منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الوصية بين المشروع والممنوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سنابل
مشرفة
مشرفة


ذكر عدد المساهمات : 591
تاريخ التسجيل : 21/09/2010

مُساهمةموضوع: الوصية بين المشروع والممنوع   السبت 29 يونيو - 20:26



الوصية بين المشروع والممنوع

الوصية بين المشروع والممنوع
الوصية بين المشروع والممنوع
 ربما يعيش المرء ستين أو سبعين أو ثمانين عامًا، يتحرك يمينًا وشمالاً، يروح ويجيء، يأكل ويشرب ويرضي رغباته، ولا يطرق باله أن يفكر في ديونه أو أمانات عنده؛ ما مصيرها بعد انتقاله إلى الدار الآخرة؟! هل أوصى ورثته بإعادتها إلى أهلها؟! وهل لديه رؤية واضحة لبعض أقربائه كيف سيكون حالهم من بعده؟! وهل يفكر في الصدقة التي تصدقها الله عز وجل عليه حينما سمح له بالتصرف في ثلث ماله ليكون له أجره بعد موته؟!

لمثل هذا شرعت الوصية، وتكاثرت النصوص في الحث عليها إذا وُجد مقتضيها: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ أَوْ ءاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) [المائدة:106].

وفي الحديث الصحيح: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين"، وفي رواية: "ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة". قال عبد الله بن عمر: "ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك، إلا وعندي وصيتي". متفق عليه، واللفظ لمسلم.

وفي حديث آخر حسن الإسناد: "المحروم من حرم وصيته". وقال الإمام الشافعي -رضي الله عنه-: من صواب الأمر للمرء أن لا تفارقه وصيته. "ومن مات وقد أوصى مات على سبيلٍ وسنة". حديث عند ابن ماجه.

ومن لزمته حقوق شرعية لله أو لعباد الله، من زكواتٍ وكفاراتٍ وديونٍ وودائع، فليسارع في أدائها، وليبادر إلى قضائها، ما دام قادرًا على الأداء، متمكنًا من القضاء. وإلا فليوصِ بذلك وصيةً واضحةً في لفظها ومعناها، مجودة في كتابتها، عادلةً في شهودها، من أجل أن تُحمد سيرتُه، وتُحفظ حقوقُه، ولا يبقى أهله من بعده في منازعات، ويلقى ربه وقد أدى ما عليه، وأبرأ ذمته، وابيضت صحيفته، وحسنت -بإذن الله- خاتمته، وخف في الآخرة حسابه، ومن قصَّر فقد تعرض لحرمان الثواب، وأهمل في براءة الذمة.

ومن لم تكن عليه حقوق، ولا تلزمه واجبات وله ورثة محتاجون وذرية ضعفاء، فليبدأ بهم، ولا يقدِّم عليهم وصيته؛ لأنهم أحق بماله وأولى بمعروفه، وأعظم في ثوابه: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا) [النساء:9]. وقد قال -عليه الصلاة والسلام- لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس". متفق عليه. واللفظ للبخاري. وفي الخبر الآخر: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول". أصل ذلك في الصحيحين. وأراد رجل أن يوصي فقال له علي -رضي الله عنه-: "إنك لم تترك مالاً طائلاً، إنما تركت شيئًا يسيرًا فدعه لورثتك". وسأل رجل عائشة -رضي الله عنها- فقال: إن لي ثلاثة آلاف، وعندي أربعة أولاد، أفأوصي؟! قالت: اجعل الثلاثة للأربعة.




أحكام الوصيّة وآدابها



فالوصيّة قد بيّن الله حكمَها في القرآن، وبيّن ذلك رسول الله بيانًا واضحًا، وذلك أنّ المسلمَ في هذه الحياة لا يخلو مِن أن يكون له على النّاس حقوق أو يكون له حقوقٌ في ذِمم الآخرين، فلا يخلو من أن تُشغَل ذمّته بحقوق الآخرين أو أن تشغل ذمّة غيره بما له مِن حقوق، ولمّا كان الأمر كذلك لا بدّ من بيان الوصايا، وحُكم هذه الوصيّة، ومتى تكون لازمة، ومتى تكون...

فيا أيّها الناس: اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله: يقول الله جلّ جلاله وهو أصدق القائلين: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْولِدَيْنِ وَلأقْرَبِينَ بِلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة:180-182].

أيّها المسلمون: في هذه الآيات أحكامُ الوصايا حتى يكونَ المسلم مع بصيرةٍ من أمره، فالوصيّة قد بيّن الله حكمَها في القرآن، وبيّن ذلك رسول الله بيانًا واضحًا، وذلك أنّ المسلمَ في هذه الحياة لا يخلو مِن أن يكون له على النّاس حقوق أو يكون له حقوقٌ في ذِمم الآخرين، فلا يخلو من أن تُشغَل ذمّته بحقوق الآخرين أو أن تشغل ذمّة غيره بما له مِن حقوق، ولمّا كان الأمر كذلك لا بدّ من بيان الوصايا، وحُكم هذه الوصيّة، ومتى تكون لازمة، ومتى تكون مستحبّة ومرغَّبًا فيها.

فالله -جلّ وعلا- قال لنا في هذه الآية: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْولِدَيْنِ وَلأقْرَبِينَ بِلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة:180]. هذه الآية فيها بيان مَن يُستحبّ في حقّه الوصية وأنّه الذي ترك خيرًا وهو المال الكثير، فهو الذي يستحَبّ في حقّه أن يوصِي، وأمّا من ليس كذلك ممّن ماله قليل وورثتُه كثير فإنّ عدمَ الوصيّة في حقّه أولى؛ لأنّ انتفاعَ من بعده بما وراءه أولى مِن أن يوصِيَ لغيرهم، فيضيّع من يجِب عليه أن يعولَه.

أيّها المسلمون: وإنّ للوصية في الشريعةِ أحكامًا عظيمة:

فأوّلاً: نعلم أنّ أصلَ الوصيّة مستحبّ، ولكنّها تجِب في أحوال، وتحرم في أحوال، ولمّا فرض الله المواريثَ وأعطى كلَّ ذي حقّ حقَّه أصبَحت الوصية مستحبّةً في غير الوارثين، وحرام أن يوصيَ لأحدٍ من الوارثين.

فمِن أحكام الوصايا أولاً أنّ الوصيةَ تكون واجبةً على المسلم في أمور، منها أن يكونَ متعلِّقًا بذمّتِه حقوقٌ لله أو حقوق لعبادِ الله، فلو تعلّق بذمّته حقوقٌ لعباد الله مِن ودائعَ عنده وأماناتٍ عنده وحقوق للآخرين عندَه، إمّا ودائع وأمانات، وإمّا أمورٌ واجبة يجِب عليه أن يؤدّيَها، حقوقٌ للآخرين تعلَّقت بذمّته، ليس عليها وثائِق تثبِتُها، فالواجب عليه أن يسجِّل وصيّته، فيذكَر ما عنده من أماناتٍ وما عنده مِن حقوق للآخرين، يسجّلها ويكتبُها ويُشهِد عليها، حتّى يلقى الله سليمًا من تبعاتِها، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "ما حقُّ امرِئ مسلم عندَه شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيّته مكتوبةٌ عندَه". فمَن عنده حقوق؛ زكاةٌ تأخّر إخراجها، يجِب أن يوصيَ بها حتى يقفَ عليها من بَعده، فيؤدّيَها. فريضةُ حجٍ ما أدّاها يوصِي بها حتّى تؤدَّى عنه. نذرٌ ما أدّاه يوصِي به حتّى يُخرَج عنه. ودائع للآخرين وأماناتٌ ووثائق للآخرين يوصِي بها حتّى تؤدَّى. حقوقٌ لآخرين عندَه مِن معاملاتٍ بينه وبين شركائِه ومَن يتعامل معهم أو مَن ينفِّذ له عملاً... إلى غير ذلك من الحقوقِ التي يجب عليه أن يؤدّيَها، فسجّلها في وصيّته ليقفَ عليها من بَعده، فينفّذها حتّى يلقى الله خاليًا من التّبِعات بتوفيقٍ من الله.

وأمرٌ آخر، فهذه الوصيّة واجبةٌ ولازمة لا يجوزُ له تركها وإهمالُها، وكذلك لو كانَ له حقوقٌ في ذِمَم الآخرين فيجب أن يسجِّلها ويكتبها، لماذا؟! أوّلاً: حتى لا يضيِّعَ حقَّ الورثة، وأمرٌ آخر: حتى يبرِّئ الغرماءَ ممّا في ذمّتهم، فلا يَلقَوا الله ولم يسلّموا ما عليهم، فيوصِيهم ويقول: في ذمّة فلان لي كذا، وعندَ فلانٍ لي كذا، ويوثِّقها، ويبيّن وثائقَها الثّابتة، حتّى إذا جاء مَن بعده طالبوا بِها، فأبرؤوا ذمَمَ الآخرين، ولم يجعلوهم يعيشون بهذه الحقوقِ مِن حيث لا يعلمون.

وهذِه الوصيّة الواجبةُ أكّدها الله في كتابه بقوله: (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء:11]، (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء:12]، (من بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء:12]، (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء:12]. ذلك أنّ الوصيّة لا مطالبَ لها، فلهذا أكّدها الله وقدّمَها على الدين وإن كان الدّينُ أهمَّ منها ومقدَّمًا عليها، لكن قدّم ذكرَها لأجلِ الاهتمام بها، وحتّى لو لم يطالِب بها أهلُها لوجَب على من عنده الوصيّة أن ينفّذَها لتسلَم ذمّتُه من تبِعات العباد.

وأمّا غير ذلك فإنّ الشارع حثَّ المسلمَ أن يوصيَ بعد موتِه بما يعود عليه بالنّفع في آخرته، فإنّه "ليس لك من مالك إلاّ ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبِست فأبليتَ، أو تصدّقتَ فأبقيتَ، وما سِوى ذلك فتاركُه للورثةِ". هكذا يقول -صلى الله عليه وسلم-.

إذًا فالمستحبّ للمسلم إذا رزقه الله خيرًا ومالاً أن يوصيَ بأمرٍ ينفعه بعدَ موته، ليجريَ عليه نفعُه بعد موتِه، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "إذا ماتَ ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَع به، أو ولدٍ صالح يدعو له"، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "إنّ الله تصدّق عليكم عندَ موتكم بثلثِ أموالكم زيادةً في حسناتكم".

وثالثًا: أنّ كونَ المسلم ينفِّذ وصيَّتَه في الأعمال الخيّرة في حياتِه أولى من أن يجعلَ تنفيذَها بعد موته، لأنّه في حياتِه إذا نفّذها دلّ على رغبتِه في الخير، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "أفضلُ الصدقة أن تتصدّقَ وأنت شحيحٌ صحيح، تأمَل الغنى، وتخشى الفقرَ، ولا تهمِل حتّى إذا بلغتِ الروح الحلقومَ قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا"، لأنّ هذه الوصيّةَ عند الموت قد يكون أمرُها سهلاً؛ لأنّ الدنيا ترخُص في نفسِ صاحبها عند حضورِ الموت، ولكن إذا نفّذها في صحّته وسلامتِه دلّ على رغبِته في الخير.

ومِن أحكام الوصايا أيضًا أنّ الوصيّة الشرعيّة تكون بالثّلثِ فأقلّ، ولا تجاوِز الثّلث، بل استحبّ العلماء للمسلم أن تكونَ وصيّته بالخمس، فإن جاوزَ فالرّبع، فإن جاوز فالثّلث، ولا يجوز الزّيادة على الثلث.

عاد النبيّ -صلى الله عليه وسلم- سعدَ بن أبي وقاص -رضي الله عنه- في مرضٍ ألمَّ به، قال: يا رسول الله: إنّه لا يرِثني سِوى ابنة لي، وإنّي أحبّ أن أوصيَ بمالي كلِّه، قال: "لا"، قال: يا رسول الله: فالشّطر؟! قال: "لا"، قال: فالثّلث؟! قال: "الثلث، والثلث كبير -أو قال:- كثير، إنّك أن تذَرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذَرهم عالةً يتكفّفون النّاس".

ومِن أحكام الوصايا أنّه لا يجوز للموصِي أن يحابيَ في وصيّته، ولا أن يُضارَّ بوصيّته. ومِن الإضرار أن يوصيَ بها لقصدِ حرمانِهم الانتفاعَ من المال، فيقتطِع الثلثَ لا لله، ولكن لأجلِ أن ينقص الورثة من حقوقِهم، أو يحاول حرمانَهم الميراث، فربّما سجّل ديونًا، وربّما سجّل في ذمّته دينًا لبعضِ الورثة وقال: فلان يطلبني كذا، وفلان بِعته الدارَ بكذا، وفلان بكذا، ومقصودُه أن يوزّع عليهم التركةَ حتى يحرم البقيةَ أن ينتفِعوا بها، (وَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة:220]. وهذه وصيّةٌ آثمة، صاحبُها معرَّض لسخَط الله، حتى إنّه يروى في الحديث أنّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنّ العبدَ ليعمل بمعصية الله سبعين سنة، يحضره الموت، فيعدِل في وصيّته، فيختم له بخير، فيدخل الجنّة. وإنّ العبدَ ليعمل بطاعةِ الله سبعين سنة، فيحضره الموت، فيجور في وصيّته، فتجب له النّار". والله يقول: (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مّنَ اللَّهِ) [النساء:12]، فالمضارّ في وصيّته الذي يوصي لأجلِ حرمانِ بعضِ الورثة، فيقتطع جزءًا كبيرًا من المال بدعوى أنّه حقّ لفلان، وقيمة دارٍ اشتراها، وثمنٌ اقترضه، إلى غير ذلك، والله يعلم منه ما يخفيه على الآخرين، فإنّ الله يعلم السرَّ وأخفى، (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ) [غافر:19].

ومِن أحكام الوصيّة أيضًا أنّ المسلمَ يحصي جميعَ الأموال ويوضّحها ويبيِّنها، ثمّ يجعل وصيّةً واضحة في أسلوبِها وعباراتها، لا إجمالَ فيها ولا اضطراب، فكم من وصيّةٍ سبّبت للورثةِ قطيعةً وتفرقة وعداوةً وبغضاءَ واختلافًا في مفهوم ما يريده الميّت، فالواجب عليه أن يجعلَها وصيّةً واضحة بيّنة يفهمها كلّ من قرأها أو سمِعها، حتى يرتاحَ في قبره، وحتّى لا تختلف ذريّته بعده، فيجعلها وصيّة يبيِّن الأمورَ التي يريدها في الصّدقات والأعمالِ العامّة، ويبيّن ما للورثةِ، وإن خصّ أحدًا بشيء علّل ذلك وقال: فلان لفقرِه، أو فلان لمرضِه، ونحو ذلك، ولكن هذه الأشياء الخاصّة تنتهي بانتهاءِ مسبِّباتها، حتى لا يقعَ إشكال ولا اختلاف بين الورَثة.

ومِن أحكامِها أن يختارَ لها من ورثتِه مَن يعلم ثقتَه وأمانتَه وصِدقه وأهليّته لتحمّل تلك الوصيّة، وإذا تعدّد الأولادُ ورأى أنّ الكفاءةَ فيهم جميعًا جمعهم وبيّن لهم ووضّح لهم، حتّى يكونوا على بصيرة، فإن رأى أنّ واحدًا قد لا يقوم بالمهمّة أشرك معه غيرَه، حتّى تطمئنّ النّفوس، ولو كانت أمّهاتُهم متفرّقة وكلّهم ذو عدالةٍ ورشد حاوَل أن يشركَ بعضَهم أو أن يشركَهم جميعًا في الوصيّة حتى تطمئنّ النفوس، ولا يكون في صدرِ أحدٍ حرجٌ على أحد، فهذا هو المطلوب من المسلم.

أيّها المسلم: كلّما اتّقيتَ الله في وصيّتك وكلّما عدلتَ فيها وكلّما راقبتَ الله فيها فإنّها وصيّة ستكون نافعة، وكلّما خالفتَ شرعَ الله فيها فإنّها وصيّة ضارّةٌ آثمة.

أخي المسلم: وإذا طُلب منك الشهادةُ على وصيّة فاتّق الله، وانصَح، واشهَد بما تراه حقًّا مناسبًا، ولا تشهَد بما تراه ظلمًا وجورًا، والله يقول: (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة:182]. فأصلِح الوصيّة، وأرشِد الموصي، وخوِّفه من الله، وقل: يا أخي: أنتَ في آخر الدنيا وتنتقل إلى الآخرة، فاتّق الله وانتقِل بخير، واعدِل في وصيّتك، واجتنِب الهوى، واجتنِب الظّلم، واجتنِب الحيفَ، وكن متّقيًا لله، والله يقول: (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) [النساء:135]. وإن رأيتَه خصَّ بعضَ الورثة فقل له: إنّ الوصيةَ للوارث غيرُ صحيحة، والنبيّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقّه، فلا وصيّةَ لوارث". وإن رأيتَه خصّ بالوصيّة من ليس عدلاً في دينِه وأمانتِه فقل: يا أخي: اتّق الله، واختَر لها من فيه خير. وإن رأيتَه أيضًا خصّ بها من تعلَم أنّ إخوانَه لن يسمَعوا ولن يستجيبوا له فحاوِل الإصلاحَ وإشراكَهم حتى تكون الوصيّة عادلة، وحتّى لا تكون سببًا لنزاع واختلاف بين الورثة.

فلنتّقِ الله في أمورِنا، ولنتّق الله في الحقوقِ في ذمَمِنا، ولنبرّئ ذمَمَنا من الحقوق قبل لقاءِ الله، وأسأل الله لي ولكم التوفيقَ والهداية والعونَ على كلّ خير، وأن يختمَ لي ولكم بخاتمةِ خير.


فيا أيّها النّاس: اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله: إذا علِمنا أنّ الوصيّة لا تصحّ لوارث، المرادُ بها لو أوصَى له بجزءٍ من المال، فقال: لفلان مبلغٌ من المال، هذا أمرٌ لا يصحّ باتّفاق المسلمين، ولكن لو جعل في وصيّته أمرًا ينفع بعضَ الورثة، لو كان عنده شيء من عقار، وقال: هذا البيت تسكُنُه المطلّقة من بناتِي والفقراءُ من أولادِي ونحو ذلك، إذا كان قصدُه منفعتُهم لفقرِهم وحاجتِهم فهذا أمرٌ جائز، فالزّبير -رضي الله عنه- جعل في وصيّته أن تسكنَ المردودةُ من بناته في هذه الدّار، بمعنى أن تسكنَ المطلّقة من بناتِه في هذه الدّار؛ لأنّه راعَى بذلك فقرَها وحاجتَها، وإذا انتفتِ الحاجة فإنّ الوصيّة تكون للجميع.

فليتّقِ المسلم ربّه، عندما يخصِّص لشيء فليراقبِ الله، وليكُن تخصيصُه مبنيًّا على أمرٍ شرعيّ، لا على هوًى وميولٍ مع البعض دون البعض.

أيّها المسلمون: وعلى الورثةِ جميعًا تقوى الله، وعلى الجميع تقوَى الله، وعند النّزاع في الوصيّة أن يرجعوا إلى أهلِ العلم، ويسألوا عمّا أشكل عليهم، ويحاوِلوا الإصلاحَ بينهم، وأن لا تكونَ الوصايا والأوقاف سببًا للاختلاف وقطيعةِ الرّحم، بل يجب التّواصي والتعاون على الخير والتقوى، فإنّ من قصد الخيرَ وأراده سهّل الله أمره.

أيّها المسلمون: وينبغي للمسلم إذا أراد أن يوصيَ أن يستشيرَ ذا علمٍ ومعرفة حتّى تكون وصيّته على المنهجِ الشرعيّ، وأن يشهِدَ عليها فإنّ الشهادةَ عليها تثبِتها وتقطع دابرَ النّزاع والخلاف.

وكان سلفُ الأمّة يوصون بأمورِ الخير مِن المشاريع العامّة التي تنفع المجتمعَ، فيوصي للفقراء ولا سيّما إن احتاج أحدُ ورثتِه، فإنّهم مقدّمون على غيرهم، ويوصي في بناءِ مساجد، ويوصي في إعانةِ المحتاجين مِن كلّ أنواع الحاجة، مِن إعانةِ المتزوّجين وقضاءِ دين المدينين والتنفيس عن المكروبين ومَن حلّت بهم الحاجة والضّرورة، فإنّ هذه هي الوصايا النافعة التي يعود عليه نفعُها وهو في لحدِه، فيستأنِس بتلك الأعمالِ الصالحة، ويجري عليه ذلك الثواب.

وكانوا في وصاياهم يوصون أولادَهم ومَن بعدهم بتقوى الله ولزومِ دينِ الإسلام والمحافظةِ عليه والمحافظة على الصلاةِ والزكاة وأعمالِ الخير والتواصي بالحقّ، قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: كانوا -أي: الصحابة- يكتبون في صدرِ وصاياهم: هذا ما أوصى به فلان ابن فلان بأنّه يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا عبد الله ورسوله، وأنّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريمَ وروح منه، وأنّ الجنة حقّ والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريبَ فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، ويوصِي مَن بعده بما أوصَى به إبراهيم ويعقوب بنيه: (يَـابَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [البقرة:132]، ويوصيهم بالصّلاة والزّكاة، وأن يتّقوا الله ويصلِحوا ذاتَ بينهم، ويلزَموا دينَ الإسلام ويعمَلوا بشريعة الإسلام، ويوصيهم بالتّواصي بينهم بالحقّ، وأن يرحَم كبيرهم صغيرَهم، وأن يحترمَ صغيرهم كبيرَهم، يوصيهم بهذه الوصايا، ويسأل اللهَ لهم التوفيقَ والهداية.

أسأل الله أن يعينَني وإياكم على كلّ خير، وأن يهديَنا جميعًا طريقَه المستقيم، وأن يرزقَنا الثباتَ على الإسلام والاستقامة عليه إلى أن نلقاه، إنّه على كلّ شيء قدير.

واعلموا -رحمكم الله- أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد -صلى الله عليه وسلم-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

وصلّوا -رحمكم الله- على محمّد -صلى الله عليه وسلم- امتثالاً لأمر ربّكم؛ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].

اللهمّ صلِّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللهمّ عن خلفائه الراشدين...






الوصية فضل وأحكام


يجب علينا أن نقف مع المدلول الواضح للحديث الذي رواه ابنُ عمرَ -رضي الله عنهما-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما حق امرئ مسلم، له شيء يريد أن يوصيَ فيه، أن يبيت ليلتين -وفي رواية: ثلاثَ ليالٍ- إلا...




أما بعد أيها الإخوة: اتقوا الله وعظموا أمره، واجتنبوا ما يسخطه، وخذوا من أيامكم عبراً، واستوصوا بأنفسكم وأهليكم خيراً.

أيها الأحبة: ابنُ آدم يتقلب في هذه الحياة ما أَمَدَّ الله له من العمر بين الطفولة والشباب، والكهولة والهرم، يمر خلالها بأحوال من العسر واليسر، والفقر والغنى، والحزن والسرور، والصحة والمرض، والقوة والضعف.

وهو -في كل الأحوال- بحاجة إلى التَذكُرِ والتذكير، وبحاجةٍ إلى التوبة النصوح، وإحسان الظن بربه، متقلباً بين الرغبة والرهبة، والخوف والرجاء: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [الحجر:49-50]، وقال: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) [الزمر:9]

أيها الإخوة: الصدقة في حال الحاجة والصحة أفضل منها عند الممات، كما قرر أهل العلم ذلك كثيرا؛ لكن الإنسان ربما غلبه التسويف أو طول الأمل فأخر، لكن؛ ليعلم أن أمر الشارع الحكيم وحثه على الإنفاق في سبل الخير مستمر في كل حال ليستدرك المسلم ولو في آخر حياته ما فاته من فُرص الصدقة في الحال الأفضل.

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ" رواه ابن ماجة وحسنه الألباني.

وعن إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد بن أبي وقاص عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إِلا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ؛ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لا"، قُلْتُ أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: "لا", قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: "وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ" متفق عليه واللفظ للبخاري.

أيها الإخوة: لقد ورد الحث على الوصية إذا وجد مقتضاها، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ -وفي رواية ثلاثَ ليالٍ- إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ".

قال نافع: سمعت ابن عمر يقول: ما مرت علي ليلة منذ سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك إلا وعندي وصيتي مكتوبة. متفق عليه.

وقال الإمام الشافعي: من صواب الأمر للمرء أن لا تفارقه وصيته.

أيها الأحبة: من لزمته حقوق شرعية لله، أو لعباد الله، من زكوات وكفارات وديون وودائع وأمانات؛ فليسارع في أدائها، وليبادر في قضائها مادام قادرا على الأداء، متمكنا من القضاء.

وإلا فليوص بذلك وصيةً واضحةً في لفظها ومعناها، مجودة في كتابتها، عادلة في شهودها؛ من أجل أن تحمد سيرته، وتحفظ حقوقه ولا يبقى أهله من بعده في منازعات، ويلقى الله -عز وجل- وقد أدى ما عليه، وأبرأ ذمته، وابيضت صحيفته، وحسنت بإذن الله خاتمته، وخفّ في الآخرة حسابه.

ومن قصَّر فقد أهمل في براءة ذمته؛ وليعد للسؤال جوابا.

أحبتي: من لم تكن عليه حقوق، ولا تلزمه واجبات، وله ورثةٌ محتاجون وذريةٌ ضعفاء، فليبدأ بهم، ولا يقدِّم عليهم وصيته؛ لأنهم أولى بمعروفه، وأحق بماله، وأعظم في ثوابه؛ ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام- لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: "إِنَّكَ إنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ".

وعن جابر -رضي الله عنه-:" أن رجلاً تصدق على قوم فقال له: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا وَهَكَذَا؛ يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ". رواه مسلم.

أما من فاض مال الله عنده، وبسط الله له في الرزق، ووسع له فيه؛ فليدخر لنفسه عملاً صالحاً، وصدقة جارية، يمتد له ثوابها.

وليبدأ بالأقربين من غير الوارثين، فهم أحقُ ببره، وأولى بفائض ماله، حتى لا يتعرضوا لمهانة الفقر، وذل الحاجة.

ولذلك قال النبي الرحيم -صلى الله عليه وسلم- لأبي طلحة -رضي الله عنه-: "اجعلها في الأقربين؛ لأنها عليهم صدقة وصلةٌ".

واعلموا -وفقكم الله- أن وجوه البر كثيرة، من فقراء الأقارب غير الوارثين كما سبق، وعمارة المساجد وخدمتها، وبناء الأربطة والمساكن للمحتاجين، وقضاء ديون المعسرين، والصدقة على المحتاجين، والإنفاق على طلبة العلم، وتعليم القرآن، وسقي الماء، وتعبيد طرق المسلمين، وطبع الكتب المفيدة ونشرها، وغيرها، وأبواب البر -بفضل الله- واسعة، ووجوهها لا تنحصر.

ومما يجب التفطن له أن الوصية يجب أن تكون بالحدِ المُحددِ شرعا وهو الثلث، فقد قال النبي لسعد: "الثلث، والثلث كثير". قال شيخنا محمد بن عثيمين معلقا على الحديث: يعني لا بأس بالثلث مع أنه كثير.

ومن فقه ابن عباس أنه قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن النبي قال: الثلث كثير، وهذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون أنزل من الثلث.

أيها الأحبة: يجب علينا أن نقف مع المدلول الواضح للحديث الذي رواه ابنُ عمرَ -رضي الله عنهما-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما حق امرئ مسلم، له شيء يريد أن يوصيَ فيه، أن يبيت ليلتين -وفي رواية: ثلاثَ ليالٍ- إلا ووصيتُه مكتوبةٌ عنده".

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- معلقا على هذا الحديث:" َفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة لابْنِ عُمَر لِمُبَادَرَتِهِ لامْتِثَالِ قَوْل الشَّارِع وَمُوَاظَبَته عَلَيْهِ، وَفِيهِ النَّدْب إِلَى التَّأَهُّب لِلْمَوْتِ وَالاحْتِرَاز قَبْل الْفَوْت، لأنَّ الإنْسَان لا يَدْرِي مَتَى يَفْجَؤُهُ الْمَوْت، لأَنَّهُ مَا مِنْ سِنّ يُفْرَض إلا وَقَدْ مَاتَ فِيهِ جَمْع جَمّ؛ وَكُلّ وَاحِد بِعَيْنِهِ جَائِز أَنْ يَمُوت فِي الْحَال، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون مُتَأَهِّبًا لِذَلِكَ فَيَكْتُب وَصِيَّته، وَيَجْمَع فِيهَا مَا يَحْصُل لَهُ بِهِ الأَجْر وَيُحْبِط عَنْهُ الْوِزْر مِنْ حُقُوق اللَّه وَحُقُوق عِبَاده، وَاَللَّه الْمُسْتَعَان".

أيها الإخوة: إن على كل واحد منا أن يخرج من حقوق عباد الله حال حياته، وعليه المبادرة ما وسعه ذلك، وأن يقوم بتوثيقه وكتابته.

وأقترح أن يجعل كل مسلم دفترا خاصا به يقيد فيه ماله وما عليه، ويتابع تصحيحه باستمرار، وقد كان كثير من الآباء والأجداد يفعل ذلك، مع أنهم لا يجيدون الكتابة، فيبحثون عمن يثقون به لكتابتها. فمالنا في عصر العلم وسهولة التوثيق نتكاسل؟ أسأل الله أن يوفقنا لاتباع السنة؛ إنه جواد كريم.

أيها المؤمنون بالله ورسوله: ليخرج كل واحد منا من هذا المسجد وهو عازم كل العزم على أن يكتب وصيته ولا يسوف، وعليه أن يراجعها باستمرار، ويصحح ما يطرأ عليها، وأن يطلب ذلك من صاحب علم وبصيرة.

أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا ووالدينا من الراشدين، إنه جواد كريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.


أما بعد أيها الإخوة: احذروا وصية الإثم والجَنف، وإياكم والمضارة بالوصية، فقد نهى عنها -تبارك وتعالى- بعد ذكر بعض أحكام الميراث فقال: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) [النساء:12].

قال ابن كثير رحمه الله: أي: لتكون وصيته على العدل، لا على الإضرار والجور والحيف، بأن يحرم بعض الورثة، أو ينقصه، أو يزيده على ما قدرَ الله له من الفريضة، فمتى سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في حكمته وقسمته.

ودعا الرسول على من ضار المسلمين عموماً، فكيف بمن ضار ذوي قرباه؟ فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ" رواه الدارقطني وحسنه الألباني.

سبحان الله أيها الإخوة! كيف يتجرأ هذا المخذول ليضار في وصاياه، وهو في حالة إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة؟ في حال يصْدق فيها الكذوب، ويتوب فيها الفاجر! وأي قسوة أشد من هذه القسوة؟! فنعوذ بالله من الخذلان.

في الوصية الجنف يغلبُ الجشعُ، ويحلُ الطمع، ويضيعُ الحلال، وإن ربك لبالمرصاد! ألا وإن من جار في وصيته وظلم مات على جهالة، وسلك مسالك الضلالة.

ومن صور الإضرار بالوصية أن يقرَّ بكلِّ ماله أو بعضه لغير مستحقٍّ، أو يُقِرَّ على نفسه بدين لا حقيقة له من أجل أن يمنع الوارث من حقِّه، أو يبيع شيئاً بثمنٍ بخسٍ، أو يبيع بيعاً صورياً، أو يشتري بثمنٍ فاحشٍ من أجل أن يضر بالورثة ويمنعهم حقوقهم أو يبخسها، ومنها تخصيص أحد الورثة بشيء دون الآخرين. نسأل الله العافية والسلامة.

قال الشيخ السعدي: ليس للعبد أن يتصرف في ماله بمقتضى شهوته النفسية وهواه، بل عليه أن لا يخالف الشرع، ولا يخرج عن العدل. اهـ.

ولا تصح الوصية في الأمور المبتدعة، والمسائل المحرمة، كالنياحة، والبناء على القبور، وتجصيصها، والدفنِ في المسجد أو في بيت خاصٍ. ذكر ذلك فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم رحمهم الله.

ومما يجب أن يعتني به الأوصياء الحرص على تنفيذ الوصية الشرعية، وعدم جحدها أو إخفائها، وإن كانت الوصية من والد صار تنفيذها من البر.

وصلوا وسلموا...




تحريم الوصية على الورثة





إن أعظم مقاصد الوقف أن يكون معيناً على البر والتقوى، فيعلم من هذا أن الأوقاف التي يقصد بها حرمان بعض الورثة منافيةً لمقصود الوقف كل المنافاة، ومنافيةً لما انعقد عليه الإجماع من أنه لا وصية لوارث، ولكونها معصية لله تعالى، ولما فيها من الظلم والجور, وضررُ الظلم والجور ليس على فاعله فحسب بل على جميع الناس، ولما فيها ..




الحمد لله الذي جعل الأمانة في قلوب الرجال بعد أن أبى عن حملها السماوات والأرض والجبال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: اتقوا الله تعالى، وقدروا نعمه عليكم، وتعلموا من دينه ما يقربكم إليه، وينجيكم من عذابه.

في حياة الإنسان يستطيع الحر المكلف الرشيد أن يتصرف في ماله بيعاً وشراءً وإجارة ورهناً ووقفاً وهبةً وفق شريعة الله، أما إذا مات الإنسان فإن الله تعالى تولى قسمة أمواله بنفسه، والله حكيم عليم.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث"؛ فلا يجوز لأحد أن يوصي لبعض ورثته دون بعض, فلا يوصي مثلا لأحد أبنائه، أو احدى بناته، أو زوجته، أو إحدى زوجاته، لا بشيء من أعيان المال، ولا بشيء من منافعه وغلاته، فلو أراد أحد أن يوصي لبعض الورثة بنقود أو عقار كان جائراً في الوصية، ولم يجز تنفيذها إلا بإجازة بقية الورَثة.

وكذلك لا يجوز أن يوصي لبعض ورثته بأجرة شيء من عقاره أو غلته، سواء أوصى له بذلك دائماً أو مدة معينة، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا وصية لوارث".

وقد أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وأن الوصية للوارث حرام، وفي الحديث: "إنَّ الرجل ليعمل -أو المرأة- بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار".

وذلك لأنه تعدٍّ لحدود الله، واقتطاعَ من حق بعض الورثة لورثة آخرين، فمثلاً لو قال في وصيته: أوصيت بثلثي مالي أو بعقاري وقفاً على أولادي، وله ورثة غير الأولاد، ففعله باطل محرم، لأنه تعدى حدود الله، وقد تولى الله تعالى قسمة المال بعد موت صاحبه.

أيها المؤمنون: إن أعظم مقاصد الوقف أن يكون معيناً على البر والتقوى، فيعلم من هذا أن الأوقاف التي يقصد بها حرمان بعض الورثة منافيةً لمقصود الوقف كل المنافاة، ومنافيةً لما انعقد عليه الإجماع من أنه لا وصية لوارث، ولكونها معصية لله تعالى، ولما فيها من الظلم والجور, وضررُ الظلم والجور ليس على فاعله فحسب بل على جميع الناس، ولما فيها أيضاً من إلقاء العداوة وزرع الشحناء والتباغض والكراهية بين الموقوف عليهم وبين الورثة, فكم حصل بين الذرية من الخصومة والتقاطع والمرافعات إلى المحاكم بسبب هذه الأوقاف الجائرة.

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن متاع الدنيا قليل وأنكم عما قريب قادمون على ربكم، وكل من مات فقد قامت قيامته، وأولى منازل القيامة القبر، فاستعدوا لسؤال الملكين، وتخففوا من المظالم والمآثم، يُفسح لكم في قبوركم، ويُمد لكم فيها .

زنوا أعمالكم قبل أن توزن، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتهيؤا للعرض الأكبر على الله، يوم لا تخفى منكم خافية.

اللهم وفقنا لبلوغ مرضاتك، وهيئنا لطاعتك، وأكرمنا بدخول جناتك، واصرف عنا أسباب سخطك وغضبك.

اللهم اهدنا ويسر الهدى لنا، وثبتنا على الحق حتى نلقاك وانت راضٍ عنا يا كريم .

أقول قولي هذا وأستغفر الله...

الحمدلله الذي يقضي بالحق، ويحكم بالعدل، وهو أحكم الحاكمين، حكم بالعدل وأمر به، وحرم على نفسه الظلم، وحرمه على عباده، وهو أرحم الراحمين.

وأشهد أن أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه،

أما بعد: حدث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن رفع الأمانة، فقال: "ينام الرجل نومةً فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً وليس فيه شيء -يعني أنه لا يبقى من الأمانة إلا الشيء اليسير جداً- فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! ومافي قلبه مثقال حبةٍ من خردل من إيمان" رواه البخاري ومسلم.

أيها المؤمنون: إن الأمانة تكون في معاملة العبد مع ربه، كما تكون في معاملة الخلق، فالأمانة في العبادة أن تقوم بأوامر الله مخلصاً له، متَّبعاً لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن تترك ما نهى الله تعالى عنه امتثالاً لأمر الله ورسوله.

إن الأمانة تكون في البيع والشراء، والصناعة والاجارة، وولاية النكاح، والودائع التي تودع إياها، والأقوال التي تكون سراً بينك وبين صاحبك، وتكون في عملك الوظيفي، فلا تتأخر في إنجاز مصالح الناس، ولا تفشي شيئاً من خصوصيات وأسرار العمل التي لا يسمح لك بها.

إن الأمانة تكون أيضاً فيما توليت شرعاً أو عرفاً، فالوكيل أمين، وولي اليتيم أمين، والراعي أمين، والعامل، والفني، والجزار.

فالأمانة في الدين كله، وفي الأعمال كلها، فمن أداها على الوجه المطلوب فهو من المفلحين، ومن خانها أو تهاون فيها فهو من الخاسرين .

أيها المسلمون: إن مما يتعين التنبيه إليه في شأن الأوقاف أن حاجات الناس العامة تتنوع بحسب المكان والزمان، ومن ذلك -إضافة إلى ما ذكر سابقاً- في الخطبة السابقة: الوقف على المكتبات العامة كانشائها، وايقاف الكتب النافعة عليها، وبناء المدارس، وتسهيل وتيسير وتسجيل الطلاب المحتاجين فيها.

ومما توقف عليه الأموال إنشاء المراكز الطبية، وخاصة ما تدعو الحاجة إليه أكثر من غيره ويكلف المرض وأهلهم مبالغ باهظةً، كأمراض الكلى والأورام الخبيثة والأمراض النفسية، والضغط والسكر، وغيرها.

ومما توقف عليه الأموال مشاريع فتح الطرق، ورصفها، وتزفيتها، والخدمات اللازمة فيها؛ والأوقاف على الدعاة والمعلمين والوعاظ، كتوفير رواتب لهم، أو سياراتٍ ووسائل أخرى يحتاجونها في عملهم. ودعمِ مسيرتهم، فــ "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم".

والمشاركة في الإعلام الإسلامي، كدعم المجلات والصحف الاسلامية والمواقع والقنوات التي تنشر الفضيلة وتتصدى للأفكار الضالة؛ وإقامة مراكز للمهتدين الجدد، والعنايةُ بهم، وما يكفل تلبية حاجتهم المستجدة؛ الوقف على جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، وجمعيات البر الخيرية.

الوقف على تفريج الكرب، فكم من مسلم لا ينام الليل من الهموم والغموم! "ومن فرَّج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة" متفق عليه .

واعلم -أيها المسلم- أن وقف المشاع جائز، واتفق العلماء على ذلك، فلا يلزم أن تنفرد لوحدك بوقف، بل لا مانع شرعاً أن تساهم بوقف أو عدة أوقاف، فإنك لا تدري أيها أقرب لك نفعاً، وأدَرُّ لك أجراً.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الوصية بين المشروع والممنوع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: