منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الإجتهاد في الشريعة الإسلامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:36

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
الإجتهاد في الشريعة الإسلامية

معنى الاجتهاد

الاجتهاد في اللغة: مشتق من مادة: (ج هـ د) بمعنى: بذل الجهد (بضم الجيم) (وهو الطاقة) أو تحمل الجهد (بفتح الجيم) وهو المشقة.

وصيغة "الافتعال" تدل على المبالغة في الفعل، ولهذا كانت صيغة "اكتسب" أدل على المبالغة من صيغة "كسب".

فالاجتهاد في اللغة: استفراغ الوسع في أي فعل كان، ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة، وجهد، فيقال: اجتهد في حمل حجر الرحا، ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة.

وأما في اصطلاح الأصوليين، فقد عبروا عنه بعبارات متفاوتة، لعل أقربها ما نقله الإمام الشوكاني في كتابه "إرشاد الفحول" في تعريفه بقوله: "بذل الوسع في نبل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط".

وبعض الأصوليين لم يكتف بكلمة "بذل الوسع" وجعل بدلها كلمة "استفراغ الوسع" بل زاد الإمام الآمدي على ذلك فقال في تعريفه: "هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه" فجعل الإحساس بالعجز عن المزيد جزءا من الحد والتعريف، أما الإمام الغزالي فجعل ذلك جزءا من تعريف "الاجتهاد التام".

هذا مع أن العبارة الأولى كافية، إذ ليس على المكلف إلا بذل وسعه، كما قال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [البقرة: 286] وإنما قالوا ذلك ليسدوا الطريق على المتسرعين والمقصرين الذين يخطفون الأحكام خطفا، دون أن يجهدوا أنفسهم في مراجعة الأدلة، والتعمق في فهمها، والاستنباط منها، والنظر فيما يعارضها.

ونص الإمام الشافعي رضي الله عنه على أن المجتهد لا يقول في المسألة: لا أعلم، حتى يجهد نفسه في النظر فيها، ولم يقف. (أي على علم بحكمها) كما أنه لا يقول: أعلم، ويذكر ما علمه، حتى يجهد نفسه ويعلم.

ومما يدل على هذا المعنى ما جاء في حديث إرسال معاذ إلى اليمن ـ وسيأتي بعد ـ إنه قال في قضائه فيما لم يجده في كتاب ولا سنة: اجتهد برأيي ولا آلو. أي لا أقصر.

قال الشوكاني في شرح التعريف:

أ. فقولنا: بذل الوسع: يخرج ما يحصل مع التقصير، فإن معنى بذل الوسع، أن يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب.

ب. ويخرج بـ "الشرعي" اللغوي والعقلي والحسي، فلا يسمى من بذل وسعه في تحصيلها "مجتهدا" اصطلاحا.

ج. وكذلك بذل الوسع في تحصيل الحكم العلمي "الاعتقادي" فإنه لا يسمى اجتهادا عند الفقهاء، وإن كان يسمى اجتهادا عند المتكلمين.

د. ويخرج "بطريق الاستنباط" نيل الأحكام من النصوص ظاهرا، أو حفظ المسائل أو استعلامها من المفتي، أو بالكشف عنها في كتب العلم، فإن ذلك ـ وإن كان يصدق عليه الاجتهاد اللغوي ـ لا يصدق عليه الاجتهاد الاصطلاحي.

وقد زاد بعض الأصوليين في هذا الحد لفظ "الفقيه" فقال: بذل الفقيه الوسع..الخ قال الشوكاني: ولا بد من ذلك، فإن بذل غير الفقيه وسعه لا يسمى اجتهادا اصطلاحا. ومن لم يذكر هذا القيد فهو ملاحظ عنده، إذ لا يستطيع نيل الحكم بطريق الاستنباط إلا الفقيه، والمراد بالفقيه هنا: المتهيئ للفقه الممارس له، وعبروا عنه بقولهم: من أتقن مبادئ الفقه بحيث يقدر على استخراجه من القول إلى الفعل، وليس المراد: من يحفظ الفروع الفقهية فقط، على ما شاع الآن، لأن بذل وسعه ليس باجتهاد اصطلاحا.

وهذا قيد مهم، فإن كثيرا من المشتغلين بالعلوم الإسلامية الأخرى كعلم الكلام أو التصوف أو السيرة أو التاريخ، ونحوها وبعض الخطباء والوعاظ البلغاء يقحمون أنفسهم في ميدان الاجتهاد، ويفتون برأيهم في أعوص المسائل، وهم بعيدون عن ساحة الفقه، والغوص في بحاره، وكل ميسر لما خلق له، كما أن مجرد حفظ فروع الفقه ومسائله في مذهب أو أكثر لا يجعل من صاحبه فقيها قادرا على الاجتهاد والاستنباط، وسيأتي مزيد بحث لهذا في شروط المجتهد



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:39

العلم بالقرآن الكريم
لا يستطيع المتهيئ للفقه أن ينال رتبة الاجتهاد إلا بشروط بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. أما المتفق علي، فهو ما يأتي:

فالقرآن هو كتاب الإسلام، والمصدر الأول لتشريعه وتوجيهه، وهو ـ كما قال الشاطبي ـ كلية الشريعة ـ وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر المسلمة، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) [النحل:89]. فلا بد من معرفته لأن من لم يعرف القرآن لم يعرف شريعة الإسلام.

وقد ذكر الغزالي هنا تخفيفين:

أحدهما: أنه لا يشترط معرفة جميع الكتاب، بل ما يتعلق بالأحكام منه، قال: وهو مقدار خمسمائة آية.

ووافق الغزالي على هذا التقدير القاضي ابن العربي، والرازي وابن قدامة والقرافي وغيرهم.

واعترض على الغزالي ومن وافقه هنا من عدة أوجه:

أولا: أن آيات الأحكام أكثر من ذلك، فقد نقل عن الإمام عبد الله بن المبارك تقديرها بتسعمائة آية. وقيل أكثر من ذلك.

وعلق الشوكاني على تقدير الغزالي بقوله:

"ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر، للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ذلك بل من له فهم صحيح، وتقدير كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال".

"قيل: ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات لا بطريق التضمن والالتزام".

"وقد حكى الماوردي عن بعض أهل العلم: أن اقتصار المقتصرين على العدد المذكور إنما هو لأنهم رأوا مقاتل بن سليمان، أفرد آيات الأحكام في تصنيف وجعلها خمسمائة آية".

ثانيا: ما ذكره العلامة القرافي من أن استنباط الأحكام إذا حقق لا تكاد تعرى عنه آية. فإن القصص أبعد شيء عن ذلك، والمقصود منها الاتعاظ.. وكل آية وقع فيها ذكر عذاب أو ذم على فعل كان ذلك دليل تحريم ذلك الفعل، وكل ما تضمن مدحا أو ثوابا على فعل، فذلك دليل طلب ذلك الفعل وجوبا أو ندبا.

وقال الطوفي الحنبلي: "قل أن يوجد في القرآن آية لا يستنبط منها شيء من الأحكام".

ثالثا: ما قاله العلامة الحنفي ابن أمير الحاج: "إن تمييز آيات الأحكام من غيرها متوقف على معرفة الجميع بالضرورة.

فهناك كثير من الموضوعات تثار في جوانب شتى من الحياة، يستدل على جوازها أو منعها من القرآن الكريم.

ومنذ سنوات حينما ثار الجدل بين بعض العلماء وبعض حول صعود الإنسان إلى القمر، كان منهم من يمنع ذلك مستندا ـ في زعمه ـ إلى الآيات التي تشير إلى حفظ السماء: (وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا) [فصلت:12].

وكان آخرون يستدلون على إمكان ذلك وجوازه شرعا بمثل قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) [سورة الرحمن:33].

قالوا: والسلطان هنا هو سلطان العلم!

والذين توسعوا في التفسير (العلمي) للقرآن، ومحاولة استخراج القوانين والحقائق العلمية من بين آياته، كانوا يستدلون بمثل قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) [الأنعام:38].

والإمام الغزالي حاول أن يستدل على شرعية تعلم المنطق وصحته بآيات استنبطها من القرآن العزيز.

وهذه الآيات قد لا يسلم لمن استدلوا بها على الجواز أو المنع، ولكن المجتهد عليه أن يحيط بها، ويكون له في فهمها رأي مستقل، موافق أو مخالف.

ومثل ذلك ما ثار من نحو نصف قرن حول ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى وما استشهد به المؤيدون والمعارضون من آيات تشهد لهم، وتسندهم في دعواهم، وجلها أو كلها من القرآن المكي، وهي بمعزل عن آيات الأحكام المعهودة.

والذي أرجحه: أن يكون للمجتهد اطلاع عام على معاني القرآن كله هذا مع توجيه عناية خاصة إلى الآيات التي لها صلة وثيقة بالأحكام. وهذه يلحظها المجتهد وإن كانت بين ثنايا القصص والمواعظ، ولهذا رأيناهم ذكروا في آيات الأحكام ما يؤخذ من قصة الخضر مع موسى عليه السلام، مثل جواز ارتكابه أخف الضررين تفاديا لأشدهما، ومنه خرق السفينة حتى يجدها الملك الظالم معيبة فلا يأخذها غصبا.

وما ذكره في قصة يوسف من الجعالة والكفالة: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) [يوسف:72].

ومشروعية بعض صور الحيلة لتحقيق أغراض مشروعة، كما صنع يوسف مع أخيه.

ونحن في عصرنا نجد في قصة يوسف من الدلالة على مشروعية التخطيط الاقتصادي لمواجهة الأزمات من العمل الدائم على زيادة الإنتاج: (تزرعون سبع سنين دأبا) [يوسف:47]، وتنظيم الادخار (فما حصدتم فذروه في سنبله) [يوسف:47]، وتقليل الاستهلاك (إلا قليلا مما تأكلون) [يوسف:47]، والإشراف عليه (يأكلن ما قدمتم لهن) [يوسف:48] وهكذا.

ومثل ذلك ما نجده في قصة ذي القرنين.

والتخفيف الثاني: الذي ذكره الغزالي هنا: أنه لا يشترط فيما يطلب معرفته من الآيات حفظها عن ظهر قلب، بل يكفي أن يكون عالما بمواضعها بحيث يطلب فيها الآية المحتاج إليها في وقت الحاجة.

ولا ريب أن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب أولى، ويجعل صاحبه أقدر على استحضار الآيات المطلوبة في موضوعه بدون معاناة تذكر، ولكن قد وجدت اليوم فهارس تعين غير الحافظ على استحضار ما يريد في موضوعه بسهولة، وحسبنا هنا "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم" والفهارس الموضوعة للقرآن مثل كتاب "تفصيل آيات القرآن الكريم" وإن كان لا يشبع النهم.

معرفة أسباب النزول

ومما يدخل في العلم بالقرآن الكريم: العلم بأسباب نزوله، فإن العلم بها يلقي ضوءا على المقصود بالنص القرآني، وإن كان الراجح عند الأصوليين أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

يقول الإمام الشاطبي في "موافقاته":

"معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:

أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطب أو المخاطب، أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام، لفظه واحد، ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال: وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة كل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد، ومعنى معرفة السبب هو معرفة مقتضى الحال، وينشأ عن هذا الوجه.

الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع.

ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي، قال: "خلا عمر ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، قال: فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه، فأرسل إليه، فقال أعد علي ما قلت، فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه".. قال الشاطبي:

وما قاله صحيح في الاعتبار، ويتبين بما هو أقرب.

فقد روى ابن وهب عن بكير: "أنه سأل نافعا: كيف كان رأي ابن عمر في الحروية؟ قال: يراهم شرار خلق الله، إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن.

وروى "أن مروان أرسل بوابه إلى ابن عباس، وقال قل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس: مالكم ولهذه الآية؟ إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرأ: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) – إلى قوله: (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) [آل عمران:187،188]" فهذا السبب بين أن المقصود من الآية غير ما ظهر لمروان.

وقد عنى المفسرون بأسباب النزول ودونوها في كتبهم، كما أفردها بعضهم بكتب خاصة مثل كتاب الواحدي، وكتاب "لباب النقول بأسباب النزول" للسيوطي.

ولكن مما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن كثير من أسباب النزول لم تثبت صحتها وجملة الصحيح منها قليل جدا.

معرفة الناسخ والمنسوخ

ومما عنى به الأصوليون في معرفة القرآن: العلم بالناسخ والمنسوخ منه، حتى عده بعضهم شرطا مستقلا، وإنما شددوا في ذلك حتى لا يستدل بآية على حكم، وهي في الواقع منسوخة غير معمول بها!

ولا بد من التنبيه هنا على بعض الحقائق الهامة

أولا: أن بعض المؤلفين أكثروا من القول بالنسخ في القرآن، حتى قال من قال منهم أن آية السيف نسخت أكثر من مائة آية في القرآن! ويقابل هؤلاء من أنكر النسخ بالكلية في القرآن مثل أبي مسلم الأصفهاني الذي يحكي قوله الفخر الرازي في تفسيره، ويظهر منه في بعض الأحيان الميل إليه.

وبين هؤلاء وهؤلاء من توسط في الأمر، مثل السيوطي الذي أوصل الآيات المسنوخة إلى عشرين، والمتأمل فيها يجد أكثرها لا نسخ فيه.

ولهذا أوصلها الإمام الدهلوي إلى خمس آيات فقط.

ونحا الشيخ الخضري في كتابه "تاريخ التشريع" هذا النحو.

ثانيا: أن النسخ في لغة السلف أعم من النسخ في اصطلاح المتأخرين، كما نبه على ذلك كثير من المحققين مثل ابن القيم والشاطبي وغيرهما.

فقد ذكر الشاطبي في "الموافقات": أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين: فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جئ به آخرا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به.

وهذا المعنى جاز في تقييد المطلق، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ، وكذلك العام مع الخاص، إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار، فأشبه الناسخ والمنسوخ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول، والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق، فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني، لرجوعها إلى شيء واحد.

ولابد من أمثلة تبين المراد: فقد روى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) [الإسراء:18] إنه ناسخ لقوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) [الشورى:20] وعلى هذا التحقيق تقييد لمطلق إذ كان قوله: (نؤته منها) مطلقا ومعناه مقيد بالمشيئة، وهو قوله في الأخرى (لمن نريد) وإلا فهو إخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ.

وقال في قوله: (والشعراء يتبعهم الغاوون) إلى قوله: (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) هو منسوخ بقوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا) الآية!

قال مكي: "وقد يذكر عن ابن عباس في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء إنه قال: (منسوخ) قال: وهو مجاز لا حقيقة، لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه، بينه حرف الاستثناء أنه في بعض الأحيان الذين عمهم اللفظ الأول: والناسخ منفصل عن المنسوخ رافع لحكمه، وهو بغير حرف" هذا ما قال. ومعنى ذلك أنه تخصيص للعموم قبله، ولكنه أطلق عليه لفظ النسخ، إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص.

وقال في قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) [النور:27] أنه منسوخ بقوله: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة) الآية [النور:29] وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء، غير أن قوله: (ليس عليكم جناح) يثبت أن البيوت في الآية الأخرى إنما يراد بها المسكونة.

وقال في قوله: (انفروا خفافا وثقالا) [التوبة:41] إنه منسوخ بقوله (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) [التوبة:122] والآيتان في معنيين، ولكنه نبه على أن الحكم بعد غزوة تبوك: أن لا يجب النفير على الجميع.

وقال في قوله تعالى: (قل الأنفال لله والرسول) [الأنفال:1] منسوخ بقوله: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه) [الأنفال:41] وإنما ذلك بيان لمبهم في قوله: (لله والرسول).
والخلاصة: إن أكثر ما أطلقوا عليه "الناسخ والمنسوخ" يدخل في باب: العام والخاص، أو المطلق والمقيد، أو المبهم والمبين ونحو ذلك، فيجب على المجتهد أن يكون على علم به. فلا يفتي بأن كل مطلقة مثلا عدتها "ثلاثة قروء" أخذا بقوله تعالى في سورة البقرة: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) [البقرة:228] غافلا عن قوله تعالى في سورة الطلاق: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال..) (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) [الطلاق:4] فهذه خصصت تلك بغير الآيسات والصغيرات وذوات الأحمال.. وهكذا



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:40

تجزؤ الاجتهاد

الشروط التي ذكرها الأصوليون للاجتهاد، وشرحناها فيما سبق، إنما هي شروط لمن يريد أو نريد له أن يبلغ درجة الاجتهاد المطلق، أي الكامل، ويعنون به الاجتهاد في جميع أبواب الفقه ومسائله.

أما الاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض، فلا يشترط له عند الأكثرين كل تلك الشروط والأوصاف التي ذكرها، بناء على أن الاجتهاد قابل لأن يتجزأ.

والواقع أن القضية قد اختلفوا فيها. وأول من رأيته أثارها الإمام الغزالي في "المستصفي" فبعد أن فرغ من ذكر الشروط التي لا بد منها للمجتهد قال: "دقيقة في التخفيف يغفل عنها الكثيرون" ثم قال:

"اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، وليس الاجتهاد عندي منصبا لا يتجزأ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض. فمن عرف طريق النظر والقياس فله أن يفتي في مسألة قياسية، وإن لم يكن ماهرا في علم الحديث. فمن ينظر في مسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا بأصول الفرائض ومعانيها، وإن لم يكن قد حصل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات، أو في مسألة النكاح بلا ولى، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولا تعلق لتلك الأحاديث بها، فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصا؟ ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه، فما يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرف قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [سورة المائدة:6] وقس عليه ما في معناه، وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كل مسألة، فقد سئل مالك رحمه الله عن أربعين مسألة، فقال في ستة وثلاثين منها: لا أدري. وكم توقف الشافعي رحمه الله، بل الصحابة في المسائل. فإذا لا يشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يفتي، فيفتي فيما يدري ويدري أنه يدري ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري فيتوقف فيما لا يدري ويفتي فيما يدري".

وما قاله الغزالي ذهب إليه جماعة، وعزاه الصفي الهندي إلى الأكثرين وحكاه صاحب "النكت" عن أبي علي الجبائي، وأبي عبدالله البصري من المعتزلة، قال ابن دقيق العيد: وهو المختار، لأنه قد تمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل المعرفة بمآخذ أحكامه، وإذا حصلت المعرفة بالمأخذ أمكن الاجتهاد.

وذهب آخرون إلى المنع، لأن المسألة في نوع من الفقه ربما كان أصلها في نوع آخر منه، ومال إلى ذلك الشوكاني، لأن من لا يقتدر على الاجتهاد في بعض المسائل، لا يقتدر عليه في البعض الآخر، وأكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض، ويأخذ بعضها بحجز بعض، ولا سيما ما كان من علومه مرجعه إلى ثبوت الملكة، فإنها إذا تمت كان مقتدرا على الاجتهاد في جميع المسائل، وإن احتاج بعضها إلى مزيد بحث. وإن لم تثبت لم يقتدر على شيء من ذلك، ولا يثق من نفسه لتقصيره، ولا يثق به الغير لذلك.

ويؤيد الشوكاني ذلك: بأنهم اتفقوا على أن المجتهد لا يجوز له الحكم بدليل حتى يحصل له غلبة الظن بحصول المقتضى وعدم المانع، وإنما يحصل ذلك للمجتهد المطلق.. وأما غيره فلا يحصل له ذلك.. فإن ادعاه فهو مجازف، وتتضح مجازفته بالبحث معه.

وقال المحقق ابن القيم في "أعلامه":

"الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره، أو من باب من أبوابه، كمن استفرغ وسعه في نوع من العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.

فحجة الجواز أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب: فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع.

وحجة المنع تعلق أبواب الشرع وأحكامه بعضها ببعض، فالجهل ببعضها مظنة للتقصير في الباب والنوع الذي قد عرفه، ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعدة وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلق به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه.

ومن فرق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومعرفة مستحقها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال وغيرها، وعدم تعلقها بها، وأيضا فإن عامة أحكام المواريث قطعية، وهي منصوص عليها في الكتاب والسنة.

فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين هل له أن يفتي بهما؟

قيل: نعم، يجوز في أصح القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد، وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله، وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيرا، ومنع هذا من الإفتاء بما علم خطأ محض، وبالله التوفيق".

وتجزؤ الاجتهاد يشبه ما عرفه عصرنا من أنواع التخصص الدقيق، فمثلا في القانون لا يوجد أستاذ في كل فروع القانون، بل في المدني أو الجنائي أو الإداري أو الدولي مثلا.. وقد يكون أحدهم أستاذا كبيرا يرجع إليه، ويؤخذ برأيه في اختصاصه، وهو شبه عامي في المجالات الأخرى.

وعلى هذا يستطيع أستاذ الاقتصاد المتمكن إذا درس ما يتعلق به في الفقه الإسلامي والمصادر الإسلامية ـ دراسة مستوعبة ـ أن يجتهد في هذا الباب وحده لا يتعداه. ومثل ذلك أستاذ القانون الجنائي، أو الدستوري، أو أستاذ علم الاجتماع، كل في اختصاصه.

وهذا إنما يتم بشرطين:

الأول: أن تكون لديه الأهلية العلمية العامة للفهم والاستنباط، بمعنى أن عنده إلماما مناسبا بمثله بالشروط التي سبق ذكرها بالنسبة للمجتهد المطلق.

الثاني: أن يدرس موضوعه أو مسألته دراسة مستوعبة، بحيث يحيط بها من جميع جوانبها، حتى يتمكن من الاجتهاد فيها.

ولكن العلامة أحمد إبراهيم يرى أن مثل هذا لا ينبغي أن يسمى مجتهدا جزئيا، لأن ملكة الاجتهاد والاستنباط لا تتجزأ، وهي إذا ثبتت لشخص قدر بها على الاستنباط في كل أبواب الشريعة، فهو في الحقيقة محصل للأحكام في هذا الباب وعارف بأصوله وأدلته فقط. وليس هذا هو المراد بالاجتهاد وهذا ميل إلى القول بعدم التجزئ.
ولا شك أن الاجتهاد الحقيقي والكامل هو الاجتهاد المطلق، والمجتهد المطلق هو القادر على النظرة المحيطة المستوعبة التي يعجز عنها المجتهد الجزئي. إن صحت تسميته مجتهدا. والذي يجدد للأمة دينها، كما بشر بذلك الحديث، إنما هو المجتهد بإطلاق، ولكنا لا نرفض ثمرات هذا النوع من الاجتهاد الجزئي، مادام قد قام على أساس علمي ومنهجي مكين. وجل أطروحات الدراسات العليا للماجستير أو الدكتوراه إنما هي لون من هذا الاجتهاد الجزئي، قصد به دراسة موضوع أو قضية معينة، واستيعابها من كل جوانبها. وبيان الحكم فيها. وكثيرا ما تؤدي إلى نتائج علمية لها قيمتها عند أهل الذكر




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:41


مجال الاجتهاد

أما مجال الاجتهاد ـ أو (المجتهد فيه) كما يعبر الأصوليون ـ فهو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع. وإنما ذكروا "الشرعي" احترازا عن العقليات ومسائل الكلام.

قال الغزالي: "فإن الحق فيها واحد، والمصيب واحد، والمخطئ آثم. وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما".

وقولهم: "ليس فيه دليل قاطع" لإخراج وجوب الصلوات الخمس والزكاة وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع. ففيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف، فليست محل الاجتهاد.

قال أبو الحسن البصري: "المسألة الاجتهادية هي التي اختلف فيها المجتهدون من الأحكام الشرعية". وهذا ضعيف، لأن جواز اختلاف المجتهدين مشروط بكون المسألة اجتهادية، فلو عرفنا كونها اجتهادية باختلافهم فيها لزم الدور!

وبعضهم لم يكتف بما ذكره الغزالي في تحديد المجتهد فيه، بل قال: "كل حكم شرعي عملي..الخ" فأضاف قيد "عملي" حتى يخرج المسائل الشرعية الاعتقادية من مجال الاجتهاد، لأنه لا مجال لمجتهد فيها أن يكون له عذر، فضلا عن أن يكون له أجر. ولهذا حملوا على عبيد الله بن الحسن العنبري إذ قال عن المختلفين في خلق أفعال العباد ونحوها: "هؤلاء قوم عظموا الله، وأولئك قوم نزهوا الله"!

والذي يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن مجال الاجتهاد: هو كل مسألة شرعية ليس فيها دليل قطعي بالثبوت، قطعي الدلالة، سواء كانت من المسائل الأصلية الاعتقادية أم من المسائل الفرعية العملية.

ومجيئها في الشريعة على هذا الوجه دليل الإذن بالاجتهاد فيها، وإلا لجعل الله تعالى فيها من قواطع الأدلة، ومحكمات النصوص، ما يرفع التشابه، ويغني عن النظر، ويمنع الاختلاف، ولهذا أنزل الله تعالى في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) [سورة آل عمران:7].

ومن حكمة إنزال هذه المتشابهات أن تتسع لأكثر من فهم وأكثر من تفسير وبذلك يتسع دين الله للمختلفين وإن خطأ بعضهم بعضا، ولكن لا يكفر بعضهم بعضا.

أما تأثيم المجتهد في المسائل العلمية والاعتقادية، فهو مناف لما قرره القرآن والسنة في مثل قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [سورة البقرة:286]، (فاتقوا الله ما استطعتم) [سورة التغابن:16]، "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" الحديث.

ومن بذل وسعه في طلب الحقيقة، ولم يدخر جهدا في معرفتها، فقد أتى ما كلفه الله إياه. ولو أخطأ الطريق. فهذا هو وسعه وطاقته، وقد علم الله المؤمنين أن يدعوه فيقولوا: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) [سورة البقرة:286] وجاء في الصحيح: أن الله تعالى قد أجاب هذا الدعاء.

قال الإمام ابن دقيق العيد:

"ما نقل عن العنبري: إن أراد أن كل واحد من المجتهدين مصيب لما في نفس الأمر فباطل. وإن أريد به أن من بذل الوسع ولم يقصر في الأصوليات يكون معذورا غير معاقب، فهذا أقرب، لأنه قد يعتقد فيه أنه لو عوقب وكلف بعد استفراغه غاية الجهد لزم تكليفه بما لا يطيق".

وهذا هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا، قال في إحدى رسائله:

"فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية والعملية، أو المسائل الفروعية العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام".

وأما تفريق المسائل إلى أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها، فهذا التفريق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام. وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض.

أما إخراج المسائل العلمية الاعتقادية من مجال الاجتهاد ـ وإن لم تكن أدلتها قطعية ـ والمبالغة في تأثيم المجتهدين فيها، فإنه انتهى بقوم إلى تكفير المخالفين لهم في الأصول، كما فعل المعتزلة و كثير من الفرق الأخرى، وبعض أهل السنة أيضا. مع أن باب التكفير باب خطر، ولا ينبغي لمسلم بصير أن يلجه ما لم يسلك المسالك كلها، ولا يجد مجالا لعذر أو تأويل.

قال الشوكاني: "واعلم أن التكفير لمجتهدي الإسلام بمجرد الخطأ في الاجتهاد في شيء من مسائل العقل عقبة كئود لا يصعد إليها إلا من لا يبالي بدينه ولا يحرص عليه، لأنه مبني على شفا جرف هار، وعلى ظلمات بعضها فوق بعض، وغالب القول به ناشئ عن العصبية، وبعضه ناشئ عن شبه واهية ليست من الحجة في شيء، ولا يحل التمسك بها في أيسر أمر من أمور الدين فضلا عن هذا الأمر الذي هو مزلة الأقدام، ومدحضة كثير من علماء الإسلام. والحاصل أن الكتاب والسنة ومذهب خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم يدفع ذلك دفعا ولا شك فيه ولا شبهة. فإياك أن تغتر بقول من يقول منهم إنه يدل على ما ذهب إليه الكتاب والسنة، فإن ذلك دعوى باطلة مترتبة على شبهة داحضة، وليس هذا المقام مقام بسط الكلام على هذا المرام لوضعه في علم الكلام".

هل يدخل الاجتهاد أصول الفقه؟

وإذا كان بعض مسائل الاعتقاد قابلا لأن يدخل دائرة الاجتهاد، فأولى منه بالدخول بعض مسائل "أصول الفقه"، على الرغم مما شاع لدى كثير من الدارسين أن أصول الفقه قطعية، وأن الأصول إذا لم تكن قطعية ودخلها الاجتهاد كغيرها، لم يعد لنا معيار نحتكم إليه إذا اختلفنا في الفروع!

ومنذ سنوات ثارت هذه القصة على صفحات العدد الافتتاحي من مجلة "المسلم المعاصر" حيث تبنت المجلة الدعوة إلى اجتهاد معاصر قوي يعتمد على أصول الإسلام، ولا يغفل حاجات العصر، ولم تقصر دعوتها على الاجتهاد في الفقه، بل شملت الاجتهاد في أصوله.

واعترض بعض الباحثين المعاصرين على هذه الدعوة بأن أصول الفقه قطعية، فكيف نجتهد فيها؟

وكان لي شرف المشاركة في تجلية هذه القضية في العدد التالي وكان مما قلته فيها:

لا ريب أن الشاطبي رحمه الله بذل جهده لإثبات أن الأصول قطعية، ولكن ما المراد بالأصول هنا؟ يحسن بنا أن ننقل من تعليق العلامة الشيخ عبدالله دراز على "الموافقات" ما يوضح المقام حيث يقول:

تطلق الأصول على الكليات المنصوصة في الكتاب والسنة: مثل "لا ضرر ولا ضرار" الحديث، (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [سورة فاطر:18]، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [سورة الحج:78]، "إنما الأعمال بالنيات" الحديث. هكذا. وهذه تسمى أدلة أيضا كالكتاب والسنة والإجماع..الخ وهي قطعية بلا نزاع.

وتطلق أيضا على القوانين المستنبطة من الكتاب والسنة، التي توزن بها الأدلة الجزئية عند استنباط الأحكام الشرعية منها، وهذه القوانين هي من الأصول. فمنها ما هو قطعي باتفاق، ومنها ما فيه النزاع بالظنية والقطعية.

فالقاضي: "أبو بكر الباقلاني" ومن وافقه على أن من هذه المسائل الأصولية ما هو ظني، والشاطبي قد عارض هذا بأدلة ذكرها، مقررا في النهاية أن ما كان ظنيا يطرح من علم الأصول، فيكون ذكره تبعيا لا غير. (انظر الموافقات جـ، حاشية ص29 ط التجارية).

والذي يطالع علم أصول الفقه يتبين له أن رأي القاضي ومن وافقه هو الراجح، وذلك لما يرى من الخلاف المنتشر في كثير من مسائل الأصول، فهناك من الأدلة ما هو مختلف فيه بين مثبت بإطلاق، وناف بإطلاق، وقائل بالتفصيل. مثل اختلافهم في المصالح المرسلة، والاستحسان، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستصحاب وغيرها. مما هو معلوم لكل دارس للأصول.

والقياس وهو من الأدلة الأربعة الأساسية لدى المذاهب المتبوعة، فيه نزاع وكلام طويل الذيول من الظاهرية وغيرهم.

حتى الإجماع لا يخلو من كلام حول إمكانه ووقوعه، والعلم به، وحجيته.

هذا إلى أن القواعد والقوانين التي وضعها أئمة هذا العلم، لضبط الفهم، والاستنباط من المصدرين الأساسيين القطعيين: "الكتاب والسنة"، لم تسلم من الخلاف وتعارض وجهات النظر، كما يتضح ذلك في مسائل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، والناسخ والمنسوخ.. وغيرها، فضلا عما تختص به السنة من خلاف حول ثبوت الآحاد منها، وشروط الاحتجاج بها، واختلاف المذاهب في ذلك أمر معلوم مشهور، نلمس أثره بوضوح في علم أصول الحديث، كما نلمسه في علم أصول الفقه.

وإذا كان مثل هذا الخلاف واقعا في أصول الفقه، فلا نستطيع أن نوافق الإمام الشاطبي على اعتبار كل مسائل الأصول قطعية. فالقطعي لا يسع مثل هذا الاختلاف ولا يحتمله، من ثم ألف العلامة الشوكاني كتابه الذي سماه "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" محاولا فيه تمحيص الخلاف، وتصحيح الصحيح، ونبذ الضعيف، وقال في مقدمته:

"إن علم أصول الفقه لما كان هو العلم الذي يأوي إليه الأعلام، والملجأ الذي يلجأ إليه عند تحرير المسائل، وتقرير الدلائل، في غالب الأحكام، وكانت مسائله المقررة، وقواعده المحررة، تؤخذ مسلمة عند كثير من الناظرين، كما تراه في مباحث الباحثين، وتصانيف المصنفين، فإن أحدهم إذا استشهد بكلمة من كلام أهل الأصول، أذعن له المنازعون، وإن كانوا من الفحول، لاعتقادهم أن مسائل هذا الفن قواعد مؤسسة على الحق الحقيق بالقبول، مربوطة بأدلة علمية (أي يقينية) من المعقول والمنقول، تقصر عن القدح في شيء منها أيدي الفحول، وإن تبالغت في الطول، وبهذه الوسيلة صار كثير من أهل العلم واقعا في الرأي رافعا أعظم راية، وهو يظن أنه لم يعمل بغير علم الرواية ـ حملني على ذلك ـ بعد سؤال جماعة لي من أهل العلم ـ على التصنيف في هذا العلم الشريف، قاصدا به إيضاح راجحه من مرجوحه، وبيان سقيمه من صحيحه، موضحا لما يصلح منه للرد إليه، وما لا يصلح للتعويل عليه. ليكون العالم على بصيرة في علمه يتضح له بها الصواب، ولا بيني وبينه وبين درك الحق الحقيق بالقبول حجاب.. لأن تحرير ما هو الحق هو غاية الطلبات، ونهاية الرغبات، لا سيما في مثل هذا الفن الذي رجع كثير من المجتهدين بالرجوع إليه إلى التقليد من حيث لا يشعرون، ووقع غالب المتمسكين بالأدلة بسببه في الرأي البحت وهو لا يعلمون".

وبهذا كله يتضح أن للاجتهاد في أصول الفقه مجالا رحبا، هو مجال التمحيص والتحرير والترجيح فيما تنازع فيه الأصوليون من قضايا جمة، ومحاولة الشوكاني "تحقيق الحق" منها لا يعنى أنه لا يدع لمن بعده شيئا، فالباب لا يزال مفتوحا لمن وهبه الله المؤهلاتولو لوجه، ولكل مجتهد نصيب، وقد يتهيأ للمفضول مالا يتهيأ للفاضل.

الأمر الذي يجب تأكيده بقوة هو أن ما ثبت بدليل قطعي لا يجوز أن ندع للمتلاعبين أن يجترئوا على اقتحام حماه. فإن هذه "القطعيات" هي عماد الوحدة الاعتقادية والفكرية والعملية للأمة. وهي لها بمثابة الرواسي للأرض، تمنعها أن تميد وتضطرب. ولا يجوز لنا التساهل مع قوم من الأدعياء، يريدون أن يحولوا القطعيات إلى محتملات، والمحكمات إلى متشابهات، ويجعلوا الدين كله عجينة لينة في أيديهم يشكلونها كيف شاءت لهم أهواؤهم، ووسوست إليهم شياطينهم.

ولقد بلغ التلاعب بهؤلاء إلى حد أنهم اجترئوا على الأحكام الثابتة بصريح القرآن، مثل توريث الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، فهم يريدون أن "يجتهدوا" في التسوية بين الذكر والأنثى! بدعوى أن التفاوت كان في زمن لم تكن المرأة فيه تعمل مثل الرجل، وجهل هؤلاء أو تجاهلوا أن المرأة ـ وإن عملت وخرجت من مملكتها وزاحمت الرجال بالمناكب ـ تظل في كفالة الرجل ونفقته: ابنة وأختا وزوجة وأما غنية كانت أو فقيرة، وأن أعباءها المالية دون أعبائه، فهو يتزوج فيدفع مهرا، ويتحمل نفقة، وهي تتزوج فتأخذ مهرا، وينفق عليها، ولو كانت من ذوات الثراء.

وبلغ التلاعب ببعضهم أن قالوا: أن الخنازير التي حرمها القرآن وجعل لحمها رجسا، كانت خنازير سيئة التغذية، أما خنازير اليوم فتربى تحت إشراف لم تنله الخنازير القديمة.

وهكذا يريد هؤلاء لشرع الله أن يتبع أهواء الناس، لا أن تخضع أهواء الناس لشرع الله (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) [سورة المؤمنون:71].

إننا نقول لهؤلاء الذين عبدوا أنفسهم لفكرة التطور المطلق ويطالبون الإسلام أن يتطور! نقول لهم: لماذا تطالبون الإسلام أن يتطور، ولا تطالبون التطور أن يسلم؟!

والإسلام إنما شرعه الله ليحكم لا ليحكم، وليقود لا ليقاد، فكيف تجعلون الحاكم محكوما، والمتبوع تابعا؟! (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) [سورة المائدة:50].




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:45

الاجتهاد في العصر الحديث
نظرات في الاجتهاد المعاصر
نحاول هنا أن نجيب عن عدة أسئلة لابد من طرحها في هذا المقام: مقام الحديث عن الاجتهاد المعاصر.
1. هل نحن في حاجة إلى هذا الاجتهاد؟
2. هل يتيسر لنا الاجتهاد اليوم؟
3. ما نوع الاجتهاد المطلوب؟ هل هو اجتهاد ترجيحي انتقائي، أم اجتهاد إبداعي إنشائي؟
4. ما صور هذا الاجتهاد؟
5. ما المزالق التي نخشاها على الاجتهاد المعاصر؟
6. ما المنهج الذي ينبغي اتباعه في الاجتهاد المعاصر؟ وما الاتجاه الصحيح بين الاتجاهات الاجتهادية المعاصرة؟ وما معالمه وضوابطه؟

الاجتهاد في العصر الحديث

أول سؤال نسأله لأنفسنا حين نتحدث عن الاجتهاد المعاصر هو: هل نحن في حاجة إلى هذا الاجتهاد حقا؟

ربما يذهب بعض المشتغلين بالعلوم الإسلامية ـ لفرط إعجابهم بتراثنا الحافل، وفرط ثقتهم بفقهائنا العظام ـ أننا لسنا في حاجة إلى اجتهاد جديد، فما من مسألة إلا وجدنا عند الأقدمين مثلها، فقد اجتهدوا للواقع افترضوا لما قد يتوقع، فلم نعد محتاجين إلى أن ننشئ اجتهادا بعد هؤلاء الأفذاذ، وكل الصيد في جوف الفرا!

فما علينا إلا أن نرجع إلى كتبهم وننقب في أحشائها، لنجد فيها ضالتنا والإجابة عن مسألتنا بالنص أو بالقياس أو التخريج.

ونحن لا نقلل من قيمة تراثنا، ولا من عظمة فقهنا، بمدارسه المتعددة ومشاربه المتنوعة وما فيه من اجتهادات واقعية وافتراضية.

ولكن الحق أقول: أنه من المبالغة وتجاهل الواقع، الادعاء بأن الكتب القديمة فيها الإجابة عن كل سؤال جديد.

ذلك أن لكل عصر مشكلاته، وواقعه، وحاجاته المتجددة، والأرض تدور، والأفلاك تتحرك، والعالم يسير، وعقارب الساعة لا تتوقف.

ومع هذا الدوران المستمر، والحركة الدائمة، والسير الحثيث، تتمخض أرحام الأيام والليالي عن أحداث ووقائع جديدة لم يعرفها السابقون، وربما لم تخطر ببالهم، بل ربما لو ذكرت لهم لعدوها من المستحيلات! فكيف تصور حكمهم عليها، وهي لم تدر بخلدهم لحظة من الزمان؟

على أن بعض الوقائع والأمور القديمة قد تطرأ عليها من الأحوال والأوصاف ما يغير طبيعتها أو حجمها أو تأثيرها، فلا يلائمها ما حكم به الأقدمون أو ما أفتوا به في شأنها.

وهذا ما جعلهم يقررون وجوب تغير الفتوى بتغير الزمان، والمكان، والعرف والحال. وكتب في ذلك من كتب من محققيهم في أكثر من مذهب من المذاهب المتبوعة.

فالحاجة إلى الاجتهاد ـ إذن ـ حاجة دائمة، مادامت وقائع الحياة تتجدد، وأحوال المجتمع تتغير وتتطور، ومادامت شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، وحاكمة في كل أمر من أمور الإنسان.

وعصرنا خاصة أحوج إلى الاجتهاد من غيره، نظرا للتغير الهائل الذي دخل الحياة الاجتماعية بعد الانقلاب الصناعي، والتطور التكنولوجي، والتواصل المادي العالمي، الذي جعل العالم الكبير كأنه بلدة صغيرة.

وإذا كان علماؤنا السابقون قد قرروا تغير الفتوى بتغير الزمان، رغم رتابة الحياة وسكونها إلى حد كبير، في العصور الماضية، حتى قيل في بعض الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه: هذا اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان، فكيف باختلاف عصرنا عن عصور أئمة الاجتهاد؟ بل كيف يكون مدى هذا الاختلاف عن عصور المتأخرين من الفقهاء مثل ابن عابدين الحنفي (ت1252هـ) أو الصاوي المالكي (ت1242هـ) أو الشوكاني المجتهد المطلق (ت1255هـ). برغم قرب عصرهم من عصرنا: بحيث لو بعث أحدهم اليوم ورأى عالمنا وما جد فيه، لقال: هذا عالم جن أو شياطين!

وهل صنع الشياطين لسليمان ـ عليه السلام ـ المسخرون له، من عجائب الصناعات ما صنع إنس اليوم من عجائب وصل بها الإنسان إلى القمر؟!



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:47

الاجتهاد في صورة التقنينات الحديثة
يتجلى الاجتهاد المعاصر في ثلاثة أشكال أو ثلاث صور:
1. صورة التقنين
2. صورة الفتوى
3. صورة البحث
وسنفرد لكل صورة بعض الحديث
الاجتهاد في صورة التقنينات الحديثة
ظهر الاجتهاد المعاصر جليا في عدد من التقنينات الحديثة.

وكان لا يعدو في أول أمره أن يكون اجتهادا انتقائيا، من داخل المذهب الحنفي أولا، ثم من داخل المذاهب الأربعة المتبوعة لأهل السنة، ثم من خارج المذاهب الأربعة.

ثم تطور الاجتهاد إلى أن غدا اجتهادا إنشائيا في بعض القضايا الحديثة، والمسائل الجديدة.

وإذا نظرنا إلى بداية التقنين في العصر الحديث وجدنا أن مجلة الأحكام العدلية، هي الخطوة الأولى في ميدان التقنين، وكانت ملتزمة بمذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، وبالمفتى به في المذهب. ولكنها خرجت في بعض المسائل عن القول المفتى به إلى غيره، تحقيقا لمصالح معتبرة أو درءا لمفاسد جاء الشرع بنفيها.

وهذا واضح في ترك المجلة لقول المذهب الأعظم، وأخذها بقول صاحبه أبي يوسف في مسألة "الاستصناع".

ولكن الدارسين يعلمون أن كل مذهب من المذاهب الفقهية لا يخلو من جوانب فيها عنت أو تضييق على الناس، وهي من ناحية الدليل ليست أرجح ولا أقوى. وفي ساحة المذاهب الأخرى ما هو أصح وأولى بالاختيار عند الموازنة بين الآراء.

فالشريعة غنية بمجموع مذاهبها واجتهادات فقهائها، لا بمذهب واحد، وإن يكن هو المذهب الحنفي، برغم سعته وخصوبته الداخلية واستبحار علمائه، ودقة الصناعة الفقهية فيه.

وقد ظهرت هذه الحاجة إلى فقه المذاهب الأخرى لجمعية المجلة نفسها، كما يذكر الأستاذ مصطفى الزرقا ويشعر بذلك ما جاء في تقرير لائحة الأسباب الموجبة التي صدرت بها المجلة، من بحث الجمعية المذكورة عن مذهب ابن شبرمة في اعتبار الشروط مطلقا في العقود، ومن المناقشات التي جرت حول الأخذ بمذهبه ثم ترجيحها الاقتصار في ذلك على المذهب الحنفي لتوسطه ولعدم الحاجة (في نظرهم) إلى الأخذ بمذهب ابن شبرمة، لأن الاجتهاد الحنفي يعتبر ويصحح كل شرط جرى عليه العرف.

ثم بدئ رسميا بتنفيذ هذه الفكرة: فكرة الاستفادة من مختلف المذاهب الفقهية، عن طريق التقنين في أحكام الأحوال الشخصية أواخر العهد العثماني إذ وضعت الحكومة العثمانية قانون حقوق العائلة، وأخذت فيه من المذهب المالكي حكم التفريق الإجباري القضائي بين الزوجين عن طريق التحكيم المنصوص عليه في القرآن عند اختلافهما، وتوسعت فيه، وبذلك مكنت المرأة أن تخلص من زوج السوء بطلبها التفريق، كما يتمكن الرجل أن يتخلص من امرأة السوء بالتطليق، كما أخذت أحكاما إصلاحية أخرى من مذاهب أخرى.

وقد أخذ القانون المذكور أيضا من مذهب مالك إطلاق حرية الزواج لزوجة المفقود بعد أربع سنين من فقدانه، بينما يقضي المذهب الحنفي بانتظار وفاة جميع أقرانه في العمر، فتبقى زوجة المفقود معلقة حتى شيخوختها، ثم حذت الحكومة المصرية في قضية التفريق وزوجة المفقود بهذا الحذو في سنة 1920م.

ثم في سنة 1929م خطت الحكومة المصرية خطوة واسعة في الأخذ من مختلف الاجتهادات مما وراء المذاهب الأربعة، فأصدرت قانونا تحت رقم (25) ألغت فيه تعليق الطلاق بالشرط في معظم حالاته، كما اعتبرت تطليق الثلاث أو الثنتين بلفظ واحد طلقة واحدة عملا برأي ابن تيمية ومستنده الشرعي، وذلك بإقرار مشيخة الأزهر للتخلص من مآسي الطلاق المعلق وطلاق الثلاث، مما يرتكبه جهال الرجال وحمقاهم في ساعات النزاع أو الغضب، فيخرجون عن حدود السنة والمقاصد الأساسية في الطلاق المشروع، ثم يلتمسون المخرج منه بشتى الحيل والوسائل الدنيئة بعد الوقوع، مما يعرفه أهل العلم.

وقد كتب الإمام المراغي شيخ الأزهر في ذلك الوقت بحوثه القيمة عن التجديد والاجتهاد تحت عنوان "بحوث في التشريع الإسلامي" يدافع فيها عن الاتجاه الجديد في تقنين الأحوال الشخصية، وحق علماء العصر في الاجتهاد والاختيار. ويرد فيها على المتشددين من العلماء الذين يوجبون تقليد أحد المذاهب، لا يجيزون الخروج عن المذاهب الأربعة، ولا يسمحون بالاجتهاد في القضايا الجديدة.

وقد حدثت تعديلات بعد ذلك نتيجة اجتهادات جديدة، اقتضاها تطور المجتمع وتغير الناس مثل قانون "الوصية الواجبة" أو نتيجة للشكوى من سوء تطبيق بعض القوانين مثل "بيت الطاعة" التي كانت تجر إليه المرأة قهرا بسيف السلطة وعصا الشرطة!

ثم كان التعديل الأخير لقانون الأحوال الشخصية في مصر، الذي تعددت المآخذ عليه، وكثرت الشكوى منه وظهر كثير من نقاط الضعف فيه على ضوء التطبيق الواقعي، كقضية مسكن الزوجية ولمن يكون؟ وقضية التعويض للمطلقة والنفقة عليها.. وقضية التزوج بأخرى لمن يقدر عليه ويحتاج إليه، ويثق من نفسه بالعدل.. إلى غير ذلك من القضايا التي أمست حديث الناس، والتي يرى الكثيرون أن فيها جورا على الرجل لحساب المرأة.

والواجب أن يكون الحق وحده رائد الذين يضعون القانون، لا محاباة الرجل على حساب المرأة، ولا المرأة على حساب الرجل، (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) [سورة المؤمنون:71].

ولكي ينضبط ذلك لابد أن يعرض أي قانون يوضع على مجمع علمي إسلامي يقول فيه كلمته، ويحسن أن يكون مجمعا عالميا غير خاضع للسلطة المحلية، التي ترجى وتخشى!

وأعتقد أن القانون المشكو منه لو عرض على مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف لكان له فيه رأي آخر، ولخفف كثيرا من غلوائه، وعدل كثيرا من أحكامه.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:48


الغفلة عن النصوص

للاجتهاد المعاصر ـ سواء كان اجتهادا حقيقيا أم دعوى اجتهاد ـ مزالق يتعرض فيها للخطأ إذا صدر من أهله في محله بشرطه، أو للانحراف إذا صدر من غير أهله، أو غلب فيه الهوى، أو لم يستفرغ الفقيه وسعه في معرفة الحكم الشرعي.

أولا: الغفلة عن النصوص

وأول هذه المزالق: الغفلة عن النصوص التي يجب اتباعها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

هذا مع أن أول ما يجب على المجتهد أن يرجع إليه هو النص من القرآن إن وجد، ثم من السنة المبينة للقرآن، فإن لم يجد فيهما طلبته اجتهد رأيه لا يألو.

وهذا الترتيب هو الذي جاء في حديث معاذ المشهور، وهو ما جرت عليه سنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهو ما نبه عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابه إلى شريح وغيره: "أن اقض بكتاب الله، فإن لم تجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تجد فاقض بما قضى به الصالحون وإلا فاجتهد رأيك".

أما الاجتهاد بالرأي قبل البحث عن النص فهو خطأ.

والخطأ الأكبر منه أن تدع النص المعصوم وتجري وراء الرأي الذي لا عصمة له.

ولهذا قالوا: لا اجتهاد مع النص، يعنون النص الثابت الصريح الدلالة على الحكم، وأسباب ترك النص الصحيح الصريح متعددة.

منها: الجهل بثبوت النص، وهذا قلما يحدث مع القرآن الكريم لظهوره لكل مسلم يشتغل بطلب العلم، فكيف بمن يدعي الاجتهاد؟ وإنما يحدث هذا مع السنة المطهرة، لقلة المعنيين بها، وجرأة كثير ـ ممن ينسبون أنفسهم إلى الفقه والاجتهاد ـ عليها. كما سيتبين ذلك بعد.

ومنها: الغفلة والذهول عن النص ـ مع ثبوته وظهوره والقطع به ـ نتيجة سوء فهم، أو غلبة هوى، أو تحكم عصبية أو دعوى مصلحة، أو غير ذلك مما شاهدناه ولمسناه في دعاوى الاجتهاد في عصرنا.

جواز استلحاق اللقطاء

ولعل أقرب مثال يحضرني الآن ما أفتت به المحكمة الشرعية العليا في "البحرين" الشقيقة في شأن "اللقطاء" حيث أجازت بصريح العبارة لكل أحد أن يستلحق اللقيط ويضمه إلى نسبه، ويصبح بذلك ابنا له، تترتب له وعليه كل حقوق البنوة وواجباتها.

ونذكر هنا نص الفتوى كما نشرته جريدة "أخبار الخليج" وقد جاءت هذه الفتوى في صورة جواب على وزير العدل البحريني بشأن اقتراح قدمته إحدى الصحفيات بعمل شهادة ميلاد للطفل اللقيط ـ عدا الشهادات الأصلية المعتمدة لدى الجهات الرسمية ـ يتعامل بها في المجتمع على أنه ابن المحتضن وإن لم يكن له حق في الميراث..الخ.

فأرسلت المحكمة إلى الوزير هذا الجواب:

جوابا على كتابكم رقم 10/169/83 المؤرخ في 23 رمضان 1403هـ، الموافق 3 يوليو 1983م المرفق بطيه صورة من الرسالة الواردة إلى سعادتكم من السيدة/ س ي م المتضمنة اقتراحها فيما يختص بالطفل اللقيط وطلبكم منا دراسة الاقتراح المذكور وإفادتكم برأينا حوله.

نفيد سعادتكم أننا درسنا الاقتراح المذكور ومع تقديرنا وشكرنا لصاحبة الاقتراح على غيرتها وحرصها على حفظ كرامة الطفل اللقيط، نود أن نطمئنها إلى أن الشرع الإسلامي الحنيف لم يترك أي أمر من الأمور إلا وأوجد له حكما عادلا ومن ذلك الطفل اللقيط أو ولد السفاح أو مجهول النسب، فقد حرص الشرع على حفظ كرامته ومصلحته وعمل على دمجه في المجتمع الإسلامي، وذهب في هذا المضمار إلى أبعد مما تتصوره صاحبة الاقتراح حيث لم يكتف بالضم وإنما الاستلحاق وأعطى لكل أحد الحق في أن يستلحق الطفل اللقيط أو ولد السفاح أو مجهول النسب ويعتبره ولدا له يحمل اسمه ولقبه ونسبه بالاستلحقا ويكون لكل منهما على الآخر جميع ما يترتب على ذلك من ولاية وحضانة ووراثة وهذا ما هو عليه العمل فعلا كما هو وارد من بعد بالتقارير المرفقة للأطفال وأما ما ذكرته صاحبة الاقتراح من أن يكون للطفل اللقيط اسمان اسم أصلي واسم رسمي فنعتقد أن ذلك مما يسيء إلى الطفل ويشعره بالنقص وتصيبه المعرة من ذلك بعد ما يكبر ويعرف الحقيقة هذا ما وجب بيانه حول هذا الموضوع.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

قضاة محكمة الاستئناف العليا الشرعية.

ولا يكتفي قضاة محكمة الاستئناف العليا بالرسالة وإنما يرفقون بها ما يؤكد أنهم سبق أن أجازوا لبعض الأشخاص استلحاق بعض مجهولي النسب بأنسابهم.

وحيث يذكر نص إحدى القضايا أن أحد الأشخاص لديه فتاة مجهولة النسب وهي في حضانته وكفالته وأنه يريد استلحاقها بنسبه ويكون له عليها جميع حقوق الأبوة كما يكون لها هي جميع حقوق البنوة وحيث أنه يسوغ شرعا استلحاق مجهول النسب واعتباره ولدا للمستلحق فقد أجاز له قضاة محكمة الاستئناف العليا ذلك.

والواقع أن رد قضاة محكمة الاستئناف واضح وهو يعني حل المشكلة تماما.

مقتضى هذه الفتوى: أن "التبني" مباح، وإن سمي "الاستلحاق" فمدار الحكم على المسميات لا على الأسماء.

ويعجب المرء كيف تصدر الفتوى بهذه الصورة، وبهذا التعميم، وهي مخالفة لنصوص القرآن الحاسمة القاطعة، التي حرمت "التبني" وأبطلته، وأجمع على ذلك المسلمون من جميع المذاهب، وفي جميع الأزمان، إجماعا مستقرا متصلا بعمل الأمة طوال أربعة عشرا قرنا؟!

وحسبنا أن نقرأ أوائل سورة الأحزاب، وفيها قول الله تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) [سورة الأحزاب: 4-5].

ويبدو أن أصحاب هذه الفتوى لم يقصدوا معارضة القرآن، ولا السنة، ولا الثابت بإجماع الأمة، ولكنهم أساءوا فهم ما جاء عن الفقهاء في الاستلحاق أو الإقرار بالنسب وما ذكروا له من شروط معروفة في الفقه.

فقد فهموا ما ذكره الفقهاء أن لكل أحد أن يستلحق أو يقر بنسب من يشاء والفقهاء إنما أرادوا الإقرار بنسب حقيقي وبنوة حقيقية مبني على نكاح سري أو نكاح فيه خلاف، أو وطء بشبهة، أو غير ذلك، بل أجاز جماعة من السلف استلحاق ولده من الزنى إذا لم يكن فراش، ورجحه ابن تيمية.

أما إذا لم تكن هناك بنوة من حلال ولا من شبهة ولا من حرام، وإنما هو مجرد تبن، فهذا هو الحرام الصرف الذي لم يقل به فقيه قط.

ولهذا نصوا على أن الاستلحاق أو الإقرار بالبنوة أو النسب ـ إذا كان مبنيا على الكذب ـ حرام، بل من الكبائر، ويكاد يؤدي إلى الكفر.

وتكثر مزالق الاجتهاد المعاصر في الغفلة في كثير من الأحوال عن السنة النبوية خاصة، والاعتساف في تأويلها، بل الجرأة عليها في بعض الأحيان، وخصوصا من غير المتخصصين في الدراسات الإسلامية.

وسبب ذلك فيما أراه ـ أن الفقه المذهبي الذي غلب على الحياة الإسلامية قرونا طويلة ولاسيما القرون الأخيرة، جعل أكبر همه أقوال مشايخ المذهب في الدرجة الأولى وتصحيحات علمائه، وترجيحاتهم، دون توجيه مثل هذا الاهتمام إلى المصدرين الأساسيين: القرآن والسنة، ولكن القرآن قد يسر الله حفظه، فلا يكاد يوجد عالم مسلم لا يحفظه عن ظهر قلب، بخلاف السنة، فإنها لسعتها وتنوعها، لم تحظ بمثل ذلك. مما جعل كثيرا من الفقهاء يستدلون بأحاديث واهية أو منكرة، بل موضوعة أحيانا لا أصل لها واشتهر قولهم: هذا من أحاديث الفقهاء! يعنون: أنه ليس له سند يعرف.

وهذا ما جعل بعض كبار العلماء المشتغلين بالحديث يتجهون إلى تخريج الأحاديث التي توجد معلقة في كتب الفقه. كما فعل ذلك الإمام أبو الفرج بن الجوزي (ت597هـ) في كتابه "التحقيق في تخريج التعاليق" وقد نقحه ابن عبد الهادي تلميذ ابن تيمية (ت744هـ) في كتابه "تنقيح التحقيق" وكلاهما حنبلي المذهب.

والحافظ جمال الدين الزيلعي الحنفي (ت762هـ) خرج أحاديث أشهر كتاب عن الحنفية هو "الهداية" للمرغيناني (ت593هـ) وسماه "نصب الراية لأحاديث الهداية" وقد اختصره الحافظ ابن حجر (ت854هـ) وأضاف إليه بعض الفوائد في كتاب سماه "الدراية في أحاديث الهداية".

كما خرج ابن حجر نفسه أحاديث كتاب "فتح العزيز في شرح الوجيز" للإمام الرافعي (ت623هـ) في فقه الشافعية، وسماه "تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير).

والمقصود أن كتب الفقه المذهبي وحدها ـ وبخاصة كتب العصور الأخيرة ـ لا تصل الدارس بالسنة النبوية، ولا ترده إلى أصول الأدلة فيها، وهذا ما جعلني أنادي بوجوب الوصل بين الحديث والفقه، حتى يبقى المحدثون في واد، والفقهاء في واد، وكل مستمسك بما عنده، لا يبصر ما عند الآخر، ولا يسمع له.

وهذا ما حدث لكثير ممن تعرض للفقه فتوى أو كتابة ممن لا يتقنون الحديث رواية ودراية فنفوا ما يجب أن يثبت، أو أثبتوا ما يجب أن ينفى، وهو ما حذر منه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ قال: "إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم". وفي بعض الروايات: فضلوا وأضلوا والمراد بالرأي هنا: مالا يعتمد على أصل شرعي معتبر، أو ما يتبع فيه الهوى ويخالف النصوص.

من ذلك ما أفتى به بعض المفتين من إجازة "وصل الشعر" لغير ضرورة ولا حاجة معتبرة، فيما سمي في عصرنا "الباروكة" مع ما ورد من أحاديث صحيحة متفق عليها في لعن الواصلة، والمستوصلة، وتسميته "زورا" والتشديد فيه، كما هو واضح في الصحيحين، مع أن الوصل هناك لم يبلغ أن يكون شعرا كاملا، كما هو الشأن اليوم.

ومن ذلك ما ذكروه في إباحة التصوير كله، حتى المجسم منه "التماثيل" استنادا إلى أن التصوير إنما حرم لقرب العهد بالوثنية وما كان فيها من صور تعبد من دون الله أما اليوم، فقد تحررت العقول، ولم يعد ثمت مجال لأن يعبد إنسان القرن العشرين صورة أو تمثالا!

وهذا التأويل مردود كله، فالنصوص التي حرمت التصوير قد نصت على علته، وهي مضاهاة خلق الله، وليس مشابهة الوثنية، وقد رد على مثل هؤلاء الإمام ابن دقيق العيد منذ ثمانية قرون!

أما تحرر العقول في القرن العشرين، فليذهب صاحب هذا الكلام إلى الهند وبلاد كثيرة في آسيا وإفريقيا ليرى أن الوثنية لازالت معششة حتى في رؤوس كبار المتعلمين!

ومن ذلك ما ذهب إليه الدكتور عبد الحميد متولي أستاذ القانون الدستوري من اشتراط انفرد به، ولم يسبقه إليه أحد، ولم يوافقه عليه أحد أيضا فيما أعلم، وهو أن يكون الحديث الذي يعمل به في المجال الدستوري متواترا أو مشهورا.

ومن ذلك ما صرح به شيخنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في ندوة التشريع الإسلامي في ليبيا من إنكار عقوبة الرجم في زنى المحصن.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:50

العلم بالسنة

والشرط الثاني: العلم بالسنة ـ ونعني بها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير. ولم يشترطوا العلم بجميع ما جاء في السنة، فهي بحر زاخر، وإنما اشترطوا معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام فلا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث بالمواعظ والقصص وأحكام الآخرة ونحوها.

قال الغزالي: "وهي ـ وإن كانت زائدة على ألوف فهي محصورة".

وقال الشوكاني:

"واختلفوا في القدر الذي يكفي المجتهد من السنة، فقيل: خمسمائة حديث وهذا من أعجب ما يقال! فإن الأحاديث التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية ألوف مؤلفة".

وقال ابن العربي في "المحصول" هي ثلاثة آلاف.

وقال أبو علي الضرير لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي؟ يكفيه مائة ألف؟ قال: لا، قلت ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قلت: أربعمائة ألف؟ قال:لا، قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو.

قال الزركشي: "وكأن مراده بهذا العدد آثار الصحابة والتابعين وطرق المتون" ولهذا قال: "من لم يجمع طرق الحديث لم يحل له الحكم ولا الفتيا".

قال بعض أصحابه: هذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتيا أو يكون أراد وصف أكمل الفقهاء، فأما ما لابد منه، فقد قال أحمد رحمه الله الأصول التي يدور عليه العلم عن النبي لله ينبغي أن تكون ألفا ومائتين.

والواقع يوجب على المجتهد أن يكون واسع الاطلاع على السنة كلها وإن وجه مزيد اهتمام إلى أحاديث الأحكام، فقد توجد أحاديث بعيدة عن مجال الأحكام في الظاهر، ولكن الفقيه يستنبط منها من الأحكام ما قد يفوت غيره.

وأيا كان القدر المطلوب للمجتهد، فلا يلزم ـ كما قاله الغزالي وغيره أن يحفظه عن ظهر قلب، مثل حفاظ الحديث الذين عرفهم تاريخ العلم عندنا، وإن كان هذا أفضل وأكمل.

ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب، فيراجعه وقت الحاجة إلى الاجتهاد أو الفتوى، وقد يساعد في هذا كتب الفهارس اللفظية والموضوعية وكتب الأطراف وغيرها.

واكتفى الغزالي أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام كسنن أبي داود، و"معرفة السنن" لأحمد البيهقي، أو أصل وقعت العناية فيه بجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام.

وتبع الغزالي على ذلك الرافعي، ونازعه النووي، وقال: "لا يصح التمثيل بسنن أبي داود، فإنها لم تستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمها، وكم في صحيح البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي داود"

وكذا قال ابن دقيق العبد: التمثيل بسنن أبي داود عندنا ليس بجيد لوجهين:

الأول: أنها لا تحوي السنن المحتاج إليها.

الثاني: أن في بعضها ما لا يحتج به في الأحكام.

والوجه الثاني يحتمل أن بعض أحاديث أبي داود في غير مجال الأحكام، كما يحتمل أنها لا تبلغ مرتبة الصحة أو الحسن المحتج به في الأحكام، وكلا الأمرين ثابت ومعترف به.

ماذا يعني العلم بالسنة؟

والعلم بالسنة يعني فيما يعني عدة أمور:

أولا: علم دراية الحديث: وقد جعله الغزالي شرطا مستقلا، وحقه أن يكون داخلا في شرط معرفة السنة.

والمراد بذلك كما قال الغزالي: معرفة الرواية، وتمييز الصحيح منها عن الفاسد والمقبول عن المردود، فإن مالا ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه، والتحقيق فيه:أن كل حديث يفتى به مما قبلته الأمة، فلا حاجة به إلى النظر في إسناده. وإن خالفه بعض العلماء، فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم، فإن كانوا مشهورين عنده، كما يرويه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا، اعتمد عليه. فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم، والعدالة إنما تعرف بالخبرة والمشاهدة، أو بتواتر الخبر فما نزل عنه فهو تقليد، وذلك بأن يقلد البخاري ومسلما في أخبار الصحيحين، وإنهما ما رووها إلا عمن عرفوا عدالته، فهذا مجرد تقليد، وإنما يزول التقليد بأن يعرف أحوال الرواة بتسامع أحوالهم وسيرهم، ثم ينظر في سيرهم أنها تقتضي العدالة أم لا، وذلك طويل، وهو في زماننا مع كثرة الوسائط عسير. والتخفيف فيه: أن يكتفي بتعديل الإمام العدل بعد أن عرفنا أن مذهبه في التعديل مذهب صحيح فإن المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح، فإن من مات قبلنا بزمان امتنعت الخبرة والمشاهدة في حقه، ولو شرط أن تتواتر سيرته فذلك لا يصادف إلا في الأئمة المشهورين، فيقلد في معرفة سيرته عدلا فيما يخبر، فيقلد في تعديله، بعد أن عرفنا صحة مذهبه في التعديل، فإن جوزنا للمفتي الاعتماد على الكتب الصحيحة التي ارتضى الأئمة رواتها قصر الطريق على المفتي، وإلا طال الأمر، وعسر الخطب في هذا الزمان، مع كثرة الوسائط، ولا يزال الأمر يزداد شدة بتعاقب الأعصار.

والخلاصة: أنه لا بد للمجتهد من العلم بأصول الحديث وعلومه، والاطلاع على علم الرجال، وشروط القبول، وأسباب الرد للحديث، ومراتب الجرح والتعديل، وغيرها مما يتضمنه علم المصطلح، ثم تطبيق ذلك على ما يستدل به من الحديث.

ثانيا: معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث: حتى لا يحكم بحديث قد ثبت نسخه وبطل العمل به، كالأحاديث التي رويت في جواز "نكاح المتعة" فقد ثبت نسخها بأحاديث أخرى.

قال الغزالي: "والتخفيف في ذلك، أن يعلم أن ذلك الحديث ليس من جملة المنسوخ".

وقد ألفت كتب في ذلك، ما بين متوسع في النسخ، ومضيق فيه، ومتوسط فيه، ومن أشهرها كتاب الحازمي "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار".

وكما أن كثيرا مما قيل بنسخه في القرآن ليس بمنسوخ حقيقة، كذلك ما قيل بنسخه في السنة ليس بمنسوخ.

من ذلك ما ذكروه في حديث سلمة بن الأكوع في الصحيح وهو حديث: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، فكلوا وأطعموا وادخروا" فقد قيل: إن النهي عن الادخار نسخ وبطل حكمه بقوله في الحديث: "وادخروا" وقيل: إنه ليس من باب النسخ، بل من باب نفي الحكم لانتفاء علته، وقد جاء في بعض روايات الحديث بيان علة النهي بقوله: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت" يعني الجماعة التي وفدت على المدينة من خارجها في عيد الأضحى. لهذا أنكر الإمام القرطبي في التفسير أن يكون ذلك من باب النسخ، قائلا: "بل هو حكم ارتفع لارتفاع علته، لا لأنه منسوخ، وفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته، لا لأنه منسوخ، وفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته، فالمرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا، والمرفوع بارتفاع علته يعود بعود العلة..الخ".

وعندي: أن مثل من معرفة الناسخ والمنسوخ معرفة "مختلف الحديث" أي الأحاديث المتعارضة الظواهر، وكيف يؤولها ويوفق بينها: بتقييد مطلقها وتخصيص عامها.. إلى غير ذلك من وسائل الجمع أو الترجيح، وقد كتب في ذلك ابن قتيبة كتابه "تأويل مختلف الحديث". والطحاوي كتابه "مشكل الآثار" وتعرض لذلك سائر الفقهاء في مواضع متناثرة، وبخاصة الإمام الشافعي فهو أول من عنى بذلك.

ومثل ذلك بل أهم منه التوفيق بين الحديث والقرآن، فالسنة إنما جاءت مبينة للقرآن لا معارضة له.

ومن هنا يلزم المجتهد أن يجمع الأحاديث الواردة والثابتة في موضوعه، ويتدبر العلاقة بينها، فيبين عامها بخاصها، ويحمل مطلقها على مقيدها، ويوضح مجملها بمفصلها، ومبهمها بمفسرها، كما يربطها بالأًصل الأول: القرآن الكريم، ولا يضرب النصوص بعضها ببعض.

ثالثا: معرفة أسباب ورود الحديث

وإذا كانت معرفة أسباب نزول القرآن لازمة لمن يريد فهم القرآن، فإن معرفة أسباب ورود الحديث ألزم لمن يريد فهم السنة، لأن القرآن بطبيعته عام لكل الأحوال والأمكنة والأزمنة، أما السنة فكثيرا ما تأتي لعلاج قضايا خاصة وأوضاع معينة، يتغير الحكم بتغيرها، مثال ذلك حديث جابر عن الشيخين: "سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي"، فظاهره النهي عن تكنية أحد بـ "أبي القاسم" في كل مكان وزمان. ولكن روى البخاري عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما دعوت هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سموا باسمي..الحديث".

فهذا الحديث يدل على أن النهي مقصور على زمنه صلى الله عليه وسلم وحتى لا يحدث التباس عند الدعاء ونحوه، ولهذا تكنى كثير من العلماء والصلحاء بـ "أبى القاسم" طول العصور الإسلامية، ولم يجدوا في ذلك حرجا ولم ينكر عليهم أحد.

وإنما يعرف ذلك بالرجوع إلى مصادر الحديث الأصلية فإن المختصرات كثيرا ما تذكر الحديث مبتورا عن سببه وملابسة وروده.

وقد حاول بعض المتأخرين جمع هذا النوع في مؤلف خاص كما في كتاب "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" لإبراهيم بن محمد كمال الدين الشهير بابن حمزة الحسيني وقد طبع في جزأين، ولكنه لا يغني عن مراجعة المصادر الأصلية.

تنبيهات

وأود أن أنبه هنا على جملة أمور:

أولا: علق الشوكاني على الذين فرطوا في اشتراط السنة للمجتهد، واكتفوا له بخمسمائة حديث، والذين أفرطوا، فاشترطوا خمسمائة ألف حديث، أي ألف ضعف بالنسبة للقول الأول! قال: "ولا يخفاك أن كلام أهل العلم في هذا الباب بعضه من قبيل الإفراط وبعضه من قبيل التفريط، والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن كالأمهات الست وما يلحق بها، مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات والكتب التي التزم مصنفوها الصحة، ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة له مستحضرة في ذهنه، بل يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها بالبحث عنها عند الحاجة إلى ذلك، وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف، بحيث يعرف حال رجال الإسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف المذكورة، وليس من شرط ذلك أن يكون حافظا لحال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال، مع كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح ومالا يوجبه من الأسباب، وما هو مقبول منها وما هو مردود، وما هو قادح من العلل وما هو غير قادح".

ثانيا: أن الأحاديث التي لها تعلق بالأحكام، قد جمعت في بعض المؤلفات ما بين مختصر ومطول.

منها: كتاب "عمدة الأحكام" للحافظ المقدسي، وقد اقتصر فيه على الصحيحين وحدهما، وقد شرحه الإمام ابن دقيق العبد، في كتاب "الأحكام" وكتب الصنعاني عليه حاشية "العدة" وبلغت أحاديثه 419 حديثا.

ومنها كتاب "الأحكام" لعبد الحق الأشبيلي، ولكنه لا يزال مخطوطا، ولابن القطان تعليق واستدراك عليه.

ومنها: "الإلمام بأحاديث الأحكام" لابن دقيق العبد، وفيه جمع (1417) من الأحاديث.

ومنها: "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" للحافظ ابن حجر العسقلاني، وقد بلغت أحاديثه 1596 (ستة وتسعين وخمسمائة وألف حديث) "ط صبيح بتعليق محمد حامد الفقي" وشرحه العلامة الصنعاني في "سبل السلامِ".

ومنها: "منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار" لأبي بركات مجد الدين عبد السلام بن تيمية الجد. وقد بلغت أحاديثه في الطبعة التي حققها المرحوم الشيخ محمد حامد الفقي 5029 (خمسة آلاف وتسعة وعشرين حديثا) ولكنه عد كل رواية لحديث فيها تغيير كلمة أو جملة أو زيادة لفظه، حديثا ذا رقم مستقل.

وقد شرح هذا المنتقى العلامة الشوكاني في كتابه الشهير "نيل الأوطار". وقد أصبح هو وكتاب "سبل السلام" من أهم المصادر لأحاديث الأحكام وشروحها.

ومنها: "شرح معاني الآثار" لحافظ الحنفية أبي جعفر الطحاوي.

ومنها: "السنن الكبرى" للحافظ البيهقي، وقد طبع في عشرة مجلدات كبار وهو يستدل فيه لمذهب الشافعي، وقد علق عليه ابن التركاني الحنفي، وتعقبه في بعض المواضع، وسمى تعليقه "الجوهر الفقي" وهو مطبوع معه في حاشيته.

ثالثا: من النافع هنا: مراجعة كتب التخريج لأحاديث الأحكام، مثل "نصب الراية لأحاديث الهداية" للحافظ الزيلعي الحنفي، وقد لخصه الحافظ ابن حجر في "الدراية" وأضاف إليه فوائد.

ومنها: "تلخيص الحبير، في تخريج شرح الرافعي الكبير" لابن حجر أيضا، لخص فيه تخريجات الحفاظ والنقاد قبله لما جاء في شرح الرافعي على "وجيز الغزالي" من أحاديث، وزاد عليها، وذكر في مقدمته: أنه يشمل جل ما يستدل به الفقهاء في كتبهم من الأحاديث. وقد بلغت أحاديثه 2161 حديث، في الطبعة التي علق عليها السيد محمد هاشم اليماني.

وفي عصرنا خرج الشيخ الألباني أحاديث "منار السبيل" في الفقه الحنبلي في كتاب من ثمانية أجزاء أسماه "إرواء الغليل".

ولابن الجوزي كتاب "التحقيق في أحاديث التعليق" تكلم فيه على الأحاديث التي يذكرها الفقهاء عادة في كتبهم معلقة. وقد نقحه ابن عبد الهادي وبين أوهام ابن الجوزي، وأضاف إليه فوائد وسمى كتابه "تنقيح التحقيق". والكتابان لا يزالان مخطوطين فيما أعلم.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:51


العلم بالعربية

ولابد للمجتهد أن يكون عالما بالعربية، بمعنى أن يعرف اللغة وعلومها معرفة تيسر له فهم خطاب العرب، وذلك أن القرآن الكريم قد نزل بلسان عربي مبين والسنة قد نطق بها رسول عربي، وهذا يخص السنة القولية، والسنة الفعلية والتقريرية قد نقلها أصحابه، وهم عرب من أهل الفصاحة والبيان.

فكان لابد أن يعرف من اللغة والنحو ـ كما قال الإمام الغزالي ـ القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال، إلى حد يميز به بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه، ولحنه ومفهومه.

قال الغزالي: والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة، وأن يتعمق في النحو، بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك حقائق المقاصد منه.

لابد للمجتهد إذن من معرفة معاني المفردات ودلالاتها، حتى يكون استنباط الحكم منها صحيحا وكثيرا ما يؤدي الاختلاف في تفسير معاني الكلمات سببا في اختلاف الفقهاء في الأحكام المأخوذة منها.

فقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) [البقرة:228] تقتضي من المجتهد أن يبذل جهده لتحديد معنى (القرء) في الآية، أهو الحيض أم الطهر؟

والنصوص التي وردت في الرضاعة والإرضاع في القرآن مثل قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) [سورة النساء:23] وكذلك ما ورد من ذلك في الحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" "إنما الرضاعة من المجاعة" الخ، لا يعرف الحكم المستنبط منها إلا بتحديد معنى الرضاعة والرضاع والإرضاع أهو مجرد وصول اللبن إلى الجوف، ولو عن طريق الوجور في الحلق أو السقوط في الأنف، أم هو امتصاص اللبن من الثدي بطريق الفم والالتقام؟

والتفريق في مصارف الزكاة بين (لام) الجر و(في) في آية التوبة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) [التوبة:61] لابد أن يكون لمعنى وهدف.

ومثل ذلك قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة:6]، علام تدل (الباء) في (برؤوسكم)؟ أهي زائدة والمطلوب مسح الرأس كله؟ أم هي للإلصاق فيكون المطلوب جزءا من الرأس وهو ما قدره الحنفية بالربع؟ أم هي للتبعيض فيكفي شعرات للمسح؟

ولابد للمجتهد من معرفة دلالات الجمل، ما كان منها على سبيل الحقيقة وما كان على سبيل المجاز أو الكناية، ودلالات التقديم والتأخير والحذف والحصر، وغيرها مما يشمله علم المعاني والبيان.

فقوله تعالى: (أو لامستم النساء) يحتمل أن يراد به الحقيقة، كما هو مذهب الشافعي، وهو مجرد لمس البشرة للبشرة، وأن يكون كناية عن الجماع، كما قال ابن عباس: "إن اللمس والملامسة والمس في القرآن كناية عن الجماع" وهو ما تدل عليه الاستعمالات القرآنية بالفعل.

وكذلك لابد للمجتهد من إتقان علم النحو والصرف، حتى يفهم في ضوئه قراءة مثل قراءة: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)، بخفض (أرجلكم) بطريق المجاورة كما هو معروف.

وفي قوله سبحانه: (ويسألونك عن المحيض، قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) [البقرة:222] يتحدد الحكم بتحديد معنى (المحيض) هل هو مصدر ميمي بمعنى (الحيض) أو اسم مكان بمعنى (موضوع الحيض) ولكل من المعنيين أثره.

وكذلك الفرق بين (يطهرن) بالتخفيف وبين (يطهرن) بالتشديد كما يتضح ذلك بالرجوع إلى التفاسير المعنية بآيات الأحكام.

وذكر الشوكاني في هذا الشرط للمجتهد: أن يكون عالما بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه، قال ولا يشترط أن يكون حافظا لها عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يكون متمكنا من استخراجها من مؤلفات الأئمة المشتغلين بذلك، وقد قربوها أحسن تقريب، وهذبوها أبلغ تهذيب، ورتبوها على حروف المعجم ترتيبا لا يصعب الكشف عنه، ولا يبعد الاطلاع عليه، وإنما يتمكن من معرفة معانيها وخواص تركيبها، وما اشتملت عليه من لطائف المزايا، من كان عالما بعلم النحو والصرف والمعاني والبيان، حتى يثبت له في كل فن من هذه ملكة يستحضر بها كل ما يحتاج إليه عند وروده عليه، فإنه عند ذلك ينظر في الدليل نظرا صحيحا، ويستخرج منه الأحكام استخراجا قويا. ومن جعل المقدار المحتاج إليه من هذه الفنون هو معرفة مختصراتها أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعد، بل الاستكثار من الممارسة لها، والتوسع في الاطلاع على مطولاتها، مما يزيد المجتهد قوة في البحث، وبصرا في الاستخراج، وبصيرة في حصول مطلوبه، والحاصل أنه لابد أن تثبت له الملكة القوية في هذه العلوم، وإنما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة، وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن. قال الإمام الشافعي: "يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه" قال الماوردي: "ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره".

وهذا يدلنا على مدى الارتباط العضوي بين الإسلام والعربية، فالعربية هي لسان الإسلام، ووعاء ثقافته، ولا سبيل إلى فهم الإسلام فهما صحيحا بغير تذوق العربية وإتقانها، ومن ثم أوجب الشافعي على كل مسلم تعلم ما يمكنه من ذلك ما استطاع، وفقا للإمكانات المتاحة لمثله في بيئته وثقافته، فكيف بمن يريد بلوغ مرتبة الاجتهاد في فقه الشريعة وأحكامها؟!

ومقتضى كلام الشوكاني أنه يشترط للمجتهد في الأحكام أن يبلغ درجة الاجتهاد في العربية وعلومها، وهو ما صرح به الشاطبي، على حين اكتفى الآخرون بتحصيل بعض المختصرات!

قال العلامة محمد الخضر حسين:

"وقد يقع في خاطرك أن شرط الاجتهاد في اللسان العربي يجعل رتبة الاجتهاد في الشريعة بمنزلة المتعذر، فإنه يقتضي أن يسلك الفقيه في البحث عن معاني الألفاظ وأحكامها ووجوه بلاغتها الطرق التي سلكها أئمة تلك العلوم، ولا يكفيه أن يأخذ من القاموس أن النكاح مثلا يطلق على الوطء والعقد، ومن كتاب سيبويه أن الخفض يكون بالجوار ومن دلائل الإعجاز أن تقديم المعمول أو تعريف المسند يفيد القصر، حتى يتتبع كلام العرب نفسه، ويقف على صحة إطلاق النكاح على الوطء والعقد، ويظفر بشواهد كثيرة يحقق بها قاعدة الخفض بالجوار، وشواهد أخرى يعلم بها أن تقديم المعمول أو تعريف الطرفين يفيد الحصر، وتكليفه بأن يبلغ في علوم اللغة هذه الغاية يشبه التكليف بما لا تسعه الطاقة.

وجواب هذا: أن المجتهد في الشريعة لابد له من أن يرسخ في علوم اللغة رسوخ البالغين درجة الاجتهاد، وله أن يرجع في أحكام الألفاظ ومعانيها إلى رواية الثقة وما يقوله الأئمة، وإذا وقع نزاع في معنى أو حكم توقف عليه فهم نص شرعي تعين عليه حينئذ بذل الوسع في معرفة الحق بين ذلك الاختلاف، ولا يسوغ له أن يعمل على أحد المذاهب النحوية أو البيانية في تقرير حكم إلا أن يستبين له رجحانه بدليل.

والذي أؤكده أن المهم هنا أن يحس المجتهد من نفسه أنه أصبح قادرا على تذوق كلام العرب وفهمه، والغوص على معانيه، بمثل ما كان عليه العربي الأول بسليقته وسلامة فطرته، قبل أن يستعجم الناس، ويفسد اللسان والذوق، وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد في اللغة وعلومها. فهذا قد يصعب، فالتخفيف الذي ذكره الإمام الغزالي مقبول بهذا التفسير الذي فسره شيخنا الأكبر محمد الخضر حسين رحمه الله.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:53


العلم بمواضع الإجماع

ويأتي بعد ذلك العلم بمواضع الإجماع، حتى لا يفتى بخلاف الإجماع، كما يلزمه معرفة النصوص، حتى لا يفتى بخلافها.

قال الغزالي: "والتخفيف في هذا الأصل: أن لا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف، بل كل مسألة يفتى فيها، فينبغي أن يعلم أن فتواه ليس (كذا) مخالفا للإجماع، إما بأن يعلم أنه موافق مذهب من مذاهب العلماء، أيهم كان، أو يعلم أن هذه واقعة متولدة في العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض، فهذا القدر فيه كفاية".

وعلى هذا، لا تحتاج المسائل الجديدة التي هي من مستحدثات عصرنا، مثل "نقل الدم" أو "زرع الأعضاء" المنقولة من الحي إلى الحي، أو من جثة ميت، ووصية بعض الناس بالانتفاع بجزء من بدنه، أو بجثته كلها لخدمة الغير أو الإنعاش الطبي المكثف لمريض فقد وعيه وإحساسه العصبي، أو ما يسمونه "شتل الجنين" أو "الرحم الظئر" أو "بنوك الأجنة المجمدة" أو "التحكم في جنس الجنين" أو استخدام الأشعة أو الذرة في السلم أو الحرب، ونحو ذلك مما لم يعرفه الأولون، ولم يخطر ببالهم، لا تحتاج هذه القضايا إلى البحث عن معرفة رأي أهل الإجماع فيها.. إذ ليس لهم فيها رأي.

والمهم هنا أن يثبت الإجماع بيقين لا شك فيه، فإذا استيقن المجتهد الإجماع في مسألة، فليوفر على نفسه عناء الاجتهاد، فقد فرغت منها الأمة التي أبى الله أن يجمعها على ضلالة.

وهذه المواضع الإجماعية في فقهها هي التي تجسم الوحدة الفكرية والسلوكية للأمة وتحفظها من عوامل التشتت والتمزق.

فإذا أجمعت الأمة على حل حلي الذهب للنساء، ولم يختلفوا إلا في زكاتها فلا مجال لمخالفة هذا الإجماع الذي نقله غير واحد وأقرته جميع المذاهب المتبوعة، واستقر عليه الفقه المتصل بعمل الأمة خلال أربعة عشر قرنا، في أقطار الإسلام كافة.

ومن هنا يكون اجتهاد الشيخ الألباني الذي خرج به في رسالته في "الزفاف" وأعلن به تحريم "الذهب المحلق" على النساء، اجتهادا مرفوضا، لأنه خالف الإجماع المتيقن.

ومثل ذلك: اجتهاد بعض الباحثين المعاصرين في إباحة زواج المسلمة بالكتابي قياسا على زواج المسلم بالكتابية.

وهو اجتهاد مرفوض كذلك، لإجماع المسلمين في كل العصور ومن جميع المذاهب على تحريمه، واستقرار عمل الأمة عليه طوال قرون، بالإضافة إلى عموم قوله تعالى في سورة الممتحنة: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن).

تنبيهات مهمة حول الإجماع

وأحب أن أنبه هنا إلى عدة أمور:

1. إن هذا الشرط إنما يشترطه من يقول بحجية الإجماع، ويرى أنه دليل شرعي كما نبه على ذلك الشوكاني فأما من يقول بعدم إمكانه، أو بعدم وقوعه أو بعدم العلم به، أو بعدم حجيته، فلا موضع لهذا الشرط عنده.

2. إنه قلما يلتبس على من بلغ رتبة الاجتهاد ما وقع عليه الإجماع من مسائل الفقه، كما قال الشوكاني، وقد جمعتهما بعض الكتب المختصرة مثل "مراتب الإجماع" لابن حزم، و"الإجماع" لابن المنذر.

3. إن كثيرا مما ادعى فيه الإجماع من مسائل الفقه قد ثبت فيه الخلاف، وقد لمست هذا بنفسي، وأنا أبحث في "فقه الزكاة" في عدد من المسائل، وهذا ما جعل الإمام أحمد يقول كلمته المشهورة: "من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه، لعل الناس اختلفوا وهو لا يدري".

ومن ذلك: اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته في مسائل "الطلاق الثلاث" والحلف بالطلاق، أي الطلاق الذي يراد به الحمل على شيء أو المنع منه وغير ذلك مما أخذت به قوانين الأسرة في كثير من البلاد الإسلامية، وتبناه الجم الغفير من علماء العصر، إنقاذا للأسرة المسلمة من التفكك والانهيار الذي هددها قرونا، ساد فيها الاتجاه القائل بالتوسع في إيقاع الطلاق حتى ادعى فيه الإجماع.. ومثل ذلك "قانون الوصية الواجبة" الذي أخذ به بناء على مذهب بعض السلف في العمل بآية البقرة، وإنها محكمة غير منسوخة: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) [البقرة:180].

4. أن من الإجماع ما يقبل الإبطال بإجماع جديد. وذلك فيما بنى الإجماع فيه على عرف تبدل، أو مصلحة زمنية تغيرت، لأن المصلحة المذكورة هي علة الحكم، والمعلول يدور مع علته وجودا وعدما.

صحيح أن الجمهور منعوا ذلك، لأن كون الإجماع حجة يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له، وجوزه أبو عبدالله البصري، وقال: إنه لا يقتضي ذلك، لإمكان تصور كونه حجة إلى غاية، هي حصول إجماع آخر، قال الصفي الهندي: ومأخذ أبي عبدالله قوي، وقال الرازي: وهو الأولى. وكذلك ذكر العلامة البزدوي: أن الإجماع الاجتهادي يجوز أن ينسخ بمثله. وينبغي حمل كلام الجمهور في عدم الجواز على الإجماع النقلي، أي المبني على دليل نقلي من كتاب أو سنة، فإن الإجماع الثاني لا يتصور إلا بحدوث دليل جديد من كتاب أو سنة، وهو غير ممكن بعد انقطاع الوحي.

5. أن بعض مواضع الإجماع النقلي ذاته قابلة للاجتهاد إذا كان النص مبنيا على رعاية عرف معين أو مصلحة معينة، فتبدل العرف أو تغيرت المصلحة.

مثال ذلك: إجماعهم على أن للزكاة نصابين متفاوتين: أحدهما من الذهب والآخر من الفضة، بناء على ما صح من أحاديث، وما ورد من آثار، بأن للفضة نصابا هو مائتا درهم، وللذهب نصابا هو عشرون دينارا، أو عشرون مثقالا.

وذلك أن هذا الإجماع مبني على عرف قائم في عصر النبوة، وهو وجود عملتين متداولتين في المجتمع، إحداهما من الدراهم الفضية القادمة من فارس والأخرى من الدنانير الذهبية الواردة من دولة الروم، وكان الدينار حينئذ يصرف بعشرة دراهم، فقدر النصاب بمبلغين متساويين في القيمة وقتها.

ولكن الوضع تغير، وخاصة في عصرنا، فأصبحت قيمة النصاب إذا قدر بالفضة دون نصاب الذهب بمراحل. فاقتضى الاجتهاد الصحيح توحيد النصاب، واعتباره بالذهب، لأنه وحدة التقدير التي احتفظت بثباتها النسبي على مر العصور.

وقد أدخل بعض الباحثين هنا ـ مع شرط العلم بمواضع الإجماع ـ العلم بمواضع الخلاف، لما لها من أهمية في تكوين ملكة الفقه والاطلاع على مداركه، ومسالك الاستنباط فيه.

ورأيي أن هذا يدخل في شرط آخر مختلف فيه، وهو معرفة فروع الفقه وهل هي لازمة أو لا؟ وسنعرض لذلك فيما بعد.

شروط مختلف فيها

هذه الشروط المذكورة شبه متفق عليها، وإن كان في بعضها شيء من الخلاف لا يضر.

وهناك شروط مختلف فيها نعرض لأهمها بسرعة.

العلم بأصول الدين

من هذه الشروط العلم بأصول الدين، أي علم الكلام، وما يتعلق بالاعتقاد، فمنهم من يشترط ذلك، وهم المعتزلة، ومنهم من لم يشترط وهم الجمهور. ومنهم من فصل فقال: يشترط العلم بالضروريات، كالعلم بوجود الرب سبحانه وصفاته وما يستحقه والتصديق بالرسل وبما جاءوا به، ولا يشترط العلم بدقائقه. وإليه ذهب الآمدي.

ورأيي أن هذا العلم ليس بضروري للمجتهد في الفقه، وحسبه أن يكون مسلما صحيح العقيدة، وقد كان من أئمة السلف من ينكر "علم الكلام"، وهو مروي عن مالك والشافعي وأحمد، فرأي الجمهور هو الأولى.

على أنه لا يتصور أن يوجد مسلم عالم بالقرآن والسنة، لا يعرف أصول دينه بأدلته. كيف والقرآن الحكيم حافل بروائع الأدلة والبراهين العقلية على وجود الله تعالى ووحدانيته واتصافه بكل كمال، وتنزهه عن كل نقص، وعلى صدق رسله، وعدالة حكمه وعلى إمكان البعث، وضرورة الجزاء..الخ ما هو مثبوت في آيات الكتاب العزيز؟

وقد رأيت الغزالي ذكر في ذلك كلاما حسنا، قال: "قالوا: لا بد أن يعرف حدوث العالم، وافتقاره إلى محدث موصوف بما يجب له من الصفات، منزه عما يستحيل عليه، وأنه متعبد عبادة ببعثة الرسل، وتصديقهم بالمعجزات، وليكن عارفا بصدق الرسول، والنظر في معجزته، والتخفيف في هذا عندي أن القدر الواجب من هذه الجملة اعتقاد جازم، إذ به يصير مسلما، والإسلام شرط المفتي لا محالة فأما معرفته بطرق الكلام، والأدلة المحررة على عادتهم، فليس بشرط، إذ لم يكن في الصحابة والتابعين من يحسن صنعة الكلام، فأما مجاوزة حد التقليد فيه إلى معرفة الدليل فليس بشرط أيضا لذاته، لكنه يقع من ضرورة منصب الاجتهاد، فإنه لا يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم إلا وقد قرع سمعه أدلة خلق العالم، وأوصاف الخالق، وبعثه الرسل وإعجاز القرآن، فإن كل ذلك يشتمل عليه كتاب الله، وذلك محصل للمعرفة الحقيقية، مجاوز بصاحبه حد التقليد، وإن لم يمارس صاحبه صنعة الكلام، فهذا من لوازم منصب الاجتهاد، حتى لو تصور مقلد محض في تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصول الإيمان لجاز له الاجتهاد في الفروع".

معرفة المنطق

ومن الأصوليين من رأى معرفة المنطق ضرورية للأصولي، وهذا هو رأي الغزالي الذي سمى المنطق "معيار العلوم" بل هو لازم في نظره لكل من اشتغل بفن من فنون العلم، حتى يوثق بعلمه، لأنه (الآلة القانونية التي تعصم الذهن عن الخطأ في الفكر).

وقد تحدث عن ذلك في مقدمة "المستصفى" وقد تبعه على ذلك الرازي في "المحصول" والبيضاوي في "المنهاج" ومشى عليه شراح "المنهاج" مثل: الأسنوي والبدخشي.

بيد أن هناك من لم يوافق الغزالي على ذلك، حتى إن من العلماء من حرم تعلم المنطق مثل ابن الصلاح والنووي كما ذكر ذلك صاحب "السلم" فكيف يعد شرطا ضروريا من يراه بعض العلماء حراما؟!

وقد نقد شيخ الإسلام ابن تيمية المنطق نقدا علميا في كتابين له: كبير وصغير، وبين أن المنطق لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد، ولخص ذلك السيوطي في كتابه "صون المنطق والكلام عن علم المنطق والكلام".

ونقل السيوطي في رسالة "الرد على من أخلد إلى الأرض" عن ابن تيمية في كتابه "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان" قوله: من قال من المتأخرين أن تعلم المنطق فرض على الكفاية، وأنه من شروط الاجتهاد، فإنه يدل على جهله بالشرع وبفائدة المنطق وفساد هذا القول معلوم بالضرورة من دين الإسلام، فإن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم، ويكمل علمهم وإيمانهم، قبل أن يعرفوا منطق اليونان.

وسبق ابن تيمية بذلك فلاسفة العصر الحديث في أوروبا، الذين ثاروا على هذا المنطق الصوري، ودعوا إلى المنطق الاستقرائي، وهو الذي قامت على أساسه العلوم التجريبية الحديثة، وهو في الحقيقة مقتبس من الحضارة الإسلامية ولعل مما يفيد هنا الاطلاع على "مناهج البحث العلمي" في صورتها المعاصرة، والاستفادة منها.

وبهذا نرى أن معرفة المنطق ليست شرطا للاجتهاد، كيف ولم يكن يعرفه أحد من الأئمة المتبوعين؟ ولكن قد تفيد دراسته لإلزام الخصم، وفهم بعض الكتب القديمة التي تستخدم طرائقه ومصطلحاته في الاستدلال، وترتيب المقدمات للوصول إلى النتائج.

وأهم من هذا الشرط: أن يكون العالم جيد الفهم، نير البصيرة، سليم التقدير، ذا عقلية متهيئة لهذا النوع من العلم "علم استنباط الأحكام من الأدلة"، وهو ما عبر عنه بعضهم بأن يكون "فقيه النفس".

معرفة فروع الفقه

وأهم الشروط المختلف فيها هو: معرفة فروع الفقه، فذهب جماعة منهم الأستاذ أبو إسحاق والأستاذ أبو منصور إلى اشتراطه.

وذهب آخرون إلى عدم اشتراطه. فقالوا: "وإلا لزم الدور، قالوا: كيف يحتاج إليها ـ أي الفروع ـ وهو الذي يولدها بعد حيازته لمنصب الاجتهاد"؟

قال الغزالي: "فأما الكلام وتفاريع الفقه، فلا حاجة إليهما، كيف يحتاج إلى تفاريع الفقه، وهذه التفاريع يولدها المجتهدون، ويحكمون فيها، بعد حيازة منصب الاجتهاد؟ فكيف تكون شرطا في منصب الاجتهاد، وتقدم الاجتهاد عليها شرط؟" ثم قال: "نعم إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان، ولم يكن الطريق في زمان الصحابة، ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضا".

وما قال الغزالي صحيح، فتحصيل الدربة، وتكوين الملكة، لا يتأتى إلا بالممارسة للفقه، ومطالعة ما ولده المجتهدون من قبل، ومعرفة مداركهم ومآخذ أقوالهم وطرائق اجتهادهم، وتنوع مشاربهم ومنازعهم في الاستنباط والاستدلال.

ولهذا كانت معرفة الفقه لازمة، وبخاصة مواضع الاختلاف فيه، وأسبابها، وأدلة كل منها، فهذا هو الذي يكون العقلية المتهيئة للاجتهاد.

ومن هنا شدد السلف من علمائنا على معرفة اختلاف الفقهاء.

يقول قتادة: "من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه".

قال هشام بن عبيد الله الرازي: "من لم يعرف اختلاف القراء فليس بقارئ ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء، فليس بفقيه!".

وقال عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس فإن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه!

وقال سعيد بن أبي عروبة: "من لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالما!".

وقال سفيان ابن عيينة: "أجسر الناس على الفتوى أقلهم علما باختلاف العلماء".

وروى عن أيوب السختياني مثله.

ومن حسن حظ المعاصرين اليوم: أن بين أيديهم عددا من المصادر الغنية باختلاف فقهاء الأمة، منذ عصر الصحابة، أصبحت مطبوعة متداولة منها: "مصنف عبد الرزاق"، وقد طبع محققا في بيروت في أحد عشر مجلدا. ومنها "مصنف ابن أبي شيبة"، وقد طبع مؤخرا في بومباي بالهند في خمسة عشر مجلدا، ومنها "المحلى" لابن حزم وقد طبع عدة مرات ومنها "السنن الكبرى" للبيهقي، وقد طبع في عشر مجلدات كبار، ومنها "المغني" لابن قدامة وقد طبع عدة مرات أيضا. ومنها "المجموع" للنووي، و"بداية المجتهد" لابن رشد، و"الروض النضير" للسياغي، و"البحر الزخار" للمهدي بالإضافة إلى "سبل السلام" و"نيل الأوطار" من كتب فقه الحديث.

ومنها كتب بعض المذاهب التي تعنى بالرد على مذهب معين مثل كتب الحنفية التي تعنى بالرد على الشافعية خاصة مثل "الهداية" وشروحها مثل "فتح القدير" لابن الهمام و"بدائع الصنائع" للكاساني، و"الاختيار" لابن مودود.

وقال العلامة الشيخ محمد الخضر حسين:

والتحقيق أن معرفة المذاهب، ودراسة أحكام الفقه مربوطة بأصولها، مما يخطو بالعالم في سبيل الاجتهاد خطوات سريعة، لولا دراسة الفقه على هذا الوجه لأنفق في بلوغها مجهودا كبيرا، وزمنا طويلا.. ثم أنه يأمن العثار والخطأ في الفتوى أكثر مما إذا لم يدرس أقوال الأئمة من قبله.

وقد لمست بالتجربة أن الذين يتعرضون للاجتهاد والفتوى ممن لم يتمرسوا بالفقه ويعيشوا بين كنوزه، من أساتذة التاريخ أو الأدب، أو التصوف، أو الفلسفة، أو الدعوة.. يخطئون أكثر مما يصيبون وخصوصا في القضايا الجديدة ـ أو مواضع الاشتباه ومفارق الطرقات.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:54


العلم بأصول الفقه

ومما لابد للمجتهد من معرفته: علم أصول الفقه، وهو علم ابتكره فقهاء الإسلام لإرساء قواعد الاستنباط فيما فيه نص، وضبط الاستدلال فيما لا نص فيه، وهو من مفاخر التراث الإسلامي، ودراسة هذا العلم والتعمق في فهمه ألزم ما يكون للمجتهد وذلك لما تعطيه دراسة "أصول الفقه" لمن يتصدى للاجتهاد من قدرة على الاستدلال، وتمكن من الاستنباط بشروطه، فالبحوث الضافية الموسعة عن الأدلة: المتفق عليه "الكتاب والسنة والإجماع والقياس" والمختلف فيه "شرع من قبلنا، والاستحسان، والمصلحة المرسلة، والعرف والاستصحاب..الخ"، وشروط الاستدلال بهذه الأدلة، وعن المباحث اللغوية من دلالات الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم، والظاهر والمؤول، والنص والإشارة والفحوى، وغيرها.. كل ذلك يجعل المجتهد يقف على أرض صلبة.

قال العلامة الشوكاني: الشرط الرابع أن يكون عالما بأصول الفقه، لاشتماله على ما تمس الحاجة إليه، وعليه أن يطول الباع فيه، ويطلع على مختصراته ومطولاته بما تبلغ به طاقته، فإن هذا العلم هو عماد فسطاط الاجتهاد، وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه، وعليه أيضا أن ينظر في كل مسألة من مسائله نظرا يوصله إلى ما هو الحق فيها، فإنه إذا فعل ذاك تمكن من رد الفروع إلى أصولها بأيسر عمل.. وإذا قصر في هذا الفن صعب عليه الرد، وخبط فيه وخلط.

قال الفخر الرازي في المحصول وما أحسن ما قال: إن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه. انتهى.

وقال الغزالي: "إن أعظم علوم الاجتهاد يشتمل على ثلاثة فنون: الحديث واللغة وأصول الفقه.

معرفة القياس

ويدخل في العلم بأصول الفقه: العلم بالقياس وقوانينه وضوابطه وشرائطه المعتبرة، وما يدخل فيه القياس وما لا يدخل، ومعرفة أوصاف العلة التي يبنى عليها القياس، ويلتحق الفرع بالأصل، لأن القياس ـ كما قال الأسنوي ـ قاعدة الاجتهاد والموصل إلى الأحكام التي لا حصر لها.

ولهذا جعله بعضهم شرطا مستقلا، بل بعضهم جعل الاجتهاد والقياس بمعنى واحد، والصواب أن الاجتهاد أعم من القياس، فهو يشمل الاجتهاد بطريق الاستنباط من النص، والاجتهاد بطريق القياس على المنصوص، والاجتهاد عن طريق الاستصلاح أو الاستحسان ونحوها من الأدلة فيما لا نص فيه.

ولا داعي لجعل معرفة القياس شرطا مستقلا، بعد اشتراط التمكن من علم أصول الفقه، فهو ـ كما قال الشوكاني ـ باب من أبوابه، وشعبة من شعبه.

وهذا القيد ـ معرفة القياس ـ لا يشترطه بالطبع من ينكر القياس ولا يعمل به مثل الظاهرية، فهل يعتبر اجتهادهم حينئذ أم لا؟ وهل يعدون في أهل الإجماع أم لا؟

عزى إلى الجمهور أنهم قالوا: إن نفاة القياس لا يبلغون درجة الاجتهاد.

ومن أهل العلم من لم يتمسك بهذا الشرط في حق من لم يقل بالقياس، وعد الظاهري مجتهدا إذا تحققت فيه الشروط الأخرى، ومن ذا ينكر أن أبا سليمان داود بن علي أو أبا محمد علي بن حزم قد بلغا درجة الاجتهاد المطلق؟!

وينبني على هذا أن يكون خلافهم معتدا به، فلا إجماع فيما خالفوا فيه من الأحكام، وهذا ما ذكره الأستاذ أبو منصور البغدادي: أنه الصحيح من مذهب الشافعية، وقال ابن الصلاح: أنه الذي استقر عليه الأمر.

وقال الشوكاني: "قال القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق: أنه لا يعتد بخلاف من أنكر القياس"، ونسبه الأستاذ إلى الجمهور، وتابعهم إمام الحرمين والغزالي. قالوا: لأن من أنكر لا يعرف طريق الاجتهاد، وإنما هو متمسك بالظواهر، فهو كالعامي الذي لا معرفة له.

قال الشوكاني: ولا يخفاك إن هذا التعليل يفيد خروج من عرف القياس وأنكر العمل به، كما كان من كثير من الأئمة، فإنهم أنكروه عن علم به لا عن جهل.

قال النووي في باب السواك من شرح مسلم: "مخالفة داود لا تقدح في انعقاد الإجماع، على المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون".

وقال صاحب "المفهم": "جل الفقهاء والأصوليين: أنه لا يعتد بخلافهم بل هم من جملة العوام، وأن من اعتد بهم فإنما ذلك لأن مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام في انعقاد الإجماع. والحق خلافه.

وقال القاضي عبد الوهاب في "الملخص" يعتبر كما يعتبر خلاف من ينفي المراسيل ويمنع العموم ومن حمل الأمر على الوجوب لأن مدار الفقه على هذه الطرق.

وقال الجويني: "المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنا، لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد وألا تفي النصوص بعشر معشارها". ويجاب عنه بأن من عرف نصوص الشريعة حق معرفتها، وتدبر آيات الكتاب العزيز، وتوسع في الاطلاع على السنة المطهرة، علم بأن نصوص الشريعة جمع جم، ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا قياس مقبول. وتلك شكاة ظاهرة عنك عارها، نعم قد جمدوا في مسائل كان ينبغي لهم ترك الجمود عليها، ولكنها بالنسبة إلى ما وقع في مذاهب غيرهم من العمل بما لا دليل عليه ألبته قليلة جدا.

هذا ولا يقال: إن فقهاء الصحابة والتابعين لم يكونوا يعرفون أصول الفقه ولا القياس الذي تتحدثون عنه، فلماذا تشددون على الناس اليوم، وتلزمونهم بما لم يلتزمه السلف؟

ونقول: "إن الصحابة كانوا يعرفون هذه الأشياء بنور البصيرة والفطرة، كما كانوا يعرفون النحو بالسليقة، ولكن ما كانوا يعرفونه بالبصيرة والسليقة قد نما ونظم وقنن، فوجب علينا أن نتعلمه حتى نصل إلى ما كانوا عليه بطريق منظم، وكما لا يستغنى اليوم عن علم النحو، لا يستغنى كذلك على أصول الفقه.

وقد رأينا عجبا ممن يقحمون أنفسهم في ميدان الاجتهاد والفتوى، وهم لم يتقنوا علم "الأصول" بل أحيانا دون أن يقرءوا كتابا واحدا فيه! فكثيرا ما يستدلون بالمطلق وينسون المقيد، ويحتجون بالعام، ويهملون الخاص، ويأخذون بالنص ويغفلون القياس، أو يقيسون على غير أصل، أو يقيسون مع عدم وجود علة مشتركة، أو مع وجود فارق معتبر بين الفرع المقيس والأصل المقيس عليه.

ولأضرب مثلا بما كتبه بعضهم في بعض الصحف اليومية في القاهرة: إنه لا ربا بين الحكومة والشعب، قياسا على أنه "لا ربا بين الوالد وولده"، وهذا الحكم الذي اعتبروه "أصلا" ليس فيه نص ولا إجماع، بل هو قول لبعض المذاهب، فكيف يعتبر أصلا مقررا يقاس عليه غيره؟ وإنما القياس على ما فيه نص ثابت، أو إجماع يقيني.

على أننا لو سلمنا بهذا الحكم، "أن لا ربا بين الوالد وولده" لا نسلم بأن الحكومة مع الشعب كالوالد مع ولده، فقد جاء الحديث صريحا بالنسبة للوالد وولده، إذ قال: "أنت ومالك لأبيك".

فهل نفتي بأن الشعب وأموله للحكومة، ونجرئ الحكام على أموال الناس وحرماتهم وأملاكهم الخاصة، ونقول لهم: أنتم وأموالكم للحكومة؟!

وترى أحدهم يقول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" وهذا صحيح على ما فيه من خلاف، ولكنه لا يدري ما هو العام؟ وما هو الخاص؟ وما هي ألفاظ العموم"؟

كما قال بعضهم في قوله تعالى في نساء النبي: (وقرن في بيوتكن) (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) هذا لجميع النساء، والعبرة بعموم اللفظ! وأين عموم اللفظ هنا؟ وإنما هو خطاب خاص مسبوق بقوله: (يا نساء النبي) مؤكد بقوله: (لستن كأحد من النساء) وذكر من الأحكام القدرية والتكليفية ما هو من خصوصياتهن مثل مضاعفة العذاب لمن عصت منهن (يضاعف لهن العذاب ضعفين) ومضاعفة الثواب لمن أحسنت منهن (نؤتها أجرها مرتين) وتحريم نكاحهن بعده صلى الله عليه وسلم.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 17:59


العلم بمقاصد الشريعة
ومن الشرائط المهمة: ما نبه عليه الإمام أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته" وهو: العلم بمقاصد الشريعة، التي لأجلها أنزل الله الكتاب، وبعث الرسول وفصل الأحكام. فالشريعة إنما جاءت برعاية مصالح البشر المادية والمعنوية، الفردية والاجتماعية، رعاية قائمة على العدل والتوازن، بلا طغيان ولا إخسار. وهذه الرعاية تشمل المصالح في رتبها الثلاث: "الضروريات، والحاجيات، والتحسينات"، وما يكملها وما يتبعها من درء المفاسد والمضار بكل مراتبها.
وقد بين الله تعالى المقصد الأسمى لرسالة رسوله فقال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [سورة الأنبياء:107] هكذا بصيغة الحصر، وقال: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) [سورة النحل:89].
ولهذا قال الإمام ابن القيم في فصل "تغير الفتوى" من "أعلامه":
"إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والميعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل".

لهذا كان العلم بمقاصد الشريعة في غاية الأهمية حتى لا يغلط عليها الغالطون ويجروا وراء الأحكام الجزئية مهملين المقاصد الكلية، فيخلطون ويخبطون.

ولقد اهتم الشاطبي رحمه الله بهذا الشرط ونوه به، حتى جعله هو سبب الاجتهاد، لا مجرد شرط، فقد جعل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:

أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، وأنها مبنية على اعتبار المصالح برتبها الثلاث، يقول: إذا بلغ الإنسان مبلغا فهم فيه عن الشارع مقصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في نزوله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا، والحكم بما أراه الله.

الوصف الثاني: هو التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها.. وذلك بواسطة معرفة العربية، ومعرفة أحكام القرآن والسنة والإجماع..الخ. فإن هذه أدوات الاستنباط.

والشاطبي جعل الثاني كالخادم للأول، لأن الأول هو المقصود والثاني وسيلة.

والشاطبي محق في الاعتداد بهذا الأمر، واعتبار الجزئيات بالكليات، من غير إهمال الجزئيات أيضا. وقد منح رحمه الله هذا الموضوع اهتماما بالغا في كتابه الفريد "الموافقات"، حيث شغل الأصوليون قبله بالمباحث اللفظية، ولم يعطوا هذا الأمر ما يستحق، كما شغل علماء الفقه بالأحكام الجزئية، وغفلوا عن المقاصد، وترتب على ذلك ظهور فن "الحيل الفقهية" التي يضاد معظمها مقاصد الشريعة، وهذا ما عني بإبطاله العلامة ابن القيم، وقبله شيخه الإمام ابن تيمية.

وربما قيل: إن أحدا من الأصوليين لم يذكر هذا الشرط الذي عول عليه الشاطبي للاجتهاد!

والجواب من وجهين:

أحدهما: أنهم لعلهم اكتفوا بما ذكروه من وجوب الرسوخ في معرفة القرآن والسنة، فهذا يؤدي بدوره إلى معرفة مقاصد الشريعة، لأنها إنما تعرف منهما أولا وبالذات لمن أحسن فهمهما.

والثاني: أنهم أشاروا إلى أهمية معرفة القواعد الكلية، وإن لم يفردوها بالذكر كما ذكر الغزالي نقلا عن الشافعي فيما ينبغي للمجتهد أن يعمله، قال: ويلاحظ القواعد الكلية أولا، ويقدمها على الجزئيات كما في القتل بالقتل، فتقدم قاعدة الدرع على مراعاة الاسم، فإن عدم قاعدة الكلية، نظر في النصوص ومواقع الإجماع.

بل إن الإمام السبكي جعل الإحاطة بمعظم قواعد الشرع شرطا مستقلا، بحيث يكتسب بها قوة يفهم مقصود الشارع.

وذلك مثل قواعد: "الضرر يزال" "ارتكاب أخف الضررين" "الضروريات تبيح المحظورات" "المشقة تجلب التيسير" وغيرها مما ألفت فيه كتب "القواعد" و"الأشباه" و"الفروق".

على أن هذا مما يمكن أن يدخل تحت "مقاصد الشريعة".

والناظر في فقه الصحابة رضي الله عنهم يجد أنهم أولوا هذا الأمر عنايتهم، ونظروا إلى مقاصد الشريعة في فتواهم، مع نظرهم إلى النصوص الجزئية.

وهذا هو الذي جعل عمر رضي الله عنه يتوقف أول الأمر في قسمة سواد العراق على الفاتحين، ولم يأخذ بالنص الجزئي في قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه..) [الأنفال:41] وما ذلك إلا لأنه وجد توزيع مثل هذه المساحات الهائلة على عدد محدود من الأفراد، يترتب عليه مفاسد تأباها الشريعة التي جاءت تقيم العدل والتكافل بين المسلمين بعضهم وبعض، على اتساع المكان، وامتداد الزمان، فهو تكافل بين الأقطار الإسلامية، وتكافل بين الأجيال الإسلامية، ولذا قال لهم عمر: "تريدون أن يأتي آخر الناس وليس لهم شيء؟" وقال: "إني رأيت أمرا يسع أول الناس وآخرهم.." وساعده على هذا الفهم ما شرح الله له صدره من تدبر آيات سورة الحشر في قسمة الفيء. وهذا ما جعل معاذ بن جبل يقول لأهل اليمن: "ائتوني بخميص أو لبيس (نوع من المنسوجات اليمنية) آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم، وأنفع للمسلمين بالمدينة" فأجاز أخذ القيمة في الزكاة وغيرها، لما ذكره من المصلحة.

وهو ما ذكره البخاري في صحيحه ومال إليه، ووافق فيه الحنفية على كثرة مخالفته لهم، كما ساقه إلى ذلك الدليل البين.

ونظرتهم إلى المقاصد هي التي جعلتهم يفعلون أشياء لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا فيها مصلحة الأمة، مثل جمع المصحف في عهد أبي بكر، وجمع الناس على المصحف الإمام في عهد عثمان، وتضمين علي للصناع.. وغير ذلك..

والذي يبدو لي أن هذا الشرط ـ رغم أهميته ـ ليس شرطا لبلوغ رتبة الاجتهاد بل هو شرط لصحة الاجتهاد، واستقامته. كما قاله شيخنا الأكبر محمد الخضر حسين رحمه الله في شرط معرفة "مواقع الإجماع".

وذلك أن هذا مبني على أن أحكام الشريعة معللة، وهو ما تشهد به مئات النصوص من القرآن والسنة، وجرى عليه الفقهاء من عهد الصحابة فمن بعدهم، ومن أجل هذا كان القياس أحد مصادر الشريعة عند جمهور الأمة.

وإذا كان الظاهرية وبعض الشيعة والمعتزلة ينكرون تعليل الأحكام والقياس، وهم مع هذا مجتهدون على الصحيح، كان هذا دليلا على أن الإنسان يمكن أن يبلغ مرتبة الاجتهاد، وإن لم يراع المقاصد، ولكن اجتهاده فيما يحتاج إلى رعاية المقاصد لا يكون صحيحا، ويغلب عليه الخطأ، وإن كان صاحبه معذورا، بل مأجورا، مثل الذين صلوا العصر في بني قريظة بعد المغرب، أخذا بحرفية النص دون مقصوده.

أضرب لذلك مثلا بما ذهب إليه ابن حزم ومن وافقه أن عروض التجارة لا زكاة فيها، وإن بلغت قيمتها الألوف وألوف الألوف! وذلك لأنه لم يثبت لديه نص خاص في زكاة التجارة، ولم يلتفت إلى النصوص العامة، ولا إلى مقصد الشارع من إيجاب الزكاة على الأغنياء، فأعفى بذلك ملايين الريالات والدنانير والجنيهات من الزكاة الواجبة، إلا إذا تحولت العروض إلى مال سائل من الذهب أو الفضة وحال عليه الحول، وهذا قلما يحدث في عصرنا إلا في نسبة ضئيلة من مال التجارة.

ومما يؤسف له أن بعض المشتغلين بالحديث في عصرنا يتبنى رأي ابن حزم ويفتي به التجار، الذين قد يعتمدون على فتواه، ولا يخرجون من أموالهم هذا الحق المعلوم! كأن التجار وحدهم ـ دون سائر أصحاب الأموال ـ في غير حاجة إلى تزكية أنفسهم وتطهير أموالهم، وشكر نعمة ربهم، والإسهام في كفالة ذوي العوز في مجتمعهم، وفي حماية المصالح العامة لملتهم!

ومثل ذلك رفض ابن حزم لإخراج القيمة في زكاة المال وزكاة الفطر، وإن دعت إلى ذلك الحاجة، واقتضته المصلحة، وهو ما نرى اليوم بعض العلماء الجامدين على النصوص يفتون به الجماهير في زكاة الفطر، ويمنعون منعا باتا إخراج القيمة، ويأبون إلا الحبوب، وغالب قوت البلد من القمح أو الشعير ونحوهما، وهو ما لم يعد يجده ـ بسهولة ـ غني أو ينتفع به فقير، في المدن الإسلامية، التي أصبحت تشتري الخبر جاهزا، ولا تحتاج إلى الحبوب.

وكل من وقف عند ظواهر النصوص الجزئية، وأهمل المقاصد الكلية، يتعرض للخطأ في اجتهاده.

وقد شاهدنا من ذلك في زمننا صورا متعددة وصارخة.

من ذلك ما ارتآه بعض المعاصرين في شأن النقود الورقية التي يجرى بها التعامل بين الناس في شتى الأقطار، فقد ذهب هؤلاء إلى أن هذه النقود ليست هي النقود الشرعية التي جاءت بها النصوص، ورتبت عليها الأحكام في الزكاة والربا وغيرهما.. وانتهى هؤلاء الحرفيون إلى أن هذه النقود لا يجري فيها الربا المحرم، ولا تجب فيها الزكاة المفروضة.

وقد بينت خطأ هؤلاء في "فقه الزكاة".



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 18:00

العدالة والتقوى
ومن الشروط التي اتفق عليها الأصوليون: أن يكون المجتهد عدلا مرضي السيرة يتقي الله تعالى، ويتحرى الحق، ولا يبيع دينه بدنياه، فضلا عن دنيا غيره، لأن الفاسق والمتلاعب بالدين، والذي يجري وراء الشهرة الزائفة، لا يؤتمن على شرع الله تعالى أن يقوم فيه مقام النبي صلى الله عليه وسلم مفتيا ومبلغا ومعلما.

وإذا كان الذي يشهد على الناس في دراهم معدودة يجب أن يكون عدلا مرضيا عند المؤمنين، كما قال تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله) [سورة الطلاق:2] وقال في آية المداينة: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، ممن ترضون من الشهداء) [سورة البقرة:282] فكيف بإنسان يشهد على الله تعالى أنه أحل أو حرم، أو أوجب أو رخص، أو صحح أو أبطل؟!

والحقيقة أن هذا الشرط ليس مطلوبا لبلوغ رتبة الاجتهاد، بل لقبول اجتهاد المجتهد وفتواه عند المسلمين، فقد يبلغ العاصي درجة الاجتهاد إذا حصل شروطه العلمية، وفي هذه الحالة يكون اجتهاده لنفسه صحيحا، أما لغيره فلا.

بيد أن مما يذكر هنا أن المرء لا يتقي الله تعالى ولا يخاف حسابه، قلما يوفق إلى الصواب، ويخشى أن تطمس ظلمة المعصية نور الفقه في قلبه، ولهذا قال الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إن تتقواالله يجعل لكم فرقانا) [سورة الأنفال:29].

ومن المشهور هنا ما ينسب إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي!

وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاص!

ولهذا وجدنا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من بعده، ترشد إلى أهمية العبادة والتقوى والصلاح لدى من يتعرض للاجتهاد والفتوى والقضاء.
فعن علي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "شاوروا فيه الفقهاء والعابدين ولا تمضوا فيه رأي خاصة".
فنبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اشتراط العبادة بجانب العلم والفهم: "الفقهاء والعابدين".

ونحو ذلك ما رواه الدارمي في "سننه" عن أبي سلمة الحمصي مرسلا: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة؟ فقال: "ينظر فيه العابدون من المؤمنين".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثم إن الله عز وجل قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقول: إني أخاف وإني أخاف، فإن الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك".

وكتب عمر رضي الله عنه إلى قاضيه شريح: "أن اقض بكتاب الله، فإن لم يكن فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن فاقض بما قضى به الصالحون".
كما نجد أئمة الفقه والاجتهاد ينوهون بأثر التقوى والصلاح في التوفيق لإصابة الحق. وقال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وقد اطلع على أقضية حفص بن غياث قاضي الكوفة وبغداد: "حفص ونظراؤه يعانون (أي يعينهم الله ويوفقهم) بقيام الليل" وقال الإمام أحمد بن حنبل في عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراقي أحد أصحابه: "رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق".



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 18:03

موقف الاجتهاد المعاصر من التراث الفقهي
على أن الاجتهاد لا ينحصر في دائرة المسائل الجديدة، بل له مهمة أخرى مع التراث الفقهي، لإعادة النظر فيه على ضوء ظروف العصر وحاجات الناس، لاختيار أرجح الآراء، وأليقها بتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الخلق، بناء على قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والإنسان.

فليس صحيحا أن الأول لم يترك للآخر شيئا، بل الصحيح ما قاله أهل التحقيق: كم ترك الأول للآخر! بل كم فاق الأواخر الأوائل!

ولا تقتصر إعادة النظر هذه على أحكام "الرأي" أو "النظر" وهي التي أنتجها الاجتهاد فيما لا نص فيه. بناء على أعراف أو مصالح زمنية لم يعد لها الآن وجود أو تأثير، بل يمكن أن يشمل بعض الأحكام التي أثبتتها نصوص ظنية الثبوت كأحاديث الآحاد. أو ظنية الدلالة، وأكثر نصوص القرآن والسنة كذلك. فقد يبدو للمجتهد اليوم فيها فهم لم يبد للسابقين، وقد يظهر له رأي ظهر لبعض السلف أو الخلف، ثم هجر ومات. لعدم الحاجة إليه حينذاك، أو لأنه سبق زمنه، أو لعدم شهرة قائله، أو لمخالفته للمألوف الذي استقر عليه الأمر زمنا طويلا أو لقوة المعارضين له، وتمكنهم اجتماعيا أو سياسيا، أو لغير ذلك من الأسباب.

وينبغي أن يكون الاجتهاد في عصرنا اجتهادا جماعيا في صورة مجمع علمي يضم الكفايات الفقهية العالية، ويصدر أحكامه في شجاعة وحرية بعيدا عن كل المؤثرات والضغوط الاجتماعية والسياسية، ومع هذا لا غنى عن الاجتهاد الفردي، فهو الذي ينير الطريق أمام الاجتهاد الجماعي، بما يقدم من دراسات عميقة، وبحوث أصيلة مخدومة، بل إن عملية الاجتهاد في حد ذاتها عملية فردية قبل كل شيء.

إن الاجتهاد الذي ننشده وندعو إليه ـ بقيوده وشروطه الشرعية ـ يمثل حاجة، بل ضرورة لحياتنا الإسلامية، وعلاج مشكلاتنا المعاصرة وإلا أصيبت حياتنا بالجمود والعفن، أو بحثت لأدوائها ـ في الغالب ـ عن علاج من غير صيدلية الإسلام، فإن جمودنا ووقوفنا في موضعنا، لا يوقف الأفلاك عن الحركة، ولا الأرض عن الدوران!



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدى
مشرفة
مشرفة


عدد المساهمات : 1778
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإجتهاد في الشريعة الإسلامية   الثلاثاء 28 مايو - 18:04

الاجتهاد الانتقائي

ونعني بالاجتهاد الانتقائي: اختيار أحد الآراء المنقولة في تراثنا الفقهي العريض للفتوى أو القضاء به، ترجيحا له على غيره من الآراء والأقوال الأخرى.

ولست مع الذين يقولون: إن أي رأي فقهي إلينا عن أحد المجتهدين نقلا صحيحا يجوز لنا أن نأخذ به دون بحث عن دليله، وخصوصا إذا كان منسوبا إلى أحد المذاهب المتبوعة.

فالواقع أن مثل هذا الأخذ تقليد محض، وليس: من الاجتهاد الذي ندعو إليه في شيء، لأنه مجرد أخذ قول غير المعصوم، بلا حجة.

إنما الذي ندعو إليه هنا: أن نوازن بين الأقوال بعضها وبعض، ونراجع ما استندت إليه من أدلة نصية أو اجتهادية، لنختار في النهاية ما نراه أقوى حجة وأرجح دليلا، وفق معايير الترجيح، وهي كثيرة، ومنها: أن يكون القول أليق بأهل زماننا، وأرفق بالناس، وأقرب إلى يسر الشريعة، وأولى بتحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، ودرء المفاسد عنهم.

ومما لا يجهله دارس أن عندنا ثروة من الآراء والأقوال المختلفة في أكثر مسائل الفقه، فإن المجمع عليه قليل جدا بالنسبة للمختلف فيه، بل كثير مما ادعى الإجماع عليه، ثبت أن فيه خلافا.

ولابد للفقيه المعاصر أن يختار من الآراء المذكورة رأيا يرجحه، ولا يدع الناس في حيرة بين الرأي وضده، حتى أنها أحيانا لتغطي كل احتمالات القسمة العقلية.

وهذا واضح في مثال قتل المكره، أعني من قتل إنسانا تحت ضغط الإكراه الملجئ، فعلى من يكون القصاص؟

قيل: القصاص على من باشر القتل وهو المكره (بفتح الراء)، لأنه هو الذي باشر القتل.

وقيل: القصاص على من أكرهه، لأن القاتل بمثابة آلة له.

وقيل: القصاص عليهما، الأول بمباشرته، والثاني بإكراهه.

وقيل: لا قصاص على أي منهما، لأن جناية كل واحد منهما لم تتكامل.

الخلاف الفقهي ليس شرا

ولا يحسبن القارئ أن هذا الخلاف الفقهي شر أو خطر، كلا. فهو دليل على مرونة شريعتنا، وخصوبة مصادرنا، وثراء فقهنا، وتسامح أئمتنا، فقد تعايشت هذه الأقوال والآراء جنبا إلى جنب، في عصور الاجتهاد، برغم اختلاف منازعها، وتعدد مشاربها، ولم تكن بينها إلا التعاون والاحترام المتبادل، وأقصى ما قال مجتهد عن نفسه: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

بل كان هناك من يرى أن رأي كل مجتهد صواب، وأن حكم الله في المسألة هو ما انتهى إليه المجتهد في اجتهاده. وهؤلاء هم الذين يسمون "المصوبة".

بل رأينا في داخل المذهب الواحد خلافا، يقل ويكثر، ويضيق ويتسع، بسبب تعدد الروايات عن إمام المذهب، وأقوال أصحابه، واختيارات من بعدهم، حتى مذهب الإمام أحمد الذي يظن أنه يقوم على الأثر، قد ملأ الخلاف المذهبي فيه صحائف اثنى عشر مجلدا، وذلك في كتاب "الإنصاف في الراجح من الخلاف، على مذهب الإمام المبجل، أحمد بن حنبل".

إنما الذي نريده هنا أن ننتقي من هذه التركة الغنية ما نراه أوفق بمجتمعاتنا وعصرنا، بعد البحث والموازنة والتمحيص.

وقد رأينا صاحبي أبي حنيفة: أبا يوسف ومحمدا يخالفانه في بعض القضايا لتغير زمانهما عن زمانه، ويقول في ذلك علماء المذهب: هذا اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان.

سعة دائرة الترجيح والانتقاء

وفي دائرة هذا الانتقاء يجوز لنا أن نرجح رأيا من داخل المذاهب الأربعة، ربما كان هو الرأي المفتى به في المذهب، وربما كان غير المفتي به. لأن المفتى به في عصر معين، وفي بيئة معينة، وفي ظل ظروف معينة، قد يصبح غير صالح للإفتاء به إذا تغير العصر، أو تغيرت البيئة، أو تغيرت الظروف، وهو ما عبر عنه علماؤنا بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف.

ومن أجل هذا اختلفت التصحيحات والترجيحات داخل المذهب الواحد من عصر إلى عصر، فكم من قول في مذهب كان مهجورا، جاء من أبرزه وشهره، وكم من قول كان مرجوحا، ثم جدت وقائع وأحوال، جعلت بعض العلماء يرجحه ويقويه، حتى أصبح هو المعتمد والمفتى به، والأمثلة على ذلك كثير داخل المذاهب الأربعة.

وقد تأخذ في مسألة بمذهب مالك، وفي أخرى بمذهب أبي حنيفة وفي ثالثة بمذهب الشافعي وفي رابعة بمذهب أحمد.

كما إذا أخذنا في مصارف الزكاة مثلا بمذهب مالك في بقاء سهم (المؤلفة قلوبهم) وبمذهب أبي حنيفة في جواز نقل الزكاة لذي رحم محرم، أو لمن هو أشد حاجة وبمذهب الشافعي في إعطاء الفقير والمسكين ما يكفيه طول عمره، ولا يحوجه إلى الزكاة مرة أخرى.

وبمذهب أحمد في صرف الزكاة في شراء السلاح والكراع ونحوها باعتبارها "في سبيل الله" دون قصرها على الغزاة المتطوعين.

وقد تأخذ في جزء من المسألة بمذهب أحدهم، وفي جزء آخر بمذهب غيره وليس هذا تلفيقا كما ذهب إليه المتأخرون، ومنعوه في بعض الصور، لأن التلفيق المقصود يعني ترقيع بعض الأقوال ببعض بغير دليل، إلا التقليد المحض، واتباع ما يشتهى لا ما يصح ويترجح.. بخلاف ما ندعو إليه هنا، فإنه اتباع للدليل حيث كان، سواء وافق هذا المذهب أم لم يوافق، وإنما تذكر الموافقة من باب الاستئناس والتقوية.

وهذا ما ترجح للعلماء الناظرين في المعاملة التي تجريها "المصارف الإسلامية" والتي أطلق عليها "بيع المرابحة للآمر بالشراء" فقد رجحوا جوازها، بناء على أن الأصل في المعاملات الإذن والإباحة، وأن الأصل في البيوع الحل (وأحل الله البيع وحرم الربا) ووافقوا في هذا مذهب الشافعي الذي نص عليه في الأم بقوله.

ولكنهم خالفوا الشافعي هنا، حيث رأى أن الآمر بالشراء أو الواعد به، مخير بعد شراء المأمور السلعة بالفعل: إن شاء أمضى البيع المتواعد عليه، وإن شاء تركه.

والذي رآه هؤلاء ـ ورأيته معهم ـ أن وعده بالشراء بعد طلب السلعة ملزم له، بناء على وجوب الوفاء بالوعد ديانة، كما تدل عليه ظواهر النصوص من القرآن والسنة، وكما ذهب إليه عدد من علماء السلف والخلف، وأن كل ما هو واجب ديانة يجوز الإلزام به قضاء.. وبعضهم كان قاضيا يلزم بالوعد، وقد كتبت في ذلك دراسة ضافية.

وفي دائرة الانتقاء يجوز لنا الخروج على المذاهب الأربعة، لاختيار رأي قال به أحد فقهاء الصحابة أو التابعين، أو من بعدهم من أئمة السلف.

ومن الخطأ الظن بأن رأي أمثال عمر وعلي وعائشة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ومعاذ وغيرهم من علماء الصحابة، أو رأي مثل ابن المسيب والفقهاء السبعة وابن جبير، وطاوس وعطاء والحسن وابن سيرين والزهري والنخعي أو مثل الليث بن سعد والأوزاعي والثوري والطبري وغيرهم دون رأي الأئمة المتبوعين.

ولهذا لم أجد حرجا أن آخذ في قضية الرضاع برأي الليث بن سعد وداود بن علي، وأصحابه من الظاهرية ومنهم ابن حزم، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد: في اعتبار الرضاع ما كان عن طريق التقام الثدي وامتصاص اللبن منه، دون الوجور ـ الصب في الحلق ـ أو السعوط ـ الصب في الأذن ـ ونحوهما، لأن هذا ما تدل عليه كلمة "الرضاع" و"الرضاعة" و"الإرضاع"، التي رتب عليها التحريم في القرآن والسنة. وهو ما وقف عنده ابن حزم ووضحه بكل قوة، وعلى أساسه أجزت "بنوك الحليب" إذا دعت إليها الحاجة، واقتضتها المصلحة، بالإضافة إلى عنصر الشك فيمن أرضعت، وكم أرضعت، واختلاط لبنها بلبن غيرها.. مما يضعف في النهاية القول بالتحريم، كما نصت عليه كتب المذهب الحنفي.

وقد ذهب العلامة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود في رسالته "يسر الإسلام" إلى جواز الرمي قبل الزوال في الحج، موافقا في ذلك رأي فقيهين من فقهاء التابعين هما عطاء وطاوس، ومستندا إلى عدد من الحجج والاعتبارات الشرعية القوية منها:

1. الحاجة التي تبلغ مبلغ الضرورة في بعض الأعوام حينما يشتد الزحام حتى يهلك الناس تحت الأقدام، كما في الموسم الفائت (1403هـ) حيث بلغ عدد الحجاج نحو ثلاثة ملايين.

2. اليسر الذي قامت عليه الشريعة بصفة عامة، وفي الحج بصفة خاصة، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم، ما سئل عن أمر قدم ولا أخر من أفعال الحج وإلا قال "افعل ولا حرج".

3. أن الرمي من الأمور التي تحدث بعد التحلل النهائي من الإحرام بالحج.

4. أن أبا حنيفة: أجاز الرمي قبل الزوال في يوم النفر، لحاجة المسافر إلى التكبير.

5. أن الحنابلة أجازوا للحاج أن يؤخر الرمي كله إلى اليوم الأخير.

6. أنهم أجازوا تأخير الرمي إلى الليل.

7. أن القصد من الرمي هو الذكر ـ كما في الحديث "إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله تعالى" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وقال تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) وأجمعوا على أنها أيام التشريق الثلاثة من الحادي عشر إلى الثالث عشر من ذي الحجة.

وذكر الله في هذه الأيام هو التكبير في أدبار الصلوات، والدعاء والتكبير عند رمي الجمار، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص هذا المقام بتطويل الوقوف للذكر والدعاء والابتهال، كما رواه عنه ابن عمر وهو في صحيح البخاري.

8. أنه لم يأت نص بالنهي عن الرمي قبل الزوال، وكل ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال. ومجرد فعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على أكثر من المشروعية أو الاستحباب، أما الوجوب فلابد له من دليل آخر. وقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا مناسككم" لا يدل على أن كل أفعال الحج مأخوذة عنه واجبة، كما أن قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" لا يدل على أن كل أفعال الصلاة المروية عنه واجبة ففيها الركن والواجب والمستحب.

ومن العجائب ـ والعجائب جمة ـ أن الناس يلقون مصارعهم، وتدوسهم أقدام المتزاحمين على الرمي بعد الزوال ـ ولا تبالي هذه الأمواج البشرية بما تزهق من أرواح مؤمنة.. ومع هذا لا يزال أكثر علمائنا متشبثين بفرضية الرمي بعد الزوال، وليمت من يموت!

عوامل عصرية مؤثرة في الانتقاء

ولا ريب أن هناك عوامل جدت في عصرنا، ينبغي أن يكون لها تأثيرها القوي في الانتقاء والترجيح بين الآراء المنقولة في تراثنا.

1. التغيرات الاجتماعية والسياسية المحلية والعالمية

فمما لا ينازع فيه أحد أن عصرنا قد حدثت فيه تغيرات ضخمة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وهذه تفرض على الفقيه أن يعرض عن بعض الأقوال القديمة التي لم تعد تلائم الأوضاع الجديدة بحال، وأن يختار بعض الآراء التي لم يكن لها الأرجحية من قبل، بل لعلها كانت مرجوحة أو مهجورة.

ولا بأس أن نذكر لذلك بعض الأمثلة.

ذكر معظم الفقهاء في العصور المتأخرة أن المرأة تصلي في بيتها ولا تخرج إلى المسجد، وبخاصة الشابة، وعلى أبيها أو زوجها أن يعلمها أمور دينها.

فهذا إن قيل به في العصور الماضية يوم كانت المرأة حبيسة بيتها، لا يجوز أن يقال به اليوم، بعد أن خرجت المرأة إلى المدرسة والجامعة والسوق المنتزه والعمل وأصبح المكان الوحيد المحرم عليها هو المسجد! وغدونا نرى كل نساء العالم يذهبن إلى معابدهن: النصرانية تذهب إلى الكنيسة، واليهودية إلى البيعة، والوثنية إلى المعبد. والمسلمة هي الوحيدة المحرومة من المشاركة في العبادة في مساجد الإسلام.

على أن المسجد ليس دارا للعبادة فحسب، بل هو جامع للعبادة، وجامعة للعلم ومنتدى للتعارف، ومركز للنشاط، يلتقي فيه أبناء البلد أو الحي، فيتفقهون، ويتأدبون ويتعارفون ويتآلفون، ويتعاونون، وهذا يشمل المؤمنين والمؤمنات: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [التوبة:71].

وإذا كان الفقهاء السابقون قد وكلوا إلى الأب أو الزوج تعليم المرأة وتفقيهها في دينها، فالواقع يقول: أن الآباء والأزواج لم يقوموا بمهمتهم، لأنهم أنفسهم كانوا ولا زالوا في حاجة إلى من يفقههم، وفاقد الشيء لا يعطيه.

هذا مع أن الحديث الصحيح يقول: "لا تمنعوا إما الله مساجد الله" وكان النساء في عصر النبوة يذهبن إلى المسجد، ويحضرن الجماعة، ولازال "باب النساء" في المسجد النبوي معروفا إلى اليوم.

ومن ذلك ما ذهب إليه الشافعية، والمالكية، ومعظم الحنابلة: أن من حق الأب أن يجبر ابنته البكر البالغة الرشيدة على الزواج بمن يريد، وإن لم يستأذنها بل يزوجها وإن كانت كارهة رافضة، بناء على أن الأب أعلم بمصلحتها، وغير مهتم في أمرها. وربما يقبل هذا في زمن لم تكن تعرف الفتاة، عمن يتقدم لخطبتها شيئا إلا عن طريق وليها وأهلها.

ولكن الظروف الاجتماعية الحديثة التي هيأت للمرأة أن تتعلم وتتثقف وتعمل. وتطلع على الكثير من شئون الحياة والمجتمع والعالم، تجعل الفقيه المعاصر يختار في هذه القضية مذهب أبي حنيفة، وأصحابه ومن وافقهم من الأئمة، الذي جعل الأمر إلى الفتاة، واشترط رضاها وإذنها، وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة: "إن البكر تستأذن وإذنها صمتها" كما في الصحيحين. "والبكر يستأذنها أبوها" كما في صحيح مسلم، وفي سنن النسائي وغيره: أن أبا زوج ابنته من ابن أخيه وهي له كارهة، فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الأمر إليها. فلما تقرر لها هذا الحق قالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن يعلم الآباء أن ليس لهم من الأمر شيء!

ومن التغيرات المعاصرة المهمة: التغير في المجال الاقتصادي، ولا سيما ما كان في صالح الفئات الضعيفة والمسحوقة في المجتمع.

وهذا ما يوجه الفقه الاقتصادي إلى ترجيح الأقوال التي تشد أزر هؤلاء، وتقلل الفوارق بين الطبقات، فتحد من طغيان الأغنياء، وترفع من مستوى الفقراء.

ومن هنا رجح الفقه المعاصر هذه الأقوال:

قول أبى يوسف: "كل ما يضر بالناس حبسه فهو احتكار، سواء كان قوتا أم غيره".

قول الشافعي: "إن الفقير يعطى من الزكاة ما يغنيه طول عمره، ولا يحوجه إلى أخذها مرة أخرى، مادام في حصيلة الزكاة متسع لذلك". وهو ما جاء عن عمر رضي الله عنه في قوله: "إذا أعطيتم فأغنوا".

قول ابن تيمية وغيره: "إن التسعير جائز بل واجب إذا تلاعب التجار بالأسعار واحتكروا السلع، لرفع الضرر عن الناس، وإلزام التجار بالعدل الذي ألزمهم الله به".

بل جواز تدخل الدولة حماية لأي طرف ضعيف ـ وبخاصة الجمهور ـ في مقابلة الطرف القوي، سواء كان القوي المحتكر، يتمثل في المنتج أو التاجر أو العامل، ويكون ذلك بتحديد ثمن المثل، وأجر المثل. كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة الحسبة.

قول ابن حزم: "وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم. ولا فيء سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة".

وفي المجال السياسي عرف الناس في عصرنا تنظيم حق الشعوب في اختيار حكامها ومحاسبتهم وتقييد سلطتهم، وعزلهم إذا خانوا دستور البلاد.

ومثل هذا المناخ الفكري يجعل القول بأن الشورى معلمة لا ملزمة، لم يعد قولا مقبولا في هذا العصر. وغدا القول المنصور اليوم في نظر الفقه العصري: إن الشورى ملزمة. ولا يجوز للحاكم المسلم أن يستشير أهل الحل والعقد ثم يضرب بآرائهم ـ أو بآراء أغلبيتهم ـ عرض الحائط، وينفذ ما يراه هو، وأي قيمة للشورى حينئذ إذا كان رأي الحاكم هو الذي يمضي؟ وماذا يحل أو يعقد أهل الحل والعقد إذا كانوا يشاورون ويخالفون؟

وفي المجال الدولي نرى العالم قد تقارب حتى غدا كأنه مدينة واحدة، بل قال بعض فلاسفة العصر: العالم قريتنا الكبرى!

وقد ربطت جملة من المواثيق والمعاهدات الدولية السياسية والثقافية والاقتصادية بين دول العالم بعضها وبعض، وأصبح الجميع أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وما يتفرع عنها من مؤسسات.

وهذا كله يوجب على الفقيه المعاصر أن ينظر في الفقه الموروث حول العلاقات الدولية، وعلاقة دار الإسلام بدار الكفر: هل الأصل هو السلم أو الحرب؟ وهل يقاتل الكفار لكفرهم أم لعدوانهم؟ وما وضع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي وما وضع المسلمين في مجتمع غير إسلامي؟

كل هذه وغيرها لا يكفي أن يلتزم فيها مذهب واحد، بل لابد من النظر في جميع المذاهب والأقوال لنأخذ منها ما هو أرجح في نظرنا اليوم، وأليق بتحقيق مصالح المسلمين، ودرء الخطر عنهم، ودفع الشبهات والمفتريات عن دينهم.

2. معارف العصر وعلومه

ومن العوامل المؤثرة في ترجيح رأي على آخر في عصرنا، ما توافر لدينا اليوم من علوم ومعارف لم تكن لدى أسلافنا من فقهاء الأمة، وخصوصا في مجال العلوم الطبيعية والكونية التي يعرف التلميذ في المرحلة الابتدائية منا ما لم يكن يعرفه أكبر الفلاسفة في العصور الماضية.

فهذه المعارف الجديدة قد صححت للمعاصرين كثيرا من المعلومات القديمة في الطبيعة أو الفلك والكيمياء والأحياء والطب والتشريح ووظائف الأعضاء وغيرها كما أنها أعطت الإنسان أدوات للمعرفة الصحيحة، ومقاييس لاختيارها، لم تكن معروفة من قبل.

وهذه المعارف التي تتسع وتنمو يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، تمنح الفقيه المعاصر قدرة على أن يحكم على بعض الأقوال الفقهية الموروثة بالضعف وعلى أخرى بالصحة والرجحان.

لنأخذ مثلا لذلك مذهب من قال: أن الخمر هي ما اتخذ من العنب فقط خلافا، لمن قال: كل مسكر خمر.

فالعلم الحديث يثبت أن المادة الفعالة في الإسكار هي "الكحول" وهو موجود فيما يتخذ من العنب، كما يوجد فيما يتخذ من البلح أو التفاح أو الشعير أو البصل أو غيرها.

وبهذا يتفق العلم اليوم مع الحديث الصحيح "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام".

ومثل آخر: هو ما ذكره الفقهاء في أقصى مدة يمكنها الحمل في بطن الأم، من سنتين عند الحنفية، بناء على ما روى في ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وهو رأى عند الحنابلة، إلى أربع سنوات عند الشافعية والحنابلة، إلى خمس عند المالكية بل روى عندهم: سبع سنوات! اعتمادا على أقوال مروية عن بعض النساء.

وعلم العصر القائم على الملاحظة والتجربة، يرفض هذه الأقوال المبالغة التي لا تؤيدها المشاهدة والاستقراء والحق أنها لم يقم عليها دليل من كتاب أو سنة حتى رفضها كلها رجل مثل ابن حزم الظاهري، واكتفى بالرجوع إلى عادة الناس المتكررة في ذلك، ورأى أن مدة الحمل تسعة أشهر، وذهب غيره (محمد بن عبد الله بن عبد الحكم) إلى أن أقصى الحمل سنة قمرية، وبه أخذت بعض قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة.

ولو كان لهذه الأقوال المذكورة سند من الواقع المبني على الاستقراء ما غاب ذلك عن أجهزة الرصد والإعلام، التي تجري وراء كل واقعة نادرة أو شاذة ولو كانت في أقصى أطراف الأرض، ولطيرت أخبارها إلى أنحاء العالم، كما رأينا ذلك فيمن تلد عدة توائم، حيث تتناقل وكالات الأنباء أخبارها، وتثبتها في أرجاء المعمورة.

يقول العلامة الشيخ أبو زهرة في كتابه عن "الأحوال الشخصية":

"والحق في هذه القضية أن هذه التقديرات لم تبن على النصوص، بل على ادعاء الوقوع في هذه المدد، وأن الاستقراء في عصرنا الحاضر لا يجد من الوقائع ما يؤيد التقدير بخمس، ولا أربع، ولا سنتين، وإنما الوقائع تؤيد التقدير بتسعة أشهر، وقد يوجب الاحتياط التقدير بسنة، ورجح بعض الفقهاء المتقدمين ذلك فقد قال ابن رشد: وهذه المسألة الرجوع فيها إلى العادة والتجربة، وقول ابن الحكم والظاهرية هو الأقرب إلى المعتاد".

ولقد كان العمل بمقتضى مذهب أبي حنيفة، وهو اعتبار أقصى مدة الحمل سنتين، ولكن جاء القانون رقم 25 لسنة 1929 فعد أقصى مدة الحمل سنة شمسية (365) بالنسبة لسماع دعوى النسب كما تقرر ذلك بالنسبة لثبوت الإرث للحمل وثبوت الوصية له.

وهذا قريب من مذهب الحكم، وليس هو النص، لأن السنة عند ذلك الفقيه المالكي هلالية، ولأن الأساس عنده ألا يثبت النسب، إن جاء الولد بعدها لا ألا تسمع الدعوى فقط.

ومن ذلك ما قاله جماعة من الفقهاء: أن الولد يمكن أن ينسب إلى أبوين رجلين وبعضهم قال ينسب إلى ثلاثة إذا ادعوا نسبه، أو ألحقه بهم القافة (الخبراء الذين يحكمون بالشبه) خلافا لمذهب الشافعي الذي قال: لا يلحق الولد بأبوين، ولا يكون الإنسان إلا أب واحد، ومتى ألحقته القافة باثنين سقط قولهم.

وحجته أن الله قد أجرى عادته أن للوالد أبا واحدا، وأما واحدة، ولم يعهد قط في الوجود نسبة ولد إلى أبوين فقط.

ومن ألحق باثنين قالوا: إن الولد قد ينعقد من ماء رجلين كما ينعقد من ماء الرجل والمرأة.

وقال الآخرون: إذا جاز تخليقه من ماء رجلين جاز تخليقه من ماء ثلاثة وأربعة وخمسة.

وهذا كله مرفوض بمنطق العلم الحديث ومسلماته التي دلت عليها الملاحظة والتجربة وآلات الاختبار والتصوير وغيرها.

فقد أصبح من أوليات العلم اليوم: أن الجنين يتكون من حيوان منوي واحد من الرجل وبويضة من المرأة، يلتقي بها فيلقحها ويغلق عليها الرحم، ويتكون منها كائن حي ينمو ويتطور يوما بعد يوم، وأمكن رصد نموه، وتصويره منذ المرحلة الأولى.

ولهذا تكون هذه الافتراضات التي جوزت أن يتخلق الولد من ماء اثنين أو أكثر لا محل لها.

وهذا يرجح مذهب الشافعي ومن وافقه هنا، وهو الموافق للشرع وللعادة في نسبة الإنسان إلى أب واحد لا أكثر.

3. ضرورات العصر وحاجاته

وعامل آخر له أهميته في مجال الاجتهاد الانتقائي، وهو ضرورات العصر وحاجاته، التي تفرض على الفقيه المعاصر الاتجاه إلى مراعاة الواقع والتيسير والتخفيف في الأحكام الفرعية العملية، سواء في العبادات أم المعاملات، ولا سيما من كان يجتهد لعموم الناس، فإن المطلوب منه رعاية الضرورات والأعذار والحالات الاستثنائية عملا بالتوجيه القرآني: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [سورة البقرة:185]. والتوجيه النبوي: "يسروا ولا تعسروا" متفق عليه.

هذه الضرورات العصرية هي التي جعلت الفقه المعاصر يتجه إلى إجازة سفر المرأة في الطائرات ونحوها. بغير محرم ـ بموافقة زوجها أو أهلها ـ إذا توافر شرط الأمن والطمأنينة عليها، كما هو قول ابن حزم الذي استدل لذلك بحديث "الظعينة" التي تسافر من الحيرة إلى الكعبة لا تخاف إلا الله!

وهذه الضرورات هي التي جعلت علماء العصر لا يرون حرجا في بيع المصحف لحاجة الناس إلى ذلك، رغم نص كثير من الفقهاء على كراهة بيعه أو تحريمه.

وهي التي جعلت الكثيرين من أهل الفتوى يأخذون برأي ابن تيمية وابن القيم في جواز طواف الحائض في الحج طواف الإفاضة ـ بعد تحفظها واحتياطها من نزول الدم ـ إذا كانت لا تستطيع التخلف عن رفقتها، ومواعيد رجوعها في الباخرة أو الطائرة ونحوها.

وهي التي جعلتهم يفتون أيضا بجواز الرمي قبل الزوال في منى، نظرا لضرورات الزحام الهائل الذي جعل الناس يرمون من الصباح إلى منتصف الليل ولا تنقطع الأمواج البشرية المتلاطمة.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الإجتهاد في الشريعة الإسلامية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: