منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الشاعر محمود سامي البارودي -----رب السيف والقلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الزعيم
عضو متألق
عضو متألق


عدد المساهمات : 602
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: الشاعر محمود سامي البارودي -----رب السيف والقلم   الأربعاء 15 مايو - 17:51

الشاعر محمود سامي البارودي -----رب السيف والقلم
محمود سامي بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري شاعر مصري. رائد مدرسة البعث والإحياء في الشعر العربي الحديث، وهو أحد زعماء الثورة العرابية وتولى وزارة الحربية ثم رئاسة الوزراء بإختيار الثوار له.

نشأته

ولد في 27 رجب 1255 هـ / 6 أكتوبر 1839 م في دمنهور البحيره لأبوين من أصل شركسي من سلالة المقام السيفي نوروز الأتابكي (أخي برسباي). وكان أجداده ملتزمي إقطاعية إيتاي البارود بمحافظة البحيرة ويجمع الضرائب من أهلها. يعتبر البارودي رائد الشعر العربي الحديث الذي جدّد في القصيدة العربية شكلاً ومضموناً.
نشأ البارودي في أسرة على شيء من الثراء والسلطان، فأبوه كان ضابطا في الجيش المصري برتبة لواء، وعُين مديرا لمدينتي بربر ودنقلة في السودان، ومات هناك وكان محمود سامي حينئذ في السابعة من عمره.

دراسته

تلقى البارودي دروسه الأولى فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ النحو والصرف، ودرس شيءًا من الفقه والتاريخ والحساب، حتى أتم دراسته الابتدائية عام 1267 هـ/ 1851محيث في هذة المرحلة لم يكن سوى مدرسة واحدة لتدريس الرحلة الابتدائية وهى مدرسة المبتديان وكانت خاصة بالأسر المرموقة وأولاد الأكابر ومع انة كان من اسرة مرموقة فان والدتة قد جلبت لة المعلمين لتعليمة في البيت ، ثم انضم وهو في الثانية عشرة من عمره بالمدرسة الحربية سنة 1268 هـ / 1852م، فالتحق بالمرحلة التجهيزية من المدرسة الحربية المفروزة وانتظم فيها يدرس فنون الحرب، وعلوم الدين واللغة والحساب والجبر، بدأ يظهر شغفًا بالشعر العربي وشعرائه الفحول، حتى تخرج من المدرسة المفروزة عام 1855 م برتبة "باشجاويش" ولم يستطع استكمال دراسته العليا، والتحق بالجيش السلطاني
حياته العملية
العمل بالخارجية

عمل بعد ذلك بوزارة الخارجية وسافر إلى الأستانة عام 1857م، وتمكن في أثناء إقامته هناك من إتقان التركية والفارسية ومطالعة آدابهما، وحفظ كثيرًا من أشعارهما، وأعانته إجادته للغة التركية والفارسية على الالتحاق بقلم كتابة السر بنظارة الخارجية التركية وظل هناك نحو سبع سنوات 1857-1863. ولما سافر الخديوي إسماعيل إلى العاصمة العثمانية بعد توليه العرش ليقدم آيات الشكر للخلافة، ألحق البارودي بحاشيته، فعاد إلى مصر في فبراير 1863م، عينه الخديوي إسماعيل معيناً لأحمد خيري باشا على إدارة المكاتبات بين مصر والأستانة.

العودة للعسكرية

ضاق البارودي برتابة العمل الديواني وحنّ إلى حياة الجندية، فنجح في يوليو عام 1863م بالانتقال من معية الخديوي إلى الجيش برتبة بكباشي، وأُلحقَ بآلاي الحرس الخديوي وعين قائدالكتيبتين من فرسانه، وأثبت كفاءة عالية في عمله. في أثناء ذلك اشترك في الحملة العسكرية التي خرجت سنة (1282 هـ / 1865م) لمساندة الجيش العثماني في إخماد الفتنة التي نشبت في جزيرة كريت، واستمر في تلك المهمة لمدة عامين أبلى البارودي بلاء حسنًا، وقد جرى الشعر على لسانه يتغنى ببلده الذي فارقه، ويصف جانبًا من الحرب التي خاض غمارها، في رائعة من روائعه الخالدة التي مطلعها:
أخذ الكرى بمعاقد الأجفان وهفا السرى بأعنة الفرسان
والليل منشور الذوائب ضارب فوق المتالع والربا بجران
لا تستبين العين في ظلماته إلا اشتعال أسِنَّة المران
(الكرى: النوم، هفا: أسرع، السرى: السير ليلاً، المتالع: التلال، ضارب بجران: يقصد أن الليل يعم الكون ظلامه).

بعد عودة البارودي من حرب كريت تم نقله إلى المعية الخديوية ياور خاصًا للخديوي إسماعيل، وقد ظل في هذا المنصب ثمانية أعوام، ثم تم تعيينه كبيرًا لياوران ولي العهد "توفيق بن إسماعيل" في (ربيع الآخر 1290 هـ = يونيو 1873م)، ومكث في منصبه سنتين ونصف السنة، عاد بعدها إلى معية الخديوي إسماعيل كاتبًا لسره (سكرتيرًا)، ثم ترك منصبه في القصر وعاد إلى الجيش.
ولما استنجدت الدولة العثمانية بمصر في حربها ضد روسيا ورومانيا وبلغاريا والصرب، كان البارودي ضمن قواد الحملة الضخمة التي بعثتها مصر، ونزلت الحملة في "وارنة" أحد ثغور البحر الأسود، وحاربت في أوكرانيا ببسالة وشجاعة، غير أن الهزيمة لحقت بالعثمانيين، وألجأتهم إلى عقد معاهدة "سان استفانوا" في (ربيع الأول 1295 هـ / مارس 1878م)، وعادت الحملة إلى مصر، وكان الإنعام على البارودي برتبة "اللواء" والوسام المجيدي من الدرجة الثالثة، ونيشان الشرف؛ لِمَا قدمه من ضروب الشجاعة وألوان البطولة.
كان أحد أبطال ثورة عام 1881 م الشهيرة ضد الخديوي توفيق بالاشتراك مع أحمد عرابي، وقد أسندت إليه رئاسة الوزارة الوطنية في 4 فبراير 1882 م حتى 26 مايو 1882م. بعد سلسلة من أعمال الكفاح والنضال ضد فساد الحكم وضد الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882 قررت السلطات الحاكمة نفيه مع زعماء الثورة العرابية في 3 ديسمبر عام 1882 إلى جزيرة سرنديب (سريلانكا).

حياته في المنفى

ظل في المنفى بمدينة كولومبو أكثر من سبعة عشر عاماً يعاني الوحدة والمرض والغربة عن وطنه، فسجّل كل ذلك في شعره النابع من ألمه وحنينه. وفي المنفى شغل البارودي نفسه بتعلم الإنجليزية حتى أتقنها، وانصرف إلى تعليم أهل الجزيرة اللغة العربية ليعرفوا لغة دينهم الحنيف، وإلى اعتلاء المنابر في مساجد المدينة ليُفقّه أهلها شعائر الإسلام.وطوال هذه الفترة قال قصائده الخالدة، التي يسكب فيها آلامه وحنينه إلى الوطن، ويرثي من مات من أهله وأحبابه وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه ولهوه وما آل إليه حاله، ومضت به أيامه في المنفى ثقيلة واجتمعت عليه علل الأمراض، وفقدان الأهل والأحباب، فساءت صحته، بعد أن بلغ الستين من عمره اشتدت عليه وطأة المرض وضعف بصره فقرر عودته إلى وطنه مصر للعلاج، فعاد إلى مصر يوم 12 سبتمبر 1899م وكانت فرحته غامرة بعودته إلى الوطن وأنشد أنشودة العودة التي قال في مستهلها:
أبابلُ رأي العين أم هذه مصرُ فإني أرى فيها عيوناً هي السحرُ

وفاته

بعد عودته إلى القاهرة ترك العمل السياسي، وفتح بيته للأدباء والشعراء، يستمع إليهم، ويسمعون منه، وكان على رأسهم شوقي وحافظ ومطران، وإسماعيل صبري، وقد تأثروا به ونسجوا على منواله، فخطوا بالشعر خطوات واسعة، وأُطلق عليهم "مدرسة النهضة" أو "مدرسة الأحياء. توفي البارودي في 12 ديسمبر 1904م بعد سلسلة من الكفاح والنضال من أجل استقلال مصر وحريتها وعزتها.

من آثاره

ديوان شعر في جزئين، - (للتحميل)
مجموعات شعرية سُميّت مختارات البارودي، جمع فيها مقتطفات لثلاثين شاعرا من الشعر العبّاسي،
مختارات من النثر تُسمّى قيد الأوابد، - (للتحميل)
نظم البارودي مطولة في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، تقع في أربعمائة وسبعة وأربعين بيتا، وقد جارى فيها قصيدة البوصيري البردة، قافية ووزنا وسماها، كشف الغمّة في مدح سيّد الأمة، مطلعها :
يا رائد البرق يمّم دارة العلم واحْد الغَمام إلى حي بذي سلم

مؤلفات عن محمود سامي البارودي

نفوسة زكريا - البارودي حياته وشعره- القاهرة 1992.
السماح عبد الله – مختارات من شعر محمود سامي البارودي – مكتبة الأسرة – القاهرة، 2005.
علي الحديدي - محمود سامي البارودي شاعر النهضة- مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة 1969.
شوقي ضيف – البارودي رائد الشعر الحديث – دار المعارف – القاهرة 1988م.
((شعراء النهضة العربية تاليف السيد فالح الحجية \ الشاعرمحمود سامي البارودي))
إسماعيل مزهر – بناء الجملة في شعر البارودي – رسالة ماجستير، 2010م.

ومن أجمل شعره ما قاله في الشيخوخة :

خلق الشيب جدتي وكساني # خلعة منـــه رثــــة الجلبـــــاب
ولوى شعر حاجبي على عيــ # ني حتــــى أطـــل كالـــــــهدَاب
لا أرى الشىء حين يسنح إلا# كخيـــــــال كأنني في ضبـــــاب
وإذا ما دعيت حرت كأني # أسمع الصوت من وراء حجاب
كلما رمت نهضة أقعدتني # ونيـــة لا تقــلـــــها أعصابــــي
لم تدع صولة الحوادث مني #غيــر أشـــــلاء همة في ثيـــاب
فجعتني بوالديَ وأهلي # ثـــــم أنحت تكـــر فـــي أترابــي
كل يوم يزول عني حبيب #يا لقلبي من فرقة الأحبـــــــــاب

ولعل من أجمل ما قيل في الرثاء قصيدته في رثاء زوجته :

لا لوعتي تدع الفؤاد ولا يدي # تقوى على رد الحبيب الغادي
يا دهر فيم فجعتني بحليلــة ؟ # كانت خلاصة عدتي وعتـــادي
إن كنت لم ترحم ضناي لبعدها # أفلا رحمت من الأسى أولادي
أفردتهن فــلم ينمن توجــــــعا # قرحى العيون رواجف الأكباد
ألقين در عقودهن وصغن من # در الدموع قلائـد الأجيــــــــاد
يبكين من وله فراق حفيـــــة # كانت لهــن كثيرة الإســـــــعاد

وهذه أبيات جميلة في عزة نفسه نفس الفارس العربي:

سواي بتحنان الأغاريد يطـــرب # وغيري باللذات يلهو ويعجب
وما أنا ممن تأسر الخمر لبـــه # ويملك سمعيه اليراع المثقب
ولكن أخو هم إذا ما ترجــــحت # به سورة نحو العلا راح يدأب
نفي النوم عن عينيه نفس أبية # لها بين أطراف الأسنة مطلب
ومن تكن العلياء همة نفســـه # فكل الذي يلقاه فيـــــها محبب
إذا أنا لم أعط المكارم حقـــها # فلا عزني خال ولا ضمني أب

وللزهد في حياته مكان:

كل حي سيموت # ليس في الدنيا ثبوث
حركات سوف تفنى # ثم يتــــــلوها خفوت
أين أملاك لهم في # كل أفـــق ملكــــوت
زالت التيجان عنهم # وخلت تـلك التخوت
عمرت منهم قبور # وخلت منهم بيـــوت
لم تذد عنهم نحوس الــ# ـدهر إذ حانت بخوت
إنما الدنيا خيال # باطل ســـوف يفوت
ليس للإنسان فيها # غير تقوى الله قوت.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الزعيم
عضو متألق
عضو متألق


عدد المساهمات : 602
تاريخ التسجيل : 12/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الشاعر محمود سامي البارودي -----رب السيف والقلم   الأربعاء 15 مايو - 17:53


ـــــــــــــــــــ
بحث في شعر محمود البارودي
مظاهر التجديد في شعر محمود سامي البارودي
أ.د.صالح الجميلي /العراق / كلية التربية/ جامعة تكريت


التمهيد

نشأ محمود سامي البارودي في عصر انقطعت فيه الصلة بين الشعراء في جميع الأقطار العربية وأسلافهم القدماء انقطاعا ابعد أشعارهم عن كل جمال وبهاء ، فإذا هي لغو من القول ، وضحالة من المعاني وركاكة في التأليف يتكلفونها ليقدموها مديحا وتهنئة وتعزية لمن يظنون انه يدفع عنهم عاديات الحياة ومن العبث أن نبحث في هذا اللغو عن شعر أو شعور بالجمال ، يبعث في نفوسنا اللذة الفنية ، إنما هي معان سقيمة وأساليب فاسدة زادها إغراقهم في المحسنات اللفظية سوءاً على سوء .
ولم تكد تتفتح موهبة البارودي حتى انصرف عن هذا اللغو المنظوم إلى روائع الشعر العربي القديم يسيغها ويتمثلها بكل ألحانها وكل تصويرها وكل معانيها وأسرارها الفنية وسرعان ما استخلص لنفسه هذا المنبع الصافي العذاب ، وهو منبع يغذيه القديم بأحسن ما فيه ، ويغذيه وجدانه وعصره وقومه ، وبذلك لم يعد الشعر تعبيرا سقيما عن أغراض ضيقة لا تصور منشأ الشاعر ولا ظروفه ولا زمانه ولا أمته ولم يعد يجري في ركاب صاحب سلطان أو جاه أو مال .
في هذا البحث عرفت بالشاعر ـ حياته وعصره وشعره ومنزلته ـ بدأت بحياته و نشأته وتعلمه في المدرسة الحربية وتوظفه في وزارة الخارجية في الأستانة (استنبول) ونهله هناك من الآداب الفارسية والتركية وعودته إلى مصر والتحاقه بسلاح الفرسان مع بعض الكتائب المصرية في حروب العثمانيين في جزيرة (كريت) ، ثم تناولت علاقته بالخديوي توفيق عندما استعان بالإنكليز لحمايته ، فاحتلوا البلاد وكيف التفّت القوى الوطنية حول الثائر مصطفى كامل .
وصورت شعر البارودي وما هي العناصر المكونة لهذه الشاعرية منها موهبته النادرة ، ومنها العامل الوراثي وتعلمه فنون الحرب وتزوده بالآداب العربية والفارسية والتركية ، ومنها ما يعود إلى دراسته لروائع الشعر العربي القديم مما اكسبه السليقة العربية الأصيلة ويبدو شاعرنا في بداية حياته ، كأنما طبعت في نفسه أحاسيس الفارس العربي القديم من حماسة ووصف للحروب وحب وخمر وشعور بجمال الطبيعة ، فنراه يرسل زفراته نارا متأججة ، فيشارك الثوار انتفاضتهم وتخفق الثورة ويرسل مع جماعته الثائرين مكبلين إلى باخرة لتبحر بهم إلى جزيرة (سرنديب) (سريلانكا) حاليا ، وهناك يشدو بغناء حزين مصوراً أشواقه وحنينه الدفين ، باكيا زوجته قرة عينه ومن أودى بهم الموت من أصدقائه بكاء يعتصره من قلبه فقد كان في المنفى يعنى بشعره عناية كبيرة ، حتى تكتمل روائعه الشعرية وتخرج إلى الناس محكمة في بنائها مصقولة ومنقحة تنقيحا لا يجد الناقد فيها ما يعيبها .
توصل هذا البحث إلى أن البارودي يعد حامل لواء الشعر العربي الحديث مهما اختلفت مدارسه وتفاوتت مذاهبه بين المحافظة والتجديد ، ويمكن القول انه هو الذي مكن لمصر أن ينشأ فيها شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم من عمالقة الشعر العربي الحديث .

حياته :


ولد محمود سامي البارودي عام 1838م بمصر وتوفي فيها عام 1904م لأبوين من الجراسكة ، وكان أبوه حسن حسين بك البارودي من أمراء المدفعية ثم صار مديرا لـ (بربر) و (دنقلة) في عهد محمد علي باشا والي مصر ، وكان جده لأبيه عبد الله بك الجرسكي كشافا في عهد محمد علي مأمورا وكان أحد أجداد الشاعر مراد بن يوسف شاويش ملتزما في العصر العثماني لبلدة (آيتاي البارود) إحدى بلاد محافظة البحيرة ، ومن ثم لقب البارودي نسبة إليها وحمل أبناؤه هذا اللقب .
وكان أجداده يرقون بنسبهم إلى المماليك حكام مصر وكان الشاعر شديد الاعتزاز بهذا النسب في شعره وفي كل أعماله ، الذي كان له فيه اثر قوي في جميع أدوار حياته وفي المصير الذي انتهى أليه .
يتم البارودي وهو في السابعة من عمره تلقى دروسه الأولى في البيت حتى بلغ الثانية عشرة ، ثم التحق في المدرسة الحربية وتخرج فيها عام 1845م وهو في السادسة عشرة من عمره ، ولسوء حظ الأدب وسوء حظه أن ولاية مصر قد آلت آنذاك إلى عباس الأول ثم إلى سعيد وكان عباس قد عدل عن خطة محمد علي حين رأى الدولة العثمانية تنظر إلى الجيش المصري بعين الريبة والقلق لذا تعطلت النهضة التي كانت متصلة بالجيش في الصناعة والتعليم .
( وبعد مؤتمر لندن اصبح الجيش المصري مقصوص الأجنحة فلا يستطيع نهوضا ) ، فكر البارودي بان يترك الجيش بل يترك الوطن ويذهب إلى الآستانة حاضرة الدولة الكبرى ، لعلها تحقق له من المجد الساطع ما لم يحققه له الجيش ، فالتحق بوزارة الخارجية ، وفرحت ربة الشعر بهذا الجو الجديد الذي سيتيح له أن يدعم صلته بالآداب التركية ، وكان قد ثقف منها شيئاً في المدرسة الحربية فإذا به يصحب الأتراك ويصحب أدباءهم في حياته الأدبية ، فإذا له شعر ونثر تركيان .
على أن ربة الشعر قد عقدت صلة بينه وبين الآداب الفارسية فتعلم آدابها وأتقنها ، ثم اخذ ينظم فيها مثلما ينظم في اللغة التركية ، وكأنما أرادت ـ ربة الشعر ـ أن تهيء له الأسباب التي هيأتها للشعراء الفحول في أوائل العصر العباسي الذين قد بعثوا الشعر العربي بعثا جديداً ، فلم يترك ديوانا لشعراء العرب الكبار ألا قراه ، حفظ من هذه الدواوين الكثير ، وملا حقائبه بتحفها النفيسة ، يساعده طائفة من النساخ .
كانت إقامة البارودي في الآستانة نعمة على شاعريته الخصبة ، بما أستوعبه من الآداب التركية والفارسية والأدب العربي وبينما كان شاعرنا يفكر بالعودة إلى مصر ، إذا بالخديوي إسماعيل يزور الآستانة ليشكر السلطان على تنصيبه واليا على مصر فالتحق البارودي بحاشية الوالي وعاد إلى مصر .
وبذلك يختم البارودي الدورة الأولى من حياته ، ولم يلبث بعد وصوله مصر أن رقي إلى رتبة (مقدم) ثم عين قائدا لفرقتين من فرق الفرسان ، وسرعان ما أوفد إلى فرنسا مع فرقة من الضباط ليشاهدوا الاستعراض العسكري السنوي للجيش الفرنسي ، وعبر بحر المانش مع فرقة من الضباط إلى إنكلترا ليشاهدوا بعض من الأعمال العسكرية والآلات الحربية ، وفي أثناء ذلك يجول بصره في المناظر الطبيعية المبثوثة في البلدين .
اندلعت ثورة ضد الدولة العثمانية في جزيرة (كريت) عام (1866م) وقرر البارودي أن يمدها بفرقة مصرية ، توجه البارودي مع الفرقة وأبلى في حرب الثوار بلاء حسنا ، وكافاته الدولة ببعض الأوسمة ، وفي هذه الحرب نظم نونيته المشهورة :
أخَذَ الكَرَىَ بَمِعَاقِدِ الأجْفانِ وهَفا السُرَى بأعنة الفرسانِ
وفي الحرب الروسية التركية ( كان البارودي من خير من رموا عن هذه القوس ) ، وتضطرب أمور البلاد اضطراباً انتهى بمجيء الخديوي توفيق بدلاً عن أبيه إسماعيل ، وتسقط وزارة وتحل مكانها أخرى ، ويتنقل البارودي بين وزارتي الأوقاف والحربية ثم يثور الجيش بقيادة احمد عرابي يشاركه البارودي ومجموعة من الضباط الوطنيين .
وفي عام 1882م نفي إلي جزيرة (سرنديب) مع مجموعة من رفاقه الثوار اطل شاعرنا على ساحل مصر ليلقي عليه نظرة الوداع ، وما تكاد الباخرة تغادر ارض النيل حتى ترتفع عواطف الشاعر الدافقة لتتحول إلى مشهد حزين ينتهي آلي تجربة صادقة تجسدها قصيدته النونية التي يبدؤها بقوله :

ولما وقفنا للوداع وأسبلت
أهبت بصبري أن يعود فعزّني
وما هي ألا خطرة ثم أقلعت

مدامعنا فوق الترائب كالمزنٍ
وناديت حلمي أن يثوب فلم يغن
بنا عن شطوط الحي أجنحة السفن

التجديد في شعر البارودي :

نتناول ألان منزلة الشاعر في الأدب العربي وهل كان شاعرنا صدى للشعراء الذين تأثر بهم ؟ أم انه استقل ورسم له طريقا خاصا وكوّن لنفسه شخصية أدبية تبقى خالدة ؟
1_ الوصف : يعد الوصف جديداً لدى البارودي ، وذلك لما بعث فيه من لمسات تعبر عن سعة ثقافته واستقلال منهجه حيث أفرد ، للوصف قصائد مستقلة ، ولم يأت به ـ أي الوصف ـ عرضا في ثنايا القصائد ، لان شاعريته وحواسه المرهفة وتذوقه للجمال كانت تدفعه إلى قول الشعر ووصف مشاهداته لاكما هي في الطبيعة ، ولكنه يخرجها ملونه بلباس جديد لتمثل شخصيته وشعوره وأفكاره .
وموضوعات الوصف التي عالجها البارودي في شعره عديدة ومتنوعة منها :

أ_ وصف مظاهر الطبيعة :

يصف شاعرنا الليلة العاصفة الممطرة ويجعلنا نحس بقوة الرعد وعزف الرياح وشآبيب المطر ، وسواد تلك الليلة ووحشتها ، ويصف النجوم وجمالها ويصف السحاب الممطر والبرق والرعد وتأثيرها في الإنسان والأرض ، كما يصف البحر الهائج والريح العاتية تعلو الموج فتحيله جبالا شامخة الذرى ، كما يصف الجبال والغابات ، فهو مصور ماهر في وصف الطبيعة يقول :
وليلة ذات تهتان وأنديــــة كأنما البرق فيها صارم سلـط
لف الغمام أقاصيها ببردتـــه و آنهلّ في حجرتيها وابل سبط
بهماء لا يهتدي الساري بكوكبها من الغمام ولا يبدو بها نمـط
ومربع لنسيم الفجر هينمـــة فيه وللطير في أرجائه لغــط
وللنسيم خلال النبت غلـــغلة كما تغلغل وسط اللمة المشـط
وللسماء خيوط غير واهية تكاد تجمع بالأيدي فترتبـــط
في هذه الأبيات يسمو البارودي بإحساسه وبراعة تصويره لنتأمل كيف وصف النسيم وهو يمر من خلال النبات وخيوط المطر وهي تنزل من السماء .
كما تغنّى كثيرا بمفاتن الطبيعة في وطنه كقوله يصف الربيع :

عم الحيا واستنت الجـداول وفاضت الغداران والمناهـلُ
وازينت بنورها الخمائــل وغردت في أيكها البلابــلُ
والباسقات الشمخ الحوامل مشمورة عن سوقها الذلاذلُ
ملوية في جيدها العثاكـل معقودة في رأسها الفــلائلُ

في هذه الأبيات يقف شاعرنا طويلا أمام النخيل والسواقي ثم يقدم لنا صورا جميلة ، فأغصان النخيل كأنها ذلاذل أو نهايات قميص ، وقد شمرتها النخيل حتى أعناقها ، ولوت في جيدها العثاكل أو عذق بلح وشماريخ وعقدت في رأسها فلائلها أو أليافها المجتمعة ، تبدو لنا معانيه قريبة وتشبيهاته واضحة غير متكلفة ، وخياله واف لا إغراب فيه .

ب_ وصف الأشخاص :

يبدو البارودي مصورا ماهرا في شعره ، وتبدو على لوحته دخائل النفوس وأسرار القلوب والحركات والإشارات ، وينطبق الكلام ذاته على وصفه للمعارك وميادين القتال وأدواته ، وإذا كان وصف الحروب من الموضوعات القديمة التي تناولها الشعراء قبله ، فان تصوير الأشخاص من الموضوعات النادرة التي أجاد فيها قليل من فحول الشعر العربي .
البارودي يصف البلغار في بلادهم حين رافق الحملة المصرية لحرب الروس :

لاد بها ما بالجحيم ، وإنـــما مكان اللظى ثلح بها وجليدُ
تجمعت البلغار والروم بينـــها وزاحمها التتار فهي حشودُ
إذا راطنوا بعضهم سمعت لصوتهم هديرا تكاد الأرض منه تميدُ
قباح النواصي والوجوه كأنهــم لغير أبي هذا الأنام جنـودُ
لهم صور ليست وجوهاً وإنــما تناط إليها أعينُ وخــدود
يصف شاعرنا رطانتهم وعجمة ألسنتهم وقبح رؤوسهم ووجوههم حتى كأنهم ليس من البشر ، وأن وجوههم متشابهة لا تستطيع التفريق بينها ، بل لا يريد أن يعترف بان لهم وجوها وإنما هي صور وضعت فيها أعين وخدود ، وفي الأبيات آلاتية يذم البارودي شخصا ويصفه بالنهم والجشع بقوله :
وصاحب لا كان من صاحب أخلافه كالمعدة الفاســدهْ
اقبح ما في الناس من خصلة احسن ما في نفسه الجامدهْ
لوأنه صوّر من طبعــــه كان لعمري عقربا راصـدهْ
يصلح للصفع لكي لا يــرى في عدد الناس بلا فائــدهْ
يغلبه الضعف ولكنـــــه يهدم في قعدته المائـــدهْ
يراقب الصحن على غفلــة من أهله كالهرة الصائــدهْ
جـ _ وصف الأشياء الأخرى كالسجن والقطار والخمر يقول في وصف السجن :
[/color]
شفني الوجد وأبلاني السهر وتغشتني سمادير الكـدرْ
فسواد الليل ما إن ينقضي وبياض الصبح ما إن ينتظرْ
لا أنيس يسمع الشكوى ولا خبر يأتي ، ولا طيف يمـرْ
بين حيطان وباب موصـدٍ كلما حرّكه السجان صـرْ
كلما درت لأقضي حاجـة قالت الظلمة : مهلا لا تدرْ
ففي هذه الأبيات يبدو شاعرنا واقعيا يصور مأساة السجن ، يصف فيها مشاعر السجين بكل دقائقها .

د_ ولم ينس شاعرنا مجد آبائه المماليك الذين حكموا مصر ، يستحضر هذا المجد في مجد وطنه مصر وما كشفه علم الآثار من أمجاد المصريين القدماء ، صور البارودي ذلك في قصيدة وصف فيها الهرمين وهي أول قصيدة حديثة في الآثار الفرعونية يقول فيها :
سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر لعلك تدري بعض ما لم تكن تــدري
بناءان ردّا صولة الدهر عنهمـــا ومن عجب أن يغلبا صولة الـــدهر
أقاما على رغم الخطوب ليشهــدا لبانيهما بين البرية بالفخـــــــر
فكم أمم في الدهر بادت وأعصــر خلت ، وهما أعجوبة العين والفكر
وليست هذه القصيدة الوحيدة التي أشاد فيها بالأهرام وبقدماء المصريين يقول في قصيدة أخرى :
أي شيء يبقي على الحدثان والمنايا خصيم الحيــــوانِ

ويقول في قصيدة ثالثة :

بقوة العلم تقوى شوكة الأمــم فالحكم في الدهر منسوب إلى القلمِ
فانظر إلى الهرمين المائلين تجد غرائبا لا تراها النفس في الحلم

هـ _ وصف المخترعات الحديثة :

كان البارودي حريصا على أن يستمد تشبيهاته من هذه المخترعات مثل الكهرباء وآلة التصوير رغبة منه في تمثيل عصره أحيانا أو إثارة الطرافة لدى المتلقي نلحظ كيف انه استعار الكهرباء في غزله في قوله :
وسرت بجسمي كهرباءة حسنه فمن العروق به سلوك تخبرُ
ويقول :
آلا يا لقومي من غزال مريـب يجول وشاحاه على فنن رطـبِ
تعرض لي يوما فصورت حسنه ببلورتي عيني في صفحة القلبِ
كما يقول :
فالعقل كالمنظار يبصر ما نأى عنه بعيدا دون لمس باليد
ويقول :
شفت زجاجة فكري فارتسمت بها عليك في منطقي في لوح تصوير
2_
الشعر السياسي :

من الأغراض القديمة التي خلع عليها البارودي لباس الجدة ولامستها بوادر التجديد ، وظهرت فيها شخصيه واضحة جلية تعبر عن نفسه الأبية المتمرد على الظلم و الاستبداد ، يدعو شاعرنا إلى حب العدالة والشورى والمساواة بين الناس في شعره السياسي مما دفعه إلى أن يحتل مركز الصدارة بين أبناء شعبه وأمته واصبح زعيما وطنيا محبوبا لذلك زج به في غياهب السجن ، وابعد عن وطنه ولكنه لم يكفْ عن هذا الشعر الوطني والسياسي على الرغم مما لقيه من نفي وتشريد ومرض ، وظل هذا الشعر يحرق الطغاة المتجبرين ، لذلك طالت مدة نفيه عن دياره ولم يسمح له الحكام بالعودة إلى وطنه إلا أن دب إلى جسمه دبيب الفناء وأصابه الضعف والهزال وفقد بصره .
يبدو البارودي في قصائده السياسية محباً للحرية متمرداً على الظلم شأنه شأن كل رجل شجاع يدافع عن وطنه ، ولعل للوراثة والنشأة التي نشأها أثراً في هذا الموقف ، غذّاه مما حفظه من شعر الحماسة عند العرب القدماء (23) وهم أبطال الحرية في فيافيهم ، وكان شعرهم سجلا صادقا لمكارم أخلاقهم ، كل هذا اثّر في البارودي بعد أن اطلع على دواوين الشعر العربي القديم وهو بعد غر صغير حيث رسخت هذه الصفات والخلال الحميدة في ذهنه ، وشب مطبوعا عليها يتمثلها نماذج يحتذيها ويود أن يحققها عملا في الحياة يقول :

لا عيب فيّ سوى حرية ملكت أعنّتي من قبول الذل بالمالِ
تبعت خطة آبائي فسرت بهـا على وتيرة آداب وآمــالِ

حقق شاعرنا في قصائده السياسية والوطنية حين انتقل بها من عالم الفردية الذاتية التي يعيش فيها إلى عالم ارحب وأوسع هو خدمة الوطن ، وتحوّل من معالجة محور الحياة الخاصة الذي يدور فيه إلى مجال النضال الوطني الكبير ، ثورة يريدها أن تمتد من نفسه إلى أبناء شعبه فتساعدهم ليستأصلوا أسباب ذلهم وعلة ظلمهم .
كان البارودي في شعره السياسي ناقدا اجتماعيا وثائرا وطنيا ومصلحاً صريحا شديد الحرص على حرية أبناء بلده ناقدا لهوانهم وذلهم وتهاونهم في الرد على الظلم والسكوت عليه يقول :
وكيف ترون الذل دار إقـــامـة وذلك فضل الله في الأرض واسـعُ
أرى رؤوساً قد أينعت لحصادهــا فأين ـ ولا أين ـ السيف القواطعُ ؟
فكونوا حصيدا خامدين أو افزعـوا إلى الحرب حتى يدفع الضيم دافـع
أهبت فعاد الصوت لم يقض حاجـة أليّ ولبّاني الصدى وهو طائـــعُ
فلم ادرِ أن الله صور قبلكـــــم تماثيل يخلق لهن مسامـــــعُ
وكثيرا ما تغنى بمصر وجمالها وسحرها لاسيما في المنفى إذ ظلت تلك القصائد تؤكد مشاعره تجاه وطنه وأحبابه يقول :

فيا (مصر) مدّ الله ظلك وآرتوى ثراك بسلسال من النيل دافــقِ
ولا برحت تمتار منك يد الصـبا أريجا يداوي عرفه كل ناشــقِ
فانت حمى قومي ومشعب أسرتي وملعب أترابي ، ومجرى سوابقي
بلاد بها حل الشباب تمائمـــي وناط نجاد المشرفيّ بعانقـــي
والبارودي يتجاوز تصوير المشاهد الحسية إلى تصوير المشاعر النفسية ، ولعل اكبر حالة نفسية صعبة عاشها شاعرنا هي غربته في جزيرة (سرنديب) في أثناء مرحلة نفيه إلى تلك الجزيرة ، اتسمت أشعاره في تلك الحقبة بالحسرة واللوعة واللهفة وتنوعت في تأثيرها ـ أي الغربة ـ على مشاعره ونفسيته تمخض ذلك عن اجمل القصائد التي يحن فيها إلى بلده مصر .
والحنين من الظواهر القديمة في الشعر العربي ، يبدو في مطالع القصائد مع وصف الأطلال وفي النسيب والغزل ، ولكن البارودي بزّ أقرانه في هذا المضمار إذ ظل يتجرع غصص الغربة المريرة سبعة عشر عاما وكان بارعا في الوصف والتصوير ، أخذ يصور حسرته وجزعه وتارة يبدو ذلك في التغني بالوطن والديار أو في بكاء الشباب وأيام البهجة أو في بكاء الحبيبة ـ زوجته ـ التي انقطعت بينه وبينها الأسباب أو في وصف الغربة أو حنينه إلى فلذات كبده وتارة يتوجه إلى رثاء بعض أصدقائه وزوجته قال البارودي في حب مصر :
بلد نشأت مع النبات بأرضها ولثمت ثغر غديرها المتبسـمِ
فنسيمها روحي ومعدن تربها جسمي وكوثر نيلها محيا دمي
فإذا نطقت فبالثناء على الذي أولته من فضل عليّ وانعــمِ
هي جنة الحسن التي زهراتها حور المها وهزار أيكتها فمـي
ما أن خلعت بها سيور تمائمي حتى لبست بها خمائل مخذمـي )
3_ الهجاء :
الهجاء نوعان : شخصي وهو ما تعارف عليه شعراء العربية ، واجتماعي يراد به التهكم الذي يصور عيبا من عيوب المجتمع وذلك لغرض الإصلاح وقد يتمثل هذا العيب الاجتماعي في شخص من الأشخاص ، والدارس لشعر البارودي يجد نوعين من الهجاء : الشخصي والاجتماعي ، واكثر من الهجاء الاجتماعي لعله يسهم في إصلاح مجتمعه ، نجده يشكو الناس ونفاقهم وظلمهم وغدرهم ويصور قومه ويعدد عيوبهم ، كما يذم زمانه وينعى على معاصريه تلونهم وعدم وفائهم في صداقاتهم لاسيما وانهم خذلوه وآذوه لذا تميز هجاء البارودي بأنه هجاء لاذع وساخر إذ يصب هجاؤه على جماعة أو أفراد يضعهم في لوحة بارعة الأبعاد كثيرة الجزئيات تتفاعل فيما بينها لتنمو في إطار اللوحة العامة وهي اشد ما تكون قسوة وامتهاناً .

يقول :

أنا في زمان غادر ومعاشـر يتلونون تلون الحربــاءِ
أعداء غيب ليس يسلم صاحب منهم واخوة محضر ورخاءِ
اقبح بهم قوما ؟ بلوت إخاءهم فبلوت اقبح ذمة و إخــاءِ
قد اصبحوا للدهر سبة ناقــم في كل مصدر محنة وبـلاءِ
واشد ما يلقى الفتى في دهـره فقد الكرام وصحبة اللؤمـاءِ
شقي ابن آدم في الزمان بعقله إن الفضيلة آفة العقـــلاءِ

ومن هجائه الشخصي قوله :

وغد تكوّن من لؤم ومن دنس فما يغار على عرض ولا حسبِ
يلتذ بالطعن فيه والهجاء كما يلتذ بالحك والتظفير ذو الجربِ

يعد هذا الهجاء الاجتماعي جديداً في شعر البارودي ، فقد صور في هذا الشعر عصره والناس ملونا بشعره الخاص ، وحسبنا من الشاعر الحقيقي أن يصور ما يختلج في صدره من عواطف غير متكلفة ولا مصطنعة تقوم على المجاملات والنفاق الاجتماعي والمدح الكاذب .

4_ الرثاء :

امتازت مراثي البارودي بصدق الإحساس ورقة العاطفة لذا فنه لم يرث صديقا أو قريبا إلا كان رثاؤه صادقا بعيدا عن شعر المناسبات ، ويبدو على شعره الحزن العميق بعد أن تسلم خبر وفاة زوجته وتعد هذه القصيدة من عيون الشعر العربي في رثاء الزوجات يقول :

أَيَدَ المنون قدحت أي زنـــاد أطرت أية شعلة بفــــؤادي
أوهنت عزمي وهو حملة فيلق وحطمت عودي وهو رمح طراد
لا ادري هل خطب ألم بساحتي فأناخ ، أم سهم أصاب سوادي ؟
أقذى العيون فأسبلت بمدامـع تجري على الخدين كالفرصـاد
ما كنت احسبني أراع لحـادث حتى منيت به فأوهـــن آدي
أبلتني الحسرات حتى لم يكـد جسمي يلوح لأعين الـــعوّاد
استنجد الزفرات وهي لوافـح وأسفه العبرات وهي بــوادي

ويقول في رثاء ولده علي :

كيف طوتك المنون يا ولدي ؟ وكيف أودعتك الثرى بيدي ؟
واكبدي يا علي بعـــدك ! لو كانت تبل الغليــل (واكبدي) !!
فقدك سل العظام منـــي ور دّ الصبر عني وفتّ في عضدي
كم ليلة فيك لا صباح لـــها سهرتها باكيا بلا مـــــددِ
دمع وسهد وأي ناظـــــرة تبقى على المدمعين والسهـدِ ؟
لهفي على لمحة النجابة ! لو دا مت الى ان تفوز بالســــددِ
ما كنت ادري إذ كنت أخشى عليـ ك العين أن الحمام بالرصــدِ
فاجأني الدهر فيك من حيث لا أعـ لم ختلا ، والدهر كالأســــدِ
لولا اتقاء الحياء لا عتضت بالــ حلم هياما يحيق بالجلــــدِ
لكن أبت نفسي الكريمة أن اثـــ لم حد العزاء بالكمــــدِ

5_ الفخر :

أما فخر البارودي فلم يتناوله لغرض تقليد الآخرين ، بل لدواعٍ تتعلق بشخصيته الطموحة ، فلو أنعمنا النظر في أية قصيدة من قصائده في الفخر لوجدنا فيها معاني الإباء والشمم ، والاعتزاز بالنسب ، والتغني بالشجاعة والإشادة بالمواقف الصعبة التي تمثل طموحاته وتجاربه الحياتية يقول شاعرنا مفتخراً :

أبى الدهر إلا أن يسود وضيعــه ويملك أعناق المطالب وغـــدهُ
تداعت لدرك الثأر فينا ثعـالــة ونامت على طول الوتيرة أســدهُ
فحتامَ نسري في دياجير محـــنة يضيق بها عن صحبة السيف غمدهُ
إذا المرء لم يدفع يد الجور إن سطت عليه فلا يأسف إذا ضاع مجــدهُ
ومن ذل خوف الموت كانت حياتـه اضر عليه من حمام يـــــؤدّهُ
علام يعيش المرء في الدهر خاملاً ؟ أيفرح في الدنيا بيوم يعـــــدّهُ
يرى الضيم يغشاه فيلتذ وقعــــه كذي جرب يلتذ بالحك جلــــدهُ
عفا على الدنيا إذا المرء لم يعــش بها بطلاً يحمي الحقيقة شــــدّهُ
من العار أن يرضى الفتى بمذلــة وفي السيف ما يكفي لأمر يعــدهُ

أما ما قاله البارودي في الزهد فهو قليل ولم نلمس فيه ما يدل على التجديد وإنما كان مقلدا لسابقيه وتخلل هذا الشعر بعض المواعظ والحكم التي استمدها من خلال تعامله مع الناس وتبدو على زهدياته لمسات من التشاؤم المنبعث من المصائب التي تعرض لها في حياته يقول :

كل حي سيمـــوت ليس في الدنيا ثبوتْ
حركات سوف تفنـى ثم يتلوها خفــوت
وكلام ليس يحلــو بعده إلا السكــوت
أيها السادر قل لـي أين ذاك الجبــروت ؟
أين أملاك لهم فـي كل أفق ملكــــوت
زالت التيجان عنهمْ وخلت تلك التخــوت

ومن حكمه قوله :

ومن تكن العلياء همة نفسه فكل الذي يلقاه فيها محببُ

ومن حكمه الأخرى قوله :

من صاحب العجز لم يظفر بما طلبا فاركب من العزم طرفا يسبق الشهبا
لا يدرك المجد إلا من إذا هتفــت به الحمية هز الرمح وانتصــــبا
لا يقعد البطل الصنديد عن كــرم من جاد بالنفس لم يبخل بما كســبا

مما تقدم نخلص إلى القول : إن البارودي من أول المجدين في الشعر العربي الحديث ، وهو تجديد يقوم على نقطتين : بعث الأسلوب القديم في الشعر بحيث تعود إليه جزالته ورصانته وتصوير الشاعر لنفسه وقومه وبيئته وعصره تصويرا مخلصا صادقا .
كما حاول البارودي التجديد في الأوزان فنظم قصيدة على وزن جديد هو مجزوء المتدارك ، ولم يسبق للعرب أن نظموا فيه ، و إنما ورد المتدارك عندهم كاملا أو مشطوراً .
واغلب الظن أن الظروف التي ساعدت على أن يكون البارودي رائدا للشعر العربي الحديث تتمثل في :
1_ حفظ واستظهر البارودي النماذج الرائعة من الشعر العربي القديم .
2_ الثقافة الواسعة التي تتوزع بين العربية والتركية والفارسية .
3_ الجنس التركي الذي ظهر طابعه في شعره الذي يقوم على الاعتداد بالنفس والفخر بالنسب والسعي نحو الطموح ومنه الطموح الأدبي ليعيد مجد آبائه وأجداده .
4_ البيئة المصرية وهي العنصر الأساس الذي أمده بمادة تجاربه وصوره الواقعية الناضجة .
وتأسيساً على ما تقدم تبين لنا أن البارودي يعد حامل لواء الشعر العربي الحديث ، فقد خلصه من أساليبه الركيكة المبتذلة ، وقيوده البديعية وأغراضه الضيقة التي كانت تقتصر على الزلفى والتملق ، ونفخ فيه من روحه وروح قومه وعصره وبيئته ما بعث في شعرنا الحديث الحياة كما نفخ فيه روح العروبة ، فإذا الحاضر يتصل بالماضي اتصالاً خصباً حيّاً وإذا الماضي ينبعث من جديد بعثا تبرز فيه الشخصية العربية وانبعثت في ظل شعره مدرسة البعث أو الإحياء أو النهضة ومن ابرز أعلامها : إسماعيل صبري ، حافظ إبراهيم ، احمد شوقي ، وخليل مطران ، بل استظلت بظله جميع المدارس التجديدية التي تلته في القرن العشرين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الشاعر محمود سامي البارودي -----رب السيف والقلم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: الادب والشعر والنثر[ Section literary ] :: الادب والشعر - القصائد( Poems)-
انتقل الى: