منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 2:55


الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»







إعداد ــ إسماعيل الأشول

عن سنوات النشأة والكفاح والانتقال من القرية إلى القاهرة مرورًا بسنوات الدراسة ونهاية بتولى المناصب المرموقة حتى نهاية حكومته الأولى عام 1999، تدور أحداث الكتاب الذى بين أيدينا، والصادر حديثا عن دار «الشروق»، (طريقى .. سنوات الحلم .. والصدام .. والعزلة .. من القرية إلى رئاسة مجلس الوزراء ) للدكتور كمال الجنزورى، رئيس وزراء مصر الأسبق.

الجنزورى، بحسب مقدمة «الناشر»، من أبرز من جلسوا على مقعد رئاسة الوزراء فى مصر، من أول نوبار باشا عام 1878 وحتى د.حازم الببلاوى. فالرجل «واحد من أسماء قليلة، تركت بصمة واضحة فى عملها، وهو من بين قلائل جدًّا من الذين تولوا المنصب وخرجوا منه ثم عاد من جديد، فقد تولى الجنزورى، منصب المحافظ فى عهد أنور السادات ثم الوزارة، ورئاسة الحكومة فى عهد مبارك، وكذلك فى عهد المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى الفترة الانتقالية الأولى التى سبقت وصول جماعة الإخوان إلى الحكم». «أسرد فى هذا الكتاب خواطرى عن مشوار طويل قطعته فى حب مصر» هكذا يقدم الجنزورى لكتابه، ثم يطرح رؤيته عن عمله قائلا: «لا إنجاز بغير علم.. ولا تطور بغير تخطيط.. وإدراك ظروف العصر، وتقلبات المواقف فيه ومن حوله».

يضيف الجنزورى: «إذا كان العلم، ضرورة، فإن التخصص الدقيق، يصبح أدعى أوجه الضرورات فيه، حين يتعلق الأمر بتطوير وطن ورفع مستوى حياة شعب يتطلع إلى مكانته الطبيعية وسط الأمم الراقية. وحين يقترن العلم بالتخطيط، مع شريان رئيسى آخر للنجاح هو الخبرة، فإن اجتماع الاثنين معا، العلم المتخصص والتجربة الموثقة، يقود خطى القائد الإدارى أو التنفيذى أو السياسى إلى مراتب النجاح والرضا الشعبى. ذلك كان طموحى.. وكان أدائى.. وكان طريقى».

امتدت تجربة الدكتور كمال الجنزورى، العملية، لأكثر من أربعة عقود، بدأت من وظيفة فى بدايات السلم الوظيفى، لتتدرج إلى سلسلة من الوظائف المسئولة تمثلت فى: أستاذ مساعد بمعهد التخطيط القومى ثم خبير للتخطيط بهيئة الأمم المتحدة لدى هيئة التخطيط السعودى، ثم وكيل لوزارة التخطيط، وتطورت المسئولية إلى تولى منصب «محافظ» لمحافظتين، ثم العودة إلى معهد التخطيط القومى مديرًا ونائبًا لوزير التخطيط.

شاب أمريكى للرئيس «جونسون»: «أنت رجل قذر» .. والرئيس يرد: «قد تكون محقـًا فأنا أعمل فى مهنة قذرة»

يتابع الجنزورى متحدثا عن نفسه: «أصبحت المسئولية أكبر عبئًا عندما شرُفت بالإشراف على وزارتى التخطيط والتعاون الدولى وزيرًا، ثم نائبًا لرئيس الوزراء مع الاحتفاظ بالوزارتين، ومحافظًا لمصر لدى البنك الدولى لعقد ونصف، حتى بلغت المسئولية أقصاها، حين تم تكليفى رئيسا لمجلس الوزراء والإشراف على عدة وزارات وأجهزة. كما انتخبت نائبًا بمجلس الشعب عن إحدى دوائر المنوفية لدورتين متتاليتين خلال ثمانينيات القرن الماضى».

ترسخت لدى الجنزورى، عدة قناعات على مدى مشواره الطويل، مفادها أن العمل الوطنى الصحيح فى بلد كمصر بكل ظروفها وأحداثها، لابد أن ينطلق فى إطار من التخطيط المتكامل، للإعداد والمتابعة لضمان حسن استغلال الموارد الوطنية المادية والبشرية. وأن تحقيق الطموحات التى تتضمنها الخطط القومية، يستلزم تنفيذًا صحيحًا وسياسات وإجراءات غير مباشرة حافزة للقطاع الخاص، ومتابعة فعالة، فى إطار توقيتات محددة، لتوفير المناخ المناسب للجوانب الإنتاجية والخدمية.

ويرى الجنزورى، أن الشعب جميعه، هو الذى يقع عليه عبء التنمية، فهو المحرك لها العامل على إنجاحها، ومن ثم فلابد أن يظل بجميع فئاته المستفيد من عائداتها، بتعهده بالتعليم المستنير والمعرفة والرعاية الصحية الكاملة وتوفير سبل العيش الكريم والآمن.

ويتابع: «كان الحرص، على الالتزام بأن المال العام ملك للناس أجمعين، وأن الإنفاق العام يجب أن يبتعد عن الإسراف، وأن يوجه بكليته إلى ما يعود بالنفع على الغالبية من أفراد الشعب، وأن يأخذ فى حسبانه مصالح الأجيال القادمة من أبناء هذا الوطن، ويقدم للشباب القدوة الصالحة والقادرة. ولقد ظل هذا التزامًا، لا يهتز ولا يتغير مهما تفاقمت الأحداث وتشعبت، مما أشاع فى نفسى رضا ذاتى بلا حدود، وحتى عندما بلغت مسيرة المسئولية الرسمية منتهاها فى تلك المدة الأولى من 4 يناير 1996 إلى 5 أكتوبر 1999، ولا أكتم سرًّا، إذا قلت إن هذا الالتزام، هو الذى أملى علىّ إخراج هذا الكتاب إلى النور، وذلك إيمانًا منِّى بأن سرد التجربة بكل محتوياتها ـ وإن كانت موجزة ـ قد يفيد أبناء الوطن، فى التعرف على ما جرى وأن يظل الهدف دائمًا مصر ومصالحها ومواطنيها».

مشوارى بدأ من «كُتَّاب» الشيخ سليمان.. وكنت أبدو طالبًا جامعيًا وأنا فى الثانية عشرة من عمرى

أول المشوار

كانت البداية فى كُتاب القرية، ومعلمنا ومحفظنا القرآن الكريم الشيخ سليمان بيومى ... وفى المدرسة الإلزامية، وناظرها الشاعر الجليل الأستاذ عبدالحميد العيسوى.. ثم كان الانتقال إلى المدرسة الابتدائية بالباجور حيث يطلق على ناظرها عبود بك، وأستاذ اللغة العربية الشيخ عبدالله أبو العطا، والد المهندس عبدالعظيم أبوالعطا وزير الرّى الأسبق.

ولا يفوتنى هنا، ذكر عم أحمد فراش المطعم، وطالب فذ، لا يُنسى أبدًا، حكمت عليه ظروفه أن يعمل بالثانوية العامة، وشاهدته موظفًا فى سكرتارية وزارة الزراعة، وتلقيته بالأحضان، وأنا نائب رئيس الوزراء، وطلبت منه أن يزورنى فى أى وقت يشاء، لكن عزة نفسه منعته ولم أقابله مرة أخرى.

ولا أنسى أن سعادتى كانت تكتمل عند الجلوس مع الكبار فى القرية مع الوالد وأصدقائه، أستمع إلى ما يدور من أحاديث، تتناول الشأن الداخلى فى مصر بل تتعداه إلى الساحة الدولية، حيث كانت أخبار الحرب العالمية الثانية تشغل عقول الناس، فشدت انتباهى وملأت خاطرى، وفضلتها على ملاعب الطفولة والصبا، إذ كنت أستمع بإمعان إلى ما يقال، مقدرًا بالفطرة أهميته ومستفيدًا من حكمة الكبار. ومن هنا تشكلت لديّ سمة أساسية انطبعت عليها ولازمتنى طوال عمرى، وهى أن أنصت طويلا وأفكر قبل أن أتكلم.

•تابعونا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 2:59

تعلمت الإنصات من أحاديث الكبار عن الحرب العالمية.. وفضلت مجالستهم على اللعب فى الطفولة
«النادى السعدى» و«مصر الفتاة»
أتيت إلى القاهرة فى الثانية عشرة من عمرى لألتحق بالمدرسة الثانوية، وتلك كانت نقلة نوعية هائلة بمعيار تلميذ صغير، نشأ بين أهله فى القرية ليعيش بعيدًا، عنهم وعنها فى المدينة مع زوج الأخت وزوج ابنة العم والعم، بين كبار، أصغرهم يكبرنى بنحو خمسة عشر عامًا... كانوا جميعًا ينتمون إلى حزب الوفد، شغلهم وشغلنى معهم أحاديثهم عن قدراته ونشاطاته امتدت بين الليل والنهار. وكما استمعت إلى الكبار بالقرية من قبل، استمعت إليهم وصاحبتهم مرارًا فى المدينة إلى النادى السعدى. ولأنى فى ذلك الوقت كنت أوحى بعمر أكبر، اعتقد الكثير أنى طالب بالجامعة فارتفع مستوى المعاملة والحديث معى إلى ما تجاوز العمر إلى المظهر.
زرت أيضًا مرارًا مقر حزب مصر الفتاة فى الشارع الخلفى الموازى للنادى السعدى، وكان زعيمه آنذاك السيد أحمد حسين، الذى استمعت إليه كثيرًا. وذهبت إلى جمعية الشبان المسلمين لفترات طويلة.
إلا أن رد فعلى الأول عن هذه الأحزاب والهيئات والمؤسسات، كان أقل قدرًا، إذ اختلف فى بعض الأحيان ما قيل فى الاجتماعات عن واقع الحركة والتصرف فى الشارع. مرت سنوات التعليم الثانوى بنجاح، التحقت بعدها بالجامعة، وأحسست بنقلة أخرى، لأنه إذا كانت حياة المدينة غير حياة الريف فحياة الجامعة تختلف جذريًّا عما قبلها.
أول وظيفة تقلدتها «خبير غلال» فى شون طنطا.. وبعدما أهاننى مديرى استقلت.. وقابلته بعد 32 عامًا وأنا نائب لرئيس الوزراء
خبير غلال
تخرجت فى كلية الزراعة فى يونيو سنة 1957، وكان من المنتظر أن ألتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية فى أكتوبر من ذات السنة، لأبقى سنة ونصف السنة، لزم أن يقضيها مواليد عام ميلادى بالكامل، على غير ما سبقها أو تلاها حيث كانت ومازالت مدة التجنيد لذوى المؤهلات العليا عامًا فقط. لهذا أسرعت فى البحث عن عمل قبل التحاقى مجندًا بالجيش، وعينت فى وظيفة اسمها أفضل كثيرًا من ميزاتها واختصاصاتها.. وهى خبير الغلال فى فرع لبنك الائتمان الزراعى بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، وكان زميلى فى التعيين والمكان السيد محمود دبور، الذى وصل فيما بعد وكيلًا لمجلس الشعب.
انحصر اختصاصى فى أن أمر على شون البنك فى المنطقة، لأسجل أن الموجود بها سليم ومراقب ومحافظ عليه من التلف. واستمر ذلك فترة قصيرة، حدث بعدها خلاف مع مدير الفرع، بسبب مطلب رأيته من حقى وحرصت كل الحرص فى النقاش على أن أظل فى حدود مقتضياته وألا أتعدى بالقول ــ كطبعى دائمًا ــ إلا أنه للأسف تفوه ببعض ألفاظ اعتبرتها مهينة، مما دعانى إلى الاعتراض عليها. ولم يتقبل الرجل ذلك من شاب جديد، فرأيت الاستقالة. وحينما ذهبت إلى المقر الرئيسى للبنك لأقدمها علمت من مدير شئون الموظفين أن مدير الفرع طلب إبعادى عن العمل بالفرع.
حرصت على إيضاح هذه الواقعة لأنه حدث أن جاءنى فى سنة 1989 السيد سيف الدين القبانى مدير الفرع، أى بعد اثنتين وثلاثين سنة. حيث كان مستشارًا لإحدى الشركات، وكنت نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للتخطيط، وأدرك الرجل من أول وهلة، أن من يراه هو ذاته، الذى كان يرأسه منذ أكثر من ثلاثة عقود، وسألنى عما إن كنت عملت أو عمل أخ لى فى بنك الائتمان الزراعى بالمحلة الكبرى، صمتُ قليلًا، لكنه بادرنى، بأنه رأى «ذات حركات اليد وذات الصوت»، واستمر صمتى. المهم، وتم اللقاء بكل تقدير من جانبى، وحمدت الله، على ما بلغته من مكانة، وودعته إلى الخارج. دون إجابة منِّى عن... هل كنت أنا أم لا؟
جندى فى سلاح الإشارة
وفى أبريل سنة 1958، جُندت بسلاح الإشارة. واختلفت تلك الفترة كل الاختلاف عما سبقها أو لحقها، فالحياة المدنية تحفل بالكثير ولكن تختلف فى كل جوانبها عن الحياة العسكرية.
قضيت المدة الأولى، التى يطلق عليها مدة الأساس بسلاح الإشارة، التى تمتد إلى نحو 50 يومًا. أقمت خلالها فى خيام تسع كل منها نحو سبعة أو ثمانية أفراد. وشاءت المصادفة أن أقيم فى خيمة كان من بين أفرادها ابن وزير سابق، السيد سليمان غنام، وآخر هو ابن السيد حافظ عفيفى رئيس الديوان الملكى قبل الثورة، وغيرهما أذكرهم جميعًا بالتقدير. إلا أن الشاويش الصارم طمام الذى تولى أمرنا.. كان تقديره وثقته أقل فيمن ينتمون إلى مثل هذه الفئة، فأطلق عليهم «العساكر الدلوعة». ورغم أنى كنت معهم وحسبوا على أو حسبت عليهم، ورغم ذلك إلا أن النظرة والمعاملة اختلفتا.
بعد مدة الأساس وزّعونا على الأسلحة المختلفة أو الجهات التى لها علاقة بالجيش، فكنت من الموزعين على الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، الذى كان يقع فى شارع التحرير بالدقى فى عمارتين كبيرتين.
كان به عدد كبير من الضباط وصف الضباط والعساكر، رأسه فى ذلك الوقت اللواء أمين الشريف، الذى نقل بعد فترة قصيرة إلى أسوان، ليكون ضمن الكتيبة التى تعمل فى بناء السد العالى، مديرًا للشئون الإدارية. وحل محله نائبه آنذاك العميد جمال عسكر، وكان رجلا مهيب الطلعة والمظهر، صارمًا وحازمًا مع كل من يعمل معه. كنّا نخشاه ونخافه فى حركته وسكونه وخاصة عند قيامه بالتفتيش الدورى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 3:00

فى فترة التجنيد كنت أخشى من القائد «العميد عسكر».. ودارت الأيام وأصبحت رئيسه فى «التعبئة والإحصاء» بعدما صار «فريقًا»

رئيس لرؤسائى!
يصح هنا أن أقف عند أمرين، الأمر الأول يتعلق بالعميد جمال عسكر الذى حصل فيما بعد على رتبة فريق ورئيس الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، والذى تكرر معه بعد ثلاثين عامًا من تجنيدى أى فى سنة 1988 موقف مشابه ـ مع الفارق ـ لما حدث مع السيد سيف الدين القبانى، إذ صدر قرار جمهورى بتبعية الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لوزير التخطيط، وكنت حينذاك نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للتخطيط. جاءنى الفريق جمال عسكر، ليعرض على بعض شئون الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء. ولم أنس أبدًا أنه كان يومًا قائدًا للجهاز، وكنت مجرد جندى بسيط. فظل بالنسبة لى زميلًا احترمته كل الاحترام، رغم ما كنت وما أصبحت عليه. هذا سلوك تفضل الله على به، وطبعت عليه طوال عمرى.
كنت أيضًا موظفًا بوزارة التخطيط، وعندما أصبحت رئيسًا للوزراء قابلنى الكثير من الزملاء الذين كانوا فى يوم ما رؤسائى، ومرت الأيام لأكون رئيسًا لهم. كنت أتعامل معهم بذات الطريقة التى تعاملت بها معهم من قبل... الحب والاحترام والتقدير، هذا ما حرصت عليه وتمنيت دومًا أن يكون نهجًا عامًّا لكل من علا منصبه... أن يظل خاشعًا يخشى الله.
الأمر الثانى، أنه ظهر إعلان عن منحتين لدراسة الماجستير فى الولايات المتحدة الأمريكية فى الشهور الأخيرة من التجنيد. وتقدمت والدكتور يحيى محيى الدين ـ شقيق السيد زكريا محيى الدين عضو مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الجمهورية ـ لهاتين المنحتين. ووقع الاختيار على كلينا، ولكن قبل السفر بفترة وجيزة، طُلب منّى ما يثبت أداء الخدمة العسكرية، التى لم أكن انتهيت منها بعد. وتقدمت بالتماس لرئيس جهاز التعبئة العامة والإحصاء ليسمح لى بالسفر للدراسة، وطلبت فى المقابل أن أجند عامًا ونصف العام بدلًا من الثلاثة شهور المتبقية، ومع ذلك رُفض الالتماس، فقلت، هذه إرادة الله. وتذكرت أنه لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع.. وتشاء الأقدار بتعويض ما فاتنى إذ مرت بضع سنوات، سافرت بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى مارس عام 1963 فى منحة دراسية للدكتوراه، وحصلت عليها عام 1967.
هذا الأمر أعطانى درسًا ظل معى طوال عملى الوظيفى، هو ألا أسعى إلى منصب أو جاه أو مال، وعلىّ أن أعمل بجد وصدق ووفاء، وأتعامل مع الكل بإخلاص واحترام مع الزملاء والرؤساء والمرءوسين. ثم حينما أحصل على منصب أو مال، فما علىّ إلا أن أحمد الله عليه، وإن لم يأت فشكر الله واجب لأنه لو كان فيه الخير لأتى.
انتهت فترة الخدمة العسكرية، ثم بدأ العمل المدنى بوزارة الزراعة بمصلحة الاقتصاد والإحصاء بقسم التسويق، وكان رئيسى السيد عبد الرحمن موسى. واستمر عملى فى تلك المصلحة شهورًا قليلة، إذ صدر فى أوائل سنة 1960 قرار جمهورى بإنشاء وكالة للتخطيط والمتابعة بكل وزارة لتكون المسئولة، عن إعداد الخطة القومية بدءًا بالخطة الخمسية الأولى 1960 ـ 1965 وكان وزير الزراعة فى ذلك الوقت الدكتور أحمد المحروقى، وكان مدير مكتبه السيد عبد العزيز محيى الدين، الأخ للسيد زكريا محيى الدين.
ووقع الاختيار على قلة، كنت منهم للعمل بمكتب التخطيط والمتابعة بوكالة وزارة الزراعة الملحقة بمكتب الوزير. وبهذا أراد الله لى أن أعمل فى مهنة التخطيط منذ البداية، عندما أُعِّدت الخطة الخمسية الأولى 1960 ـ 1965، بإشراف السيد عبد اللطيف البغدادى نائب رئيس الجمهورية ووزير التخطيط.
الزواج وأمريكا.. والدكتوراه
وفى سبتمبر 1962، تزوجت من السيدة رأفت أبوالذهب فرغلى، السيدة الفاضلة، التى ظلت لى صاحبة وسكنًا وفى قلبى لها مقام علا علوًّا لا يدانيه إلا مقام الأم. جاهدت معى موظفًا بسيطًا بوزارة الزراعة ووزارة التخطيط، فمدرسًا وأستاذًا مساعدًا بمعهد التخطيط القومى، فوكيلًا لوزارة التخطيط، فمحافظًا للوادى الجديد، فمحافظًا لبنى سويف، فنائبًا لوزير التخطيط ومديرًا لمعهد التخطيط، فوزيرًا للتخطيط ونائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للتخطيط، وأخيرًا رئيسًا للوزراء ووزيرًا للتخطيط. ظلت معى نعم الزوجة المحبة الوفية الصابرة والصديقة، والصاحبة ملأت حياتى بالهدوء والرضا، لم تبخل بجهد وعطاء وإخلاص ووفاء.. لها الدور الأول والقدير فى رعاية بناتى والسهر على تربيتهن صغارًا، ورعايتهن وأبنائهن كبارًا دون ملل أو وهن وعلى خير وجه، فكان ولا يزال فضل الله بها علىّ عظيمًا.
أعود إلى بداية سنة 1963، حيث تقرر إيفادى إلى الولايات المتحدة فى مهمة علمية، فلقد أعلنت وزارة التخطيط عن بعثة لدراسة الاقتصاد فى الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه، فزت بها والحمد لله.
سافرت وزوجتى، فى 31 من مارس سنة 1963، حيث بدأت الرحلة من القاهرة مرورًا بلندن وكوبنهاجن وواشنطن لتبلغ غايتها إلى مدينة لا نسينج عاصمة ولاية ميتشجان، حيث جامعة ميتشجان.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 3:01

تعلمت ألا أسعى خلف منصب أو مال.. إن جاء فالحمد لله

• وإن لم يأت فشكر الله واجب فلو كان فيه الخير لأتى

ولانسينج مدينة صغيرة، لا يزيد تعداد سكانها على 150 ألف نسمة، تقع الجامعة فى شرقها فيما يطلق عليه إيست لا نسينج. وتعتبر هذه الجامعة فى مجال الاقتصاد، ضمن جامعات القمة العشر فى الولايات المتحدة فى التخصص الذى ذهبت من أجله للحصول على الدكتوراه. ونظام الدراسة بها، نظام الكوارتر أى كل ثلاثة أشهر وهو غير نظام السمستر، كل نصف سنة الشائع بين الجامعات الأخرى فى الولايات المتحدة.

عند وصولى، كان على أن أذهب إلى المشرف العام، الذى اختير لى خلال فترة الدراسة، وكان أستاذًا فاضلًا هو الأستاذ الدكتور لورانس ويت، وحددت معه المواد التى أدرسها كل ثلاثة شهور. ورغم أن العادة جرت على قصرها على ثلاث مواد، إلا أننى حرصت على أن أختار أربع أو خمس مواد فى بعض الفترات (ثلاثة شهور) لأتمكن من الانتهاء من الدراسة فى أسرع وقت والعودة إلى بلدى. ولذلك تجاوزت الدراسة شهور الشتاء والربيع والخريف، إلى فترة الصيف، التى غالبًا ما يترك خلالها الطلبة الجامعة للذهاب إلى الجنوب، للعمل وكسب بعض الأموال، ثم العودة بعدها ومعهم ما يعينهم على مواجهة تكاليف المعيشة ورسوم الجامعة.

عند تحديد المواد التى درستها خلال السنوات اللازمة للتأهيل لإعداد رسالة الدكتوراه، طلبت من المشرف أن أُحَصل قدرًا زائدًا من مواد إضافية فى الاقتصاد والإحصاء لتساعدنى على إعداد الرسالة وتدعمنى فى تخصصى فى مجال الاقتصاد. حددت بعض المواد التى تدرس فى مستوى الكليات وليست فى المستوى فوق الجامعى، وكانت هذه المواد مشابهة لما يدرس فى كليات التجارة أو الاقتصاد والعلوم السياسية فى مصر. وكان على أن أحضر هذه المواد مع شباب أقل من سنّى بعشر سنوات تقريبًا، فهم فى أعمار تسعة عشر أو عشرين سنة وكنت فى الثلاثين.

• حكيت لأصدقائى فى مصر ما قيل فى أمريكا عن هزيمتنا .. فنصحنى أحدهم: لا تتكلم عن الحرب فـ«الأجهزة» علمت ما قلته

• اكتشفت «فى جامعة ميتشجان أن مدرس الإحصاء» إسرائيلى .. فشعرت بالقق وطلبت تأجيل المادة

مدرس الإحصاء «إسرائيلى»!

وفى مادة الإحصاء كان أستاذ الإحصاء، شابًّا فى مقتبل العمر، وكان من عادة أى من الأساتذة فى الحصة الأولى قراءة الأسماء للتعرف على الطلبة، الذين لم يتجاوز عددهم فى العادة عشرين طالبًا، وقال هل اسمك اَلجنزورى بفتح الألف ـ أو اِلجنزورى بكسر الألف، قلت له ما الفارق، قال حين أعلم هذا أعرف من أين أتيت، إذا بدأ الجنزورى بحرف (A) مثل الراوى فأنت من العراق، أما إن بدأ بحرف (E) فأنت من مصر.

هذا الأمر أقلقنى. وحين انتهى الدرس، سألت أحد الطلبة وهو عراقى بالصدفة... من هذا الرجل وما هى جنسيته، قال إنه إسرائيلى، ألم بى القلق لأنى تركت مصر منذ شهور وأحمل فى نفسى الخوف والقلق تجاه هذا الشأن. فشئت ألا تكون البداية بالرسوب فى تلك المادة، وذهبت للمشرف العام لأخبره بتخوفى، طالبًا تأجيل المادة إلى فصل قادم مع أستاذ آخر.

للأسف لم ينصحنى المشرف العام النصيحة الواجبة أو المناسبة إذ بدلا من طمأنتى، ألمح إلى أن الأمر يتعدى اختصاصه إلى عميد الكلية أو مدير الجامعة للبت فيه. سألت الزملاء فقالوا، إن مقابلة مدير الجامعة ليست بالأمر الصعب أو العسير.

ذهبت إلى سكرتارية مدير الجامعة، التى حددت لى موعدًا وقابلته. وشرحت له الأمر فابتسم وقال يا بنى هذا حقك أن تخاف وحقك أن تترك الجامعة وتعود لبلدك، وإن بقيت فإن الخوف سيصاحبك فى أى مكان آخر فى الولايات المتحدة، خاصة وأننى لن أمنحك توصية للالتحاق بجامعة أخرى، ولهذا فأنت بين أحد خيارين لا ثالث لهما، أن تستمر فى هذه المادة مع هذا الأستاذ، أو تعود لبلدك. لم أجد مخرجًا وامتثلت للاستمرار فى الدراسة وسهرت واستكملت هذه المادة مع ذلك الأستاذ، وعندما انتهت وأديت الامتحان، حصلت على الدرجة النهائية، فذهبت إليه كمصرى وعربى، لأشكره على حصولى على الدرجة النهائية، فابتسم قائلًا لقد أجبت إجابة ممتازة فلماذا الشكر.

سارت الدراسة بعدها على نمط واحد، أذهب صباحًا إلى الجامعة ومساء إلى المكتبة التى تحتوى على قدر هائل من الكتب.

صرتُ والدًا

فى 6 يوليو سنة 1963، استقبلنا ـ زوجتى وأنا ـ المولودة الأولى سوزان. كان الأمر بالنسبة لى صعبًا لأسباب مالية حيث كنت أحصل على راتب شهرى لا يتجاوز 260 دولارًا، وكانت تكلفة السكن مائة دولار تقريبًا، والباقى يكفى بالكاد نفقات المعيشة من المأكل والملبس والعلاج. ومن ثم لم يبق شىء لمواجهة تكلفة الولادة، فذهبت إلى المشرف، الذى أشار علىَّ بأن أذهب إلى مستشفى إسبارو، وهو الأكبر فى هذا البلد، فطمأننى بمعاملتى معاملة المواطن لوجودى بصفة شرعية وهى الدراسة.

ذهبنا إلى المستشفى وعلمت أن دخوله يقتصر على الزوجة دون مرافق أو زيارة. وبعد ثلاثة أيام خرجت زوجتى تاركة طفلتنا سوزى تحت الرعاية ثلاثة أسابيع ـ لأنها ولدت أقل من الوزن الطبيعى مما زاد التكلفة إلى نحو 820 دولارًا. كان مبلغًا كبيرًا فى ذلك الوقت يتجاوز قدرتى ولم يكن لى دخل آخر!

طلبت إدارة المستشفى أن أسجل اسمى ورقمى الجامعى، الذى ما زلت أذكره (359106) رغم مرور أكثر من خمسة عقود، وأعطونى وزوجتى هدية للمولودة الجديدة، على أن ندفع المبلغ بالتقسيط على فترة تصل إلى عام. وخلال تلك الفترة، احتجت بالطبع إلى سيارة باعتبارها أساسية للحياة هنا، واشتريتها ـ ماركة فورد موديل 1958 ـ بمبلغ زهيد نحو مائتى دولار، ولكنها توقفت بعد فترة بسبب الظروف المناخية وسقوط الثلج، مما أثر على صلاحيتها واضطرنى الأمر لشراء سيارة أخرى.

أذكر مثل هذه القصص التى قد تبدو بسيطة، لأبين مدى العناية بالطلبة والتيسير عليهم. وإذا كان الشىء بالشىء يذكر، فإنى أشير إلى أمر آخر وهو الندوات التى تعقدها الجامعة كل شهرين أو ثلاثة على الأكثر، والتى يدعى إليها بعض المفكرين فى مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، وعلى من يرغب من الطلبة حضور تلك الندوات تسديد دولار أو اثنين على الأكثر لإثبات الجدية والاهتمام. وكنت حريصًا كل الحرص على حضورها، لأستزيد من المعرفة عن مجالات تختلف عما أدرس أو أقرأ فى المكتبة، ولأعرف كيف يفكر النخبة، وكيف يحاضرون ويتناقشون، وللتعود على التعامل كطالب مع العلماء والمفكرين الكبار.

حرصت على أن أحضر كل ما نظم من ندوات، ولاحظت أن بعض الأفراد فى القاعة، يتابعون مناقشات الطلبة خاصة من تميز منهم عن غيره فى توجيه الأسئلة وطرح بعض الأفكار الجديدة. كانت تلك اللقاءات مجالا خصبًا لالتقاط من يصلح منهم كنواة لقيادة سياسية فى البرلمان، أو فى العمل الحزبى، أو فى المؤسسات الحاكمة، أو المتصلة بالأداء الاقتصادى أو الاجتماعى.

مهنة السياسة «القذرة»

فى نوفمبر سنة 1963، أغتيل الرئيس جون كنيدى، وكان رئيسًا محبوبًا، وقد لا حظت ذلك مما شاهدته فى كل وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية. وتولى بعده نائبه ليندون جونسون، وأذكر فى يوم توليه أنه خرج ليتحدث على الهواء للصحافة، فتقدم منه أحد الشباب ليقول له أنت Dirty guy (أى أنت رجل قذر). لم أصدق أذنى أو أتصور أن يخاطب رئيس الجمهورية بمثل هذه العبارة، وبهذا الأسلوب بعيدًا عن كل الأخلاقيات، ولكن رد الرئيس الجديد الذى لم يفقد الابتسامة قائلًا: قد تكون على حق فأنا أعمل منذ فترة طويلة فى مهنة قذرة وهى مهنة السياسة، وانتهى الأمر.

ذكرت من قبل أننى حضرت بعض المواد فى بداية الدراسة، وكان معى بعض الطلبة وبينهم من يصغرنى بعدة سنوات. وكانوا عادة ما يتركون الجامعة فى فصل الصيف، إلى ولايات الجنوب كولاية تكساس أو ولاية أريزونا، لمساعدة المزارعين فى جمع الفاكهة خلال فترة شهرين أو ثلاثة على الأكثر، يحصلون خلالها على نحو ألف دولار لمواجهة تكلفة الدراسة والمعيشة عند عودتهم إلى الجامعة.

حفيد هنرى فورد

ولكن كان عجبى أن شابًّا يدعى فورد لم يبلغ العشرين من عمره، كان من بين من درس معى مادة أو اثنتين، وعلمت أنه حفيد هنرى فورد صاحب المصانع الكبرى للسيارات، وعندما قابلته بعد العودة من تكساس سألته لماذا تذهب إلى الجنوب، فقال لأجمع بعض المال، فسألته ولماذا لا تلجأ إلى أبيك أو جدك، قال لا لابد أن أعتمد على نفسى، وفيما بعد ربما أرث ما تبقى من هذا المال الكثير، وهذا ما اتبعه أبى وجدى وجد أبى من قبل ... لابد أن نعتمد على أنفسنا وبما يدعم الشخصية فى مسلكها فى دروب الحياة. قد لا نسلك أو نعتاد مثل هذا الأمر فى حياتنا الشرقية، ولكن ذلك ينشئ فردًا معتمدًا على نفسه.

جمعية المصريين فى أمريكا

لا أنسى أنه فى نهاية العام الأول، رأت الحكومة المصرية أن تشكل ما يسمى بجمعية المصريين فى الولايات المتحدة، وكان المستشار الثقافى حينذاك، الدكتور مصطفى طلبة، الذى عمل وكيلًا لوزارة التعليم العالى فيما بعد، ثم رئيسًا لمنظمة البيئة التابعة لهيئة الأمم لسنوات طويلة. كنا فى تلك الفترة ما يقرب من ألف وخمسمائة مصرى، يدرسون فى الولايات المختلفة للحصول على درجة الدكتوراه. وتم عن طريق الانتخاب اختيار سبعة لتمثيل كل الولايات، ورغم أنى كنت حديث العهد فى الولايات المتحدة، إذ لم يتجاوز وجودى العام، فقد فزت عن منطقة شمال شرق الولايات المتحدة، وفاز آخرون معى أذكر منهم الدكتور سعد الدين إبراهيم، والدكتور محمد عبدالهادى الذى عمل فيما بعد رئيسًا لهيئة الاستشعار عن بعد، والدكتور أسامة الباز الذى عين مستشارًا قانونيًّا لهذه الجمعية. غير أن اللقاءات كانت محدودة والهدف منها تحقيق تواصل المواطن المصرى أو الدارس المصرى فى أمريكا مع ما يدور فى مصر. عمومًا لم تعش هذه الجمعية طويلًا، ولم تحقق ما استهدفته من ربط الطلبة المصريين فى الولايات المتحدة مع ما يدور فى مصر.

وأذكر أيضًا أنه بعد العام الأول، قررت إدارة الكلية تعيينى باحثًا، وأسعدنى هذا الأمر، لأنه زاد من تجربتى الدراسية، بالإضافة إلى منحى أربعمائة دولار شهريًّا، وهو مبلغ كبير فى ذلك الوقت، أى نحو مرة ونصف راتبى الشهرى.

• دفعت لمستشفى أمريكى تكاليف ولادة طفلتى الأولى «بالتقسيط».. وميلاد طفلتى «منى» منحنى إعفاءً من الضرائب

طفلتى منى.. وإعفاء من ضريبة الدخل

مضت الحياة بى على خير ما يرام خلال سنوات الدراسة، وحظيت بمناسبة طيبة أخرى فى 30 ديسمبر سنة 1966، إذ كان على أن أصطحب زوجتى مرة أخرى إلى مستشفى إسبارو، لنستقبل الطفلة الثانية «منى» فى اليوم التالى مباشرة، وهى طفلة جميلة كأختها سوزى. وكما حدث فى المرة الأولى كان المطلوب فقط أن أسجل رقمى فى الجامعة وأدفع بالتقسيط تكاليف المستشفى، لمدة سنة ونصف السنة أو سنتين تنخفض إلى سنة واحدة لغير الطلبة.

وأذكر فى مساء يوم 31 ديسمبر، حينما علم بعض من كان معنا بالمستشفى من الأمريكان بأننا رزقنا بطفلة، قالوا إننا أسرة محظوظة، وهو ما لم يحدث عندما رزقنا بطفلتنا الأولى سوزى، وسألت لماذا هذا الترحيب الذى بلغ حد التصفيق، فتبين أن كل من يولد مساء يوم 31 ديسمبر. تتمتع أسرة الأب والأم بالإعفاء من ضريبة الدخل لمدة خمس سنوات، فابتسمت قائلًا هذا فضل من الله، وتوجهت له بالدعاء أن يوفقنى لأعود خلال شهور إلى بلدى.

الدكتوراه... والبكاء

بعد هذا دخلنا فى العام الأخير للدراسة بأمريكا عام 1967، وكان علىّ أن أسرع الخطى للانتهاء من المواد الباقية قبل نهاية شهر مارس من ذاك العام، وفى نفس الوقت أستعد لامتحان فى غاية الأهمية وهو الامتحان الأخير، وإن نجحت فيه تحريريًّا وشفويًّا يحق لى أن أتقدم برسالة الدكتوراه لمناقشتها والتى بدأت فى إعدادها منذ عامين.

انتهيت من المواد وانتهى مارس، وبدأت أعد العدة للامتحان الذى تصادف أن تقرر فى يوم 5 يونيو 1967!! وأديت الامتحان التحريرى ثم الشفوى. وأُعلنت النتيجة فى نهاية اليوم، كنا ثلاثة أجانب وأربعة أمريكان، الأجانب هم النيجيرى جون أبولو الذى أصبح وزيرًا للمالية بنيجيريا فيما بعد، وفرانسس فانجيج أرجنتينى وأصبح وزيرًا للاقتصاد فى بلده فيما بعد، وأنا الثالث. أما الأربعة فأولهم بن ديفيد إسرائيلى وتعمدت ألا أقول أجنبى بل أمريكى شأنه شأن الثلاثة الأمريكان الآخرين.

وكنا فى الجامعة خلال ذلك اليوم، فأعلن نجاحى وجون أبولو وفرانسس فانجيج، ورسوب الأربعة الآخرين الإسرائيلى والأمريكان الثلاثة. سجدت لله حمدًا على بلوغى ما سعيت وجاهدت من أجله منذ خروجى من بلدى مصر وتحقق بفضل الله.

عدت سريعًا إلى منزلى، لأخبر زوجتى وأحتضن طفلتىّ، لكننى فوجئت أن البعض يرقص أمام شقتى والشقة المجاورة، رقصة الدبكة الشهيرة فى بلاد الشام، ولاحظت أن بينهم بن ديفيد الإسرائيلى الذى رسب فى الامتحان.

تركتهم ودخلت إلى شقتى وأغلقت الباب، واستمعت إلى التليفزيون، وكان المذيع هو المعلق الشهير وولتر كرونكايت، يعلن أن الحرب بين إسرائيل والعرب بقيادة مصر، بدأت وانتهت خلال ست ساعات بهزيمة العرب ومصر وانتصار إسرائيل. وأن الجيش المصرى بدأ فى الانسحاب عشوائيًّا، تاركا سيناء.

لم أصدق، فقد تركت مصر، ولدىّ اليقين أنها قادرة على مواجهة إسرائيل، وبكيت كما لم أبك من قبل، ولاحظت أن ابنتى سوزان وزوجتى تبكيان لما بدا علىّ من حزن. وعندما خرجت مرة أخرى وجدت الشبان الإسرائيليين مازالوا يرقصون، وابتعدت عنهم، فسمعت صوتًا يتصاعد عاليًا من بعيد حيث يقيم بعض العرب فى مساكن قريبة هو صوت أم كلثوم، فبدا لى أنه لم يبلغ علمهم بعد نتيجة الحرب. وعندما سمعت شدو أم كلثوم فى تلك اللحظة بكلمات «مصر التى فى خاطرى»، بكيت وبكيت وبقيت نحو خمس ساعات فى الخارج عدت بعدها للمنزل بعد منتصف الليل، بعدما تأكدت أن الإسرائيليين قد غادروا المنطقة.

ومرت الأيام بعد ذلك حزينة كئيبة، حتى اليوم التاسع من يونيو سنة 1967، لأسمع الرئيس عبدالناصر يعلن التنحى، وبدا لى أن كل شىء ضاع، كيف يترك القائد موقعه، هل انتهى كل شىء. نسيت أمر رسالة الدكتوراه التى كان علىّ أن أقدمها خلال أسبوعين أو ثلاثة على الأكثر، وأخذت أتابع ما يقال عن مصر فى كل وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة.

القونى فى مجلس الأمن

بعد أيام قليلة شاهدت جلسة لمجلس الأمن على الهواء، وكان مندوب مصر حينذاك لدى هيئة الأمم المتحدة السفير العظيم محمد القونى، الذى وقف يعلن ـ حينما اتخذ المجلس قرارًا بوقف إطلاق النار ـ أن مصر ترفضه بشكل قاطع، مما أشعرنى أننا مازلنا فى موقع يسمح لنا بالدفاع والاستمرار. غير أنه لم تمر إلا دقائق قليلة حتى دخل أحد الأفراد ليعطى السفير القونى ورقة، قرأها ولم يتمكن من الوقوف، وأعلن بصوت خفيض قبول مصر وقف إطلاق النار بدون شروط.

وللأسف وقف أبا إيبان وزير الخارجية الإسرائيلية يجلجل بصوته فى القاعة عن الهزيمة للعرب والنصر لإسرائيل، ويوضح كيف انتصرت إسرائيل، وكيف انهزم العرب، ووصلت به الجرأة والمغالطة، فقال انتصر الحق وانهزم الباطل، وتحقق الأمن والأمان لإسرائيل.

كان يومًا تعيسًا حزينًا لن أنساه أبدًا، فمازلت أذكر يوم 5 يونيو 1967 وسأذكره كدرس مستفاد لابد من الحرص دائمًا ألا يتكرر.

كان علىّ أن أنهى إعداد الرسالة وأقدمها للمناقشة فى الأسبوع الأول من يوليو، وتم ذلك فعلا، وتمت المناقشة فى الوقت المحدد، وحصلت بحمد الله على درجة الدكتوراه، ثم بدأت أعد للعودة إلى مصر.

العودة إلى الوطن

وصلنا ميناء الإسكندرية صباح اليوم الثانى من أغسطس 1967، لأجد فى استقبالى والدى وأخوالى وأعمامى وأولاد العم وأولاد الخال.. ولاحظت أول ما لاحظت الشيبة التى تخللت أو علت الشعر وانعكست آثارها على الوجوه. تركنا الميناء واتجهنا بالسيارة إلى القاهرة، انظر من حولى وأمامى فلا أجد ابتسامة على الوجوه.

عدت إلى بلدى الحبيب لأستعيد السعادة، فلم أجدها.. الكل حزين مكتئب. ووصلنا إلى منزلى فى شبرا بالقاهرة مساء، واجتمعت مع الأهل والأصدقاء. ودار النقاش حول ما سمعته عن الحرب فى الخارج، وذكرت ما رأيته خاصة الطريقة التى تم بها الانسحاب، كما أوضحه وزير الخارجية الإسرائيلى فى مجلس الأمن. وانتهت الليلة، وفى الصباح التقيت صديقًا هو زوج أخت أحد رجال الثورة السيد كمال الدين حسين، وقال لى: يا كمال لا داعى أن تتكلم عما دار فى الحرب أو بعد الحرب، إذ نقل ما قلته بالأمس إلى الأجهزة.

شعرت بالألم رغم أن ما قلته كان صدى لما دار خارج مصر، ومن حق الجميع معرفته، فإخفاء الحقائق لا يفيد، ولعله كان من أهم أسباب ما حدث.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 3:03


عن سنوات النشأة والكفاح والانتقال من القرية إلى القاهرة مرورًا بسنوات الدراسة ونهاية بتولى المناصب المرموقة حتى نهاية حكومته الأولى عام 1999، تدور أحداث الكتاب الذى بين أيدينا، والصادر حديثا عن دار «الشروق»: (طريقى.. سنوات الحلم.. والصدام.. والعزلة.. من القرية إلى رئاسة مجلس الوزراء) للدكتور كمال الجنزورى، رئيس وزراء مصر الأسبق.

فى الحلقة الأولى، سرنا مع الرجل منذ خطواته الأولى نحو العمل العام، وحتى حصوله على الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية وعودته للوطن، فى أعقاب نكسة الخامس من يونيو عام 1967.

وفى هذه الحلقة، يواصل الدكتور كمال الجنزورى، الحديث عن لقاءات ومواقف وحكايات جمعته برؤساء مصر السابقين بدءا من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر مرورا بأنور السادات وخلفه فى الحكم حسنى مبارك.

بداية السلم الوظيفى

فى 3 أغسطس سنة 1967 ذهبت إلى عملى بوزارة التخطيط، بدأت فى وظيفة بسيطة (الدرجة الخامسة).. ولكن بعد ذلك بدءًا من أبريل 1968 توالى على التشكيل الوزارى وزراء جدد، وضمت الوزارة وجوها من أساتذة الجامعة كالدكتور عبدالعزيز حجازى والدكتور سيد جاب الله، الذى عرفنى جيدًا منذ كان مشرفًا على رسالتى للماجستير قبل سفرى إلى الولايات المتحدة. لهذا طلبنى للعمل بمكتبه، وللعلم فإن مكتب وزير التخطيط هو المشرف العام على إعداد الخطة ومتابعتها، حيث تقدم كل قطاعات الوزارة إلى مكتب الوزير المقترحات اللازمة لإعداد الخطة ومتابعتها لوضعها فى شكلها النهائى.

• على بعد خطوتين من عبد الناصر.. وفى صفوف فريق السادات

مع عبد الناصر لأول مرة

أتوقف قليلا لذكر مناسبتين شاهدت فيهما الرئيس عبدالناصر، الأولى عام 1968 وبالتحديد فى أبريل، يوم أن توفى والد السيد زكريا محيى الدين ووالد صديقى د.يحيى محيى الدين. فذهبت إلى كفر شكر، وللعلاقة الأخوية بيننا وجدت نفسى فى المدافن أجلس بمواجهة الرئيس عبدالناصر على مسافة لا تزيد على خطوتين.

• 15 دقيقة فى مواجهة عبدالناصر جعلتنى أتأكد مما يقوله الناس عن «القوة والكاريزما».. ولا أنسى اهتمامه بالفقراء

واستمر ذلك نحو 15 دقيقة حتى تمت مراسم الدفن. وتأكد لدى ما أجمع عليه الناس من أنه شخصية لها كاريزما هائلة، نظرات قوية لا تملك لها إلا الاحترام والتقدير، وكانت فترة زاد فيها احترامى وإعجابى بهذه الشخصية التى حكمت مصر نحو ستة عشر عاما.

• وزير التخطيط عرض على ناصر خطته للموازنة .. فابتسم الرئيس وسأله عن اللحوم ورغيف العيش والشاى والسكر

أما الموقف الآخر، فلم يكن رؤية الرئيس عبد الناصر بالعين، ولكن كان ذلك عندما طُلب من الدكتور سيد جاب الله وزير التخطيط ليلة أول مايو 1968 مقابلة الرئيس بمنزله فى منشية البكرى، وكنت ساعتها بالمكتب مع بعض الزملاء. وغاب نحو نصف ساعة، عاد بعدها ولم يقل شيئًا. ودخلت مباشرة عليه ووجدته يتحدث إلى نفسه بصوت مسموع، «إنه على حق، نعم هو على حق». وسألته عما يقول فلم يرد، إلا أننى قلت له إننى تعلمت على يديك علم الاقتصاد، وألمح اليوم أن هناك أمرًا سياسيًّا يشغلك، لذا أريد أن أستزيد منك فى السياسة، فقال: إنه ذهب إلى الرئيس عبد الناصر وعندما قابله، سأل عن أخبار الخطة؟ فأجابه بما يفيد أنها فى مرحلة الإعداد، فقال: على أى أساس؟ فحاول أن يبسط الأمور، بأن الخطة عبارة عن موارد محدودة وأولويات عديدة على المستوى القومى. وعلى المخطط أن يوجه هذه الموارد المحدودة لأهم الأولويات حسب احتياجات المواطن والأمن القومى للدولة. فابتسم وسأله عبدالناصر هل تتضمن الخطة توفير الحاجات الأساسية للمواطن بما يكفى من اللحوم ورغيف العيش والشاى والسكر وغيره من المأكل والمبلس والاحتياجات الضرورية. واستطرد قائلا بأنه يعلم أن الخطة كذا وكذا مرددًا ما سبق أن قاله الدكتور سيد جاب الله بالحرف الواحد عن الخطة، وانتهى حديثه بأن الخطة التى لا تأخذ فى اعتبارها توفير المتطلبات الأساسية للشعب تغفل مهامها الرئيسية، وأن على وزير التخطيط أن يتأكد من ذلك تماما ويوفر الاعتمادات الكافية لذلك، مما يقتضى الاتصال بالدكتور حجازى وزير الخزانة آنذاك، لضمان إدراج الاعتمادات اللازمة بالموازنة العامة للدولة. وهكذا رأيت كيف كان يفكر الرئيس عبد الناصر كأنى كنت معه فى المناسبة سالفة الذكر.

مكتب للشئون الاقتصادية

بعد فترة وجيزة وبالتحديد فى 4 مارس 1969، عينت فى معهد التخطيط القومى خبيرًا وهى درجة علمية تعادل وظيفة مدرس فى الجامعة، مع استمرارى فى مكتب الوزير، وهو مكان يصعب علىّ تركه. فرغم تعيينى فى المعهد فإن مكتب الوزير هو المكان الذى أتعلم فيه الكثير والجديد، والمدرسة التى أرى فيها وأسمع، وأقرأ البيانات الواردة من مختلف وزارات الدولة، وجميع هيئاتها العامة والخاصة الاقتصادية والاجتماعية، وجامعاتها ومستشفياتها ومدارسها.

عرض لم أقبله

بعد سنوات قليلة، حدث أمر كاد أن يغير مسار عملى التخطيطى كان الرئيس جمال عبدالناصر قد انتقل إلى رحمة الله وخلفه الرئيس أنور السادات ــ حيث طُلب من الدكتور سيد جاب الله وزير التخطيط أن أذهب إلى رئاسة الجمهورية فى القناطر الخيرية. كان ذلك فى مارس عام 1971، وقابلت السيد حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومى، شخصية هادئة تتسم بالهيبة والاحترام، وسألنى عن طبيعة عملى وعن رؤيتى لبعض الأمور الاقتصادية والسياسية، والوضع فى مصر فى السنوات الأخيرة خاصة منذ النكسة. وأخيرًا قال أرى أن تأتى معنا، حيث يتم إنشاء مكتب للشئون الاقتصادية يتبع مكتب الرئيس، وتبدأ أنت به كنواة. كان منصبًا جاذبًا لشاب فى منتصف الثلاثينات، ولكننى كنت مقتنعًا بأن مستقبلى الحقيقى فى التخطيط. لهذا قلت هذا شرف كبير لى ليس فقط للمكانة هنا بل أيضًا للعمل مع سيادتك، لكن أرجو قبول عذرى لأننى أعمل فى التخطيط ومعهد التخطيط، كما أننى أحاضر فى جهات أخرى، ولا أتصور أن طبيعة العمل هنا ستسمح لى بمزاولة ذلك كله. وقَبِلَ اعتذارى مشكورًا.

طفلتى ماجدة

بعد شهور قليلة، وبالتحديد فى 5 ديسمبر 1971، رزقنا الله بمولودة جديدة سُميت ماجدة، طفلة فى جمال شقيقتيها سوزان ومنى، وحمدت الله كما أحمده دائمًا، وبعد سنة تقريبا فى أول أكتوبر 1972 رقيت إلى درجة خبير أول بمعهد التخطيط القومى تعادل أستاذًا مساعدًا بالجامعة.

فى منتصف أكتوبر 1972، اختارتنى هيئة الأمم المتحدة خبيرًا اقتصاديًّا للعمل فى هيئة التخطيط بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، إلا أن عملى هناك لم يتجاوز سنة واحدة، حيث لم أرغب فى الغياب عن مصر مرة أخرى، إذ تكفينى السنوات التى قضيتها فى الخارج لدراسة الدكتوراه.

وكيلا لوزارة التخطيط

رجعت إلى العمل فورًا، وكان الدكتور إسماعيل صبرى عبدالله مديرًا لمعهد التخطيط، ورأيت العمل معه صباحًا، إذ كان شخصًا على مستوى كبير من الخلق والعلم والثقافة والشهامة، وأذهب مساء إلى وزارة التخطيط. ولكن بعد أيام قليلة، تم تشكيل وزارة جديدة وأصبح الدكتور إسماعيل صبرى وزيرًا للتخطيط وعملت معه مديرًا فنيًّا لمكتبه.

خلت بعد فترة، درجة وكيل وزارة للتخطيط الإقليمى فى مكتب الوزير، استحققت شغلها حيث كنت أستاذًا مساعدًا بالمعهد وهو ما يؤهلنى للترقية إليها، فقرر الدكتور إسماعيل صبرى عبدالله ذلك بحكم تولى اختصاصاتها بالفعل مع ما كنت أكلف به من واجبات أخرى. وصدر قرار شغل الوظيفة فى أبريل سنة 1974 ندبًا ثم تعيينًا فى 15 أبريل سنة 1975، وعُين فى ذات الوقت كل من الدكتور سعد الدين حنفى والدكتور سعد برغوث وكيلين آخرين لوزارة التخطيط. وحينما توليت وظيفتى واجهتنى مشكلة إنسانية، حيث رأست بعض مديرى العموم الذين كانوا رؤساء لى قبل أن أترك الوزارة إلى معهد التخطيط فى 4 مارس 1969. وواجهت هذا بقدر كبير من الاحترام لهم، مقدرًا ما قد يشعرون به من عدم رضا. وقام البعض برفع دعوى لإلغاء الترقية وهو ما رفضته محكمة القضاء الإدارى.

وزارة ممدوح سالم

استقالت حكومة الدكتور عبدالعزيز حجازى، وتولى رئيس الوزراء الجديد السيد ممدوح سالم الأمر بعده. وتولى الدكتور إبراهيم حلمى عبدالرحمن وزارة التخطيط بعد أن اعتذر الدكتور إسماعيل صبرى عن الاستمرار، رغم إلحاح السيد ممدوح سالم جاهدًا أن يستمر ولكنه أصر على ترك الوزارة. استمر الدكتور إبراهيم حلمى وزيرًا لمدة عام فقط، وكانت علاقتى به جيدة عملت معه أيضًا مديرا للمكتب. وفى أوائل سنة 1976 أُجرى تعديل وزارى، وجاء الدكتور محمود الإمام وزيرًا للتخطيط، ورغم أنه شغل منصب مدير معهد التخطيط من قبل فى المراحل الأولى من عملى خبيرًا، وهو شخص على خُلق هادئ الطبع، إلا أنى طلبت منه ألا أستمر مديرًا للمكتب، وتبين لى فيما بعد أنها كانت رغبته كذلك، واكتفيت بعملى فى الوزارة كوكيل للوزارة لشئون التخطيط الإقليمى.

مع السادات

ثم فتح الله لى فتحًا آخر ــ وهو ما سأشرحه تفصيلًا فيما بعد ــ إذ قام الرئيس السادات بتعيينى ولم أتخط الأربعين من عمرى محافظا لمحافظتين متتاليتين، ثم نائبا للوزير ومديرًا لمعهد التخطيط القومى، وبهذا فُتح المجال أمامى ممهدًا، لتولى مناصب المسئولية العليا، وهى المناصب الوزارية وزيرًا ونائبًا ورئيسًا لمجلس الوزراء.

وعلمى عن الرئيس السادات، وما شهدته فى الاجتماعات التى أتيحت لى من فرص لقائه، أن لديه فطنة سياسية تربت على مدى سنوات حياته وتقلبه بين النخبة العسكرية والمدنية تارة، وفئات الشعب المختلفة تارة أخرى، مما جعل منه شخصية تملك القدرة على الفهم والقصد والمناقشة والمفاوضة والخطابة واتخاذ القرار المناسب فى وقته.

• اختارنى السادات محافظًا قبل سن الأربعين

محافظا للوادى الجديد

طلبنى السيد محمد حامد محمود وزير الإدارة المحلية، ليبلغنى بتعيينى محافظا للوادى الجديد. وفى يوم 22 نوفمبر 1976، ذهبت إلى الوادى الجديد وهى محافظة تشغل مساحة كبيرة، تصل إلى نحو 48٪ من مساحة مصر، وكان يسبقنى فى هذا المنصب المجاهد إبراهيم شكرى الذى شغل المنصب تسع سنوات.

لاحظت منذ البداية، توقف أعمال الاستصلاح والتشييد وبناء المصانع وتوقف العمل فى المطار. وبذلت ما استطعت من جهد فى هذه المجالات جميعًا حتى شاءت الظروف مقابلة المهندس عبد العظيم أبو العطا وزير الرى والزراعة، وطلبت منه أن تبدأ شركات الاستصلاح العمل بالوادى الجديد، كما طالبت بتوفير قدر من بعض الصناعات خاصة من المنتجات الزراعية المتاحة فى الوادى، وأن يعاد تشغيل المطار حتى تزداد السياحة، خاصة أن هناك الكثير من الأجانب يسعون إلى ذلك.

محافظا لبنى سويف

بعد شهور لاحظت أن المطالب لا تستجاب بقدر يرقى إلى طموحاتى. فشكوت ذلك للسيد ممدوح سالم، ولعله تصور أننى أشكو بُعد المكان، فعينت فى أول حركة للمحافظين فى يونيو 1977، محافظا لبنى سويف خلفا للمهندس سليمان متولى. وحاولت أن أبذل جهدًا كبيرًا فى تنمية المحافظة اقتصاديا واجتماعيا، ولكننى لم أجد إمكانيات كافية متاحة لذلك، لأن موارد المحافظة تقتصر على ما يتاح لها مما فى حوزة الحكومة المركزية، والتى كانت لا تعطى إلا القليل. كان لا بد أن أعود مرة ثانية إلى السيد ممدوح سالم، وكان إنسانًا فاضلًا محترمًا، وطلبت أن أعود لعملى فى التخطيط وكيلا للوزارة، إلا أنه قال كيف ذلك وأنت حاليا بدرجة نائب وزير ـ لأن المحافظ كان بهذه الدرجة قبل أن ترفع إلى وزير فيما بعد ـ وطلب منى أن أقابل الدكتور عبدالمنعم القيسونى، وكان نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للتخطيط، فرأى أن أعود للتخطيط مديرًا للمعهد. وفى يوم 13 ديسمبر 1977، صدرت حركة جديدة للمحافظين، ونُص فى ذات القرار الجمهورى، على أن أعين مديرًا لمعهد التخطيط.

عودة لمعهد التخطيط

عدت إلى بيتى... التخطيط... وفى معهد التخطيط بالذات، وحين بدأت عملى نائبا لوزير التخطيط ومديرًا للمعهد، كان علىَّ أن أركع وأسجد شكرًا لله.

أذكر أننى بعد أن عدت من الخارج فى أغسطس 1967، بعد حصولى على الدكتوراه، عاصرت الكثير من السادة وزراء التخطيط بدءًا من الدكتور لبيب شقير والدكتور سيد جاب الله والدكتور عبد المنعم القيسونى والدكتور إبراهيم حلمى عبد الرحمن والدكتور محمود الإمام والدكتور عبدالرزاق عبد المجيد، حيث عملت معهم وتعلمت الكثير. وأتذكر أيضًا تجربتى فى مكتب وزير الزراعة التى شهدت بداية مرحلة إعداد الخطة القومية 1960 ــ 1965، خاصة أن هذه الخطة الخمسية الأولى لم يتح لها أن تتكرر لأكثر من عقدين بعدها. إذ إن الخطط التى أعدت فيما بعد كانت خططًا سنوية قصيرة المدى والرؤية لظروف لحقت بالبلاد، ولأن الخطة السنوية لا بد أن توضع فى إطار له رؤية زمنية طويلة ومتوسطة. فحينما تقتصر على سنة تختزل إلى رقم للاستثمار يظهر فى الموازنة العامة، على الرغم من أن وزارة التخطيط كانت تصدر مجلدًا يحدد الأهداف والأولويات والسياسات والبرامج التى تخدم التنمية الاقتصادية للحكومة والقطاعين العام والخاص.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 3:04



• مستشارو السادات نافقوه قائلين: كيف تستشيرنا وأنت مستشار الأمة وحاكمها؟.. فكان آخر اجتماع له معهم

مستشارون منافقون

بعد تعيينى فى 13 ديسمبر 1977 كنائب لوزير التخطيط ومديرا لمعهد التخطيط القومى، وعلى وجه التحديد فى أول أكتوبر 1978، صدر قرار جمهورى بتشكيل هيئة مستشارى رئيس الجمهورية. وكان عدد أعضاء تلك الهيئة خمسة عشر عضوا برئاسة المهندس سيد مرعى. وتم الاجتماع الأول برئاسة الرئيس محمد أنور السادات فى بداية الأسبوع الأول من أكتوبر 1978، وذلك فى استراحة الرئاسة بالقناطر الخيرية، وكان من المقرر أن يستمر الاجتماع لثلاثة أيام متتالية. ولكن حدث ما لم يعجب الرئيس، حيث تبارى بعض المتحدثين فى مدح الرئيس بشكل مبالغ فيه، رغم أن غالبية الأعضاء كانوا وزراء سابقين، ومن هذا المديح القول: كيف يكون لك مثل هذا العدد من المستشارين وأنت يا سيادة الرئيس مستشار الأمة وحاكمها... وتوالى هذا النفاق، مما دعا الرئيس إلى القول للسيد مرعى بأن تجتمع الهيئة فى المرات المقبلة فى القاهرة برئاسته، إلا أنها لم تجتمع بعد ذلك أبدا.

• أخبرنى فؤاد محيى الدين بتعيينى وزيرًا للتخطيط دون أدنى ترحيب فقلت: طيّب .. وخرجت دون أن أجلس

وزيرا للتخطيط

فى 4 يناير 1981، تم تعيينى وزيرًا للتخطيط فى الوزارة الجديدة، وشغل الدكتور فؤاد محيى الدين منصب رئيس الوزراء، ورأس المجموعة الاقتصادية السيد محمد عبدالفتاح نائب رئيس الوزراء ووزير الاستثمار والتعاون الدولى، وكان من أعضاء تلك المجموعة بالإضافة إلى وزير التخطيط، الدكتور صلاح حامد وزير المالية، والدكتور فؤاد هاشم وزير الاقتصاد. وللتذكرة والشكر لله، فحينما شكلت الوزارة وعرض الدكتور فؤاد محيى الدين على الرئيس الأسماء المرشحة للمجموعة الاقتصادية، لم يشر فيها إلى مرشح لوزير التخطيط، وربما كان يرى ترك هذه الوزارة حتى يعين لها وزيرًا فى آخر لحظة. فلقد كان بيننا خلاف منذ كنت محافظا لبنى سويف، يتعلق بالمصلحة العامة وليس خلافا شخصيًّا، عله كان سحابة صيف.

المهم عند تشكيل الوزارة، سأل الرئيس من هو وزير التخطيط فصمت الدكتور فؤاد محيى الدين، فبادره الرئيس: ربما نختار مدير معهد التخطيط، دون أن يذكر الاسم، خصوصًا أن الشخص الذى يرى أن يتولى هذا المنصب، يعمل فى منصب قريب من مهام وزير التخطيط، حيث كان من بين وزراء التخطيط السابقين مديرون لمعهد التخطيط كالدكتور إبراهيم حلمى والدكتور إسماعيل صبرى والدكتور محمود الإمام. خرج الدكتور فؤاد محيى الدين ولم يعترض ولم يؤيد، وطلب من السيد محمد عبدالفتاح أن يرشح وزيرًا للتخطيط، وأخبره أن المطروح بعض الأسماء كالدكتور حسن فج النور نائب وزير التخطيط آنذاك والدكتور سعد الدين حنفى نائب رئيس بنك الاستثمار القومى والدكتور يسرى مصطفى رئيس قطاع التخطيط والمتابعة فى الجهاز المركزى للمحاسبات وأخيرًا الدكتور كمال الجنزورى. فقال السيد محمد عبد الفتاح:

«إذا كانت الخيارات بين هؤلاء الأربعة فالأفضل الجنزورى». لم يتوقف الدكتور فؤاد عند هذا، ولجأ للدكتور إبراهيم حلمى عبدالرحمن مستشار رئيس مجلس الوزراء منذ حكومة السيد ممدوح سالم، وسأله عن الأسماء ذاتها، فرد بأن الجنزورى هو الأفضل من وجهة نظره الشخصية. هذا ما حدث فعلًا، وعلمت به من الدكتور فؤاد محيى الدين بعد شهور عندما أصبحنا على خير وفاق.

ذلك أن البداية لم تكن موفقة مع الدكتور فؤاد محيى الدين قبل أن يصبح صديقا عزيزا بعد شهور قليلة. ففى صباح يوم تشكيل الوزارة تسرب إلى الصحافة قائمة بالوزارة الجديدة، وهو التشكيل الأول فى عهد الرئيس رغم عدم إعلانه رسميًّا. وبدأت اللقاءات فى مجلس الوزراء للسادة الوزراء القدامى والجدد، ولم يخبرنى أحد بشىء. ورغم تهنئتى من الكثيرين تليفونيًّا إلا فإننى لم يتم إخطارى رسميًّا، إلا فى الساعة الخامسة بعد الظهر، حيث طلبنى سكرتير الدكتور فؤاد ليخبرنى أن السيد رئيس الوزراء يريد أن يرانى بعد نصف ساعة. فكان علىّ أن أذهب إلى مجلس الوزراء فورًا، ولم يبد أدنى قدر من الترحيب، حيث بادرنى بالقول بما يفيد تعيينى وزيرًا للتخطيط، فقلت طيّب وخرجت دون أن أجلس.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 3:05



أبوغزالة صديقى

كان المشير أبوغزالة رحمة الله عليه صديقا عزيزا، منذ اليوم الأول الذى انضممت فيه إلى الوزارة فى 4 يناير 1982، كانت به صفات عامة وخاصة، تكفل له دخول قلب كل من يتعامل معه على الفور، فهو رجل عميق الثقافة فى مختلف المجالات العسكرية والسياسية بل والاقتصادية، كما أنه دمث الخلق، واضح، مستقيم اللغة، ثابت على أفكاره ولا يراوغ.

الحكومة الجديدة

بدأ العمل فى الحكومة الجديدة، التى كان بها من بين الوزراء كوكبة كبيرة، مثل الفريق كمال حسن على نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، والسيد أحمد عز الدين هلال نائب رئيس الوزراء ووزير البترول والتعدين، والمشير عبدالحليم أبوغزالة نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع، والسيد محمد عبدالفتاح نائب رئيس الوزراء ووزير الاستثمار والتعاون الدولى، والدكتور مصطفى كمال حلمى نائب رئيس الوزراء ووزير التعليم، والمهندس حسب الله الكفراوى وزير التعمير، والمهندس سليمان متولى وزير النقل والمواصلات، والمهندس ماهر أباظة وزير الكهرباء، وغيرهم من الإخوة الكبار.

لقاء مع الرئيس

وبعد أيام قليلة، طلبنا الرئيس كمجموعة اقتصادية مكونة من أربعة، وكان بالمصادفة ثلاثة منهم يقيمون فى مصر الجديدة والرابع الدكتور صلاح حامد بمدينة الإعلام بالعجوزة، وبدأ الحديث من جانب الرئيس بسؤال: كيف يمكن أن ننظر إلى المستقبل؟ شعرت أن السؤال موجه لى، وأن مرجعه الدراسة التى أشرت إليها من قبل، فقلت: الأمر يتطلب أن نعد لمؤتمر اقتصادى ليكون بداية لإعداد نظرة مستقبلية لخطة قومية طويلة المدى وأخرى متوسطة وقصيرة المدى، على أن يشارك كل الأطراف المعنية بغض النظر عن اختلاف الإيديولوجيات، سواء من اليمين أو اليسار أو الوسط. فطلب الرئيس أن نبدأ.

خرجنا والتقينا فورا فى معهد التخطيط لأنه كان الأقرب مكانا، وقررنا أن نجتمع فيه بعد ذلك، وحاولنا أن نختار أسماء كثيرة لتساهم فى المؤتمر المقترح، وكان فى مقدمتهم الدكتور على الجريتلى والدكتور عبدالجليل العمرى والدكتور عبدالمنعم القيسونى والدكتور إبراهيم حلمى عبدالرحمن والدكتور إسماعيل صبرى عبدالله، ومن كبار الكتاب والمفكرين السيد نجيب محفوظ والسيد أحمد بهاء الدين والدكتور زكى نجيب محمود. ويصعب أن أذكر الجميع لأننا وصلنا إلى أكثر من خمسين شخصية من العلماء والمفكرين والوزراء والمسئولين السابقين.

واستمرت اجتماعات المؤتمر حتى توصلنا إلى إطار عام، وأعددنا وثيقة تحدد الرؤية المستقبلة، لما نصبو إليه من المسار خلال العشرين سنة المقبلة، والموارد المتاحة وتلك التى يمكن أن تتاح، وكيف يمكن أن نزيد من روافدها المختلفة، وما هى الأولويات التى تخدم الوطن والمواطن.

كانت قرارات المؤتمر، هى الأساس لإعداد وزارة التخطيط الخطة العشرينية (1982 ــ 2002) والخمسية الأولى (82 ــ 1987) والسنة الأولى (82/1983). وكان على أن أعرض على مجلس الوزراء هذا القدر الهائل من العمل. حيث كانت المرة الأولى التى أناقش فيها وأدافع وأوضح لمدة امتدت إلى خمس ساعات. وكان البعض حريصا كل الحرص على زيادة ما يتاح لوزارته من موارد، لكننى حاولت جاهدا أن أوجه النقاش إلى الأهداف التى نصبو إليها وما نرجوه فعلا للوطن والمواطن.

أقر المجلس فى آخر مايو 1982 الخطة العشرينية (1982 ــ 2002) والخطة الخمسية الأولى (1982 ــ 1987) وخطة السنة الأولى (82/1983). وبعد هذا كان يلزم الذهاب إلى مجلس الشعب لأعرض الخطة على أعضاء مجلس الشعب، واستمر النقاش لجلسات عديدة صباحا ومساء، وعند الانتهاء من المناقشة حدث أمر يدعو للعجب لا بد من ذكره.

• تحدثت لأول مرة أمام البرلمان عام 1982 فصفق لى النواب ..وقال لى يوسف والى: لن يتاح لك الميكروفون مرة أخرى

أمام مجلس الشعب

فبعد أن تمت مناقشة الخطة العشرينية والخطة الخمسية الأولى وخطة السنة الأولى، وأيضا الموازنة العامة لعام 82/1983، كان على الدكتور صلاح حامد، أن يعقب على كل المناقشات المتعلقة بالموازنة العامة، وكان علىّ كوزير تخطيط أن أعقب على ما أثير عن الخطة العشرينية والخمسية والسنة الأولى. ويبدو أننى وفُقت وكانت المرة الأولى لى فى المجلس، حيث تكلمت مرتجلا، ونلت الرضا من أعضاء المجلس وكان التصفيق حارا، وإذا بى أفاجأ بعد انتهاء المناقشات، بدخول الدكتور فؤاد محيى الدين وطلب التعليق. وكان يجيد الخطابة، كان شخصية مؤثرة حينما تستمع إليه، فعلق بكلام عام على أهمية التخطيط وكيف أخذت الموازنة العامة فى اعتبارها كل ما يتطلبه المواطن المصرى خاصة محدودى الدخل.

التليفزيون تجاهل كلمتى

جاءت الساعة السادسة، وأعلن التليفزيون أن مجلس الشعب وافق على الخطة والموازنة، وعقب رئيس الوزارة بكذا وكذا. وكأنه لم يكن هناك وزير للتخطيط ولا وزير للمالية، وهو حق أصيل لكل منهما فيما يتعلق بالخطة وبالموازنة. ولكن قبل أن أتحدث مع السيد صفوت الشريف، كان معى الدكتور يوسف والى أثناء مناقشة الخطة فى المجلس، وكان على علاقة غير طيبة مع الدكتور فؤاد محيى الدين لأسباب شخصية أو سياسية لا أعلمها وقد قال لى: إنه بعد أن تكلمت فى المجلس اليوم، وأجدت وأنصت وصفق لك الجميع، فأقول لك كلمة صادقة: لن يتاح لك الميكروفون بعد اليوم. ومع أننى أخذت كلامه كتعبير عن عدم رضا بينه وبين الدكتور فؤاد. فقلت لماذا؟ ألم نتكلم كمسئولين عن الخطة والموازنة؟ فرد بأن الدكتور فؤاد محيى الدين طلب، قصر ما يذاع عن الخطة والموازنة، على رئيس الوزارة فقط.

وقد ترى من ذلك، أن الإنسان هو الإنسان مهما كانت وظيفته بكل مشاعره، والتى من الممكن أن يكون لها تأثير على العمل العام إذا تمكنت الغيرة أو المنافسة من العاملين. كان هذا فى البداية، ولكن بعد شهر أو اثنين، بدأت العلاقة مع الدكتور فؤاد تتحسن، رغم اختلافى مع سياسته وحرصه الزائد على إدارة الأمور منفردا، ولكن كان يتميز بسعيه الدائم إلى المصلحة العامة.

اختلفنا بعض الوقت وتقاربنا فى أغلب الأوقات. ورغم الفجوة التى بدت عند أول عام 1982 معه، أصبحت من أقرب الوزراء إليه، وكان الاتفاق كاملا على الأسس والتفاصيل التى تحقق المصلحة العامة، والبعد عن كل ما ينتمى إلى المصلحة الخاصة.

• ناقشنا فى الحكومة رفع سعر «المعسل» فرفض رئيس الوزراء .. قائلا: أنا نائب عن «شبرا» و«الكل يدخن الشيشة»

نقاش حول «المعسل»

انتهى عام 1982، وتلاه عام بعد آخر، وعقدت لقاءات جادة بين مجموعة من الوزراء ورئيس الوزارة، وأذكر أن الدكتور فؤاد محيى الدين كان ضنينا فى إصدار قراراته، خوفا من حدوث أى من الأخطاء، باعتبار أن عدم إصداره قد يكون أكثر أمنا. وفى يوم ما اجتمعنا كلجنة وزارية عليا تتكون من رئيس وزراء وأربعة من نواب رئيس الوزراء وخمسة وزراء، وجلسنا لنناقش رفع سعر الدخان المعسل، أو حذفه من قائمة السعر الجبرى، وتكلم الكل واستمر النقاش أكثر من ساعتين، ثم تصدى الدكتور فؤاد فى النهاية، وقال:

ــ لا تغيير ولا حذف من قائمة السعر الجبرى، أنا أتكلم من واقع الشارع المصرى، فأنا نائب عن شبرا الخيمة، والكل يجلس على المقاهى يتعاطى المعسل، فأرجو ألا تنسوا هذا الأمر، فابتسمت وقلت:

ــ لماذا إذن كان كل هذا الوقت من النقاش؟

قال: كان لا بد أن نتحاور ثم نصدر القرار الذى اتفقنا عليه.

هذا الأمر يعطى مجرد فكرة عن كيف تؤثر عوامل كثيرة على الأداء فى بعض الأحيان.

• مصطفى السعيد أطاح بأحد وزراء فؤاد محيى الدين بمعاونة رئيس الحكومة .. وإقالة وزير التموين تمت وهو فى الطائرة قادما من أمريكا

مؤامرات ودسائس

فى شهر أغسطس وعلى وجه التحديد فى 31 أغسطس 1982، لم يكن مرَ على تشكيل الوزارة أكثر من 8 أشهر، انفك عقد المجموعة الاقتصادية، فخرج السيد محمد عبدالفتاح نائب رئيس الوزراء، والدكتور فؤاد هاشم وزير الاستثمار والتعاون الدولى، بسبب محاولات الدكتور مصطفى السعيد المستمرة والمستميتة مع الدكتور محيى الدين، بأنه والدكتور وجيه شندى من أقطاب الحزب الوطنى وهما الأحق بالمناصب الوزارية، من الذين يتم اختيارهم من خارج الحزب. وكان يتردد على المجلس كل يوم ويخرج مع الدكتور فؤاد مرافقا له فى السيارة، حيث كان قريبا جدا منه.

ومرت الأيام، وفى يوم 31 أغسطس 1982 أصدر الدكتور فؤاد هاشم قرارا برفع سعر العائد على شهادات الاستثمار فئة «ب» إلى 14٪ بدلا من 13٪، بعد أن استأذن رئيس الوزراء. ولكن بعد صدور القرار سأل الرئيس الدكتور فؤاد محيى الدين: هل ناقشتم هذا الأمر فأنكر، وعليه خرج الدكتور فؤاد هاشم من الوزارة بعد أن أمضى فترة لا تزيد على ثمانية أشهر، رغم أنه كان كفؤا وله رؤية اقتصادية ممتازة. وهو أمر لم يرض السيد محمد عبدالفتاح نائب رئيس الوزارء، واعتذر أن يستمر متحججا بمرض فى العين، وقدم استقالته احتجاجا على ما أحس أنه ظلم لزميل يرى أنه لم يخطئ فى عمله.

خرج الاثنان، الأول أقيل والثانى غاضبا من هذا الإجراء فاستقال.. رحم الله الاثنين.

قضية عصمت السادات

ثمة حادث يصح أن يذكر، فقد نشرت فى الصحف قضية تتعلق بالسيد عصمت السادات. وقيل فى التحقيق إن بعض الوزراء ساعدوه فى الحصول على مكاسب ليست من حقه، وهم السيد أحمد نوح وزير التموين والمهندس فؤاد أبوزغلة وزير الصناعة، والمهندس سليمان متولى وزير النقل والمواصلات. والحقيقة أن الأدلة لم تكن مقنعة، إلا أن أحد الوزراء المقربين للدكتور فؤاد محيى الدين، أقنعه أنه لابد من عرض الأمر على الرئيس، واقترح أن يخرج من الوزارة من جاء ذكره من الوزراء، وهذه المعلومات ليست من قبيل الاستنتاج ولكنها حقيقة، نمت إلى علمى، بعد أن اختلف الدكتور فؤاد محيى الدين مع الوزير المقرب منه. المهم أنه فى 13 مارس 1983 خرج كل من السيد أحمد نوح والمهندس فؤاد أبوزغلة من الوزارة. ويشاء القدر أنه بعد سنتين خرج هذا الوزير المقرب من رئيس الوزراء بشكل أشد وقعا.

أذكر أنه قبل ذلك بأسبوع أو عشرة أيام، طلبت من الدكتور يوسف والى أن يتيح الفرصة للقاء السيد أحمد نوح بالرئيس ليشرح الأمر. وفعلا تم ذلك بحضور الدكتور يوسف والى، وسأل الرئيس عن وضع مخزون القمح فقال السيد أحمد نوح إنه يلزم أن يسافر إلى أمريكا، للتعاقد على كمية مناسبة من القمح، فطلب الرئيس من الدكتور فؤاد محيى الدين أن يوقع قرار سفره.

وقبل انتهاء اللقاء، قال السيد أحمد نوح، للرئيس لقد أصبح مهما الاستعانة ببعض الخبراء للحزب خاصة من الاقتصاديين لتولى المنصب الوزارى مما ينشط العمل الحزبى، فقال الرئيس: يا أحمد ألا ترى أن الجنزورى وزير للتخطيط كويس وهو ليس بالحزب.

المهم سافر فعلا السيد أحمد نوح فى اليوم التالى، وبعد أيام قليلة انتشرت شائعة عن خروج وزيرين أو ثلاثة بسبب قضية السيد عصمت السادات، وكان السيد أحمد نوح فى واشنطن، فأرسل استقالة وأبلغ بها جريدة الأهرام وربما جريدة أخرى هى الجمهورية للنشر، فرفضت كل من الجريدتين نشر الاستقالة. وأقيل أو خرج السيد أحمد نوح من الوزارة وهو فى الطائرة عائدا إلى القاهرة.

• أحد المقربين قال لمبارك: «لو اخترت نائبا سيقارن الناس بينكما».. فعزف الرئيس عن الفكرة وعلى وجهه علامات الغضب

مفاجأة.. لم تتحقق

وهنا أذكر أمرا مهما حدث فى أول أبريل وعلى وجه التحديد فى يوم 5 أبريل 1983، كنت بمعهد التخطيط القومى، وفى نحو الساعة الثانية عشرة، ذهبت إلى قصر القبة إثر مكالمة تليفونية من الرئاسة، وبعد دقائق، دخل المشير عبدالحليم أبوغزالة، وبادرنى متسائلا بود:

ماذا تفعل هنا يا دكتور؟!

كان المشير أبوغزالة رحمة الله عليه صديقا عزيزا، منذ اليوم الأول الذى انضممت فيه إلى الوزارة فى 4 يناير 1982، كانت به صفات عامة وخاصة، تكفل له دخول قلب كل من يتعامل معه على الفور، فهو رجل عميق الثقافة فى مختلف المجالات العسكرية والسياسية بل والاقتصادية، كما أنه دمث الخلق، واضح، مستقيم اللغة، ثابت على أفكاره ولا يراوغ.

نظرت إليه بود وقلت:

ــ لا أعلم، لكنى تلقيت تليفونا..

فجأة بعد دقائق قليلة أخرى.. دخل علينا رئيس الوزراء الدكتور فؤاد محيى الدين وسألنا فور دخوله، وقد عكست عيناه نظرات من التوجس والتساؤلات، فهو بطبيعته، لم يكن يميل أن يلتقى أحد بالرئيس دون أن يكون على علم مسبق باللقاء.

من أجل هذا كانت جملته السريعة المتسائلة:

ــ لماذا أنتما هنا؟!

وفى صوت واحد أجبنا:

ــ والله.. لا نعلم!

جلس الدكتور فؤاد محيى الدين.. ولم يرد.. وقد تأكد لنا أنه هو الآخر لم يكن يعلم لماذا جىء به.

يبدو الأمر أنه كان مفاجئا لنا جميعا نحن الثلاثة، وقد فهمت فيما بعد أن الرئيس اتخذ قراره بجمعنا ولقائنا قبل دقائق من المكالمات التى استدعتنا سويا إلى مقر الرئاسة.

بعد عشر دقائق وفى تمام الواحدة ظهرا، طلب إلينا الذهاب إلى الشرفة المطلة على بوابة القصر الغربية، وكانت المائدة جاهزة لتناول طعام الغذاء، وفجأة دخل علينا الرئيس ومعه المستشار النمساوى برونو كرايسكى والملياردير رجل الأعمال الأمريكى كالاهان اليهودى الديانة، اتخذ كل منا مكانه حول المائدة المستديرة، وجلست بين رجل الأعمال الأمريكى والدكتور محيى الدين، ومضت دقائق، قبل أن يبدأ الحديث عن قضية الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، وأخذ المشير يتحدث باستفاضة فى هذه القضايا ويحلل الموقف، وكان الدكتور فؤاد محيى الدين يقاطعه ليضيف فيما رأيت أنها محاولة مستمرة منه لتأكيد خبرته أيضا ومعلوماته حول الموقف والقضية، وكان المستشار النمساوى لا يعلق على ما يقال، لكنه دأب طرح أسئلة ليفهم ما يجرى من أحداث جديدة فى المنطقة.

بعد نصف ساعة تقريبا، استمر فيه الحديث من جانب المشير أبوغزالة والدكتور فؤاد محيى الدين، وجه الرئيس القول لى:

ـ ساكت ليه يا كمال؟! لماذا لا تتكلم؟!

قلت: الموضوع يعرفه الجميع.. وقد تركت الشرح للإخوة الكبار ليقولوا ما نعلمه، وقلت هذا باللغة العربية متعمدا، لأن الرئيس السابق سألنى باللغة العربية، وحرصت أن ألتزم السكوت دون أن أحرج الآخرين، من ناحيته اكتفى الرئيس بما قلت واستمر الحوار ما يقرب من الساعة.

الغريب أن هذا اللقاء لم ينشر عنه شىء، لا فى الداخل ولا فى الخارج، ولم تتناوله قط وسائل الإعلام، لكن بعد نحو شهر، جاءنى أحد المسئولين المقربين للرئيس وهو أيضا على علاقة طيبة بى.

سألنى بصورة مباشرة:

ــ هل كنت مع الرئيس منذ فترة؟!

سألته بدورى:

ــ ماذا تقصد؟!

قال موضحا ومستوضحا:

ــ ذلك اللقاء الذى حضره المشير أبوغزالة والدكتور محيى الدين ومستشار النمسا ورجل الأعمال الأمريكى؟!

قلت:

ــ نعم، وماذا فى ذلك؟!

كنت أعرف أن طبيعة عمل هذا المسئول، تتطلب الوجود بصفة شبه يومية فى مقر الرئاسة لينقل للرئيس اتجاهات الرأى العام، فليس غريبا أن يبلغه نبأ ذلك اللقاء، على أى حال. سألت المسئول: لماذا تسأل عن هذا اللقاء فقال:

ــ هذا اللقاء كان الهدف منه أن يتحدد فيه أمر مهم..

ــ ما هو؟!

ــ قال بثقة: اختيار نائب رئيس الجمهورية!

استغربت حقا. إذ لم أكن قد أمضيت فى موقعى الوزارى أكثر من عام ونصف العام، كما أننى كنت أصغر الوزراء سنا، وحين أسترجع ذكريات تلك الفترة، أستطيع قول إن الرئيس فى تلك الأعوام الأولى من رئاسته كان يبحث حقا عن نائب له، وكان كلما التقى شخصا يثق فيه يبادره بالسؤال:

ــ هل ترى أن أختار نائبا للرئيس؟!

كان يسأل فى ذلك أصدقاءه والعاملين معه فى الدائرة القريبة، سأل الكثيرين، منهم صفوت الشريف، وحسين سالم، والدكتور ممدوح البلتاجى، ومحمود ثابت عم زوجته السيدة سوزان مبارك، علمت ذلك من بعضهم فيما بعد.

كانت فكرة اختيار نائب للرئيس، تشغل الرئيس فى تلك السنوات الأولى من حكمه وقد علمت، فيما بعد، أن المسئول القريب من الرئيس والذى سبق الإشارة إليه قضى على الفكرة تماما حين قال للرئيس ردا على سؤاله:

ــ ما رأيك فى تعيين نائب للرئيس؟!

قال الرجل: لا أوافق

سأل الرئيس: لماذا؟

أجاب للأسباب كذا وكذا، وآخرها أنه ستحدث مقارنة بينك وبينه منذ اللحظة الأولى، وسوف يتابع الشعب أداءكما معا، ويعقد المقارنات، وأضاف: لقد انتهيت من الحديث وانصرفت، ولكن بدا على وجهه عدم الرضا بل والغضب.

ومن يومها، حتى يناير 2011، لم يختر الرئيس نائبا قط له، إلا بعد اندلاع الثورة فى 25 يناير، فعل ذلك تحت الضغط الشعبى العنيف.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 3:08

لماذا لم يطح المشير أبو غزالة بحسني مبارك أثناء أحداث الأمن المركزي؟
مبارك تردد كثيرًا فى مسألة نزول الجيش لمواجهة أحداث الأمن المركزى عام 1986 لكن القوات تحركت وأعلن عن نزولها رسميًا وهى فى الشوارع

أحداث الأمن المركزى

كانت فترة الدكتور على لطفى، مليئة إلى حد كبير بالمشاكل دون ذنب اقترفه ولكنها الأقدار. بدأت بمشكلة سفينة أمريكية فيما عرف بحادث السفينة إكيللى لاورو، وقُتل على ظهرها أمريكى مقعد، واستغلها الإعلام الخارجى للهجوم على مصر. وأيضا الفلسطينى محمد عباس الذى كان متهما بقتل هذا اليهودى، ونقل على طائرة مصرية إلى تونس، وتصدى لها الأسطول السادس الأمريكى ليعيد الطائرة. وأيضا خطف الطائرة المصرية ونزولها فى مالطا، وقتل الكثير من الجنود والضباط المصريين الذين ذهبوا لتحرير الرهائن، وأيضا أحداث الأمن المركزى فى 25 فبراير 1986.

وقبل أن أنتقل إلى فترة ما بعد حكومة الدكتور على لطفى، أذكر بعض الأمور المهمة، والتى لم يعلق عليها بل ظلت مطوية فى كواليس أحداث الأمن المركزى فى 25 فبراير 1986.

ففى حوالى الساعة السادسة مساء يوم 24 فبراير 1986، كنت مع الدكتور يوسف والى فى مكتبه فى أمانة الحزب الوطنى، فى المبنى المجاور لفندق هيلتون النيل والمطل على كورنيش النيل، وكان الدكتور يوسف والى حينذاك أمينا للحزب وقد ظل ربع قرن بعد ذلك فى هذا المنصب، وأعود لأحداث الأمن المركزى إذ دخل علينا السيد عبد الفتاح الدالى أمين الحزب الوطنى بمحافظة الجيزة، وقال فور دخوله إن جنود الأمن المركزى، بدأوا بإضراب فى معسكرهم فى الطريق الصحراوى القاهرة ــ الإسكندرية، مطالبين بإلغاء قرار استمرار مدتهم بالتجنيد، أى عدم استمرار خدمتهم ضمن جنود الأمن المركزى، وكان محددا من قبل أن تنتهى مدة خدمتهم بعد شهر تقريبا.

وهنا أؤكد أننى لم أكن عضوا فى الحزب الوطنى أو أى من أحزاب السلطة التى سبقت (حزب مصر، الاتحاد الاشتراكى، الاتحاد القومى) ولكن سجل اسمى عضوا بالمكتب السياسى للحزب الوطنى بصفتى رئيسا للوزراء ولم نجتمع مرة خلال رئاستى لمجلس الوزراء وعضويتى فيه.

وبعد لحظات، دخل علينا الدكتور عبدالحميد حسن محافظ الجيزة حينذاك وردد وهو فى غاية الاضطراب والانزعاج، ما سبق أن قاله السيد عبدالفتاح الدالى، وأضاف أن جنود الأمن المركزى بدأوا يخرجون إلى الطريق الصحراوى، ومعنى هذا أنهم ربما يتوجهون إلى منطقة الأهرامات وشارع الأهرام.

على الفور، طلبت من الدكتور يوسف والى، أن يطلب الرئيس، لأن الأمر فى غاية الخطورة ولا يمكن الانتظار، فتردد، فقلت له اطلب المشير أبوغزالة وأخبره بالأمر، فالوضع جدّ خطير، فهذا ليس إضرابا من مواطنين، ولكنه إضراب من صفوف الأمن، والتى من المفترض أن تواجه مثل هذه الأمور الخارجة على القانون ولا تكون هى الفاعلة، وصلنا إلى حوالى الساعة السابعة، وتم الاتصال فعلا بالمشير، ولم أحاول أن أتدخل، رغم أننى على علاقة جيدة بالمشير، ولكن تركت الأمر لممثل الشارع وهو الحزب، وأن القوات المسلحة حريصة دائما على أمن الوطن.

بعد نصف الساعة بدأ القلق فى نفسى بعد أن توارد من أطراف عدة أن جنود الأمن المركزى، تحركوا بالفعل وقطعوا فى الطريق الصحراوى ما يزيد على نصف كيلو أو كيلومتر، وطلبت المشير أبوغزالة، وقلت إننى أتابع الموضوع لأنى مع يوسف والى وسمعته وهو يتحدث معك، سألته: هل طلبت من الرئيس نزول الجيش، لأن الأمر أصبح حتميا والموقف صار فى غاية الخطورة؟ والمشير رغم أدبه الجم فإنه فى مثل هذه الحالات يتفوه بألفاظ شديدة مصدرها حرصه الدائم على هذا البلد، المهم قال طلبت الرئيس أكثر من مرة ولكنه ما زال مترددا بالنسبة لنزول الجيش.

بعد دقائق طلبت المشير ثانية قلت له: أرجوك بكل ما تحمل من حب لهذا الوطن الذى نعرفه جميعا عنك، وأكرر طلبى، أخيرا قال لى: كمال لا تخش شيئا فإننى أصدرت أوامرى لتحرك قوات الجيش إلى الطريق الصحراوى، لتوقف أى تحرك لجنود الأمن المركزى من دخول منطقة الجيزة.

وفعلا حدث هذا، وبعد حوالى نصف الساعة أعلن رسميا نزول الجيش الذى كان قد نزل بالفعل من قبل.

• قائد عسكرى قال لـ«أبوغزالة»: خلّصنا من مبارك.. فرد المشير: لو فعلتها ستتكرر من بعدى

التاريخ كاد يتغير... ولكن الولاء

شىء آخر لابد أن أذكره عن هذا الرجل، المشير أبوغزالة، ففى اليوم التالى وهو يوم 27 فبراير 1986، كانت الأمور قد استقرت فى الشارع والقوات سيطرت تماما على الموقف، وكنا مجموعة قليلة مع المشير فى مقر القيادة رغم أننى لست عسكريا، ولكن قربى منه سمح لى زيارته فى ذلك اليوم. لم يكن اجتماعا ولم يكن شيئا رسميا، ولكن كان لقاء به قدر من الارتياح يحس به القائد الذى أنقذ البلد وهو المشير أبوغزالة. فى هذا اللقاء، قال أحد القادة العسكريين القريب جدا من المشير أبوغزالة: كفاية كده يا سيادة المشير، خلّصنا منه (يقصد الرئيس) بقا حتى يستقر البلد. فرد عليه المشير أبوغزالة على الفور، وبكل حزم وبالحرف الواحد: لا يمكن لى أن أفعل ذلك وإن أخطأت وفعلت، فسيفعل معى فيما بعد.

وانتهى الأمر، واستقرت الأمور، وعاد الجيش إلى ثكناته، ولم يذكر هذا للمشير أبوغزالة عند صاحب الأمر، هذا الوفاء وهذا الولاء للوطن وللرئيس، رغم الحب الذى أظهره الشعب للمشير. لقد كان نزول الجيش للشارع سيمفونية جميلة عرف الجيش كيف يعزفها ويتعامل مع الشعب دون قسوة أو عنف، فعرف الشعب الجنود والضباط وقائدهم المشير أبوغزالة. ولكن هذا لم يكن فى صالح المشير أبوغزالة، لدى صاحب الأمر فخطط لاستبعاده، ولكن الأمر طال عليه، إلا أن نجح بعد نحو ثلاثة أعوام.

رحم الله الرجل ورحم الله الجميع الذين خدموا هذا الوطن الذى لن ينساهم أبدا.

• مبارك دعانى لتشكيل الوزارة أواخر 1986.. وفى اللحظات الأخيرة شطب اسمى وجاء بعاطف صدقى

التكليف كتابيًا... ولكن

انتهت فترة حكومة الدكتور على لطفى، وقبل الانتهاء بعشرة أيام، أى أول نوفمبر 1986، حدثت مفاجأة جديدة لى، إذ طلبنى الرئيس وكان فى الإسماعيلية، وطلب منى أن أشكل الوزارة مع ترك الوزارات الأربع السيادية لاختياره المباشر، واستمرت المراجعة معه نحو عشرة أيام، أى إلى اليوم العاشر من نوفمبر، تحدد فيها جميع الأسماء التى تدخل الوزارة والتى تخرج منها.

وفى صباح اليوم الحادى عشر من نوفمبر 1986، طلب منى الدكتور مصطفى الفقى الذهاب إلى مقر الرئاسة الساعة السادسة والنصف مساء، ثم بعد ساعتين طلبنى السيد جمال عبدالعزيز سكرتير الرئيس، ليخبرنى بأن أستعد لأن الرئيس تحرك من الإسماعيلية فعلا، والأفضل أن أذهب إلى مقر الرئاسة الساعة السادسة بدلا من السادسة والنصف. جاءنى الدكتور يوسف والى بعد ساعة من تلك المكالمة بدون موعد، ثم جاءنى تليفون خاص بالرئاسة، يفيد أن أُبلغ الدكتور يوسف والى الذهاب إلى الرئاسة، على أن أستمر بالمنزل إلى حين إبلاغى بالذهاب، لأن الموعد تأجل بعض الوقت. استمر الانتظار ساعة واثنتين وثلاثا، بما أشعرنى أن شيئا استجد. وحوالى الساعة العاشرة مساء عاد الدكتور يوسف وعلى وجهه ما يفصح عن تغيير حدث، وعندما خرج بعد انتهاء المقابلة، قال: لعل مفاجأة هناك، فأجبته خير. فقال:

ـ خير إن شاء الله.

فى صباح اليوم التالى، عرفت أن الذى دُعى إلى تشكيل الوزارة الدكتور عاطف صدقى، وعلمت أيضا ما تم، بأنه حينما دخل الدكتور أسامة الباز ليوقع من الرئيس خطاب تكليفى بالوزارة، فوجئ أن الرئيس شطب اسم الدكتور كمال أحمد الجنزورى وكتب بدلا منه وفوقه الدكتور عاطف نجيب صدقى، وخرج الدكتور أسامة الباز، ليسلم الخطاب المعدل للدكتور مصطفى الفقى، وقال له:

ـ لم أقل شيئا، ولم يكن لى أى دور فى هذا التغيير، هو الذى غيّر.

أمام ذلك، اعتبرت ما سبق من أمر كأن لم يحدث، وسجدت لله شاكرا وحامدا، فيكفى أن اُخْترِت من قبل وهذه مرة ثانية، هذا فضل من الله يؤتيه من يشاء.

• صدقى والمحجوب خططا لإقصائى.. والقصة رواها لى الأخير بعد خلاف وقع بينهما

وقد علمت فيما بعد على وجه التأكيد أنه عندما كان مقررا أن أذهب إلى الرئاسة، طلب الدكتور أسامة الباز الدكتور رفعت المحجوب، والذى كان له علاقة وثيقة بالدكتور عاطف صدقى، وكان له أيضا مكانة عند الرئيس ويقدره، وبأسلوبه الدبلوماسى، سأل الرئيس عما سمعه من إجراءات التغيير الوزارى، فإن كان انتهى (وهو يعلم أنه كذلك) فالأمر للرئيس، ولكن إذا لم يكن، فهناك بعض الخيارات، فقال له ماذا يقترح، قال أنا أعلم أن كمال الجنزورى من بين الخيارات وهو كُفء وشاب محترم، ويمكن أن يتحمل مسئولية رئاسة الوزراء فيما بعد. لكن الدكتور عاطف صدقى رئيس جهاز المحاسبات يكاد يمسك بيده أمعاء الاقتصاد المصرى. وبناء على ذلك تم تكليف الدكتور عاطف صدقى لتولى الوزارة فى 14 نوفمبر 1986 واستمر حتى يناير 1996.

وبدأنا المرحلة الطويلة، وكان الأمر بالنسبة لى قبول الأمر الواقع بنفس راضية وبكل السعادة، ويكفى أن عُرض علىّ أكثر من مرة منصب رئيس الوزراء. ولكنى واجهت مشكلة التعامل مع رئيس وزراء يعلم تماما أنه كان مقررا أن أتولى ذلك المنصب، وفى نفس الوقت كنت فى حرج أن أشكو حتى لا يُفهم إننى غير مقتنع بما حدث.

• عاطف صدقى كان يعقد اجتماعاته دون التزام بالمواعيد وكان يسألنا فى بداية كل اجتماع: ماذا نأكل؟

كنت رئيسا للمجموعة الاقتصادية المكونة من خمسة وزراء، وكانت تجتمع يوميا أو كادت لأن مجلس الوزراء كان يلتقى كل شهر أو شهر ونصف الشهر، لمناقشة موضوعات لا تنتمى إلى القضايا الرئيسية باستثناء القوانين والتشريعات والموازنة العامة والخطة التى كانت تعرض مرة واحدة فى السنة قبل تقديمها إلى مجلس الشعب. واقتصر الأمر على إعفاءات لبعض الحفلات الخيرية أو تغيير أسماء بعض الشركات أو سفر وفود إلى الخارج. ومن ثم كان القدر الكبير من النقاش والجهد الذى يوجه للموضوعات المهمة يتم فى اللجنة الاقتصادية برئاسة رئيس الوزراء. والمشكلة التى واجهتها مع رئيس الوزراء (وهو الرابع لى بعد الدكتور فؤاد محيى الدين والفريق كمال حسن على والدكتور على لطفى)، أننى فوجئت بشخص هادئ جدا، لا يهتم كثيرا بالوقت. فإذا تقرر اجتماع مثلا للجنة الساعة الحادية عشرة، يبدأ الاجتماع الساعة الواحدة ويستمر إلى الساعة الثالثة، ثم يبدأ الدكتور عاطف صدقى بالسؤال ماذا نأكل، ويقدم الطعام مرة بيتزا ومرة ثانية كباب ومرة ثالثة فول وطعمية، ويستهلك الطعام ساعتين، يحتاج بعدها البعض للراحة، ثم تعود اللجنة إلى الانعقاد فى الساعة الخامسة أو السادسة. المهم أن تستمر حتى المساء وقد يمتد الاجتماع إلى منتصف الليل، ليعلم الرئيس أن الدكتور عاطف صدقى ما زال فى مجلس الوزراء طوال النهار وحتى منتصف الليل.

لا يراد بهذا الوصف الإقلال من شأن الرجل، ولكن هذا سلوكه لطبيعته دون أن يؤثر على ما كنا نحرص عليه من الانتهاء من مناقشة جدول الأعمال كاملا، غير أنى كنت أكثر الناس ألما لأننى كنت أكثرهم اختلافا فى الطبع فى تناول مثل هذه الأمور، لقد كان من بين الوزراء أربعة عشر وزيرا اختارهم الدكتور عاطف، وكانوا يعتبرونه أبا أو أخا لهم، وانطبعوا بطبعه وسلكوا مسلكه فى أغلب الأوقات. وكان عليّ باعتبارى رئيسا للمجموعة الاقتصادية، أن أعجل بالوصول إلى قرار حتى ينتهى الاجتماع، وشعرت فى بعض الأحيان أنه كان يسعى إلى أن يدفعنى لارتكاب خطأ ما، ليتخلص من الرجل الذى اعتقد أنه سيأتى بعده، لأنه كان مقررا أن يأتى قبله. هذا الإحساس صاحبه، فبعد عام سعى إلى إقناع الدكتور عصمت عبد المجيد، أنه من الصعب أن يتولى الجنزورى التخطيط والتعاون الدولى وهو نائب رئيس الوزراء، وآن الأوان ليكتفى بوزارة التخطيط، وأن ينضم التعاون الدولى لوزارة الخارجية. وفعلا بدأ الدكتور عصمت عبد المجيد إعطاء انطباع للرئيس أن السفراء يشكون منى عدم الدبلوماسية فى التعامل معهم، وهو كلام غير حقيقى إذ كانت المعاملة تتسم بالاحترام المتبادل والتفاهم. ثم لجأ الدكتور عاطف صدقى إلى الدكتور رفعت المحجوب فى هذا الأمر، فوعده بإعداد مذكرة للعرض على الرئيس يوضح فيها عدم جدوى أو عدم قانونية وجود التعاون الدولى مع التخطيط. واشترط أن يكون الوزير الذى يتولى وزارة التعاون الدولى الدكتور محمد عبد اللاه، الذى جاء بعد ذلك رئيسا لجامعة الإسكندرية وعضوا بمجلس الشعب. هذا الكلام قاله لى الدكتور رفعت المحجوب، بعد أن اختلف مع الدكتور عاطف صدقى، لرفضه عودة أخيه السيد عبدالخالق محجوب إلى وظيفته السابقة بوزارة الاقتصاد قبل محاكمته.

المهم نجح الدكتور عاطف صدقى فى أن يفصل التعاون الدولى عن التخطيط، وبقيت نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للتخطيط فقط. وأذكر قبل حدوث ذلك بأيام أن علمت ما اتجهت إليه النية، فذهبت وأخبرت الدكتور عاطف صدقى أن التعاون الدولى، طبيعته فى الأساس عقد منح وقروض، تسهم فى تمويل المشروعات التى تنشأ على أرض مصر، فلا يقبل أن يكون التخطيط مسئولا عن الشق المحلى والجزء الآخر، الذى مصدره المنح والقروض الخارجية مسئولا عنه جهة أخرى. ورغم أنه أكد لى أنه معى ومحامى فى ذلك الوقت، إلا أنه بعد أسبوع حينما تشكلت وزارة جديدة كان من المفروض أن أقابله بعد مقابلته المشير أبوغزالة والدكتور عصمت عبدالمجيد وفقا للبروتوكول، إلا أنه تعمد ألا أقابله إلا بعد أن ينتهى القدامى وكل الجدد، كان يريد أن أثور بأى صورة حتى يبلغ الرئيس بمسلكى العنيف. ولقد أعد لتولى التعاون الدولى الدكتور فؤاد إسكندر، وكان وكيل أول وزارة التعاون، كما أعد لتولى التخطيط الدكتور موريس مكرم الله وكان يعمل أستاذا بمعهد التخطيط القومى.

بعد شهر واحد، أى فى نوفمبر 1987، أجريت الانتخابات لتشكيل مجلس شعب جديد بعد أن تم حل مجلس الشعب 1984ــ 1987 وفقا لحكم المحكمة الدستورية. وأراد الرئيس أن يبعث لى برسالة بأن أكون من المرشحين لمجلس الشعب 1987 للمرة الثانية، وهى رسالة أخرى للدكتور عاطف صدقى بأننا نعمل سويّا، باعتباره الأول وأنا الثانى ولابد من التعاون. ومع هذا لم تكن هناك رغبة من جانب الدكتور عاطف صدقى لترشيحى رغم أنه أمر لا يساوى الكثير، فعندما أكون نائبا لرئيس وزراء ووزيرا للتخطيط، فلن يزيدنى أن أكون عضوا بمجلس الشعب.

• غضب أبوغزالة حين علم بنية مبارك تعيينه رئيسًا للوزراء.. فقلت له: لن يحدث ذلك لكنه يريد إخبارك أنك لن تكون نائبًا له أبدًا

المشير غاضبًا

فى يوليو 1987 تلقيت دعوة لحضور احتفالات عسكرية سنوية يحضرها الرئيس فى مدينة الإسكندرية كل عام، واتصل بى المشير عبدالحليم أبوغزالة قبلها وسألنى:

ـ هل نسافر سويّا؟

قلت: نعم.

وسافرنا وحضرنا الاحتفال، وفى طريق العودة فى الطائرة الصغيرة طراز ماستير، فوجئت بصوت المشير عبدالحليم أبوغزالة محتدا قائلا:

ـ ما يزعجنى حقا أن الرئيس لم يبلغنى عن عزمه على اختيارى رئيسا للوزراء، كيف يكشف نواياه للمحجوب ولا يطلعنى على نواياه؟!

كان يقصد الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب وقتها، وكان المحجوب قد أبلغ المشير أن الرئيس سيعينه، أى المحجوب، نائبا له، بينما يعتزم اختيار المشير رئيسا للحكومة، ولبث برهة قبل أن يحتد ثانية، ثم قال:

ـ لو أطلعنى، ما قبلت أبدا بهذا المنصب.

لم أدر حقيقة غضب المشير! هل لأن المحجوب أو أى مدنى آخر سيأتى فى موقع نائب الرئيس، أو لمجرد رفضه شغل منصب رئيس الوزراء. على أى حال، رجوته الانتظار، حتى نزلت الطائرة، ودخلنا إحدى القاعات الملحقة بمطار ألماظة، وكان صوته قد ارتفعت نبرته أكثر فرحت أهدئ من غضبه وقلت:

ـ اهدأ يا سيادة المشير، صوتنا بلغ مسامع من حولنا، ولكى أخفف التوتر رحت أمازحه، وقلت:

ـ اعلم يا عبد التواب أن الرئيس أراد توصيل رسالة قاطعة إليك!

ـ ما هي؟!

قلت بهدوء:

ـ لن تكون أبدا نائبا له!

نظر إلىّ مستطلعا مستزيدا، فأضفت:

ـ بل أكثر من ذلك، لن تكون رئيسا للوزراء، ولن يكون المحجوب هو الآخر نائبا للرئيس. هذه رسالة مفادها الوحيد: لن تكون نائبى ولا تتطلع إلى ذلك.

استرد المشير هدوءه وأنصت ثم قال:

ـ تفتكر كده؟!

بادلت نظرته بنظرة تأكيد.

أول المشوار

انتهت فترة حكومة الدكتور على لطفى، وقبل الانتهاء بعشرة أيام، أى أول نوفمبر 1986، حدثت مفاجأة جديدة لى، إذ طلبنى الرئيس وكان فى الإسماعيلية، وطلب منى أن أشكل الوزارة مع ترك الوزارات الأربع السيادية لاختياره المباشر، واستمرت المراجعة معه نحو عشرة أيام، أى إلى اليوم العاشر من نوفمبر، تحدد فيها جميع الأسماء التى تدخل الوزارة والتى تخرج منها.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 3:09

وقعت فى نهاية أكتوبر عام 1989 مفاجأة كبيرة، بخروج المشير أبو غزالة، وتولى الفريق أول يوسف أبو طالب وزارة الدفاع. وبعد هذا مباشرة ظهرت قضية القروض العسكرية التى أتاحتها الولايات المتحدة فى عام 1979 فى عهد الرئيس السادات، وكان الدكتور عبدالرزاق عبدالمجيد وقتها نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للتخطيط. وكانت القروض العسكرية، بفائدة مرتفعة للغاية تتراوح بين 11٪ إلى 14٪، ولم يقف الأمر عند ارتفاع أسعار الفائدة، بل صاحب ذلك مشكلة أخرى، حيث كان محددا لها عشر سنوات سماحًا يتم خلالها سداد الفائدة فقط، ثم بدءا من نهاية السنة العاشرة إلى السنة الخامسة والعشرين تدفع أقساط القرض وفائدته.

إذن المشكلة لم تكن فقط فى سعر الفائدة، ولكن إن تمكنا من سداد القروض أو بعضها مقدما، فلا بد أن نسدد ما يسمى بجزاء الدفع المبكر، ويعنى هذا استمرار ارتباطنا بهذه القروض حتى تنتهى المدة المقررة وهى خمس وعشرين سنة، ومن ثم فإن أردنا التحرر منها عندما تتوافر موارد لذلك فى أى سنة صعب الأمر بل استحال، ولكن صدر قانون جديد بعد ذلك فى الولايات المتحدة بإلغاء هذا الإجراء عند الدفع المبكر.

غير أنه بدأت المناقشات واللقاءات مع الدكتور عاطف صدقى والمجموعة الاقتصادية المكونة منِّى ومن الدكتور عاطف عبيد، والدكتور الرزاز، ومحافظ البنك المركزى الدكتور صلاح حامد، والدكتور يوسف بطرس، لظهور مشكلة جديدة وهى أن القروض بدأت سنة 1979 وانتهت فترة السماح فى سنة 1989، وبالتالى يلزم أن تسدد مصر كلًّا من الفائدة والقسط المستحق. وكما ذكرت فسعر الفائدة يتراوح بين 11٪ و14٪ وهو قدر كبير للغاية، خصوصا وأن أسعار الفائدة عالميا فى ذلك الوقت قد أصبحت ما بين 6٪ و6.5٪. واستند أغلبية أعضاء اللجنة على ذلك لتبرير مدى الفائدة للانتقال من الدين العسكرى إلى دين للبنوك الأمريكية.

• رفضت تحويل القروض العسكرية إلى «تجارية».. فهاجمنى السفير الأمريكى بدعم من وزراء ورجال أعمال مصريين

بعد مناقشة فى لقاءات يومية لمدة تقرب من شهر، تأكد أن الكل بدون استثناء، موافق على هذا الانتقال من الدين العسكرى إلى الدين التجارى، وكنت الوحيد المعترض، ورجوت الزملاء عقد لقاء مع الرئيس، فلا يكفى أن نخطره أن الكل موافق عدا الجنزورى، حتى لا يبدو أن الأمر مشوب بخلاف شخصى. وفعلا عقد الرئيس اجتماعا بحضور الدكتور صدقى وجميع أعضاء المجموعة الاقتصادية، وتكلم الكل فى صالح نقل هذ الدين إلى دين تجارى. وأخيرا أوجزت وجهة نظرى، بما يؤكد أن الدين العسكرى دين له صفة سياسية، لأنه لم يُقترض لبناء سد أو لإقامة مصنع، ولكن لتوفير سلاح للدفاع عن الوطن، وعلى أساسه جاءت هذه القروض. فإذا بقى الأمر على ما هو عليه كدين عسكرى، فإن الشروط المقررة وفقا للقانون الأمريكى فى هذا الشأن، تحدد عندما تتوقف دولة ما عن سداد أقساط أو فوائد، وتنظر الإدارة الأمريكية فى كيفية التعامل فى هذا الأمر، وقد يرى خصم قيمتها من المعونة المقررة أو إيجاد آلية أخرى، وبالتالى فإن الأمر يبدو أسهل أو أضمن من التعامل إن تغير لدين تجارى. إذ فى حالة عدم السداد خلال تسعين يوما يتم مصادرة أموال مصر الموجودة فى الخارج لصالح البنوك التى حلت محل الحكومة الأمريكية فى القرض.

إذا.. المهم ليس أن الفائدة أقل فى حالة الدين التجارى، ولكن فيما ستقوم به البنوك عند التوقف عن السداد. اقتنع الرئيس وقرر ألا يتم نقل هذا الدين العسكرى إلى دين تجارى. هنا بدأ الزملاء الدفع بالسيد فرانك وازنر سفير أمريكا فى مصر حينذاك، وجاء عدة مرات لمحاولة إقناعى، وأوضحت له موقفى بقولى: «لو أنى أمريكى مكانك لقبلت هذا الأمر، ولو أنك مصرى مكانى فلن تقبله، وإن عاملت مصر مثل إسرائيل، وأعطيت مصر منحتها نقدا كما تُعطى لإسرائيل نقدا نحو ثلاثة مليارات سنويا، سأوافق فورا على الانتقال من دين عسكرى إلى دين تجارى». وبسبب الرفض المتكرر لطلبه، بدأ السيد وازنر الهجوم علىّ مستعينا ببعض رجال الأعمال فى ذلك. ولكن يشاء القدر بعد شهور قليلة أن تحتل العراق الكويت التى كان لمصر دور مميز فى تحريرها، فقررت الولايات المتحدة فى عهد الرئيس بوش الأب التنازل عن الدين العسكرى، وهو ما لم يكن ليحدث أبدا لو تحول الديْن إلى تجارى.

• اختلف جورباتشوف مع مبارك حول دقة بعض الأرقام وقال له فى النهاية: آسف فأرقام السيد الجنزورى صحيحة

أنصفنى جورباتشوف

قبل أن أنتقل إلى الاتفاق مع صندوق النقد الدولى، أذكر حدثا يستحق الذكر. فلقد قرر الرئيس فى بداية يناير سنة 1990 زيارة الاتحاد السوفيتى فى أيامه الأخيرة قبل انهياره، وتكون الوفد المرافق من الدكتور عصمت عبدالمجيد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، ومنِّى، والدكتور زكريا عزمى، والدكتور أسامة الباز.

تم عقد اجتماع بين الوفدين الروسى والمصرى، ومثل الجانب الروسى الرئيس ميخائيل جورباتشوف ونائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، ورأس الجانب المصرى وانضم إلى الوفد المرافق السيد أحمد ماهر سفير مصر لدى الاتحاد السوفيتى، وطلب الرئيس منِّى قبل الاجتماع أن أعلق على بعض النقاط فى الشأن الاقتصادى عندما يشير لى.

تحدث الرئيس جورباتشوف عن التوجه الجديد السياسى والاقتصادى للاتحاد السوفيتى، وعن العلاقة الوثيقة والقديمة مع مصر. ثم تحدث الرئيس، وأكد مثل هذه العلاقة مشيرا إلى السد العالى والمساعدة فى إقامة بعض المصانع وتوريد الأسلحة الروسية لدعم القدرات العسكرية للجيش المصرى. ثم بدأ الحديث عن العلاقة الاقتصادية، وذكرت بعض الأرقام بإيجاز عن الصادرات والواردات بين البلدين، وكيف أصبحت فى صالح الاتحاد السوفيتى، عكس ما كان عليه فى العقود السابقة. ولكن همس نائب رئيس الوزراء السوفيتى للرئيس جورباتشوف والذى قال: إن أرقام السيد الجنزورى ليست صحيحة.. صَمَّت ولم أجب بشىء، رغم تأكدى مائة فى المائة من صحة ما ذكرت، إذ وهبنى الله مقدرة عندما أرى الأرقام أستوعبها كاملة لتطبع فى الذاكرة. وبعد دقائق دخلت سيدة ووضعت ورقة أمام نائب رئيس الوزراء السوفيتى قرأها بسرعة ثم وضعها بدوره أمام الرئيس جورباتشوف، وهنا ظهر الحق «بأمر الله». كان يمكن لهما أن يصمتا، ولكن الله الحق المطلق أنطق الرئيس جورباتشوف ليقول للرئيس: آسف، فأرقام السيد الجنزورى صحيحة.

كان قد سبق إعداد مشروع اتفاق للتعاون المشترك بين البلدين، وبعد اللقاء مباشرة سأل الرئيس السيد أحمد ماهر من سيوقع عن الجانب المصرى؟ فقال:

الدكتور عصمت عبدالمجيد بصفته الأقدم ووزير الخارجية.

فقال الرئيس:

ـ لا تغير الصفحة الأخيرة، ويوقع كمال امتدادا لمسئوليته عن الشئون الاقتصادية.. وهذا ما حدث.

• شاركنا فى «تحرير الكويت» فتنازلت لنا الولايات المتحدة عن 7 مليارات دولار .. وأبو غزالة اتصل بأعضاء «الشيوخ» فردا فردا لإقناعهم بذلك

الخلاف مع صندوق النقد

بعد انتهاء حرب الخليج وتحرير الكويت من العدوان العراقى، قرر الرئيس الأمريكى بوش الأب مكافأة مالية لمصر لمشاركة القوات المسلحة المصرية فى هذه الحرب. وكان القرار إلغاء الدين العسكرى للولايات المتحدة على مصر والبالغ نحو سبعة مليارات دولار، وتصادف أن هذ القدر يبلغ نحو 50٪ من إجمالى الدين الأمريكى على مصر، حيث كان الدين المدنى للولايات المتحدة الأمريكية على مصر، يصل أيضا إلى نحو 7 مليارات دولار لاستيراد القمح وخلافه. لذا ناشد الرئيس بوش دول العالم كله بخفض ديونها على مصر بـ50٪، ولقد تم هذا فعلا.

هنا يلزم الإشارة، أنه عندما قرر الرئيس بوش عرض الأمر على الكونجرس بإلغاء الدين العسكرى على مصر، سافر المشير أبو غزالة إلى واشنطن، وكانت له علاقات ممتازة مع معظم الساسة فى أمريكا، واتصل بكل أعضاء مجلس الشيوخ فردا فردا، ليرجوهم بالموافقة على إسقاط هذا الدين على مصر. وكنت شاهدا على هذا، حيث كنت فى واشنطن خلال هذه الفترة لحضور الاجتماع السنوى المشترك لصندوق النقد الدولى والبنك الدولى. وفعلا اجتمع مجلس الشيوخ، ووافق على قرار الرئيس بوش بإلغاء الدين العسكرى على مصر، وللحق كان للمشير أبو غزالة دور كبير فى هذا الأمر.

وكان للولايات المتحدة الأمريكية دور فى تسهيل إتمام الاتفاق مع صندوق النقد الدولى، لتنازل الدولة الدائنة (نادى باريس) عن نصف ديونها لمصر، وخصوصا أن اتفاق مصر مع الصندوق ساعد على زيادة الثقة. ونُفذ فعلا إسقاط الشريحة الأولى البالغة نحو 3.4 مليار دولار من إجمالى الخفض المقرر البالغ نحو 14.2 مليار دولار.

ولكن كان ضمن هذا الاتفاق أن تلتزم مصر بتوحيد سعر الصرف، وخفض الجنيه المصرى أمام العملات الأجنبية، وزيادة أسعار منتجات البترول (البنزين السولار الكيروسين المازوت البوتاجاز)، وفرض بعض الضرائب الجديدة، غير أنه عندما تمت المراجعة من جانب الصندوق بعد ستة أشهر تبين له عدم تنفيذ أغلب بنود الاتفاق.

بدأ الصدام مع الصندوق، وتوقف الاتفاق الذى أبرم فى 30 يونيو 1991، وسعينا بجهدنا كدولة وحكومة، أن نتفاوض مع الصندوق وعقد اتفاق آخر، وتم ذلك فى 20 سبتمبر 1993، وتضمن هذا الاتفاق شروطا أقل مما كان عليه الوضع فى اتفاق عام 1991، إلا أن تنفيذه استمر لفترة قصيرة، تم خلالها إسقاط الشريحة الثانية البالغة 4.4 مليار دولار، وعند المراجعة بعد ستة أشهر وأخرى بعد ستة أشهر ثانية، تبين للصندوق أن أمورا اتفق عليها تم تنفيذها وأخرى لم تنفذ، مما ترتب عليه فى نهاية 1993، أن توقف البرنامج ثانية لعدم تنفيذ بعض النواحى التى صعُب تنفيذها، خصوصا ما تعلق بالزيادة المطلوبة فى أسعار منتجات البترول، وخفض الجمارك، وبنود أخرى.

• أحد وزرائنا اقترح على «صندوق النقد» «تأجيل الاتفاق».. فانفعل مسئول «صعيدى» بالصندوق مرددًا: حرام.. حرام

مسلك يوسف بطرس!

مرت شهور عدة دون التحرك من جانبنا، فبدأ الصندوق يهدد إن لم تقم مصر بتنفيذ ما اتفق عليه فى برنامج 1993، سيتم إلغاء الشريحة الباقية التى تقدر بنحو 6.4 مليار دولار، أى ما يعادل نحو 40٪ من إجمالى الخفض المقرر من الدين الخارجى. لهذا سافر وفد برئاستى إلى أمريكا فى منتصف إبريل 1994، كان أعضاؤه الدكتور عاطف عبيد، والدكتور يوسف بطرس غالى، والدكتور محمد الرزاز، وحاولنا أن نخرج باتفاق، حتى لا نتعرض لإلغاء إسقاط الشريحة الباقية، وطلبت من إدارة الصندوق أن يكون مندوب البنك الدولى معنا، إذ يهتم البنك الدولى بالتنمية، لأنه بنك التنمية، بينما يهتم الصندوق باتخاذ إجراءات مالية ونقدية ترتب أعباء على المواطنين.

• اقتربنا من إنجاز اتفاق مع صندوق النقـــد الدولى بإسقاط جزء من ديوننا عام 1994 وفوجئت بيوسف بطرس غالى يقول لعاطف صدقى: «الجنزورى حايخلص»

وطلبت من المجموعة المشتركة أن تقدم شيئا، وليكن الموافقة على خفض جمارك السيارات، ذلك أن جمارك السيارات كانت تصل إلى 160٪ فى أعلى شرائحها، وتنخفض حتى 135٪ فى أقل تلك الشرائح. واقترحت خفض الشريحة العليا من 160٪ إلى 130٪، والشريحة الدنيا من 135٪ إلى 100٪. وأكدت بوضوح أنه إذا تقرر خفض جمارك السيارات كما هو مقترح، فسيتم فرض ضريبة جديدة يطلق عليها ضريبة الاستهلاك لتعوض الخفض فى إيرادات الجمارك المقدر بنحو 600 مليون جنيه، وذلك تجنبا من أن يطلب الصندوق إجراءات أخرى تكون أكثر عبئا على المواطنين.. المهم لاحظت ومعى أغلب أعضاء الوفد أنهم أوشكوا على الموافقة.

ولكن فوجئت بأمر لا بد أن أسجله، وهو أن الدكتور يوسف بطرس غالى اتصل بالدكتور عاطف صدقى تلفونيًا فى منزله بالقاهرة، فى الساعة الرابعة بعد الظهر، أى الساعة الحادية عشرة مساء بتوقيت القاهرة، سمعته مصادفة، حيث كان صوته عاليا، يقول إن الجنزورى «حايخلص» فدخلت وانتزعت منه السماعة وقلت للدكتور عاطف صدقى: فيه إيه؟!

قال:

ـ كيف توافق على خفض الجمارك؟

قلت:

1 + 1 = 2، فأنا أتنازل عن شىء باليمين وآخذه بالشمال.

قال:

ـ أنا لا أستطيع إبلاغ ذلك للرئيس.

قلت:

ـ يا دكتور عاطف المشكلة الأساسية التى تواجهنا أننا إن لم نفعل أى شىء سنخسر خفض الشريحة الباقية، ونجد أنفسنا ملتزمين بسداد أقساط وفوائد عنها.

ولكنه كرر وقال:

ـ لا أقدر أن أتحدث مع الرئيس فى هذا الأمر.

كان لزاما علىّ أن أطلب الرئيس، على الرغم من أن طلبى له وأنا فى الخارج نادرا ما يحدث، طلبته الساعة الخامسة بعد الظهر، أى العاشرة صباحا فى القاهرة، وأخبرته بإيجاز شديد بتفاصيل الأمر، قال موافق ما دام لا يضيف أى أعباء على المواطنين.

الغريب.. أن كان بيننا من هو على صلة أقوى بصندوق النقد الدولى، ولعله أشار بقصد أو دون قصد ـ على الإدارات المعنية بالصندوق، تأجيل الاتفاق مع مصر، لما اعتقده من أن مصر لا تستجيب إلا تحت ضغط، فكانت النتيجة أن رفض الصندوق المقترح الذى أوشك أن يتم الاتفاق عليه صباحا. وجاء رجل مصرى أصيل هو السيد عبدالمنعم عبدالرحمن من أهالى الصعيد الكرام، الذى يعمل مستشارا بالصندوق بعد بلوغه سنّ المعاش، يصرخ ويقول: حرام حرام، وانتقد من أشار على الصندوق بذلك.

انتهى الأمر، وعدنا بدون اتفاق وبدأ العد التنازلى علينا، وسددنا ما استحق من فوائد وأقساط عن الشريحة الباقية من إبريل 1994 حتى أكتوبر 1996، تاريخ بداية الاتفاق الأخير مع الصندوق الذى تم مع الحكومة عندما كنت رئيسا للوزراء.

كان ذلك الاتفاق رقم 13 على مدى علاقتنا مع الصندوق التى بدأت من عام 1962. وللعلم فإن ما تم سداده فى المدة المشار إليها (إبريل 1994 أكتوبر 1996) بلغ نحو 700 مليون دولار. ولكن والحمد لله وفقنا بالجهد والنقاش الجاد بعد اتفاقنا مع الصندوق، على البرنامج رقم 13 للفترة 10 أكتوبر 1996 حتى 10 أكتوبر 1998، على إعادة هذه الأموال إلى مصر بالتدريج على مدى ليس بالقصير.

ذكرت بعض الأمور عن فترة الدكتور عاطف صدقى، ولكونها اقتربت من تسع سنوات، فإنه يلزم إيضاح المزيد مما تم خلالها، ويمكن تقسيم تلك الفترة إلى مرحلتين: الأولى من 1986 إلى نهاية 1990، والثانية من بداية 1991 إلى نهاية 1995. فخلال المرحلة الأولى، كانت تنحسر اللقاءات فى اجتماعات المجموعة الاقتصادية، أما اجتماعات مجلس الوزراء فكانت تعقد متباعدة كل شهرين أو أكثر، لمناقشة بعض الموضوعات الأقل أهمية كما ذكرت. وفيما يتعلق بالمرحلة الثانية، التى بدأت بالاتفاق مع صندوق النقد الدولى بعد توصية من الجانب الأمريكى، وإقرار خفض الدين الخارجى على مصر بنحو 50٪، سواء الدين للولايات المتحدة الأمريكية أو للدول الأخرى، فيمكن أن يطلق عليها مرحلة المفاوضات مع صندوق النقد الدولى. فكان الحديث دائما فى الصحافة عما يصدر عن اللجان الوزارية أو مجلس الوزراء حول العلاقة مع الصندوق، فكانت العناوين الرئيسية فى الصحف القومية تدور حول: «لقاء مع بعثة الصندوق.. تأخر الاتفاق مع الصندوق.. الاتفاق مع الصندوق وشيك.. هناك بعض المشكلات فى التنفيذ».. وهكذا.

استمرت اجتماعات المجلس كل شهرين أو أكثر، بينما استمرت اجتماعات المجموعة الاقتصادية بحضور الدكتور عاطف صدقى وزادت، فبعد أن كانت ثلاث أو أربع مرات أسبوعيّا أصبحت كل يوم، والموضوع الرئيسى أو الوحيد كان مناقشة مطالب الصندوق لإعداد الاتفاق.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 3:10


مبارك أقال عبد الحليم موسى لتبنيه المصالحة مع «الجماعات الإسلامية»
تم الاتفاق مع الصندوق فى 30 يونيو من عام 1991، وتضمن أساسا توحيد سعر الصرف وتحديده بنحو 335 قرشا مقابل الدولار.

أما الأمر الثانى فتمثل فى خفض عجز الموازنة، بعد أن بلغ رقما قياسيا نحو 22 ٪ من الناتج المحلى. وكان يتطلب علاجه خفضه سنة بعد أخرى، ليصل فى نهاية الاتفاق إلى نحو 1 ٪. وتطلب هذا الإجراء ترشيد الإنفاق وزيادة الإيرادات، بفرض ضرائب جديدة، وبدأت إجراءات الخصخصة، لهذا صدر قانون 203 لعام 1991، الخاص بقطاع الأعمال العام. وكانت مطالب الصندوق بالنسبة لهذه الأخيرة لا تقف عند «الإسراع» ولكن أن نبدأ بالمشروعات الكبرى بغض النظر عن أهميتها أو ربحيتها للمجتمع، وأيضا بيع أو خصخصة أحد بنوك القطاع العام، وكان المقترح بنك الإسكندرية أو بنك القاهرة.

• الاقتراض زاد فى عهد حكومة عاطف صدقى وليس فى عهدى كما تردد فى الإعلام

إيضاح وتصحيح

نشر فى الإعلام أن الاقتراض زاد خلال النصف الثانى من التسعينيات، أى خلال فترة حكومة الدكتور كمال الجنزورى، ولكن الحقيقة أنه زاد خلال فترة حكومة الدكتور عاطف صدقى، وعلى وجه التحديد خلال عامى 1991 و1992، عندما تقرر توحيد سعر الصرف، فقد لزم معه اتخاذ بعض الإجراءات لإيقاف ما يسمى بـ«الدولرة»، أى زيادة الإقبال على بيع الجنيه المصرى لشراء الدولار، لهذا زاد سعر الفائدة زيادة كبيرة حتى وصل إلى نحو 20٪ على الجنيه المصرى.

دفع هذا البنوك للعمل على التيسير بشكل غير آمن للإقراض حتى تتمكن من سداد العائد للمودعين. وعلى هذا قدمت البنوك خلال هذين العامين قروضا كثيرة، واستمر الوضع دون ظهور مشكلة من جانب العملاء. إلا أنه خلال الفترة (1993 ــ 1995) وبدءا من عام (1993ــ 1994) عندما انخفض معدل النمو سنة بعد أخرى إلى 3.5 ٪ عام 1994ــ 1995، فتعثر العملاء ولم يتمكنوا من السداد، لهذا زادت مشكلة عدم سداد القروض وزاد رصيد القروض المتعثرة لدى البنوك.

عودة إلى الاتفاق مع صندوق النقد الدولى، الذى تم فى يونيو عام 1991 واستمر ستة أشهر، لنواجه المراجعة الأولى من جانبه، للتأكد من تنفيذ ما اتفق عليه، ثم المراجعة الثانية بعد سنة. وبدأت المشكلة مع الصندوق حيث تأكد لبعثته توحيد سعر الصرف، وخفض عجز الموازنة بالمزيد من ترشيد الإنفاق والمزيد من الرسوم والضرائب، ولكن الخصخصة لم تحرك إلا قليلا، إذ لم تتم رغم حرص صندوق النقد الدولى كل الحرص على أن تتم خصخصة أحد بنوك القطاع العام، فتوقف ذلك الاتفاق، كما ذكر من قبل. وحاولنا فيما بعد أن نعيد التفاوض مع الصندوق، وتم اتفاق جديد معه فى 20 سبتمبر من عام 1993. وحاولت بعثته مرارا إجراء خفض جديد لسعر الصرف للجنيه المصرى مقابل العملات الأجنبية، ولكن لم نوافق على ذلك. وأيضا محاولات بديلة لخفض قيمة الجنيه المصرى بما يطلق عليه Convertibility، أى يصبح الجنيه المصرى قابلا للتداول فى الخارج. ولهذا الأمر مخاطر كثيرة، حيث سنواجه العديد من العملات المصرية المهربة إلى الخارج، يستخدمها الجانب الأجنبى ليدفع رسوم قناة السويس مثلا، أو يسدد بها السائح العربى والأجنبى التكلفة، وأيضا التوسع فى الاستيراد وتقديم عملة مصرية.

• عارضت مشروع «القاهرة الجديدة» من البداية.. ورفضت إلغاء دعم المبيدات والأسمدة

عوائق.. تخطيتها بسلام

طلب صندوق النقد أيضا، إلغاء دعم المبيدات والأسمدة خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات، ورفضت الموافقة على هذا المدى الزمنى، وطلبت ألا يقل عن خمس سنوات، حتى لا يتأثر الإنتاج الزراعى، ولكن بعد سنة أخرى واجهنا مشكلة مع الصندوق فى تنفيذ الاتفاق الثانى، متمثلة فى أن الخصخصة لم تتحرك بالسرعة المتفق عليها، وأيضا فترة إلغاء الدعم على المبيدات والأسمدة.

فوجئت بالدكتور يوسف بطرس يذهب إلى الدكتور يوسف والى وزير الزراعة، وأخذ منه توقيعا على أن يكون إلغاء الدعم على المبيدات والأسمدة خلال ثلاث سنوات بدلا من خمس. اتصلت بالرئيس لإيضاح صعوبة تنفيذ إلغاء الدعم على المبيدات خلال ثلاث سنوات بواقع الثلث كل سنة، ووافق على أن يتم إلغاء الدعم على المبيدات والأسمدة خلال خمس سنوات بدلا من ثلاث.

ولكن للأسف قام الدكتور يوسف بطرس غالى بإبلاغ الصندوق بأن الدولة رجعت فيما اتفقت عليه، فيما يتعلق بإلغاء الدعم من ثلاث إلى خمس سنوات، فأخذ الصندوق هذا الأمر ذريعة لإيقاف تنفيذ الاتفاق الثانى، أى اتفاق 1993.

الأمن والجماعات الإسلامية

فى إبريل 1993، تصاعد الموقف مع الجماعات الإسلامية، وقت أن كان اللواء عبدالحليم موسى وزيرا للداخلية، ورأى أنه من المفيد التهدئة مع هذه الجماعات، وأن تتم المصالحة للحد من صور العنف، وما لها من أثر كبير على الاستقرار السياسى والاقتصادى خصوصا الاستثمار والسياحة. واستأذن اللواء عبدالحليم موسى الدكتور عاطف صدقى ووافقه على ذلك، ولكن بعد فترة حين نشر عن محاولة للمصالحة بين الداخلية وبين بعض الجماعات الإسلامية، وعلم الرئيس بها، وهو ما كان محل رفضه لأنه رأى أن هذا قد يعطى انطباعا للرأى العام والجماعات أن الدولة فى وضع ضعيف، فسأل الدكتور عاطف صدقى: كيف تم ذلك؟ فأجاب إنه لا يعلم، رغم أن اللواء عبدالحليم موسى أكد أنه استأذنه.

وعلى هذا قرر الرئيس خروج اللواء عبدالحليم موسى من الوزارة وتعيين اللواء حسن الألفى بدلا منه.

• مبارك اقتنع بمنح «يوسف بطرس» منصب الوزير بصفته «مسيحيًا».. وقال لغالى بعد حلف اليمين: يجب أن تعلم أنك أتيت مبكرًا

وثمة أمر آخر، مرتبط بتعيين الدكتور يوسف بطرس وزيرا، فلقد كان الدكتور عاطف صدقى حريصا كل الحرص منذ البداية على ذلك، رغم صغر سنه مع قلة خبرته على توليته مثل هذا المنصب، وكان الرئيس يرى أنه لم يتهيأ بعد للفوز بهذا المنصب، رغم محاولات رئيس الوزراء، ولكن يوم خروج اللواء عبدالحليم موسى، عرض الدكتور عاطف صدقى على الرئيس أنه إذا كنا نريد أن نرسل رسالة إلى الجماعات الإسلامية أن الدولة تملك القوة لحماية استقرار الأمة بالقانون، أن ينضم إلى الوزارة الدكتور يوسف بطرس بصفته مسيحيا، كما أنه سيسند إليه اختصاصات محدودة.

وأذكر أننى علمت بشكل مؤكد، أن الرئيس عند أداء الدكتور يوسف بطرس اليمين لتولى المنصب، قال له إن الدكتور عاطف صدقى حاول مرات كثيرة ولكنه نجح هذه المرة، ويجب عليه أن يعلم أنه أتى مبكرا عما يجب.

• تركت اجتماع «عاطف صدقى» لأتلقى تكليف تشكيل الوزارة الجديدة.. وأهل السوء حاولوا إقناع مبارك بأن شعبيتى لم تتحقق لأحد قبلى

ثمة أمر آخر، حدث فى أكتوبر سنة 1993، حيث شكلت حكومة جديدة تزامنت مع مدة جديدة للرئيس، وهنا لم ينس الدكتور عاطف صدقى، وهو يحاول منذ البداية ألا أكون معه فى التشكيل الوزارى الأول عام 1986، وفى التشكيل الوزارى الثانى عام 1987، عندما نجح فى سحب وزارة التعاون الدولى. وفى تلك المرة حاول محاولة أخرى، إذ رأى أن يشكل ما يسمى بالمجلس الأعلى للتخطيط، مع إلغاء وزارة التخطيط، ويكون رئيس الوزراء رئيسا لهذا المجلس. هذا الخبر نشر فى جريدة واحدة وطبعة واحدة هى جريدة الجمهورية. قرأته صباحا، فطلبت السيد أحمد رضوان وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء، وسألته عنه، قال: لا أعلم، ولكن ربما يكون هذا حدث فعلا.

فطلبت الدكتور عاطف صدقى، وبعد ساعات تمكنت من الوصول إليه، فقال:

ـ أنا فعلت ما طُلب منى، اسأل زكريا عزمى.

وكان متصورا أننى لن أسأل، وطلبت زكريا عزمى فورا، فقال هذا الأمر لم يطلبه الرئيس.

حوار مع صدقى

المهم رجعت إلى الدكتور عاطف صدقى، وسألته: لماذا فعلت ذلك؟ لقد مضت سنوات من 1986 إلى 1993، وكنت لك أخا وزميلا رغم الشكوك التى تحملها فى نفسك منذ البداية. كنت حريصا أن أساندك أكثر من أقرب الناس إليك، ولتعلم أن الدكتور محمد الرزاز حينما أتى معك وزيرا للمالية عام 1986، كنت أذهب إلى مكتبه قبل إعداد الموازنة العامة فى صورتها النهائية خلال السنوات 1986، 1987، 1988 لأساعده فى إعدادها، خصوصا الجداول الرئيسية لها، لأنه كان حديثا على وزارة المالية فى ذلك الوقت، وكان بها من رأى أحقيته بالوزارة منه، وبعد ذلك تمكن من أن يقوم بهذا العمل بمفرده. وهناك أدلة كثيرة للمساندة لك فى كثير من المواقف، ولكن لا أعلم لماذا هذا الشك وهذا الضيق المستمر بى، حتى يأتى اليوم وأنا نائب رئيس الوزراء ووزير التخطيط لسنوات، لتنتزع الوزارة ويتم إعطائى منصبا وهميا كنائب لرئيس المجلس الأعلى دون وجود رسمى وفعلى لوزارة التخطيط، وإنما أمانة عامة للمجلس. وقد لا تعلم وربما تعلم أن كل ما لدىّ من سلطات لتوجيه الاستثمارات إلى كل أجهزة الدولة أساسه سلطاتى كوزير للتخطيط، وإن كان الأمر غير ذلك فلا يمكن لى أن أوقع أى قرار جديد لأى جهة فى الدولة، فلماذا هذا كله؟ سكت الدكتور عاطف صدقى ولم ينبس، ولم يتحقق ما سعى إليه وتغير التشكيل الوزارى لأبقى نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للتخطيط.

مع مبارك

نعبر الزمن قليلا لنصل إلى مارس 1995، وكنا كمجموعة اقتصادية والدكتور عاطف صدقى فى لقاء مع الرئيس، لنعطى لسيادته فكرة عامة عن الموازنة، وكانت هناك رغبة لدى الرئيس أن نسرع الخطى فى الإعداد، وسأل الدكتور عاطف صدقى: متى يمكن أن تنتهى الصورة العامة للموازنة حتى أحيلها والخطة إلى مجلسى الشعب والشورى؟ فأخبره أن الأمر يتطلب فترة لا تقل عن عشرة أيام، رغم ما كان يعلمه من أنها أعدت وجاهزة للإحالة.

والتقينا فى مساء نفس اليوم بمجلس الوزراء، وأذكر فى تلك الليلة أنه كان معنا الدكتور عاطف صدقى، والدكتور يوسف بطرس، والدكتور عاطف عبيد، وهو بطبيعته لا يتدخل فى الأمور بصفة عامة، والدكتور الرزاز وكان معه وكيل أول الوزارة السيد ممتاز السعيد. أخذت السيد ممتاز السعيد إلى جانب القاعة وراجعت معه الجداول الرئيسية للتأكد من بنود المصروفات وأيضا بنود الإيرادات وقدر العجز الذى كان بحجم معين. روجعت بنود الإيرادات وعدلت سواء بالخفض أو الارتفاع، وأيضا تم ذلك للمصروفات مهتديا بالتقديرات المتوافرة لذلك فى تفاصيل الخطة السنوية، ووفقا للخبرة المتراكمة لى والحمد لله فى المجال الاقتصادى والمالى لفترة تزيد على عقدين. خلال ساعات قليلة تحددت الصورة العامة المأمولة. وطلبت من السيد ممتاز السعيد أن يعد كشوفا جديدة على وجه السرعة وفقا للأرقام التى راجعتها معه، مع إعداد خمس صور من هذه الجداول، وانتهى الإعداد فى منتصف الليل.

وكان الدكتور عاطف صدقى ما زال يجلس بعد انصراف كل من الدكتور عاطف عبيد والدكتور يوسف بطرس، ولازمه الدكتور الرزاز، أخبرت الدكتور عاطف صدقى أننا انتهينا إلى الصورة المقبولة بالشكل الذى يحقق المستهدف حيث يبلغ العجز 1 ٪ من الناتج المحلى الإجمالى. وابتسم وقال: طيب، وقلت: هل أنت موافق؟ قال: نعم، فقلت: فلتكن هذه الصورة لك، وصورة للدكتور الرزاز، وتركت صورتين لكل من الدكتور عاطف عبيد والدكتور يوسف بطرس، وأبقيت صورة معى، لتوقعى سؤال الرئيس نظرا لاهتمامه بسرعة الانتهاء من إعداد الموازنة، ولتوقعى أن يسأل أيّا منا فنخبره بإتمامها.

صباح اليوم التالى، طلبنى الرئيس للقاء، وسأل عما تم فى مشروع الموازنة فأخبرته أن الإعداد تم فعلا، فطلب إلىّ أن أوافيه به وعرضت عليه الأمر، وعند الانتهاء لم يقل شيئا إلا أنه ابتسم.

فى 25 يونية 1995 وقع حادث أديس أبابا وكان مؤلما للجميع، ولكن لاحظت بعد عودة الرئيس فى شهرى يوليو وأغسطس، أن بدأ العد التنازلى لبقاء حكومة الدكتور عاطف صدقى، حيث أخذ يسألنى عن بعض الأمور ويسأل غيرى من الوزراء دون علم رئيس الوزراء، رغم هذا وقع فى خلد الدكتور عاطف صدقى قناعة فى حكم اليقين، بأنه باق فترة أخرى، لا تقل عن ثلاث سنوات، وكان يذكر لنا هذا كثيرا، فمثلا يقول: إن الرئيس طلب منه أمورا يتطلب إنجازها ثلاث سنوات أخرى.

نهب أراضى الدولة

فى نهاية عام 1995، لاحظت أن وزارة التعمير بدأت التحرك فى إقامة ما يسمى بالقاهرة الجديدة، لتشمل التجمعات رقم واحد واثنين وخمسة، فأسرعت بإعداد مذكرة بصفتى وزيرا للتخطيط للعرض على مجلس الوزراء، فى سجلات مجلس الوزراء. ولقد أوضحت أن الأمر فى منتهى الخطورة فلا يمكن أن تتسع القاهرة لأكثر مما هى عليه الآن، فوفقا للبيانات عن البنية الأساسية وخصوصا الصرف الصحى ومياه الشرب والكهرباء، لم يغط الحيز العمرانى لمنطقة مصر الجديدة بأكملها والتى بدأ التعمير والبناء بها منذ ما يقرب من مائة سنة إلا نحو 67 ٪، ومنطقة مدينة نصر التى بدأ البناء بها منذ نحو خمسة وعشرين عاما، لم تصل البنية الأساسية بها إلا إلى نحو 27 ٪، فكيف يضاف إلى القاهرة الكبرى مساحات أخرى تحت مسمى القاهرة الجديدة، فأصدر مجلس الوزراء قرارا فى 18 أكتوبر 1995، ينص على إيقاف العمل فى التجمعات المشار إليها، كما قرر عندما تبين أن بعض الأفراد أو الهيئات سدد بعض الأموال لشراء بعض الأراضى أن تعاد فورا إلى أصحابها.

يعتبر شهرا نوفمبر وديسمبر 1995، نهاية فترة الدكتور عاطف صدقى ولكن لم يكن أحد منا يعلم ذلك، إذ وصلت الأمور إلى مرحلة من عدم الرضا فى الشارع المصرى.. إثر ركود بسبب تدنى معدل النمو فى 1994/ 1995 إلى نحو 3.5٪، وهو لا يمثل زيادة مقبولة إذا وضعنا فى الاعتبار معدل نمو السكان، بما يعنى عدم ارتفاع مستوى المعيشة. لهذا عقدت أربعة لقاءات متتالية على فترات قصيرة، كل أسبوع وعشرة أيام برئاسة الرئيس. الاجتماع الأول كان بحضور الدكتور عاطف صدقى والدكتور عاطف عبيد والدكتور محمد الرزاز والدكتور يوسف بطرس وأنا، وسأل الرئيس عن الوضع الاقتصادى، فأوضح الجميع أن الوضع طيب، لكنى أبديت أن الأمر ليس بهذا الشكل، فيكفى تدنى معدل النمو، مما يعنى ضعف معدل التشغيل ومحدودية إضافة عمالة جديدة، كما يعنى أن الإنتاج من مختلف السلع والخدمات محدود، ويؤدى هذا إلى ارتفاع الأسعار.

لقد استنفد كل ما أمكن من إضافة موارد جديدة فى صورة رسوم أو ضرائب. ويكفى أن أعطى مثلا واحدا: أن الدكتور الرزاز فرض جمارك على الصناديق التى تأتى من الخارج بما فيها توابيت الموتى.

وبعد أسبوع، عقد الرئيس اجتماعا ثانيا بحضور المجموعة نفسها وتكرر ما حدث فى الاجتماع الأول، أكد الجميع على سلامة وكفاءة أداء الاقتصادى القومى إلا أننى لم أحد عما قلت. ويعلم الله وحده، أننى لم أستهدف إطلاقا أى هدف شخصى، ولكنى أبدى ما اقتنعت به من أجل صالح الوطن، وهو ما كنت أعلنه دائما فى لقاءاتنا التى لم يحضرها الرئيس. لقد طلبت منهم كثيرا أن نعيد النظر فى إيقاف هذا العبء المتزايد بسبب فرض رسوم وضرائب، وبما يسهم فى التشجيع على الاستثمار والتصدير، ويتيح فرص عمل جديدة ويزيد من القوة الشرائية للمجتمع. أوضحت هذا لهم من قبل، كما أوضحته أمام الرئيس فيما بعد. وتكرر الأمر فى اجتماع ثالث، وفى تلك المرة أذكر أن الدكتور عاطف عبيد قال للرئيس تعليقا على ما قلت: بأن الأمر ليس بهذا السوء، ولكن هناك استشراقة لابد أن نذكرها.. وقبل أن يستكمل قال الرئيس: أنا أحب أن أسمع الغم الذى يقوله كمال ولا أحب أن أسمع الاستشراقة طالما لم تقدم دلالاتها.

• الرزاز فرض ضرائب على «توابيت الموتى».. وشركات «توظيف الأموال» استغلت الدين فى دعايتها عن «الربح الحلال»

شركات توظيف الأموال

فى نهاية عام 1988، كانت الصحافة تنشر والحكومة تجتمع وتعلن، أنها بصدد إصدار قانون جديد ينظم توظيف الأموال. طلبت فى الاجتماع الأول من الدكتور عاطف صدقى أن ننتهى من إصداره فى أيام قليلة، وتجريم هذه الأمور، وتوفير الضمانات اللازمة للمحافظة على أموال المودعين. ولكن للأسف، وكشأن أمور أخرى، طالت المدة عدة شهور حتى صدر القانون وبدأ تطبيقه فى أوائل عام 1989.

تبين حينما صدر القانون، أن عددا من أصحاب شركات التوظيف، حَوّل إلى الخارج مئات الملايين من الدولارات خلال الشهور التى سبقت صدوره. وأعتقد أنه لو صدر القانون فى الشهر الأول من بداية الحديث عن توظيف الأموال لأمكن تجنب خروج هذه الأموال، وعولجت مشكلات المودعين بشكل أفضل. ولكن استمرت معاناة المودعين لسنوات طويلة، بعد أن دمرت بيوتا وأسرا كثيرة، حيث تلاشت مدخرات الكثيرين الذين أغراهم الربح العالى، ولم يفطنوا إلى حقيقة اللعبة التى تتلخص فى «تلبيس طاقية ده لده»، أى أدفع الربح المبالغ فيه من أموال المودعين الجدد وهكذا، وطبعا عند أول تعثر تنكشف الشركة وتضيع الأموال.

كان التباطؤ خطأ الحكومة، وقد عانى المودعون من هذا الخطأ، فكيف يتصور البعض أن هذه الشركات يمكن لها أن تحقق أرباحا يسمح لها أن تدر عائدا يصل إلى 35 ٪. وكان هناك أطراف أخرى ساهمت فى أخطاء هذه الشركات، حيث ظهر بعض المسئولين فى وسائل الإعلام المرئية والمقروءة للإعلان عن نشاطها، واستغلت هذه الشركات الدين فى دعايتها عن الربح الحلال.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دكتورابراهيم عياد
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 504
تاريخ التسجيل : 05/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»   الخميس 26 ديسمبر - 3:13

هذا الموضوع يتم نقله من جريدة الشروق المصرية فتابعووووووووووونا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة»
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: المنتدى العام [ General Section ] :: شارع الصحافة news-
انتقل الى: