منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الدروس المستفاده من الهجرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شعبانت
المدير
المدير


ذكر عدد المساهمات : 3407
تاريخ التسجيل : 01/10/2010

مُساهمةموضوع: الدروس المستفاده من الهجرة   الخميس 7 نوفمبر - 22:11

الدروس المستفاده من الهجرة الدروس المستفاده من الهجرة الدروس المستفاده من الهجرة الدروس المستفاده من الهجرة


الدروس المستفاده من الهجرة
ماذا نتعلم من الهجرة ?!

بقلم / الدكتور محمد عبده يماني رحمه الله

الجزء الأول :


إن كثيراً من عقلاء الأمة والمهتمين بأسس التربية وغرس الثقافة الاسلامية في نفوس الناشئة ينظرون الى قضية الهجرة على أنها حدث فيه دروس نستفيد منها لأنها تمثل جانبا مشرقا من تلك السيرة النبوية العطرة ، ونتعلم منها اسرار الهجرة ومجرياتها خاصة ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد صبر واحتسب ثم انتظر امر الله والاذن بالهجرة ، ثم هاجر وخطط لانطلاقته ومسيرته فدعونا ننظر الى تلك الدروس التي يمكن ان نستفيد منها خلال مطالعاتنا لهجرته صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة الى المدينة المنورة .
الدرس الأول :
من ينظر بعمق في خطوات الهجرة النبوية وترتيباتها يلاحظ انها لم تتم بصورة عفوية ولا بتحرك عشوائي او مجرد رغبة في الخروج او الهروب من مكة المكرمة ، ولكنها كانت نقلة استراتيجية هامة حرص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على حماية الدعوة بعد ان اشتد عليها الضيق والأذى في مكة المكرمة ، وازداد عناد قريش وظلمها وقسوتها عليه وعلى صحابته رضوان الله عليهم ، حتى امعنت فيهم تعذيبا وظلما بدون وجه حق ، فكان لابد من الانتقال الى مكان آمن آخر يسمح للدعوة بأن تتنفس الصعداء ، ثم جاء أمر الله عز وجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن له بالهجرة .
الدرس الثاني :
ان المتتبع لمراحل الهجرة النبوية يلاحظ ان النبي صلى الله عليه وسلم احاطها بسرية كاملة ، حرص فيها على ان لايعلم احد بموعدها ولا طريقها ، ولا وجهتها ، واخفى كل ذلك حتى عن اقرب المقربين له سيدنا ابي بكر الصديق رضي الله عنه الرجل الذي وقف معه وآمن به وآزره وأحبه الحب كله . وكان هذا الصحابي الجليل اول من آمن من الرجال برسول الله صلى الله عليه وسلم وبدعوته ، ومع ذلك اخفى النبي صلى الله عليه وسلم موعد الهجرة وخطواتها عنه وعن الجميع ، وهو بهذا يعلم الأمة كيف يتصرف القائد عندما يتصدى لحدث هام ، او ينتقل الى مرحلة أخرى ، وكأننا به يعلمنا ويعلم الأمة : « استعينوا على انجاح حوائجكم بالكتمان « فأحاط ترتيبات الهجرة بسرية تامة ، وعندما اخبر ابا بكر الصديق بأنه سيهاجر وفهم ابوبكر انه سيكون صاحبه في الهجرة بدأ الصديق يعد لوازم الرحلة وادواتها من رفيق خبير بالطريق وراحلة تنقل النبي وأخرى تنقله ، فلما جاء الإذن بالهجرة اعلمه بموعدها وبدأت مراحلها الشريفة .
الدرس الثالث :
الهجرة درس يعلمنا ان نخطط بدقة لكل الأمور في حياتنا ثم نتوكل على الله والايمان الكامل به فهو نعم المولى ونعم النصير مثلما خطط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واتمها على افضل وجه ، وهو الذي يعلمنا درسا : « ان الله يحب اذا عمل احدكم عملا ان يتقنه « .
الدرس الرابع :
الهجرة درس يعلمنا قبول اختيار الله وحبه والامتثال له فالمتتبع لمراحل الهجرة يدرك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما غادر مكة المكرمة التي احبها وولد ونشأ وترعرع بين جنباتها قال : « اللهم وقد اخرجتني من احب البقاع الي ، فاسكني في احب البقاع اليك « فكانت الهجرة الى يثرب المكان الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لهذه الهجرة ، واصبح اسمها بعد ذلك المدينة المنورة والتي اشرق فيها نور الاسلام بوصول خير الأنام ، وهي المكان الطيب الطاهر الكريم والمهاجر الأمين
الدرس الخامس:
من الدروس المهمة التي نستفيد منها عمق الإيمان والثقة بالله عز وجل عندما خاطب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه يطمئنه ويثبته رغم إحاطة قريش بالغار ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا تحزن ان الله معنا ) ، هنا يعلمنا درسا إلى يوم القيامة أن من كان مع الله كان الله معه ومن كان الله معه لا يخشى شيئاً غير الله وعليه أن يتذكر المعية حتى يكون أهلاً لها. وفي هذا الدرس تعلمنا كيف حفظ الله سيدنا محمدا ورفيقه ، : { فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وعادت قريش خائبة خاسرة.
الدرس السادس:
من دروس الهجرة التي نتعلمها كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار الرفيق المناسب الصديق المؤمن الأول من الرجال وهو رجل عرف بالصدق والتصديق بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الاختيار في محله لأن أبا بكر الصديق ساهم في إعداد الراحلتين واختار رجلاً مؤمناً من بني عدى ليشرف على إعداد الراحلة ولم يخبره بموعدها ولا بوجهتها ثم اختار عامر بن فهيره مولاه أن يرقبهما إلى أن استقرا في الغار بعد ذلك كلف ابنه عبد الله ان يأتيهما بلبن ، وكان يخبره بما سمع ويسمع في مكة ثم كلف ابنته أسماء أن تعد لهم الزاد الذي يتبلغان به في سفرهما أثناء الرحلة.
الدرس السابع:
من المعجزات التي ايد الله بها سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عندما خرج من بيته ليلة الهجرة ان غشي ابصار القوم الذين كانوا ينتظرون خروجه ليقتلوه ، فخرج ولم يروه وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج : (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لايبصرون) ، وكذلك فعل الله بالذين وقفوا على الغار ، وقال مقتفوه : هنا انقطع الأثر فوقفوا على فم الغار ، ولم يروه ، وقد انزل الله عز وجل في ذلك : { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وهما معجزتان من الله عز وجل لهذا النبي الكريم .

الجزء الثاني

هذه حلقة نواصل فيها الحديث عن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم والمعجزات العظيمة التي تمت فيها والدروس التي نستفيدها منها لنعمق في انفسنا وفي اجيالنا الحب والتعلق ، بسيرته صلى الله عليه وسلم وبهجرته الشريفة.
الدرس الثامن:
ثم تأتي المعجزة الأخرى عندما علم سراقة بأن قريش قد وضعت جائزة كبيرة لمن يأتيهم بخبر سيدنا محمد فأنتظر حتى هدأ القوم وذهب ليتتبع مسير رسول الله ولكن هنا معجزة أخرى بعد أن ساخت الأرض تحت أقدام فرسه وفي الوقت نفسه عاد عن هدفه الذي جاء من أجله وتحقق في هذا الحدث وعد الرسول صلى الله عليه وسلم من إلباسه لسواري كسرى كما وعده في تلك اللحظات.
الدرس التاسع:
أما المعجزة الأخرى فهي إدرار لبن شاة أم معبد حتى روتهم وشربوا من لبنها ، وكانت شاة مريضة ليس فيها لبن ، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم معبد في حلبها فأذنت ، فمسح ضرعها وسمى الله تعالى فدرت فدعا بإناء فحلب فيه حتى امتلأ وسقى ام معبد حتى رويت ، ثم شرب ، وشرب من كان معه ، وبقيت بقية من اللبن ، فلما جاء ابو معبد وسألها عن اللبن قصت عليه الخبر فقال : هذا صاحب قريش ( يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وكل هذه دروس ربانية نتعلمها.
الدرس العاشر:
عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وتسابق الناس ليضيفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولينزل عندهم ، وكان يرد عليهم ويقول: (دعوها فإنها مأموره) فبركت في المكان الذي كان مكان بيته ومسجده الشريف وحمل ابو ايوب رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل عنده ، ففاز ابو أيوب بضيافته حتى بُني للنبي صلى الله عليه وسلم بيته الشريف.
الدرس الحادي عشر:
الدرس المهم الآخر الذي نتعلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قرر بناء المسجد النبوي الشريف ساهم بنفسه وحمل التراب والحجارة على كتفه الشريف ثم بعد انتهاء المسجد لم يجعله للصلاة بل جعله مركزاً متكاملا للصلاة وقراءة القرآن وسماع الحديث والدروس المختلفة التي كان يلقيها عليهم رجالاً ونساءً ثم كيف جعله مركزاً لإدارة الدولة الجديدة ، ولتجهيز الجيوش وللقضاء بين الناس ليعلمنا أنه هكذا تكون المساجد وأنه يجب على العالم الإسلامي أن لا يجعل المساجد للصلاة فقط بل لابد أن تحقق فيها رسالة المسجد المتكاملة.
الدرس الثاني عشر:
الدرس الذي نتعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضوع إعطاء كل ذي حق حقه هو أنه حرص عليه الصلاة والسلام على سداد قيمة الأرض التي ستكون مكان المسجد النبوي الشريف وكانت لغلامين من بني النجار ولم يقبل بها دون ثمن بالرغم من اصرارهما على منحها له صلى الله عليه وسلم لإقامة المسجد وإنما اعطاهم حقها ليعلمنا هذا الدرس الكبير.
الدرس الثالث عشر:
الدرس الذي نتعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته للمدينة انه بدأ بتأسيس الدولة الإسلامية بعد أن كانت المرحلة المكية مرحلة دعوة وتربية وارساء عقيدة التوحيد ، ثم كانت المدينة مرحلة اقامة الدولة الإسلامية وترسيخ مقوماتها وبدأ بالمؤاخاة بين الناس وإرساء أواصر المحبة وترسيخ عرى الأمن والحب والتعاون بين المهاجرين والانصار وعاهد اليهود واعطاهم حقوقهم في وثيقة وقعها معهم لتحفظ لكل ذي حق حقه .
الدرس الرابع عشر:
في هذا الدرس نتعلم من هجرته صلى الله عليه وسلم كيف حفظ للذميين جميعاً ، ولأهل العهود عهودهم ودماءهم وقال « من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة » وقال ايضا :
« الا من ظلم معاهدا او انتقصه او اخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة » .
وختاماً فإن هذه لقطات من دروس عظيمة من الهجرة النبوية التي نحتاج إلى تذكرها وتذكيرها لاولادنا والاستعانة بها وبما جاء فيها من دروس عظيمة لمسيرة هذه الأمة الإسلامية الخالدة اذا ما سارت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
والله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السبيل.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شعبانت
المدير
المدير


ذكر عدد المساهمات : 3407
تاريخ التسجيل : 01/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الدروس المستفاده من الهجرة   الخميس 7 نوفمبر - 22:12


بسم الله الرحمن الرحيم
 الخطبة الاولى
 الحمد له رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام: لا شك أنكم جميعاً تعلمون موضوع الخطبة نحن في أول يوم من أيام السنة الهجرية والهجرة أيها الإخوة ما هي إلا جزء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت أقول دائماً افتراضاً لو لم يكن هناك كتاب ولا سنة لكانت سيرة النبي الصحيحة وحدها منهجاً كاملاً لهذا الإنسان ذلك أن الكون قرآن صامت والقرآن كون ناطق والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، قرآن يتحرك، قرآن يتعامل مع الخلق، فحينما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان خلقه القرآن، والنبي من مسلمات العقيدة معصوم من أن يخطئ في أقواله وفي أفعاله وفي إقراره وفي صفاته لأنه معصوم، أمرنا الله عز وجل أن نأخذ عنه وأن ننتهي عما نهانا عنه، قال تعالى:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر: الآية 7]
 وهناك قاعدة في أصول الفقه تقول ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة ذلك أن الوضوء فرض لأن الصلاة التي هي فرض لا تتم إلا به، فإذا أردنا أن ننفذ أمر الله عز وجل، وكل أمر الله في القرآن يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، إن أردنا أن نطبق هذه الآية:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[ سورة الانفال]
 كيف نأخذ ما آتانا وكيف ننتهي عما عنه ؟ نهانا إذاً معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية فرض عين، فرض عين على كل مسلم وتعلمون ما معنى فرض عين إن لم تفعل فقد هلكت وحينما قال الله عز وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 21]
 كيف يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة لنا ؟ كيف أنفذ هذه الآية ؟ كيف أجعل من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ومن علاقات النبي ومن حركات النبي ومن مواقف النبي قدوة لي ؟ إن لم أتعلم سيرة النبي فسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم وهجرة النبي ونحن في يوم الهجرة جزء من سيرته.
 أيها الإخوة الكرام: بل إن بعض العلماء يقول: إن حركة النبي، مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم أبلغ في التعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله ذلك لأن أقواله تحتمل التأويل بينما أفعاله لا تحتمل التأويل، والشيء الذي يلفت النظر هو أن النبي الكريم له عند الله مهمتان قد يتبادر إلينا جميعاً أن المهمة الأولى والأخيرة هي التبليغ والحقيقة أن المهمة الكبرى هي القدوة ذلك أن التبليغ يحسنه أي إنسان، أي إنسان فصيح اللسان قوي الذاكرة عنده أسلوب قوي يبلغ لكن الناس لا يتعلمون بآذانهم بل يتعلمون بعيونهم الذي فعله الأنبياء يفوق حد الخيال بسبب بسيط هو أنهم فعلوا ما قالوا وحينما يخفق الدعاة إلى الله على كثرتهم لسبب بسيط أنهم قالوا ولم يفعلوا لذلك أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قدوةً لنا يقتضي ذلك أن نعرف سيرته ومن أبرز سيرته هجرته صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام لأن الله جعله قدوةً لنا وأسوةً حسنة ومثلاً أعلى أذاقه الله كل شيء، أذاقه الفقر حتى إذا نصح الفقراء بالصبر ذاق الفقر، دخل إلى بيته مرةً فقال: هل عندكم شيء ؟ فقالوا: لا، قال: فإني صائم. وذاق الغنى فسأله أحد رؤساء القبائل لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال: أتهزأ بي ؟ قال: لا والله إنه لك، قال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
 أذاقه القهر كما يقهر المسلمون اليوم، أذاقه القهر في الطائف فقال: يا رب إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى صديق ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي.
 أذاقه النصر في مكة، ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم و ابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء، أذاقه موت الولد إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع وما نقول إلا ما يرضي الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.
 وأذاقه أن تطلق ابنته وقد طلقت إحدى بناته، أذاقه أن يشيع الناس أن زوجته التي هي أقرب الناس إليه وقعت في أثمن ما تملكه فتاة، تكلم الناس في عرضها في حديث الإفك، ذاق كل شيء ووقف من كل شيء الموقف الكامل لذلك كان قدوةً لنا وأسوة.
 شيء آخر أيها الإخوة: الأحداث التي وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام مقصودة لذاتها لم تقع صدفةً إنما وقعت لحكمة بالغة ليكون الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الأحداث مشرعاً وليظهر كمال النبوة في حركته في الحياة.
 أيها الإخوة الكرام: هذه ومضات من موقع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الدين العظيم ولكن الهجرة ونحن في ذكراها اليوم، أنا لا أشك أن واحداً منكم لا يعرف وقائع الهجرة إن وقائع الهجرة يعرفها المسلمون جميعاً ولكن العبرة في شفافية الحدث في أن تستنبط من الحدث قاعدةً تنتفع منها في حياتك اليومية، نريد أن نسقط كما يقول بعضهم الآن وقائع الهجرة على واقع المسلمين اليوم.
 أولاً شاءت حكمة الله أن يجعل من أكبر سنن هذا الكون نظام السببية فكل سبب له نتيجة وكل نتيجة لها سبب، نظام السببية أحد أكبر قوانين هذا الكون، لماذا جعل الله نظام السببية ؟ لأنك كلما رأيت نتيجةً بحثت عن السبب بحكم نظام الكون والسبب ينقلك إلى السبب الذي قبله والسبب الذي قبله إلى الذي قبله إلى أن تصل بشكل لطيف إلى مسبب الأسباب إلى الله، كأن نظام السببية طريق إلى معرفة الله ولحكمة بالغة جعل عقل الإنسان مبني على مبادئ ثلاث أحد هذه المبادئ مبدأ السببية فعقلك لا يقبل شيء من دون سبب، لا يقبل عقل في الأرض شيئاً من دون سبب كما أنه لا يقبل شيئاً من دون غاية كما أنه لا يقبل التناقض هذه مبادئ العقل، يا الله ما هذا التوافق العجيب بين مبادئ العقل ونظم الكون ؟ توافق مبادئ العقل مع نظم الكون تصل من خلالهما إلى الله عز وجل ولكن، ولكن الذي وضع نظام السببية في أية ثانية قادر على أن يعطله فقد تجد نتيجةً بلا سبب كسيدنا عيسى عليه السلام من دون زواج من دون أب وأم، وقد تجد شابين شاباً وشابة في ريعان الشباب ولا ينجبان قد يكون السبب ولا تكون النتيجة وقد تكون النتيجة ولا يكون السبب لماذا ؟ لئلا نؤله الأسباب ينبغي أن نؤله الله خالق الأسباب ومسبب الأسباب ومعطل الأسباب أحياناً وخالق النتائج بلا أسباب.
 لذلك أيها الإخوة: عليك أن تأخذ بالأسباب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة وكأنها كل شيء ما من ثغرة إلا وقد غطاها الرسول صلى الله عليه وسلم هيأ رجلاً يأتيه بالأخبار وهيأ رجلاً يمحو الآثار وهيأ خطةً تبعد عنه الشبه اتجه نحو الساحل واستقر في غار أيام ثلاثة حتى يخف الطلب عنه وهيأ دليلاً غلب فيه الخبرة على الولاء ولم يدع ثغرةً إلا وغطاها أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء فلما وصلوا إليه وأصبح أحدهم على بعد أمتار منه وقال الصديق رضي الله عنه لرسول صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدمه لرآنا. الآن لأنه أخذ بالأسباب طاعةً وأخذ بالأسباب تعبداً ولم يعتمد على الأسباب كما يفعل أهل الغرب، قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
 إذاً أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء، أنت في سيرك على طريق عن يمينه واد سحيق وعن يساره واد سحيق إنك إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها كشأن الغرب وقعت في الشرك، من اعتمد على ماله ضل، من اعتمد على من حوله ذل، ومن توكل على الله لا ضل ولا ذل. ينبغي أن تأخذ بالأسباب دون أن تعتمد عليها ينبغي أن تعتمد على الله وإن لم تأخذ بها وتوكلت على الله فهذا التوكل الذي لا يريده الله اعقل وتوكل وليس بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل على الله تناقض وتضاد بل بينهما تكامل يعني بشكل مبسط الابن مريض آخذه إلى أفضل طبيب وأشتري له أحسن دواء وأنفذ تعليمات الطبيب بكل دقة وبعدئذٍ أتوجه إلى الله وأقول يا رب لا شافي إلا أنت أنا أخذت بالأسباب وعليك الباقي، هذا شأن المسلم في سفره في تجارته في صناعته في زراعته في زواجه في علاقاته الأسرية في أفراحه في أتراحه تأخذ بالأسباب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة وكأنها كل شيء وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء هذا الدرس الأول من دروس الهجرة وما أحوج المسلمين إليه في محنتهم مع أعدائهم، ما أحوجهم كيف ؟ قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 60]
 هذا هو الأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأرباب قال تعالى:

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الروم: الآية 47]
 أعد لهم ما تستطيع ما هو متاح لك والله جل جلاله يرمم الباقي هذا درس بليغ في تجارتنا في صناعتنا في زراعتنا في علاقتنا مع أعدائنا في حربنا في سلمنا في كل أمور حياتنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة كان مشرعاً ولعل تشريعه العملي أبلغ عندنا من تشريعه النظري لعل ذلك، التشريع العملي وقائع وقعت.
 أيها الإخوة الكرام: ورد في بعض الأحاديث الشريفة إن الله يلوم على العجز، أن نستسلم أن نستسلم لواقعنا المر، أن لا نحاول إصلاح واقعنا، أن نستسلم لضعفنا، أن نستسلم لقلة حيلتنا، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ

((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[ أبو داود، أحمد ]
 أي أن تأخذ بالأسباب، لا تصح هذه الكلمة إلا عندما تأخذ بالأسباب و لا تفلح، أما ألا تأخذ بالأسباب أي طالب لم يدرس فلما رسب قال حسبي الله و نعم الوكيل هذا ترتيب ربنا، هكذا شاءت مشيئة ربنا، هذا كلام كذب، أما حينما يدرس و يأخذ بالأسباب و لا ينجح لسبب قاهر يقول حسبي الله و نعم الوكيل، هذه أول درس من دروس الهجرة.
 أيها الإخوة الكرام:الدرس الثاني: لا تصدق و لا تتوهم و لا تعتقد أن الإيمان سكوني، جالس في البيت استمعت إلى درس بالشريط، استمعت إلى خطبة أعجبت بالخطيب، الإسلام عظيم دين الحق النبي على حق، و اكتفيت بهذا، لم تقدم شيئاً للمسلمين، لم تتحرك إطلاقاً، لم تعطِ لله، و لم تمنع لله، و لم ترضَ لله، و لم تغضب لله، و لم تصل لله، و لم تقطع لله، و لم تبذل لا من مالك و لا من وقتك و لا من جهدك و لا من عضلاتك، ما فعلت إلا أنك معجب بهذا الدين، معجب بهذه الخطبة، معجب بهذا الدرس، معجب بهذا الكتاب، الإسلام حركي ليس هناك إسلام سكوني:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال: الآية 72]

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

[ سورة الكهف: الآية 110]
 ماذا نفعل ؟ قال:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

[ سورة الكهف: الآية 110]

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة التوبة: الآية 105]
 الإسلام حركي:

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾

[ سورة مريم: الآية 31]
 الزكاة حركة نحو الخلق و الصلاة حركة نحو الخالق:

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾

[ سورة مريم: الآية 31]
 ما من آية في القرآن تتحدث عن الإيمان إلا و قرن الله بها العمل في مئتي موضع من كتاب الله:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

[ سورة البقرة: الآية 25]
 و ليس العلم مقصوداً لذاته في الدين إطلاقاً، إنما العلم ليعمل به فإن لم يعمل به كان الجهل أولى.
 أيها الإخوة الكرام: لا قيمة في نظر الإيمان للإيمان النظري المجرد عن كل حركة، مثل أضربه كثيراً، إنسان مصاب بمرض جلدي و علاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس، قابع في غرفة قميئة مظلمة رطبة و هو يتحدث عن الشمس و عن أشعة الشمس و عن فائدة الشمس و عن أن الشمس في رابعة النهار و يا لها من أشعة ناجحة، كلام فارغ، ما لم تتعرض لهذه الأشعة فكل كلامك لا شأن له، و نحن قادمون على مناسبة مولد النبي عليه الصلاة و السلام ذكرت في مقام قبل يومين كلفت أن ألقي كلمة و قد سمعت مديحاً لرسول الله رائعاً جداً قلت: لو أن رجلاً أباً في أعلى درجة من العلم و الخلق و الفهم و الحكمة و له ابن على نقيضه جاهل و خامل و كسول و أمضى هذا الابن كل حياته في مدح أبيه يبقى الأب حيث هو و الابن حيث هو لا ينتفع بالمديح بل ينتفع بالاتباع، فالهجرة حركة و الدين حركة و الإيمان حركة و الإسلام حركة و في الحركة بركة، الموقف السلبي، إعجاب نظري، تأمل فكري، تعاطف نفسي، لا يوجد حركة، لا يوجد بذل، لا يوجد تضحية، لم تحمل هم المسلمين، لم تسهم في تخفيف الأعباء عن المسلمين، لم تسهم في رفع شأن المسلمين، إيمانك لا قيمة له، لأنه حينما تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن تعبر عن ذاتها بذاتها بحركة نحو الخلق، مؤمن لا يعمل خيراً هناك شك في إيمانه، شك في مصداقيته.
 الهجرة أيها الإخوة ما علاقتنا بها، مبدئياً الهجرة بين مكة والمدينة أغلقت، أغلقت لقول النبي عليه الصلاة و السلام، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ...))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]
 و لكن باب الهجرة مفتوح على مصراعيه بين كل مدينتين يشبهان في الماضي مكة و المدينة، أنت حينما تقيم في بلد لا تستطيع أن تعبد الله فيه، بقاؤك فيه حرام و ينبغي أن تهاجر لأن العبادة علة وجودك:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[ سورة الذاريات: الآية 56]
 أي إنسان يقيم في مكان ما لا يستطيع أن يعبد الله فيه ينبغي أن يهاجر كما هاجر النبي عليه الصلاة و السلام، و قد سمعت فتوى من عالم جليل في بلد غربي في أحد المؤتمرات و الفتوى رائعة قال هذا العالم: ما لم تضمن أن يكون ابن ابنُ ابنك مسلماً لا ينبغي أن تبقى في هذه البلاد و من أقام مع المشركين برأت منه ذمة الله، علاقتي بالهجرة أنني إذا كنت في مكان الدنيا فيه عريضة، دخل فلكي، رفاه ما بعده رفاه، كماليات ما بعدها من كماليات، حريات ما بعدها من حريات، لكنه على حساب ديني و عرضي و أولادي و زوجتي ينبغي أن تهاجر إلى بلد تعبد الله فيه و لو كان فقيراً، و لو كانت فيه المشكلات لا تعد و لا تحصى، هذا منطق المؤمن، هذا منطق الآخرة، لا توازن بين بلدين، وازن بين الدنيا و الآخرة، لذلك الهجرة بالمفهوم الضيق أن تنتقل بين كل مكانين يشبهان مكة و المدينة، المفهوم الواسع للهجرة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((...الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، أحمد، الدارمي ]
 تركت المال الحرام، تركت هذه الصفقة لأن فيها شبهة، تركت هذا اللقاء لأن فيه اختلاط، تركت هذه الوليمة لأن فيها منكرات، تركت هذا السفر لأن فيه فتنة، تركت هذه الزوجة لأنها ليست مؤمنة، هذا تبعدك عن الله عز وجل، أي شيء تتركه في سبيل الله فأنت بهذا الترك مهاجر بمعنى من معاني الهجرة، هذا المفهوم الواسع.
 أيها الإخوة الكرام: بل إنني أزف لكم هذه البشرى من رسول الله صلى الله عليه و سلم في زمن موت فيه كعقاص الغنم لا يدري القاتل لما يقتل و لا المقتول لما قتل كما ترون فيما حولنا، في زمن يذوب فيه قلب المؤمن في جوفه مما يرى و لا يستطيع أن يغيره، إن تكلم قتلوه و إن سكت استباحوه، في زمن يُصدق فيه الكاذب و يكذب فيه الصادق، يؤتمن الخائن و يخون الأمين، في زمن الفتن ترقص و الدنيا خضرة نضرة و المرأة معبود الناس من دون الله، في زمن كثر فيه المال الحرام و قل المال الحلال، في زمن كثرت فيه الفتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً و يمسي كافراً و يمسي مؤمناً و يصبح كافراً، في زمن يبيع الإنسان دينه و آخرته بعرض من الدنيا قليل، عبادة الله في هذا الزمن الصعب كهجرة إلي، ورد في الحديث القدسي الصحيح عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[ مسلم، الترمذي، ابن ماجه، أحمد ]
 أي في الفتن، لذلك فأووا إلى الكهف و كهفنا مسجدنا، و كهفنا بيتنا، و جنة المؤمن داره.
 أيها الإخوة الكرام:
 بقي هجرة من نوع آخر، الهجرة هذه التي تحدثت عنها في سبيل الله، في سبيل الدار الآخرة، في سبيل الرحمن، لكن الهجرة اليوم في الأعم الأغلب هي في سبيل الشيطان، فحينما يرفض المرء الحق و أهله و ينضم إلى الباطل و أهله فهجرته في سبيل الشيطان بل هي فرار من واجباته، و حينما يؤثر المرء الدنيا الفانية على الآخرة الباقية فهجرته في سبيل الشيطان و حينما يفضل المرء مصالحه على مبادئه و حاجاته على قيمه فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة ابتغاء دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته في سبيل الشيطان، و تحدث أصحاب النبي عن مهاجر أم قيس، أراد الزواج منها فاشترطت عليه أن يهاجر فهاجر من أجلها سماه الصحابة مهاجر أم قيس، و حينما تكون الهجرة بذلاً للخبرات و الطاقات لغير بلاد المسلمين، كل علمك و اختصاصك لغير المسلم يتقوى بهما فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين و تقوية لأعدائهم فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية و فراراً من البذل و التضحية فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة تمكيناً للعدو من احتلال الأرض و استثمار خيراتها فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة من بلد تقام فيه شعائر الله، تصلي أنت في المسجد و تحضر درس علم في المسجد، و تحجب امرأتك إذا شئت و لا يعترض عليك أحد، إذا سمح لك أن تصلي، و أن تحضر درس علم، و أن تكون حراً في بيتك، حراً في تحجيب نسائك، هذا بلد تقام فيه شعائر الله، فمن تركه إلى بلد لا يستطيع أن يعبد الله فيه فهذه هجرة في سبيل الشيطان و حينما تكون الهجرة تضييعاً للعرض و الدين و كسباً للدرهم و الدينار فهي في سبيل الشيطان.
 أيها الإخوة الكرام: وحينما تكون في بلد لك فيه دخل كبير وعز عظيم، لكنك قلقت على مصير أولادك لن يكونوا مسلمين، لن يعتزوا بهذا الدين العظيم، لن ينتموا إلى أمة سيد الأنبياء فتركت هذه الميزات و عدت إلى بلدك و قد تعاني من بلدك بعض المتاعب لأنه بلد من العالم الثالث فيه مشكلات كثيرة هذه هجرة في سبيل الرحمن، و هؤلاء الذين أصروا على بقائهم في بلاد الغرب يدفعون بعض الثمن الباهظ في الدنيا.
 أيها الإخوة الكرام: هذه بعض الإسقاطات من الهجرة النبوية الشريفة على واقعنا المعاصر أقول قولي هذا و أستغفر الله العظيم لي و لكم فاستغفروه يغفر لكم فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

***
 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام: لا يسعني إلا أن أبلغكم أننا في زمن صعب، و أن المسلمين يعانون محنة تفوق حد الخيال، و لا يسعني إلا أن أذكركم أنه ما وقع بلاء إلا بذنب و لا يرفع إلا بتوبة فلذلك الموقف السلبي من المؤمنين لا يقبل إطلاقاً، الشيء الذي أنت مكلف به أن تكون مسلماً، أن تراجع حساباتك، أن تراجع نظام حياتك في البيت، نظام حياتك في العمل، طريقة كسب المال، طريقة إنفاق المال، المناسبات، الأفراح، الأتراح، الحركة، هل حركتك وفق منهج الله ؟ أم حركتك في واد و المنهج في واد آخر ؟

إلى متى أنت باللذات مشغول  و أن كل ما قدمت مسؤول
 أنا ألححت في الخطبة على الحركة، أي غيّر نظام حياتك في البيت، ما كلفك الله فوق ما تستطيع، اعقد مع الله توبة نصوحة، اجلس مع أهلك كل أسبوع بين لهم الحق من الباطل، بين لهم ما سمعت في خطبة الجمعة، حاول أن تضبط أولادك، أن تضبط بناتك، حاول أن تحرر دخلك، هذا الذي بإمكانك أن تفعله، أي جاهد نفسك و هواك، و جهاد النفس و الهوى كما قال بعض العلماء في أربعة بنود: أن تحمل نفسك على معرفة الله، فهل اقتطعت من وقتك وقتاً لمعرفة الله ؟ و أن تحملها على طاعته فهل جاهدت نفسك و هواك ؟ و أن تحملها على أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم و مع من تعرف هل فعلت ذلك ؟ و أن تصبر عن الشهوات و على الطاعات و على قضاء الله و قدره ؟ و هذه أركان النجاة.

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

[ سورة العصر ]

الدعاء
 اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت و لا يعز من عاديت تباركت ربنا و تعاليت و لك الحمد على ما قضيت نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح إلينا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير و اجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك و لا تهتك عنا سترك و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين و انصر الإسلام، و المسلمين و أذل الشرك و المشركين، انصر المسلمين على أعدائك و أعدائهم يا رب العالمين، اجعل تدميرهم في تدبيرهم و اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، أرنا قدرتك في تدميرهم يا الله، اللهم وفق ولاة المسلمين بمشارق الأرض و مغاربها لما تحب و ترضى، اللهم اجمع بينهم و وحد كلمتهم، ألهم الرشد و السداد



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شعبانت
المدير
المدير


ذكر عدد المساهمات : 3407
تاريخ التسجيل : 01/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الدروس المستفاده من الهجرة   الخميس 7 نوفمبر - 22:15

الهجرة دروس وعبر
سامي بن خالد الحمود

الحمد لله مدبر الشهور والأعوام , ومصرف الليالي والأيام ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للأنام ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمة الأعلام . أما بعد أيها الأحبة الكرام .
قبل ألف وأربعمائة وإحدى وعشرين سنة كانت هذه الأرض أرض الحرمين على موعد مع حادثة عظيمة وقصة مثيرة ، نصر الله بها الدين ، وقلب بها الموازين .
من منا لا يعرف هذه القصة ، وحرف الهاء الذي يشير إليها لا يغيب عن أنظارنا ، فهو بجانب كل رقم نؤرخ به أيامنا .
مكة .. محمد صلى الله عليه وسلم .. أبو بكر ... قريش .. مؤتمر الندوة .. الاغتيال .. الغار .. العنكبوت .. ذات النطاقين .. سراقة .. أم معبد .. الأنصار .. المدينة النبوية .
هذا أيها السادة هو موجز أنباء القصة .
وإن في السيرة لخبرا ، وإن في الهجرة لعبرا ، وإن في دروسها لمدكرا ... فإلى تـفاصيل القصة .
مكث عليه الصلاة والسلام ثلاثة عشر عاماً بمكة يدعو إلى لا إله إلا الله .
سنوات طويلة من التعذيب والإيذاء .. والتشريد والابتلاء .
وبعد اشتداد الأذى ينام عليه الصلاة والسلام في ليلة من الليالي على فراشه فيرى دار الهجرة وإذا هي أرض ذات نخل بين لابتين .. إنها طيبة الطيبة .
ومن مكة تنطلق ركائب المهاجرين ملبيةً نداء ربها .. مهاجرةً بدينها ..مخلفةً وراءها ديارها وأموالها .
ويهم أبو بكر بالهجرة فيستوقفه الرسول  صلى الله عليه وسلم  ويقول : لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً .
وعلى الجانب الآخر تشعر قريش بالخطر الذي يهدد كيانها بهجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ، فتعقد مؤتمراً عاجلاً في دار الندوة ( برلمان مكة ) للقضاء على محمد قبل فوات الأوان . ويحضر الشيطان معهم على صورة شيخ نجدي قال بعضهم : احبسوه في الحديد حتى يموت ، وقال بعضهم : أخرجوه وانفوه من البلاد ، وبعد أن قوبل هذان الاقتراحان بالرفض تقدم فرعون هذه الأمة أبو جهل برأي خبيث ماكر فقال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً شاباً جليداً نسيباً ثم نعطي كل فتىً منهم سيفاً صارماً فيضربون محمداً ضربة واحدة فيقتلوه فيتفرق دمه في القبائل . فأعجب القوم بهذا الرأي حتى إن الشيطان الذي لم يستطع الإتيان بمثله أيده وقال : القول ما قال الرجل هذا الرأي لا أرى غيره .
ووافق البرلمان على هذا القرار الغاشم بالإجماع وبدأوا في التنفيذ .
} وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين {
ينزل جبريل فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم  بتلك المؤامرة ويقول : يا محمد لا تبِت في فراشك الليلة .
وفي بيت أبي بكر كان أبو بكر جالساً مع أهله في الظهيرة ، إذ أقبل النبي عليه الصلاة والسلام متقنعاً مغطياً رأسه ، ففزع أبو بكر لأنه  صلى الله عليه وسلم  لم يكن يأيتهم في تلك الساعة .. يدخل النبي عليه الصلاة والسلام فيقول : يا أبا بكر أخرج من عندك . قال أبو بكر : إنما هم أهلك يا رسول الله . قال :فإني قد أذن لي في الخروج . قال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت يا رسول الله . فقال : نعم . فبكى أبو بكر ولسان حاله يقول :
طفح السرور علي حتى إنني *** من عظم ما قد سرني أبكاني
روي عن عائشة أنها قالت : فما شعرت أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ .
قال أبو بكر : فخذ بأبي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين . فقال له  صلى الله عليه وسلم  : بالثمن .
يعود  صلى الله عليه وسلم  إلى بيته ويعرّف علياً بالأمانات التي عنده ليؤديها إلى أهلها .وفي ظلمة الليل يجتمع المجرمون ويطوقون منزله عليه الصلاة والسلام .
وفي هذه الساعة الحرجة يأمر النبي  صلى الله عليه وسلم  علياً أن يبيت في فراشه وأن يغطي رأسه ببرده الحضرمي .
يفتح النبي عليه الصلاة والسلام الباب .. يخترق صفوف المجرمين ..يمشي بين سيوفهم .. وهم مع هذا لا يرونه ، ثم يأخذ من تراب الأرض ويذره على رؤوسهم الواحد تلو الآخر ثم يمضي بحفظ الله ورعايته .
بات علي  على فراشه  صلى الله عليه وسلم  وغطى رأسه والمجرمون ينظرون من شق الباب ، يتهافتون أيهم يضرب صاحب الفراش بسيفه .
وفي الصباح يكتشف المجرمون فشلهم ، فيعودون وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم .
سمعت قريش بالخبر فجن جنونها ، وثارت ثائرتها ، فوضعت جميع طرق مكة تحت المراقبة المشددة ، وأعلنت عن جائزة كبيرة قدرها مائة ناقة لمن يعيد محمداً أو أبا بكر حيين أو ميتين .
وفي بيت أبي بكر كان آل أبي بكر على موعد مع حدثين .
أما الحدث الأول فقد انطلق نفر من قريش إلى بيت أبي بكر فقرعوا الباب ، فخرجت إليهم أسماء فقالوا لها : أين أبوك ؟ قالت : لا أدري . فرفع أبو جهل يده فلطم خدها لطمة شديدة حتى سقط قرطها من أذنها .
وأما الحدث الثاني فقد كان أبو بكر خرج بكل ماله خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم مع الرسول  صلى الله عليه وسلم  فأقبل والده أبو قحافة وكان شيخاً قد ذهب بصره فدخل على أسماء وقال : والله إني لأراه فجعكم بماله مع نفسه . فقالت أسماء : كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً فأخذت أحجاراً ثم وضعت عليها ثوباً ثم أخذت بيده وقالت : ضع يدك على هذا المال . فلما وضعها قال : إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن .
كان الرسول  صلى الله عليه وسلم  يعلم أن قريشاً ستجدّ في الطلب شمالاً باتجاه المدينة . فاتجه هو وصاحبه جنوباً إلى غار ثور على طريق اليمن ، ولما انتهيا إلى الغار روي أن أبا بكر دخل الغار وسد جحوره بإزاره حتى بقي منها اثنان فألقمهما رجليه . ثم دخل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ونام في حجر أبي بكر . وبينما هو نائم إذ لُدغت رجل أبي بكر من الجحر فتصبّر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من نومه ، لكن دموعه غلبته فسقطت على وجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فيستيقظ ليرى صاحبه قد لدغ قال : يا أبا بكر مالك . قال : لدغت فداك أبي وأمي . فتفل  صلى الله عليه وسلم  على رجله فبرأت في الحال .
عبدالله بن أبي بكر شاب ذكي نبيه بطل من أبطل الصحابة .. كان يصبح مع قريش فيسمع أخبارها ومكائدها فإذا اختلط الظلام تسلل إلى الغار وأخبر النبي  صلى الله عليه وسلم  الخبر فإذا جاء السحر رجع مصبحاً بمكة .
وكانت عائشة وأسماء يصنعان لهما الطعام ثم تنطلق أسماء بالسفرة إلى الغار ولما نسيت أن تربط السفرة شقت نطاقها فربطت به السفرة وانتطقت بالآخر فسميت بـ( ذات النطاقين ) .
ولأبي بكر راعٍ اسمه عامر بن فهيرة ، فكان يرعى الغنم حتى يأتيهما في الغار فيشربان من اللبن ، فإذا كان آخر الليل مر بالغنم على طريق عبدالله بن أبي بكر عندما يعود إلى مكة ليخفي أثر أقدامه .
واستأجر رسول الله  صلى الله عليه وسلم  رجلاً كافراً اسمه عبدالله بن أريقط وكان هادياً خريتاً ماهراً بالطريق وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال .
أعلنت قريش حالة الطواريء وانتشر المطاردون في أرجاء مكة كلهم يسعى للحصول على الجائزة الكبيرة . وصل بعض المطاردين إلى الجبل وصعدوه حتى وقفوا على باب الغار ، فلما رآهم أبو بكر قال : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا .. لو أن أحدهم طأطأ بصره لرآنا . فقال له  صلى الله عليه وسلم  : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما } إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا { .
نظروا إلى الغار وإذا العنكبوت قد نسجت خيوطها على الباب . فقالوا : لو دخل هنا لم تنسج العنكبوت على الباب ، فانقلبوا خاسئين .
مكث عليه الصلاة والسلام وصاحبه في الغار ثلاثة أيام ولما خَمَدت نار الطلب جاءهما عبد الله بن أريقط في الموعد المحدد فارتحلوا وسلكوا الطريق الساحلي .
وفي مشهد من مشاهد الحزن يقف عليه الصلاة والسلام بالحَزْوَرة على مشارف مكة ليلقي النظرة الأخيرة على أطلال البلد الحبيب .. بلد الطفولة والذكريات .. يخاطب مكة ويقول : أما والله إني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلي وأكرمها على الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت .
وفي الطريق يمر عليه الصلاة والسلام بديار بني مدلج وإذا سراقة بن مالك جالس في مجلس من مجالس قومه ، فيقول أحدهم : إني رأيت أَسوِدة بالساحل أراها محمداً وأصحابه . ففطن سراقة للأمر لكنه أراد أن يستأثر بالجائزة فقال للرجل : إنهم ليسوا هم ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً . ثم لبث سراقة قليلاً ثم قام إلى منزله ولبس سلاحه وانطلق مسرعاً في أثر الرسول  صلى الله عليه وسلم  وصاحبه .
يبصر سراقة النبي  صلى الله عليه وسلم  وصاحبه فيدنو منهما ، ويسمع قراءة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو يقرأ القرآن ولا يلتفت . يلتفت أبو بكر فيرى سراقة فيقول : يا رسول الله أُتينا . يرفع النبي  صلى الله عليه وسلم  يديه وهو ماضٍ في طريقه لا يلتفت ويقول : اللهم اكفناه بما شئت .. اللهم اصرعه . وكان سراقة يجري بفرسه على أرض صلبة فساخت قدما فرسه في الأرض وكأنما هي تمشي على الطين فسقط عن فرسه ، ثم قام وحاول اللحاق بهما فسقط مرة أخرى ، فنادى بالأمان فتوقف عليه الصلاة والسلام وركب سراقة فرسه حتى أقبل عليه وأخبره خبر قريش وسأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يكتب له كتاباً فأمر عامر بن فهيرة أن يكتب له وقال له : أَخفِ عنا . فرجع سراقة كلما لقي أحداً رده وقال : قد كفيتم ما ههنا . فكان أول النهار جاهداً على النبي  صلى الله عليه وسلم  وكان آخر النهار مدافعاً عنه ، فسبحان مغير الأحوال .
وفي الطريق يمر الركب المبارك بخيمتي أم معبد فيسألها النبي  صلى الله عليه وسلم  الطعام فتقول : والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى والشاء عازب والسنة شهباء يلتفت عليه الصلاة والسلام وإذا شاة هزيلة في طرف الخيمة فيقول : ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ فتقول له : هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم قال : أتأذنين أن أحلبها . قالت : نعم إن رأيت بها حلباً . فدعا  صلى الله عليه وسلم  بالشاة فمسح على ضرعها ودعا فـتـفجرت العروق باللبن فسقى المرأة وأصحابه ثم شرب  صلى الله عليه وسلم  ، ثم حلب لها في الإناء وارتحل عنها .
وفي المساء يرجع أبو معبد إلى زوجته وهو يسوق أمامه أعنزه الهزيلة . يدخل الخيمة وإذا اللبن أمامه ، فيتعجب ويقول : من أين لك هذا ؟ فتقول له : إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت .[/color][/justify]
جزى الله رب العالمين جزاءه *** رفيـقين حـلاّ خيمتي أم معبدِ
هـما نـزلا بالـبر وارتحلا بــه *** فأفلح من أمسى رفيق محمدِ
وفي المدينة سمع الأنصار بخروجه عليه الصلاة والسلام ، فكانوا لشدة تعظيمهم له وفرحهم به وشوقهم لرؤيته يترقبون قدومه ليستقبلوه عند مدخل المدينة ، فيخرجون بعد صلاة الفجر إلى الحرة على طريق مكة في أيام حارة ، فإذا اشتد حر الظهيرة عادوا إلى منازلهم . فخرجوا ذات يوم ثم رجعوا عند الظهيرة إلى بيوتهم . وكان أحد اليهود يطل في هذه الأثناء من أطم من آطامهم فرأى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وأصاحبه مقبلين نحو المدينة فلم يملك اليهودي أن صاح بأعلى صوته : يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون . فثار المسلمون إلى السلاح وكان يوماً مشهوداً وسمعت الرجة والتكبير في بني عمرو بن عوف وكبر المسلمون فرحاً بقدومه وتلقوه وحيوه بتحية النبوة وأحدقوا به مطيفين به ، والسكينة تغشاه ، والوحي ينزل عليه { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير } .
تلكم أيها الأحبة أحداث الهجرة ، وفيها من الدروس والعبر ما يضيق عنه المقام . فمنها :
1) درس في الهجرة :
لقد أذن الله تعالى لنبيه وأصحابه بالهجرة لما ضاقت عليهم الأرض ، ومنعتهم قريش من إقامة دين الله .
إن الهجرة بالمعنى الشرعي ليست مجرد الانتقال من بلد إلى آخر فحسب ، بل هي هجرة عامة عن كل ما نهى عنه الله ورسوله  صلى الله عليه وسلم  ، حتى يكون الدين كله لله .
هجرة من الذنوب والسيئات ... هجرة من الشهوات والشبهات ... هجرة من مجالس المنكرات .. هجرة من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة .

2) الصبر واليقين طريق النصر والتمكين :
فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه بمكة يهيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة ، ويقذف الإيمان في قلوب الأنصار ، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر : 51] .
إن طريق الدعوة إلى الله شاق محفوف بالمكاره والأذى . لكن من صبر ظفر .. ومن ثبت انتصر .. { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } .

3) درس في التوكل على الله والاعتصام بحبل الله :
لقد كانت رحلة الهجرة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس .
فالسيوف تحاصره عليه الصلاة والسلام في بيته وليس بينه وبينها إلا الباب .. والمطاردون يقفون أمامه على مدخل الغار .. وسراقة الفارس المدجج بالسلاح يدنو منه حتى يسمع قراءته .. والرسول  صلى الله عليه وسلم  في ظل هذه الظروف العصيبة متوكل على ربه واثق من نصره .
فمهما اشتدت الكروب ومهما ادلهمت الخطوب يبقى المؤمن متوكلاً على ربه واثقاً بنصره لأوليائه .
فالزم يديك بحبل الله معتصماً *** فإنه الركن إن خانتك أركان

4) درس في المعجزات الإلهية :
هل رأيتم رجلاً أعزلاً محاصراً يخرج إلى المجرمين ويخترق صفوفهم فلا يرونه ويذر التراب على رؤوسهم ويمضي .. هل رأيتم عنكبوتاً تنسج خيوطها على باب الغار في ساعات معدودة .. هل رأيتم فريقاً من المجرمين يصعدون الجبل ويقفون على الباب فلا يطأطيء أحدهم رأسه لينظر في الغار .. هل رأيتم فرس سراقة تمشي في أرض صلبه فتسيخ قدماها في الأرض وكأنما هي تسير في الطين .. هل رأيتم شاة أم معبد الهزيلة يتفجر ضرعها باللبن .
إن هذه المعجزات لهي من أعظم دلائل قدرة الله تعالى ، وإذا أراد الله نصر المؤمنين خرق القوانين ، وقلب الموازين { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } .

5) درس في الحب :
وقد قال الحبيب  صلى الله عليه وسلم  :" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " .
إن هذا الحب هو الذي أبكى أبا بكر فرحاً بصحبته  صلى الله عليه وسلم  . . . إن هذا الحب هو الذي جعل أبا بكر يقاوم السم وهو يسري في جسده يوم أن لدغ في الغار لأن الحبيب ينام على رجله .
إن هذا الحب هو الذي أرخص عند أبي بكر كل ماله ليؤثر به الحبيب  صلى الله عليه وسلم  على أهله ونفسه .
إن هذا الحب هو الذي أخرج الأنصار من المدينة كل يوم في أيام حارة ينتظرون قدومه  صلى الله عليه وسلم  على أحر من الجمر . فأين هذا ممن يخالف أمر الحبيب  صلى الله عليه وسلم  ويهجر سنته ثم يزعم أنه يحبه !!!
يا مدعي حب أحمد لا تخالفه *** فالحب ممنوع في دنيا المحبينا

6) درس في التضحية والفداء :
لقد سطر النبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه صفحات مشرقة من التضحية ، والمغامرة بالأنفس والأموال لنصرة هذا الدين .. لقد هاجروا لله ولم يتعللوا بالعيال ولا بقلة المال فلم يكن للدنيا بأسرها أدنى قيمة عندهم في مقابل أمر الله وأمر ورسوله  صلى الله عليه وسلم  .
فيوم أن بات علي في فراشه  صلى الله عليه وسلم  وغطى رأسه كان يعلم أن سيوف الحاقدين تتبادر إلى ضرب صاحب الفراش ، ويوم أن قام آل أبي بكر عبدالله وأسماء وعائشة ومولاه عامر بهذه الأدوار البطولية كانوا يعلمون أن مجرد اكتشافهم قد يودي بحياتهم .
هكذا كان شباب الصحابة فأين شبابنا .. أين شبابنا الذين يضعون رؤوسهم على فرشهم ولا يضحون بدقائق يصلون فيها الفجر مع الجماعة .
نعم .. لقد نام شبابنا عن الصلاة يوم أن نام علي مضحياً بروحه في سبيل الله ، فشتان بين النومتين .
أين شبابنا الذين كلّت أناملهم من تقليب أجهزة القنوات ومواقع الشبكات . أين هذه الأنامل من أنامل أسماء وهي تشق نطاقها لتربط به سفرة النبي عليه الصلاة والسلام . ويوم القيامة ستشهد الأنامل على تضحية أسماء ، وستشهد على الظالمين بما كانوا يعملون .

7) درس في العبقرية والتخطيط واتخاذ الأسباب :
لقد كان  صلى الله عليه وسلم  متوكلاً على ربه واثقاً بنصره يعلم أن الله كافيه وحسبه ، ومع هذا كله لم يكن  صلى الله عليه وسلم  بالمتهاون المتواكل الذي يأتي الأمور على غير وجهها . بل إنه أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية وإتقان .
فالقائد : محمد ، والمساعد : أبو بكر ، والفدائي : علي ، والتموين : أسماء ، والاستخبارات : عبدالله ، والتغطية وتعمية العدو : عامر ، ودليل الرحلة : عبدالله بن أريقط ، والمكان المؤقت : غار ثور ، وموعد الانطلاق : بعد ثلاثة أيام ، وخط السير : الطريق الساحلي .
وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته  صلى الله عليه وسلم  ، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً .

Cool درس في الإخلاص :
ثبت عنه  صلى الله عليه وسلم  أنه قال : " إنه ليس أحدٌ أمنُّ علي في نفسه وماله من أبي بكر " فقد كان أبو بكر} الذي يؤتي ماله يتزكى { ينفق أمواله على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، وعلى الدعوة إلى دين الله .
لكن السؤال هنا هو لماذا رفض  صلى الله عليه وسلم  أخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن ؟
قال بعض العلماء : إن الهجرة عمل تعبدي فأراد عليه الصلاة والسلام أن يحقق الإخلاص بأن تكون نفقة هجرته خالصة من ماله دون غيره . وهذا معنى حسن ، وهو درس في الإخلاص وتكميل أعمال القرب التي تفتقر إلى النفقة ( كنفقة الحج ، وزكاة الفطر ، وغيرها من الأعمال ) فإن الأولى أن تكون نفقتها من مال المسلم خاصة .

9) درس في التأريخ الهجري :
التأريخ بالهجرة النبوية مظهر من مظاهر تميز الأمة المسلمة وعزتها . ويعود أصل هذا التأريخ إلى عهد عمر رضي الله عنه . فلما ألهم الله الفاروق الملهم أن يجعل للأمة تأريخاً يميزها عن الأمم الكافرة استشار الصحابة فيما يبدأ به التأريخ ، أيأرّخون من مولده عليه الصلاة والسلام ؟ أم مبعثه ؟ أم هجرته ؟ أم وفاته ؟ .
وكانت الهجرة أنسب الخيارات . أما مولده وبعثته فمختلف فيهما ، وأما وفاته فمدعاة للأسف والحزن عليه . فهدى الله تعالى الصحابة إلى اختيار الهجرة منطلقاً للتأريخ الإسلامي .
وظلت الأمة تعمل بهذا التأريخ قروناً متطاولة ، حتى ابتليت في هذا العصر بالذل والهوان ، ففقدت هيبتها ، وأعجبت بأعدائها ، واتبعتهم حذو القذّة بالقذّة ، حتى هجرت معظم الدول المسلمة تأريخها الإسلامي فلا يكاد يعرف إلا في المواسم كرمضان والحج ، وأرخت بتواريخ الملل المنحرفة .
لقد نسينا تاريخنا فأنسينا تأريخنا .. وأضعنا أيامنا فضاعت أيامنا .. وما لم نرجع إلى ديننا الذي هو عصمة أمرنا .. فسلامٌ على مجدنا وعزنا .. والله المستعان .
وإن مما يفخر به كل مسلم ما تميزت به هذه البلاد بلاد الحرمين ومهبط الوحي ومهاجر رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من اعتماد التأريخ الهجري النبوي تاريخاً رسمياً لكافة مرافقها ، نسأل الله أن يحفظها وجميع بلاد المسلمين بحفظه ، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان ، ويعز دينه ويعلي كلمته ، إنه جواد كريم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

[center][color=#0000FF]بقلم الفقير إلى عفو ربه تعالى :
سامي بن خالد الحمود
الرياض



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شعبانت
المدير
المدير


ذكر عدد المساهمات : 3407
تاريخ التسجيل : 01/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: الدروس المستفاده من الهجرة   الخميس 7 نوفمبر - 22:16

دروس من الهجرة

لا شك أن دروس الهجرة لا تُحصى ولا تُعَدُّ، ومن المستحيل أن نحيط بها كلها، ولكن أشير هنا إلى بعض تلك الدروس، عسى الله أن ينفعنا بها:

أولاً: الأخذ بالأسباب

لقد بذل رسول الله وصاحبه أبو بكر الصّدّيق كل ما في طاقتهما لإنجاح عملية الهجرة، وهذا هو الإعداد المطلوب من المؤمنين، أن يُعِدُّوا ما يستطيعون، وما فوق الاستطاعة ليس مطلوبًا منهم {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]. لكننا نلاحظ أن الخطة قد حدث فيها بعض الثغرات الخارجة عن حدود التخطيط البشري، فالمشركون قد وصلوا إلى بيت الرسول قبل الموعد الذي كان يظنه، ويرتب خطته على أساسه، والمطاردون وصلوا إلى باب غار ثور، وسراقة بن مالك استطاع أن يصل إلى النبي وصحبه، وبريدة الأسلمي وقومه وصلوا للرسول .

ولكن الدرس هنا أنك إذا قمت بما عليك وأخذت بما تستطيع من أسباب، فإن الله سيكمل لك ما يحدث من نقص خارج عن إرادتك؛ لذا أغشى الله عيون المشركين أمام بيت الرسول فلم يروه وهو خارج، ولم يجعلهم يلقون نظرة واحدة داخل الغار حتى لا يروا حبيبه وصاحبه، وأساخ أقدام فرس سراقة في الرمال وألقى الرعب في قلبه، وشرح صدور بريدة وقومه للإسلام فآمنوا وقد خرجوا مشركين فعادوا مسلمين.

ثانيًا: الاعتماد على الله

لم يعتمد الرسول على الأسباب وترك رب الأسباب، حاشا لله، إنما كان يعلم أن الأسباب لا تأتي بنتائجها إلا إذا أراد الله ، ولذلك فبعد أن بذل أسبابه كاملة تحلَّى بيقين عظيم في أنَّ ما أراده الله سيكون، ظهر ذلك في كلمته الرائعة: "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا".

وظهر ذلك أيضًا في أنه لم يكن يكثر الالتفات في الطريق، فقد أدَّى ما عليه، وما أراد اللهُ واقع لا محالة. وبدون هذا اليقين لا يمكن للدولة المسلمة أن تقوم.

ثالثًا: الأمل والثقة في النصر

لم يفقد رسول الله روح الأمل في أي لحظة من لحظات حياته، حتى في هذه الرحلة الخطرة، وهو يخرج من مكّة بهذه الطريقة، وهو مطلوب الرأس، لا يأمن على حياته ولا على حياة أصحابه، إذا به يبشر سراقة ليس فقط بظهور الإسلام على قريش أو على العرب، بل وبسقوط عرش كسرى تحت أقدام المسلمين، وأَخْذ كنوز كسرى غنيمة، "كَأَنِّي بِكَ يَا سُرَاقَةُ تَلْبَسُ سِوارَيْ كِسْرَى".

رابعًا: حرص رسول الله على الصحبة

رأينا حرص رسول الله في كل مراحل حياته، وفي كل خطوات دعوته على مسألة الصحبة، عاش حياته في مكّة بصحبة، وخرج إلى الطائف بصحبة، وقابل الوفود بصحبة، وعقد البيعة التي بنيت عليها دولة الإسلام بصحبة، وها هو يسأل جبريل عن صاحبه في الهجرة، كل هذا، وهو من هو، هو رسول الله ، ولكن كل الناس يحتاج إلى صحبة، وهو يعلمنا أن نبحث دائمًا عن الصحبة الصالحة، لقد سطَّر رسول الله قاعدة إسلاميّة أصيلة: "الشَّيْطَانُ مِعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ".

وقد طبَّق رسول الله هذه القاعدة في حياته هو شخصيًّا، مع أن الشيطان ليس له سبيل مع رسول الله ، ومنذ أن شقّ صدره وقد أخرج من قلبه حظ الشيطان، وأعانه الله على الشيطان فأسلم فلا يأمره إلا بخير، ومع ذلك يحافظ على الصحبة، يعلمنا ويهدينا ويرشدنا .

خامسًا: رسول الله.. القائد القدوة

وضح لنا في هذه الرحلة كيف أن القائد العظيم كان يعيش معاناة شعبه، يهاجر كما يهاجرون، يُطارد كما يُطَاردون، يتعب كما يتعبون، يحزن كما يحزنون، يعيش معهم حياتهم بكل ما فيها من آلام وتضحيات، كان من الممكن أن ينقل الله رسوله الكريم من مكّة إلى المدينة بالبراق الذي نقله في لحظة من مكّة إلى بيت المقدس، ولكن أين القدوة في ذلك؟ وأين الأسوة؟ لا بد للمسلمين من طريق عملي لبناء الأمة، طريق في مقدور عموم المسلمين، ولا بد أن يسير في هذا الطريق رسول الله رغم كل المعاناة والتعب.

سادسًا: الدعوة في مكان وزمان

رأينا كيف أن الدعوة في دمّ رسول الله ، لا يضيع فرصة، ولا يرتبط بظرف، يدعو كل من يستطيع، رأيناه كيف دعا إلى الإسلام بريدة وأصحابه من قبيلة أسلم ولم يكن همّه الرئيسي كيف يبحث عن وسيلة للهرب من بريدة، بل اعتبر أن الله قد ساق له الرجل وقومه هدية وعطية ونعمة وأجر جزيل، وثواب لا يقدر، فكيف يضيع فرصة كهذه؟!

سابعًا: استعداد الصّدّيق للعمل لله تحت أي ظرف

رأينا في هذه الرحلة استعداد الصّدّيق للعمل لله تحت أي ظرف، وفي كل زمان ومكان، القضية في منتهى الوضوح عند الصّدّيق، أهم شيء في حياة الصّدّيق هو أن يرضي الله ورسوله، ولا ينبغي أن يطلبه الله في مكان فلا يجده، ولا ينبغي أن يريده الرسول في عمل فلا يجده، ليس هناك في حياته مكان لكلمة (الظروف)، بل كان يعتذر لكل ظرف يطرأ على حياته بأن عنده ظرفًا أعظم، وهو العمل والبذل والتضحية والجهاد في سبيل الله .

ثامنًا: حب الصّدّيق لرسول الله

رأينا كيف يحب الصّدّيق رسول الله ، وكيف لا ينتظر أمرًا ولا طلبًا، إنما يجتهد في إتقان حبِّه لرسول الله ، يجهز له راحلة، يبكي من الفرح لصحبته، ينظف له الغار، يسير أمامه وخلفه حماية له، وغير ذلك من المواقف التي ذكرنا بعضها ولم نذكر أكثرها.

إنه يحب الرسول بإخلاص، وحبّ الرسول ليس من فضائل الأعمال بل هو من الواجبات، ومن قدم حبًّا على حب رسول الله فهو على خطر عظيم، روى البخاري ومسلم عن أنسٍ قال: قال رسول الله : "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". وفي رواية النسائي: "مِنْ مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

تاسعًا: بذل وعطاء الصّدّيق للدعوة

رأينا بذل الصّدّيق وعطاء الصّدّيق وإنفاق الصّدّيق ، يأخذ خمسة آلاف درهم، هي كل ما يمتلك لينفقها على دعوته، وقبلها أنفق خمسة وثلاثين ألف درهم في سبيل الله، وسيظل ينفق في المدينة، وسيظل ينفق وهو خليفة، وسيظل ينفق وهو على فراش الموت، لقد اشترى الجنة ، وحق لرجل له مثل هذه الصفة أن يرضيه الله {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرضى} [الليل: 17- 21].

عاشرًا: جهد الداعية مع أهل بيته وعشيرته

شاهدنا في قصة الهجرة أمرًا لا بد أن نقف معه وقفة، أرأيتم كيف استعمل الصّدّيق عائلته كلها في سبيل الله؟ أرأيتم كيف استعمل عبد الله ابنه في نقل الأخبار؟ وكيف استعمل أسماء ابنته في نقل الطعام والشراب؟ وكيف استعمل عامر بن فهيرة مولاه في إخفاء آثار الأقدام؟

لقد نقل الصّدّيق حبّه لهذه الدعوة إلى عائلته وأهله، بعض الدعاة -للأسف- يعانون من مرض العزلة عن عائلاتهم، تجد لهم نشاطًا عظيمًا في خارج بيته، ثم هم لا يُشركون أقرب الأقربين إليهم في العمل لله ، لا يحرصون على أن يذيقوهم من حلاوة الإيمان التي أحسوا بها، هذا غياب كبير للفهم، وضياع هائل للأولويات، تعلموا من الصّدّيق، وتذكروا: "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

كان هذا هو الدرس العاشر من دروس الهجرة المباركة، فتلك عشرة كاملة. ولا شك أن دروس الهجرة أضعاف ذلك، ولكن لا يتسع المجال لمزيد من التفصيل.

نهاية مرحلة وبداية عهد جديد

بهذه الهجرة السعيدة الناجحة تمت مرحلة مهمة، بل مهمة جدًّا من مراحل السيرة النبويّة، تمت المرحلة المكيّة بكل أحداثها وآلامها ومشاكلها، إنها مرحلة ذات طابع خاص بل وخاصٍّ جدًّا، بدأ الإسلام فيها غريبًا، واستمر غريبًا إلى قرب نهايتها، إلى أن آمن الأنصار ، ورضي الله عن المهاجرين، وعن صحابة رسول الله أجمعين.

كان الاهتمام الرئيسي لرسول الله في هذه المرحلة أن يبني الجانب العقائديّ عند الصحابة، لا يؤمنون بإله غير الله، لا يتوجهون بعبادة لأحد سواه، لا يطيعون أحدًا يخالف أمره، يتوكلون عليه، ينيبون إليه، يخافون عذابه، يرجون رحمته، إيمان عميق برب العالمين، وإيمان برسوله الكريم وبإخوانه من الأنبياء والمرسلين، واعتقاد جازم بأن هناك يومًا سيبعث فيه جميع الخلائق، سيقوم فيه الناس لرب العالمين يحاسبون على ما يعملون، لن يظلم في ذلك اليوم أحد، لن تغفل الذرة والقطمير، إنها والله إما الجنة أبدًا أو النار أبدًا.

وإلى جانب العقيدة الراسخة، فقد تعلم المؤمنون في هذه المرحلة الأخلاق الحميدة، والخصال الرفيعة، هُذِّبَت نفوسُهم، وسَمتْ أرواحهم، وارتفعوا عن قيم الأرض وأخلاق الأرض وطبائع الأرض، إلى قيم السماء وأخلاق السماء وطبائع السماء، لقد نزل الميزان الحق الذي يستطيع الناس به أن يقيِّموا أعمالهم بصورة صحيحة، وعرف المؤمنون في هذه المرحلة أن الطريق الطبيعيّ للجنة طريق شاقّ صعب، مليء بالابتلاءات والاختبارات، ما تنتهي من امتحان إلا وهناك امتحان آخر، تعب كلها الحياة، والله يراقب العباد في صبرهم ومصابرتهم وجهادهم، ولن يُستثنى أحد من الاختبار، ويُبتلى المرء على حسب دينه.

ومع كون المرحلة بكاملها كانت عبارة عن فقرات مختلفة من الإيذاء والتعذيب، سواء على الروح أو على الجسد، إلا أنها كانت لا تخلو من سعادة، بل كانت كل لحظاتها سعيدة، لكن ليست السعادة الماديّة الحسيّة التي يجدها الناس في طعام أو شراب أو شهوة، إنما سعادة الروح والقلب، سعادة الطاعة لله ، سعادة الأنس بالله ، سعادة الصحبة لرسول الله ، سعادة الصلاة ومناجاة الله ، سعادة الأخوة والألفة بين المؤمنين، سعادة الدعوة إلى الله ، سعادة الثبات أمام كل فتن الدنيا؛ سواء في الجسد أو في الهجرة أو في أنواع الإغراءات بالمال أو بالنساء أو بالسلطة، سعادة عظيمة، وأيّ سعادة.

لقد كانت الفترة المكية بمنزلة الأساس المتين للصرح الإسلامي الهائل.

من المستحيل أن يجتاز المسلمون خطوات كبدر والأحزاب وخيبر وتبوك، دون المرور على فترة مكّة، من المستحيل أن تُبنى أمة صالحة، أو تنشأ دولة قوية، أو تخوض جهادًا ناجحًا، أو تثبت في قتال ضارٍ، أو تقف بصلابة أمام كل فتن الدنيا إلا بعد أن تعيش في فترة مكّة بكل أبعادها.

على الدعاة المخلصين أن يدرسوا هذه المرحلة بعمق، وعليهم أن يقفوا أمام كل حدث، وإن قصر وقته أو صغر حجمه وقوفًا طويلاً.

هنا البداية التي لا بد منها، بغير مكّة لن تكون هناك المدينة، وبغير المهاجرين لن يكون هناك أنصار، وبغير الإيمان والأخلاق والصبر على البلاء لن تكون هناك أمة ودولة وسيادة وتمكين.

كانت هذه هي فترة مكّة الجميلة، نعم الجميلة؛ لأنها تحكي قصة رسول الله ، وما زالت لنا جولات مع فترة جميلة أيضًا من فترات حياة رسول الله ، تلك هي فترة المدينة المنوّرة.

د. راغب السرجاني



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الدروس المستفاده من الهجرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: