جبين الإنسانية، وكفى قول الرسول : "لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ"[16].

لقد كان الفاروق رجلاً ربانيًّا بحق، لا يخشى إلا الله فكان دائمًا الحق على لسانه وقلبه، ودائمًا الصواب معه، والرأي الراجح له، إنهم رجال رباهم الرسول عليه الصلاة والسلام على مبادئ الإسلام العالية، فكانوا رجالاً كما وصفهم الله في كتابه العزيز: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23].
لماذا لم يتول الخلافة قبل أبي بكر مع قوته وعلمه؟
الصفات والفضائل والأعمال التي انفرد بها أبو بكر الصديق :

وفي ذلك تروي السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَ بَلالٌ يُؤَذِّنُ بِالصَّلاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"[17].

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَّى يَقُمْ مَقَامَكَ لا يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ: "إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ". فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لأُصِيبُ مِنْكِ خَيْرًا.

تَقُولُ عَائِشَةُ: لَقَدْ رَاجَعْتُهُ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى مَرَاجَعَتِهِ إِلا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلاً قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا.

فأرسل النبي إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -وَكَانَ رَجُلاً رَقِيقًا: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ وَالآخَرُ عَلِيٌّ، وَرِجْلاهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ بِأَنْ لا يَتَأَخَّرَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ". فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَلَى يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي قَاعِدًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلاةِ النَّبِيِّ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ.

قال ابن حبان رحمه الله: هذا الخبر فيه دليل على أن الخليفة بعد الرسول هو أبو بكر الصديق .

ويدل هذا الخبر على فضل أبي بكر على جميع صحابة رسول الله .
ومن مناقب الصديق إعلام الرسول للمسلمين أنهم يأبون عقد الخلافة لغير أبي بكر:

فتروي عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فِي مَرَضِهِ: "ادْعِ لِي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاك، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ".

ففي الحديث إخبار من رسول الله على أن المسلمين لا يرضون بغير أبي بكر خليفة لهم.

ومن الأحاديث التي تدل على حب الرسول لأبي بكر هذا الحديث يرويه لنا عمرو بن العاص فيقول: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النِّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ الرَّسُولُ : "عَائِشَةُ". قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ : "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ : "عُمَرُ". فَعَدَّ رِجَالاً، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.

"أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ عَائِشَةُ وَمِنَ الرِّجَالِ أَبُوهَا"[18].

وفي هذا الحديث نرى مكانة أبي بكر وابنته عائشة رضي الله عنهما، وبيان فضل عمر إذ تأتي منزلته بعد منزلة الصديق جميعًا.

وأي منزلة تلك التي وصل إليها أبو بكر الصديق وعندها تتضاءل كل منازل الدنيا، فإن من أحبه النبي أحبه الله تعالى ومن أحبه الله تعالى فقد فاز بالدنيا والآخرة، وذلك هو الفوز المبين.
ومن فضائل الصديق t:

دعوة الرسول للأمة أن تقتدي بالصديق، وإن شاركه عمر بن الخطاب إلا أنه ذكر بعده، فقد ذُكر أبو بكر أولاً لفضله وعلمه.

يروي حذيفة بن اليمان أن رسول الله قال: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ".

وفي رواية أخرى: "إِنِّي لا أَدْرِي كَمْ قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ".

وفيه ذكر لفضائل عمر ولكن بعد الصديق .

وأبو بكر أفضل من عمر رضي الله عنهما بشهادة النبي وبشهادة عمر نفسه وبما نرى من مواقف كثيرة تؤيد هذا الأمر.

وما روى عن النبي أنه قال: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي وُزِنْتُ بِأُمَّتِي فَرَجَحْتُ، ثُمَّ وُزِنَ أَبُو بَكْرٍ فَرَجَحَ، ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ فَرَجَحَ".

وفي هذا بيان واضح في فضله على عمر. وقال عمر : "مَا سَابَقْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلاَّ سَبَقَنِي إِلَيْهِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي شَعَرَةٌ فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ"[19].
مكانة عمر بن الخطاب في الآخرة :

روى البخاري بسنده أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، قُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ[20]
.


[1] د. علي الصلابي: عمر بن الخطاب.
[2] أ. عمر التلمساني: شهيد المحراب عمر بن الخطاب ص 47.
[3] تاريخ دمشق: جزء 57 ص 404.
[4] أسد الغابة: جزء 1 ص832.
[5] الطبقات الكبرى: جزء 3 صفحة 281، 282.
[6] أسد الغابة: جزء 1 صفحة 814.
[7] أ. عمر التلمساني: شهيد المحراب عمر بن الخطاب ص 48.
[8] أ. منير الغضبان: المنهج الحركي للسيرة النبوية.
[9] المقدمة: باب فضل عمر بن الخطاب حديث رقم 102.
[10] مسند أحمد: حديث رقم 15033.
[11] الترمذي: 3619.
[12] البخاري: حديث رقم 3391.
[13] قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح (صحيح ابن حبان: جزء 15 ص327).
[14] سنن ابن ماجه: كتاب اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث رقم 3548.
[15] محمد الغزالي: خلق المسلم.
[16] (حسن) صحيح الجامع: حديث رقم‏ 5284.
[17] (‏صحيح‏)‏ صحيح الجامع: حديث رقم‏ 5866.‏
[18] (‏صحيح‏)‏ صحيح الجامع: انظر حديث رقم 177.
[19] الاستيعاب: جزء 1 صفحة 356.
[20] البخاري: حديث رقم 6505.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:32

إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية
هناك أسباب كثيرة -بخلاف الأسباب الشرعية المشهورة- تدعونا للاهتمام بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه، منها: اجتهاداته الكثيرة في قضايا مهمة ما تزال حية إلى اليوم مثل قضايا المال العام وكيف يتصرف فيه، كما أن اهتماماته بأمور المسلمين الحياتية المعاشية، واهتمامه بالبنية التحتية للدولة -كما يعبر عنها اليوم- تلفت النظر ونحن بحاجة إلى إعادة قراءتها.

وقد ضرب الله سبحانه لنا مثلاً في القرآن الكريم بالحاكم العادل القوي (ذي القرنين)، الذي عنده علم أيضًا بعمارة الأرض، ويدافع عن المظلومين، ويعاقب المجرمين، آيات بينات من سورة الكهف تتلى على مر الأيام والليالي؛ فإعادة سيرة عمر رضى الله عنه وخاصة في إنجازاته الحضارية ليس من باب التفاخر بالماضي ولكن لملاحظة التقصير في الضروريات، والاقتداء بشخصية عظيمة كعمر، وهو من الحكام العادلين المقتدى بهم.

ومن أسباب الاهتمام بعمر رضى الله عنه ما ظهر أخيرًا من الإيذاء للصحابة رضوان الله عليهم، وخاصة لعمر، وقد جاء في الأثر (إذا لعن آخر هذه الأمة أوَّلها، فمن كان عنده علم فليظهره). وما سمعنا في الماضي والحاضر أن أمة تهدم تاريخها وتشوه تاريخها وتتعمد تحطيم عظمائها إلا هذه الفئة التي تتعمد نسف التاريخ الإسلامي كله. ولكن المنصفين من غير المسلمين يعظمون عمر رضى الله عنه ويعرفون قدره بين القادة والعباقرة، يقول الكاتب اللبناني مارون عبود: "لا أحد يستطيع أن يتخيل النهضة العربية دون أن تمر أمامه صورة أبي بكر وعمر وعلي ومعاوية وهارون الرشيد... ".

وإذا أبعدنا هذا الجيل الذي رباه محمد ، كيف سيكون أمر الدين؟ بل ما الحياة إن خلت من مثل أعلى والصحابة هم المثل الأعلى؛ فقد تميزوا بصفات لم تكن لغيرهم، فهم الذين نقلوا الوحي السماوي كله، فلم يسقط منه حرف، ونقلوا السنة النبوية فحفظوا بذلك الأصول النظرية للإسلام، وحققوا عالمية الرسالة عندما انساحوا في الأرض ينشرون الإسلام. إنه جيل عظيم بكل معاني العظمة، وعندما نصحب هذا الجيل فإنها نعمة كبيرة. يقول الإمام ولي الله الدهلوي: "إن كل من يقرأ القرآن من المسلمين في يومنا هذا مدين في ذلك للفاروق العظيم"؛ لأن عمر هو الذي اقترح على أبي بكر جمع القرآن.

والذين يؤذون الصحابة إنما يؤذون النبي ؛ فهو الذي رباهم، وتوفي وهو عنهم راضٍ. ونحن ندعو في كل صلاة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7]، وأبو بكر من الذين أنعم الله عليهم كما في الآية {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69]. وأبو بكر رضى الله عنه من الصديقين، وإذا كان جيل الصحابة كما يصوره الحاقدون، إذن فعلى الإسلام السلام، ولكن الإسلام باقٍ -والحمد لله- وظاهر إن شاء الله، ونحن نُجلُّ الصحابة ونحبهم، بل هذا التقدير جزء من العقيدة الإسلامية.

عمر رضي الله عنه المؤسس

عندما يُذكر عمر بن الخطاب رضى الله عنه يتحدث الناس عن إسلامه الذي كان فتحًا، وعن عدله الذي بهر العقول، وعن تقواه وخشيته وتقشفه في ملبسه ومأكله[1]، ويذكرون عمر الفاتح الذي فتحت في عهده بلاد الشام بأكملها والعراق وفارس وخراسان ومصر.. ويذكرون عمر المجتهد الفقيه، وقد وصفه الرسول بالعبقرية فقال: "لم أرَ عبقريًّا يفري فريه"، ووصفه بأنه مُحدَّث (ملهم).

لن نتحدث عن شخصية عمر الذي يداوي إبل الصدقة بيده، ويمشي في السوق وحده، ومع ذلك يصل من هيبته أن القادة الكبار يفرقون منه، ولكن سنتحدث عن شخصية عمر المؤسس للدول، المخطط للعمران، وعن اهتماماته الحضارية، الاجتماعية والاقتصادية، وهو جانب قد يغيب عن بعض الناس، وهو جانب لم يُشتهر به كما اشتهر في الجوانب الأخرى، كيف كان يشغله أمور الناس المعاشية، وكيف كان يفكر فيما يُسمى اليوم (البنية التحتية). وهذا الجانب لا أقول تغفل عنه الدول فقط -أو لا تريد تنفيذه- ولكن تغفل عنه المؤسسات الإسلامية والجمعيات الإسلامية، فأين هؤلاء من اهتمامه بالنواحي الصحية للمجتمع الإسلامي وقد وسعت سياسته كل ما جَدَّ وكل ما تطلبته حياة الناس؟!

القضاء

لا تنتظم أمور الناس إذا لم يكن هناك قضاء مستقل، وقضاء في أعلى درجات النزاهة والتقوى والعلم والخبرة. وإن أُولى مقدمات التقدم الحضاري هو أن تقام إدارة للعدل مستقلة عن إدارة الحكم، ويُقال: "أرني قوانين أمة، أدلك على حظها في الرقي أو الانحطاط". وقد قام عمر بفصل القضاء عن إدارة الحكم، وأقام المحاكم في كل ولاية، وعيّن القضاة حسب شروط معينة، وكان يختار القضاة بعد أن يختبرهم في علمهم وذكائهم، ورسالته في القضاء إلى الصحابي أبي موسى الأشعري تعتبر وثيقة قضائية بالغة الأهمية، وهذا نصها:

"أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع حق لا نفاذ له. آس بين الناس في مجلسك ووجهك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرّم حلالاً، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه نفسك وهُديت لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير لك من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا في سنة، واعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها لله، وأشبهها بالحق فيما ترى. المسلمون عدول في الشهادة بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة؛ فإن الله قد تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات. وإياكم والقلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق".

ويستنبط من هذه الرسالة:

1- معاملة الناس جميعًا بالمساواة.

2- يجب أن يحدد تاريخًا معينًا لتقديم الدعوى.

3- إذا لم يحضر المدعي عليه في التاريخ المحدد، يمكن أن يحكم في القضية غيابيًّا.

4- كل مسلم يصلح للشهادة عدا من وقع عليه عقاب أو ثبت كذبه في الشهادات.

ولم يكتفِ عمر بهذا، بل كان يكتب الفتاوى المتعلقة بالأمور المهمة والشائكة ويرسلها للقضاة بين الحين والآخر، وقد وضع عمر كثيرًا من القيود لمنع وسائل الدخل غير المشروع فقرر الرواتب المناسبة، فقد كان راتب سلمان بن ربيعة الباهلي والقاضي شريح خمسمائة درهم شهريًّا، ولم يكن يسمح لأي قاض بالبيع والشراء والتجارة، وهذه هي القواعد التي تتبعها اليوم الدول المتقدمة بعد عهود من التجربة.

الدواوين والاهتمام بالنظام المالي في الإسلام

اتسعت رقعة الدولة زمن عمر رضى الله عنه اتساعًا كبيرًا، وأصبحت الحاجة ملحة لضبط الأمور، وخاصة في النواحي المالية؛ ولذلك أُنشئت الدواوين (الوزارات)، وهو رضى الله عنه أول من دَوّنها، فكان ديوان (الجند) وديوان (الخزانة) وديوان العطاء (التأمينات الاجتماعية).

وبعد فتح العراق واجه مشكلة تقسيم الأرض، فقد طلب الفاتحون أن تقسم الأرض بينهم، وعارضهم في هذا الرأي.

وكان رضى الله عنه يتوخى الحذر في القضايا الكبيرة الاجتهادية، فكان لا يفصل في قضية دون أخذ رأي الصحابة، ويظل ثلاثة أيام يشاور الصحابة، وقد أيده في رأيه عليٌّ وعثمان وزعماء الأنصار، وعارضه عبد الرحمن بن عوف وبلال، وكان أشدهم عليه بلال، حتى قال: "اللهم اكفني بلالاً وأصحابه".

وكان رأي عمر أن الأرض إذا وزعت على الفاتحين، فمن أين ستأتي بعدئذ نفقات الدولة ونفقات الجهاد والدفاع عن البلاد؟ ومَنْ للذرية بعدئذ؟ واستشهد عمر بالآيات من سورة الحشر {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر 9، 10]. استنبط عمر من هذه الآية أن الأجيال المسلمة القادمة لها الحق في الأراضي المفتوحة، وهكذا استقر الرأي على بقاء الأرض بأيدي أصحابها ويدفعون الخراج عنها.

إن ترك المال بأيدي الناس ليعملوا أو يربحوا، وتزداد أموالهم هو الرأي الصحيح في قضايا المال، وهو يدل على عمق فهم عمر لمصلحة الأمة، وعمق نظرته المستقبلية، وهذا ما أدركته أوربا في العصور الحديثة، وأثبته (آدم سميث) في كتابه (ثروة الأمم)؛ حيث إن الثروة لا تقاس بما يملكه الحكام أو الملوك، ولكن بما يملكه الناس؛ فالدولة لا تشتغل بالتجارة أو الصناعة.

ولم يكتفِ رضى الله عنه بهذه النظرة لمستقبل الأجيال، بل أمر بمسح أرض العراق، حتى يكون كل شيء محسوب بدقة، ولا يظلم الذين يعملون في الأرض، ولم يكن مسح الأرض من الفنون التي تعرفها العرب، واختار رجلين من الصحابة لهذه المهمة: عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان، وكانت لهما خبرة في هذا المجال، بل يذكر الإمام أبو يوسف في كتابه (الخراج) أن عثمان بن حنيف كان يقيس بدقة، كما لو كان يقيس الأقمشة النفيسة.

وخوفًا من أن تُحمِّل الأرض خراجًا لا تطيقه، فقد استدعى هذين الصحابيين ليسألهما، كما روى البخاري عن عمرو بن ميمون قال: "رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل. فقال عمر: لئن سلمني الله تعالى، لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحدٍ بعدي".

ومن الأمور الغريبة أنه بالرغم من أن عمر حدد الخراج في يسر وسهولة، ولكن مقدار الخراج الذي جبي في عهده لم يجب مثله فيما بعد، وذلك للعدل الذي كان ولرفقه بالرعية، وتحت نظام الخراج قضى عمر على نظام الإقطاع الروماني المنتشر في بلاد الشام، وأقام نظامًا للإنصاف مع البلاد المفتوحة لا يوجد له مثيل في أي بقعة من الأرض.

ديوان العطاء

قرر عمر رضى الله عنه لكل مسلم مخصصات مالية مستمرة، سواء أكان رجلاً أم امرأة، كبيرًا أم صغيرًا (حتى للطفل الرضيع)، كما شملت هذه التأمينات الفقراء من غير المسلمين، وعندما بدأ بتسجيل أسماء الناس قال: بمن نبدأ؟ قال له عبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك. قال: لا، بل نبدأ ببني هاشم وبني المطلب. وفرض للعباس ثم لعلي رضي الله عنهما، ثم الأقرب فالأقرب من رسول الله ، ثم قدم أزواج النبي فكان لهم أعلى المخصصات، ثم أهل بدر ثم الذين بعدهم، وعندما قرر راتبًا لأسامة بن زيد أكبر من راتب ابنه عبد الله، قال عبد الله: أسامة ليس أفضل مني. قال عمر: ولكن أسامة أحب إلى رسول الله منك. وفرض لكل مولود مائة درهم، فإذا ترعرع مائتي درهم، فإذا بلغ رشده زاد له في العطاء. ويقول "والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال". وهذا هو الحق، وهذا هو الفقه لرسالة الإسلام؛ فالفرد في الدولة الإسلامية له الحق في المأوى والمأكل والملبس، ولا يجوز أن يعيش إنسان بين المسلمين ويموت جوعًا.

إن هذه الرواتب هي الحد الأدنى لكل إنسان، ولا يجهل عمر رضى الله عنه أن لا تكون هذه العطايا مدعاة للكسل وترك العمل، وعندما كتب الإمام الماوردي عن مهمة المحتسب في الإسلام قال: "وهي تنبيه القادرين على كسب عيشهم وتأديبهم إذا كانوا يأخذون الصدقات وهم قادرون على العمل، واستدل بفعل عمر قال: وقد فعل عمر ذلك بقوم من أهل الصدقة".

من أين لعمر رضى الله عنه هذه الثقة في أن يأتي الراعي في صنعاء نصيبه من هذا المال؟! إنه من العدل ومن تنظيم بيت المال، وقد وضع القرآن الكريم والسنة النبوية أصول النظام المالي، وأعطاه صفته التفصيلية عمر بن الخطاب، وقد استفاد أيضًا من تنظيمات البلاد المفتوحة.

عندما ورد على المدينة أموال عظيمة من الخراج لم يكن هناك مكان معين لبيت المال، كان المال يوزع على المسلمين في وقته، ولكن عندما كثر المال شاور عمر الصحابة، فكان رأي علي بن أبي طالب رضى الله عنه أن يقسم المال في نفس السنة ولا يوضع شيء منه في الخزانة، وخالفه في ذلك عثمان رضى الله عنه، وقال الوليد بن هشام: لقد رأيت عند ملوك الشام إدارتين منفصلتين إدارة الحكومة وإدارة الخزانة، واستحسن عمر هذا الرأي وأسس بيتًا للمال، وأقام أول خزانة كبيرة في دار الخلافة، وعيّن عبد الله بن الأرقم (صاحب بيت المال)، وأمر ببنية قوية لبيت المال في الكوفة.

الاهتمام بالزراعة وشق الأنهار وتمهيد الطرق

أولى عمر اهتمامًا كبيرًا بتطوير الزراعة واستصلاح الأراضي، وأصدر بهذا الشأن حكمًا عامًّا بأن من يصلح الأراضي البور أينما وجدت في جميع أنحاء الدولة، فإن ملكيتها تئول له وإذا لم يصلحها في غضون ثلاث سنوات تسترد منه.

إن الزراعة كما يقول علماء الاقتصاد في العصر الحديث هي أساس الاقتصاد وأساس الصناعة، "وعلى هذا الأساس، فالأرض هي الوسيلة المأمونة كما يقول اليوم الاقتصاديون الذين يدرسون مشاكل العالم الثالث لضمان (إقلاع) مجتمع ما من مرحلة أولية إلى مرحلة ثانوية..."[2].

إن اهتمام عمر بالزراعة والأرض جعله يهتم أيضًا بإدارة الري مثل إقامة السدود وبناء القناطر لتوزيع المياه وشق فروع للأنهار، وقد استأذن جزء بن معاوية عمر ليحفر أنهارًا كثيرة في مراكز الأهواز وخوزستان؛ لاستصلاح كثير من الأراضي غير الصالحة للزارعة. ومن اهتماماته رضى الله عنه ما يسمى اليوم بـ(المنافع العمومية) أو البنية التحتية والحالة المعيشية للناس؛ ولهذا أمر بشق الأنهار التي توصل الماء إلى المدن مثل نهر أبو موسى، وكان طوله تسعة أميال. وكان سبب ذلك أن الأحنف بن قيس اشتكى إلى عمر ملوحة أرض البصرة، فيضطر الناس لإحضار الماء من مسافة ستة أميال، فأمَر عمر أمير البصرة أبا موسى الأشعري بأن يحتفر نهرًا لأهل البصرة يتفرع عن نهر دجلة. وحفر في دجلة أيضًا نهر معقل الذي يضرب به المثل (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل)، وكلف بمهمة إعداده الصحابي معقل بن يسار..

ولكن أعظم الأنهار وأكبرها فائدة ذاك الذي أمر به عمر أيضًا، والذي اشتهر باسم خليج أمير المؤمنين، وهو قناة تصل ما بين نهر النيل والبحر الأحمر، وكانت بداية هذه القناة في الفسطاط، ثم إلى بلبيس، ثم إلى البحر الأحمر وقد أنجز المشروع في ثمانية أشهر[3]. فكانت السفن تنقل المؤن والبضائع من مصر إلى المدينة بيسر وسهولة، وبقي هذا المشروع ثم أهمل بعد القرن الأول من الهجرة.

أما إصلاح الطرق وتمهيدها، وهو شيء أساسي في (البنية التحتية) فقد اهتم به عمر اهتمامًا بالغًا، وهو الذي يقول: (لو أن شاة عثرت في شط الفرات، لخشيت أن أسأل عنها). وهذا شيء لم يسمع به في أي حضارة من الحضارات السابقة؛ لأن تمهيد الطرق هو الذي يؤدي إلى الاتصال السهل بين المدن والقرى والبادية ويساعد على انتعاش الزراعة والصناعة، كما هو الحال في أوربا اليوم[4].

كما بنى عمر استراحات بين المدينة ومكة للمعتمرين والحجاج، واتخذ في كل مدينة دارًا للضيافة. إن نظرة عمر رضى الله عنه للمال واهتمامه بشئون الناس المعاشية واهتمامه بالطرق والقنوات المائية، وكذلك اهتمامه بتنظيم (النقد) وضبط المعاملات بها، وضمان تنفيذ العقود وحرية الناس التجارية من خلال القضاء المستقل، إنما يعطي مثالاً واضحًا لدور الدولة في الإسلام التي لا تتدخل في شئون الناس المعاشية أو تشاركهم في أموالهم ومشاريعهم، وإنما هي الحماية ونشر الأمن، وضبط السوق؛ حتى لا يقع الاحتكار أو أي نوع من الاعتداء على الممتلكات.

بناء المدن

يقال إن الحضارة الإسلامية هي حضارة مدن، فقد بنى خلال هذه الحضارة مئات المدن، ما يزال كثير منها موجود حتى الآن، وقد بدأ هذا الاتجاه الحضاري عمر بن الخطاب، وذلك حين قدمت إليه الوفود بعد فتح جلولاء وحلوان فلم تعجبه هيئاتهم وأجسامهم فقال لهم: ما الذي غيركم؟ قالوا: وخومة البلاد. فكتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن ابعث سلمان وحذيفة رائدان ليرتادا منزلاً بريًّا بحريًّا. فظفر بالكوفة وأقرهم عمر، وأذن لهم في البنيان ولكن على ألا يتطاولوا في البنيان، وقال لهم: (الزموا السنة تلزمكم الدولة). وطلب من سعد أن يدعو أبا الهياج بن مالك، وأمره أن يجعلها مناهج (شوارع) عرض كل منها أربعون ذراعًا، وأخرى عرض كل منها ثلاثون ذراعًا، وأخرى عرض كل منها عشرون ذراعًا لا تضيق عن ذلك شيئًا.

ثم بنيت البصرة وفي مصر بنيت الفسطاط والجيزة؛ ولذلك يلقب رضى الله عنه بأنه (أبو المدن)، وهو لا يكتفي بالإذن بالبناء، بل يخطط لهم موقع المدينة المناسب (ليس بينه وبينهم ما يمنع الوصول إليهم)، ومقدار اتساع شوارعها، وينهاهم عن التطاول في البناء حتى يبقى المسلمون في حالة وسط، ولا ينتقلون إلى حالة الرفه والإسراف، وإذا وقع ذلك فعندئذ تذهب عنهم الدولة. ويُروى أن عمرو بن العاص أمير مصر اتخذ منبرًا مرتفعًا، فكتب إليه عمر: بلغني أنك اتخذت منبرًا ترقى به على رقاب المسلمين، أوَما بحسبك أن تقوم قائمًا؟ فعزمت عليك لما كسرته. وبنى خارجة بن حذافة غرفة (فوق البناء الأرضي) فكتب إلى عمرو بن العاص: فقد بلغني أن خارجة بنى غرفة، وقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله.

إنها عبقرية عمر في النظرة للمستقبل وما سيئول إليه أمر المسلمين حين يقعون في الترف المهلك، وفي تبديد الأموال على البناء والزخرفة.

حرية الفرد وكرامته وشخصيته

إن حماية حرية الإنسان وصيانة كرامته من أهم المطالب الشرعية، ولا تستقيم الحياة البشرية بدونها؛ فالاعتزاز بالنفس وخلق الإباء من الأسس المهمة لنضج الأخلاق؛ ولذلك اهتم عمر رضى الله عنه بهما، ويقول مخاطبًا وفود المسلمين إلى المدينة: "أيها الناس، إني والله ما أرسل عمالاً (أمراء) ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إليَّ، فو الذي نفس عمر بيده لأقصنه منه. قال عمرو بن العاص: لو أن رجلاً أدب بعض رعيته، أتقصنه منه؟ قال: أي والذي نفسي بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصنه منه وقد رأيت رسول الله يقص من نفسه...".

وكان يقول للعمال (أمراء المناطق): "لا تضربوا أبشار الناس فتذلوهم". فهو رضى الله عنه يهتم بكرامة المسلم؛ لأن في ضربه إذلالاً له، وعندئذ يصبح شخصية ضعيفة مستكينة، وليس هذا من تربية الإسلام.

بل هو يهتم بكرامة الإنسان، كل إنسان، وهو الذي قال قولته المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!" عندما ضرب مسلم رجلاً قبطيًّا في مصر.

ومن اهتمامه بشخصية المسلم التي يريدها أن تبقى في حالة وسط لا تقع في الترف ولا تصل إلى حالة الشظف، شخصية متعالية على عبادة الأثاث والرياش، يقول مخاطبًا المسلمين: "اخشوشنوا وتمعددوا[5] وانزوا على الخيل". ويطلب من الآباء تعليم أولادهم السباحة والرماية وركوب الخيل. ويطلب من سعد بن أبي وقاص بناء المدن، بعيدًا عن المستنقعات حماية لصحة المسلمين.

العلم ونشر العلم

من البديهي أن القرآن الكريم هو أساس العلم وأساس الحضارة الإسلامية، وقد نوه القرآن وأشاد كثيرًا بالعلم والعلماء وأثار في نفوس المسلمين حب العلم والتعلم، ومن أعظم أعمال عمر جهوده العلمية خدمة للإسلام ما أشار به على أبي بكر رضى الله عنه في جمع القرآن، وكانت طريقة جمعه على أسس علمية دقيقة، فقد وضع عمر منهجًا للتوثيق، فلا يؤخذ أي مخطوط (آية أو آيات) لا يشهد شخصان على أنه مكتوب وليس من الذاكرة فقط، فجمع بين الحفظ في الذاكرة والكتابة، شاهدين عدلين على الكتابة وشاهدين عدلين على الحفظ (اسم القرآن يدل على القراءة واسم الكتاب يدل على الكتابة).

وبعد أن تم هذا المشروع العظيم، كان الذي يشغل بال عمر هو تعليم المسلمين هذا الكتاب وخاصة الذين أسلموا بعد أن فتحت بلدانهم؛ ولذلك أرسل المعلمين من كبار الصحابة إلى المناطق المفتوحة ليعلموهم دينهم، أرسل عبد الله بن مسعود إلى الكوفة، وعمران بن حصين ومعقل بن يسار إلى البصرة، وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء ومعاذ بن جبل إلى الشام؛ فالفتوحات لا تترسخ وتستقر إلا بأن تنصهر هذه الشعوب في بوتقة الإسلام، ويعيش المسلمون أمة واحدة. وحتى ينتشر العلم في كل مكان، أرسل عمر رجلاً يجول بين القبائل في البادية معلمًا للقرآن، أي أن عمر نشر التعليم الإلزامي.

الاهتمام بالوقت والتاريخ

عندما قدم إلى عمر صك مكتوب عليه كلمة (شعبان)، قال عمر: كيف نعلم أن المقصود شهر شعبان الماضي أم الحالي؟ فعقد مجلسًا للشورى حضره كبار الصحابة وعرض هذه المسألة، أي تحديد التاريخ حتى لا تقع الأخطاء في العقود والمعاملات. فقال البعض: أرِّخوا من مولد الرسول . وقال آخرون: من مبعثه. وأشار علي رضى الله عنه إلى أن يؤرخ من الهجرة، فاستحسن عمر هذا الرأي، واستقر الأمر على أن تكون بداية التأريخ من بداية هجرة الرسول إلى المدينة، وأرخوا من محرمها.



[1] يقول المؤرخ الأمريكي ول ديورانت واصفًا مجيء عمر إلى بيت المقدس: "وجاء الخليفة نفسه للتصديق على شروط التسليم، جاء من المدينة في بساطة أفخر من الفخامة" (قصة الحضارة 13/76).
وعن أبي الغادية الشامي قال: "قدم عمر الجابية على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة".
[2] مالك بني نبي: مشكلة الأفكار ص40.
[3] القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1/19.
[4] قال أحد أساتذة الجامعات في أمريكا: إن أعظم إنجازات الرئيس (أيزنهاور) هي شبكة الطرق التي أنجزت في عهده وليس انتصاراته في الحرب.
[5] أي: كونوا مثل جدكم معد بن عدنان في البأس والخشونة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:34

إدارة عمر بن الخطاب

إ
ن الإدارة الصحيحة والقويمة لأي عمل مهما كان صغيرًا أو كبيرًا تحتاج إلى حكمة؛ لأن الإدارة تتعامل مع بشر وليس مع مجموعة من التروس والآلات، فرب كلمة صغيرة فعلت فعل السحر في نفس سامعها فدفعته إلى الأمام، وأيضًا رب كلمة فعلت في نفس سامعها فعل السحر فألقت به إلى الهاوية. والإدارة "فن قيادة الرجال" والرجال لهم مشارب شتى، ولا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة أن يقودهم إلا بالحكمة، والحكمة أن تضع كل شيء في مكانه، الغضب والحزم والشدة في المواضع التي تحتاج إلى ذلك، واللين والتسامح والرحمة أيضًا في المواقف التي تتطلب ذلك[1].
وقد كان عمر حكيمًا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، مما جعله مؤهلاً لحمل هذه الأمانة العظيمة؛ وهي إدارة الدولة الإسلامية في هذا الوقت من التاريخ الإسلامي العظيم.
"وفي عصر الفاروق شهد النظام الإداري نقلة حضارية كبرى تمثلت في مدى اهتمام الخليفة وعنايته الفائقة بالنظم الإدارية، ففي عهده رسخت التقاليد الإدارية الإسلامية. يقول الطبري: في هذه السنة (15هـ 636م) فرض عمر للمسلمين الفروض ودَوَّن الدواوين، وأعطى العطايا على السابقة.
وهذا يؤكد مرونة العقلية الإسلامية وقبولها لتطوير نفسها، وتمثل هذا في اهتمام الفاروق بتنظيم الدولة الإسلامية إداريًّا، وخاصة أن الفتوحات الإسلامية قد أدت إلى امتداد رقعة الدولة الإسلامية في عهده، ففصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية، وأكد استقلال القضاء، كما اهتم بأمر الأمصار والأقاليم، ووطد العلاقة بين العاصمة المركزية والولاة والعمال في أجزاء الدولة الإسلامية.
وكان عمر شديدًا مع عمال الدولة الإسلامية، كان يوصيهم بأهالي الأقاليم خيرًا، فيروي الطبري أن عمر بن الخطاب خطب الناس يوم الجمعة فقال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، إني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، وأن يقسموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إلي. وقد حفظ لنا يحيى بن آدم (ثقة حافظ فاضل من كبار التاسعة مات سنة ثلاث ومائتين
[2]) وصية الفاروق للخليفة من بعده، تلك الوصية التي تلخص حرص إمام المسلمين على صالح الرعية، يقول:
"أوصي الخليفة من بعدي بأهل الأمصار خيرًا فإنهم حياة المال، وغيظ العدو، وردء المسلمين، وأن يقسم بينهم فيئهم بالعدل، وألا يحمل من عندهم فضل إلا بطيب أنفسهم".
وكان إذا استعمل العمال على الأقاليم خرج معهم يشيعهم ويوصيهم فيقول: إني لم أستعملكم على أشعارهم ولا على أبشارهم، وإنما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بالعدل، وإني لم أسلطكم على أبشارهم ولا أشعارهم، ولا تجلدوا العرب فتذلوها، ولا تجمروها فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جردوا القرآن، وأقلوا من رواية محمد وأنا شريككم.
وكان يقتص من عماله، فإذا شكا إليه عامل له جمع بينه وبين من شكاه فإن صح عليه أمر يجب أَخْذه به أَخَذه به.
وروى الطبري أن الفاروق خطب الناس فقال: أيها الناس، إني والله ما أرسل عمالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقتصن منه، فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته، إنك لتقصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده إذًا لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله يقص من نفسه.
وكان إذا استعمل عاملاً كتب له عهدًا وأشهد عليه رهطًا من المهاجرين والأنصار، واشترط عليه ألا يركب برذوانًا، ولا يأكل نقيًا، ولا يلبس رقيقًا، ولا يتخذ بابًا دون حاجات الناس.
وعمر بن الخطاب هو أول من وضع التأريخ وكتبه وذلك في العام السادس عشر للهجرة، كما أنه أول من وضع تقليدًا بتأريخ الكتب والرسائل وختم بالطين. وهو أول من جمع الناس على إمام لصلاة التراويح في شهر رمضان وكتب بذلك إلى البلدان، وكان في العام الرابع عشر، وكان أول من حمل الدرة وضرب بها تأديبًا، ومن ذلك ما فعله مع سعد بن أبي وقاص ، وكان الفاروق يوزع مالاً آتاه بين المسلمين، فرأى سعد يزاحم الناس حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدرة وقال: إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض، فأحببت أن أعلمك أن سلطان الله لا يهابك.
وشهد عصره بالإضافة إلى ذلك تنظيمات إدارية متنوعة فوضع أساس بيت المال ونظم أموره، وكان يعس ليلاً، ويرتاد منازل المسلمين، ويتفقد أحوالهم بيديه، وكان يراقب المدينة ويحرسها من اللصوص والسراق، كما كان يراقب أسواق المدينة ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم، وهو في هذا كله يتأسى بسنة رسول الله .
فقد كان يقول: القوة في العمل ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، والأمانة ألا تخالف سريرة علانية، واتقوا الله فإنما التقوى بالتوقي ومن يتق الله يقه
[3].
وهكذا نرى هذه العقلية الإدارية الفذة والتي تعلمت الإدارة عمليًّا من رسول الله ، وليس سيدنا عمر ممن يحبون الكلام وكثرته، بل إن شغلهم الشاغل إنما هو العمل النافع والتطبيق العملي واستثمار كل الطاقات البشرية الموجودة لديه في خدمة الإسلام وفي خدمة البشرية أيضًا.
أقاليم الدولة الإسلامية في عهد عمر :

يعتبر تقسيم الولايات في عهد الفاروق امتدادًا في بعض نواحيه لما كانت عليه في عهد أبي بكر الصديق إقليميًّا مع وجود بعض التغيرات في المناصب القيادية لهذه الولايات في كثير من الأحيان.
1- مكة المكرمة.
2- المدينة المنورة.
3- الطائف.
4- اليمن.
5- البحرين.
6- ولايات الشام.
7- ولايات العراق وفارس (البصرة- الكوفة- المدائن – أذربيجان)
[4].
الدواوين في عهد عمر :

نشأت الدواوين في عهد الفاروق ، وكان ذلك نتيجة لاتساع الدولة الإسلامية، واتصال المسلمين الفاتحين عن قرب بالأنظمة الفارسية والبيزنطية في الأقاليم والتعرف على حضارتها، فانتقوا من بين ذالك ما وجدوه ملائما للاقتباس، كما أبقوا على الكثير من الأنظمة الإدارية التي ثبت لهم صلاحيتها لتلك البلاد.
وقد اخْتُلف في تحديد نشأة الديوان؛ فيحدده الطبري بالعام الخامس عشر للهجرة، بينما يذكره الماوردي في الأحكام السلطانية في العام العشرين
[5].
ومن الدواوين التي أوجدها عمر:
1- ديوان العطاء :

لما أراد الفاروق وضع الديوان فقد وضع أسسًا للمفاضلة بين المسلمين في العطاء انطلاقًا من أن من قاتل وهاجر مع رسول الله ، ليس كمن لم يقاتل أو تأخر، وفرض لأهل السوابق والقدم في الإسلام
[6].
ويذكر ابن سلام أن عمر حين أراد تدوين الدواوين قال: بمن نبدأ؟ قالوا: ابدأ بنفسك. قال: لا، إن رسول الله إمامنا، فبرهطه نبدأ ثم الأقرب فالأقرب، وكان هذا بعد أن فتح الله على المسلمين العراق والشام وجنى خراجها فقال: إني رأيت أن أفرض العطاء لأهله الذين افتتحوه. (كتاب الأموال)
أما الأسس التي وضعها الفاروق لترتيب أسماء الناس في الديوان فهي:
1- درجة النسب المتصل برسول الله .
2- السبق في الإسلام.
3- جهاده الأعداء، ومن كان من أهل بدر يتصدرون قائمة العطاء، ويليهم في المكانة من شهد المواقع إلى الحديبية، ثم من الحديبية إلى القضاء على المرتدين.
4- جعل أهل الفترة الواحدة طبقة واحدة في العطاء، بمعنى أن من شهد المواقع إلى الحديبية مثلاً طبقة واحدة.
5- فضل أهل الحرب على قدر براعتهم في القتال.
6- البعد والقرب عن أرض العدو وفضل من قربت داره عن من بعدت داره عن العدو.
2- ديوان الجيش :

ارتبطت نشأة ديوان الجيش بتدوين الدواوين، أو تسجيل أسماء الجنود وذلك لمواجهة الزيادة التي طرأت على عدد الجنود، وضرورة إحصائهم، وترتيب أمورهم، وتوفير أعطياتهم، ومن أجل ذلك كان لا بد من تخصيص ديوان للجيش.
وهناك شروط لهذا الديوان:
أ- الوصف:
1- البلوغ. 2- الحرية. 3- الإسلام.
4- السلامة من الآفات. 5- الإقدام على الحروب ومعرفة القتال.
ب- النسب والسبق في الإسلام:
يقوم بترتيب الأسماء في هذا الديوان على حسب القرب من رسول الله ثم ترتيبهم الواحد بعد الواحد وفقًا لسبقهم في الإسلام، وإن تكافئوا فبالدين، فإن تكافئوا فبالسن فإن تقاربوا فبالشجاعة في الحروب.
جـ- الكفاية:
وهو تقدير العطاء بالكفاية، والكفاية كما يقول الماوردي لها أسس:
1- عدد من يعول من الذراري.
2- عدد ما يرتبطه من الخيل والظهر.
3- الموضع الذي يحله من الغلاء والرخص.
3- ديوان الاستيفاء :

الأصل في نشأة هذا الديوان هو حاجة الدولة إلى إحصاء خراج البلاد المفتوحة، وتنظيم الإنفاق في الوجوه التي يجب الإنفاق فيها، وقد وضحت أهمية هذا الديوان في الدولة الإسلامية، حين تعددت مصادر الدخل وزادت ثروة الدولة وتشعبت وجوه الإنفاق[7].
كاتب الديوان :

وكاتب الديوان هو صاحب زمامه، يجب أن تتوفر فيه العدالة والكفاية وأما اختصاصاته فهي:
1- حفظ القوانين
2- استيفاء الحقوق.
3- إثبات الرفوع.
4- إخراج الأحوال؛ ويعني استشهاد صاحب الديوان على ما يثبت فيه من قوانين وحقوق.
5- تصفح الظلامات
[8].
فقه عمر الإداري :

من دلائل فقهه الإداري أنه كان يستفيد من كل الطاقات ويؤهلها لخدمة الإسلام:
فعن أسق قال: كنت عبدًا نصرانيًّا لعمر، فقال: أسلم حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين؛ لأنه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم، فأعتقني لما حضرته الوفاة, وقال: اذهب حيث شئت.
من فقهه الإداري تطبيق مبدأ الشورى :

كان عمر يستشير الرجال، وكان أيضًا يستشير النساء، فقد كان يقدم الشفاء بنت عبد الله العدوية في الرأي، فماذا بقي بعد ذلك للمرأة حتى تبحث عنه في غير الإسلام، إذا كان أمير المؤمنين يستشيرها في أمور الدولة، ويرضى عن رأيها، وكان يعتبر نفسه أبا العيال فيمشي إلى المغيبات اللواتي غاب أزواجهن، فيقف على أبوابهن ويقول: ألكن حاجة؟ وأيتكن تريد أن تشتري شيئًا؟ فإني أكره أن تخدعن في البيع والشراء، فيرسلن معه بجواريهن، فيدخل السوق، ووراءه من جواري النساء وغلمانهن ما لا يحصى، فيشتري لهن حوائجهن ومن ليس عندها شيء اشترى لها من عنده، وإذا قدم يقول: أزواجكن في سبيل الله، وأنتن في بلاد رسول الله ، إن كان عندكن من يقرأ، وإلا فاقربن من الأبواب حتى أقرأ لَكُنَّ.. ويقول لهن: هذه دواة وقرطاس فادنين من الأبواب، حتى أكتب لَكُنّ، ويمر إلى المغيبات، فيأخذ كتبهن فيبعث بها إلى أزواجهن.
من سمات وخصائص الجانب الإداري عند سيدنا عمر بن الخطاب أنه كان دقيق المتابعة للولاة، والمتابعة هي عنصر هام جدًّا في نجاح أي خطة، وهكذا كان عمر .
نماذج للمتابعة الجيدة :

"عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب رسول الله قال ما زلت أسمع حديث عمر بن الخطاب أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرًا إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها وهي تقول:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ تَسْرِي كَوَاكِبُهُ *** وَأَرَّقَنِي أَنْ لا ضَجِيعٌ أُلاعِبُهُ
أُلاعِبُهُ طَوْرًا وَطَوْرًا كَأَنَّمَا *** بَدَا قَمَرًا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَاجِبُهُ
يُسَرُّ بِهِ مَنْ كَانَ يَلْهُو بِقُرْبِهِ *** لَطِيفُ الْحَشَا لا تَحْتَوِيهِ أَقَارِبُهُ
فَواللَّهِ لَوْلا اللَّهُ لا شَيْءَ غَيْرَهَ *** لَنُفِضَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ
وَلَكِنَّنِي أَخْشَى رَقِيبًا مُوَكَّلاً *** بَأَنْفُسِنَا لا يُفَتِرُّ الدَّهْـرُ كَاتِبُهُ
ثم تنفست الصعداء وقالت: لهان على عمر بن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني. وعمر واقف يستمع قولها، فقال لها: يرحمك الله، يرحمك الله، ثم وجه إليها بكسوة، ونفقة، وكتب في أن يقدم عليها زوجها
[9].
إذن فهو يسن القوانين بعد التعايش الحقيقي مع المجتمع، ومعرفة مشاكله وهمومه من خلال التعامل مع الواقع مباشرة، وليس عن طريق التقارير التي ترد إليه فحسب، ولو كان فعل ذلك ما لامه أحد لحسن اختياره للولاة، ومع ذلك فهو لم يعتمد على ما يرد إليه من تقارير فحسب، بل كان كما نرى يتابع الأمور بنفسه.
عمر يتابع الأمور بنفسه :

لم يكن عمر يكتفي بأن يحسن اختيار عماله، بل كان يبذل أقصى الجهد لمتابعتهم بعد أن يتولوا أعمالهم ليطمئن على حسن سيرتهم ومخافة أن تنحرف بهم نفوسهم، وكان شعاره لهم: خير لي أن أعزل كل يوم واليًا من أن أبقي ظالمًا ساعة نهار.
وقال: أيما عامل لي ظلم أحدًا فبلغني مظلمته فلم أغيرها فأنا ظلمته. وقال يومًا لمن حوله: أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت ما عليَّ؟ فقالوا: نعم. قال: لا، حتى أنظر في عمله، أعمل بما أمرته أم لا؟ وقد سار بحزم في رقابته الإدارية لعماله وتابعهم بدقة، وكانت طريقة عمر في الإدارة إطلاق الحرية للعامل في الشئون المحلية، وتقييده في المسائل العامة، ومراقبته في سلوكه وتصرفاته، وكان له جهاز سرى مربوط به لمراقبة أحوال الولاة والرعية، وقد بينت لنا المصادر التاريخية أنه يشبه اليوم (المخابرات) ويمكن هنا أن نقول: إن المخابرات في عهد عمر بن الخطاب كان هدفها الأول والأخير توفير الأمن والحماية للدولة الإسلامية، وليس التجسس على عورات الناس وبث الرعب في نفوسهم كما هو الحاصل في كثير من الأنظمة التي تحكم الناس اليوم، ومن أهدافها أيضًا المتابعة الدقيقة للولاة, فقد كان علمه بمن نأى عنه من عماله كمن بات معه في مهاد واحد، وعلى وساد واحد، فلم يكن في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي عامل أو أمير جيش إلا وعليه عين لا يفارقه، فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ممس ومصبح، وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عماله حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الناس إليه وأخصهم، وكانت وسائل عمر في متابعته لعماله متعددة ومنها:
طلبه من الولاة دخول المدينة نهارًا :

كان يطلب من ولاته دخول المدينة نهارًا، ولا يدخلوها بالليل حتى يظهر ما يكون قد جاءوا به من أموال ومغانم فيسهل السؤال والحساب.
طلب الوفود من الولاة :

كان عمر يطلب من الولاة أن يرسلوا وفدًا من أهل البلاد ليسألهم عن بلادهم، عن الخراج المفروض عليهم ليـتأكد بذلك من عدم ظلمهم، ويطلب شهادتهم فكان يخرج إليه مع خراج الكوفة عشرة من أهلها، ومع خراج البصرة مثلهم، فإذا حضروا أمامه شهدوا بالله أنه مال طيب ما فيه ظلم مسلم ولا معاهد وكان هذا الإجراء كفيلاً بمنع الولاة من ظلم الناس إذ لو حدث هذا لرفعه هؤلاء الموفدون إلى أمير المؤمنين وأخبروه به، كما أن عمر في الغالب كان يقوم بمناقشة هؤلاء الموفدين وسؤالهم عن بلادهم، وعن ولاتهم وسلوكهم معهم.
رسائل البريد :

كان عمر يرسل البريد إلى الولاة في الأمصار فقد كان يأمر عامل البريد العودة إلى المدينة أن ينادى في الناس من الذي يريد إرسال رسالة إلى أمير المؤمنين؟ حتى يحملها إليه دون تدخل من والى البلد، وكان صاحب البريد نفسه لا يعلم شيئًا من هذه الرسائل، وبالتالي يكون المجال مفتوحًا أمام الناس لرفع أي شكوى أو مظلمة إلى عمر نفسه دون أن يعلم الوالي أو رجاله بذلك، وحينما يصل حامل الرسائل إلى عمر ينثر ما معه من صحف، ويقرأها عمر ويرى ما فيها.
المفتش محمد بن مسلمة :

وكان الفاروق يستعين بمحمد بن مسلمة الأنصاري في متابعة الولاة، ومحاسبتهم، والتأكد من الشكاوي التي تأتي ضدهم، فكان موقع محمد بن مسلمة كالمفتش العام في دولة الخلافة.
موسم الحج :

كان موسم الحج فرصة لعمر ليستقي أخبار رعيته وولاته، فجعله موسمًا للمراجعة والمحاسبة، واستطلاع آراء الرعية في ولاتهم، فيجتمع فيه أصحاب الشكايات والمظالم، والرقباء الذي كان عمر يبثهم في أرجاء دولته لمراقبة العمال والولاة، ويأتي العمال أنفسهم لتقديم كشف الحساب عن أعمالهم، فكان موسم الحج (جمعية عمومية) كأرقى ما تكون الجمعيات العمومية في عصر من العصور.
جولة تفتيشية حول الأقاليم :

كان تفكير عمر قبل مقتله أن يجول على الولايات شخصيًّا لمراقبة العمال، لتفقد أحوال الرعية، والاطمئنان على أحوال الدولة المترامية الأطراف، وقال: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولاً، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني، أما عمالهم فلا يرفعونها إليّ، وأما هم فلا يصلون إليّ، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين، ثم والله لنعم الحول هذا.
ولم يكتف الفاروق بالمراقبة عن طريق هذه الزيارات، بل عمد إلى طريقة أخرى، وهي إرسال كميات من الأموال إلى الولاة، وإرسال من يراقبهم حتى يعرف كيف تصرفوا فيها.
سياسة عمر مع الولاة :

سياسة عمر في عزل الولاة :

سعد بن أبي وقاص :

اجتمع نفر من أهل الكوفة بزعامة الجراح بن سنان الأسدي فشكوا أميرهم سعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين عمر، وذلك في حال اجتماع المجوس في نهاوند لغزو المسلمين، فلم يشغلهم ما داهم المسلمين في ذلك، ولقد كان سعد عادلاً رحيمًا بالرعية، قويًّا حازمًا على أهل الباطل والشقاق، عطوفًا على أهل الحق والطاعة، ومع ذلك شكاه هؤلاء القوم ممن لا يطيقون حكم الحق، ويريدون أن يحققوا شيئًا من أهوائهم، وقد وقتوا لشكواهم وقتًا رأوا أنه أدعى لسماع أمير المؤمنين منهم حيث إن المسلمين مُقْبلون على معركة مصيرية تستدعي اتفاق الكلمة.
وقد استجاب أمير المؤمنين لطلبهم في التحقيق في أمر شكواهم مع علمه بأنهم أهل هوى وشر، فبعث عمر محمد بن مسلمة ليتأكد من دعاوى الشاكين، وفي هذا بيان لمنهج الصحابة في التحقيق في قضايا الخلاف التي تجري بين المسئولين ومن تحت ولايتهم.
وعزل عمر سعد بن أبي وقاص درءًا للفتن وإماتتها وهي في مهدها قبل أن تستفحل، فتسبب الشقاق والفرقة وربما القتال.
هذا وقد استبقى عمر سعدًا في المدينة وأقر من استخلفه سعد على الكوفة بعده، وصار سعدًا من مستشاري عمر في المدينة، ثم جعله من الستة المرشحين للخلافة حين طعن، ثم أوصى الخليفة من بعده بأن يستعمل سعدًا وقال: فإني لم أعزله عن سوء، وقد خشيت أن يلحقه من ذلك.
عزل خالد بن الوليد :

وجد أعداء الإسلام في سعة خيالهم وشدة حقدهم مجالاً واسعًا لتصيد الروايات التي تظهر صحابة رسول الله في مظهر مشين، فإذا لم يجدوا شفاء نفوسهم، اختلقوا ما ظنوه يجوز على عقول القارئين، لكي يصبح أساسًا ثابتًا لما يتناقله الرواة، وتسطره كتب المؤلفين، وقد تعرض عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما لمفتريات أعداء الإسلام، الذين حاولوا تشويه صفحات تاريخنا المجيد، ووقفوا كثيرًا عند أسباب عزل عمر لخالد بن الوليد رضي الله عنهما وألصقوا التهم الباطلة بالرجلين العظيمين، وأتوا بروايات لا تقوم على أساس عند المناقشة، ولا تقوم على برهان أمام التحقيق العلمي النزيه.
عزل عمر خالدًا في المرة الأولى عن القيادة العامة، وإمارة الأمراء في الشام، وكانت هذه المرة في السنة الثالثة عشرة من الهجرة غداة تولي عمر الخلافة بعد وفاة أبي بكر الصديق .
وفي "قنسرين" من قرى بلاد شمال الشام جاء العزل الثاني لخالد وذلك في السنة السابعة عشرة من الهجرة، ومجمل أسباب العزل فيما يلي:
أ- حماية التوحيد:
ففي قول عمر : ولكن الناس فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به. يظهر خشية عمر من فتنة الناس بخالد، وظنهم أن النصر يسير في ركاب خالد، فيضعف اليقين أن النصر من عند الله، سواء أكان خالدًا على رأس الجيش أم لا.
وعن ذلك يقول حافظ إبراهيم في تخوف عمر:
وَقِيلَ: خَالَفْتَ يَا فَارُوقُ صَاحِبَنَا *** فِيهِ وَقَدْ كَانَ أَعْطَى الْقَوْسَ بَارِيهَا
فَقَال: خِفْتُ افْتِتَانَ الْمُسْلِمِينَ بِهِ *** وَفِتْنَةُ النَّفْسِ أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيـهَا
ب- اختلاف النظر في صرف المال:
كان عمر يرى أن فترة تأليف القلوب، وإغراء ضعاف العقيدة بالمال والعطاء قد انتهت، وصار الإسلام في غير حاجة إلى هؤلاء، وأنه يجب أن يوكل الناس إلى إيمانهم.
بينما يرى خالد بن الوليد أن من معه من ذوي البأس والمجاهدين في ميدانه، ممن لم تخلص نياتهم لمحض ثواب الله، أمثال هؤلاء في حاجة إلى من يقوي عزيمتهم، ويثير حماستهم من هذا المال.
ولا شك أن عمر وخالدًا اجتهدا فيما ذهبا إليه ولكن عمر أدرك أمورًا لم يدركها خالد رضي الله عنهما.
ج- اختلاف منهج عمر عن منهج خالد في السياسة العامة:
فقد كان عمر يصر على أن يستأذن الولاة منه في كل صغيرة وكبيرة، بينما يرى خالد أن من حقه أن يعطي الحرية كاملة من غير الرجوع لأحد في الميدان الجهادي، وتطلق يده في كل التصرفات إيمانًا منه بأن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب.
ولعل من الأسباب التي دعت عمر إلى عزل خالد أيضًا، إفساح المجال لطلائع جديدة من القيادات.
حتى تتوافر في المسلمين نماذج كثيرة أمثال خالد، والمثنى وعمرو بن العاص، ثم ليدرك الناس أن النصر ليس رهنًا برجل واحد مهما كان هذا الرجل.
شروط عمر في الولاة :

لم يكن ينظر إلى صلاح الرجل في ذاته، ولكن إلى صلاحه للولاية، لذلك كان يولي أناسًا وأمامه من هو أتقى منهم وأكثر علمًا, وأشد عبادة، وكان يقول: إني لأتحرج أن استعمل الرجل وأنا أجد أقوى منه. وكان يستعمل رجلاً من أصحاب رسول الله مثل عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، ويدع من هو أفضل منهم مثل عثمان بن عفان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، ونظرائهم لقوة أولئك على العمل والبصر به، ولإشراف عمر عليهم وهيبتهم له.
قال عمر يومًا لأصحابه: دلوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمني. قالوا: فلان. قال: لا حاجة لنا فيه، قالوا: من تريد؟ قال: أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإن كان أميرهم كان كأنه رجل منهم. قالوا: ما نعرف هذه الصفة إلا في الربيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم, فولاه.
من لا يرحم لا يرحم :

أمر عمر بكتابة عهد لرجل قد ولاه، فبينما الكاتب يكتب جاء صبي فجلس في حجر عمر فلاطفه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين لي عشرة من الأبناء ما دنا أحد منهم مني قال عمر: فما ذنبي إن كان الله نزع الرحمة من قلبك، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، ثم قال: مزق الكتاب، فإنه إذا لم يرحم أولاده فكيف يرحم الرعية.
قواعد عمر في تعيين الولاة وشروطه عليهم :

1- القوة والأمانة :

وقد طبق الفاروق هذه القاعدة، ورجح الأقوى من الرجال على القوي، فقد عزل عمرُ شرحبيلَ بن حسنة وعيّن بدله معاوية، فقال له شرحبيل: أمن سخطة عزلتني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكني أريد رجلاً أقوى من رجل.
ومن أجمل ما أُثر عن عمر في هذا المعنى قوله: اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة.
2- مقام العلم في التولية :

وقد جرى عمر الفاروق على سنة رسول الله في تولية أمراء الجيوش خاصة. قال الطبري: إن أمير المؤمنين كان إذا اجتمع إليه جيش من أهل الإيمان أمّر عليهم رجلاً من أهل الفقه والعلم.
وكان عمر يستعمل قومًا ويدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل، وكان التفضيل هنا إنما يعني أن أولئك الذين تركهم عمر كانوا أفضل دينًا، وأكثر ورعًا، وأكرم أخلاقًا ولكن خبرتهم في تصريف الأمور أقل من غيرهم، فليس من الضروري أن يجتمع الأمران كلاهما معًا، وهذه القاعدة التي وضعها عمر، ما زالت متبعة حتى اليوم في أرقى الدول، ذلك بأن المتدين الورع الخلوق إذا لم تكن له بصيرة في شئون الحكم، قد يكون عرضة لخديعة أصحاب الأهواء المضللين، أما المحنك المجرب، فإنه يعرف من النظرة السريعة، معاني الألفاظ وما وراء الألفاظ من معان..
وهذا هو السبب الذي دعا عمر بن الخطاب لاستبعاد رجل لا يعرف الشر، فقد سأل عن رجل أراد أن يوليه عملاً فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنه لا يعرف الشر. فقال عمر لمخاطبه: ويحك ذلك أدنى أن يقع فيه. وهذا لا يعني أن يكون العامل غير متصف بالقوة والأمانة والعلم والكفاية وغيرها من الصفات التي يستلزمها منطق الحكم والإدارة، وإنما يقع التفاضل بين هذه الصفات، ويكون الرجحان لما سماه عمر بن الخطاب: البصر بالعمل.
3- أهل الوبر وأهل المدر :

جعل الوالي من القوم :

من الملاحظ أن عمر بن الخطاب كان في كثير من الأحيان يولى بعض الناس على قومهم، إذا رأى في ذلك مصلحة، ورأى الرجل جديرًا بالولاية، ومن ذلك توليته جابر بن عبد الله البجلي على قومه بجيلة، حينما وجههم إلى العراق، وكذلك تولية سلمان الفارسي على المدائن، وتولية نافع بن الحارث على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، ولعله كان يرمي من وراء ذلك إلى أهداف معينة يستطيع تحقيقها ذلك الشخص أكثر من غيره.
فكان عمر ينظر حين يعيّن أحد عماله، إلى بعض الخصائص والطباع والعادات، والأعراف، فلقد عُرف أنه كان ينهي عن استعمال رجل من أهل الوبر على أهل المدر، وأهل الوبر هم ساكنو الخيام، وأهل المدر هم ساكنو المدن، وهذه نظرة دقيقة في اختيار الموظفين، فلكل من أهل الوبر والمدر خصائص وأخلاق وعادات وأعراف مختلفة، ومن الطبيعي أن يكون الوالي عارفًا بنفسية الرعية، وليس من العدل أن يتولى أمرها رجل جاهل بها، فقد يرى العرف نكرًا، وقد يرى الطبيعي غريبًا، فيؤدي ذلك إلى غير ما يتوخاه المجتمع من أهداف يسعى إلى تحقيقها.
4- الرحمة والشفقة على الرعية :

كان عمر يتوخى في ولاته الرحمة والشفقة على الرعية، وكم من مرة أمر قادته في الجهاد ألا يغزو بالمسلمين، ولا ينزلوهم منزل هلكة.
وخطب عمر ولاته فقال: اعلموا أنه لا حلم أحب إلى الله تعالى، ولا أعم من حلم إمام ورفيقه، وأنه ليس أبغض إلى الله ولا أعم من جهل إمام وخرقه، واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهرانيه يرزق العافية فيمن هو دونه.
5- لا يولي أحدًا من أقاربه :

كان عمر حريصًا على أن لا يولي أحدًا من أقاربه رغم كفاية بعضهم، وسبقه إلى الإسلام مثل: سعيد بن زيد ابن عمه، وعبد الله بن عمر ابنه، وقد سمعه رجل من أصحابه يشكو إعضال أهل الكوفة به في أمر ولاتهم، ويقول عمر: لوددت أني وجدت رجلاً قويًّا، أمينًا مسلمًا استعمله عليهم، فقال الرجل: أنا والله أدلك عليه، عبد الله بن عمر، فقال عمر: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا. ويقول: من استعمل رجلاً لمودة أو قرابة لا يشغله إلا ذلك فقد خان الله ورسوله.
6- لا يعطي من طلبها :

كان لا يولي عملاً لرجل يطلبه، وأراد أن يستعمل رجلاً فبدر الرجل بطلب العمل، فقال له: قد كنا أردناك لذلك، ولكن من طلب هذا الأمر لم يعن عليه.
وقد سار على هذا النهج اقتداء بسنة الرسول .
7- منع العمال من مزاولة التجارة، وإحصاء ثرواتهم عند تعيينهم:

كان عمر يمنع عماله وولاته من الدخول في الصفقات العامة سواء أكانوا بائعين أو مشترين، وكان عمر يحصي أموال العمال والولاة ليحاسبهم على ما زادوه بعد الولاية مما لا يدخل في عداد الزيادة المعقولة، ومن تعلل منهم بالتجارة لم يقبل منه دعواه وكان يقول لهم: إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجارًا.
وروي أن عاملاً لعمر بن الخطاب اسمه الحارث بن كعب بن وهب، ظهر عليه الثراء، فسأله عمر عن مصدر ثرائه فأجاب: خرجت بنفقة معي فاتجرت بها، فقال عمر: أما والله ما بعثناكم لتتّجروا، وأخذ منه ما حصل عليه من ربح.
8- شروط عمر على عماله :

كان عمر بن الخطاب إذا استعمل عاملاً كتب عليه كتابًا، وأشهد عليه رهطًا من الأنصار: أن لا يركب برذونًا، ولا يأكل نقيًا، ولا يغلق بابه دون حاجات المسلمين، ثم يقول: اللهم فاشهد.
وهذه الشروط تعني الالتزام بحياة الزهد، والتواضع للناس، هي خطوة أولى في إصلاح الأمة بحملها على التوسط في المعيشة، واللباس والمركب فهذه الحياة التي تقوم على الاعتدال حتى تستقيم أمورها، وهي خطة حكيمة، فإن عمر لا يستطيع أن يلزم جميع أفراد الأمة بأمر لا يعتبر واجبًا في الإسلام، ولكنه يستطيع أن يلزم بذلك الولاة والقادة، وإذا التزموا فإنهم القدوة الأولى في المجتمع وهي خطة ناجحة في إصلاح المجتمع وحمايته من أسباب الانهيار.
المشورة في اختيار الولاة :

كان اختيار الولاة يتم بعد مشاورة الخليفة لكبار الصحابة، استشار عمر الصحابة فيمن يولي على الكوفة فقال لهم: من يعذرني من أهل الكوفة من تجنيهم على أمرائهم إن استعملت عليهم لينًا استضعفوه، وإن استعملت عليهم شديدًا شكوه، ثم قال: يا أيها الناس ما تقولون في رجل ضعيف غير أنه مسلم تقي، وآخر قوي مشدد أيهما الأصلح للإمارة؟ فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا أمير المؤمنين إن الضعيف المسلم إسلامه لنفسه وضعفه عليك وعلى المسلمين، والقوى المشدد فشداده على نفسه وقوته لك وللمسلمين فأعمل في ذلك رأيك، فقال عمر: صدقت يا مغيرة، ثم ولاه الكوفة وقال له: انظر أن تكون ممن يأمنه الأبرار ويخافه الفجار، فقال المغيرة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين.
اختبار العمال قبل التولية :

كان عمر يختبر عماله قبل أن يوليهم، وقد يطول هذا الاختبار كما يوضحه الأحنف بن قيس حين قال: قدمت على عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فاحتبسني عنده حولاً فقال: يا أحنف قد بلوتك وخبرتك، فرأيت أن علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، وإنا كنا نتحدث إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم. ثم قال له عمر: أتدرى لم احتبستك؟ وبين له أنه أراد اختباره ثم ولاّه، ومن نصائح عمر للأحنف: يا أحنف، من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه.
المرسوم الخلافي :

وقد اشتهر عن عمر أنه حينما كان ينتهي من اختيار الوالي واستشارة المستشارين يكتب للوالي كتابًا يسمى عهد التعيين أو الاستعمال عند كثير من المؤرخين ويمكننا أن نسميه مجازًا (المرسوم الخلافي) في تعيين العامل أو الأمير، وقد وردت العديد من نصوص التعيين لعمال عمر، ولكن المؤرخين يكادون يتفقون على أن عمر بن الخطاب كان إذا استعمل عاملاً كتب له كتابًا وأشهد عليه رهطًا من المهاجرين والأنصار، واشترط عليه شروطًا في الكتاب، وقد يكون الشخص المرشح للولاية غائبًا، فيكتب له عمر عهدًا يأمره فيه بالتوجه إلى ولايته، ومثال ذلك كتابه إلى العلاء بن الحضرمي عامله على البحرين أمره بالتوجه إلى البصرة لولايتها بعد عتبة بن غزوان، وفي حال عزل أمير وتعيين آخر مكانه، فإن الوالي الجديد كان يحمل خطابًا يتضمن عزل الأول وتعيينه مكانه، وذلك مثل كتاب عمر مع أبي موسى الأشعري حين عزل المغيرة بن شعبة عن ولاية البصرة وعيّن أبا موسى مكانه.
الاجتهاد والإدارة :

يقول الدكتور أحمد شلبي: "وكان الاجتهاد من أبرز الجوانب في حياة عمر خلال حقبة خلافته الحافلة بالأحداث، فحفظ الدين، ورفع راية الجهاد، وفتح البلاد، ونشر العدل بين العباد، وأنشأ أول وزارة مالية في الإسلام، وكون جيشًا نظاميًّا للدفاع وحماية الحدود، ونظم المرتبات والأرزاق، ودوّن الدواوين، وعيّن الولاة والعمال والقضاة، وأقر النقود للتداول الحياتي، ورتب البريد، وأنشأ نظام الحسبة، وثبت التأريخ الهجري، وأبقى الأرض المفتوحة دون قسمة، وخطط المدن الإسلامية وبناها، فهو بحق أمير المؤمنين، وباني الدولة الإسلامية".
ويقول المستشار علي علي منصور: إن رسالة عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري قبل أربعة عشر قرنًا من الزمن دستور للقضاء والمتقاضين، وهي أكمل ما وصلت إليه قوانين المرافعات الوضعية، وقوانين استقلال القضاة.
اجتهاد عمر في التشريع :

جاء عمر بن الخطاب بعد أبي بكر الصديق، وواصلت جيوش المسلمين زحفها، ففتحت بلاد فارس والشام ومصر من بلاد الروم، وكثرت الغنائم وواجه عمر مشكلات جديدة في إرسال الجيوش، وإمدادها وتنظيم الجند وحكم البلاد التي تفتح بحكم الله، وكلما أمعن المسلمون في الغزو وأبعدوا في الأرض كثرت المشكلات التي تواجههم، وقد وُفّق الفاروق لحل هذه المشكلات وتدبير أمور الدولة في حكم الأقطار البعيدة عنه، والقريبة منه توفيقًا كبيرًا، وظلت حياة المسلمين مستقيمة في حياة عمر استقامتها في حياة أبي بكر الصديق، فكلاهما ساس الناس كما كان يسوسهم الرسول ، والتزم الفاروق بالقرآن الكريم وسيرة النبي وسيرة أبي بكر ومشورة الصحابة في حل ما عرض له من مشكلات التي نشأت عن طريق الفتوح، فكلما طرأت له مشكلة وجد حلها في كتاب الله ، فإن لم يجد ففي سنة رسوله ، فإن لم يجد ففي سيرة أبي بكر الصديق، فإن لم يجد دعا أولي الأمر والرأي من المهاجرين والأنصار فشاورهم حتى يجد الحل للمشكلة، أو المشكلات التي عرضت له.
من يستشعر المسئولية لا ينام :

"عمر بن الخطاب لم يكن له وقت ينام فيه فكان ينعس وهو قاعد فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا تنام؟ فقال: كيف أنام إن نمت بالنهار ضيعت أمور المسلمين, وإن نمت بالليل ضيعت حظي من الله عز وجل"
[10].

[1] موقع مفكرة الإسلام.
[2] تقريب التهذيب: جزء 1- صفحة 587.
[3] د. فتحية النبراوي: تاريخ النظم والحضارة الإسلامية.
[4] د. علي الصلابي: عمر بن الخطاب.
[5] د. فتحية النبراوي: تاريخ النظم والحضارة الإسلامية.
[6] المصدر السابق.
[7] د. فتحية النبراوي: تاريخ النظم والحضارة الإسلامية.
[8] الأحكام السلطانية للماوردي.
[9] ذم الهوى: جزء 1- صفحة 283.
[10] صفة الصفوة: جزء 2- صفحة 382
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:41


إيجابية عمر بن الخطاب

الإيجابية بمعناها الدقيق تعني التفاعل مع الأحداث، والتأثير في سيرها، وعدم السكوت عن الفعل الشاذ لأن السكوت عنه إقرار له.

ومن هنا كانت إيجابية سيدنا عمر بن الخطاب .

من شمائل الفاروق التي تدل على إيجابيته أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وسعيه للتغيير بكل الوسائل المتاحة، ما لم تتعارض مع دينه وعقيدته، ومن مظاهر إيجابيته عدم السكوت عن المشورة، وإن لم يكن مطلوبًا منه، وأيضًا دعوته لغيره من الدلائل القوية على إيجابيته .
إيجابية عمر تدفعه إلى تعليم غيره من الناس :

ومن مواقف الفاروق التي يتجلى فيها اتباعه للسنة النبوية: موقفه من الحجر الأسود.

فالنبي قَبَّل الحجر الأسود، والعمل على هذا استحباب تقبيل الحجر الأسود لمن تيسر له، فإن لم يمكنه استلمه بيده، فإن لم يمكنه استقبله إذا حاذاه وكَبَّر.

يقول عابس بن ربيعة رحمه الله: رأيت عمر بن الخطاب استقبل الحجر، ثم قال: إني لأعلم أنك حجر، لولا أني رأيت رسول الله يُقَبِّلك ما قَبَّلتك، ثم تقدم فقَبّله.

وفي رواية أخرى: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، رأيت أبا القاسم بك حَفيًّا. يعنى الحجر الأسود.

قال العلامة الطبري رحمه الله: إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية.

فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله ، لا لأن الحجر ينفع ويضر كما كانت الجاهلية تعتقد في الأوثان.

وفي قول عمر هذا الكلام التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهي قاعدة عظيمة في اتباع النبي فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه.

قال أبو سليمان الخطاب رحمه الله: فيه من العلم أن متابعة السنن واجبة، وإن لم يوقف لها على علل معلومة وأسباب معقولة، وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها، إلا أنه من المعلوم في الجملة أن تقبيل الحجر إنما هو إكرام له، وقد فضل الله بعض الأحجار على بعض، كما فضل بعض البقاع والبلدان، وكما فضل بعض الليالي والأيام والشهور، وباب هذا كله التسليم.

فليس لهذا الأمور علّة يرجع إليها وإنما هو حكم الله ومشيئته:

{لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].

{أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} [الأعراف: 54].

فعمر شديد المتابعة للسنة النبوية لا يُقَدّم عليها شيئًا من الرأي، بل كان لا يقدم الرأي وأهله معتبرًا بأن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها، وتفلتت منهم أن يرووها فاستبقوها بالرأي.

قال عمرو بن الحريث: قال عمر بن الخطاب : إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضَلُّوا وأضلوا.

قال سحنون: يعني البدع.

وقال أبو بكر بن أبي داود: أهل الرأي هم أهل البدع.

والمقصود بالرأي هنا هو الرأي المخالف للكتاب والسنة، وليس الأمر على إطلاقه فمن المدارس الإسلامية مدرسة أهل الرأي.

وما أروع الفاروق وهو يحدد معالم الاتباع للناس قائلاً: أيها الناس: قد سُنت لكم السنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينًا وشمالاً، وضرب بإحدى يديه على الأخرى.

فرضي الله عن الفاروق الداعي إلى الاتباع، والناهي عن الابتداع.

ويساعد الفاروق غيره من الصحابة الذين يريدون الهجرة، ويتعرضون للفتنة، والابتلاء في أنفسهم.
إيجابية عمر في أحداث الهجرة :

يقف عمر عند هجرته ينصح عياش بن أبي ربيعة بعدم العودة، ويعرفه بما أعد له من مكيدة وخدعة ولكنه يستجيب، ويسقط في الفتنة.

وآخر يعزم على الخروج مهاجرًا مع عمر ولكنه يحبس ويفتن، فماذا كان موقف الفاروق منه.

بمجرد نزول آيات قرآنية داعية للتوبة، وعدم القنوط من رحمة الله تعالى إلا ويكتبها الفاروق، ويرسل بها إلى هشام بن العاص السهمي فتكون سببًا في توبته، وهجرته بعد حبسه.

ويقص علينا عمر شيئًا من معاناة الهجرة إلى المدينة، فيقول: اتَّعَدْتُ لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص السهمي التناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمضي صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنا هشام وفتن فافتتن.

فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة وكان ابن عمهما، وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا المدينة، ورسول الله بمكة فكلماه، وقالا: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك فرَقّ لها. فقلت له يا عياش: إنه والله إن القوم ما يريدوك إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد أذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت.

قال: فقال: أبر قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه. قال: فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريشًا مالاً، فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما.

قال: فأَبَى عليّ إلا أن يخرج معهما، فلما أَبَى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت، فخذ ناقتي فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما.

حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال أبو جهل: إن ناقتي كلت فاحملني معك. قال عياش: نعم ونزل ليوطئ لنفسه ولأبي جهل. فأخذاه وشداه وثاقًا وذهبا به إلى أمه، فقالت له: لا تزال بعذاب حتى ترجع عن دين محمد، وأوثقته عندها. قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا، ولا عدلاً، ولا توبة، قوم عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم.

قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله المدينة أنزل الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزُّمر: 53].

قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال: فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى، أصعد بها فيه، وأصوب، ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها.

قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها أنزلت فينا، وفيما كنا نقول لأنفسنا ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري، فجلست عليه فلحقت برسول الله بالمدينة.

وهذه الحادثة تظهر لنا كيف أعد عمر خطة الهجرة له، ولصاحبيه عياش بن أبى ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي، وكان ثلاثتهم كل واحد من قبيلة، وكان مكان اللقاء الذي اتعدوا فيه بعيدًا عن مكة وخارج الحرم على طريق المدينة، ولقد تحدد الزمان والمكان بالضبط بحيث إنه إذا تخلف أحدهم فليمض صاحباه، ولا ينتظرانه، لأنه قد حبس، وكما توقعوا فقد حبس هشام بن العاص ، بينما مضى عمر وعياش بهجرتهما، ونجحت الخطة كاملة ووصلا المدينة سالميْن، إلا أن قريشًا صممت على متابعة المهاجرين، ولذلك أعدت خطة محكمة قام بتنفيذها أبو جهل والحارث وهما أخوا عياش من أمه، الأمر الذي جعل عياشًا يطمئن إليهما، وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بأمه، فاختلق أبو جهل هذه الحيلة لعلمه بمدى شفقة ورحمة عياش بأمه، والذي ظهر جليًّا عندما أظهر موافقته على العودة معهما..

كما تظهر الحادثة الحس الأمني الرفيع الذي كان يتمتع به عمر ، حيث صدقت فراسته في أمر الاختطاف كما يظهر المستوى العظيم من الأخوة التي بناها الإسلام، فعمر يضحى بنصف ماله حرصًا على سلامة أخيه، وخوفًا عليه من أن يفتنه المشركون بعد عودته، ولكن غلبت عياش عاطفته نحو أمه، وبره بها، ولذلك قرر أن يمضي لمكة فيبر قسم أمه ويأتي بماله الذي هناك، وتأبى عليه عفته أن يأخذ مال أخيه عمر وماله قائم في مكة لم يمس، غير أن أفق عمر كان أبعد، فكأنه يرى رأى العين المصير المشئوم الذي سينزل بعياش لو عاد إلى مكة، وحين عجز من إقناعه أعطاه ناقته الذلول النجيبة، وحدث لعياش ما توقعه عمر من غدر المشركين.

وساد في الصف المسلم أن الله تعالى لا يقبل صرفًا ولا عدلاً من هؤلاء الذين فتنوا فافتتنوا، وتعايشوا مع المجتمع الجاهلي، فنَزَل قول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [الزُّمر: 53: 54].

فلما نزلت هذه الآيات، سارع الفاروق بها إلى أخويه الحميمين عياش وهشام، ليجددا محاولاتهما في مغادرة معسكر الكفر، أي إيجابية من عمر بن الخطاب وأرضاه.

وهكذا ظل عمر بن الخطاب في خدمة دينه وعقيدته بالأقوال والأفعال، لا يخشى في الله لومة لائم، وكان سندًا ومعينًا لمن أراد الهجرة من مسلمي مكة حتى خرج، ومعه هذا الوفد الكبير من أقاربه وحلفائه، وساعد عمر غيره من أصحابه الذين يريدون الهجرة وخشي عليهم من الفتنة والابتلاء في أنفسهم.

وكان من إيجابيته يوم أن هاجر أنه أخذ معه عشرين من ضعفاء المسلمين مهاجرين معه، ولم يخرج وحده.
الجهاد في حياة الفاروق عمر t :

ومن شمائل الفاروق : حب الجهاد في سبيل الله، وهو من إيجابيات الفاروق .

لقد شاهد الناس إمامهم يقدم روحه في سبيل نصرة الإسلام. وعلو راية الإيمان، فتفانوا جميعًا في الدفاع عن ديار الإسلام، وتسابقوا في دحر طواغيت الأرض في مملكتي الفرس والروم قطبي الأرض في ذلك الزمان.

فصار الإسلام عزيزًا في عهد الفاروق، وصار الكفر بشتى صوره ذليلاً، وما ذاك إلا بحبه وحب رعيته للجهاد في سبيل الله تعالى.

ومنذ بدء الإسلام كانت صفحات الجهاد العمرية تتوالى غزوة تلو غزوة، ومعركة تلو معركة حتى آخر أيامه وأرضاه.

فشهد عمر بن الخطاب مع النبي بدرًا، وأحدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وخيبر، وفتح مكة، وحنينًا، وغيرها من المشاهد الجسام في العهد النبوي، وكان له في كل موقعة بصمات واضحة

تعد من أروع مواقف الشجاعة، والفروسية، والاستبسال ما به صار قدوة لكل مجاهد في سبيل الله.
إيجابية الفاروق عمر يوم إسلامه :

مما يظهر لنا بقوة ملامح الإيجابية وتأصلها في نفس هذا الصحابي الجليل ما ظهر منه أول يوم أسلم فيه فمع حداثة إسلامه، وضعف قبيلته -بني عدي- إلا أنه تقدم الصفوف، واقترح الظهور وعدم الاختفاء.
موقف عمر بن الخطاب من صلح الحديبية :

لا يقبل الفاروق المجاهد إعطاء الدنية في دينه، لذلك نراه يجادل النبي في شأن صلح الحديبية، فيقول عمر: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ، فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: "إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي". قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟" قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ". قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ.

فلم يكن هذا الموقف من عمر شكًّا أو ريبة فيما آلت إليه الأمور، بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًّا على إذلال الكفار لما عرف من قوته في نصرة الإسلام.
إيجابية عمر في خروج المسلمين عند الكعبة :

لما أسلم عمر بن الخطاب قال لرسول الله : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مِتْنَا وَإِنْ حَيِينَا؟ قَالَ : "بَلَى يَا عُمَرُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ، إِنْ مِتُّمْ وَإِنْ حَيِيتُمْ". قَالَ: فَفِيمَ الاخْتِفَاءُ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَخْرُجَنَّ. وكان رسول الله رأى على ما يبدو أنه قد آن الآوان للإعلان، وأن الدعوة التي كانت كالوليد الضعيف الذي لا بد له من الرعاية والحفظ، قد غدت قوية تمشي، وتستطيع أن تدافع عن نفسها فأذن بالإعلان.

وخرج الرسول في صفين، عمر في أحدهما، وحمزة على الآخر، ولهم كديد ككديد الطحين، حتى دخل المسجد فنظرت قريش إلى عمر وحمزة فأصابتهم كآبة لم تصبهم قط، وسماه رسول الله يومئذ الفاروق.
مراجعة عمر للنبي :

قال عمر : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ". فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]. فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ.. فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ.. فاستشار رسول الله : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: "مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلاءِ الأُسَارَى؟", فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً، فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟" قُلْتُ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلانٍ -نَسِيبًا لِعُمَرَ- فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا.

فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ", وَأَنْزَلَ اللَّهُ : {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67] إِلَى قَوْلِهِ: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 69]. فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ.
مراجعة عمر لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما :

من إيجابيات الفاروق مراجعته لأبي بكر الصديق في إقطاع الصديق للأقرع بن حابس وعينية بن حصن.

و جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضا سبحة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعنا لعلنا نحرثها أو نزرعها، لعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر لمن حوله: ما تقولون فيما قالا، إن كانت أرضًا سبحة لا يُنتفع بها؟ قالوا: نرى أن تقطعهما إياها، لعل الله ينفع بها بعد اليوم. فأقطعهما إياها، وكتب لهما بذلك كتابًا، وأشهد عمر، وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر يشهدانه، فوجداه قائمًا يهنأ بعيرًا له، فقالا: إن أبا بكر أشهدك على ما في الكتاب فنقرأ عليك أو تقرأ؟ فقال: أنا على الحال الذي تريان، فإن شئتما فاقرءا وإن شئتما فانتظرا حتى أفرغ، فأقرأ عليكما قالا: بل نقرأ فقرءا فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل عليه فمحاه، فتذمرا، وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله كان يتألفكما، والإسلام يومئذ ذليل وإن الله قد أعز الإسلام فاذهبا فأجهدا جهدكما، لا رعى الله عليكما إن رعيتما.

فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمران فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: لا، بل هو لو كان شاء؛ فجاء عمر وهو مغضب، فوقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين أرض، هي لك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة. قال: فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين؟ قال: استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا علي بذلك.

قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك، فكل المسلمين أوسعتهم مشورة ورضًا. فقال أبو بكر : قد كنتُ قلتُ لك إِنَّك على هذا أقوى مني، ولكن غلبتني.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عمر بن الخطاب:

إن اهتمام الفاروق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظل معه حتى وهو يواجه الموت بكل آلامه وشدائده، ذلك أن شابًّا دخل عليه لما طعن، ليواسيه، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ، وقِدَم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال -أي عمر-: وددت أن ذلك كفاف، لا عليّ ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علَيّ الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.

وهكذا لم يمنعه ما هو فيه من سكرات الموت عن الأمر بالمعروف، ولذا قال ابن مسعود فيما رواه عمر بن شبة: يرحم الله عمر لم يمنعه ما كان فيه من قول الحق.

ومن عنايته الفائقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الحالة أيضًا لما دخلت عليه حفصة رضي الله عنها فقالت: يا صاحب رسول الله ، ويا صهر رسول الله، ويا أمير المؤمنين، فقال عمر لابن عمر رضي الله عنهما: يا عبد الله، أجلسني فلا صبر لي على ما أسمع. فأسنده إلى صدره، فقال لها: إني أُحَرِّج عليك بما لي عليك من الحق أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عينك فلن أملكها.

وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ، عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ، أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ". وَعَوَّلَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ.
موقف عمر t عام الرمادة :

من إيجابيات الفاروق عمر ، أنه ضرب المثل والقدوة للمسلمين في عام الرمادة.

جيء لعمر بن الخطاب في عام الرمادة بخبز مفتوت بسمن فدعا رجلاً بدويًّا ليأكل معه، فجعل البدوي يتبع باللقمة الودك في جانب الصفحة، فقال له عمر: كأنك مقفر من الودك، فقال البدوي: أجل، ما أكلت سمنًا ولا زيتًا، ولا رأيت أكلاً له منذ كذا وكذا إلى اليوم، فحلف عمر لا يذوق لحمًا ولا سمنًا حتى يحيا الناس، ولقد أجمع الرواة جميعًا أن عمر كان صارمًا في الوفاء بهذا القسم، ومن ذلك، أنه لما قدمت إلى السوق عكة سمن ووطب من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين درهمًا ثم أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين قد أبر الله يمينك وعظم أجرك، وقدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن ابتعتهما بأربعين درهمًا، فقال عمر: أغليت فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافًا.

ثم أردف قائلاً: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم. فهذه جملة واحدة في كلمات مضيئة، يوضح فيها الفاروق مبدأ من أروع المبادئ الكبرى التي يمكن أن تعرفها الإنسانية في فن الحكم: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم. وقد تأثر عمر في عام الرمادة حتى تغير لونه فعن عياض بن خليفة قال: رأيت عمر عام الرمادة وهو أسود اللون، ولقد كان رجلاً عربيًّا يأكل السمن واللبن فلما أمحل الناس حرمهما، فأكل الزيت حتى غير لونه وجاع فأكثر، وعن أسلم قال: كنا نقول: لو لم يرفع الله تعالى المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت همًّا بأمر المسلمين، وكان يصوم الدهر، فكان عام الرمادة، إذا أمسى أتى بخبز قد ثرد بالزيت إلى أن نحر يومًا من الأيام جزورًا، فأطعمها الناس، وعرفوا له طيبها، فأتي به، فإذا قدر من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم. قال: بخ بخ بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الصحفة هات لنا غير هذا الطعام. فأتي بخبز وزيت، فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك بالزيت، ثم قال: ويحك يا يرفأ، احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ -اسم مكان- فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام وأحسبهم مقفرين، فضعها بين أيديهم.

هذا هو الفاروق وهذا هو فن الحكم في الإسلام يؤثر الرعية على نفسه، فيأكلون خيرًا مما يأكل، وهو الذي يحمل من أعباء الحكم والحياة أضعاف ما يحملون، ويعاني من ذلك أضعاف ما يعانون، وهو في ذلك لا يضع القيود على نفسه وحدها، بل يسير بها ليقيد أفراد أسرته، فهم أيضًا يجب أن يعانوا أكثر مما يعاني الناس، وقد نظر ذات يوم في عام الرمادة فرأى بطيخة في يد ولد من أولاده, فقال له على الفور: بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين، تأكل الفاكهة وأمة محمد هَزْلى؟ فخرج الصبي هاربًا يبكي، ولم يسكت عمر إلا بعد أن سأل عن ذلك وعلم أن ابنه اشتراها بكف من نوى.

لقد كان إحساسه بمسئولية الحكم أمام الله يملك عليه شعاب نفسه، فلم يترك وسيلة في الدين، والدنيا يواجه بها الجدب وانقطاع المطر إلا لجأ إليها، فكان دائم الصلاة، دائم الاستغفار، دائم الحرص على توفير الأقوات للمسلمين، يفكر في رعيته، من زحف منهم إلى المدينة، ومن بقي منهم في البادية، ويواجه العبء كله في كفاءة واقتدار. ثم بعد ذلك قسوة على النفس ما أروعها من قسوة، حتى قال من أحاط به في تلك الأزمة: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت همّا بأمر المسلمين.
معسكرات اللاجئين عام الرمادة :

عن أسلم قال: لما كان عام الرمادة جاءت العرب من كل ناحية فقدموا المدينة، فكان عمر قد أمر رجالاً يقومون بمعالجتهم، فسمعته يقول ليلة: أحصوا من يتعشى عندنا. فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وأجمعوا الرجال المرضى والعيالات فكانوا أربعين ألفًا. ثم بعد أيام بلغ الرجال والعيال ستين ألفًا فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل بهم من يخرجونهم إلى البادية ويعطونهم قوتًا وحملانًا إلى باديتهم، وكان قد وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم، وكانت قدور عمر تقوم إليها العمال من السحر يعملون الكركور ويعملون العصائد، وهنا نرى الفاروق يقسم وظائف العمل على العاملين، وينشئ مؤسسة اللاجئين بحيث يكون كل موظف عالمًا بالعمل الذي كلفه به دون تقصير فيه، ولا يتجاوز إلى عمل آخر مسند إلى غيره..

فقد عيّن أمراء على نواحي المدينة لتفقد أحوال الناس الذين اجتمعوا حولها طلبًا للرزق لشدة ما أصابهم من القحط والجوع، فكانوا يشرفون على تقسيم الطعام والإدام على الناس وإذا أمسوا اجتمعوا عنده فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وهو يوجههم، وكان عمر يُطْعم الأعراب من دار الدقيق وهي من المؤسسات الاقتصادية التي كانت أيام عمر توزع على الوافدين على المدينة الدقيق والسويق، والتمر، والزبيب من مخزون الدار قبل أن يأتي المدد من مصر والشام والعراق، وقد توسعت دار الدقيق لتصبح قادرة على إطعام عشرات الألوف الذين وفدوا على المدينة مدة تسعة أشهر، قبل أن يحيا الناس بالمطر، وهذا يدل على عقلية عمر في تطوير مؤسسات الدولة سواء كانت مالية، أو غيرها، وكان يعمل بنفسه في تلك المعسكرات.

قال أبو هريرة: يرحم الله ابن حنتمة، لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين، وعكة زيت في يده وإنه ليعتقب -أي يتناوب- هو وأسلم فلما رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبًا. قال: فأخذت أعقبه -أعاونه- فحملناه حتى انتهينا إلى ضرار فإذا صرم -جماعة- نحو من عشرين بيتًا من محارب فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد. قال: وأخرجوا لنا جلد ميتة مشوية كانوا يأكلونها، ورمة العظام مسحوقة كانوا يسفونها قال: فرأيت عمر طرح رداءه ثم نزل يطبخ لهم ويطعمهم حتى شبعوا، ثم أرسل أسلم إلى المدينة، فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة، ثم كساهم، ثم لم يزل يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك.

وكان يصلي بالناس العشاء ثم يخرج إلى بيته فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب، فيطوف عليها وقد ذكر عبد الله بن عمر بأنه قال: وإني لأسمعه ليلة في السحر وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي. ويقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين وارفع عنا البلاء. يردد هذه الكلمات.

وقال مالك بن أوس -من بني نصر-: لما كان عام الرمادة قدم على عمر قومي وهم مائة بيت فنزلوا الجبانة، فكان عمر يطعم الناس, من جاءه، ومن لم يأت أرسل إليه الدقيق والتمر والأدم إلى منزله، فكان يرسل إلى قومي بما يصلحهم شهرًا بشهر؟ وكان يتعهد مرضاهم وأكفان من مات منهم، ولقد رأيت الموت وقع فيهم حتى أكلوا الثفل وكان عمر يأتي بنفسه فيصلي عليهم، لقد رأيته صلى على عشرة جميعًا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:46

قيمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التاريخ الإسلامي والعالمي:
إنَّ حياة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه صفحة مُشْرقة من التاريخ الإسلامي، الذي بهر كل تاريخ وفَاقَه، والذي لم يحو تاريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد والإخلاص والجهاد والدعوة في سبيل الله... (عمر بن الخطاب د/ علي الصلابي)

إن حياة الفاروق عمر رضي الله عنه إنما هي قدوة للدعاة، والعلماء، والساسة، ورجال الفكر، وقادة الجيوش، وحكام الأمة، وطلاب العلم، وعامة الناس، لعلهم يستفيدون بها في حياتهم، ويقتدون بها في أعمالهم، فيكرمهم الله بالفوز في الدارَيْن....

صاحبنا اليوم- كما قيل عنه- (كان طويلًا جسيمَا أصلع صلعة عرف بها، فكان يقال له: أصلع قريش أو الأصيلع. شديد الحمرة.... كان يَفْرَع الناسَ طولًا كأنَّه على دابة. ويصفه ابنه عبد الله فيقول: كان أبي أبيض لا يتزوج النساء لشهوة إلا لطلب الولد، أعسر يعمل بكلتا يديه، كأنَّه من رجال بني سَدُوس....

وإذا ذهب إنسان مع خياله مُجسدًا هذه الأوصاف، تراءت له صورة من أجمل صور الرجال ملاحةً ومَهابةً وجلالًا....) (شهيد المحراب عمر بن الخطاب أ / عمر التلمساني ص 47)

إنّ حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تُمثل نموذجًا في غاية الروعة لمن يريد أن يصنع مَجدا، أو يحقق هدفا، أو يغيّر من حياته إلى الأحسن،

ونحن إذ نعيش دقائق من حياتنا مع هذا العملاق العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يجدر بنا أن نضع نصب أعيينا هدفا واضحا نحاول تحقيقه، بل وننتقل من حياة الترف والبذخ والتنافس في الدون؛ إلى حياة الجد والاجتهاد والتسابق إلى النعيم الدائم، والعيش الرغد " فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ".

التعريف به رضي الله عنه

ولا تقتصر الاستفادة من تاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المسلمين فحسب، بل تعم الفائدة الجميع، مسلمين وغير مسلمين، ولا ننس أن نقول: إنه رضي الله عنه صاحب الفضل في ابتكار الكثير من الوسائل التي ما زال الناس ينتفعون بها إلي اليوم فهو:

* " أول من دوّن الديوان وعمل فيه؛ والديوان سِجِل أو كتاب تُدوّن فيه وتُسجَّل أسماء أفراد الجيش والذين يُعطَون والعمال... " (تاريخ دمشق جزء 57 ص 404)

* " وهو أول من اتخذ الدِّرة.

* وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين... " (أسد الغابة جزء 1 ص832)

* " وهو أول من جمع القرآن في الصحف.

* وهو أول من سَنِّ قيام شهر رمضان، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة.

* وهو أول من ضرب في الخَمْر.

* وهو أول من فتح الفتوح وهي الأرضون والكور التي فيها الخراج والفيء، فتح العراق كله السواد والجبال، وأذربيجان، وكور البصرة وأرضها، وكور الأهواز، وفارس، وكور الشام ما خلا أجنادين فإنها فتحت في خلافة أبي بكر الصديق رحمه الله، وفتح عمر كور الجزيرة، والموصل، ومصر، والإسكندرية، وقتل رحمه الله وخيله على الرَّي وقد فتحوا عامَّتها.

* وهو أول من مسح السواد وأرض الجبل، ووضع الخراج على الأرضين، والجزية على جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهمًا،
وعلى الوسط أربعة وعشرين درهمَا، وعلى الفقير اثني عشر درهمًا، وقال: لا يعوز رجلا منهم درهم في شهر. فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر رحمه الله مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم ودانقين ونصف.

* وهو أول من مصّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل وأنزلها العرب، وخَطَّ الكوفة والبصرة خططا للقبائل.

* وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار.

* وهو أول من كتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وقسم القسوم في الناس، وفرض لأهل بدر وفضّلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقدمهم في الإسلام.

* وهو أول من حمل الطعام في السفن من مصر في البحر حتى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة... " (الطبقات الكبرى جزء 3 صفحة 281، 282)

نسبه وقبيلته

عمر بن الخطاب في عداد أشراف مكة نسبًا، ومن أرفعها قدرًا، وأعلاها منزلة، فهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي.

" وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وقيل: حنتمة بنت هشام بن المغيرة. فعلى هذا تكون أخت أبي جهل وعلى الأول تكون ابنة عمه، قال أبو عمر: ومن قال ذلك- يعني بنت هشام- فقد أخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل والحارث ابني هشام، وليس كذلك وإنما هي ابنة عمهما؛ لأن هشامًا وهاشمًا ابني المغيرة أخوان، فهاشم والد حنتمة وهشام والد الحارث وأبي جهل.

وكان يقال لهاشم جد عمر: ذو الرمحين.

وقال ابن منده: أم عمر أخت أبي جهل. وقال أبو نعيم: هي بنت هشام أخت أبي جهل وأبو جهل خاله... " (أسد الغابة جزء 1 صفحة 814)

مولده

وُلد رضي الله عنه في السنة الثالثة عشرة من ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، وذلك بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة.

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له

روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. "

لماذا أحد هذين الرجلين؟

كان أهل الإسلام يجتمعون في بدء الإسلام سرًّا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، لقلة عددهم، وشدة قريش عليهم.

وكان ممن عرف بالشدة على المسلمين عمر بن الخطاب، وأبو جهل، وكان لهما من المكانة الشيء الكبير، وفي هذا الوقت كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوقع خيرًا للإسلام والمسلمين، بإسلام أحد هذين الرجلين.

أما عمر بن الخطاب، فكان من أشراف قريش، لا من الأشراف اللاهين العابثين تفاهة وانغماسا في الملذات، فما كانت أيام شبابه لهوًا وعبثًا، ولكن كان يأخذ نفسه بمعالي الأمور ويدع سفاسفها، لا يرضى الدنية، دقيق الحس فصيح اللسان، قوي العارضة،
عرفت قريش عنه كل ما يشرفها، ويجعله في الصدارة مع إخوانه فأعطته المكانة التي شرفت بتقلده إياها فإن عمر كان سفير قريش في الجاهلية،
وما أعلى السفارة قدرا عند ذوي الفصاحة والحجى، وكانت قريش أفصح العرب وبلغتها نزل القرآن فأين عمر وهو سفيرها في هذا المجال !
وهل أرضى للمرء عند نفسه، وأكرم عند قومه من أن يكون المقدم إذا حق اللقاء، والمفوه المنشود إذا كان المجال الحجة والكلام؟ (شهيد المحراب عمر بن الخطاب أ / عمر التلمساني ص 48)

ولعل أبا جهل كان يتصف بصفات عديدة من قوةِ جسدٍ، وثروة كبيرة وعائلة عريقة، غير أن كليهما يشترك في صفة عزيزة الوجود في الرجال، في حين كان الإسلام في حاجة شديدة إليها، ألا وهي صفة القيادة، ولعل هذا كان سر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعز الله الإسلام بأحدهما.

" فبالرغم من الحرب العنيفة التي يشنّها الرجلان على الإسلام، لم تكن تخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مقومات الزعامة والقيادة فيهما، وأن وجود أحدهما في الصف الإسلامي يعني قوة هذا الصف واعتزازه، وإن وراء الكفر المتبجح قلوبا لم تصطدم بعدُ بتيار الإسلام القوي، ولم تصل لها القوة الكهربية الضخمة.
إنها حين تكون الصدمة قوية قد تغير الكيان كله، وهذا ما وقع في قدر الله، ودفع إلى إسلام عظيم الرجال عمر بن الخطاب... " (المنهج الحركي للسيرة النبوية أ/ منير الغضبان)

ولا ننس هذه الرواية التي معنا وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لعمر خاصة بأن يسلم فيروي ابن ماجه بسنده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَاصَّةً.
(المقدمة باب فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث رقم 102)

وقد استجاب الحق تبارك وتعالى لتلك الدعوة النبوية، فقر الإسلام بالفاروق، وعز به أهل الإسلام.

ولقد بلغ عمرأوجًا شاهقًا في محراب الإيمان والتقوى، والتبتل والتخشع، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرى رؤيا عجيبة ورؤيا الأنبياء حق فيقول: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهُمْ مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمْرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينُ.

وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ ". وفي لفظ آخر: " أَقْوَاهُمْ فِي اللَّهِ عُمَرُ ".

وقال صلى الله عليه وسلم في مدحه للفاروق وعدم حبه للباطل: " هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، هَذَا رَجُلٌ لَا يُحِبُّ الْبَاطِلَ ".

(مسند أحمد حديث رقم 15033)

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ". (الترمذي 3619)

وقال ابن حجر العسقلاني: السبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الموافقات التي نزل القرآن الكريم مطابقًا لها، ووقع له بعد النبي صلى الله عليه وسلم عدة إصابات.

الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد بعبقرية الفاروق رضي الله عنه

روى البخاري بسنده عمن سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ". (البخاري- حديث رقم 3391)

معاني بعض الكلمات:

استحالت غربا: تحولت إلى دلو كبيرة كناية عن قوة أخذه وعمله.

ضرب الناس بعطن: أي رووا ورويت إبلهم فأقامت على الماء.

من أطاعه رشد

عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ أَرْشَدُوا ".

قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح (صحيح ابن حبان جزء 15 ص327)

ويدعو له بالشهادة

ويروي ابن ماجه بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمٍيصًا أَبْيَضَ، فَقَالَ: ثَوْبُكُ هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ؟ قَالَ: لَا بَلْ غَسِيلٌ. قَالَ: الْبَسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمِتْ شَهِيدًا " (سنن ابن ماجه، كتاب اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث رقم 3548)

ولله در علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما أبلغه عندما قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر.

أقوال الصحابة رضي الله عنهم في الفاروق:

1- عائشة أم المؤمنين

عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: من رأى ابن الخطاب، علم أنه غناء للإسلام، كان والله أحوذيًا. نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها. وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا ذكرتم عمر طاب المجلس.

2- سعيد بن زيد.

روى عن سعيد بن زيد أنه بكى عند موت عمر فقيل له ما يبكيك؟ فقال: على الإسلام، إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا تُرتق إلى يوم القيامة.

3- أبو طلحة الأنصاري.

والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم.

4- حذيفة بن اليمان.

إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل مقبل لم يزل في إقبال فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار.

5- عبد الله بن سلام.

جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه بعد أن صلى على عمر رضي الله عنه فقال: إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه، فلن تسبقوني بالثناء عليه، ثم قال: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، جوادًا بالحق، بخيلًا بالباطل، ترضى من الرضا، وتسخط من السخط، لم تكن مداحًا ولا معيابًا، طيب العرف، عفيف الطرف.

6-العباس بن عبد المطلب..

كنت جارًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. فما رأيت أحدًا من الناس كان أفضل من عمر، إن ليله صلاة، ونهاره صيام، وفي حاجات الناس.

7- علي بن الحسين.

عن ابن أبي حازم عن أبيه قال: سئل علي بن الحسين عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومنزلتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كمنزلتهما اليوم، وهما ضجيعاه. يُتبع إن شاء الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:47

آراء بعض المستشرقين في عمر الفاروق

1- قال موير في كتابه (الخلافة):
كانت البساطة والقيام بالواجب من أهم مبادئ عمر وأظهر ما اتصفت به إدارته عدم التحيز والتقيد، وكان يقدر المسئولية حق قدرها، وكان شعوره بالعدل قويًا، ولم يحارب أحدًا في اختيار عماله، ومع أنه كان يحمل عصاه ويعاقب المذنب في الحال، حتى قيل إن درة عمر أشد من سيف غيره، إلا أنه كان رقيق القلب، وكانت له أعمال سجلت له شفقته، ومن ذلك شفقته على الأرامل والأيتام.

2- وقالت عنه دائرة المعارف البريطانية:
كان عمر حاكمًا عاقلًا، بعيد النظر، وقد أدى للإسلام خدمة عظيمة.

3- وقال الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتابه (محمد وخلفاؤه):
إن حياة عمر من أولها إلى آخرها تدل على أنه كان رجلًا ذا مواهب عقلية عظيمة، وكان شديد التمسك بالاستقامة والعدالة، وهو الذي وضع أساس الدولة الإسلامية، ونفذ رغبات النبي صلى الله عليه وسلم وثبتها، وآزر أبا بكر بنصائحه في أثناء خلافته القصيرة، ووضع قواعد متينة للإدارة الحازمة في جميع البلدان التي فتحها المسلمون، وإن اليد القوية التي وضعها على أعظم قواده المحبوبين لدى الجيش في البلاد النائية وقت انتصارهم لَأكَبر دليل على كفاءته الخارقة لإدارة الحكم، وكان ببساطة أخلاقه، واحتقاره للأبهة والترف، مقتديًا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وقد سار على أَثَرهما في كتبه وتعليماته للقواد.

الإسلام هو الذي صنع من عمر الفاروق

الجاهلية والإسلام في حياة عمر وجها لوجه

" إن الإنسان هذا الكائن العجيب، يعتبر سيدا لعناصر الكون كلها، يوازن أعتاها وأقساها فيرجحه ويربو عليه، يوم يكون شخصًا فاضلًا، ولكنه يلعن في الأرض والسماء ويَرْجَحه الذر والهباء يوم يكون شخصًا ساقطًا " (محمد الغزالي/ خلق المسلم).

هذا ما حدث تماما مع عمر بن الخطاب، بون شاسع وفرق كبير بين عمر بن الخطاب قبل إسلامه، وأبي حفص عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه بعد إسلامه.

مشاهد من حياته في الجاهلية

كان يدافع عن كل ما أَلِفته قريش من عادات وعبادات ونظم وكانت له طبيعة مخلصة تجعله يتفانى في الدفاع عما يؤمن به، وبهذه الطبيعة التي جعلته يشتد في الدفاع عما يؤمن به قاوم عمر الإسلام في اللحظات الأولى، ووقف بالمرصاد أمام الدعوة في بدايتها، وخشى عمر أن يهز هذا الدين النظام المكي الذي استقر، والذي يجعل لمكة بين العرب مكانة، والذي أعطى لمكة ثروتها الروحية، وثروتها المادية، فهو سبب ازدهارها وغنى سراتها؛ ولذلك قاوم سراة مكة هذا الدين، وبطشوا بالمستضعفين من معتنقيه وكان عمر من أشد أهل مكة بهؤلاء الضعفاء.

ولقد ظل يضرب جارية أسلمت، حتى عيت يده، ووقع السوط من يده، فتوقف إعياءً، ومر أبو بكر فرآه يعذب الجارية فاشتراها منه وأعتقها.

وفي الجاهلية كان له صنم يعبده، فعندما جاع أكله ـ ويبدو أن الجوع كافر كما يقولون ـ كيف يأكل العابد معبوده! إنه لسفه عظيم، وضلال مبين.

ها هو الفاروق الذي كان يعبد الأصنام، ويتصدى لكل من يحاول إهانة هذه الأحجار ويصب العذاب صبًا في وجه من يحاول تنزيلها عن مكانتها العالية في ظنه.

ومع ذلك كان رجلًا بليغا، حصيفًا، قويا، حليمًا، شريفًا، قوي الحجة، واضح البيان، مما أهّلهُ لأن يكون سفيرًا لقريش، ومفاخرًا ومنافرًا لها مع القبائل، قال ابن الجوزي: كانت السفارة إلى عمر بن الخطاب، إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرًا، أو نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرًا ومفاخرًا، ورضوا به متحدثا بلسانهم وهم أفصح الناس، وسفيرا لهم وهم أعرق الناس نسبا وأعظمهم جاها...

وكما نرى في هذه المشاهد التي توحي لنا بتناقض غريب وعجيب خلّفته الجاهلية بغبارها وركامها في هذا التاريخ العمري، نرى صفات إيجابية وأخرى سلبية، ولا شك أن كل إنسان يحمل بين جنبيه ألوانًا متعددة من الصفات والخصائص منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي، ولكن عمر بن الخطاب به من الإيجابيات الكثير الذي يميزه عن غيره من الناس، وقد استفاد الإسلام بشكل واضح من أخلاق عمر الإيجابية وأكّد عليها ونمّاها بشكل أوضح.

فمن الصفات الإيجابية البارزة لدى عمر بن الخطاب صفة القيادة، وما زال الإسلام ينمي فيه هذه الصفة ويؤكد عليها إلى أن وصل بعمر أن يكون يوما ما أميرًا للمؤمنين، وخليفة للصديق أبي بكر رضي الله عنهما.

وقد استفاد الإسلام أيضا من صفة الشدة عند عمر وجعلها بمثابة الدرع الواقي الذي يحمي هيبة الإسلام أمام من تُسول له نفسه المساس بقدسية هذا الصرح العظيم- الإسلام- ففي كثير من المواقف نجد الفاروق يشهر سيفه قائلا: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله.

لقد عاش عمر في الجاهلية وعرف حقيقتها، وتقاليدها، وأعرافها، ودافع عنها بكل ما يملك من قوة، ولذلك عندما دخل الإسلام عرف جماله وحقيقته وتيقن الفرق الهائل بين الهدى والضلال، والكفر والإيمان، والحق والباطل، ولذلك قال قولته المشهورة: إِنَّمَا تُنْقَصُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ.

وهذه هي شهادة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الإسلام وعزته: إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ.

رغم السيادة التي كان فيها عمر في جاهليته من قيامه بأمر السفارة في قريش، ومكانته المرموقة بين القوم، إلا أنه أدرك بعد إسلامه البون الشاسع بين من يؤمن بالله وبين من يعبد الأحجار والأوثان والأنصاب والأزلام التي لا تنفع ولا تضر.

يخاف الفاروق رضي الله عنه من ربه خوفًا صادقًا، أدى به إلى الاجتهاد في عبادة الله عز وجل، والتفاني في مرضاته.

وهذا هو الخوف الإيجابي الذي يعين المرء على المزيد من طاعة الله، فليس الخائف من يبكي وتسيل دموعه، ثم يمضي قدمًا في معاصي الله، وإنما الخائف هو من يترك معصية الله خوفا منه.

هذا هو الفاروق الذي ملك إمارة المسلمين وورث كسرى وقيصر، يخاف من الدنيا ومن غرورها، ومن المال وفتنته يقول المِسْور بن مَخْرمة رضي الله عنه: أُتِي بمال فوُضع في المسجد، فخرج عمر إليه ليتصفحه وينظر إليه، ثم هملت عيناه.

فما أحرانا أن نقتدي بالفاروق في البكاء من خشية الله تعالى.

فماذا عساه أن يكون عمر لو لم يدخل في هذا الدين العظيم، كان سيمحى من ذاكرة التاريخ والإنسانية، ويتساوى مع أساطين الكفر، وأئمة الضلالة كأبي جهل بن هشام، وأُبي بن خلف، وأبي لهب بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة، ولكنه بإسلامه سطر اسمه في سجل العظماء الذين نصروا الله في كل المواطن التي شهدوها، ,هكذا ينصر الحق تبارك وتعالى من يقوم بنصره، ومن يتحمل المتاعب من أجل الدعوة ومن أجل الدفاع عن الحق.

لقد تبوأ عمر بالإسلام مكانة لم ينلها إلا عدد قليل ممن اصطفاه الله في هذه الحياة الدنيا، مكانة سامقة، تجعل الرجل علامة بارزة في جبين الإنسانية، وكفى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. " ( (حسن)انظر حديث رقم‏: 5284 في صحيح الجامع)

لقد كان الفاروق رجلًا ربانيًّا بحق، لا يخشى إلا الله عز وجل فكان دائمًا الحق على لسانه وقلبه، ودائمًا الصواب معه، والرأي الراجح له، إنهم رجال رباهم الرسول عليه الصلاة والسلام على مبادئ الإسلام العالية، فكانوا رجالًا كما وصفهم الله في كتابه العزيز: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب: 23}. يُتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:51

لماذا لم يتول الخلافة قبل أبي بكر مع قوته وعلمه؟

الصفات والفضائل والأعمال التي انفرد بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

وفي ذلك تروي السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: " لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بَلَالٌ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ". (‏ (‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏: 5866 في صحيح الجامع‏.) ‏

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَّى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ: إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبُ مِنْكِ خَيْرًا.

تَقُولُ عَائِشَةُ: لَقَدْ رَاجَعْتُهُ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى مَرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا.

فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ـ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا ـ: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ وَالْآخَرُ عَلِيٌّ، وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ. فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَلَى يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَاعِدًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.

قال ابن حبان رحمه الله هذا الخبر فيه دليل على أن الخليفة بعد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

ويدل هذا الخبر على فضل أبي بكر على جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن مناقب الصديق رضي الله عنه إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين أنهم يأبون عقد الخلافة لغير أبي بكر.
فتروي عائشة رضي الله عنها " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ: ادْعِ لِي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكَ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ. "

ففي الحديث إخبار من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المسلمين لا يرضون بغير أبي بكر خليفة لهم.

ومن الأحاديث التي تدل على حب الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر هذا الحديث يرويه لنا عمرو بن العاص رضي الله عنه فيقول:
" بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النِّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَائِشَةُ. قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عُمَرُ. فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.

أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ عَائِشَةُ وَمِنَ الرِّجَالِ أَبُوهَا. (‏ (‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏: 177 في صحيح الجامع‏).

وفي هذا الحديث نرى مكانة أبي بكر وابنته عائشة رضي الله عنهما، وبيان فضل عمر رضي الله عنه إذ تأتي منزلته بعد منزلة الصديق رضي الله عنهم جميعا.

وأي منزلة تلك التي وصل إليها أبو بكر الصديق وعندها تتضاءل كل منازل الدنيا، فإن من أحبه النبي صلى الله عليه وسلم أحبه الله تعالى ومن أحبه الله تعالى فقد فاز بالدنيا والآخرة، وذلك هو الفوز المبين.

ومن فضائل الصديق رضي الله عنه:

دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة أن تقتدي بالصديق، وإن شاركه عمر بن الخطاب إلا أنه ذكر بعده، فقد ذُكر أبو بكر أولًا لفضله وعلمه.

يروي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ".

وفي رواية أخرى: " إِنِّي لَا أَدْرِي كَمْ قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ".

وفيه ذكر لفضائل عمر ولكن بعد الصديق رضي الله عنه.

وأبو بكر أفضل من عمر رضي الله عنهما بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وبشهادة عمر نفسه وبما نرى من مواقف كثيرة تؤيد هذا الأمر

" وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي وُزِنْتُ بِأُمَّتِي فَرَجَحْتُ، ثُمَّ وُزِنَ أَبُو بَكْرٍ فَرَجَحَ، ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ فَرَجَحَ. " وفي هذا بيان واضح في فضله على عمر. وقال عمر رضي الله عنه: مَا سَابَقْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلَّا سَبَقَنِي إِلَيْهِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي شَعَرَةٌ فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ... " (الاستيعاب جزء 1 صفحة 356).

مكانته في الآخرة

روى البخاري بسنده أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، قُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ. (البخاري- حديث رقم 6505)
يُتبع إن شاء الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:52

ففقه عمر

قد يتبادر إلى ذهن البعض أن المقصود بفقه عمر معرفته بجوانب من فقه العبادات كالطهارة وغيرها، ولكن المقصود هنا هو الفقه بمعناه الواسع، أي دقة الفهم المراد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ "
أي يرزقه فهما صحيحا يدرك به حقائق الشريعة، وأصول الأحكام، وقد رزق الله عمر هذا النوع من الفقه.

من فضائل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أوتي الدين، والفقه، والشيء العظيم من العلم، عمر رضي الله عنه كان رجلًا ملهمًا، ربانيًا، وهذا لا يأتي إلا من الإخلاص مع الله عز وجل في السرائر والعلن، وأن يعبد الإنسان ربه كأنه يراه وخير من يتصف بهذه الصفات هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ولقد أشاد الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه النعمة التي حباها الله عمر، ونبه الصحابة على ما عنده لينهلوا منها، فقال: " بَيْنَما أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ. " (البخاري كتاب العلم، باب فضل العلم، حديث رقم Cool.

قال عبد الله بن مسعود: لو أن علم عمر بن الخطاب وضع في كفة الميزان، ووضع علم الأرض في كفة لرجح علم عمر، وقال أيضًا: إني لأحسب عُمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم.

فقد كان رضي الله عنه حريصًا على حضور مجالس العلم بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم لا يترك واحدة منها تفوته.

قال عمر: " كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.

وهاهو يحث غيره على الفقه:

عن سفيان قال: قال الأحنف: قال لنا عمر بن الخطاب: " تفقهوا قبل أن تسودوا ". قال سفيان: لأن الرجل إذا أفقه لم يطلب السؤدد... (صفة الصفوة جزء 2 صفحة 236)

ولم يكن عمر بالذي يحفظ العلم دونما فقه، ويحمله داخل عقله فتاوى جامدة، بل كان يتمتع بنظر ثاقب، وفهم سديد، يتحرك في كل الجهات يعرف لكل موقف ما يناسبه، وقد وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها في ذلك فقالت: " كان والله أحوذيًا، نسيج وحده، فقد أعد للأمور أقرانها ".

وذكاء عمر واسع عميم، ونظراته الثاقبة تجلي كل غامض، وتدخل الحنايا فتكشف الخفايا، وتنفذ إلى غور الأمور، وكان عليمًا بأحداث الدنيا وأسرار الحياة.

وكان عمر رضي الله عنه ذا فقه عظيم بطبائع النفوس، لا تغره المظاهر، ولا يكتفي بالنظرة العابرة لتكوين أحكام على الآخرين فهو يقضي بذكائه لا بعواطفه، ولا يرضى بأحكام جزئية ممزقة، بل تتراحب أبعاد فكره الوقاد، لإيجاد الحلول الناجحة للمشاكل الواقعة.


وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يخطب ويقول:

" إني لأحسب عمر بين عينيه ملك يسدده ويقويه، وإني لأحسب الشيطان يفرق من عمر، أن يحدث حدثًا فيرده ".

قيل: يغفر الله لك أنت أحق، أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ويحك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ يَقُولُ بِهِ.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال عمر بن الخطاب، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر.

وكان علي رضي الله عنه يقول: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه.

وفي رواية أخرى: لقد كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه.
العوامل التي ساعدت عمر على تحصيل العلم
لقد بذل الفاروق جهدا مضنيا حتى يحصل هذا الكم الكبير من العلوم وقد كان رضي الله عنه على علم بأسباب النزول

حفظ عمر القرآن كله. في الفترة التي بدأت بإسلامه، وانتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حفظه مع أسباب التنزيل إلا ما سبق نزوله قبل إسلامه، فذلك مما جمعه جملة، ولا مبالغة إذا قلنا إن عمر كان على علم كثير بأسباب النزول، لشدة اتصاله بالتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هو قد حفظ منه ما فاته، فأن يُلم بأسباب النزول والقرآن بكر التنزيل، والحوادث لا تزال تترى فذلك أمر يسير.

وقد كان عمر سببًا في التنزيل لأكثر من آية بعضها متفق على مكيته وبعضها مدني، بل كان بعض الآيات يحظى من عمر بمعرفة زمانه ومكانه على وجه دقيق قال عن هذه الآية [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا] {المائدة: 3}.

قال الفاروق عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشية عرفة في يوم جمعة.

ولا ننس ونحن في سياق الكلام عن تميز عمر بن الخطاب بكثرة العلم أنه كان أحد سبعة عشر رجلا في قريش يعرفون القراءة والكتابة مما جعله مؤهلا لحمل هذا الكم الكبير من العلوم والمعارف.

ولم يتمتع عمر رضي الله عنه بالعلم والفقه إلا بعد أن كابد في سبيل هذا العلم والفقه، وتجرع آلام تحصيله، وترك فراش نومه كثيرًا، ولازم رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا، فلا ينال العلم إلا من مصاحبة العلماء، وخير من تميز بهذه الصفة هو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي لازم الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، وكان يشاركه الآراء، ومما ساعده أيضا على تحصيل العلم:

1ـ حبه للنبي صلى الله عليه وسلم

أول الأشياء التي تدل على أن صاحبها يريد العلم النافع هي حب الرسول صلى الله عليه وسلم، والدفاع عنه بكل ما يملك، ويجود بنفسه رخيصة ولا يشاك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة بسيطة.

والمواقف والأحداث تشير إلى حبه العميم، والمتدفق، فلا يكاد يشم رائحة إهانة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويشهر سيفه (دعني أقطع عنقه يا رسول الله) ويهدئ الرسول صلى الله عليه وسلم من روع عمر، ويطلب إليه الهدوء، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن ما حمل عمر على هذا التصرف إلا أنه يحب رسوله أشد ما يكون الحب.

لقد كان من بين أسرى بدر العباس بن عبد المطلب عم المعصوم صلى الله عليه وسلم وحرص عمر رضي الله عنه على هدايته، وقال له: أسلم يا عباس، فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب. ولذلك لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك.

ومن شدة حب عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تظهر منه بعض المواقف التي تبين شدة هذا الحب وعمقه وتغلغله في نفس هذا الصحابي الجليل وليفصح لنا أبو هريرة عن هذا الأمر العجيب

يقول أبو هريرة رضي الله عنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات.
ولكنه ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.

ويقول أبو هريرة: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى في ناحية البيت عليه بردة حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدًا.

ثم رد الصديق البرد على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وخرج على الناس وقرأ قول الحق تبارك وتعالى: [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ] {آل عمران: 144}. فقال عمر: فو الله ما هو إلا أن سمعت أن أبا بكر تلاها فعقرت، حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.)صفة الصفوة جزء 1- صفحة 284)


فقد لازم الفاروق رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة بعد إسلامه، كما لازمه كذلك في المدينة المنورة ـ حيث سكن العوالي ـ وهي ضاحية من ضواحي المدينة وفي هذه الضاحية نظم عمر نفسه، وحرص على أن يتعلم في مدرسة النبوة في فروع شتى من المعارف والعلوم على يدي معلم البشرية وهاديها، وقد كان لا يفوته علم من قرآن أو حديث، أو أمر أو حدث أو توجيه، قال عمر: " كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد- وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك ".

وهذا الخبر يوقفنا على الينبوع المتدفق، الذي استمد منه عمر علمه وتربيته، وثقافته، وهو كتاب الله الحكيم، الذي كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجمًا على حسب الوقائع والأحداث،
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأه على أصحابه الذين وقفوا على معانيه وتعمقوا في فهمه، وتأثروا بمبادئه، وكان له عميق الأثر في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم وأرواحهم،

وكان عمر من هؤلاء الذين تأثروا بالمنهج القرآني في التربية والتعليم، وعلى كل دارس ومحب لتاريخ عمر رضي الله عنه أن يقف وقفة متأملة أمام هذا الفيض الرباني الصافي، الذي غذّى المواهب وفجر العبقريات.

وقد حرص الفاروق منذ إسلامه على حفظ القرآن الكريم وفهمه وتأمله وظل ملازمًا للرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى عنه ما أنزل عليه، حتى تم له حفظ جميع آياته وسوره وقد أقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم بعضه وحرص على الرواية التي أقرأه بها الرسول صلى الله عليه وسلم وكان لعمر كثير من الأوقات فضل السبق إلى سماع بعض آياته فور نزوله.

2ـ الأخلاق والتواضع

ثاني الأشياء التي جعلت الفاروق عمر بن الخطاب يصل إلى هذه الدرجة من العلم والفقه هي إخلاصه رضي الله عنه وابتغاؤه بهذا العلم وجه الله عز وجل. وهذا هو السبب الأول الذي جعله يرتقي إلى هذه الدرجة العالية من العلم.

يقول رب العزة تبارك وتعالى: [وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] {البقرة: 282}.

فمن طلب العلم لله بارك الله فيه، ونفعه به، ونفع به المسلمين، وعمر رضي الله عنه لم يطلب العلم كي يجاري به العلماء ويماري به السفهاء، ولكن طلب العلم تقربًا إلى الله عز وجل؛ لأنه القائل في كتابه العزيز: [ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ] {فاطر: 28}. فأشد الناس خشية لله هم العلماء.

وكانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتاب العزيز: [ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا] {طه: 114}. لأن العلم يرفع من درجات الإنسان في الدنيا والآخرة، ويرفع الحق تبارك وتعالى بالعلم أقوامًا ويضع به آخرين. ولا بد لهذا العلم أن يتوج بالأخلاق لأن العلم وحده لا ينفع ما لم تزينه الأخلاق فعلم بلا أخلاق كشجرة بلا ثمر.

لَا تَحَسَبَنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُ وَحْدَهُ مَا لَمْ يُتَوَّجُ رَبُّهُ بِخَلَاقِ

وقال الشاعر.

إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ.. فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا

لم تمنع المنزلة العالية التي وصل إليها عمر رضي الله عنه في الفقه والعلم من التواضع لله عز وجل، ولين الجانب لإخوانه، وحسن المعاملة، وعدم التعالي بهذا العلم.
ففي يوم من الأيام يقف عمر على المنبر، ويخطب في الناس أن رفقًا بالشباب، ودعا الناس إلى التخفيف في المهور، وعدم تحميل الشباب فوق طاقاتهم، فتقوم امرأة وتقول: يا عمر، يقول رب العزة تبارك وتعالى: [وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] {النساء: 20}.

وهنا يقف عمر مع نفسه، ويفكر في الأمر، ولا تمنعه مكانته من إمارة المؤمنين ومكانته المرموقة بين المسلمين إلا أن يقول: " صدقت امرأة وأخطأ عمر ".

(هذه الرواية في تفسير القرطبي ج 5 ص 95، وذكرها الآمدي في الإحكام ج 4 ص 193).يُتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 18:54

أمثلة من فقه عمر
فقه الطهارة


من فقه عمر في الطهارة، أنه يكفي في خروج المذي: غسل الفرج، والوضوء.

يروي أبو عثمان النهدي رحمه الله أن سليمان بن ربيعة تزوج امرأة من عقيل، فرآها فلاعبها. قال: فخرج منه ما يخرج من الرجل. قال سليمان: أو قال: المذي. قال: فاغتسلت، ثم أتيت عمر، فقال: ليس عليك في ذلك غسل، ذلك أيسر.

وفي رواية عن عمر رضي الله عنه فقال: ليس عليك في ذلك غسل، ذلك أيسر.

فقه الصلاة

جمع الناس على إمام واحد في صلاة قيام رمضان، وكانوا يصلون متفرقين على أكثر من قارئ.

يروي عبد الرحمن بن القاري أنه خرج مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط.

فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أُبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.

سجود التلاوة

من فقه عمر رضي الله عنه أن سجود التلاوة ليس بواجب فلا إثم على تاركه، وإن كان ثواب فاعله عظيمًا.

يقول ربيعة بن عبد الله التميمي رحمه الله: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال:

" أيها الناس، إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، إن الله لم يفرض السجود، إلا أن نشاء. ولم يسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وفي الخبر من الفوائد: أن للخطيب أن يقرأ القرآن في الخطبة وأنه إذا مر بآية سجدة ينزل إلى الأرض ليسجد بها إذا لم يتمكن من السجود فوق المنبر، وأن ذلك لا يقطع الخطبة ووجه ذلك فعل عمر مع حضور الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم.

وهنا نرى الفقه المتوازن الذي يفرق بين الفرض والنفل، ثم التعليم الرائع في كونه لم يسجد في المرة الثانية مع فضل السجود لكي يثبت للناس عدم فرضيته.

فقه الإمام والمأموم

قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن الحارث بن معاوية الكندي، أنه ركب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله عن ثلاث خلال قال: فقدم المدينة، فسأله عمر رضي الله عنه: ما أقدمك؟ قال: لأسألك عن ثلاث خلال.
قال: وما هن؟ قال: ربما كنت أنا والمرأة في بناء ضيق فتحضر الصلاة، فإن صليت أنا وهي كانت بحذائي وإن صلت خلفي خرجت من البناء؟
فقال عمر: تستر بينك وبينها بثوب، ثم تصلي بحذائك إن شئت. وعن الركعتين بعد العصر؟ فقال: نهاني عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وعن القصص؟ فإنهم أرادوني على القصص. فقال: ما شئت. كأنه كره أن يمنعه. قال: إنما أردت أن أنتهي إلى قولك.
قال: أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك. (حديث رقم 106)

الواقع يفرض أحكامًا جديدة

لقد كان الاجتهاد في أمور الشريعة هو دأب الفاروق عمر رضي الله عنه، يريد الوصول إلى الرأي الصواب، يريد تقديم الحلول التي تجلب المنفعة للمسلمين والتخفيف عنهم،
والتقرب إلى الله عز وجل، فها هو عمر رضي الله عنه يرى أن من الفقه إعطاء المؤلفة قلوبهم في حال الضعف وعدم إعطائهم في حال القوة، فلم يُعطهم،
رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يفعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن الإسلام ليس بحاجة إلى هؤلاء المؤلفة قلوبهم، فقد غدا الإسلام قويًا، يُخشى بأسه، وتُسمع كلمته في العالم كله.

يقول تعالى في سورة التوبة: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] {التوبة: 60}.

فقد ذكرت الآية الكريمة الأنواع التي تجب فيها الزكاة، ثمانية أنواع ومنهم المؤلفة قلوبهم.

ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن ذلك يكون عندما يكون الإسلام ضعيفًا يحتاج إلى من يزيد قوته، ولكن الإسلام زمان عمر قد أصبح القوة الأولى في العالم.

لم يعد الإسلام. بحاجة إلى المؤلفة قلوبهم، فهم عبء على الإسلام وأهله، فاجتهد عمر رضي الله عنه وأبطل سهم المؤلفة قلوبهم ولم ينكر أحد من الصحابة فعله هذا.

حد السرقة وعام الرمادة

ومعلوم من سيرة عمر في عام الرمادة أنه لم يقطع سارقا كما في (المنتقى شرح موطأ مالك)

ومن فقهه رضي الله عنه كما في غريب الحديث لابن سلام (جزء 3 صفحة 194) حديث عمر أنه أخّر الصدقة عام الرمادة فلما أحيا الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين.

وهكذا نرى عمر رضي الله عنه يجول بفكره في القضايا المعاصرة التي تطرأ على الدولة الإسلامية إبان خلافته، يقارن ويرجح ويبحث حتى يصل إلى الرأي الصواب الذي يعود بالخير والإيمان على أمة الإسلام.

فرحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
موافقات عمر
لقد نزل القرآن الكريم في الكثير من آياته موافقًا لرأي الفاروق عمر رضي الله عنه، فلقد كان الحق على لسان عمر وقلبه، فقد كان رجلًا ربانيًّا راقب ربه في كل أموره، حتى غدا يعبد الله كأنه يراه.

" عن ابن عمر مرفوعا: ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر" (الصواعق المحرقة جزء 1، صفحة 287).

وإليك طرفًا من موافقات القرآن الكريم لآراء الفاروق عمر رضي الله عنه.

1- أسرى غزوة بدر

شارك عمر رضي الله عنه في غزوة بدر، وعندما استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بعد المعركة في شأن الأسرى، وقد كان رأي الصديق والرسول صلى الله عليه وسلم فداء الأسرى بالأموال، وتعليم المسلمين القراءة والكتابة، وكان من رأي الفاروق عمر رضي الله عنه قتل هؤلاء الأسرى.

ونزل القرآن الكريم موافقًا لرأي الفاروق عمر بن الخطاب.

قال تعالى: [مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {الأنفال: 67}.

2- رأيه في الحجاب

كان من رأي الفاروق عمر هو وجوب التزام نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب لدخول كثير من الصحابة عليهن يستفتون الرسول صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا] {الأحزاب: 59}.

" حديث عمر رضي الله تعالى عنه: قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن. فنزلت آية الحجاب " (عمدة القاري جزء 2- ص 284).

3- الصلاة في مقام إبراهيم

كان من رأي الفاروق رضي الله عنه الصلاة في مقام إبراهيم، ونزل القرآن الكريم مؤيدًا لرأيه رضي الله عنه: [ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ] {البقرة: 125}.

أخرج الشيخان عن عمر قال: "وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، فَنَزَلَتْ: [ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ] {البقرة: 125}.
وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ يَحْتَجِبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجِابِ. وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ فِي الْغِيرَةِ، فَقُلْتُ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَقَكُنِّ أَنْ يًبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ " (الصواعق المحرقة جزء 1، صفحة 287)

4- استئذان الأطفال

كان من رأي الفاروق رضي الله عنه استئذان الأطفال قبل الدخول، عند بلوغ الأطفال مرحلة الحلم، فنزل القرآن الكريم موافقًا لرأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه،

" يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه فوجده نائما قد أغلق عليه الباب فدق عليه الغلام الباب فناداه ودخل فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء
فقال عمر: وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخر ساجدا شكرا لله.

قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ العِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] {النور: 58}. (تفسير القرطبي جزء 12 ص 276).

5- موافقته في ترك الصلاة على المنافقين

قال عمر: لَمَّا تُوُفِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَتَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي صَدْرِهِ
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَى عَدُّوِ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الْقَائِلِ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا- يُعِدُّ أَيَّامَهُ- قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَسِمُ، حَتَّى إِذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: [اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] {التوبة: 80}.
لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّي عَلَيْهِ، وَمَشَى مَعَهُ، فَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ. قَالَ: فَعَجَبْتُ لِي وَجَرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ: [وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ] {التوبة: 84}.

فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

6- عمر وتحريم الخمر

قال عمر: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ] {البقرة: 219}. قَالَ فَدُعِيَ عُمَرُ: فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى] {النساء: 43}.
فَكَانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى أَلَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ: [فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ] {المائدة: 91}.
قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا، انْتَهَيْنَا. وهكذا خضع تحريم الخمر لسنة التدرج، وفي قوله: [فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ] {المائدة: 91}؟ فهم عمر من الاستفهام الاستنكاري أن المراد به التحريم، لأن هذا الاستفهام أقوى وأقطع في التحريم من النهي العادي، ففي ألفاظ الآية وتركيبها وصياغتها تهديد رهيب واضح كالشمس في التحريم.
جمع القرآن الكريم
كان من بين شهداء المسلمين في حرب اليمامة الكثير من حفظة القرآن الكريم، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجمع القرآن، حيث جُمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال.

" لقي زيد بن ثابت عمر بن الخطاب فقال له: إن هذا القرآن هو الجامع لديننا فإن ذهب القرآن ذهب ديننا، وقد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب. فقال له: انتظر حتى نسأل أبا بكر. فمضيا إلى أبي بكر فأخبراه بذلك، فقال: لا تعجل حتى أشاور المسلمين. ثم قام خطيبا في الناس فأخبرهم بذلك فقالوا: أصبت.

فجمعوا القرآن، وأمر أبو بكر مناديا فنادى في الناس: من كان عنده من القرآن شيء فليجئ به. قالت حفصة: إذا انتهيتم إلى هذه الآية فأخبروني:

[حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ] {البقرة: 238}. فلما بلغوا إليها قالت: اكتبوا والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر. فقال لها عمر: ألك بهذا بينة؟ قالت: لا. قال: فوالله لا نُدخل في القرآن ما تشهد به امرأة بلا إقامة بينة ". (الدر المنثور جزء 1، ص 723)
يُتبع إن شاء الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بهاء الله
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام   الأربعاء 10 أبريل - 19:16

قصة إسلام عمر بن الخطاب
قصة إسلام عمر بن الخطاب

بعد ثلاثة أيام فقط من إسلام حمزة بن عبد المطلب آمن رجل آخر، آمن عظيم آخر، وبإيمان هذا المؤمن الجديد سيغير الله من وجه الأرض تمامًا، سيغير من حركة التاريخ، ذلك الرجل الذي سيزلزل عروش ملوك الأرض في زمانه، كسرى وقيصر وغيرهم، هذا المؤمن الجديد هو: عمر بن الخطاب، عمر الفاروق .

فمنذ أول لحظات إيمانه وحتى آخر أيام حياته كان فاروقًا، وإن قصة إسلامه لأعجب من قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما، فقد كان حمزة خلال السنوات الست التي سبقت إسلامه كان سلبيًّا بالنسبة لرسول الله وبالنسبة للمؤمنين، فهو ليس معهم، وفي الوقت ذاته ليس عليهم.

تاريخ عمر مع المسلمين

أما عمر بن الخطاب فكان شيئًا آخر، فتاريخه مع المؤمنين كان من الصعوبة والقسوة بمكان، كان تاريخه حافلاً بالقسوة والعنف الشديدين، ومثل حمزة فقد كان عمر رجلاً مغمورًا في التاريخ، رجل مثل بقية رجال قريش قبل أن يسلموا، نعم كانت له مكانة خاصة في نادي قريش، وكانت سفارة قريش موكولة إليه، وكان مسموع الكلمة في قبيلته بني عدي وفي قريته مكة، لكن ما هي قبيلة عديّ أو ما هي مكة بالنسبة إلى ما يجاورها من تكتلات وقوى عظمى؟

ما هي مكة بالنسبة إلى فارس والروم ومصر والصين والهند، إنها لا تعدو أن تكون مجموعة من القبائل البدوية البسيطة، التي تعيش في وسط الصحراء العربية على الرعي والتجارة وبيع الأصنام، وهذه مكة قبل الإسلام، فكان عمر مثل آلاف أو ملايين الرجال الذين مروا في التاريخ، وقد انطوت صفحاتهم، واندثر ذكرهم بمجرد وفاتهم.

قسوة وغلظة .. ولكن

إلى جانب سلطته وقوته وبأسه كان عمر أيضًا غليظ الطباع، قاسي القلب، شديدًا على الإسلام والمسلمين، فقد كان يعذِّب جارية له علم بإسلامها من أول النهار حتى آخره، ثم يتركها نهاية الأمر ويقول: "والله ما تركتك إلا ملالةً".

ورغم هذه القسوة وتلك الغلظة إلا أن عمر كان يخفي وراءها رقة عَزَّ أن تجد مثلها. تحكي عن هذا زوجة عامر بن ربيعة رضي الله عنهما، وذلك حينما رآها عمر وهي تعد نفسها للهجرة الأولى إلى الحبشة، فقال لها كلمة شعرت من خلالها برقة عذبة في داخله، وأحست بقلبها أنه من الممكن أن يسلم عمر، وذلك أنه قال لها: صحبكم الله.

لم تتوان زوجة عامر بن ربيعة في أن تخبر زوجها بما رأت من عمر، فرد عليها بقوله: أطمعت في إسلامه؟ قالت: نعم. ولأن الانطباعات الأولى ما زالت محفورة في نفسه، رد عليها زوجها وفي يأس كامل بقوله: فلا يسلم الذي رأيتِ حتى يسلم حمار الخطاب. وإذا كانت الأمور بخواتيمها، فقد كانت نظرة المرأة أدق من نظرة الرجل.

صراع حاد بين جوانح عمر

وإزاء الأحداث والمستجدات الأخيرة، والتي ظهرت على ساحة مكة كان يعيش عمر بن الخطاب صراعًا نفسيًّا حادًّا، فهو بين أن يكون زعيمًا قائدًا في مكة، وبين أن يكون تابعًا في هذا الدين الجديد، يحدثه قلبه بأن هؤلاء الناس قد يكونون على صواب، وأن هؤلاء الناس ثباتهم عجيب جدًّا فيما يتعرضون له، وهم يقرءون كلامًا غريبًا لم نسمعه من قبل، هذا إضافةً إلى أن (رئيسهم) الرسول ليس عليه من الشبهات شيء، فهو الصادق الأمين.

ويحدثه عقله بأنه سفير قريش، وقائد من قوادها، والإسلام سيضيّع كل هذا، فذلك الدين قسّم مكة إلى نصفين، نصف يؤمن به ونصف يحاربه، ومنذ ست سنوات ونحن منه في متاعب ومشكلات، ومناظرات ومحاورات.

صراع شديد في نفس عمر، قلبه في طريق، وعقله في طريق آخر، وأصدقاء السوء في مكة كثيرون، يزينون له المنكر.

عمر يقرر قتل رسول الله

في لحظة عصيبة من هذا الصراع الداخلي انتصر عقله في النهاية، وبعدها شعر بكراهية شديدة لرسول الله الذي وضعه في مثل هذا الصراع النفسي الرهيب، والذي لم يكن معتادًا عليه، ولأن من طبعه الحسم وعدم التردد، فقد قرر أن ينتهي من كل ما يؤرقه، وأراد أن يخلص نفسه ويخلص مكة كلها ممن أحدث فيها هذه البدع وتلك المشكلات، فقرر أن يقوم بما فكر فيه كثير من مشركي قريش قبل ذلك، لكنهم لم يفلحوا فيه، قرر أن يقتل رسول الله .

وكان قد دفعه إلى أخذ هذا القرار -أيضًا- ما حدث قبل يومين من إهانة شديدة لأبي جهل في مكة على يد عم رسول الله حمزة والذي أصبح على دين محمد، وكانت حرارة هذا الدافع نابعة من أن أبا جهل خال عمر بن الخطاب، رأى عمر أنه قد أصيب في كرامته تمامًا كما أصيب أبو جهل، ورد الاعتبار في هذه البيئة عادة ما يكون بالسيف.

هنا قرر ابن الخطاب قتل رسول الله ، وقد جاء خاطر هذا القرار في ذهنه في لحظة، وكانت محاولة التنفيذ مباشرة في اللحظة التالية، رغم أنه لم يعرف مكان رسول الله ؛ فلم يكن من المشركين أحد يعرف دار الأرقم بن أبي الأرقم.

خرج عمر بن الخطاب من بيته متوشحًا سيفه قاصدًا رسول الله يبحث عنه لقتله، وفي الطريق لقيه نُعَيم بن عبد الله وكان من المسلمين الذين أخفوا إسلامهم، وكان أيضًا من قبيلة عمر، من بني عدي، وكان من السهل على نعيم أن يقرأ الشر في قسمات وملامح وجه عمر، فأوقفه نعيم وقال له: أين تريد يا عمر؟

ولأنه صريح لا يكذب ولا ينافق ولا يُداهن، لعدم حاجته إلى مثل هذه الصفات، ومن ناحية أخرى فهو لا يعرف نبأ إسلام نعيم، قال عمر في غاية الصرامة والجدية: أريد محمدًا، هذا الصابئ، الذي فرّق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسفه آلهتها؛ فأقتله.

ما كان من نعيم حين سمع مقالة عمر إلا أن أصابه الرعب والفزع، فقد رأى الخطر العظيم المحدق برسول الله وليس هناك وقت لتنبيهه.

من مأمنه يُؤْتى الحَذِر

إزاء ما وجد نعيم من عمر، لم يتمالك نفسه في أن يكشف له عن سر خطير؛ قاصدًا أن يلهيه به عن هذا الإقدام وذاك التفكير، فأماط اللثام عن إسلام أخته وزوج أخته معًا، كشف له عن إيمان فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها أخت عمر، وعن إيمان زوجها سعيد بن زيد ، كان من الممكن أن يقتلهما عمر، لكن في المقابل يستطيع نعيم أن يبلغ الرسول ليأخذ حذره، ولو كان أخبره بإسلام أحد آخر فلن يهتم عمر، أما إذا أخبره بإسلام أخته، فهذا شيء كبير جدًّا وطعن جديد في كرامة عمر، هنا قال نعيم مهددًا:

والله لقد غرّتك نفسك من نفسك يا عمر؛ أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا؟!

ثم ألقى بقنبلته المدوية، فقال: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟

وفي فزعٍ، قال عمر: أي أهل بيتي؟!

فألقى نعيم ما في جعبته قائلاً: ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدًا على دينه؛ فعليك بهما.

الله يهدي من يشاء

جنَّ جنون عمر، وقد نسي ما كان يفكر فيه، وأسرع من توّه إلى عقر داره وبيت أخته الذي اخترقه محمد لا يلوي على أحد.

في تلك الأثناء كان خباب بن الأرت يجلس مع سعيد بن زيد وزوجته في بيتهما يعلمهما القرآن الكريم، فقد كان رسول الله يقسم المسلمين إلى مجموعات، كل مجموعة تتدارس القرآن فيما بينها، ثم يجتمعون بعد ذلك في لقاء جامع معه في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وقد كان خباب يقوم بدور المعلم لسعيد وزوجته.

وصل عمر إلى بيت أخته، وقبل دخوله سمع همهمة وأصواتًا غريبة، وبعنفٍ أخذ يطرق الباب وينادي بصوته الجهوريّ أن افتحوا.

أدرك من بالداخل أن عمر بالباب، فأسرع خباب -وكان من الموالي- بالاختفاء في غرفة داخلية، وقد قال: "لئن نجا سعيد بن زيد وفاطمة بنت الخطاب فلن ينجو خباب".

وفتح سعيد الباب، ودخل عمر وهو يحترق من الغضب، لا يسيطر على نفسه والكلمات تتطاير من فمه، والشرر يقذف من عينيه، ودون استئذان يسأل: ما هذه الهمهمة (الصوت الخفي غير المفهوم) التي سمعت؟

ردَّا عليه: ما سمعتَ شيئًا.

قال عمر: بلى، والله لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمدًا على دينه.

ثم ألقى بنفسه على سعيد يبطش به، هنا تدخلت الزوجة الوفية فاطمة -رضي الله عنها- تدافع عن زوجها، فوقفت بينه وبين عمر تدفع عمر عنه، وفي لحظة غضب عارمة التفت عمر إلى أخته، ولم يدرك نفسه إلا وهو يضربها ضربة مؤلمة على وجهها، تفجرت على إثرها الدماء من وجهها.

وإزاء ما حدث وفي تحدٍّ واضح، وقف سعيد بن زيد يتحدى عمر ويقول: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.

وإن تعجب فعجب موقف أخته فاطمة المرأة الضعيفة، وقد وقفت في تحدٍّ صارخ وأمسكت بوجه أخيها عمر، وهي تقول له: وقد كان ذلك على رغم أنفك يا عمر.

ذهل عمر، ما هذا الذي يحدث؟! هل هذه هي أخته؟ ما الذي جرّأها إلى هذه الدرجة؟!

وعلى شدة بأسه وقوة شكيمته شعر عمر بأنه ضعيف وصغير، لا يستطيع أن يقف أمام هذه المرأة، وفي الوقت ذاته شعر وكأنها أصبحت جبلاً أشمًّا يقف أمامه، لقد تغيرت الدنيا وهو لا يدري.

ورغم ذلك وفي تعبير عن رقة عظيمة في قلبه تختفي وراء هذه الغلظة الظاهرة، قال عمر: فاستحييت حين رأيت الدماء.

وإذا كان الحياء كله خير، وإذا كان الحياء لا يأتي إلا بخير، فإن الرجل الذي ليس به خير هو الذي لا يستحي من رؤية دماء تسيل على وجه امرأة خرجت عن دينه ووقفت أمامه وتحدته، وبالأخص في هذه البيئة القبلية الجاهلية، تلك التي كانت تفقد فيها المرأة كثيرًا من حقوقها.

وفي تنازل كبير للغاية، يقول عمر: فجلست، ثم قلت: أروني هذا الكتاب. في نظرِهِ أن هذا مطلبٌ عادي.

وكانت اللطمة والضربة الثانية الموجعة التي لم يكن يتوقعها على الإطلاق، حيث قالت له أخته فاطمة: يا أخي، إنك نجسٌ على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر.

وعلى عكس ما كان يتوقعه بَشَر قام عمر وفي هدوء عجيب، قام ليغتسل.

لا شك أن هناك شيئًا غريبًا يحدث، شيئًا لا يمكن تفسيره إلا عن طريق قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56].

وهنا قد شاء الله الهداية لعمر، وشاء الله الخير له وللمسلمين بل ولأهل الأرض جميعًا، قام عمر وسط هذه الأجواء ليغتسل في بيت أخته ليصبح طاهرًا فيقرأ الصحيفة.

بعد اغتساله أعطته فاطمة -رضي الله عنها- الصحيفة يقرؤها، وبلسانه وعقله وقلبه قرأ عمر: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال مُظهِرًا خيرًا عميمًا: أسماء طيبة طاهرة.

ثم قرأ: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلاَ * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 1- 8].

تزلزل عمر ، وقد وجد نفسه خاشعًا متصدعًا من خشية الله، وفي لحظة قد خالط الإيمان فيها قلبه قال عمر: فعظمت في صدري، فقلت: ما أحسن هذا الكلام! ما أجمله!

فكان شأن عمر الساعة قد تبدّل، وكان هذا هو عمر، أسلم بمعنى الكلمة.

وكانت هذه من أعظم لحظات البشرية على الإطلاق، لحظة تحول فيها رجل يسجد لصنم ويعذب المؤمنين إلى عملاق من عمالقة الإيمان، وإلى فاروق فرق الله به بين الحق والباطل، وإلى رجل يراقب الله في كل حركة وكل سكون، وكل كلمة وكل همسة، ثماني آيات فقط، صنعت الأسطورة الإسلامية العجيبة عمر.

وحين سمع عمر وهو يقول: ما أحسن هذا الكلام! ما أجمله! خرج خباب من مخبئه وقال: يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: "اللَّهُمَّ أَيِّدْ الإِسْلاَمَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ"، فاللهَ اللهَ يا عمر.

عند ذلك قال عمر مُقِرًّا ومعترفًا برسالة محمد : فأين رسول الله؟

قال خباب: إنه في دار الأرقم.

أخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم انطلق من جديد إلى رسول الله ، ولكنه انطلق في هذه المرة بقلب مؤمن، وأمام دار الأرقم ضرب عمر الباب على رسول الله وصحابته، فقام رجل من أصحاب رسول الله فنظر من خلل الباب فوجد عمر، فرجع فزعًا إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحًا السيف.

كان في بيت الأرقم آنذاك أربعون صحابيًّا مع رسول الله ، ورغم هذا العدد فقد قام يدافع عن الجميع ويتصدر هذا الموقف الخطير حمزة بن عبد المطلب ، الذي لم يخالط الإيمان قلبه إلا منذ ثلاثة أيام فقط، قام حمزة، فقال في صلابة: "فَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ".

فقال رسول الله : "ائْذَنُوا لَهُ".

ففتح لعمر فدخل إلى الدار المباركة، دار الأرقم بن أبي الأرقم، ثم أدخلوه في حجرة، وقام إليه رسول الله فدخل عليه، واقترب منه، ثم أخذ رسول الله بمجمع ردائه، ثم جذبه نحوه جذبة شديدة وقال له في قوة: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى يُنزل الله بك قارعة".

عندئذٍ ردَّ عمر بصوت منخفض: يا رسول الله، جئت لأُومِنَ بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله.

الله أكبر! انتصار هائل وكبير للدعوة، خاصة بعد دخول حمزة في دين الله .

الفرحة في قلب الرسول لا توصف، وكان أول رد فعل له أن كبر الله : الله أكبر! الله أكبر الذي صنع هذه المعجزة.

عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله أن عمر قد أعلن إسلامه، فدخلوا عليه يهنئونه ويباركونه جميعًا، وأصبح العدو القديم صديقًا ورفيقًا.

عمر .. فاروق منذ البداية

وكما ولد حمزة عملاقًا، فإن عمر أيضًا ولد عملاقًا ، ولد عمر فقيهًا، حازمًا، واضحًا صريحًا، مضحيًّا، بعد إسلامه مباشرة كانت أول كلمة قالها: يا رسول الله، ألسنا (استخدم صيغة الجمع) على الحق؟

قال: "بلى".

قال عمر: ففيمَ الاختفاء؟!

منذ أن أعلن إسلامه وقد حسب نفسه واحدًا منهم، وقد أخذ يقترح عليهم الاقتراحات، ويفكر كيف يخدم هذا الدين، وما هو الأنفع والأصلح للدعوة، وكان هذا هو عمر.

ولقد كان رسول الله يرتب حساباته بدقة، وكان الاختفاء لأسباب، وهنا وقد تغير الوضع، وبعد أن كان للاختفاء مزايا، أصبح للإعلان مزايا؛ فأعاد الرسول الله حساباته ثانية من جديد، وذلك بعد إيمان حمزة وعمر رضي الله عنهما، رجلان فقط من المسلمين غيَّرا من مسار الدعوة الإسلامية بكاملها في هذه الفترة الحرجة.

ووافق رسول الله على الإعلان، وسيبدأ يُعلن الإسلام في مكة، وسيظهر المسلمون في مكة، وتقضى الشعائر أمام كل الناس في مكة وفي وضح النهار، وكانت هذه دعوة كبيرة جدًّا لله وللرسول وللمسلمين، أخذ المسلمون القرار من حينها، وفي نفس اللحظة خرج المسلمون في صفين، عمر على أحدهما، ولم يكن آمن إلا منذ دقائق، وحمزة على الآخر وكان قد آمن منذ ثلاثة أيام فقط. ومن دار الأرقم إلى المسجد الحرام، حيث أكبر تجمع لقريش، سارت الكتيبة العسكرية الإسلامية المؤمنة.

ومن بعيدٍ نظرت قريش إلى عمر وإلى حمزة وهم يتقدمان المسلمين، فَعَلتْ وجوهَهُم كآبة شديدة، يقول عمر: فسماني رسول الله الفاروق يومئذٍ.

عمر يزف خبر إسلامه لأبي جهل

في شوق ولهفة عارمة لأن يعلم ألد أعداء الإسلام خبر إسلامه، نظر عمر بن الخطاب في المسجد الحرام فلم يجد أبا جهل، حينها قرر أن يذهب إليه في بيته ويخبره بنفسه عن أمر إسلامه.

يقول عمر: فأتيت حتى ضربت عليه بابه، فخرج إليّ وقال: مرحبًا وأهلاً يابن أختي، ما جاء بك؟!

وفي تحدٍّ واضح، قال عمر: جئتُ لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به.

قال عمر: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به.

فرح عمر فرحًا شديدًا؛ كونه غاظ أبا جهل، ذلك الذي كان صاحبه منذ قليل، لكن الإسلام نقله نقلة هائلة.

لكن عمر ما زال يريد أن يُعلم خبر إسلامه الجميع، فذهب إلى جميل بن معمر الجمحي الذي كان أنقل قريش للحديث، لا يسمع حديثًا إلا حدث الناس جميعًا به، ذهب عمر وقال له: يا جميل، لقد أسلمت. وبأعلى صوته نادى جميل: إن ابن الخطاب قد صبأ. فردَّ عليه عمر: كذبت، ولكني قد أسلمت.

وعرفت مكة كلها بإسلام عمر، وكان هذا عين ما أراده، بعدها اجتمع القوم من أطراف مكة، وقد أقبلوا على عمر بن الخطاب وأخذوا يقاتلونه ويقاتلهم، وبعد تعب شديد جلس عمر على الأرض وقال:

افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل، لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. وسبحان الله! كان هذا هو عدد المسلمين يوم بدر.

قوة وعزة .. ولكن

كأن الله I يريد أن يعلم عمرَ طريق الدعوة من أول يوم ولد فيه حين أسلم، فكان أن ضُرب عمر وأُهين، وكذلك كان حال كل من حمل همّ الدعوة إلى الله تعالى.. "أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".

ومع أن عمر ضُرب من أول يوم إلا أن هذا كان رد فعل استثنائي نتيجة المفاجأة بإسلامه، وكان إسلام حمزة وإسلام عمر بعد ذلك دفعًا كبيرًا للدعوة الإسلامية، فقد كانت مكة تهاب عمر وتخشاه، يؤكد هذا كلام صهيب الرومي حين يقول: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودُعِي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به.

ويقول أيضًا عبد الله بن مسعود : "ما زلنا أعِزَّة منذ أسلم عمر".

ومع أن حال المسلمين كان قد تحسن، وأصبح المسلمون يُظهرون عبادتهم وشرائعهم في مكة، إلا أن الرسول لم يعلن الحرب على قريش، لم يبدأ في مواجهة عنترية مع صور الباطل في مكة، كانت الأصنام ما زالت منتشرة في مكة، بل في الكعبة، وما زالت رايات العاهرات الحمر مرفوعة، وما زالت الخمور تسقى، وما زال المشركون يعبدون إلهًا غير الله، إلا أنه ما زال القتال لم يُفرض بعد على المسلمين، وإن في هذا لرسالة واضحة لجمعٍ من الشباب ممن يتحمسون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن طريق القوة والعنف وحمل السلاح، معتقدين أنهم في زمن تمكين وسيادة، ومتجاهلين أن الرسول نفسه لم يقم بمثل هذا في فترة مكة. إن الجرأة من شباب المسلمين على المشركين في ذلك الوقت لا تُعدّ شجاعة، ولا تعد جهادًا، وإنما تعد تهورًا وتسرعًا وجهلاً بفقه المرحلة.

لقد ثقلت كفة المسلمين كثيرًا بإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما، ولكن اتخذ ذلك بحساب، وهي رسالة إلى كل المتحمسين من الشباب، فقد تكون الظروف مشابهة لظروف مكة، وفوق ذلك قد تكون بغير حمزة وبغير عمر، ومع ذلك قد يحدث منهم تهوُّر واندفاع، وإنها لرسالة: قد تخسر الدعوات كثيرًا من حماسة في غير موضعها، تمامًا كما تخسر من رَوِيَّة في غير مكانها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فى ميزان الإسلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: