منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

  تحية عبد الناصر وعدة احاديث ليلة القبض على جمال عبد الناصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: تحية عبد الناصر وعدة احاديث ليلة القبض على جمال عبد الناصر   الإثنين 9 سبتمبر - 18:35

تحية عبد الناصر وحديثها هكذا تحدثت تحية عبد الناصر   تحية عبد الناصر وحديثها هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
تحية عبد الناصر وحديثها هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

زمـلاء جمـال عبـد الناصـر الغامضـون

أول من دخل بيت جمال عبد الناصر بعد زواجه كان زميله عبد الحكيم عامر، كان ذلك بعد العودة من إجازة زوجية قصيرة بالإسكندرية، غير أن السيدة تحية عبد الناصر لم تره إلا في وقت متأخر لأن الزعيم كان لا يحب الاختلاط.. والشخص الثاني الذي عرفته من زملاء و أصدقاء جمال كان الضابط زكريا محيي الدين الذي عرفته أيضا من صوته.
وفي هذه الحلقة تسلط تحية الأضواء على الجوانب الإنسانية في شخصية زوجها، لكنها تكشف أكثر عن الزيارات الغامضة التي يقوم بها زملاؤه للبيت من دون أن يروا بعضهم بعضا.
كان ذلك مع بداية التحضير لامتحان القبول في كلية أركان حرب..
كنا في إجازة طويلة اذ كان جمال يشغل منصب مدرس في الكلية الحربية.. قال لي إنه سيبدأ المذاكرة في أول تشرين الثاني/ نوفمبر ليحضر لامتحان القبول في كلية أركان حرب. مكثنا أسبوعين في القاهرة.. كنا كأي زوجين نخرج ونستقبل الزوار.. أغلبهم من الأقارب يحضرون للتهنئة، ولاحظت أنه يفضل السينما.. وأنا أيضا أفضلها. بعد أسبوعين سافرنا إلى الإسكندرية ومكثنا هناك أسبوعين.
كانت الاسكندرية في ذلك الوقت مليئة بالانكليز اذ لم تكن الحرب قد انتهت بعد.. فكانت الأماكن مزدحمة والشوارع تكاد تكون مظلمة بسبب الحرب والغارات، وأذكر مرة وكنا نمشي على الكورنيش وكان مظلما وأنا خائفة وأنا أرى الانكليز يمشون بكثرة.. فكان يضحك ويقول: كيف تخافين؟
رجعنا للقاهرة وكنا ما زلنا في الاجازة نخرج سويا، وزرنا شقيقاتي. وكانت شقيقتي التي تزوجت قبلي في المستشفى حيث وضعت طفلة (ليلى).. بعد عشرين عاما حضر الرئيس والمشير حفلة زواجها، وكانا شاهدي عقد القران.
كانت زياراتي لأخواتي قليلة جدا وهن يسكن الجيزة، ولم يكن سكن أخي بعيدا مثل الجيزة لكن وجوده في البيت كان قليلا. لم يزرنا أحد من أصدقائه الضباط وقال: إنه أخبرهم بأنه سوف لن يتصل بأحد منهم طول مدة الإجازة، فكل وقته كان يقضيه معي، والصديق الذي ذكر اسمه أمامي، وقال إنه كان معه في منقباد هو عبد الحكيم عامر، وقال: إنه الآن في بلده المنيا مع زوجته يقضي الإجازة، وقد أخبره أيضا أن لا يتصل به أو يزوره الا بعد انتهاء الاجازة.
انتهت الاجازة وابتدأت زيارات الضباط.. وحضر عبد الحكيم عامر من المنيا وزار جمال في البيت.
كان جمال لا يحب الاختلاط.. بمعنى أن الضباط والأصدقاء يحضرون ومعهم زوجاتهم وأجلس معهم، بل كان إذا حضر أحد ومعه زوجته يقابله بمفرده ويصافحه ثم يصطحب الزوجة إلى الصالة ويدخل في الحجرة ويقول: توجد سيدة في الصالة فلتسلمي عليها وتجلسي معها حتى تنتهي زيارة زوجها. وكنت غالبا لا أسلم على الضيف اذ كان يخرج من باب الصالون وتخرج زوجته وينصرفان.. فإذا أراد جمال أن أزورها يقول لي أن أذهب لزيارتها بمفردي.. فطبعا إذا زارتني السيدة مرة أخرى تزورني بمفردها، ولا يتكرر حضور الضيف مع زوجته.
اليوزباشي جمال عبد الناصر مدرس في الكلية الحربية وله نوبتشية.. أي يبيت مرة في الأسبوع في الكلية، وأحيانا مرة في أكثر من أسبوع حسب نوبات المدرسين. عند ذهابه للكلية في الصباح أحيانا يخرج مبكرا جدا لدرجة أنه كان يستعمل بطارية صغيرة عند نزوله السلالم ويضعها في جيبه، ورغم أنه يوجد في السلالم إضاءة إلا أنه كان يستعمل البطارية، وكان يطلب مني أن لا أقوم ولا أجهز شيئا وبإلحاح لدرجة أني كنت أشعر أني إذا قمت سأضايقه.. ويقول: سوف أتناول إفطاري في الكلية، وأحيانا يخرج متأخرا يعني قبل الثامنة بقليل، فالكلية قريبة من منزلنا.
كان منظما في كل شيء، ولا يحب أن يساعده أحد في لبسه، وكان عند رجوعه الى البيت يخلع البدلة ويعلقها بنفسه على الشماعة ويضعها في الدولاب، ودائما في حجرة النوم، الشماعة التي هي قطعة من موبيليا الحجرة، ولا زالت موجودة في حجرته، وهي مصممة بحيث يسهل وضع الملابس عليها، وكنت أبدي رغبتي في مساعدته لكنه كان لا يقبل.
ابتدأ شهر تشرين الثاني/ نوفمبر.. وبالتحديد في أول يوم منه، وبدأ جمال في المذاكرة.. يرجع من الكلية الساعة الواحدة بعد الظهر، أو بعدها بقليل، ونتناول الغداء في الواحدة والنصف، وأيام يرجع للكلية بعد الظهر، وأيام يظل في البيت حسب نظام التدريس. نظم وقت المذاكرة.. يبتدئ الساعة الثالثة بعد الظهر حتى المغرب أو بعده بقليل، ثم يحضر زوار.. وأغلبهم من الضباط، يقابلهم ويجلس معهم ولا يحضرون كلهم مع بعض.. يعني واحد يجيء وواحد يذهب، وأحيانا يكونون اثنين أو ثلاثة سويا، ثم بعد ذلك إما أن يبقى في البيت أو يخرج.. إما بمفرده أو مع زائر أو اثنين. وابتدأت أميز الأصوات، وعرفت صوت عبد الحكيم عامر اذ كانت له طريقة في كلامه وضحكه.. ثم يرجع البيت إما مبكرا أو متأخرا لكن لا يتأخر كثيرا.
كانت المذاكرة في حجرة السفرة.. يضع «الدوسيهات» والمراجع والأوراق وخرامة الأوراق، اذ كان يعد «الدوسيه» الذي سيذاكر فيه بنظام وترتيب. ولاحظت أنه يكتب كثيرا في مذاكرته، ويتناول العشاء معي اذا كان في البيت ولم يخرج أو خرج ورجع مبكرا. وعندما يقترب موعد الامتحان، كان يظل يذاكر حتى الصباح، ويتناول عشاءه ساندويتش أثناء المذاكرة.
قال لي: إن دخول كلية أركان حرب ليس بالسهل، وأصعب شيء فيها هو دخولها اذ العلوم كلها باللغة الانكليزية والمدرسون انكليز، وكل سنة يتقدم عدد كبير من الضباط ولا ينجح إلا عدد قليل اذ كان الامتحان على مرتين.. يعني تصفية. أول امتحان ينجح عدد ثم الثاني ينجح منهم عدد ويرسب عدد، وعلى ذلك فلا يدخل كلية أركان حرب كل سنة إلا عدد قليل، وأول امتحان كان في شهر أيار/ مايو يعني بعد ستة أشهر.
كان يتردد عليه الضباط أحيانا وهو يذاكر، فكنت أراه يسمع خبطة الباب فيفتح الباب من حجرة السفرة، وأراه يدخل الصالة ثم يدخل الصالون ويُدْخِل الضيف من باب الصالون الذي على السلالم، ثم يحضر ضيف آخر يخبط الباب، فألاحظ أنه يخرج الى الصالة ويدخل حجرة السفرة، ويُدْخِل الضيف الآخر حجرة السفرة من بابها، ويمكث مع أحد الضيفين فترة حتى يذهب، وغالبا لا يمكث كثيرا، ثم يذهب للضيف الآخر، أي لا يجمع بين الاثنين، ثم بعد ذلك يرجع للمذاكرة.
كان بعض الضباط يحضرون ويمكثون في حجرة السفرة معه وهو يذاكر، وهم يذاكرون معه أحيانا.
وكان يجهز الدوسيهات الخاصة بكلية أركان حرب من المراجع الكبيرة الكثيرة التي كان أغلبها باللغة الانكليزية. وكنت أسمع خرامة الأوراق وهي «تتكتك « لترتيب الدوسيهات، واذا سمعت حديثا - وبعضهم يكون صوته عاليا - يكون كله عن العلوم، وأكثرهم مذاكرة معه صديقه عبد الحكيم عامر.
كان يخرج معي يوما في الأسبوع وغالبا إلى السينما، وكان الموسم قد ابتدأ بالأفلام الجديدة في سينما مترو، ريفولي الى آخره... فكان يحجز التذاكر من قبل ليختار المكان الذي يفضله، ويطلب أن أكون جاهزة للخروج في وقت يحدده لي، وذلك بدون أن أطلب منه الخروج معه، بل هو نفسه الذي رتب يوما للخروج معي. استمر الحال على ذلك حتى شهر أيار/ مايو، ودخل الامتحان ونجح وكان ترتيبه الرابع، وهو كما قال لي امتحان تصفية.
يكره نظام المراسلة
ابتدأت أشعر بحمل فاصطحبني إلى دكتور مشهور فقال لي: إنه يجب أن يتابعني مدة الحمل، فكان جمال يذهب معي كل شهر حسب تعليماته. لم يكن عندنا مراسلة أي العسكري الذي يكون مع الضابط في منزله، اذ كان جمال يكره نظام المراسلة ويقول: إنه نظام خاص بالضابط فقط، لكن البعض - وهم الأغلبية - يعاملونهم كخدم للأسرة وأكثر، لأنه لا يملك أن يشتكي أو يتظلم اذا ثقل عليه الشغل أو عومل بقسوة أو أن يترك المنزل ويبحث عن شغلة أخرى، وكنت على رأيه، كما كان يعتبر أن في الطريقة هذه امتهانا لكرامة الجندي وعزته.
كنت أقوم بتجهيز البدلة الرسمية بنفسي.. النجوم والأزرار أعطيها للشغالة تلمعها، وأنا أركبها في البدلة، اذ كانت في ذلك الوقت تركب بدبل نحاسية. وأذكر أنه مرة كان يزورني قبل الزفاف وكان يرتدي البدلة العسكرية.. فسألته عن النجوم التي على الأكتاف وكيف هي معلقة.. فأدار الجزء الملحق بكتف البدلة وأراني فوجدتها دبلا نحاسية تعلق من ثقوب صغيرة بالنجمة التي بها زردية صغيرة وقال: ها هي.. وطبعا ضحكنا.
سافرت الشغالة لبلدها في الريف، وكان لا بد أن يكون أحد في المنزل، فأحضر جمال مراسلة وقال لي: إنه خاص به يقوم بلوازمه ويشتري لنا ما يلزمنا فقط. فكنت أنفذ رغبات جمال بدقة وأنا سعيدة ومقتنعة بكل شيء يقوله. وكان المجندون في ذلك الوقت من أسر فقيرة أو أولاد الفلاحين المعدمين الذين يشتغلون في أراضي الملاك الأغنياء، ولم يستطيعوا أن يدفعوا عشرين جنيها «البدلية».
استمر جمال في المذاكرة لدخول الامتحان في ديسمبر والضباط وغير الضباط يحضرون واحدا بعد الآخر أو اثنين، وأحيانا يجتمع عدد كبير يملأ الصالون ويمكثون وقتا طويلا، وعند حضورهم لا يحضرون في وقت واحد ولا ينصرفون في نفس الوقت أيضا. وهذه الاجتماعات كانت على فترات أكثر من أسبوع، فكان في الأيام الأخيرة قبل الامتحان يذاكر حتى الصباح، وكان عدد من الضباط يحضرون ويدخلون حجرة السفرة، وأكثرهم مذاكرة معه عبد الحكيم عامر، وفى مرة أحضر معه زوجته لتبقى معي وهو يذاكر مع جمال.
وفي الأيام الأخيرة قبل الامتحان حضر ضابط اسمه زكريا محيي الدين.. كان يدخل لجمال وهو يذاكر في حجرة السفرة، وكنت أسمعه وهو يدقق في فهم العلوم ويكرر، وقد ميزت صوته أيضا من تدقيقه في الفهم وترديده الجملة، وقال لي جمال عنه إن والده يملك عزبة وإنه لم يتزوج بعد، وكان يحضر بعربته الخاصة الجديدة.
امتحن المتقدمون لدخول كلية أركان حرب ونجح عدد قليل بالنسبة للمتقدمين، لا أذكر عددهم بالضبط لكنه لم يكن أكثر من ثلاثين.. نجح جمال وعبد الحكيم وزكريا.
مولد هدى
كنت في آخر أيام الحمل.. وعندما شعرت بأعراض الوضع وكان الوقت ليلا ذهبت مع جمال إلى مستشفى الدكتور المشهور الذي كان يباشر حالتي، وظل في المستشفى من دون أن يخبر أحدا من أخواتي حتى الثامنة صباحا وقت مولد هدى ابنتنا في 12 كانون الثاني/ يناير سنة 1946. وبعد أن هنأني قال: سأخبر شقيقتك بالتلفون ثم أذهب للبيت لأنام.
دخل جمال كلية أركان حرب ومدة الدراسة سنتان.. قلت ساعات المذاكرة وازداد حضور الضيوف.. يجيئون في أي وقت بعد رجوعه من الكلية قبل الغداء وبعد الغداء وأثناء تناوله الغداء. وكان يدخلهم الصالون ويترك السفرة ويقول لي: فلتكملي غداءك وسآكل بعد ذلك، فكنت أنتهي من تناول الغداء وبعد خروج الضيف - وغالبا لا يمكث الا وقتاً قصيراً - أسأله في تناول الغداء ولا يأكل الا القليل، لكنه أبدا ما أكل مرة ثانية.
كان يدخل حجرة النوم ليستريح بعد الغداء لكنه قلما كان يبقى في السرير أكثر من دقائق أو ربع ساعة أو نصف ساعة على الأكثر.. ويخبط الباب ويدخل زائر الصالون فيقوم ويقابل الضيف، وبعد انصرافه يرجع إلى الحجرة ثم يحضر ضيف آخر وهكذا. أحيانا يخرج بعد تناوله الغداء مباشرة ثم يرجع إلى البيت، ويحضر ضيف ثم يخرج مرة ثانية إما مع الضيف أو بمفرده بعد انصراف الضيف.
للآن لم ألاحظ أي شيء غير عادي أو سري. وكنت أرى مسدسات يحضرها معه وأضعها بنفسي في الدولاب، اذ كنت أراها شيئا عاديا وهو ضابط.
في ليلة قال لي ـ وكانت الساعة العاشرة مساء ـ إنه سيخرج ويرجع عند الفجر، «وعندما أخبط على الباب تفتحين لي»، وقال: سأخبط ثلاث خبطات هكذا.. وخبط بطريقة معينة وحفظتها، وقال: حتى تصحي من النوم وتفتحي الباب. وقال إنه سيحضر اجتماعا يتحدثون فيه، فكنت أنام وأفتح باب الحجرة حتى أسمعه عند حضوره.. وأعرف خبطته على الباب وأميزها ولا أخطئها. وطبعا تكرر خروجه ورجوعه في هذا الوقت مرات عدة. كنت سعيدة ولم يضايقني أي شيء.. وأرى في عينيه الحب والإعزاز، وكان يداعب هدى كثيرا ويحملها ويدخلها للضيوف لدقائق.. وأشعر بسعادة وأتمنى أن أعمل كل ما أستطيع في راحته.
جمال الانسان
سنة 1946.. في آخرها مرض عبد الحميد شقيقي بصدره «درن»، ومكث في البيت راقدا في السرير، وأخي الثاني كان يسكن في بيت آخر بعد رجوعه من الخارج.. يعني كل بمفرده، وكنت في حملي الثاني وكانت زياراتنا له قليلة. وبعد مرضه كان جمال يزوره كثيرا ويجلس معه، وكان يقول لي عند رجوعه الى البيت بالحرف: «أنا عديت على أخوكي، فكنت أسأله عنه، وطبعا كان يطمئنني ويقول: مكثت معه نتحدث. وعلى عكس أقاربي الذين تقطعت زيارتهم له، وعندما يزورونه يكون ذلك بتحفظ.. يعني من باب الحجرة. وكان جمال يقول: «ازاي واحد يخاف من مريض يعديه بالمرض! أنا عمري ما خفت ولا فكرت في عدوى من مريض، إنه شيء غير انساني».
دخل أخي المستشفى وأجريت له جراحة في رئته، وعندما خرج من المستشفى وفي اليوم نفسه زاره جمال في المساء وبقي معه حتى الثالثة صباحا - وكنت أوشكت على الوضع وعندما رجع إلى البيت قال لي: «أنا من وقت ما خرجت وأنا جالس مع عبد الحميد اذ وجدت شقيقاتك عنده، وكان تعبانا يتنفس بصعوبة، ووجدت أخواتك يخرجن واحدة بعد الأخرى وأخوك في حالة صعبة فقلت في نفسي: كيف أتركه وهو لا يستطيع التنفس بسهولة.. وشقيقاته ذهبن.. سوف أبقى معه. وكان يطلب مني أن أذهب فقلت له: إني باق معك، وقبل الثالثة صباحا قال لي: أنا الآن أتنفس بسهولة وأشعر براحة، وطلب مني أن أعود إلى البيت. وقال: سأتناول كوب لبن.. فقلت له: سأظل معك حتى تتناوله.. وكان جمال مندهشا من شقيقاتي وكيف أنهن تركنه.
بعد أن تحسنت حالة أخي وخرج من المستشفى زار شقيقاتي وقال لهم: أكثر واحد في الدنيا أحبه وأقدره هو جمال عبد الناصر.. إنه أكبر انسان قابلته في حياتي وأحبه أكثر منكن.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗










عدل سابقا من قبل ابراهيم عسكر في الإثنين 9 سبتمبر - 18:40 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: تحية عبد الناصر وعدة احاديث ليلة القبض على جمال عبد الناصر   الإثنين 9 سبتمبر - 18:37




هكذا تحدثت تحية عبد الناصر (3)
ليلة القبض على جمال عبد الناصر بعد العودة من فلسطين

خضع للتحقيق أمام إبراهيم عبد الهادي وتدخل رئيس الأركان لإطلاق سراحه

تروي السيدة تحية عبد الناصر في هذه الحلقة يومياتها أثناء غياب الزوج في حرب فلسطين وكيف التقت عبد الحكيم عامر ورأته أول مرة ليسلمها خطاباً من زوجها الذي علمت بالصدفة من الجيران أنه كان أسيراً.
اليوزباشي جمال عبد الناصر في كلية أركان حرب يقضي مدة الدراسة، والوقت شهر أيار/ مايو سنة 1948، قال: سنتخرج من الكلية خلال أيام بعد أن قُدِّمَ موعد التخرج أسبوعًا، والبدلة الرسمية سيكون عليها شارة حمراء.. وهي شارة أركان حرب توضع تحت الشارة العسكرية.. أرجو تجهيزها، فخيطتها بنفسي وكنت في غاية السعادة. وتخرّج من الكلية وأصبح اليوزباشي أركان حرب جمال عبد الناصر.. هنأته بحب وإعزاز.
بعد يومين قال لي: جهزي كل ملابسي لأني سأسافر إلى فلسطين في خلال يومين لمحاربة اليهود.. فكانت مفاجأة لي وبكيت وحزنت جدًّا.. قال: لماذا تبكين؟ فقلت له: كيف لا أبكي؟.. وكنت عندما يخرج أظل أبكي. بعد تجهيز الشنط لمحته يضع أربطة ومعدات إسعافات للجروح وكان يخفيها حتى لا أراها.




بدأت الحرب يوم 15 مايو سنة 1948، وفي يوم 16 مايو الساعة السابعة صباحًا غادر جمال البيت وأنا أبكي، وعندما خرج من الباب، وكان ينزل السلالم مسرعًا وقفت أبكي وأنظر له وهو ينزل السلالم، وكان المراسلة قد سبقه، وعربة جيب منتظرة على الباب.. وحضر أشقاؤه لتوديعه قبل سفره.
كنت مع ابنتي هدى.. (سنتان وخمسة أشهر)، ومنى.. (سنة وأربعة أشهر)، وكانت الشغالة قد سافرت إلى بلدها منذ أسبوعين. وقال لي جمال قبل سفره: يجب أن تكوني حذرة في اختيار الشغالة، والأحسن أن تكون يعرفها أخواتك.
كانت تزورني زوجة أحد الضباط، وكانت قد طلبت زيارتي بعد مولد هدى لتهنئني وهي تسكن قريبة من منزلنا، وزوجها هو حمدي عاشور.. بقي في القاهرة ولم يسافر إلى فلسطين، فكان يرسل لي المراسلة الخاص بهم لشراء ما يلزمني كل يوم.
رجع أشقاؤه إلى الإسكندرية إذ كانوا لا يزالون في الجامعة وفي وقت الامتحانات، وحضر والده لزيارتنا وبقي معي مدة حوالى شهر، وبعد ذلك كان يحضر أحد أشقائه أو اثنان منهم حيث كان وقت الإجازة.
لم يهمني أي شيء.. وكان الذي يشغلني الحرب وأخبار جمال، وكنت أتلهف على استلام خطاب منه وأفرح جدًّا عند استلامي الخطاب، وبعد ما أقرأه أقول في نفسي: من يدري ماذا حصل بعد كتابته الخطاب؟!.. وأقلق من جديد وأجلس وحدي أحيانًا أبكي.
في خطاب بتاريخ 18 مايو:
«أرجو أن تكوني بخير مع الأنجال العزيزات أما أنا فكل شيء يدعو للاطمئنان...».
وفي خطاب بتاريخ 22 مايو سنة 1948:
«أنا في أحسن حال ولا يشغلني سوى راحتكم والاطمئنان عليكم وأرجو أن أراكم قريبا في أحسن حال...».
وفي خطاب بتاريخ 24 مايو سنة 1948:
«أكتب إليك الآن ولا يشغلني أي شيء سوى راحتكم وأرجو أن تكون شقيقتك قد أحضرت لك شغالة.. أوصيك على هدى ومنى والمحافظة الشديدة عليهما...».
وفي خطاب بتاريخ 9 يونية سنة 1948:
«إن شاء الله نجتمع قريبا في أحسن حال بعد النصر بإذن الله...».
طلب مني في خطاب أن أذهب عند أخي وحدد وقتا ليكلمني بالتلفون. ذهبت بمفردي وتركت هدى ومنى مع شقيقه وانتظرته حتى تكلم.. وسأل عن هدى ومنى وطمأنني، وقال إنه سيكلمني في الأسبوع المقبل في الميعاد نفسه.. وذهبت وكلمني وقال لي: سأكلمك كل أسبوع.
ذهبت - كما قال - وانتظرت على التلفون لكنه لم يتكلم.. ثم قال لي في خطاب إنه لم يجد فرصة ليكلمني لأنهم لا يمكثون في مكان، وقال: سأكلمك وحدد موعدا. ذهبت وانتظرت ولم يتكلم أيضًا هذه المرة. وقال في خطاب: لم أكلمك نظرا لانشغالي.
وفي خطاب بتاريخ 23/7/1948 قال:
«وحشني منزلنا جدًّا وإن شاء الله سأحضر قريبا.. وبالمناسبة، في يوم 20 رمضان سأحصل على رتبة صاغ».
وفي خطاب آخر قال لي إنه سيأخذ إجازة لمدة ثلاثة أيام.. كانت فرحتي عظيمة.. حضر وكان قد مضى على سفره ثلاثة أشهر ونصف شهر.
جرح من رصاصة أثناء الحرب
رأيت علامة جرح حديث وخياطة في صدره من الناحية اليسرى، سألته ما هذه؟ فقال: إنها لا شيء.. دي حاجة بسيطة.. وسكت. ثم وجدت في الشنطة قميصًا وفانلة ومنديلا بها دماء غزيرة فنظر وقال: إنه أصيب وهو في عربة حربية، وهذا أثر جرح من رصاصة خبطت أولا في حديد العربة الحربية الأمامي الذي لا يزيد عرضه على بضعة سنتيمترات، مما خفف الإصابة إذ انكسرت منها قطعة دخلت في صدرى.. والحمد لله بعيدة عن القلب بمسافة بسيطة، ومكثت في المستشفى أيامًا قليلة.. وأراني القطعة وقال: سأحتفظ بها والملابس المخضبة بالدماء.. حكى لي كل ذلك ببساطة. وضعتها في مكان كما هي، وكان بها خروم مكان دخول القطعة.
مكث جمال ثلاثة أيام زارنا خلالها كل أفراد العائلة، وذهبنا إلى السينما مرة وانتهت الإجازة.. وعند سفره بكيت فقال إنه سيحضر مرة كل شهر. ولقد كان يرسل لي خطابات منتظمة، وبعد شهر حضر في إجازة ثانية، وطبعًا كانت الفرحة العظيمة يوم حضوره، ومكث الأيام الثلاثة ثم رجع لفلسطين.. وكانت الإجازة يوم 14 سبتمبر وانتهت يوم 17 منه.
حصار الفالوجة
رجع عبد الحكيم عامر من فلسطين إلى القاهرة.. وكان قد سافر أيضًا وجرح في يده وأخذ إجازة. ذهبت لزيارة عائلته فقابلني وقال: إن جمال الحمد لله بخير وبصحة جيدة. وكان عبد الحكيم قد رقي أيضًا إلى رتبة يوزباشي وأخبرني أن جمال سيحضر إن شاء الله قريبا في إجازة، وكان عيد الأضحى قد اقترب. وكنت أول مرة أرى فيها عبد الحكيم عامر ويصافحني ويتحدث معي.. حلَّ عيد الأضحى وانتهى ولم يحضر جمال، وكانت الخطابات تصلني إلا أنها أصبحت على فترات أطول مما قبل، ولم يذكر لي ميعاد حضوره في إجازة.. فكنت قلقة أقرأ الجرائد وأسمع الراديو. طلبت من شقيقتي أن تسأل زوجها فأخبرها بأنهم الآن في مكان بعيد مقطوع عنه الاتصال، ولا توجد قطارات تذهب إلى هناك.
قبل سفره أعطاني جمال شيكات لصرف مرتبه من بنك مصر. وفي خطاب بتاريخ 17/10/1948 قال: إني حولت لحسابك بالبنك الأهلي مبلغا... شهريا يمكن استلامه في أول ديسمبر. وأضاف: أرجو أن تكوني مطمئنة ولا تنشغلي إلا بنفسك وهدى ومنى وهذا هو طلبي منك.. وأرجو أن أراكم إن شاء الله قريبا في أحسن حال. وأنا ذاهبة إلى البنك الأهلي قابلتني سيدة جارة لشقيقتي فسلمت عليّ وسألتني: هو زوجك لسه في الأسر؟ هذا ما قالته لي بالحرف.. فذهلت وقلت لها: إنه ليس أسيرًا، إنه في مكان بعيد.. وطبعًا حالتي كانت صعبة جدًّا.
مكثت في البيت وأنا في منتهى الحزن، وكانت جارتي التي تسكن تحت مسكننا ابنة رئيس هيئة أركان حرب الجيش في ذلك الوقت، وهو عثمان باشا المهدي فسألتها عن جمال. وبعد أيام وجدتها تطرق الباب في الصباح، وكنت لا أزال نائمة فقمت وفتحت الباب، ورأيت معها مجلة المصور وقالت: ها هو ذا زوجك الصاغ جمال عبد الناصر في صورة مع عدد من الضباط في الفالوجة.. فعرفت بحصار الفالوجة. كنت من وقت لآخر أطلب من جارتي أن تسأل والدها عن الضباط الموجودين في الفالوجة، فقالت لي إن والدها سيحضر قريبًا، وألحت عليّ في زيارتها وقت حضوره لأطمئن.. فشكرتها، وهي طيبة جدًّا وللآن لا أنساها وأطلب منها زيارتي. كنت لا أزورها إلا قليلا وهي التي كانت تحضر عندي وتقول: لم لا تزورينني وأنت وحدك؟ فكنت أقول لها: إنك مع زوجك وأولادك فلتحضري أنت في الوقت الذي يناسبك. فكانت تسأل عني في أغلب الأيام.. وهي السيدة نادية المهدي. زارتني جارتي في مساء يوم من شهر فبراير سنة 1949 وقالت: اليوم عيد ميلاد ابني فلتحضري ومعك هدى ومنى، وأصرت على أن أنزل عندها وقالت: ليس عندي غير شقيقتي التي تصغرني.. فشكرتها وذهبت ومعي هدى ومنى.
قابلت هناك والدها.. رئيس هيئة أركان حرب الجيش، فطمأنني وقال: إن ضباط الفالوجة بخير، ويرسل لهم أسلحة وذخيرة وتمويناً، وإن شاء الله يحضرون قريبا.
في خطاب بتاريخ 21/11/1948 يقول جمال:
«أرجو ألا تنشغلي إذا تأخرت في المكاتبات فأنا أرسلها حسب الظروف ولكنها لا تكون منتظمة في هذه الفترة على الأقل».
وفي خطاب بتاريخ 23/11/1948 يقول:
«... أرجو أن نلتقي قريبا في أحسن الأحوال. أرجو أن تكوني مطمئنة جدًّا... وأنا أحاول باستمرار أن أكتب لك في أي فرصة وقد كتبت لك ثلاثة خطابات أرجو أن تكون وصلت... وعموما لا تنتظري خطابات منتظمة في هذا الوقت. لم أستلم منك خطابات منذ خمسة وأربعين يوما لصعوبة وصولها ولكن عبد الحكيم يطمئنني عليكم باستمرار».
وفي خطاب بتاريخ 26/11/1948 يقول:
«يمكن أن تصلني أخباركم عن طريق عبد الحكيم.. أقصد أن تكلمي السيدة حرمه أن تبلغه عن أخباركم باستمرار لأنه يتصل بي يوميا... وأما خطاباتكم فلا يمكن أن تصل الآن... وأنا بخير والحمد لله وكل شيء يدعو للاطمئنان».
وفي خطاب بتاريخ 14/1/1949 يقول جمال:
«ما كنت أعتقد أني سأفترق عنكم هذه المدة ولكن الحمد لله.. ويشجعني على ذلك إيمانك العظيم بالله فيجب ألا تقلقي ولا تحزني مطلقا لهذا الغياب. سنلتقي قريبا إن شاء الله سويًّا ونشكره شكرا جزيلا... فأنا بخير وسننسى كل شيء ونبقى سويًّا يا حبيبتي العزيزة إلى الأبد...».
وفي خطاب يقول:
«... أرجو أن تفسحي هدى دائمًا وتأخذيها جنينة الحيوان وجنينة الأسماك.. أرجو أن تكونوا دائمًا في أسعد حال».
زرت أختي في الجيزة، وهي تسكن بجوار جنينة الحيوانات، وأخذت هدى ومنى وذهبنا للحديقة، ولم أذهب إلى جنينة الأسماك لأني كنت لم أرها للآن.. وكانت هدى تتكلم وحفظت اسم طائرين.
مكثت في البيت لا أخرج إلا قليلا أتتبع الأخبار من الصحف والإذاعة، وأدعو الله أن ينتهي الحصار في الفالوجة ويحضر جمال.
شتاء سنة 1949..
كانت جارتي السيدة نادية المهدي ترجوني أن أخرج أو أذهب معها إلى السينما فكنت أرفض، ولم أذهب أبدًا. كما أني لم أتعود أن أخرج مع أية سيدة ولم يكن لي صديقات، بل كانت صلتي بالسيدات محدودة والكل بالنسبة إلي سواء.. وكنت أقضي فراغي في شغل التريكو لهدى ومنى، وابتدأت أشتغل بولوفر لجمال وقلت له في خطاب: إني أشتغل لك «بولوفر» لونه رمادي فاتح.. وهو يفضله في ألوان البولوفر.
وصلني خطاب بتاريخ 20/1/1949 قال:
«... وإن شاء الله أراكم قريبا جدًّا فإن شاء الله سأكون بالقاهرة قبل أول فبراير أو في الأسبوع الأول... وسنبقى سويًّا باستمرار وأظن أن اللحظة التي سألقاكم فيها ستكون أسعد أوقات حياتي... وإن شاء الله يكون البولوفر خلص».. فعرفت أن خطابي وصل إليه، وفرحت جدًّا بقرب حضوره.
هذه أجزاء من بعض خطاباته لي أيام حرب فلسطين محتفظة بها وعددها 46 خطابا.. وكلها بإمضائه الذي لم يتغير.
بعد انتهاء الإجازة الصيفية للطلبة وافتتاح الجامعة لم يعد أحد من إخوته يحضر إلى القاهرة، وجاء عيد الأضحى وكنت منتظرة حضور جمال.. ومضت أيام العيد ولم يحضر ولم يصلني منه خطاب، فكنت في غاية القلق والانشغال عليه، وبالإضافة إلى ذلك بقائي بمفردي مع هدى ومنى. وبعد عدة أيام حضر والده وقال لي: سأبقى معك حتى يحضر جمال، ولن أرجع إلى الإسكندرية أبدًا مهما طال غيابه.. فشكرته لحضوره ورحبت ببقائه معي وشعرت براحة واطمئنان.
كنت أجلس بمفردي في المساء بعد أن تنام هدى ومنى أشتغل التريكو، وأتذكر حديث جمال لي أيام الخطوبة عن سفرياته وتنقلاته في البلاد. وكنت وقتها منتظرة أني سوف لا أعيش في القاهرة باستمرار، وكنت سعيدة بأني سأسافر معه. وكنت أقول في نفسي: أول بلد يسافر إليه يذهب ليحارب؟!.. وهو الآن محاصر في الفالوجة ولا أدري متى ينتهي هذا الحصار. والخطابات تصلني وكلها يشعرني فيها بأنه في أمان وأنه سيحضر قريبًا.. وأفكر أنه ربما يريد أن يعطيني الأمل ليخفف من حزني بعد أن طال غيابه.
في يوم قالت لي جارتي إن صاحبة البيت أبدت لها رغبتها في أن أترك البيت لأنها سوف تبني دورا آخر فوق مسكني، فرددت عليها قائلة: كيف تطلبين منها أن تعزل الآن وزوجها مسافر في الحرب؟! فاقترحت عليها أن أذهب وأعيش مع أخي.. فقلت لجارتي: أخبريها بأني سأترك منزلها عند حضور الصاغ جمال عبد الناصر إن شاء الله قريبًا.
تلفون من العريش
في أول مارس سنة 1949 اتصل جمال بالتلفون وقال إنه موجود في العريش وسيحضر في خلال أسبوع.. وطلب أن أذهب لأخي في الصباح ليكلمني.. فكانت الفرحة العظيمة، وذهبت وكلمني جمال وسألني عن هدى ومنى ووالده وأشقائه وقال: أريد أن أكلم الوالد غدًا.. فذهب معي إلى أخي وكلم جمال وكانت فرحتنا لا تقدر وقال لي: سأكلمك كل يوم في الموعد ذاته، حوالى الثامنة صباحًا حتى أحضر.
وفي يوم 6 مارس سنة 1949 في المساء حضر جمال من الفالوجة.. وكانت الفرحة التي لا أقدر أن أعبر عنها، وكان أشقاؤه قد حضروا من الإسكندرية. وعند وصوله عرف الجيران والناس في المحال القريبة من منزلنا.. والكل كان يعرف الفالوجة والحصار ويريد أن يصافح العائدين منها ويحييهم.. فكانت هيصة أمام البيت.
بعد أن استراح قليلا نهض وقال: سأخلع الملابس الرسمية وألبس البدلة العادية.. لقد أوحشني اللبس العادي، ثم سأل: أين البولوفر الذي اشتغلته لي؟ وكنت قد اشتغلته وجهزته وعلقته في الدولاب فأحضرته له فأعجبه لونه ولبسه.. وكان أول لبس جديد بعد رجوعه.. ثم قال لي: سأخرج ولن أغيب فسأذهب للقشلاق وأرجع بسرعة.
كان قد مضى عليه خمسة أشهر لم يرنا.. هدى ومنى تغيرتا وكبرتا.. منى كانت لا تتكلم إلا القليل فهي تتعلم الكلام، وهدى زاد كلامها وفصاحتها.
وطبعًا كان الزوار يحضرون بكثرة، وكذلك الأقارب من إسكندرية والصعيد، وكانت الإجازة لمدة شهر. كنت أخرج معه ونذهب إلى السينما، وكان وقتها المعرض الزراعي الصناعي.. ذهبنا وقضينا اليوم كله هناك نتفرج على المعروضات وتناولنا الغداء. قابلنا ضابطا من معارفه كان متزوجا حديثا من أسبوعين، سلم علينا وقال: لسنا وحدنا في شهر العسل بل أنتم أيضًا.. وضحكنا.
الانتقال إلى بيت جديد
في الأسبوع الأخير من شهر مارس قال لي جمال: قابلت ضابطا أعرفه رتبته كبيرة يملك فيلا في كوبري القبة، وبنى دورين جديدين فوق الدور الأول، والدور الثاني فاضي.. ففكرت نعزل ونسكن في كوبري القبة. رحبت، فقال: سأذهب لأرى البيت، وذهب مع الضابط ورأى المسكن وقال: إنه لا بأس به فلتذهبي معي وتشوفيه.. فقلت: مش ضروري أشوفه ما دام عجبك، فلنعزل.. وكوبري القبة مكان هادئ والدور الثاني السلالم له سهلة. وكنت مقتنعة بأنه أحسن من البيت الذي نسكنه، ولم أذكر له شيئًا عن رغبة صاحبة البيت في أثناء غيابه، وكانت قد حضرت لتهنئتنا بسلامة رجوعه من فلسطين وحدثته عني وقالت له الكثير من المديح والثناء.
وفي آخر شهر مارس سنة 1949.. أي في نفس الشهر الذي رجع فيه جمال من الفالوجة انتقلنا إلى البيت الجديد في كوبري القبة. وقبل مغادرتنا البيت حضرت صاحبة البيت وكانت تسكن بجوارنا - يعني جيران وهو ملكها أيضًا - وكانت متأثرة وبكت وقالت لي: لقد قلت إنك ستتركين البيت عند رجوع حضرة الصاغ جمال وها أنت ذي تتركينه. وسلمت عليّ بحرارة وهي تبكي.
ذهبت مع جمال وهدى ومنى للبيت الجديد.. وكنت أول مرة أراه كما حدث في البيت الأول، وأعجبني جدًّا. والبيت مبني بحيث يكون: البدروم، ثم الدور الأول، والثاني مسكننا، ودور ثالث. ونظام الأبواب الثلاثة كالبيت الأول مع اختلاف إذ لا يوجد باب يوصل لحجرة السفرة كالبيت السابق، فالباب الثالث على الشمال يوصل إلى مدخل صغير للمطبخ. والبيت مكون من خمس حجرات منظمة كالآتي: حجرة السفرة ملحقة بحجرة الصالون من دون باب ولها باب على الصالة، والحجرتان تطلان على الشارع. الصالون به فراندة مستديرة على ناصية البيت ترى الشارع العمومي.. شارع مصر الجديدة، وترى الباص والترامواي والكوبري الذي يمر تحته المترو أمام المستشفى العسكري في ذلك الوقت.. وهي الآن الكلية الفنية العسكرية. أرى الشارع بوضوح إذ بيتنا الثالث في الشارع بعد فيلتين صغيرتين ولكل فيلا حديقة. حجرة المكتب ملحقة بالصالة بدون باب أيضًا وبها فراندة وشباك في مواجهة الصالة يطل على حديقة المنزل الذي يلي منزلنا، وأرى الشارع أيضًا، وفي الناحية الأخرى حجرتان للنوم.
كان جمال يحكي لي عن الوقت الذي قضاه في الحرب وعن الحصار في الفالوجة وقال: كانت هناك طفلة كنت أحب أن أكلمها تذكرني بهدى وفي عمرها، وفي ليلة شعرت بحزن وقلت كيف حال تحية الآن وهدى ومنى؟ ولم أنم.. وكيف كان الرصاص والقنابل تتساقط حوله ونجاه الله، وقراءته للمصحف عدة مرات وتأديته للصلاة، وكيف كان يرسل لي الخطابات مع أحد العرب، ويدفع كل ضابط مبلغًا ويصل ما يتقاضاه العربي إلى خمسين جنيها.
إبراهيم عبد الهادي يستجوب جمال
انتهى شهر الإجازة ونقل العائدون من الفالوجة - وهم ثلاث كتائب - كل كتيبة في بلد. وكانت الكتيبة السادسة - وهي التي بها جمال - نقلت للإسماعيلية، وهو أركان حرب الكتيبة. قال لي: ليس هناك مكان لسكن عائلات الضباط، والمكان عسكري فقط، وسوف أذهب وأحضر كل أسبوع.. فكان يحضر يوم الخميس ويغادر القاهرة يوم السبت في الصباح الباكر.. ولم أذهب إلى الإسماعيلية أبدًا ومكثت في القاهرة.
استمر الحال حوالى ثلاثة أشهر، وكانت صحتي متوعكة إذ كنت في الشهور الأولى للحمل. في شهر يوليو قال لي جمال: سأحضر في إجازة لمدة شهر ففرحت جدًّا، وفي أول يوم للإجازة في الصباح خرج ورجع قبل الثانية عشرة ظهرا، وخلع ملابسه العادية طبعًا ولبس البيجاما ورقد على السرير يقرأ. ولم يلبث إلا قليلا وسمعنا أحدا يصفق بشدة ويسأل عن مسكن الصاغ جمال عبد الناصر.
وكان أحد الضباط. قابله جمال وتحدث معه دقائق وارتدى الملابس الرسمية وقال لي: لا تنتظريني على الغداء سأغيب ولتتغدي أنت والأولاد.. وخرج وركب عربة مع الضابط. تناولت الغداء مع هدى ومنى ومر الوقت عاديا، وحتى حوالى الساعة السابعة لم يحضر.. وابتدأت أقلق: أين ذهب جمال؟ ومن هذا الضابط الذي حضر بطريقة غير عادية يصفق ويسأل بصوت عال عن مسكننا؟ وكنت أشعر بأن ما يحدث حولي غير عادي ولكن لم أفهم شيئًا غير الكتمان. جلست بجوار الشباك المطل على الشارع في حجرة السفرة.
ولم ألبث إلا قليلا حتى رأيت عربة كبيرة زرقاء تدخل الشارع وتقف أمام منزلنا، ورأيت جمال ينزل من العربة وينتظر شخصا آخر.. وكان عثمان باشا المهدي - رئيس هيئة أركان حرب الجيش - وكنت أعرفه وحتى عربته إذ كنت أراها أمام منزلنا السابق. خرجت بسرعة من حجرة السفرة ودخلت حجرة النوم، وصعد جمال مع عثمان باشا ودخلا الصالون. وبعد قليل دخل جمال عندي في الحجرة فقلت له بلهفة: أين أنت؟ إني قلقة عليك.. فرد وقال: فلتعطيني بسرعة الأسلحة الموجودة عندك، ولاحظ اضطرابي وقلقي فقال: لا تخافي إني راجع لك.. أسرعي وسأحكي لك عما حصل بعد خروج عثمان باشا، فقلت له: لقد عرفته وكنت جالسة بجوار الشباك.
كنت أخفي الأسلحة بين الملابس في الدولاب.. في الشتاء أخفيها بين ملابسه الرسمية الصيفية، وفي الصيف أخفيها بين ملابسه الشتوية، إذ كنت أرى أنها يجب إخفاؤها وألا يراها أحد غيري، من دون أن يلفت نظري أو يقول لي شيئًا. رجع جمال بعد خروج عثمان باشا وقال لي: كنت عند رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي.. لقد استدعاني لاستجوابي والتحقيق معي بوجود عثمان باشا، وبقيت هناك للآن، وهو الذي كان يحقق معي ويستجوبني بنفسه، وكان في منتهى العصبية، وكنت أجاوبه على كل سؤال.. وأخيرا لم يجد إلا أن يقول لي: روّح، وسألني هل عندك أسلحة؟ فقلت له: نعم.. وذكرت أنواعها، وكلف عثمان باشا بالحضور معي واستلام الأسلحة. وكنت منتظرا أنه سيعتقلني لكنه قال لي: روّح.. وهو في غاية الغيظ والضيق.
مكث جمال شهر الإجازة في القاهرة نخرج سويًّا ونذهب إلى السينما.. وغالبًا الصيفي في مصر الجديدة، وأحيانًا نأخذ هدى ومنى معنا. وكان يقابل الضيوف ويخرج مع بعضهم أو بمفرده.
بعد انتهاء الإجازة نقل من الإسماعيلية إلى مدرسة الشؤون الإدارية بالقاهرة، وهي التي يقضي فيها الضباط فترة.. ثم يمتحنون ويحصلون على الترقية.. أي «فرقة». وكانت فرحتي عظيمة بنقله للقاهرة.
اشترى جمال العربية الأوستن السوداء، ودفع ثمنها من النقود التي توافرت معه أثناء مدة الحرب، إذ المرتب كما هو معروف يكون الضعف للمقاتلين، ولم تكن تكفي فكملت الباقي من ثمنها وفرحت بالعربية. بعد شراء العربية بأيام قليلة قال: سآخذك لمشوار طويل.. وذهبنا إلى القناطر الخيرية ومعنا هدى ومنى وتناولنا الغداء هناك.
كان يحضر إلى المنزل بعض الضباط الذين سيدخلون امتحان كلية أركان حرب، وكان يساعدهم ويجلس معهم وقتا طويلا، وكنت أسمعهم يتكلمون في موضوعات الدراسة، وكان يعطيهم الدوسيهات التي هو كاتبها ومجهزها بنفسه ويقول لي: إني أحب أن أساعد كل من يريد أن يتقدم لكلية أركان حرب وأرحب به.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: تحية عبد الناصر وعدة احاديث ليلة القبض على جمال عبد الناصر   الإثنين 9 سبتمبر - 18:42

هكـذا ظهـر أنـور السـادات
في ليلة 23 يوليو 1952 سألت السيدة تحية كاظم زوجها جمال عبد الناصر لأول مرة منذ زواجهما «رايح فين»؟
كان جمال قد ارتدى بذلته العسكرية وتأهب للخروج، ما أثار مخاوف الزوجة، وحين سألته قال إنه خارج من أجل التصحيح، وكان يعني تصحيح أوراق امتحانات طلبة كلية أركان الحرب، حيث كان هذا رده كلما رصدت زوجته واحدا من خروجاته الغامضة تحضيرا للثورة.

غير أنه قبل ذلك بشهور حدث الآتي كما تروي السيدة تحية كاظم في مذكراتها: حضر زائر قبل رجوع جمال من الشغل وجلس في الصالون ينتظره، وبعد حضور جمال طلب الغداء مع الضيف. ثم حضر الزائر بضع مرات ينتظر جمال ويتغدى معه، وكان «المراسلة» عندما يفتح الباب له ويدخله الصالون يقول لي: إنه الضيف الذي يحضر وينتظر جناب البكباشي ويتغدى معه. وطبعًا لم يكن يترك ورقة مكتوبا عليها اسمه. قال لي جمال: إنه ضابط مكان شغله ليس في القاهرة، ويسكن الروضة، وهو الآن حضر في إجازة.. وكان هذا الزائر أنور السادات.
وبعد بضعة أشهر والوقت بداية صيف سنة 1952 على ما أذكر.. حضر زائر، وكان بعد خروج جمال في المساء قبل المغرب، وكان المراسلة غير موجود ففتحت له الباب وسأل عن البكباشي جمال عبد الناصر، فقلت له إنه خرج.. فكتب ورقة وانتظرته حتى أعطاها لي.. وضعتها فوق البيانو كعادتي، وبعد رجوع جمال أخبرته بحضور الضيف وأنه أعطاني الورقة بعد أن كتبها، وقلت: إنه أسمر شديد السمرة، فقال: إنه متزوج حديثا وزوجته بيضاء جدًّا.. وكان هذا الضيف أنور السادات.
ذلك كان أول ظهور لأنور السادات في مذكرات السيدة تحية عبد الناصر الخاصة بحياتها قبل الثورة .. لكن اسم السادات يختفي طويلا ثم يعود بإلحاح في أحداث النكسة وعند رحيل عبد الناصر.
نحن الآن في الأيام السابقة على 23 يوليو
ابتداء الصيف.. شهر مايو ويونيه سنة 1952 في شهر رمضان..
البيت كما هو.. الحركة والخروج والسهر حتى السحور، وحضور الزوار قبل موعد الإفطار وبعد الإفطار. وانتهى رمضان وكان يوم العيد فنذهب لزيارة أخواتي.. قال لي جمال: نذهب لشقيقاتك في الجيزة.. وهما اثنتان تقطنان في عمارة واحدة. ركبنا العربة.. هدى ومنى وخالد في الخلف وأنا بجواره أحمل ميدو البيبي.
عندما اقتربنا من البيت، وهو على شارع الجيزة نظر إلي جمال وقال: تحبي أمشي بكم شوية للهرم والجو لطيف. قلت له: نعم إنه يسرني ومعنا الأولاد.. شكرًا.
ومشينا بالعربة في طريق الهرم، وأوقفها بالقرب من صندوق بريد، وفتح مظروفا كبيرا كان في العربة وأخرج منه جوابات صغيرة الحجم وعددها كبير.. كمية جوابات، ووضعها في صندوق البريد ومشى بالعربة حتى قرب الهرم، ثم نظر لي وقال: نرجع بقى؟ قلت: نعم!. وأدركت أنها المنشورات.. ولم أقل كلمة ورجعنا والأولاد من الفسحة في طريق الهرم لزيارة أخواتي.
بعد العيد مباشرة قال لي: عندي إجازة لمدة أسبوعين فقط، وسيكون امتحان الضباط في كلية أركان حرب وأنشغل.. نسافر إسكندرية نقضي عشرة أيام مع الأولاد؟ قلت: نعم نذهب لإسكندرية.. وكنت لم أذهب هناك منذ زواجنا، أي منذ ثماني سنوات، أما هو فقد ذهب مرات قليلة لمدة يوم أو يومين لزيارة والده وأخوته الذين يقيمون بها. وكان ذلك في يوم 29 يونيه سنة 1952..
خرجنا في الصباح في العربة «الأوستن» السوداء ومعنا أولادنا الى الإسكندرية وكان ميعاد زواجنا.. هنأني وهنأته بعيد زواجنا الثامن، وفي الطريق قال لي: إنها مصادفة.. اليوم عيد زواجنا ونحن نذهب معا ومعنا أولادنا بعد ثماني سنوات منذ ذهابنا معا. وقال: هناك سأبقى معك في الصباح على البلاج حيث أستحم في البحر مع هدى ومنى وخالد وسأحملهم وأعومهم، وبعد الظهر سأخرج ثم أرجع قبل المغرب وأخرج معكم في العربة حتى الليل.. يعني الساعة الثامنة أو التاسعة وأرجعكم اللوكاندة. وكان قد سافر من قبل وحجز لنا في لوكاندة بسيدي بشر، وكانت جديدة البناء وعلى البحر، ثم قال: وبعد ذلك سأخرج بمفردي لأقابل ضباطا هناك.. فقلت له بالحرف: هم إياهم دول برضه رايحين ورانا في إسكندرية؟ فضحك جدًّا وقهقه من كلمة إياهم وقال: كثير منهم سبقنا إلى هناك، ومنهم باقون في القاهرة.
كنا في سيدي بشر وكل الحكومة تسكن سيدي بشر.. وأسمعه يردد اسم حسين سري ويقول: حسين سري سافر.. حسين سري حضر.. وكان منزله بالقرب من اللوكاندة، وكلما مررنا بمنزله في طريقنا ينظر إليه.. أي منزله ويردد اسمه وأنا لا ألتفت ولا أشعر بأن وجود حسين سري في إسكندرية أو عدم وجوده شيء مهم.. وكنت أرى أنها مجرد ملاحظة.
كنا نذهب إلى البلاج أمام اللوكاندة ونجلس تحت الشمسية وينزل البحر ويأخذ هدى ومنى وخالد ويعومهم ويحملهم في المياه.. وأنا جالسة تحت الشمسية ألاحظهم وبجانبي كرسي الأطفال جالس فيه ميدو (عبد الحميد) البيبي الذي لم يتجاوز ثمانية شهور.. ونرجع وقت الغداء، وبعد ذلك يخرج ويغيب حتى الغروب - موعد خروجنا - ويقول: أنا كنت جالسا قريبًا من اللوكاندة في الكازينو مع بعض الضباط. وبعد أن نمشي بالعربة على الكورنيش يركنها ونتمشى سويًّا ساعة غروب الشمس، وفي المساء يوصلني اللوكاندة وقت العشاء، ثم يخرج وينام الأطفال وأبقى في الفراندة بعض الوقت وأنام حتى يرجع.
في يوم 10 يوليو رجعنا للقاهرة. قبل مغادرتنا إسكندرية قال: نرجع من الطريق الزراعي. في أثناء عودتنا، رأيت اللافتات مكتوبا عليها تفتيش الأمير... تفتيش الباشا... وعليها أسماء لأمراء من الأسرة المالكة وباشوات من الإقطاعيين، والطريق الزراعي أغلبه ملك للملك والأمراء والباشوات فقلت: كل الأراضي والتفاتيش دي ملك للملك والأسرة والباشوات؟ فنظر لي جمال وأنا بجانبه وقال: سوف لا يكون هناك أراض ولا تفاتيش يملكها أمراء ولا باشوات!.. ولم أنتبه لقوله، ولم أعلق بكلمة ولم أفهم شيئًا.
رجعنا من إسكندرية، وبعد أيام قليلة حضر أشقاؤه عندنا. والحياة في البيت كما هي والحركة في ازدياد بشكل غير معقول.. إذ كان عندما يرجع جمال من الشغل يكون في انتظاره ضباط، ويبقى معهم ويطلب الغداء ويظل معهم، وعندما يخرج لا يرجع إلا عند طلوع الفجر.. والوقت صيف والجو حار.. أنام وأصحو وأجد الوقت فجرًا ولم يحضر.. أقوم وأنتظر حضوره.. أنظر من الشباك.. وظل يخرج بالمسدس.
الأسبوع الأخير قبل الثورة..
بعد رجوع جمال إلى البيت بعد طلوع الفجر دخل الحجرة، وبعد أن حياني كعادته قلت له: إني أخاف عليك وأخاف التشرد والأولاد.. فرد وقال: يا للأنانية كل ما يهمك في البلد هو زوجك وأولادك.. عائلتك فقط؟ يعني أنك لا تفكرين إلا في نفسك.. وانتهى الحديث ولم أقل كلمة، ومشى ليخرج إلى الصالة فالتفت لي وقال: تعالي نجلس سويًّا مع أخوتي في حجرة المكتب.. إنهم استيقظوا من النوم. وكان شقيقه يضع «سريرا سفري» في الحجرة أثناء الليل. جلست معهم.. وبعد قليل استأذنت وقمت لأخرج من الحجرة فقال لي: أين أنت ذاهبة؟ قلت سأذهب لأصلي.. فنظر في ساعته وقال: أسرعي حتى لا يفوتك وقت صلاة الفجر فالشمس قربت من الشروق.. وبدا على وجهه الارتياح والحب والعطف.
وحتى الآن لم أفهم ما الهدف وما الغاية.. لم أفهم إلا خطورة ما يجري أمامي.
قبل الثورة بأيام قليلة قال لي إنه مشغول جدًّا في امتحان كلية أركان حرب، وإنه يشتغل في تصحيح أوراق الامتحان، وقال لي: اخرجي وتسلي واذهبي إلى السينما مع أخواتك، واصحبي معك هدى ومنى وخالد - وكان عمره سنتين ونصف - ليروا ميكي ماوس واذهبي إلى سينما الفالوجة.. وهي قريبة من منزلنا، وممكن نذهب لها مشيا، أو أي سينما تعجبك في مصر الجديدة، وأغلبها صيفي الآن والجو حار.. فقلت: نعم سأذهب.. وبقيت كما أنا سعيدة هانئة كل وقتي مشغول، وذهبت للسينما واصطحبت الأولاد كما قال لي.
قبل خروجه في الصباح قال لي: جهزي أكل زيادة لعدد من الضباط.. ويخرج بعضهم ويحضر غيرهم ثم ينصرفون، ويخرج إما بمفرده أو مع واحد منهم ثم يرجع البيت، ويظل يشتغل وينام ساعات قليلة. وظل جمال هكذا حتى قبل الثورة بيومين، وفي الليلتين قبل الثورة لم ينم وظل بملابسه العادية جالسا في حجرة السفرة على «الترابيزة» يشتغل. وفي الصباح في الساعة السابعة يدخل الحجرة ليستبدل بملابسه الملابس الرسمية، ونتناول الإفطار سويًّا، وقبل خروجه يقول لي: جهزي غداء زيادة، لأننا سنجلس كالأمس، في تصحيح أوراق الامتحان.. ويحييني ويخرج.
وكان عبد الحميد - ابني البالغ من العمر ثمانية شهور - قد حصل له توعك، وكنت أريد تغيير غذائه ويلزم أن يراه الدكتور الذي يعالج أولادنا، فعندما رجع جمال من الشغل في الظهر دخل كعادته يلاطفه ووجده متوعكا فقلت: أريد الذهاب للدكتور لينظم له غذاءه.. متى لا تكون مشغولا حتى نذهب؟ فقال لي: إني مشغول جدًّا، فاطلبي الدكتور ليحضر هنا، أو يمكنك الذهاب في تاكسي.. وكانت تلك أول مرة لا يجد وقتا للذهاب معي للدكتور. وفي اليوم التالي ذهبت بمفردي. وكان قبل خروجه قد طلب أيضًا تجهيز غداء زيادة لعدد من الضباط.
ليلة الثورة
اليوم الثاني والعشرون من يوليو سنة 1952 الساعة السابعة صباحًا.. دخل جمال الحجرة وكان يلبس الملابس العادية.. القميص والبنطلون ولم ينم طوال الليل.. جلس في حجرة السفرة يشتغل كالليلة السابقة.. حياني واستعد للخروج واستبدل بملابسه العادية الملابس العسكرية وتناولنا الإفطار سويًّا.
خرج ورجع عند الظهر، وتناول الغداء مع الضباط وظل معهم في الصالون وحجرة السفرة وقتا ثم خرج الضيوف. تحدث معي جمال وقال: لم لا تخرجين وتأخذين معك هدى ومنى وخالد وتذهبون للسينما والجو حار وتتسلون ويذهب معك أخوتي.. فقلت: نعم سأفكر في الذهاب.
حياني وخرج. بعد خروجه وقرب المغرب، فضلت أن أخرج لأمشي بالقرب من الحديقة التي أمام قصر القبة، وكانت غير مزدحمة، مثل الآن، وأغلب البيوت فيلات، والمشي لطيف بالقرب من القصر، حيث رائحة الأزهار.
خرجت، ومعي هدى ومنى وخالد ومشينا حتى بعد الغروب ورجعنا وكانت الساعة قبل الثامنة.. قال لي شقيقه: إن أخي حضر من وقت قصير وسأل عنك وعن الأولاد وأخبرناه بأنك تتمشين عند قصر القبة. وبعد قليل حضر جمال وكان يلبس القميص والبنطلون، ووجدني في الصالة مع الأولاد.. حياني وقال: أنا جيت، وسألت عنك ولم تذهبي للسينما.. فقلت له: إني فضلت الخروج والمشي في الهواء الطلق، والأحسن ألا أترك «ميدو» وأغيب عنه وقتا أطول.. فأخذ يتكلم مع أولاده ويلاطفهم ويقبلهم بحرارة ويقول لهم أسماء الدلع التي اعتاد أن يقولها لهم، ويقبل هدى ومنى وخالد وعبد الحميد وكنت أحمله على كتفي، وخرج بمفرده بنفس الملابس.. القميص والبنطلون.
تناول الأولاد العشاء وناموا مبكرين كعادتهم، وظل ميدو البيبي حتى تناول وجبة الساعة التاسعة ونام.. وجلست مع الليثي وشوقي.
وقبل الساعة الحادية عشرة مساء قمت ودخلت حجرة النوم. رجع جمال ودخل الحجرة وكنت مستلقية على السرير وكانت مضاءة.
كان من عادته أن يغسل وجهه قبل النوم فقلت في نفسي: إنه لم ينم ولا ساعة منذ يومين وها هو ذا الليلة سينام مبكرا.. وجدته بعد أن غسل وجهه فتح الدولاب وأخرج البدلة العسكرية ووجدته يرتديها.. فقمت وجلست وقلت له بالحرف: أنت رايح فين بالبدلة الرسمية دلوقت؟ وكانت أول مرة أسأله أنت رايح فين منذ زواجنا.. فرد عليّ بكل هدوء وصدر رحب قائلا: أنا لم أكمل تصحيح أوراق كلية أركان حرب، ويجب أن أنتهي من تصحيحها، وغدا تكون كلها كاملة التصحيح، ومنذ يومين وأنا أشتغل هنا، والضابط الذي يجلس معي ونشتغل سويًّا قال لي نسهر الليلة في بيته نكمل تصحيح الأوراق، وسأذهب إلى الكلية وسوف لا أرجع البيت الليلة، وانتظريني غدًا وقت الغداء.. وحياني، وقبل خروجه من الحجرة قال لي: لا تخرجي.. الصالة الآن يوجد فيها ضابط ينتظرني.. وأغلق الحجرة بعد خروجه منها.
بعد أن سمعت باب المسكن يقفل قمت وخرجت من الحجرة.. وجدت أخويه الاثنين جالسين في حجرة المكتب، فقلت لهما: إن جمال اعتقل.. فرد شقيقه ليثي قائلا: لا إنه لم يعتقل، اطمئني.. فقلت: إنه خرج وارتدى ملابسه العسكرية وينتظره ضابط كما حدث يوم أن اعتقله إبراهيم عبد الهادي.
ـ أنا شايفة.. البيت مقلوب من ساعة حضورنا من إسكندرية بشكل غير معقول، والضباط والسهر حتى الصباح.. أنا متأكدة أن رئيس الوزارة الجديد نجيب الهلالي الذي عين منذ يومين اعتقله..
فقال شقيقه: لا أبدًا اطمئني إنه لم يعتقل.. وكان على المكتب مصحف أخذه في يده وحلف وأقسم إن جمال لم يعتقل.. فسكت وجلست في الحجرة مع أخويه. سألني أحدهما: هل تناولت العشاء؟ قلت: لا.. فقال إننا لم نتناول العشاء بعد.. فقمت وأحضرت عشاء خفيفًا من الجبنة تناولناه في حجرة المكتب. جلست معهما حتى قبل الثانية عشرة، ثم تركتهما ودخلت حجرة النوم.. واستلقيت على السرير. بعد دقائق - وكانت الساعة الثانية عشرة - سمعت صوت طلقات رصاص كثيرة شعرت بأنها صادرة من ناحية قصر القبة.. فقمت مسرعة وخرجت إلى الصالة ووجدت أخويه فقلت: هذا الضرب.. الطلقات في قصر الملك ولا بد أن يكون جمال من الذين يطلقون الرصاص ويهاجمون القصر.. وبكيت.
استمرت الطلقات الكثيرة حوالي عشر دقائق، ثم سكتت دقائق، وعادت مرة أخرى لدقائق.. واستمررت في البكاء فقال لي أخوه: إن صوت الطلقات كما هو معروف يصدر من الناحية المقابلة لها، وليس من المكان الذي أطلقت منه، إنها ليست في القصر ولا تنشغلي، ونظر إلى المصحف وهم بأخذه في يده فقلت له: لا تلمس المصحف، سوف لا أصدقك وأنت تحلف يمينا دون أن تعلم شيئًا.. فرجع ولم يلمس المصحف.
بقينا جالسين في حجرة المكتب وشعرت بأن شقيقه يريد النوم فقمت ودخلت حجرتي.. ولم أنم.
وبعد وقت وكل البيت هدوء وسكون، قمت في الظلام لأرى الشارع بعد سماعي طلقات الرصاص الكثيرة، ومشيت لحجرة السفرة وفتحت الشباك أنظر إلى الشارع. وأنا واقفة في الحجرة في الظلام رأيت شقيقيه يدخلان وكانا في «الفراندة»، وعند رؤيتهما لي قالا: إننا انتظرنا نومك حتى نرى من الفراندة ماذا حصل.. فقلت: وأنا أيضًا انتظرت نومكما وقمت في الظلام لأنظر من الشباك وأرى ماذا حصل. ورجوتهما ألا يقفا في «الفراندة» ويظهرا، وقلت: أنا متأكدة أن البوليس والمباحث يراقبون بيتنا.
وبقيت ساهرة أنظر من الشباك إلى الشارع وأنظر من «الفراندة»، وأحاول ألا أظهر خوفي من مراقبة بيتنا، وكنت أرى الشارع من «الفراندة» بسهولة ووضوح، كما وصفت البيت.
كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل عندما رأيت شابا يقف في ناصية الشارع، وهو ميدان المستشفى العسكري في ذلك الوقت.
رأيت الشاب طويل القامة يزعق بصوت عال ويقول: عندك! ثم يتحرك ويمشي بخطوات ثابتة أسمع صوتها ويروح ويجيء ويقول: «عندك يا جدع» بصوت مرتفع. وأرى العربات تتحول وترجع من الشوارع الداخلية في كوبري القبة، ومنهم من كان يمر من الشارع الذي يقع يمين البيت المقابل لبيتنا.
ولم أتبين، أنه كان صوت جمال، وأن الشاب طويل القامة الذي يتحرك بخطوات ثابتة ويقول «عندك يا جدع» بصوت عال في سكون الليل ويرجع العربات ويقفل الشارع، هو البكباشي جمال عبد الناصر.. زوجي الحبيب.
بقيت واقفة في الفراندة والشباك ألاحظ هذا الشاب وهو يقفل الشارع وأنا قلقة وأقول: ماذا حصل وقت سماعي الطلقات؟ وكان همي ألا يكون جمال قد أصيب في هذه الطلقات.
قبل الساعة الثانية صباحًا، رأيت العربات المصفحة والدبابات والجيش، وكان قد زود بأسلحة بعد حرب فلسطين، فرأيت وسمعت صوت الدبابات وهي تكركر وتمر في الشارع وتمشي في ميدان المستشفى العسكري، وكنت أعرف شوارع ثكنات الجيش وأمر عليها في خروجي، إذ كانت كلها قريبة من بيتنا.
رأيت أخويه يقفزان من الفرح ويقبلان بعضهما وقالا: افرحي افرحي.. فقلت: وأين جمال؟.. والطلقات التي سمعناها؟ وأخذت أبكي وقلت: الآن أنا فهمت.. إنه انقلاب عسكري.
وأخذ أخواه يهنئانني فكنت أسكت عن البكاء ثم أعود أبكي وأقول بالحرف: بس لو كنت أعرف فين جمال.. وطلقات الرصاص اللي سمعناها؟ قال شقيقاه: لقد أخبرنا قبل خروجه أنه ذاهب في مهمة خطيرة: فإذا رأيتم الجيش نازلا والدبابات والعربات اعرفوا أني نجحت، وإذا لم تروا شيئًا اسألوا عني غدًا واعرفوا أنا فين. قلت مرة أخرى: أنا الآن عرفت أنه انقلاب عسكري ونجح، بس أين جمال؟ أريد أن أطمئن عليه.. وكنت أبكي وبقيت جالسة حتى الصباح لم أدخل حجرة النوم.
وفي الساعة السادسة والنصف صباحًا يوم 23 يوليه سنة 1952 سمعنا خبطا على الباب وفتح شقيقه، وكان الذي حضر ثروت عكاشة وطلب مقابلتي.. ذهبت له عند الباب فمد يده وهنأني قائلا أهنئك من كل قلبي.. نجح الانقلاب. فقلت على الفور: وفين جمال؟ قال بالحرف: هو قريب منك بينك وبينه خمس دقائق.. موجود في القيادة العامة وطبعًا تعرفينها؟ فقلت: أمر عليها كثيرًا وأعرفها جيدا.. وقال: اسمعي البيان في الراديو الساعة السابعة.. فشكرته وانصرف.
فتحنا الراديو لنسمع البيان.. وكان هناك عطل في الإذاعة حتى الساعة السابعة والثلث.. وسمعنا البيان الذي قرأه أنور السادات.
في الساعة التاسعة، حضر صف ضابط وقال إنه من القيادة العامة في كوبري القبة، وأن الذي أرسله البكباشي جمال عبد الناصر ليخبرني بأنه بخير والحمد لله، وأنه سوف لا يحضر وقت الغداء وموجود في القيادة.
حضر أخي ودخل.. وكنا في الصالة، شقيقاه وأنا.. بعد أن صافحته قلت له كان يجلس فقال: أنا مستعجل وتركت مكتبي وحضرت، ويوجد عندي ناس ينتظروننى وتركتهم وقلت لهم سوف لا أغيب، وليس لدي وقت للجلوس.. وقال: أنا رأيت الشوارع فيها جيش ودبابات، والإذاعة محاطة بالجيش، وكل الميادين والأماكن المهمة فيها جيش، وسمعت أن الجيش قام بانقلاب عسكري فانشغلت على البكباشي جمال، وحضرت لأطمئن، لعله لا يكون من هؤلاء الضباط لأن الملك سوف لا يتركهم، وسيعدمهم فورا، وأنا متأكد من ذلك.. فقلت له: اطمئن جمال لا يتدخل في السياسة، وسألني: متى خرج من البيت؟ قلت: كالعادة خرج قبل الثامنة صباحًا، وصافحني وخرج قبل أن نقدم له عصيرا أو قهوة..
فنظر إلي شقيقاه وهما يبتسمان.. وابتسمت، وما أن سمعت باب عربته يقفل وتتحرك حتى ضحكت وشاركني شقيقاه في الضحك وقهقها، ووقفنا نضحك.. ولم أعر كلامه أي اهتمام، وكل ما قاله لي كان في نظري هراء بل أضحكني.
كنا نستمع للراديو وقراءة البيان طول النهار، ونسمع صوت الطائرات وهي تحلق في سماء القاهرة وتمر فوق كوبري القبة باستمرار منذ الصباح. في الساعة العاشرة مساء حضر جمال، وبعد أن هنأته من كل قلبي قال: سأبقى ساعتين فقط وأرجع إلى القيادة.
وحلق ذقنه وأخذ حماما واستبدل ملابسه وجلس معنا في حجرة المكتب. أخبرته عن أخي وحضوره في الصباح وسؤاله عنه وقلقه عليه، وما قلته له.. ولم أذكر ما قاله لي عن الملك وعن رأيه فيما سيفعله، فقال لي: إنه سيدهش غدًا، إذ سيراني في الجرائد ويرى صورا لي في عربة جيب، وقال إنه لف الشوارع الرئيسية في البلد مع اللواء محمد نجيب - وكانت أول مرة أسمع اسمه - وإن البلد كلها خرجت لتحيتهم وكلها حماسة.
قلت له: إني طول النهار أسمع الطائرات تمر من فوق البيت، وحكيت له عن سهري طول الليل حتى الصباح، وقلقي عليه عند سماعي طلقات الرصاص.
قال جمال: لقد اقتحمنا القيادة العامة بفرقة من الجيش ومعي عبد الحكيم عامر، ولم يصب إلا اثنان فقط من الجنود.. واحد من حرس القيادة وواحد من الفرقة التي معنا. واستسلم كل الموجودين في القيادة وكانوا مجتمعين، وأخذتهم واحدا واحدا وأدخلتهم في مبنى المدرسة الثانوية العسكرية - وكان في منشية البكري في ذلك الوقت - ثم قال: وسلمتهم للسجان حمدي عاشور.. وضحك. وبعد أن تم كل شيء، خرجت لأقفل الشارع وأرجع العربات المارة قبل مرور الجيش، وكنت واقفا على ناصية الشارع، وركنت العربة «الأوستن» بالقرب مني.. وأضاف وهو يضحك: لم تقلقين وأنا قريب منك على ناصية الشارع، والعربة «الأوستن» بالقرب مني في ميدان المستشفى العسكري؟ فقلت: إنك كنت قريبا لكن بعيدًا جدًّا.. وكان يضحك.
وتحدث عن الملك وقال: لقد أرسل الملك مبعوثا من قبله وأملينا عليه تغييرات وشروطا، وكل ما طلبناه منه وافق عليه فورا.
وحدثته عن حضور ثروت عكاشة في الصباح وتهنئته لي وقوله: اسمعي البيان في الساعة السابعة.. وسمعته. فقال جمال: إنه أنور السادات، وقال: لقد كان هو وزوجته في السينما، وعندما رجع لبيته وقرأ الورقة المكتوب فيها أن يحضر ارتدى ملابسه العسكرية وخرج مسرعا، وفي طريقه للقيادة عند مدخل مصر الجديدة منعه الضابط المكلف بالوقوف، هناك لعدم معرفته كلمة السر، وبعد إلحاح سمح له الضابط بالمرور، وعند مدخل القيادة منع أيضًا من الدخول فلف ودار حول القيادة دون جدوى، وأخيرا نادى، وصاح فسمعه عبد الحكيم، وعلمت بحضوره ودخل القيادة عند الفجر، وفي الصباح أعطيته البيان ليقرأه في الإذاعة.
وكان جمال عبد الناصر يضحك وهو يحكي عن أنور السادات.
وفي الساعة الثانية عشرة مساء قام جمال وقال لي: لا تنتظريني فسأبقى في القيادة.. وحياني وخرج.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: تحية عبد الناصر وعدة احاديث ليلة القبض على جمال عبد الناصر   الإثنين 9 سبتمبر - 18:44


فــي بـيـتـنــا رئـيــس جـمـهـوريـــة

شهر مايو.. سنة 1953
كان جمال يشعر بألم في بطنه لم أعلم به إلا بعد مدة، لعدم وجوده في البيت أغلب الوقت. في يوم قبل خروجه في الصباح قال لي: سأحضر على الغداء وأريد أكلا خفيفا من الخضار المسلوق لأني أشعر بألم بسيط في بطني. جهزت الأكل كطلبه وحان وقت الغداء ولم يحضر. وبعد أن انتظرته تناولت الغداء وقلت إنه مشغول ولم يجد وقتا للحضور. حضر عبد الحكيم عامر وطلب مقابلتي. وقال لي: جمال الحمد لله بخير وفاق من البنج بعد إجراء عملية المصران الأعور له، ويسأل عنك ويريدك أن تذهبي إليه في المستشفى الآن. فاندهشت وقلت: كيف أجريت له عملية ولم يقل لي، وطلب مني إعداد غداء خفيف؟ قال عبد الحكيم: لقد كنت معه أثناء إجراء العملية والحمد لله. ذهبت إليه في مستشفى الدكتور مظهر عاشور الضابط بالجيش. قلت: كيف تجري عملية ولم أعرف؟ قال: لم أرد إزعاجك. وقال: بعد أن خرجت من البيت في الصباح حضرت للمستشفى ومعي عبد الحكيم، وكنت مرتبا من أمس الحضور للمستشفى وإجراء العملية، وحتى لا تعلمي بشيء قلت لك جهزي الغداء.. وابتسم وقال: «الحمد لله يا تحية».

كنت أذهب كل يوم لزيارته ومعي الأولاد إذ كان يطلبهم، ولا أمكث إلا وقتًا قصيرا لكثرة الزوار. قابلت عبد اللطيف بغدادي وزوجته في المستشفى، وكنت أول مرة أراه وأتعرف بزوجته.. وقالت إنها ستزورني في البيت. مضى أسبوع ورجع جمال إلى البيت.. وبعد أيام قليلة ذهب إلى مرسى مطروح وذهبت معه والأولاد ورافقنا الدكتور مظهر عاشور، ليكون بجواره وقت النقاهة، ودعا جمال زوجة الدكتور وابنته لتكونا معنا. مكثنا في مرسى مطروح في استراحة قديمة البناء وفي غاية التواضع، ليس بها مفروشات إلا الضرورية وقديمة.. حتى لم يكن بها حجرة سفرة، وتوجد «ترابيزة» فقط وعدد من الكراسي في الصالة، وحضر جمال سالم وبقي مدة إقامتنا.. مكثنا أسبوعا ورجعنا القاهرة.
الشكاوى والطلبات تصلنا بكثرة بالبريد، أو يحضر أصحابها ويسلمونها لعسكري الأمن لتوصيلها، لي وأعطيها لجمال عند حضوره. قال لي: لا تقابلي أحدا من السيدات إلا بعد سؤالي.. اللاتي لا أعرفهن طبعًا. وقعت على رجلي ووضعت ساقي في الجبس أسبوعين، وبعد فك الجبس كنت أذهب إلى مستشفى الدكتور مظهر عاشور، وكان هناك دكتور عظام، لعمل علاج بالكهرباء على ساقي. وفي أثناء ذهابي للمستشفى، وجدت حرم أنور السادات هناك، وأخبروني بوجودها، وكانت قد أجريت لها جراحة في إصبع يدها وتمكث في المستشفى.. زرتها في الحجرة وكانت أول مرة أراها وأتعرف بها.
كنت نائمة واستيقظت على صوت دخول عربــات جــمال وأعـضاء مجلس الثورة كلهم.. قمت ونظــرت من الشباك في الظلام وجدتــهم يدخلون البيت ومعهم اللواء محمد نجيب وعرفت بإعلان الجمـهورية.. قلت في نفسي: كنت نائمة وصحوت على رئيس جمهورية في نصف الليل في بيتنا! مكث اللواء محمد نجيب وأعضاء مجلس الثورة وقتا قصــيرًا وانصرفوا، ودخل جمال الحجرة ورآني واقفة. حكى لي عن إصرار محمد نجيب على الحضور لزيارته في بيتنا بعد إعلان الجمهورية مباشرة وتنصيبه رئيساً لها.
مؤامرة سلاح الفرسان.. أول الصيف مايو سنة 1954..
حضر جمال للبيت وكان الوقت المغرب.. قال لي: «جهزي نفسك والأولاد واذهبي لشقيقتك في الجيزة وخذي معك ملابس للنوم وأمضي الليلة عندها، ويجب أن تغادري البيت قبل الثامنة مساء لأن البيت ربما يهاجم ويحتمل دخول بعض الضباط بالدبابات لنسفه، ولا ترجعي إلا بعد أن أكلمك بنفسي بالتلفون». جهزت شنطة وضعت فيها الملابس وطلبت العربة وهي الأوستن السوداء وكنت أخرج بها، وأدخلت في الحديقة، وكان جمال في الصالون ومعه ضباط ولم يغادر البيت. جلست في حجرة المكتب أنتظر خروجه، وفي الساعة الثامنة مساء دخل جمال الحجرة ورآني والأولاد لم نزل في البيت.. قال: كيف لم تغادري البيت للآن؟ قلت كنت أنتظر خروجك وأخرج. فقال وهو منفعل: يجب أن أذهب إلى القيادة الآن، وكيف أخرج وأنتم ما زلتم في البيت؟ وكان الذي فكرت فيه كيف أخرج وهو لا يزال في البيت؟! فقلت: العربة في الحديقة وسأغادر البيت حالا، وكانت عربته قد دخلت الحديقة أيضًا وركبنا.. هو عربته وأنا والأولاد العربة الأوستن وخرجنا سويًّا في وقت واحد. ذهبت لشقيقتي في الجيزة وكانت الساعة التاسعة فقابلتني وقالت: الوقت متأخر والأولاد معك أين كنتم؟ فأخبرتها عن سبب مجيئنا في هذا الوقت، فسكتت وبان على وجهها هي وزوجها الوجوم. قضيت الليلة وكنت أنام وأصحو.. كان نوما متقطعا، وكلما صحوت أفكر: ماذا جرى؟ يا ترى هل نسف البيت؟ وفي الصباح، كنت أتناول الإفطار مع الأولاد وشقيقتي، وسمعت جرس التلفون وكان المتحدث جمال عبد الناصر.. قال لي: الآن يمكنك الحضور.. أكلمك من البيت وقد حضرت الآن وسأنام. وقد أرسلت لك العربة وهي في الطريق.. فقلت: الحمد لله. وتركت شقيقتي بسرعة وكانت تصر على أن أبقى معها لأتناول الغداء. رجعت البيت.. وجدت جمال لم ينم وقال: إنها كانت مؤامرة في سلاح الفرسان، والحمد لله قبضنا على الضباط المتآمرين. وقال: كنا جاهزين وعارفين الوقت الذي سيتحركون فيه، لكن قلت: ربما تخرج دبابة وتصل للبيت وتضربه، والأحسن أن يكون خاليا حتى أطمئن عليكم.. فقلت: الحمد لله.
العدد الأول لجريدة الجمهورية..
بعد قيام الثورة بشهور قليلة بدأ جمال يحضِّر لإصدار جريدة يومية، واشتغل وبذل جهدًا كبيرًا قبل إصدارها. وكنت أسمعه وهو يتحدث بجانبي بعد رجوعه إلى البيت في الليل ويوجه تعليمات وترتيبات ومشاورات، وكانت تكتب نسخ وأراها في البيت كنموذج، ويغير ويبدل في ترتيبها وشكلها عدة مرات وذلك قبل إصدارها.. وأخيرًا صدرت جريدة الجمهورية.. وكانت الفرحة على وجهه وهو يسلمني العدد الأول، وكنت أعتز بجريدة الجمهورية لما شاهدته من اهتمام جمال عبد الناصر بها. كانت مقالات مهمة تصدر في جريدة الجمهورية باسم أنور السادات، والذي كان يكتبها هو جمال عبد الناصر. وفي مرة قلت له: إن هذه المقالة من كلامك وقد عرفته وفهمت أنك كاتبها.. فرد وقال: نعم.
قصة مِصْحَفَيْ جمال عبد الناصر
ومحاولة الاغتيال بالمنشية
صيف سنة 1954..
ذهبنا إلى إسكندرية واستأجرنا دورًا في فيلا على الكورنيش.. سكنا في الدور الأول، والثاني كانت تسكنه عائلة.. أي كنا نشترك مع جيران. كان جمال يحضر كل أسبوع أو أسبوعين ويمضي معنا يوما واحدا ويرجع إلى القاهرة في منشية البكري. وكان وقت الحج.. وسافر جمال عبد الناصر لأداء فريضة الحج في صيف سنة 1954 شهر أغسطس. رجعت من إسكندرية لأكون في استقباله في القاهرة ومكثت بضعة أيام ثم عدت للإسكندرية، وبقينا حتى شهر سبتمبر. في شهر أكتوبر.. في آخره كان جمال عبد الناصر سيلقي خطابا في الإسكندرية في ميدان المنشية. غادر البيت وقت الغروب. وقبل خروجه كان يضع دائمًا في جيبه مصحفا صغيرا في غلاف من المعدن الأبيض. لم يجده وقت خروجه وكان مستعجلا إذ سيسافر بالقطار.. فأخذت أبحث عن المصحف وأنا مسرعة ولم أجده.. فأحضرت مصحفا آخر بغلاف من الكرتون فأخذه جمال ووضعه في جيبه. وعند خروجه وجدت المصحف ذا الغلاف المعدن الذي اعتاد أن يخرج به فجريت مسرعة وأعطيته له، وكان بالقرب من الباب فأخذه ووضعه في جيبه وخرج بالمصحفين.. وكان حادث ميدان المنشية بالإسكندرية أثناء إلقائه الخطاب وإطلاق الرصاصات الثماني عليه ونجاته.. فظل جمال عبد الناصر يخرج بهذين المصحفين حتى يوم 28 سبتمبر سنة 1970. وكان عند رجوعه إلى البيت يضعهما بنفسه في مكان لا يتغير في الحجرة.. وقد فعل نفس الشيء يوم 28 سبتمبر سنة 1970.. والآن أنا محتفظة بهما وأعتز بهما.
حدثني جمال عبد الناصر بالتلفون بعد الحادث مباشرة وقال لي: ستسمعين الإذاعة.. أنا بخير، لم يصبني شيء ولا تنزعجي. بعد يومين من الحادث مرض خالد ابني بالزائدة الدودية وكان عمره 4 سنوات وثمانية أشهر. حضر الدكتور مظهر عاشور وفحصه وقال: يجب إجراء جراحة له فورا. وكان جمال عبد الناصر عنده اجتماع والدكتور ظل مع خالد يلاحظه. وقبل خروجه للاجتماع قال للدكتور: تصرف كما تستدعي الحالة. رجع الدكتور لمستشفاه ليجهز لإجراء العملية، ثم حضر بنفسه وأخذ خالد في عربة وذهبت معه وكانت الساعة العاشرة مساء. وفي الساعة الواحدة صباحًا حضر جمال للمستشفى قبل ذهابه للبيت، ومعه بعض أعضاء مجلس الثورة ليطمئن على خالد بعد إجراء العملية. مكثت في المستشفى مع خالد ثمانية أيام كان جمال يزوره كل يوم لدقائق. زار محمد نجيب خالد في المستشفى وأحضر علبة شوكولاته.
تهنئة برئاسة الوزارة من محمد حسنين هيكل
كنت نائمة ومستغرقة في النوم وسمعت جرس التلفون فأخذت السماعة، وكان المتحدث محمد حسنين هيكل.. قال: أهنئك جمال عبد الناصر رئيس مجلس الوزراء. فقلت: تاني.. فضحك هيكل وقهقه وقال: أهنئك برئاسة جمال عبد الناصر الوزارة وتقولين تاني؟ وكان في منصب رئيس الوزراء لفترة قصيرة، وبعد خلافات ومشاكل تركها لمحمد نجيب. وقال هيكل: لقد أردت أن أخبرك وأهنئك قبل وصوله للبيت.. إنه في الطريق إليه.
مولد أصغر أبنائي عبد الحكيم في 7 يناير 1955..
الوقت سنة 1955 مولد عبد الحكيم أصغر أبنائي.. قبل ذهابي للمستشفى طلبت جمال عبد الناصر، وكان عنده اجتماع في البيت مع وفد سوداني والوقت مساء. أخبرته بأني سأذهب للمستشفى فقال: يوجد عندي وفد سوداني، ولكن ممكن أن ينصرفوا وأذهب معك.. فقلت: سأذهب بمفردي ولا داعي للقلق.. وقد طلبتك لأخبرك فقط. في الساعة الحادية عشرة مساء ولد عبد الحكيم. تحدث الدكتور بالتلفون مع جمال وهنأه وأخبره بأني والمولود بخير، فرد جمال وقال: سأحضر الآن، فقال الدكتور: لا تتعب ولتبق حتى الصباح. فقال له جمال عبد الناصر: لقد اعتدت أن أحضر معها للمستشفى وأهنئها بسلامتها مباشرة.. سأحضر. وفي الساعة الثانية عشرة مساء حضر جمال عبد الناصر للمستشفى ورأى المولود وقال: عبد الحكيم.. وكان قد قال من قبل إن المولود إذا كان ولدا سأسميه عبد الحكيم. وفي 7 يناير سنة 1955 ولد عبد الحكيم جمال عبد الناصر.
فترة المباحثات مع الإنكليز
قبل جلاء الإنكليز عن مصر وقت المباحثات كان جمال يحضر العشاء مع بعض الأجانب وكنت أدعى معه ويعتذر عن عدم حضوري.. ويقول لي بعد رجوعه البيت: إنك كنت مدعوة معي واعتذرت. وسيدات أجانب من الضيوف وزوجات السفراء يطلبن مقابلتي، ويحدد لهن ميعادا لزيارتي وأتعرف عليهن. كنت أجد صعوبة في التحدث باللغة الإنكليزية، ففكرت في إتقانها وأحضرت كتبا وبدأت أقرأ كثيرًا بمساعدة أستاذة في اللغة الإنكليزية، كانت تعلمني الطريقة التي أتقدم بها في اللغة.. وكنت مهتمة وأظل أقرأ وأكتب وقت سهر جمال. وكان أحيانًا عند رجوعه في ساعة متأخرة يجدني لم أزل لم أنم.. وطبعًا كنا نضحك. أما اللغة الفرنسية فكنت قد قضيت بضع سنوات وقت الدراسة أتعلمها، ولم أجد صعوبة في التحدث بها وتقدمت فيها بالقراءة أيضًا.
في صيف سنة 1955، بعد رجوع الرئيس من مؤتمر باندونغ زارته في منزلنا بمنشية البكري سيدة أميركية تدعى «Mrs Flur Cawls» (فلورا كاولز)، وهي زوجة صاحب مجلة «Look» الأميركية، وكان يرافقها عبد القادر حاتم وكان وقتها مديرا للاستعلامات. وبعد انتهاء الزيارة طلبت مقابلتي ورؤية أولادنا وأخذ صورة لنا مع الرئيس، وقد نشرت الصور في مجلات أميركية منها «Time» ومجلات فرنسية.. وما زلت أحتفظ بها. وكانت أول صورة تنشر للرئيس مع زوجته وأولاده، وكان عبد الحكيم أصغر أبنائه يبلغ من العمر أربعة أشهر. في صيف سنة 1955 ذهبنا إلى إسكندرية في بيت على الكورنيش مبني على صخور عالية مكون من دورين، استأجرناه ولم يشاركنا جيران فيه، وكنت أذهب للشاطئ مع الأولاد وأجلس في كابينة بسيدي بشر وبجواري عبد الحكيم. وكان الرئيس يحضر مرات قليلة للإسكندرية، ولا يمكث أكثر من يومين أو يوم، ولم يكن حضوره ليستمتع بالبحر، ولم أره ذهب للشاطئ أبدًا.. وكان يحضر ليمضي معنا وقتًا. وبعد انتهاء الصيف أي في شهر سبتمبر رجعنا للقاهرة. للآن لم أخرج مع جمال أبدًا بعد قيام الثورة، إذ لم يكن يوجد وقت أبدًا لنخرج سويًّا. وكان خروجي قليلا، وكنت أذهب إلى السينما والمسرح الذي أحبه، والأوبرا عند حضور فرق أجنبية، وأحضر حفل أم كلثوم.. وكنت أدعى للذهاب وترافقني إحدى السيدات من أقاربي أو زوجات الضباط.. وكان يقول لي: فلتخرجي وتتسلي، ويظهر عليه الارتياح والسرور عندما يعرف أني خرجت أو سأخرج ويقول: المهم أن تكوني مسرورة وتقضي وقتا مسليا.
اللقاء الأول مع يوانكا بروز تيتو
في ديسمبر سنة 1955 حضر الرئيس اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو وزوجته السيدة يوانكا إلى مصر في زيارة لأول مرة. وكانت السيدات بعد الثورة لا يزلن لا يشتركن في المآدب التي تقام للضيوف.. فحضرت السيدة يوانكا بروز تيتو لزيارتي مع السيدات المرافقات لها في منزلنا في منشية البكري، وأقمت مأدبة عشاء لهن حضرتها زوجات الوزراء. طلبت السيدة قرينة الرئيس تيتو رؤية أولادنا.. وهي طيبة جدًّا ورقيقة تحب الأطفال، وطلبت رؤية عبد الحكيم وكان عمره أحد عشر شهرًا، وحملته بين ذراعيها وقبلته.. وهي للآن لا تنسى عبد الحكيم ورؤيتها له أول مرة وتحبه، وكلما زارونا تصافحه بحرارة وتجلسه بجوارها وتدعونا لزيارتهم في يوغوسلافيا. زرتها في قصر القبة بمفردي، وكانت أول ضيفة أزورها في قصر القبة. وأثناء الزيارة دخل الرئيس تيتو الصالون وصافحني وجلس معنا لدقائق.
تأميم الشركة العالمية لقناة السويس
في صيف سنة 1956 ذهبنا للإسكندرية في نفس البيت الذي كنا فيه في الصيف السابق. وقت الاحتفال بأعياد الثورة وقبل 23 يوليه رجعت والأولاد للقاهرة كما هي عادتنا، وفي 25 يوليه ذهبت إلى إسكندرية مرة أخرى. وفي يوم 26 يوليه في المساء حضر الرئيس للإسكندرية لإلقاء الخطاب في ميدان المنشية، وبعد أن صافحني قال إنه عنده اجتماع مع الوزراء في الصالون في البيت، وسيحضرون بعد قليل. وكنت سأذهب لسماع الخطاب في عمارة بجوار المبنى الذي سيكون فيه الرئيس في ميدان المنشية. خرجت.. وهو لا يزال مجتمعا مع الوزراء في الدور الأول في الصالون، وذهبت قبل وصوله وجلست في شرفة لأراه وأسمعه وهو يلقي الخطاب. حضر جمال عبد الناصر وألقى خطابه التاريخي. بعد رجوعي للبيت حضر الرئيس وجاء كثير من الزوار، وامتلأ الدور الأول وظل معهم ثم صعد للدور الثاني.. ولم ينم وظل طول الليل يتحدث بالتلفون وقال لي: لم يكن أحد من الوزراء يعلم بتأميم القناه غير اثنين.. والباقي ذهل عند سماعه الخبر ونحن مجتمعون في الصالون. وحدثني عن كلمة السر دلسبس.. فقلت له: عندما كنت تذكر دلسبس - وقد قلتها عدة مرات - كنت أقول في نفسي: لماذا يتحدث عن دلسبس؟ وكانت المفاجأة عند سماعي بتأميم قناة السويس.. وسمعته بصوته ونبراته الرنانة وهو يقول قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس. أمضى الرئيس ليلتين في إسكندرية في اتصالات وشغل متواصل ثم رجع للقاهرة.
تغييرات في بيت منشية البكري
البيت الذي نسكنه في القاهرة في منشية البكري ظل كما هو، لم يحصل فيه أي تغيير في المباني أو الفرش حتى سنة 1956. في شهر أغسطس ابتدأ بناء دور ثان، ورتب على أن يكون الدور الأول للمكتب وعدد 2 صالون وحجرة للسفرة. والدور الثاني لحجرات النوم والمكتب للأولاد وصالة وحجرة للسفرة ملحقة بالمدخل. وبقيت والأولاد في إسكندرية، والرئيس في القاهرة في مبنى مجلس الثورة بالجزيرة أو في استراحة القناطر. وعند ابتداء الدراسة رجعت من إسكندرية وكان البناء في البيت لم ينته بعد، فذهبنا إلى استراحة القناطر.. وفي آخر سبتمبر رجعنا للقاهرة ليكون الأولاد قريبين من المدارس، ومكثنا في قصر الطاهرة حتى ينتهي البناء في منشية البكري. لم يكن الرئيس مرحبًا بالبقاء في قصر الطاهرة ويشعر بأنه غير مستريح، وكان يقول لي: لا أحب القصور ولا الحياة في القصور، ويستعجل الانتهاء من البناء ويسأل السكرتير عن اليوم الذي نذهب فيه إلى منشية البكري، فكان الشغل مستمرا في بناء الدور الثاني في البيت حتى ينتهي بأسرع وقت. مكثنا في قصر الطاهرة حتى يوم 27 أكتوبر، ورجعنا لبيتنا في منشية البكري. قال لي الرئيس: لقد تغيرت موبيليا حجرة السفرة.. إن لها ذكرى عزيزة عندي فقد أمضيت سنين أشتغل فيها، وقضيت ساعات أجلس على الترابيزة وأشتغل حتى يوم 23 يوليه وقال: أين ذهبوا بها؟.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: تحية عبد الناصر وعدة احاديث ليلة القبض على جمال عبد الناصر   الإثنين 9 سبتمبر - 18:45


الرئيس قال لـ«المشير»: تحية انفصالية.. ضد الوحدة مع سوريا
العدوان الثلاثي
في يوم 29 أكتوبر سنة 1956 كان عيد ميلاد ابني عبد الحميد. كان الرئيس موجودًا في البيت في مكتبه، وقد طلب مني أن أخبره عند حضور الأطفال، إذ كان يسعده أن يحضر حفل أعياد ميلاد أولاده. دخل حجرة السفرة وصافح الأطفال، ووقف لدقائق وقت إطفاء الشموع، وكان عمر عبد الحميد خمس سنوات، ورجع لمكتبه. ثم بعد ذلك - وكنت لم أزل في الدور الأول والبيت مليء بالأطفال - رآني في الصالة قبل خروجه وقال لي إن عنده اجتماعا وخرج. في يوم 31 أكتوبر سنة 1956 حصل الاعتداء الإنكليزي الفرنساوي، وكان الرئيس في البيت. طلب مني أن أنزل إلى الدور الأول مع الأولاد، وصعد هو إلى سطح البيت ليرى الطائرات، ثم دخل مكتبه وظل فيه.

بقيت يومين في الدور الأول، وهو يخرج ويرجع في ساعة متأخرة من الليل، ويصعد لحجرة النوم في الدور الثاني، ويطلب مني أن أبقى والأولاد في الدور الأول، وجهز ترتيبا لنومنا والغارات مستمرة، حتى سقطت قنبلة قريبة من بيتنا وتناثرت شظاياها في الحديقة، وكان اليوم الثالث للاعتداء وكل الساكنين في المنطقة قد غادروها.


قبل خروج الرئيس في الصباح، وكنت واقفة معه في الحجرة، قال لي بالحرف: أنا ورايا البلد، وأنت معاك أولادك، وسيحضر صلاح الشاهد ويوصلكم لبيت في مكان بعيد عن الضرب وقت الظهر. وكان لا يعرف المكان الذي سنذهب إليه في أي جهه أو شارع.. وحياني وخرج. ذهبنا لبيت في الزمالك صغير مكون من دور و«بدروم» وفي شارع ضيق، وكنت لم أر بيتا في حي الزمالك بهذا المنظر.. فهو قديم والفرش قديم وغريب، وله حديقة صغيرة جرداء ليس بها زرع. سألت صلاح الشاهد لمن كان هذا البيت؟ قال إن صاحبته أميرة ولم تكن تسكن فيه، إذ تعيش في الخارج. طلبت أن أكلم الرئيس في التلفون وكلمني وسألني عن الأولاد، وفي اليوم التالي طلبته أيضًا في التلفون وتحدثت معه. وبعد ذلك طلبت أن أكلمه فرد عليّ زكريا محيي الدين وقال: إن الرئيس غير موجود في مجلس الثورة، وذهب في مهمة وسيكلمك عندما يرجع إن شاء الله. وطبعًا انشغلت جدًّا حتى طلبته ورد عليّ بنفسه.. وعلمت بعد ذلك أنه كان في طريقه لبورسعيد. طلب الرئيس مكالمتي بالتلفون، وكان الوقت الساعة الثامنة صباحًا والقتال أوقف قبلها بساعات، وقال: يمكنك الآن أن ترجعي منشية البكري بعد أن مكثت خمسة أيام في منزل الزمالك. وجدت حي منشية البكري خاليًا ولم يرجع أحد لمسكنه، والرئيس ظل في مجلس الثورة، وكنت أكلمه بالتلفون كل يوم.. وعند انتهاء المكالمة كما هي عادته يقول لي: عاوزة حاجة؟ فأشكره. وبعد أكثر من أسبوع سألته متى ستحضر إلى البيت؟ فقال: بعد خروج الإنجليز. وفي مرة كنت أتحدث معه بالتلفون وكعادته قال: عاوزة حاجة؟ فقلت: عاوزة الإنجليز يخرجوا.. وضحكنا. وبعد ثلاثة أسابيع وكانت الساعة العاشرة مساء اتصل أحد الضباط بالتلفون وقال: سيادة الرئيس في الطريق للبيت، وكنت والأولاد لم نره منذ مغادرتنا منشية البكري. رجع جمال إلى البيت وكان عنده إنفلونزا وارتفاع في درجة الحرارة وقال: لقد صمم الدكتور أن أرجع إلى البيت، وأرتاح حتى تزول الإنفلونزا، وإن البقاء في مجلس الثورة لا يساعد على الشفاء وانخفاض الحرارة سريعا.
يوغوسلافيا.. أول سفر للخارج
كانت الوحدة مع سوريا في شهر فبراير.. زاد شغل الرئيس فوق أعبائه وسافر لسوريا ومكث شهرا وبقيت في القاهرة. في صيف سنة 1958 ذهب ليوغوسلافيا واصطحبني معه بدعوة من الرئيس تيتو، وبإلحاح في دعوتي والأولاد. سافرنا على مركب الحرية، وكانت أول مرة يصطحبني معه وأسافر للخارج. ذهبت مع الأولاد للإسكندرية ووصلنا المركب ثم حضر بعدنا، وكان يرافقنا في الرحلة الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية ومحمد حسنين هيكل وزوجتاهما. عندما وصلنا ميناء دبروفننج كان في استقبالنا الرئيس تيتو والسيدة حرمه.. وكنت أول مرة أشاهد استقبالا رسميا أو أكون في مكان رسمي، وكانت الموسيقى تعزف ونقف ثم نسير وأنا بجانب الرئيس، وكان يلتفت بسرعة ويقول لي هامسا أن أقف أو أن أمشي أو أن أتقدم بضع خطوات حتى لا أغلط.. ومشيت بتوجيهه همسًا ولم أرتبك.
تناولنا الغداء مع الرئيس تيتو وكل المرافقين له والمرافقين للرئيس، وفي المساء ذهب هو والمرافقون مع الرئيس تيتو لحضور احتفال بمناسبة تاريخية، لا أذكرها في بلد هناك، ومكثت مع السيدة يوانكا حرم الرئيس تيتو والسيدات المرافقات في دبروفننج لمدة يومين. رجع الرئيسان وغادرنا دبروفننج لبريونى معا، وعند صعودنا إلى المركب ووصولنا لجزيرة بريوني كان الاحتفال الرسمي نفسه، وكان الرئيس، وأنا أسير بجانبه، يلتفت إليّ ليهمس فيجدني أتقدم بالخطوات، وأقف ثم أسير معه قبل همسه. وفي المساء قال لي: إنك تعلمت. فقلت له: السبب إني حفظت نغمة الموسيقى. مكثنا في جزيرة بريوني يومين ثم غادرناها بالعربات نتنقل في يوغوسلافيا الجميلة. وكانت تحصل لي مواقف أرتبك فيها، وفي البلد الذي نصل إليه أو نبيت فيه يستقبلنا رئيس جمهورية من جمهوريات يوغوسلافيا، كما هو النظام هناك. وأذكر قبل مغادرتنا بلدًا في الصباح قال لي الرئيس: سيكون موجودا رئيس الجمهورية، الذي لم يكن قد حضر للبلد بعد عند وصولنا.. فسلمي عليه، قلت: نعم. وعندما نزلنا وكنت بجانبه وجدت واحدًا واقفا في وسط الصالة في اللوكاندة لم أره من قبل فسلمت عليه، فنظر لي الرئيس وكان الرئيس تيتو مقبلا وبجانبه رجل آخر لم أره أيضًا من قبل، وقال هامسًا: سلمي على الرئيس تيتو والذي بجانبه. وفي المساء ونحن بمفردنا قال لي: لقد قلت لك سلمي على رئيس الجمهورية، فوجدتك صافحت «المتردوتيل» أولاً، وكان الرئيس يضحك وهو يتحدث فقلت له: لقد قلت لي إنه يوجد رئيس جمهورية البلد وقد حضر في الصباح فوجدت رجلا لم أره من قبل فقلت في نفسي هذا هو رئيس الجمهورية.. وضحك كثيراً وضحكت وقلت: سوف لا أغلط مرة ثانية.
وفي اليوم التالي.. وكنا وصلنا لبلد آخر، وكان الرئيس ركب عربة مع الرئيس تيتو وركبت عربة بجوار المدام، ووقفت عربة الرئيسين ونزلا أولاً، وكان يقف ثلاثة رجال في استقبالنا أمام اللوكاندة فلم ألاحظ الذي صافحه الرئيس أولاً. وفي المساء قال لي: لقد صافحت السكرتير أولاً ولاحظت عليك الارتباك.. وضحكنا. وبعد ذلك لم يقل لي ملاحظة في المساء فقلت له: إنني لم أغلط اليوم وها نحن لم نضحك. قضينا أسبوعا في يوغوسلافيا، وقامت ثورة العراق أثناء وجودنا هناك، وتأزم الموقف الدولي، وغادرنا بريوني بالمركب في طريقنا للإسكندرية، ولم يكن الرئيس تيتو مطمئنا للسير في البحر لوجود الأسطول الأميركي في البحر الأبيض. وفي طريقنا، ونحن لم نزل في بحر الأدرياتيك، أرسل برقية يحذر فيها الرئيس من الاستمرار في الرحلة لخطورة الموقف. كان الوقت مساء.. وكنت مع الأولاد وحرم الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية نشاهد فيلما وتوقفت المركب عن السير. وبعد انتهاء الفيلم قمت لأذهب إلى حجرتي فقابلني في تراس المركب محمد حسنين هيكل، فتبادلنا التحية وقال لي: سأسألك سؤالا.. الموقف في منتهى الحرج والرئيس تيتو يخشى استمرار الرحلة، والمركب توقف عن السير، والرئيس يشتغل في حجرة العمليات يتلقى الأخبار والبرقيات، وأنا أفكر ومن وقت وأنا أتمشى وألاحظك تشاهدين فيلما في السينما. فواحد من اثنين.. إما أنا جبان أو أنت شجاعة جدًّا.. فقلت: لا ده ولا ده إنها مسألة اعتياد.. فقد اعتدت على المواقف الصعبة. فرد: إني لا أخشى على نفسي قط بل أخشى على الرئيس جمال عبد الناصر فقط، فالأمريكان لا يهمهم إلا هو. قلت: إن شاء الله تنتهِ على خير. وظل المركب واقفا حتى الصباح والرئيس يشتغل، وفي الصباح غادر المركب إلى مدمرة - إذ كانت ترافقنا مدمرتان - ومعه وزير الخارجية ومحمد حسنين هيكل، ورجع بنا المركب لجزيرة بريوني.
وصلنا في اليوم التالي.. السيدات والأولاد والمرافقون. ذهبنا لفيلا الضيافة، وبعد وصولنا طلبني الرئيس تيتو لأقابله، وكان يقيم في فيلا بجوار فيلا الضيافة. قال لي: إن الرئيس جمال عبد الناصر موجود في الاتحاد السوفياتي في مكان خارج موسكو، والزيارة سرية وسوف لا يذاع مكان وجوده الآن، ورجوعكم لبريوني سيظل طي الكتمان، وسوف تمكثون في الفيلا ولا تخرجون حتى لا يعرف أحد مكانكم، ولا تقولي لأحد، وعندما تصلني أخبار سأخطرك بها. مكثنا يومين لا نظهر خارج الفيلا، والمرافقون، ومنهم كبير الأمناء والطبيب مكثوا في الدور الذي تحت الدور الأول ببضع سلالم، وكلما حاول أحد منهم الخروج للحديقة منعه الحرس.
طلب كبير الأمناء مقابلتي، وكان منزعجا وقال: إننا نكاد نكون كالمعتقلين، وسألني إذا كنت أعرف أين ذهب الرئيس، وقال إنه والمرافقين قلقون جدًّا عليه. قلت: إن الرئيس تيتو قال إنهم في مكان ما وبخير.. وسوف يخبرني عندما تصله أخبار. كانت مدام تيتو تحضر وتبقى معنا حتى المساء، وكانت السيدات قلقات وأكثرهن قلقا حرم محمد حسنين هيكل إذ كانت تبكي، وكنا نستمع للإذاعة وعرفنا أنهم وصلوا لسوريا.. الرئيس جمال عبد الناصر ومعه المرافقون له. وأخيرا سمح لنا بالخروج، ودعانا الرئيس تيتو إلى رحلة في يخت جميل أمضينا فيه اليوم.
بعد أن وصل الرئيس للقاهرة، وكان قد رجع على طائرة سوفياتية، هبطت الطائرة نفسها في اليوم التالي في بريوني لنستقلها للقاهرة، وكانت أول مرة أركب طائرة. كان موعد وصولنا يوم 22 يوليو والرئيس سيلقي خطابا في المساء. أخبره السكرتير عن الساعة التي ركبنا فيها الطائرة، بينما كان الرئيس في مكتبه يكتب وحان موعد وصول الطائرة، وكان قد طلب من السكرتير أن يخبره عند وصولنا. ظل الرئيس ينتظر ويسأل السكرتير مدة ساعتين، ويحسب الوقت الذي يمكن أن تطير الطائرة فيه والوقود الذي تحمله ويجد الوقت فات بساعتين. قال لي الرئيس: لقد وضعت القلم وجلست أفكر وأنا في غاية القلق، وحان وقت خروجي لإلقاء الخطاب فخرجت من المكتب لأركب العربة.. رأيت الضابط يجري مسرعًا وقال لي: لقد وصلوا المطار في أنشاص، إذ لم يكن مطار القاهرة قد جهز بعد لاستقبال الطائرات الكوميت النفاثة. قال لي جمال: لقد كان من أحرج الأوقات التي مرت بي يا تحية وأنا أنتظركم وأصعبها.. وقابلنا بحرارة. وكان السكرتير أخبره عن الميعاد الذي ركبنا فيه قبل ركوبنا الطائرة بساعتين.
ست سنوات ولم نخرج معا
كنا في استراحة القناطر وكنا راجعين للقاهرة في المساء، وكنت أركب العربة مع الأولاد ويركب الرئيس عربته.. وكان يفضل أن نسبقه. كنا جالسين في الحديقة وأنتظر دخول العربة، فقلت: لقد مضت سنوات لم أخرج معك في عربة.. فقال لي: فلتركبي معي ونرجع معا، وكان أحد الضباط يقف بجوار عربة الرئيس وعندما رآني قال: تفضلي.. ومشى لعربتي وظن أني لم أنتبه لها، فوجدني ركبت عربة الرئيس، وظهر عليه الارتباك فقلت للرئيس: إنهم مندهشون اليوم فقد مضت 6 سنوات لم نخرج معا في عربة. لم يكن يوجد وقت يقضيه معي إلا أنه كان يحب أن أكون بجانبه وهو في البيت وفي حجرته، وإذا صعد من مكتبه أو حضر من الخارج ولم يرني عند حضوره يقول لي: لقد بحثت عنك ودخلت حجرتك. وأحيانًا يدخل حجرات الأولاد وتكون فرصة لملاطفتهم والبقاء معهم لدقائق. لم أره أبدًا يستريح، وكل وقته شغل يقرأ أو يكتب أو يتحدث بالتلفون، والوقت الذي لا يشتغل فيه هو الساعات التي ينامها فقط. وكنت أستمع لحديثه بالتلفون ولا أعلق أو أفتح فمي بكلمة مهما كان الحديث من الأهمية والخطورة، والدوسيهات ترسل وأضعها في حجرته على الترابيزة بجانبه قبل حضوره. وأثناء وجوده في حجرته ترسل مذكرات يقرأها ويعطي تعليمات بالتلفون أو يكتب مذكرات وترسل للسكرتارية، والجرائد العالمية ترسل كل يوم ويقرأها.. فكنت أظل أياما لا أجد وقتا أتحدث فيه معه إلا تحيته لي التي لا ينساها أبدًا حتى إذا تكرر دخولي الحجرة عدة مرات.
خريف سنة 1958
بعد رجوعنا من إسكندرية.. مرض الرئيس بالسكر وأخبرني بمرضه فحزنت جدًّا، وكنت أنزل للحديقة بمفردي وأبكي، وانقطعت عن أكل الحلوى لوقت طويل من شدة حزني، وكنت لا أقدم الأصناف التي لا توافق العلاج فكان يطلبها ولا يأكل منها، وكان يقول لي: الحمد لله إن مرض السكر أخف من أمراض أخرى كثيرة.. ولحرصي الشديد على صحته كنت أقوم بطهو ما يأكله بنفسي في أغلب الأيام.
أول عشاء رسمي
مع الرئيس والإمبراطور هيلاسلاسي
في شهر فبراير سنة 1959 سافر الرئيس لسوريا وقت عيد الوحدة ومكث حوالى شهر.. وبقيت في القاهرة. في يونيو سنة 1959 حضرت أول عشاء رسمي مع الرئيس وكان لإمبراطور الحبشة هيلاسيلاسي.. حضره الوزراء وزوجاتهم والسلك الدبلوماسي. وقفت بجوار الرئيس والإمبراطور والمدعوون يمرون لمصافحتنا، وبعد انتهاء الاستقبال شعرت بسرعة في دقات قلبي وإغماء، وكنت جالسة بجوار الرئيس والإمبراطور.. أخبرته بما أشعر به، فقال لي أن أذهب وأستريح في حجرة مكتبه.. وكنا في قصر القبة. غادرت حفل العشاء وأحضر لي طبيبا وظل هو مع الإمبراطور والمدعوين حتى انتهى العشاء.. وكنت تحسنت ورجعت لحالتي الطبيعية ورجعنا إلى البيت. وفي اليوم التالي عمل لي فحص طبي، ولم يكن بي أي مرض إلا أنه مجرد انفعال لحضوري في حفل رسمي وأول عشاء لي وكان مع الإمبراطور. في عشاء آخر.. وكان مع الرئيس نهرو رئيس وزراء الهند.. ذهبت مع الرئيس وجلست على ترابيزة الأكل بين نهرو والرئيس وابتدأنا في العشاء، وأخذ الرئيس نهرو يتحدث معي وأنا بجواره.. شعرت بسرعة نبضات قلبي والإغماء ونفس ما حصل لي في حفل الإمبراطور. قررت أن أظل كما أنا في مكاني ولا أخبر الرئيس، وأتحمل ما يجري لي حتى ولو توقف قلبي، ولن أغادر المكان. وفي آخر المأدبة وعند تقديم الحلوى شعرت بحالتي ترجع طبيعية، وبعد انتهاء العشاء قمت ومشيت بجوار الرئيس نهرو والرئيس وأنا في حالة عادية. ونحن راجعون في الطريق قال لي جمال: لقد لاحظت عليك أثناء العشاء أنك غير عادية، فقلت الأحسن ألاّ أشعرك بأني لاحظت شيئًا حتى لا تزداد حالتك، وأخذت أتحدث مع السيدة التي بجواري ولم ألتفت ناحيتك. فقلت له ما حصل لي. وفي اليوم التالي عمل لي فحص طبي وقال لي الدكتور: لقد عالجت حالتك بنفسك والآن سوف لن تحصل لك مرة ثانية، وأعطاني حبوبا أتناولها قبل ذهابي لمآدب العشاء الرسمية، وكنت أتناولها قبل خروجي مع الرئيس.. وبقيت هكذا لفترة وكان الضيوف كثيرين.. وبعد ذلك اعتدت وأصبحت لا أتناول الدواء، وأصبح حضوري المآدب الرسمية شيئًا عاديًّا، وكنت في أغلبها أهدى بنيشان فيتضاعف الموقف الرسمي.
الزيارة الرسمية إلى اليونان
سنة 1960..
تلقى الرئيس دعوة من الرئيس تيتو، ودعاني والأولاد لنقضي أياما في جزيرة بريوني أثناء إجازة الصيف. وكان الرئيس قد تلقى دعوة مماثلة من ملك اليونان ودعيت معه، وتكررت الدعوة فرتب أن نذهب لليونان في طريقنا لبريوني. وسافر كبير الأمناء لليونان قبل سفرنا فأخبره رئيس البروتوكول اليوناني أن العشاء يجب أن يكون بملابس السهرة للرجال والسيدات. رجع كبير الأمناء وأخبر الرئيس فرد وقال: سوف لا أرتدي ملابس السهرة أو ألغي السفر لليونان. اتصل كبير الأمناء برئيس البروتوكول في اليونان وأخبره بما قاله الرئيس، فكان الرد أن الملك يرحب بحضور الرئيس جمال عبد الناصر وينتظر زيارته باللبس الذي يريده.. المهم أن يزور اليونان. ركبنا المركب « الحرية».. الرئيس وأنا والأولاد ووزير الخارجية الدكتور محمود فوزي ومحمد حسنين هيكل وزوجتاهما. وصلنا ميناء برييه واستقبلنا الملك والملكة وأولادهما - ولي العهد وشقيقتاه - في قارب حتى المركب، ونزلنا في الميناء في استقبال رسمي وغادرنا في عربات.. الرئيس مع الملك وأنا مع الملكة حتى القصر الذي سنقيم فيه، وكان بجوار قصر الملك. أقام الملك مأدبة عشاء حضرها أعضاء الأسرة المالكة والسلك الدبلوماسي ورئيس الوزراء والوزراء، وكان النظام أن يقف المدعوون على جانبي البهو الكبير ونمر في الوسط لتحيتنا كما هي عادة الملوك. وقفت الملكة بجوار الرئيس لتتأبط ذراعه وتمشي بجواره فقال لها: سأمشي بجوار الملك وأنت تمشين بجوار زوجتي، فسألته الملكة: وماذا لو تأبطت ذراعك؟ قال لها: إني أخجل.. فرجعت الملكة ووقفت بجواري وقالت لي بالإنجليزية: أعطيني يدك أو آخذ يد زوجك.. ومشينا وسط المدعوين يحيوننا.. الرئيس بجانب الملك وأنا بجانب الملكة.
الوحدة والانفصال
كان الرئيس يسافر في عيد الوحدة لسوريا ويمكث أكثر من شهر، ولم أذهب معه إذ كان يفضل أن أبقى مع الأولاد.
سنة 1961.. في يوم 28 سبتمبر في الصباح.. وكنت بجوار الرئيس.. تلقى مكالمة تلفونية تخبره بأنه وقع انقلاب عسكري في سوريا، وكان المشير عبد الحكيم عامر هناك. قام بسرعة وارتدى ملابس الخروج والتأثر يبدو عليه وخرج، ولم أقل أي كلمة كعادتي مهما كان الحديث من الأهمية. سمعته في الراديو يخطب وهو في غاية التأثر.. كان شعوري وأنا أسمعه.. متأثرة لحزنه، وفي نفس الوقت للحقيقة لم أكن حزينة للانفصال. بعد إلقائه الخطاب رجع إلى المنزل والتأثر يبدو عليه للغاية، ثم خرج ثانية وبقيت في البيت أتتبع الأخبار من الإذاعة. وفي الواقع لم تكن الوحدة بالنسبة لي شيئًا أستريح له.. لأنه أولا زاد عمله لأقصى حد، وفي آخر سنة 1958 مرض بالسكر من كثرة الشغل.. وبالإضافة إلى ذلك سفره وقت عيد الوحدة. رجع الرئيس في المساء وكنت في الحجرة وبجواره.. لم يقل أي كلمة ولم أقل أي كلمة، وكنت لا أدري ماذا أكون؟.. زعلانة متأثرة أم لا؟ كنا في الصيف في إسكندرية في المعمورة، وكان قد بُني بيتان متجاوران في سنة 1959 للرئيس والمشير عبد الحكيم عامر.. المبنى والشكل متطابقان، وقد أصبح بيت المشير عبد الحكيم عامر استراحة الرئيس أنور السادات بالمعمورة في ما بعد. كان المشير يحضر ويجلس مع الرئيس على الشاطئ.. وكان الوقت صيفا بعد الانفصال، وكنت جالسة بجوارهما وتكلما عن سوريا والانفصال، فقال الرئيس عني للمشير: إنها انفصالية، ولم تكن تعجبها الوحدة.. وضحكا. وكانت هي الحقيقة فضحكت وقلت: إنها كانت عبئا وأزيح.. وضحكنا جميعًا. كما قلت دائمًا وهو في المنزل، في الوقت الذي يكون فيه في الدور الثاني، أكون بجواره بالليل أو بالنهار، وهذه رغبته وكان يشتغل باستمرار.. في الحجرة، في المكتب، وهو مستلق على السرير، فكنت أستمع لأحاديثه التلفونية وأحيانًا يكون المتحدث معه محمد حسنين هيكل. وبعد ذلك في يوم الجمعة الذي يكتب فيه هيكل مقاله بصراحة في جريدة «الأهرام» مرات أجد في المقالة مما قد سمعت في حديث الرئيس له.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تحية عبد الناصر وعدة احاديث ليلة القبض على جمال عبد الناصر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: المنتدى العام [ General Section ] :: مواضيع عامة(General)-
انتقل الى: