منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية   الخميس 25 أبريل - 12:51

[b]
مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية
والرد على ما أثير من شبهات حول حجيتها أو روايتها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فبالله أستعين:


مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية
والرد على ما أثير من شبهات حول حجيتها أو روايتها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فبالله أستعين:
معنى السنة:
تطلق السنة لغة على السيرة: حسنة كانت أم قبيحة[1]، وعن هذا الإطلاق قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه مسلم في صحيحه: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء[2]، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)).
كما تطلق على الطبيعة، وعلى حكم الله سبحانه وتعالى وتدبيره، ومنه قوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}[3]، وهي في لسان علماء الشريعة الإسلامية تطلق على ما يأتي:
ففي اصطلاح رجال الحديث - وبخاصة من كتب في السير والمغازي - تطلق على كل ما أثر عن الرسول - صلوات الله عليه - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو سيرة، أو خلق، أو شمائل، أو أخبار، أو صفات خلقية، دون نظر إلى ما قد يثبت به حكم شرعي، أو ما لا يثبت به حكم، وسواء في ذلك ما كان بعد البعثة، وما كان قبلها.

وفي اصطلاح الأصوليين: تطلق على أقواله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أفعاله وتقريراته، مما يدل على حكم شرعي.
وكثيرًا ما يستعملها الفقهاء بهذا المعنى، كما يستعملونها في كل ما ثبت فعله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما لم يكن فرضًا ولا واجبًا، فتطلق على ما ندب فعله، مما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يداوم عليه، وهي بهذا المعنى تقابل الفرض والواجب وغيرهما من الأحكام الخمسة، وبهذا الإطلاق قيل: صلاة ركعتين قبل صلاة الصبح سنة، وصلاة ركعتين بعد صلاة الظهر سنة.
وقد تطلق في لسانهم أيضًا على ما يقابل البدعة، مثل قولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا[4].

ونريد بالسنة في موضوعنا ما عناه علماء الأصول؛ لأنها بهذا المعنى من وسائل بيان الأحكام، وعن مكانتها وبيان الأحكام وضع هذا البحث.
هذا وقد يستعمل اسم الحديث أو الأثر أو الخبر، حيث يستعمل اسم السنة - وهو استعمال يقتضي بيان معانيها، وما قد يكون بينها من اختلاف - فالحديث والأثر كلاهما يرادف السنة بالمعنى العام الذي يستعملها فيه المحدثون، وهذا عند الجمهور، ومن المحدثين من يرى أن الحديث أعم من السنة، إذ الحديث عنده ما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء أكان عليه العمل أم لا، أما السنة فلا تطلق إلا على ما كان عليه العمل المأثور في الصدر الأول، ولذا قد يرد من الأحاديث ما يوصف بأنه يخالف السنة المعمول بها، فيدعو ذلك إلى التوفيق أو الترجيح بينهما، ويظهر هذا الاختلاف بين الاسمين في قول عبدالرحمن بن مهدي عندما سئل عن سفيان الثوري، والأوزاعي، ومالك: سفيان الثوري إمام في الحديث وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومالك إمام فيهما[5]، أما الخبر فيستعمله المحدثون فيما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة والتابعين من الأحاديث المرفوعة، أو الموقوفة، أو المقطوعة، ويراه الجمهور مرادفًا للأثر، إذ يستعملون كلاًّ منهما فيما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أضيف إلى الصحابة والتابعين مما سبق بيانه؛ ولكن فقهاء خراسان يسمون الموقوف أثرًا، والمرفوع خبرًا[6]، وكثيرًا ما يقصر الأثر على ما يروى عن الصحابي مضافًا إليه دون رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كأن يروى عن الصحابي أنه كان يقول: كنا نفعل كذا - من غير أن يضيف ذلك إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي نخبة شيخ الإسلام يطلق الأثر على الموقوف والمقطوع، والفقهاء يستعملون اسم الأثر أحيانًا فيما يروى من السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرفوعًا أو موقوفًا أو غير ذلك، وأحيانًا يستعملونه مضافًا إلى سببه كقولهم أثر العقد، وأثر الفسخ، وأثر الإقرار، وهذا استعمال لغوي.

وجملة القول: إن استعمال هذه الأسماء على العموم لم يكن على وضع تتحدد به معانيها، وتتميز به بعضها من بعض، وإنما كان استعمالها في لسان المحدثين والفقهاء أحيانًا قائمًا على أساس اشتراكها في المعنى والدلالة، إما نتيجة لترادفها فيما يرى بعضهم، وإما نتيجة لما بينها من عموم وخصوص.

ولسنا نريد بالسنة في موضوعنا هذا - حين نتكلم عن مكانتها في بيان الأحكام، وحين نرد ما أثير حولها وحول أسانيدها من شكوك وشبهات - إلا ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في محيط التشريع من قول، أو فعل، أو تقرير لأمر رآه، وبلغه عمن يكون مطيعًا منقادًا في ظاهر حاله لما جاء به - صلى الله عليه وسلم.

وهي على هذا المعنى إنما تكون فيما تناولته سيرته وطريقته في حياته - صلى الله عليه وسلم - مما كان له فيه اختيار بين أمرين أو أكثر، فاختار ما رآه أنه الأفضل، ولا تكون فيما كان يأتيه - صلى الله عليه وسلم - بطبيعته وإنسانيته، مما لا اختيار له فيه، ولا يختص به دون سائر الناس؛ بل يشاركه فيه جميع الناس؛ لأنه من مقومات الحياة وضروريات الوجود ولا اختيار فيه للبشر، كالأكل، والشرب، والنوم، واللبس، ونحو ذلك، أما ما يتعلق بتلك الأعمال ويتصل بها من كيفيات وأوضاع ووسائل ونحو ذلك، فإنه يعد من سنته - صلى الله عليه وسلم - ويتناوله اسم السنة بالمعنى الذي نريد؛ لأن له فيه اختيارًا، كان من آثاره تفضيل وضع على وضع، وإقدام على ما هو الأفضل والأنفع، فجاز أن يكون في ذلك إرشاد وهداية وتشريع، وعند ذلك يكون سنة تشريعية، كما يحتمل أن يكون ذلك قد حدث بحكم العادة الجارية والإلف المرغوب، والميل الوقتي، انقيادًا للظروف والملابسات، مما يبعده عن أن يكون من قبيل الإرشاد والهداية والسنة التشريعية، وإنما يعرف ذلك بالنظر والاجتهاد؛ ولذا فإنا نريد بالسنة هنا ما صدرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هداية للناس وشريعة لهم، فلا تتناول إلا ما أوحي به إليه، مما ليس بقرآن، أو وصل إليه بنظره وعرفه باستنباطه، فأقره الله عليه، وجماع ذلك ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - بيانًا لعقيدة، أو تعليمًا لعبادة، أو إرشاد إلى قربة، أو تهذيبًا لخلق، أو إصلاحًا لمعاملة، أو أمرًا بِمَعروف، أو نهيًا عن منكر، أو إبعادًا عن فساد، أو تحذيرًا من سوء، فكل ما أثر عنه - صلى الله عليه وسلم - في هذه النواحي يعد سنة وشريعة يطلب إلى الناس اتباعها، أما ما لا يتصل بذلك مما أشرنا إليه آنفًا، فلا يعد شريعة يطلب إلى الناس اتباعها، وإن عدَّ من السنة بمعناها العام؛ ذلك لأنه إنما صدر منه - صلى الله عليه وسلم - على أنه من الأقوال أو الأعمال العادية المتكررة المباحة التي تدعو إليها حاجة البشر، وطبيعة الإنسان الحيوانية، وعاداته المعيشية، وعلى ذلك فإذا ما عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزراعة الأرض، وطرق استثمارها لبيان ما أحله الله من ذلك، وما يترتب عليه من حقوق وآثار، كان ذلك شريعة واجبة الاتباع، وإن عرض لذلك مبينا كيفية الزراعة وطريقة الغرس، والقيام على إصلاح الزرع والشجر وطرائق ريه ومواعيده، مما يعرف بطريق التجربة والخبرة، كان بيانه هذا إرشادًا تجريبيًّا، ورأيًا استنبطه من وسطه، يصيب فيه ويخطئ كغيره من الناس، ولا يعد شيء من ذلك شريعة تتبع، وإذا أخطأ فيه لم ينبهه الوحي إلى خطئه، يدل على ذلك ما أخرجه مسلم عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وهم يأبرون النخل، فقال ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، فقال: ((لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا))، فتركوه فنفضت[7] فذكروا له ذلك، فقال: ((إنما أنا بشر: إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر))، وما أخرجه عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقوم يلقحون فقال: ((لو لم تفعلوا لصلح)) قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ((ما لنخلكم؟))، قالوا: قلت كذا وكذا، قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم))، وفي رواية عن طلحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الذي أشار به - صلى الله عليه وسلم - في أمر إلقاح النخل: ((إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن؛ ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله))[8].

يتبع



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗











عدل سابقا من قبل رضا في الخميس 25 أبريل - 13:04 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية   الخميس 25 أبريل - 12:53

ومدلول هذه الروايات الثلاث أن ما يحدث به - صلى الله عليه وسلم - عن ربه فذلك هو الدين الذي يجب اتباعه طاعةً لله، أما ما يصدر عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بأمور الدنيا فرأي يَرْتَئيه، وظن دفعه إليه حدسه، وملاحظته واستنتاجه، فهو كسائر البشر يصيب ويخطئ، وقد يكون غيره فيه أكثر تجربة، وأقوى اتصالاً وأعظم خبرة، فيكون في رأيه أقر إصابة.

ومن ذلك أن يشير بخطَّة حربيَّة أو ينزل بِجَيْشِه منزلاً يرى في النزول به المكيدة والحرب، فإن رأيه هذا لا يكون له من وجوب الطاعة؛ إلا ما لرأي غيره من الأمراء والقادة المحاربين الذي يصدرون في ذلك عن نظر وموازنة، فيصيبون مرة ويخطئون أخرى، ولا يكون دينًا أوحي به إليه، ويدل على ذلك متابعته - صلى الله عليه وسلم - لما رآه الحباب بن المنذر حين أشار عليه بأن ينزل على أدنى ماء من بدر، بدلاً عن نزوله حيث نزل في غزوة بدر، فقال له يا رسول الله: أهذا منزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدَّم عنه أو نتأخر؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال له - صلى الله عليه وسلم -: ((بل هو الرَّأْيُ والحرب والمكيدة))، فقال الحباب: ليس هذا لك بمنزل، فانْهَضْ بالناس حتَّى نأتي أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارته وصفاءه، فننزل ونغور ما عداه من الآبار ثم نبني حوضًا، فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لقد أشرت بالرأي))[9].

ومن ذلك مساومته في البيع والشراء إذا باع أو اشترى، فإن ما يطلبه من صاحبه في ذلك أو يعرضه عليه لا يعد دينًا يطلب اتباعه، يدل على ذلك ما كان بينه وبين جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - حين طلب إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع له بعيره فأبى، إذ لم يكن له غيره ولم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إباءه هذا معصية تستوجب لومًا، أخرج مسلم في صحيحه عن جابر - رضي الله عنه - أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا لي، وضربه فسار سيرًا حسنًا لم يسر مثله، فقال: ((بعنيه بوقية))، قلت: لا، ثم قال: ((بعنيه بوقية))، فبعته بوقية، واستثنيت حمْلانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل فنقد في ثمنه، ثم رجعت فأرسل في إثري فقال: ((تراني قد ماكسْتُك لآخذ جَملك؛ خذ جملك ودراهِمَك فهو لك))[10]، ويدل هذا على أن أمره - صلى الله عليه وسلم - جابرًا أن يبيعه الجمل لم يكن تشريعًا صادرًا عن وحي، وإنما كان مجرد رغبة عرضها على وجه المساومة، كما يفعل غيره من النَّاس حين يساوم فيما يرغب في شرائه.

ومثل ذلك ما كان منه - صلى الله عليه وسلم - مع سلمة بن الأكوع، حين أصاب امرأة من سبي فزارة في غزوة غزاها مع أبي بكر - رضي الله عنه - وكان بنو فزارة أحلافًا لقريش، فاتَّهبها منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين عاد بها إلى المدنية، فأبى، ثم استجاب بعد أن أعاد عليه الطلب، أخرج الإمام مسلم بسنده عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر - رضي الله عنه - أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن المغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه وسبي - وانظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فرميت السهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر بنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا، فلَقِيَنِي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السوق، فقال: ((يا سلمة هب لي المرأة))، فقلت: والله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبًا، ثم لقيني رسول الله من الغد في السوق، فقال لي: ((يا سلمة هب لي المرأة - لله أبوك))، فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفت لها ثوبًا، فبعث بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل مكة، ففدا بها ناسًا من المسلمين كانوا أسارى بِمكة[11].

ومن هذا القبيل أمره - صلى الله عليه وسلم - بريرة حين شفع إليها لترجع إلى زوجها مغيث، حين اختارت نفسها عندما عتقت وهي تحته، فأبت معتذرة بكراهتها إياه - أخرج البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبريرة: ((لو راجعته))، فقالت يا رسول الله: أتأمرني؟ فقال: ((أنا أشفع))، فقالت: لا حاجة لي فيه[12].

ومثله ما كان يشير به - صلى الله عليه وسلم - في معالجة بعض الأمراض، فإنه قد لا يصدر في ذلك عن وحي، ولكن عن تجربة ومعرفة اكتسبها من بيئته، وقد يصدر عن إرشاد من الله يجب اتباعه، يدل على الأول ما أخرجه أبو داود بسنده عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: "يا رسول الله، أنتداوى؟" فقال: ((تداوَوا؛ فإن الله - عز وجل - لم يضع داءً إلا وضع له دواء غيرَ داء واحد: السام))، وما أخرجه مسلم وأبو داود عن جابر - رضي الله عنه -: بعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا، وكذلك روى عمرو بن دينار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد مريضًا فقال لأهله: ((أرسِلُوا إلى الطبيب)) فقال قائل: "أنتَ تقولُ ذلك، يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((نعم؛ فإن الله - عز وجل - لم ينزل داء إلا أنزل له دواء))، ولو كان الطب من أمر أو شريعة يوحى بها إليه ما أرسل الطبيب إلى أبي، ولم يأمر باستدعاء الطبيب، ولأشار على الأعراب بالرجوع إليه في علاج أمراضهم[13].

وإذا ما صدر في شيء من ذلك عن وحي - كما في رواية البخاري عن أبي سعيد قال جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أسقه عسلاً))، ثم أتاه الثانية، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أسقه عسلاً))، ثم أتاه فقال: فعلت، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((صدق الله وكذب بطن أخيك، أسقه عسلاً))، فسقاه فبرأ، فإنه يكون إرشادًا إلى ما فيه الشفاء دون تخلف عنه؛ ولكنه مع ذلك لا يقتضي قصر الشفاء عليه، وأن لا شفاء في غيره كما لا يستوجب وجوب المعالجة به دون غيره.

يتبع



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية   الخميس 25 أبريل - 13:06


وكذلك الحال في لباسه - صلى الله عليه وسلم - هيئة ووضعًا وشكلاً، وفي طعامه نوعًا ولونًا وتناولاً، فمرد ذلك إلى عادات قومه، ومقتضيات وطنه، وجوه التي صارت له عادة، ولو عاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جو آخر أو كان من غير العرب لتغير لباسه وطعامه تبعًا لذلك؛ ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - حين قدم إليه لحم الضب عافه، ولم يأكل منه، فقيل له: أهو حرام؟ قال: ((لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه))، أخرج البخاري عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة فأتى بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، فقال بعض النسوة: أخبروا رسول الله بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده، فقلت: أهو حرام يا رسول الله؟ فقال: ((لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجِدُنِي أعافه))، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر فلم ينهني.

فمثل هذه الأمور ما يشبهها، من هيئات جلوسه ونومه ومشيه، وكيفيات سيره وطريقة تناوله لطعامه، ونحو ذلك مما صدر عنه - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى طبيعته، وجبلته، وكونه بشرًا يحيا حياة الناس، ويعيش عيشتهم، ويتقلب متقلبهم في أمور الدنيا، ومتطلبات الطبيعة الإنسانية: لم يكن فيها شارعًا، ولا تعد أعماله ولا أقواله فيها شريعة يؤخذ الناس باتباعها ويلامون على تركها، وإن دلَّ ذلك على إباحتها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقدم على معصية، وإذا روي عنه فيها - صلى الله عليه وسلم - ما يتضمن صيغة الأمر فهو في هذه الحال مجرد إرشاد، في الاحتفاظ بالتقاليد القومية، والعادات المرعيَّة، التي يكون لها حسنها وجمالها في بيئتها، بينما يكون لها عكس ذلك في بيئة أخرى، تختلف فيها العادات والتقاليد إلى أضدادها، مما يكون طرحه والخروج عليه أمرًا مذمومًا وفعلاً سيئًا في بيئته، كما هو الحال فيما ورد عن الرسول من ذلك، مراعاة في الاحتفاظ به وعدم الخروج عليه، من تلك العادات التي كانت للعرب حال حياته - صلى الله عليه وسلم.
ولكن إذا ما تبيَّن أنَّ أمرَهُ بِشَيْءٍ من ذلك إنَّما صدر للحافظ على خلق أو مروءة، أو لتجنب ضرر أو فساد، فإنه يكون حينئذٍ شريعة واجبة الطاعة، قد صدر في الأمر بها عن وحي لا عن عادة مرعية.

وبِهَذا البيان تحدد ما يعد من السنة شريعة واجبة الطاعة، وما نحن بصدد التعريف بمكانته في بيان الأحكام الشرعية.
مكانة السنة في بيان الأحكام الشرعية
كتاب الله وسنة رسوله هما المصدران الأساسيان لتقرير الأحكام وبيانها، وإليهما ترجع جميع المصادر الأخرى؛ ولكن الكتاب يعد المصدر الأول والأساس الذي تقوم عليه السنة ولا تختلف عنه، وكان لذلك أصل الأدلة بقول الله تعالى في سورة النساء: {إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}[14].
ويقول في سورة النحل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[15]، ويقول في سورة الأنعام: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}[16]، وفي فصلت: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[17]، والآيات في هذا المعنى عديدة كثيرة ونكتفي بما ذكرنا.

وقد جاءت السنة مفسرة للقرآن: تبين مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتفصل أحكامه، وتوضح مشكله، فمن الفرائض والأحكام ما جاء في القرآن مجملة نصوصه، كالصلاة والزكاة، والحج، فلم يذكر في القرآن هيئاتها ولا تفاصيلها، فبينها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسُنَّته الفعلية والقولية: فبيَّن في الصَّلاة عددَها وكيفياتها وجميع ما يتعلق بها، وفي الزكاة أنواع ما تجب فيه من الأموال، ومقدار الواجب فيها وما يتصل بذلك، وفي الحج أفعاله، وكيفيته ومناسكه، ومن الأحكام ما جاء النص فيه مطلقًا مثل قول تعالى في آية المواريث من سورة النساء {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}[18]، فقيدت السنة مطلق الوصية بأن جعلتها وصية لغير وارث، وذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا وصية لوارث))، ومن الأحكام ما جاء النص فيه عامًّا فخصصته السنة؛ مثل قوله تعالى في سورة النساء: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}[19] بعد بيانه المحرمات، فخصصته السنة بأن أخرجت من عمومه نكاح المرأة على عمتها وخالتها، كما أخرجت منه ما حرم نكاحه بسبب الرضاع، ممن لم يذكر في الآية قبله، وهو ما تناوله قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))؛ كما فصلت السنة كثيرًا مما حرمه الله بمقتضى نصوص القرآن العامة؛ مثل قوله تعالى في سورة الأعراف: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[20] إلى غير ذلك من بيانها وتفصيلها للأحكام الشرعية.
يتبع



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية   الخميس 25 أبريل - 13:08


ثم هي مع هذا البيان إذا أتت بزيادة إذا أتت بزيادة عن القرآن يجب ألاَّ تتعارض مع أصوله العامة وقواعده الأساسية؛ بل تدور في محيطه غير متجاوزة نطاقه، وذلك شأن التابع مع المتبوع فكانت بسبب ذلك تابعة له، إذ التفسير تابع للمفسر، مرتبط وجوده بوجوده، ومما جاءت به من ذلك حرمة زواج المرأة على عمتها أو على خالتها، وتحريم لحوم الحمر الأهلية، ولحم كل ذي ناب من السباع، أو ذي مخلب من الطير، وغير ذلك مما يدخل في نطاق قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ}[21]، وذلك مصداق قوله تعالى في سورة النحل: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ}[22]، وقوله تعالى: في سورة إبراهيم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}[23]، وقوله تعالى في سورة النحل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[24].

وهذا إلى أن الكتاب مقطوع بوروده جملة وتفصيلاً، أما السنة فمظنونة الورود تفصيلاً، ولا يصح القطع بورودها إلا بالنظر إلى جملتها، فإنا نقطع بأن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقوالاً وأفعالاً وتقريرات في الأمور الشرعية قد أثرت عنه، وذلك ما أطلق عليه اسم السنة؛ ولكنا لا نقطع في أي حديث معين منها بأنه قد صدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يكون متواترًا، ونادر فيها المتواتر، فكان القرآن لذلك في منزلة أعلى من منزلة السنة من حيث الاطمئنان إلى صحة ورودهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن درجة المظنون دون درجة المقطوع به.

وعلى هذا الوضع من تقديم الكتاب على السنة من حيث هو أصل وأساس للدين لما نزل به من أصوله الأساسية وقواعده الكلية، وأهدافه العامة التي بني عليها، فكانت السنة تابعة له ومبينة له لا تختلف عنه، وكان عمل الصحابة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يروى عنهم أنهم كانوا حينما تعرض عليهم حادثة بحثوا عن حكمها في كتاب الله، فإن لم يجدوا بحثوا عنه في سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يجدوا اجتهدوا، وهذا ما ارتضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من معاذ بن جبل حين أرسله قاضيًا إلى اليمن، فقد روي أنه - عليه السلام - قال له حين ذاك: ((بم تقضي؟))، فقال: أقضي بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: أقضي بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((فإن لم تَجِدْ؟)) قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدره وقال: ((الحمد الله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي الله)؛ رواه أحمد، والترمذي، والدارمي، والبيهقي في "المدخل"، وابن سعد في "الطبقات"، وابن عبدالبر.

وليس يعني هذا الذي روي من صنيع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بحثهم عن حكم ما يعرض لهم من الحوادث أنهم حينما ينظرون في كتاب الله باحثين عنه لا ينظرون إلى ما عملوه من سنة في بيان ما يدل على الحكم المطلوب من الكتاب؛ بل معناه أنهم ينظرون في كتاب الله متطلبين معناه لتعرف الحكم منه، وذلك ما يستلزم النظر في السنة عند ذلك؛ لأن البحث عما يدل عليه الكتاب يستوجب البحث فيما ورد فيه من بيان صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا شكَّ أنَّ هذا ما كان يَعْنِيه مُعاذٌ حين قال: أقضي بكتاب الله، فإن قضاءه لا يكون قضاء بكتاب الله إلا إذا كان على وفق معناه وما أريد منه، وذلك ما قد تكون السنة طريقًا إليه، فإن تركت حينئذ لم يكن القضاء عند تركها قضاء بكتاب الله ولا بما نزل به؛ بل قضاء بغير ما حكم الله، وذلك ما لا يكاد أن يكون محل ريبة عند ذي علم بما كان عليه أصحاب رسول الله حين بحثهم عن حكم ما يعرض لهم من حوادث، وهو ما يتفق مع ما جاء في الكتاب عن بيان السنة له؛ بل وما يعد مخالفته والإعراض عنه خروجًا عما أمر الله به في كتابه، مما دلت عليه الآيات التي أشرنا إليها فيما سبق، من وجوب طاعة الله وطاعة رسوله فيما جاء به من كتاب وسنة، فما كان كل منهما إلا وحيًا أوحي به إليه وأمر بتبليغه، هذا بلفظه الذي به نزل، وهذا بمعناه الذي عبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلفظه وعبارته، وما كانت التفرقة بينهما راجعة إلى تقديم أحدهما على الآخر في وجوب العمل والطاعة، وإنما كانت لإرادة الإعجاز بأولهما، وهو الكتاب وجعله حجة على نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان النظر فيه أولاً، لأنه الجامع لأصول الدين الهادي إلى الطريق، الكاشف عن معالِمِه، العاصم من الضلال فيه.

ومن ذلك يتبين أن ليس في حديث معاذ ما يدعو من ناحية متنه، وما يدل عليه إلى الشك فيه، وإلى محاولة رده من ناحية سنده، وأمَّا ما قيل فيه من أنه ليس بمتصل كما قال الترمذي، إذ رواه شعبة، قال: حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو عن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ - رضي الله عنه - فقد قال فيه الغزالي في "المستصفى": إنه حديث تلقَّته الأمة بالقبول، ودافع عنه ابن القيم في "إعلام الموقعين" في ناحية انقطاعه فقال: إن شهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، فإذا كان قد روي عن غير مُسمَّين فهم من أصحاب معاذ ولا يضرُّه ذلك؛ لأن ذلك دليل شهرته إذ لم ينفرد بروايته واحد منهم، بل رواه الحارث بن عمرو عن جمع منهم، وليس يعرف فيهم مُتَّهم ولا كذاب ولا مجروح؛ بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم[25].

ذلك ما يجب أن يكون عليه فهمنا لما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يبحثون عن حكم ما يعرض عليهم من الحوادث من الكتاب، إذ لا يستغني تعرُّف ما جاء به الكتاب من أحكام عن النظر في السنة، فقد جاءت كما بينا بيانًا له، ولا يستغني المبين عن بيانه، ألا يرى أن من آياته ما قد يحتمل أكثر من معنى، فتعين السنة المعنى المراد من المعاني المختلفة، وعندئذٍ يترك ما عداه، وأن من آياته ما يجيء مطلقًا فتقيده السنة، وما يجيء عامًّا فتخصصه السنة إلى غير ذلك من البيان، كبيانها للمراد من اليد في آية السرقة، وكبيانها لمن تصح له الوصية، ولمقدار ما يوصى به في آية الوصية، ولمن يكون حده الجلد إذا زنى في آية جلد الزاني، وما سوى ذلك من بيان ما يجب مراعاته والأخذ به عند النظر في الكتاب[26].

مِمَّا تقدم يتبين لنا كيف جاءت السنة مبينة للكتاب، وكانت لذلك تابعة له، دائرة في محيطه لا تخالفه ولا تخرج عنه، وذلك ما قد يدل على أنها لا تخالف الكتاب، ومن ثم لا تنسخه، وذلك ما ذهب إليه بعض العلماء وعلى رأسهم الشافعي - رضي الله عنه - فقد منعوا ذلك، مخالفين ما ذهب إليه الجمهور من أن الكتاب قد نسخ بالسنة في بعض ما جاء به من الأحكام، استنادًا منهم إلى أن آية الوصية - وهي قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقاًّ عَلَى المُتَّقِينَ * فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[27] قد نُسخت بقوله - صلى الله عليه وسلم - ((لا وصية لوارث))، وإلى أن آية جلد الزاني - وهي قوله تعالى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}[28]، قد نسخت بأحاديث الرجم في المحصن، وغير ذلك مما لا يرى فيه هؤلاء المانعون دليلاً لهم فيه على جواز نسخ السنة للقرآن، ولا على وقوعه، إذ الواقع أنه لا نسخ في هذه الآيات، وذلك ما ذهب إليه كثير من العلماء كالشافعي وأكثر أصحابه، وكثير من الأصوليين، وهو مذهب أهل الظاهر ورواية عن أحمد، وقد يكون هذا هو رأي أكثر من ذهب إلى جواز نسخ القرآن بالسنة من الناحية العقلية لا الواقعية؛ ذلك لأن من ذهب إلى جواز ذلك إنما جوزه مشترطًا أن يكون الناسخ من السنة متواترًا، وتحقق التواتر في الأخبار أمر لا يكاد يوجد، وفيه من الشك والاختلاف ما يقضي بعدم وجوده، وعلى ذلك فليس يوجد بالسنة ما يصلح ناسخًا للقرآن، ويكون البحث في هذه المسألة بحثًا في غير واقع، أو نادر الوقوع، ولا كبير جدوى فيه؛ كما قال الشاطبي[29].




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية   الخميس 25 أبريل - 13:09


أمَّا من ذهب من الفقهاء إلى إلحاق المشهور من السنة بالمتواتر في جواز نسخ القرآن به، وهو ما نسب إلى الحنفية، فذلك مذهب بعيد عن الصواب - والمسألة مفصلة في عمل الأصول فيرجع إليها من يشاء.
ونتيجة لما تقدم يتبين سلامة ما قررنا من أن السنة تابعة للكتاب، وأنها في درجة أدنى من درجته، وأنها ترجع دائمًا في معناها، وفيما تأتي به إلى الكتاب وأصوله، وأنها مبينة له، تفصل مجمله، وتبين مشكلة، وتقيد مطلقة، وتخصص عامه، ولا تأتي بشريعة جديدة إلا كان القرآن دالاًّ عليها دلالة إجمالية، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ}[30].
وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[31]، وعلى هذا فما يجيء من الأخبار معارضًا للقرآن لأصوله وأحكامه يجب رده، وتقديم القرآن عليه، إذ إن ذلك من أوجه الطعن في الخبر المسقطة له كما قرر ذلك علماء الحديث.

ومن أجل ذلك أمر الله بطاعة رسوله، وكان أمره بذلك على أوضاع مختلفة؛ وبأساليب متعددة، وبدلالات عديدة، وثقت هذا الأمر، وأكدت هذا الوجوب، وعززت هذا الطلب، فجاء أمره صريحًا في كثير من الآيات في مثل قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[32]، وقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[33] وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[34] وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[35].
وكذلك جاء أمره بذلك مقرونًا ببيان عاقبته مثل قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً}[36]، وقوله تعالى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[37]، وقوله في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}[38].
وكما جاء أمره بذلك أيضًا مقرونًا بالتحذير من مخالفته؛ مثل قوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[39]، وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً}[40].
بل إنه سبحانه وتعالى قد جعل من لوازم الإيمان أنَّهم إذا كانوا معه على أمر جامع لا يذهبون مذهبًا إلا بإذنه، قال تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ}[41]، والآيات في ذلك عديدة والآثار كثيرة، وفيما ذكرنا الكفاية، فليس في وجوب امتثال أمره - صلى الله عليه وسلم - بعد الذي ذكرنا محل ريبة مرتاب، ولا شك متردد، وعلى هذا كانت السنة هي الأصل الثاني من أصول الدين، والمصدر الثاني من مصادر الأحكام الشرعية، وكان ذلك وضعها في حياته - صلى الله عليه وسلم - وبعد وفاته، ولا تزال على ذلك إلى يومنا هذا، وستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

وجوب العمل بالسُّنَّة:
لقد بان مما تقدَّم أن السنة أصل من أصول الدين، وأنها المصدر الثاني للأحكام الشرعية، وأن العمل بها واجب؛ لأنه طاعة لله ولرسوله، وأن تركها ومخالفتها ترك لكتاب الله، ورفض لما أمر به، وذلك ما يقضي به كتاب الله فيما ذكرنا وأشرنا إليه من آيات، وهو ما اتفق عليه المسلمون وأجمعوا عليه، وجرى عليه العمل في عهده - صلى الله عليه وسلم - وفيما تلاه من عهود، وذلك ما لا ريب فيه بالنسبة إلى السنة جملة، وبالنسبة إلى ما تواتر منها إفرادًا وتفصيلاً، للقطع بصحة النسبة عندئذٍ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما عند النظر إلى السنة إفرادًا وتفصيلاً، فإننا لا نقطع بصحة نسبة حديث معين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا إذا كان متواترًا، فإذا لم يكن متواترًا لم نقطع بصحة نسبته، وأمكن حينئذ أن يصل الظن إلى ما يترجح معه وروده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو إلى ما لا يترجح معه ذلك، وذلك ما يكون نتيجة للبحث والنظر في حال السند والمتن، بمراعاة القواعد والضوابط التي أرشد إليها علماء الحديث، وثبتتها القواعد العلمية المتعلقة بنقل الأخبار وصحتها.

فإذا ما انتهى باحث من بحثه في حال حديث إلى ترجيح وروده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغلب ذلك على ظنه، وسلم مع ذلك من النسخ في ظنه، فقد وجب عليه العمل به، إذ إن وجوب العمل شرعًا منوط بالظن لا بالقطع، فذلك ما قام عليه الدليل القطعي، كما هو مبين في موضعه، وإذا ما انتهى بحثه إلى خلاف ذلك لم يجب عليه العمل به، وإن وجب على غيره ممن نظر وبحث فانتهى إلى غير ما انتهى إليه هذا الباحث من ترجيح صدوره عن الرَّسول - صلَّى الله علَيه وسلّم - وعدم ورود المعارض له، وكثيرًا ما رأَيْنا أنَّ منَ الأئمة مَن لم يعمل ببعض ما رواه منَ الحديث، إمَّا لظن نسخه وإمَّا للشَّك في صِحَّة نسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما نرى غيرهم منَ الأئمة قد عمل به، ولقد وجد أبو بكر الأبهري أنَّ في موطأ مالك نيفًا وسبعين حديثًا، ترك مالك نفسه العمل بها مع روايته لها.

وبناءً على ذلك فإنَّا نريد في بحثنا هذا أن نعمد إلى ما وجه من شبه ومطاعن إلى السنة جملة من حيث روايتها، وما وجه من طعون إلى حجيتها، لا بالنظر إلى حديث معين فنبين زيف ذلك وبطلانه، أما ما وجه من ذلك إلى حديث معين أو إلى سند معين، أو راوٍ معين، فذلك من الموضوعات الجزئية التي تتعدد بتعدد متعلَّقها، ولا يعد ما تحويه من شبه ومطاعن موجهًا إلى السنة من حيث إنها أصل من أصول الأحكام الشرعية واجب التطبيق، وما كان من ذلك فقد وضعت فيه كتب ورسائل مستقلة منها المطول ذو الإطناب، ومنها المختصر ذو الإيجاز، وليس مما يتسع له بحث كبحثنا هذا، وذلك لما قصد منه من درء ما يوجه الآن إلى السنة من شبه من حيث إنها أصل وحجة في الدين، ولا يجوز خلافها، وما وجه إلى روايتها من حيث إنها طريق سليم لنقلها إلينا كما صدرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

وفيما يأتي لما وجه إلى السنة من شبهات وشكوك في العصر الحاضر، وسنرى أنَّ منه ما يتعلق برواية السنة، ومنه ما يتعلق بوجوب العمل بها على وضع دائم لا يتغير بتغير الزمن، ولا يختلف باختلاف الأمم.

ما وجه إلى روايتها:
ذكرنا أن وجوب العمل بالحديث منوط بصحة نسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقينًا أو ظنًّا فما صحت نسبته إليه - صلى الله عليه وسلم - على سبيل القطع، كالحديث المتواتر، أو ظنًّا كالحديث الصحيح من الآحاد، وجب العمل بمقتضاه، وحرمت مخالفته، وما لم يتحقق فيه ذلك لم يجب العمل به.

وقد كانت عناية رجال الحديث بالسند ورجاله في سبيل توثيقهما والحكم على الحديث بصحة نسبته أو بعدم صحتها - عناية فائقة، لم يجد معها المغرضون ولا الناقدون أية ثغرة ينفذون منها إلى توجيه أي نقد ينال من الأسس والقواعد التي وضعت لوزن الأسانيد ورجالها، وما بني على ذلك من أحكام كان لها آثارها في الحكم على الحديث قوة وضعفًا وقبولاً وردًّا، كما كان لها الأثر البالغ في التعرف على كثير من الأحاديث الموضوعة؛ وتمييزها من الأحاديث الصحيحة، وقد كانت هذه القواعد والأسس نتيجة بحث دائب في بيان حال الرواة وسيرتهم، وعمن أخذوا عنه، وعمن أخذ عنهم، ومن عاصرهم ومن لم يعاصرهم، وفي بيان من عرف منهم بالضبط، والحفظ، والاتفاق، والصدق، ومن كان منهم على خلاف ذلك من الكذب والوضع أو السهو، أو سوء الحفظ، أو التدليس، أو عدم الضبط، وفي بيان طرائق سماعهم وتحملهم، وذلك بحسب ما وصل إليه جهدهم، وانتهى إليه تحريهم وبحثهم.

يتبع



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية   الخميس 25 أبريل - 13:10


ولم تصل أمة من الأمم إلى ما وصلت إليه الأمة الإسلامية في ذلك من الدقة والتحقيق، وفي وضع الأسس والقواعد التي يبنى عليها الحكم على الأخبار وروايتها، ولهذا كان ما وجه من النقد إلى السنَّة من بعض المستشرقين أو الناقدين المغرضين أو غير المغرضين، ومن لف لفهم وخدع بأفكارهم موجهًا أكثره إلى ناحية المتن، فقد زعموا أن رجال الحديث لم يعنوا بالمتن عنايتهم بالسند، وأن ما وضعوه في سبيل الحكم على المتن من القواعد لم يكن كافيًا لتمييز الصحيح من غيره، مما كان سببًا في عدم التعرف على كثير من الأحاديث الموضوعة، واختلاطها بالأحاديث الصحيحة، وكان ذلك بناءً على ما وصل إليه تحريهم وبحثهم في سلامة أسانيدها، وتوافر الثقة في رجالها، وهي ثقة كما نعلم قامت على التحري، والسماع، والتقدير، وذلك أمر يتعرض للخطأ، وتختلف فيه الأنظار باختلاف الناس وتفاوتهم في أفكارهم وأنظارهم وبحوثهم، ويؤيد أصحاب هذا الرأي رأيهم هذا بذكر بعض أحاديث وردت في الصحاح، يرونها من ناحية ما دلت عليه غير مقبولة في عقولهم، أو معارضة لما هو معروف مسلم لديهم من الوقائع والقضايا، وذلك مثل ما أخرجه البخاري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من اصطبح كل يوم تمرات عجوة، لم يضره سم، ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل))، وفي رواية: ((سبع تمرات عجوة))، وفي رواية أخرى: ((من تصبح كل يوم بسبع تمرات))، ومثله لمسلم عن سعيد بن أبي العاص، وروى مسلم أيضًا عن أنس بن مالك: أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((متى تقوم الساعة؟))، قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال: ((إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة))، قال أنس: ذاك الغلام من أترابي يومئذ، وقد مات أنس سنة 93 هـ وهو ترب الغلام والواقع أن هذا النقد لا يخلو من حيف وجور في الحكم على الجهود التي بذلها علماء السنة للحكم على الحديث من ناحية متنه، وإذا كانت جهودهم في هذا المجال من حيث التفصيل والمادة دون جهودهم في سبيل الحكم على السند ورجاله، فإن ذلك التفاوت لا يرجع إلى نقص أو تقصير بالنسبة لما يتطلبه النظر في المتن وحاله والحكم على الحديث بناء على ذلك، وإنما يرجع إلى أنَّ أحوال المتن ليس لها ما لأحوال السند من تنوع وتعدد واختلاف، مما أدى إلى كثرة البحوث والعلوم المتعلقة بالسند، ولم يغفل علماء الحديث النظر في المتن، وما يجب أن يتوافر فيه من الصفات الدالة على صحته، وما يجب أن يبرأ منه المتن من العلامات والشواهد التي إذا وجدت فيه دلت على وضعه مما هي كفيلة بالتعرف على أي حديث موضوع، وتمييزه عند مراعاتها.

وهذا بيان أهمها في إجمال:
(1) ركاكة معناه وضعفه: قال الحافظ ابن حجر ما خلاصته: ركاكة معنى الحديث يدل على وضعه، وإن لم ينضم إلى ذلك ركاكة في لفظه، لأن الدين كله محاسن والرداءة والضعف مما ينأى عنه الدين.

(2) فساد معناه: وذلك بأن يخالف ما تقضي به العقول السليمة دون إمكان تأويله، كأن يخالف البدهيات، أو ما هو معروف مسلم به من القواعد العامة في الحكم والأخلاق، أو داعيًا إلى الاستجابة إلى الشهوة والمفسدة أو مخالفًا للحس والمشاهدة، أو لقطعيات التاريخ، وللسنن الكونية أو لبدهيات الطب، أو المعقول في أصول العقيدة من صفات الله ورسله، أو مشتملاً على سخافات لا تصدر عن عاقل، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع.
وقال في "المحصول": كل خبر أوهم باطلاً، ولم يقبل التأويل فمكذوب، أو قد نقص منه ما يزيل الوهم.

(3) مخالفته للكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي: قال ابن قيم الجوزية: ومن الأمور التي يعرف بها أن الحديث موضوع مخالفته صريح الكتاب، كحديث مقدار مدة الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة؛ لمخالفته قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي}، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}، ومن ذلك أيضًا مخالفته صريح السنة المسلم بها شهرتها أو لتواترها.

(4) مخالفته الوقائع التاريخية المقطوع بصحتها: وذلك مثل ما رواه مسلم بسنده عن أبي وائل قال: خرج علينا ابن مسعود بصِفِّين، فقال أبو نعيم: أتراه بعث بعد الموت؟ إذ قد توفي قبل ذلك، ومثل ما رُوِيَ من أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وضع الجزية عن أهل خيبر ورفع عنهم الكلة والسخرة بشهادة سعد بن معاذ، وكتابة معاوية بن أبي سفيان، مع أن الثابت أن الجزية لم تكن مشروعة عام فتح خيبر، وإنَّما نزلتْ آيةُ الجزية بعد تبوك، وأنَّ سعدًا توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، وأنَّ معاوية إنَّما أسلم عام الفتح.

(5) صدور الحديث من راوٍ تأييدًا لمذهبه وهو متعصب مغالٍ فيه: وذلك كالأحاديث التي صدرت من أتباع المذاهب الفقهية والكلامية، تأييدًا لمذاهبهم أو مذهب إمامهم مثل: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له"، ومثل: "المضمضة والاستنشاق للميت ثلاثًا فريضة"، ومثل "من قال القرآن مخلوق فقد كفر".

(6) اشتمال الحديث على إفراط في الثواب العظيم جزاء عمل صغير، أو اشتماله على مبالغة في الوعيد الشديد على الأمر الحقير: وذلك كالأحاديث التي وضعها القصاص في ثواب بعض الأعمال، وفي جزاء بعض الجرائم والمخالفات.

(7) أن يتضمن الحديث أمرًا من شأنه أن تتوفر الدواعي إلى نقله؛ لأنَّه وقع بمشهد عظيم، ثم لا يشتهر ولا يرويه إلاَّ واحد: وبِهذا حَكَمَ أهل السنة على حديث غيرهم بالوضع، وهو الحديث المتضمن النص على خلافة علي ووصايته[42].

ولا شكَّ أن هذه أسس سليمة رصينة محكمة كفيلة بتمييز الأحاديث الموضوعة من الأحاديث الصحيحة، لا يسع المنصف أن ينازع في قوتها وإحكامها وكفايتها، ومع هذا لم يكتفِ رجال الحديث بها في سبيل نقد المتن، بل نقدوه مع ذلك من ناحية اضطرابه أو شذوذه أو إعلاله، كما بحثوا فيما وقع فيه من قلب أو غلط أو إدراج، إلى غير ذلك من العلل التي عني العلماء ببيانها وشرحها فيما وضع في ذلك من الكتب.

وقد رأيت فيما سبق أنَّ ما وضع من موازين وضوابط للتعرف على ما في الأحاديث من قوة وضعف لم يكن الهدف منه الوصول إلى القطع بصحة نسبة الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان الغرض منه الوصول إلى غلبة الظن بصحة تلك النسبة، ولذا قالوا: إن ما حكم بصِحَّته من أحاديث الآحاد قد يكون في واقع الأمر غَيْرَ صحيح؛ ولكن هذا احتمال ضعيف لا يحول دون وجوب العمل كما قدمنا، ولقد ذكر أصحاب هذا النقد أنه كان من الواجب أن يؤسس نقد المتن أيضًا على أُسُسٍ أُخْرى لم تنل من علماء الحديث عناية وهي:
(1) اتِّفاق ما ينسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول مع الظروف التي قيل فيها، وعدم معارضته للحوادث التاريخية الثابتة.

(2) خلو الحديث من التفسير الفلسفي الذي يخالف المألوف من بيانه - صلى الله عليه وسلم - وخلوه من الأساليب الفقهية التي تتعرض لذكر الشروط والأركان، وما إلى ذلك مما لم يكن معروفًا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم.

(3) انطباق الحديث على الواقع، وعدم وجود باعث سياسي أو نفسي دعا إلى وضعه.

ذلك ما ضمنه الناقد نقده، ولو تهيأ له أن يكون واسع الاطلاع دقيق النظر؛ لتبين له أن كل ما ذكره من ذلك تتضمنه تلك القواعد السابقة، ولم يفت رجال الحديث مراعاته في نقد المتن، فقد ردوا حديث دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - الحمام بناء على أن النبي - صلوات الله عليه - لم يدخل حمَّامًا قط، وأن الحمامات لم تكن معروفة في الحجاز على عهده - صلى الله عليه وسلم - وكذلك ردوا حديث وضع الجزية عن أهل خيبر؛ بناءً على أنه مخالف لما علم تاريخيًّا من أن شرعيَّة الجزية لم تشرع إلاَّ بعد فتح خيبر، وردوا بعض الأحاديث لمخالفتها للواقع، وذلك كحديث: ((لا يولد بعد المائة مولود لله فيه حاجة))، وحديث ((الباذنجان شفاء من كل داء)) وردوا ما رواه غلاة الشيعة من أحاديث في فضل علي، وما رواه غلاة البكرية من أحاديث في فضل أبي بكر، لوجود الباعث السياسي على وضعها، وردوا كذلك حديث ((رمدتُ فشكوتُ إلى جبريل فقال: أدِم النَّظر في المُصحف))، لأنَّه لا يتَّفق مع البيئة التي قيل فيها، إذ لم يكن على عهْدِه - صلَّى الله عليه وسلم - مصاحف، وكذلك ردوا أحاديث أخرى لوجود الباعث النَّفسي على وضعها؛ كحديث: ((الهريسة تشد الظَّهر))، ذلك لأنَّ رَاوِيه كان ممن يصنَعُ الهريسة.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية   الخميس 25 أبريل - 13:11



وردُّوا كذلك كثيرًا منَ الأحاديث؛ لما فيها مِن عبارات واصطلاحات فِقْهيَّة لم تكن معروفة على عهده - صلَّى الله عليه وسلم - والأمثلة من ذلك كثيرة أشِير إليها في "نصب الرَّاية في تخريج أحاديث الهداية" للزَّيلَعِيّ، وهكذا يرى أنَّ كل ما زعم النَّاقدون استدراكه على علماء الحديث لم يغفلوه؛ بل راعَوْه وذهبوا إلى أبعد منه، غير أنَّه قد يُلاحظ في هذه الضَّوابط وفي تطبيقها الأمور الآتية:
أولها: أنَّ كثيرًا منها يقوم على تقدير الباحث وفهمه ونظره، وأنظار النَّاس متفاوتة، ومواهبهم مختلفة، وأحكامهم متباينة، وما لا يعقله فلان يعقله فلان آخر، ولهذا كانت أحكامهم على الأمور مختلفة، أو على ذلك كان تطبيق هذه الضَّوابط على الأحاديث مختلف النَّتائج باختلاف أنظار من يقوم بتطبيقها، فركاكة المعنى في كثير من أحوالها مما يختلف فيه أنظار الباحثين يراها هذا في معنى من المعاني؛ بينما لا يراها الآخر فيه، وكذلك الحال في مخالفة الحديث لما تقضي به قواعد العلم أو تجارب الطِّب، بينما يراها شخص في حديث لا يراها الآخر فيه، أو مخالفته لما يقضي به العقل، فإن عقول الناس تختلف اختلافًا بيِّنا يستسيغ بعضها ما لا يستسيغه بعضها الآخر، ويجوز بعضها ما لا يجوزه بعضها الآخر، ويستبعد بعضها ما لا يستبعده بعضها الآخر، فبأي عقل يوزن الحديث؟ وأنَّى لعقل أن تكون له قوة وحكم عند صحَّة السَّند، والظَّن بصحَّة نسبته، وكذلك صدور الحديث مِن راوٍ تأييدًا لرأيه المتعصب له المُغَالِي فيه مما تختلف فيه الأنظار، وهذا ما يكشف عمَّا في تطبيق هذه القواعد والضوابط من عيب ونقص، يؤديان في كثير منَ الأحوال إلى خلاف واضطراب.

ثانيها: أنَّ استعمال هذه المقاييس والضَّوابط مشروط بألاَّ يكون في تأويل الحديث تأويل سليم سائغ يحتمله، أو لا يكون في حمله على المجاز مخرج مِن تطبيقها، وبناءً على ذلك إذا احتمل الحديث تأويلاً يخرجه عن محيط ما تتناوله هذه القواعد لم يجز أن تطبق عليه، وكذلك إذا كان حمله على الاستعمال المجازي يبتعد به عن هذه الضوابط لم يجز أن تتناوله، وتأويل الحديث وقبوله للتأويل وجواز إرادة معنى مجازي منه مما يختلف فيه الناس، فيكون مقبولاً سائغًا عند شخص، وغير مقبول عند آخر، وعلى ذلك يختلف الحكم على الحديث باختلاف الناس واختلاف أنظارهم.

ثالثها:ً أن تطبيق هذه القواعد يقوم على فهم الحديث فهمًا معيَّنًا يجعله من متناولها، وهذا مِمَّا يختلف فيه الناس أيضًا، وتتفاوتُ فيه أنظارُهم فقد يفهمه شخص فهمًا سليمًا غير مناقض للمعقول ولا للأصول المُسلَّم بِها، ويفهمه آخر على غير هذا الوضع فيراه مخالفًا للمعقول أو لما تقضي به الأصول.

رابعها: أن الحديث إذا كان سليمَ السَّنَدِ يرويه الثقة عن الثقة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنَّ صدوره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون أمرًا راجحًا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس كسائر النَّاس في علمه، وحكمته، وصلته بربه، ومعارفه، وذلك مما يستوجب ألا تكون مقاييس النقد فيما يصدر عنه مماثلة لمقاييس النَّقد في أحاديث غيره من النَّاس، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلقى الوحي عن ربه، وقد أطلعه الله - سبحانه وتعالى - على كثير من أسرار الغيب، مما لم يطَّلع عليه سواه، وأحاط بما لم يحط به إنسان من المعارف والأسرار، وذلك ما يقضي بأن يكون تفكيره فوق تفكير غيره من الناس، وبأن يعلو حكمه أحكام غيره من النَّاس، فيصدر منه من الأقوال والأحكام ما قد يعلو على أفهام الناس، وما لا تصل إلى معرفة كنهه وحقيقته عقولهم في عصر من الأعصر، وما قد ينكشف سره بعد ذلك، وعلى ذلك فلا ينبغي أن يكون لهم مع قصور عقولهم سلطة الحكم على أقواله من ناحية سلامتها وصحتها، مما قد تعجز عقولهم عن فهمه ولا يصح أن يكون عدم فهمهم لقصر عقولهم، أو لضعف معارفهم دليلاً على وضع الحديث، وبناءً على ذلك إذا جاء الحديث متضمنًا خواص بعض النبات مما لم يكشفه العلم، أو خبرًا عن غيب سيقع في مستقبل الزَّمن، وما إلى ذلك مما لم يصل إليه علم النَّاس، فلا يجوز أن يتخذ ذلك دليلاً على وضع الحديث.

لهذه الأسباب كان تطبيق علماء الحديث لهذه القواعد في نطاق ضيِّق، حيث تكون الضرورة قاضية بتطبيقها، وذلك عند تعذر التأويل الذي يمكن اتخاذه مخرجًا، وعدم الوصول فيه إلى مخرج آخر يستساغ معه عدم التَّطبيق، وقد كان صنيعهم في هذا خاضعًا كذلك لتقديرهم وأحكامهم، ومراعى فيه كذلك الاعتماد على صحَّة السَّند وسلامته، وما لذلك من أثر في اطمئنانهم إلى نسبة الحديث إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع هذا الاطمئنان يجب التسليم وانتفاء كل شك، وهذا لشعورهم حينئذٍ بقصور عقولهم، وقلة معرفتهم وعلومهم، لهذا كله كان تطبيقهم لهذه القواعد في حدود ضيِّقَة كما قلنا، وكان مع ذلك محل خلاف بينهم تبعًا لاختلاف أنظارهم، فاختلفت أحكامهم على بعض الأحاديث فكان ما يراه بعض العلماء صحيحًا يراه آخرون غير صحيح، وكان من نتيجة ذلك وجود بعض أحاديث كان وجودها في الصِّحاح مبعث النَّقد الذي أشرنا إليه.

ومِمَّا يَجِبُ مُلاحظته أنَّ هذا النقد لا يعدو أن يكون طعنًا في أحاديث معينة معدودة أثبت الاستقراء أنها ليست في أصول الدين، ولا في قواعده وأحكامه الأساسيَّة، ولا يعد عدم الاعتماد عليها أو تركها ما يتنافى مع وجوب العمل بالسنَّة الآحادية، لأنَّ وجوب العمل بها كما بينا إنما يكون عند غلبة الظن بصحَّة نسبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا عند الشك في نسبتها، وما وَضَعَهُ عُلماء الحديث من قواعد وضوابط لنقد السند والمتن كفيل عند تطبيقه تطبيقًا سليمًا بتمييز صحيح السنَّة من غيره، وتمحيص السنَّة من جميع الأحاديث الموضوعة بالقدر الممكن، وعند ذلك يتميز ما ترجح الظن بصحة نسبته مما شك في صحة نسبته، وإذا ما تبين ذلك وجب العمل للقطع بوجوب العمل عند الظَّن، وعلى ذلك فلا يعد هذا النقد طعنًا في السنة ولا في وجوب العمل بها عند سلامة السند والمتن، إذ عند ذلك يكون الظن بصحة نسبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظنًّا راجحًا يوجب العمل بها.

ما وجه إلى حجيتها من شُبُهَات:
أشرنا فيما سبق إلى ما جاء في الكِتاب العزيز منَ الآيات الدَّالة على أنَّ طاعة الرَّسول واجبة في كل ما أمر به، وفي كل ما نهى عنه، وإلى أنَّ دلالة هذه الآيات باجتماعها وأساليبها دلالة قاطعة، لا تقوم معها أيَّة شُبْهة في وجوب هذه الطَّاعة، ولا في حجيَّة هذه السنَّة فيما جاءت به من أحكام، وأن إنكار ذلك إنكار وتكذيب لما جاء به القرآن الكريم وأكَّده ووثَّقه، ولكن بعض الناس ممن خدعهم زيف المستشرقين والمبشرين قامت في أنفسهم آراء منحرفة بسبب ما تلقوه من هؤلاء من شبهات صدَّتهم عن الحق، وأعمتهم عن النور، فمنهم من ذهب إلى أن الله - سبحانه وتعالى - لم يتعبد الناس إلاَّ بما شرعه القرآن، فهو وحده واجب الطَّاعة، وليست السنَّة إلا بيانًا له وتطبيقًا مؤقتًا في أحكام المعاملات، روعي فيه ما كان لزمن صدورها من عادات وأعراف ومعاملات، وما كان لأهله من علم ومعرفة وإمكانيَّات وتقاليد، ولذلك لم يكن للطاعة الواجبة صفة الدوام والاستمرار في هذا النطاق، وإنما كانت موقوتة بعصرها، حتى إذا تغير العصر بعاداته وأعرافه تغيَّر التَّطبيق، لما جاء من عموم في الكتاب خاصًّا بالمعاملات، ولم يكن ما ورد من السنة في ذلك واجب الطاعة.

وعلى هذا الأساس وجدت جماعة في الهند تَسَمَّت بجماعة القرآن، أو بأهل القرآن، لا تعمل إلا به على النَّحو الذي يهديها فهمها إيَّاه، وكذلك وجد في الناس من طعن في حجية السنَّة، ومثلهم وجد قديمًا فماتت مزاعمهم بانقضاء زمنهم؛ ولكن من يوجد الآن يتمسك في عدم الاحتجاج بالسنة بمزاعم ليس لها أساس ولا حقيقة، ولا قيام لها على واقع إلاَّ ما زوروه من خيال، فطعنوا في روايتها وطريقة نقلها، وكان ذلك على غير هدى، قالوا: كيف تكون السنة حجة على الناس تلزمهم أن يعملوا بها، مع ما نراه فيه من خلاف، واضطراب، وتناقض في مروياتها، وما نشاهده فيها من زيادات في بعضها، ونقص في بعضها الآخر، وما هو معلوم مما أضيف إليها، وأدخل عليها من موضوعات كثيرة تفوقها عددًا، اختلطت بها ولم يتيسر تخليصها من كثير منها، وهذا مع ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النَّهي عن كتابتها، ومحو ما كتب منها في عهده، ثم عدم الميل إلى كتابتها بعد وفاته، وتأخير كتابتها وتدوينها إلى نهاية القرن الأول الهجري، وميل الكثرة من جلَّة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى روايتها ونشرها، وذلك كله مع ما كان الرواة معرضين له من السهو والنسيان وسوء الحفظ، وقلَّة الضَّبط، وسوء الفهم، مما يعرض عادة للناس على اختلاف بينهم في ذلك، وكل ذلك مما لا تطمئن معه نفس إلى صحة نقلها، ووصولها إلينا؛ كما صدرت منه - صلى الله عليه وسلم - ومع اجتماع هذه الشكوك والريب تنتفي الطمأنينة إلى سلامتها؛ كما ينتفي الظن بصحة نسبتها، وبذلك تزول حجيتها، أو لا يجب العمل بها.

هذه مقالتهم، وهي تستند كما يرى على أوهامٍ وشُكُوك، منها ما يتعلَّق بروايتها، ومنها ما يتعلق بحجيتها، وهي كما نرى دعاوى تتسم بالإجمال والعموم، وعدم التَّفصيل والتَّركيز، يلقى القول فيها على عواهنه دون استناد إلى واقع معين مُفَصَّل، أو مثل محدودة مبينة، فادعاء التناقض والخلاف والاضطراب والزيادة والنقص بهذا الإجمال وعلى هذا الوضع من العموم، ادعاء باطل، فليس يوجد شيء من ذلك إلا في القليل النادر الضئيل العدد، ثم هو لا يوجد مع ملاحظة هذا إلا في الأحاديث الضعيفة المنكرة التي فقدت حجيتها، وإذا وجد في الصحيح شيء من ذلك فبحسب الظاهر، ولم يكن وجوده فيها إلا بالنسبة إلى النظرة الأولى الخاطفة، أمَّا عِنْدَ استِيعاب النَّظَرِ، وعُمْقِ الفَهْمِ فلا يرى لذلك من أثر، وقد ألفت في ذلك كتب عديدة مستقلَّة تكفَّلَتْ بِبَيان ذلك، فارتفع ببيانِها ما زعموه من الخلاف والإشكال، وتبين عدم وجود شيء من ذلك، على أنَّ وجود ذلك في فئة قلية العدد من الأحاديث قلَّ أن يكون منها حديث صحيح لا يطعن في السنة جملة، ولا يضعف من قوتها وحجيتها التي قامت عليها الأدلة القاطعة، فكيف إذا تبين أن ليس لمثل هذا وجود في باطن الأمر وحقيقته؟

أمَّا الموضوعات فقد كان لعلماء الحديث مجهودهم الدائب الذي لا ينكر في تعرفها وتمييزها وتخليص السنة منها، وذلك بواسطة ما وضعوه من قواعد وأمارات وضوابط، وبما عرفوه عن الرواة، وتاريخهم وسيرهم، ومنِ انْدَسَّ بينهم من الكذبة، والوضاعين، والمنافقين، وقد كانت معرفتهم لذلك معرفة واعية مستوعبة، متعددة الطرق والمناهج، وبذلك خلصوا السنة مما خالطها من الموضوعات، وألفوا في ذلك الكتب العديدة المستقلة، التي تكفلت بحصر الموضوعات وبيانها، وبذلك سلمت السنة - بحمد الله ووفائه بوعده الذي أنزله في كتابه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[43].

أمَّا ما أشاروا إليه من تَعَرُّض رُواتِها للسهو، والنسيان، والغلط، وسوء الحفظ، والضبط، فقد كان لعلماء الحديث كما قدَّمْنَا في تجنُّب هذا، وبراءة الرواة الذين أخذ الحديث عنهم الجهد الذي لا ينكر، وذلك أنهم قد احتاطوا في قبول الحديث، وتثبتوا وتأكدوا من الأخبار ورواتها، وكان هذا منهجهم، ومنهج الصحابة والتابعين من قبلهم؛ بل ومنهج من جاء بعدهم، فحاولوا جميعًا التثبت بكل وسيلة ممكنة، تضمن لهم معرفة صحة المروي وضبط راويه وعدالته والوثوق به، وكان من طرائقهم في ذلك أيضًا طلب الحديث من راوٍ، أو من سند آخر، وجمع طرقه كلها، والرجوع إلى أئمة هذا الشأن، حتَّى استطاعوا بذلك وبغيره من الطرق التثبت من صحة الرواية، وتعرف الرواة وأحوالهم، ومن كان به عاهة من غفلة، أو نسيان ومن أصابه خطأ في روايته، حتى وصلوا بذلك إلى الطمأنينة والثقة بالرواة ومروياتهم، وحتى كانوا لا يقبلون إلا ما روي عمن عرف بالصدق، والأمانة، والحفظ، والإتقان، والضبط، وكانوا يرددون ما كان يتردد على ألسنة العلماء: "إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"، لذلك كانوا يتجنبون الرواية ممن كان يعرف بينهم بضرب من الغفلة، وإن اشتهر بالصلاح والتقوى، ولقد نقل عن الإمام مالك - رضي الله عنه - أنه قال: "أدركت بالمدينة مشيخة لهم فضل، وصلاح، وعبادة يحدثون، فما كتبت عن أحدهم حديثًا قط"، فقيل له: "لم؟"، قال: "لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يُحَدِّثُون"، قال: "وكنا نزدحم على باب ابن شهاب"، وهكذا يرى أنَّ ما لاكته ألسنة هؤلاء المارقين من طعون وشبهات - وجهوها إلى الرواة ورواياتهم - لا أساس لها، ولا تستند إلى واقع، ولا يمس صحة السنة، ولا ترتفع إلى مستوى النظر إليها والاعتداد بها، بعد الذي صينت به رواية السنة، وحوفظ به على متنها، وكان ذلك يلاحظ أن ما وجهوه من ذلك إلى بعض رواة الحديث من مطاعن، أو إلى أحاديث معينة من شبهات، لا يقدح في السنة جميعها، ولا ينال من الرواة أجمعين، وفي بحثه وتمحيصه والرد عليه وضعت كتب مستقلة، ومقالات مفردة، وليس لأجله وضع هذا البحث[44].



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية   الخميس 25 أبريل - 13:13


أمَّا ما أشاروا إليه من النَّهي عن كتابتها، وعدم تدوينها ونشرها وروايتها بالمعنى، فذلك ما نعرض له فيما يلي، داحضين ما استندوا إليه من ذلك.

لقد أقام هؤلاء ضلالهم وانحرافهم على الشبهات الآتية:
أولاً: قال الله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [45]، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ}[46]، قالوا: وهذا يدل على أن القرآن الكريم قد تضمن كل أمر من أمور الدنيا، وكل حكم من أحكامها، كما يدل أيضًا على أن بيانه في ذلك بيان كاف لا تفريط فيه، ولذلك تكفل الله بحفظه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[47]، وقالوا: لو كان الدين في حاجة إلى السنة لتكفل بحفظها؛ كما حفظ القرآن، فلم يخالطها ما خالطها، ولم يمسَّها ما مسَّها من إهْمالٍ، وعدم تدوين، وكتابة إلى آخر ما ذكروا.

ثانيًا: لو كانت السنة أصلاً واجبة الاتباع دائمًا لأمر النبي بكتابتها، ولم ينه عن ذلك، ولم يأمر بمحو ما كتب منها، ولعمل الصحابة على جمعها وتدوينها، كما جمعوا القرآن ودونوه في المصاحف، ولعمل الخلفاء والأمراء على نشرها في الأقطار، إذ إن في ذلك صيانتها، ووصولها إلى المسلمين في مختلف بلادهم، وفي مستقبل أيامهم سليمة متواترة مقطوعًا بصحتها، حتى لا يكون العمل بها اتباعًا للظن، وقفوًا لما لا يعلم، وقد قال تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً}[48]، وقال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}[49].
ثالثًا: أقرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رواية الحديث بالمعنى، فشاعت وانتشرت، ومع الرواية بالمعنى لا يؤمَنُ أن يقع من الرَّاوي من غير قصد تغيير فيما سمع، بالزيادة أو بالنقص، أو بالغلط في الفهم أو بالتبديل؛ كما لا يؤمن أن يكون الراوي مصيبًا في فهمه، واعيًا لكل ما صاحب الحديث من ظروف وأحوال روعيت في شرع ما دلَّ عليه من حكم، دون أن يكون في اللفظ ما يدل عليه، اكتفاءً بدلالة الحال، فيروي الرواة الحديث مُطْلقًا، في حين أنه صدر مقيدًا بما دل عليه الحال، أو مقيدًا في حين أنه قد صدر مطلقًا لم يراع فيه الراوي ما صحبه من أمارات تدل على إطلاقه، وكثيرًا ما تكون دلالة الحال عنصرًا هامًّا في الدلالة والبيان، فإذا حدث شيء من ذلك - وهو أمر قريب الاحتمال - لم يكن العمل بما دلَّ عليه الحديث برواية راويه شرعًا لله يجب اتباعه، وعن هذه الشبهة ذهب بعض الناس إلى عدم وجوب العمل بخبر الآحاد، أو إلى عدم حجيته.

رد الشبهة الأولى:
إن تعجب فعجب أن يقول قائل: في كتاب الله غناء عن السنة، وفي بيانه كفاية عن بيانها، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [50]، ويقول أيضًا: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} [51]، ويقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [52].

إن القرآن قد حوى أصول الدين، وكثيرًا من قواعد الأحكام العامة، وكان صريحًا في دلالته على بعضها مفصلاً لها، كما كان مجملاً في بيان بعضها الآخر لم يفصله أو مشيرًا إليه، وذلك فيما حواه من أحكامه العامة، ودل عليه بما تضمنه من أصول كلية، تاركًا تفصيل ذلك وبيانه إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما نطقت بذلك الآيات السابقة، وكان ما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيان ذلك ملحقًا بالقرآن وفي منزلته، وكان دينًا لله تجب طاعته؛ كما تجب طاعة القرآن، وكان له ما للقرآن من وجوب العمل به، وجوبًا دائمًا غير منقطع، ولا مُنْتَه بزمن مهما مضت الأعوام وتغيرت الأمور والأحوال.

وهل يستقيم مثل هذا القول، وقد أمر القرآن بإقامة الصلاة دون بيان لكيفيتها وأوقاتها وعدد ما فرضه الله منها، وكذلك أمر بإيتاء الزكاة دون بيان لمقدارها وبيان لما تجب فيه من الأموال وبيان لأوقاتها، وأمر بالحج ولم يبين كيفيته ولا زمنه، وهكذا مما أمر الله به، فهل يرى من يذهب هذا المذهب أن الصلاة المفروضة التي فرضها القرآن هي مطلق دعاء، أو مطلق ركوع أو سجود، وأن فعل ذلك يجزئ عما أمر به القرآن من صلاة؟! أو أن الزكاة المفروضة هي إخراج أية صدقة في أي وقت مهما وأيًّا كان مقدارها ونوعها؟! وأن الحج المفروض هو مجرد التوجه إلى البيت الحرام؟! هل يرى ذلك وفيه هدم للدين وقواعده والخروج على ما أجمع عليه المسلمون؟
وما أحسن ما قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: "أمَّا قولهم لو كان الدين في حاجة إلى السنة لتكفل الله بحفظها؛ كما تكفَّل بحفظ القرآن، فيرده أن الله - سبحانه وتعالى - إنما تكفل بحفظ ما أنزله من الذكر والسنة، وقد صدرت من النبي - صلى الله عليه وسلم - بيانًا للقرآن أوحى بها إليه، بدليل قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}[53]، وكانت لذلك من الذكر وتابعة له محفوظة بكفالة الله سبحانه وتعالى، وكان ذلك مما دلت عليه هذه الآية، فإن المراد بالذكر فيها شرع الله ودينه، قرآنًا كان أو سنة؛ يدل على ذلك قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[54]؛ أي اسألوا أهل العلم بشريعة الله ودينه، وقد صدق الله وعده فحفظ سنة رسوله كما حفظ كتابه، بما هيَّأ لها ممن حفظها، وتناقلها، ودارسها، وميز صحيحها من سقيمها ودخيلها، فأصبحت بذلك مدروسة محفوظة مدونة في مصادرها".

وقد نص الشافعي - رحمه الله - أيضًا في الرسالة على أن سنة رسوله موجودة عند عامة أهل العلم، وإن كان بعضهم أجمع من بعض، فإذا جمع علمهم جميعًا أتى عليها كلها[55].

يتبيَّن مما تقدَّم أن ليس لنا عن السنة غناء، وأن بيانها للقرآن أمر واجب لا مندوحة عنه، استوجبته صياغة القرآن ودلالاته وطرائق بيانه، وأن القرآن قد نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أساس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر ببيانه؛ كما يدل على ذلك ما جاء به القرآن في هذا المعنى من آيات أشرنا إلى بعضها فيما سبق ذكره، وأنه سبحانه وتعالى قد أوحى إليه بهذا البيان، وأمره بتبليغه.

وإنه ليرى أن بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في العبادات مما قام عليه الدين من أركان؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، جاء كذلك في بيان ما حواه القرآن من الأصول العامة، والقواعد الكلية، التي أسست عليها الأحكام الشَّرعيَّة الفرعيَّة، سواء منها ما تعلَّق بالمال؛ كالبيع، والربا، والتجارة، وما تعلق باقتراف المحرمات؛ كالسرقة، والزنا، وقتل النفس، والاعتداء على المال، وما إلى ذلك، وبيانها في الحالين، وأمرها فيهما ونهيها سواء، فإذا كان واجب الطاعة والاتباع وجوبًا مطلقًا غير مقيد بوقت في الحال الأولى، فهو كذلك في الحال الثانية، لتساويهما في المصدر، وتساويهما في الدلالة، وتساويهما في بيان ما أمر به الله في كتابه، وتساويهما في الحكمة والغاية، وإذا لم يكن ما أمر به الله في كتابه مؤقتًا، فكذلك بيانه يجب ألا يكون مؤقتًا، لأن البيان ملحق بالمبين، تابع له، ولازم لا ينفك عنه، وبهذا يظهر زيف ما يهرف به المخالفون المنحرفون من أن بيان السنَّة للقرآن إذا كان متعلقًا بالعبادات وأصول الدين كان بيانًا مطلقًا واجب الاتباع دائمًا ما دام للمبين قيام، أما إذا كان في شؤون المال والمعاملات فهو بيان تطبيقي روعيت فيه ظروف صدوره، وأعراف عصره، وحال أهله، فكان موقوتًا بزمنه وعصره، ينتهي بانتهائه، ويستدل على ذلك بتغيير الظروف والعادات والأعراف، إذ إن بيانه - صلى الله عليه وسلم - لا يراد منه إلاَّ تحقيق المصلحة العامة، وتوفير الخير والسلام للناس، فإذا ما تغيَّر وجه المصلحة وأصبح العمل بالبيان، وبما دل عليه من حكم مؤديًا إلى حرج الناس، وعنتهم فقد انتهَى وقتُ العمل بذلك الحكم، ووجب على النَّاس أن يجتهدوا في تحقيق وتحرير ما أراده الشارع وهدف إليه، من ملاحظة قيود أو خصوص أو عموم، فكثيرًا ما يجيء العام ويراد به خاص، وما يرد الخاص ويُقاس عليه غيره، أو يكون من الملحوظ تقييده، وهكذا مما يكون للاجتهاد فيه مجال.

وهذا كما يرى لا يصلح دليلاً على ترك العمل بالسنَّة، إذ مؤداه أن العمل بالسنة إنما يترك إذا ما تغير وجه المصلحة وانتفت علة الحكم، وأصبح في بقائه ضرر وعنت بالناس، وفي هذه الحال ينتهي الحكم ولا يكون له بقاء، وفرق بين انتهاء زمن العمل بالحكم، وبين ترك العمل به مع بقائه، وعلى الجملة فليس هذا من قبيل ترك العمل بالسنة؛ وإنما يعد من قبيل بيانها.

وهذا القول مع ملاحظة ما فيه من تقييد بعض ما جاء من الأحكام مطلقًا، ومن تخصيص بعض ما جاء من النصوص عامًّا، قد يرى فيه الجنوح إلى تحكيم الرأي، واعتباره قاضيًا على النص بتخصيصه أو بتقييده أو نحو ذلك، بناءً على اجتهاد أساسه ادعاء المصلحة التي يجب أن تكون مصلحة كلية قطعيَّة ضروريَّة أو حاجيَّة، حسب اختلاف الظروف والأحوال، ولا شك أن ذلك من مزالق الأفهام التي ترجى عندها العصمة، وتطلب فيها من الحكيم الرحمن الهداية، والشطط فيها والركون إليها مهلكة، ويجب أن يكون الرَّأي فيه عن إجماع من ذوي الضَّلاعة في الدين العالمين بأصول الشريعة وأسرارها.

رد الشبهة الثانية:
اختلفتِ الروايات في كتابة السنة على عهده - صلى الله عليه وسلم - فقد روي ما دل على كراهتها، وروي ما دل على إباحتها، وأشهر ما روي دالاًّ على كراهتها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ - قال همام: أحسبه قال: متعمِّدًا - فليتبوَّأْ مقعده من النار))، وما روي أيضًا عن أبي سعيد الخدري قال: جهدنا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لنا في الكتاب فأبى؛ وفي رواية: استأذنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكتابة فلم يأذن[56]، وما روي عن أبي هريرة أنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نكتب الأحاديث فقال: ((ما هذا الذي تكتبون؟))، قلنا: "أحاديث نسمعها منك"، قال: ((كتاب غير كتاب الله؟، أتدرون ما ضل الأمم قبلكم إلاَّ بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى))[57].

وأمَّا أشهر ما رُوِيَ عن إباحتها فما رواه عبدالله بن عمرو: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد حفظه، فنهتْنِي قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَشَر يتكلَّم في الغضب وفي الرضا؟! فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأومأ بأصبعه إلى فيه، وقال: ((اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق))؛ سنن الدارمي، وما روي عن أبي هريرة أنه قال: ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر مني حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب"؛ فتح الباري، وأن رجلاً من الأنصار كان يشهد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يحفظه، فيسأل أبا هريرة فيحدثه، ثم شكا قلَّة حفظه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبي: ((استعن على حفظك بيمينك))؛ "تقييد العلم"، وما رواه رافع ابن خديج أنه قال: قلنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: ((اكتبوا ولا حرج))، وما رواه أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قيدوا العلم بالكتاب))؛ "تقييد العلم"، وما روي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام في الناس بعد فتح مكة فخاطبهم، فقام رجل من أهل اليمن، يقال له أبو شاه، فقال: يا رسول الله اكتبوا لي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اكتبوا له))، مسند أحمد، وما روي عن ابن عباس قال: لما اشتد المرض برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ائتوني بكتابٍ أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده))، قال عمر: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قوموا عني ولا يبقى عندي التنازع))؛ صحيح مسلم.

وقد اختلفت الآراء في التوفيق بين ما ورد من السنة دالاًّ على كراهة كتابتها، وما ورد منها دالاًّ على إباحتها، إذ الظاهر من أحاديث الأمر بكتابتها أن الأمر فيها يراد به الإباحة والإرشاد لا الوجوب، بدليل عدم شيوع كتابتها، وعدم انتشارها في عهده - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يقم بكتابتها إلا القليل الذي لم يكتب مع ذلك إلا جزءًا قليلاً منها، كما روي ذلك.

فذهب بعض العلماء إلى أن النهي عن كتابتها إنما كان في بداية الإسلام خشية اختلاط السنة بالقرآن، فإن العهد كان عهد بداوة، ولم يكن يعرف القراءة والكتابة من المسلمين يومئذ إلا القليل، ولم يَكُنْ من الميسور له الحصول على ما يكتب فيه إلا أن يكون شيئًا من العسب، واللخاف، ورقيق الحجارة، ونحو ذلك مما لا يتسع لكثير من الكتابة، ولا يتيسر الحصول عليه بكثرة، فكان من المحتمل القريب الوقوع أن تكتب السنة والقرآن في مكتوب واحد، ولا يكون من وراء ذلك إلا الاختلاط، كالذي حدث لبعض الناس من الخلط بين القرآن، وما ألحقه به بعض القراء من كتابة كلمات أريد بها تفسير بعض كلماته، فظن بعض من شاهد ذلك أنها من القرآن، ولما شاع القرآن بينهم وانتشر حفظه، وعمت معرفته زال هذا الخوف، فنسخ النهي عن كتابة السنة، وأصبحت كتابتها جائزة، وإلى هذا ذهب كثير؛ منهم: الرامهرمزي في كتابه "المحدث الفاصل"، وابْنُ قتيبة في كتابه "تأويل مختلف الحديث"، ورجحه بعض العلماء استنادًا إلى أن حديث أبي شاه كان في أواخر حياته - صلى الله عليه وسلم - وإلى أن أكثر ما روي عن أبي هريرة كان في إباحتها، إذ إنَّ إسلام أبي هريرة كان متأخرًا لم يدرك النهي عنها إلا مدة قصيرة، وإلى ما رواه ابن عباس من طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤتى بكتاب في مرضه؛ ليكتب فيه ما لا يضل الناس بعده، ثم إقدام أبي بكر على كتابة بعض الأحاديث، ومحوها خوفًا من أن تكون كتابته ذريعة إلى ترك بعض الأحاديث التي لم يكتبها بحجة أنها لو صحت لكتبت كما روي ذلك عنه، وهذا إلى تفكير عمر - رضي الله عنه - في خلافته في جمعها، ثم عدوله عن ذلك - كما روي - خشية إكباب الناس عليها وتركهم كتاب الله، وإلى انتشار كتابتها وشيوعها بعد ذلك، فكل هذا يرجح أن النهي عن كتابتها قد كان ثم نسخ، وذهب بعض العلماء إلى أنَّ النَّهي عن كتابتها إنَّما كان بالنسبة لمن يوثق بحفظه، ممن لا يخشى عليه الغلط، خوف اكتفائه بالكتابة، وعندئذ لا يؤمن معها التحريف، ولا عدم الضياع، أما الإذن فقد كان في حق من لا يوثق بحفظه كأبي شاه، لأن ذلك هو الميسور له - على أن من علماء الحديث من قال: إن حديث أبي سعيد حديث موقوف، فلا يصلح معارضًا لما ورد من آثار دلت على إباحتها، ودونه جميع ما روي عن كراهتها، وهذا رأي ذهب إليه البخاري وغيره[58].



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رضا
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 908
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية   الخميس 25 أبريل - 13:14


ذلك ما روي في النهي عن كتابة السنة والأمر بمحو ما كتب منها، وما روي في معارضته، ومنه يتبين أن الوضع في ذلك لم يكن وضعًا مستقرًّا، وأنه على الأقل كان محل خلاف بين الصحابة، خلافًا مرده إلى التقدير واختلاف الظروف والزمن.
ومع هذا الوضع يكون من التَّجاوز في الرأي والقول أن يقال: لو كانت السنة أصلاً في الدين لم ينه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابتها؛ لأنَّ النهي عن كتابتها يعد نهيًا عن نشرها، أو يؤدي إلى ذلك فعلاً، كما يؤدي إلى نسيانها، وعدم العناية بحفظها، وذلك ما لا يتَّسق مع وجوب العمل بها، واتخاذها شريعة تقوم عليها معاملات الناس في مختلف أوطانهم، يكون هذا تجاوزًا في الرَّأي إذ لم يثبت أنه كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - نهي عن كتابتها بصفة قاطعة، وعلى وضع مستمر دائم، حتى ترتب عليه آثاره ومعقباته.

ثم إذا لاحظنا أنَّ السنة ليست إلا بيانًا لكتاب الله وتطبيقًا له قام بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته بأقواله وأفعاله، رأينا أن كتابتها في زمنه - صلى الله عليه وسلم - لم تكن بالأمر الذي يتوقف عليه العمل أو العلم بها، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم في أصحابه، يستطيعون أن يرجعوا إليه في كل ما يعرض لهم فيبين لهم حكمه، مراعيًا في ذلك ظروف الواقعة وملابساتها التي لا تستقر ولا تدوم، فيكون بيانه هذا عندئذٍ أوفى بيانٍ، ولم تكن كتابة السنة يومئذ بالأمر الميسور المستطاع حتى يأمر بكتابتها، فقد كان رسول الله مبينًا وشارعًا، بقوله وفعله، في حله وترحاله، وفي حضره وفي سفره، وفي ذهابه وإيَابه، وفي بيته وفي خارج بيته، وفي زيارته وفي سوقه، وفي مسجده، وفي معاملته، فلم يكن لبيانه وقت محدود، ولا مكان معين، وذلك ما لا يمكن جمعه ولا يستطاع تتبعه وحصره، وما فيه إرهاق وعنت شديد في محاولته مع الاستغناء عنه بالأمر الميسور المُسْتَطاع، وهو الرجوع إليه - صلى الله عليه وسلم - حين تعرض الحاجة، فإن عرضت في مكان بعيد فقد رخص لمن عرضت له أن يجتهد وأن ينظر ما أمكنه ذلك، وأن يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده إلى أن يتيسر له عرض الأمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك كان منهج أصحابه في حياته - صلى الله عليه وسلم - وهو منهج يرى أن كتابة السنة معه وجمعها أمر غير ميسور، وغير محتاج إليه بالنسبة إليهم، وأن في التَّرخيص لهم بالاجتهاد إذا ما تعذر عليهم اللقاء والعرض غناء عن محاولة أمر متعذر هو حفظ كل ما نطق به الرسول في مختلف أحواله أو كتابته، وذلك ما كانوا يفزعون إليه دائمًا إذا ما خفي عليهم حكم ما عرض لهم من الكتاب والسنة، بعد البحث والسؤال عنه، دون حرج يجدونه في ذلك.

ذلك ما كان عليه الأمر حال حياته - صلى الله عليه وسلم - أما بعد وفاته فقد كان من الصحابة من أحجم عن كتابتها متابعة منهم لما حدث من بعضهم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرصًا منهم على سلامة الكتاب، وعدم الاشتغال عنه بالسنة المكتوبة؛ بل حرصًا منهم أيضًا على السنة نفسها إذ كان من المتعذر استيعابها، ولو اكتفى بكتابة ما عرف منها لم يؤمن أن يترك منها ما لم يعرفه الكاتبون بحجة أنَّه لو كان صحيحًا ما تركت كتابته، وكان منهم من أقدم على كتابتها وكتبها تلاميذهم بين أيديهم بل وأمروا بكتابتها، كما ثبت ذلك، مما روي عن علي، وعن ابن عباس، والحسن، وأنس، وغيرهم؛ بل كان منهم من كتبها بعد أن كان كارهًا لذلك أول الأمر، لما قام عنده حينئذٍ من أسباب المنع، فلما رأى أنها قد زالت كتبها وأمر بكتابتها، ونرى ذلك فيما روي عن ابن مسعود، وأبي سعيد، إذ كانوا يكرهون كتابتها، ثم كتبوا بعد ذلك؛ فقد روي أنهم كتبوا التَّشهد والاستخارة، وليس ذلك إلا من السنة[59]، ثم هم جميعًا مع هذا كانوا شديدي الحرص على العمل بها، لا يرون لأنفسهم مندوحة في إغفالها وتركها، فكانوا إذا عرض لهم من الأمور ما ليس في كتاب الله حكمه رجعوا إلى السنة، فبحثوا فيها وسألوا عنها، لا يألون في ذلك، حتى إذا عجزوا أن يجدوا فيه سنة اجتهدوا واسترشدوا بكتاب الله وسنة رسول الله، عملاً بقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[60].

وإنا لنرى أن في كتب الخلفاء إلى أمرائهم وولاتهم فيما سئلوا عنه منهم مما أشكل عليهم حكمه مما لم يعلموا فيه سنة، وما كانت تحويه هذه الكتب من سنة في حكم ما سئلوا عنه - دليلاً على عناية الخلفاء بنشر السنة وإبلاغها، وأن ذلك إنما كان منهم عند الحاجة حيث كان الظن بالأمراء والولاة أنهم من المختارين الذين هم على عِلم بكتاب الله وسنة رسوله وطريق اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - وأنهم قل أن يعرض عليهم ما يجهلون حكمه أو يجهله من معهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهذا لم تكن هناك حاجة داعية إلى نشر السنة على الأمراء والولاة في قراطيس ترسل إليهم، لما كان عندهم من علم، وعلى ذلك كان من التجاوز في الرأي أيضًا قول هؤلاء المنحرفين: لو كانت السنة أصلاً في الدين لعمل الخلفاء على نشرها، ولم يكن منهم شيء من ذلك.
أما ما روي من عدم إقبال بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على روايتها والتحديث بها عند الحاجة إلى ذلك؛ لأنهم أحرص الناس على ألا يحق عليهم قول الله تعالى في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ}[61].

وإنما كانوا زاهدين في ذلك عند عدم الحاجة إليه؛ خوفًا من أن يحمله عنهم من لا يضبطه، فيزيد فيه أو ينقص، أو من يرويه بمعناه فيخطئ في فهمه، ويرويه على غير وجهه، وفي المرويات الكثيرة المتواترة المعنى ما يدل على مبلغ حرص أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته على العمل بالسنَّة وعدم مخالفتها، وأن ما كان من خلاف بينهم في أمر جاءت به إنما كان مرده إلى الخلاف في الفَهْم دون جنوح من أحدهم إلى إرادة الخروج عليها وعدم العمل بها، وعلى الجملة فوجوب العمل بالسنة والعمل بها كان أمرًا مجمعًا عليه عقب وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمصار والولايات، ولم يظهر خروج عن ذلك إلا بعد ظهور الفتن وظهور الفرق، كالمعتزلة، والفلاسفة، والجهمية، وغيرهم، ممن لا وزن لخلافهم بعد هذا الإجماع الذي استمر نحو قرن من الزمان.
أما القول بأن السنة قد تأخر تدوينها إلى زمن أوهن الثقة بضبطها، فهو قول أملاه الهوى والغرض على صاحبه؛ لأنه أغفل ما كان لعلماء السنة من جهود كبيرة شاقة في مكافحة التحريف والتغيير والوضع، مما أمن معه عند تدوينها في النصف الثاني من القرن الأول أن يكون فيما دون منها شيء من ذلك، وذلك بقدر ما وصلت إليه جهودهم، وبخاصة إذا لوحظ ما أتاحه الله لها من طرق حفظها، وصيانتها التي ظلت متصلة عبر تلك المدة التي سبقت تدوينها، حتى تم تدوينها على خير ما أدت إليه الرغبة الشديدة الملحة والقدرة الدائمة المتمكنة، مما لا يرتفع إليه شك ولا تصاحبه ريبه، وكان الأمر فيها رجحان الظَّن بصحة نسبتها، وبراءتها من التغيير والتَّحريف، مما أوجب على جميع المسلمين العمل بها.

رد الشبهة الثالثة - رواية الحديث بالمعنى:
ليس لهذه الشبهة قيام إلا إذا كان من أثرها الشك في صحة الحديث، وفقدان الظن بصحة نسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسنة كما نعلم منها المقطوع به، ومنها المظنون، والمقطوع به لا يصلح محلاًّ لهذه الشبهة، إذ في القطع به إزالة ونفي لكل شك ولكل ريبة، أما المظنون فهو الذي يصلح أن يكون محلاًّ لبحث هذه الشبهة والنظر فيها، والمظنون كما تعلم إذا كان الظن بصحة نسبته راجحًا وجب العمل به، وإلا لم يجب به العمل، وبناء على ذلك لا يكون لهذه الشبهة أثر إلا فيما عمل به، إذا كان من أثرها الشك فيه وعدم الظن بصحة نسبته، أما مع وجود هذا الظن بصحة نسبته فالعمل به واجب، ولا أثر لاحتمال الخطأ بروايته بالمعنى، لأنه احتمال يبعده الدليل.
لقد كان الصحابة والتابعون وأتباعهم يتثبتون في قبول الأخبار وروايتها، شديدي الورع والخشية عند روايتهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أراد أن يعلمهم إياه، من بيان في دين الله، أو حديث في إفتاء أجاب به في سؤال رفع إليه، أو قضاء في نزاع فصل فيه، وذلك إذا ما دعا إلى روايتهم ذلك حادثة عرضت لهم، يود الراوي منهم لو كفي مؤونة ذلك، مخافة ألا تكون روايته على وفق ما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك ما دلت عليه آثار عديدة، رويت حول تثبت الصحابة في الرواية، وميل بعضهم إلى الإقلال منها مخافة الوقوع في الخطأ[62].

ولقد كان كثير منهم شديد الحرص على نقل الحديث بألفاظه؛ كما سمعوه من الرسول، كما يدل على ذلك كثير من تلك الآثار المروية، وكما كان منهم من ترخص عند الحاجة في الرواية بالمعنى، فكان لا يجد حريجة في روايته حديثًا بمعناه إذا ما أعوزه اللفظ لنسيان، مع الإشارة إلى أن ما يرويه ليس بما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لفظ، وذلك بأن يضيف إلى الحديث ما يدل على ذلك من نحو: هكذا، نحوًا من هذا - قريبًا من هذا - كما قال[63]، وذلك لوثوقه من فهمه، ومن معرفته باللغة العربية، ودلالتها، وأساليبها، وطرائق استعمالها، والإحاطة بمعاني ألفاظها.

وخلاصة القول في ذلك أن رواية الحديث بالمعنى كانت محل خلاف بينهم، منهم من منعها وأبى ألا يروي حديثًا إلا بلفظه الذي سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو نقل عنه، ومنهم من أجاز ذلك بحجة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشرع للناس في جميع أحواله وأزمانه، وفي كل مكان يحل فيه، وليس من المتيسر أن يوجد معه في كل أوقاته وأماكنه الحافظ الضابط الذي يستطيع حفظ لفظ كما سمعه، والمحافظة عليه دون نسيان أو تغيير، وللناس جميعًا حاجة فيما شرع، ولا تندفع إلا بإبلاغهم، وليس يتيسر إبلاغهم دائمًا بما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عبارة، لذلك وجب الاكتفاء بإبلاغ المعنى مع المحافظة عليه، وذلك أمر ميسور، ولا مشقة فيه.

وإلى هذا كان من شرعه ما هو تقرير لما حدث أمامه من قول أو فعل، وليس يروى ذلك إلا بما يدل عليه من ألفاظ لم تصدر عن الرسول، وإذا كان ذلك سبيلاً معتبرًا لرواية السنن الفعلية كان سبيلاً كذلك لرواية السنن القوليَّة.
ويؤيد هذا الرأي ما رواه عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة - رضي الله عنها -: يا بني يبلغني أنك تكتب الحديث عني ثم تعود فتكتبه، قلت لها: أسمعه منكِ على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره، فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قلت: لا، قالت: لا بأس - وعن محمد بن سيرين ربما سمعت الحديث عن عشرة كلهم يختلف في اللفظ، والمعنى واحد[64].

وكذلك خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع خطبته وهي خطبة لم يكررها، ومع ذلك رويت بروايات عديدة، تختلف في ألفاظها وعباراتها، كما تختلف بالزيادة والنَّقص، مما يقطع أنها قد رويت بالمعنى دون أن يكون في ذلك حرج.
ويؤيد هذا أن الله - سبحانه وتعالى - قد قص علينا من أنباء الرسل ما قد سبق أن قصَّه، فكررها بألفاظ مختلفة في مواضع متعددة، ونقلها من ألسنة أصحابها إلى اللسان العربي مع مخالفة بعضها بعضًا في التَّقديم والتَّأخير، والزيادة والنقصان؛ ولكن مع اتحاد المعنى، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسل سُفراءه ورسله فينقلون رسائله ويترجمونها إلى غير اللُّغة العربية، مع المحافظة على معناها، وذلك ما يقطع بجواز الرواية بالمعنى عند المُحَافظة عليه، ولذلك مال كثير من التابعين إلى هذا الرأي، فأجازوا لأنفسهم الرواية بالمعنى عند حاجتهم إلى ذلك حتى لا يكون امتناعهم عن الرواية في هذه الحال كتمانًا لما أنزل الله من حكم، وذلك ما توعد عليه سبحانه وتعالى إذ قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ}[65].

وقد اشترط لجواز الرواية بالمعنى شروط يؤمن معها التَّغيير في الحديث بالزيادة أو بالنقص أو الاختلاف في المعنى، فأَوْجَبُوا أن يكون الراوي ثقة في دينه معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث، ويغيرها من الألفاظ، وذلك لا يتوفر إلاَّ إذا كان عالمًا بلغات العرب ووجوه أساليبها، بصيرًا بالمعاني والفِقه، فمن لم يكن بهذه الصفة كان أداء اللفظ له لازمًا، ولم تجز له الرواية بالمعنى[66]، وإذا توفرت هذه الشروط في الراوي كان احتمال الخطأ بالنسبة إليه أشبه بالأمر الموهوم الذي لا يؤبه له، ولا يصح الالتفات إليه، ولا اتخاذه أساسًا لرد القول أو تركه، وبخاصة إذا لاحظت ما كان عليه السلف من أمانة، وثقة، وورع، وصدق دين، ويقين، ولاحظت مع ذلك أن لكثير من الأحاديث على كثرتها وتعددها طرقًا متعددة لا ترى خلافًا بينها في المعنى، وفي تعددها أمان من وقوع الخطأ فيها من ناحية المعنى، وعلى هذا الأساس يكون الظَّن بصحة الرواية بالمعنى قائمًا راجحًا، ومعه يجب العمل، لما قدَّمنا من قيام الدَّليل القاطع على وجوب العمل بالظَّن، فيما لا يتعلَّق بأصول الدين التي يكفر جاحدها، وهو ما علم من الدين بالضَّرورة، والقول في ذلك مفصل في كتب الأصول.

وجوب العمل بخبر الآحاد:
قلنا فيما سبق: إنَّه على هذه الشبهة أو على مثلها قام رأي فريق من أهل الفرق والأهواء؛ كالرافضة، والفلاسفة، وبعض المعتزلة، فذهبوا إلى عدم وجوب العمل بخبر الآحاد، وقد يرى رأيهم هذا بعضُ المنحرفين من أهل هذا العصر، وهو رأي يقضي على السنَّة جمعاء إذ ليس بعد السنة العملية المتواترة التي جاءت ببيان ما فرضه الله من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، إلا أخبار الآحاد، وقلَّ أن تجد سنة قوليَّة قد اتفق على تواترها، ومن ذلك يرى أنه قول ينتهي إلى عدم وجوب العمل بالسنة وإغفالها كلها، وما كان لمثل هذا القول أن يكون له وجود بعد الذي تواتر نقله من اعتماد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخبار الآحاد في تبليغ دعوته، وتشريع أحكامه، وبعد الذي قام عليه إجماع المسلمين بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ركونهم في معاملاتهم، وقضائهم، وفتاويهم، وعباداتهم إلى أخبار الآحاد، وبخاصة إذا لوحظ أن ما أثاره أصحاب هذا الرأي من شبهة في سبيل وجوب العمل بأخبار الآحاد ليس بالأمر ذي البال الذي يقوم على نظر صحيح، ومنطق سليم، وليس يستعصي على النظر العادي دحضه وقصوره في الوصول إلى النتيجة التي رتبوها عليه، ولقد عني كثير من العلماء بدحض هذا الرأي، وإظهار فساده، وانحرافه عن الجادة، وكتبوا فيه الفصول الضافية الممتعة المقنعة، وزخرت بها كتب الأصول في مختلف العصور، ولكن أول مَن تصدَّى لذلك وأفاض فيه وأحسن القول، وبسطه وبرع في بيان فساده، وكان من جاء بعده عيالاً عليه الإمام الشافعي - رحمه الله - في رسالته، فقد بسط الموضوع من جميع جوانبه، واستوعب أدِلَّتَهُ حتَّى لم يترك بعدَهُ مقالاً لقائل، فليقرأه من أراد في ذلك علمًا ويقينًا واطمئنانًا، وهو في الرسالة من صفحة 401 طبعة الحلبي.
والله الموفق إلى الهدى والصواب.


المراجع:
1 - فتح الباري على صحيح البخاري.
2 - النووي على صحيح مسلم.
3 - مسند أحمد.
4 - سنن الدرامي.
5 - السنة ومكانتها في التشريع للسباعي.
6 - ظُلُمَات أبي رية لمحمد عبدالرازق حمزة.
7 - الكفاية في علم الرواية للخطيب.
8 - المحدث الفاصل للرامهرمزي.
9 - الرسالة للإمام الشافعي.
10 - الأم للإمام الشافعي.
11 - الباعث الحثيث لابن كثير.
12 - منهاج السنة لابن تيميَّة.
13 - معالم السنن للخطَّابي.
14 - قواعد التَّحديث للقاسمي.
15 - الإحكام في أصول الأحكام .
16 - إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية.
17 - الأنوار الكاشفة لعبدالرحمن بن يحيى اليماني.
18 - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.
19 - تدريب الراوي للسيوطي.
20 - توجيه النظر لطاهر الجزائري.
21 - جامع بيان العلم لأبي عمر يوسف بن عبدالبر.
22 - السنة قبل التدوين للدكتور عجاج الخطب.
23 - نشأة علوم الحديث للدكتور عجاج الخطب.
24 - تقييد العلم للخطيب.
25 - الموافقات للشاطبي.
26 - سيرة ابن هشام.
27 - إرشاد الفحول للشوكاني.

[1] "القاموس": مادة سن.
[2] رواه أحمد، والترمذي، والنسائي.
[3] 62 من سورة الأحزاب.
[4] انظر أيضًا: "قواعد التَّحديث"، و"توجيه النَّظر"، و"إرشاد الفحول" للشوكاني في بيان معنى السنة.
[5] "الزرقاني على الموطأ" ج 1 ص 3.
[6] السنَّة قبل التَّدوين نقلاً عن "تدريب الراوي"، ومنهج ذوي النظر.
[7] أي سقط ثمره - وتأبير النَّخل: تلقيحه وإصلاحه.
[8] "صحيح مسلم"، و"شرح النَّووي" جـ 15 ص 17، ص 18.
[9] "سيرة ابن هشام" جـ 2 ص 272، طبعة الحلبي سنة 1939.
[10] "صحيح مسلم"، و"شرح النووي" جـ 11 ص 30.
[11] المرجع السابق جـ 12 ص 68.
[12] "صحيح البخاري" جـ 7 من كتاب الطلاق ص 48، طبعة سنة 1312 هـ بولاق.
[13] "معالم السنن" للخطَّابي على "سنن أبي داود" جـ 5 ص 346، ص 351.
[14] 105 سورة النساء.
[15] 89 سورة النحل.
[16] 19 الأنعام.
[17] 41، 42 من سورة فصلت.
[18] 11 من سورة النساء.
[19] 24 من سورة النساء.
[20] 33 من سورة الأعراف.
[21] 157 من سورة الأعراف.
[22] 64 من سورة النحل.
[23] 4 من سورة إبراهيم.
[24] 44 من سورة النحل.
[25] جـ 1 ص 243 مطبعة النيل.
[26] "الموافقات" جـ 4 ص 8، وما بعدها طبعة مصطفى محمد.
[27] 181 من سورة البقرة.
[28] 2 من سورة النور.
[29] "الموافقات" جـ 4 ص 11.
[30] 38 من سورة الأنعام.
[31] 89 من سورة النحل.
[32] 59 من سورة النساء .
[33] 20 من سورة الأنفال.
[34] 56 من سورة النور.
[35] 7 من سورة الحشر.
[36] 69 من سورة النساء.
[37] 80 من سورة النساء.
[38] 157 من سورة الأعراف.
[39] 63 من سورة النور.
[40] 36 من سورة الأحزاب.
[41] 62 من سورة النور.
[42] "منهاج السنة" جـ 4 ص 118.
[43] 9 من سورة الحجر.
[44] "المحدث" للرامهرمزي، و"نشأة علوم السنة"، "السنة قبل التدوين".
[45] 38 من سورة الأنعام.
[46] 89 من سورة النحل.
[47] 9 من سورة الحجر.
[48] 28 من سورة النجم.
[49] 36 من سورة الإسراء.
[50] 44 من سورة النحل.
[51] 64 من سورة النحل.
[52] 4 من سورة إبراهيم.
[53] النجم: 3 - 5.
[54] النحل: 43.
[55] "مكانة السنة" ص 169، وانظر "الرسالة" 20، ص 43.
[56] "المحدث الفاصل".
[57] "تقييد العلم"، "النووي على مسلم"، "فتح الباري على البخاري"، "سنن الدارمي"، "مسند أحمد".
[58] "فتح الباري"، "الباعث الحثيث"، "السنة قبل التدوين"، "مكانة السنة"، "تأويل مختلف الحديث".
[59] "السنة قبل التدوين"، "تقييد العلم".
[60] 59 من سورة النساء.
[61] 159 من سورة البقرة.
[62] "الكفاية".
[63] "المحدث الفاصل"، "جامع بيان العلم".
[64] "المحدث الفاصل"، "جامع بيان العلم".
[65] 159 من سورة البقرة.
[66] "الرسالة"، "المحدث الفاصل".



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: