منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:20

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر
 بقلم سامى شرف

مدخل



صدر الجزء الناني من مذكرات الأخ سامي شرف من مطبعة مدبولي في القاهرة , ويحتوي على الأبواب التالية :

مقدمة الجزء الثانى
احاديث المعمورة
صنع القرار فى تجربة عبد الناصر
عبد الناصر والتنظيم السياسى
ثورة يوليو والتنمية
الأزمة مع اللواء محمد نجيب
ثورة يوليو وحزب الوفد
ثورة يوليو والشيوعيون
ثورة يوليو والاخوان المسلمون
حدوتة خزنة عبد الناصر
حكاية العمالة للسوفيت
عبد الناصر والصحافة . . الثقافة . . الفنون
عبد الناصر وثورة اليمن
الرحيل وترتيبات الخلافة
ملاحق ووثائق
ملحق الصور الفوتوغرافية

اجمل التهاني القلبية بصدور الكتاب الثاني



ثورة يوليو والإخوان المسلمين

واجهت جماعة الإخوان المسلمون على مدى تاريخها إشكالية كبرى ، لقد قامت فى البداية كجماعة دينية تعمل فى مجال الدعوة وتخليص الإسلام من البدع الدخيلة عليه وترسيخ المفاهيم الصحيحة للدين بين أفراد المجتمع ، ولا ننكر أنها بذلك كسبت أرضية واسعة فى المجتمع ، ولكنها فى الوقت نفسه أبدت طموحا سياسيا كبيرا للعب دور مؤثر على المسرح السياسى ليس فى مصر وحدها بل فى العالم العربى كله مستغلة فى ذلك حالة الفوران السياسى التى أعقبت ثورة سنة 1919 وانتشار الاستعمار الأوروبى فى المنطقة ومن ثم تصاعد حركة المقاومة .

والأمر المنطقى أن ينصب الشق السياسى فى نشاط الإخوان المسلمين على مقاومة المحتل الأجنبى والتصدى لألوان الفساد فى الداخل ، لكن ما حدث بالفعل هو سعى قادة الجماعة -وفى مرحلة مبكرة جدا- إلى دخول المعترك السياسى كتيار صالح للاستخدام من جانب الملك وأحياناً من جانب البريطانيين أنفسهم لضرب تيارات أخرى وفى مقدمتها حزب الأغلبية ، واقدم هؤلاء القادة على بعض التصرفات لخدمة هذا الهدف ، لكنها أثارت ردود فعل معاكسة لأجنحة اخرى داخل الجماعة .

وقد تمثل أول هذه التصرفات عندما قبل الشيخ حسن البنا تبرع الشركة الفرنسية التى كانت تدير قناة السويس وقتئذ بمبلغ خمسمائة جنيه لبناء أول مقر للجماعة فى مدينة الإسماعيلية مما أثار اعتراض بعض الأعضاء المؤسسين باعتبار أنها شركة استعمارية لا يهمها الإسلام فى شئ ، لكن الشيخ كان مهتما فى المقام الول بتدبير التمويل اللازم لجماعته الوليد ، والأهم من ذلك هو طمأنة القائمين على الشركة ومن ورائهم الأجانب المنتشرين فى منطقة قناة السويس إلى اقتصار مقاصده على الجوانب الدينية فقط حتى يتمكن من ترسيخ قواعد جماعته فى هدوء .

وفى هذا السياق ارتبطت الجماعة بعلاقات متنامية مع الملك فاروق الذى رأى فيها عونا كبيرا له باعتبارها تنظيما يقاوم النشاط الشيوعى ، وكان الملك فاروق فى نفس الوقت يعمل على دعم وتمويل الجماعة لمواجهة حزب الوفد ، و يعتبر أن جماعة الإخوان المسلمين هى الجماعة الوحيدة التى تحتكم إلى قواعد شعبية تستطيع أن تنافس الوفد فى شعبيته ، ومن الصدف العجيبة أنه فى تاريخنا القريب جدا كان أنور السادات يتبع نفس الأسلوب الملكى ، ولكن بخلاف بسيط ؛ هو أنه أستخدم هذه الجماعة لمواجهة الناصريين مع انقلاب مايو 1971

ومما يؤكد العلاقة الوطيدة بين الملك فاروق وجماعة الإخوان المسلمين أنه فى أكثر من مرة عندما كان حسن الهضيبى المرشد العام للإخوان المسلمين -وهو فى نفس الوقت زوج شقيقة مراد باشا محسن ناظر الخاصة الملكية - يقابل الملك فاروق كان يخرج من كل مقابلة ليصرح بقوله :
" زيارة كريمة لملك كريم " .
وبعد معاهدة1936 ظهرت جماعة الإخوان المسلمين على المسرح السياسى عندما اشتد الصراع بين الملك والوفد ، وكان على ماهر باشا رئيس الديوان الملكى والرجل القريب جدا من فكر وقلب الملك والمستشار الأكثر قربا وتأثيرا على القصر على علاقة طيبة بالشيخ حسن البنا المرشد العام للجماعة وبعض أفراد الجماعة، واعترض بعض أعضاء الجماعة رافضين هذه العلاقة ووجهوا إنذارا للمرشد العام للجماعة مطالبين فيه بقطع هذه العلاقة ، ولكن حسن البنا رفض هذا الإنذار، وطرد هؤلاء الرافضين، وقد كتب أحدهم مقالا يشرح فيه أسباب الانقسام، وذكر فيه " أنهم خرجوا؛ لأن الجماعة موالية للقصر الملكى ، كما أورد أسبابا أخرى تفيد التلاعب فى الأموال ، وبعض التصرفات غير الأخلاقية " .
ولقد خصص المؤتمر الرابع للجماعة للاحتفال باعتلاء الملك فاروق عرش مصر ، كما كانوا يقفون فى ساحة قصر عابدين فى المناسبات هاتفين : " نهبك بيعتنا ، وولاءنا على كتاب الله وسنّة رسوله ".

وقد ورد فى جريدة " البلاغ " فى 20ديسمبر 1937 ما يلى :
عندما اختلف النحاس باشا مع القصر خرجت الجماهير تهتف : " الشعب مع النحاس " فسيّر حسن البنا رجاله هاتفين : " الله مع الملك ".
وكتب أحمد حسين فى جريدة " مصر الفتاة " فى 17يوليو1946 مايلى :
"إن حسن البنا أداة فى يد الرجعية ، وفى يد الرأسمالية اليهودية، وفى يد الإنجليز وصدقى باشا" .
وبمناسبة صدقى باشا ، فإنه عندما تولى رئاسة الوزارة سنة 1946 كان أول ما قام به هو زيارته للمركز العام للإخوان المسلمين فى الحلمية الجديدة ، ووقف أحد أصدقاءه من الإخوان المسلمين يهنئه بتوليه الوزارة قائلا :
" واذكر فى الكتاب إسماعيل أنه كان صادق الوعد ، وكان رسولا نبيا".
وعندما شكل الطلبة والعمال اللجنة الوطنية ، انشق الإخوان المسلمين وشكلوا بالاتفاق مع إسماعيل صدقى رئيس الوزراء ومع الملك ما سمى " باللجنة القومية "، وإذا رجعنا إلى مذكرات كريم ثابت - المستشار الصحفى للملك فاروق ورئيس تحرير جريدة الزمان - والتى نشرت فى جريدة الجمهورية فى شهر يوليو1955 وجاء فيها متعلقا بجماعة الإخوان المسلمين أنه أى كريم ثابت تدخل لدى النقراشى باشا رئيس الوزراء لإيقاف قرار حل ومصادرة ممتلكات الجماعة باعتبارها عونا كبيرا للملك فاروق وللعرش فى مقاومة الشيوعية ، وأن الملك فاروق كان يعتبر أنهم الهيئة الوحيدة التى يمكنها أن تنافس الوفد، وتشجيعها يؤدى إلى انقسام معسكر القوى الوطنية وبالتالى إضعافه .

ويروى أحمد مرتضى المراغى وزير الداخلية الأسبق فى مذكراته التى نشرت فى مجلة "أكتوبر " أنه عندما كان مديرا للأمن العام ذهب إليه فى منزله فى حلوان الشيخ حسن البنا وطلب منه إبلاغ الملك الرسالة التالية – وكان فى هذا الوقت يرأس الحكومة النقراشى باشا ، وكان يعادى الإخوان المسلمين – الرسالة هى :
" الإخوان المسلمين لا يريدون به شرا وأننا لا ننبذ تصرفاته ، إنه يذهب إلى نادى السيارات للعب الورق فليذهب!! ، وإلى النوادى الليلية ليسهر ، فليسهر! نحن لسنا قوامين عليه".

وفى سنة1950 حصل حزب الوفد على الأغلبية فى الانتخابات وسقط الأمر العسكرى بحل جماعة الإخوان المسلمين وانتخب المستشار حسن الهضيبى مرشدا عاما للجماعة .
وتقول جريدة اللواء الجديد فى 30يناير1950 :
" إن مزراحى باشا محامى الخاصة الملكية كان له دور فى تحسين العلاقات بين الملك والإخوان المسلمين، وأن الصحف البريطانية أظهرت ترحيبا شديدا باختيار الهضيبى مرشدا عاما الذى يؤيده الملك فاروق لقرابته بمراد باشا محسن – زوج شقيقته – كما أنه وطيد الصلة بعائلات ثرية قريبة من السراى ، وكان الملك فاروق عندما يقابل المرشد العام يرسل له سيارة ملكية خاصة لإحضاره.. " .

وفى عام 1951 عقب إلغاء معاهدة 1936 وإعلان الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية فى منطقة قناة السويس صرح حسن الهضيبى لجريدة الجمهور المصرى فى 19أكتوبر 1951 بقوله: "وهل تظن أن أعمال العنف تخرج الإنجليز من البلاد ، إن واجب الحكومة اليوم أن تفعل ما يفعله الإخوان من تربية الشعب . . وذلك هو الطريق لإخراج الإنجليز " .
كما خطب المرشد العام فى شباب الجماعة قائلا :
" اذهبوا واعكفوا على تلاوة القرآن الكريم " .

وقد رد عليه خالد محمد خالد – الكاتب الإسلامى – فى مجلة " روز اليوسف" بمقالة عنوانها "أبشر بطول سلامة يا جورج " ، وجاء فى المقال :
" إن الإخوان المسلمين كانوا أملا من آمالنا ، ولم يتحركوا ، ولم يقذفوا فى سبيل الوطن بحجر ولا طوبة، وحين وقف مرشدهم الفاضل يخطب منذ أيام فى عشرة آلاف شاب قال لهم :
" اذهبوا واعكفوا على تلاوة القرآن الكريم " . . وسمعت مصر المسكينة هذا التوجيه فقذفت صدرها بيدها وصاحت . . آه يا كبدى . . . أفى مثل هذه الأيام يدعى الشباب للعكوف على تلاوة القرآن الكريم، ومرشد الإخوان يعلم أو لا يعلم أن رسول الله وخيار أصحابه معه تركوا صلاة الظهر والعصر من أجل المعركة ، ويعلم أو يجب أن يعلم أن رسول الله نظر إلى أصحابه فى سفره فإذا بعضهم راقد وقد أعياه الصوم ، وبعضهم مفطر قام بنصب الخيام فابتسم إليهم ابتسامة حانية راضية وقال : "ذهب المفطرون اليوم بالأجر كله، فلقد وجد الوطن فى التاريخ قبل أن يوجد الدين ، وكل ولاء للدين لا يسبقه ولاء للوطن فهو ولاء زائف ليس من روح الله".

والوطن عماد الدين وسنده ولن تجدوا ديننا عزيزا مهيبا إلا إذا كان فى وطن عزيز مهيب، وإذا لم تبادروا بطرد الإنجليز فلن تجدوا المصاحف التى تتلون فيها كلام ربكم . . . أتسألون لماذا؟ لأن الإنجليز سيجمعونها ويتمخطون فيها كما حدث فى ثورة فلسطين سنـة1937 ، وإذا حسبتمونى مبالغا فراجعوا الكتاب المصور الذى أصدره المركز العام عن تلك الثورات لتروا صورة الضباط الإنجليز وهم يدوسون المصاحف ويتمخطون فى أوراقها . إن فى مصر قوى شعبية ضخمة تستطيع رغم ظروفها أن تردم القناة بجثث الإنجليز ، ولكن هذه القوى محتكرة . . . تحتكرها الهيئات والجماعات لصالح من ؟ وإلى متى ؟ " .
خالد محمد خالد

الإخوان بعملون فى الصفوف الخلفية:
كما كتب إحسان عبد القدوس مقالا فى " روزاليوسف " بتاريخ 27نوفمبر 1951 بعنوان "الإخوان . . إلى أين ؟ وكيف . . ؟ ينعى عليهم عدم مشاركتهم فى معركة القناة، ويقول: "إن هذه الأيام أيام الامتحان الأول للإخوان عقب محنتهم ، فإما أن يكونوا أقوياء بإيمانهم ، وإما فقدتهم مصر " .
وفى شهر يوليو1952 نشرت جريدة المصرى - التى تتبنى أفكار حزب الوفد - خبرا جاء فيه أنه كان قد تم الاتفاق بين الإخوان المسلمين والوفد على أن تشترك كتائب من الإخوان مع الوفد فى معركة القناة، وأن حكومة الوفد ستسلم الإخوان 2000 بندقية و50 رشاشا ومليون طلقة ، وأنه كان قد تحدد يوم 26يناير سنة1952 لتسليم هذه الأسلحة ، ولكن الملك فاروق حدد يوم 26يناير1952 لإقالة حكومة الوفد ، كما نشرت جريدة المصرى تصريحا للمرشد العام عقب مقابلته للملك فاروق جاء فيه إن الملك قال له: "أنه خائف على البلد من اللى بيعمله المصريين فى الإسماعيلية والسويس، وأنه يجب ألا يشترك الإخوان معهم فى هذه الأعمال؛ لأن الحركة دى حا تجر على البلد مصايب " .

وفى مذكرات اللواء فؤاد علام مفتش النشاط الدينى بمباحث أمن الدولة الأسبق والمنشورة بجريدة عالم اليوم فى 20 أغسطس 1995 قال : " أن السفير الأمريكى جيفرسون كافرى قدم تقريرا عن اجتماع مع أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين – لم يذكر اسمه- ووصفه بأنه ابن أحد مشايخ الأزهر، وقدم عضو الإخوان المسلمين المعلومات التالية عن موقف الإخوان :
قرر أن الثورة أبلغت الإخوان بأنها سوف تحارب القوات البريطانية فى الوقت المناسب، وأنهم يعتقدون بأن الثورة جادة فى شن حرب فى منطقة القنال .. وأن الإخوان سيلتزمون بالمشاركة فى مثل هذه الحرب من الناحية الأدبية فقط .
أشار إلى وجود مخازن سلاح سرية يمكن الاستيلاء عليها، ولا تعرف الثورة عنها شيئا، وهى عبارة عن أسلحة أوتوماتيكية متنوعة بدلا من النوعيات التى عفى عنها الزمن، وأنه شخصيا عاين أكثر من 100 قطعة سلاح، لكنه تهرب أكثر من مرة من تحديد موعد هذه الحرب.
قرر أكثر من مرة بأن صداما سوف يحدث قبل أكتوبر 1953، سواء ضد الثورة أو الإنجليز، وأكد أن شعورا عاما بالاستياء سوف يعم المواطنين.
وأشار إلى أن الإخوان الذين اعتقلتهم الثورة ليسوا فى الحقيقة إخوانا، وإنما شيوعيون تستروا بالإخوان كغطاء لإخفاء نشاطهم.

وفى صباح 23 يوليو استدعى حسن عشماوى لمبنى القيادة العامة للقاء عبد الناصر ، الذى طلب منه تأييدهم للثورة ، ورفض المرشد العام إصدار البيان ـ وكان فى المصيف بالإسكندرية - ولم يصدر بيان التأييد المقتضب إلا فى ساعة متأخرة من يوم 27يوليو1952 وبعد طرد الملك فاروق من مصر .

ويقول فضيلة الشيخ المرحوم أحمد حسن الباقورى عن خلافه مع جماعة الإخوان، وبين عبد الناصر والإخوان :
" إن العملية كلها منذ جاء المرحوم على باشا ماهر ، وتحرك جماعة من الإخوان مثل الأستاذ عبد الحكيم عابدين وآخرين دون علمى لمقابلته؛ وأنا عضو فى مكتب الإخوان العام، ولابد أن يكون لى وجهة نظر معينة إذا ما أراد الواحد منهم أن يلتقى برئيس الوزراء، ثم التقوا لقاء غريب بالإنجليز .. أنا شعرت أن هذه العملية لعب، وأنهم يلعبون بنا .. وجمال عبدالناصر رحمة الله عليه كان زعلان منهم؛ لأنه فى ليلة القيام بثورة 23 يوليو كان قد اتفق مع بعض الإخوان المسلمين أن يشاركوا.. والذى حدث أنهم لم يحضروا فى الموعد المحدد ورفضوا التحرك ولم يتعاونوا – كما يزعمون - ، واعتبر عبدالناصر موقفهم هذا هروبا ربما يكون قد فكر فى أكثر من الهروب .. بالخيانة مثلاً، ولكن لم يقل شيئاً سوى أنهم خذلوه..!!.




وأعتقد أنه بعد ما ذكر يمكن أن يتفهم القارئ الكريم الأسباب التى أدت بمجلس قيادة الثورة إلى اتخاذ القرار بحل جماعة الإخوان المسلمين 14يناير1954 :

التقاعس فى تأييد المرشد العام للإخوان المسلمين للثورة إلا بعد خروج الملك فاروق من مصر.

عدم تأييد الجماعة لقانون الإصلاح الزراعى ، والمطالبة برفع الحد الأقصى للملكية الزراعية فى حالة تطبيق القانون إلى خمسمائة فدان .

محاولة الجماعة فرض الوصاية على الثورة بعد حل الأحزاب السياسية القديمة .

اتخاذ موقف المعارضة من هيئة التحرير ( التنظيم السياسى ) .

بدء التسرب إلى الجيش والبوليس وقيام الجماعة بتشكيل خلايا سرية تحت إشراف المرشد العام للجماعة مباشرة ( المسئولين العسكريين كانوا أبو المكارم عبد الحى وعبد المنعم عبد الرؤوف وحسين حمودة وصلاح شادى ).

تشكيل جهاز سرى جديد بعد حل الجهاز السرى القديم الذى كان يشرف عليه عبد الرحمن السندى منذ أيام حسن البنا ، والمعروف أن السندى كان على اتصال بالرئيس جمال عبد الناصر من قبل الثورة عندما كان عبد الناصر على علاقة بشكل ما أو بآخر بأغلب التنظيمات السياسية فى مصر هو وبعض الضباط الأحرار الآخرين .

تم اتصال عن طريق د . محمد سالم الموظف فى شركة النقل والهندسة بين المستر إيفانز المستشار الشرقى فى السفارة البريطانية بالقاهرة فى خلال شهر مايو سنة1953 مع كل من منير دلة وصالح أبو رقيق ثم مع حسن الهضيبى بعد ذلك، واعتراض مجلس الثورة وقتها على هذه الاتصالات ولكنهم استمروا فيها وقد تم رصد هذه الاتصالات فى حينه، وتم تسجيل أغلبها بمعرفة أجهزة الأمن المعنية ( المخابرات العامة والمباحث العامة ).

زيارة حسن عشماوى يوم الأحد 10يناير1954 للمستر كروزويل الوزير المفوض بالسفارة البريطانية بالقاهرة مرتين فى نفس اليوم ، الأولى الساعة الرابعة والثانية فى الساعة الحادية عشر مساء.

عبد الناصر والاخوان قبل الثورة وبعدها :
ولنقرأ ما قاله الرئيس جمال عبد الناصر فى نوفمبر1965 بالنص حول علاقة الثورة بالإخوان المسلمين :
" أنا قبل الثورة كنت على صلة بكل الحركات السياسية الموجودة فى البلد ، يعنى كنت أعرف الشيخ حسن البنا ، ولكن ماكنتش عضو فى الإخوان المسلمين 0 كنت أعرف ناس فى الوفد وكنت أعرف ناس من الشيوعيين ، وأنا أشتغل فى السياسة أيام ما كنت فى ثالثة ثانوى ، وفى الثانوى اتحبست مرتين أول ما اشتركت فى مصر الفتاة وده يمكن اللى دخلنى فى السياسة، وبعدين حصلت خلافات وسبت مصر الفتاة ، ورحت انضميت للوفد ، وطبعا أنا الأفكار اللى كانت فى راسى بدأت تتطور، وحصل نوع من خيبة الأمل بالنسبة لمصر الفتاة ، ورحت الوفد وبعدين حصل نفس الشىء بالنسبة للوفد ، وبعدين دخلت الجيش . . . وبعدين ابتدينا نتصل فى الجيش بكل الحركات السياسية ولكن ماكناّش أبدا فى يوم من الإخوان المسلمين كأعضاء أبدا ، ولكن الإخوان المسلمين حاولوا يستغلونا فكانت اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار موجودة فى هذا الوقت، وكان معانا عبد المنعم عبد الرؤوف وكان فى اللجنة التأسيسية ، وجه فى يوم وضع اقتراح قال إننا يجب أن نضم حركة الضباط الأحرار إلى الإخوان المسلمين . . . أنا سألته ليه ؟
قال : " إن دى حركة قومية إذا إتقبض على حد منا تستطيع هذه الحركة أنها تصرف على ولاده وتؤمن مستقبله " .
ولكن مش ممكن نسلم حركة الضباط الأحرار علشان مواضيع شخصية بهذا الشكل ، وحصل اختلاف كبير. . صمم عبد المنعم عبد الرؤوف على ضم حركة الضباط الأحرار إلى الإخوان المسلمين وإحنا رفضنا ـ كان طبعا فى هذا الوقت الشيخ حسن البنا الله يرحمه مات، وأنا كان لى به علاقة قوية ولكن علاقة صداقة ومعرفة.. زى ما قلت لكم ما كنتش أبدا عضو فى الإخوان المسلمين، وأنا لوحدى يمكن اللى كان ليه علاقة بحسن البنا وإخواننا كلهم مالهومش ، ولكن كنت بأقول لهم على الكلام اللى يحصل معاه . . . نتج عن هذا إن عبد المنعم عبد الرؤوف استقال وده قبل الثورة بستة شهور ، استقال عبد المنعم عبد الرؤوف وأنا كانت لى علاقة ببعض الناس من الإخوان المسلمين كعلاقة صداقة . . . وكان لهم تنظيم داخل الجيش، وكان يرأس هذا التنظيم ضابط اسمه أبو المكارم عبدالحى . . وقامت الثورة . . فى أول يوم من قيام الثورة جالى بالليل عبد الرؤوف ومعاه أبو المكارم عبدالحى، وطلبوا إننا نديهم أسلحة علشان الإخوان يقفوا جنبا إلى جنب مع الثورة . . أنا رفضت إن إحنا نديهم سلاح ، وقلت لهم إن إحنا مستعدين نتعاون . . وبدأ التعاون بيننا وبين الإخوان المسلمين وقلت لهم يشتركوا فى الوزارة بعد كده، ورشحوا عدد من الناس للاشتراك فى الوزارة ، ولكن جه بعد كده تصادم.. اتحلت الأحزاب كلها ، وما حليناش الإخوان المسلمين " .

وفى اليوم التاسع والعشرين من يوليو1952 تم لقاء بناء على طلب المرشد العام للإخوان المسلمين فى منزل صالح أبو رقيق ، حضره الرئيس جمال عبد الناصر والمرشد العام الذى طلب أن تطبق الثورة أحكام القرآن الكريم ، وأجابه الرئيس عبد الناصر بأن الثورة قامت حربا على الظلم والاستبداد السياسى والاجتماعى والاستعمار البريطانى ، وهى بذلك ليست إلا تطبيقا لأحكام القرآن الكريم .
فطلب المرشد أن يصدر قرار بفرض الحجاب حتى لا تخرج النساء سافرات ، وأن تغلق دور السينما والمسارح . . فرد الرئيس عبد الناصر - بعدما حسب الأمر – أنت تطلب منى طلبا لا طاقة لى به . . فأصر المرشد على طلبه . . فقال الرئيس عبد الناصر :
" اسمح لى نتكلم بصراحة وبوضوح . . انت لك بنت فى كلية الطب . . هل بنتك اللى فى كلية الطب بتروح الكلية لابسة حجاب ؟ ! أنا أعرف بأنها بتروح الكلية بدون حجاب ، فإذا كنت فى بيتكم مش قادر تخللى بنتك تطلع فى الشارع حاطة الحجاب ، حاتخللينى أنا أطالب الناس كلهم وأقول لهم حطوا حجاب 000 وبعدين هل بنتك بتروح السينما وإلا ما بتروحش ؟ بتروح السينما.. طيب إذا كان الراجل فى بيته مش قادر يخللى أولاده أو بنته ما تروحش السينما ليه.. السينما إحنا علينا واجب أن نعمل رقابة عليها وعلى المسارح كمان حتى نحمى الأخلاق ، ونحن سوف نمنع من يقل عمره عن 21 سنة من إرتياد الملاهى .



لم يعجب المرشد هذا الكلام وطالب بمنع الناس كلها ، فرد عليه الرئيس عبد الناصر قائلا : "ولماذا لم تتكلم أيام فاروق ؟!! وكانت الإباحة مطلقة وكنتم تقولون " أن الأمر لولىّ الأمر".
ودار حوار طويل وبدا أن المرشد العام حدد موقفه من الثورة برفض التعاون ورفض الثورة ، وهذا ما سيتضح فيما بعد ، لكن عبد الناصر كان يتبع سياسة النفس الطويل ، ولا يريد أن يبدأ بالصدام بل فضل أن تتفاعل الأحداث .

وفى الثامن من أغسطس سنة 1952 ، كتب سيد قطب أحد أقطاب الإخوان المسلمين ، مقالا فى جريدة الأخبار فى شكل رسالة للواء محمد نجيب قال فيها :
" إن الدستور الذى لم يسمح بكل ما وقع من فساد الملك وحاشيته فحسب، ولكن فساد الأحزاب ورجال السياسة وما تحمل صحائفهم من أوزار . إن هذا الدستور لا يستطيع حمايتنا من عودة الفساد إن لم تحققوا أنتم فى التطهير الشامل الكامل الذى يحرم الملوثين من كل نشاط دستورى، ولا يبيح الحرية السياسية إلا للشرفاء . . . لقد احتمل هذا الشعب ديكتاتورية طاغية باغية شريرة مريضة على مدى خمسة عشر عاما أو تزيد أفلا يحتمل ديكتاتورية عادلة نظيفة ستة شهور ، على فرض قيامكم بحركة التطهير يعتبر ديكتاتورية بأى وجه من الوجوه ؟" .
وفى شهر أكتوبر 1952 صدر قرار بالإفراج عن 934 مسجونا ومعتقلا معظمهم من الإخوان المسلمين .

وعند تشكيل وزارة محمد نجيب بعد وزارة على ماهر اشترك اثنان من الإخوان المسلمين - الشيخ أحمد حسن الباقورى كوزير للأوقاف والمستشار أحمد حسنى كوزير للعدل- وذلك بعد اتصال تم بين عبد الحكيم عامر والمرشد العام الذى رشح له هذين الاسمين . . إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر فوجئ بزيارة محمد حسن عشماوى ومنير دلّة اللذين أبلغاه أن مكتب الإرشاد قد رفض ترشيحهما هما الاثنين للوزارة، وأن ترشيح الباقورى وأحمد حسنى كان تصرفا شخصيا من المرشد العام ، وقد قوبل هذا المطلب باستغراب حيث أن الباقورى وأحمد حسنى كانا سيحضران فى نفس الوقت تقريبا لحلف اليمين الدستورية ، واتصل الرئيس عبد الناصر بالمرشد العام لاستيضاح الأمر، فقال المرشد العام أنه سيجمع مكتب الإرشاد ويرد على مجلس قيادة الثورة، ولكنه لم يتصل ، فأعاد الرئيس عبد الناصر الاتصال به مرة ثانية ، فقال له المرشد العام أن مكتب الإرشاد قرر عدم الاشتراك فى الوزارة، وفصلوا الباقورى عضو مكتب الإرشاد من الجماعة .
استثنيت الجماعة بعد ذلك من قانون حل الأحزاب ، كما شارك ثلاثة من أعضائها فى لجنة الدستور هم صالح عشماوى وحسن عشماوى وعبدالقادر عودة .

وتسجل هذه الفترة سبعة لقاءات تمت بين جماعة الإخوان المسلمين والسفارة البريطانية فى القاهرة ، وكانت هذه الاتصالات مرصودة من جهازين فى الدولة ، الأول إدارة المباحث العامة والثانى القسم الخاص بالمخابرات العامة ، الذى كان هو نواة هيئة الأمن القومى فى المخابرات العامة بعد ذلك ـ كان التنسيق والتعاون كاملا بين هاتين الإدارتين فى متابعة النشاط الداخلى شكلا وموضوعا لدرجة أن القسم الخاص كانت مكاتبه فى نفس مقر المباحث العامة لكى يكون الاتصال الشخصى أيضا ميسر وسهل دون إضاعة للوقت .


تم لقاءين من هذه اللقاءات مع السفارة البريطانية فى منزل الدكتور محمد سالم بالمعادى وحضرهما من جماعة الإخوان المسلمين كل من منير دلة وصالح أبو رقيق ومن الجانب البريطانى المستر إيفانز المستشار الشرقى بالسفارة البريطانية بالقاهرة فى ذلك الوقت.

كما تمت مقابلتين فى منزل إيفانز حضرهما منير دلة وصالح أبو رقيق لتناول الشاى ، ثم مقابلة خاصة فى منزل المرشد العام حضرها الهضيبى ومنير دلة وحسن عشماوى وإيفانز.

وفى مذكرات اللواء فؤاد علام مفتش النشاط الدينى بمباحث أمن الدولة الأسبق والمنشورة بجريدة عالم اليوم فى 20 أغسطس 1995 قال :
" أنه فى 27 يوليو 1953 عقد اجتماع لمدة ثلاثة ساعات بين حسن الهضيبى ومستر التنج السكرتير السياسى للسفارة الأمريكية بالقاهرة.. وتحدث فيه الهضيبى عن موقف الإخوان المسلمين من مجلس قيادة الثورة، مشيرا إلى أن الإخوان يعلمون أن النظام حسن النية، وأنهم كإخوان ضد تحديد ملكية الأراضى الزراعية، ويسعدهم إزالتها، وأنهم يرغبون فى إزاحة بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة مثل ناصر، وأنهم يخططون لعزل العسكريين من السلطة، وإحلال مجموعة مختارة محلهم من الأحزاب، وأن على المعارضة أن تنسق جهودها لتتعامل بالقوة مع الظروف إذا ما سقط النظام.

وأكد الهضيبى أن حكومة الثورة سوف تسقط فى وقت قريب؛ لأنها تبنت أحلاما كبيرة لن تستطيع أن تحققها مثل إخراج الإنجليز من القنال، وإصلاح الأوضاع الاقتصادية.
وقال أن مجلس قيادة الثورة أرتكب خطأ فاحشا بتبنيه رسميا للعمليات العسكرية ضد الإنجليز؛ فقد كان واجبهم أن يتركوا آخرين يفعلوا ذلك !!، وأن يتوقفوا عن التصريحات الرسمية التى جعلتهم فى فوهة المدفع .. كان يمكن للحكومة أن تعمل بشكل سرى ضد الإنجليز دون التورط الرسمى.

هذه عينة من التقارير التى تتضمن اتصالات الإخوان بالأمريكان مثل الصدام المباشر بينها وبين الثورة فى مصر، تؤكد أن المعلومات التى قدمها الإخوان للأمريكان فى مختلف الشئون السياسية والعسكرية والاقتصادية تخضع لوصف الخيانة العظمى فى قانون أى دولة، ولم يجد الهضيبى وأعوانه أى غضاضة فى عقد اجتماعات سرية مع السفراء الأجانب، والعاملين بالسفارات الأجنبية فى مصر؛ فالإخوان كانوا يلعبون على كل الأحبال؛ تارة يعمقون علاقاتهم بالسراى، وتارة يتعاونون مع الإنجليز، ثم يتصلون بالأمريكان من وراء ظهر حكومتهم، وكان هدفهم الرئيسى هو الوصول إلى الحكم، وكانوا يخاطبون كل جهة من هذه الجهات حسب هواها..
والأغرب من ذلك أنهم طلبوا تسوية سلمية مع إسرائيل .. وهنا يثور أكثر من تساؤل حول علاقة الإخوان باليهود؛ وقد اعترف على عبده عشماوى العضو القيادى فى جماعة الإخوان المسلمين بوجود علاقة بين الإخوان واليهود منذ نشأة الإخوان، وكان الإخوان يتصورون أن اللواء محمد نجيب مستعد لعقد اتفاقية سرية مع اليهود، ولكن العقبة كانت جمال عبد الناصر.

ثم عقد لقاءين آخرين فى شهر يناير سنة 1954 بين حسن عشماوى والمستر كروزويل الوزير المفوض بالسفارة البريطانية بالقاهرة ، وهاتين المقابلتين تمتا على فترتين ، الفترة الأولى من السابعة صباحا حتى الظهر ، والثانية فى نفس اليوم من الرابعة بعد الظهر حتى الحادية عشر مساء .
تمت هذه المقابلات السبعة فى الفترة من مارس1953 ، وخلال أشهر أبريل ومايو 1953 ويناير1954 ، وكانت الموضوعات التى أثيرت فى هذه اللقاءات هى مناقشة موقف جماعة الإخوان المسلمين من ثورة 23يوليو ، والقضية الوطنية ، والمفاوضات مع الإنجليز حول جلاء القوات البريطانية عن مصر 0 وكان رأى الإخوان المسلمين أن عودة الإنجليز إلى القاعدة فى القناة يكون بناء على رأى لجنة مشتركة مصرية بريطانية ، وأن الذى يقرر خطر الحرب هى الأمم المتحدة، وهو الرأى الذى تمسك به الإنجليز طوال مراحل المفاوضات، وهو فى نفس الوقت الشىء الذى لم تقبله ثورة 23يوليو1952 ، التى كان مطلبها واضحا ومحددا فى الجلاء الكامل والسيادة الكاملة على الأراضى المصرية ، وأن يكون القرار نابعا من ثورة 23يوليو فيما يتعلق بجميع شئون مصر ، وقد تم التحقيق فى هذا كله خلال محاكمات الإخوان المسلمين أمام محكمة الشعب(. هذا علاوة على ما اكتشف فى هذه الفترة من اتصال عبد المنعم عبد الرؤوف بالسفارة الأمريكية بالقاهرة؛ حيث أبلغهم أنه يتحدث باسم الإخوان المسلمين وأنهم يسعون لقلب نظام الحكم، وأنهم أى الإخوان المسلمين على استعداد للاشتراك فى حلف عسكرى ضد الشيوعية، وأن هذا الحلف لن يتحقق ما دام جمال عبد الناصر على قيد الحياة .

متوازيا مع هذه الأنشطة والمواقف فقد كان نشاط الإخوان المسلمين فى أوساط الجيش والبوليس مستمر، ولم يتوقف منذ أن ترك عبد المنعم عبد الرؤوف الجمعية التأسيسية للضباط الأحرار قبل قيام الثورة بستة شهور ، وكان المسئول عن الجهاز العسكرى مع أبو المكارم عبد الحى ، كما كان المسئول عن البوليس الصاغ صلاح شادى ، وكان الأب الروحى لهم محمود لبيب – ضابط سابق - ، هذا علاوة عن تنظيم عسكرى ثالث كان عماده الصولات وضباط الصف ، وكان تجنيد هذا القطاع يعتمد على إقناعهم بأنهم هم الأحق بالقيادة فى مجال القوات المسلحة والبوليس باعتبارهم عصب العمل فى هذه المؤسسات الحيوية .

ولما ظهر هذا النشاط الأخير على السطح استدعى الرئيس عبد الناصر ، حسن عشماوى وقابله فى مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة، وقال له أن لدينا معلومات بنشاط لكم فى أوساط الجيش والبوليس وصارحه بالتفاصيل ، فلم يرد حسن عشماوى ولكنه وعد بأن يبلغ المرشد العام بالأمر ، ولما سأله الرئيس جمال عبد الناصر عن معلوماته هو عن هذا النشاط – باعتبار أن هناك علاقة شخصية بين عبد الناصر وبينه تسمح بأن يسأله مثل هذا السؤال خارج الإطار الرسمى ، فنفى حسن عشماوى علمه بأى شىء عن هذا النشاط السرى العسكرى .

واستمر النشاط ، بل اتسع أيضا فى مجال طلبة الجامعات فى جامعتى القاهرة والإسكندرية، وفى يوم ذكرى الشهداء أقيم احتفال فى جامعة القاهرة، وبرز بشكل واضح نشاط الجماعة بقيادة حسن دوح، وكان المسئول عن التنظيمات الشبابية والنشاط الجامعى عبد الحكيم عابدين ، صهر حسن البنا والسكرتير العام للإخوان المسلمين، واستمر التبليغ عنه من الأجهزة المعنية فى المباحث العامة والقسم الخاص بالمخابرات العامة ، وقد حضرت مع زغلول كامل مدير مكتب رئيس المخابرات العامة ورئيس الخدمة السرية فيما بعد وآخرين ، بعض لقاءات ضباط الجيش والبوليس، و كان أغلبها يتم فى منزل أحد ضباط البوليس ( كمال صقر ) فى مصر الجديدة، وتم الإبلاغ عن تفاصيل ما كان يدور فى هذه اللقاءات وأسماء المشاركين، ومحاولات تجنيد بعض الحضور ممن يظهر منهم تجاوب مع ما كان يدعون إليه، وكانت العملية تبدأ بالدعوة للصلاة جماعة ثم تتدرج المناقشات إلى الدخول فى الأوضاع العامة وهكذا إلى أن يتم نوع من أنواع غسيل المخ ثم التجنيد لصالح ما يريدون تنفيذه من أنشطة 0 واستدعى الرئيس عبد الناصر حسن عشماوى للمرة الثانية وسأله ماذا فعل ؟ وهل أبلغ المرشد العام ؟ وماذا كان رد المرشد ؟ فرد بأنه أبلغ الدكتور خميس حميدة نائب المرشد العام .
يتبع



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:22


محاولة الاغتيال :

وتطور هذا النشاط بعد ذلك إلى قيام مظاهرات يناير1954 بجامعة القاهرة ، وحدث احتكاك بين الطلبة والبوليس ، وكانت المفاجأة أن ظهرت فى هذه المظاهرات كرابيج وسلاسل حديدية وعصى ، وتبادل إطلاق النار وتم اعتقال حوالى خمسمائة شخص . وكان الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية يزور مصر فى ذلك الوقت وتوسط لدى مجلس قيادة الثورة ، ولدى الرئيس جمال عبد الناصر للإفراج عن المعتقلين ، وتم بالفعل الإفراج عنهم فى مقابل تعهدهم بعدم القيام بأى نشاط سياسى وسط الطلاب والجامعات ، ولكنهم بعد الإفراج عنهم لم يلتزموا بشرط الإفراج ، بل أصدروا منشورا هاجموا فيه الرئيس جمال عبد الناصر مدعين أنه يعمل لحساب نورى السعيد رئيس وزراء العراق فى ذلك الوقت وزاهدى فى إيران ، وطالبوا بالتخلص من جمال ونورى وزاهدى – وتم بعد ذلك توقيع اتفاقية الجلاء – ولقد رصدت أجهزة الأمن فى هذه الفترة اختفاء حسن الهضيبى المرشد العام للإخوان المسلمين من القاهرة من بداية شهر أكتوبر 1954 ، وتمت محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية ، وقبض على محمود عبد اللطيف الذى كان قد كلف بعملية الاغتيال، وشكلت محكمة لمحاكمة الإخوان المسلمين المتهمين فى عملية الاغتيال ، وثبت من خلال التحقيقات والاعترافات فى محاكمة العناصر الرئيسية لجماعة الإخوان المسلمين العناصر الرئيسية التالية وسأتناولها باختصار:
أولا : كان هناك جهازا سريا مهمته القيام بعمليات اغتيالات سياسية .
ثانيا : كانت هناك مخازن للأسلحة والمتفجرات .
ثالثا : كان هناك تمويل من الخارج .
رابعا : اعترف محمود عبد اللطيف المتهم الأول والذى قام بإطلاق الرصاص على الرئيس عبد الناصر ، كتابة بأن هنداوى دوير المحامى سلمه الطبنجة التى استخدمت فى محاولة اغتيال جمال عبد الناصر بميدان المنشية بالإسكندرية ، وتم التسليم فى مكتب عبد القادر عودة وبعلمه ، وكان المفروض أن تنفذ عملية اغتيال عبد الناصر فى ميدان الجمهورية بالقاهرة ، ثم استبدلت الخطة لتتم عملية الاغتيال فى ميدان المنشية بالإسكندرية .
واعترف محمود عبد اللطيف كتابة وبخط يده بأن هنداوى دوير قال له فى بيعة خاصة ما يلى : " إن الله يحب أن يرى هذا الدم الساخن فى سبيل الله " .
خامسا : أن هنداوى دوير سلم نفسه للسلطات واعترف بمحض إرادته ومن تلقاء نفسه بالآتى:
1- أن التعليمات التى تلقاها باغتيال جمال عبد الناصر مكتوبة وأن عليه تكليف محمود عبد اللطيف بتنفيذ هذه العملية.
2- أنه سلم محمود عبد اللطيف الطبنجة التى نفذت بها محاولة الاغتيال بحضور عبد القادر عودة فى مكتبه.
3- أن التعليمات المكتوبة كانت تقضى أيضا باغتيال أعضاء مجلس قيادة الثورة فيما عدا محمد نجيب ، على أن تنفذ باقى الاغتيالات بعد اغتيال جمال عبد الناصر.
4- التعليمات المكتوبة تتضمن أيضا التخلص من أكثر من مائة وخمسين ضابطا إما بالاغتيال أو بالخطف من منازلهم.
5- بعد تنفيذ الاغتيالات والخطف تقوم جماعات من الإخوان المسلمين بالسيطرة على مرافق الدولة.
6- يعقب ذلك تشكيل مجلس يتولى إدارة شئون البلاد – بديلا لمجلس الثورة – من بين أعضائه عبد الرحمن عزام باشا ومحمد العشماوى باشا – والد حسن العشماوى .

كان هناك تكليف آخر مشابه لتكليف محمود عبد اللطيف ، وقد عهد به إلى محمد نصيرى الطالب بكلية الحقوق لاغتيال جمال عبد الناصر فى أى وقت أو أى مكان يراه هو مناسبا .
سادسا : تقوم جماعات منتقاه من الجهاز السرى للجماعة بنسف وتدمير منشآت إستراتيجية فى القاهرة والإسكندرية وبعض المحافظات فى نفس الوقت .
سابعا : وضعت خطة بديلة فى حالة فشل اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر بإطلاق النار عليه ، حيث يكلف أحد الإخوان المسلمين بالقيام بعملية انتحارية؛ وذلك بارتداء حزام ناسف من المتفجرات، ويندس بين المواطنين إما فى مجلس قيادة الثورة أو فى مجلس الوزراء ويقوم الشخص المكلف باحتضان الرئيس جمال عبد الناصر فينفجر فيهما الحزام الناسف، ولقد تمت تجربة الحزام الناسف هذا فى أحد أعضاء الجهاز السرى للإخوان المسلمين سنة1953 وهو المهندس فايز عبد اللطيف ، وأعضاء الجهاز السرى يعرفون تفاصيل هذه العملية وأسبابها.
ثامنا : دبّر أبوالمكارم عبدالحى - وكان ضابطا فى الجيش وأحد المسئولين عن الجهاز السرى للإخوان المسلمين فى الجيش – مؤامرة لنسف الطائرة التى قد يستقلها الرئيس جمال عبد الناصر فى تنقلاته .
تاسعا : أعيد تنظيم الجهاز السرى للإخوان المسلمين سنة1953 ، وتولى قيادته يوسف طلعت الذى كان له الفضل الأكبر فى انتخاب حسن الهضيبى مرشدا عاما للإخوان المسلمين ، كما كان أحد المدبرين الرئيسيين لعملية اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية .
وكان ثابتا لدينا فى هذه الفترة أن المسئولية بالنسبة للجهاز السرى للإخوان المسلمين تقع على عاتق لجنة الإشراف المكونة من :
( يوسف طلعت – إبراهيم الطيب ، مسئول القاهرة – أحمد حسن ، مسئول الأقاليم - صلاح شادى ، مسئول البوليس – أبو المكارم عبدالحى ، مسئول الجيش – وشكلت لجنة عليا للجهاز تمثل سلطته العليا من كل من :
الشيخ سيد سابق – الدكتور محمد خميس حميدة – محمود الصباغ – الشيخ محمد فرغلى – أحمد زكى ) .

أعود بالأحداث للفترة التى أعقبت محاولة الاغتيال ، فقد سارعت قيادات الإخوان المسلمين إلى محاولة تبرئة نفسها فى أعقاب محاولة الاغتيال، وتصوير الحادث على أنه تصرف فردى قام به أحد عناصر الإخوان المسلمين دون أن يكون لمكتب الإرشاد أو لهذه القيادات أى دور فى تدبيره .

وكان أن قام حسن الهضيبى المرشد العام للجماعة وقتها بإرسال خطاب إلى الرئيس جمال عبد الناصر يسعى فيه إلى استرضائه ، ويستنكر الحادث ويطالب بتجاوزه ، ونفى التورط فى تدبيره ، وكان نص الخطاب كما يلى:
" السيد جمال عبد الناصر رئيس مجلس الوزراء .
السلام عليكم ورحمة الله . . أحمد الله إليكم ، الله تعالى ( كذلك فى النص )، وأصلى وأسلم على رسوله الكريم .
وبعد - فقد وجدت نفسى أثناء قدومى من الإسكندرية أمس محوطا بمظاهر توحى بأن الحكومة تتوقع قيام الإخوان المسلمين بحركة ، ربما كانت لأخذى عنوة ، ولو أن الحكومة أعلنت رغبتها فى مجيئى لبادرت والله بالمجىء أسعى إليها من تلقاء نفسى دون أن يحرسنى حارس .
على أن هذه المظاهر قد أورثتنى حسرة وجعلتنى أتمنى لو وهبت البلد حياتى فى سبيل جمع الكلمة وصفاء النفوس 0 فأحببت أن أبادر بالكتابة إليك أرجو أن يتسع صدرك للقائى بضع دقائق أشير عليك فيها بما يحقق أمانيك ، وأمانىّ ، وأنا أعلم أنك قد تكون راغبا عن هذا اللقاء، ولذا تركت أمر تدبير الجماعة من نحو خمسة أشهر إلى غيرى ، فلم يصلوا معك إلى شىء ، وأريد الوصول إلى شىء حتى تتجه البلد كلها اتجاها واحدا ، ثم لا يجدنى أحد فى مكانى الذى أنا فيه من الإخوان .
وأبادر فأقول لك : إن ما سمى اختفاء قد أدهشنى . . . وأن ينسب إلىّ تدبير جرائم ، فهذا كان مفاجأة لى ، وأقسم بالله العظيم وكتابه الكريم أنى ما علمت بوقوع جريمة الاعتداء عليك إلا فى الساعة التاسعة من صباح اليوم التالى ، ولا كان لى بها علم، وقد وقعت من نفسى موقع الصاعقة؛ لأننى ممن يعتقدون أن الاغتيالات يؤخر حركة الإخوان، ويؤخر الإسلام والمسلمين ويؤخر مصر ، وقد كنا بحثنا هذه المسألة "الاغتيالات " فى الجماعة منذ زمن بعيد وأستقر رأينا على ذلك ، وأخذنا نوجه الشباب إلى هذه الحقيقة ، حتى لقد مضى على وجودى بينهم ثلاث سنوات لم يقع فيها شىء من العنف، ولست أجد سببا لذلك بنعمة الله ، ولا اختلفنا على كثير وإنما حسم الخلاف أنه لم يسمح لى بإدلاء رأيى .
فأما المعاهدة فأنى كنت أخبرتكم أن الإخوان لا يوافقون على معاهدات وأعداؤهم فى داخل البلاد، ولكنهم يصرحون أن هذه المعاهدات قد قربت من أمانيهم قربا كبيرا ، ونلح فى استكمال الباقى حتى لا يطمع الإنجليز فينا ، وهذا هو محصل رأيك أنت فى المسألة .
وأما مسألة الحملة التى شنها عليك الإخوان فى سوريا فإنى لا أعلم بها ولا بتفاصيلها، فإن عبد الحكيم عابدين ( عضو مكتب الإرشاد ) ودعنا فى المطار يوم 3يونيو ولم أره إلى الآن ، ولم يكن بينى وبينه أى نوع من الاتصال ، وحين عدت بعد عيد الأضحى وجدته ذهب لأداء فريضة الحج، ومن هناك إلى دمشق ، ويجب أن نتحقق عما إذا كان قد اشترك فى هذه الحملة وحضر اجتماعاتها ، وقد بلغنى أنه رماك بأنك قابلت رجلا من إسرائيل فى أثناء سياحتك فى البحر . . وهذه على وجه الخصوص إذا كان قالها فإن أحدا لا يقره عليها بل يستنكره كل الاستنكار ، وفوق ذلك فإنها واقعة قول عبد الحكيم عابدين بذلك ، حصلت أيام اعتكافى .
وأما هذا الاعتكاف فقد أشار علىّ به بعض الإخوان لسبب ما ، ولقد كنت أخبرت الإخوان بأن أضع استقالتى تحت تصرفهم إذا وجدوا فى وجودى ما يعطل الاتفاق بينهم وبين الحكومة ، و أكدت ذلك لهم بخطاب أرسلته لهم من هناك ، تركت لهم التصرف فى شئونهم من تلقاء أنفسهم.
هذا وقد يكون فى المشافهة خير كثير – إن شاء الله – وقد يكون فى نفسك أشياء تحب أن تسجلها .
ولا أنكر التحقيق الذى يجرى ، فإنى متحمل كل ما يمس شخصى ، وسأدفعه بإذن الله بما يريح نفسك إلى الحق الذى هو بغية الجميع ، هذا وأسأل الله تعالى ، أن يوفقكم ويوفق البلاد كلها للخير والحرص على الوئام ، والسلام عليكم ورحمة الله
المخلص حسن الهضيبى"

أما خطاب عبد القادر عودة فلم يكتفى بنفس الخطوط التى تضمنها خطاب الهضيبى، بل زاد عليه بإعلان مبادرة شاملة لتسوية الموقف بين الإخوان المسلمين والثورة، كما انطوى على اعتراف صريح بوجود تنظيم عسكرى فى صفوف الإخوان المسلمين، وهو ما ظلت قيادة الإخوان تنفيه لسنوات عديدة قبل ذلك . . وكان نص خطابه :
" الأخ الكريم جمال عبد الناصر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد .

فأهنئك وأهنئ نفسى بنجاتك من تلك المحاولة الآثمة، وهنيئا لك رعاية الله التى تظللك وتحوطك وإنها لخير ما يهنأ به الإنسان . . ولقد سمعت أن الشخص الذى حاول الاعتداء عليك يتمرن فى مكتبى، فإن صح هذا فأرجو ألا تكون نسيت آرائى ، وكل ما أستطيع أن أقوله لك مخلصا أنى لا أعلم شيئا عن هذه الجريمة، ولست أرضاها لأى إنسان ولا من أى إنسان ، وإذا ثبت يا أخى أن لى أى صلة بهذا الموضوع فأنا أحل لك دمى .

ولقد استطعت يا أخى بما منحك الله من حكمة وسعة أفق أن تضع حدا لعداء دام بيننا وبين الإنجليز أكثر من سبعين عاما ، وأن تمهد لجو من المودة، وأنه لأولى بك بعد ذلك أن تضع حدا للخصومة القائمة بين الإخوان ورجال الجيش ، وهى بنت عام واحد ، تلك الخصومات التى تأكل مستقبل هذا البلد الذى وضع الله بين يديك مصائره ، وإن فيك من سعة الصدر وسعة الأفق والتسامح ما يجعلك قادرا على أن تهيئ جو مودة وتعاون بين رجال هذا البلد وهيئاته وبين الحاكمين والمحكومين ، ولقد رأيتك فعلا تشرع فى هذا ، فتمد يدك إلى الجميع ، ولكنى أحب أن أطمئن إلى أن حادث الإسكندرية لن يكون عقبة فى سبيل ما وعدت ، وأحب أن تثابر على هذه الدعوة وترصد لها من وقتك وجهدك ما يتفق مع جلالها وما ينتظر من خيرها .
وإنى أحب أن تعلم أن هذا الحادث الأليم قد حفزنى إلى أن أعمل على إنهاء النزاع القائم بين الإخوان وبينكم حفظا للمصلحة العامة ، وضنا بالجهود أن تصرف فيما يعود على البلد بالضرر، وإنى أقترح فى هذا السبيل من الحلول ما يذهب بالشكوك ويطمئن النفوس ويعيد الثقة ، وإذا عادت الثقة فقد انتهى كل شىء ، وانطوى الماضى بما فيه فى طى النسيان .
وقد ترى فى اقتراحى نقصا أو قصورا ، وأرجو ألا يمنعك ذلك من أن تنبهنى إلى النقص والقصور ، فإنى والله لن أقف فى وجه طلب معقول .

أما اقتراحاتى فقد بنيتها على ما أعلم من آرائك فى مقابلاتنا السابقة ، وما كنت أحس أنه أساس النزاع ومثار الشكوك والظنون ، ولا زلت أذكر اقتراحاتك بحل تشكيلات الإخوان فى الجيش والبوليس وتشكيلة النظام الخاص ، ولعل مشكلة الجيش والبوليس قد انتهت ، ولذلك فلن أعمل لها حسابا فى اقتراحاتى على أن هذا لا يمنع معالجة ذيولها – إن كان لها ذيول – معالجة تريحك ، وتشعر بأننا مخلصون فيما نقول وفيما نفعل .


وعلى هذا الأساس أقترح ما يأتى :
أولا : نقدم من ناحيتنا :
أ- يحل النظام الخاص ويسلم ما قد يكون لديه من أسلحة وذخائر فى مدة تتراوح بين عشرة أيام أو أسبوعين من بدء اليوم الذى توافقون فيه على هذه المقترحات .
ب- تبتعد الجماعة عن السياسة المحلية ، وتصرف همها إلى الدعوة الإسلامية والتربية – على الأقل – حتى تنتهى فترة الانتقال ، ويكفى الجماعة الاشتغال بالسياسة الإسلامية العامة 000 على أن يتم تنظيم الجماعة على هذا الأساس فى ظرف أسبوعين أيضا .
ج- تعمل الجماعة على وقف حملات الإخوان فى الخارج فى ظرف أسبوعين ولو اقتضى الأمر إرسال مندوبين للخارج لتنفيذ هذا التعهد .
ثانيا : نرجو أن تقوموا من ناحيتكم بما يأتى :
أ- إصدار قانون بوقف عمل قانون الأسلحة والذخائر لمدة أسبوعين ، ليمكن تسليم ما قد يكون موجودا من الأسلحة والذخائر دون خشية المحاكمة . . ولذلك سوابق كثيرة .
ب- إطلاق سراح جميع الإخوان المعتقلين بمجرد تنفيذ التعهد الأول ، ثم النظر بعد ذلك فى محو آثار الماضى . . . حتى نفتح عهدا جديدا خاليا من الشوائب .
ج- السماح لى بأن أجتمع بالإخوان الموجودين فى السجن الحربى وسجن القلعة لأخذ موافقتهم على هذه المقترحات ، والسماح بعقد اجتماعات فى الخارج للموافقة على هذه المقترحات وتنفيذها ثم الموافقة من ناحيتكم على وقف حركة القبض والإعتقالات بتاتا لمدة تنفيذ الاتفاق – وهى أسبوعان – حتى يساعد ذلك على التنفيذ.
هذه هى الاقتراحات الرئيسية من وجهة نظرى ، وأحب أن أعرف وجهة نظركم إن كانت مخالفة، فإن كانت موافقة فأرجو أن تتفضلوا بإخبارى .
ونستطيع بعد أن ننظر فى كل ما يوطد العلاقة بين الطرفين ويعيد الصداقة القديمة والله أسأل أن يوفقك إلى الخير وأن يهدينا جميعا سواء السبيل .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
28/10/1954
عبد القادر عودة"

وبدأت التحقيقات في القضية...

استمع احمد راضي رئيس النيابة إلى أقوال شهود الإثبات وهم اليوزباشي محمد جمال النادي وعبد الحميد محمد حبيب حرب العامل بمديرية التحرير وخميس محمد الشيخ الموظف بالموانئ وعبد السلام الشاذلي الجندي بحكمدارية مطافئ الإسكندرية والأومباشي محمد حسنين واحمد عبدالله.

وقال اليوزباشي محمد جمال النادي أنه شاهد محمود عبد اللطيف يصوب المسدس نحو الشرفة التي كان يقف بها الرئيس.. ولم يكن قد أطلق الرصاص بعد.
وقال الشاهد الثاني أنه احتضنه بطريقة لا شعورية وحاول منعه من الضرب، وبعد أن أطلق عدة رصاصات ضربه محمود عبد اللطيف بقبضة المسدس وبعد ذلك أطلق عدة أعيرة.

وفي القاهرة.. بدأ عطية إسماعيل المحامي العام ومصطفى الهلباوي رئيس نيابة أمن الدولة وفخري عبد النبي وكيل أول نيابة أمن الدولة التحقيق تحت إشراف حافظ سابق النائب العام.
كان الحادث قد أشعل النار في جماعة الإخوان، وكانت التحقيقات تجرى حتى ساعة متأخرة من الليل، وكان الكل متلهفا على كشف أسرار محاولة الاغتيال الفاشلة.
وكانت كل أصابع الاتهام تشير إلى الإخوان، وفي صباح يوم الجمعة 29 أكتوبر 1954 صدرت صحيفة "الأخبار" وهي تقول في المانشيت الرئيسي "اعترافات الجاني"..
أما بقية العناوين فكانت:
"حاولت اغتيال جمال عبد الناصر في مؤتمر الموظفين وفشلت!"
"الإخوان قدموا لي المسدس والطلقات!"
"وقالوا: اقتل عبد الناصر !"
وقالت "الأخبار" : "اعترف الجاني محمود عبد اللطيف بأن الإخوان هم الذي أصدروا إليه الأمر بقتل الرئيس جمال عبد الناصر، وأنهم دربوه ستة أسابيع على إطلاق الرصاص، وأنه أجاد إصابة الهدف على مسافات طويلة، وبعد نجاحه في التدريب صدر إليه الأمر "اقتل جمال عبد الناصر" .. حاول الجاني أن يقتل الرئيس جمال عبد الناصر يوم الخميس 21 أكتوبر في احتفال الموظفين في ميدان الجمهورية.. ذهب الجاني إلى الاحتفال، وهو يحمل المسدس لكنه لم يستطيع ارتكاب الجريمة فانصرف ليستعد لقتل الرئيس في مكان آخر" .

واعترف محمود عبد اللطيف بأنه عضو في خلية بالإخوان، وأن الخلية قدمت له المسدس والطلقات، وأن الخلية دفعت له جنيهين ليسافر إلى الإسكندرية. واعترف بأن الرصاصة الأولى انطلقت على بعد 3 مليمترات من الرئيس جمال عبد الناصر، وأن عاملا أمسك به فاهتزت بقية الرصاصات وطاشت فاختل التصويب.
وفي نفس اليوم.. كشفت الصحف أن عمليات القبض على الإخوان قد بدأت على نطاق واسع وفي كافة أنحاء أقاليم مصر.
وصدرت الصحف في نفس اليوم وهي تحمل عنوانا مثيرا يقول: "ضبط مدافع ومفرقعات عند الإخوان".
وقالت الصحف: توصل البوليس إلى مخبأ سري للإخوان في بورسعيد.. المخبأ داخل حائط في متجر موبيليات، صاحب المتجر من الإخوان.. فتح البوليس المخبأ السري، وضبط عددا من القنابل شديدة الانفجار، وعددا آخر من القنابل الحارقة، وكمية من رصاص المسدسات، وأسلحة نارية أوتوماتيكية، وأسلحة بيضاء وقطع غيار لكل الأسلحة.
وضع الإخوان في المخبأ أيضا محطة إرسال لاسلكية.. المخبأ يحتوي أيضا على درج خفي خشبي مليء بمنشورات طبعها الإخوان لترويج الإشاعات وبلبلة الأفكار، وقد تولت النيابة التحقيق.

وفي نفس اليوم كشفت الصحف أيضا عن ضبط بعض أوكار التنظيم السري للإخوان في القاهرة، وقالت: " وضع بوليس محافظة مصر يده أمس على أخطر خطة دبرها الجهاز السري لتنظيم الإخوان.. فقد ضبط لدى أفراد هذا الجهاز خرائط وخططا تبين ما يلزمه الفاعلون في حالتي النجاح أو الفشل. كما عثر على صندوق ضخم مليء بالأسلحة، وقنابل لم يتحمل المهندس الذي عاينها مسؤولية نقلها نظرا لخطورتها الشديدة".
وعثر البوليس على كتب خطية في فن التكتيك والهجوم على البلاد، وقوائم كاملة بأسماء الضباط المراد القبض عليهم، وأرسل طالب بالزقازيق إلى أحد أفراد الجهاز يخبره باستعداده للهجوم.
ولما سيق المتهمون إلى النيابة ووجدوا أنفسهم في مواجهة بعضهم البعض اعترفوا بما لديهم، وكان القائم مقام صديق فريد مأمور الضبط بحكمدارية بوليس القاهرة قد تلقى تقريرا من اليوزباشية عبد الفتاح رياض وحمدي الشقنقيري وفتحي الغمري جاء فيه أن بعض أفراد الجهاز السري لجماعة الإخوان التي تهدف إلى قلب نظام الحكم الحاضر بواسطة استعمال وسائل العنف يخفون في منازلهم بدائرة حلوان قنابل محرقة وأسلحة ومنشورات.
وبعد أن ناقش المأمور الضباط الثلاثة في تقريرهم رفعه إلى اللواء عبد العزيز علي حكمدار البوليس الذي كلفه بالقيام بحملة على منازل أفراد هذه الجماعة ومخابئهم. وفي الساعة الثالثة من صباح أمس قام مأمور الضبط ومعه الضباط الثلاثة على رأس قوة كبيرة من البوليس، وحاصروا العزبة البحرية والغربية والقبلية بقسم حلوان.

وعثروا في غرفة أحدهم على 30 قنبلة محرقة ومسدس وكتب في التكتيك الحربي وأخرى في تركيب القنابل، وضبطوا لدى آخر بندقية وطلقات ومنشورات ولدى شخصين آخرين منشورات وخرائط عن المواقع الحربية المهمة بحلوان.

كما ضبط البوليس قوائم بأسماء الضباط والشخصيات التي سيقبضون عليها في حال نجاح خطتهم. وخرائط أخرى تبين طريق هروبهم إلى الجبل بالصحراء الشرقية في حال فشلهم، وعثروا على خطاب من طالب يقول "نفذنا التعليمات ونحن على أتم الاستعداد".
وقد اعترف جميع المتهمين بانضمامهم إلى جماعة الإخوان وبملكيتهم للمضبوطات وأمر المحقق بإيداعهم السجن.

فتح حادث المنشية وإطلاق الرصاص على الرئيس جمال عبد الناصر النار على الإخوان في كل مكان من مصر، وبدأ الإخوان يتساقطون في كل مكان.

وفي فجر يوم السبت 30 أكتوبر 1954 داهم القائم مقام يوسف القناص رئيس مباحث القاهرة والبكباشي حسن طلعت بيت أحد أفراد الإخوان في إمبابة، وضبطا لديه لغما خطيرا ضد الأفراد وحزاما من الدمور بداخله 10 أصابع "جلجانيت" صالح للاستعمال ومهيأ للانفجار من خلال دائرة كهربائية، كما عثرا لديه على ملابس عسكرية وجرابندات لحمل الذخيرة!

وفي مؤتمر صحافي وقف الصاغ صلاح سالم ليذيع بعض اعترافات المتهمين في حادث إطلاق الرصاص على الرئيس جمال عبد الناصر.

وقالت الصحف: إن الصاغ صلاح سالم صرح بأن الأمر بقتل جمال عبد الناصر صدر من رئاسة التنظيم السري للإخوان، وأنه كان إشارة أولية لتنفيذ مؤامرة دموية تبدأ بقتل جميع أعضاء مجلس الثورة ما عدا محمد نجيب، والتخلص من 160 ضابطا بالقتل أو الخطف.
وقال صلاح سالم: "إن الإخوان كانوا يدبرون لحركة شعبية تعقب هذه الاغتيالات، ثم يقومون بتكليف محمد عشماوي وزير المعارف الأسبق وعبد الرحمن عزام الأمين العام السابق للجامعة العربية ليحلا محل مجلس قيادة الثورة".
وأضاف صلاح سالم: "إن محمود عبد اللطيف اعترف بأنه تلقى الأمر بالقتل من هنداوي دوير المحامي الذي يعمل بمكتب عبد القادر عودة عضو مكتب الإرشاد للإخوان، وأن هنداوي اعترف بأن هذه هي أوامر التنظيم السري، وأنه خشي عدم تنفيذها، واعترف بأنه سلم محمود عبد اللطيف طبنجة ورصاصا ليقتل الرئيس جمال عبد الناصر، وأن الطبنجة كانت صغيرة فلم يستطع محمود عبد اللطيف استخدامها في قتل الرئيس جمال عبد الناصر في مؤتمر الموظفين فسلمه طبنجة اكبر ليقتله في الإسكندرية.

وكشف صلاح سالم انه كان هناك شخص آخر مكلف بقتل جمال عبد الناصر
فقال: أنه صدر أمر ثان لقتل الرئيس جمال عبد الناصر إلى محمد نصيري الطالب بالحقوق وأن البوليس قبض عليه بعد اعتراف هنداوي، وأن هذا الطالب اعترف. أما قيادة التنظيم السري للإخوان فهي تتكون من البكباشي عبد المنعم عبد الرؤوف ضابط الجيش بالمعاش والصاغ صلاح شادي ضابط البوليس بالمعاش، وأن هنداوي دوير المحامي كان ينفذ أوامر التنظيم السري في منطقته وهي إمبابة، وأنه جمع الأسلحة الخاصة بمنطقة إمبابة وأودعها لدى عبد الحميد البنا الذي يقطن بوراق العرب؛ ومنها مدفعان و15 قنبلة و60 قالب نسف وتوصيلات كهربائية للنسف.
وأضاف صلاح سالم في المؤتمر الصحافي الذي عقده برئاسة الوزراء: "عقب القبض على الجاني محمود عبد اللطيف اعترف انه تلقى تعليمات من الأستاذ هنداوي دوير المحامي الذي يعمل بمكتبه الأستاذ عبد القادر عودة عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين لاغتيال الرئيس جمال عبد الناصر وقد استلم محمود عبد اللطيف من هنداوي دوير طبنجة ورصاصات وترك له حرية اختيار الزمان والمكان للقيام بالاغتيال. وقد اعترف محمود عبد اللطيف بأنه حاول اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في مؤتمر الموظفين في ميدان الجمهورية لكن الطبنجة كانت صغيرة والمسافة بينه وبين الرئيس كانت بعيدة فأجل العملية إلى مناسبة أخرى.
وفي مساء الاثنين الماضي في الليلة السابقة للحادث ذهب محمود عبد اللطيف إلى هنداوي دوير واستلم منه طبنجة اكبر وأقوى وأخبره بأنه سيسافر إلى الاسكندرية لتنفيذ المأمورية في الاحتفال الذي سيعقد في ميدان المنشية.
وبعد أن اعترف محمود عبد اللطيف بكل ذلك، صدرت أوامر للبوليس بالقبض على المحامي هنداوي دوير.
وداهم البوليس منزله صباح يوم الأربعاء لكنهم لم يجدوه في المنزل، وتبين أنه غادر المنزل مع عائلته قبل حضور البوليس.
لكن في الساعة الثانية من ظهر نفس اليوم سلم هنداوي دوير نفسه إلى مأمور بندر شرطة إمبابة وقال له انه يطلب مقابلة المسؤولين للإدلاء بما عنده من أمور خطيرة ليرضي ضميره.
وقال هنداوي دوير للمحققين انه عندما سمع من الإذاعة بخبر الاعتداء على الرئيس جمال عبد الناصر ذهب إلى منزله في إمبابه وأخذ زوجته إلى عائلتها في المنيا وعاد إلى القاهرة في اليوم التالي حيث سلم نفسه للشرطة
وفي التحقيقات مع هنداوي بدأت تتكشف أسرار خطيرة فقد اعترف بكل شيء، وأصبح الإخوان يواجهون أصعب موقف في تاريخهم؛ خاصة أنه في نفس اليوم تم القبض على مرشدهم العام الأستاذ حسن الهضيبي!

في تلك الأيام كانت دار "أخبار اليوم" الصحافية مليئة بالعشرات من نجوم الصحافة والكتابة في مصر، وكانت حادثة المنشية وإطلاق الرصاص على الرئيس جمال عبد الناصر مناسبة لهذه الأسماء اللامعة في بلاط صاحبة الجلالة لكي ترصد الحدث وتسجل تفاصيله المثيرة.

وصباح يوم 30 أكتوبر 1954 صدرت جريدة “أخبار اليوم” الأسبوعية بمانشيت رئيسي يقول " الجاني يتكلم". أما قصة المانشيت فقد كتبها على الصفحة الأولى الكاتب الصحافي الشهير محمد حسنين هيكل، وكان في هذه الفترة أحد نجوم "أخبار اليوم".

استطاع محمد حسنين هيكل أن يدخل إلى زنزانة الجاني في السجن الحربي ويمكث معه ساعتين كاملتين، وروى الجاني لماذا أطلق الرصاص على “جمال عبد الناصر؟ وماذا كان شعوره وهو يسمعه يتكلم. وماذا شعر بعد أن نجا جمال عبد الناصر، من هم الذين حرضوه؟
ماذا قالوا له عن جمال؟ كيف يبدو المجرم؟ كيف يفكر؟ هل ندم على جريمته أم لا يزال مصرا عليها؟ هل أراد أن يقتل جمال؟ ما هو شعوره عندما رأى الشعب يستنكر جريمته؟
إن محمد حسنين هيكل يأخذك معه إلى الزنزانة لترى الجاني وتسمع حديثه!

هكذا قدمت "أخبار اليوم" للحديث الذي أجراه هيكل مع محمود عبد اللطيف الذي حاول قتل الرئيس جمال عبد الناصر. فماذا كتب هيكل في هذا الحديث؟
قال هيكل:
" قابلت محمود عبد اللطيف الذي وجه إلى الرئيس جمال عبد الناصر ثماني رصاصات في ميدان المنشية.. قابلته على ضوء الشموع؛ لأن أسلاك الكهرباء في سجن البوليس الحربي كانت قد أصيبت بخلل وساد الظلام! بدا وجهه على ضوء الشموع غريبا عجيبا..
أثار في نفسي مجموعة من الانفعالات لا أظن أنني شعرت بها من قبل.. كان شعر رأسه هائشا، ولم يكن ذقنه حليقا، وكانت في عينيه نظرة زائغة ضائعة، وكان لا يزال يرتدي نفس الملابس التي ارتكب بها جريمته! قميص أزرق مخطط بخطوط بيضاء، وقد شمر أكمام القميص.. وبنطلون ازرق اللون، وكانت يداه مقيدتين بالحديد خلف ظهره، وجلس على مقعد،. وبدأ يتخذ الوضع الذي يريحه ويداه إلى الوراء، وتحركت يداه ولمحت أصابعه وتأملتها على ضوء الشموع المرتعشة.
كانت هناك ظلال مقبضة على هذه الأصابع، لمحت آثار ندب قديم..
قلت له: ما هذا؟ قال: كنت أتدرب على ضرب المسدسات فانطلقت رصاصة خاطئة. لم تخرج من الفوهة بل خرجت من الوراء، وأصابت شظاياها أصابعي.
وكان وهو يتكلم قد ترك أصابعه تأخذ وضع الذي يمسك بمسدس ويصوبه، وأحسست بشعور مقبض.. لقد وقفت وجها لوجه أمام قتلة كثيرين، ولكني لم اشعر نحو قاتل منهم بالشعور الذي أحسست به وأنا أتأمل وجه محمود عبد اللطيف على ضوء الشموع.
شيء غريب لفت نظري فيه! لقد أحسست أني استمع إلى اسطوانة معبأة تكرر الذي ألقي إليها حرفا بحرف، ولست أريد أن أتعرض لتفاصيل التحقيق.. فإن الحظر الذي فرضته النيابة موضع احترامي".
هكذا قدم محمد حسنين هيكل لحديثة مع الرجل الذي حاول اغتيال جمال عبد الناصر ثم دخل مباشرة في تفاصيل الحديث.
هيكل : لماذا أطلقت الرصاص على جمال عبد الناصر؟
المتهم : مضى في صوت كأنه الفحيح يردد مجموعة مثيرة من المعلومات.. "إذا حصلت حرب في كوريا الجنوبية - هكذا بالحرف الواحد فسوف يعود الإنجليز إلى احتلال مصر من الإسكندرية إلى أسوان".
هيكل : في أي مادة من اتفاقية الجلاء قرأت هذا؟
المتهم بنفس الصوت الذي يشبه الفحيح: في الاتفاقية.. قرأناها معا ودرسناها.
ومضى يتحدث عن الرجل الذي شرح له الاتفاقية.. لم يكن يتحدث عنه وإنما كان يردد كلماته، كان يقول كلاما لا يمكن أن يكون من عنده أو من وحي أفكاره، كان ببغاء من نوع يثير الأعصاب.
هيكل : انت بتشتغل ايه؟
المتهم : اصلح وابورات الجاز!
هيكل : هل تذكر آخر وابور جاز أصلحته؟
المتهم : نعم قبل الحادث بيومين.. كان الوابور ملك أحد الجيران اسمه محمد سليمان ويعمل نقاشا. وكان قد أعطاني الوابور لإصلاحه فتركته للصبي، ولكن الصبي لم يحسن إصلاحه فأعاده صاحبه لأصلحه من جديد.
هيكل : وبينما أن تصلح وابور الجاز كنت تدرس اتفاقية الجلاء؟
عاد المتهم يقول بنفس الصوت.. بنفس الفحيح: كنا ندرسها معا، ولم تكن معلوماته عن اتفاقية الجلاء هي وحدها صلته بالببغاوات بل إن معلوماته عن السلاح كانت هي أيضا من نفس النوع! سمعته يتحدث عن الضرب بالطبنجة، وأستطيع أن أؤكد من الطريقة التي سمعته يقول بها كلماته أنها عبارات محفوظة.
هيكل : أين كنت تتدرب على استخدام السلاح؟.
المتهم: في المركز العام للإخوان المسلمين.
هيكل : هل تطيع أي أمر يصدره لك الهضيبي؟
المتهم : في حدود..هو مؤسس الدعوة.
هيكل : وهل الدعوة تبيح القتل وترضى عنه؟
المتهم: سكت ولم يرد.
هيكل: هل القرآن يبيح القتل؟
المتهم: لا يبيحه إباحة صريحة.
هيكل : لماذا كنت تريد أن تقتل جمال عبد الناصر؟.. كنت تتدرب على إطلاق الرصاص منذ أربعة شهور.. والاتفاقية وقعت منذ أسبوع.
المتهم: كنا نظن أنها لن توقع.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:25



وبمهارته الصحافية وموهبته المميزة يستدرج هيكل الجاني إلى نوع من الأسئلة الذكية التي لا يجيدها سوى الصحافي الموهوب.
هيكل: هل عرفت ماذا صنع جمال عبد الناصر بعد أن أطلقت عليه الرصاص؟.
المتهم: علمت انه استمر في إلقاء خطابه.
هيكل: وما رأيك في هذا؟
المتهم: شجاع.
هيكل: كيف إذن تفسر أنه لم يصب؟
المتهم: إرادة الله.
هيكل: معناها أن الله يحبه؟.
المتهم: لا أعرف.

كما أجرى الأستاذ محمد حسنين هيكل تحقيقا صحفيا مع حسن الهضيبى المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين فى محبسه فى السجن الحربى، جاء فيه:
جلس حسن الهضيبي على مقعد، وعلى مقعد المكتب جلس قائد البوليس الحربي، وجلست أنا على المقعد الثالث في مواجهة الهضيبي.. ومرت لحظات صمت..كنت خلالها أتأمل وجهه وأدقق النظر فيه، ويبدو أنه أحس بالذي أفعله فأطرق برأسه، ثم رفعه وحاول أن يبتسم، لكن أعصابه خذلته فلم تكمل الابتسامة على شفتيه! وإنما مر عليها شبح باهت شاحب لمحاولة ابتسامة، وكان الصمت ثقيلا على أعصابي!

هيكل : هل يبيح القرآن القتل والإرهاب؟
الهضيبي: يسأل عنها الذي أطلقها.
هيكل: ألم يكن التنظيم السري تابعا لك مباشرة؟
الهضيبي: أنا كنت مرشدا عاما ابحث رؤوس المسائل وأقررها ولا ادخل في التفاصيل، وعلى سبيل المثال أنا أقول مثلا إن من أهدافنا أن ننشر الدعوة، وهذا رأس مسألة اتركها لمعاونيّ يبحثون التفاصيل ويشرفون على التنفيذ. ولا أذهب أنا مثلا لكي انشر الدعوة بنفسي، أحض ملايين الناس على الفضيلة شأن هذا شأن التنظيم السري كنت اعلم أنه موجود، ولكنه كان بالنسبة لي رأس مسألة أما التفاصيل فقد كان يشرف عليها اثنان.. خميس وفرغلي.
هيكل : إذن أحور سؤالي.. هل ترى أن الإسلام يبيح إنشاء تنظيمات سرية مسلحة للإرهاب وهل السياسة في هذا البلد والحريات التي نتطلع إليها يمكن أن تسمح بقيام منظمات سرية مسلحة؟
سكت الهضيبي فترة.. أطرق خلالها برأسه إلى الأرض، ثم قال: من قال هذا؟ لست أنا الذي انشأ التنظيم السري، هذا التنظيم أنشأه حسن البنا سنة 1946، وكان الغرض الأول منه محاربة أعداء الإسلام، والذي حدث بعدها أن هذا التنظيم السري انحرف عن هدفه الأصيل؛ واتجه إلى أعمال العنف والاغتيال، فلما جئت أنا منذ ثلاث سنوات وتوليت منصب المرشد العام كان أول ما فعلته أن قلت أنني لا أريد تنظيمات سرية، وأخرجت من الجماعة فعل..ا أولئك الذين عرفت أنهم كانوا يتزعمون الإرهاب المسلح، وأقمت مكان النظام القديم نظاما جديدا حددت له أهدافه، وهي أن يقوم أفراده بنشاط رياضي وكشفي.
هيكل : وهل التدريب على السلاح والمفرقعات يدخل ضمن الأعمال الكشفية والرياضية؟
الهضيبى: لقد أعدت النظام الخاص إلى أصل دعوته.. أعدته لكي يحارب أعداء الإسلام وحاولت أن أبعده عن الإرهاب.
هيكل: هذا سيقودنا مرة أخرى إلى الرصاصات الثماني التي أطلقها أحد أفراد التنظيم الخاص المسلح.
قال الهضيبي والمحاولة التي كان يبذلها للتمسك بالثبات تتخلى عنه كما تخلت الابتسامة: اذن يكون التنظيم الخاص قد انحرف مرة أخرى ولكن ذلك كان بغير علمي.
ومرت فترة صمت أخرى....اطرق فيها برأسه مرة أخرى
هيكل: إذا تركت جانبا الرصاصات الثماني ومخازن السلاح التي ليس لها عدد.. لبقي شيء آخر.
الهضيبي: أنا.. هل أنا وزعت منشورات سرية؟ ما ذنبي إذا كان الشيوعيون والوفديون لا يملكون الشجاعة لكي يوقعوا بأسمائهم الصريحة على المنشورات التي يوزعونها فينتحلون اسمي؟ أنا لم اكتب أي منشورات لكن الوفديين والشيوعيين طبعوا منشورات ووضعوا اسمي في ذيلها وأنا لا اعلم من أمرها شيئا.
ومن جديد مرت فترة صمت.. وكنت أفكر في السؤال التالي الذي أوجهه للهضيبي لكنه رفع رأسه فجأة.. وقال أ ن أسرته قتلوا جميعا..قتلوهم كلهم.. أبادهم الجيش..اقسم بالله العظيم أن هذا حدث.. لقد بلغني بطريقة لا اشك في صحة روايتها أبدا.
هيكل: لا أستطيع أن اصدق.
الهضيبى في إصرار عنيف: يا رجل لقد أقسمت لك بالله العظيم قتلوهم جميعا.. أنت لا تعرف ولكنهم قتلوهم.. ولست أريد منهم الآن إلا أن يقتلوني أنا أيضا!

وهنا تدخل في المناقشة البكباشي أحمد أنور مدير البوليس الحربي قائلا: ولكن هذا الذي تقوله غير صحيح.
ووقف الهضيبي.. هم عن مقعده.. وتشنجت ملامحه، وقال: والله العظيم والله العظيم إن الذي قلته صحيح.. صحيح ..صحيح.. وأن أولادي كلهم وأزواجهم وزوجاتهم قد قتلوا وزوجتي قتلت أيضا.
أحمد أنور: كيف تطلق يمينا مقدسة بهذه الطريقة؟ كم رقم تليفون منزلك؟
الهضيبي: 27024.

وهنا بدأ احمد أنور يدير قرص التليفون ،ويبدو أن الذي رد سأل عن شخصية المتكلم..
أحمد أنور: قل لها صديق للهضيبي يحمل رسالة منه.
....مرت فترة صمت....
وأنظارنا معلقة على التليفون وآذاننا مسلطة عليه ثم تسرب صوت نسائي وبدأ أحمد أنور يتحدث إلى زوجة الهضيبي.
واقتربنا جميعا برؤوسنا من جهاز التليفون نقرب آذاننا منه بقدر المستطاع، وتسرب منه صوت السيدة تقول إنها بخير..
أحمد نور: وأولادك كلهم بخير؟
ونظر الهضيبي إلى احمد أنور نظرة الذي يرى شيئا لا يستطيع أن يصدقه ناوله احمد أنور السماعة وقال له: خذ وتحدث إليها أنت وتأكد أنها زوجتك!
أمسك الهضيبي سماعة التليفون بحذر وإسترابة تماما كرجل سلموه في يده لغما يمكن أن ينفجر! وقال: أنا حسن الهضيبي! ثم استطرد: اسمعي.. كيف حال الأولاد!
وأخذ يهز رأسه في ذهول.. وعاد ليقول في التليفون: لم يقتلوهم.. غريبة! وبدأ يهرش رأسه بيده..
ومد احمد أنور يده يأخذ سماعة التليفون.. ويقول لزوجة الهضيبي كلمة ينهي بها المحادثة ثم يضع السماعة مكانها.
..صمت من جديد..
هيكل: أنت طلبت أن توجه لي سؤالا.. فهل أستطيع أن اوجه لك سؤالا أخيرا؟ ما رأيك في الأيمان التي أقسمتها بالله العظيم ثلاثا.. مؤكدا أن أولادك قتلوا!
الهضيبى: كنت أظن!!.
هيكل: هل تقسم بالله العظيم ثلاثا على الظن؟
الهضيبي وهو يضحك: بسيطة.. يميني باطلة اكفر عنها.
هيكل: هكذا ببساطة؟ ما اسهل اليمين إذا؟
الهضيبى: لقد ضاعت عليّ ساعة الفسحة.. أمضيت معظمها هنا.
أحمد أنور: لا تحمل هما.. سوف أعطيك ساعة أخرى.

توقيع: "محمد حسنين هيكل"

تم تشكيل محكمة مخصوصة برئاسة قائد الجناح جمال سالم وعضوية القائمقام أنور السادات والبكباشي حسين الشافعي لمحاكمة المتهمين بخيانة الوطن والعمل على قلب نظام الحكم الحاضر وأسس الثورة.
والعقوبات التي تطبقها المحكمة هي كل العقوبات من الإعدام إلى الحبس. ولا يجوز تأجيل القضية أكثر من 48 ساعة للضرورة القصوى ولمرة واحدة.. على أن يحضر المتهم شخصيا أمام المحكمة وتنطق المحكمة بأحكامها في جلسات علنية، ويجوز لمجلس قيادة الثورة تخفيفها.
وكان مجلس قيادة الثورة قد أصدر أمرا بتشكيل محكمة الشعب يقول:
"تشكيل محكمة مخصوصة وإجراءاتها.. بعد الاطلاع على المادة 7 من الدستور المؤقت قرر مجلس قيادة الثورة:
مادة (1) تشكل محكمة على الوجه الآتي.. قائد الجناح جمال مصطفى سالم عضو مجلس القيادة (رئيسا) قائمقام أنور السادات عضو مجلس القيادة (عضوا) بكباشي أركان حرب حسين الشافعي عضو مجلس القيادة (عضوا).
وتنعقد المحكمة بمقر قيادة الثورة بالجزيرة بمدينة القاهرة أو في المكان الذي يعينه رئيسها وفي اليوم والساعة اللذين يحددهما.
مادة (2) تختص هذه المحكمة بالنظر في الأفعال التي تعتبر خيانة للوطن أو ضد سلامته في الداخل والخارج. وكذلك الأفعال التي تعتبر موجهة ضد نظام الحكم الحاضر. أو ضد الأسس التي قامت عليها الثورة. ولو كانت قد وقعت قبل هذا الأمر.
كما تختص المحكمة بمحاكمة كل من أخفى بنفسه أو بواسطة غيره متهما بارتكاب الأفعال المنصوص عليها في الفقرة السابقة وتطلبه المحكمة. وكذلك كل من أعان بأي طريقة كانت على الفرار من وجه القضاء.
كما تختص هذه المحكمة بالنظر فيما يرى مجلس قيادة الثورة عرضه عليها من القضايا أيا كان نوعها حتى ولو كانت منظورة أمام المحاكم العادية، أو غيرها من جهات التقاضي الأخرى مادام لم يصدر فيها حكم. وتعتبر هذه المحاكم أو الجهات متخلية عن القضية؛ فتحال إلى المحكمة المخصوصة بمجرد صدور الأمر من مجلس قيادة الثورة بذلك.
مادة (3) يعاقب على الأفعال التي تعرض على المحكمة بعقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة أو بالسجن أو بالحبس، المدة التي تقدرها المحكمة أو أي عقوبات أخرى تراها المحكمة.
مادة (4) ينشأ بمقر قيادة الثورة مكتب للتحقيق والادعاء يلحق به نواب عسكريون وأعضاء من النيابة العامة يتولى رئاسته البكباشي أركان حرب زكريا محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة. وعضوية كل من البكباشي محمد التابعي نائب أحكام والبكباشي إبراهيم سامي جاد الحق نائب أحكام. والبكباشي سيد سيد جاد نائب أحكام والأستاذ عبدالرحمن صالح عضو النيابة.
ويتولون التحقيق ورفع الدعوى بالادعاء بالجلسة. في الأفعال التي تختص هذه المحكمة بنظرها. ولهم حق الأمر بالقبض على المتهمين وحبسهم احتياطيا، ولا يجوز المعارضة في هذا الأمر.
مادة (5) يخطر المتهم بالتهم، ويوم الجلسة بمعرفة المدعي قبل ميعادها بأربع وعشرين ساعة على الأقل. ولا يجوز تأجيل القضية أكثر من مرة واحدة، ولمدة لا تزيد على 48 ساعة للضرورة القصوى.
ويجب على المتهم أن يحضر بنفسه أمام المحكمة وإذا تخلف جاز القبض عليه وحبسه.
مادة (6) للمحكمة أن تتبع من الإجراءات ما تراه لازما لسير الدعوى، ولا يجوز المعارضة في هيئة المحكمة أو أحد أعضائها.
مادة (7) تجري المحاكمة أمام هذه المحكمة بطريقة علنية إلا إذا قررت جعل الجلسة سرية لأسباب تراها، ويصور الحكم ويتلى في جلسة علنية ويصدق عليه مجلس قيادة الثورة ويجور له تخفيف الحكم إلى الحد الذي يراه.
مادة (Cool أحكام هذه المحكمة نهائية ولا تقبل الطعن بأي طريقة من الطرق أو أمام أي جهة من الجهات. وكذلك لا يجوز الطعن في إجراءات المحاكمة أو التنفيذ.
مادة (9) يعمل بهذا الأمر من تاريخ صدوره. القاهرة في أول نوفمبر 1954.

ولم تكن هذه القضية وحدها التي تقرر أن تنظرها المحكمة، بل كان هناك أربع قضايا أخرى تخص الإخوان؛ الأولى هي قضية الأسلحة التي ضبطت في عزبة عشماوي بالشرقية، والمتهم فيها حسن العشماوي وابنه محمد حسن العشماوي، والثانية قضية تجمهر أول مارس 1954 والمتهم فيها عبدالقادر عودة واثنان آخران بالتجمهر والتظاهر في ميدان الجمهورية ومحاولة قلب نظام الحكم؛ مما أدى إلى وفاة بعض الأشخاص نتيجة الاحتكاكات بين البوليس وبينهم.
والقضية الثالثة قضية العمل على قلب نظام الحكم المتهم فيها إسماعيل الهضيبي وحسن دوح و11 آخرون اتهموا بالتجمهر، والدعوة لقلب نظام الحكم في مسجد الروضة والاعتداء على رجال البوليس. أما القضية الرابعة فكانت قضية مسجد طنطا المتهم فيها خطيب مسجد عزيز فهمي بالتحريض على قلب نظام الحكم.
وكان من أخطر الاعترافات التي أدلى بها المتهمون ونشرتها الصحف؛ اعتراف المحامي هنداوي دوير التي أدت إلى كشف شخصية الضابط السابق البكباشي عبدالمنعم عبدالرؤوف وتورطه مع الإخوان والجهاز السري.
وقال هنداوي دوير في هذه الاعترافات: "جاءني الضابط السابق عبدالمنعم عبدالرؤوف وهو أحد زعماء الجهاز السري ومكث عندي ثلاثة أيام، وقال إن الجهاز السري وضع خطة الاغتيال جمال عبدالناصر بطريقة النسف!" ، وطلب مني عبدالمنعم عبدالرؤوف البحث عن فدائي ليتولى هذه العملية. وهذه الطريقة هي تجهيز حزام مواد ناسفة وديناميت متصل بسلك كهربائي وبطارية، ويرتدي الفدائي هذا الحزام تحت ملابسه، ثم يتقدم ويعانق الرئيس جمال عبدالناصر ويضغط على السلك، وهنا ينفجر الديناميت في الرئيس والفدائي!

وقد عرضت على محمود عبداللطيف قبل قيامه بمحاولة اغتيال جمال عبدالناصر أن ينفذ هذه العملية بالحزام الناسف لكنه رفض أن يعرض نفسه للنسف، وقال إنه يفضل اغتيال جمال عبدالناصر بإطلاق الرصاص عليه! فعرضت على محمود نصيري الطالب بكلية الحقوق أن يتولى هذه العملية الفدائية فرفض كذلك، لكنه وافق على أن ينفذ عملية الاغتيال بإطلاق الرصاص!.
هكذا اعترف هنداوي دوير أن هذا الحزام الناسف موجود في منزل عبدالحميد البنا وهو أحد أعضاء الجهاز السري، فانطلق رجال البوليس إلى منزل البنا في منطقة وراق العرب حيث عثروا على الحزام، وداخله الديناميت وقبضوا على عبد الحميد البنا.

وفي نفس اليوم تم الإعلان عن ضبط مخبأ جديد للإخوان يحوي كميات هائلة من المفرقعات تكفي لنسف القاهرة والإسكندرية معا! وكان الكشف عن هذا المخبأ عملية مثيرة.
فقد وصلت معلومات إلى البكباشي حسين حتاتة قائد مخابرات السواحل في الإسكندرية أن عصابة لها اتصال بجهة سياسية ستدخل كمية من المفرقعات إلى مدينة الإسكندرية لاستخدامها في أغراض خطيرة بعد توزيعها على أعضاء العصابة، وبالفعل وصلت سيارة كبيرة تحمل المفرقعات، وخبئت هذه المفرقعات في قبو تحت الأرض بجوار مطار الدخيلة.
لكن رجال المخابرات أسرعوا إلى المكان وأخرجوا المفرقعات، والتي كانت عبارة عن 590 صفيحة كبيرة، بها 554 قطعة جلجانيت، وعشرة جوالات بها قطع ديناميت وبندقيتين و40 طلقة رصاص، وتم الإعلان عن أن المحاكمات سوف تبدأ بعد يومين.
وتقرر أن تكون القضية الأولى التي تنظر هي قضية محمود عبداللطيف وحده، على أن يحاكم شركاؤه في جلسات أخرى.

وفى يوم المحاكمة سمع صوت حارس الجلسة الصول عبد الرحمن الحفناوي يعطي تعليماته بصرامة.. ويلقي أوامره إلى الجنود الذين يعاونونه في مهمته.. وفي هذا الجو جلسنا.. وفي الساعة العاشرة إلا خمس دقائق دخل المتهم محمود عبداللطيف قاعة الجلسة!
وواصل الصحافي محمد لطفي حسونة نقل الصورة المثيرة قائلا: "كان محمود عبداللطيف يجر قدميه، وينتقل ببصره في كل اتجاه بقميصه الأزرق ذي الخطوط البيضاء وبنطلونه الرمادي.. واتجهت إليه كل الأنظار وكل العدسات.. وهي تمعن في ذلك المخلوق الذي اختار لنفسه هذا المصير حين أسلم قياده إلى فئة ضالة مضللة.. تحركه فيتحرك، وتأمر فيأتمر، وتدفعه إلى أبشع جريمة فيسافر إليها أميالا طويلة ليرتكبها في استهتار!".

وجلس محمود عبداللطيف وإلى يساره حارسه اليوزباشي محمود محمد محمود الضابط بالبوليس الحربي، وإلى يمينه حارس آخر.. وظل بصره ينتقل في أرجاء القاعة؛
تارة يبصر إلى الخلف متمعنا في وجوه المتفرجين وكأنه يبحث عن أحد بينهم، وتارة ينظر إلى علم التحرير، ويثبت بصره على عبارة "الثورة.. محكمة الشعب" ، وتارة ينظر إلى المصورين الذين ركزوا عدساتهم عليه.
وبعد دقائق تهيأ جو المحكمة لدخول قضاة الشعب.. وتحول بصر محمود عبداللطيف إلى الباب الذي سيدخلون منه.
وظل هكذا حتى صاح حارس المحكمة بصوت مرتفع: محكمة!
ودخلت هيئة المحكمة.. قائد الجناح جمال سالم، والقائمقام أنور السادات، والبكباشي حسين الشافعي، وممثلا الادعاء البكباشي محمد التابعي، والأستاذ مصطفى الهلباوي، ووقف كل من في القاعة.. ثم جلسوا عندما جلست هيئة القضاة.
ثم فتح قائد الجناح جمال سالم رئيس المحكمة الجلسة!
قائد الجناح جمال سالم "رئيس المحكمة": فتحت الجلسة.. أولى جلسات محكمة الشعب ..
المتهم موجود؟

ممثل الادعاء البكباشي محمد التابعي : المتهم موجود والقضية جاهزة.
رئيس المحكمة: المتهم محمود عبداللطيف؟
.....وقف محمود عبداللطيف من مكانه.....
المتهم: أفندم.
رئيس المحكمة: أنت متهم بأنك في يوم 26 أكتوبر 1954 وما قبله في مدينتي القاهرة والإسكندرية أولا بالاشتراك مع آخرين في تنفيذ اتفاق جنائي. الغرض منه إحداث فتنة دامية لقلب نظام الحكم. وذلك بإنشاء نظام خاص سري مسلح للقيام باغتيالات واسعة النطاق، وارتكاب عمليات تدمير بالغة الخطورة وتخريب شامل في جميع أرجاء البلاد تمهيدا لاستيلاء الجماعة التي تنتمي إليها على مقاعد الحكم بالقوة. وثانيا بالشروع في قتل البكباشي أركان حرب جمال عبدالناصر رئيس الحكومة تنفيذا للاتفاق الجنائي المشار إليه في الفقرة الأولى.. مذنب أم غير مذنب؟
....لم يرد المتهم محمود عبداللطيف...
قال رئيس المحكمة: سمعت الادعاءات اللي قلتها.. فاهم الادعاء اللي عليك؟
المتهم: أيوه.
رئيس المحكمة: مذنب ولا غير مذنب؟
المتهم: مذنب!
المدعي العام: المتهم لما أعلناه بالادعاءات سألنا إذا كان له محام فقال معندهوش محام. وقانون تشكيل المحكمة لا يستلزم وجود محام مع المتهم، والقضية جاهزة ونطلب نظرها.
رئيس المحكمة: المتهم عايز حد يدافع عنه؟
المتهم: عايز.
رئيس المحكمة: عايز مين؟
المتهم: محمود سليمان الغنام.
رئيس المحكمة: مين؟
المتهم: محمود سليمان الغنام المحامي.
رئيس المحكمة: وإذا كان سليمان غنام ما يرضاش؟
المتهم: فتحي سلامة.
رئيس المحكمة: وإذا كان سلامة ما يرضاش؟
المتهم : مكرم عبيد.
رئيس المحكمة: وإذا كان سلامة ما يرضاش؟
المتهم: يبقي أي واحد!
رئيس المحكمة: أي واحد؟ طيب.. الادعاء يتصل بالمحامين اللي قال عنهم المتهم بحسب ترتيبهم فإذا رفضوا ينتدب له محام للدفاع عنه.. وتتأجل القضية 48 ساعة لجلسة الخميس 11 نوفمبر الساعة العاشرة صباحا.. رفعت الجلسة!

ورفض كل من محمود سليمان غنام، وفتحى سلامة، ومكرم عبيد الدفاع عن المتهم؛ لأنهم جميعا استنكروا الجريمة التى أقدم عليها، وقال الأستاذ مكرم عبيد : "أنها جريمة موجهة إلى قلب الوطن؛ فمن المستحيل أن أدافع عنه .. مستحيل!".


وفى صباح يوم الخميس 11 نوفمبر 1954 وقف المحامي هنداوي دوير أمام محكمة الشعب ليدلي بأخطر اعترافاته.
ولأول مرة في قضية محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر يظهر اسم الرئيس محمد نجيب على لسان أحد المتهمين "كمتورط" مع جماعة الإخوان.

هنداوي دوير: أبلغني إبراهيم الطيب رئيس الجهاز السري أن الإخوان على اتفاق مع اللواء محمد نجيب أن "يمشي معنا" بعد قتل جمال عبد الناصر وأعضاء مجلس الثورة، وأن هناك اتصالا بمحمد نجيب، على أن يتولى تهدئة البلاد بعد الاغتيالات! وتأكدت من هذا عندما كنت في بيت المرشد العام للإخوان حسن الهضيبي يوم عودته من سوريا، واتصل محمد نجيب بالتليفون الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وطلب أن يتحدث إلى الهضيبي.. إن الهضيبي كان من رأيه أن تتولى الحكم حكومة تتجه بالبلاد نحو الاتجاه الإسلامي ولا تكون حكومة إخوان مسلمين؛ لأن البلاد غير مستعدة الآن لتقبل النظم الإسلامية بأكملها.

وأضاف هنداوي؛ أنه سأل قبل أن يسلم محمود عبد اللطيف المسدس هل الهضيبي موافق على اغتيال جمال عبد الناصر؟؛ فقال له إبراهيم الطيب رئيس الجهاز السري إن الهضيبي وافق على هذا، وبناء على ذلك أمر محمود عبد اللطيف بتنفيذ الخطة، وقال دوير انه صدرت إليه الأوامر بدراسة منزل القائم مقام أنور السادات ومقر عمله تمهيدا لقتله، وقد نفذ هذه الأوامر.
وكشفت أقوال هنداوي دوير أمام المحكمة أن القرار باغتيال جمال عبد الناصر كان يقضي بقتله بثلاث طرق؛ أولا بالمسدس وقد كلف اثنان بذلك، وثانيا بأن يرتدي أحد الفدائيين حزام ديناميت ويعانقه فينسفه وينسف معه، ثالثا بعمل كمين له وقتله بالمدافع وهو في الطريق إلى بيته.

عقدت محكمة الشعب جلستها الثانية في الساعة العاشرة صباحا لاستئناف محاكمة المتهم محمود عبد اللطيف. وقد جيء بالمتهم في حراسة البوليس الحربي، ولزم مكانه في مقعد الاتهام، وجلس إلى يساره محاميه الأستاذ حمادة الناحل.
عقدت المحكمة جلستين الأولى صباحية، والثانية مسائية بدأت في السادسة مساء وانتهت قرابة منتصف الليل.
رئيس المحكمة: فتحت الجلسة.. المتهم موجود؟ ..جاهزين؟.
المدعي: جاهزين .
رئيس المحكمة: سمعت الادعاء اللي عليك. وقلت انك مذنب أيه أقوالك؟ السيد حمادة الناحل رايح يترافع عنك.. وأحب أقول إن المحكمة تشكره على تطوعه للدفاع عنك.
المحامي حمادة الناحل: وأنا بدوري أشكر المحكمة على هذه الثقة وأدعو الله أن يوفقني في مهمتي.
رئيس المحكمة للمتهم محمود عبد اللطيف: اتفضل قول للمحكمة ايه أقوالك.. تتكلم انت أو السيد المحامي يتكلم؟
المتهم: السيد المحامي.
رئيس المحكمة: بس يقول إيه أقواله؟
المحامي حمادة الناحل: يقول وبرضه نناقشه تاني!
المتهم: أنا في الإخوان من سنة 1942 ومن مدة 4 شهور بس.. انضميت للمنظمة السرية، ودي مكونة من 3 أشخاص محمود عبد اللطيف وهنداوي دوير المحامي وسعد حجاج.
رئيس الحكمة: على صوتك شويه وإتكلم على مهلك.. وخليك هادي.
المتهم: وكنا احنا الثلاثة نجتمع كل أسبوع يوم الاثنين من نصف ساعة إلى ساعة في بيت هنداوي دوير لحفظ القرآن ودراسة السيرة والجهاد في سبيل الله، وقبل الحادث بأسبوع واحد هنداوي قال لنا على حكاية اتفاقية الجلاء. وإن الرئيس وقعها وإن دي خيانة في حق البلد ولازم نقتل الرئيس جمال، واتفقنا احنا الثلاثة إن اللي تتاح له فرصة ينفذ الاغتيال. وقبل الحادث بيومين هنداوي جاب لي المسدس، وقال لي مسدس سعد ماجاش نفذ انت الخطة. وقبل الحادث بيوم قرأت في جريدة القاهرة إن الرئيس مسافر إلى الإسكندرية لحضور المهرجانات.. فرحت لهنداوي وقلت له إني رايح إسكندرية.. فقال على بركة الله!
والصبح جاني سعد وقلت له، فأبدى تأسفه لأن سلاحه لم يكن موجودا، وتوكلت ومشيت على الإسكندرية.. رحت المحطة ركبت قطار الساعة التاسعة صباحا، ووصلت هناك الساعة 12 ومشيت في شارع محرم بك، واتغديت ورحت لوكاندة دار السعادة، وأخذت حجرة خاصة وغيرت ملابسي، ورحت المحطة وبعدين رحت ميدان المنشية.
ولما وصلت وقفت لغاية ما جه الرئيس وهو بيلقي كلمة ألقيت عليه طلقات من المسدس. والناس قبضوا عليّ.. ورحت البوليس الحربي في الإسكندرية وقلت كل الأقوال على يد النائب العام وهو اللي كتب المحضر.
ينظر جمال سالم رئيس المحكمة إلى البكباشي محمد التابعي المدعي في القضية ويقول له: عايز تسأله؟
المدعي: أيوه.. ما دور المنظمة السرية للجماعة؟.
المتهم: محاربة أعداء الإسلام والدعوة الإسلامية .. الإنجليز واليهود واللي يقف في سبيل الدعوة، وقبل الحادث بأسبوع اجتمعنا احنا الثلاثة ودرسنا اتفاقية الجلاء، وقررنا أنها أعطت الإنجليز حقوقاً في البلد وخيانة وطنية.
المدعي: قرأت الاتفاقية؟
محمود عبد اللطيف: قرأت.. وقرأت بعض الملاحق، وقرأت في الجرائد أنها استبدلت 500 مليون جنيه الديون بتاع مصر بمبلغ 33 مليون جنيه.
رئيس المحكمة: يعني ده اللي كان مزعلك من الاتفاقية؟!!
..يسكت محمود عبد اللطيف ولا يرد..
رئيس المحكمة: ده بس اللي مزعلك.. والا فيه حاجة تانية؟
المتهم: فيه حاجه تانية.. هي أنه مش ضروري الاتفاقية.. وهم سنة 1956 كانوا رايحين يرحلوا؛ لأنهم يبقوا قاعدين غير شرعيين، وهم رايحين يطلعوا ويفرقوا قواتهم من القنال خوفا من القنابل الذرية.
رئيس المحكمة: يعني انت كمان جنرال تعرف في الشؤون العسكرية كويس؟
المدعي الآخر مصطفى الهلباوي: إذا لم تعمل الاتفاقية.. كان الإنجليز حايخرجوا ازاي؟.. إيه رأيك كأخ مواطن؟
المتهم: خروجهم يحتاج لجهاد، والجهاد جربناه قبل كده لما راحت كتائب الجامعة للقنال، وانزعج الإنجليز وقالوا انهم مستعدون للجلاء بس نوقف حرب العصابات.. ومعاهدة 1936 دي كانت تعطي للإنجليز كل حق في البلد بالثمن.. التموين المواصلات بالفلوس.. وعشان كده ترتبت ديون لمصر على إنجلترا.
رئيس المحكمة: تفتكر مافيش داعي للمناقشة في المعاهدات
المدعي: ثقافتك ايه؟
المتهم: درست أربع سنين في قسم ليلي بعد الابتدائية!
المدعى: ماذا درست؟
المتهم: الجهاد في سبيل الله ودراسة القرآن والسيرة.
المدعى: الجهاز السري كان بيشتغل لحساب مين؟
المتهم: الإخوان .. الإخوان المسلمين.
رئيس المحكمة: يعني كنتم تحاربوا أعداء الإسلام عشان الإخوان المسلمين يتريسوا، والحكومة يعني عدوة الإسلام، وعشان كده رحت تقتل رئيسها، والا فهموك أن الرئيس بس هو اللي عدو الإسلام؟
المتهم: فهمونا إن الرئيس هو عدو الإسلام.
رئيس المحكمة: لوحده؟
المتهم: آه.
رئيس المحكمة: ده اللي فهموه لك؟
المتهم: أيوه.
رئيس المحكمة: وجهازكم كان لحساب الإخوان المسلمين؟
المتهم: لا.. بس اعرف أن رئيسنا هنداوي.. لكن الرئيس العمومي معرفهوش.
رئيس المحكمة: هل بينك وبين الرئيس جمال حاجة؟.
المتهم: لا
رئيس المحكمة: كلمته؟
المتهم: لا.
رئيس المحكمة: سلمت عليه؟
المتهم: لا .
رئيس المحكمة: آمال ايه اللى خلاك تحاول تقتله؟
المتهم: فهموني إن الاتفاقية خيانة
رئيس المحكمة: مين اللي فهمك؟
المتهم: هنداوي دوير.
رئيس المحكمة: طيب.. اطلبوا هنداوي دوير نسمع كلامه.
لكن قبل استدعاء هنداوي دوير لسماع أقواله يستكمل المدعي محمد التابعي سؤال محمود عبد اللطيف، ويقول له: هل سبق أن طلب منك لبس حزام وتنسف به الرئيس؟
المتهم: هنداوي عرض علي الساعة 12 مساء ليلة الحادث؛ وقال لي فيه عندنا حزام تلسبه.. وتعانق الرئيس ينفجر وينسف الرئيس وينسفك ..رفضت.
رئيس المحكمة: مارضيتش له؟
..لا يرد محمود عبد اللطيف..
رئيس المحكمة: خفت على نفسك؟
المتهم: لا.. ماخفتش على نفسي.
رئيس المحكمة: ليه.. دي أضمن من المسدس؟
..لا يرد محمود عبد اللطيف..
رئيس المحكمة: اتكلم.. حد ماسكك؟ ما تخافش
المتهم: أنا قلت له ما ينفعش عشان الزحمة!
المحامي حمادة الناحل: ويمكن ما يرضاش الرئيس يحضنه!
رئيس المحكمة : ايه معلوماتك الدينية؟
المتهم: جزء من سورة البقرة!
رئيس المحكمة: وايه تاني.
المتهم: بعض آيات!
رئيس المحكمة: تقدر تقول شوية منها؟
المتهم: سورة يس وثلاثة ارباع آل عمران.
* جمال سالم: بس؟
المتهم: وسورة صغيرة.

في محكمة الشعب أطاحت اعترافات الإخوان باللواء محمد نجيب، وبرغم أن هذه الاعترافات كانت بمثابة صدمة عامة للمصريين الذين كان كثير منهم يعجبون بمحمد نجيب، فهو رئيس الجمهورية، وهو الرجل الأكبر سنا والأكثر حكمة بين الضباط الأحرار الذين صنعوا الثورة.
برغم كل ذلك فقد وضعت هذه الاعترافات فصل النهاية لوجود محمد نجيب على رأس الثورة.. وعلى رأس الحكومة المصرية، وصدرت الجرائد في صباح يوم 15 نوفمبر 1954تحمل الأخبار الأكثر إثارة:
"إعفاء نجيب" ..
"مجلس الثورة يقرر بقاء منصب رئيس الجمهورية خالياً "



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:27


تولى اللواء عبدالحكيم عامر القائد العام ووزير الحربية، وقائد الجناح حسن إبراهيم وزير القصر إبلاغ هذا القرار لمحمد نجيب في الساعة الحادية عشرة في قصر عابدين، وغادر محمد نجيب القصر بعد إبلاغه القرار.

واجتمع مجلس الوزراء وأحيط بقرار مجلس قيادة الثورة، وأقام اللواء محمد نجيب مع أسرته في قصر المرج، وهو القصر الذي كانت تملكه السيدة زينب الوكيل زوجة مصطفى النحاس باشا.

وصرح الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية عقب الاجتماع بأن الرئيس جمال عبدالناصر رئيس مجلس الوزراء كلفه بإبلاغ قرارات مجلس قيادة الثورة إلى جميع السفارات والمفوضيات المصرية في الخارج، وقال الدكتور محمود فوزي أنه سيجتمع في وزارة الخارجية باللواء علي نجيب سفير مصر في سوريا لاطلاعه على تفاصيل الموقف في سوريا.

وكان البوليس في فجر اليوم السابق قد ألقى القبض على إبراهيم الطيب رئيس الجهاز السري للإخوان، وبمجرد القبض عليه سالت اعترافاته الخطيرة، وكانت أكثرها خطورة هي اعترافاته على اللواء محمد نجيب؛ فقد اعترف إبراهيم الطيب بأن محمد نجيب كان على صلة سرية بالإخوان من شهر أبريل بنفس العام، وأنه قبل أن يلعب دورا هاما في انقلاب الإخوان الدموي، وأن محمد نجيب أفهم الإخوان أنه يستطيع أن يسيطر على الموقف بعد اغتيال جمال عبدالناصر.



واعترف إبراهيم الطيب بأن حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان وفي بعض الأحوال عبدالقادر عودة أو صلاح شادي كانوا صلة الاتصال السري بين الإخوان واللواء محمد نجيب، وأحيانا تكون الصلة أشخاصا آخرين من المتصلين بالهضيبي.

وتوالت اعترافات إبراهيم الطيب.. فقد اعترف بأن المجلس العالي للجهاز السري هو الذي وضع خطة الاغتيالات والانقلاب، وأن هذه الخطة لا علاقة لها باتفاقية الجلاء، وإنما وضعت للتخلص من النظام الحاكم، وأن المرشد العام حسن الهضيبي أقر هذه الخطة وصدق عليها.
وقال ابراهيم الطيب لقد كنت مستمرا في تنظيم باقي الإخوان الذين لم يعتقلوا، وكنت أبذل محاولة نهائية لتنفيذ خطة الانقلاب؛ كانت الخطة تتلخص في إعداد الإخوان وتعبئتهم وتدريبهم، والقيام بحوادث اغتيالات للجهاز الحكومي كله من رئيس الوزراء جمال عبدالناصر إلى كل معاونيه وعدد من ضباط الجيش، وقد تقرر في الخطة أن نقتل جمال عبدالناصر بأي شكل في منزله أو في مكتبه أو في الشارع؛ لأننا كنا نعتبره المسؤول عن الجهاز الحكومي.
وبعد اغتيال جمال عبدالناصر نقوم بحركة شعبية ومسلحة، وأن يتم تأمين الجيش بواسطة محمد نجيب، وفي الوقت نفسه يقوم الإخوان بمظاهرات شعبية مسلحة، ومن أجل هذا جمعنا السلاح لاستعماله في هذه المظاهرات، وقد أبلغت يوسف طلعت هذه الخطة وأبلغني أن المجلس العالي هو الذي وضعها، وأنه عرضها على المرشد العام الأستاذ الهضيبي فصدّق عليها، وكان المتفق عليه بعد الاغتيالات وقيام المظاهرات المسلحة أن يتولى محمد نجيب تأمين الثورة الجديدة، وإلقاء بيان للتهدئة؛ فإذا حصلت مقاومة بعد ذلك تحدث اغتيالات جديدة.

ويضيف إبراهيم الطيب أنه عندما تلقى هذه التعليمات من يوسف طلعت أبلغها إلى جميع قادة الفصائل لتنفيذها، وأن القصد من اغتيال جمال عبدالناصر ألا يقع صدام بين الشعب وبعضه، وأن محمد نجيب أفهمهم أنه يستطيع أن يسيطر على الموقف.
ويقول الطيب : " وكنا نظن أن الذين سينجون من الاغتيالات سوف يسلمون أنفسهم حقنا للدماء؛ وخصوصا عندما يرون أن رئيس الجمهورية محمد نجيب هو القائم على رأس الوضع الجديد، والخطة ليس لها أية علاقة باتفاقية الجلاء، ولكن السبب في وضعها هو التخلص من الوضع الحالي.. وعندما فشل حادث اغتيال جمال عبدالناصر لم أيأس!
وكنت أحاول من مخبأي إعادة تنظيم الفصائل التي بقيت بعد الإعتقالات لنحاول أن نقوم بالخطة التي وضعها المجلس العالي، وكنت أستعين ببعض الأخوات المسلمات في نقل التعليمات إلى أعضاء الفصائل. وكان محمد نجيب قد وعدنا في شهر أبريل بأن الجيش معه، فلما تبين أن هذا غير صحيح رأينا أن نستعيض عن الجيش بالمظاهرات الشعبية المسلحة" .
ولم يكن هذا فقط هو كل ما اعترف به ابراهيم الطيب؛ فقد قال فيما بعد أمام محكمة الشعب: " أن اللواء محمد نجيب كان يكتب المنشورات ويكلف الإخوان بطبعها وتوزيعها!
وأن عبدالقادر عودة سلمه منشورا مكتوبا بالقلم الرصاص ليس بخطه وبتوقيع محمد نجيب يهاجم فيه اتفاقية الجلاء، وأن الجهاز السري أعد خطة الاغتيالات بعد أن تم التفاهم مع محمد نجيب، وأنهم قرروا اغتيال كل من يقف ضد ثورتهم المسلحة".
وقال إبراهيم الطيب أيضا: " إن حزام الديناميت كان معدا لتفجيره في الرئيس جمال عبدالناصر وزكريا محيي الدين وزير الداخلية".
ومن اغرب ما قاله أنه قرر قتل جمال عبدالناصر رغم انه لم يقرأ اتفاقية الجلاء، واكتفى بما قاله له عبدالقادر عودة بأنها تنص على عودة الإنجليز إلى القنال في حالة خطر الحرب، وهذا معناه أن الإنجليز لن يخرجوا من مصر لأن خطر الحرب قائم.

وفي محكمة الشعب.. كشف جمال سالم رئيس المحكمة عن أسرار خطيرة، فقال إن الإخوان طلبوا من مجلس قيادة الثورة خلال شهري يوليو وأغسطس سنة 1952 -أي فور قيام الثورة- إقامة حكم عسكري مطلق دون دستور أو برلمان لمدة عشر سنوات ليكون الحكم تحت وصاية الإخوان!
وقال جمال سالم: إن مجلس قيادة الثورة رفض هذا العرض وطلب من الأحزاب تطهير نفسها تمهيدا لإعادة الحياة النيابية لكنها لم تفعل!

ولم تكن الاعترافات فقط هي التي قدمها إبراهيم الطيب.. لكن أيضا فور القبض عليه أرشد عن مخبأ يوسف طلعت رئيس الجهاز السري الهارب. وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت عن مكافأة قدرها ألفا جنيه لمن يرشد عن يوسف طلعت، وكان رجال البوليس يعملون ليل نهار في البحث عنه.. لكن إبراهيم الطيب بعد القبض عليه وفي الساعات الأولى أرشد عن الأماكن التي يتردد عليها يوسف طلعت، ومن هذه الأماكن شقة في مصر الجديدة، وأسرع رجال البوليس إلى هذه الشقة وحطموا بابها ودخلوا ليجدوا يوسف طلعت جالسا بالبيجامة حليق الذقن يقرأ في جريدة " أخبار اليوم "، وكان بجوار يوسف طلعت مدفع معد للاستخدام في أية لحظة.. لكنه بمجرد أن وجد رجال البوليس في الشقة يحيطون به استسلم ورفع يديه إلى أعلى.

وعثر رجال البوليس في الشقة التي كانت تقع بالطابق الرابع في العمارة رقم 9 بشارع الوالي على مدفع "تومي جن" ومدفعين "برن" وخمسة مدافع "استن" وتسع بنادق "لي انفيلد"، وماسورة مدفع عيار 11 ومدفع "فيكرز" و23 قايش بندقية مشحون بالرصاص، و19 خزانة مدفع، وصندوق كبير مليء بالمتفجرات والمواد الناسفة والقنابل، وماكينة طبع "رونيو" لطبع المنشورات. ولم يكتف رجال البوليس بالصيد الثمين وهو القبض على يوسف طلعت؛ فقد حملوه بعيدا وأصلحوا باب الشقة وظلوا داخلها وانتظروا وصول زواره من رجال الإخوان، ثم قبضوا عليهم جميعا.
وبدأت بقية رموز الإخوان الكبيرة تتساقط، وكان من بين الذين تم القبض عليهم سيد قطب، ونشرت "أخبار اليوم" بعضا من اعترافاته فقالت:
اعترف الأستاذ سيد قطب أحد زعماء الإخوان اعترافات خطيرة. اعترف بأنه زار المرشد العام حسن الهضيبي عقب عودته من سوريا وأبلغه الأستاذ الهضيبي بأنه سيحدث انقلابا في الحكم قريبا، وأن هذا الانقلاب سيتم مع بقاء محمد نجيب رئيسا للجمهورية.

وقال سيد قطب للهضيبي: خلي بالكم شوية واعملوا احتياطات من الناحية الدولية؛ لأن منطقة الشرق الأوسط منطقة حساسة وقد تتدخل بعض الدول.
المرشد العام حسن الهضيبي: لقد اتخذت احتياطيات دولية والإخوان قاموا بالاتصالات في هذا الشأن حتى تعترف الدول بانقلاب الإخوان.

واعترف سيد قطب بأنه كان يصدر نشرة سرية للإخوان بعنوان "هذه المعاهدة لن تمر" ، ونشرة أخرى بعنوان " لماذا أكافح "؟!

صدم الشعب فى جماعة الإخوان الذين كانوا –كعادتهم دائما- يتسترون بعباءة الدين للوصول إلى أهدافهم فى السيطرة على الحكم فى مصر، وبدأ الناس يشعرون بكراهية شديدة للإرهابيين من جماعة الإخوان للأعمال الإجرامية التي ارتكبوها، واخذوا يساعدون رجال البوليس في الكشف عنهم وعن مخابئ ذخيرتهم؛ فكان بعد أن انتهت صلاة الجمعة في مسجد الظاهر أن شعر الناس بأن الأستاذ صالح عشماوي كان يؤدي الصلاة بين المصلين فظنوه حسن عشماوي المطلوب القبض عليه، فقاموا بالقبض عليه وساقوه إلى قسم الظاهر ولكن رجال البوليس أخلوا سبيله!

لكن اخطر ما حدث كان القبض على بعض عناصر الإخوان في الجيش، وكشف هؤلاء عن أنه كانت توجد خطة لنسف طائرة جمال عبدالناصر. فقد اعترف الضابط طيار محمد علي الشناوي بأنه تلقى أمرا من البكباشي أبو المكارم عبدالحي قائد الجهاز السري للإخوان في الجيش بأن ينسف طائرة الرئيس جمال عبدالناصر التي سافر بها الى أسوان، وانه كلف الأونباشي فاروق حسن المسيري والأونباشي سعيد ندا من قوة الطيران بوضع قنبلة زمنية داخل محرك طائرة جمال عبدالناصر!
وكان على الطائرة مع الرئيس جمال عبدالناصر جمال سالم وصلاح سالم والدكتور احمد حسن الباقوري وزير الأوقاف ونور الدين طراف وزير الصحة والشرباصي وزير الأشغال وحسن مرعي وزير التجارة وحسني فهمي رئيس مجلس الإنتاج، والبكباشي احمد أنور قائد البوليس الحربي، وأمين حشاد قائد اللواء الجوي وسعد رفعت قائد السرب، وعبداللطيف الجيار سكرتير الرئيس، وكان معهم أيضا الكاتب الصحافي الأستاذ محمد حسنين هيكل.

واعترف الأونباشي سعيد ندا من سرب المواصلات بأن الطيار الشناوي كلفه بوضع قنبلة في طائرة الرئيس جمال عبدالناصر؛ فسأله لماذا نقتل جمال عبدالناصر، قال له الطيار الشناوي لأنه عدو للإسلام ويحل دمه.
قال له الأونباشي: ما دام الأمر كذلك فلنقتل جمال عبدالناصر، ولكن ما ذنب زملائه الذين سيكونون في الطائرة؟
فأفتى له البكباشي أبو المكارم بأنهم سيكونون شهداء! وقال أنهم سيدخلون الجنة.
وعاد الطيار الشناوي ليبلغ هذه الفتوى للأونباشي سعيد ندا، لكن الأخير لم يستطع وضع القنبلة في طائرة الرئيس جمال عبدالناصر لأسباب خارجة عن إرادته.

لم تكن هذه القصة مثيرة فقط لكنها كانت أيضا خطيرة، لأنها كانت المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن عناصر للإخوان داخل الجيش المصري غير الضابط الهارب السابق عبدالمنعم عبدالرؤوف، ولم تكن الشرطة العادية هي التي كشفت هذه القضية بل البوليس الحربي، وكان قائد البوليس الحربي هو احمد أنور، والذي كان مفروضا أن يقتل في نفس الطائرة مع جمال عبدالناصر.

وبالعودة إلى المحاكمات، تحولت شهادة حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين في القضية المتهم فيها محمود عبداللطيف الذي حاول قتل الرئيس جمال عبدالناصر واطلق عليه ثماني رصاصات في ميدان المنشية بالإسكندرية إلى ما يشبه المحاكمة العلنية للجهاز السري للإخوان ولجماعة الإخوان وأفكارها وأعمالها.

وكان مشهد الهضيبي داخل قاعة محكمة الشعب يدعو للرثاء، وهو يقول أمام القضاة والشهود بأنه لم يكن على علم بما يفعله الجهاز السري، وأنه كان مجرد " واجهة لا اكثر ولا اقل للإخوان"؛ كل مهمته السفر وتوقيع الأوراق كل شهر.. والتحدث إلى الصحافيين!

وكان الهضيبي يتحدث عن لقائه بيوسف طلعت رئيس الجهاز السري في مخبئه بالإسكندرية، وكيف أنه لم يسمح إلا بالمظاهرات، وطالب بأن تشترك عناصر الأمة في هذه المظاهرات.
وواصل حمادة الناحل محامي محمود عبداللطيف سؤال المرشد العام للإخوان.. وسأله عن نتيجة التصادم الذي سيحدث في المظاهرات بين الناس والحكومة.
- فقال الهضيبي: نتيجة سيئة!
المحامي حمادة الناحل: هل يمكن أن تكون مذبحة؟
الهضيبي: ممكن!
المحامى: ماذا قلت ليوسف طلعت بهذا الشأن؟
الهضيبي: أنا ما قلتش ليوسف طلعت إلا الكلام اللي قلته.
المحامي: هل تؤمن بالحديث الذي يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده.. الخ"؟
- الهضيبي: أيوه.
جمال سالم"رئيس المحكمة": لا تتدخل في إيمان الشاهد؛ لأن هذا بينه وبين ربه.
رئيس المحكمة: ما فيش حد من اللي هنا كان عايز يقعد القعدة دي.. لا احنا ولا الحاضرين.. ولا كنا عايزين ده كله.. ولكن نعمل ايه؟ امرنا لله.. هل اتصل بك الرئيس جمال عبدالناصر على يد أعضاء مكتب الإرشاد وطالبك بحل الجهاز السري ونشاط الإخوان في الجيش والبوليس؟
الهضيبي: حصل!
رئيس المحكمة: ماذا عملت لتنفيذ ذلك؟
الهضيبي: الأول هو طلب ألا يكون لنا تنظيمات في الجيش، فأنا قلت أنى لا اعلم انه فيه تنظيمات في الجيش.. يجوز فيه ناس قابلين الدعوة بس، وقلت إن الضابط محمود لبيب جاني في الفترة اللي كنت فيها رافض تولى رياسة الإخوان، وعرض عليّ أسماء ضباط في الجيش منضمين للإخوان، وأنا اعتذرت له عن معرفتهم لأني ماكنتش قبلت الرياسة.. وأنا قلت الكلام ده لجمال عبدالناصر.
رئيس المحكمة: وماذا عملت بالنسبة للجهاز السري المدني الذي طلب منك رئيس الحكومة حله. وطلب ذلك منك مباشرة وبواسطة أعضاء الجماعة.. وطلب منك تسليم أسلحتهم؟
- الهضيبي: لا.. أنا ماكنتش أعرف إن فيه أسلحة أو إن الجهاز فيه منه خطر.
كان الإرهاق قد بدأ يظهر واضحا على حسن الهضيبي..
جمال سالم "رئيس المحكمة": انت تعبان من الوقوف؟
الهضيبي: أيوه.
نظر جمال سالم إلى احد الجنود في القاعة.. وقال له: هات له كرسي من فضلك!
لكن الهضيبي قال: لا معلهش
رئيس المحكمة: إذن نأخذ راحة إلى أن تستريح.. توقف الجلسة ربع ساعة.
كانت هذه أجزاء من وقائع محاكمات المتآمرين من جماعة الإخوان على قلب نظام الحكم أمام محكمة الشعب.


وهذه هى التمثيلية التى يدعون أن الرئيس عبد الناصر قد دبرها ، وبعد ذلك فالزعم بأن حادث محاولة الاعتداء على الرئيس جمال عبد الناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية سنة 1954 هو حادث مدبر من الرئيس عبد الناصر ، لا يقول به إلا أحد اثنين :
إما أن يكون هو نفسه شريكا فى تدبير الاعتداء .
أو أن يكون من الذين يحرصون على أن يقذفوا بالغيب من مكان بعيد .

لقد قال الشيخ أحمد حسن الباقورى حول هذا الحادث ما يلى :
" إن الذى يصر على أن ما حدث فى المنشية كان مفتعل من جانب الرئيس جمال عبدالناصر فهو مخطئ؛ فقد كنت أجلس فى شرفة هيئة التحرير بميدان المنشية، وكنت أجلس بالقرب من الرئيس ، وبجوارى الأستاذ ميرغنى حمزة وزير الزراعة السودانى.. ورفع يده بعد إطلاق الرصاص، وإذ بيده غارقة فى الدماء نتيجة تناثر شظايا الزجاج فى يده .. هذه واحدة، أما الأخرى ؛ كان هناك سكرتير هيئة التحرير بالإسكندرية وأصيب برصاصة فى بطنه ونقل إلى المستشفى، وذهبنا لزيارته مع جمال عبد الناصر فى اليوم التالى .. هل هذا كله تلفيق".

ومن واقع حديث لجمال عبد الناصر مع رئيس تحرير الجمهورية كامل الشناوى يوم30مايو1956 جاء فيه :
"الشناوى : لقد قررتم رفع الرقابة على الصحف نهائيا ، فهل سيتبع ذلك اتخاذ قرار بتخفيض قيود الأحكام العرفية ؟
الرئيس : إن الأحكام العرفية استمرار لقرار آخر برلمان فى 26يناير1952 مع فارق أنها كانت تستخدم ضد المواطنين ، أما الثورة فقد استخدمتها ضد أعداء الوطن ، وسأعلن وجهة نظرى فى نهاية الأسبوع .
الشناوى : والمعتقلون ؟
الرئيس : لقد قررنا الإفراج عنهم .
الشناوى : جميعا ؟
الرئيس : جميعا وبلا استثناء ، ولكن هل تعرف عدد المعتقلين ؟
الشناوى : ليس عندى معلومات أكيدة من عددهم، ولكن كل ما أعلم أن كثيرين ممن اعتقلوا أو ممن صدرت ضدهم أحكام قضائية ونشرت قوائم بأسمائهم قد تم الإفراج عنهم فى صمت ولست أعرف الحكمة من كتمان هذه الأنباء .
الرئيس : سأذيع خلال أيام قليلة بيانا عن من تم اعتقالهم ومن أفرجنا عنهم، وسيفاجأ الرأى العام حين يعلم أن حملات التضليل قد ضربت الرقم الحقيقى للمعتقلين فى عشرة أو عشرين ، وسيعلم الرأى العام أيضا أننا لم نؤذ معتقلا فى رزقه لم نهمل شأنه أو شأن أحدا ممن يعولهم ، وأن الاعتقال كان إجراء تحفظيا لسلامة الدولة وحماية مصلحتها العليا، وأن الاعتقال بالنسبة إلى كثيرين من المتعقلين لم يكن عقوبة بل كان علاجا ووقاية .
الشناوى : هل أستطيع أن أعرف عددهم ؟
الرئيس : إن عدد المعتقلين الآن 571 معتقلا سيفرج عنهم جميعا قبل يوم22يونيو".

وبعد يومين من هذا الحديث أعلن الرئيس عبد الناصر ضمن الحملة الإعلامية لإعلان الدستور سنة1956 ما يلى:
"إ ن أكبر عدد للمعتقلين طوال هذه الأيام بلغ فى 24 أكتوبر 1954 عدد 942 معتقلا بعد اكتشاف القنابل ومخازن السلاح والمنظمات السرية وكلكم تعلمون الفترة التى مررنا بها 0 وقبل هذا الوقت وهذه الحوادث كان أكبر عدد للمعتقلين فى أكتوبر 1954 وكان عددهم فى عامى 1952 و1953 حوالى 237 شخص فقط ، ولما قامت الحوادث المؤسفة باسم الدين قام بعض الناس ممن خدعوا وغرر بهم ودفعوا دفعا لمقاومة هذه الثورة ورغم هذا كله فإن عدد المعتقلين وصل إلى 2943 وفى سنة 1948 و1949 لم تكن البلاد تحكم أحكاما استثنائيا وصل عدد المعتقلين إلى خمسة آلاف شخص وأنتم تعلمون أن هذه الأرقام مع فارق واحد هو أن المعتقلين فى الماضى كانوا الذين يعملون من اجل الوطن والحرية وتحقيق الآمال والمعتقلين الذين اعتقلوا فى الثورة كانوا وبالا على الشعب وآماله وأهدافه وكانوا يمثلون خطرا على مستقبل هذا الوطن وكيانه الذى يسعى إلى التحرر من الاستعمار وأعوانه".
ثم شرح الأسباب التى دفعت للاعتقال قائلا :
" فإن علينا أن نفكر فى الأسباب والدوافع قبل الحكم على قرار ما حتى نستطيع أن نحكم عليه حكما سليما.
إنه فى السنوات الماضية أقيمت محاكم عسكرية وحكمت على الأشخاص الذين كانوا يقاومون هذه الثورة والذين كنا نعتبر أن أى نجاح لهم يعد انتكاسا لهذه الثورة، وأن أى نجاح قد يثبت الاستعمار وأعوانه ، المحاكم العسكرية حكمت على 254 فردا بأحكام متفاوتة وعلى ما أعتقد أحكاما لا يتجاوز أقصاها 8 سنوات. كما أقيمت محاكم الشعب التى حاكمت الجهاز السرى والتنظيمات المسلحة التى كانت موجودة فى مصر والفصائل التى كانت موجودة فى شبرا ومصر القديمة وفى إمبابة وفى كل مكان ، التنظيم المسلح والتنظيم العسكرى ولم يكن المقصود به جمال عبد الناصر أبدا كان المقصود به أنتم ، كان المقصود به حريتكم .
وبعد أن انتهت معركة الجهاز السرى ، ولم تكن خسائر هذه المعركة كبيرة ـ حكمت محاكم الشعب على 867عضوا فى الجهاز السرى البالغ عددهم حوالى أربعة آلاف أو خمسة آلاف موجودين فى شعب وخلايا مسلحة يمثلون فصائل وجماعات ومناطق ، جيش حر فى داخل البلاد .
فى المحاكم العسكرية حكم على 254 وفى محاكم الشعب حكم على 867 ولو قارنا هذه الثورة بثورات العالم أجمع نجد أنه ما من ثورة قامت فى العالم واستطاعت أن تثبت أقدامها وتقاوم الرجعية والانتهازية والسيطرة والتحكم إلا ببحر من الدماء .
محكمة الثورة كانت درسا سمعتم ما كان فيها وعرفتم ماذا كان يجرى فى الماضى وراء الستار وعرفتم كيف كانت تحكم مصر ومن أين كانت تحكم 00 كان يحكمها الخدم والشماشرجية .
هذا هو الدرس الذى أخذناه من محكمة الثورة ، أما من حكم عليهم من محكمة الثورة فقد أفرج عنهم جميعا تقريبا ، ولم يكن الغرض انتقاما ولم يكن الغرض حقدا ، ولم يكن هناك أى عامل شخصى " .

مؤامرة 1965:

هذا ما حدث سنة 1956؛ أما ما حدث سنة 1965 فكانت الصورة أعنف وأشد ضراوة من جانب الجهاز السرى للإخوان المسلمين ـ وهى قصة أخرى ـ وكانت الإعتقالات حوالى خمسة آلاف فرد أخذا بالأحوط؛ لأن الصورة كانت غير واضحة من حيث نوايا وقدرات المتآمرين، وخصوصا أن هذه المؤامرة أكتشفت بواسطة التنظيم الطليعى وليس بواسطة أجهزة الأمن .

لم يكن أسلوب الرئيس عبد الناصر هو تصفية الحسابات مع خصومة، ولكنه كان يرفض وبإصرار تصفية البشر عزوفا منه عن سفك الدماء باسم الثورة أو حتى طلبا لحمايتها. وكان فى نفس الوقت يتصرف كإنسان، يخطئ ويصيب، ومن أول يوم للثورة وقف ضد إعدام الملك فاروق، ورفض منذ البداية الديكتاتورية العسكرية .

وفى عام 1960 أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارا بالإفراج أيضا عن كل المسجونين من الذين كانت قد صدرت ضدهم أحكام من الإخوان المسلمين، وتم صرف جميع مستحقاتهم بأثر رجعى بموجب قانون جرى استصداره من مجلس الأمة ينص على أن تعاد لجميع المفرج عنهم حقوقهم كاملة، وأن يعودوا إلى وظائفهم بمن فيهم أساتذة الجامعات الذين يملكون حرية الاتصال والتوجيه للنشء الجديد... هذا هو جمال عبدالناصر الإنسان والقائد والزعيم.

خرج الإخوان المسلمين من السجون بفكر إرهابي مبنى على تكفير الحكم ، وضعه سيد قطب فى كتابه "معالم على الطريق " ، وأمكن بواسطته أن يجذب إليه العديد من العناصر التى كانت بالسجن معه ، كما وجدوا فى انتظارهم مجموعة موازية على قدر عال من التنظيم ويعملون على نشر فكر الجماعة فى مختلف المحافظات؛ وخاصة فى الدقهلية والإسكندرية والبحيرة ودمياط ، وكان على رأس هؤلاء على عشماوى وعبدالفتاح إسماعيل وعوض عبدالعال ومحمد عبدالفتاح شريف وغيرهم . وتوفر لهم تمويل خارجى كان الشيخ عشماوى سليمان هو حلقة الاتصال المسئول عن توصيل هذا التمويل إلى الداخل .

والتفت المجموعات المختلفة من الإخوان حول فكرة واحدة هى تكفير الرئيس عبد الناصر ومن ثم استباحة اغتياله ، كما اتضح فيما بعد كما كان مقررا أن تشمل عملية الاغتيالات عدد كبير من رجال الدولة والكتاب والأدباء والصحفيين والفنانين وأساتذة فى الجامعات وغيرهم رجالا ونساء ، وبيان تفاصيل هذا الأمر محفوظ فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى ، وأرشيف المباحث العامة وأرشيف المخابرات الحربية .

خطط هؤلاء على إدخال بعض عناصرهم كضباط فى القوات المسلحة عن طريق الالتحاق بالكلية الحربية كما حاولوا اختراق الشرطة أيضا بنفس الأسلوب ، يضاف إلى ذلك تجنيد عدد لا بأس به من شباب الجامعات خاصة فى الكليات العملية، وبالذات كليتى العلوم والهندسة التى يمكن لعناصرهم فيها أن يتمكنوا من إعداد المتفجرات بأيسر الطرق ، كما كان داخل التنظيم قسم لتجميع المعلومات يتولى مسئوليته أحمد عبد المجيد الموظف بإدارة كاتم أسرار حربية بوزارة الحربية 0 كما أجمعت قيادات التنظيم على اختيار سيد قطب لتولى رئاسة هذا التنظيم الجديد ، وتم الاتصال به داخل السجن وأعرب عن موافقته، وقدم لهم كتابه " معالم على الطريق "، ونشط فى بناء التنظيم وتوسيع بنائه وقواعده بعد خروجه من السجن .

فى 7 أغسطس1965 كان الرئيس جمال عبد الناصر يتحدث إلى الطلبة العرب فى موسكو خلال زيارة كان يقوم بها للاتحاد السوفيتى، وأعلن فى هذا الحديث عن ضبط مؤامرة جديدة للإخوان المسلمين فقال :
" بعد أن رفعنا الأحكام العرفية منذ سنة وصفينا المعتقلات ، وأصدرنا قانونا لكى يعودوا إلى أعمالهم نضبط مؤامرة وسلاحا وأموالا وصلت إليهم من الخارج، وهذا دليل على أن الاستعمار والرجعية بيشتغلوا من الداخل " .

وتوالى بعد ذلك كشف تفاصيل المؤامرة ...
كانت نقطة البداية فى الكشف عن التنظيم الإخوانى هى رصد بعض مجموعات التنظيم الطليعى فى محافظة الدقهلية نشاطا لعناصر من الإخوان أخذ شكل جمع تبرعات قيل أنها لعائلات الغير قادرين منهم ، لكن اتضح أن هذه التبرعات بعد متابعة هذا النشاط كانت تستهدف تجنيد عناصر جديدة ليس لها تاريخ سابق فى جماعة الإخوان المسلمين أو فى سجلات أجهزة الأمن ، وتبين بعد ذلك أن هذا النشاط لا يقتصر على محافظة الدقهلية وحدها ، بل تبعه إلى عدد من المحافظات الأخرى .

والحقيقة أن الرئيس عبد الناصر عندما تلقى معلومات التنظيم الطليعى ، طلب تأكيدها عن طريق أجهزة الأمن التى لم يكن لديها بعد مؤشرات عن هذا النشاط، وبناء على ذلك شكلت مجموعة عمل خاصة من شعراوى جمعة وسامى شرف وحسن طلعت لتلقى المعلومات وتحليلها كما تم التنسيق مع شمس بدران فيما يتعلق بالقوات المسلحة .

وبعد إجراءات التنسيق التى تولت المتابعة بشكل جدى ودقيق ورصد كل تفصيلاته، وكان كتاب سيد قطب " معالم على الطريق " قد صدر ، لكن مشيخة الأزهر الشريف طلبت مصادرة الكتاب لما يحويه من أفكار جديدة مستوردة ومستوحاة من تعاليم أبو الأعلى المودودى الباكستانى، وبعبارات مختصرة فقد قام فكره على تكفير الحاكم والمجتمع وتغريبه بما يشمل استباحة التخلص من الأنظمة التى لا تتماشى فى الحكم مع هذه التعاليم والمبادئ ، وبعد إطلاع الرئيس عبد الناصر على الكتاب طلب السماح بطبعه وتداوله فى سوق الكتاب مع المتابعة بالنسبة لتوزيعه ، وقد ثبت أن الكتاب قد أعيد طبعه فى أربع طبعات على مدى قصير وبدون إعلان أو دعاية للكتاب ، وعندما قدم التقرير إلى الرئيس كان قراره وتحليله أنه مع تزايد التوزيع وإعادة الطباعة فهذا يعنى شىء واحد فقط هو أنه هناك تنظيم وراء هذا العمل، وبدأت أجهزة الأمن تتابع هذا النشاط بالنسبة للمشترين والموزعين ومن يحصلون على الكتاب .. الخ، وكان هناك أيضا وفى نفس الوقت تكليفات للتنظيم الطليعى بمتابعة هذا الموضوع جماهيريا وسياسيا، وكانت كل البيانات تجمع وتعرض على اللجنة الخاصة التى تولت تحليلها.

وحدث أنه أثناء قيام الرئيس جمال عبد الناصر بزيارة الجامع الأزهر فى شهر أغسطس 1965 أن اكتشف وجود شخص يحمل مسدس ويندس بين صفوف المصلين، وكان ذلك قبل وصول الرئيس فقبض عليه وبدأ التحقيق معه .
كذلك أفادت المعلومات عن نشاط مكثف يقوم به سعيد رمضان وهو من قادة الإخوان المسلمين، وكان هاربا ومقيما فى ألمانيا ، وأنه دائم التنقل بين مقر إقامته وبيروت وجدة و طهران – إيران الشاه – وبعض العواصم الأوروبية الأخرى، وكان وقتها يحمل جواز سفر دبلوماسى أردنى .

وكانت جماعة مصر الحرة التى يقودها أحمد أبو الفتح – من زعماء حزب الوفد فى مصر والذى كان يقيم متنقلا بين سويسرا وفرنسا – قد حصلت على مبلغ مائتان وخمسون ألف جنيها إسترلينيا من الملك سعود ووقع خلاف بين هذه الجماعة من جانب ، وبين سعيد رمضان من جانب آخر على أسلوب اقتسام هذا المبلغ بعد أن كان الطرفان قد شكلا جبهة عمل واحدة للعمل ضد نظام ثورة يوليو1952 و الرئيس جمال عبد الناصر بالذات.

لقد كان كتاب سيد قطب " معالم على الطريق " هو الدستور الذى ارتكز عليه فكر التنظيم وبرنامجه فى التحرك التآمرى إلى بناء طليعة تقاوم الجاهلية التى يعيش فيها العالم الإسلامى كله، وأن هذه الجاهلية تمثل الاعتداء على سلطان الله ، وأخص خصائص الإلوهية الحاكمة، ويرى أن المهمة الرئيسية لهذه الطليعة هى تغيير داخل المجتمع الجاهلى من أساسه، ولا سبيل لهذا التغيير سوى الجهاد واستخدام كل وسائل الحرب ضد الحكام وضد المجتمع.

وكانت الترجمة العملية لهذه الأفكار المنحرفة هى وضع مخطط لصنع المواد الحارقة والناسفة وجمع المعلومات ، كما وضعت خطط لنسف العديد من الكبارى والقناطر وبعض المصانع ومحطات توليد الكهرباء ومطارى القاهرة والإسكندرية، والمبنى الرئيسى لمصلحة التليفونات ومبنى ومحولات الإذاعة والتليفزيون.

كان هدف المخطط الإخوانى الجديد هو إحداث شلل عام فى جميع المرافق، وقد أعدوا خرائطها التى تم ضبطها مبينا عليها البيانات التى تفيد أسلوب وكيفية التدمير والتخريب . . . كما شمل المخطط أيضا تنفيذ موجة من الاغتيالات تبدأ من الرئيس جمال عبد الناصر وكبار المسئولين وغيرهم كما ذكرت آنفا .
شملت هذه القضية أيضا تخطيطا ضبط؛ كان هدفه اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر أثناء تحركه فى أى موكب رسمى فى القاهرة أو فى الإسكندرية علاوة على خطة أخرى لنسف القطار الذى كان يستقله الرئيس عبد الناصر فى طريقه للإسكندرية للاحتفال بعيد الثورة ، وخطة ثالثة لاغتياله وهو فى طريقه إما إلى منزله فى منشية البكرى أو فى طريقه إلى قصر القبة، وقد ضبطت فعلا هذه المحاولة باكتشاف محاولة وضع متفجرات فى أحد بالوعات المجارى فى شارع الخليفة المأمون .
لم يكن هذا المخطط " إخوانيا " خالصا بل شاركت فيه قوى دولية كان أبرزها حلف بغداد، وتنسيق مخابرات الحلف مع الموساد الإسرائيلى، وكان يشرف على التخطيط مع الإخوان المسلمين لجنة داخل الحلف تسمى " لجنة مقاومة النشاط المعادى " ، كما قدمت السعودية ربع مليون جنيه إسترلينى .

والحقيقة أنه لم تنقطع المخابرات المركزية الأمريكية عن محاولات التدخل فى الشأن المصرى للثورة اعتبارا من 1952 إلا أنه فى سنة 1965 بالذات فقد تم الكشف عن أكثر من قضية كان للمخابرات المركزية الأمريكية يد فيها .

ففى 21يوليو1965 تم القبض على الصحفى مصطفى أمين فى منزله بالإسكندرية، وكان بصحبته مندوب المخابرات المركزية الأمريكية فى السفارة الأمريكية بالقاهرة " بروس تايلور أوديل "، والذى كان يتخذ غطاء لنشاطه صفة مستشار السفارة اعتبارا من أغسطس1964 الشىء الذى لم يخفى علينا حقيقته منذ أن قدم للقاهرة . وقد سرب مصطفى أمين لبروس أوديل من المعلومات والوثائق الكثير وبصفة خاصة معلومات عن القوات المسلحة المصرية وفى اليمن بالذات، وكذلك نشاط المشير عبد الحكيم عامر وزياراته للاتحاد السوفيتى واليمن، وعن مغادرة علماء الذرة الألمان للبلاد، وإيفاد علماء مصريين للصين وما ادعاه عن النشاط الشيوعى فى القوات المسلحة المصرية والأخطر عن جهاز سرى يتعامل معه وسيتحرك عند اغتيال جمال عبد الناصر ومحاولته تهريب وثائق تخص مصطفى أمين ومبلغ عشرين ألف جنيه قدمها له ، وضبطت على الطاولة ، وذلك لتحويلها فى السوق السوداء إلى ليرات لبنانية وفتح حساب له بها فى لندن . ولقد أفرج السادات عنه إفراجا صحيا سنة 1974 بتدخل من هنرى كيسينجر ، كما أصدر قرارا بإسقاط الحكم عنه وتبرئته !! فى الوقت الذى كان كمال حسن على مدير المخابرات العامة المصرية فى تلك الفترة وبعد انقلاب مايو1971 ، إتخذ قرارا بأن تعتبر قضية مصطفى أمين قضية تخابر متكاملة ويتم تدريسها فى معهد المخابرات العامة كقضية نموذجية كاملة للتخابر .
وفى نفس الوقت الذى قبض فيه على مصطفى أمين فى أغسطس سنة1965 ، فقد تم ضبط عدة تنظيمات لجماعة الإخوان المسلمين يقودها سيد قطب، ووجهت لهم عدة اتهامات منها محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، وتدبير انفجارات وحرائق عدة فى مختلف أنحاء البلاد للمنشآت العامة والكبارى ومحطات الكهرباء ، علاوة على اغتيالات تتم لبعض رموز الدولة من السياسيين والمثقفين وبعض الفنانين .. الخ.

ولقد نشرت اعترافات سيد قطب فى كتابه " لماذا أعدمونى " الصادر عن كتاب الشرق الأوسط الشركة السعودية للأبحاث والتسويق ـ ص 58 . وتم نشر هذا الكتاب بعد إعدام سيد قطب بسنوات، وأهم ما جاء فيه كان ما ذكره " أن منير دلة ـ من قيادات الإخوان المسلمين ـ قد حذره من شباب متهورين يقومون بتنظيم، ويعتقد أنهم دسيسة على الإخوان بمعرفة قلم مخابرات أمريكى ، عن طريق الحاجة زينب الغزالى " .

وفى كتاب " آلن جيران " عن المخابرات المركزية الأمريكية أن الإخوان المسلمين كانوا ورقة دائمة فى يد المخابرات الأمريكية ـ كيرميت روزفلت ـ وأن منظّرى الحركة تأثروا إلى حد كبير بالنظام الإقتصادى والسياسى فى ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية . وأن الإخوان المسلمين هم سلاح ممتاز تستخدمه بعض الدول الغربية التى رأت منذ سنة 1940 أن هذه الحركة هى حاجز متين ضد النفوذ الشيوعى والتغلغل السوفيتى . ومن كل الذين استخدموا هذه الحركة فإن " كيم " ـ كيرميت روزفلت ـ كان دون شك الأكثر مثابرة .

كما كان " كلود جوليان " يعطى مثالا جيدا عن الشكل الذى أستخدم فيه الإخوان عندما يقول : "فى سنة 1965 ، وبالتواطؤ مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية نظمت جماعة الإخوان المسلمين المحافظة جدا ، مؤامرة واسعة ، للإطاحة بالنظام الناصرى ، إلا أن المسئولين الرئيسيين عنها اعتقلوا . "

لم تكن هذه المخططات بعيدة بأى حال عما تنفذه المخابرات المركزية الأمريكية فى سائر دول العالم الثالث؛ مستهدفة التخلص من مجموعة القيادات التى أفرزتها حركة التحرر الوطنى بعد الحرب العالمية الثانية، وسببوا إزعاجا خطيرا لقوى التحالف الغربى بوجه عام، وفرضوا وجودهم على ساحة التوازنات الدولية ، ولقد انساقت هذه العناصر المضللة وراء حالة من الهوس الفكرى صاغها سيد قطب واستغلتها أجهزة المخابرات والقوى المعادية لثورة يوليو أفضل استغلال، ولم يفطن أى من هؤلاء المخدوعين إلى أنهم – إذا ما نجح المخطط – سيستلمون دولة لا تقوم إلا على الخراب – لكن الله سلم مصر التى كرمها كمهبط لأنبيائه، وبذكرها فى كتابه الكريم وأوصى خاتم الأنبياء بشعبها وجنودها الذين كتب عليهم الرباط إلى يوم الدين .

فى الواقع فإننا لا نحتاج إلى أدلة كثيرة لكى نثبت تآمر الإخوان المسلمين؛ فتاريخهم فى الإرهاب قبل الثورة وبعدها يشهد على دموية هذه الجماعة، وهو تاريخ لا أعتقد أنهم يمكن أن يقولوا أنه كان تمثيليات مسلسلة مدسوسة عليهم:



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:29


هل كان اغتيال النقراشى باشا تمثيلية؟

هل كان اغتيال الخاذندار رئيس محكمة استئناف مصر تمثيلية؟

هل كانت محاولة اغتيال إبراهيم عبدالهادى تمثيلية؟

هل كان اغتيال حامد جودة تمثيلية؟

ولا نريد أن نستطرد فى ذكر التاريخ الإرهابي للإخوان المسلمين .. ولكنى أريد أن أذكر بعبارة قالها مؤرخ مصر الكبير عبد الرحمن الرافعى عن إرهاب جماعة الإخوان المسلمين : " أن العنصر الإرهابي فى هذه الجماعة كان يرمى من غير شك إلى أن يؤول إليها الحكم، ولعلهم استبطئوا طريقة إعداد الرأى لعام لتحقيق هذه الغاية عن طريق الانتخابات فرأوا أن القوة هى السبيل إلى إدراك غاياتهم".

ويؤكد ما قاله الرافعى منذ أكثر من نصف قرن ما قال به مرشد الإخوان العام السابق الهضيبى حينما قال ردا على سؤال وجه إليه بشأن ما ذكره الهلباوى لجريدة القدس بأن الإخوان المسلمين جماعة لا تخلو من الخطايا، والمعروف أن الهلباوى هو أبرز قادة الإخوان المسلمين فى لندن.. فى معرض تعليقه على الهلباوى قال الهضيبى:
" أنا مع الهلباوى فيما يقول؛ فنحن كنا متسرعين فى بعض حساباتنا مثل طريقة وصولنا للسلطة، ومحاولة اغتيال عبدالناصر". ووصف الهضيبى من قام بمحاولة اغتيال عبدالناصر بأنهم بعض الشباب الهايف. وشهد شاهد من أهلها.. إذن يا سادة لم تكن تمثيلية كما يروج المدعين والمنافقين..!! أليس كذلك؟!! بل كانت عملية دنيئة من مجموعة هايفة .. وأسف لاستخدام هذه الألفاظ، ولكننى أستخدم نفس الوصف الذى وصف به المرشد العام للإخوان جماعته.

كما أن الأمير نايف وزير الداخلية السعودى قال فى حديث له مع صحيفة السياسة الكويتية: " إن مشكلاتنا كلها جاءت من الإخوان المسلمين، فقد تحملنا منهم الكثير، ولسنا وحدنا من تحمل منهم، ولكنهم سبب المشاكل فى عالمنا العربى وربما الاسلامى".

ومن المناسب هنا أن أذكر قصة خاصة بى توضح أسلوب جماعة الإخوان فى تصفية حساباتهم مع خصومهم، وتأكيد استمرار السياسة الثأرية من جانبهم حتى بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر وهى باختصار.. قصة كمال ناجى وأنور السادات وشخصى البسيط، وهى رسالة من قيادة الإخوان المسلمين لشعراوى جمعة وسامى شرف تطلب منهما إعلان التوبة وطلب الصفح :
ففى أحد أيام شهر ديسمبر 1970 أضاءت اللمبة الحمراء للتليفون المباشر بينى وبين الرئيس السادات فى مكتبى بقصر القبة ودار الحديث التالى :

الرئيس السادات: صباح الخير يا سامى .
سـامى شـرف: صباح الخير يا فندم .
الرئيس السادات: عايزك تسيب خبر لمكتبك . . فيه واحد أنا حا أبعته لك دلوقت ومعاه
رسالة حا يبلغها لك . . ونبقى نتكلم فى الموضوع بعدين .
سـامى شـرف : طيب ممكن يا فندم أعرف إيه هو موضوع الرسالة علشان لو فيه
رد لها أجهّزه .
الرئيس السادات : ( ضاحكا ) . . لا . . هو حا يبلغك بنفسه بالرسالة، وهيه فى الغالب مش
محتاجة لرد . . وعلى العموم حا نتكلم بعدين . . سلام .

وبعد حوالى نصف ساعة دخل محمد السعيد ـ سكرتيرى الخاص ـ وقدم لى ورقة مكتوب فيها الآتى حسبما أذكر : " أفندم ـ الضيف الذى جاء فى سيارة من الجيزة موفدا من سيادة الرئيس وصل وفى انتظار مقابلة سيادتك . " .
ودخل الضيف الذى ما أن رأيته حتى عرفته على الفور من واقع تقارير الأمن، وكان كمال ناجى عضو جماعة الإخوان المسلمين والمقيم من مدة فى قطر ، وقلت له :
أهلا يا أخ كمال .. إنت وصلت القاهرة إمتى ؟
فرد باندهاش بالغ ـ لعدم سابق المعرفة أو اللقاء ـ والله أنا وصلت إمبارح، ولم أقابل أحد سوى الرئيس أنور الذى طلب منى أن أقابلك .
قلت له : خير .
فسكت وتشاغل بشرب فنجان القهوة الذى كان قد وضع أمامه . . وطبعا فقد سكتت أنا بدورى فى انتظار إبلاغى بالرسالة التى يحملها حسب مكالمة الرئيس لى .
طال السكوت والصمت الذى قطعته بقولى : يا أخ كمال .. سيادة الرئيس أبلغنى أنك تحمل رسالة ستبلغها لى .
فهمهم وأشار بيديه وبرأسه يمينا وشمالا ، ولم يتكلم ولم ينطق بحرف.

وبعد دقائق معدودة وبعدما شرب فنجان القهوة طلب الاستئذان فى الانصراف ، فطلبت من السكرتير أن يوصله للسيارة التنى حضر بها ، وغادر المكتب ناسيا حتى أن يصافحنى !
ضغطت على زر التليفون المباشر بين الرئيس وبينى وجاء صوت الرئيس السادات على الطرف الآخر من الخط وكأنه كان منتظر هذه المكالمة وقال :

الرئيس السادات : أيوه يا سامى . . خير ؟
سـامى شـرف : خير يا فندم .
الرئيس السادات : جالك الزبون ؟
سـامى شـرف : أيوة جالى كمال ناجى عضو الإخوان الشهير اللى عايش فى قطر من
مدة.
الرئيس السادات : هو إنت كل حاجة تعرفها ؟! هيه ؟ المهم بلغك الرسالة ؟
سـامى شـرف : لأ والله يا فندم اللى حصل كيت وكيت.. وحكيت له ما حدث بالضبط .
فضحك السادات ضحكة عالية طال زمنها ثم قال :
تلاقيه خاف منك ! ! حاكم إنت بتخوف الناس اللى ما تعرفكش . . سمعتك كدة ! حا تعمل إيه فى قدرك؟! مع إن اللى يعرفك ويقعد معاك بتتغير فكرته عنك تماما .. أنا حا أقول لك بقى الرسالة:
"كمال جاء لى بعدما أمنت مقابلته عن طريق الأخوة فى قطر ـ ما إنت عارف ـ وهو قال لى إنه بيحمل رسالة من قيادة الإخوان المسلمين الدولية والمصرية بتقول إن ثأر الدم اللى كان بينهم وبين المعلم ـ يقصد عبد الناصر ـ قد انتقل إلى شعراوى جمعة وسامى شرف ..! !
ثم ضحك وأضاف :أنا قلت له طيب ما تبلغ سامى إنت بنفسك الرسالة دى .. وآهو جالك، وأكيد خاف منك ولم يبلغك الرسالة . وبالمناسبة يا سامى أنا بأنصحكم تشددوا الحراسة عليكم اليومين دول إنت وشعراوى " .

لم أعلق على كلام السادات لأننى فهمت أن الرسالة ذات شقين ، الأول من الإخوان المسلمين، والثانى من أنور السادات الذى أعتبر نفسه غير مسئول عن النظام، واعتبر نفسه شىء ثانى غيرنا كلنا، وانتهت المكالمة عند هذا الحد، وبلّغت شعراوى بما دار ولم نعمل على تشديد الحراسة ، لأن الحارس هو الله .

وكما سبق أن ذكرنا أن الرئيس السادات حاول استغلال جماعة الإخوان المسلمين لضرب أفكار ومبادئ الرئيس جمال عبد الناصر، وكل من ساروا على درب الرئيس جمال عبد الناصر؛ فأخرج أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من السجون، وأعطاهم مساحات كبيرة من حرية الحركة وخاصة فى الجامعة وفى أوساط الشباب ظنا منه أنهم سيكونون أداه فى يده وسلاح يضرب به على يد معارضيه، ولكن ما حدث - كما يعلم الجميع- كان العكس؛ فقد انقلب السحر على الساحر، وكانت نهاية الرئيس السادات على يد نفر من أعضاء الجماعة وبمباركة منهم.

كما عانت مصر بعد ذلك من دوامة العنف والإرهاب على يد جماعة الإخوان المسلمين بهدف زعزعة استقرار مصر، والاستيلاء على السلطة. وتحت ضربات النظام تارة ومهادنة النظام تارة تم الاتفاق على فترة هدنة بين النظام والجماعة، وادعى أقطاب الجماعة أنهم سيتخلون عن العنف كوسيلة لتحقيق أهدافهم.. ففى الآونة الأخيرة سلكت جماعة الإخوان المسلمين فى مصر تكتيكا فى العمل السياسى غريبا على تاريخها السياسي الدموى؛ فقامت بالاتصال بأحزاب سياسية من بينها -للأسف- الحزب العربى الديمقراطى الناصرى ، وحزب التجمع التقدمى الوحدوى، وحزب الوفد الجديد، ولكن هل هذا التعاون مع الحزب العربى الديقراطى الناصرى يعنى غلق ملف العداء بين جماعة الإخوان المسلمين وثورة يوليو ، وقائدها الرئيس جمال عبد الناصر؟!! الإجابة بالطبع ..لا؛ فالحزب العربى الديقراطى الناصرى لا يمثل ثورة يوليو، ولا قائد الثورة.. هذا بالإضافة إلى أن الموقف المعادى للثورة وقائدها من قبل جماعة الإخوان المسلمين مستمر الى الآن وأعتقد أنه سيستمر؛ فالخلاف على ثوابت العمل الوطنى، والخلاف أيضا على الأهداف والمنهج والأسلوب؛ فثورة يوليو وقائدها أرادا لمصر النهوض والتقدم والازدهار، وجماعة الإخوان المسلمين تريد لمصر العودة لعصور قديمة بعيدة عن التقدم، والدخول فى دوامة من عدم الاستقرار والعنف .. ولهذا فالاختلاف سيستمر، فلازال أقطاب الجماعة يروجون بين مريديهم افتراءات حول مثالب نظام ثورة يوليو، وأنها كانت تهدف للقضاء على الإسلام، ويروجون لكل شئ يسئ للثورة وقائدها؛ حتى لو كانت مجرد إشاعات نابعة من أعداء مصر – وهم على علم بذلك – إلا أن موقفهم من الرئيس جمال عبد الناصر قد أعمى بصيرتهم وأبصارهم عن إدراك حقائق الأمور، وما قدمته ثورة يوليو وزعيمها لمصر وللأمة العربية؛ حتى أنهم وصلوا بحقدهم إلى اتهام الرئيس جمال عبدالناصر بالشيوعية والكفر؛ حتى ينقصوا من مكانة الرئيس جمال عبدالناصر عند الشعوب العربية والاسلامية، ولكن هيهات .. فقصة استغلالهم للدين، واللعب على وتر الشعور الدينى للشعب المصرى باتت عملية مكشوفة، وأفقدت الجماعة الجزء القليل الباقى من مصداقيتهم، فالشعوب العربية والإسلامية يدركوا أن الإسلام رسالة حق إيمانية تدعو إلى العدل والمساواة والحرية، والقضاء على الظلم والفساد والاستغلال، وما كانت مبادئ عبدالناصر إلا هذا، واعتبر أن الإسلام هو التعبير الإيماني للقومية العربية.

أما علاقة الرئيس جمال عبدالناصر بالإخوان المسلمين فليس لها أدنى صلة بالإسلام كدين وحضارة، ولكنها كانت علاقة قوة، وصراع على السلطة منذ اليوم الأول إلى الآن، غير أن جماعة الإخوان المسلمين استغلوا كل شئ من أجل تشوية الثورة وقائدها بما فيها استغلال الدين ظلما وافتراء، وهذه عاداتهم؛ فهم على استعداد لفعل أى شئ والتحالف مع أى جهة مقابل الحصول على السلطة والمال. فمرشد الاخوان المسلمين الحالى الأستاذ مهدى عاكف أعلن أن الجماعة ليس لديهم مانع من تأييد الرئيس مبارك لفترة ولاية خامسة ليكمل مدة الثلاثين عام فى حكم المصريين؛ بشرط أن يعترف النظام الحاكم بجماعته – جماعة الإخوان المسلمين - ، وقد سبق هذه التصريحات بفترة قليلة تصريحات أخرى ممعنة فى التزلف والرياء السياسى، والانتهازية المعهودة دائما فى جماعته، وكان نصها أنه هو وجماعته رجال الرئيس الأوفياء.. يا لها من بهلوانية سياسية وأشياء أخرى. نحن نسأل بدورنا المرشد العام للإخوان .. يا ترى هل تبايعون على إرادة الشعب المصرى مقابل اعتراف النظام الحاكم وسعيكم للوصول إلى السلطة؟!.

أخيرا إذا كان هناك من فرصة فى العمل السياسى بين الناصريين وتلك الجماعة .. فإن اللقاء مع تلك الجماعة يتطلب الإجابة الصريحة أولا، والمعلنة ثانيا من المرشد العام لتلك الجماعة حول عدد من الأسئلة، والمتعلقة بموقفهم من القائد الخالد جمال عبد الناصر وثورته العظيمة كخطوة أولى:

هل كان الاعتداء على الرئيس جمال عبد الناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية مسرحية من صنع النظام؟

هل كان الرئيس جمال عبد الناصر كافرا ومعاديا للإسلام؟ وهل سعى لهدم الإسلام، وإحلال الشيوعية؟

هل كان الرئيس جمال عبد الناصر طاغية، ومن يتمسك بمشروع النهضة الناصرى من الطغاة؟

هل ارتكب الرئيس جمال عبد الناصر جرم تعذيب خصومه أو أعدائه بمنهج تطبقه إسرائيل، أو بأى منهج آخر خارج عن حدود القانون؟

هل أهدر الرئيس جمال عبد الناصر المال العام؟

هل كانت زعامة الرئيس جمال عبد الناصر فى الوطن العربى زعامة شخصية زائفة؟

هل النعوت السفيهة التى أطلقتها الجماعة ضد الرئيس جمال عبد الناصر صحيحة؟

هل كان الرئيس جمال عبد الناصر وراء حريق القاهرة؟

هل كانت مظاهرات 9و10يونيو عام 1967 مدبرة من قبل النظام الناصرى؟

هل تراجعت الجماعة عن تحالفها مع الثورة المضادة التى قادها السادات .. ؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة أكاد أدركها مسبقا، ولكنى أطرحها لمن يدعون بالباطل أنهم ورثة عبدالناصر، وفى نفس الوقت يتعاونون مع تلك الجماعة بزعم أنها غيرت من موقفها إزاء ثورة يوليو وقائدها.. أردت فقط أن أكشف كذب هؤلاء وهؤلاء أمام البسطاء الواعين من أبناء الشعب المصرى العظيم الحافظين الحقيقيين لتراث ومبادئ الرئيس جمال عبد الناصر، وتمتلأ قلوبهم بالحب له، وتؤمن بأن ذلك الرجل أخلص لوطنه وشعبه، واجتهد بقدر ما استطاع أن يحقق آمال الشعب فى الحرية والكرامة والازدهار ؛ ولكى لا ينخدعوا بحديث تجار السياسة.
كلمة أخيرة لهؤلاء من مدعى الحنكة بأمور السياسة .. إن الإخوان حاليا يعانون من الانحسار والانكشاف فى عدد من الدول لأسباب لم تعد خافية على أحد، وعلينا أن ندرك أن من يقومون به من تقارب من عدد من الأحزاب والتيارات هى مسألة تكتيكية، وليست من ثوابت الجماعة أو نابعة من تغيير حقيقى فى استراتيجيتهم التى يتبنونها؛ فالمتتبع لأدبيات الجماعة منذ نشأتها يرى إقصاء غريبا للآخر ووصم فكرة التعددية، ومن يعتنقونها بمخالفة صحيح الإسلام الذين يعتبرون أنفسهم الممثل الشرعى والوحيد له، وهم لذلك دخلوا فى تحالفات سياسية انتهازية مع القصر الملكى أيام فاروق، ومن قبله فؤاد ضد حزب الوفد صاحب الأغلبية الشعبية قبل الثورة، وتحالفوا مع أسوأ رئيس وزراء وهو إسماعيل صدقى فى عام 1946 ، وفى عام 1953 أيدوا ثورة يوليو فى حل الأحزاب السياسية، وفى عام 1974 أعادوا إصدار مجلة الدعوة الشهرية وظلوا يكتبون فيها وفى مجلة الاعتصام ضد التعددية الحزبية التى أخذ بها السادات عام1976، ولم يغيروا موقفهم منها إلا بعد اعتقالات سبتمبر 1981، إذ أعلنوا إيمانهم بها وشاركوا أحزاب المعارضة فى أنشطتها واجتماعاتها.. إلا أن ذلك لم يكن تغيير إستراتيجي فى فكر الجماعة، بل كان مجرد مناورة سياسية تكتيكية قصدوها لمجرد تجنب ضربات النظام لهم، إلا أنهم فى واقع الأمر لا يؤمنون بمبدأ التعددية فهو يتناقض مع ما يدعونه من أنهم الوحيدون وكلاء الله فى الأرض، أو على الأقل ملائكة يعملون بالسياسة ولا يخطئون!!.. فأفيقوا يا سادة .. أو أعلنوها صراحة ..أنكم لستم منا وبعتم القضية.
(المصدر المستشار طارق البشرى فى كتابه الحركة السياسية فى مصر طبعة فبراير1965 ) . (والوثائق محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى وكذا فى أرشيف الأجهزة المعنية) .
(هاتين المقابلتين مسجلتين ووثائقها محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى وأرشيف كل من المباحث العامة والمخابرات العامة ) .

( تسجيلات هذه المحاكمة موجودة فى أرشيف مجلس قيادة الثورة بالجزيرة مع باقى المحاكمات الأخرى التى تمت فى هذا المبنى .
(هذه المحاكمات مسجلة بالكامل ووثائقها محفوظة فى أرشيف مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة فى مكتب الإدعاء الذى كان يرأسه البكباشى ابراهيم سامى جاد الحق والبكباشى محمد التابعى).
( لم يكن هناك طائرة خاصة لجمال عبد الناصر أو لرئاسة الجمهورية بل كان يتنقل بأى طائرة من طائرات مصر للطيران الخالية من الخدمة أو ننتظر عودة إحدى الطائرات من أى رحلة ليستقلها الرئيس.
(أنظر فى الملحق الوثائقى اعترافات قادة جماعة الإخوان المسلمين فى مؤامرة 1965، ومن أهمها أقوال سيد قطب.
)تفاصيل كل هذه القضية بالكامل محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى وأرشيف المباحث العامة بوزارة الداخلية بما فيها محضر الاجتماع الذى عقد برئاسة المشير عبد الحكيم عامر فى مبنى القيادة العامة بمصر الجديدة عقب اكتشاف محاولة اغتيال الرئيس فى الجامع الأزهر، والذى حضره كل من على صبرى و كمال الدين رفعت وعباس رضوان وعبد العظيم فهمى وصلاح نصر وشعراوى جمعة وسامى شرف وشمس بدران ومحمد على عبد الكريم مدير المخابرات الحربية ، وذلك لوضع المخططات اللازمة لمقابلة النشاط المعادى الجديد )



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:33

نضع الجزء الاول لمن فاته القراءة ..............


تابعووووونا



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:40

أحاديث المعمورة

12-13 أغسطس1970

كانت الأيام مشحونة بالأحداث وكانت عجلة الزمن تجرى بسرعة كما كانت هناك حالة عصبية تنتاب الأحداث نفسها لماذا ؟ الحقيقة لا أجد لهذه الظاهرة تفسيرا حتى الآن !!0
كانت حرب الإستنزاف قد بلغت أقصى مدى لها في شدتها أو قل نهايتها ، وكان هذا بالتالي إقتضى الإنتقال لمرحلة تسخين أخرى حتى لا تهدأ روح القتال للجنود على جبهة القناة 0 لماذا ؟ لأن الجندي إذا تخندق وطالت مدة الخندقة والإستظلال والبعد عن سماع صوت الطلقات أو المشاركة في عمليات متصاعدة عسكريا لن تستطيع أبدا أن تخرج رأسه إلى فوق وتجعله يندفع لخوض معركة يواجه فيها العدو إلا بعد فترة تسخين أخرى قد تطول وقد تقصر ، لا يستطيع أحد ان يعرف لأن الظروف والمتغيرات هي التي تتحكم في كل مرحلة 0 وكانت الفكرة بعد الدراسات الموسعة المستفيضة عسكريا وسياسيا واقتصاديا ، وبعد قياس الرأي العام الدقيق ، وبعد نجاح خدعة قبول مبادرة روجرز وبعد لمّ العرب حول القضية لمّة يصعب أن تتكرر ، كانت الفكرة في خوض المعركة الفاصلة قد قاربت أن تصل الى بدء اتخاذ خطوات عملية للتنفيذ في خلال شهر أكتوبر أو نوفمبر 1970 0
هذه واحدة ، أما الثانية فقد كانت هناك أحداث داخلية متلاحقة منها دوران عجلة التحضير للمعركة كما أسلفت
مثلا لجنة متابعة إنشاء مواقع الصواريخ المضادة للطائرات على مستوى الجمهورية ، وكنا نجتمع صباح كل يوم في مكتب الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة ، وكانت هذه اللجنة مشكلة من كل من الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية
المهندس على زين العابدين وزير المواصلات
سأمي شرف مدير مكتب الرئيس للمعلومات ووزير الدولة فيما بعد
المهندس على السيد 0
اللواء عبد الفتاح عبد الله مساعد وزير الحربية 0
اللواء جمال على مدير سلاح المهندسين
وكانت هذه اللجنة تراجع تفاصيل ما تم إنجازه من المواقع وتوفير الإحتياجات لما يتطلبه الموقف من باقي الوزارات والمؤسسات التنفيذية وشركات القطاع لعام ( مقاولات ، مواد أولية ، مستلزمات إنتاج ومواد بناء ، اعتمادات مالية ، عمالة ، إستعواض عمالة نتيجة الخسائر في الأرواح ، 000 الخ 0
ومن ناحية أخرى كانت هناك مؤامرة في طور الحياكة حيث كان حزب البعث في العراق قد اصدر تعميما سريا لقياداته الرئيسية ـ تمكن أحد الشباب ( ف0ر0) الذي كان يدرس من قبل في القاهرة حيث أتم فيها مرحلتي الدراسة الثانوية ثم الجامعية ، وقد حضر جمال عبدالناصر حفل زواجه وكان شاهدا عليه ، وتوطدت الصلة بيني وبينه وإستمرت إلى ما بعد عودته إلى دمشق حيث إنضم إلى حزب البعث وأصبح أحد قياداته الهامة واستمرت العلاقة بالرغم من ذلك بيني وبينه دون انقطاع حيث كان يعتبرني في مرتبة ولى أمره أو الأب الروحي له ويمكن أن نقول أنه كان بعثيا ناصريا ، المهم أنه بعث لي بنسخة من هذا التعميم الذي كان يدور أساسا حول التشكيك في دور مصر ونظام ثورة 23يوليو1952 وأن هذا النظام قد شاخ ، هكذا ، على حد تعبيرهم وان البديل هو قيام نظام بعثي في مصر ليملأ الفراغ الذي حدث بعد نكسة يونيو1967 0
وقد دفعنا هذا التعميم إلى تكثيف نشاط المؤسسات الأمنية لجس النبض والبحث فيما وراء هذا التعميم وماذا يدور من نشاط بعثي أو مرتبط بالبعث على الساحة المصرية وفى كل قطاعات العمل السياسي وغيره من الأصعدة الأخرى وكان التكليف ينص على ضرورة الإجابة على السؤال الآتي : هل هناك تنظيم أو تنظيمات مصرية ترتبط بالبعث من عدمه ، فاذا كانت الإجابة بالإيجاب فآلي آي مدى وما هي القطاعات آلتي ترتبط بهذا النشاط وما هي التكليفات التي وصلت لهم 000 الحقيقة كانت عملية معقدة للغاية كي نصل إلى حقيقة الأمر ومدى جدية هذه التعميمات وشكلت غرفة عمليات شارك فيها عناصر من مختلف المؤسسات الأمنية للتنسيق وعدم الإزدواجية في البحث ووزعت الواجبات عليهم للربط 0
أثناء إنشغالنا بهذا الموضوع الشائك المعقد الهام أبلغني أحد الضباط ( ع أ س )، وكان من تلاميذي في الكلية الحربية ، ولم أره من سنة 1949 وكان قد وصل إلى رتبة العقيد في القوات المسلحة وكان يشغل منصبا حساسا في الدفاع الجوى كما أبلغني في نفس اليوم أحد ضباط الصاعقة ( ع س ) ، أبلغني الاثنين بأن هناك نشاط على نطاق ضيق ومحدود وبشكل مريب بين عدد محدود جدا من الضباط في القوات المسلحة ، فلما استفسرت منهما ، كل على حدة ، عن ما يدور من نشاط أو أحاديث إنطبقت أقوالهما على ما جاء في تعميم حزب البعث من آراء وأفكار وإستنتاجات وصل إليها كاتبوا هذا التعميم وجاءت عباراته مطابقة لما جاء في التعميم 0 وقد تابعنا هذه المعلومات على وجه السرعة وبدقة كما وضع الأفراد الذين ذكرت أسماؤهم تحت الملاحظة والمتابعة وكانت تشمل بعض عناصر من القوات المسلحة والمخابرات العامة 0 كانت هذه هي النقطة الثانية 0
والقضية الثالثة كانت البوادر آلتي بدأت من جانب الملك حسين ملك الأردن للإصطدام والتخلص من المقاومة الفلسطينية في الأردن وهذا الموضوع سأتناوله في فصل آخر 0
كل هذه أمثلة وليس حصرا لما حواه أو إحتواه شهر أغسطس سنة 1970 من أحداث 0
قرر الرئيس جمال عبد الناصر السفر للإسكندرية لعدة أسباب :
الأول أنه كان يريد أن يبحث ويفكر تفكيرا هادئا مع اقرب مستشاريه ومعاونيه بعيد عن ( دوشة )القاهرة ومشاغلها اليومية التي لا تنتهى ولا تهدأ 0
والثاني أنه كان يريد أن يفكر في المستقبل لسنوات خمسة قادمة في كل الأوضاع الداخلية من عدة نواحي:
التنظيم السياسي أو الحزب
القوات المسلحة ، وعلاقة المؤسسة العسكرية بالنظام ومؤسسات الدولة 0
الوضع الاقتصادي وما يرتبط به من تركيبات إجتماعية كانت قد بدأت تحتاج لإعادة دراسة و إعادة ترتيب وصياغة إعمالا لإرادة التغيير التي كان الرجل يؤمن بها أيمان صادقا ليضع ويصيغ الأوضاع وفق المتغيرات والبعد عن الجمود آو القولبة للأوضاع 0
والثالث أنه كان يريد أن يعقد لقاءات مطولة خاصة بعيدة عن الرسميات مع كل من السفير سامي الدروبى سفير سوريا في القاهرة – وكان الرئيس جمال عبد الناصر يثق به ويحترم آراؤه ويحب أن يتناقش ويبحث معه أدق المسائل السياسية وبصفة خاصة العربية منها 0
كما كان يريد أن يعقد عدة لقاءات مع دياللو تيللي سكرتير عام منظمة الوحدة الأفريقية 0الذى كان أيضا موضع ثقة وتقدير الرئيس جمال عبدالناصر 0
كان الهدف من هذه اللقاءات خارج نطاق الرسميات وفى إطار شخصي محض ليتحدث معهما ـ كل على إنفراد ـ في المسائل التالية كما ذكر لي الرئيس :
تاريخ ثورة 23 يوليو1952 00 ما سبقها وما تبع قيامها
تقييمه لعناصر هذه الثورة 00
تقييمه للمراحل آلتي مرت بها الثورة 00
رأيه في أعضاء مجلس قيادة الثورة فردا سواء الذين تركوا أم الباقين ( لم يكن باقيا سوى أنور السادات وحسين الشافعي ) 000
عملية التوازنات آلتي كان يستخدمها في تنفيذ سياساته وتعاملاته مع الأشخاص أو الأحداث خصوصا الفترة ما بعد 1956 حتى 1970 00
رأيه في المستقبل 00 والصورة آلتي يمكن ان ترسم بالنسبة للمجتمع المصري في إطار قومي عربي وإفريقي 00
رأيه في تجربة الوحدة 00
الحقيقة حسبما فهمت من كلام الرئيس جمال عبد الناصر معي تمهيدا لهذه اللقاءات أنه كان يريد التحدث مع الرجلين حديث من القلب إلى القلب ليقينه أنهما سيكونان شاهدا حق وصدق لثقته في أمانتهما وإخلاصهما ويقظة ضميرهما عند التأريخ أو سرد ما كان يدور في خلد القائد العظيم في المستقبل ، وكأنه كان يعلم ما يخبؤه القدر بعد شهر ونصف من هذه اللقاءات التي سأتعرض لها في موضع آخر من هذه المذكرات 00
لقد إستغرقت هذه اللقاءات بين الزعيم والرجلين عدة جلسات على مدار حوالي الأسبوع
أعود لأصل الموضوع 000
في يوم 12 أغسطس 1970 أمرني الرئيس جمال عبد الناصر أن أدعو لعقد إجتماع في إستراحة المعمورة بالإسكندرية يحضره كل من السادة :
شعراوي جمعة وزير الداخلية وأمين التنظيم
سامي شرف وزير الدولة
محمد حسنين هيكل وزير الأعلام0
محمد حافظ إسماعيل رئيس المخابرات العامة
محمد فتحى الديب الوزير برئاسة الجمهورية ومسئول الشئون العربية
دار الحديث حول الأوضاع العربية بصفة عامة وخططنا ورؤانا للمستقبل مع تقييم شامل حقيقي لدور تنظيم طليعة الإشتراكيين والطليعة العربية في العالم العربي وإستمرت المناقشات ليوم كامل أصر الرئيس على أن يدلى كل منا برأيه وتقديره للوقف تفصيلا منتهيا بمقترحات كل منا 0
كان هناك إتفاق بشكل عام على التقييم والتشخيص والتخطيط للمرحلة القادمة لما تبلورت عنه المناقشات وإستعراض المواقف والآراء وتشخيص الأوضاع السياسية والعسكرية و الإجتماعية وإن إختلفت الآراء بعض الشيء حول أسلوب التنفيذ وتحقيق الأهداف التي ألخصها في الآتي
1- اختيار قومي عربي حاسم بالنسبة للروابط المصرية العربية وذلك لضمان أمن وإستقلال مصر من ناحية وبإسم مسئوليات مصر من ناحية أخرى وذلك إنطلاقا من الإيمان بأن هناك أمة عربية واحدة وأن مصر جزء لا يتجزأ من هذه الأمة
2- أن تكون سياستنا العربية امتدادا مرنا واعيا لسياستنا الداخلية أي أن الإستقلال السياسي لا دلالة له ما لم يكن سبيلا لتحقيق الاستقلال الاقتصادي ( حرية 0 اشتراكية 0 وحدة ) 0
3- مصر قاعدة سليمة تملك كل مقومات مركز الجذب 00 فمصر الوحدوية هي ضرورة حيوية للاستقرار والسلام في المنطقة ، وبدون مصر ، يفتح المجال أمام الصهيونية ومن وراءها لتقسيم المنطقة والأقطار المحيطة بإسرائيل لكي تضمن بقاءها ووجودها قوية على حساب دول ضعيفة متفرقة 0
4- متابعة ومحاصرة الأنشطة الانفصالية والمراهقة سياسيا عن طريق طرح المفاهيم الأصيلة وشغل الساحة العربية وعدم خلق مناطق فراغ عقائدي ن وبصفة خاصة في البؤر الحساسة المؤثرة على العمل العربي الوحدوى0 ( وكانت بالمناسبة الإنشقاقات قد بلغت حدتها بين الفصائل المختلفة لحزب البعث العربي الإشتراكي في كل من سوريا والعراق وفى الساحة العربية بصفة عامة 0 وكان البعث العراقى يعتبر نفسه في هذه المرحلة البديل لعبد الناصر وما يمثله من مبادئ وقيم ) 0
5- متابعة ومحاصرة النشاط المعادى للقومية العربية وبصفة خاصة في لبنان والأردن بإعتبارهما كانتا من مراكز النشاط الميداني والإعلامي ، هذا علاوة على متابعة باقي الأنشطة على إتساع الساحة العربية مع وضع أولويات جغرافية لمجالات نشاطنا عربيا 0
6- متابعة النشاط السعودي على الساحة العربية خصوصا النشاط الموجه نحو اليمن وسوريا والذي كان ينسق مع الأردن 0
وإنتهى الاجتماع على أن يقوم كل منا في مجال اختصاصه بإعداد الخطط والدراسات التفصيلية لهذه التكليفات خلال أسبوعين على أكثر تقدير من تاريخ هذا اللقاء ، مع إستمرار عقد لقاءات أخرى جانبية وفرعية للتنسيق ولضمان التنفيذ الجيد بعد إقرار الخطط من الرئيس جمال عبد الناصر مع وضع أسلوب واضح ومحدد للمتابعة ومتابعة المتابعة و يتولى مسئوليته وزير الدولة سامي شرف بعد أن تقوم كل جهة بإبلاغه به
أثناء خروجنا من إستراحة المعمورة أومأ الى الرئيس لأبقى حيث قال لي :
"بكرة حانقعد هنا في نفس التوقيت ويحضر معنا شعراوي وهيكل فقط والباقين يعودوا إلى القاهرة اليوم لتحضير وتنفيذ ما كلفوا به 0 "
يوم الخميس 13 أغسطس1970 الساعة العاشرة صباحا إلتقينا شعراوى جمعة ومحمد حسنين هيكل وأنا حسب الاتفاق وجلسنا في البلكون الذي يطل على البحر الأبيض المتوسط وبعد قليل دخل الرئيس جمال عبد الناصر قائلا :
" إنتو فطرتم أم لا ؟ "
فلما أجبنا بأننا أفطرنا بدأ الكلام مباشرة عن الأوضاع الداخلية في البلد وأثار النقاط التالية :
1- ضرورة العمل على تماسك الجبهة الداخلية خلف القوات المسلحة من أجل المعركة
2- تأمين قوت الشعب والعمل بإصرار وبعنف على ضرب عناصر التلاعب بقوت الشعب
3- محاولة عمل قياس صحيح للرأى العام بقدر الإمكان 0
4- المزيد من العمل السياسي في الداخل بتنشيط الإتحاد الإشتراكي والتنظيم الطليعي في مجابهة العناصر الإنهزامية أو المتآمرة سواء من الداخل أو من الخارج 0
وهنا إلتفت الرئيس جمال إلى شعراوى جمعة وكانت تعابير وجهه جامدة وجادة بشكل حاد وقال له :
" إزاى يا شعراوى حزب البعث ينجح في تجنيد ضباط من القوات المسلحة المصرية والمخابرات العامة ؟!"0
فوجئ شعراوى بالسؤال 00 ولكنه رد بأنه لا دخل له بأمن القوات المسلحة وأن المسئولية تقع كلية على عاتق المخابرات الحربية 0
ولم يقتنع الرئيس بهذه الإجابة وقال لشعراوى أن هناك طرف مدني وافد على مصر بالتعليمات ومكلف بعملية تجنيد عناصر مصرية وكان من المفروض أن تتابعه أجهزة وزارة الداخلية ( المباحث العامة ) التي تتبع شعراوى جمعة ، وقال :
"أنه إذا كانت هذه الأجهزة صاحية كانت إكتشفت هذا النشاط مبكرا أو لاحقا ولكانت نسقت مع المخابرات الحربية عمليات المتابعة والكشف ، ولو أن هذا لا ينفى مسئولية المخابر الحربية أيضا لكن المسئولية تقع من وجهة نظري (الرئيس ) على شعراوى جمعة 0 "
حاولت أن أتتدخل كما حاول شعراوى أن يذكر الرئيس بأن هناك إتفاق بعد مؤامرة المشير عبد الحكيم عامر 1967 أن كل جهة مسئولة عن أمنها وأن نبتعد عن القوات المسلحة وأن يتم التنسيق فقط بين الأجهزة المعنية إذا تداخلت القضايا بمعنى أننا لم نكن نتدخل من قريب أو من بعيد في شئون القوات المسلحة ولا عمل أي تنظيمات فيها بل يترك الأمر لوزير الحربية بإعتباره المسئول السياسي والعسكري عن القوات المسلحة و هو في نفس الوقت القائد العام للقوات المسلحة 000
إلاّ أن الرئيس جمال عبد الناصر أصر على مسئولية شعراوى جمعة حيث أن الطرف الإيجابي الملقن والناقل للتآمر كان طرفا مدنيا وافد من الخارج وهذه مسئولية أجهزة الأمن المدنية وليست العسكرية 0
ثم أثار الرئيس في نفس الوقت نقطة سياسية أخرى وهى :
أنه لو كان التنظيم الطليعي يملأ الساحة بشكل فعال لما استطاعت بعض عناصر حزب البعث أو غيره من النفاذ إلى الساحة المصرية 0
حاولنا أن نرد على هذه النقطة بأن الواجبات الملقاة على عاتق التنظيم الطليعي في المرحلة الحالية ضخمة جدا وهى تفوق إمكانيات التنظيم البشرية ولكونه سريا وليس علنيا 00
وكان التركيز في الواجبات في هذه الفترة على زيادة الإنتاج والجهود الذاتية وما إلى ذلك من دعم الجبهة الداخلية ذاتيا بقدر الإمكان ، ومن ناحية أخرى فان السرية المفروضة على التنظيم الطليعي وأعضاؤه تعتبر عائقا بمثل ما تعتبر عنصر قوة للتنظيم 0
احتدت المناقشة ودافع كل عن موقفه وحجته وكان هيكل متفرجا 00
قال الرئيس جمال عبد الناصر بعد ذلك : " على العموم قوموا دلوقت وفكروا في كلامنا ده 00 ولنا لقاء آخر000
قمنا آنا وشعراوى وتوجهنا إلى مكتبي في المعمورة ـ وكان يشغل إحدى استراحات الإصلاح الزراعي بالأسكندرية وكانت تقع في أعلا ربوة تبعد عن إستراحة الرئيس وعن البحر بحوالي نصف كيلومتر تقريبا ـ ، وتخلف هيكل بحجة أنه سيعرض بعض الموضوعات على الرئيس 00
وصلنا الى مكتبي وبعد حوالي ربع الساعة وصل هيكل وعندما دخل وجدنا جالسين نفكر فيما دار من حديث عاصف وكنا في الواقع نبحث عن حلول لمشكلة قائمة ، ولم نكن نفكر أبدا في أنفسنا ولا في مناصبنا ولا في أي حاجة شخصية بل إعتبرنا أنفسنا جنود و أبناء لعبد الناصر وأننا نجابه قضية تآمر وافد وصل إلى القوات المسلحة مما دفع بالرئيس أن يشدّ علينا ـ بلغة العسكر ـ كي نصحو والكل يفيق حتى لا تفلت الأمور في غفلة 0
وكما تعلمنا في الكلية الحربية وفى حياتنا العسكرية وفى علم الإدارة عموما عندما نلمس تراخ أو أن الأمور ستفلت من قيادتك لسبب أو لآخر سواء كان السبب مفروض عليك أو غصب عنك أو عفوي أو طارئ ، فأن عليك أن تشدّ على الصف الثاني وهذا يشد على الجنود وهكذا تبقى النتيجة أن ينشط الكل في الاتجاه الصحيح ويصحح إتجاه البوصلة ، وأعتقد أن هذا الأمر ثابت كيميائيا أيضا بإستخدام المنشطات ، المهم أننا إعتبرنا أن حديث الرئيس لنا كان بمثابة المنشط لحركتنا وعملنا وليس آي شئ آخر 000
دخل هيكل علينا وقال :
" إنتم بتعملوا إيه ؟ ده الريس زعلان لأنه كان شديد قوى معاكم في الكلام 00" ولم يكمل هيكل كلامه حيث ضرب جرس التليفون في مكتبي وقمت بعد أكثر من رنين ، حيث كان التليفون الذي يضرب الجرس هو الخط العادى وليس الساخن ومن ناحية أخرى كنت أريد أن أسمع من هيكل باقي كلام الرئيس 000 ورفعت سماعة التليفون لأقول 00 أيوة 00مع إن عادتي أن أرد على أي تليفون بقولي : أفندم 00
كان الرئيس جمال عبد الناصر على الطرف الآخر ،وابتدرني قائلا بمنتهى الرقة :
" ما دام بتقول أيوة ، تبقى زعلان 00"
قلت : " أبدا يافندم 00 حاز عل من إيه ؟ 00 الشغل ما فيهوش زعل 00 والموضوع اللي كنا بنناقشه فيه وجهات نظر ، واختلاف وجهات النظر ما يزعلشى 000 وكون سيادتك تحتد أو تقرص علينا في المناقشة ده أحسن وبأعتبره وضع طبيعي وتعليمي 00 وده من حقك كقائد ومعلم 00 "
فقاطعني قائلا :
" بلاش فلسفة يا أستاذ 000 هو شعراوى زعل ؟"
فقلت : " أبدا 00 إحنا قاعدين بتناقش في كيفية حل المشكلة وحصرها 00
قال : " وهل وصلتم إلى حل ؟ "
قلت : " لأ لسة 00 لكن هناك فكرة عامة لم نبلورها بعد 00"
قال : " هيكل جاء لكم ؟"
قلت : " أيوة يافندم وبلغنا إن سيادتك زعلان علشان إحساسك بأننا زعلنا 00 وده غير وارد إطلاقا 0 "
فطلب الرئيس أن أكلمه بعد ما نصل إلى قرار 00
وقبل أن ينهى الرئيس الحديث قال : إبقوا زوروا أنور السادات الليلة ، علشان هو وصل من ميت أبو الكوم للإسكندرية بعدما كان غضبان ( موقفه من مبادرة روجرز ) 00 ونبقى نتقابل هناك 00
قلت : " حاضر يافندم "
قام هيكل بعد ذلك واستأنفنا بحث الموضوع ووصلنا إلى قرار إبتدائي هو حسم القضية بدلا من ترك المسائل تتشعب وتتسع وتجرجر آخرين ـ وهى السياسة آلتي علمنا إياها الرئيس عند اتخاذ موقف من قضايا التآمر ـ00 قمت وطلبت الرئيس وقلت له : " إحنا يافندم وصلنا لقرار 00 وأرجو إذا سمحت سيادتك أن تسمعه من شعراوى 00" فوافق الرئيس وتحدث مع شعراوى حديث لطيف ورقيق وعرض شعراوى قرارنا ، فوافق الرئيس وقال له أنه كان قد وصل الى نفس القرار لكنه كان منتظر ليعرف رأينا وفعلا تم القبض على ضابطين من القوات المسلحة وأحد ضباط المخابرات العامة وكان أحدهم زوج إبنة كمال الدين رفعت ( ك 0ز0 ) 000
( يمكن الرجوع إلى تفاصيل هذا الموضوع إلى الوثائق المحفوظة في أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات في منشية البكري و أرشيف المخابرات الحربية )0
في حوالي الثامنة مساء توجهنا في سيارتي وكنت أقودها بنفسي ، شعراوى جمعة وأنا ، إلى الفيلا التي كان السادات يقيم بها في المصيف بالإسكندرية في حي لوزان ، وقابلنا الرجل بترحاب كبير ـ علما بأنه لم يحضر حفل زفاف ابنتي ليلى قبل ذلك بأسبوع ولم يعتذر ولم يجاملني لا هو ولا حرمه كما لم يرسل أبنائه أيضا 00 ما علينا ، إنما الشئ بالشيء يذكر ، ـ وأصر السيد أنور أن نبقى لنتعشى معه " فتة كوارع " 000 جلسنا نتحدث في مسائل كثيرة عامة وخاصة وبعد حوالي الساعة دخل من يهمس في أذنه ولكن بصوت سمعناه أن الرئيس جمال في طريقه لزيارة السيد أنور السادات 000 فنظر الرجل إلينا نظرة بما معناه إتفضلوا قوموا وان الزيارة إنتهت 00 ولم نشأ أن نقول له أننا نعرف أن الرئيس سيزوره ومثّلنا دور أننا سنستأذن من باب الذوق واللياقة والأتيكيت وقلنا له : إحنا حانقوم 00 ولم يحاول الرجل أن يسترجع أنه دعانا للعشاء ولم يحاول أن يمسك فينا بعدما ألح علينا من عشر دقائق فقط أن نمضى السهرة معه 000
خرجنا وظللنا نسير على غير هوى على الكورنيش وفى شوارع وميادين الإسكندرية ثم عاد كل منا الى بيته0 وفى حوالي الواحدة صباحا رن جرس التليفون بجوار رأسي فرفعت السماعة وآنا شبه نائم قائلا : " أيوة 0" للمرة الثانيةفى يوم واحد00 ، ولدهشتي كان المتحدث الرئيس جمال عبد الناصر الذي قال لي ضاحكا 00: "هو إنت لست زعلان ولّا إيه الحكاية ؟"
فقلت "أبدا يافندم 00 سيادتك تؤمر بحاجة "
فقال لي : " أيوة 00 " ثم سكت
وسكت أنا بالتالي انتظارا لأوامره ، أو يبدأ هو بالحديث حتى لا أقطع تفكيره ـ وكانت هذه هي طريقة الحديث بيننا 0
فقال الرئيس : " آنت يعنى ما بتسألنيش أنا قلت لك أيوة ليه ؟"
فقلت له : " هو سيادتك زعلان !! ؟ "
وضحكنا نحن الاثنين 000 ثم قال لي : " يا خبيث 00 أيوة أنا زعلان منك أكثر ما أنا زعلان من شعراوى 00 عارف ليه ؟ قلت : " ده موضوع الصبح خلاص فيما أعتقد يافندم 0"
قال : " لأ أنا زعلان من موضوع بالليل لأنك لم تفهمني لا إنت ولا شعراوى عارف ليه ؟ 00 ثم استطرد قائلا لأنك لو كنت دققت في ألفاظ مكالمتي لك في الصبح لكنت فهمت إني مرتب قعدة بالليل عند أنور ـ ووصفه بما كان متداولا بيننا على نطاق ضيق بصفة معينة لا داعي لذكرها علنا هنا ـ علشان نبقى مع بعض ونفتح المواضيع كلها وندى له درس علشان يتعلم أن الإختلاف في وجهات النظر في مسائل الحكم والأمور العامة ما دامت في الإطار الشرعي والدستوري أو لا يكون مقصود بها الإضرار فإنه مسموح به لأقصى حد حتى ينتج عنه صراع الأفكار والآراء ونستخلص من ذلك الحقائق ونصل بذلك الى القرارات السليمة بقدر الإمكان في إطار سليم وبلا إنشقاقات 0
( كان الرئيس جمال عبد الناصر يريد ان يلقنه درسا في موضوع غضبه من تعنيفه إياه على معارضة مبادرة روجرز وموقف مصر منها )
واستطرد الرئيس قائلا : " وأنا لما قلت للسكرتارية أن يبلغوا أنور أنى في الطريق لزيارته قصدت أن تعرفوا أنى قادم فتبقوا معه وما تر وحوش 00 لكن يا أستاذ آنت نسفت الفكرة دون أن تدرى 00-"
فاستأذنت الرئيس في المقاطعة لأشرح له ما حدث وكررت عليه ما حدث تفصيلا معلقا على تصرف السيد أنور السادات بأنه " جليطة " لأنه كاد يقول لنا صراحة : قوموا بقى وأنه ما صدّق إن الرئيس حايزوره خصوصا في هذا الظرف الحساس بما معناه أن الجلسة لم تعد على هذا المستوى بل على مستوى أكبر منكم !!!
وختمت وجهة نظري بقولي : أن وضعنا أصبح حرجا جدا إزاء الطريقة التي كان يتصرف بها وأصبح الوضع وكأنه موضوع كرامة الواحد الشخصية 000 فأيدني الرئيس على وجهة نظري وقال ما إنت عارف انه 000!! وضحكنا .
صباح اليوم التالي الجمعة 14أغسطس1970 أبلغني الأخ محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس أن اطلب الرئيس في تليفون غرفة نومه فورا 00 وطلب منى الرئيس أن أتصل بالسفير سامي الدروبى سفير سوريا في القاهرة لأبلغه بدعوة الرئيس له للإستجمام لمدة أسبوع هو وعائلته بالإسكندرية حيث سيلقاه الرئيس في جلسة خاصة 0
طلبت الأخ العزيز الراحل سامي الدروبى وأبلغته برغبة الرئيس ، وحضر فعلا للإسكندرية هو وعائلته فى إحدى سيارات رئاسة الجمهورية وكان قد أعد لهم جناح خاص في فندق فلسطين بالمنتزه ، وأبلغت الرئيس بأن السفير سامي الدروبى موجود بالإسكندرية وقد أعد له برنامج ترفيهي لحين لقاء الرئيس له كما صاحبته منذ وصوله 0
حدد الرئيس موعدا للقاء السفير سامي الدروبى الذي كما ذكرت من قبل أنه كان يعتز به كشخص ويحترم رأيه ويقدره تقديرا عاليا فتوجهت بسيارتى الخاصة بدون سائق لأصطحبه من الفندق إلى إستراحة الرئيس بالمعمورة حيث إلتقاه الرئيس بترحاب فتذكرت فى هذه اللحظة كيف كان الرئيس يقول لى أن سامى الدروبى انسان مثقف واع ، ووحدوى أصيل شريف ، لا يسعى إلى جاه أو سلطان أو منصب بل كان يسهم ـ وهو مريض ـ بكل قواه الفكرية والجثمانية بما يخدم القضية وبإعتباره جندى قومى عربى قبل أن يكون سفيرا وقبل أن يكون سوريا 0
بعد الترحيب به من قبل الرئيس الذى بادر وقال :
" يا سامى 00 "
فضحكنا ثلاثتنا فى نفس اللحظة ،لكونه سامى الدروبى ولكونى سامى شرف ، وكلانا يعلم أن الرئيس جمال يحبه بصدق 0
عاد الرئيس فقال : " يا أخ سامى أنا الحقيقة أحببت أولا أن أرفه عنك من عناء العمل فى حر الصيف بالقاهرة، وثانيا أن نلتقى بعيدا عن الرسميات وعن جو القاهرة والأضواء لأنى أريد أن أحكى لك إنت بالذات أمور كثيرة لتكون أحد الشهود على ثورة 23 يوليو1952 000 ولثقتى فيك ثقة لا حدود لها فأنا عايز أقعد معاك جلسة وإثنين أو أكثر لو إقتضى الأمر لأشرح لك بالتفصيل الكثير من القضايا والأسرار والمواقف العامة والخاصة 000
ثورة 23 يوليو1952 000 كيف ؟ ولماذا ؟ وأين نحن الآن ؟ وإلى أين ؟ مواقف الناس كلهم فردا فردا مسئولين وغير المسئولين 000 الخلافات وأسبابها ونتائجها ما قبل الثورة وما بعدها 000 التوازنات والظروف التى فرضت نفسها لإتخاذ قرارات مصيرية وقرارات قد تبدو غريبة أو غير متوقعة سواء بالنسبة لأحداث أو بالنسبة لأشخاص 00 قضية الوحدة 00 والإنفصال ، كيف ، ولماذا ، والمسئوليات 000 المؤسسة العسكرية والوضع العسكرى 000العلاقات مع الغرب والعلاقات مع الشرق 000 التنظيم السياسى 00 الإتحاد الأشتراكى وكيف سيكون شكل خريطة العمل السياسى فى السنوات الخمس القادمة حتى سنة 1975، وهل سنفتح العمل السياسى لتكون هناك تعددية سياسية وأحزاب 0000مؤمرات حزب البعث المتكررة منذ قيام الوحدة 1958 حتى الآن 00 أربعة مؤامرات كبيرة غير النشاط الفردى وغير ما لم يكتشف ( الإنفصال 00 ما حدث أثناء مباحثات الوحدة الثلاثية " الإشارة الملتقطة " 000 التآمر على ثورة ليبيا " الإشارة الملتقطة بالشفرة من بغداد للوفد العراقى بطرابلس " 000وأخيرا العملية الأخيرة 000 ) 000كيف يعمل الرئيس وبمن ؟ 000التصور بالنسبة للنوايا المستقبلية وشكل الحكم 000 وأخيرا تصوره للمعركة العسكرية وبالتالى بعد ذلك للمعركة الأقتصادية 000
كانت تلك هى النقاط الرئيسية التى طرحها الرئيس جمال عبد الناصر على السفير سامى الدروبى لتكون محور النقاش والحوار والمناقشة 0 0
كنت أجلس على كرسى فى مواجهة الرئيس ، وكان الأخ سامى الدروبى يجلس بجوار الرئيس ، وبحكم العادة ركزت على متابعة إنفعالات الأخ سامى وتعبيرات وجهه وهو يستمع ـ وكان رحمه الله ـ يحسن الإستماع ، مقل فى كلام لا داعى له ، مستطردا ومستفيضا فى الكلام المفيد ، مرتب الذهن والتفكير ، صافى العقل هادىء ، متزن ، رزين 0، حالم بعلم ، شاعرى 000
وكما رايت فقد بدأت الإنفعالات بابتسامة عريضة لأن الثقة تأكدت من خلال هذه العناوين ورؤس المواضيع التى طرحها الرئيس جمال 0
ثم تدرجت الإنفعالات من فرح إلى دهشة إلى ذهول لدرجة أنى فى لحظة أحسست أنى سأقوم من مكانى لأهزّه لكى أطمئن أنه معنا 000
وعندما إنتهى الرئيس جمال عبدالناصر من إستعراض العناوين قال :
" إيه رأيك يا سامى ؟ "
فلم يرد سامى !!
ضحك الرئيس وقال له إنت نمت ولّا سرحت 000 وهنا تنبه الأخ سامى وقال برقة متناهية :
" عفوا سيدى الرئيس أنا معك 00 معك بقلبى وبروحى وبوجدانى وعقلى وبكل ما أملك 00 لكن لا تؤاخذنى سيدى الرئيس 00 لكى أكون أمينا وصريحا معك فإن أذناى لا تصدقان ما أسمع 00 وهل أنا فى هذه المنزلة والدرجة من الثقة عندك بالدرحة التى تسمح أن أشارك فى هذه الأمور الجسيمة الخطيرة التى نعتبرها ملك عبدالناصر ، وعبدالناصر فقط000 الحقيقة سيدى الرئيس أنا على إستعداد لأن أقيم أمام باب هذه الإستراحة طوال الفترة اللى تراها وترتضيها حتى ننتهى من الإستماع إلى بحث هذه المسائل الحيوية والمصيرية خصوصا فى هذه الفترة العصيبة التى يمر بها عالمنا العربى والقطر المصرى بصفة خاصة 0
قال الرئيس جمال : " لا 00 أنا أحببت فقط أن أنقل إليك عناوين رئيسية لكي تفكر فيها لتكوّن نظرة شاملة حتى تكون المناقشة مثمرة ، ولكي لا نحرث في الماء كما يقولون ، ولكي لا نحكى فقط زي ما بتقولنا في سوريا 000 واستطرد الرئيس قائلا ، عايزك تأخذ يومين راحة واستجمام في هدوء وبعدين أبعث لك سامي يجيبك لنبدأ حديثنا التفصيلي 0
بعد يومين وفى الصباح الباكر أبلغنى أحد أفراد السكرتارية الخاصة للرئيس أن اتصل بالرئيس فى غرفة نومه ، فأدرت قرص التليفون على رقم الرئيس الخاص ورد بعد أول جرس وقلت :
" صباح الخير يا فندم "
" صباح الخير يا أستاذ 00 أنا قلقتك بدرى ؟ "
" أبدا يافندم 00 أوامر سيادتك 0"
" إزاى سامى الدروبى ؟ مستريح فى إقامته ومخصصين له عربية والا لأ ؟ "
" أيوة يافندم 000 هو مستريح تماما مما جميعه 00 لكنه قلق جدا نتيجة تفكيره فيما دار من حديث مع سيادتك وقال لى مساء أمس أن الرئيس ألقى على ضميرى وعلى عقلى تبعة ومسئولية خطيرة للغاية ، أرجو أن أكون موفقا فيما سأقوله وأتناقش فيه مع الرئيس 00"
" هو فاكر أن تحمل المسئولية ومصير أمة شىء هين أو بسيط أو يتقرر بالكلام بس 0
التعامل مع البشر لا يحتاج لزراير تدوس عليها فى ماكينة لتعطيك حاصل ضرب أو عملية طرح أو قسمة أو جمع التعامل مع البشر عملية غاية فى الصعوبة والتعقيد لأنك لن تستطيع أن ترضى كل الناس طول الوقت ، ولن تستطيع أن تحقق رغباتهم وطموحاتهم كلهم مرة واحدة 0
إنت فاكر كلام ديجول فى إحدى خطبه لما قال إن أى حاكم لهذا البلد لن يستطيع يرضى شعب يأكل مائة وخمسين نوع من الجبن 0
ثم إن الكمال لله ، ولن تستطيع قوة بشرية أن تعدل كل العدل أو تهيىء للمجتمع كله ما يريد ويحلم به 000 لابد أن تحدث أخطاء ولكن لابد أن نمر بمراحل التجربة والخطأ إذا اردنا أن نتقدم ، وإلا سنصاب بالجمود ونقف محلنا فى الوقت الذى يتقدم فيه العالم كل يوم خطوات وخطوات 000 شوف الصين بدأت تجربتها سنة 1949 والنهاردة وصلوا لإيه 000 أنهم يقومون بإنتناج الأبرة والصاروخ 000 وشوف عملوا إيه فى الزراعة 000 شوف عملوا إيه فى القضاء على العصافير اللى كانت تأكل القمح عندهم ولّا الذباب وغيرها 000 انهم يجربون ويضعوا أنفسهم على أول الطريق ثم يتقدموا ولا يتجمدوا وإلا ضاعوا فى زحام طفرة التقدم التى يلهث العالم كله جريا ورائها للحفظ على بقائهم 000 نهايته 00 تجيب لى سامى الدروبى النهاردة الساعة 11 الصبح 00
ثم استفسر بعد ذلك عن أخبار الداخل والخارج فعرضت عليه موجز سريع للموقف على جبهة القتال و أهم الأخبار العالمية والداخلية 000
فى تمام الحادية عشر دخلنا سامى الدروبى وأنا إستراحة المعمورة وقدته إلى المكان الذى يفضل الرئيس أن يقعد فيه فى هذا الوقت من النهار وبعد تقديم المرطبات والقهوة سمعت صوت الرئيس نازلا على الدرج من الدور العلوى إلى الصالة ، فنبهت الأخ سامى بإيماءة من رأسى بأن الرئيس فى طريقه إلى حيث نحن نجلس 000 وأقبل الرئيس بقامته المرفوعة مرتديا قميصا أبيض اللون بنصف كم وبنطلون رمادى وصندل من الجلد البنى 00 دخل علينا مبتسما محييا قائلا:صباح الخير 00 إنتم قاعدين فى المكان المضبوط والظاهر إنكم جايين مستعدين ومذاكرين كويس 00 وضحك 00وضحكنا كلنا 00 0
رد الأخ سامى الدروبى : " سيادة الرئيس 00 أنا بأكرر الشكر بإسمى وبالنيابة عن حرمى على حسن وكرم الضيافة والترتيبات الكاملة والإمكانيات الموضوعة تحت تصرفنا 00 وها الشىء كتير كتير قد لا تستاهله 00وتعبنا الأخ سامى شرف معنا ، لكنه هو معتاد على كدة كما نعلمه عنه وضحك 000
ضحك الرئيس ونظر إلىّ نظرة رضاء ، فهمت معناها من لمعان عينيه 00
بدأ الرئيس جمال عبدالناصر إعادة سرد رؤوس المواضيع التى سيتناولها النقاش بنفس الترتيب ويكاد يكون بنفس الألفاظ التى سبق أن عرضها فى الجلسة السابقة ، وقال لنبدأ بالنقطة الأولى 000
ثورة 23يوليو1952 00 لماذا ؟ وكيف ؟ أين نحن الآن ؟ إلى أين ؟
كان لابد من إحداث تغيير جذرى فى الخريطة الإجتماعية لمصر التى كانت قد وصلت إلى أقصى إنحدار لها سنة 1952 نتيجة لكون أن القضية الأساسية فى إحداث التغيير تتبلور حول قضايا عامة أساسية لدوافع وطنية بالدرجة الأولى وإلا لما تمكنا من الوصول إلى إجماع حول القرار وبالتالى إلى نجاح التنفيذ 0
ولو كنت طرحت منذ البداية قضية التحول الإجتماعى أو قضية الإنتماء القومى العربى لما قامت الثورة ولدار جدل كان سيستمر يمكن للآن ، ولحدثت إختلافات ولما نجحنا 0
لكن القضايا التى كانت مطروحة أساسا هى :
الملك وحاشيته 0
الإستعمار الإنجليزى والوجود العسكرى الأجنبى على تراب الوطن 0
الفساد 0
الإقطاع، وسيطرة رأس المال على الحكم 0
الأحزاب 0
وهى كلها قضايا لا يختلف عليها إثنين لضرورة حسمها والقضاء عليها مهما كانت الأفكار والميول والإتجاهات لأى مصرى وطنى 000 وكان هذا هو عنصر الضمان فى القدرة على التحرك لتحقيق الهدف 00



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:41


كانت التركيبة فى حقيقتها غريبة 000
كان فيه عناصر يمينية وعناصر يسارية 000 كان فيهم إخوان مسلمين كما كان هناك شيوعيين وناس لهم فكر باتجاهات معينة وآخرين لا يفكروا فى شىء الا حاجة واحدة فقط هو طرد الإنجليز من مصر وناس إنحصر إهتمامهم وتفكيرهم فى طرد الملك وتصفية الأحزاب السياسية 000
وناس كانت مؤتلفة معنا وهى تنفذ مخطط محدد يحقق أهداف تنظيمات كانوا مرتبطين بها وكان هدف هذه التنظيمات هو إحتواء الثورة والإستفادة بناتج التحرك لهذه التركيبة لتحقيق أهدافهم التى كانوا فى ذلك الوقت لا يستطيعون تحقيقها بمفردهم 000
والغريب أنه كانت هناك عناصر معروفة فى الجيش بأنها عناصر " فاقدة " ( وهى كلمة فى القاموس العسكرى وتعنى أن الشخص الفاقد لا يهمه ان يقوم بأى عمل أو تحرك دون أن يحسب الحسابات السليمة التى توصله الى بر الأمان ولكن يجازف بالمشاركة فى أى عمل ما دام هو مقتنع به بغض النظر عن النتائج والمكاسب أو الخسائر ومن ناحية أخرى هناك عناصر تعتبر فاقدة من زاوية أخرى وأعنى بها أنه شخص لا يكون سوى أو يكون سلوكه فيه بعض الشوائب ،يقامر أو يعاقر بعض الأعمال التى يرفضها المجتمع 000 الخ )
وهذا ساعد لحد ما فى التعمية وتحقيق عنصر المفاجأة 00
إنتقل الرئيس بعد ذلك للحديث حول موقف الأفراد والأنتماءات الفكرية لكل منهم وبدا فى تحليل شخصية أعضاء مجلس قيادة الثورة ، وأهم عناصر الصف الثانى 00 كان يسرد ويتكلم عنهم فردا فردا دون أن ينسى أى منهم وكان فى حديثه يرتبهم وفق كل مجموعة مع بعضها مرتبة بالأقدمية وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح أمامه وكانت عناصر تقييمه تتم على الوجه التالى :
فلان 000 إسمه بالكامل 00 تاريخ ميلاده ونشأته 000 اسرته وتركيبتها الأجتماعية 000 تفكيره 000 وبمن أو بماذا يتأثر 0 00 إنتماؤه الفكرى 000 إنتماؤه الطبقى 000 آماله وطموحاته 000 قدراته الحقيقية ومداها 000 مواقفه فى الأزمات 000 دوره فى القوات المسلحة 000 دوره فى الثورة 000 التغييرات التى طرأت على شخصيته بعد نجاح الثورة 000 إمكانياته بعد إتمام دوره 000 الأمل فى المستقبل وما يرجى أو لا يرجى منه 000 الأستنتاج 000
كان واضحا فى سرده وتحليله 00 صادقا فى التقييم 000 لم يدخل إنطباعاته الشخصية فى هذا التقييم بالنسبة للجميع بدون إستثناء 000
كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة ولم نحس بمرور الوقت وكأنها دقائق مرت سريعا 000
تناولنا بعد ذلك طعام الغذاء العادى والذى كان عبارة عن أرز وفاصوليا خضراء وقطع من اللحم ثم الفاكهة 0
ملحوظة : تقييم الرئيس جمال عبد الناصر لأعضاء مجلس قيادة الثورة ورجال الصف الثانى مدون عندى بالتفصيل وهو محفوظ فى مكان أمين للوقت المناسب الذى أرى أنه بعد وفاتى حيث سيتولى أبنائى وضعه تحت تصرف المسئولين فى الدولة 000
اضطرتني الظروف والأحداث آلتي توالت بعد هذا اللقاء الى العودة الى القاهرة ولم أحضر باقي الجلسات كما اني لم أحضر اللقاء الذي تم بين الرئيس جمال عبد الناصر والسيد دياللو تيللي 0 وللأسف فأن هذه اللقاءات من اللقاءات النادرة آلتي لم تسجل وقد حاول السفير سامي الدروبى وأنا أن ندون تفاصيل ما دار فى اللقاءات بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر لكن الأحداث والتطورات حالت دون إتمام هذه المهمة ودخلت أنا السجن ورحل الصديق سامى الدروبى إلى جوار ربه ، وقد حاولت وما زلت أحاول مع أبناء المرحوم سامى الدروبى أن يبحثوا فى أوراقه التى دون فيها هذه اللقاءات كما ذكر هو لى ذلك .



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:43


حكاية إعادة تنظيم القضاء

لقد كتب الكثير حول ما أطلق عليه " مذبحة القضاء " .
ومن كتب أو تحدث هم من الذين عاصروا الحدث أو من الذين يعتقدون أنهم أضيروا أو من بعض ثالث يريد أن يثبت بطولة اثناء هذه المرحلة أو من بعض رابع للأسف شارك فى مراحل اتخاذ القرار بإعادة تنظيم القضاء ولكنه يساير الزفة الآن لأسباب غير معروفة وتبدو غريبة فعلا .
وقامت مؤسسة أخبار اليوم بتبنّى حملة صحفية استمرت لفترة كان محورها أن جمال عبد الناصر فصل المئات من القضاة لأنهم رفضوا أن يصدروا أحكاما تتفق مع مزاجه . . هكذا !
والمعركة ببساطة شديدة هى سياسية بالدرجة الأولى ، ولم تكن أبدا ـ والله يشهد ـ أنها كانت تدخلا فى العدالة .
المعركة تبناها فئة معروفة بالاسم كانت تقاتل حتى لا تعمل بالسياسة ، وجاء عدوان 5 يونيو 1967 فوجدت هذه المجموعة أن الفرصة ـ بما هيئته الظروف ـ قد سنحت لكى تتدخل فى السياسة لتصفى حسابات مع ثورة يوليو 1952 ، وبدت هذه المجموعة ـ سواء بقصد أو بدونه ـ تتخذ مواقف رافضة للنظام فى اخطر سنوات مرت بالبلاد فى ظل نزيف فى أعماق كل بيت .
وللأسف فإن مسئولا رسميا لم يتكلم حتى الآن عن هذه القضية الهامة ، ولقد كان هناك أعضاء مجلس الوزراء من الذين شاركوا فى مناقشة هذه القضية وعاصروها ، وهناك محاضر رسمية وتسجيلات لجلسات مجلس الوزراء ، وهناك وثائق وتقارير لجان شكلت لم تر النور حتى الآن .
لم تكن إعادة تنظيم القضاء اغتيالا سريا ، بل كانت لها مقدمات ، وكان الرئيس جمال عبد الناصر يتابع تطوراتها ، وكان هناك مسئولون على مختلف المستويات عاصروا الأحداث وشاركوا فيها .
عموما فإن المسئولية الحقيقية تقع على عاتق من يكتبون التاريخ وأنا لست منهم .
أعود لأقول أن كل ما كتب حتى الآن بما فى ذلك كتب صدرت من مطابع مجهولة ولم يرد اسمها على غلاف الكتاب فى الوقت الذى حملت فيه صفحات بعضها وثائق أو هكذا ادعى كاتبها أنها وثائق
كما تحدث البعض فى الفضائيات ومع معدّين بذاتهم وانطلق أغلبهم من موقع شخصى بحت ولا يروى من القصة إلا الجزء الذى يصوره وكأنه بطل ، وانه المدافع الوحيد عن العدالة التى أراد أن يفترسها جمال عبد الناصر الذى افترس كل شىء جميل فى هذا البلد الطيب .. ! !
قد يكون بعض من هؤلاء قد أضير عندما أعيد تنظيم القضاء وهؤلاء ينطبق عليهم المثل الشعبى " المخوزق يشتم السلطان " ، لكن يبقى مع ذلك أن الأمانة تقتضى أن تروى الوقائع كاملة كما لا يجب ألا تعزل عن ظروفها ودوافعها وخلفياتها .
إن جمال عبد الناصر هو أول من رفع شعار " سيادة القانون " باعتبارها الضمان الأكيد للديموقراطية ، فكيف يذبح حراس هذا القانون ؟
إن من هؤلاء الذين كتبوا وتحدثوا ظلوا يحتلون لآخر لحظة من عمرهم الوظيفى مناصبهم فى سلك القضاء ، وخرجوا قبل أيام من بلوغهم السن القانونية للتقاعد ، وخرجوا يقولون ويدّعون أنه لم يكن هناك احترام للقانون ، ولم يقولوا ماذا فعلوا بحكم وظائفهم ومسئولياتهم لإقرار العدالة وقد كانوا الأمناء عليها ، ولماذا لم يقدموا استقالاتهم ، أو حتى يقولوا لوزيرهم أو المسئولين عنهم رأيهم هذا .
ماذا يقال عن رجل مفترض فيه أنه بحكم مهنته إقرار العدالة والمحافظة على حقوق الشعب ، ثم استمر يمارس عمله أليس من حقنا أن نسأل أين ضمير رجل العدل ؟ !
وأن نقول أيضا إذا كان لديك ضمير ووقائع وإدانات ، فلماذا لا تتصرف كما يمليه عليك ضميرك وواجبك ؟ لماذا تسأل وتستشير والقانون يعطيك حق التصرف دون أن تستشير أحد ؟. . ماذا فعلت ؟ ولماذا سكت ؟ ولماذا لم تستقل ؟
كانت هذه مقدمة لابد منها
وأعود فأقول لقد كانت رؤية الرئيس جمال عبد الناصر للقانون وكما جاء فى ميثاق العمل الوطنى الذى صدر فى مايو سنة 1962 كالآتى :
" إن القانون فى المجتمع الحر خادم للحرية وليس سيفا مسلطا عليها . "
وإن الكلمة الحرة ضوء كشاف أمام الديموقراطية السليمة ، وبنفس المقدار فإن القضاء الحر ضمان نهائى وحاسم لحدودها . "
" وحرية الكلمة هى المقدمة الأولى للديموقراطية ، وسيادة القانون هى الضمان الأخير لها . "
" وسيادة القانون تتطلب منا الآن تطويرا واعيا لمواده ونصوصه بحيث تعبر عن القيم الجديدة فى مجتمعنا . "
إن كثيرا من المواد التى ما زالت تحكم علاقاتنا الاجتماعية قد جرت صياغتها فى جو اجتماعى مختلف ، وإن أول ما ما يعزز سلطان القانون هو أن يستمد حدوده من اوضاع المجتمع المتطورة . "
" إن القانون أيضا ، وهو فى حد ذاته صورة من صور الحرية ، لابد أن يسايرها فى اندفاعها إلى التقدم ، ولا يجب أن تكون مواده قيودا على تصدر القيم الجديدة فى حياتنا . "
وفى المؤتمر القومى للاتحاد الاشتراكى سنة 1962 طرح الرئيس جمال عبد الناصر وجهة نظره بوضوح فى أمور خمسة ردا على سؤال لأحد أعضاء المؤتمر وهى وذلك بعد مناقشة طويلة مسجلة فى محاضر رسمية نشرت فى الجريدة الرسمية لوقائع مناقشات المؤتمر القومى للقوى الشعبية والذى أقر ميثاق العمل الوطنى فى 22 مايو1962 ، كما كانت هذه المناقشات مذاعة على الهواء ونشرت في جميع الصحف كاملة . ومن ضمن ما قاله الرئيس جمال عبد الناصر عن علاقة الدولة بالاتحاد الاشتراكى وعلاقتها بالقضاء ما يلى :
" . . لابد أن نحدد العلاقة بين الاتحاد الاشتراكى والدولة لأننا لا نستطيع أن نفصل الدولة عن الاتحاد الاشتراكى ولا يمكن أن ننسى أن هناك تناقضا فى المجتمع ولا يمكن أن نترك هذا التناقض . . فقد يجتمع الأطباء فى وزارة الصحة مثلا ويقولون أنهم مستقلون . إن مستشفى القصر العينى – بما فيه من فساد مستقل أيضا – وكيف تكون الدولة مسئولة وكل واحد فيها يقول أنه مستقل؟ . . ثم . . اهو الإستقلال ؟ إن استقلال القضاء مثلا الذى يتردد كثيرا ، نجد فى حالته أن رئيس الجمهورية هو الذى يعين رؤساء المحاكم وله حق توقيع الحركة القضائية لاعتمادها وله كذلك ألا يعتمدها . ووزير العدل هو الذى يعرض هذا الموضوع . . فهل هذا تدخل فى استقلال القضاء ؟ إن استقلال القضاء المقصود به ألا تتدخل الدولة فى حكم القاضى و ألا تهدده بالفصل مثلا إذا لم يحكم بشكل معين فى قضية ما . . هذا هو استقلال القضاء ، وهو أساس التعامل بين الناس .
أما إذا قلنا إن الجامعة مستقلة والقضاء مستقل فإنه لا داعى لوزارة التعليم العالى ووزير التعليم العالى إذن . . وكذلك فإنه لا يكون هناك داع لوزير العدل . . بل لا يستطيع مجلس الأمة أن يناقش موضوعا مثل موضوع الجامعة لأنه لا يوجد مسئول من الجامعة فى السلطة التنفيذية وبالتالى لا يمكن أن يوجه المجلس سؤالا إلى الحكومة عن التطور الجامعى كما حدث مثلا لأن الجامعة مستقلة عن الحكومة وعن الدولة .
إن الدولة الاشتراكية مسئولة عن كل شىء . . والجامعة مثلا يمكن أن تكون مستقلة لو كانت تدار برأسمال خاص والحقيقة أن الدولة هى التى تمول الجامعة وتشرف عليها .
بل إننا لم نترك اليوم مصنعا مستقلا استقلالا ذاتيا كاملا ، فنحن نرسل ميزانية كل مصنع إلى مجلس الأمة لكى يراجعها . . فكيف يمكن – فى هذه الدولة المسئولة عن كل شىء – أن تقول إن الجامعة مستقلة ولا شأن للدولة بها ؟
ولو كانت الجامعة مستقلة فإنه لا يمكن أن يناقش موضوع الجامعات فى مجلس الأمة لأنه على هذا الأساس كيف يناقشه والجامعات مستقلة ؟ . . ونقول أن القضاء مستقل لكنه مستقل من ناحية الأحكام . . أما التنقلات والتعيينات واختيار أعضاء مجلس القضاء الأعلى وكل هذه الشئون فإنها تسير وفق التنظيم العادى . . أى أن الأمور فى هذه النواحى تخضع للناحية التنفيذية والقضاء مستقل من ناحية الأحكام وضمانها .
كذلك فإنه لا توجد أية جامعة فى العالم مستقلة لا فى الدولة الرأسمالية ولا فى الدولة الشيوعية . . فالجامعات فى الدول الرأسمالية يديرها أصحاب النفوذ فى الطبقة الرأسمالية وتتبع الجامعات فى الدول الشيوعية نفس الشىء . . أى يسيطر عليها أصحاب النفوذ والسلطة فى الدولة الشيوعية .
بالنسبة للسلطة القضائية : باستمرار من أول الثورة كنا بنعطى للسلطة القضائية كل تقديس . . وأنا بأقول لكم هنا من أول يوم لم أتدخل . . وبأعتبر أن صمام الأمان فى البلد كان القضاء بطريقة تدعو لأن نفخر بها . . وأنا
طول السنين اللى فاتت . . العشر سنين–
لم أتدخل . . و يوم ما كان فيه حاجات سياسية . . كنا بنعمل محكمة ثورة
ثم بلور وجهة نظره فى مسألة القضاء فى خمسة نقاط على سبيل التحديد وهى :

أنه يرى أن نظرية فصل السلطات غير مطبقة فى أى بلد من بلدان العالم .
أنه يقدس القضاء ويحترمه ويعتبره صمام الأمان فى مصر ، وأن هذا الرأى اتخذ منذ اليوم الأول للثورة ، وأن القضاء المصرى مدعاة للفخر والاعتزاز .
أن الثورة أقامت محاكم خاصة لعدد من القضايا السياسية رغبة منها فى إبعاد القضاء عن الانغماس فى السياسة .
أن الثورة لم تتدخل فى القضاء أبدا طوال سنوات عمرها .
أن موضوع إشتراك القضاة فى الاتحاد الاشتراكى ـ وهو ليس حزبا ـ يمكن ان يكون فى إطار خاص به ، وعلى كل فقد تركه للجنة التى تبحث أمور تشكيل الاتحاد الاشتراكى .
ويؤكد الرئيس جمال عبد الناصر هنا أيضا أن القضاء كان مشاركا فى مجالات العمل التى خاضتها الثورة ، وكانت هناك لجان يدخل القضاة فى عضويتها لكى تضبط أى إجراءات تنفيذية لقرارات الثورة ، ومن أبرز هذه القرارات والقوانين ، قانون الإصلاح الزراعى واللجنة العليا لتصفية الإقطاع واللجان الفرعية المنبثقة عنها ولجان الحراسات التى كانت تقوم فى كل عضويتها على المستشارين والقضاة .
ولم تصدر أى شكوى أو نقد من رجال القضاء ، ولم يثر ، ولو مرة واحدة ، أن أحدا من رجال القضاء اتخذت الدولة منه موقفا نتيجة لقول تفوه به ، أو أنه حكم بغير ما يمليه عليه واجبه وضميره كرجل عدل ورجل قانون ، أو أن الدولة حرضت أحدا أن يصدر حكما بعينه . . فالدولة كانت حريصة باستمرار على وضعية القضاء وعلى استقلاليته وتوفير المناخ الملائم لأداء رسالته بعيدا عن أى تيارات أو انحرافات .
وفى إبريل سنة 1963 شرح الرئيس جمال عبد الناصر وجهة نظره فى موضوع الفصل بين السلطات من خلال اجتماعات الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق ـ وكان من الحضور جهابذة فى القانون والسياسة ـ وقال :
" أنا أعتبر أن عملية الفصل بين السلطات خدعة كبرى . . ليه؟ . . لأن الحقيقة إنه ما فيش حاجة اسمها فصل السلطات ، لأن اللى عنده الأغلبية فى البرلمان هو اللى بياخد السلطة التنفيذية . . والتشريعية . . إذن القيادة السياسية اللى عندها الأغلبية ، يبقى فى إيدها السلطة التشريعية وإذا أصبح فى إيدها السلطة التشريعية بالتالى أصبح فى إيدها السلطة القضائية ، لأن السلطة القضائية خاضعة للسلطة التشريعية مهما قالوا إنها مستقلة . . وإن الكلام ده اللى طلع فى فرنسا أيام مونتسيكيو على فصل السلطات كلام نظرى ولكنه واقعا لم ينفذ . . نأخذ إنجلترا كمثل ، حزب المحافظين دخل الانتخابات أخذ الأغلبية فى البرلمان . . بقت السلطة التشريعية فى إيد مين ؟ . . حزب المحافظين . . حزب المحافظين ألف الوزارة ، بقت السلطة التنفيذية فى إيد مين ؟ . . فى إيد حزب المحافظين . . إزاى هنا بنقول فصل السلطات . . إذا فقد الأغلبية فى السلطة التشريعية بالتالى بيحصل إيه ؟ . . لازم يسقط من السلطة التنفيذية . . إذن اللى عايز يحتفظ بالسلطة التنفيذية يجب أن يحتفظ بالسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية . . إذن القيادة للاثنين واحدة . . مبدأ فصل السلطات عملية فى الكتب ولكنها غير موجودة واقعيا أبدا . . والبلد الوحيد اللى ممكن يحصل فيه هذا الموضوع هى الولايات المتحدة الأمريكية ولو إنه بينتج عن هذه الحقيقة تضارب كبير فى العمل ، وفيه أحد رؤساء الولايات المتحدة سمّوه الرئيس " فيتو " كل قرار بييجى له من المجلس. . ماعندوش أغلبية فى المجلس. . يعمل عليه "فيتو" ويرجّعه وبيحاولوا لغاية دلوقتى يتغلبوا على هذه المشكلة بأن الرئيس ما يقدمش قرار إلا بيجيب الكونجرس من الحزبين وبياخذ القرار نتيجة التشاور مع الكونجرس "
كانت هذه هى النظرة الموثقة نحو القضاء والقانون .
ولم يعترض أحد من القضاة على هذا الكلام منذ سنة 1962
وأستطيع أن اقول بكل جرأة وبشىء من التحد أيضا ، أن جمال عبد الناصر لم يتدخل قط فى القضاء بل حافظ على استقلاله وقدمت قضايا كثيرة للمحاكم تحدث عنها عبد الناصر باعتبارها تتناول أخطاء ضد المجتمع ، كما أدان فى خطاباته بعض من اتهموا ولكن القضاء برأهم . وعلى سبيل المثال قضية وكيل وزارة الزراعة الذى اتهم فى قضية رشوة وجاء القضاء وقال أنه برىء وعاد الرجل إلى عمله . ولعلنا كلنا نذكر قضية كمشيش وأن الاتجاه العام كان نحو إدانة عائلة الفقى فى مقتل صلاح حسين ، واتخذت هذه القضية أبعاد سياسية كبيرة ، ولكن القضاء حكم بأن عائلة الفقى لم ترتكب جريمة القتل وبرأها القضاء ، بل أدان كذلك إجراءات التعذيب التى وقعت على هذه العائلة وكان القاضى الذى أصدر هذا الحكم عضوا فى التنظيم الطليعى للاتحاد الاشتراكى .
كان هناك تعاون مخلص وجاد مع القضاة الذين بادلوا الثورة هذا الإخلاص واشترك القضاة فى كثير من اللجان التى شكلتها ضمانا للعدالة منذ بداية الإصلاح الزراعى اللجنة العليا لتصفية الإقطاع التى ساهم فى أعمالها عددا من المستشارين وكانت كل حالة تعرض عليها كانها قضية توضع أمام محكمة يقررون الرأى القانونى قبل إصدار القرار ، ولجان الحراسات كانت كلها من المستشارين والقضاة ضمانا للعدالة . ولم نسمع أى شكوى من رجال القضاء بأن الدولة قد تدخلت فى أعمالهم . كما لم تتخذ الدولة موقفا من احد منهم لأنه أخل بعمله مثلا أو أنه حكم بغير ما يمليه عليه واجبه كرجل عدل ، وأسأل بدورى ، هل طلبت الدولة من قاض أيا كان أن يصدر حكما لا يرضى هو عنه أو حكما يخالف القانون او ضمير القاضى نفسه . وهذا لم يحدث بالقطع .
بالنسبة للقضايا السياسية فقد رأت الدولة أن تشكل محاكم خاصة كمحكمة الثورة ومحكمة الغدر بعيدة عن القضاء العادى أو باشتراكه ، وكان القضاة من أعضاء مجلس الثورة ، كل ذلك حتى لا تتدخل الثورة فى القضاء ، وسواء كان ذلك سليما أم غير سليم فقد كان القانون يعطى الدولة هذا الحق وقد مارسته ، وقال الرئيس عبد الناصر كلمته بأن فى هذا إبعاد للقضاء عن السياسة .
وكان طوال الوقت منذ قيام الثورة هناك مكتب للشئون القانونية " المكتب الفنى " ، يتبع رئيس الجمهورية مباشرة يعمل به مجموعة من المستشارين القانونيين من مختلف أفرع القضاء ومجلس الدولة والنيابة العامة ، وكان هذا المكتب يراجع كل التشريعات والقرارات قبل إصدارها وكان يستشير الهيئات القضائية والقانونية المعنية فيما يعرض عليه ، وكان يراجع القضايا و الأحكام التى كانت تخضع لتصديق الحاكم العسكرى العام قبل أن يصدق عليها رئيس الدولة .
وعلى جانب آخر فلقد قام البعض من كبار رجال القضاء بارتكاب أخطاء وكان النظام يقوم ـ عن طريق وزير العدل ـ من المستشار أحمد حسنى أول وزير للعدل بعد الثورة إلى السادة فتحى الشرقاوى ومحمد أبو نصير وعصام الدين حسونة وغيرهم ، باستدعاء المخطئين بواسطة التفتيش القضائى ويواجههم بما هو منسوب إليهم ويطلعهم على ما يثبت الأخطاء وكثيرا ما كان القاضى المنسوب إليه هذه الأخطاء يتقدم بالاستقالة فى صمت وبدون إعلان من جانب النظام حرصا على بقاء الصورة العامة للقضاء على نقائها .
و لقد أوقع السيد المستشار رئيس محكمة النقض الدولة فى حرج أكثر من مرة . المرة الأولى عندما كان عضوا فى وفد قانونى رسمى سافر للخارج ليمثل مصر فى أحد المؤتمرات القانونية الدولية وقابل أحد أقارب الرئيس كنيدى فدعاه لزيارة مصر ، وكانت العلاقات السياسية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية مقطوعة ، وكان موقفا حرجا للدولة . . فالدعوة حكومية ، والعلاقات مقطوعة بين البلدين بما يمكن أن تفسر الدعوة تفسيرات سياسية لم تكن واردة فى ذلك الوقت . وانتهى البحث إلى أن تستقبل وزارة السياحة قريب كنيدى حتى لا تحرج رئيس محكمة النقض الذى وجه الدعوة ولا تحرج الدولة التى لا تتبادل العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والتى كان موقفها معها حادا . ويبدو أن السيد المستشار رئيس محكمة النقض لم يقتنع بهذا المنطق واعتبر أن ذلك موقفا شخصيا من وزير العدل ـ السيد محمد أبو نصير ـ ضده لأنه هو الذى وجه الدعوة ، وردا على ذلك فقد أرسل مدير مكتبه ليستقبل قريب كنيدى فى المطار ويرافقه بسيارته الحكومية ، وسكت وزير العدل !
لكن الأزمة تكررت مرة ثانية عندما وجه نفس المستشار رئيس محكمة النقض الدعوة الرسمية إلى رئيس محكمة سيلان لزيارة مصر . ولم يكن من المعقول أن يوجه أى مسئول الدعوة باسم الحكومة دون الرجوع لأحد ، فتلك أمور لابد أن هناك قواعد تنظمها ، فليس من المنطق أن يسمح لأى موظف كبير مهما بلغت درجته أن يوجه الدعوة لم يشاء من الأجانب لزيارة البلاد فقد ينتج عن ذلك أضرار جسيمة ، وقد يكون الشخص المدعو معاديا للبلاد أو للنظام . . وحتى الوزير لا يملك هذه الدعوة الشخصية قبل موافقة رئاسة البلاد ووزارة الخارجية ، هذه الاعتبارات والأصول تغاضى عنها السيد المستشار رئيس محكمة النقض ـ عمدا أو بدون قصد ـ ذلك أمر مرفوض . ولقد بعث السيد وزير العدل برسالة إلى السيد المستشار رئيس محكمة النقض يطلب منه ألا يتصل بجهات خارجية إلا عن طريق وزارة العدل التى تقوم بالاتصال بوزارة الخارجية التى يتم عن طريقها أن تأخذ الدعوة مسارها الرسمى .
وهناك حقيقة هامة هى أن الرئيس أنور السادات كان بطل هذه القضية وصانعها فقد كان هو رئيس اللجنة التى اقترحت تطهير القضاء وأعد هو وبخط يده ، والذين كانوا معه قائمة بأسماء الكثير من القضاة طالبوا بتطهيرهم ، ولم يستجب لطلبهم . ويجىء الرئيس السادات بنفسه ويعلن فى نادى القضاة بعد ذلك أثناء توليه الرئاسة ويوجه خطابه للقضاة قائلا لهم: " أصحاب المقام الرفيع القضاة ! ! " وهو لم بكن بالقطع يعنى ما يقول خاصة عندما أعلن " أن عهد ذبح القضاة قد انتهى وانه جاء عصر تكريمهم ! ! " وكان هو الذى أراد ذبح القضاة كما سيتضح فى السطور الآتية .
الوضع كان يتلخص فى الصورة التالية :
كان النظام لا يريد دخول القضاء فى السياسة ، وكان يعتبر أنه موضوع مؤجل ، كالقوات المسلحة والشرطة .
وأن نادى القضاة وهو مؤسسة اجتماعية صرفة ، دخل الملعب السياسى سواء بنشاط بعض أعضائه ، أو باستغلال مجلة القضاء فى مقالات ذات طابع سياسى .
إن ترك الأمور بهذه الصورة يعنى إصابة النظام ككل بنوع من التفكك ، أو سهولة استغلال مثل هذا وضع خطير لإحداث فراغ أو انقلاب أو شىء من هذا القبيل خصوصا وأن هذه الفترة كانت مشحونة بنشاط داخلى وخارجى يهدف لإثارة نوع من الحرب النفسية التى أعقبت عدوان 5 يونيو 1967 والذى فشل فى إسقاط النظام .
لا ننسى أن الوضع العام بعد مؤامرة المشير عبد الحكيم عامر كان يحتاج باستمرار لنوع خاص من الانضباط والجدية فى التعامل مع الأحداث والتطورات بشكل يجهض أى محاولة لإنجاح الحرب النفسية ضد المجتمع المصرى ، وبالتالى حماية النظام .




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:45


بداية الأزمة
الأزمة بدأت بعد أن أصدر نادى القضاة ـ وهو هيئة اجتماعية ـ بيانا سياسيا طبع فى مطبعة سرية بإحدى شركات القطاع العام ووزع على وكالات الأنباء والسفارات الأجنبية ، ينتقدون فيه النظام وتم توزيع هذا البيان يوم 29مارس سنة 1968 أى قبل صدور بيان 30مارس سنة1968 بيوم واحد بالرغم من اتصالات تمت بين كل من السيدين شعراوى جمعة ومحمد حسنين هيكل مع المستشار ممتاز نصار وآخرين من زملائه .
كانت هناك مناقشات قبل عدوان 5 يونيو1967 حول القضاء ودوره فى المجتمع الاشتراكى ومناقشات حول نظرية الفصل بين السلطات ، وانتهز البعض من الذين أعلنوا رفضهم الصريح العمل بالسياسة مؤثرين أن يكون للقضاء استقلاله بعيدا عن السياسة فرصة مظاهرات الطلبة عام 1968 لكى يدخلوا السياسة من أوسع أبوابها ، وأن يكون دورهم الوقوف ضد النظام فى تلك الظروف . لم تكن القضية كما حاول مصطفى أمين الذى كان متهما فى قضية تجسس ـ بعد الإفراج الصحى عنه ـ هى أن عبد الناصر ذبح المئات من القضاة لأنهم أصدروا أحكاما عادلة أغضبته . لقد رأى الرئيس عبد الناصر أن تصرف القضاة مما يستلزم وقفة خاصة بعد تصاعد الأزمة وشكلت لجنة لدراسة المشكلة واقتراح الحلول لها ، وكانت اللجنة برئاسة السيد أنور السادات الذى طلب إبعاد أضعاف العدد الذى خرج فعلا . . وهو الذى اقترح إبعاد المستشار ممتاز محمد نصار عبد الله ، وأنه لم يشر إلى وضع قواعد عامة يمكن أن تطبق . و الكشوفات التى قدمها السادات تضمنت أسماء لم تخرج لأن اللجنة التى راجعت الأسماء فى رئاسة الجمهورية أصرت على وضع قواعد لاستبعاد القضاة الذين لن يعودوا إلى مواقعهم بعد حل الهيئات القضائية وإعادة تشكيلها من جديد .

والآراء حول فصل السلطات لم تكن جديدة ، ولكن حدثت مغالطة من بعض أعضاء نادى القضاة سنة 1968 وليس فى سنة 1963 . . والمغالطة أنه حدث إدعاء جانبه الصواب من أن النظام طرح هذه المقولة ، وهم يردون عليها فى مقالات وردت فى مجلة القضاة التى تصدر عن نادى القضاة . والسؤال لماذا هذا التوقيت بالذات بعد مرور خمس سنوات، وفى العدد الثالث من مجلة القضاء نشر المستشار ممتاز نصار ( من أقطاب حزب الوفد ، وكان رئيسا للهيئة البرلمانية الوفدية فى سنة 1984 ) ، رأيه كاملا وواضحا إلا أنه نسى أو تناسى أن رأى النظام قيل قبل حرب يونيو 1967 وليس بعدها كما قال السيد المستشار . . كما أن وجهة النظر التى ترفض نظرية الفصل بين السلطات قد عبرت عن نفسها أيضا فى وسائل الإعلام . . وكان الرأى الذى يطالب بالإبقاء على نظرية الفصل بين السلطات أعتبر أن الإخلال بها هو هدم لاستقلالية القضاء فى حين أن الرأى الآخر يرى أن ذلك لا يؤثر على حرية القضاء .
وكان فى نفس الوقت أغلبية القضاة يرفضون عضوية الاتحاد الاشتراكى ، فهو اشتغال بالسياسة وهم " كسلطة مستقلة " لا علاقة لهم بالسياسة على الإطلاق .
كما أن قانون السلطة القضائية ينص فى المادة 73منه على منع اشتغال القضاة بالسياسة ، وتقول المادة " إنه يحظر على المحاكم إبداء الآراء السياسية ، ويحظر على القضاة الاشتغال بالعمل السياسى " .
الحقيقة كان هناك اختلافات فى الرؤى ، ففريق من رجال القضاء يرى ويقول باستقلال القضاء وعدم تدخل أو دخول غير المتخصصين فيه ، وبأنهم سلطة لها كيانها واستقلالها ، ومن ثم فينبغى أن تتدعم هذه المفاهيم ، وتنطلق لتحقق أقصى غاياتها استقلالا ، وانطلاقا حرا فى ظل القانون0 وفريق آخر من رجال القضاء ينادى بسقوط هذه النظريات ويريد أن يدخل فى بعض مجالس القضاء أفراد من الشعب يمثلون ضمير الأمة ، وأن دولا غربية استخدمت هذا الأسلوب فى نظام المحلفين ، وأن كل الدول الاشتراكية تأخذ بهذه النظرية ، وفى ذلك دفع للعدالة وضمان أكيد لتطبيق القانون بما يتمشى مع الغرض الذى شرع من أجله ، كما أن هذه المطالب لا تمس بأى حال حيدة القضاء فى الخصومة القضائية ، ولا تمس ضمانات تحقيق العدالة ، وهو الأمر الذى تأخذ به دول عديدة فى العالم لا يمكن أن تتهم بأن قضاءها منحاز أو أنه خاضع للسلطة التنفيذية .
إذن كنا أمام نوع من الصراع المشروع بين رأيين قانونيين رأى تمثله مدرسة رافضة لكل جديد ، وأخرى ترى ضرورة التجديد ليتم التلاؤم مع المجتمع الجديد .
من المعروف أن تنظيم طليعة الاشتراكيين ، وهو التنظيم الذى أنشأه الرئيس عبد الناصر داخل التنظيم السياسى وجعله سريا ليقود العمل السياسى ، أقول هذا التنظيم شق طريقا له بين القليل جدا من رجال القضاء على سبيل التجربة ، وكان عدد من المستشارين والقضاة ورجال النيابة العامة ومجلس الدولة والنيابة الإدارية أعضاء فى هذا التنظيم برئاسة السيد محمد أبو نصير ، وكان أعضاء المجموعة القيادية المستشارين على نور الدين وعمر الشريف وعلى كامل وإبراهيم هويدى وعلى شنب ومحمد لطفى . الذين كانوا مؤمنين بأنه لابد أن يطل رجال القضاء على السياسة ويعملوا على تدعيم هذا الهدف ، ومما هو جدير بالذكر أن محكمة القضاء الإدارى قالت فى الحكم الذى أصدرته فى 26يناير1974 فى القضية رقم 707سنة19ق عليا بشرعية وجود هذا التنظيم داخل القضاء .
فى ظل هذا المناخ ووجود تيارين متعارضين ، أحدهما ينادى بضرورة انضمام رجال القضاء للتنظيم السياسى ، والآخر يصر على إبعاد القضاء عن السياسة . . أحدهما يرى أن نظرية الفصل بين السلطات شعار غير مطبق فى الواقع حتى فى فرنسا التى خرج منها الشعار ، وأن بقاؤه هو هروب من المواجهة الحقيقية للواقع المحلى والعالمى ، والتيار الآخر يرى أن فى استمرار بقاء هذه النظرية استمرار لبقاء القضاء كسلطة مستقلة ودعم لازم لكيانه . كما دارت مناقشات حول ضرورة إحياء نوع من القضاء الشعبى ، وهنا ثارت ثائرة عدد من رجال القضاء الذين يرون أن القضاء عمل لا يمارسه سوى المتخصصون وحدهم دون سواهم .
فى ظل ذلك الجدل كان مقررا أن تجرى انتخابات التجديد لعدد من أعضاء مجلس إدارة نادى القضاة عام 1968 .
وللعلم فإن نادى القضاة ليس نقابة مهنية وليس تجمعا سياسيا ، ولكنه ناد اجتماعى وثقافى فقط ، كما أنه لا يضم كل قضاة مصر ، وقد أنشئ سنة1939 وكان الغرض من إنشائه كما نص قانونه على توثيق رابطة الإخاء والتضامن بين جميع رجال القضاء ورعاية مصالحهم ، وتسهيل سبل الاجتماع والتعارف بينهم ، وإنشاء صندوق للتعاون والادخار لصالح الأعضاء ومساعدة أسر من يفقدهم النادى من أعضائه ، ويقبل به أعضاء القضاء والنيابة ، والحقيقة أنه غالبا ما كانت تحدث صدامات بين القضاة فى انتخابات ناديهم نتيجة سيطرة نزعات انتخابية مختلفة وهو أمر غريب وسط مجتمع القضاة . . وما خلاف سنة1963 ببعيد حيث اختلف الوزير مع أعضاء مجلس إدارة النادى حول من يرأس النادى ؟ هل رئيس محكمة النقض ؟ بينما كان بعض الأعضاء وعلى رأسهم المستشار ممتاز نصار ضد الفكرة وهى قصة معروفة فى الأوساط القضائية .
جاء موعد انعقاد الجمعية العمومية لنادى القضاة يوم الثامن والعشرين من مارس1968 وكان جدول الأعمال يتضمن المسائل التقليدية لأية جمعية عمومية لناد اجتماعى ثقافى وإجراء انتخابات ثلث الأعضاء التى تمت بالتزكية تقريبا 0والغريب أنه فى هذا الاجتماع تلى مشروع بيان تصدره الجمعية العمومية التى أقرته وسط تصفيق حاد من الحاضرين .
كان هذا البيان معدا ومطبوعا من قبل انعقاد الجمعية العمومية ووزع على الأعضاء قبل انعقاد الجمعية العمومية ، إلا أن الشىء الملفت للنظر أن البيان لم يعد بمعرفة مجلس إدارة النادى كما هو مفروض رسميا وعرفا -وأن أعضاء المجلس فوجئوا بالبيان ، وأن أحدا من النادى لم يأذن بطبعه ، وأن مجلس إدارة النادى قد كلف وكيل النادى المستشار الصادق المهدى ورئيسه بكتابة بيان تتضمن خطوطه الرئيسية أن القضاء سلطة وليس مرفقا ، وأن القضاة يهيبون بالسيد رئيس الجمهورية أن يسير فى خطواته لاستخلاص الأرض المحتلة ، وأنهم يطالبون بتعزيز درجات رجال القضاء بما يكفل لهم حياة كريمة ، ولكن البيان الذى أعد خلسة وطبع ووزع على الجمعية العمومية كان مختلفا عن هذا تماما . . بل طبع ووزعوه على وكالات الأنباء وعلى السفارات الأجنبية ، وبالرغم من المحاولات التى بذلت لتأجيل توزيع البيان قبل برنامج 30 مارس بواسطة السيدين شعراوى جمعة و محمد حسنين هيكل ، إلا أن المستشار ممتاز نصار رفض يومها وكما ورد فى كتابه " معركة العدالة " يكشف تفاصيل أخرى تؤكد نيته فى إتباع أسلوب الرفض لأى محاولة لفض الاشتباك بل الإصرار على خلق معركة ضد النظام .
ولقد كانت الأوضاع مستقرة دون أن يعكرها شىء حتى وقوع النكسة سنة 1967 والتى اقتضت إجراء عملية إعادة ترتيب شامل للدولة وطرح الرئيس جمال عبد الناصر أفكارا عديدة حول إعادة تشكيل النظام السياسى فى مصر ، كان من أبرزها اقتراحه فى اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى العربى
أعلى سلطة فى البلاد –
فى الثالث والرابع من أغسطس1967 بالأخذ بنظام التعددية الحزبية ، واعتبار الاتحاد الاشتراكى حزب ، والسماح بإنشاء حزب آخر معارض له كتجربة للتعددية ـ مما سيرد تفصيلا فى موقع آخر من هذه المذكرات ـ ولكن ما يهمنا هنا أن هذه الحوارات والمناقشات التى تناولت كل جوانب الوضع السياسى فى مصر قد تطرقت إلى موقف القضاء ، وهل يجرى إخضاعه للتسييس مع كل من القوات المسلحة والشرطة أم يظل مبتعدا عن أية إطارات سياسية ، وكان رأى الرئيس عبد الناصر أن القوات المسلحة والشرطة أمرهما مؤجل نظرا لظروف المعركة ، أما بالنسبة للقضاء فقد قال الرئيس "أن هذا الموضوع يخص المجتمع القضائى وهو الذى يقرر ذلك من عدمه " .
وكان الرئيس جمال عبد الناصر قد تحدث فى 18ابريل 1968 فى مؤتمر شعبى بالمنصورة وشرح رأيه بالنسبة لانضمام القضاة للتنظيم السياسى فقال :" إننى لست ميالا فى الوقت الحاضر لاشتراك القضاء أو القوات المسلحة أو الشرطة فى التنظيم السياسى . . وبأقول فى الوقت الحاضر . . لازم فى الأول يتم بناء التنظيم السياسى ويثبت فاعليته ويثبت صدق تعبيره عن قوى الشعب العاملة وأصالة تجسيده لسلطتها ، وبعد هذا يكون فى استطاعتنا إن إحنا نبحث موضوع اشتراكها فى التنظيم السياسى ، وإخلاص القوات المسلحة للنضال الشعبى الآن يكون بمقدرة تحقيق النصر فى معركة الوطن وإخلاص القضاء للنضال الشعبى أولا بإقامة العدل .
وكان القضاة كما سبق أن ذكرت منذ البداية قد أبعدوا عن السياسة ، فلم يدخلوا فى التنظيمات السياسية وإن كان المستشار بدوى حمودة رئيس المحكمة العليا قد رفض هذا الاستبعاد فى اجتماع عام معلنا أنه يفاخر بأن ينضم إلى عضوية الاتحاد الاشتراكى ، كما لم تتدخل الثورة فى القضايا على الإطلاق ، بل إن هناك الكثير من القضايا تحدث عنها الرئيس عبد الناصر وأصبحت قضايا رأى عام إلا أن المحاكم برأت المتهمين فيها ، بل لقد برأت المحكمة عائلة الفقى فى قضية كمشيش الشهيرة ، وكان من المفارقات أن الذى أصدر الحكم هو أحد أعضاء التنظيم الطليعى من القضاة كما عرف فيما بعد . . وكانت فى النهاية رؤية الرئيس عبد الناصر للقانون واضحة فهو الذى أطلق شعار "سيادة القانون " ، وقال إن سيادة القانون تعنى تطويرا واعيا لنصوصه ليكون فى خدمة العلاقات الاجتماعية ، وأن العدل حق مقدس لكل مواطن لا يمكن أن يكون سلعة غالية وبعيدة المنال على المواطن ، وأن القانون فى المجتمع الحر خادم للحرية وليس سيفا مسلطا عليها .
ومع ذلك فقد شهدت هذه المرحلة تحرك بعض رجال القضاء ، وكان بعضهم يشغل مواقع رفيعة المستوى فى السلك القضائى والبعض الآخر كانوا أعضاء فى مجلس إدارة نادى القضاة ، والغريب أن بعض الذين رفضوا صراحة العمل بالسياسة مؤثرين أن يكون للقضاء استقلاله بعيدا عن السياسة استثمروا فرصة مظاهرات الطلبة عام 1968 بعد عدوان 5يونيو1967 ، لكى يدخلوا فى السياسة من أوسع أبوبها ، وأن يكون دورهم الوقوف ضد النظام فى تلك الظروف ، وأن يسمعوا أصواتهم للسفارات الأجنبية ، وهو إجراء كان من المفروض أن ينأى عنه القضاة خاصة بعد الحوار الذى تم مع السيدين شعراوى جمعة ومحمد حسنين هيكل . . وبدأ هذا النشاط بترويج إشاعات مفادها أن وزير العدل يريد أن يملى إرادة معينة على المجتمع القضائى ، كما بدءوا يرددون مصطلحات غريبة مثل مرشحو السلطة والمرشحون الأحرار، وكأن السلطة عدو غاصب ، وهناك من يريد أن يتحرر من هذا القيد – شىء غريب فعلا ! - ، فى نفس الوقت الذى تحركت فيه مجموعات أخرى من الأسرة القضائية تضم مستشارين وقضاة فى محكمة النقض ومحاكم الاستئناف فى القاهرة والإسكندرية وأسيوط وهى أكبر المحاكم فى مصر لمقاومة الاتجاهات السابقة ووصفوها بالزيف ، وكان ذلك يهدد بوقوع انقسام فى الأسرة القضائية .
ورغم أن قانون السلطة القضائية الذى يتمسك به القضاة ينص على عدم تدخل القضاة فى السياسة ، وأن القضاة أنفسهم يرفضون المشاركة فى السياسة بل إنهم يتخذون موقفا مضادا تماما لهذا الاتجاه ، إلا أنه بدأت بعض الأصوات تتصاعد تدريجيا لممارسة بعض الأنشطة السياسية يشكل مباشر أو غير مباشر ، مخالفين بذلك قانون السلطة القضائية .
والواضح أن وقوع عدوان 5يونيو 1967 شكل فرصة حاول بعض رجال القضاء استثمارها ليس فقط فى مجال التدخل فى السياسة خروجا على تقاليد السلطة القضائية ، بل وكمحاولة من البعض لتصفية الحسابات مع ثورة 23يوليو .
ففى خلال الربع الأول من سنة 1968 وبالتحديد فى شهر مارس كان يجرى التحضير لإصدار بيان 30 مارس الذى طرح تصورا جديدا لمنهج العمل السياسى ، وإعادة البناء المؤسسى فى الدولة بشكل عام من القاعدة إلى القمة ، وفى مقابلة بين المستشارين ممتاز نصار ومحمد عبد السلام ويحيى الرفاعى ومحمد إبراهيم أبو علم – ولكل منهم قصة - مع السيد شعراوى جمعة وزير الداخلية جرت يوم 25مارس1968 فى مكتبه بوزارة الداخلية – يرجع للمذكرة ومحضر الاجتماع المسجل عن هذا اللقاء فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات وأرشيف إدارة المباحث العامة – أثاروا مجددا موقف القضاء من السياسة فطلب منهم السيد شعراوى جمعة الانتظار حتى صدور بيان 30مارس فى الأيام القليلة القادمة ، لكنهم واصلوا بعد هذه المقابلة ترويج آرائهم حول أحداث ومقالات وكتابات سبق نشرها قبل 5 يونيو 67 ولم تكن مثارة فى ذلك الوقت ، فالمقالات هذه نشرت فى مارس 67 قبل العدوان ، ولكن القضاة لم يقولوا رأيهم إلا فى 28مارس1968 إذن فقد كان ما حدث يوم 5 يونيو 1967 فقط مجرد مناسبة لكى يقول القضاة رأيهم فى رفضهم دخول الاتحاد الاشتراكى ومشاركة الشعب فى القضاء وغيرها من المسائل التى طرحت 0 كما سارعوا بإعداد بيان طبع فى إحدى مطابع القطاع العام ، وهى مطبعة شركة النصر للاستيراد والتصدير وطبع منه عدة آلاف ووزع فى الداخل والخارج على نطاق واسع ، كما وزع على النقابات المهنية والعمالية والهيئات والسفارات الأجنبية ، ونشر فى صحف الخارج بل وتلقفته بعض الصحف فى بيروت وبعض الدول الغربية لتنشره وتصور النظام المصرى بأنه قد انتهى ، وليس أدل على ذلك مما جاء على لسان المستشار محمد عبد السلام فى كتابه " سنوات عصيبة " ، وأثار البيان ضجة ، ولاقى ترحيبا فى الداخل والخارج ، ويبدو أن بعض السفارات الأجنبية استغلته فطبعت منه صورا وزعتها على نطاق واسع ، الأمر الذى أثار حفيظة السلطات فاعتبرت البيان تحديا لها 0 كما صدر عددا خاصا لمجلة القضاة كان عنوانه " بيان وقرارات الجمعية العمومية لقضاة الجمهورية العربية المتحدة المنعقدة بناديهم بالقاهرة فى 28مارس1968 " ، صرحت الرقابة أيضا بنشره . . . (يرجع للنص) .
كان البيان سياسيا بالدرجة الأولى صدر من أفراد يناضلون من أجل أن يبتعدوا عن السياسة ويقول البيان:
" يؤمن رجال القضاء كسائر أفراد الشعب بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ، وأن القضاة يرفضون أية محاولة لفرض تنازلات سياسية تحت أى ضغط من الضغوط .
صلابة الجبهة الداخلية تقتضى إزالة كافة المعوقات التى اصطنعتها أوضاع ما قبل النكسة أمام حرية المواطنين ، ومن هنا وجب تأمين الحرية الفردية لكل مواطن ، فى الرأى والكلمة ، والاجتماع ، وفى النقد ، والحوار ، والاقتراح والإحساس بالمسئولية والقدرة على التعبير الحر ، ولا يكون ذلك إلا بتأكيد مبدأ الشرعية الذى يعنى فى الدرجة الأولى كفالة الحريات لكافة المواطنين وسيادة القانون على الحكام والمحكومين على سواء .
تحقيقا لسيادة القانون فإنه يتعين البدء فورا فى إزالة كافة البصمات التى شوهت بها أوضاع ما قبل النكسة ليأمن جميع المواطنين على حرياتهم وحرما تهم ، فلا تسلب أو تمس إلا طبقا لأحكام القانون العام وحده ، وبحكم من القضاء وحده ، وبالإجراءات المتبعة أمامه .
إن قيام سلطة قضائية حرة مستقلة ينفرد الدستور بتأكيد استقلالها وبيان ضمانات أعضائها، يعد ضمانة أساسية من ضمانات شعبنا ، ومن ثم دعامة أساسية من دعامات صلابة الجبهة الداخلية ، ولقد وجد الشعب فى قضائنا دائما وفى مختلف الظروف الأمن والإنصاف ، واستقر ذلك فى ضميره لما قام عليه هذا القضاء من أصول ثابتة تؤكد حريته ، وتدعم حيدته ، ومن أبرز هذه الأصول البعد بالقضاء عن كافة التنظيمات السياسية ، حتى يتأكد لهم النقاء والتجرد والحيدة " .
"ورفض البيان بعد ذلك منح سلطة الحكم إلى غير القضاة المتخصصين المتفرغين وهو ما كان يعبر عنه بإشراك الشعب فى القضاء .
كما تعرض البيان لضرورة بقاء النيابة كجزء لا يتجزأ من السلطة القضائية .
وفى نهاية البيان عاد الذين كتبوا البيان يلخصون موقفهم مؤكدين أنه " بمناسبة الأحداث الكبرى التى مرت بها أمتنا وانفعالنا بها كمواطنين ، وبمناسبة إجراء التغيير فى جميع المجالات ، وبمناسبة ما نشر فى السنة الأخيرة من بعض المسئولين وغيرهم من مقالات وبحوث عن وضع السلطة القضائية وكيانها ، يعيش القضاة الظروف الدقيقة التى تمر بها ؀
البلاد اليوم بالإسهام فى الحوار ، ويبدون فيما يلى رأيهم الفنى .
استنكروا العدوان وطالبوا الدولة بالتعبئة الكاملة بحيث يشعر كل مواطن بأنه والجندى فى ساحة القتال سواء ، وأكدوا على ضرورة الحريات ، وبقاء القضاء كسلطة مستقلة ، وأن يكونوا بعيدين عن المشاركة فى أية تنظيمات سياسية فى الاتحاد الاشتراكى على كافة المستويات .
وأنه يجب الحرص على عدم المساس باختصاصات السلطة القضائية ، وعدم اشتراك غير المتخصصين فى أداء رسالة القضاء .
ويلاحظ على هذا البيان ما يلى :
أنه صدر فى 28مارس1968 أى قبل صدور بيان 30 مارس بيومين بما يعنى استباق الأحداث والرغبة فى فرض آراء بذاتها على الدولة .
وأن البيان لا يعبر عن الجمعية العمومية لقضاة مصر ، بل عن الجمعية العمومية لنادى القضاة ، وهو ناد اجتماعى ثقافى ، والفارق واضح تماما ويدركه رجال القضاء ، فالجمعية العمومية للقضاة معنية بالعملية القضائية المجردة والتى نص عليها فى قانون تنظيم القضاء ، وعادة ما تجتمع لتوزيع الأعمال برئاسة رئيس المحكمة وبناء على دعوته ، واختصاصها قضائى بحت ، وكأن التصور المطلوب إبرازه أن هذا البيان صادر عن قضاة مصر ، وبعضهم لم يكن عضوا فى نادى القضاة ، والبعض لم يشارك فى الجمعية العمومية .
وأن البيان يحمل خروجا واضحا سواء على مهمة نادى القضاة بأبعادها الاجتماعية والثقافية أو على مبدأ فصل القضاء عن السياسة الذى ارتضاه القضاة فى قانونهم الخاص .
كان الأمر يبدو كما لو أن القضاة قد حولوا بيانهم إلى منشور يوزع على نطاق واسع فى الداخل والخارج وبأعداد كبيرة ، وهو أمر غير جائز وخاصة من القضاة بالذات .
ومن سخريات القدر أنه بعد صدور هذا البيان بثلاثة أيام فقط أى فى أول إبريل 1968 عقد مستشارو محكمة استئناف القاهرة جمعيتهم العمومية بحضور جميع الأعضاء وأثار أحد المستشارين ضرورة تأييد بيان 28مارس 1968 ( بيان نادى القضاة ) - وجىء بالبيان فعلا وتلى فى الاجتماع . . وأعترض جميع الحاضرين على ما جاء فى البيان فيما عدا العضو الذى أثار الاقتراح ، بل وصدر عن الجمعية العمومية بيانا أقره الحاضرين بالإجماع جاء فيه أنهم أطلعوا على بيان نادى القضاة ورأوا فيه خروجا على حياد القضاء ومهمته ، وهى الحكم بين الناس حاكمين ومحكومين وأنهم يعتبرون أن بيان 30مارس هو المعبر عن آرائهم .
وقد أودع هذا البيان ضمن سجلات محكمة استئناف القاهرة –
المحضر والبيان ضمن محفوظات سجلات محاكم الاستئناف - يرجع إليه – .
أعقب هذا اجتماع آخر لمجلس القضاء الأعلى واتخذوا قرارا مماثلا لما انتهى إليه مستشارو الاستئناف ، كما أشادوا ببيان 30 مارس ، وجاء فى صدر بيانهم أنهم هم القائمين على شئون القضاء والممثلين لرجاله 0 ثم توجهوا إلى القصر الجمهورى بوفد مكون من المستشارين عادل يونس ومحمد عبد السلام وحسن صفوت السركى وأحمد فؤاد سرى وحسن فهمى البدوى وعبدالعال عبد الرحمن وسجلوا الكلمة التالية :
" إن مجلس القضاء الأعلى القائم على شئون القضاء يسجل بمزيد الاعتزاز والفخر موقف الصمود والكفاح الرائع والإرادة الصلبة للأمة العربية فى مواجهة العدوان ، ويتجه بالتحية والتقدير إلى قائد النضال الوطنى الرئيس جمال عبد الناصر ، ويعلن فى عزم لا يلين أن رجال القضاء جميعا يساندونه فى كفاحه البطولى حتى يبلغ النصر ، وإنه لبالغه بإذن الله ، ويشيدون بما جاء فى بيان 30 مارس من كفالة حصانة القضاء فى الدستور ، ومن أن القضاء هو الميزان الذى يحقق العدل ويرد على أى اعتداء على الحقوق والحريات ، وقد كان رجال القضاء ولا يزالون من طلائع قوى الشعب المناضلة فى كل مجال قومى ليحقق الأهداف التى اتفق العزم على تحقيقها فى ظل زعامتكم " .
وتم نشره فى وسائل الإعلام وأدرج ضمن السجلات الرسمية للدولة .
ثم عقد رؤساء المحاكم الابتدائية على مستوى الجمهورية كلها مؤتمرا فى الإسكندرية أصدروا بعده بيانا طالبوا فيه بوضع حد لما يشيع جوا من الفوضى والإرهاب من بعض القضاة .



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:46



ولم يساعد ذلك كله على إثناء المجموعة التى أعدت بيان 28مارس فقد أصدر نادى القضاة عدد ين من مجلة القضاة ، وهى مجلة متخصصة لا علاقة لها بالسياسة لكن العددين تم تخصيصهما لمناقشة موضوعات سياسية من وجهة نظر تتناقض و فكر الثورة ولم تمنع الرقابة أو تصادر العددين . . وفى العدد الثانى يوليو1968 كتب الأستاذ محمد عصفور بحثا كبيرا حول كتابه عن استقلال السلطة القضائية ، وكانت الرقابة قد اعترضت عليه ومنعته من النشر من قبل .
انقسم القضاة على أنفسهم . . فأغلب كبار رجال القضاء استنكروا تصرفات النادى والموقف الذى اتخذه باعتباره خارجا عن اختصاصات وقانون النادى ذاته ، وعن عمل القاضى المحدد له قانونا .
وفى نفس الوقت وصلتنا معلومات وردت نتيجة اختراق إحدى السفارات الأجنبية فى الخارج تفيد بوجود مؤامرة لتدبير إحداث انقلاب عسكرى تشارك فيه هيئات مدنية وشخصيات ذات مناصب رفيعة طلبت عدم إدراج أسمائها إلا بعد نجاح الانقلاب ، وقد ثبت من المتابعة أن هناك مجموعة من رجال القضاء بدءوا فى الاتصال بأحد هذه الأسماء بالذات وفى هذه المرحلة على وجه الخصوص .
الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى) . )
كان يجرى متابعة هذه التطورات بألم شديد حتى بدأت تصدر أحكاما قضائية بطرد فلاحين من أراضيهم المستأجرة لصالح بعض كبار الملاك ، وقد تبين أن بعض القضاة الذين أصدروا هذه الأحكام من بين الذين سبق أن طبقت على أسرهم أو عليهم أحكام قانون الإصلاح الزراعى ، مما أعطى مؤشرا أن القضية لا تنصب فقط على علاقة القضاء بالسياسة بل تمتد إلى نوع من تصفية الحسابات واستغلال أوضاع ما بعد يونيو1967 ، ظنا منهم أن النظام يعانى من ثغرات يمكن استغلالها لصالح فئات اجتماعية معينة ، وبدأت الحركة تتصاعد تدريجيا ، وأصبح الوضع كالآتى :
معركة سياسية أو قانونية اندلعت بعد يونيو 1967 ولم تكن وليدة ولا جديدة . *

البيان الذى أصدره بعض القضاة يحمل وجهة نظرهم فى النكسة –
حسبما ادعوا جاء متأخرا سنة تقريبا *
* السيدان شعراوى جمعة ومحمد حسنين هيكل الذين طلبا منهم أن يتريثوا يومين اثنين فقط فقد يرى القضاة فيما سيعلنه الرئيس غنى عن بيانهم ، لكن المستشار ممتاز نصار رفض وقال إن بيانهم لا يمكن أن يتضمن إلا التمسك بسيادة القانون ، وموقف شعراوى وهيكل غير متناقض ، ولو كان المستشار نصار مكانهم وجاء من يناقشه فى مثل هذا الموضوع لطلب منه أن يتريث ، وإذا كان الأمر يتعلق بالحريات وأمن المواطن وسيادة القانون وغيرها من الأمور فإن رئيس الجمهورية سيتناول بنفسه هذه الأمور بعد يومين ، وهو الذى كان يردد فى هذه المرحلة عبارة " من البديهى نحن مع سيادة القانون ونحن أيضا مع استمرار الثورة . . سيادة القانون هى ضمان للديموقراطية . . ففيم العجلة والإصرار إذا كان الهدف هو المصلحة العامة ، وليس تحدى السلطة أو اصطناع البطولات أو اتخاذ مواقف مضادة فى وقت كانت الدولة تواجه بحملة من النقد .
ولم يكن الجو العام صافيا تماما لأسباب عديدة :
* فالمحكمة الخاصة التى شكلت لمحاكمة المسئولين عن الطيران فى 5يونيو1967 كانت أحكامها أضعف مما كان يتوقعه الرأى العام وأثارت استياء عاما .
العدو الإسرائيلى يطل على الضفة الشرقية لقناة السويس وجنوده يعربدون فى مقابل الجندى المصرى.*
الشباب المصرى ممزق ويرغب فى أعمال التغيير فى كل مجالات الحياة فى البلد علاوة على المظاهرات التى* عمت البلاد رافضة الواقع الذى كان سائدا فى ذلك الوقت .
القيادة السياسية فى قمة الانشغال ليل نهار من أجل إعادة بناء القوات المسلحة . *
* ازدياد الحرب النفسية من اتجاهات مختلفة عربية وأجنبية تسعى للقضاء على نظام ثورة يوليو 52 19 .
كل الجبهات المعادية تستغل الفرصة لتصفية حساباتها السابقة والمتراكمة مع الثورة . *
فى هذا الوقت بالذات يتجمع عدد من القضاة ليقولوا رأيهم حول مقالات صحفية نشرت قبل عدوان 5 يونيو 1967 ولم تكن مطروحة فى تلك الفترة ، هذا علاوة على مطالبتهم بأن يكون القضاء سلطة وليس مرفق وهو ما طرح قبل خمسة سنوات كاملة فى سنة 1963 ولم يبد القضاة رأيهم أو يعترضوا عليها من قبل . . لا تلميحا ولا تصريحا .
وفى مارس 1969 جرت الانتخابات لنادى القضاة وبرز فيها الصراع بين مؤيدى مبادئ بيان 28مارس وخصوم هذا البيان ومهاجميه وصّور أنصار البيان المعركة بأنها معركة بين قائمتين :
قائمة أعدت باسم الحكومة . . . وهذا لم يحدث .
قائمة أعدها المستشار ممتاز نصار وإخوانه أصحاب بيان 28مارس .
جرت الانتخابات وكأنهامعركة ذات أهداف سياسية ، فى الوقت الذى لم تكن أبدا معارك الانتخابات فى نادى القضاة لها أدنى علاقة بالسياسة منذ أن قام هذا النادى باعتباره ناد ثقافى اجتماعى ، والقضاة أنفسهم لا يعملون بالسياسة ولا يريدون ذلك 00 ففيم إذن المعركة . . ولماذا أصلا تجرى معركة، إلا إذا كان هناك من يريد المعركة لأسباب وأغراض أخرى خافية لا يمكن تبريرها أو التكهن بها . . وألفت النظر لبعض الشعارات التى رفعت أثناء الحملة مثل السلطة الضعيفة والمهزومة " . . . الخ



ولم يساعد ذلك كله على إثناء المجموعة التى أعدت بيان 28مارس فقد أصدر نادى القضاة عدد ين من مجلة القضاة ، وهى مجلة متخصصة لا علاقة لها بالسياسة لكن العددين تم تخصيصهما لمناقشة موضوعات سياسية من وجهة نظر تتناقض و فكر الثورة ولم تمنع الرقابة أو تصادر العددين . . وفى العدد الثانى يوليو1968 كتب الأستاذ محمد عصفور بحثا كبيرا حول كتابه عن استقلال السلطة القضائية ، وكانت الرقابة قد اعترضت عليه ومنعته من النشر من قبل .
انقسم القضاة على أنفسهم . . فأغلب كبار رجال القضاء استنكروا تصرفات النادى والموقف الذى اتخذه باعتباره خارجا عن اختصاصات وقانون النادى ذاته ، وعن عمل القاضى المحدد له قانونا .
وفى نفس الوقت وصلتنا معلومات وردت نتيجة اختراق إحدى السفارات الأجنبية فى الخارج تفيد بوجود مؤامرة لتدبير إحداث انقلاب عسكرى تشارك فيه هيئات مدنية وشخصيات ذات مناصب رفيعة طلبت عدم إدراج أسمائها إلا بعد نجاح الانقلاب ، وقد ثبت من المتابعة أن هناك مجموعة من رجال القضاء بدءوا فى الاتصال بأحد هذه الأسماء بالذات وفى هذه المرحلة على وجه الخصوص .
الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى) . )
كان يجرى متابعة هذه التطورات بألم شديد حتى بدأت تصدر أحكاما قضائية بطرد فلاحين من أراضيهم المستأجرة لصالح بعض كبار الملاك ، وقد تبين أن بعض القضاة الذين أصدروا هذه الأحكام من بين الذين سبق أن طبقت على أسرهم أو عليهم أحكام قانون الإصلاح الزراعى ، مما أعطى مؤشرا أن القضية لا تنصب فقط على علاقة القضاء بالسياسة بل تمتد إلى نوع من تصفية الحسابات واستغلال أوضاع ما بعد يونيو1967 ، ظنا منهم أن النظام يعانى من ثغرات يمكن استغلالها لصالح فئات اجتماعية معينة ، وبدأت الحركة تتصاعد تدريجيا ، وأصبح الوضع كالآتى :
معركة سياسية أو قانونية اندلعت بعد يونيو 1967 ولم تكن وليدة ولا جديدة . *
البيان الذى أصدره بعض القضاة يحمل وجهة نظرهم فى النكسة – حسبما ادعوا – جاء متأخرا سنة تقريبا *
* السيدان شعراوى جمعة ومحمد حسنين هيكل الذين طلبا منهم أن يتريثوا يومين اثنين فقط فقد يرى القضاة فيما سيعلنه الرئيس غنى عن بيانهم لكن المستشار ممتاز نصار رفض وقال إن بيانهم لا يمكن أن يتضمن إلا التمسك بسيادة القانون ، وموقف شعراوى وهيكل غير متناقض ، ولو كان المستشار نصار مكانهم وجاء من يناقشه فى مثل هذا الموضوع لطلب منه أن يتريث ، وإذا كان الأمر يتعلق بالحريات وأمن المواطن وسيادة القانون وغيرها من الأمور فإن رئيس الجمهورية سيتناول بنفسه هذه الأمور بعد يومين ، وهو الذى كان يردد فى هذه المرحلة عبارة " من البديهى نحن مع سيادة القانون ونحن أيضا مع استمرار الثورة . . سيادة القانون هى ضمان للديموقراطية . . ففيم العجلة والإصرار إذا كان الهدف هو المصلحة العامة ، وليس تحدى السلطة أو اصطناع البطولات أو اتخاذ مواقف مضادة فى وقت كانت الدولة تواجه بحملة من النقد .
ولم يكن الجو العام صافيا تماما لأسباب عديدة :
* فالمحكمة الخاصة التى شكلت لمحاكمة المسئولين عن الطيران فى 5يونيو1967 كانت أحكامها أضعف مما كان يتوقعه الرأى العام وأثارت استياء عاما .
العدو الإسرائيلى يطل على الضفة الشرقية لقناة السويس وجنوده يعربدون فى مقابل الجندى المصرى.*
الشباب المصرى ممزق ويرغب فى أعمال التغيير فى كل مجالات الحياة فى البلد علاوة على المظاهرات التى* عمت البلاد رافضة الواقع الذى كان سائدا فى ذلك الوقت .
القيادة السياسية فى قمة الانشغال ليل نهار من أجل إعادة بناء القوات المسلحة . *
* ازدياد الحرب النفسية من اتجاهات مختلفة عربية وأجنبية تسعى للقضاء على نظام ثورة يوليو 52 19 .
كل الجبهات المعادية تستغل الفرصة لتصفية حساباتها السابقة والمتراكمة مع الثورة . *
فى هذا الوقت بالذات يتجمع عدد من القضاة ليقولوا رأيهم حول مقالات صحفية نشرت قبل عدوان 5 يونيو 1967 ولم تكن مطروحة فى تلك الفترة ، هذا علاوة على مطالبتهم بأن يكون القضاء سلطة وليس مرفق وهو ما طرح قبل خمسة سنوات كاملة فى سنة 1963 ولم يبد القضاة رأيهم أو يعترضوا عليها من قبل . . لا تلميحا ولا تصريحا .
وفى مارس 1969 جرت الانتخابات لنادى القضاة وبرز فيها الصراع بين مؤيدى مبادئ بيان 28مارس وخصوم هذا البيان ومهاجميه وصّور أنصار البيان المعركة بأنها معركة بين قائمتين :
قائمة أعدت باسم الحكومة . . . وهذا لم يحدث .
قائمة أعدها المستشار ممتاز نصار وإخوانه أصحاب بيان 28مارس .
معركة ذات أهداف سياسية ، فى الوقت الذى لم تكن أبدا معارك الانتخابات فى نادى القضاة لها أدنى علاقة بالسياسة منذ أن قام هذا النادى باعتباره ناد ثقافى اجتماعى ، والقضاة أنفسهم لا يعملون بالسياسة ولا يريدون ذلك 00 ففيم إذن المعركة . . ولماذا أصلا تجرى معركة، إلا إذا كان هناك من يريد المعركة لأسباب وأغراض أخرى خافية لا يمكن تبريرها أو التكهن بها . . وألفت النظر لبعض الشعارات التى رفعت أثناء الحملة مثل السلطة الضعيفة والمهزومة " . . . الخ




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:47


فإصدار بيان 30مارس مفروض منطقيا أنه جاء لينهى الأزمة ، إذا كانت هناك أزمة أصلا، لأنه يلتقى وبيان النادى ، ولو كانت المعركة بعد ذلك حول التطبيق لكانت معركة مبررة ومقبولة ، ولكنها لم تكن كذلك 0 – إن إن مجتمع المثقفين يرفض الوصاية ، فإذا صورت المعركة وكأنها معركة بين مرشحو الحكومة أو السلطة وفى غيبة التزام حزبى أو عقائدى فان النتيجة هى فوز المرشح الذى يواجه مرشح السلطة ، وهذا ما حدث فقد حصلت القائمة التى يتزعمها المستشار ممتاز نصار على متوسط 900 صوت فى حين حصل المرشحون الآخرين على متوسط 700 صوت ، وكان فرق الأصوات يتراوح بين 100 و 200 صوت لكل مرشح ، إذن لم يكن هناك ، رغم الدعاية المركزة ، رفض مطلق وحاسم من جانب القضاة للقائمة التى قيل عنها ظلما أنها حكومية . وإذا كانت المعركة كما صورت بين أنصار البيان وخصومه فقد رفض عدد كبير من القضاة الكبار ـ سنا ومقاما ـ البيان كما كانت نتائج الانتخابات تشير أيضا لرفض الكثيرين للمنحى الذى نحاه بعض أعضاء النادى .
الحقيقة أحب ألا يفوتنى أن أعلق على قضية القضاء سلطة أم وظيفة فان القول بأنه سلطة هو من قبيل الجدل النظرى ذلك أن لكل وظيفة سلطة ، فكمسارى القطار مثلا هو موظف وصاحب سلطة على الركاب ويطبق عليهم لوائح الوظيفة والمؤسسة التى يتبعها .
تمادى البعض بعد ذلك فى محاولات لإثارة الرأى العام ، وخلق زعامات ، وتحول النادى إلى بؤرة سياسية رافضة ، بدأ الرفض همسا ثم علت النبرة فى شكل جلسات سياسية ترفض عبد الناصر ونظامه والثورة ، ووصلت الأمور إلى أن بعضهم تخيل نفسه سعد باشا زغلول وأن عليه أن يتولى زمام السلطة ولماذا لا . . وقد كان سعد زغلول قاضيا . . بل لم يصل إلى درجة مستشار . . وانتقل النشاط لعدد محدد ومعروف إلى خارج النادى شكل اتصالات سياسية مع سياسيين بعينهم كانوا تحت الملاحظة ، وهذا ما كشف ذلك النشاط بالصدفة 0 وبالرغم من ذلك بذلت محاولات لاحتواء الموقف وإبعاد بعض أعضاء النادى عن النشاط السياسى تمسكا بقانون السلطة القضائية ، لكنها كلها فشلت ولم تحقق نتائج فى الاتجاه الذى يضع الأمور فى نصابها السليم 0 كما فشلت كل المحاولات لاحتواء الخلافات بين التيارات المتعارضة فى النادى أو عقد لقاء مع وزير العدل ، وتأزمت الأمور وتعقدت لأن بعضهم أراد ذلك وصمم علي التصعيد فى اتجاه سياسى .
عند هذا الحد تم تشكيل لجنة خاصة تضم شعراوى جمعة وزير الداخلية وسامى شرف مدير مكتب الرئيس للمعلومات والمستشار عمر الشريف المستشار القانونى لرئاسة الجمهورية والمستشار على نور الدين النائب العام والمستشار على كامل من مجلس الدولة . . وكان يعاون اللجنة من خلال المستشار على نور الدين من أعضاء النيابة العامة كل من سمير ناجى وإسماعيل زعزوع وعبد الغفار محمد أحمد وعبد السلام حامد ، وهم الذين تولوا التحقيقات فى جميع القضايا الرئيسية والخطيرة المتعلقة بأمن النظام من انحراف المخابرات إلى مؤامرة المشير عبد الحكيم عامر1967 ، وغيرها من قضايا محاولات قلب نظام الحكم أو التخابر .
بدأت هذه اللجنة فى دراسة الأوضاع والأحداث والوقائع ، ووضعت معايير محددة لمعالجة الأمور بأقل قدر من الخسائر أو البلبلة ، وبعد فترة أمر الرئيس جمال عبد الناصر بعد مقابلة مع السيد محمد حسنين هيكل فى استراحة القناطر الخيرية بضم السيد أنور السادات للجنة المذكورة وقد حضر معنا جلسة فعلا، لكنه أى السيد أنور السادات قام من جهته بتشكيل لجنة من بعض رجال القضاء ، وكانوا حسبما أذكر حوالى ثمانية أو تسعة أعضاء ما بين رئيس محكمة ووكيل وزارة ورجال نيابة عامة وقضاة .
وأشير هنا إلى أن السيد محمد حسنين هيكل سبق أن ذكر فى ذلك الوقت أنه كان قلقا من تشكيل اللجنة الأولى وأبدى ارتياحه للرئيس بمشاركة السيد أنور السادات ورشح للانضمام لأعمال اللجنة أيضا الدكتور جمال العطيفى المستشار القانونى لمؤسسة الأهرام ، وحضر معنا الدكتور العطيفى كل الجلسات ولم يبد أى اعتراض لا على المنهج أو المناقشات أو المعايير التى تم التوصل إليها لمعالجة القضية . . بل أستطيع أن أجزم بأن العطيفى كان يتهرب من حضور الجلسات التى كان يعقدها السيد أنور السادات مع مجموعته فى ذلك الوقت ، لأسباب لا داعى لسردها فى هذا المجال وأهمها تزيّد بعض الأعضاء فى توسيع دائرة الإجراءات ضد بعض رجال القضاء لأسباب بعضها شخصية والبعض الآخر اتخاذ إجراء ضد البعض بناء على معلومات غير موثقة أومشكوك فى صحتها .
عموما توصلت اللجنة الأولى إلى وضع معايير محددة تتحرى الحياد فى التعامل مع القضية وقد شملت خمسة معايير فى تصنيف رجال القضاء محل البحث :
*من طبقت عليهم قوانين الإصلاح الزراعى .
من طبقت عليهم القوانين الاشتراكية .
*من أدينوا فى تحقيقات التفتيش القضائى .
*من كان لهم ارتباط بالإخوان المسلمين .
*بحث حالات أقارب أفراد العائلة المالكة كل حالة على حدة .
انطبقت هذه المعايير على 46 فردا فقط من رجال القضاء توضح قرين أسم كل منهم نوعية القاعدة والضوابط التى طبقت عليه والتوصية المقترحة . . وكان رأى القانونيين ومنهم الدكتور جمال العطيفى أن الحل الأمثل هو صدور قانون أو أكثر بإعادة تنظيم الهيئة القضائية .
أما اللجنة التى رأسها السيد أنور السادات فقد قدمت تقريرا يوصى باتخاذ إجراءات تشمل 283 فردا من الأسرة القضائية وكان عنوانه " تطهير القضاء " ، وقدم كشوف بذلك كما تقدمت اللجنة باقتراح إصدار قانون للسلطة القضائية بعثه بخطاب موقع منه شخصيا ومرفقا به التفاصيل وكشوفات الأسماء ومشروع القانون المقترح بتعديل القانون رقم 43 لسنة1965 وكانت تأشيرة السيد أنور السادات بالنص :
" عزيزى سامى
مرفق مشروع قانون كان مقترحا ورفضه عادل يونس فى مجلس القضاء . . . أنور السادات "
وتأشيرة ثانية نصها :
" عزيزى سامى
من طيه كشف المطلوب تطهيرهم من المجموعة التى تعمل معى بواسطة رئيس النيابة سعد زغلول ماهر الذى كان سكرتيرا لنادى القضاة قبل الانتخابات الأخيرة- مع تحياتى ، أنور السادات " .
و ثالثة نصها :
" عزيزى سامى
من طيه كشف مقترح لملء المناصب الحساسة فى وزارة العدل بعد التطهير . . . مقترح من نفس المجموعة التى تعمل معى علما بأن الأكثرية منهم من رؤساء المحاكم أو المفتشين القضائيين يعملون فى نفس هذه الوظائف . . . مع تحياتى . . أنور السادات " .
كل الأوراق المتعلقة بهذا الموضوع كانت ترسل إلى شخصيا وموقع عليها بخط يد السيد أنور السادات ، وهى محفوظة مع باقى الوثائق والأوراق الأخرى ومحاضر اجتماعات للجنة الأولى فى أرشيف السرى للغاية بالدور الثانى بسكرتارية الرئيس للمعلومات فى منشية البكرى .
فى هذه الفترة تم تعديل وزارى ترك بموجبه السيد محمد أبو نصير وزارة العدل ، وكان المرشح لتولى هذه الوزارة المستشار عبد الحليم الجندى الذى كان فى مرسى مطروح فى ذلك الوقت ، وجاء إلى القاهرة فى طائرة خاصة وعقدت لقاء معه فى مكتبى بمنشية البكرى عرضت خلاله الموضوع بكامله عليه ، وكان تعليقه أن خير ما يفعله الرئيس جمال عبد الناصر هو تنقية القضاء ولم شمل الأسرة القضائية واعتذر عن قبول الوزارة لكبر سنه إلا أنه أبدى استعداده الكامل وهو خارج الوزارة للمعاونة بأية استشارة أو رأى يطلب منه ، ورشح ثلاثة أسماء بديلة لتولى وزارة العدل كان منهم المستشار مصطفى كامل إسماعيل الذى وقع عليه الاختيار لتولى وزارة العدل .
وكانت توجيهات الرئيس جمال عبد الناصر فى هذه المرحلة بالنص هى " لا يمكن أن يعين وزيرا للعدل على أوضاع لا يعرف تفاصيلها 00 لابد أن يوضع فى الصورة بالنسبة لما هو حادث ، ولما ينوى اتخاذه من إجراءات ويجب أن ينضم لمن قاموا ببحث الأوضاع وتعرض عليه جميع أعمال اللجان ليقول رأيه فيها " .
وعندما فوتح المستشار مصطفى كامل إسماعيل فى تولى وزارة العدل وعلم بتوجيهات الرئيس اعترض فى بداية الأمر قائلا : " ليس هذا هو الأسلوب الذى نعيد به تنظيم القضاء ، ورغم أنه يوافق من ناحية المبدأ على إعادة تنظيم القضاء ولكن لديه اعتراضات من حيث الشكل " .
تم عرض كل الوثائق والدراسات والتوصيات متضمنة الحالات التى جرى دراستها وفقا للمعايير التى اتفقت عليها اللجنة ، وتم تخصيص غرفة جلس فيها بمفرده ، ووضعت تحت تصرفه كل الوثائق وتقارير التفتيش القضائى وتقارير المتابعة لكل الأشخاص والأوضاع فى تلك الفترة وبعد حوالى الساعتين تقريبا خرج المستشار مصطفى كامل إسماعيل من الغرفة قائلا " أنا اكتفيت بما أطلعت عليه وهو يزيد عما كنت أتصوره " ، ثم بدأ يشرح تفصيلا وجهة نظره ، ولماذا اعترض من حيث الشكل ولماذا وافق بعد أن اقتنع فقال :" بالنسبة لأحد القضاة بالذات أنا اعترضت من ناحية الشكل لأنى وجدت اسمه ضمن الكشوفات ، وهذا الرجل أنا أعرفه جيدا ولا يرقى إليه الشك فى أى تصرف لكن اتضح – أو يشاء الحظ العسر – أن هذا الإنسان بالذات نسب إليه فضيحة أخلاقية ثابتة بالدليل المادى " ومن المفارقات المحزنة والتى تدعو للأسى أن هذا الشخص عينه الرئيس السادات فى منصب سياسى رسمى كبير بعد أحداث 13مايو ، ويشاء القدر أن لا يستمر فى منصبه هذا إلا فترة بسيطة أبعد بعدها ، وطلب المرشح للوزارة بعد ذلك أن نتدارس الحالات الباقية كل حالة على حدة ، وبالفعل خضعت جميع الحالات للدراسة وما أقره واتفقت عليه اللجنة وما رفضه لم يراجع فيما رفضه .
وقد كانت تعليمات الرئيس جمال عبد الناصر مرة أخرى" إن ما يرفضه المرشح لوزارة العدل باعتباره قاضيا كبيرا لا يناقش فيه " .
واستمرت العملية حتى وصلنا إلى مناقشة حالة إحدى الشخصيات البارزة فى الأسرة القضائية ، ولم يصدق أو يتصور أن يبحث أساسا هذا الاسم بما هو منسوب إليه من تصرف وتساءل : " هل أثرت هذه التصرفات على عمله ؟ " . فقدمت إليه الوثائق والأدلة التى تثبت تدخل هذه الشخصية فى مسائل مالية وأخرى تتعلق بالجمارك بما يخرج عن مقتضيات الوظيفة ، ووضعه كقمة فى الأسرة القضائية ، خصوصا أن تدخلاته كانت لصالح إحدى سيدات المجتمع . . فوافق على التوصية بالنسبة لهذه الشخصية .
وانتهت اللجنة الأولى إلى توصيات محددة واضحة ، كما اتسع النقاش بين القانونيين ليتجاوز مجرد محاسبة بعض العاملين فى الأسرة القضائية إلى طرح تطوير شامل للمؤسسة القضائية بما يوفر دفعة قوية للمؤسسة ، مما أعتبر خطوة للإصلاح القضائى ، وقد قام الدكتور جمال العطيفى بإعداد مشروعات القوانين المذكورة ، ويشاء القدر أن يكون هو نفسه من يقوم بإعداد مشروعات القوانين التى أعادت بعض القضاة الذين شملتهم قوانين أغسطس 1969 .
كانت القوانين أرقام 81و82و83و84 لسنة1969 بتاريخ 31أغسطس 1969 ،قد تضمنت ما يلى :
إنهاء خدمة 91 مستشارا وقاضيا وعضو نيابة عامة ، ونقل 36 آخرين إلى مؤسسات أخرى فى الدولة .
إنشاء محكمة عليا تختص بدستورية القوانين وتفسيرها وتحقيق التجانس فى الأحكام القضائية .
إنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية برئاسة رئيس الجمهورية ليتولى الإشراف على الهيئات القضائية والتنسيق فيما بينها .
إنشاء وإعادة تشكيل الهيئات القضائية بما يكفل فعالية الإصلاح القضائى .
وضع نظام جديد لمجلس إدارة نادى القضاة ، بحيث يجعل تشكيله بحكم وظائف أعضائه القضائية .
ويبقى أن أشير أن محاضر اجتماعات هذه اللجان وكل الأوراق التى تداولتها ، والوثائق التى كانت تشمل تسجيلات وصور فوتوغرافية تثبت وجهات النظر التى تدين بعضهم بما لا يقبل جدل أو مناقشة ، بأعمال مخلة وأعمال لا أخلاقية أو تصرفات تشين صاحبها ، والنتائج التى توصلت إليها اللجنة محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات السرى للغاية بمنشية البكرى ، لمن يريد أن يرجع إليها أو يبحث للتاريخ .
تلك هى القصة كاملة للإجراءات التى استهدفت إعادة تنظيم القضاء فى أغسطس 1969، كما عايشتها وكما شاركت في غالبية فصولها وما أود أن أؤكد عليه – ليس من قبيل التبرير أو الدفاع – أن هذه الإجراءات قد فرضتها ضرورات سياسية وأمنية واجتماعية لحماية المؤسسة القضائية نفسها ، وتخليصها من أية شوائب قد تلحق بها ، ولم تكن أبدا مجرد تعبير عن تعنت الدولة مع القضاء ، بل إنه من الثابت أن القوانين التى استهدفت تعميق الدور الرقابى للسلطة القضائية سواء على تنظيماتها الداخلية ( المجلس الأعلى للقضاء ) أو على السلطات الأخرى فى الدولة ( المحكمة الدستورية ) قد وفرت نقلة نوعية كبرى لدور القضاء فى المجتمع ، وليس بعيدا عن الذاكرة الأحكام التى أصدرتها المحكمة الدستورية فى وقف العمل بعدد غير قليل من القوانين بل وأنظمة بكاملها كالنظام الانتخابى تأكيدا للدور الفعال الذى تمارسه هذه المحكمة فى ضبط كل الأمور .
وكانت اللجنة الثانية التى رأسها السيد أنور السادات وكان يعاونه مجموعة من المستشارين والقضاة على رأسهم المستشار سعد زغلول ماهر ، قد تقدمت باقتراحات بكشوفات تشمل التطهير – كما كان يسميها هو دائما – بيانها كالآتى :
20 مستشار بمحكمة النقض .
54 مستشار بمحاكم الاستئناف .
9 محامون عامون .
15 رئيس محكمة ابتدائية .
33 قاض .
10 من رجال النيابة العامة .
ومن المتناقضات الغريبة أن السيد أنور السادات قام فى شهر يوليوسنة1971 بتقديم أكبر مؤيديه فى اللجنة الثانية ( المستشار محمد صادق المهدى وآخرين ) إلى النيابة العامة ، وحقق معهم وأقامت النيابة الدعوى التأديبية ضدهم وأعلنتهم فى 19/7/1971 فى الجناية رقم 351لسنة71 حصر أمن دولة عليا ، وهذه قصة أخرى .
ولا شك أن تفجير الحملة ضد هذه الإجراءات ووصفها بمصطلح " مذبحة القضاء" لم يخرج عن كونه عملية مقصودة لتصفية الحسابات أيضا ، فقد كان الصحفى مصطفى أمين هو الذى فجر هذه الحملة ، وقاد عملية توسيعها وصبغ عليها من الأوصاف الكثير وذلك فى أعقاب الإفراج عنه – إفراجا صحيا – نتيجة وساطة أجنبية أمريكية على وجه التحديد ، بعد أن كان محكوما عليه بالسجن المؤبد فى قضية تجسس كاملة الأركان كما وصفها السيد كمال حسن على عندما كان رئيسا لجهاز المخابرات العامة - بعد انقلاب مايو1971 - وأصدر تعليمات بتدريسها فى معهد الدراسات الاستراتيجية كنموذج لقضية تجسس كاملة الأركان . كما عاون مصطفى أمين فى هذه الحملة المشبوهة بعض القضاة من الذين كانوا ينتمون للوفد والإخوان المسلمين على وجه التحديد ، ومنهم اثنين كوفئوا من السادات بتعيينهم فى مناصب مرموقة مكافأة للدور الذى قاموا به فى معاونة مصطفى أمين فى الحملة لتشويه عبد الناصر وثورة يوليو ولأنى أتوخى عدم تصفية الحسابات سوف لا أذكر أسمائهم وإلا سأضطر إلى ذكر تفاصيل لن تسرهم هم ومن وراءهم ، ولا أدل على ما نقول سوى ارتكاز الحملة على قضية الإبعاد وإنهاء الخدمة أو النقل لبعض القضاة كان أغلبهم سيحال إلى المعاش بعد شهر أو شهرين ،مع تجاهل ما لحق بالمؤسسة القضائية من عناصر إصلاح،أكثر من ذلك تجاهل الدور الذى لعبه السيد أنور السادات والمجموعة التى تعاونت معه بحكم توليه اللجنة الثانية التى حققت فى كل المخالفات ، مما يؤكد أن المقصود ليس فقط إرجاع الحقوق لبعض القضاة وإنما تشويه صورة عبد الناصر كشخص وثورة يوليو كنظام سياسى .
وعودة إلى الموضوع مرة ثانية فقد أثار الرئيس جمال عبد الناصر موضوع إعادة تنظيم القضاء فى اجتماع عام كان الاجتماع الأول للجنة العامة للمواطنين من أجل المعركة فى الحادى عشر من إبريل 1970 ، وكانت اللجنة هذه تضم عددا من رجال القضاء ، ووقف أحد المستشارين من أعضاء اللجنة ليطلب نيابة عن عدد من زملائه رجال القضاء أن يشاركوا فى العمل الوطنى والسياسى ، وفيما يلى نص الحوار الذى دار بين الرئيس والمستشار السيد محمد السيد الرفاعى الذى سأل الرئيس :
لقد طلب منى أربعة من رجال القضاء نيابة عن كل رجال القضاء أن أبلغ سيادتكم رغبتهم الشديدة الملحة فى الانضمام للعمل الوطنى والقومى فى هذه المرحلة ، ولو أنهم ليسوا أعضاء فى الاتحاد الاشتراكى
الرئيس : هو الحقيقة الاتحاد الاشتراكى ليس بحزب سياسى ، الحقيقة هو فيه قانون القضاء موجود فيه يظهر فقرة تمنع رجال القضاء من الانضمام إلى أى تنظيم . . موش كدة ؟ . . أنا فاهم إن فيه قانون يمنع . .
السيد محمد السيد الرفاعى : لقد ترك القانون موضوع تنظيم رجال القضاء والشرطة فى الاتحاد الاشتراكى .
الرئيس : قانون القضاء نفسه .
السيد محمد السيد الرفاعى : إنه ليس عملا سياسيا ، ولكنه عمل قومى . .
السيد الرئيس : اهو ده اللى بدى أقوله إن ده عمل قومى ، مش عمل سياسى . . هو القانون الجديد إتعمل فى وقت عصام حسونة . . آخر قانون . . يمنع رجال القضاء من الشغل بالعمل السياسى ، بس بأعتبر إن دى فقرة كانت بتتحط فى كل القوانين .
حقيقة إن إحنا لم نتدخل فى القضاء من سنة 1952 حتى الآن ، وكان أساسا عندنا قاعدة إن إحنا إذا تدخلنا فى القضاء وحاولنا نقول للقضاء احكم بكذا أو بكذا ، وده أرقّيه . . وده أعملّك . . أو قرّب ده . . أو إبعد ده . . أبقى فعلا هدمت عمل أساسى للبلد . . وأستقر الرأى على أنه إذا كان فيه قضية سياسية ، بنعمل قضية سياسية وبنعمل إحنا أنفسنا قضاة ، بنحكم زى ما إحنا عاوزين ، ونبعد القضاة عنهم ولا نتدخلشى أبدا فى القضاء . . . وبدأ هذا الموضوع بمحكمة الشعب وكان أعضاء مجلس قيادة الثورة هم اللى بيحاكموا .
وكان ده بيدّى المعنى للناس بأن القضية سياسية ، ولنا فيها رأى فنبعدها عن القضاء ، وإحنا اللى حناخد فيها المسئولية ، أو بنعمل محكمة ثورة فى هذا الشأن ، لكن لم يحدث أبدا ، وأظن إنت متابع هذا من سنة 1952 ، لغاية النهاردة سنة 1970 ، إن إحنا تدخلنا مع أى قاضى لأى شىء لأن الحقيقة القضاء فى هذا هو صمام الأمان فى البلد ، ولكن الحقيقة أخيرا حصل العكس . . إحنا ما تدخلناش ولكن أراد البعض أن يتدخلوا من القضاء بعد 1967 ، بعد الأزمة اللى إحنا كنا فيها ، وكتبت مقالات وقيل كلام وإنت طبعا أدرى بهذا وكان يجب أن نتدخل . . . نتدخل لنبعد هذه العناصر ، حتى وكان يمكن أن نتدخل بطريق ثانى برضه كان ممكن أجيب قضاة وأقربهم وأعمل مجموعة وأعمل حزب فى وسط القضاة وأضرب دول بدول ودى عمليات كانت بتحصل أيام صبرى أبو علم وأيام كل الحزبيين كانوا بيبقوا موجودين فى الأحزاب ، كان بسبقى فيه القضاة بتوع فلان والقضاة بتوع الآخر ، لكن الحقيقة برضه وجدنا من المناسب إن إحنا بنخلص الموضوع ونقضى عليه وليسير القضاء فى الطريق السليم وأنا الحقيقة رأيى إن القضاة يجب أن يشتركوا فى العمل القومى . . لأنه لو عملنا حزبين ، الحقيقة كان القضاة يبقى مالهومشى دعوة ، ولا يدخلوش فى العملية ، ولكن الحقيقة طالما إن أنا ما بأقولشى الاتحاد الاشتراكى حزب لأنه لا يمثل الحقيقة طبقة أو فئة ومصلحة ، هو تحالف قوى الشعب كلها فإذن القضاء يجب أن يكون موجود والجيش بيكون موجود والبوليس بيكون موجود .
الحقيقة الجيش بعد النكسة قالوا لى يعنى إحنا مش عاوزين نروح الاتحاد الاشتراكى إلا بعد التحرير ، وهم فى هذا كان ليهم حق ، قالوا يعنى ما نقدرش وفيه ظروف وأيامها كان حتى فيه حملة على القوات المسلحة وقالوا إحنا مش عاوزين نحتك بأحد ، عاوزين نبعد لغاية ما نحرر الأرض . . وبعد كدة نبقى ندخل فى الاتحاد الاشتراكى وعندهم مشاغلهم وإنتم كان عندكم المشاكل الموجودة بالنادى والكلام ده . . أيضا ما كناش عاوزين ندخل فى مشكلة ، فكان الحقيقة الحل لهذا أن نؤجل الجيش والبوليس والقضاء إلى أن يحين الحين ، ولكن أرجو إن فى أقرب وقت إن إحنا ننفذ ذلك .
حافظ بدوى :
على ما يبدو إن السيد المستشار محمد السيد الرفاعى يريد أن يقول إن القبول فى لجان المواطنين من أجل المعركة يشترط أساسا عضوية الاتحاد الاشتراكى ورجال القضاء والشرطة والجيش ليسوا أعضاء فى الاتحاد الاشتراكى .
الرئيس :
لا. . هو فيه استثناء . . فى الكلام اللى حصل فى اللجنة المركزية يستثنى رجال القضاء والشرطة والجيش .
المستشار بدوى حمودة ( رئيس المحكمة العليا وعضو اللجنة ):
إن النص الذى ورد فى قانون السلطة القضائية انتقل إليه من القوانين التى وضعت أثناء قيام الأحزاب السياسية السابقة وعن تفسير هذا النص – وأنا رئيس لمجلس الدولة – كنت أول من انضم إلى الاتحاد القومى ، ثم الاتحاد الاشتراكى وما زلت حتى الآن وسأظل دائما ولآخر لحظة فى حياتى عضوا فى الاتحاد الاشتراكى ، لأنى عرفت فيه أنه يمثل جميع فئات الشعب وليس حزبا بالمعنى أو الشكل الذى عرفناه وعهدناه فى عهد ما قبل الثورة ، ولا يمكن أن نتحول عنه لأنه يمثل الشعب كله . . إلا إذا كنت أريد أن أتجرد من هذا الشعب ، ومن غير المعقول أن يتجرد رجال القضاء من الشعب الذى ينتمون إليه .
الرئيس جمال عبد الناصر :
هو على كل حال هذا الموضوع ، أو رأس الموضوع كان موضوع لمعركة وهمية كانت موجودة فى نادى القضاة واستمرت من أول 1968 لغاية منتصف1969 ، وأنا كنت متتبع ما يحدث وكل كلمة كان ببقولها كل واحد ، وكنت شايف العملية دى يعنى -. . هو المؤلم فيها إنها جت فى هذه الأوقات اللى إحنا كنا بنمر فيها ، والحقيقة اللى حصل بعد كدة وهو رأس المعركة ، هو ، هل ينضم القضاء للاتحاد الاشتراكى ، أو لا ينضم القضاء للاتحاد الاشتراكى ، والحقيقة هى كانت معركة فارغة ويعنى كانت عملية مفتعلة لأهداف غير رأس الموضوع ، ولكن بنحل هذا الموضوع إنشاء الله .

والسؤال الذى يطرح نفسه بعد هذه الشروحات ، هو التوقيت .
لماذا تم اختيار هذا التوقيت بالذات ؟
وهل المعركة كانت بين طرفين من رجال القضاء أم كان هناك شىء آخر مجهول السبب والدافع ؟ وهل سيبقى هذا المجهول لمستقبل قد يطول كما حدث مع أعمال أخرى تمت على النطاق المحلى والدولى ولم تظهر حقيقتها حتى الآن ؟


مارس 2005



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:50



صنع القرار فى تجربة عبد الناصر


فى هذه المرحلة من شهادتى سوف أخرج عن نطاق السيرة الذاتية ومشاهدها المتتابعة حتى تولى مهمة سكرتير المعلومات إلى تناول بعض المواقف فى نظام عبد الناصر على مدى ثمانية عشر عاما أمضيتها بالقرب منه ، ومدخلى إليها أيضا هو موقعى كسكرتير للرئيس للمعلومات حيث بدأت هذه المهمة كوسيلة لتهيئة الظروف الملائمة لعمل رئيس الجمهورية ، وتسهيل خطوط اتصاله الرأسية والأفقية والعرضية ، وانتهت كما أشرت إلى تحويلها إلى وزارة للدولة ، وعلى مدى سنوات العمل الطويلة كانت سكرتارية الرئيس للمعلومات تمثل جزءا مهما من عملية صنع القرار فى نظام عبد الناصر ، ولم تكن مجرد أداة للتنسيق بين المستويات والمؤسسات المختلفة التى يقوم عليها النظام .
لقد أصبحت عملية صنع القرار داخل أى نظام سياسى عنصرا حاسما فى استمرارية هذا النظام واكتسابه شرعية وجوده وضبط مسيرته فى الداخل والخارج ، ذلك أن آلية صنع القرار تمثل مؤشرا صادقا لمكونات هذا النظام وعوامل استقراره .
وعندما نتعرض لعملية صنع واتخاذ القرار فى إطار نظام ثورى كالذى أرست دعائمه ثورة 23يوليو1952 ، فلابد أن نتناول عملية صنع القرارات وفقا لمعايير تختلف نسبيا عن تلك التى تقدمها النظريات الأكاديمية التقليدية فى تحليل وصنع واتخاذ القرارات والتى تستمد مضامينها فى الغالب من تجارب الدول المتقدمة ، ذلك أن هذه النظريات التى أخذت فى التبلور خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، وفى أعقاب نظم سياسية تخالف النظم الليبرالية الغربية وأعنى بها نظم اشتراكية غالبا ما تسقط من حساباتها عند التعرض لدول صغيرة فى العالم الثالث الظروف المحلية والمكون الثقافى والاجتماعى الذى يعطى المجموعة الأخيرة خصوصية مميزة ، والمعارك الشرسة التى واجهتها هذه النظم على الأصعدة الداخلية والإقليمية والدولية ، ومن ثم تحدث الفجوة بين الفترة التاريخية لصنع القرار ، وبين مرحلة تقييمه حيث يجرى قياس نتائج القرار وفقا لظروف تاريخية مغايرة تماما لتلك التى صاحبت صنع واتخاذ القرار فى حينه .

لقد خاضت مصر تجربة ليبرالية فى الحكم امتدت حوالى ثلاث عقود زمنية ( 1922-1952) ، تعرضت لها لمواقف صعبة ، ووفقا لقياسات المشروعية السياسية فلم تكن النخبة السياسية المتحكمة فى صنع واتخاذ القرار على مدى هذه العقود الثلاثة تعبر بصدق عن مصالح المجتمع ككل نتيجة للفجوة الضخمة التى كانت تفصلها عن الأغلبية الساحقة من أبناء المجتمع ، ومن ثم فلم تسفر هذه التجربة الليبرالية عن قرارات كبرى تذكر يمكن رصدها تاريخيا لصالح المجتمع المصرى ككل ، بل إن غالبية القرارات كانت تخضع لمشيئة المستعمر والنخبة الحاكمة ذات المصلحة .
وعندما قامت ثورة 23يوليو1952 قدمت نخبة حاكمة مختلفة جذريا عن النخبة السابقة ، فلقد كانت الأغلبية الساحقة من قياداتها تنتمى إلى الطبقة الوسطى ، بل والجزء الأفقر من الطبقة الوسطى ، وكانوا على وعى كامل بطبيعة هذه الفجوة التى فصلت بين النخبة السابقة وبين طموحات المجتمع ككل ، كما كانوا يملكون قدرا عاليا من وضوح الرؤية لحقيقة الأهداف القريبة والبعيدة التى تحركوا من أجلها ولم يكن لديهم أو لدى أغلبهم على الأقل ما يخشون عليه ، ومن ثم فقد اتسمت قراراتهم بالإيجابية والجرأة ، ولا أقول بالمغامرة وكان أكثر ما يميز قرارات الثورة هو هذا القدر الكبير من المصداقية مع النفس ومع الجذور الاجتماعية التى جاءوا منها .
والباحثين فى تحليل الطبقة الوسطى يرون أنها يمكن أن تفرز نوعين من الساسة يعمل النوع الأول منهما على تأكيد انتمائه للطبقات الفقيرة ويعمل على الارتقاء بها وتحسين وضعيتها فى المجتمع ، بينما يتطلع النوع الثانى إلى الالتحاق بالطبقات العليا يتشبه بها ، ويسعى إلى العيش معيشتها ومن ثم ينفصل تدريجيا عن جذوره الأصلية .
ومن حسن الحظ أن جمال عبد الناصر كان ينتمى للنوع الأول ، الذى كان يؤكد فى كل مناسبة على انتمائه لجموع الفقراء وسعيه للانتصار لهم . ولو أن عبد الناصر حرر بنفسه مذكراته لقدم للقارىْ شروحا تفصيلية عن الخلفيات الفكرية أو السياسية التى كانت وراء كل قراراته سواء فى فترة التحضير للثورة أو بعد نجاحها وتحولها إلى نظام سياسى مارس دورا تاريخيا فى التحولات السياسية والاجتماعية فى مصر والأمة العربية ، هذا برغم أنه كثيرا ما كان يدون فى يومياته ما يعن له من خواطر أو استنتاجات أو شروح لبعض القرارات ـ راجع الملحق الوثائقى ـ لنرى كيف كان يكتب بخط يده مثل هذه الأمور ـ وفى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى الكثير من هذه الوثائق أيضا .
وإلى أن يتاح للمؤرخين والباحثين فرصة الإطلاع على مجمل هذه الوثائق فإنى أجد لزاما علىّ وعلى كل من رافق الرجل وخصوصا أنى كنت معايشا له على مدى الأربع والعشرين ساعة طوال ثمانية عشر عاما ، أن نرصد ما رأيناه بأعيننا وما سمعناه بآذاننا من حوارات وتواصلنا واتصالاتنا معه ومع معاونيه وزملائه ومع كل مؤسسات الدولة على تعددها وآلاف الشخصيات المصرية والعربية والأجنبية التى تعاملت مع عبد الناصر ومع مصر طوال هذه الفترة ، إذ لا يسعنا إلا أن نضع تحت أنظار القارئ ، وخصوصا شباب مصر و الأمة العربية كل ما لدينا من معلومات ووثائق وحقائق . . ورغم ذلك كله فلا أستطيع أن أنفى أنه ما زالت هناك علامات استفهام حول بعض القرارات التى تعددت حولها التحليلات والتفسيرات دون أن تصل إلى إجابة شافية خاصة تلك القرارات التى تتعلق بأشخاص مثل عبد الحكيم عامر وأنور السادات وحسن التهامى وغيرهم والتى حاولت فى فصول أخرى من هذه المذكرات أن أقدم تفسيراتى الذاتية حولها .
وحتى تتضح أبعاد عملية صنع القرار فى نظام عبد الناصر فلابد أن أتناولها من خلال مداخل ثلاث رئيسية :
الأول هى المرجعية الفكرية التى تحكمت فى كل قرارات عبد الناصر وبالتالى فى كل المشاركين فى عملية صنع القرار فى الدولة .
الثانى هو أسلوب عبد الناصر فى اختيار معاونيه ، وهل كانوا مجرد أتباع ينفذون ما يفكر فيه أم مصادر إثراء للنظام ككل .
الثالث هو آليات وهياكل صنع القرار فى عهد عبد الناصر .


ـ أولا ـ


فلسفة عبد الناصر فى صنع واتخاذ القرار



كانت فلسفة عبد الناصر فى صنع واتخاذ القرار تنبع من جذوره الاجتماعية وخلفياته الفكرية السياسية. ولقد أفاض فى شرح هذين العنصرين ومدى تأثيرهما فى تشكيل فكره السياسى فى عديد من الكتابات والمناسبات سواء فى كتابه " فلسفة الثورة " الذى أصدره فى عام 1953 ، أو فى تصريحاته الصحفية وخطبه ولقاءاته مع الجماهير بل وفى لقاءاته الرسمية مع بعض المسئولين الأجانب ، علاوة على خطاباته إلى بعض أصدقائه فى فترة مبكرة من حياته وشبابه .
ومن خلال هذه الجذور الاجتماعية والخلفيات الفكرية والسياسية أمكن لجمال عبد الناصر أن يبلور نسقا كاملا منسجما فى كل مفرداته معبرا عن الزعامة الوطنية ورجل الدولة الذى قدمه جمال عبد الناصر كما بدا هذا التأثير واضحا فى بناء آليات صنع القرار واختيار المعاونين ومراجعة النتائج أولا بأول .
ففى حديث أدلى به الرئيس جمال عبد الناصر لصحيفة " الصنداى تايمز " فى يونيو1962 أجراه معه مراسلها فى القاهرة " دافيد مورجان " ، قال جمال عبد الناصر :
" إننى الابن الأكبر لأسرة مصرية من الطبقة المتوسطة الصغيرة ، وكان أبى موظفا صغيرا فى مصلحة البريد ، يبلغ مرتبه الشهرى حوالى العشرين جنيها ، وهو مرتب يكفى بصعوبة لسد ضروريات الحياة ، لقد ولدت بالإسكندرية لكن ذكرياتى الأولى تدور حول قرية الخطاطبة وهى قرية تقع بين القاهرة والإسكندرية حيث كان أبى يعمل وكيلا للبوستة ، وكنا دائما أسرة سعيدة يحكمها أبى ولكن القوة المحافظة فيها كانت أمى التى كنت أنا واخوتى نتفانى فى حبها . كان أبى قلقا بسبب آرائى السياسية حتى فى أيام التلمذة فقد سجن أخوه فى الحرب العالمية الأولى بتهمة الإثارة السياسية ، ولذا كانت مخاوفه أن يحل بى ما حل بعمّى ـ مخاوف طبيعية ، فلقد كلن أمله أن نحيا جميعا حياة آمنة بعيدة عن المزعجات ، ولكن بعد اشتراكى فى المظاهرة السياسية الأولى دخلت الميدان بكل جوارحى وأصبحت رئيس لجنة لتنظيم المقاومة ، ولا سيما المقاومة الساخطة ، ولقد كان ذلك منفذا لابد منه لعواطفنا الحادة ولشعورنا بالكبت الذى يضغط على وطننا ، وفى النهاية ضاق المسئولين بالمدرسة ذرعا بنشاطى ونبهوا أبى فأرسلنى إلى القاهرة لأعيش مع عمّى والتحقت بمدرسة أخرى هناك" .
وبتاريخ 12 نوفمبر1964 رد جمال عبد الناصر على بعض الاتهامات التى كانت توجه ضد الثورة خاصة فيما يتعلق بقضية الصراع الطبقى ، فقال فى خطاب موجه للجماهير والمثقفين على السواء :
" قالوا جمال عبد الناصر عنده حقد طبقى. . . ليه ؟ وإزاى ؟ . . أنا بقيت رئيس جمهورية وموجود كويس، وقاعد كويس . . وعندى عربية كاديلاك . . يبقى حقد طبقى إيه بقى ؟ . . أنا لا أحقد على طبقة معينة ولا على أسماء معينة . . أنا ما أعرفهومش . . وما شوفتهومش . . وماقعدتش معاهم . . ولكن أنا شفت الناس التانيين . . أنا شفت الشعب اللى إحنا كلنا طالعين منه . . شفت العمال الزراعيين وشفت عمال التراحيل وشفت الفلاحين ، شفت العمال السهرانين . . شفت مخلة العيش الناشف والبصل وشفت قدرة "المش" . . . وقدرة " الملوحة " وشفت الرجلين الحافية المشقوقة والعينين الزايغة من الجوع . . شفت عمال التراحيل عريانين ملط لغاية ما يغسل الشوال اللى هو لابسه فى الترعة ، ولغاية ما ينشف الشوال فى الشمس . . طبعا كل واحد من الشعب عرف هذا الكلام . . إن ما نطلبه اليوم هو حق هؤلاء الناس . . حق العمل . . حق الفلاحين . . حق الكادحين والمطحونين .
ويستطرد جمال عبد الناصر قائلا :
" هى العين تعلى على الحاجب ؟ ! مين اللى بيقول هذا الكلام . . الإقطاعى ما زال موجود زى ما هوّا . . صاحب الأرض أو صاحب العمل القديم زى ما هوّا ما إتحرّكشى . . إحنا قضينا على الإقطاع فقط، ما عملتش زى غيرنا . . فيه مجتمعات طلعت قضت على الإقطاع وقضت على الإقطاعيين. . إحنا قضينا على الإقطاع لكن الإقطاعيين موجودين كلهم موجودين وبيعرفوا بعض . . ولكن هل هما مبسوطين. . طبعا لأ ، طبعا مش مبسوطين . . اللى أخذت منه فدان أرض أو أكثر لا يمكن أن يكون إلا معاديا للثورة وللاشتراكية . . الإقطاعيين موجودين وبيعرفوا بعض. . موجودين مش فى المتاحف ولا فى المعتقلات . . إحنا طلعنا كل الناس من المعتقلات . . إدينا عفو عام عن الجميع حتى من كانوا منهم متهمين فى تهم شيوعية . . وعفونا عن كل الإخوان المسلمين . . أعطينا كل واحد منهم فرصة ليشترك فى المجتمع الجديد . . لكن الإقطاعيين موجودين والرأسماليين موجودين والإخوان المسلمين موجودين والرجعيين موجودين والشيوعيين موجودين . . كلهم بيعرفوا بعض ، وكلهم ضد الثورة ومنتظرين أى غلطة . . وعندهم السلاح الأساسى وهو الكلام والهمس . . لازم نعرف ما هى قوى الشعب . . ولازم نعرف من هم أعداء الشعب . . وبعد كدة لازم تكون سياستنا واضحة وصريحة تجاه الشعب وتجاه أعداء الشعب ، ثم بعد ذلك الحرية كل الحرية للشعب . . حرية الكلام وحرية النقد وحرية الاجتماع . . كل الحرية ، وسنجد أن الشعب هو مجتمع أل 5ر99% . . وأن أعداء الشعب هم مجتمع النصف فى المائة ، الشعب لازم يأخذ فرصته كاملة . . يغلط ويصلح الغلط . "
وتحدث عبد الناصر أيضا وبصورة مسهبة عن تجواله على الأحزاب السياسية والتيارات السياسية والوطنية خلال فترة التحضير للثورة ، ومنها حزب مصر الفتاة والإخوان المسلمين والشيوعيين وتأثره بقيادات بعضها فى مقتبل شبابه ومنهم أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة ورفضه الاستجابة لمحاولات حسن البنا زعيم حركة الإخوان المسلمين التى استهدفت اتخاذ حركة الضباط الأحرار كامتداد للإخوان المسلمين فى الجيش ، وأيضا رفضه للشيوعيين فكرا وحركة ، كما أكد عدم انتمائه لأى من هذه التنظيمات سوى مصر الفتاة .
وأورد هنا مثلا واحدا عن موقف عبد الناصر من الشيوعية ، وهناك العديد من الكتابات التى تناولت علاقاته بالتيارات الأخرى ، كما أننى أوردت قسما مستقلا لموقف عبد الناصر من الإخوان المسلمين وكذلك موقفهم منه ، وذلك نظرا لأهمية هذه القضية . ففى لقاء بين جمال عبد الناصر وويليام راونترى مساعد وزير الخارجية الأمريكى فى 15ديسمبر1958 حضره السفير الأمريكى فى القاهرة ريموند هير ، وقد إستغرق هذا اللقاء حوالى الساعات الثلاث قال عبد الناصر ما نصه :
" أنه فى مرحلة مبكرة من حياتى العملية اتصلت بالشيوعيين الذين رغبوا فى استخدامى بغية تسللهم إلى مجموعة الضباط الأحرار ، وفى ذلك الحين كنت قد درست جميع الكتب الخاصة بالموضوع ، ولكننى قررت أن الشيوعية ليست عقيدتى وذلك للأسباب الثلاثة التالية :
أولا : لأنى أعتز بدينى الإسلامى .
ثانيا : لأنى أكره الأساليب الوحشية .
وثالثا : لأنى لا أريد أن أرى الشعب المصرى وقد تحرر من عبودية لينتقل إلى عبودية أخرى .
ثم تحدث عبد الناصر عن الحد الفاصل فى نزاعه مع محمد نجيب عندما تظاهر الشيوعيون ضده (ضد عبد الناصر ) ، وبدوا كأنهم على وشك الاستيلاء على القاهرة ، فلو اغتنم نجيب الموقف لكان بإمكانه أن يتخلص منه آنذاك ، ولكن عبد الناصر تفادى حدوث أزمة بإٌقناع نجيب بأنه إذا عمد إلى تصفية عبد الناصر ، فسيكون هو التالى على قائمة التصفيات الشيوعية بعد ذلك . " .
وفى نفس اللقاء يؤكد عبد الناصر على عدة مبادئ جوهرية تشكل أساس سياساته حيث يقول :
" أنه ـ برغم ما يمكن أن يقوله البعض ـ فأنا متمسك بمبادئ أساسية معينة منذ أن توليت مسئولية السلطة فى نظام الحكم الجديد ، من الناحية الجوهرية فهناك ثلاث مبادئ : الإستقلال والكرامة والقومية العربية ، وإن الإستقلال هو الأمر الأساسى فى رغبة الشعب فى معيشة أفضل ، مقارنة مع مستويات المعيشة فى البلدان الأكثر تقدما ، وهذا يعنى التأكيد على التنمية الشاملة . " .
ثم تحدث عن القومية العربية وأوضح بأن فكرة الوحدة العربية لا يفهم منها بالضرورة الاتحاد السياسى بين كل الدول العربية ، هذا الاتحاد يمكن حدوثه عندما يكون هناك إجماع فى آراء الشعوب المعنية، ولكنه ليس جوهريا ، والأمر الجوهرى هو أن يكون هناك تضامن عربى .
واستطرد عبد الناصر مؤكدا على حذره من الشيوعية خاصة إذا تمكنت من السيطرة على قطر عربى حيث ستتخذه قاعدة انطلاق إلى أقطار أخرى ومن ثم فهو يرى ضرورة التصدى لأى محاولة للهيمنة الشيوعية ، وكان المقصود فى ذلك الوقت هو الحيلولة دون تسللها إلى العراق والسيطرة على الحكم هناك . وقال عبد الناصر : " أنه إذا تمكن الشيوعيون من السيطرة على العراق فإنهم سيتحركون إلى سوريا والأردن وبالتالى إلى مصر ، وستكون النتيجة أن كل ما بنيناه ، وما نحن عازمون على بنائه سيقع فى أيدى الشيوعيين . " .
واستطرد قائلا : " إن التجارب علمتنى كيف أتعامل مع الشيوعيين بوصفهم مشكلة داخلية ، أما التعامل معهم فى بلد آخر فمسألة مختلفة تماما . " .
( نص محضر هذا اللقاء محفوظ فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات فى منشية البكرى ـ وما حررته هنا هو من واقع ما كتبته فى النوتة الخاصة بى . ) .
وفى 4فبراير1967 خلال لقاء عقد بين عبد الناصر وعبد الرحمن عارف رئيس العراق ، أورد عبد الناصر تحليلا لمواقف كل من الإخوان المسلمين والشيوعيين نعرض له من واقع محضر الاجتماع حيث قال : " أن هناك حقيقة أن الشيوعية أفلست ومشكلة الشيوعيين العرب أنهم لا يعرفون ذلك حتى الآن ، وربما لا يريدون أن يعرفوا ، ولذلك فهم يكتفون بترديد مقولات قديمة فات عليها الزمن ، وإننى أرجو الأخ عبد الرحمن عارف أن يسأل الرئيس أحمد سيكوتورى عما قاله لى فى آخر مرة قابلنى فيها هنا فى القاهرة وعقدنا اجتماعا غير رسمى فى بيتى وفوجئت به يقول لى أثناء الحديث وهو يمسح دموعه " أخى ناصر إن الماركسية أفلست تماما وتحجّر الفكر الذى تصورته أنا ـ سيكوتورى ـ فى يوم من الأيام مفتاحا لكل باب !"
أما عن الإخوان المسلمين فلديهم فكر له أساس نشترك فيه جميعا وهو أساس ضارب فى أعماق كل منا . . ومشكلتهم أنهم يريدون تحويل هذا الفكر إلى أداة تصل بهم إلى السلطة ، وهذه عقدة خطيرة لأنها تدفع إلى ساحة الصراع بقوى تتوهم أنها تملك سلطان على الحياة والموت . ونحن نضطر إلى اعتقال كثيرين من هؤلاء وهؤلاء ، لكن الاعتقال ليس حلا ، وإنما هو عملية تحديد ضرر حتى نعطى الفرصة للمجتمع ليقوم بترسيخ أفكاره بعيدا عن ضغط أيديولوجيات متحجرة أو تعصب ينتج عنه آثار خطيرة . والغريب أن الإخوان المسلمين يتهموننا بالشيوعية فى الوقت الذى نرى فيه نحن أن الدين ركيزة أساسية من ركائز الثورة ، وفى الوقت نفسه فإن الشيوعيين يتهموننا باليمين لسبب أساسى فى رأيهم وهو أننا نرفض ديكتاتورية البروليتاريا ."
( نص محضر هذا اللقاء محفوظ فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات فى منشية البكرىـ وما أوردته هنا هو من واقع ما حررته فى النوتة الخاصة بى ) .
وإذا ما تركت نفسى للبحث فى المكون السياسى والاجتماعى لجمال عبد الناصر ورجال يوليو52 ودوره قى بناء عملية صنع القرارات التى صدرت حتى 28سبتمبر1970 ، فلن أجد فرصة للخروج من هذه النقطة وربما بقيت حبيسا لهذا الفصل حتى النهاية ، ولكننى فقط أود أن أحيل القارئ الكريم إلى فصل آخر هو " عبد الناصر الرجل و الإنسان " ومجموعة الخطابات والوقائع التى أوردتها ، والتى تعبّر بصدق عن هذا المكون الفكرى والسياسى والاجتماعى وكل ما يمكن أن نخلص إليه من دراسة فلسفة عبد الناصر فى صنع واتخاذ القرارات ، هو التأكيد على مجموعة من العناصر التى شكلت معا " نسق القيم " الذى ارتكز عليه منهج عبد الناصر السياسى وهى :
أولا : الإستقلال ورفض التبعية ولكنهما فى الوقت نفسه لا يشكلان هدفا أو غاية فى حد ذاتهما بقدر ما يعتبران وسيلة للتنمية الاجتماعية والرفاهية للشعب .
ثانيا : الانحياز الكامل للفقراء وللأغلبية الساحقة من أبناء المجتمع دون أن يعنى ذلك عداء شخصيا لأى من الأفراد أو الطبقات داخل المجتمع .
ثالثا : الواقعية والتفكير العملى فى تناول كل المسائل والمشكلات الصعبة ، فلم يسع عبد الناصر للاصطدام بأى من القوى الداخلية أو الخارجية ، بل كان يعمل باستمرار على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل القوى لصالح الأهداف التى حددتها الثورة للنهوض بالمجتمع المصرى دون أن يتنازل عن مبادئ الإستقلال والكرامة والوطنية والقومية .
رابعا : احتلت قيمة " العروبة " موقعا متميزا فى نظام القيم الذى تبناه عبد الناصر وثوار يوليو ، ولم يكن تبنّيهم لهذه القيمة أمرا طارئا تفجر بعد قيام الثورة ، بل إن السنوات التى سبقت قيام الثورة ورصدها عبد الناصر فى كتابه " فلسفة الثورة " أكدت على اقتناعهم جميعا بأن مصر لا يمكن أن تحيا بدون العرب ، وأن العرب بدون مصر لا يمكن أن يحققوا أى إنجاز .
خامسا : لم تكن السلطة لدى عبد الناصر فى يوم من الأيام وسيلة لكسب الامتيازات أو التحكم فى رقاب البشر ، بل هى أداة للخدمة الوطنية والتضحية وبذل كل ما يمكن من جهد وعرق فى سبيل رفاهية المجتمع 000 ومن يرغب فى حصر ثروة عبد الناصر ومصادر دخله يوم رحيله سوف يدرك ما تكتسبه هذه النقطة من مصداقية .




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:53

كيف كان عبد الناصر يختار معاونيه
ـ 1 ـ

حددت فلسفة عبد الناصر وتكوينه الاجتماعى والفكرى نوعية القرارات التى يمكن أن تتخذ فى إطار مبادئ الثورة ، وتحدد طبيعة المهمة فى كل مرحلة نوعية الأشخاص الذين يمكن أن يلعبوا دورا فى تحقيق المهمة ، ولقد كان أبرز ما يميز عبد الناصر فى صنع القرارات هو تحديد الهدف بوضوح لكل مرحلة وبالتالى اختيار العناصر الملائمة للمرحلة والقادرين على تنفيذ الهدف ، ولقد تدرجت هذه العملية على مدى تاريخ الثورة كله .
ففى فترة التحضير للثورة كان على عبد الناصر أن يركز على الأهداف العامة التى يمكن أن تجمع كل الاتجاهات الوطنية حولها من منظور سياسى ، وتأجيل المنظور الاجتماعى إلى مرحلة لاحقة لما يمكن أن يثيره من تباينات بين العناصر القائمة بعملية التغيير السياسى .
وكان أهم العناصر التى ارتكز عليها عمل عبد الناصر فى تشكيل تنظيم الضباط الأحرار هو استقلالية هذا التنظيم عن أى تيار سياسى أو أيديولوجى كان موجودا على الساحة المصرية فى تلك الفترة مهما كانت درجة قوة أو شعبية هذا التيار ، واتجه فكر عبد الناصر إلى اختيار عناصر يثق فى وطنيتها وقدرتها على مواجهة المخاطر التى تحيط بتنفيذ الثورة وتأمينها ضد أية تحركات مضادة من الداخل أو من الخارج .
ولقد عبر عبد الناصر عن هذه الفكرة فى مناسبات ثلاثة مهمة :
كانت المناسبة الأولى فى حوار أجراه مندوب جريدة " سكوتسمان " البريطانية فى بداية الثورة مع عبد الناصر وقد وجه المراسل إليه سؤالا نصه :
" كيف وأنت بهذه التركيبة المتناقضة الغريبة حققت هذا النجاح يوم 23يوليو1952 ، وأنت تعلم ـ وأنت رجل مثالى وقائد للثورة ـ أنه لا أحد يستطيع أن يقول فيك شىء 000 أنك لم تقم بالثورة مستعينا بعناصر 000 ـ ولم يشأ المراسل أن يكمل السؤال ـ وفهم عبد الناصر ما يريد أن يقوله ، فأجابه بقوله :
" أولا ، لكى تحدث تغييرا يجب أن تستخدم أشخاصا يتسمون بالجرأة والرغبة فى المغامرة ، وليس كل إنسان ذو قيم بقادر على المغامرة .. أحيانا الإنسان ذو القيم والأخلاق عندما يجد رقبته تحت حد السيف غالبا ما يفكر أو يراجع نفسه ، وليس معنى ذلك أن أستبعده أو أصفه بالخيانة أو الجبن 00 فأنت أولا وأخيرا تتعامل مع بشر من لحم ودم وليسوا من حديد أو جماد .. هؤلاء البشر يملكون العقل ومنهم من يحسن رصد خطواته أو يتردد ، ومنهم من يلعب " الكوتشينة " وآخرون لا يقتربون منها .. تلك هى طبيعة البشر .. فيها السلبى وفيها الإيجابى .. ولكن لكى تحدث تغييرا بهذا الحجم ، وإذا كان هذا التغيير مسلحا فأنت تحتاج بالدرجة الأولى إلى تشكيل جبهة سياسية تتجمع فى داخلها كل هذه العناصر وهذه النوعيات .
وثانيا ، أنت فى حاجة لكى تجمع كل هذه العناصر التى تؤمن أو توافق على التغيير ، عليك أن تبذل جهدا لاستقطابها إلى صفك رغم ما قد يكون بينها من تناقضات حتى تضمن النجاح للجبهة كلها ، ، ولعلمك فقد كانت توجد داخل هذه الجبهة عناصر مدنية مثل أحمد فؤاد الذى كان يعمل قاضيا وحامد معيط الذى كان يعمل مهندسا فى السكك الحديدية وكلاهما كانت له صلات مباشرة بالضباط الأحرار .
وثالثا ، لابد أن تأخذ فى الاعتبار أن التغيير المنشود قد يحتمل النجاح ويحتمل الفشل ، فإذا فشلت العملية فلماذا تعرض عددا أكبر للخطر .. يكون علىّ فى هذه الحالة أن أترك بعض العناصر الصالحة للمستقبل ، عسى أن يتمكنوا من استكمال المسيرة فى المستقبل إذا ما تعثرت . ولعلمك فإن عددا ليس قليلا من رجال الصف الثانى كانوا فى خاطرى ولم أشركهم فى التنفيذ يوم الثورة حفاظا على المسيرة ، ولكننى لم أتردد فى إبرازهم والاستفادة من قدراتهم بعد نجاح الثورة ، ومنهم من يعمل معى مباشرة الآن . " .
أما المناسبة الثانية فقد جاءت فى حوار مباشر بينى وبين الرئيس جمال عبد الناصر فى منتصف الخمسينات وقد كان واضحا منذ فترة مبكرة قبل 23يوليو1952 أن قيادة تنظيم الضباط الأحرار قد وضعتنى ضمن اهتماماتها ، وما بين اتصال ثلاثة من زملائى من الضباط الأحرار بتكليف من كمال الدين حسين لتيسير إمكانية الحصول على بعض المواد المطلوبة للنشاط الفدائى فى منطقة قناة السويس إلى لقائى الأول مع عبد الناصر خلال التحاقى بفرقة الشئون الإدارية ، وانتهاء باختيارى سكرتيرا للرئيس للمعلومات ، فقد كلفت بالعديد من المهام ذات الحساسية العالية ، وتلقيت غالبية هذه التكليفات من عبد الناصر شخصيا .. لكن انضمامى إلى تنظيم الضباط الأحرار لم يتم إلا ليلة تنفيذ الثورة بالفعل ، وبدأت المشاركة فى اجتماعات التنظيم فى أعقاب الثورة كما انتظمت أيضا فى حضور اجتماعات ضباط المدفعية التى كانت تعقد برئاسة كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة فى منزله فى منشية البكرى فى ذلك الوقت وكذلك تسديدى للاشتراك الشهرى للتنظيم ( 25قرشا ) والذى كان يحصله البكباشى عبدالحميد بهجت ( المستشار التجارى فيما بعد ) .
ولقد أثار ذلك سؤالا فى ذهنى آثرت أن أتوجه به إلى عبد الناصر مباشرة عندما أتاح لى موقعى إلى جانبه فرصة مفاتحته فى بعض الموضوعات البعيدة أحيانا عن جوهر العمل المكلف به . ففى منتصف نوفمبر1956 وفى شرفة مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة المطلة على النيل ، وبعد أن هدأت نسبيا التوترات المصاحبة للعدوان الثلاثى على مصر وبعد أن تم وقف إطلاق النار ، وخلال لقاء مع الرئيس توجهت إليه بسؤال عما يدور فى ذهنى وقلت له :
" سيادتك يافندم اخترتنى على أى أساس ؟
فأجاب : هل تذكر لقاءنا الأول عندما قابلتك أثناء دراستك لفرقة الشئون الإدارية ؟ وهل تذكر ما قلته لك يومها ؟ لقد قلت لك أنك ضابط سوف يكون لك مستقبل .. ألم تفكر وتبحث من الذى نقلك إلى المخابرات بعد قيام الثورة بيومين ؟ ومن الذى استدعاك يوم 26 يوليو1952 ؟ هل كانت لك معرفة سابقة بزكريا محى الدين ؟ فأجبت بالنفى . فواصل كلامه : هل تعرف أحدا من أعضاء مجلس قيادة الثورة ؟ فقلت له : حتى كمال الدين حسين كان يرسل لى ضباط أعرفهم ، لكنى لم أتعرف عليه شخصيا ولم أتشرف بمقابلته إلا بعد حوالى الشهر من قيام الثورة . فاستطرد عبد الناصر : إنت كنت أحد الناس اللى حطيت عينى عليهم .
فقلت : بس سيادتك لم تضمنى لعضوية التنظيم .
فقال : أنا عارف مكوناتك .. إنت نوعك مستقر .. ويمكن تفيد فى مرحلة الاستقرار وليس فى مرحلة يمكن أن تنجح أو تفشل أو تخيب .. فأنت بدأت حياتك وانتظمت فى مهنتك ، وأنت لا تلعب الورق مع هذا أو تسهر مع ذاك ، وعندما التحقت بالمخابرات طلبت من كمال الدين حسين أن يضمك إلى إحدى خلاياه الرئيسية بعد الثورة وكان يحضر معك الاجتماعات أبو اليسر الأنصارى وعبد المجيد شديد ومحمد أبو الفضل الجيزاوى ومصطفى كامل مراد وسعد زايد وعماد رشدى وغيرهم .. ثم أخذتك لتعمل فى هيئة مراقبة الأداة الحكومية وأنت تعلم تماما من هم أعضاؤها ووضعهم بالنسبة للتنظيم والثورة ، وبعد كدة نقلتك إلى القسم الخاص فى المخابرات وأنت تعلم أيضا ماذا كان يعنى هذا المكتب بالنسبة للنظام ، ثم كان نجاحك هو السبب فى خلق الوشايات الحاقدة ضدك فى عملية قضية المدفعية ، وعندما فكرت فى إنشاء سكرتارية المعلومات وفى مناقشة مع حكيم ( عبد الحكيم عامر) رشح هو شمس بدران أو من يرشحه شمس بدران لتولى هذه المسئولية إلا أننى اخترتك لتولى هذه المسئولية نتيجة تقييمى لصلاحيتك لهذا المنصب " .


ملحوظة :
"كانت مجموعة شمس بدران تتردد بصفة مستمرة فى ذلك الوقت على مكاتب القسم الخاص والتى كانت فى نفس مبنى إدارة المباحث العامة فى مبنى المجمع بميدان التحرير ثم انتقلت بعد ذلك أيضا مع المباحث العامة إلى مبنى وزارة الداخلية بلاظوغلى ، وكان القسم الخاص يمثل نافذة على كل ما يجرى داخل البلد ، وكان عبد الناصر يعتبر فى ذلك الوقت أن شمس بدران أحد رجاله المخلصين ـ باعتباره أحد أعضاء إحدى خلاياه الرئيسية فى تنظيم الضباط الأحرار ـ وظل هذا الاعتقاد مستمرا حتى آخر سنة 1966 عندما عين شمس بدران وزيرا للحربية ( أكتوبر 1965 ) ، حيث بدأ يظهر ولاؤه وانحيازه الكامل لعبد الحكيم عامر وكان يشاركه فى ذلك كل من عباس رضوان وصلاح نصر وهو ما تأكد عمليا بعد أحداث هزيمة1967 " ـ انتهت الملحوظة .
ولا شك أن احتفاظ عبد الناصر بشخصيات بعينها ذات صفات قدّرها هو وعمل على عدم إشراكها فى أحداث ليلة 23يوليو1952 ، كان أمرا مخططا ولم يكن يتم بصورة عشوائية .
أما المناسبة الثالثة فقد وردت خلال لقاء عبد الناصر بسامى الدروبى سفير سوريا الأسبق فى مصر والذى اختاره عبد الناصر ليكون أحد من يتولوا التأريخ لثورة يوليو52 عبر عدة جلسات عقدها معه فى استراحة المعمورة بالإسكندرية فى منتصف شهر أغسطس1970 وقبل رحيله بحوالى شهر ونصف ، وكانت هذه اللقاءات تعتمد على سرد الرئيس لكل أحداث الثورة منذ تبلور فكرتها قبل إنشاء تنظيم الضباط الأحرار ووصولا إلى تاريخ اللحظة التى كانا يجتمعان فيها أى أغسطس1970 . وقد حضرت معهما جلستين حدد الرئيس في الأولى الخطوط العامة للقضايا التى ينوى التحدث فيها وفى الثانية ركز على كيفية اختياره لمختلف العناصر التى شكلت معه قيادة تنظيم الضباط الأحرار وقيادة الثورة فيما بعد ، وفلسفة التغيير الذى ينشده ، ثم منعتنى مشاغلى وتكليفات الرئيس لى عن حضور باقى الجلسات سواء مع سامى الدروبى أو مع دياللو تيللى السكرتير العام لمنظمة الوحدة الإفريقية الذى اصطفاه عبد الناصر أيضا للتحدث معه حول نفس الموضوع وكانت لقاءات كل منهما مع الرئيس على انفراد ومما يؤسف له أن هذه المقابلات لم تسجل لأسباب فنية حالت دون إمكانية التسجيل نظرا لصوت أمواج البحر وصفير الرياح فى المكان الذى كانوا يجلسون فيه .
جاء حديث عبد الناصر الأول مع سامى الدروبى كما يلى :
" كان لابد من إحداث تغيير جذرى فى الخريطة الاجتماعية لمصر والتى كانت قد وصلت إلى أقصى درجات انحدارها فى عام 1952 . لقد كان الحكم غارقا فى الفساد بأقصى درجة ، والحكم هنا يشمل كلا من القصر أى الملك وحاشيته والحكومة وقيادات الأحزاب التى انشغلت بمعاركها الخاصة وتجاهلت المصلحة الوطنية العامة ، وكانت المعركة محتدمة بين المجموعات الفدائية وبين الإنجليز فى منطقة قناة السويس ، لكن الحكومة وعناصر الإنجليز داخل البوليس السياسى المصرى كانوا يساهمون فى اعتقال الفدائيين والقبض على العناصر الوطنية من السياسيين من كل الاتجاهات وتزايد حالة السخط الشعبى بسبب الضغوط الاجتماعية والمعيشية والتى أدت فى بعض الأحيان إلى انقضاض الفلاحين على قصور بعض كبار ملاك الأراضى فى الريف وتزايد ظاهرة الإضرابات التى شملت كل الفئات من طلبة وعمال بل وشملت أيضا إضرابا لضباط البوليس تم فى حديقة الأزبكية بالقاهرة مرتين فى بداية الخمسينات ، ولجأت السلطة إلى استخدام العنف فتكونت مجموعات شعبية تبادل العنف بالعنف دفاعا عن أنفسهم ، مما هدد بدخول البلد فى مواجهة دموية لا يعرف نهايتها أو مصيرها وفقط تهدد البلاد بالضياع .
وكان لابد من إحداث تغيير جذرى فى الخريطة الاجتماعية لمصر ، ولكن القضية الأساسية هو إحداث التغيير المطلوب من خلال بلورة عدد من القضايا العامة التى تنبثق عن دوافع وطنية بالدرجة الأولى لضمان توفير الإجماع حول القرار وضمان النجاح فى مرحلة التنفيذ ، ولو كنت طرحت منذ البداية قضية التحول الاجتماعى أو قضية القومية العربية لدخلت فى دائرة عقيمة من الجدل والاختلاف ، ولما أمكن تنفيذ الثورة أو الوصول إلى النجاح الذى تحقق فعلا فى ليلة 23يوليو1952 ، لكن ما طرح فى البداية كانت قضايا مثل : الملك ـ الفساد ـ الإنجليز ـ الإقطاع ـ الأحزاب السياسية . . وهى كلها قضايا لا يختلف اثنان علي ضرورة حسمها ومهما كانت الأخطار ، ومهما اختلفت الميول والاتجاهات التى يتبناها أى مصرى وطنى .
كان هذا عنصر الضمان فى توفير الالتقاء ومن ثم توفير القدرة على التحرك لتحديد الهدف . لقد كانت التركيبة غريبة فى حقيقتها ، وكانت الجبهة التى تحدثت عنها تضم فى داخلها عناصر يمينية وأخرى يسارية وثالثة لا تفكر إلا فى شىء واحد فقط هو طرد الإنجليز من مصر ، بينما تفكر أخرى فى طرد الملك وتصفية الأحزاب ، كان هناك أشخاص يأتلفون معنا ولكنهم كانوا ينفذون مخططا يحقق أهداف تنظيمات ارتبطوا بها فى السابق ، وكان كل هم هذه التنظيمات هو احتواء الثورة والاستفادة بنتائج تحرك التركيبة المنفذة لها لتحقيق أهدافهم الخاصة التى لم تمكنهم قدراتهم الخاصة من تحقيقها منفردين . والغريب أنه كانت هناك فى القوات المسلحة عناصر معروفة بأنها عناصر " فاقدة " كما نسميها بلغتنا العسكرية ، وقد ساعد ذلك كله على تحقيق المفاجأة .



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:54


ـ 2 ـ



لقد حرص جمال عبد الناصر فى هذه المرحلة بألا يسمح للخلافات العقائدية أو السياسية بعرقلة سير الحركة وذلك عن طريق خلق قاسم مشترك بين الجميع يتمثل فى توافق مواقفهم على جعل مصر حرة . وعمل منذ البداية على مقاومة فكرة عبادة الزعيم ، وهى الصورة التى كانت منتشرة فى أحزاب وجماعات ما قبل يوليو، مثل حسن البنا فى جماعة الإخوان المسلمين ، وأحمد حسين فى حزب مصر الفتاة ، ومصطفى النحاس فى داخل حزب الوفد . وكان عبد الناصر اتساقا مع نفس هذه المواقف صاحب ترجيح فكرة اختيار محمد نجيب كقائد للثورة ، بترشيح من عبد الحكيم عامر وصلاح سالم ـ وكان هناك مرشح آخر هو اللواء أحمد فؤاد صادق الذى اعترض على ترشيحه أنور السادات وهو موضوع سأتناوله تفصيلا فى مكان آخر من هذه المذكرات ـ رغم أنه لم يشترك فى التحرك أو ينضم لتنظيم الضباط الأحرار . لقد كان محمد نجيب وبحكم موقعه فى الجيش وبحكم اتصالاته يعلم أو يرى أن انقلابا سوف يقع ، لكن ووفقا للخطة كان مقررا أن يظل فى بيته بعيدا نظرا لأنه كان معروفا تماما للسلطة السياسية ولأجهزة الأمن ، وقد يثير اشتراكه الفعلى فى أى عمل شكوك هذه الجهات وقد يؤدى إلى إحباط التحرك فى مهده ، ومع أن الضباط من أعضاء التنظيم كانوا ينظرون إلى نجيب بتقدير واحترام إلا أنه لم ينضم لعضويته إلا بعد نجاح الثورة ، وكان جمال عبد الناصر قد أجرى معه أكثر من اتصال بطرق مباشرة أو غير مباشرة وكان أولها فى ديسمبر1951 أثناء عملية انتخابات نادى ضباط الجيش .
هكذا كان اختيار جمال عبد الناصر لأعضاء تنظيم الضباط الأحرار مرتبطا بمعيار أساسى هو الاستعداد للتضحية بالنفس ، وتبنى القضية الوطنية فى إطارها العام أى القضاء على الاستعمار والفساد فى الداخل ، والانتقال بالمجتمع من مرحلة التدهور فى بنائه القيمى والأخلاقى إلى مرحلة جديدة تؤهله للبقاء والاستقرار .
من هنا أيضا جاء القرار الثانى الذى توافق عليه جميع عناصر الثورة حيث شهدت علاقاتهم جميعا تفاهما كبيرا حول القضية الوطنية ، وقد طرحت فى مرحلة التخطيط النهائى لتنفيذ الثورة قضية محورية هى اختيار آليات التنفيذ ، وكان إصرار عبد الناصر على أن تكون الثورة بيضاء ، يتم فى إطارها الابتعاد تماما عن الإقدام على أية عمليات اغتيالات أو إهدار للدماء ، وكان من رأيه عن اقتناع وهى مقولة كان يرددها باستمرار فيما بعد فى كل الأزمات التى قابلت الثورة سواء فى الداخل أو فى الخارج ـ " أن الدم يؤدى إلى مزيد من الدم " ، وقد تغرق البلاد فى مواجهات دموية يصعب وقفها وتدفع إلى تأليب الرأى العام العالمى ضد الحركة الثورية فى أيامها الأولى .
وكانت هناك آراء داخل تنظيم الضباط الأحرار تصر على التخلص من الملك فاروق باعتباره رأس الفساد ، ومنعا لأى تحرك مناصر له من الداخل أو من الخارج كما طرح البعض فكرة تقديمه للمحاكمة ، لكن جمال عبد الناصر ـ الذى كان قد انتخب رئيسا للتنظيم لأكثر من مرة ـ عارض فكرة التخلص من الملك فاروق كما تحفظ على محاكمته بالنظر لاحتمال استغراق المحاكمة وقتا طويلا يخشى خلاله أن يتحرك أنصار الملكية فى الداخل للقيام بثورة مضادة ، وقد تجر إلى تدخل خارجى لمساندة هذه الفئة ومن ثم فقد اتفق الجميع ـ برغم عدم تعاطفهم مع الملك ـ على الصيغة التى نفذت بالفعل وهى توقيعه على وثيقة التنازل عن العرش سلميا لصالح ابنه أحمد فؤاد كمرحلة انتقالية قبل إلغاء الملكية وإعلان النظام الجمهورى بعد ذلك .
أما القرار الثالث الذى وافق عليه تنظيم الضباط الأحرار بزعامة جمال عبد الناصر فقد تمثل فى إغلاق الطريق أمام هيمنة أى من الأحزاب أو الحركات السياسية على الثورة ، والعمل على احتوائها لصالح هذه التنظيمات .
لقد تملك جمال عبد الناصر منذ بداية الأربعينات الرغبة فى التغيير بعد أن استوعب الظروف المعيشية والاجتماعية والسياسية التى كانت سائدة فى مصر وقد تضاعفت هذه الرغبة لديه فى عام 1948 بعد أن لمس الموقف داخل القوات المسلحة بصورة أكثر وضوحا وقال جملته المشهورة : " إن حربنا فى الداخل وليس فى الخارج" .
بدأ جمال عبد الناصر نتيجة لذلك فى الاتصال بالتيارات والعناصر الحزبية والسياسية المختلفة فى الساحة المصرية وكان من بينها ثلاث تيارات أساسية هى : مصر الفتاة والشيوعيون والإخوان المسلمين وعدد من الأحزاب الأخرى ، ولم ينخرط عبد الناصر فى عضوية أى من هذه التنظيمات لكن هدفه كان هو التعرف عليها من الداخل وجس نبضها ومدى قدرتها فى إطار من السرية والانضباط ، ولكنه اكتشف أن لا فائدة من هذه الاتصالات فلم يكن هدف هذه التنظيمات إحداث التغيير بقدر ما كان هو محاولة الاستفادة من الأوضاع القائمة واستثمارها .
كان لحزب مصر الفتاة على سبيل المثال شعبية وقدرة على الانتشار والتحرك فى الأوساط المختلفة ، فتم الاتصال بالعناصر التى كانت منتمية للحزب الوطنى المصرى الذى انبثق عنها وكان يمثله فتحى رضوان وأحمد حسين ومجموعة من الشخصيات السياسية ، وقد أسفرت هذه الاتصالات عن تشكيل الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار التى كانت تضم الشيوعى والإخوانى ومصر الفتاة وبعض القريبين من حزب الوفد أو عناصر كانت تستطيع أن تشكل قناة تفتح على حزب الوفد . وكان ذلك قبل قيام الثورة بعام واحد ، وبدأ الإخوان المسلمين فى التحرك لمحاولة احتواء التنظيم والسيطرة على توجهاته وهو ما كان يرفضه عبد الناصر وغالبية ضباط التنظيم ومن ثم فقد عقدت الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار اجتماعا قررت فيه بالإجماع وضع عناصر الإخوان المسلمين أمام مسئولياتهم وخيّرتهم إما الانضمام تحت لواء تنظيم الضباط الأحرار الذى يمثل جميع المصريين أو أن تكون الهيئة التأسيسية فى حل من تنفيذ القرار الذى اتخذته بالفعل وكان هو إبعاد جميع الضباط المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين من عضوية التنظيم ، ونفذ هذا القرار قبل قيام الثورة بستة أشهر ، كما طبق نفس القرار بعد ذلك على عدد من الأعضاء المنتمين للحزب الشيوعى المصرى فى الوقت الذى قبلت عناصر من " حدتو " الالتزام بالقرار .
هكذا كانت قرارات تنظيم الضباط الأحرار فى تلك المرحلة مرتبطة بعدة أهداف أساسية تدور كلها فى إطار إحداث التغيير المنشود بصورة سلمية بيضاء ، وبما يؤكد استيعاب زعامة التنظيم لكل الظروف والمكونات الثقافية والاجتماعية التى تعيشها مصر ، وتطلعت إلى توفير كامل الإرادة الحرة فى اتخاذ القرارات بعيدا عن أية مؤثرات أو محاولات للاختراق سواء من الداخل أو من الخارج .
إن ذلك المنهج قد امتد تأثيره وتأكد فى عديد من المناسبات على مدى فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر بالكامل حيث تتمثل نقطة البداية فى كل مرة فى تحديد الهدف بوضوح ، ولا شك أن أكثر ما يميز نهج عبد الناصر قبل الثورة أو بعدها هو وضوح الرؤية الإستراتيجية البعيدة ثم يليها توفير كل المعلومات اللازمة من عديد من المصادر التقليدية وغير التقليدية ، المنظورة وغير المنظورة ، فكلما كانت كمية المعلومات كثيرة توفرت القدرة على اتخاذ القرار الصحيح فى التوقيت الملائم ، ثم ينتقل بعد ذلك إلى حسابات النتائج المتوقعة الإيجابى منها والسلبى ، فليس هناك قرار أو تصرف سياسى معين يحظى بإجماع شعب بأكمله ، ولكن معيار النجاح يكمن دائما فى تفوق قاعدة المستفيدين بصورة حاسمة على عناصر المضارين من أى قرار . تلك قضايا ومعايير سوف أتعرض لها تفصيلا فيما بعد من خلال أمثلة عملية فى اتخاذ القرارات الكبرى أو فى بعض الموضوعات التى سيفرد لها فصولا خاصة مستقلة كقضية الوحدة بين مصر وسوريا وقضية تأميم شركة قناة السويس وغيرها .
وبالطبع عندما نتحدث عن أسلوب الرئيس جمال عبد الناصر فى اختيار معاونيه أو التعامل مع معا رضيه فلابد أن نتطرق لأسلوبه فى اختيار العناصر الفنية للمناصب أو المواقع المختلفة فى الدولة من خارج دائرة تنظيم الضباط الأحرار فقد ارتكز هذا الأسلوب على كثير من المعايير الموضوعية وعناصر الكفاءة الشخصية بعيدا عن ما يميل البعض إلى تسميته " بأهل الثقة وأهل الخبرة " حيث اعتمد النظام السياسى فى مختلف مراحله على عدد لا يحصى من ذوى الخبرة والكفاءة الفنية فى إنجاز أهداف الثورة فى كل المجالات وكل المواقع ، ويشهد على ذلك برنامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية الذى توج بخطة التنمية الخمسية 1960ـ1965 ، والبرنامج النووى ـ وهو ما سأفرد له فصلا خاصا فى هذه المذكرات ـ ، وإصلاح النظام التعليمى وتطوير الجهاز الإدارى فى مصر وغيرها من مختلف القطاعات .
وعلى سبيل المثال فقد كانت توجيهات الرئيس عبد الناصر تقضى بأن تعد قوائم تضم ترشيحات بالعناصر التى تصلح للانضمام إلى الوزارة فى كل مرحلة أو مناصب الدولة العليا و القيادية فى القطاعات الأخرى المختلفة علاوة على مناصب الحكم المحلى من مستوى المحافظين ومن يليهم فى السلم الوظيفى على أن يدرج بها ما لا يقل عن ثلاثة مرشحين لكل موقع بحيث يتم الاختيار من بينهم للأكثر تلاؤما مع الأهداف المطلوب تحقيقها فى كل مرحلة .
وكان الرئيس جمال عبد الناصر يدقق فى قوائم الترشيح ويفحص بدقة المعلومات المسجلة عن كل مرشح ويسترجع خلفيته الشخصية عما يعرفه هو شخصيا ، وعلى سبيل المثال أعرض فيما يلى مشروع تعديل وزارى سجله عبد الناصر بخط يده فى عام 1962 ، وإن لم ينفذ كله .

( صورة الورقة التى كتبها الرئيس بخط يده )



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:56





وإذا كانت المؤسسة العسكرية قد عزلت نفسها عن هذه المعايير قبل 1967 فقد حرص عبد الناصر على قلب كل المعايير التى كانت متبعة فى السابق لشغل المواقع الرئيسية فى القوات المسلحة وفرضت عناصر الكفاءة والعلم والاحتراف العسكرى نفسها بقوة على كل اختيار تعرض له داخل القوات المسلحة بل أكثر من ذلك ، كان لدى عبد الناصر خطة كاملة للشكل والهيكل الوظيفى الذى يجب أن تكون عليه القوات المسلحة قبل خوض معركة تحرير الأرض ، وكانت هناك أسماء بذاتها يجرى إعدادها لتولى مواقع القيادة فى المراكز القيادية و الحساسة قبل بدء المعركة بوقت كاف ، وكان قد بدأ فعلا فى تنفيذ هذا المخطط اعتبارا من منتصف1970 وعلى وجه التحديد من يوم 12 أغسطس سنة1970 حيث فوتح بعض هؤلاء القادة فعلا فى تحضير أنفسهم لتولى قيادات بعينها ، وفى الوقت نفسه كانت تتم الخطوات التنفيذية للباقين الذين كانوا سيتولوا مراكز قيادية أو حساسة أخرى ، ومن ذلك وعلى سبيل المثال فى رئاسة الأركان كان سيتولاها محمد حافظ إسماعيل والذى أمضى فترة تأهيل فى رئاسة المخابرات العامة ليكون على اتصال بالأحداث من ناحية ومن ناحية أخرى ليكون فى الصورة من أسلوب العمل اليومى فى مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، وذلك لتولى المكان الذى كان يشغله الشهيد عبد المنعم رياض ـ وقد فوتح فى ذلك ـ .
وفى باقى الأسلحة كان يعد لقيادة وحداتها الضاربة الرئيسية كل من الضباط عبد المنعم واصل وعمر أحمد خطاب وعلى عبد الخبير و عبد المنعم خليل و حسن البدرى ومصطفى الجمل و محمد حسنى مبارك ـ لتولى قيادة القوات الجوية ، ـ وقد فوتح فى ذلك ـ وعدلى حسين سعيد ومحرز مصطفى عبد الرحمن و عبد القادر حسن وعبد الفتاح عبد الله ومحمد إبراهيم سليم وجمال محمد على ومرسى عبدالباقى و أحمد زكى عبد الحميد وعمر جوهر وصبحى إسكندر و محمد سعيد الماحى و سعد عبد الكريم ومحمد عبد الغنى الجمسى و مختار هلودة ومحمد صدقى بكر وأحمد داود حجازى ومحمد نور الدين عفيفى وفؤاد حلمى السماع و فتحى عبد الله النمر وفاروق فهمى بشير وممدوح إسماعيل وعصام فضلى وعادل سوكة و محمد على فهمى ـ الذى تولى فعلا قيادة الدفاع الجوى ـ و رءوف أحمد فهمى ومحمد على متولى والسيد حمدى و بهيج الكردانى ومحمد عبد الحليم أبو غزالة و إبراهيم سلامة و حسن أحمد الكاتب وعبد رب النبى حافظ و محمد نبيه السيد وصبحى الملاح و حسن عبد الغنى وعادل على السيد وفاروق محمد محمود و أحمد عبد الغفار حجازى وعبد الرحمن فهمى و فوزى فهمى ومحمد أمين عبد الوهاب وفاروق فهمى سالم وعبد العاطى أبو سيف و صلاح السعدنى وعادل إبراهيم محمد وعبد الخالق مطاوع وعبد العزيز بدر وخليل خميس وعبد الستار مجاهد و باقى زكى يوسف وعبد الحليم . . . ( مهندس قطعت أطرافه فى إحدى تجارب استخدام المياه فى نسف السد الترابى ) وغيرهم .
وكانت المعرفة الشخصية لجمال عبد الناصر ببعض العناصر وما توفره أجهزة المعلومات ومؤسسة الرئاسة من خلفيات دورا مهما فى ترجيح الاختيار الذى يجرى عادة بعد الإطلاع على الملف الوظيفى لكل شخص أو أية ملفات أمنية ( موثقة وليست على طريقة نمى لعلمنا ) ، أو فنية أو علمية موجودة ، ثم اللقاء الشخصى المباشر مع الرئيس عبد الناصر أو أى من كبار معاونيه .




ـ 3 ـ


وقضية اختيار المعاونين الملاصقين للرئيس جمال عبد الناصر تثير معها مقولة " أهل الثقة وأهل الخبرة " ، والتى طالما تغنى بها منتقدو ثورة يوليو والنظام الناصرى ككل ، وأود أن أؤكد رفضى لهذه المقولة شكلا وموضوعا ، فلم يكن كل " عسكرى " هو أهل ثقة ، فكم من العسكريين حظوا بالثقة الكاملة ومع ذلك فقد خانوا الأمانة وخانوا الفكرة وفقدوا الثقة ، ولم يمنع ذلك بالطبع أن العناصر العسكرية التى انتمت إلى الثورة ووضعت رقابها على أكفها ليلة 23يوليو1952 وساندت الثورة حتى مرحلة اكتمال المسيرة كانوا على درجة عالية من الإخلاص والكفاءة .
وينطبق نفس القول على القطاع المدنى والعناصر التى استعانت بها الثورة من خارج القوات المسلحة وكان حرص قيادة الثورة وفى مقدمتهم جمال عبد الناصر على الاستعانة بكل كفاءة ممكنة لدفع مسيرة التنمية التى استهدفتها الثورة فى كل المجالات ولم تضع قيودا من أى نوع على التعاون معها ، وفى بداية الثورة على سبيل المثال كانت هناك العديد من العناصر والتى كانت تنتمى لأحزاب أو تيارات سياسية أو اتجاهات أيديولوجية سابقة ولكنها كانت فى الوقت نفسه تحمل خبرات متميزة وبخاصة فى المجالات القانونية أوالإقتصادية أو الاجتماعية أو الزراعية والتعليم وغيرها من المجالات ، فاتجهت الثورة للاستفادة من هذه الخبرات بأقصى قدر ممكن واستمر هذا النهج على مدى الثمانية عشر عاما ، وأستطيع أن أحصى مئات الأسماء التى تولت مسئولية العمل العام داخل الوزارة أو التنظيم السياسى أو المؤسسات المختلفة يرشحها خبراتها وكفاءتها فقط ، وأذكر فى هذا المجال على سبيل المثال لا الحصر : محمود فوزى ـ حلمى بهجت بدوى ـ وليم سليم حنا ـ كمال رمزى إستينو ـ محمد فؤاد جلال ـ نورالدين طراف ـ فتحى رضوان ـ أحمد عبده الشرباصى ـ عباس عمار ـ على الجريتلى ـ عبد الرزاق السنهورى ـ مصطفى خليل ـ عزيز صدقى ـ عبد العزيز حجازى ـ سيد مرعى ـ عبده سلام ـ محمد لبيب شقير ـ محمد الخواجة ـ أحمد الخواجة ـ د.عبد العزيز السيد ـ أ. عبد العزيز السيد ـ أحمد محرم ـ محمد البهى ـ حسين خلاف ـ عزت سلامة ـ نزيه ضيف ـ عبد المنعم القيسونى ـ حسن عباس زكى ـ إبراهيم زكى قناوى ـ محمد عوض القونى ـ محمد حلمى مراد ـ حسين سعيد ـ إبراهيم شكرى ـ عصام الدين حسونة ـ أحمد حسنى ـ أحمد حسن الباقورى ـ عبد الوهاب البرلسى ـ أحمد بهاء الدين ـ ذو الهمة الشرقاوى ـ حامد معيط (من تنظيم الضباط الأحرار وهما مهندسان فى السكة الحديد ) ـ أحمد فؤاد ( من تنظيم الضباط الأحرار وهو قاض وليس عسكريا ) ـ عبد المعبود الجبيلى ـ محمود أمين العالم ـ فؤاد مرسى ـ إسماعيل صبرى عبد الله ـ محمد حسنين هيكل ـ عبد الرزاق صدقى ـ جندى عبد الملك ـ موسى عرفة ـ أحمد نجيب هاشم ـأحمد المحروقى ـمحمد النبوى المهندس ـ حكمت أبو زيد ـأمين حلمى كامل ـ سليمان حزين ـ عبد الخالق الشناوى ـ أحمد مصطفى ـ محمد حافظ غانم ـ على زين العابدين صالح ـ محمد بكر أحمد ـ محمد صفى الدين أبو العز ـ ضياء الدين داود ـ عبد العزيز كامل ـ عزيز أحمد يسن ـ وآخرين غيرهم كما يضيق المجال بحصر أمثلة منهم من الصفوف الثانية .
وأريد هنا أن أستطرد فى عرض موضوع يؤكد وجهة نظرى ألا وهو موضوع إنشاء المؤسسة الاقتصادية فى مصر سنة1957 . فعندما أنشئت المؤسسة الاقتصادية تولى رئاستها أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة هو السيد حسن إبراهيم وكان المدير العام والدينامو والمحرك الأساسى هو محمد صدقى سليمان ومعهما مجموعة من الخبراء والفنيين والإداريين والاستشاريين أداروا المؤسسة بكفاءة مشهودة . ومحمد صدقى سليمان أهل خبرة وأهل ثقة فى نفس الوقت . وفى موضوع أهل الثقة وأهل الخبرة هل يستعين صاحب العمل أى صاحب عمل ، بأى شخص موضع ثقة فقط أو أهل خبرة فقط أم لابد أن يتوافر الشرطان معا لنجاح العمل .
ومن ناحية أخرى هناك تساؤل يلح علىّ هو هل رجال القوات المسلحة مصريين أم أجانب ؟ أكاد أقول أن المقصود بإثارة هذه المقولة هو إحداث نوع من الفتنة ، لماذا ؟ هل إذا كان لأحد الأشخاص ابن فى القوات المسلحة ضابط مثلا ، هل يلفظه لمجرد أنه ضابط وعسكرى ؟ إن الضابط هذا يدير وحدة قتالية هدفها فى النهاية الاستشهاد وهو أبلغ تعبير عن الثقة والخبرة معا . إن العسكرى إنسان مؤهل ودرس علم وفن إدارة البشر وهى ليست بالأمر السهل . إذا كان هذا الضابط مهندسا مثلا ، يكون عنده الخبرة والثقة فى نفس الوقت ضابط مهندس وضابط طبيب هؤلاء لا يقلون عن المهندس أو الطبيب العادى بل بالعكس فلدى العسكرى منهم خبرة إضافية فى مجالات أخرى أقلها الإدارة سواء للأفراد أو للوحدات ، والعسكرى لديه أيضا خبرتان خبرة استشارية وخبرة إدارية ، وللعلم فإن الإحصائيات التى صدرت عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تفيد بأن العسكريين المصريين الذين عملوا فى الإدارة نسبتهم إلى المديرين 5 % .
دعنا نبحث مسألة أهل الثقة وأهل الخبرة بأسلوب علمى . ففى رأيى أن أهل الثقة هم من يستطيعون أن ينفذوا السياسة العامة فى الموقع الذى تختارهم فيه دون الخروج عن الخط السياسى ، أما أهل الخبرة فهم من يعطونك الخبرة الفنية كل فى مجاله مستندين إلى النظريات التى قد تتعارض مع التطبيق العملى فى بعض الأحيان ، ربما قد لا يحقق الهدف السياسى . وعموما وفى النهاية فإن القرار دائما هو القرار السياسى ، وأن أكبر الشركات والمؤسسات فى العالم المتقدم يتولى أمورها سياسيون بالدرجة الأولى ومع ذلك فإن أهل الثقةـ حسبما أفهم ـ الذين أداروا المشاريع المصرية سواء بعد التمصير أو بعد التأميم كانوا فى الغالب يجمعون الصفتين معا كأهل ثقة وأهل خبرة فأغلبهم كانوا من المهندسين أو الأطباء أو الصيادلة وغيرهم والأمثلة على هؤلاء تنطبق على كل من : محمد صدقى سليمان ـ سليمان متولى ـ محمود يونس ـ فتحى رزق ـ عبد الوهاب البشرى ، مؤسس الصناعات الحربية والصناعات المدنية المتفرعة منها ـ أحمد توفيق البكرى ـ محمد البديوى فؤاد ـ عبد الحميد أبو بكر ـ محمد عزت عادل ـ محمد محمود نصار ـ محمد عبد الوهاب شكرى ـ فؤاد الطودى ـ محسن إدريس ـ حلمى السعيد ـ وجيه أباظة ـ كمال هنرى أبادير ـ أحمد فؤاد ـ وغيرهم الكثيرين ، كلهم أداروا مواقع غاية فى الأهمية والحساسية والتعقيد ، فماذا كانت نتيجة وحصيلة إدارتهم وقيادتهم لهذه المواقع ؟ وبعضهم ما زال حتى اليوم يدير مؤسسات حيوية وإستراتيجية فى الدولة .
ولماذا نذهب بعيدا عن حقيقة أمر فى غاية الأهمية ألا وهو سكرتارية الرئيس للمعلومات ، التى لا يستطيع أحد أن ينكر أو يناقش فى كونها كانت من أخطر وأكثر الأجهزة حساسية فى تجربة ثورة يوليو1952 أقول أن هذه السكرتارية منذ أن بدأ تشكيلها سنة 1955 وحتى مايو1971 ، لم يشغل فى أى منصب فيها على مدى التطورات التى مرت بها أى عسكرى لا من القوات المسلحة ولا من الشرطة ـ سوى سامى شرف . والضباط الأحرار الثلاثة أحمد المنياوى وبهى الدين بدر وأحمد رءوف أسعد الذين ندبوا للعمل فيها لم تتجاوز فترة ندبهم الشهور الأربعة سنة1961 وكان ندبهم لأسباب أمنية فقط ولم يكونوا من صلب الهيكل الوظيفى للسكرتارية بل كانوا يعملون من خلال مكتب السكرتارية الخاصة لرئيس الجمهورية لاستلام البريد ووضعه على مكتب الرئيس فى منشية البكرى ثم تجميع البريد بعد العرض لإعادته إلى سكرتارية الرئيس للمعلومات التى كان مقرها فى مبنى رئاسة الجمهورية فى مصر الجديدة فى ذلك الوقت ، وعندما انتقلت سكرتارية الرئيس للمعلومات إلى منشية البكرى ليلة 28سبتمبر 1961 انتفى الغرض من ندب هؤلاء الضباط لوجودى بشخصى طول الوقت فى منشية البكرى وعينوا كمعاونين للسكرتير العام لرئاسة الجمهورية بالقبة . وكان جميع العاملين فى سكرتارية الرئيس للمعلومات من الفنيين و والإداريين المدنيين .
ولقد نجحت مصر على سبيل المثال فى توفير بنية أساسية قوية وملائمة لظروفنا فى مجال الطاقة النووية اعتمادا على العناصر المصرية وحدها وبدفع وقيادة الثورة ، ونفس الوضع فى مجال التخطيط الإقتصادى والاجتماعى ، وقد جمعت كل هذه العناصر إلى جانب إخلاصها ووطنيتها خبرة ومعرفة عميقة كل فى مجال اختصاصه ، وكما يقول محمد محمود الإمام ـ أحد الأوائل الذين استعانت بهم الثورة فى مجال التخطيط مع إبراهيم حلمى عبد الرحمن واحمد على فرج ، يقول : " إن هذه الخبرات الفنية ذات القدرات العالية فى تخصصاتها كانت تنقصها الرؤية الإستراتيجية التى تحدد كيفية توظيف هذه الخبرات لصالح الوطن ككل ومن ثم كان مطلوبا من قائد الثورة أن يقدم هذه الرؤية الإستراتيجية فى كل المجالات ، وكانت تلك هى مهمة جمال عبد الناصر والمجموعة المشاركة فى تنفيذ الثورة وإرساء نظامها ، وبغير ذلك تبقى الخبرات فى إطار نظرى يجعلها مشدودة إلى مناهج دراسية تلقتها سواء من الغرب أو من الشرق دون أن تعكس ممارساتها بوضوح وصدق هموم الوطن والمواطنين . " .



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:57


ـ 4 ـ



ومع ذلك فكم من الاتهامات التى وجهت لنظام عبد الناصر ولعبد الناصر شخصيا بعد رحيله سواء بالديكتاتورية والانفراد بالقرار وإقامة نظام سلطوى أو بانتشار مقولة " أهل الثقة وأهل الخبرة " ، تعبيرا عن التفرقة بين العسكريين الذين ينتمون إلى القوات المسلحة وبين المدنيين الذين كان عليهم أن ينصاعوا لقرارات الفريق الأول فى كل الظروف . ولعل هذه الاتهامات تحتاج إلى مزيد من المناقشة الموضوعية الهادئة وأمامنا شهادات الكثيرين فى توصيف حال مصر قبل الثورة ومفهوم الحكم لدى عبد الناصر ومواقفه المتكررة من قضية الديموقراطية والديكتاتورية ربما نتعرض لها فى مواقع أخرى من هذه المذكرات . وسوف أكتفى فى هذه المرحلة بعرض شهادة الكاتب الأمريكى المشهور " ستيوارت آلسوب " التى نشرها فى جريدة " شيكاغو صن " قبل قيام ثورة يوليو 52 مباشرة حيث جاء فيها :
" إذا كانت بريطانيا قد استطاعت فيما مضى أن تحافظ على نفوذها فى مصر بحلف الباشاوات وجعلهم أصحاب نفوذ وبرشوتهم بعد ذلك ليكونوا مجرد أداة لتسهيل مصالحها الاستعمارية إلا أن هذه الطريقة لم تعد عملية ولا مجدية اليوم . إن الشعب الفقير قد أخذ يستيقظ ويشعر بالضيق الذى يلحق به . إن الحديث عن انتعاش الديموقراطية فى بلد كمصر تعيش فيه أغلبية الشعب بمعيشة أحقر من عيشة الحيوان هو مجرد لغو فارغ . إن مصر لا تحتاج إلى الديموقراطية ، بل تحتاج إلى رجل مثل كمال أتاتورك ليقوم بالإصلاحات الضرورية واللازمة للبلاد . لكن مشكلة مصر الحقيقية هى فى كيفية العثور على الديكتاتور ، فلا يوجد بين رجالها من لديه المؤهلات اللازمة للديكتاتور ." .
هذه الشهادة من كاتب غريب عن مصر وصدرت فى وقت كان لدينا فيه مؤسسات دستورية ومجلس نواب ومجلس شيوخ وأحزاب ومجلس للوزراء وقضاء شريف وصحافة تقول ما تريد ، لكن السلطة العليا كانت للإنجليز أولا ثم للملك ثم لطبقة من الباشاوات تتغلغل فى كل هذه المؤسسات وتفرض هيمنتها عليها ومن ثم جاءت العملية الديموقراطية مجرد استعراض للعضلات ومبارزات كلامية ، وفى الوقت نفسه تعبيرا عن مصالح محددة لا يمكن المساس بها بأى حال مهما كانت الظروف .
وعندما قامت الثورة وطرحت أهدافها وأعلنت مبادئها وأصرت عليها ، أعلن جمال عبد الناصر تبنيه لفكرة الديموقراطية وعودة العسكريين إلى الجيش ووقع خلاف بسبب ذلك داخل مجلس قيادة الثورة وآثر جمال عبد الناصر أن يقدم استقالته ويعود إلى بيته مؤكدا أن الانغماس فى الحكم سوف يدفع بهم إلى تقديم ديكتاتورية جديدة ، ويشرح السادات هذا الموقف بوضوح فى خطاب ألقاه فى الذكرى الأولى لرحيل عبد الناصر فى سبتمبر 1971حيث قال :
" قامت الثورة سنة52 وقبل أن تقوم الثورة للحق وللإنصاف وللوفاء كان هناك ما يسمى بالهيئة التأسيسية للضباط الأحرار تشكلت سنة1951 ، وهى التى تحولت إلى ما سمى بعد قيام الثورة بمجلس قيادة الثورة ، أما قبل قيامها فكان هناك الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار لأنه فى سنة51 استشعر جمال أن التنظيم وقف على رجليه ويستطيع الآن إنه يكون له قيادة ، ويستطيع أن إنه يبدأ ممارسة الهدف أو ممارسة عمله نحو الهدف المطلوب وهو الثورة والتغيير " .
هذه الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار ، للتاريخ ، وللإنصاف الذى جمعها وكونها هو جمال عبد الناصر. هو الآن عند ربه ولا يستطيع أى مدّعى أن يدعى أى شىء ، لكن الحقائق لا يمكن أن تغيب أو تختفى أبدا . كوّن جمال الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار كقيادة للتنظيم من قبل الثورة .. وقامت الثورة وتحولت هذه الهيئة إلى مجلس قيادة الثورة .. فى تقدير الموقف قبل قيام الثورة ، وأنا حكيت لكم قبل كدة عن قرار قيام الثورة فى 23يوليوالماضى اللى إتخذه جمال . . لما قامت الثورة فى ليلة 22ـ23يوليو، وفى صباح 23يوليو مضينا فى العمل إلى جانب جمال ، وكان لابد أن نحسم معركة الملك . . فى 26يوليوبالطريقة اللى حضراتكم لابد قريتم عنها . . تم إرسال إنذار له . . وخرج الملك فى مساء 26يوليو . . وجينا يوم 27يوليو اجتمعت الهيئة التأسيسية لأول مرة بعد نجاح الثورة وخروج الملك كمجلس لقيادة الثورة . . لم تعد هيئة تأسيسية وإنما أصبحت مجلسا لقيادة الثورة . . وكان عددنا تسعة وكان واحد متغيب ، فكنا ثمانية فى ذلك الاجتماع . أول شىء عمله جمال إيه فى الاجتماع ده ؟ تنحى عن رئاسة الهيئة التأسيسية وقال بالنص الآتى: " الآن نجحت المرحلة الأولى من مراحل ثورتنا . . أنا أجد لزاما علىّ أن أتنحى لكى تختاروا رئيسا لمجلس قيادة الثورة من جديد . " ، مع إنه كان منتخبا رئيسا للهيئة التأسيسية من قبل بالإجماع . . المعنى اللى وراء هذا علشان نعرفه ، وإنتم أجدر الناس إنكم تسجلوا هذا الكلام لأن ده بدأ هذه الثورة اللى إنتم شايلين اليوم مسئوليتها . . وإنتم الآن مجلس قيادة الثورة بتاعها . . نجحت المرحلة الأولى ، قال أبدا . . أنا بأتنحى وصمم على إجراء انتخابات جديدة بطريقة سرية . . قاومنا إحنا السبعة وقلنا ده شىء بديهى مافيش داعى ، ما إنت رئيس الهيئة التأسيسية ، وإنت رئيس مجلس قيادة الثورة . . قال : أبدا . . أنا متنحى . . نجحت المرحلة الأولى لابد من مرحلة جديدة إحنا داخلين عليها . . لابد أن نعيد الانتخابات فقد يكون لكم رأى آخر . . أجريت الانتخابات بطريقة سرية بورق مقفل . . فى مجلس قيادة الثورة فى كوبرى القبة . . وبالإجماع أعيد انتخاب جمال رئيسا لمجلس قيادة الثورة . . كانت أول مفاجأة دى فى الاجتماع لنا وإعتبرناها مفاجأة .
لكن كان فيه مفاجأة ثانية ما كناش واخدين بالنا منها خالص .. إحنا إعتبرنا أنه بإعادة انتخابه بالإجماع انتهى الأمر ، وحانقعد نتكلم إيه الموضوع ؟ الملك خرج إمبارح . . البلد فى يوم وليلة أصبحنا مسئولين عنها . . قال لأ . . فيه موضوع ثانى بيهمنى لازم أطرحه عليكم برضه إحنا ما إحناش واخدين بالنا . . قال الحكم حايمشى إزاى ؟ ديكتاتورية ولاّ ديموقراطية ؟ ما دام إنتخبتونى ريّس دلوقتى لمجلس قيادة الثورة . . قبل ما أقول بسم الله الرحمن الرحيم ، قولوا لى حا نمشى ديموقراطية ولاّ ديكتاتورية ؟ وزىّ العادة فكنا فى الهيئة التأسيسية كل واحد ياخذ الكلمة وهو آخر واحد يتكلم . . إحنا السبعة فضلنا الديكتاتورية وقلنا ما فى سبيل إطلاقا لتقويم الفساد فى هذا البلد والمظالم إلا الديكتاتورية ، ولابد من أن تقام المشانق فى الميادين العامة لخونة الشعب . . من خانوا الشعب . . السبعة . . إحنا كنا ثمانية زى ما قلت لكم وواحد كان متخلف . . السبعة وكأننا نتكلم بنص واحد . . الديكتاتورية . . ومن بكرة لابد من عملية تطهير البلد بالمشانق فى الميادين العامة .
تكلم جمال آخرنا . . الله يرحمه . . وبدأ يشرح الظروف اللى قامت فيها الثورة وأن الشعب وجد متنفس بدليل إن إحنا وإحنا مجرد طليعة من القوات المسلحة وجدنا تأييد ساحق من الشعب كله خلال الثلاث أربع أيام اللى فاتوا . . الكلام ده كان يوم 27يوليو . . طيب التأييد ده جه منين ؟ جه لأن الشعب بيحس فعلا أن هذا العمل اللى إحنا عملناه يعبر عن إرادته . . فإذا صدمنا الشعب وهو واقع تحت ديكتاتورية الأحزاب بديكتاتورية من لون جديد ألعن من ديكتاتورية الأحزاب . . والله الأحزاب كانت بتعمل حساب للملك آل وخايفة . . وكانوا إلى حد ما فى ديكتاتوريتهم ما بيصلوش إلى حدود إنما إحنا ما فيه ملك النهاردة ، وما فيه شىء أمامنا ونستطيع أن نفعل ما نشاء . . إلى أين ؟ تساءل إلى أين إذا طبقنا الديكتاتورية ؟ قال . . أبدا . . وحتى إذا إخترتم ، وإذا إخترت أنا معاكم الديكتاتورية فالانتخابات اللى إنتم عملتوها لى من ساعتين تعتبر لاغية لأن أنا بتكوينى لا أطيق أن أكون ديكتاتور لسبب بسيط لأنى لا أطيق أن يحكمنا ديكتاتور ، فكيف تطلبون منى أن أكون ديكتاتور ؟ ! .
وفى نهاية حديثه قال : إذا كان ولابد لرأيى أنا ، اللى هو رأيه هو فلنسلم البلد إلى الأحزاب كما كانت بدلا من أن نصدم البلد صدمة عمرها بأن نقيم ديكتاتورية أنكى من ديكتاتورية الأحزاب لأننا مطلقين اليد ، وفى يدنا القوة والسلاح ، فلنسلم البلد أشرف لنا ، وأن نعود لأماكننا من أن نقيم حكم ديكتاتورى بدلا من حكم ديموقراطى .
اشتد الجو وإشتدت المناقشة ولجأ البعض منا فى حدة المناقشة بعد ثلاث ساعات قالوا ناخذ الأصوات حسب اللايحة بتاعتنا . . بتاعة الهيئة التأسيسية . . قالوا ناخذ الأصوات . . خدنا الأصوات وطلعنا بسبعة ضد واحد. سبعة ديكتاتورية وواحد ديموقراطية ، اللى هو جمال عبدالناصر . . تدخلت وقلت نعيد المناقشة تانى لأن الجو كان باين واضح أنه يعنى مشدود جدا جدا جدا وكل منا له حجته وسبعة ضد واحد ، وانفعال وشباب مش زى دلوقتى . . الزمن عمل فينا اللى عمله . . كان شباب متحمس ومنفعل ديكتاتوريا .
طلبنا فتح باب المناقشة مرة أخرى بعد التصويت الأول لأنه كان واضح أنه حاننتهى إلى نهاية مش سليمة ووافق الكل على فتح باب المناقشة ساعتين ثانيتين مناقشة وفى نهاية الساعتين الثانيين بعد الثلاثة طالبوا بأخذ الأصوات سبعة ضد واحد مرة ثانية . . سبعة ديكتاتورية . . جمال بيقول لأ أنا عند رأيى . . عندئذ جمع جمال أوراقه . . المرة الوحيدة اللى تنحى فيها جمال قبل 9و10يونيو. . جمع أوراقه وقال ربنا يوفقكم بس إعلموا أن الطريق اللى بيبدأ بالدم لابد وأن ينتهى بالدم . . ولكن طبقا للايحة الهيئة التأسيسية أنا بأخضع لرأى الأغلبية وأنا ملتزم بيتى ولن آتى بأى شىء ضد الثورة ولا ضد عملكم ولكن مخلصا وكأخ و صديق أنا أقول لكم النهاردة الطريق ده حا يدمر كل شىء . . وجمع اوراقه وروّح بيته . . الكلام ده كان حوالى الساعة واحدة ونص يوم 27يوليو1952 ، فى غمرة الإنفعال والحماس اللى حصل ما حسبناش أبدا الحسبة دى إن جمال حا يسيبنا ويمشى أبدا . . أنا قلت لكم قبل كدة الهيئة التأسيسية اللى إحنا قاعدين دول اللى همّة مجلس الثورة اللى تحول لمجلس الثورة ده . . مين اللى جمعنا كل واحد على الثانى ؟ ما هوّا جمال . . مين اللى مكوّن الخلايا ؟ مين اللى يعرف الضباط الأحرار ؟ لعلمكم ليومنا هذا اللى يعلم عدد الضباط الأحرار الحقيقى . . جمال . . واللى يعلم مين خانته شجاعته ليلتها وما خرجشى . . جمال . . ولغاية ما مات ما رضاش يقول لنا على مين دول أبدا . . أبدا !
كان فيه وفاء . . كان فيه أخلاق . . كان فيه مثل . . خرج جمال وعاد لبيته ، والله وكان زى ما بيقول المثل على رؤوسنا الطير . . قلنا نفتح المناقشة من جديد . . بدأنا نتناقش خدنا لنا ييجى ساعتين لقينانا بنلف فى دايرة مغلقة . . ليه ؟ إدينا مهلة ، الملهم ، المحرك ، مع إنه فى هذا الوقت كان جمال واحد مننا ، كلنا كنا تقريبا رتبنا واحدة ، سننا واحد ، دفعاتنا كلها تقريبا واحدة ومتقاربين من بعض ، زملاء على مستوى واحد . . لسّة ما كناش أحسينا بما فيه من ملكات ، لكن جمال منذ أن كان فى الكلية الحربية له طريقة خاصة . . كان له أسلوب خاص بيربط بينه وبين زملاؤه فيه إحترام وفيه ود وفيه صداقة . لكن جمال كان دايما متحفظ عند حد معين ، كلنا كنا ضباط صغيرين نتقابل فى الميس بعد متاعب النهار ، وبعد اللى كانوا بيعملوه فينا الضباط الكبار والبعثة العسكرية الإنجليزية و. . و. . و . . بنيجى فى الميس ، ( إستراحة الضباط فى المعسكر ) ، بالليل وننطلق . جمال كان متحفظ ، مش سهل إن الواحد ياخد عليه أبدا ، هوا له حدود . لما خرج زى ما بأقول لكم وراح لبيته فعلا ولمّ ورقه وقال أنا مستقيل من كل مناصبى بما فيها الجيش يعنى خلاص قاعد فى بيتى ، لا مجلس قيادة ثورة ولا أنا ضابط فى الجيش ولا حاجة أبدا ، وإتفضلوا ربنا يوفقكم بس إعملوا حسابكم إن ده طريق سينتهى نهاية مدمرة للبلد ولكم وللكل . دخلنا فى مناقشة ساعتين زى ما قلت لكم قعدنا فى دايرة مغلقة وفجأة قفلنا النقاش .
أنا بأحكى هذا وكأنه واقع أمامى الآن . . فجأة قفلنا باب النقاش وقلنا إيه ؟ من غير المعقول إن جمال يسيبنا ويمشى ده هو المحرك الأساسى . . كان كل منا يخدم فى وحدة خارج القاهرة واللى بيخدموا فى القاهرة كانوا مشغولين فى أمورهم الخاصة ، والمتفرغ الوحيد اللى قاعد عشر سنين من 42 إلى 52 جمال عبد الناصر . . منشورات كان هو اللى بيعملها . . خلايا بيكونها . . ضباط بيتصل بيهم . . كل شىء زى الدينامو والمحرك ، وبعدين العلاقة الخاصة . . الخ والصديق والحبيب . . عندئذ عدنا إلى طبيعتنا . . تركنا هيلمان مجلس قيادة الثورة ، والثورة اللى نجحت وفاروق اللى طلعناه إمبارح ، والكلام ده كله وعدنا إلى طبيعتنا . . جمال الأخ والصديق والحبيب لازم يعود بأى ثمن ! .
البعض منا قالوا ما الحل . . قلنا الحل إيه ؟ يعود جمال وليكن ما يكون . . بعد ذلك نفكر . . قبله لازم يعود جمال . . كانت الساعة ثلاثة صباحا ، اثنين منا راحوا عنده وجابوه من بيته الساعة ثلاثة صباحا وقعّدناه على كرسيه على رأس الترابيزة بتاعة مجلس قيادة الثورة . وعدنا إلى عملنا وكأن شيئا لم يحدث على الإطلاق . عندئذ فى هذه الجلسة قررنا حكاية تطهير الأحزاب اللى إنتوا لو عدتم إلى الصحف تقرؤوها وطلبنا من الأحزاب إنها تطهر نفسها ، ودخلنا فى السلسلة الطويلة اللى انتهت بأننا فى يناير 1953 ألغينا الأحزاب وبعد المناورات اللى حصلت وعدنا بدستور بعد ثلاث سنوات وخدنا لمجلس قيادة الثورة السلطة التنفيذية والتشريعية ثلاث سنوات من سنة53 إلى 56 ووعدنا بالدستور فى 56 اللى عملناه فعل وأجزناه فى سنة56 . أنا بأحكى القصة دى علشان أقول أو اطلع منها إن جمال ما كانش شخص عادى فى وسطنا ." .
( انتهت شهادة السادات ) .


وفى أعقاب هذه الأزمة حول الديموقراطية والديكتاتورية وعودة جمال عبد الناصر إلى رئاسة مجلس قيادة الثورة تفجرت أزمات كثيرة كان محورها فى الغالب هو الصراع حول من يملك اتخاذ القرار السياسى فى الدولة ، وكان من أبرز هذه الأزمات الصدام الذى وقع بين محمد نجيب ومجلس قيادة الثورة بعد أن ثبت أن محمد نجيب يعمل على جر الثورة وحركة التغيير ككل للارتماء فى أحضان قوى النظام القديم آلتى كانت قد شكلت جبهة عمل سياسى ضمت الإخوان المسلمين والشيوعيين والأحزاب القديمة والإقطاعيين وعناصر ارتبطت بقوى خارجية ، وكذا الأزمات المتكررة التى وقعت بعد ذلك مع الأحزاب السياسية القديمة وبعض التيارات الأيديولوجية كالإخوان المسلمين والشيوعيين ، والتى عجزت عن التكيف مع أهداف الثورة ورفضت توفيق أوضاعها مع المتغيرات الجديدة ، وظلت متمسكة بنفس أساليب العمل السياسى التى كانت تنتهجها قبل 23يوليو1952 ، ساعين فى نفس الوقت إلى محاولة شق الصفوف واستقطاب بعض عناصر الثورة .
ومع نهاية 1954 كانت الأمور قد استقرت لصالح قوة الثورة بقيادة جمال عبد الناصر الذى انطلق لتحقيق الأهداف التى قامت الثورة من أجلها على الصعيدين الداخلى والخارجى ، وانطلق فى الوقت نفسه للبحث عن أهل الخبرة والكفاءة وذوى الفكر لتوفير قوة الدفع اللازمة لمخططات الثورة ، وكان المعيار الرئيسى الذى تحكم فى الاستعانة بهذه الكفاءات هو مدى قدرة الشخص على التجاوب مع الهدف الإستراتيجى والمساهمة فى إنجاحه وفقا لمواصفات المهمة المطلوبة فى كل موقع .
ولقد كان عبد الناصر حريصا منذ البداية على الفصل بين الجيش والسياسة ، ففى أكتوبر 1953 جمع عبد الناصر كل الضباط الأحرار من أعضاء التنظيم ، وكان ذلك فى مبنى كلية أركان الحرب بكوبرى القبة وقال لهم :
" من هذه اللحظة الكاكى هنا ـ وأشار بيده إلى الجانب الأيمن للقاعة ـ ، والمدنى هنا . . الكاكى يتفضل يروح الجيش لا تعرفنى ولا أعرفك . . ماليش دعوة بيك خالص ومالكش دعوة بى . . ولو تدخلت أو عملت أى حاجة ليست فى إختصاصك حا يكون فيه محكمة عسكرية . . المدنى يفضل مدنى ويلتزم بما يوكل إليه من مهام . " .
وحدثت مواجهة صريحة بين قائد الثورة وأعضاء التنظيم حول كل الممارسات ومحاولات التدخل فى السياسة ، وأصر بحسم على الفصل بين العمل العسكرى والعمل المدنى .
لقد بدأت الثورة تستعين بأهل الخبرة وذوى الكفاءات والفكر دون تفرقة بين مدنى وعسكرى ، وكان يجرى تصحيح الموقف باستمرار كلما بدت ملامح قصور ، ولم يمنع ذلك بالطبع من حدوث هذا القصور بل والانحرافات ، وهى طبيعة التجربة الإنسانية ، ولقد اعترف الرئيس جمال عبد الناصر بوقوع الانحرافات التى أكتشف بعضها فى حينه ولم يكتشف البعض الآخر إلا بعد فوات الأوان ، وأيضا أرى أن هذه أمور طبيعية لأننا كنا نتعامل مع بشر يخطئ ويصيب .




ـ 5 ـ


أمثلة لمعايير اختيار الشخصيات للمناصب الكبرى أو الوزارة :
( من واقع كروت الترشيحات التى كانت تعد وتجدد باستمرار فى سكرتارية الرئيس للمعلومات وهى محفوظة فى أرشيف هذه السكرتارية فى منشية البكرى ) .

عبد العزيز حجازى ـ اختير وزيرا سنة 1968 : ( ليس من أهل الثقة و العسكر )
اقتصادى سياسى ـ نشط ـ ديناميكى ـ ملتزم ـ لديه القدرة على تحليل الأمور بعقلية سياسية متطورة ـ برز من خلال عمله كأستاذ وعميد لكلية التجارة جامعة عين شمس ـ قاد العمل السياسى فى هذه الكلية من خلال تنظيم طليعة الاشتراكيين وبمعاونة أعضاء التنظيم فى الكلية وفى الجامعة .ـ له رؤية مستقبلية عملية وعلمية ـ قادر على العطاء وحسن الأداء ـ شخصية قيادية هادئة وحاسمة فى نفس الوقت نظيف اليد ـ من أبناء بيان 30 مارس1968ـ اختاره و أشركه عبد الناصر فى الوزارة فى 20مارس1968 لتجسيد إرادة التغيير التى كانت هى عصب ومحور بيان 30مارس .



عزيز صدقى ـ اختير وزيرا سنة 1956 : ( ليس من أهل الثقة و العسكر )
عضو مجلس الإنتاج ـ برز اسمه من خلال المناقشات والأبحاث والآراء التى قدمها وطرحها وناقشها ـ تفكيره مرتب ومنطقى فى عرض وجهة نظره بأسلوب علمى وبرؤية مستقبلية ـ له رؤية شاملة للأمور ، ولا يحصر نفسه أو تفكيره فى نطاق محدود وضيق بل كانت توصياته واستنتاجاته تغطى كافة الجوانب المؤثرة أو المتأثرة بالموضوع الذى يتناوله أو يعرضه ( يرجع لمحاضر اجتماعات مجلس الإنتاج ) ـ شخصية قيادية ـ لديه القدرة على اتخاذ القرار فى التوقيت المناسب ـ يشكل دما جديدا وشابا وعنصر تغيير للشخصيات التقليدية التى كانت تتولى المناصب الوزارية ـ اختاره وأشركه عبد الناصر فى 28يونيو1956 فى الوزارة لتولى شئون الصناعة والتعدين والبترول بتكليف إستراتيجى واضح ومحدد وهو خلق صناعة مصرية ، وقد نجح فى تنفيذ التكليف ووضع القاعدة الصناعية المصرية ، متفهما لمشاكل الجماهير، كما قام زميلاه سيد مرعى بتدعيم القاعدة الزراعية وكمال رمزى إستينو بتدعيم خطوط الأمن الغذائى كقواعد استراتيجية لأمن المجتمع المصرى .


ضياء الدين داود ـ اختير وزيرا سنة 1968 ( ليس من أهل الثقة والعسكر )
كان محاميا وأمين الاتحاد الاشتراكى فى دمياط ، وعضو مجلس الأمة ـ تابع عبد الناصر نشاطه بداية من هيئة التحرير مرورا بالاتحاد القومى فالاتحاد الاشتراكى كما تابع مناقشاته فى مجلس الأمة ـ بعد هزيمة 67 وإصرار عبد الناصر على التغيير الشامل والتقاط الكوادر الوطنية ذوى التوجه القومى ـ قادر على أن يقول لآ عند اللزوم ـ ساهم فى إنشاء ناد للفلاحين فى تفتيش زراعة الأمير محمد عبد الحليم ونجح فى إنشاء رابطة لهم للحفاظ على حقوقهم وعدم الإذعان للظلم ـ حضر ندوة فى أخبار اليوم حضرها إحسان عبد القدوس ومحمود العالم وأحمد القصبى وأحمد سعيد ومحمود أبو وافية وعلوى حافظ وعبدالمولىعطية وكان ضياء فى هذه الفترة أمينا للجنة الحريات فى مجلس الأمة ، وفى هذه الجلسة هاجم علوى حافظ الثورة ورد عليه ضياء الدين داود حول خطأ مفهومه للثورة وأبان الفروق بين الثورة بمبادئها أو بين الأشخاص ، كما وضح الفارق بين النقد للهدم من خارج صفوف الثورة والنقد من داخل الثورة انطلاقا من الإيمان بها ـ قرر عبد الناصر أن يستعين به فى موقع وزارى وكان مرشحا لتولى وزارة الدولة لشئون مجلس الأمة وبعد مناقشة الرئيس له فى جلسة المفاتحة لتولى الوزارة قرر أن يسند إليه وزارة الشئون الاجتماعية حيث تطرقت المناقشة إلى موضوع تهجير أبناء قناة السويس ووضع ضياء اقتراحات محددة ـ رشح لعضوية اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى وفاز بعضويتها بجدارة حيث حصل على 104 صوتا ـ وهكذا صعد إلى قمة العمل السياسى من خلال عمله وجهده الشخصى وحده ، فلم يكن ضمن شلة ، كما أنه لم يكن مقيم بصفة أساسية فى القاهرة فقد ظل وحتى اليوم مقيما فى قريته " الروضة " التى بدا منها عمله ونشاطه السياسى .


*محمد حلمى مراد ـ اختير وزيرا سنة 1968 ( ليس من أهل الثقة والعسكر )
فى أعقاب أحداث الطلبة بعد 1967 وفى بداية1968 كان القرار بضرورة التغيير فى الأسلوب والأشخاص والأداء ، وكان حلمى مراد رئيسا لجامعة عين شمس ـ كان عضوا فى التنظيم الطليعى للجامعة التى كانت تتبع جغرافيا منطقة شرق القاهرة التى كنت أتولى قيادتها ـ وكانت هذه الجامعة من المراكز الإستراتيجية الهامة على المستويين الفكرى والجماهيرى علاوة على أن منظمة الشباب كانت فى هذه الجامعة ذات طابع مميز ومؤثر وناجح بشكل ملفت للنظر وكان العمل السياسى يسير فى الجامعة بشكل منسجم ومتكامل بأسلوب ديموقراطى مما شكل نسيجا أو سيمفونية ناجحة ـ كان موقف حلمى مراد أثناء أحداث الجامعة وبمعاونة التنظيمات السياسية فيها متماسكا واستطاع أن يحتوى الأزمة بأسلوب ديموقراطى وكسب القاعدة الطلابية بعيدا عن الوسائل الأمنية ـ فى هذه الفترة قال عبد الناصر ما نصه فى مجلس الوزراء :
" إن الطلبة يصلون للجامعات وهم لا يعرفون القراءة والكتابة وأن كل بيت ألنها ردة جايب مدرس أو اثنين لأولاده ودى عملية لا يمكن لأحد أن يتحملها إلا الإنسان القادر ، وأنا حا أجيب واحد جامعى علشان يشوف الجامعات عايزة إية نوعية ، وإيه هى نقاط الضعف الموجودة فى التعليم العام حتى نقويه لأن المصاريف اللى إحنا بنصرفها فى المدارس والطلبة تطلع ما تعرفشى تقرأ وتكتب من الإبتدائى بعد ست سنوات تعليم .. تبقى فلوس بنرميها فى الأرض " . ـ
هذا هو المعيار الذى حكم اختيار أستاذ جامعي لمنصب وزير التربية والتعليم وانطبقت الشروط علاوة على النزاهة ونظافة اليد وقوة الشخصية ، على د. محمد حلمى مراد . ـ وفى جلسة مفاتحته لتولى الوزارة ، وهى مسجلة ، تحدث حلمى مراد ضاحكا وقال : " سيادة الرئيس أنا كنت فاكر إنى حأتعين وزيرا للتعليم العالى . " فرد عبد الناصر شارحا له وجهة نظره التى سبق أن عبر عنها من قبل ، وقال له أن التعليم الأساسى مهم وعليك يا دكتور أن تصلح المنبع بما لديك من خبرات جامعية وآراء أثرتها حول مستويات الطلبة الذين يصلون إلى التعليم الجامعى .

*بعد رحيل عبد الناصر كتب د . محمد حلمى مراد فى العدد 3234 بتاريخ16 أكتوبر1996 تعقيبا لمجلة آخر ساعة على مقال نشر فى شهر أكتوبر1996 حول حوار تم معى عن كيفية اختيار عبد الناصر لمعاونيه خاصا به واختياره وزيرا للتربية والتعليم وكيف خرج منها فقال :
"تناولتم فى نهاية الحلقة الأولى كيف اختارنى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وزيرا للتربية والتعليم فى وزارته عند إعادة تشكيلها عام 1969 وكيف خرجت منها ،وذلك وفقا لشهادة السيد سامى شرف سكرتيره الخاص . .
و تصويبا لبعض وقائع ما نشر فى هذا الشأن ووضعا للأمور فى نصابها للحقيقة والتاريخ فيما يلى بالحقائق التالية :
إن أحدا لم يفاتحنى فى شأن الاشتراك فى وزارة الرئيس عبد الناصر قبل مقابلتى له شخصيا ، ومفاتحته لى مباشرة وعلى انفراد فى شأن تولى منصب وزير التربية والتعليم فى التشكيل الجديد للوزارة التى يرأسها . . وأعتقد أن هذا الترشيح جاء نتيجة الحوار الذى دار بينه و بينى حول المظاهرات الطلابية التى اندلعت عقب صدور الأحكام فى المحاكمات العسكرية التى أجريت لبعض قادة سلاح الطيران فى الاجتماع الذى دعا إليه رؤساء الجامعات المصرية بقصر القبة .
لم يكن اعتذارى عن عدم قبول المنصب الوزارى الذى عرضه علىّ الرئيس عبد الناصر راجعا إلى رغبتى فى تولى منصب وزارى آخر ـ وهو منصب وزير التعليم العالى حسبما جاء فى رواية السيد سامى شرف بل لما أوضحته للرئيس عبد الناصر من أننى أفضل خدمة بلدى من خلال منصبى الذى أشغله وهو مدير جامعة عين شمس حيث أنه معادل فى درجته المالية لمنصب الوزير ، ويفوقه فى أنه لا يقتصر من الاختصاص على الإدارة التعليمية بل يختص بالإشراف على أكثر من مجال آخر كالإسكان بإشرافه على المدن الجامعية ، والصحة الطلابية من خلال المستشفيات الجامعية ، والاهتمام بالرياضة وتربية الشباب بالنسبة للأنشطة الرياضية والاجتماعية . هذا فضلا عن أن شاغله يتولاه حتى بلوغ سن التقاعد ولا يعتبر منصبا سياسيا مؤقتا كمنصب الوزير . . غير أن الرئيس عبد الناصر لم يقتنع بوجهة نظرى مقررا أن اختيارى للاشتراك فى الوزارة يعتبر تكليفا وليس أمرا متروكا لاختيارى حيث أنه لا يقبل ممن ينتقدون الأوضاع القائمة أن يعتذروا عند دعوتهم للعمل على تحقيق ما يطالبون به من إصلاح .
وفيما يختص بتنفيذ بيان 30 مارس الذى قمت بالمشاركة مع الدكتور عبد العزيز حجازى وزير المالية بوضع البرنامج التنفيذى له . وكلفت بتقديم تقارير دورية عما تم تنفيذه منه على مستوى الوزارات المختلفة ، فقد قدمت تقريرين غير منشورين للرئيس عبد الناصر بنتيجة قيامى بهذه المهمة ، وكنت حريصا على أن أرسل صورة من كل تقرير بصفة شخصية إلى الوزير صاحب الشأن حتى يعرف ما كتبت عن وزارته فى هذا الشأن مستندا إلى ما تلقيته منهم من تقارير حول ما قاموا بتنفيذه دون السماح بإذاعة ما احتوته هذه التقارير فى الصحف .
أما عن الحوار الذى دار بين الرئيس عبد الناصر وبينى فى جلسة مجلس الوزراء الأخير التى حضرتها ، فقد جرى حول خطابين مرسلين منى لسيادته ومكتوبين بخط يدى دون أن يطلع عليهما أحد فكان يتعلق أولهما بالخلاف الذى نشب بين نادى القضاة وبين وزير العدل وقتئذ الأستاذ السيد أبو نصير والذى كنت أنصح فيه بألا ينتهى هذا الخلاف إلى ما حدث بعد خروجى من الوزارة مما أصطلح على تسميته بمذبحة القضاء . . وكان الخطاب الثانى يتعلق باحتجاجى على منع نشر حديث صحفى كنت قد أدليت به إلى مجلة روزاليوسف حول تنفيذ بيان 30 مارس باعتبارى المكلف رسميا بمتابعة هذا التنفيذ ولم يتضمن أى مساس بأحد من السادة الزملاء الوزراء .ولكن الرئيس عبد الناصر لم يكن راضيا على مخاطبته برسائل كتابية مفضلا أن يخطر بما جاء فيها عن طريق مقابلته شخصيا أو الاتصال تليفونيا ، وخرج غاضبا من الجلسة معلنا أن التعاون معى أصبح أمرا غير ممكن. . وهو ما سوف أتناوله تفصيلا مع نشر هاتين الرسالتين التاريخيتين فى الكتاب الذى أراجعه حاليا لإصداره بإذنه تعالى بعنوان " 16 شهرا فى وزارة عبد الناصر " .
وقد امتنعت بعد هذه الجلسة لمجلس الوزراء المنعقدة فى 7/7/1969 عن الذهاب إلى مكتبى بوزارة التربية والتعليم ، غير أننى لم أر أن أرسل للرئيس باستقالة كتابية من الوزارة كما فعلت فى مرة سابقة ولم يقبلها متمسكا باستمرارى فى الوزارة ثقة منه فى شخصى ، بل وطلب منى إعلان ذلك على الملأ . . وذلك حتى لا تتكرر الاستقالات من جانبى مما قد يظهرنى بمظهر غير الراغب فى الاستمرار فى أداء رسالتى ، وحتى أعطى الرئيس الفرصة لكى يتخذ قراره بنفسه بإعفائى من منصبى موضحا أسباب الإعفاء . . وهو ما تم فى اليوم الرابع الموافق العاشر من يوليو1969 بنشر قرار إعفائى من منصبى الوزارى ولكن دون بيان لأسباب هذا الإعفاء .
إن ما ذكر على لسان السيد سامى شرف من أن الرئيس عبد الناصر كلفه بأن يكون على اتصال دائم بى بعد إعفائى من منصبى الوزارى ، وهو ما يقرر أنه كان يقوم به أسبوعيا إلى أن انقطعت عن الاتصال به فإننى لم أخطر بهذا الأمر ولم يتم عملا ولعل الأمر كان يخص شخصا خلافى ، واختلط الأمر على قائله نظرا لانقضاء ربع قرن من الزمان على ذلك . . وإن كان ذلك لا يمنع من أن أقرر أنه حرص على منحى جواز سفر دبلوماسيا للسفر إلى كافة بلاد العالم بعد خروجى من الوزارة عندما علم بعدم تمكينى من السفر إلى الخارج لحضور مؤتمر بصفتى رئيسا لاتحاد الاقتصاديين العرب وقتئذ .
توقيع ( محمد حلمى مراد )
وزير التربية والتعليم الأسبق ."



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 21:58





وقد قمت من جانبى بالرد على تعليق الدكتور محمد حلمى مراد بالرسالة التالية والتى بعثت بها لمجلة آخر ساعة ونشرت فى العدد3236 بتاريخ30 أكتوبر1996 وكان نصها :
" نشرت مجلة آخر ساعة فى عددها رقم 3234بتاريخ 16أكتوبر1996 فى الصفحة الخامسة عشر مقالا بعنوان " الدكتور حلمى مراد يكشف :

خطابان بخط يدى إلى الرئيس عبد الناصر
سبب إقالتى ."
وتضمن المقال توضيحا من وجهة نظر الزميل الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد وزير التربية والتعليم الأسبق ، الذى أكن له كل التقدير ، حول اختياره وخروجه من الوزارة وفقا لشهادتى باعتبارى سكرتيرا خاصا للرئيس جمال عبد الناصر .
وقد أخذت على نفسى ألا أرد على ما يكتب بالسلب أو بالإيجاب رغم أن كل الوقائع التى عاصرتها بتفاصيلها محفورة فى ذاكرتى وقد دونتها فى مذكراتى ، وخروجا على هذه القاعدة أحب أن أضع أمام القراء الحقائق التالية :
أولا :
لقد كان منصبى هو سكرتير الرئيس للمعلومات بدرجة وزير إلى أن عينت وزيرا للدولة .
ثانيا :
كنت مسئول تنظيم طليعة الاشتراكيين عن منطقة شرق القاهرة التى كان يتبعها أعضاء هذا التنظيم فى جامعة عين شمس ومن ضمنهم الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ، وأساتذة آخرين وطلاب أكثر .
ثالثا :
المعايير التى تم بناء عليها ترشيح واختيار الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد للوزارة هى :
كفاءته وقدراته ونظافة يده .
عضويته الفاعلة فى تنظيم طليعة الاشتراكيين .
رغبة الرئيس جمال عبد الناصر فى دفع عناصر جديدة للعمل فى قمة المسئولية السياسية والتنفيذية .
موقف الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ـ باعتباره رئيسا لجامعة عين شمس الرافض لمظاهرات الطلبة ومعالجته الأمور بطريقة سياسية .
رابعا :
إن مفاتحة الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد تمت على مرحلتين ، الأولى تمت تليفونيا منى أنا شخصيا ومن مكتب السيد على صبرى بحضور السيد شعراوى جمعة وحضر سيادته إلى مكتب السيد على صبرى فى مبنى الاتحاد الاشتراكى العربى بكورنيش النيل وكان سعيدا بالترشيح ، وبناء عليه تحدد له الساعة السابعة من مساء نفس اليوم لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر فى منزله بمنشية البكرى ، لمفاتحته رسميا .
وكان الذين سيفاتحوا فى ذلك اليوم الأساتذة الدكتور عبد العزيز حجازى عميد كلية التجارة بجامعة عين شمس فى ذلك الوقت ، والدكتور عبد العزيز كامل والدكتور محمد صفى الدين أبو العز من أساتذة جامعة القاهرة والأستاذ ضياء الدين داود ، وآخرين بعضهم لم يدخل الوزارة .
وليس من المنطقى أن يستدعى مسئول لمقابلة الرئيس فى مرحلة تعديل وزارى دون أن يكون لديه علم مسبق بذلك ، وهو ما قمنا به نحوه .
خامسا :
جلسات مفاتحة الرئيس جمال عبد الناصر لجميع المرشحين ـ والتى تمت لكل على انفراد ـ مسجلة ومحاضرها محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى .
سادسا :
تمت ثلاثة مواجهات بين الرئيس جمال عبد الناصر والأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد فى جلسات ثلاثة لمجلس الوزراء ـ وهذه الجلسات مسجلة ومحاضرها محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى ـ علاوة على أن أغلب شهود هذه الجلسات من الزملاء الوزراء على قيد الحياة ـ أطال الله فى أعمارهم ـ وهم على سبيل المثال الأساتذة :
الدكتور عزيز صدقى والدكتور عبد العزيز حجازى والدكتور محمد صفى الدين أبو العز والسيد أمين حامد هويدى والسيد محمد فائق والفريق أول محمد فوزى والسيد ضياء الدين داود .
كما سجل هذه الجلسات بخط يده السيد عبد المجيد فريد .
والذين أتمنى أن ينشطوا ذاكرة الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد حول ما دار فى هذه الجلسات .
سابعا :
أحد السادة الوزراء ـ وهو حى يرزق ـ اصطحب الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد إلى حديقة الميريلاند بمصر الجديدة بعد أول مواجهة فى مجلس الوزراء ونصحه فى حديث طويل تناول الأسلوب الذى يتعامل به الوزراء فى مجلس الوزراء إما مع الرئيس أو مع الزملاء الوزراء من أعضاء مجلس الوزراء .
ثامنا :
الأستاذ محمد حسنين هيكل كان يجلس معى فى مكتبى بالقصر الجمهورى بالقبة واستمع إلى ما دار فى هذه الجلسات وأخذ نقاط كاملة بما دار فيها .
تاسعا :
النقاط التى دارت حولها المواجهات بين الرئيس جمال عبد الناصر والأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد تتركز حول العناصر الآتية دون ما الدخول فى تفاصيل أحتفظ بها للوقت المناسب :
الحد من الدعاية الشخصية من جانب السادة الوزراء ولتتحدث الأعمال .
( وفى أول مواجهة لم يسمّ الرئيس جمال عبد الناصر أحدا بالاسم ، وإن كان جميع الحضور فهموا من هو المقصود ) .
عدم إفشاء أسرار ما يدور فى قاعة مجلس الوزراء تحت أى مسمى وبأى وسيلة .
لقد كان الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد من أكثر الوزراء الذين يتصلون بالرئيس جمال عبد الناصر تليفونيا وربما أكثر من مرة فى اليوم الواحد ، بالإضافة إلى المقابلات الرسمية والغير رسمية وفى منزل الرئيس بمنشية البكرى .
استخدام بعض وسائل الإعلام كوسيلة لفرض آراء أو الترويج لوجهات نظر بعينها .
ضرورة التنسيق العرضى بين الوزراء وخصوصا الذين كانوا أعضاء فى لجنة متابعة تنفيذ بيان 30 مارس .
والأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد استخدم أسلوبا حزبيا قديما بأن اتخذ من هذه اللجنة وسيلة لمراقبة أعمال زملائه الوزراء ومهاجمتهم .
عاشرا :
التقرير الذى تقدم به الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد متعلقا بالأوضاع فى نادى القضاة كان خارج إطار تكليفات مجلس الوزراء بل كان تكليفا خاصا وكان إجراء تطوعيا من جانب الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ووافق عليه الرئيس جمال عبد الناصر .
حادى عشر :
لقد كان باب الرئيس جمال عبد الناصر ومكتبه مفتوحين فى أى وقت وفى أى ساعة لمقابلة الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ، كما كانت تعليمات الرئيس للسيد محمد أحمد السكرتير الخاص للسيد الرئيس ، ولى شخصيا أن يتم توصيل أى مكالمة يطلبها هو أو غيره من الوزراء مع الرئيس .
ثانى عشر :
الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد كان قد أسرع فى الوصول إلى مكتبى فى منشية البكرى طالبا مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر عقب انتهاء جلسة مجلس الوزراء و التى قال فيها للأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد " أن التعاون معه أصبح غير ممكنا " .
ثالث عشر :
كلفنى الرئيس جمال عبد الناصر فى نفس الليلة بالاتصال بالأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد وقد طلبته فى صباح اليوم التالى ، ولكنه لم يكن متواجدا بمنزله وتم الاتصال به فى منزل المرحوم الأستاذ أحمد حسين وأبلغته بأن الرئيس أمرنى بمداومة الاتصال به ، واتفقنا على اللقاء يوم الأحد التالى وتم فعلا هذا اللقاء ، ثم انقطع سيادته إلى أن أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارا بإسناد الإشراف على الرسائل الجامعية فى جامعة عين شمس للأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد ، كما صدرت التعليمات لوزارة الخارجية لمنح سيادته جواز سفر دبلوماسى .
رابع عشر :
أما ما أشار إليه الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد من خطابات بعث بها للرئيس جمال عبد الناصر فإنى آمل أن تكون موثقة ، فالمعروف أن أى أحد يستطيع أن يدعى أنه بعث برسالة لأى شخص ليسجل بها موقفا الآن وبعد مرور ربع قرن دون ما يتوفر لديه ما يثبت صحة هذه الرسالة فى ذلك الوقت .
خامس عشر :
أخيرا فإنى بتأكيد ما سبق ، أعتقد أننى قد وضحت كثيرا من الأمور التى لم يتناولها الحوار الذى أجراه معى الأستاذ عبد الله إمام والذى صدر فى شكل كتاب " كيف كان عبد الناصر يحكم مصر " ، والذى لم يشمل كل الوقائع ولا كل التفاصيل ، فإنى أعتبر أن باب التعليقات فى هذا الأمر من جانبى منتهيا ـ فى المرحلة الحالية ـ بهذا الإيضاح .
كما أرجو أن أكون قد وضعت أمام الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد بعض الحقائق التى ربما يكون قد نسيها لطول المدة .
ومع كل تقدير للزميل الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد
أرجو أن أكون قد وفقت فى الإيضاح .
توقيع ( سامى شرف )
وزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق
مصر الجديدة فى23أكتوبر1996 ."

وقد عقب الأستاذ الدكتور محمد حلمى مراد على ردى عليه بقوله : " إن السيد سامى شرف ما زال يتمتع بذاكرة قوية جدا ، وما كنت أعتقد أنه ما زال يذكر هذه التفاصيل بعد هذه المدة الطويلة . " .

ملحوظة من المؤلف :
ولسوف يجد القارئ الكريم فى الملحق الوثائقى صورة من توجيه فى شكل كتاب دورى أصدره الرئيس جمال عبد الناصر حول ميل بعض الوزراء للتحدث إلى الصحف بطريقة مبالغ فيها ولأهداف الدعاية الشخصية ، وحدد فى هذا التوجيه كيفية التعامل مع أخبار الوزارات بشكل واضح .




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 22:04



ـ ثالثا ـ


آليات صنع القرار وهياكله


شهدت الفترة من 1952 وحتى يناير1956 سيطرة كاملة من جانب مجلس قيادة الثورة على عملية صنع القرار فى مصر حيث كان فى حالة اجتماع شبه مستمر ويطرح عليه و يناقش كل القضايا الداخلية والخارجية بكل التفصيلات حتى الصغيرة منها ، ويفرض أيضا إشرافه المباشر على تصرفات مجلس الوزراء وبعض المؤسسات الأخرى فى الدولة ، وكان لجمال عبد الناصر دور متميز فى توجيه هذه العملية بحكم ثقله بين باقى الأعضاء وقيادته المتفردة للثورة ، كما كان لبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين يتولون مناصب وزارية دورا مهما فى دفع العمل التنفيذى ووضع مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

أما بعد يناير 1956 ، وبعد إقرار الدستور أصبحت عملية صنع القرار تتخذ شكلا مؤسسيا بدرجة أكبر خاصة بعد أن توزع عدد كبير من أعضاء مجلس قيادة الثورة على بعض المواقع التنفيذية بما فى ذلك عضوية مجلس الوزراء .
كانت مؤسسة الرئاسة بمثابة المطبخ السياسى الأول والأكبر فى نظام عبد الناصر ، فمنها تنطلق الأفكار والمقترحات وإليها تصدر التوجيهات بإعداد تقديرات الموقف ، وبواسطتها يتم بلورة كل الرؤى الصادرة عن مختلف المؤسسات الدستورية فى الدولة فضلا عن اتجاهات الرأى العام والمساهمات الخاصة لبعض كبار المفكرين والإستراتيجيين .
وكانت هذه المؤسسة تعمل وفقا لروح الفريق ، وأخذت تتطور وتنمو تدريجيا منذ عام 1955 قبيل صدور الدستور ، وتولى جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية ، وسوف أتتناول فيما يلى المسارات المختلفة لعملية صنع القرار بعد أن تعرضت بالتفصيل لدور مؤسسة الرئاسة فى الفصل السابق ، كما أرجو الرجوع إلى ما أوردته فى فصل التنظيم السياسى حيث يعتبر مكملا ولا يتجزأ عن عملية اتخاذ القرار لما حوته مناقشات الرئيس عبد الناصر مع كافة تنظيمات الاتحاد الاشتراكى من المؤتمر العام إلى اللجنة المركزية إلى اللجنة التنفيذية العليا ، حول القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية وكيفية معالجة السلبيات ودعم الإيجابيات واتخاذ القرارات بعد المناقشة الديموقراطية المستفيضة لهى تعبير عما كانت تجسده تجربة عبد الناصر الإنسانية .
والملحق الوثائقى يشمل بعضا من محاضر جلسات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى والتى توجد لدى مضابطها كاملة ، وهى واحد وثلاثون جلسة ، بما فيها بعض المحاضر التى اعتبرت سرية ولم تفرغ شرائط تسجيلها لسريتها فى ذلك الوقت ، ولكنى أدعو بل ألح على الباحثين ومن يريدون معرفة الحقيقة ومن يدعون أن تجربة عبد الناصر كانت فردية وأحادية اتخاذ القرارات ، أدعو كل هؤلاء لقراءة هذه المحاضر قراءة مدققة للحكم على هذه التجربة .




دور مجلس الوزراء فى نظام عبد الناصر


لم يكن مجلس الوزراء كما يتصور البعض ـ من واقع الكتابات اللاحقة لرحيل الرئيس جمال عبد الناصر ـ يضم مجموعة من السكرتيرين المساعدين لعبد الناصر أو المنفذين لكل ما يرد إليهم من مؤسسة الرئاسة ، بل على العكس كان عبد الناصر يعتبره المطبخ السياسى الأول والأوسع لكل القرارات والسياسات الكبرى التى تخدم مسيرة التنمية فى جوانبها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أى بالمفهوم الشامل لكلمة التنمية .
إن قيادة الثورة بحكم التطور الطبيعى للأمور كانت تتولى طرح الرؤية الإستراتيجية البعيدة ويقوم مجلس الوزراء بترجمة هذه الرؤية إلى سياسات وإجراءات بعد أن يتم عرض ما يستحق العرض منها على مجلس الأمة ومواءمتها مع القانون والدستور . وكان مجلس الوزراء من جانبه يحيل إلى رئاسة الجمهورية أية صعوبات سياسية قد تواجهه ويستدعى بالتالى تدخل الرئاسة سواء لتصحيح المسار أو توفير الموارد أو فتح قنوات للتعامل والدعم الخارجى تخدم فى احتواء هذه الصعوبات .
ويجب أن أقرر هنا أن قرار السياسة الخارجية كان يخضع بالكامل لإرادة جمال عبد الناصر وفريق العمل المصاحب له سواء كان هذا الفريق يضم قيادات ثورة يوليو أو مؤسسة الرئاسة أو وزارة الخارجية أو المخابرات العامة ، وكانت المبادئ العامة التى أرستها الثورة فى التحرر وعدم الانحياز وبناء النظام الإقليمى العربى النشيط وممارسة دور متميز لمصر على الصعيدين الإقليمى والعربى والعالمى ، كانت تتمثل فى مجموعها المرجعية الفكرية لعمل هذا الفريق .
ولا أذكر أنه وقعت صعوبات أو تصادمات بين أجنحة هذا الفريق مهما كانت مواقعها أو انتماءاتها ، وعندما بدا فى الأفق احتمال وقوع هذه الصعوبات عندما تولى محمود رياض وزارة الخارجية وكان فى الأصل جزء من مؤسسة الرئاسة قبلها ، تم الاستجابة لطلبه بإلغاء عدد من المكاتب الاستشارية الملحقة بمكتب الرئيس فيما عدا مكتب الشئون الإفريقية الذى كان يتولى مسئوليته محمد فائق وآثر الرئيس استمراره فى العمل تحت إشرافه المباشر حتى يكفل له الديناميكية اللازمة .
ومن نفس المنطلق ـ الإشراف المباشر على السياسة الخارجية ـ كان لجمال عبد الناصر صلات مباشرة مع عد من السفراء المصريين فى عدد من العواصم المهمة يتلقى منهم ويبعث إليهم بتوجيهاته من خلال وسيلة اتصال مباشرة مع سكرتير الرئيس للمعلومات ، كما كان يلتقى بهم فى جلسات مطولة فى بيته كلما حضر واحد منهم للقاهرة سواء للتشاور أو فى إجازة ، كذلك كان له مبعوثيه الشخصيين وقنواته الخلفية التى سيأتى الحديث عنها فيما بعد .
( الملحق الوثائقى يتضمن بعض من هذه الرسائل التى كان يتم تبادلها بين بعض السفراء وبين سكرتير الرئيس للمعلومات سامى شرف )
وكانت هذه العمليات المتعلقة بالسياسة الخارجية تصب كلها لصالح المواطن المصرى فى الداخل سواء فى خدمة عملية التنمية أو تأمين كرامته فى الداخل أو فى الخارج أو تدعيم سيادة مصر واستقلالية قرارها .
وهو نفس الوضع الذى يجرى تطبيقه فى غالبية دول العالم ويستمر العمل به فى مصر حتى اليوم .
أما قرارات السياسة الداخلية فقد كان مجلس الوزراء مسئولا عنها بالكامل ، وكان دور مؤسسة الرئاسة يقتصر على المهام الثلاثة التالية :
الأولى : بلورة الرؤية واقتراح السياسات ومواءمتها مع احتياجات البلاد وتوافقها فى الوقت نفسه مع النظم القانونية السائدة ثم الانتقال بها إلى مجلس الوزراء لتوسيع نطاق البحث وتحويلها إلى مشروعات قرارات تتسق والخطة العامة للدولة قبل أن يتم تحويلها بالتالى إلى مجلس الأمة أو تحويلها إلى إجراءات تنفيذية إذا كانت تندرج ضمن الاختصاص الدستورى للسلطة التنفيذية .
المهمة الثانية : هى نقل الواقع المعاش فى الشارع المصرى سواء كان فى شكل مردود السياسات المتبعة ومضاعفاتها على أحوال المواطنين النى وضع لها نظام محكم بحيث يتم من خلاله تحويل الشكاوى الفردية إلى سياسات تخدم أكبر عدد من المواطنين ، يضاف إلى ذلك الجولات الميدانية التى كان يقوم بها عبد الناصر للإطلاع المباشر على أحوال الناس واتخاذها وسيلة لتوفير الإنذار المبكر لأية أزمات أو احتمالات قادمة .
والمهمة الثالثة : كانت متابعة تنفيذ السياسات والقرارات فى مختلف المواقع ، وكانت سكرتارية الرئيس للمعلومات هى المكلفة بهذه العملية تحت الإشراف المباشر بل وتوجيه الرئيس جمال عبد الناصر كما سبق أن أوضحت . كما كانت أجهزة المخابرات العامة والرقابة الإدارية والجهاز المركزى للمحاسبات تلعب دورا مهما فى هذا المجال ، وخاصة فى مجال كشف أى صور للقصور أو الفساد فى أجهزة الدولة ، وينسحب نفس الكلام على كل من جهاز مباحث الأموال العامة والجهاز المركزى للمحاسبات .
وسوف أتعرض فى هذا الجزء إلى عدة أشكال من صنع القرار ونماذج لها ، وهى الاحتكاك الميدانى المباشر واجتماعات مجلس الوزراء والقنوات الخلفية .







التحرك الميدانى المباشر والتواصل مع الجماهير



استخدم الرئيس جمال عبد الناصر وسيلة التواصل المباشر مع الجماهير والتعرف على نبض الشارع المصرى ومطالبه وتطلعات رجل الشارع العادى فيما يمكن أن نسميه " بالديموقراطية المباشرة " ، وهى تنبع أساسا من نشأته الأولى فى أوساط الطبقة الفقيرة فى المجتمع ، والتى لم تتمكن من توصيل صوتها إلى صناع القرار فى عهود ما قبل الثورة وتركت فريسة لمجموعة من الإقطاعيين أو كبار الملاك أو كبار الموظفين وقادة الأحزاب بحيث لا يثبت وجودها إلا فى فترات الانتخابات واحتدام الصراع الحزبى والتى كان يغلب عليها فى معظم الأحوال سمات الزيف والخداع .
لقد تحدث عبد الناصر منذ اليوم الأول للثورة عن هذه الطبقة باعتبار أن إصلاح أحوالها يمثل الهم الأساسى للحركة الجديدة ، وكان يستقى معلوماته عن أحوال الفقراء وعامة الشعب من مصادر متعددة . وأول هذه المصادر كان يتمثل فى الجولات الميدانية التى كان يقوم بها منفردا دون أى ترتيب مسبق . فقد كانت تعليماته الصريحة والمشددة تقضى بعدم مصاحبة أية حراسة له فى هذه الجولات وعدم إبلاغ وزارة الداخلية بتحركاته الخاصة هذه التى كانت تتم أيضا بركوبه سيارة خاصة صغيرة يقودها بنفسه فى كل الأحيان وكانت فى أغلب الجولات الميدانية هذه تتم فى سيار نصر 1100 .
عندما كان عبد الناصر يقوم بهذه الزيارات الميدانية كنت اجلس فى مكتبى ومعى شعراوى جمعة فى حالة من القلق والتوتر إلى أن يعود إلى منشية البكرى ، ويبدأ فى إصدار تعليماته وفقا لما أطلع عليه خلال الجولة .
وكان الرئيس جمال عبد الناصر يقول إن أية هموم يمكن حلها فى مجلس الوزراء أو فى مجلس الأمة أو من خلال العلاقات الدولية ، ولكن هموم المواطن العادى ومشاكله لن تحل من خلال التقارير ، وهذا ما كان يدفعه للنزول إلى الشارع بنفسه فى سيارة عادية خاصة من النوع الصغير والتى يصعب التعرف عليه داخلها وكان يختار مناسبات معينة للقيام بمثل هذه الجولات كالأعياد الدينية أو شم النسيم أو خلال سهرات شهر رمضان أو مع بدء العام الدراسى وهكذا ، وذلك ليجوب المناطق الشعبية دون برنامج مسبق ليتابع بعينيه وبنفسه تصرفات وسلوكيات الرجال والشباب والأطفال والنساء وملاحظة ملابسهم ونوعياتها وألوانها وتعبيرات الوجوه وألعاب الأطفال ( المراجيح مثلا وغيرها ) ، ويقارن بين المناسبات وبعضها وماذا كان عليه الحال فى العام الماضى ، وكذا يرصد موقف الشرطة والجهات الإدارية من الجماهير وبصفة خاصة من الباعة الجائلين .
كان من بين ملاحظاته على سبيل المثال قوله : " السنة دى البنات لابسين فساتين ذات ألوان زاهية بعكس السنة اللى فاتت كان لونها غامق فى الغالب ، وكانت هذه الملاحظة تندرج تحت بند قياس الحالة المعنوية للشعب . . مراجيح الأطفال تحتاج لرقابة أكثر حتى لا تقع حوادث . . يجب تشجيع زيادة ألعاب الأطفال وخاصة الكورة الشراب فى الأماكن المفتوحة والساحات الشعبية ومراكز الشباب وعلى التنظيم السياسى أن يرتب لها مسابقات وينظم هذه الرياضات بين الشباب . . الساحات الشعبية فى حاجة إلى تنظيم ودعم وكذا وكذا . .
وفى إحدى الجولات وعند تقاطع شارع رمسيس مع شارع الملك ( مصر والسودان حاليا ) حدث أن استوقفته إشارة المرور وتصادف أن وقف إلى جواره سيار تاكسى تعرّف سائقها على عبد الناصر فحياه بتلقائية ودون أن يدرى هتف بصوت عال بحياة الرئيس مما لفت أنظار باقى السيارات والمارة فى الشارع وكانت مظاهرة . . الكل يحاول أن يحييه ويسلم عليه يدا بيد وكادت حركة المرور أن تتوقف فى هذه المنطقة المزدحمة . . ولم ينقذ الموقف إلا مرور إحدى سيارات شرطة النجدة فتولت فتح الطريق أمام سيارة عبد الناصر حتى وصل إلى منشية البكرى ومن خلفه عدد من السيارات الخاصة والتاكسى الأخرى التى أصر أصحابها على مرافقته وكأنه موكب رسمى ولكنه كان موكبا شعبيا كله حب وأحاسيس دافئة .
وفى كثير من الأحيان كان عبد الناصر يميل إلى استقاء معلوماته من مصادرها الأصلية . ففى أحد الأمسيات وعلى الخط الساخن اتصل بى وكلفنى بجمع عينات من أرغفة العيش التى يتم إنتاجها من المخابز التابعة للدولة ، وأن يتم هذا التجميع من مناطق مختلفة من مدينة القاهرة ، وقد قمت فعلا وبواسطة عناصر من التنظيم الطليعى بتجميع العينات المطلوبة من مصر الجديدة والوايلى والزيتون والمطرية وشبرا وروض الفرج والدرب الأحمر وحلوان ، وفى اليو م التالى كان موعد الاجتماع الدورى لمجلس الوزراء وقد افتتح عبد الناصر الجلسة بقوله : " أنا عندى صورة واضحة تماما عن حياة الموظف العادى لا لبس فيها ولا نقاش . الناس تعبانة فى بند اللبس وبند الأكل وبند الإنتاج الصناعى الذى يستخدمه المواطن العادى . . ثم طلب الشنطة التى كانت تحوى عينات العيش ووضعت على مائدة الاجتماعات أمام الوزراء ثم التفت عبد الناصر إلى وزير التموين كمال رمزى إستينو وسأله مستنكرا : " تقدر تأكل الرغيف ده يا دكتور كمال ؟! " .
فرد الوزير : " لا يا ريس ."
فقال له الرئيس : " ما هوا ده اللى بتطلّعه مخابزك . . وإذا كنت لا تقبل أن تأكله وأنا لا أقبل بالتالى فكيف بالله عليك تقبل إن الناس تأكله . . البنى آدم العادى بيشترى كام رغيف فى اليوم ؟ على الأقل عشرة أرغفة فى المتوسط إن لم يزد . . هل هذا رغيف عيش يؤكل ؟ ـ عارضا الرغيف على الحضور ـ . . يا دكتور كمال . . عندك 48 ساعة لتصحيح هذه الأوضاع ، وإلا سأضطر لاتخاذ قرارات بنفسى لتصحيح الأمر .
وحدث أن قل المعروض من الحلاوة الطحينية فأثار عبد الناصر الموضوع فى إحدى جلسات مجلس الوزراء قائلا للوزراء المختصين : " يا إخواننا الراجل الفقير حا ياكل إيه ؟ رغيف العيش وحتة الحلاوة وحتة الجبنة . . مش كدة ولاّ إيه ؟ طيب إذا عجز الحكم عن توفير تقديم الجبنة والحلاوة الطحينية للناس فعلينا أن نروّح ونتخلى وييجى غيرنا يحكم !" .
وفى إحدى جلسات مجلس الوزراء التى تصادف انعقادها مع بدء العام الدراسى التفت عبد الناصر إلى الدكتور عزيز صدقى وزير الصناعة فى ذلك الوقت قائلا له : " يا دكتور عزيز السنة الدراسية بدأت .. وأسعار الملابس يا دكتور عزيز المنتجة محليا خيالية ، ونار زى الناس ما بتقول وبيكتبوا لى فى جواباتهم ! مين يقدر يشترى الفانلة بجنيه ؟! ثم استفسر تفصيلا عن أسعار باقى كل ما يلزم الطلبة والطالبات من ملابس مثل البلوفرات والقمصان والمرايل والبنطلونات والجوارب والجزم والأدوات المدرسية من أقلام وكراريس وكتب وغيرها . . إزاى يبقى سعر البلوفر جنيه أو جنيهين . . والشراب ربع جنيه والقميص خمسين قرش .. يعنى لو واحد عنده خمسة أولاد حايحتاج لعشرين جنيه أو ثلاثين جنيه لشراء بلوفرات وشرابات فقط !! كيف يحدث هذا ؟ وكام حا يدفع الموظف علشان يشترى هدوم ولبس وجزم ومساطر واساتيك وكراريس الخ لأولاده وبناته لدخول المدارس؟ . . إن لم تعمل على تخفيض أسعار المنتجات دى أنا حا أضطر إنى أعمل اتفاقية مع الصين لاستيراد الملابس منها حا تكون أرخص من ملابسك وكمان حا أدخل كرئاسة دولة منافس لك فى إنتاجك و حا أرفع الدعم اللى بنديهولك . . عليك أن تحسن الإنتاج وتخفض الأسعار . . وبالمناسبة الناس اللى قادرة تبقى تفتح لهم فرع خاص فى ميدان سليمان باشا وتستورد لهم المنتجات الأجنبية اللى هما عايزينها ! " .
ثم التفت إلى وزير التربية والتعليم قائلا : " عايزك تحد من تغيير ملابس الولاد والبنات كل سنة لأنها عملية مكلفة وبتشكل أعباء كبيرة على الآباء وعلى الطبقات الفقيرة ." .
كان عبد الناصر يهتم بصفة خاصة جدا بالحالة التموينية والإحتاطيات المتوفرة من السلع الإستراتيجية والضرورية ، وكان هناك تقريرا يعد يوميا يعرض عليه ويوضح الموقف التموينى والمخزون والاحتياطى من هذه المواد والسلع وبصفة خاصة :
القمح ـ الدقيق ـ السكر ـ الحلاوة الطحينية ـ الجبن ـ الأرز ـ العدس ـ الصابون ـ الشاى ـاللحوم ـ الزيوت ـ زيوت التشحيم ـ البنزين ـ السولار ـ … الخ .
وفى ضوء هذا التقرير يتخذ القرارات الفورية لتدبير الموارد اللازمة من عملات محلية أو عملات صعبة لتغطية أى أوجه نقص فى هذه السلع والمواد ، وكانت القاعدة هى الاحتفاظ برصيد من القمح ( رغيف العيش ) يكفى لثلاثة شهور على الأقل ، وكان يوجه تأشيراته للوزراء بناء على هذا التقرير ومن نماذج ذلك على سبيل المثال :
" وزير التموين لشراء أو للتعاقد على كذا طن قمح مثلا أو أى سلعة أخرى قد يكون مخزونها قد بدأ يتجه نحو النقصان عن المعدل المعقول للاستهلاك أى بالسالب " .
" وزير الصناعة مخزون البترول لا يكفى وعليك زيادة الإنتاج مثلا أو التعاقد على كذا وكذا .. أو العمل على استيراد كذا وكذا من الخامات أو مستلزمات الإنتاج .. الخ . " .
وكان يتم إبلاغ هذه التأشيرات فى نفس اليوم بالاتصال التليفونى مع الوزير المختص ثم تؤيد هذا الحديث التليفونى بخطاب . وفى بعض الأحيان كان الوزير المختص يتحاور مع الرئيس تليفونيا حول وضع معين ، والعكس صحيح من جانب الرئيس للوزراء دون ما انتظار لانعقاد جلسة مجلس الوزراء العادية ، ثم يصلان إلى حل لينفذ ، ودائما كانت هذه الاتصالات التليفونية أو الحوار التليفونى بين الرئيس وأى وزير أو العكس يؤيد ما تم الاتفاق عليه بخطاب مكتوب يصدر من سكرتير الرئيس للمعلومات إلى الوزير المختص ، ونماذج هذه الخطابات يمتلئ بها أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات فى منشية البكرى . وفى الوقت نفسه كان عبد الناصر يحث المسئولين على الاتصال به أو طلب مقابلته بلا تردد أو خجل وذلك لبحث ما لديهم من مشاكل أو مسائل هامة أو عاجلة قبل أن تتعقد الأمور فيما لو تركت المشاكل معلقة أو تنتظر انعقاد الجلسات العادية لمجلس الوزراء ، وكان جمال عبد الناصر يقول للوزراء جميعا فى هذا الصدد : " لا تتردد فى الاتصال بى فى أى وقت أو تطلب لقائى . . وإن ما لقيتش سامى فعندك محمد أحمد . . كما أنه كان يوجد طوال الوقت خط ساخن وشبكة اتصال تليفونية مباشرة بين الرئيس وجميع الوزراء P A B X .
وبرغم بعض الظروف التى كانت تخضع لضغوط سياسية معينة من الخارج فإنه لم يحدث أى عجز فى المواد التموينية الرئيسية وكانت السيطرة كاملة على الأسعار فى السوق المحلية طول الوقت .
كان من ضمن التقارير الدورية ما يتعلق بالصحة العامة للمواطنين ومدى توافر الأدوية والأمصال والعلاج فى المستشفيات الحكومية بالمجان وأعنى كلمة بالمجان بمعنى لا رسوم ولا تمحيكات بيروقراطية أو مكتبية أو إدارية تحت أى مسمى لتحصيل مليم من اى مواطن تحت بند العلاج فى المستشفيات الحكومية . وكانت أغلب الدول العربية والإفريقية علاوة على بعض الدول الآسيوية كذلك ، تعتمد على إنتاج مصر من الأمصال والأدوية وقد اشتهرت برخص ثمنها وجودة إنتاجها منافسة بعض المنتجات الأوروبية والأمريكية لدرجة أنه كانت هناك محاولات كثيرة للتجارة الغير مشروعة فى هذه الأدوية والأمصال بواسطة بعض المهربين الدوليين ولكن كانت هذه المحاولات تفشل فى مهدها .
وفوق كل هذا وذاك فقد كان عبد الناصر يضع تحت يده دائما نوتة " لوس ليف " يدون فيها ملاحظاته وأهم توجيهاته وتعليماته للوزراء والمسئولين ولنا كمعاونين ليعود فيتابع السؤال بعد فترة زمنية عن ما تم تنفيذه وأسباب عدم التنفيذ وتذليل أى عقبات قد تحول دون إتمام ما أتفق عليه من قرارات وسياسات وتعليمات كما كانت تتم عملية متابعة للمتابعة أيضا بعد فترة زمنية أخرى يقدرها هو أو يكون قد أعطى تعليمات محددة للتنفيذ فى زمن معين فيعود لمتابعة المتابعة من خلال الاتصال المباشر أو من خلال تكليف سكرتير الرئيس للمعلومات بمتابعة المتابعة للتنفيذ . وكان يوجد ، بهذه المناسبة ، سجل مطبوع لدى السكرتارية يدون به ملخص للموضوع والتاريخ والتأشيرة التى أمر بها الرئيس ثم كانت هناك خانات أخرى للمتابعة ومتابعة المتابعة وعندما يتم التنفيذ بشكل نهائى يسجل كتابة وتقفل صفحة الموضوع بعد إبلاغ الرئيس بذلك . أما إذا ظل الموضوع معلقا ولم يتم التنفيذ بعد ذلك فكنت أحرر مذكرة منفصلة للرئيس موضحا بها تفاصيل الخطوات التى تمت والتى حالت ظروف معلومة أو مجهولة دون تنفيذها ليقوم الرئيس بمحاسبة المسئول لتحديد أسباب التأخير أو عدم التنفيذ وذلك فى إطار محاولة لإيجاد حل للمشكلة أو تعرض على مجلس الوزراء أو يصدر لحلها تشريع مثلا وهكذا . وقد حدث فى أكثر من مرة أن فوجئت بتليفون من عبد الناصر ليسألنى عن الموضوع الفلانى الذى عرض عليه من قبل وليستفسر منى عما تم أو ليقول لى مثلا فى صفحة ثلاثة من الموضوع الفلانى كان مكتوب كذا وكذا اعرضه على مرة ثانية لإعادة بحث هذه النقطة ـ ويكون هذا نتيجة ظروف جدت تستدعى إعادة النظر بشكل جديد فى موضوع سبق عرضه واتخذ فيه قرار محدد .
وسوف أعرض على القارئ الكريم فيما يلى نماذج من تأشيرات وملاحظات وتوجيهات سجلها الرئيس جمال عبد الناصر وصدرت إلينا كتعليمات أرسلت للوزراء المعنيين كل فى مجال اختصاصه ، وقد شملت العديد من القطاعات كالاقتصاد والإعلام والسياسة الخارجية والصناعة والتموين . . الخ




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 22:06



الرسائل والشكاوى


فإذا ما انتقلنا إلى مدخل آخر من مداخل اتخاذ القرار اعتمادا على المعلومات من مصادرها الأصلية تبرز أمامنا الأهمية التى كان يوليها عبد الناصر لخطابات المواطنين ليس فقط تلك التى تمتلئ بالإشادة والتمجيد ، وإنما بصفة خاصة تلك التى كانت تحمل شكاوى أو تظلمات أو انتقادات لسياسات الحكم أو حتى أقوال أو تصرفات عبد الناصر أو أى من المسئولين فى الدولة .
وكما قلت فقد أنشئ مكتب خاص يتلقى هذه الرسائل من كافة أنحاء البلاد ومن الخارج أيضا ـ وقد تم إنشاء هذا المكتب منذ الأيام الأولى للثورة وتطورت واجباته ومهامه على مدى الأيام بعد ذلك سواء من ناحية المكان أو الإمكانات أو الهيكل الإدارى للعاملين فيه والاختصاصات والتبعية الفنية والإدارية على مدى ثمانية عشر عاما كما اتضح فى كروكيات تنظيم الرئاسة ـ وكان هذا المكتب يقوم بترتيب هذه الرسائل وتصنيفها وفقا لما تحتويه من موضوعات ليتم عرضها على الرئيس بشكل دورى منتظم أسبوعيا أو منفردا إذا اقتضى الأمر وكان الموضوع ذو أهمية خاصة ، وكان الرئيس كثيرا ما يطلب الإطلاع على أصول بعض هذه الرسائل من واقع هذا الملخص ، خاصة تلك التى كانت تحتوى على انتقادات أو تظلمات وكشف الفساد أو اقتراحات ودراسات على مستوى المجتمع من أى نوع .
وكانت شكاوى والتماسات المواطنين تنهمر على هذا المكتب بأعداد تفوق كل قدرة على الإحصاء بصفة خاصة فى المناسبات القومية أو إذا ما وقع حدث سياسى أو وطنى ، هذا علاوة على تلك الشكاوى التى كان يتقدم بها أصحابها مباشرة إلى المكتب فى مقره . وعلى سبيل المثال وكما أذكر ، فقد قمنا بعمل حصر خلال سنوات1963/1965 لعدد الرسائل وبلغت ما يقارب من المليون رسالة وبواقع حوالى الثلث مليون فى السنة ، ما بين شكاوى وتظلمات والتماسات واقتراحات وطلبات لصوره أو توقيعه و انتقادات لسياساته الداخلية أو الخارجية أو محاولات للحث على اتخاذ موقف معين إما بالتشدد أو بالصبر و العلاقات مع الدول العربية سواء الصديقة أو المعادية للسياسة التحررية المستقلة الوحدوية ، بالتأييد أو بالنقد والحث على اتخاذ مواقف متشددة من الصهيونية والأمريكان هذا بخلاف ما كان يتعلق بالمسائل الحياتية اليومية للمواطن العادى من مأكل وملبس ومسكن الخ . وكما كانت الرسائل تصله من المواطن العادى ، كانت أيضا تصلنا رسائل من النخبة من رجال السياسة والاقتصاد والفكر والفن والمثقفين تحمل هموم وأفكار ومشاعر ومحبة تلقائية ، كما كانت بعضها تحمل أيضا السباب والعداوة وهى ما كنا نطلق عليها عبارة " البريد الأسود " ، والنكت . وكانت أغلب الرسائل تعنون باسمه مباشرة مقرونا ببعض الصفات كالأب الحنون والزعيم وأبو خالد والمناضل والبطل وقائد الثورة ومحررنا من الاستعمار والعبودية .
وكانت رسائل البريد الأسود تحمل طابع السب أو الانتقاد الشديد لسياسات النظام أو لسياسات عبد الناصر الداخلية والخارجية . وبنظرة سريعة على هذه الرسائل تستطيع أن تحكم وتحدد الراسل إما من الحزبيين القدامى كالوفد مثلا أو من ينتمون للفصائل الشيوعية أو لجماعة الإخوان المسلمين أو لعناصر إقطاعية . وكانت هذه الرسائل فى الغالب لا تحمل توقيعات ، وإن حملت توقيع فكان باسم مستعار أو توقيعات غير واضحة . وكان عبد الناصر يهتم بهذه الرسائل ويطلب الإطلاع عليها كما هى دون تلخيص لأنها كانت تحمل الجانب الآخر من الصورة . وكان عبد الناصر يقوم بوضع علامات وخطوط وتعليقات وعلامات تعجب أو استفهام على بعض ما يثار فى هذه الرسائل وقد تعدى الأمر فى كثير من الأحيان التعامل مع هذه الرسائل من حيث الدراسة والمتابعة بل إن بعض هذه الرسائل كان وراء قرارات هامة منها إبعاد بعض الوزراء أو كبار المسئولين الذين يثبت صحة الشكاوى ضدهم . ومن أمثلة نماذج هذا البريد رسائل كانت تتهجم على شخص جمال عبد الناصر وأسرته وعائلات أعضاء مجلس الثورة أو تصرفات للأقارب أو السخرية من شعار تكافوء الفرص أو بالتوعد مثلا بثورة شعبية ستطيح به وسيكون أول من يذبحه الشعب أو نقد السياسات الاقتصادية من أنها ستفقر البلد أو الديكتاتورية وحكم الفرد أو نقد لبعض الأوضاع فى القوات المسلحة .. الخ ـ ويوجد لدى المؤلف نماذج كثيرة من كل هذه الرسائل ـ ، وينطبق نفس الشىء على ما كانت تنشره الصحف من شكاو أو التماسات أو كاريكاتير .
وفى نفس الوقت كانت النكت والإشاعات تمثل مصدرا هاما من مصادر عبد الناصر لمعرفة نبض الشارع المصرى وردود أفعاله وللمعرفة وليست مجرد سخرية فكان يرى أنها تمثل رأيا يجب الالتفات إليه ولا مانع من الاسترشاد به فهى فى النهاية تمثل فلسفة وطنية لشعب عمره سبعة آلاف سنة قهر الغزاة وكسرهم ثم نكّت عليهم . ومن المعروف أن الشعب المصرى دائما ما يعبر عن موقفه سواء بالرضاء أو بالرفض أو بالذم أو بالنقد عن طريق النكتة التى لا يجاريه شعب آخر فى هذا المجال سواء فى التعبير الصحيح اللاذع أو فى خفة الدم فى الإلقاء والمعروف على مدى الزمن أن هذا الشعب يعبر عن فرحه بنكتة ، وعن حزنه بنكتة وعن رضاه أو غضبه بنكتة . وكانت النكت تجمع من مصادر عدة سواء من الأجهزة أو من مكاتب مصلحة الاستعلامات أو من زوار الرئيس . وفى بعض الأحيان كانت النكت تصل إلى حد لا نستطيع أن ننطق بها فكان هو يبادر بإبلاغنا عنها وهو يعرف أننا نتفادى جرح مشاعره بها مثلا . وكانت أكثر الموضوعات التى تناولتها النكت على سبيل المثال : الديكتاتورية وغياب الديموقراطية ـ تسلط أجهزة الأمن ـ اختفاء المعارضين خلف الشمس ـ التجاوزات عند القبض على قيادات المعارضين السياسيين ـ فساد بعض رموز السلطة ـ فساد جماعة المشير وهزيمة الجيش سنة 1967 ، الأمر الذى دفعه فى أول خطاب له بعد النكسة إلى أن يطلب من الشعب المصرى الكف عن السخرية من الجيش ورجاله حيث كان يرى أنه وراء هذه الحملة المخابرات المركزية الأمريكية بالإضافة إلى صدمة النكسة ـ تجاوزات من يتحدثون عن الاشتراكية وحياتهم الأرستقراطية ـ تفضيل أهل الثقة عن أهل الخبرة ـ الأزمات التموينية والطوابير ـ البيروقراطية ـ .
ومن واقع هذه الرسائل إلى جانب الجولات الميدانية والاتصال المباشر مع الشعب ومع المسئولين ، كان عبد الناصر يتعرف على رد فعل السياسات والقرارات والنبض الحقيقى للشارع المصرى ، فبعض هذه الرسائل على سبيل المثال كان يطالب الرئيس بمراجعة بعض السياسات ويتناول الفجوة القائمة بين الأقوال والشعارات المعلنة وبين ما يجرى تطبيقه وتنفيذه فعليا وكان بعضها يتناول مثلا نقد للتنظيم السياسى الواحد ويطالب بالتعددية السياسية وبالعكس كان البعض الآخر يؤيد التنظيم الواحد ولكن يضع بعض المقترحات لزيادة فاعلية الحركة السياسية فى الشارع المصرى ، كما كانت رسائل أخرى تتناول إبداء الرأى حول الحكم المحلى أو المواصلات أو الإسكان أو البنية الأساسية كالمجارى والكهرباء والصرف الزراعى والرى بالتنقيط أو الغمر وخلافه الخ ، كما تناولت رسائل أخرى سياسات النظام الخارجية بالنقد مثل مشاركة مصر فى الحرب فى اليمن أو غيرها من القضايا العربية وبعض المواقف من بعض هذه الدول العربية مثلا ، كالسعودية والأردن ، والبعض الآخر من الرسائل كان يطالب بمواقف أكثر تشددا من بعض الأنظمة العربية وحكامها باعتبارهم قوى رجعية تعوق حركة التحرر والإستقلال والخروج من التبعية الأجنبية وهكذا . وهذه الرسائل كلها محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى بما فيها تلك التى تشمل تأشيرات بخط يد جمال عبد الناصر ولقد علمت أن بعض الباحثين قد تمكن أخيرا من الإطلاع على بعض هذه الرسائل .
كان أصحاب الرسائل يخاطبون عبد الناصر بتلقائية واضحة تشعرك بأنهم يخاطبون واحدا منهم أو من أفراد أسرهم ، كما كانت خطابات الطلبة والشباب بصفة عامة تتناول القضايا التى تهمهم بصراحة وتلقائية كأنك وأنت تقرأ تكاد تكون تسمع ما يريد أن يقوله أتراسل سواء شاب أو شابة و ما يريد أن يتحدث به أو يقوله لوالده ، كنا نشعر بحنان ودفء فى الرسائل التى كانت فى الواقع تعبر عن ثقة وحب وتلقائية وفطرة فى استخدام الألفاظ والتعبيرات وما يريدون أن يعبروا عنه سواء بالنقد أو بالتأييد أو باقتراحات من أجل المستقبل وما يخص المسائل الحياتية اليومية وغيرها .
وكثير من الشكاوى ، بالطبع ، كانت تتحدث عن حالات فردية يشعر أفرادها بالظلم من إجراء معين أو يطلبون من الحكومة العفو عنهم بعد أن يكونوا قد ارتكبوا بعض الأخطاء أو العفو عن رب أسرة يكون قد أرتكب جريمة مثلا أو شىء من هذا القبيل أو الإبلاغ عن حالات فساد أو إهمال من جانب بعض المسئولين أو الموظفين إلى جانب طلبات العلاج فى الخارج أو المسكن أو طلب المساعدات المادية .
كان عبد الناصر كثيرا ما يستجيب لمن يطلب مقابلته من المواطنين حيث يلتقى بمسئول يستقبله و يستمع له ويبلغ الرئيس بنتيجة المقابلة ثم يبلغ الشاكى بعد ذلك بالقرار الذى أتخذ بالنسبة لقضيته موضوع الشكوى ، كما أنه كان يطلب فى بعض الأحيان استدعاء أحد الأشخاص لتقدمه بشكوى أو طلب أرسل إليه برسالة لبحث موضوع شكواه أو ما يعرضه من معلومات على الطبيعة وفى المواجهة حيث أن الرسائل قد لا تكون معبرة بوضوح عن موضوعها الذى قد يرى أنه من الأهمية لبحثه مع الراسل شخصيا . وفى هذا المجال كانت هناك تعليمات واضحة باستقبال هؤلاء فى جميع أفرع رئاسة الجمهورية المختصة والمعنية .
كما كان عبد الناصر يوجه بالاستجابة لطلبات المساعدات الاجتماعية وطلبات التأهيل المهنى أو طلبات الرعاية الصحية أو المسكن ، كما كان يوصى مشددا بضرورة التحقيق فى شكاوى الفساد أو التظلم من أوضاع وظيفية معينة لمعرفته التامة بتلك البيروقراطية الضاربة الجذور فى الإدارة المصرية ـ والتى أعتقد ما زلنا نعانى منها حتى اليوم ـ وفى هذا المجال ما زلت أذكر تماما الحديث الذى دار بين الرئيس جمال عبد الناصر والسيد محمد فائق عندما عين الأخير لأول مرة وزيرا للإعلام حيث حذره من الجهاز الإدارى وشدد فى طلب أن يكون أقوى من هذا الجهاز ليضمن نجاحه فى مهمته ، وكان هذا ضمن توصيات أخرى منها استمراره فى تولى مسئوليات الشئون الإفريقية ومسائل أخرى ليس هنا مكانها . وأذكر بهذه المناسبة أن يوسف إدريس كان يزورنى فى أحد الأيام وسمع منى نصيحة عبد الناصر لمحمد فائق ، فكانت قصة " إدارة عموم الزير " التى جسد بها يوسف إدريس رؤية عبد الناصر للجهاز الإدارى فى مصر .
كان اهتمام عبد الناصر بهذه الشكاوى والرسائل ليس من أجل تلبية احتياجات حالات فردية فقط ، وإنما كان يتخذها وسيلة لتحويلها إلى سياسات عامة لخدمة أوسع قاعدة ممكنة من الجماهير ، وكثيرا ما كان يطرح الموضوعات الواردة فى الشكاوى أو الرسائل المتعلقة بمصالح الجماهير داخل اجتماعات مجلس الوزراء أو فى اللجنة التنفيذية العليا واللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى ، وكان يسجل النقاط التى يريد أن يثيرها فى النوتة الخاصة بخط يده ويحتفظ بها ليرجع إليها باستمرار لأغراض المتابعة ، وعلى سبيل المثال كان من بين هذه الموضوعات المشكلات المتعلقة ببداية العام الدراسى مثلا وما يولد من ضغوط على رب الأسرة المصرية كما ذكرت من قبل ، خاصة ما يتعلق بسوء حال الكتب المدرسية أو ارتفاع أسعار المواد والسلع التموينية ومشاكل المواصلات والعلاج وكان يذيل كل موضوع بتأشيرة للوزير أو المسئول المختص لدراسة الشكوى واتخاذ الإجراءات والقرارات المناسبة على مستوى الفئة الجماهيرية أو القطاع الإقتصادى مثل بحث أحوال السكك الحديدية وزراع طرح النهر ( كانت تسمى مجازا طرح البحر ) ، وبحث أحوال العاملين فى البنوك وصرف الأرباح لهم ودراسة أحوال عمال التراحيل ، وكانت هذه القضية شغله الشاغل باستمرار باعتبارها مشكلة واجبة الرعاية والعناية لمنع الاستغلال وبذل الجهود للقضاء على هذه المشكلة ، ولم يكن يكتفى بتلبية طلب صاحب الشكوى فقط .
ولعله قد يكون من المفيد أن أستعرض بعض النماذج لتأشيرات وملاحظات عبد الناصر على رسائل المواطنين :
تأشيرة بدراسة أحوال عمال التراحيل وزيادة أجورهم وتطبيق نظام التأمين الاجتماعى والصحى عليهم. وقد تم فعلا تحديد ساعات العمل للعمال الزراعيين وعمال التراحيل بثمان ساعات فقط يوميا ، وحددت أجورهم بثمانية عشر قرشا يوميا للرجال وعشرة قروش للنساء والأطفال ورفعت بعد ذلك إلى خمسة وعشرون قرشا فى اليوم ، كما اعترف بحقهم فى إقامة تنظيماتهم النقابية .
تأشيرة لوزير التعليم بضرورة الاهتمام بالكتاب المدرسى وتحسين نوعية طباعته .
تأشيرة لوزير المواصلات لدراسة أحوال خفراء مزلقانات السكك الحديدية .
تأشيرة لوزير المواصلات حول مستوى الخدمة السيئة لمرفق النقل بمحافظة الشرقية .
تأشيرة بتعيين غطاسين كعمال تابعين للمحافظات الساحلية وأن يتقاضوا رواتب شهرية .
تأشيرة بدراسة شكوى العاملين بالبنك المركزى وصرف الأرباح لهم عن الأعوام السابقة أسوة بباقى الشركات .
تأشيرة لوزير التموين بضرورة الاهتمام برغيف العيش نوعا ووزنا وشكلا .
مجموعة تـأشيرات بمساعدات بعض المواطنين ماديا من حساب التبرعات .
تأشيرة بدراسة إمكانية مراعاة أهالى الزراع من الكيلو18 إلى الكيلو 20 طريق مرسى مطروح .

وأذكر أنه فى نهاية الخمسينات وصلت رسالة من أحد المواطنين يعرض فيها مشكلة شخصية هى مشكلة الإسكان قال فى رسالته ما نصه :
" يا ريس أنا المواطن (فلان) أنا ساكن فى حى الزيتون ونعانى من مشاكل كثيرة فى المواصلات والإسكان والرعاية الصحية . " .
ولما عرضت هذه الرسالة على عبد الناصر كانت هناك رسالة أخرى كتبها مواطن آخر من حى المطرية تتحدث أيضا عن مشاكل الإسكان والمواصلات . اهتم عبد الناصر بالرسالتين وطلب فى جلسة مجلس الوزراء توسيع نطاق البحث لهذه المشكلات ، وقد أسفرت الدراسات التى أعدت بواسطة الوزراء المعنيين عن قرار ببناء مجمع إسكانى ضخم صمم فى كل من المطرية والزيتون ثم جرى تعميم هذا النموذج فى كل محافظات الجمهورية بعد ذلك ، وكانت الغرفة تؤجر للمواطن بما لا يزيد عن الستون قرشا فى الشهر وكانت هذه المجمعات السكنية نمطية وعبارة عن غرفتين وصالة وفراندة (بلكونة) ودورة مياه وحمام ومطبخ ، وما زالت هذه المجمعات والوحدات موجودة كأحياء كاملة فى العديد من المحافظات حتى اليوم .
وانتقلت نفس التجربة إلى دمشق وبنفس السيناريو تقريبا مع الوضع فى الاعتبار احتياجات الأسرة السورية ، حيث تم بناء مجمع سكنى ضخم فى المكان الذى كان يشغله سجن المزة والذى تم هدمه ، وما زال السوريون يتحدثون عن هذا الإنجاز حتى اليوم وأسمعه منهم عندما أزور دمشق فى المناسبات المختلفة ، وكان قد تم تنفيذ هذا المشروع فى دمشق على أثر تسلم عبد الناصر رسالة من مواطن سورى شكى فيها من المعاناة من مشكلة الإسكان .
كان عبد الناصر يقرأ هذه الرسائل باهتمام ويضع خطوطا حمراء تحت بعض الجمل أو العبارات التى تنتقد سياساته مثل قول أحد المواطنين فى رسالته : " أن حرب اليمن التى دخلتها مصر لا ناقة لها فيها ولا جمل " . أو وصف مواطن آخر الاتحاد الاشتراكى بأنه تنظيم " هزيل " . ومواطن ثالث تحدث عن ما أسماه "بالطبقة الجديدة " وسلوكياتها ، وكان يقصد بها بعض المنتفعين بالثورة والالتفاف حول قوانينها ومبادئها .
ومن الحالات التى لن أنساها ـ وأود أن أشير إليها بهذه المناسبة وقبل أن أستعرض هذه الحالة أن مكاتب سكرتارية الرئيس للمعلومات ومكتبى فى مقدمتها كان مفتوحا لأى مواطن ، ولم يحدث أن منع أحد من الدخول تحت أى مسمى أمنى أو سياسى ، أما الحالة التى سأتناولها هنا وعرضت تفاصيلها على الرئيس عبد الناصر فكانت حالة طالب يدرس فى كلية الطب ساهم بشكواه فى اتخاذ العديد من القرارات .
وترجع القصة إلى أننى فى إحدى الليالى كنت أباشر عملى فى مكتبى ، وفى اجتماع مع بعض الوزراء من أعضاء التنظيم الطليعى ، وفجأة سمعت أصواتا عالية فى مكتب سكرتيرى الخاص محمد السعيد ولما استفسرت منه عن الأسباب أخبرنى أنه يوجد فى المكتب طالب فى كلية الطب فى حالة هياج شديد ، ويكاد يكون منهار نفسيا ، وهو يصر على لقاء الرئيس جمال عبد الناصر شخصيا ، وكان من بين ما يردده من عبارات :
" ليه بترفعوا شعارات ماإنتوش قادرين تطبقوها ؟! " .
أدخلت الطالب إلى مكتبى وعندما دخل ـ وهو مازال فى حالة ثورة ـ وجد نفسه يجلس وجها لوجه مع من يسمع أسماءهم فى الإذاعة أو التليفزيون أو يقرأ عنهم فى الصحف ـ وكما صرح لى بعد ذلك ـ أنه كان مع من صوروا له بأنهم حكام مصر الذين يستطيعون أن يأتوا من الأفعال ما لا يستطيعه أى إنسان آخر. وعملت على تهدئته وتطييب خاطره ، وطلبت له شاى ومشروب بارد ، ولما هدأ نسبيا بدأ يسرد حكايته تفصيلا حيث قال : أنه يقيم مع أسرته فى أحد المساكن المتواضعة فى حى السيدة زينب ويعمل والده فى جمع الصحف القديمة ويقوم بعمل " قراطيس " ثم يبيع فيها " طورشى بلدى " على ناصية الحارة التى يسكنون فيها، ويتقاضى لقاء ذلك قروش قليلة يوميا ، واليوم الذى ينقطع فيه عن العمل يتوقف رزق الأسرة آلتى كانت تتكون من الأبوين وأربعة من الاخوة والأخوات ، ومع ذلك فقد جد واجتهد رغما عن ظروفهم القاسية ولجوئه فى بعض الأيام للحلول محل أبيه فى مهنته البسيطة هذه وتمكن من استكمال تعليمه حتى حصل على الثانوية العامة بمجموع مرتفع ، ووفقا لمبدأ تكافوء الفرص التحق بكلية الطب التى لم يكن يحلم مثله أن يدخلها فى يوم من الأيام ، إلا أنه فوجئ بمواقف لا يستطيع أن يتحملها كطالب ، فالكتب غالية الثمن ولا يستطيع أن يشتريها ، والأدوات الدراسية تفوق أسعارها ما يمكن أن تتحمل أسرته تكاليفها وعلاوة على ذلك فهو كطالب فى كلية الطب عليه أن يظهر بمظهر يليق بطبيب المستقبل ، إلا أن أحدا لا يرأف بحاله بل كان موضع سخرية الكل بدون استثناء سواء من زملائه أو من أساتذته . فمن قائل له : " عملت لك إيه الاشتراكية ؟! إلى من يقول له : " عمل إيه تكافوء الفرص ؟! " . . " وعملت لك إيه مجانية التعليم ؟! " . . " إنك لن تستطيع أن تكمل تعليمك ودراستك بهذا الوضع لأنك من بيئة عادية ولا يوجد مكان لأبنائها فى كلية الطب ومكانك فى حتة ثانية ياشاطر !! " . . هذا بخلاف أقوال وأعمال أخرى رفض أن يذكرها إنما تعبر عن نية تحطيم معنوياته ودفعه إلى اليأس الكامل وإشعاره بالخطأ لأنه اختار هذا المجال لمستقبله . . وبدا فى الانهيار مرة أخرى .
وتصادف أثناء سرده لحكايته وحالته أننا كنا كلنا نستمع فقط دون أن نعلق وبدأ صوته يرتفع ناعيا حظه وحظ أمثاله ، وفجأة أنارت اللمبة الحمراء للخط الساخن بينى وبين الرئيس ، وعندما رفعت سماعة التليفون سكت كل من كانوا فى القاعة لأنهم يعرفون أن المتحدث هو الرئيس جمال عبد الناصر فيما عدا الشاب الذى واصل ثورته ، وقد أدرك الرئيس أن فى الأمر شىء غير عادى فقال لى : " إنت عندك مين ؟ وليه فيه هيصة ؟ ومين اللىبيزعق عندك وليه ؟ هو إنت بتتخانق مع حد يا سامى ؟ ! .
فقلت : " لا يا فندم ". . وحكيت له بسرعة حكاية الشاب .
قال الرئيس : " طيب عملت له إيه ؟ " .
فقلت : " أنا لسة بأسمع قصته وسأحاول حل مشكلته بإذن الله " .
وقلت للرئيس أننى مجتمع مع مجموعة تنظيمية من الوزراء .
فقال الرئيس : " ما تنساش بعدما تحل مشاكله إنكم تعملوا بحث اجتماعى لأسرته ومساعدتهم بأى شكل حتى لا يؤثر وضعهم على الطالب نفسه فى المستقبل خصوصا وأنه فى كلية صعبة ، ومثل هذا الشاب لازم رعايته رعاية خاصة لأن أمثاله قليلين ويجب أن يكون هذا مثل يحتذى به لباقى الشباب من أمثاله الذين يتحدوا زمنهم وعايزين يقهروا ويكسروا حاجز الفقر بالعلم والارتقاء بمستواهم ، وإلا حا نكون فعلا كما يقول هذا الشاب بأننا نرفع شعارات لا نطبقها " .
فكر عبد الناصر للحظة ثم قال : " إسمع يا سامى ، فيه فى الجامعة طبعا حالات ثانية مشابهة ويمكن تكون فى حاجة للرعاية بشكل ما . . تبحث الأمر مع الأمين العام للاتحاد الاشتراكى ومنظمة الشباب ووزير الشباب ووزير التعليم العالى . . وعايز دراسة عن الموضوع فى أقرب وقت ممكن " .
وأنهى المكالمة دون أن يطلب منى ماذا كان يريد عندما طلبنى تليفونيا فلما استفسرت منه عما كان يريده قال لى :" يا سامى . . ريّح الولد وخلّص الموضوع الأول وبعدين ابقى كلمنى " .
التفت للشاب وقلت له : هل تعرف من الذى كنت أتحدث معه الآن ؟
فقال : حا أعرف منين ؟! .
فقلت له أنه كان الرئيس جمال عبد الناصر ، وقد سمعتنى طبعا وأنا أحكى له قصتك بدليل إنك لما سمعت اسمك سكتت وبطلت تزعّق " .
فوجئ الشاب بهذا الكلام وأصابه ذهول وصمت غريبين ولم ينطق بحرف .
فقلت له بعد أن هدأ : " شوف بقى ، الكتب حاتكون عندك الصبح وكمان الأدوات الدراسية المطلوبة منك والتى تحتاجها . ثم طلبت السكرتير وقلت له : " يا محمد تاخذ هذا الشاب دلوقت وتشترى له كسوة تليق بطالب فى كلية الطب بما فى ذلك الملابس الداخلية وكل ذلك على نفقة الرئيس الخاصة .
واتصلت بوزير الشئون الاجتماعية لعمل بحث اجتماعى لأسرة هذا الشاب واتضح بعد البحث صدق كل ما ذكره . كما اتفقت مع محافظ القاهرة لتخصيص شقة من الإسكان الشعبى لهذه الأسرة المكافحة وتابعت التنفيذ حتى تم المطلوب ، وتم انتقال الأسرة إلى المنزل الجديد فى خلال أسبوع .
كان عبد الناصر وكالمعتاد يتابع التنفيذ معى يوميا .
وقد ترتب على هذا الموضوع الفردى الآتى :
تم تشكيل لجنة جامعية برئاسة وزير التعليم العالى وعضوية أمين الاتحاد الاشتراكى فى كل محافظة يوجد بها جامعة مهمتها تيسير الكتب الجامعية لكل الطلبة دون استثناء ولغير القادرين بصفة خاصة بأسعار رمزية أو بالمجان حسب حالة الطالب .
وتوفير ملابس تليق بطلبة الجامعات فى كل جامعة بأسعار رمزية .
ثم التوسع فى الإسكان الجامعى والذى بلغ إلى حد تخصيص عمارات بأكملها لإسكان الطلبة الوافدين من المحافظات المختلفة .
*وثمة حالة أخرى تعبر بوضوح عن مصداقية الشعارات التى رفعها عبد الناصر وإيمانه العميق بكل ما طرحه ونادت به الثورة من أهداف .
فقد جاء إلىّ أحد عساكر الشرطة من العاملين فى منشية البكرى شاكيا من عدم قبول نجله فى كلية الشرطة بعد أن نجح فى الثانوية العامة بمجموع مناسب للالتحاق بهذه الكلية كما أنه اجتاز كل الاختبارات ولكنه سقط فى كشف الهيئة أو ما يسمى بالاختبار الشخصى . فلما عرضت الموضوع على الرئيس أوصى ببحث الأسباب وإبلاغه بالنتيجة فى نفس اليوم . استفسرت عن حقيقة الموضوع من شعراوى جمعة الذى بعد البحث أبلغنى أن سبب عدم قبول الطالب هو أنه ابن عسكرى وليس هناك من أسباب أخرى . فلما أبلغت الرئيس أمر بتوصيله بشعراوى جمعة وزير الداخلية وناقشه فى أسباب رفض قبول هذا الطالب وقال له "أمّال تكافوء فرص إيه اللى عمالين ننادى به يا شعراوى ؟ وهو أنا دخلت منى الجامعة الأمريكية ليه ؟ ليه ما بنطبقشى ماننادى به ؟ الطالب ده يدخل الكلية " .
ودخل هذا الطالب الكلية الشرطة ووصل إلى رتبة اللواء .
ولكم أتمنى أن أعرف ماذا ألم بطالب الطب وأين هو الآن ؟ حيث انقطعت العلاقة به لدخولى السجن سنة1971 وكان لم ينه دراسته بعد .
قصة أخرى كان بطلها د. خيرى سمرة عندما كان يدرس فى الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه وقررت إدارة البعثات إنهاء بعثته قبل مناقشة رسالة الدكتوراه بأيام نظرا لانتهاء المدة التى نص عليها قرار إيفاده للبعثة مما اضطره للحضور إلى القاهرة على نفقته الخاصة لعرض الأمر على عبد الناصر حيث وصل إلى مكتبى طالبا مقابلة الرئيس ولما استفسرت منه عن السبب حكى لى هذه القصة ووسط اندهاشى من قوة هذه البيروقراطية الحكومية ونفاذ أمرها ، كان عبد الناصر على الخط أبلغه بالقضية فما كان منه إلا أن قال لى بلغ وزير التعليم العالى بعودة الرجل لاستكمال بعثته ومناقشة رسالته ، على أن تكون عودته على نفقة الدولة وتتحمل وزارة التعليم العالى نفقات قدومه إلى القاهرة . وعاد خيرى سمرة للولايات المتحدة واستكمل دراسته وناقش رسالته التى اجتازها بدرجة امتياز . كنت قد نسيت هذا الموضوع لكن يشاء القدر أن التقى بخيرى سمرة فى القصر العينى وأنا رهن سجون السادات ، من جديد ليفتح هو معى الموضوع ويذكرنى به من جديد .





‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 22:08


دور مؤسسات التنظيم السياسى فى اتخاذ القرار


أرجو الرجوع إلى فصل " عبد الناصر والتنظيم السياسى " وكذلك إلى الملحق الوثائقى الذى يشمل عينات من محاضر اجتماعات الرئيس جمال عبد الناصر ومؤسسات التنظيم السياسى مثل اللجنة التحضيرية والمؤتمر القومى العام ـ وجميع جلساته علنية ونشرت فى حينه ـ واللجنة المركزية واللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى العربى ، والتى ألح فى ضرورة قراءتها لأهميتها القصوى فى إلقاء الأضواء على تلك التجربة الإنسانية التى قادها وأدارها الرئيس جمال عبد الناصر .






لجان العمل اليومى فى مراحلها المختلفة

تجدر الإشارة إلى أنه اعتبارا من إعادة تنظيم مؤسسة الرئاسة سنة1958 استجد فى العمل اليومى ما أطلق عليه نظام التلقين اليومى BRIEFING” " وكان الغرض منه هو تقديم موجز للأحداث الداخلية والخارجية فى مختلف المجالات علاوة على أن هذا النظام قصد به أيضا التنسيق ومنع الازدواجية فى تلقى المعلومات بالإضافة إلى إيجاد علاقات إنسانية وإذابة الحساسيات بين الجهات المعنية وحل ما قد ينتج من مشاكل أو سوء فهم كان يحدث فى بعض الأحيان نتيجة ظواهر صحية لتبادل وتوصيل المعلومات للرئاسة 0 كان يتم إعداد هذا التلقين اليومى فى اجتماع يعقد فى العاشرة من صباح كل يوم فى سكرتارية الرئيس للمعلومات بالقصر الجمهورى بالقبة برئاسة على صبرى وزير شئون رئاسة الجمهورية ويحضره رئيس المخابرات العامة أو أحد نوابه ووزير الخارجية أو نائبه ورئيس مصلحة الاستعلامات وسكرتير الرئيس للمعلومات .

وكان الحضور هم أمين هويدى نائب رئيس المخابرات وحسين ذوالفقار صبرى نائب وزير الخارجية ومحمد عبد القادر حاتم وفى فترة محدودة كان يحضر أيضا كمال الدين رفعت بصفته نائبا لوزير رئاسة الجمهورية وسامى شرف سكرتير الرئيس للمعلومات و منير حافظ مساعد سكرتير الرئيس للمعلومات لتسجيل محضر الاجتماع وتجهيز الموجز والملاحق التى تضيفها سكرتارية المعلومات و التى ستعرض على ررئيس الجمهورية .
عقب نكسة 1967 شكلت لجنة تجتمع مرتين يوميا من كل من شعراوى جمعة وأمين هويدى وسامى شرف ولهذه اللجنة أن تلتقى بمن تراه من المسئولين لبحث المسائل المتعلقة بتسيير أمور الدولة وكمصغر لمجلس الوزراء ، وتعرض على الرئيس أهم الموضوعات والتوصيات فى مجال تسهيل عملية اتخاذ القرار . وبعد مؤامرة المشير عبد الحكيم عامر تطورت هذه اللجنة لتضم كلا من محمود رياض والفريق أول محمد فوزى أو الفريق محمد أحمد صادق أيهما يسمح الوقت بمشاركته فى الاجتماع وعبد المحسن أبو النور بالإضافة إلى شعراوى جمعة وأمين هويدى وسامى شرف .
وفى بعض الأحيان كان يصعب إتمام اللقاء فى مسائل عاجلة وحيوية فكان يعقد ما يسمى بالمؤتمر التليفونى عبر شبكة تليفونات ساخنة خاصة كانت تحت سيطرة المخابرات العامة وذلك بفتح خطوط تليفونية يستحيل التدخل عليها لأنها مشوشرة ، بين المؤتمرين الذين يتبادلون بحث الموضوع فى سرية وبسرعة دون اللقاء حول مائدة الاجتماعات .
فى عام 1969 وعلى وجه التحديد اعتبارا من يوم 13سبتمبر1969 وهو اليوم الذى أصيب فيه الرئيس جمال عبد الناصر بالأزمة القلبية الأولى أعيد تشكيل مجموعة التلقين اليومى أطلق عليها اسم " لجنة العمل اليومى " وكان يرأسها أنور السادات وتضم على صبرى وشعراوى جمعة وأمين هويدى والفريق أول محمد فوزى وسامى شرف كما كان ينضم إليها فى بعض الأحيان محمد حسنين هيكل . وكانت هذه اللجنة تقوم باستدعاء أى من المسئولين أو الوزراء من ذوى العلاقة بالموضوع أو المسائل محل البحث . وكانت هذه اللجنة تجتمع فى مكتبى مرة أو مرتين فى اليوم حسب تطورات الموقف الداخلى والخارجى والعسكرى . . . الخ وفى بعض الأحيان كان يتم الاجتماع فى قصر الأمير عبد المنعم بمنطقة بين روكسى والقبة .
أما بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر يوم 28سبتمبر1970 فكانت هذه اللجنة مشكلة من كل من : عبد المحسن أبو النور الأمين العام للاتحاد الاشتراكى ومحمود رياض وزير الخارجية وشعراوى جمعة وزير الداخلية وأمين حامد هويدى وزير الدولة – حتى تم تعديل وزاري فى 14نوفمبر1970 وترك الوزارة – وسامى شرف وزير شئون رئاسة الجمهورية ومدير المخابرات العامة ( محمد حافظ إسماعيل ثم أحمد كامل ) ومدير المخابرات الحربية ( اللواء محرز مصطفى عبد الرحمن ) كما كان يحضر اجتماعات هذه اللجنة أيضا محمد فائق وزير الإعلام – وكان مهمة هذه اللجنة استمرار لما كانت تقوم به اللجان المشابهة والمشكلة من سنة 1958 وهى باختصار استعراض المسائل الكبرى ووضع التوصيات اللازمة بشأنها وعرضها على الرئيس لاتخاذ القرار المناسب سواء بالموافقة أو بالرفض أو بالتعديل والتوجيه بمزيد من البحث وتتولى سكرتارية الرئيس للمعلومات إجراءات التنفيذ والمتابعة وكذا متابعة المتابعة .
لقد كان الرئيس جمال عبد الناصر يحرص على الحصول على المعلومات من مصادر عدة ولم يحصر نفسه فى إطار واحد محدد من اجل هذا الغرض وكان يتخذ هذه الصيغة كوسيلة للمحافظة على توازنات معينة – من وجهة نظره – بين المؤسسات والأشخاص ، لكن المهم أن سكرتارية المعلومات كانت تقدم له الإطار التنظيمى أو المؤسسى لدورة المعلومات منه وإليه ، وعلى مدى ثمانية عشر عاما لم تنقطع الصلة مع عبد الناصر المعلم والقائد والرئيس والإنسان ، ساعة واحدة ، وكان يطلب إبلاغه بكل صغيرة وكبيرة ، فكانت سكرتارية المعلومات هى المركز التى يتجمع فيها كل المعلومات دون استثناء .
يضاف إلى ما تقدم من مبادئ العمل وشبكة العلاقات منهج الرئيس عبد الناصر فى تحقيق الشفافية الكاملة فى تداول المعلومات على كل أصحاب الشأن والاختصاص ، وامتلاك القدرة على المواجهة الحاسمة عند وقوع خطأ أو تجاوز ، وفى الشق الأخير فقد كنت أنا فى غالبية الأحوال قناة الرئيس فى توصيل القرار لصاحب الشأن ، أو المكلف بإعداد الدراسة المطلوبة عن الواقعة أو الوقائع التى انتهت بقرار الرئيس باستبعاد أو تنحية شخص أو أكثر أو حتى تفادى موقف ما واحتواء وشايات دست ضد البعض . . كل ذلك جعلت من يجهل هذه الآليات يصف سكرتارية المعلومات بأنها" دولة داخل الدولة " ، رغم أن عملها كان محكوما طول الوقت بتوجيهات الرئيس وسياسات النظام ، ولم يكن لها فى أى وقت من الأوقات جهاز استخبارى خاص بها وهنا أتحدى أى شخص أو جهة تدعى بغير هذه المقولة ، كما لم تكن أيضا تتصرف وفق الهوى ، وكثيرا ما واجه الرئيس عبد الناصر هذه الظنون بنفسه مؤكدا لأى شخص يرددها بأن " سامى شرف لا يتصرف دون علمى أو بمعزل عن أوامرى المكتوبة أو الشفوية " .
ذلك كان هو الإطار العام الذى بنيته وعملت من خلاله منذ توليت هذه المهمة فى سنة1955 وحتى رحيل الرئيس جمال عبد الناصر ، ولعل فى فصول أخرى فى هذه المذكرات ما يشير إلى أن دورى لم يقتصر على المفهوم الإدارى من وظيفة سكرتارية المعلومات بوصفها قناة ربط بين الرئيس ومختلف مؤسسات وشخصيات الدولة ، وإنما تحول ونما تدريجيا دور المستشار السياسى وكاتم الأسرار والفاعل الرئيسى فى تنفيذ الكثير من المهام بناء على تكليف من الرئيس خاصة فى المجالات الأمنية والسياسية والعمل الشعبى وفى التنظيم الطليعى سواء فى مرحلة التأسيس أو التنظيم والتنفيذ وتحمل المسئوليات على مستوي القيادة والأمانة العامة للتنظيم الطليعى أو فى قيادة منطقة شرق القاهرة وجامعة عين شمس وهى المنطقة التى شهد الجميع والأحداث بقدراتها وقوتها وتنظيمها الذى غطى كل مربع سكنى على مستوى المنطقة مما سيرد تفاصيله فى فصل آخر ، وكان أنور السادات يدرك ذلك جيدا بل وحاول أن يواصل نفس الأسلوب بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر ، لكن الرواسب كانت اكبر من القدرة على تجاوزها أو كتمانها ، وإذا كانت العلاقة الشائكة مع المؤسسة العسكرية قد تم تصفيتها بعد يونيو1967 وفى حياة جمال عبد الناصر فإن العلاقات مع نائب الرئيس أنور السادات لم تأخذ فرصتها لهذه التسوية على الإطلاق .





حاشية
لتطوير المفاهيم فى وزارة الخارجية المصرية بما يتمشى مع أفكار ثورة يوليو والتحول الاشتراكى ولتطعيم هذا الجهاز الرئاسى الخطير بدماء جديدة من عناصر مدربة سياسيا فقد تقرر تعيين سبعة من شباب الخريجين الجامعيين والمدربين سياسيا فى منظمة الشباب وأعضاء فى التنظيم الطليعى فى وزارة الخارجية وكان من المفروض تطبيق هذا القرار بالنسبة لكلية الشرطة والكلية الحربية ولكن رؤى صرف النظر عن تطعيم هاتين المؤسستين فى ذلك الوقت ـ 1966 ـ ، واكتفى بالتطبيق على وزارة الخارجية .
والذين تم تعيينهم فى 8/12/1966 هم:
1- مصطفى محمد الفقى . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد4/11/1944 .
2- عبد المنعم عبد العزيز سعودى . خريج كلية التجارة . من مواليد 1/6/1943 .
3- خالد محمد الكومى . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد 29/8/1943 .
4- محمد زين العابدين الغبارى . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد 11/10/1945
5- عبد الله محمود عبد الله . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد 10/9/1944 .
6- محسن كامل بهاء الدين . خريج كلية التجارة . من مواليد 24/8/1944 .
7- مخلص قطب عيسى . خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية . من مواليد 23/4/1943 .
وكانت نتيجة هذه التجربة الرائدة أن وصلوا جميعا لدرجة السفراء ويعدوا من الدبلوماسيين الناجحين البارزين فى وزارة الخارجية سنة2000
وكان قد سبقهم للانضمام لوزارة الخارجية كعناصر دبلوماسية واعدة بعض ضباط الشرطة ممن أجادوا التعامل مع الإدارات القنصلية وشئون الأفراد ، وكذلك بعض ممن عملوا فى مؤسسة الرئاسة فى سكرتارية الرئيس للمعلومات والمكاتب السياسية والاقتصادية المتخصصة ويحضرنى من أسماء هؤلاء ـ والذين أصبحوا سفراء ـ عبد المنعم عتيق ومحى الدين خفاجى وضياء الدين السوسى ومختار الحمزاوى و مختار الجمال ومحمود شريف وآخرين .



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 22:11

ثورة يوليو وحزب الوفد


عادت آخر حكومة لحزب الوفد إلى الحكم سنة 1950 بأغلبية كبيرة جدا لم تحصل عليها فى أى انتخابات سابقة ، ولم تكن هذه صدفة أو اعترافا بالحق من الملك أو سلطات الاحتلال البريطانى ، لكنها كانت تعبيرا عن إجماع الإرادة الوطنية المصرية على حسم المعركة مع الاحتلال البريطانى الذى جثم على صدر الشعب المصرى والأرض المصرية لمدة سبعين عاما قهرا واستنزافا .

وفى هذه المناسبة أعلن حزب الوفد أنه أصبح على الشعب المصرى أن ينتزع حريته واستقلاله بيديه ، وأن الأسلوب التفاوضى السلمى لا مكان له، ولم يعد هناك أمام الشعب المصرى إلا طرد المستعمر بالقوة .

وبعد مفاوضات ومباحثات بين القاهرة ولندن امتدت من سنة1920 إلى سنة 1951، وبلا جدوى أعلن حزب الوفد استجابته لإرادة الشعب المصرى بإلغاء معاهدة 1936 ثـم معاهدة 1899 التى تنظم العلاقة مع السودان ، وشاهدت البلاد مظاهرة شعبية كبرى لم تشهد مصر مثيلا لها منذ عام 1919.

نتيجة لهذا فإنه كان من البديهى أن يقوم حزب الوفد ، حزب الأغلبية الساحقة بتعبئة الجماهير وتسليحها لمواجهة قوات الاحتلال ، وبعد التعبئة الشعبية فكان لابد أن تعنى المقاومة بموقف قوات الجيش والبوليس ، حيث كانت هاتان القوتان دائما بعيدة عن نبض الشارع المصرى ومحرومة من لعب أى دور سياسى، وبالطبع كان ذلك مقصودا ومخططا من قبل الاحتلال والقصر؛ وذلك بهدف حرمان الشعب المصرى من ذراعة اليمنى وقوته الباطشة فى معركته مع الاحتلال وفساد القصر. لهذه الأسباب كان تحديد موقف الجيش مسألة فى غاية الأهمية.. إلا أن كل الظروف كانت مؤاتية لإشراك هاتين القوتين الأساسيتين لصالح المعركة ، بل أذهب لأبعد من هذا وأقول ضم هاتين القوتين للمعركة ، فلأول مرة فى تاريخ مصر قام البوليس المصرى بالإضراب العام تحت ستار مطالب فئوية ، لكنها لم تخلو من المضمون الوطنى .

فى نفس الوقت الذى عاد فيه الجيش المصرى من حرب فلسطين، يحمل جراح وآلام أمة بأكملها، وقد تكشفت له كل الحقائق ، وأولها حقيقة أن المعركة الأساسية والحقيقية فى القاهرة.

وفى اعتقادى أن السبب الرئيسى الذى جعله يتقاعس عن إثبات قدراته وتثبيت قوة الحزب هو أن الباشوات ساورهم قلق شديد من احتمالات تطور الأمور ، وأن مقاومة مسلحة قد يتولد عنها ـ وهذا شىء طبيعى ووارد – ثورة شعبية ، فإذا ما تحقق إجلاء المستعمر بالدماء فستتسرب السلطة وربما الثروة ـ وهذا وارد أيضا – إلى جماهير المقاومة والغلابة من الشعب المقاتل الحقيقى . هذا إذا تذكرنا أن هذه الفترة كانت حبلى بتيارات تقدمية وصلت إلى صفوف حزب الوفد نفسه ، بقيام جناح متشدد داخله ـ الطليعة الوفدية ـ وكان هؤلاء الباشوات الذين اختاروا فؤاد سراج الدين من أبناء الإقطاع الذين لا شبهة فيهم سكرتيرا عاما للحزب ودفعوه دفعا إلى هذا المنصب المتفرد لتكون مهمته هى تأمين الحزب بالدرجة الأولى وتأمين مصالح المتحكمين فى أموره . ولم يكن غريبا أبدا أن تنتهى المقاومة إلى كارثة وأن تحترق القاهرة فى 26يناير1952 ، وبعدها بشهور قليلة تقوم ثورة 23 يوليو 1952 .

كانت زعامة الوفد - حزب الأغلبية كما كان يطلق عليه ـ أسرع الزعامات فى القبول بالأمر الواقع الجديد، وكان زعيمه مصطفى النحاس متواجدا فى الخارج وقت أن قامت الثورة وبعد عودته من المصيف فى سويسرا فى شهر أغسطس اتجه إلى لقاء أعضاء مجلس قيادة الثورة بناء على رغبته الشخصية، وصرح لمرافقه فى هذه الزيارة ، ـ فؤاد سراج الدين ـ وهو فى طريقه إلى اللقاء ، أنه لا يستطيع أحد أن يقف فى مواجهة الدبابة ، وكان هذا ردا على نصيحة مرافقه من أن أعضاء مجلس الثورة ما هم إلا مجموعة من الشباب الضباط صغار ولا يفقهون شيئا فى السياسة وأنه يجب أن يعاملهم زعيم الأمة من هذا المنظور .
ولكن ذلك لم يكن رأى باقى القيادات فى حزب الوفد ، وفى مقدمتهم فؤاد سراج الدين ومعه بعض الذين كانوا يعبرون عن فلسفة الوفد فى صحفهم ومنهم الأخوان " أبو الفتح ".

ونشير هنا إلى أنه كان قد جرى اتصال سابق بين بعض الضباط الأحرار؛ ومنهم ثروت عكاشة ووجيه أباظة وعيسى سراج الدين وأحمد أنور وآخرين - سواء مباشرة أو عن طريق بعض أقارب هؤلاء الضباط- وفؤاد سراج الدين الذى كان يهيمن على الحزب بهدف تنسيق النشاط الفدائى فى منطقة قناة السويس فى ضوء الدفعة القوية التى وفرها إعلان النحاس باشا إلغاء معاهدة1936 ، لكن فؤاد سراج الدين رفض التجاوب مع هذا الطلب مؤثرا عدم الدخول فى مقامرة مع الجيش تجنبا لمزيد من الصدام مع الملك الذى كان يسعى من جانبه لفرض هيمنته على الجيش ، والتصدى لأية اتجاهات معارضة بداخله 0 واعتذر فؤاد سراج الدين عن قبول العروض الوطنية لأن الوفد يؤمن بالملكية الدستورية .

وبعد قيام الثورة كان العامل الاجتماعى هو الأسرع فى نشوب الأزمة بين الثورة ومختلف القوى السياسية السابقة بما فيها الوفد ، فقد مارست هذه القوى ضغوطها على رئيس الوزراء على ماهر الذى كلفته الثورة مما جعله يتخذ موقفا معارضا لقانون الإصلاح الزراعى ويطرح بدلا منه الأخذ بنظام الضريبة التصاعدية التى تفرض على من يمتلك أكثر من خمسمائة فدان، بينما كان مشروع القانون يقضى بتحديد الملكية الزراعية بمائتي فدان إضافة إلى مائة فدان للأسرة على أن يكون للمالك حرية اختيار قطعة الأرض التى يريد الاحتفاظ بها ويتم تعويضه عما يؤخذ منه فى شكل سندات على الحكومة .

وجرت اتصالات مجددة مع فؤاد سراج الدين ضمن ما جرى مع باقى القوى السياسية الأخرى ، وكانت اللقاءات معه تتم بواسطة جمال عبد الناصر نفسه ، لكنه أخذ يماطل ويراوغ ويصر على أفضلية الضرائب التصاعدية والتى لم تكن تكفى لحل المشكلة الاجتماعية والسياسية فى البلاد ، وأدرك جمال عبد الناصر أنه لا مجال للتفاهم مع هذه الفئة، وأنه مجرد إقطاع يضع مصالحه ومصالح الطبقة التى ينتمى إليها فوق أى مصلحة وطنية ، وبينما كانت الاتصالات جارية كان باشاوات الوفد قد اتفقوا مع باشاوات القصر الملكى وأذناب الاحتلال وتكونت فيما بينهم "رابطة الملاّك " ، تتزعمها سيدة وفدية . . . وقادت هذه الرابطة حملة ضارية ضد قانون الإصلاح الزراعى ووصفته بأنه " شيوعية حمراء " !! ، ولم يتدخل فؤاد سراج الدين سكرتير حزب الوفد ليبدى رأيه فى الحملة أو يعمل على تطويقها 0 وصدر برنامج حزب الوفد فى أغسطس 1952 دون أن يتضمن أى إشارة إلى الإصلاح الزراعى بل كان تعبيرا عن البدائل التى طرحها سكرتير الوفد ورفضها قائد الثورة ، مما أثبت لقادة الثورة أن ملكية الأرض بالنسبة لهؤلاء السياسيين الإقطاعيين تفوق فى رأيهم حرية الوطن وكرامته.


وكان أن أعفى على ماهر من رئاسة الوزارة وتولاها اللواء محمد نجيب ، وصدر قانون الإصلاح الزراعى فى التاسع من سبتمبر 1952 . وحاول الباشا فؤاد سراج الدين أن يتراجع ، ولكن الوقت كان قد فات ، وحاول البعض أن يتلمس الأعذار لتبرئة الوفد ولكن فؤاد سراج الدين لم يجرؤ على الإنكار ، فقد كانت كل المفاوضات والحوارات مسجلة فى محاضر رسمية .

كان مجال الصدام الآخر مع الثورة متمثلا فى إصرار الوفد على الاحتفاظ بنفس أفكاره وأساليبه السابقة ، والتطلع للمشاركة فى الحكم على أساسها 0 ورغم واقعية النحاس فى تفهم الوضع الجديد إلا أنه كان يتصور أن الوزارة سوف تعرض عليه ، وأن تعيين على ماهر هو مجرد تعيين مؤقت ، وقد شهدت الأسابيع الأولى للثورة كما أسلفت جدلا واسعا داخل مجلس قيادة الثورة حول الأسلوب الأنسب للحكم ، وهل يثير تسليم الحكم للأحزاب بعد إجراء انتخابات نيابية وهو اتجاه كان يتبناه جمال عبد الناصر ، أم تواصل النخبة العسكرية الجديدة ممارستها للحكم حتى يمكن تحقيق كل الأهداف السياسية والاجتماعية التى جاءوا من أجلها ، وكان الحل الوسط الذى توصلوا إليه بعد إعلان عبد الناصر انسحابه هو مطالبة الأحزاب السياسية بتطهير صفوفها وتنقية برامجها لتتواءم مع الأوضاع الجديدة تمهيدا لدخول الانتخابات بعد فترة انتقالية قصيرة ، ومرة أخرى لم تظهر هذه الأحزاب وفى مقدمتها الوفد أى استعداد جدى لقبول التغيير وركزوا على العكس على الجوانب الشكلية والمظهرية ، وقاد ممثلهم والمعبر عنهم أحمد أبو الفتح حملة صحفية تنادى بالتعددية السياسية والنظام الحزبى ، وتناول إنذار مجلس قيادة الثورة . . . بكثير من التجريح مما كان له أثره فى النهاية فى إقناع كل أعضاء القيادة الجديدة بمن فيهم جمال عبد الناصر باستحالة تحقيق أهداف الثورة بالتعاون مع نفس القوى التى أفسدت الحياة السياسية فى مصر على مدى العهود السابقة .

وتحولت المعركة بين سكرتير حزب الوفد وبين الثورة إلى صراع طبقى مستميت أستمر حتى يوم وفاته سنة2000 ،

والكل يعلم أن سكرتير الحزب يعلن دائما أنه لا يعترف بالفترة من 23يوليو1952 حتى 28سبتمبر1970 ، وأنها بالنسبة له لا تحسب ولابد أن تحذف !!! ، كما أن الوفد يرى دائما أنه الأمة ، وأن ما عداه دخلاء على هذه الأمة، ولم يحد عن هذه القاعدة منذ أول وآخر حكومة ائتلافية اشترك فيها فى أواخر العشرينات .
وحدث أن معظم القواعد الحزبية فى معظم الأحزاب القديمة قد انصرفت عن أحزابها بعد صدامها مع الثورة وانحازت إلى الثورة .
وكان أن انسحبت القوى الحزبية تدريجيا من الحياة السياسية أمام عاصفة التغيير التى أثارتها ثورة يوليو1952 ، وانتقلت بعض عناصرها إلى منفى اختيارى فى الخارج ، ثم قدمت نفسها أداة طيعة للقوى الاستعمارية المعادية للثورة، وأنشأت إذاعة مصر الحرة بتمويل بريطانيا وإشرافها الكامل ، والتى ظلت تدس سمومها ضد النظام السياسى وقيادة جمال عبد الناصر لسنوات طويلة بعد ذلك .

وبعد تأميم شركة قناة السويس واجتياح طوفان حماس جماهير الشعب كله ، حدث أن ذهب وفد من شباب الطليعة الوفدية وعلى رأسهم واحد من أبرزهم هو أبوبكرحمدى سيف النصر وطالبوا زعيم الوفد مصطفى النحاس بإعلان تأييد التأميم وإصدار بيان بذلك يمكن أن يمهد لمصالحة جديدة بين الثورة وزعيم الوفد مباشرة ، لكن النحاس أعلن أنه بصفته الشخصية يؤيد تماما قرار التأميم ، ويؤيد الثورة بوجه عام ، لكنه بصفته زعيم الوفد لابد أن يجتمع بالهيئة الوفدية لكى يصدر عنها البيان السياسى ، واتصل هؤلاء الشباب بسكرتير حزب الوفد فؤاد سراج الدين لكنهم صدموا بمعارضته للفكرة أساسا ورفضه عقد أى اجتماع، بل قام بالتعقيب بتصريحات علنية يؤكد فيها أن قرار التأميم كان خطأ وتهورا ، ولم يعد أحد من شباب الطليعة الوفدية إلى الحزب بعد هذا اللقاء .

لقد كان البعد الاجتماعى هو نقطة الصدام الحقيقية بين الثورة والوفد ومع سائر القوى الحزبية الأخرى ، ذلك أن هذه القوى كانت تستمد نفوذها السياسى من واقع سيطرتها على النسبة الكبرى من مصادر الثروة الاقتصادية فى البلاد وبخاصة الأراضى الزراعية ، وتعمل على استثمار هذا الوضع فى سبيل فرض هيمنتها على العملية السياسية بالكامل ، يؤكد ذلك نسبة مشاركة ملاك الأراضى والرأسماليين الكبار فى مجالس الوزراء والمجالس النيابية المتعاقبة ومجالس إدارات الشركات الكبرى إلى جانب سيطرتهم على المواقع المهمة والحساسة فى الدولة ومع موجة التغيير التى جاءت بها الثورة والرغبة فى إعادة الهيكلة الاجتماعية والاقتصادية بما يكفل استرداد الأغلبية المسحوقة لحقوقها فى الثروة والسلطة ، فلم يكن من السهل إقامة تعايش مع هذه القوى التى تعمل فقط للمحافظة على مكتسباتها ومصالحها.

ولا يفوتنى أن أنوه فى هذا المجال عن أنه لم يكن غريبا أن يكون دليل حزب الوفد "ملكى" يؤمن بالملكية وبأسرة محمد على الكبير . وليس عجيبا أن يكون المستشار الإعلامى والسياسى للحزب صحفى قضى تسع سنوات فى السجن بتهمة الجاسوسية ، وأمضى زهرة شبابه ضد الوفد وسكرتيره وبنى كل شهرته ومجده فى الدفاع عن الملك فاروق والقصر . كما أنه ليس عجيبا أن يكون كاتب الحزب الأول مديرا سابقا لفندق قى سويسرا تملكه المخابرات المركزية الأمريكية ومديرا سابقا لمحطة إذاعة فرنسية ضد ثورة الجزائر ، وسمسارا ومدير دعاية وترفيه لملوك وأمراء النفط . وبالمناسبة فقد كان مثل اللورد هاو هاو البريطانى الخائن الذى كان يذيع من محطة إذاعة برلين ضد وطنه خلال الحرب العالمية الثانية . فمن أين كان يصرف اللورد هاو هاو المصرى على إذاعته وهو يقول انه عاش مع أسرته فى الخارج أيام الرئيس عبد الناصر لا يملك مالا ولا جنسية ؟ من أين كان يصرف على إذاعته ونشاطه فى أوروبا ؟
من أين كان يحصل على المال ليعيش فى أفخم فنادق أوروبا بل ويمتلك ابن شقيقته الهارب فندقا فى أسبانيا من ذوى النجوم الخمسة ؟
لم يقل لنا أحد منهم كيف تكونت ثروة أسرة أبو الفتح التى امتلك عائلها أسهما فى شركات كثيرة وساهم فى إنشاء بنك القاهرة ؟

نحن نعلم ، والجميع يعلم أن أحمد أبو الفتح بدأ حياته محررا فى صحيفة الأهرام، وباع ما ورثه من أطيان قليلة ليساهم بمبلغ عشرة آلاف جنيه لإنشاء جريدة " المصرى " ، وشاركه فى قيامها كريم ثابت باشا أحد خدام الملك فاروق، والصحفى محمد التابعى الذى كان من أصدقاء الملك فاروق أيضا .
تكونت ثروة أبو الفتح من التجارة فى الورق فى السوق السوداء خلال الحرب العالمية الثانية ولما اشتد عودها ساندتها إعلانات الشركات الأمريكية والبريطانية .

لقد فوجئ المصريون بالوفد يتحالف بل ويندمج مع الإخوان المسلمين وداس على تاريخه. وشن الإخوان المسلمين منذ البداية حربا على الوفد وتحالفوا مع كل القوى السياسية ما دامت هى ضد الوفد ـ وحينما احتج جناح داخل الإخوان المسلمين ونادى بالتعاون مع الوفد طردوا وفصلوا من الجماعة 0 ولم يكن انضمام الإخوان المسلمين إلى الوفد الجديد مجرد انتهازية متبادلة فقط ولكن تعبئة لكل قوى اليمين العلمانى والدينى والسلفى فى تنظيم واحد يحمى المصالح الكبيرة والمدن الحرة ويحفظ مصر فى فلك الغرب الأمريكى وممالك النفط .
إن ما صنعته ثورة يوليو لم يكن وحيا إلهيا ، لكنها نقلت نبض الشعب إلى ساحة العمل الوطنى، ولم يدع لا الرئيس عبد الناصر ولا غيره من قادة الثورة أنهم هم بداية الحركات الوطنية فى مصر ، لكنهم قالوا بأن الثورة هى أداة التحول التى امتلكها الشعب من خلال قواته المسلحة لتغيير واقعه 0

لعلنا كلنا نذكر أن أهم وأبرز شعار رفع قبل ثورة يوليو من جميع الأحزاب السياسية التى كانت متحكمة فى الحياة السياسية، وفى أرزاق هذا الشعب كان مقاومة الفقر والجهل والمرض، وهو ما كان حزب الوفد بصفة خاصة يطنطن به ليل نهار سواء كان يحكم أو كان خارج الحكم، وكان من أشهر الحملات التى قادها هذا الحزب أيضا ما سمى " مشروع الحفاء"، وكان أشهر الأمراض هو البلهارسيا التى تنتقل من الماء إلى الأقدام الحافية ، وكانت مصر تعتمد على محصول واحد هو القطن الذى احتكر زراعته الإقطاع – كان معظم زعماء الوفد من الإقطاعيين- لصالح مصانع لانكشاير !!.

الوفد يلعن ثورة يوليو لأنها أخرجت الإنجليز الذين كانوا سيخرجون فيما بعد ، وأن الثورة أممت شركة قناة السويس، وكان عقدها سينتهى فيما بعد سنة 1968 !!!.
الوفد يلعن ثورة يوليو لأنها أصدرت قانون الإصلاح الزراعى الذى كان شعارا مرفوعا من قبل الثورة !

الوفد يلعن ثورة يوليو لأنها نادت بالقومية العربية والنحاس باشا شارك فى تأسيس الجامعة العربية، كما نادى النحاس باشا بالحياد فى حرب كوريا فالحياد الإيجابى ليس شيئا جديدا.
والقروض أيام عبدالناصر لم تتعدى مليارين من الدولارات بما فيها قروض السد العالى والتصنيع وتسليح القوات المسلحة .. كل القروض فى عهد الرئيس عبد الناصر كانت قروض لأغراض إنتاجية، ولم تكن قروض لسلع استهلاكية، وتحول الاقتصاد المصرى بناء على ذلك من اقتصاد زراعى إلى اقتصاد زراعى وصناعى 0

الوفد يرى أن السد العالى كان وبالا على مصر، وأنه لا فائدة منه طالما أننا تركنا إسرائيل تصنع القنبلة الذرية وتهدد السد ، بل إن الوفد يرى أن مصر مسئولة عن تنفيذ إسرائيل لخط أنابيب أشدود وإنجاز صناعة بتروكيماوية وأسطول تجارى ، وكأن مصر وحدها هى التى تمتلك مفاتيح السياسة العالمية، ولم يقل لنا الوفد كلمة واحدة عن حماية السد العالى لمصر سنوات طويلة من آثار الفيضانات العالية أو نقص المياه فى حالة الفيضان المنخفض مما كان يسبب كوارث فى كلتا الحالتين 0

الوفد ينظر للثورة بعين واحدة ومن زاوية واحدة، وينكر على الشعب المصرى كفاحه ضد المستعمر البريطانى وضد إسرائيل، وطموحه فى مجتمع أكثر تقدما يستطيع المواطن العادى أن يحصل على كافة حاجاته الأساسية من تعليم وصحة ومسكن وملبس؛ مما انعكس على ارتفاع نسبة المواليد، وارتفاع مستوى الأعمار للمواطن المصرى دون ما الدخول فى تعقيدات الإحصائيات وغيرها من الكلام الكبير .. بنظرة قصيرة على إنجازات الوفد وإنجازات ثورة يوليو يمكن للفرد العادى أن يحكم على من كان يعد ولا ينفذ، ومن كان يحقق أمانى المواطن البسيط فى حياة كريمة، على أرض وطن حر قوى.

إن هذه العنتريات التى تكتب الآن ليست إلا من قبيل تصفية حسابات .. لا تبدد من رصيد الرئيس عبد الناصر بقدر ما تبدد من رصيد مصر الإسلامى والعربى والإفريقى والدولى. وإن هذه العنتريات فى نظرى هى نوع من السقوط الأخلاقى يقع فيه كل من تعميهم وتغيبهم أحقادهم عن رؤية الحقيقة، وتسول لهم أنفسهم تشويه الحقائق.

والآن ليس من الصعب الحكم على من أساء إلى من ؟ هل الوفد الذى أساء لثورة يوليو ولمصر والأمة العربية أم العكس ؟ ومن الذى أساء إلى مصر وإلى التاريخ وحتى تراث الوفد نفسه ؟!



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابراهيم عسكر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 841
تاريخ التسجيل : 20/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف   الإثنين 9 سبتمبر - 22:22


ثورة يوليو والشيوعيون

استمرت المنظمات الشيوعية المختلفة الموجودة على الساحة المصرية فى نشاطها تحت الأرض فى مصر ، وكانت المعلومات تشير إلى أن الحزب الشيوعى المصرى هو أنشط تيار، منظمة "حدتو " ( الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى ) تليه فى النشاط ، أما باقى المنظمات ، وكانت معروفة بالاسم ولا يتعدى عددها العشرة ، فكانت محترقة ولم يكن لها تأثير أو وجود على أرض الواقع بشكل مؤثر أو فعال ، وحدثت إندماجات وإنشقاقات بين التيارات الرئيسية وهى الحزب الشيوعى المصرى والحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى " حدتو " ، و التيار الثورى وهى الفروع الثلاثة النشطة إذا قلنا مجازا أن لها قواعد .

وقد لوحظ فى الفترة التى أعقبت قيام الوحدة بين مصر وسوريا أى من العام 1958 حتى العام1962 زيادة النشرات التى كانت تصدر عما كان يسمى بالحزب الشيوعى المصرى ، وكان التوقيع الذى يذيّل كل منشوراته يحمل أسم " الرفيق خالد " .

ولقد اهتم الرئيس جمال عبد الناصر بما يكتبه و أراد أن يعرف من هو الرفيق خالد ، وكلفت الأجهزة أن تتابع هذا الموضوع لكى تكشف من هو الرفيق خالد ، ولكن مضت مدة لم تكن قصيرة نسبيا ولم تستطع الوصول إلى نتيجة إيجابية ولكن إلى تخمينات غير مؤكدة ، مما ترتب عليه أن تدخل عبد الناصر شخصيا بمجهود ذاتى وشخصى منه للوصول إلى حقيقة هذه الشخصية، وكان قد تكون لديه انطباعات واستنتاجات عن حقيقة هذه الشخصية ، لكنه أراد أن يقطع الشك باليقين .

استدعى الرئيس عبد الناصر فى أحد أيام شهر أكتوبر سنة 1964 " أحد الأشخاص " -وأرجو إعفائى من ذكر اسمه لأسباب أخلاقية ومبدئية- وكان لدى الرئيس انطباع قوى أنه يعرف من هو الرفيق خالد .
قال له عبد الناصر : " يا . . . حا أسألك سؤال واحد ، وأنا واثق إنك حا تجاوبنى عليه بحكم العلاقة التى تربطنا ، وبحكم الوطنية التى تجمعنا وبحكم مصريتك ، وثق أن الغرض ليس أبدا أنى أطلب منك أن تفشى أسرار، أو أن تكشف عن شخص قد يكون عزيزا عليك . . ولكنى أرجوك أن تكون يا . . صادقا معى كما كنت طول عمرك . "
إندهش الضيف وقال : " إسأل يا ريس . . إيه هو السؤال؟!
سأله الرئيس : " مين هو الرفيق خالد ؟!
كان السؤال مفاجئا ومباغتا، ولكن بعد تفكير قصير لم تطل مدته أكثر من دقيقة من الزمن قال للرئيس أن الرفيق خالد هو الدكتور فؤاد مرسى .

كان الرئيس عبد الناصر قبل أن يستدعى هذا الضيف قد ظل حوالى شهرين يحلل ويقرأ كتبا وأبحاثا ودراسات لخمسة أشخاص بعينهم ، الدكتور فؤاد مرسى واحد منهم، ووصل إلى شبه قناعة شخصية أن الرفيق خالد قد يكون هو الدكتور فؤاد مرسى ، ولكنه أراد أن يقطع الشك باليقين، ويؤكد هذا الاستنتاج من شخص يعلم تماما أنه يعرف من هو الرفيق خالد ، وصدق ظنه واستنتاجه من أن الرفيق خالد هو الدكتور فؤاد مرسى .
وقبل أن يغادر الضيف بيت الرئيس قال له الرئيس عبد الناصر : " ثق أن هذه المقابلة لن يعلم بها أحد ، فأنت كما كنت دائما شريفا وصادقا ولم تراوغ" .
وعقب هذه المقابلة كلفنى الرئيس بالاتصال بالدكتور فؤاد مرسى ومقابلته ، كما كلف السيد على صبرى بنفس الشيء .

وتمت مقابلات مع الدكتور فؤاد مرسى، وفى أول لقاء سألته لماذا يتواجد باستمرار فى الإسكندرية، فقال لى لو تحبوا ترونى فأنا موجود، وخلقت نوع من الاتصال المباشر معه، وأبلغته بأن الرئيس مهتم بما يكتب .

وحدث نفس الشيء مع السيد على صبرى؛ حيث تناقشا فى إطار الخطة الخمسية، والعمل السياسى والتنظيمات السياسية والاتحاد الاشتراكى، ووجهة نظره فى التنظيمات الحالية وأسلوب العمل الجماهيرى..... الخ، كما طلب منه طرح اقتراحاته وآراؤه فى تطوير العمل .

وفى لقاء آخر معى وكنت قد طلبت منه إبداء رأيه فى نقد التجربة والأوضاع الاقتصادية؛ فقدم الرجل دراسة أبدى فيها رأيه بوضوح وبصراحة ، وفى نهاية اللقاء طلب مقابلة الرئيس عبد الناصر الذى حدد له موعد بعدها بأقل من أسبوع .

فى لقائه مع الرئيس عبد الناصر كاشفه قائلا له أنه كان يعلم أن الرفيق خالد هو نفس الدكتور فؤاد مرسى، وحسب ما دار فى الحديث فقد أبدى الدكتور فؤاد مرسى اندهاشا واستغرابا . ولم ينكر الرجل ولكنه طلب أن يسأل سؤالا واحدا هو : هل الأجهزة هى التى اكتشفت هذه الحقيقة ؟ فقال له الرئيس : لا ، أنا من تتبعى وقراءاتى لما كتبته أنت والآخرين استنتجت أنك الرفيق خالد، وبناء على ذلك تم الاتصال بك . وقال له الرئيس : أنا كنت شاكك فيك إنت أو الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله .

وفى هذا اللقاء أيضا قال له الرئيس : " أننا نمر بمرحلة تعاد فيها صياغة المجتمع ، وهناك ضوابط بالنسبة للمجتمع المصرى وبالنسبة للتطبيق الاشتراكى ، ولا يمكن أن نطبق الماركسية فى مصر ؛ لأن لدينا ما يحول دون ذلك ، ومن ناحية المبدأ نحن لا نأخذ أقوالا ونطبقها ؛ لأن الذى يطبق النظم هم البشر ، ولا أستطيع أن أضع البشر الذين يصوغون التجربة عمليا فى قوالب جامدة ، فلنا تجربتنا الخاصة المختلفة والمتميزة والفوارق جوهرية بين النظرية الماركسية والتطبيق الذى نمارسه لاشتراكيتنا وهو على سبيل التحديد كما يلى :
إن اشتراكيتنا تستند فى أساسها وتطبيقاتها على القيم الروحية ، وتلتزم بما نادت به رسالات السماء ، وعلى سبيل المثال تأخذ اشتراكيتنا بنظام الإرث ، وهو ما ترفضه الماركسية .
إن اشتراكيتنا تؤمن بتذويب الفوارق بين الطبقات سلميا ، ولا تأخذ بأسلوب الصراع والعنف ، فهى تصفى امتيازات ونفوذ الإقطاع والرأسمالية المستغلة ، ولا تصفى الإنسان إنما تحرره من الاستغلال .

إن اشتراكيتنا تحترم إنسانية الإنسان ، وتتيح له فرصة الحياة الكريمة ، ولا تنظر إليه كترس فى آلة ، وإنما ما عليه من واجبات، وهى فى الوقت نفسه ترفض الأخذ بالماركسية التى تضحى بأجيال لم تطرق بعد أبواب الحياة .
إن اشتراكيتنا تؤمن بسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج والهياكل الرئيسية له ، وفى الوقت نفسه تتيح قدرا من المشاركة لنشاط القطاع الخاص تحت الرقابة الشعبية ، فلا تأخذ بالتأميم فى كل جزئيات الإنتاج كما هو الحال فى النظم الشيوعية.
الرأسمالية الغير مستغلة جزء أساسى من تحالف قوى الشعب العامل .

إن اشتراكيتنا تعطى القيادة ديموقراطيا لتحالف قوى الشعب العامل ( العمال والفلاحين والمثقفين والجنود والرأسمالية الوطنية غير المستغلة ) ، وترفض أن تقوم سلطة الدولة على ديكتاتورية البروليتاريا ( الطبقة العاملة ) .
إن اشتراكيتنا فى التوزيع تقوم على مبدأ كل بقدر إنتاجه وعمله ، وليس بقدر حاجته، وفى هذا تكريم للعمل وإثارة لحوافز الإنتاج، بعكس الماركسية التى تطبق مبدأ لكل حسب حاجته .
إن اشتراكيتنا لم تأخذ بتأميم ملكية الأرض ، وإنما آمنت بالملكية الخاصة فى قطاع الزراعة ، وبما لا يسمح بالاستغلال عن طريق تفتيت الملكيات الكبيرة بمقتضى قوانين الإصلاح الزراعى، وزيادة عدد الملاك من صغار المعدمين من الفلاحين .
إن اشتراكيتنا هى بيت سعيد لكل أسرة يقوم على القادرين أى المهيئين للعمل رجالا ونساء ، مجتمع الرفاهية ، مجتمع تكافوء الفرص ، مجتمع العدالة الاجتماعية .
إن اشتراكيتنا هدفها مجتمع الكفاية فى الإنتاج والعدالة فى التوزيع ، مجتمع الكفاية والعدل
نحن نؤمن بالله وكتبه ورسله ، وديننا واضح ، ونحن نتمسك بهذا الدين.
ثم قام الرئيس بشرح الفروق فى التطبيق وبين ما يحدث فى الكتلة الشرقية .

كان الدكتور فؤاد مرسى واضحا وصريحا فى رد فعله على كلام الرئيس عبد الناصر ، فقال (وأنا أذكر تماما نص كلامه ) :
" يا سيادة الريس أنت بإصدارك القوانين الاشتراكية تجاوزت كل ما كنا نطمع فى تحقيقه، ولو تلاحظ سيادتك أننا فى النشرات الأخيرة حاولنا أن نواكب التجربة التى تطبقها؛ لأن نظرتنا كانت قاصرة منذ سنة 1952 حتى صدور القوانين الاشتراكية سنة1961 ، وما واكبها وصاحبها من تطبيق ، الحقيقة يا ريس كان على عيوننا منظار أسود ، كنا متأثرين بأن الحكم العسكرى لن يستطيع أن يحقق التحول الاجتماعى فى مصر بالأسلوب الذى تقوم به وتعلن عنه " .
ورد عليه الرئيس قائلا أنه يرى أن القوة القادرة على إحداث التغيير فى المجتمع من أجل مصر يجب أن تضع أيديها معا فى ظل الشرعية ، وفى ظل إطار قانونى ، وفى ظل مبادئ يسلمون بها، وفى ظل قواعد متفق عليها ، ومن المصلحة أن تلتقى كل الآراء من أجل الوصول إلى التغيير .
وأضاف الرئيس عبد الناصر بقوله : " يا دكتور فؤاد أنا بأطرح عليك رأيا لتفكر فيه ، وهو غير ملزم ، كل ما أطلبه منك إنك تفكر ، وعندما تصل إلى قناعة أو إلى قرار ، فإن بابى مفتوح لك لنتناقش فيما وصلت إليه؛ والموضوع باختصار شديد هو أن تنضم العناصر اليسارية فى الساحة المصرية إلى تحالف قوى الشعب العامل بشكل أو بآخر . . فكروا . . وقدموا مقترحاتكم.. ".
وانتهى اللقاء عند هذا الحد من الحديث .

وبعد هذا اللقاء أصدر الرئيس جمال عبد الناصر تعليماته لى لكى أبلغها للسيد على صبرى الأمين العام للاتحاد الاشتراكى العربى والسيد شعراوى جمعة وزير الداخلية وأمين التنظيم للاتحاد الاشتراكى ولباقى الأجهزة بما دار من حديث ليكونوا على علم بالتطورات الجديدة ، كما أبلغت اللواء حسن طلعت مدير المباحث العامة أيضا بما استجد؛ حيث كان الرئيس قد طلب أن تكف الأجهزة المعنية بالبحث عن الرفيق خالد لأننا عرفنا من هو.
اتصل الدكتور فؤاد مرسى بعد ذلك وأبلغنى ، كما أبلغ السيد على صبرى أيضا أنه قد تم بحث الأفكار التى طرحها الرئيس فى لقائه الأخير معه، وهم يرحبون بالمساهمة فى الاتحاد الاشتراكى، ولو أن هناك مشكلة أن البعض يريد أن يكون لهم وضع خاص.

كان رد الرئيس عبد الناصر قاطعا صريحا وواضحا لا لبس فيه؛ وهو أن من يريد أن يشارك فى العمل العام يدخل كفرد عادى ولا يمثل إلا نفسه فقط . . وكل واحد عاوز ينضم عليه أن يتقدم بطلب للعضوية، ويأخذ موقعه فى محل سكنه جغرافيا أو مهنيا فى مكان عمله .
وبدأت بعد ذلك لقاءات مع السيد على صبرى حول هذا الأمر، وعندما تم الاتفاق أصدرت قيادة الحزب الشيوعى المصرى تعميما داخليا للأعضاء بأن الأمور قد سويت، وأنه يمكن للأعضاء أن يمارسوا النشاط ضمن تشكيلات الاتحاد الاشتراكى كأفراد و لا يمثلون إلا أنفسهم .

و فى هذه المرحلة كان قد تم اتصال من السيد محمد حسنين هيكل مع الدكتور فؤاد مرسى بالاتفاق مع الرئيس عبد الناصر ؛ حيث لعب دورا فى تصفية بعض العقبات على المستويات الشخصية، وليس من ناحية المبدأ، و شارك معه كل من لطفى الخولى ومحمد سيد أحمد بشكل أساسى .
وكانت نتيجة كل هذه الاتصالات واللقاءات فى بداية سنة 1965 أن تم الاتفاق ، دون أى ضغط، على إصدار بيان من الحزب الشيوعى المصرى يعلن فيه حل نفسه ، وأن من يريد مباشرة أو المشاركة فى العمل السياسى فأبواب الاتحاد الاشتراكى مفتوحة على مصراعيها للجميع ، كما تم الاتفاق على أن يتم رفع العزل السياسى عن أعضاء الحزب، واصبح كل واحد منهم مثل أى مواطن عادى ليس له انتماء حزبى، وليس هناك تسلسل قيادى ولا تعليمات ولا تعميمات، وهكذا بدأ أعضاء التنظيمات الشيوعية يدخلون فى وحدات الاتحاد الاشتراكى كأفراد ، وكانوا لا يزيدون عن 950 شخصا .
إن إعلان الحزب الشيوعى المصرى لأول مرة فى التاريخ بنفسه وبإرادته حل كافة تنظيماته سابقة قبل سنوات من انهيار الاتحاد السوفيتى، وإعلان الأحزاب الشيوعية فى الكتلة الشرقية حل نفسها .

عقد بعد ذلك أكثر من لقاء بينى وبين الدكتور فؤاد مرسى وحضرها الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله، وقد تم فى هذه اللقاءات على وجه التحديد بحث قضية كيفية التعامل مع الأرض المستصلحة الجديدة، وأعدا فعلا دراسة تم بحثها فى لقاء مع الرئيس عبد الناصر وهذه الدراسة محفوظة فى أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى .

وبهذه المناسبة فإنى أجد لزاما علىّ أن أتعرض لفرية ترددت بصوت عال فى السبعينات متواكبة مع الحملات التى بدأت مع الارتداد عن خط ثورة يوليو1952 ، وعن تجربة الرئيس عبد الناصر، وبالذات عقب الإفراج الصحى عن مصطفى أمين ، بالإدعاء أن الشيوعيين كانوا مسيطرين على الإعلام المصرى، وأقول لهؤلاء . . اللى إختشوا ماتوا ! وتعالوا نضع النقاط فوق الحروف :
رؤساء أجهزة الإعلام والثقافة فى مصر تولاها كل من صلاح سالم، ومحمد عبد القادر حاتم، وأمين هو يدى، ومحمد فائق، ومحمد حسنين هيكل، وبدر الدين أبو غازى، وثروت عكاشة، وسليمان حزين، وفتحى رضوان .
والمؤسسات الصحفية سواء الأهرام أو أخبار اليوم أو الجمهورية أو روز اليوسف أو دار الهلال أو وكالة أنباء الشرق الأوسط أو الشعب أو الإذاعة أو التليفزيون أو مصلحة الاستعلامات فقد تولى قيادتها كل من محمد حسنين هيكل، ومصطفى أمين، وعلى أمين، ومحمد التابعى، وروزاليوسف، و إحسان عبد القدوس، وأنيس منصور، وإبراهيم سعدة، وجلال الحمامصى، ومحمد زكى عبد القادر، وكامل الشناوى، وأحمد بهاء الدين، وكمال الدين رفعت، وكمال الدين الحناوى، ومصطفى المستكاوى، ومحمد عودة، وموسى صبرى، وأنور السادات، وصلاح سالم، وحلمى سلام، وسعيد سنبل، ومحسن محمد، وسامى جوهر، وسعد عفرة، وأحمد عصمت عبد المجيد، وفتحى غانم، وكامل زهيرى، ومحمد أمين حماد، وفكرى أباظة، و مكرم محمد أحمد، وصلاح الدين حافظ، وصلاح منتصر، ومحمود المراغى، وعبد الله إمام، وسلامة أحمد سلامة، ومحمد عروق، وفاروق شوشة، وجلال معوض، وحمدى قنديل، وأحمد فراج، وهمت مصطفى، وتماضر توفيق، ومحمد محمود شعبان ( بابا شارو ) وصفية المهندس، وسلوى حجازى.. وغيرهم ؟
قولوا لنا من منهم شيوعى ؟ ! .
لقد تولى الأستاذ محمود أمين العالم ، وهو مفكر يسارى محترم وشريف ، المسئولية لفترة بسيطة فى دار أخبار اليوم ثم نقل إلى موقع آخر . ونفس الشىء ينطبق على السيد أحمد فؤاد فى مؤسسة روز اليوسف ،وقتها، ولم يكن هو المسيطر على التحرير؛ بل كانت روزاليوسف مؤسسة ومدرسة صحفية مشتعلة نشاطا، وكنا نقول عنها أنها تصدر فى كل أسبوع منشورات وليس جريدة قومية.

ثم بعد ذلك يقول شيوعيوا حدتو وهم فصيل من التيار الشيوعي فى مصر أن الضباط وبعض المدنيين فى هذا الفصيل هم الذين قاموا أو بمعنى أصح هم الذين صنعوا ثورة يوليو، وأنهم هم الذين أقنعوا خالد محى الدين بأن الرئيس عبد الناصر حقيقة ذو اتجاه مضاد للاستعمار ، وأن هنرى كورييل ـ اليهودى ـ أحد قادة حدتو والمبعد فى باريس من قبل قيام الثورة هو الذى قاد هذا الرأى .

ويقول قادة هذا الفصيل أن استقرار ثورة يوليو كان ثمنه أربعة آلاف جنيه دفعها جمال عبد الناصر الذى دبر أيضا عدد من الانفجارات لإثارة مخاوف الناس من الاندفاع نحو طريق الديموقراطية ، وأن بعض الدول الغربية ـ وتلميحا الولايات المتحدة الأمريكية ـ قررت مساندته فى ذلك .
أما جماهير الشعب المصرى التى لا دخل لها ولا دور لها إلا أن تنقاد لهؤلاء الذين قبضوا الأربعة آلاف جنيه .. ممن وكيف ؟! إن هذا الإدعاء أقل ما يوصف به أنه يمثل قمة الاستهزاء بعقلية وإرادة الجماهير التى هبت بالملايين فى كافة أنحاء البلاد تدعم الثورة وتساندها، وتحمى ظهرها فى الداخل.

لقد كنا فى هذه الفترة نعمل فى القسم الخاص بالمخابرات العامة ، القسم المسئول عن الشئون الداخلية بمختلف مناحيها بالتنسيق مع إدارة المباحث العامة ، وعلى وجه التحديد كل من : محى الدين أبو العز ومحمد وفاء حجازى ـ السفير فيما بعد ـ وسامى شرف وصلاح الدسوقى أركان حرب وزارة الداخلية ـ المحافظ والسفير فيما بعد ـ ويوسف القفاص والسيد إبراهيم وحسن طلعت وأحمد صالح داود من ضباط المباحث العامة ، نتابع التطورات لحظة بلحظة ؛ سواء على الصعيد العسكرى أو على صعيد الشارع المدنى، وكانت هناك غرفة عمليات تعمل ليل نهار، ولم نر أو نسمع أو نعلم أن أموالا دفعت أو وزعت من أجل تثبيت الثورة ، بل الذى أقطع به أن تحركات كافة القطاعات كانت تلقائية، ومن موقع تقدير المسئولية .
ولقد تعرضت بالتفصيل لهذه القضية فى فصل أزمة مارس 1954 فى مكان آخر من هذه الشهادة.
وإضافة إلى فرى الشيوعيين ضد ثورة يوليو ما يشيعونه بأن الثورة كانت تعمل ضد الديموقراطية.. من الممكن أن يقبل ذلك الحديث من أى أحد إلا الشيوعيين؛ فتاريخ الشيوعية ينضح بكافة الممارسات التى تتنافى تماما مع مبدأ الديمقراطية!! ثم أن من يحاول الترويج لهذه الفرية؛ سواء من الشيوعيين أو غيرهم لم يحددوا لنا أى ديموقراطية يقصدونها بالضبط؛ هل يقصدون ديمقرطية " ستالين " أم ديموقراطية " العم سام"؟!! إذا ما كانوا يقصدوا أى منهما فأنا معهم.. نعم ثورة يوليو لم تكن مع هذا أو ذاك، وشرف لها أن تكون كذلك؛ لأنها ثورة أسمى من أن تبطش بشعبها أو تزيف وعيهم، وتستخف بعقولهم بكلمات براقة ليس فيها من الحقيقة شئ. قائد ثورة 23 يوليو أدرك أن لكل مجتمع تقاليده ومورثاته وتجربته السياسية التى قد تتفق فى بعض جوانبها مع تجارب الآخرين، إلا أنها أيضا تختلف فى جوانب أخرى بما تتميز به من خصوصية- فلكل مجتمع خصوصية تميزه عما سواه – بما يعنى أن استيراد أنماط جاهزة مستقاة من تجارب سياسية أخرى تختلف عنا اختلافا جذريا لتطبق لدينا – كما يروج البعض الآن من مشاريع الشرق الأوسط الكبير وغيره- كان كفيلا بأن يحكم بالفشل على تجربتنا من البداية.. أدرك الرئيس عبد الناصر ذلك، وكان مبدأه أن نستفيد من تجارب الآخرين .. نقاط القوة فيها، ونأخذ منها ما يناسب خصوصية مجتمعنا، ويتوافق مع أهدافنا، وظروفنا السياسية، والتحديات التى كانت تواجهها الثورة فى الداخل والخارج).

وهنا لدى سؤال؛ هل كان الدكتور عبد الرزاق السنهورى، وفتحى رضوان، والدكتور سيد صبرى، كما يقول هؤلاء الشيوعيون يشجعون العسكر على الاتجاه ضد الديموقراطية ؟
وأسأل مرة ثانية هل عندما تولوا مسئولية جريدة " المساء " التى كانت تصدرها مؤسسة دار التحرير التى يرأسها الرئيس جمال عبد الناصر ، وتتبنى اتجاهات الثورة .. لماذا قبلوا تولى المسئولية ما دامت الثورة لم تكن تطبق الديموقراطية كما يدعون ؟ بل كانوا يكتبون فيها ما يشاءون !! كل هذا ولم تكن هناك ديموقراطية ! عجبى ! .

ثم يقولون بعد ذلك أن هزيمة يونيو 67 كانت بسبب أزمة الديموقراطية ! نحن نفهم طبعا ما هى الديموقراطية، ولا نقلل من أهميتها وإن اختلفنا فى تحديد المفاهيم وفى تشخيص ما إذا كان نظام الرئيس عبد الناصر يعانى من أزمة ديموقراطية أم لا . لقد كان الاتحاد السوفيتى يدعى أنه نظام ديموقراطى، وكانت حدتو وغيرها من الفصائل الشيوعية تؤيده، وتتلقى الأوامر منه ومن توابعه فى بلغاريا مثلا . . ومع ذلك فقد انهار هذا النظام بصورة مهينة لقاء حفنة من الدولارات، وإلقاء محاضرات، وعقد لقاءات تليفزيونية فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، وفيلا سكنية فى إيطاليا .
وفرنسا أم الحرية والديموقراطية والأحزاب ذات الصوت العالى ، اكتسحتها جحافل النازية فى لمح البصر وسقط النظام سقوطا كاملا .
وقمة الديموقراطية الولايات المتحدة الأمريكية -كما تدعى لنفسها- نسف أسطولها وطيرانها بالكامل فى لحظات فى بيرل هاربور ، ولم تشفع لها الديموقراطية ولا حقوق الإنسان .

إن قضية الديموقراطية هى بلا شك من قضية هامة ، ولكنها أيضا ذريعة ، وباسمها ترتكب الجرائم والخطايا؛ فالديموقراطية مثلا هى الشعار الذى ترفعه الرأسمالية والإمبريالية الجديدة فى حربها ضد الثورة الوطنية والاجتماعية فى العالم الثالث ، وضد الاشتراكية فى المعسكر الاشتراكى ، فهى تزعم أن معركة العصر هى معركة بين الديموقراطية وبين الشمولية، وليست بين الرأسمالية والامبريالية.

والديموقراطية التى تعترف بها وتريد تطبيقها كنموذج يحتذى للعالم الثالث هى ديموقراطية فورموزا بقيادة تشيانج كاى شيك ، أو ديموقراطية كوريا الجنوبية وأخيرا ديموقراطية إسرائيل .

ولكن النظم الأخرى ، نظم عبد الناصر فى مصر، وسوكارنو فى اندونيسيا، وسيكوتورى فى غينيا فهى نظم ديكتاتورية شمولية شيوعية لابد من مقاومتها من أجل الديموقراطية .
والديموقراطية كانت الذريعة التى انشقت بها الحركة الاشتراكية الدولية بمساهمة القوى الرأسمالية والاستعمارية ، وانقسمت إلى أحزاب اشتراكية ديموقراطية تهاجم الأحزاب الاشتراكية اليسارية، والأحزاب الاشتراكية الماركسية؛ بحجة واحدة هى افتقادها وعدوانها على الديموقراطية.

إن الديموقراطية فى البلاد التى عانت من الاستعمار والاستغلال الأجنبى لابد أن تبدأ أولا بالديموقراطية الاقتصادية والاجتماعية، وهدم النظام القديم بكل كياناته وعلاقاته. فلا يمكن أن تقوم ديموقراطية فى ظل الأمية أو الجوع أو المرض أو البطالة تظلل أغلبية سحقها الاستبداد والاستغلال . لا أعنى بذلك بالطبع أننا كنا مثاليين؛ كانت هناك تجاوزات لن ننكرها، واعترف بها الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه بها أكثر من مرة فى أقوى وأجرأ نقد ذاتى للتجربة – إن هذه التجاوزات موجودة فى أقدم ديمقراطيات العالم ولدى كل من يدعى أنه ديموقراطى، ولنا فيما حدث للعرب والمسلمين فى بريطانيا و الولايات المتحدة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، وما تفعله الولايات المتحدة مع الشعب العراقى، وكذلك ذنبها الكيان الصهيونى مع شعب فلسطين ما يؤكد صدق ما أقول- ، ولم يكن هدم المجتمع القديم ليتم بالحوار والإقناع بل كان لابد من التشدد مع طبقة قهرت وأذلت الشعب طويلا . ومهما كانت التجاوزات فى التطبيق فإنها لا تبرر اتخاذ البعض لها ذريعة للتنديد بالثورة . وإن تجاوز الشرعية قد صاحب كل الثورات فى العالم شرقه وغربه بلا استثناء ( أمريكا ـ فرنسا ـ روسيا ) ، والثورة ليست حفلة وإنما صراع قوى وهائل. وما حدث فى مصر من تجاوزات لا يقارن فى شىء بما حدث فى ثورات أخرى غربية أو اشتراكية أو عربية ، لا يقاس فى شىء بما حدث فى الثورة الأمريكية أو الفرنسية والروسية وفى الثورة الجزائرية والعراقية .
إن ما حدث من تجاوزات ينبغى ألا يؤخذ وسيلة لإنكار كل ما حققته الثورة أو تكئة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء .

والإقطاع والرأسمالية المصرية حكمت مصر طويلا وتمخض عن حكمهم أن 99.5% من الشعب فى أدنى درجات الإنسانية وتجاوزات القانون والشرعية تعنى أول ما تعنى البحث عن أفضل شكل لديموقراطية اشتراكية لا تنفصل فيها الديموقراطية السياسية عن الديموقراطية الاقتصادية أو الديموقراطية الثقافية، وهى لا تعنى أبدا إعادة الديموقراطية الرأسمالية الغربية أو سيادة قوانينها . وإن ما حدث من تجاوزات كان حالات واستثناءات لم يكن القانون، ولم يعلن الإرهاب العام ولكن انحرافات وشذوذ ومن الافتراء الاستناد إليها للقول بأنها –الثورة- سحقت مصر والمصريين، ولا يجوز إطلاقا أن يشوه عظمة التجربة، ونبل أهدافها ومبادئها، وقوة انجازاتها؛ .


طبعا كلامى هذا ليس تقليلا أو ينال من الإيمان بضرورة تطبيق الديموقراطية التى سعت الثورة بكل طاقاتها فى محاولات لتطبيقها التطبيق السليم لتستند على أساس تطوير المجتمع .. مجتمع الكفاية والعدل، وليس مجتمع النصف فى المائة .

هناك سؤال يطرح نفسه على أى سياسى مصرى وهو : لمن كانت ستمنح الحرية السياسية والديموقراطية فى بدايات الثورة ؟
هل كانت ستتاح للباشوات والبكوات والإقطاعيون ومجتمع النصف فى المائة ؟ أم كان من المفروض أن يقودها الفلاح والعامل والفقير الذين طحنوا قرونا طويلة تحت سيطرة الاستعمار وأعوانه وعملائه ؟
وإذا سلمنا بأن الديموقراطية حق لابد من انتزاعه ، فمن كان سينتزعه ؟ شعبا يعانى الفقر والجهل والمرض .

الديموقراطية حق لا يمنح ، بل ستظل دائما وأبدا معركة الشعب المستمرة من أجل المشاركة الفعلية فى الحكم، ومن أجل حرية الكلمة، وحرية النقد والمعارضة، وممارسة النقد الذاتى .

وإذا كانت الديموقراطية فى زمن الرئيس عبد الناصر طبقت بمفهوم حق المواطن فى التعليم المجانى والعمل والعلاج المجانى، وإتاحة الفرص المتكافئة أمام الجميع بدون أى استثناء، وكانت تعنى على الجانب الآخر حق العمال فى المشاركة فى إدارة مصانعهم وشركاتهم، وحق الفلاح فى امتلاك الأرض ، وحق المشاركة فى عضوية المجالس والمؤسسات السياسية والنيابية بنسبة تمثل حقيقة حجمهم فى المجتمع .

لقد سلمنا عبد الناصر الأمانة لنكمل نحن المسيرة بعد الوصول إلى مرحلة النضج السياسى والاجتماعى بمفهوم التعددية السياسية ، كما نادى بها هو قبل رحيله فى اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى العربى يوم3 أغسطس سنة 1967 . فهل نحن قادرون على تحقيق هذا الهدف أم سنظل نتباكى على الديموقراطية المفقودة ظلما ؟. وإذا كان نظام عبد الناصر هو السبب فى تعطيل مسيرة الديمقراطية، فماذا عطلها بعد رحيله؟!!

إن الحرية طريق لا نهاية له ، ولسوف يظل جمال عبد الناصر رمزا حيا للكبرياء الإنسانى والكرامة.. ليس فى مصر فقط بل فى الوطن العربى قاطبة ، إن لم يكن فى العالم الثالث كله .

وإنى أحب أن أضع تحت أنظار القارئ الكريم ورقتين أنهى بهما بهذه الشهادة :

الأولى: هى تقدير للموقف بخط يد الرئيس جمال عبدالناصر عن الشيوعية فى الجمهورية العربية المتحدة .

والثانية: هى صورة فوتوغرافية للخطاب الذى تسلمه الرئيس جمال عبد الناصر، والذى يقرر فيه قادة التنظيمات الشيوعية المصرية بخط يدهم وبإرادتهم الحرة حل كافة تنظيماتهم فى الجمهورية العربية المتحدة ، والذى سلمونى إياه فى مكتبى بمنشية البكرى . 24


والبرقية المرفقة بهذه الرسالة تشمل أيضا مشاركة باقى قادة التنظيمات الشيوعية الذين حالت ظروفهم من أن يوقعوا بأنفسهم على الرسالة ، وناب عنهم السيد محمد كمال عبد الحليم.

( ويقول "جون بادو" سفير الولايات المتحدة الأمريكية فى مصر : " أن كينيدى كان يعلم كما كان هو يعلم تماما أن عبد الناصر لم يكن شيوعيا، وإنما كان ثوريا عمليا " ، بل ويذهب بادو إلى القول بأن الولايات المتحدة كانت تسعى فى ذلك الوقت لإنجاح تجربة عبد الناصر والتى أسماها "الاشتراكية البراجماتية " للدولة بدلا من أن تندفع مصر فى طريق الشيوعية السوفيتية ، وقد كان يطمئنهم فى ذلك أن ناصر لم يكن أيديولوجيا ، فقد كان يأخذ بعض الأشياء من النظم الاشتراكية ، لكنه كان أيضا يأخذ أشياء أخرى من النظم الرأسمالية كلما وجد أن فى هذا أو ذاك مصلحة عملية لاقتصاد بلاده 0

(وبالمناسبة فإنى أقرر هنا أنه حدث تجاوز تلقائى تم بمعرفة إثنين من ضباط البوليس الحربى؛ وهما أحمد أنور، وحسين عرفة اللذين توجها إلى مجلس الدولة فى محاولة للاعتداء على الدكتور عبدالرزاق السنهورى بتصرف شخصى وفردى منهما وبدون الرجوع لأى مسئول كبير من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، وذلك عقب وصول إشاعة لهما تفيد بأن مجلس الدولة سيصدر فتوى قانونية ضد الثورة ، ولقد حال الرئيس جمال عبد الناصر دون إتمام هذه المحاولة عندما بلغه ما هما مقدمان عليه فى اللحظة الأخيرة، وتم الاعتذار للدكتور السنهورى بواسطة الرئيس عبد الناصر . وأحب أن أؤكد هنا أنه لو كانت هناك تعليمات للقيام بمثل هذه الاعتداءات لكان قد تم الاعتداء على نقابة المحامين التى كانت قد أصدرت فعلا فى ذلك الوقت بيانا ضد الثورة ، أو كان تم الاعتداء على جريدة المصرى التى كانت بوقا ضد الثورة!!

(الولايات المتحدة الأمريكية تتدخل فى الشئون الداخلية للدول، وتغير أنظمة دول من أجل خدمة مصالحها الخاصة تحت ذريعة نشر الديمقراطية، وما فكرة مبادرة الشرق الأوسط الكبير التى تروج لها الآن فى الوطن العربى إلا ذريعة من جانب الولايات المتحدة للتحكم فى المنطقة، وتغيرها لصالح الكيان الصهيونى.
تمت بحمد لله واسف للاطالة



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الهام سنوات و أيام مع جمال عبد الناصر بقلم سامى شرف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: المنتدى العام [ General Section ] :: مواضيع عامة(General)-
انتقل الى: