منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:19


فقه العبادات  للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )

الحكمة من خلق الثقلين

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فإنه قبل أن نجيب على هذا السؤال أحب أن أنبه على قاعدة عامة فيما يخلقه الله عز وجل وفيما يشرعه، وهذه القاعدة مأخوذة من قوله تبارك وتعالى: وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم:2]، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11]، وغيرهما من الآيات الكثيرة الدالة على إثبات الحكمة لله عز وجل بما يخلقه وفيما يشرعه، أي: في أحكامه الكونية والشرعية، فإنه ما من شيءٍ يخلقه الله عز وجل إلا وله حكمة، سواء كان ذلك في إيجاده أو في إعدامه، وما من شيءٍ يشرعه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، سواءٌ كان ذلك في إيجابه أو تحريمه أو إباحته، لكن هذه الحكم التي يتضمنها حكمه الكوني والشرعي قد تكون معلومةً لنا، وقد تكون مجهولة، وقد تكون معلومةً لبعض الناس دون بعض حسب ما يؤتيهم الله سبحانه وتعالى من العلم والفهم.إذا تقرر هذا فإننا نقول: إن الله سبحانه وتعالى خلق الجن والإنس لحكمةٍ عظيمة وغايةٍ حميدة وهي عبادته تبارك وتعالى، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وقال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115]، وقال تعالى: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36] .. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن لله تعالى حكمةٍ بالغة في خلق الجن والإنس، وهي عبادته، والعبادة هي التذلل لله عز وجل محبةً وتعظيماً، بفعل أوامره.واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه، قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، فهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس، وعلى هذا فمن تمرد على ربه واستكبر عن عبادته فإنه يكون نابذاً لهذه الحكمة التي خلق العباد من أجلها، وفعله يشهد بأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق عبثاً وسدى، وهو وإن لم يصرح بذلك لكن هذا هو مقتضى تمرده واستكباره عن طاعة ربه.

مفهوم العبادة

المقدم: لكن هل للعبادة مفهوم يمكن أن نعرفه؟ وهل لها مفهوم عام ومفهوم خاص؟الشيخ: نعم، مفهومها العام كما أشرت إليه آنفاً بأنها التذلل لله عز وجل محبةً وتعظيماً بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه، هذا المفهوم العام. والمفهوم الخاص -أعني: تفصيلها- قال شيخ الإسلام ابن تيمية : هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالخوف، والخشية، والتوكل، والصلاة، والزكاة، والصيام، وغير ذلك من شرائع الإسلام. ثم إن كنت تقصد بمعنى المفهوم الخاص والعام ما ذكره بعض العلماء من أن العبادة إما عبادة كونية أو عبادة شرعية، بمعنى: أن الإنسان قد يكون متذللاً لله سبحانه وتعالى تذللاً كونياً وتذللاً شرعياً، فالعبادة الكونية عامة تشمل المؤمن والكافر والبر والفاجر؛ لقوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93]، فكل ما في السموات والأرض فهو خاضعٌ لله سبحانه وتعالى كوناً، لا يمكن أبداً أن يضاد الله أو يعارضه بما أراد سبحانه وتعالى بالإرادة الكونية. وأما العبادة الخاصة وهي العبادة الشرعية، وهي التذلل لله سبحانه وتعالى شرعاً، فهذه خاصة بالمؤمنين بالله سبحانه وتعالى القائمين بأمره، ثم إن منها ما هو خاصٌ أخص وخاصٌ فوق ذلك، فالخاص الأخص كعبادة الرسل عليهم الصلاة والسلام، مثل قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1]، وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23]، وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [ص:45]، وغير ذلك من وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام في العبودية.المقدم: لكن ما دمنا عرفنا أن هناك عبادة كونية وعبادة شرعية، هل يثاب الذين لم يختصوا بالعبادة الكونية على هذه الصفات؟ الشيخ: هؤلاء لا يثابون عليها؛ لأنهم خاضعون لله تعالى شاءوا أم أبوا، فالإنسان يمرض ويفقر ويفقد محبوبه من غير أن يكون مريداً لذلك بل هو كارهٌ لذلك، لكن هذا خضوع لله عز وجل خضوعاً كونياً.

أول واجب على الخلق

المقدم: ما هو أول واجب على الخلق؟ الشيخ: أول واجب على الخلق هو أول ما يدعى الخلق إليه، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن، فقال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، فهذا أول واجبٍ على العباد أن يوحدوا الله عز وجل، وأن يشهدوا لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وبتوحيد الله سبحانه وتعالى والشهادة لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة يتحقق الإخلاص والمتابعة اللذان هما شرطٌ لقبول كل عبادة.فهذا هو أول ما يجب على العباد أن يوحدوا الله ويشهدوا لرسله صلى الله عليهم وسلم بالرسالة.

شمولية توحيد الألوهية لأنواع التوحيد الأخرى

المقدم: إذاً يعني شهادة أن لا إله إلا الله هي التوحيد؟ الشيخ: نعم.المقدم: لكن هذه تشمل أنواع التوحيد؟الشيخ: هي تشمل أنواع التوحيد كلها إما بالتضمن وإما بالابتداء، وذلك أن قول القائل: أشهد أن لا إله إلا الله يتبادر إلى المفهوم أن المراد بها توحيد العبادة، وتوحيد العبادة الذي يسمى توحيد الألوهية متضمنٌ لتوحيد الربوبية؛ لأن كل من عبد الله وحده فإنه لن يعبده حتى يكون مقراً له بالربوبية، وكذلك متضمن لتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن الإنسان لا يعبد إلا من علم أنه مستحقٌ للعبادة، لما له من الأسماء والصفات؛ ولهذا قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم:42]، فتوحيد العبادة وهو توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات.

تعريف التوحيد

المقدم: أثابكم الله، أيضاً نريد أن نعرف ما معنى التوحيد؟الشيخ: التوحيد معناه يفهم من لفظه في الواقع، وذلك أنه مصدر وحد يوحد، أي: جعل الشيء واحداً، وهذا لا يتحقق إلا بنفيٍ وإثبات: نفي الحكم عما سوى الموحد وإثباته له، فمثلاً نقول: إنه لا يتم للإنسان التوحيد حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فينفي الألوهية عما سوى الله ويصرفها لله وحده، وذلك أن النفي المحض تعطيل محض، والإثبات المحض لا يمنع مشاركة الغائب في الحكم، فلو قلت مثلاً: فلانٌ قائمٌ، فهنا أثبت له القيام لكنك لم توحده به؛ لأنه من الجائز أن يشركه غيره في هذا القيام، ولو قلت: لا قائم فقد نفيت نفياً محضاً ولم تثبت القيام لأحد، فإذا قلت: لا قائماً إلا زيد، أو لا قائماً إلا فلان فحينئذٍ تكون وحدت فلاناً في القيام، حيث نفيت القيام عما سواه فهو تحقيق التوحيد في الواقع، أي: أن التوحيد لا يكون توحيداً حتى يتضمن نفياً وإثباتاً.

أنواع التوحيد

المقدم: ما دمنا عرفنا معنى التوحيد نود أن نعرف أنواع التوحيد، ونترك التفصيل للحلقة القادمة إن شاء الله؟الشيخ: أنواع التوحيد حسب ما ذكره أهل العلم ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وعلموا ذلك بالتتبع والاستقراء والنظر في الآيات والأحاديث فوجدوا أن التوحيد لا يخرج عن هذه الأنواع الثلاثة، فنوعوا التوحيد إلى ثلاثة أنواع.
تابعوونا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:21

فقه العبادات [2] - للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
توحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير، وتوحيد الإلهية: هو إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا يتقرب إلى غيره بأي نوع من أنواع العبادة، أما توحيد الأسماء والصفات فهو إفراد الله تعالى بما سمى ووصف به نفسه في كتابه أو سماه ووصفه به رسوله صلى
أنواع التوحيد
المقدم: نود في بداية لقائنا هذا أن نعرف ما هي أنواع التوحيد مع التوضيح والأمثلة لذلك؟الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أنواع التوحيد بالنسبة إلى الله عز وجل تدخل كلها في تعريف عام، وهو: إفراد الله سبحانه وتعالى بما يختص به، وهي ثلاثة أنواع:
 توحيد الألوهية
أما النوع الثاني: فهو توحيد الألوهية: وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحداً يعبده ويتقرب إليه كما يعبد الله تعالى ويتقرب إليه، وهذا النوع من التوحيد هو الذي ضل فيه المشركون الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، واستباح نساءهم وذريتهم وأموالهم وأرضهم وديارهم، وهو الذي بعثت به الرسل، وأنزلت فيه الكتب مع أخويه: توحيد الربوبية والأسماء والصفات، لكن أكثر ما يعارض الرسل أقوامهم على هذا النوع من التوحيد وهو توحيد الألوهية، بحيث لا يثبت الإنسان شيئاً من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، لا لملكٍ مقرب، ولا لنبيٍ مرسل، ولا لوليٍ صالح، ولا لأي أحدٍ من المخلوقين؛ لأن العبادة لا تصح إلا لله عز وجل، ومن أخلّ بهذا التوحيد فهو مشركٌ كافر، وإن أقر بتوحيد الربوبية وبتوحيد الأسماء والصفات، فلو أن رجلاً من الناس يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، وأنه سبحانه وتعالى المستحق لما يستحقه من الأسماء والصفات لكن يعبد مع الله غيره لم ينفعه إقراره بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، لو فرض أن رجلاً يقر إقراراً كاملاً بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات لكن يذهب إلى القبر فيعبد صاحبه، أو ينذر له قرباناً يتقرب به إليه، فإن هذا مشركٌ كافر خالدٌ في النار، قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].ومن المعلوم لكل من قرأ كتاب الله عز وجل أن المشركين الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم واستحلّ دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم وغنم أرضهم، كانوا مقرين بأن الله تعالى وحده هو الرب الخالق لا يشكون في ذلك، ولكن لما كانوا يعبدون معه غيره صاروا بذلك مشركين مباحي الدم والمال.
 توحيد الأسماء والصفات
أما النوع الثالث من أنواع التوحيد فهو توحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بإثبات ما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فلا بد من هذا من الإيمان بما سمى الله به نفسه، ووصف به نفسه على وجه الحقيقة لا المجاز، ولكن من غير تكييفٍ ولا تمثيل.وهذا النوع من أنواع التوحيد ضل فيه طوائف من هذه الأمة من أهل القبلة الذين ينتسبون إلى الإسلام على أوجه شتى:منهم من غلا في النفي والتنزيه غلواً يخرج به من الإسلام، ومنهم من متوسط، ومنهم قريبٌ من أهل السنة.ولكن طريق السلف في هذا النوع من التوحيد هو أن يسمى الله عز وجل ويوصف بما سمى ووصف به نفسه على وجه الحقيقة، لا تحريف ولا تعطيل ولا تكييفٍ ولا تمثيل.مثال ذلك: أن الله سبحانه وتعالى سمى نفسه بالحي القيوم، فيجب علينا أن نؤمن بأنه الحي على أنه اسمٌ من أسماء الله، ويجب علينا أن نؤمن بما تضمنه هذا الاسم من وصف وهي الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، وسمى الله نفسه بالسميع العليم، فيجب علينا أن نؤمن بالسميع اسماً من أسماء الله، وبالسمع صفةً من صفاته، وبأنه يسمع وهو الحكم الذي اقتضاه ذلك الاسم وتلك الصفة، فإن سميعاً بلا سمع أو سمعاً بلا إدراك مسموع هذا شيءٌ محال، وعلى هذا فقس. مثالٌ آخر: قال الله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64].فهنا قال الله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، فأثبت لنفسه يدين مبسوطتين بالبسط وهو العطاء الوافر، فيجب علينا أن نؤمن بأن لله تعالى يدين اثنتين مبسوطتين في العطاء والنعم، ولكن يجب علينا ألا نحاول لا بقلوبنا وتصوراتنا ولا بألسنتنا، أن نكيف هاتين اليدين، ولا أن نمثلهما بأيدي المخلوقين؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، ويقول الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] ، ويقول عز وجل: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].فمن مثّل هاتين اليدين بأيدي المخلوقين فقد كذب قول الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وقد عصى الله تعالى في قوله: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74] ، ومن كيفهما وقال: هما على كيفيةٍ معينة أياً كانت هذه الكيفية فقد قال على الله ما لم يعلم، ووقفا ما ليس له به علم.
 توحيد الربوبية
توحيد الربوبية: وهو إفراد الله تعالى في الخلق والملك والتدبير، فالله تعالى وحده هو الخالق لا خالق سواه، قال الله تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [فاطر:3] ، وقال تعالى مبيناً بطلان آلهة الكفار: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17] ، فالله تعالى وحده هو الخالق، خلق كل شيء فقدره تقديراً، وخلقه يشمل ما يقع من مفعولاته، وما يقع من مفعولات خلقه أيضاً؛ ولهذا كان من تمام الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله تعالى خالقٌ لأفعال العباد، كما قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96] ، ووجه ذلك: أن فعل العبد من صفاته والعبد مخلوقٌ لله، وخالق الشيء خالقٌ لصفاته.ووجه آخر: أن فعل العبد حاصلٌ بإرادةٍ جازمة وقدرةٍ تامة، والإرادة والقدرة كلتاهما مخلوقتان لله عز وجل، وخالق السبب التام خالق للمسبب، فإذا قلت: كيف نقول: إن الله تعالى منفردٌ في الخلق مع أن الخلق قد يثبت لغير الله كما يدل عليه قول الله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في المصورين: (يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)؟ فالجواب على ذلك: أن غير الله تعالى لا يخلق كخلق الله، فلا يمكنه إيجاد معدوم ولا إحياء ميت، وإنما خلق غير الله سبحانه وتعالى يكون بالتغيير، فتحويل الشيء من صفةٍ إلى أخرى وهو مخلوقٌ لله عز وجل، فالمصور مثلاً إذا صور صورة فإنه لم يخلق شيئاً، بل غاية ما هنالك أنه حول شيئاً إلى شيء، كما يحول الطين إلى صورة طير أو إلى صورة جمل، وكما يحول الرسام الرقعة البيضاء إلى صورة ملونة، والمداد كله من خلق الله عز وجل، والورقة البيضاء أيضاً من خلق الله عز وجل، فهذا هو الفرق بين إثبات الخلق بالنسبة إلى الله عز وجل، وإثبات الخلق بالنسبة إلى المخلوق، وعلى هذا فيكون الله تعالى منفرداً بالخلق الذي يختص به. ثانياً: من توحيد الربوبية: إفراد الله تعالى بالملك، فالله تعالى وحده هو المالك، كما قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك:1] ، وقال تعالى: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ [المؤمنون:88] .فالمالك الملك المطلق العام الشامل هو الله سبحانه وتعالى وحده، ونسبة الملك إلى غيره نسبة إضافية، فقد أثبت الله تعالى لغيره الملك، كما في قوله تعالى: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور:61] ، وقوله تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6]، وما أشبه ذلك من النصوص الدالة على أن لغير الله تعالى ملكاً، لكن هذا الملك ليس كملك الله عز وجل، فهو ملكٌ قاصر وملك مقيد: ملك قاصر لا يتعدى، فالبيت الذي لزيد لا يملكه عمرو، والبيت الذي لعمرو لا يملكه زيد، ثم هذا الملك مقيد بحيث لا يفترض الإنسان فيما ملك إلا على الوجه الذي أذن الله فيه؛ ولهذا ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال )، وقال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5] ، وهذا دليل على أن ملك الإنسان ملكٌ قاصر وملك مقيد بخلاف ملك الله سبحانه وتعالى، فهو ملكٌ عامٌ شامل، وملكٌ مطلق يفعل الله سبحانه وتعالى ما يشاء، و لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].الركن الثالث من أركان توحيد الربوبية: أن الله تعالى منفردٌ بالتدبير، فهو سبحانه وتعالى الذي يدبر الأمر ويدبر الخلق، يدبر أمر السموات والأرض، كما قال الله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54]، وهذا التدبير تدبيرٌ شامل، لا يكون دونه شيء ولا يعارضه شيء، والتدبير الذي يكون في بعض المخلوقات كتدبير الإنسان أمواله وغلمانه وخدمه وما أشبه ذلك هو تدبيرٌ ضيق محدود ومقيد وغير مطلق، فظهر بذلك صحة قولنا: إن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير، فهذا هو توحيد الربوبية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:31

فقه العبادات [3] - للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
إن كل اسم من أسماء الله تعالى متضمن صفة له سبحانه يجب إثباتها له عز وجل من غير تكييف أو تشبيه أو تحريف، ومن خاض في تأويلها فقد ألحد في أسماء الله وصفاته، ثم إنه لا يجوز صرف شيء من العبادة لغير الله كالذبح والنذر..، ومن فعل ذلك يكون قد خرج من الملة.
قواعد في باب الأسماء والصفات
المقدم: في لقاءٍ ماضٍ سألناكم سؤالاً حول أنواع التوحيد مع التوضيح بالأمثلة، وذكرتم أن أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وهو إفراد الله بالخلق والملك والتدبير، وتوحيد الألوهية وهو: إفراد الله بالعبادة، وتوحيد الأسماء والصفات وهو: إفراد الله بما سمى به نفسه، أو وصف به نفسه، أو سماه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تكييف ولا تمثيل، والحقيقة أننا انتهينا من حلقتنا الماضية، ولكن كأننا نريد والمستمعين بيان التفصيل في القسم الأخير من أقسام التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات؟الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. الحقيقة أن هذا النوع من التوحيد -وهو توحيد الأسماء والصفات- ينبغي أن يقال فيه القول: بأنه مهم؛ ولأن الأمة الإسلامية تفرقت فيه تفرقاً كثيراً، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا من السلف وأتباعهم لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213] .تقدم لنا قاعدة في هذا النوع وهو أنه يجب علينا أن نثبت ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله من الأسماء والصفات على وجه الحقيقة، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييفٍ ولا تمثيل، وذكرنا أمثلة لأسماء الله عز وجل، ومثالاً لصفةٍ من صفاته وهي صفة اليدين، وذكرنا أنه يجب فيما يتعلق بالأسماء أن نثبت ما سمى الله به نفسه اسماً لله، وأن نثبت ما تضمنه من صفة وما تضمنه من حكم، -وهو الأثر- تقتضيه ذلك الصفة، وذكرنا أنه يجب علينا أن نؤمن بما وصف الله به نفسه من الصفات على وجه الحقيقة أيضاً، وذكرنا مثالاً وهو اليدان، حيث أثبت الله لنفسه يدين اثنتين وهما ثابتتان لله على وجه الحقيقة، لكن لا يجوز لنا أن نمثل هاتين اليدين بأيدي المخلوقين، ولا أن نتصور بقلوبنا أو ننطق بألسنتنا عن كيفية هاتين اليدين؛ لأن التمثيل تكذيبٌ لقول الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، وعصيانٌ لقوله تعالى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74] . وأما التكييف فهو وقوعٌ فيما حرم الله ونهى عنه؛ لأن الله يقول: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، ويقول تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].نزيد مثالاً ثانياً في الصفات: وهو استواء الله تعالى على عرشه؛ لأن الله تعالى أثبت لنفسه أنه استوى على عرشه في سبعةٍ مواضعٍ من كتابه، كلها أتت بلفظ: استوى، وإذا رجعنا إلى الاستواء في اللغة العربية وجدناه إذا عدي بعلى لا يقتضي إلا الارتفاع والعلو، فيكون معنى قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وأمثالها من الآيات معناه: أن الله على عرشه عز وجل علواً خاصاً غير العلو العام على جميع الإخوان، وهذا العلو ثابتٍ لله تعالى على وجه الحقيقة، فهو عالٍ على عرشه علواً يليق به عز وجل، لا يشبه علو الإنسان على السرير، ولا علوه على الأنعام، ولا علوه على الفلك الذي ذكره الله في قوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:12-14] .فاستواء المخلوق على شيء لا يمكن أن يماثله استواء الله على عرشه؛ لأن الله ليس كمثله شيءٌ في جميع الأمور، وقد أخطأ خطأً عظيماً من قال: إن معنى استوى على العرش: استولى على العرش؛ لأن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، ومخالفٌ لما أثنى عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومتضمنٌ، ومستلزمٌ للوازم باطلة، لا يمكن للمؤمن أن يتفوه بها بالنسبة إلى الله عز وجل، فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية بلا شك، كما قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3]، وقال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193-195].ومقتضى هذه الصيغة (استوى على كذا) في اللغة العربية: العلو والاستقرار، بل هو معناها المطابق للفظ، فمعنى استوى على العرش، أي: علا عليه علواً خاصاً يليق بجلاله وعظمته، فإذا فسرناه باستولى فقد حرفنا الكلم عن مواضعه، حيث أخرجنا هذا المعنى الذي تدل عليه لغة القرآن وهو العلو إلى معنى الاستيلاء، ثم إن السلف والتابعين لهم بإحسانٍ مجمعون على هذا المعنى؛ إذ لم يأت عنهم حرفٌ واحد بتفسيره بخلاف ذلك، وإذا جاء اللفظ في القرآن والسنة ولم يرد عن السلف تفسيره بما يخالف ظاهره، فالأصل أنهم أبقوه على ظاهره، واعتقدوا ما يدل عليه، ولهذا لو قال لنا قائل: هل عندكم لفظ صريح بأن السلف فسروا استوى بمعنى علا؟ قلنا: نعم، ورد ذلك عن السلف، وعلى فرض أن لا يكون ورد عنهم صريحاً؛ فإن الأصل بما دل عليه اللفظ في القرآن الكريم والسنة النبوية أنه باقٍ على ما تقتضيه اللغة العربية من المعنى. أما اللوازم الباطلة التي تلزم على تفسير الاستواء بمعنى الاستيلاء، فإننا إذا تدبرنا قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، وقلنا: استوى بمعنى استولى، لزم من ذلك أن يكون العرش قبل خلق السموات والأرض ليس ملكاً لله عز وجل؛ لأنه قال: خلق ثم استوى، فإذا قلت: ثم (استولى) لزم من ذلك أن يكون العرش ليس ملكاً لله سبحانه وتعالى قبل خلق السموات والأرض، ولا حين خلق السموات والأرض، ويلزم منه أن يصح التعبير بقولنا: إن الله استوى على الأرض واستوى على أي شيءٍ من مخلوقاته، وهذا لا شك أنه معنىً باطل لا يليق بالله عز وجل.فتبين بهذا أن تفسير الاستواء بالاستيلاء فيه محظوران:أحدهما: تحريف الكلم عن مواضعه.والثاني: أن يتصف الله عز وجل بما لا يليق به. المقدم: يا شيخ أثابكم الله، عرفنا الآن أنواع التوحيد: توحيد الربوبية، والألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، كما عرفنا أشياء من الواجب تجاه هذه الأنواع، لكن نريد أيضاً أن نخصص الواجب نحو كل نوعٍ منها على حدة؟الشيخ: الواجب علينا أن نعتقد ما يتضمنه كل نوع، وأن نوحد الله عز وجل بما يقتضيه هذا النوع من المعاني. نعم.
حكم صرف شيء من أنواع العبادات لغير الله
المقدم: ما حكم صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى؟الشيخ: ربما يفهم الجواب مما سبق آنفاً أن قلنا: إن توحيد العبادة إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، بأن لا يتعبد أحدٌ بغير الله تعالى بشيء من أنواع العبادة، ومن المعلوم أن الذبح قربة يتقرب به الإنسان إلى ربه؛ لأن الله تعالى أمر به في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] ، وكل قربةٍ فهي عبادة، فإذا ذبح الإنسان شيئاً لغير الله تعظيماً له وتذللاً وتقرباً إليه كما يتقرب بذلك ويعظم ربه عز وجل كان مشركاً بالله سبحانه وتعالى، وإذا كان مشركاً فإن الله تعالى قد بين أن المشرك حرم الله عليه الجنة، وأن مأواه النار.وبناءً على ذلك نقول: إن ما يفعله بعض الناس من الذبح للقبور -قبور الذين يزعمونهم أولياء- شركٌ مخرجٌ عن الملة، ونصيحتنا لهؤلاء: أن يتوبوا إلى الله عز وجل مما صنعوا، وإذا تابوا إلى الله وجعلوا الذبح لله وحده كما يجعلون الصلاة لله وحده والصيام لله وحده، فإنه يغفر لهم ما سبق، كما قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، بل إن الله سبحانه وتعالى يثيبهم فوق ذلك فيبدل الله سيئاتهم حسنات، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70].فنصيحتي لهؤلاء الذين يتقربون إلى أصحاب القبور بالذبح لهم أن يتوبوا إلى الله تعالى من ذلك، وأن يرجعوا إليه، وأن يبشروا إذا تابوا التوبة من الكريم المنان، فإن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة التائبين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:33

فقه العبادات [5] - للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
أركان الإيمان ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ومعنى الإيمان بالله توحيده سبحانه بأنواع التوحيد الثلاثة، ونقر بوجوده سبحانه، قائماً على خلقه.. والإيمان بالملائكة بأن الله خلقهم من نور، وهم على أصناف ودرجات ومراتب
أركان الإيمان
المقدم: في لقائنا الماضي كان آخر حديثنا عن معنى الإيمان، والحقيقة أننا عرفنا مفهوم الإيمان في اللغة ومفهومه في الشرع، لكن نريد أن نتوسع في المفهوم، وأن نعرف أيضاً أركان الإيمان؟الشيخ: كنا تكلمنا عن التعريف الذي أشرنا إليه والتعريف الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل، والتعريف الذي أشرنا إليه هو تعريف عام يشمل الدين كله، وهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، وهو الذي يتكلم عليه العلماء في كتب العقائد.أما جاء في حديث جبريل فإنه مفهومٌ خاصٌ للإيمان؛ وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله جبريل عن الإسلام وبينه له، ثم سأله عن الإيمان الذي هو العقيدة الباطنة، والإسلام هو الأعمال الظاهرة، وإلا فلا يشك أحدٌ أن اعتقاد الإنسان بأنه لا إله إلا الله هو من الإيمان، لكنه لما كان قولاً صار من الأعمال الظاهرة التي هي الصلاة والزكاة والصوم والحج، والأركان التي بينها الرسول عليه الصلاة والسلام ستة كما هي معلومة، قال عليه الصلاة والسلام في جوابه لجبريل: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) ، ونتكلم على هذه الأركان الستة لأهميتها.
 الإيمان بالملائكة
المقدم: إذاً بقي معنا أن نتحدث عن بقية أركان الإيمان؟ الشيخ: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (وملائكته)، والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور وجعلهم طوع أمره، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، وهم على أصنافٍ متعددة في أعمالهم ووظائفهم ومراتبهم:فجبريل عليه الصلاة والسلام موكلٌ بالوحي، ينزل بوحي الله تعالى على رسل الله، كما قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193-195]، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل:102]، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلق عليها مرتين، رآه مرةً على صورته له ستمائة جناح قد سد الأفق.وميكائيل أحد الملائكة العظام وقد وكله الله عز وجل بالقطر والنبات، والقطر: المطر، والنبات: نبات الأرض من المطر.وإسرافيل من الملائكة العظام، وقد وكله الله عز وجل بالنفخ في الصور، وهو أيضاً أحد حملة العرش العظيم.وهؤلاء الثلاثة كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم في استفتاح صلاة الليل، يقول صلى الله عليه وسلم في استفتاح صلاة الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم)، وذكر هؤلاء الثلاثة؛ لأن كل واحدٍ منهم موكل بما يتضمن الحياة، والبعث من النوم يعتبر حياةً، فهؤلاء الثلاثة هم أفضل الملائكة فيما نعلم.ومنهم ملك الموت الموكل بقبض أرواح الأحياء، ومنهم ملكان موكلان بالإنسان يحفظان أعماله عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق:17]، ومنهم ملائكة موكلون لتتبع حلق الذكر، ومن أراد المزيد من ذلك فليراجع ما كتبه أهل العلم في هذا.المقدم: نعم، شكراً لكم وأثابكم الله.
 الإيمان بالله
أما الإيمان بالله فإنه يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، أما الإيمان بوجوده: فهو الإقرار التام بأن الله سبحانه وتعالى موجود، ولم يتفوه أحد بإنكار وجود الله عز وجل إلا على سبيل المكابرة، وإلا فإن كل عاقل لا يمكنه أن يدعي بأن هذا الكون خلق أو جاء صدفة، أو جاء من غير موجد؛ لأن هذا ممتنع باتفاق العقلاء.فوجود الله عز وجل دلت عليه جميع الأدلة العقلية والفطرية والحسية والشرعية، هذه الأشياء الأربعة كلها دلت على وجود الله عز وجل، أما الدليل العقلي فإننا نشاهد هذا الكون في وجوده وفيما يحدث فيه من أمورٍ لا يمكن أن يقدر عليها أحدٌ من المخلوقين، وجود هذا الكون من السموات والأرض وما فيهما من النجوم والجبال والأنهار والأشجار والناطق والبهيم وغير ذلك من أين حصل هذا الوجود؟ هل حصل هذا صدفة أو حصل بغير موجد أو أن هذا الوجود أوجد نفسه؟ هذه ثلاثة احتمالات لا يقبل العقل شيئاً رابعاً، وكلها باطلة إلا الاحتمال الرابع الذي هو الحق.فأما كونها وجدت صدفة فهذا أمرٌ ينكره العقل وينكره الواقع؛ لأن مثل هذه المخلوقات العظيمة لا يمكنك أن توجدها هكذا صدفة، كل أثرٍ لا بد له من مؤثر، وكون هذه المخلوقات العظيمة في هذا النظام البديع المتناسق الذي لا يتعارض ولا يتصادم لا يمكن أن يكون صدفة؛ لأن الغالب كما وقع صدفة أن تكون تغيراته غير منتظمة؛ لأنه كله صدفة.وأما كون هذا الوجود أوجد نفسه فظاهر الاستحالة أيضاً؛ لأن هذا الوجود قبل أن يوجد ليس بشيء بل هو عدم، والعدم لا يمكن أن يوجد معدوماً. وأما كونه وجد من غير موجد فهو بمعنى قوله: إنه وجد صدفة، وهذا كما سبق مستحيل. بقي أن نقول: إنه وجد بموجد وهو الله عز وجل، كما قال الله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ [الطور:35-36].إذاً: فهذا الكون دل عقلاً على وجود الله عز وجل.وأما دلالة الفطرة على وجود الله فأظهر من أن تحتاج إلى دليل؛ لأن الإنسان بفطرته يؤمن بربه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ولهذا لو وقع على أي إنسانٍ في الدنيا شيءٌ بغتة، وهذا الشيء مهلكٌ له لكان يقول بلسانه من غير أن يشعر: يا ألله أو يا رب أو ما أشبه ذلك، مما يدل على أن الغريزة الفطرية جبلت على الإيمان بوجود الله عز وجل.وأما دلالة الحس على وجود الله فما أكثر ما نسمع من إجابة الله تعالى للدعاء، ومن إجابة الدعاء للإنسان نفسه، كم من إنسانٍ دعا الله وقال: يا رب، فرأى الإجابة نصب عينه، ففي القرآن أمثلةٌ كثيرة من هذا، مثل قوله تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء:83-84]، وفي السنة أمثلةٌ كثيرةٌ أيضاً، ومنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (دخل رجلٌ يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه، وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، وكانت السماء صحواً ليس فيها شيءٌ من السحاب، فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته عليه الصلاة والسلام، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً، حتى دخل رجلٌ من الجمعة الثانية، فقال: يا رسول الله! تهدم البناء وغرق المال، فادع الله يمسكه عنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وجعل يقول: اللهم حوالينا ولا علينا، ويشير بيده فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت بإذن الله، فخرج الناس يمشون في الشمس).وكم من دعاء دعا به الإنسان ربه فوجد الإجابة، وهذا دليلٌ حسيٌ على وجود الله عز وجل. أما الدليل الشرعي فأكثر من أن يحصر، كل القرآن وكل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الحكمية والخبرية فإنه دالٌ على وجود الله عز وجل، كما قال الله تعالى في القرآن العظيم: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82] ، هذا أحد ما يتضمنه الإيمان بالله، وهو الإيمان بوجوده. أما الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فقد سبق القول المفصل فيها حين تكلمنا على أنواع التوحيد الثلاثة، نعم. المقدم: لكن الآن نجد مثلاً الدهريين وهم كثر الآن وعقلاء لأنهم يفكرون وينصتون، لكنهم مجمعون على عدم وجود الله عز وجل، كيف نرد على مثل هذه الفئة؟الشيخ: أولاً: أنا أعلق على قولك: إنهم عقلاء، فإن أردت بالعقل عقل الإدراك فنعم هم عقلاء يدركون ويفهمون، وإن أردت بذلك عقل الرشد فليسوا بعقلاء؛ ولهذا وصف الله الكفار بأنهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة:171]، لكنهم عقلاء عقل إدراك تقوم به الحجة عليهم، وهم إذا قالوا ذلك فإنما يقولون هذا مكابرة في الواقع، وإلا فهم يعلمون أن الباب المنصوب لا يمكن أن يصنع نفسه، ولا يمكن أن ينصب نفسه، يعرفون أن هذا الباب لا بد له من نجار أو حداد أقامه ولا بد له من بناء ركبه، بل يعلمون أن الطعام الذي يأكلونه والماء الذي يشربونه لا بد له من مسخر، ولا بد له من زارع، وهم يعلمون أيضاً أنه ليس بإمكان أي أحدٍ من الناس أن يكون هذا الزرع ينبت هذا الحب حتى زرعاً له ساق وثمر هم يعلمون ذلك، ويعلمون أن هذا ليس مما يقدر عليه البشر، ولكنهم يكابرون، والمكابر لا فائدة من محاجته، ولا يمكن أن يقبل أبداً مهما كان، لو تقول له: هذه الشمس وهي أمامه ما صدق، فمثل هؤلاء تكون المجادلة معهم مضيعة وقت، وكما قال بعض أهل العلم: تكون دعوتهم بالمجالدة لا بالمجادلة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:35



فقه العبادات [6] - للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة والكتب، وذلك يكون على الإجمال بأن الله أنزل كتباً بواسطة بعض ملائكته على بعض خلقه وهم الرسل، ثم الإيمان المفصل على حسب ما ورد في الشرع كذكر جبريل وميكائيل والتوراة والزبور، كذلك الإيمان بالرسل من قص علينا خبره ومن لم يق
تابع أركان الإيمان
المقدم: في لقاءٍ ماضٍ عرفنا مفهوم الإيمان، وعرفنا أيضاً الركن الأول من أركانه وهو الإيمان بالله، ثم تحدثتم عن الركن الثاني وهو الإيمان بالملائكة، وأنهينا الحلقة ما أدري هل بقي في الركن الثاني شيء أم ننتقل إلى الأركان التي بعدها؟
 الإيمان باليوم الآخر
المقدم: كيف يكون الإيمان بالركن الخامس وهو اليوم الآخر؟ الشيخ: الإيمان باليوم الآخر يعني: الإيمان بقيام الساعة، وسمي يوماً آخراً؛ لأنه ليس بعده يوم، فإن الإنسان كان عدماً، ثم وجد في بطن أمه، ثم وجد في الدنيا، ثم ينتقل إلى البرزخ، ثم يوم القيامة، فهذه أحوالٌ خمسة للإنسان، هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1] هذه الحالة الأولى: أنه ليس شيئاً مذكوراً، ثم وجد في بطن أمه، ثم خرج وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل:78]، ثم يكدح في هذه الدنيا ويعمل، ثم ينتقل إلى الآخرة في برزخٍ بين الدنيا وقيام الساعة.فالإيمان باليوم الآخر يدخل فيه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فيؤمن الإنسان بفتنة القبر، ونعيم القبر وعذابه، وفي قيام الساعة بالنفخ في الصور، وبالحساب، وبالميزان، وبالحوض المورود وغيره، وبكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إما في كتاب الله أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، مما يكون بعد الموت.ويحسن أن نتكلم عن فتنة القبر، وهي أن الميت إذا دفن أتاه ملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فأما المؤمن فيثبته الله تعالى بالقول الثابت، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، وأما الكافر فإنه يقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذابٌ إلى يوم القيامة، فمن كان من غير المسلمين فهو في عذاب إلى يوم القيامة، ومن كان من عصاة المؤمنين فإنه قد يعذب في قبره مدة يعلمها الله عز وجل ثم يرفع عنه العذاب، وهذا العذاب أو النعيم يكون في الأصل على الروح، ولكن قد يتألم البدن به، كما أن العذاب في الدنيا يكون على البدن وقد تتألم النفس فيه، ففي الدنيا مثلاً الضرب يقع على البدن والألم يقع على البدن، والنفس قد تتأثر بذلك وتحزن وتغتم، أما في القبر فالأمر بالعكس، العذاب أو النعيم يكون على الروح، لكن البدن لا شك أنه يحصل له شيء من هذا العذاب أو النعيم، إما بالفرح والنعيم، وإما بالحزن بالعذاب.أما إذا قامت الساعة وهي القيامة الكبرى فإن الناس يقومون من قبورهم إلى رب العالمين حفاةً عراةً غرلاً، حفاة ليس عليهم ما يقي أقدامهم من نعالٍ أو حفاة أو غيرها، عراة ليس على أبدانهم ما يكسوها. غرلاً أي: غير مختونين، فتعود الجلدة التي قطعت بالختان في الدنيا ليخرج الإنسان من قبره تاماً لا نقص فيه، كما قال الله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104] ، ثم يكون الحساب على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم النهاية إما إلى جنة وإما إلى نار، فمن دخل الجنة فهو مخلدٌ فيها أبد الآبدين، ومن دخل النار فإن كان من العصاة فإنه يخرج منها بعد أن يعذب بما يستحق إن لم تنله الشفاعة أو رحمة الله عز وجل، ولكنه لا يخلد فيها، وأما الكافر فإنه يخلد فيها أبد الآبدين.المقدم: شكراً، أثابكم الله. الحقيقة بقي الركن السادس، لكن لعله يكون أول لقائنا القادم ونتحدث عنه طويلاً إن شاء الله. بهذا أيها السادة نأتي على نهاية لقائنا هذا الذي استضفنا فيه فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الأستاذ في فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم، وإمام وخطيب الجامع الكبير بمدينة عنيزة، شكراً للشيخ محمد ، وشكراً لكم أيها السادة، وإلى أن نلتقي بحضراتكم نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 تابع الإيمان بالملائكة
الشيخ: بقي في الركن الثاني وهو الإيمان بالملائكة: أن الإيمان بالملائكة عليهم الصلاة والسلام يكون إجمالاً ويكون تفصيلاً، فما علمناه بعينه وجب علينا أن نؤمن به بعينه ونخصص، نقول: نؤمن بالله، نؤمن بجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، ومالك خازن النار وما أشبه ذلك، وما لم نعلمه بعينه فإننا نؤمن به إجمالاً، فنؤمن بالملائكة على سبيل العموم.والملائكة عددٌ كبير لا يحصيهم إلا الله عز وجل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (في البيت المعمور الذي في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه )، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه: ( ما من موضع أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملكٌ قائم لله أو راكعٌ أو ساجد)، ولكننا لا نعلم أعيانهم ووظائفهم وأعمالهم إلا ما جاء به الشرع، فما جاء به الشرع على وجه التفصيل من أحوالهم وأعمالهم ووظائفهم وجب علينا أن نؤمن به على سبيل التفصيل، وما لم يأت على سبيل التفصيل فإننا نؤمن به إجمالاً، وهؤلاء الملائكة الذين لهم من القدرة والقوة ما ليس للبشر من آيات الله عز وجل، فيكون الإيمان بهم إيماناً بالله سبحانه وتعالى وبقدرته العظيمة، وعلينا أن نحب هؤلاء الملائكة؛ لأنهم مؤمنون؛ ولأنهم قائمون بأمر الله عز وجل، ومن كان عدواً لأحد منهم فإنه كافر، كما قال الله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:98]، وقال تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [البقرة:97]. فالمهم أن هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام علينا أن نحبهم؛ لأنهم عباد لله تعالى قائمون بأمره، وألا نعادي أحداً منهم.
 الإيمان بالكتب
المقدم: بقي الركن الثالث من أركان الإيمان؟ الشيخ: الركن الثالث: هو الإيمان بكتب الله عز وجل التي أنزلها على رسله عليهم الصلاة والسلام، فإن ظاهر القرآن يدل على أنه ما من رسول إلا وأنزل الله معه كتاباً، كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد:25]، وقال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة:213] .هذه الكتب طريق الإيمان بها أن نؤمن بها إجمالاً، وما علمناه بعينه نؤمن به بعينه، فالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى والقرآن الكريم هذه معلومةٌ لنا بعينها، فنؤمن بها بعينها، وما عدا ذلك نؤمن به إجمالاً؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولكن كيف نؤمن بهذه الكتب؟نقول: ما صحّ نقله منها إلينا من الأخبار وجب علينا تصديقه بكل حال؛ لأنه من عند الله، وأما ما تضمنته هذه الكتب من الأحكام فلا يلزمنا العمل إلا بما جاء في القرآن الكريم، وأما ما نقل إلينا منها ولم نعلم صحته فإننا نتوقف فيه حتى يتبين لنا صحته؛ لأن هذه الكتب دخلها التحريف والتبديل والتغيير والزيادة والنقص.
 الإيمان بالرسل
المقدم: هذا بالنسبة للركن الثالث والركن الرابع..الشيخ: الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام أن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى البشر رسلاً منهم يتلون عليهم آيات الله ويزكونهم، وأن هؤلاء الرسل أولهم نوح عليه الصلاة والسلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأما قبل نوح فلم يُبعث رسول، ولهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا: إن إدريس عليه الصلاة والسلام كان قبل نوح؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163] ، وفي الحديث الصحيح في قصة الشفاعة: (أن الناس يأتون إلى نوح، فيقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض)، فلا رسول قبل نوح، ولا رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقول الله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، فأما نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان فإنه لا ينزل على أنه رسول مجدد بل ينزل على أنه حاكمٌ بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الواجب على عيسى وعلى غيره من الأنبياء الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81]، وهذا الرسول المصدقٌ لما معهم هو محمد صلى الله عليه وسلم كما صحّ ذلك عن ابن عباس وغيره.فالمهم أن نؤمن بالرسل على هذا الوجه، بأن أولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم. وكيفية الإيمان بهم: أن ما جاء من أخبارهم وصحّ عنهم نؤمن به ونصدق؛ لأنه من عند الله عز وجل. وأما الأحكام فلا يلزمنا اتباع شيءٍ منها إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وما اقتضته الشريعة.أما بالنسبة لأعيان هؤلاء الرسل فمن سماه الله لنا أو سماه رسوله صلى الله عليه وسلم وجب علينا الإيمان به بعينه، وما لم يسم فإننا نؤمن به على سبيل الإجمال كما قلنا ذلك في الكتب وفي الملائكة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:37


فقه العبادات [7] - للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره، ومعناه أن كل شيء يقع فهو بأمره سبحانه وتقديره وذلك لحكم يعلمها، وهو على أربع مراتب: الأولى: علم الله الأزلي الشامل، الثانية: كتابة مقادير الأمور قبل خلق الخلق. الثالثة: إرادته ومشيئته سبحانه لكل ما يقع ويكون، ال
تابع أركان الإيمان
المقدم: تقدم لنا أركان الإيمان الخمسة الأولى منها بالتفصيل، وبقي علينا الركن السادس وهو الإيمان بالقدر خيره وشره. نريد أن تحدثنا عنه، أثابكم الله.
 القدر لا ينافي فعل الأسباب
ثم اعلم أن الإيمان بالقدر لا ينافيه فعل الأسباب، بل إن فعل الأسباب مما أمر به الشرع وهو حاصل بالقدر؛ لأن الأسباب تنتج عنها مسبباتها، ولهذا لما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام ذكر له في أثناء الطريق أنه قد وقع فيها الطاعون، فاستشار الصحابة رضي الله عنهم: هل يستمر ويمضي في سيره أو يرجع إلى المدينة؟ فاختلف الناس عليه، ثم استقر رأيهم على أن يرجعوا إلى المدينة، ولما عزم على ذلك جاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح وكان عمر رضي الله عنه يجله ويقدره، فقال: يا أمير المؤمنين! كيف ترجع إلى المدينة، أفرارٌ من قدر الله؟ قال رضي الله عنه: نفر من قدر الله إلى قدر الله، وبعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان غائباً في حاجةٍ له، فحدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الطاعون: (إذا سمعتم به في أرضٍ فلا تقدموا عليه) ، الحاصل قول عمر رضي الله عنه: نفر من قدر الله إلى قدر الله، فهذا يدل على أن اتخاذ الأسباب من قدر الله عز وجل، ونحن نعلم أن الرجل لو قال: أنا سأؤمن بقدر الله، وسيرزقني الله ولداً بدون زوجة، لو قال هذا لعدّ من المجانين، كما أنه لو قال: أنا أؤمن بقدر الله ولن أسع في طلب الرزق، ولم يتخذ أي سببٍ للرزق لعدّ ذلك من السّفه.إذاً: الإيمان بالقدر لا ينافي الأسباب الشرعية أو الحسية الصحيحة، أما الأسباب الوهمية التي يدعي أصحابها أنها أسباب وليست كذلك فهذه لا عبرة بها ولا يلتفت إليها.
 الاحتجاج بالقدر على المعصية
ثم اعلم أنه يرد على الإيمان بالقدر إشكالٌ وليس بإشكال في الواقع، وهو أن يقول قائل: إذا كان الفعل من قدر الله عز وجل فكيف أعاقب على المعصية وهي من تقدير الله عز وجل؟والجواب على ذلك أن يقال: لا حجة لك على المعصية بقدر الله؛ لأن الله عز وجل لم يجبرك على هذه المعصية، وأنت حين تقدم عليها لم يكن لديك العلم بأنها مقدرةٌ عليك؛ لأن الإنسان لا يعلم ما هو مقدور إلا بعد وقوع الشيء، فلماذا لم تقدر قبل أن تفعل المعصية؟ لماذا لم تقدر أن الله قدّر لك الطاعة فتقوم بطاعته؟ وكما أنك في أمورك الدنيوية تسعى لما ترى أنه خير، وتهرب مما ترى أنه شر، فلماذا لا تعامل نفسك هذه المعاملة في عمل الآخرة؟أنا لا أعتقد أن أحداً يقال له: إن لمكة طريقين: أحدهما: طريقٌ مأمونٌ ميسر، والثانية: طريقٌ مخوف صعب، لا أعتقد أن أحداً يسلك الطريق المخوف الصعب، ويقول: إن هذا قد قدر لي، بل سوف يسلك الطريق المأمون الميسر، ولا فرق بين هذا وبين أن يقال لك: إن للجنة طريقاً وللنار طريقاً، فإنك إذا سلكت طريق النار فأنت كالذي سلك طريق مكة المخوف الوعر، وأنت بنفسك تنتقد هذا الرجل الذي سلك الطريق المخوف الوعر، فلماذا ترضى لنفسك أن تسلك طريق الجحيم وتدع طريق النعيم، ولو كان للإنسان حجة بالقدر على فعل المعصية لم تنتف هذه الحجة في إرسال الرسل، وقد قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].
 الإيمان بالقدر
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله عن الإيمان، والإيمان بالقدر أمرٌ هامٌ جداً، وقد تنازع الناس في القدر من زمنٍ بعيد، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الناس يتنازعون فيه، ويتمارون فيه، وإلى يومنا هذا والناس كذلك يتنازعون فيه، ولكن الحق فيه -ولله الحمد- واضح بينَّ، لا يحتاج إلى نزاع ومراء. فالإيمان بالقدر: أن تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى قد قدّر كل شيء، كما قال الله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2] ، وهذا التقدير الذي قدره الله عز وجل تابعٌ لحكمته، وما تقتضيه هذه الحكمة من غاياتٍ حميدة، وعواقب نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم.
 مراتب القدر
ويدور الإيمان بالقدر على الإيمان بأمورٍ أربعة:أحدها: العلم، وذلك أن تؤمن إيماناً كاملاً بأن الله سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيءٍ علماً، مما مضى ومما هو حاضر ومما هو مستقبل، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله عز وجل، أو بأفعال عباده، فهو محيطٌ بها جملةً وتفصيلاً بعلمه الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، وأدلة هذه المرتبة كثيرة في القرآن والسنة، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5]، وقال الله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]، وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:16]، وقال تعالى: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة:283] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على علم الله سبحانه وتعالى في كل شيء جملةً وتفصيلاً.وهذه المرتبة من الإيمان بالقدر من أنكرها فهو كافر؛ لأنه مكذبٌ لله ورسوله وإجماع المسلمين، وطاعنٌ في كمال الله عز وجل؛ لأن ضد العلم إما الجهل وإما النسيان، وكلاهما عيب، وقد قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام حين سأله فرعون: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:51-52]، فهو لا يضل، أي: لا يجهل شيئاً مستقبلاً، ولا ينسى شيئاً ماضياً سبحانه وتعالى.أما المرتبة الثانية فهي: الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة؛ لأن الله عز وجل لما خلق القلم قال له: (اكتب، قال: رب! وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن )، فجرى في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة جملة وتفصيلاً، فكتب الله عز وجل في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء.وقد دلّ على هذه المرتبة والتي قبلها قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70]، قال: (إن ذلك في كتاب) أي: معلوم لله عز وجل (في كتاب) وهو المحفوظ، (إن ذلك على الله يسير). ثم هذه الكتابة تكون أيضاً مفصلة أحياناً، فإن الجنين في بطن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر يبعث عليه ملك فيؤمر بأربع كلمات: (بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد) كما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويكتب أيضاً في ليلة القدر ما يكون في تلك السنة، كما قال الله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان:3-5].أما المرتبة الثالثة: فالإيمان بأن كل ما في الكون فإنه بمشيئة الله، فكل ما في الكون فهو حادث بمشيئة الله عز وجل، سواءٌ كان ذلك مما يفعله هو عز وجل أو مما يفعله المخلوق، قال الله تبارك وتعالى: وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27]، وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [النحل:9]، وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:118]، وقال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر:16] إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على أن فعله عز وجل واقع بمشيئته، وكذلك أفعال الخلق واقعةٌ بمشيئته، كما قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253]، وهذا نصٌ صريح في أن أفعال العبد قد شاءها الله عز وجل، ولو شاء الله ألا يفعل لم يفعل.أما المرتبة الرابعة في الإيمان بالقدر: فهي الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، فالله عز وجل هو الخالق وما سواه مخلوق، فكل شيءٍ فالله تعالى خالقه، فالمخلوقات مخلوقة لله عز وجل، وما يصدر منها من أفعالٍ وأقوال مخلوق لله عز وجل أيضاً؛ لأن أفعال الإنسان وأقواله من صفاته، فإذا كان الإنسان مخلوقاً كانت صفاته أيضاً مخلوقة لله عز وجل، ويدل لذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، فنص الله تعالى على خلق الإنسان وعلى خلق عمله، قال: وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، وقد اختلف الناس في (ما) هنا: هل هي مصدرية أو موصولة؟ وعلى كل تقدير فإنها تدل على أن عمل الإنسان مخلوق لله عز وجل.هذه أربعة مراتب لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها، ونعيدها فنقول:أولاً: أن تؤمن بأن الله تعالى عليمٌ بكل شيء جملةً وتفصيلاً. ثانياً: أن تؤمن بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء. ثالثاً: أن تؤمن بأن كل شيء حادثٌ فهو بمشيئة الله عز وجل. رابعاً: أن تؤمن بأن الله تعالى خالق لكل شيء.فإذا تم الإيمان بهذه المراتب الأربع فقد حقق الإنسان الإيمان بالقدر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:39

فقه العبادات [8] - للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
إن الإيمان بالقدر يورث العبد الرضا والتسليم لله، فالقدر نظام التوحيد والإيمان، وحقيقة الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة أياً كانت، وعلى قدرها تكون زيادته، وينقص بالمعاصي، وعلى قدر المعصية يكون النقصان، هذا ما جاءت به نصوص ا
زيادة الإيمان ونقصانه
المقدم: عرفنا في لقاءاتنا الماضية -وخاصةً في اللقاء الماضي القريب- عرفنا الإيمان وعرفنا أركان الإيمان الستة، وتحدثتم عنها الحديث الذي نرجو أن يكون فيه البركة للمستمعين، لكن هناك سؤال لا بد من طرحه في هذا اللقاء وهو: هل الإيمان يزيد وينقص؟ ونود أن نعرف بأي شيءٍ تحصل الزيادة؟ وبأي شيءٍ يحصل النقصان؟الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. هناك كلمة باقية في الإيمان بالقدر يسيرة، وهي: أن الإيمان بالقدر له ثمرات جليلة على سير الإنسان وعلى قلبه؛ لأنك إذا آمنت بأن كل شيءٍ بقضاء الله وقدره فإنك عند السراء تشكر الله في كل شيء، ولا تعجب بنفسك، ولا ترى أن هذا الأمر حصل منك بحولك وقوتك، ولكنك تؤمن بأن هذا سبب إذا كنت قد فعلت السبب الذي نلت به ما يسرك، وأن الفضل كله بيد الله عز وجل، فتزداد بذلك شكراً لنعمة الله سبحانه وتعالى، ويحملك هذا على أن تقوم بطاعة الله على حسب ما أمرك الله به، وأن لا ترى لنفسك فضلاً على ربك، بل ترى المنة لله سبحانه وتعالى عليك، قال الله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17].كما أنك إذا أصابتك الضراء فإنك تؤمن بالله عز وجل وتستسلم ولا تندم على ذلك ولا تلحقك الحسرة، ألم تر إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن القوي خيرٌ وأحبُ إلى الله من المؤمن الضعيف، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان) ، فالإيمان بالقدر فيه راحة للنفس والقلب، وعدم الحزن على ما فات، وعدم الغم والهم لما يستقبل، قال الله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:22-23] . والذي لا يؤمن بالقدر لا شك أنه سوف يتضجر عند المصائب ويندم ويفتح له الشيطان كل باب، وأنه سوف يفرح ويبطر ويغتر إذا ما أصابته السراء، لكن الإيمان بالقدر يمنع هذا كله.
 الرد على من ينكر زيادة الإيمان ونقصانه
المقدم: بالنسبة لزيادة الإيمان ونقصه هناك من يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن المعصية تكذيب الإيمان، ويكفر الإنسان، كيف يرد على هؤلاء؟ الشيخ: نرد على هؤلاء بما أشرنا إليه من قبل من نصوص الكتاب والسنة والواقع، فإننا نقول لهم: أنتم الآن لو أتاكم مخبر وقال: إن فلاناً قدم البلد اليوم، وهذا المخبر عندكم ثقة، يكون لديكم الإيمان بأنه قدم، فإذا جاء رجلٌ آخر وأخبركم بذلك أفلا يزداد إيمانكم به؟ سيقولون: بلى، يزداد إيماننا بذلك، فإذا رأيتم هذا الرجل القادم رأي العين ازدتم يقيناً أكثر، وهذا أمرٌ لا ينكره أحد، ثم نقول: ما دمنا أدخلنا الأقوال والأعمال في مسمى الإيمان فإن اختلاف الأقوال والأعمال بالزيادة والنقص أمرٌ معلوم لا ينكر، فيكون في هذا دليل واضح على أن الإيمان يزيد وينقص.المقدم: لكن حكم عدم الإقرار بزيادة الإيمان ونقصانه؟ الشيخ: هذا يرجع إلى حال المنكر، إن كان أنكر ذلك تكذيباً وجحداً فهو كافر بتكذيبه وجحده لما جاء في القرآن، وإن كان تأويلاً فإن التأويل له درجات قد يصل إلى الكفر وقد لا يصل، فالإنسان الذي يقول: أنا لا أقول: إن الإيمان يزيد وينقص متأولاً، فإنه على حسب التأويل.
 أسباب نقص الإيمان
أما سبب النقصان فإنه على العكس من ذلك، فالجهل بأسماء الله وصفاته موجب لنقص الإيمان؛ لأن الإنسان ينقصه إذا لم يعرف أسماء الله وصفاته ينقصه العلم بهذه الأسماء والصفات التي تزيد في الإيمان.السبب الثاني: الإعراض عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية، فإن هذا يسبب نقص الإيمان، أو على الأقل ركوده.السبب الثالث: فعل المعصية، فإن للمعصية آثاراً عظيمة على القلب والجوارح؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).السبب الرابع: ترك الطاعة، فإن ترك الطاعة سببٌ لنقص الإيمان، لكن إن كانت الطاعة واجبة وتركها بلا عذر فهو نقصٌ يلام عليه ويعاقب، وإن كانت الطاعة غير واجبة أو واجبة لكن تركها لعذر فإنه نقصٌ لا يلام عليه؛ ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم النساء ناقصات عقلٍ ودين، وعلّل نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم، مع أنها لا تلام على ترك الصلاة والصيام في حال الحيض، بل هي مأمورةٌ بذلك، لكن لما فاتها الفعل الذي يقوم به الرجل صارت ناقصة عن الرجل من هذا الوجه.
 أسباب زيادة الإيمان
لكن ما سبب الزيادة؟السبب الأول: معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، فإن الإنسان كلما ازداد معرفةً بالله وبأسمائه وصفاته ازداد إيماناً بلا شك؛ ولهذا فإن أهل العلم الذين يعلمون من أسماء الله وصفاته ما لا يعلمه غيرهم تجدهم أقوى إيماناً من الآخرين من هذا الوجه. السبب الثاني: النظر في آيات الله الكونية والشرعية، فإن الإنسان كلما نظر إلى الآيات الكونية التي هي المخلوقات السموات والأرض والإنسان والبهيمة وغير ذلك ازداد إيماناً، قال الله تعالى: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:20-21]، والآيات الدالة على أن الإنسان بتدبره وتأمله في هذا الكون يزداد إيماناً كثيرة.السبب الثالث: كثرة الطاعات، فإن الإنسان كلما كثرت طاعاته ازداد بذلك إيماناً، سواءٌ كانت هذه الطاعات من الطاعات القولية أو الفعلية، فالذكر يزيد الإيمان كميةً وكيفية، والصلاة والصوم والحج يزيد الإيمان أيضاً كميةً وكيفية.
 أدلة زيادة الإيمان ونقصانه
وقد جاء ذلك في القرآن والسنة أعني: إثبات الزيادة والنقصان، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر:31]، وقال الله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125] . وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)، فالإيمان -إذاً- يزيد وينقص.
 حقيقة الإيمان
المقدم: بالنسبة للإيمان..الشيخ: أما بالنسبة لزيادة الإيمان ونقصانه، فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح، فهو يتضمن هذه الأمور الثلاثة:وإذا كان كذلك فإنه سوف يزيد وينقص؛ وذلك لأن الإقرار بالقلب يتفاضل، فليس الإقرار بالخبر كالإقرار بالمعاينة، وليس الإقرار بخبر الرجل كالإقرار بخبر الرجلين وهكذا؛ ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، فالإيمان يزيد من حيث الإقرار: إقرار القلب وطمأنينته وسكونه، والإنسان يجد ذلك من نفسه، فعندما يحضر مجلس ذكر فيه موعظة وذكر للجنة والنار يزداد إيماناً حتى كأنه يشاهد ذلك رأي عين، وعندما تكون غفلة ويقوم من هذا المجلس يخف هذا اليقين في قلبه.كذلك يزداد الإيمان من حيث القول، فإن من ذكر الله عز وجل عشر مرات ليس كمن ذكر الله مائة مرة، الثاني أزيد بكثير، وكذلك أيضاً من أتى بالعبادة على وجهٍ كامل يكون إيمانه أزيد ممن أتى بها على وجهٍ ناقص.وكذلك العمل، فإن الإنسان إذا عمل عملاً بجوارحه أكثر من الآخر صار الثاني أزيد إيماناً من الناقص.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:42

فقه العبادات [9] - للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
الإيمان بالأسماء والصفات يكون بإثباتها على نحو ما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ومن خالف ذلك يكون قد ألحد في أسماء الله وصفاته، والشرك نوعان: شرك أصغر لا يخرج صاحبه من الملة كالحلف بغير الله، والرياء.. و
الإلحاد في الأسماء والصفات
المقدم: في لقائنا بالأمس تحدثنا عن الإيمان وعرفنا مفهومه، وعرفناه في اللغة وفي الشرع، ثم عرفناه في التعريف الذي ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم عرفنا الإيمان يزيد أو ينقص، وقد تبين لنا أن الإيمان يزيد وينقص كما أوضحه فضيلة الشيخ سابقاً، ثم عرفنا أيضاً أسباب الزيادة وأسباب النقصان.في لقائنا في هذا اليوم سنتناول إن شاء الله الحديث عن الإلحاد في أسماء الله وصفاته وأنواع الإلحاد أيضاً، ونأمل من فضيلة الشيخ محمد أن يحدثنا عن الإلحاد ما هو؟ أي: الإلحاد بأسماء الله وصفاته؟
 معنى الإلحاد
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.الإلحاد في اللغة هو الميل، ومنه قوله تعالى: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل:103]، ومنه اللحد في القبر، فإنه سمي لحداً لميله إلى جانبٍ منه، ولا يعرف الإلحاد إلا بمعرفة الاستقامة؛ لأنه كما قيل: بضدها تتبين الأشياء، فالاستقامة في باب أسماء الله وصفاته أن يجري هذه الأسماء والصفات على حقيقتها اللائقة بالله عز وجل من غير تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كما مر علينا في القاعدة التي يمشي عليها أهل السنة والجماعة في هذا الباب، فإذا عرفنا الاستقامة في هذا الباب فإن خلاف الاستقامة هو الإلحاد.
 أنواع الإلحاد في أسماء الله
وقد ذكر أهل العلم في الإلحاد في أسماء الله تعالى أنواعاً يجمعها أن نقول: هو الميل بها عما يجب اعتقاده فيها.فالنوع الأول: أن ينكر شيئاً منها أو مما دلت عليه من الصفات، مثل: أن ينكر اسم الرحمن من أسماء الله كما فعل أهل الجاهلية، أو يثبت الأسماء ولكن ينكر ما تضمنته من الصفات، كما يقول بعض المبتدعة: إن الله تعالى رحيم بلا رحمة، وسميعٌ بلا سمع، وبصير بلا بصر.. وهكذا.النوع الثاني: أن نسمي الله تعالى بما لم يسم به نفسه، ووجه كونه إلحاداً: أن أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية، فلا يحل لأحد أن يسمي الله تعالى باسمٍ لم يسم به نفسه؛ لأن هذا من القول على الله بلا علم، ومن العدوان على الله عز وجل أيضاً، ومن العدوان في حق الله عز وجل، وذلك كما صنع الفلاسفة فسموا الإله بالعلة الفاعلة، وكما صنع النصارى فسموا الله تعالى باسم العبد ونحو ذلك. النوع الثالث: أن نعتقد أن هذه الأسماء دالةً على أوصافٍ تماثل أوصاف المخلوقين، فيجعلها دالة على التمثيل، ووجه كونه إلحاداً: أن من اعتقد بأن أسماء الله سبحانه وتعالى دالةً على تمثيل الله بخلقه فقد جعل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم دالاً على الكفر؛ لأن تمثيل الله بخلقه كفر؛ لكونه تكذيباً لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ولقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] ، قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري رحمهما الله: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما سمى الله ووصف به نفسه تشبيه.النوع الرابع: أن يشتق من أسماء الله تعالى أسماءً للأصنام، كاشتقاق اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، ووجه كونه إلحاداً: أن أسماء الله عز وجل خاصة به، فلا يجوز أن تنقل المعاني الدالة عليها هذه الأسماء إلى أحدٍ من المخلوقين ليعطى من العبادة ما لا يستحقه إلا الله عز وجل. هذه أنواع الإلحاد في أسماء الله سبحانه وتعالى.
أنواع الشرك
المقدم: إذاً: ننتقل من هذه إلى معرفة أنواع الشرك؟الشيخ: سبق لنا فيما تقدم من مجالس أن التوحيد يتضمن إثباتاً ونفياً، وأن الاقتصار فيه على النفي تعطيل، والاقتصار فيه على الإثبات لا يمنع المشاركة؛ فلهذا لا بد في التوحيد من نفيٍ وإثبات، فمن لم يثبت الحق لله عز وجل على هذا الوجه فقد أشرك به.والشرك نوعان: شرك أكبر مخرجٌ عن الملة، وشركٌ دون ذلك.
 مدى اعتبار ترك العبادة شركاً
المقدم: لكن فيما فهمناه الآن أن الشرك يكون في العبادة، لكن هل ترك العبادة يسمى شركاً؛ لأنه ورد مثلاً فيما رواه مسلم قال صلى الله عليه وسلم: ( بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة) ، فالترك هل يكون شركاً؟الشيخ: نعم، هو شركٌ من حيث المعنى العام؛ لأن ترك الصلاة تهاوناً إنما تركها لهواه، فقدم هواه على طاعة الله عز وجل، فكان مشركاً بهذا الاعتبار، كما قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23] إلى آخره، فكل من اتبع هواه مقدماً له على طاعة الله عز وجل فإن فعله هذا نوعٌ من الشرك، وإن كان الشرك بالمعنى الأخص لا يشمل الترك.
 الشرك الأكبر
فالشرك الأكبر: كل شركٍ أطلقه الشارع وهو متضمنٌ بخروج الإنسان من دينه، مثل: أن يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، كأن يصلي لغير الله، أو يصوم لغير الله، أو يذبح لغير الله.وكذلك من الشرك الأكبر: أن يدعو غير الله عز وجل، مثل: أن يدعو صاحب القبر، أو يدعو غائباً ليغيثه من أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وأنواع الشرك معلومة فيما كتبه أهل العلم.
 الشرك الأصغر
وأما النوع الثاني فهو الشرك الأصغر: وهو كل عملٍ قوليٍ أو فعلي أطلق الشرع عليه وصف الشرك ولكنه لا يخرج من الملة، مثل: الحلف بغير الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، فالحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالى من العظمة ما يماثل عظمة الله، نقول: إنه مشركٌ شرك أصغر، سواءٌ كان المحلوف به معظماً من البشر أم غير معظم، فلا يجوز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا برئيس أو وزير، ولا يجوز الحلف بالكعبة، ولا يجوز الحلف بجبريل وميكائيل وما أشبه ذلك؛ لأن هذا شرك لكنه شركٌ أصغر لا يخرج من الملة.ومن أنوع الشرك الأصغر: الرياء اليسير، مثل: أن يقوم الإنسان يصلي لله عز وجل ولكنه يزين صلاته؛ لأنه يعلم أن أحداً من الناس يراه، فيزين صلاته من أجل أرادة الناس، فهذا مشركٌ شرك أكبر؛ لأنه فعل العبادة لله، لكن أدخل عليها هذا التزيين مرآءة للخلق، وكذلك لو أنفق ماله في شيءٍ يتقرب به إلى الله لكنه أراد أن يمدحه الناس بذلك، فإن هذا مشرك شركاً أصغر، وأنواع الشرك الأصغر أيضاً كثيرة معلومة في كتب أهل العلم.
 تعريف الشرك الأكبر والأصغر
المقدم: نحن عرفنا أنواع الشرك لكن هل هناك تعريف محدد لكل نوع منها؟ الشيخ: ذكرنا أن الشرك الأصغر: كل ما أطلق عليه الشارع اسم الشرك أو وصف الشرك ولكنه لا يخرج من الملة، وأن الشرك الأكبر: كل ما أطلق الشارع عليه اسم الشرك أو وصف الشرك وهو مخرج من الملة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:44

فقه العبادات [10] - للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
الإسلام: هو التعبد لله تعالى بما شرعه من عبادات على ألسنة رسله، كل في وقت بعثته، والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، حيث جاوز حده كمخلوق، والطواغيت على درجات متفاوتة.
تعريف دين الإسلام
المقدم: عرفنا في الحلقات الماضية الشيء الكثير والحمد لله عن التوحيد، وفي بداية لقائنا هذا نود أن نعرف ما هو دين الإسلام؟ الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.الإسلام بالمعنى العام: هو التعبد لله تعالى بما شرعه من العبادات التي جاءت بها رسله منذ أن تعبد الله تعالى عباده بشرعه إلى أن تقوم الساعة، فيشمل ما جاء به نوح عليه الصلاة والسلام من الهدى والحق، وما جاء به موسى، وما جاء به عيسى، ويشمل ما جاء به إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء، كما ذكر الله تعالى ذلك في آياتٍ كثيرة تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلامٌ لله عز وجل، ولكنه بالمعنى الخاص يختص بما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم نسخ جميع الأديان السابقة، فصار من اتبعه مسلماً، ومن خالفه ليس بمسلم؛ لأنه لم يستسلم لله بل استسلم لهواه، فاليهود مسلمون في زمن موسى عليه الصلاة والسلام، والنصارى مسلمون في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وأما بعد أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم فكفروا به فليسوا بمسلمين؛ ولهذا لا يجوز لأحد أن يعتقد أن دين اليهود والنصارى الذي يدينون به اليوم دينٌ صحيح مقبولٍ عند الله مساوٍ لدين الإسلام، بل من اعتقد ذلك فهو كافر خارجٌ عن دين الإسلام؛ لأن الله عز وجل يقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] ، ويقول عز وجل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85].وهذا الإسلام الذي أرسله الله إليه هو الإسلام الذي أنزل الله به على محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأمته؛ لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، وهذا نصٌ صريح في أن من سوى هذه الأمة بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا على الإسلام، وعلى هذا فما يدينون الله به لا يقبل منهم، ولا ينفعهم يوم القيامة، ولا يحل لنا أن نعتبره ديناً قائماً قويماً؛ ولهذا يخطئ خطأً كبيراً من يصف اليهود والنصارى بأنهم إخوة لنا، أو يقول: إن أديانهم اليوم قائمة؛ لما أثبتناه آنفاً، وإذا قلنا: إن الإسلام هو التعبد لله سبحانه وتعالى بما شرع شمل ذلك الاستسلام له ظاهراً وباطناً، فيشمل الدين كله: عقيدةً وعملاً وقولاً، أما إذا قرن الإسلام بالإيمان فإن الإسلام يكون بمعنى الأعمال الظاهرة من نطق اللسان وعمل الجوارح، والإيمان الأعمال الباطنة من العقيدة وأعمال القلوب، ويدل على هذا التفريق قوله تبارك وتعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] ، وقوله تعالى في قصة لوط: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:35-36] ، فإنه فرق هنا بين المؤمنين والمسلمين؛ لأن البيت الذي كان في القرية بيتٌ إسلاميٌ في ظاهره، إذ إنه يشمل امرأة لوط التي خانته وهي كافرة، وأما من أخرج منها ونجا فإنهم المؤمنون حقاً الذين دخل الإيمان في قلوبهم، ويدل لذلك -أي: للفرق بين الإيمان والإسلام عند اجتماعهما- حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه: (أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) ، وقال في الإيمان: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) ، فالحاصل أن الإسلام عند الإطلاق يشمل الدين كله، ويدخل فيه الإيمان، وأنه إذا قرن مع الإيمان فُسِّر بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأعمال الجوارح، وفُسِّر الإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات وقلوب وأعمالها.
معنى الطاغوت واشتقاقه
المقدم: أيضاً نريد أن نعرف ما هو الطاغوت أي: ما معناه؟ وما اشتقاقه؟الشيخ: الطاغوت: مشتق من الطغيان، والطغيان: مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة:11] ، يعني: لما زاد عن الحد المعتاد (حملناكم في الجارية) يعني: في السفينة، وأحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره ابن القيم رحمه الله: أن الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاع، فالأصنام التي تعبد من دون الله طواغيت، وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال وإلى البدع وإلى تحريم ما حرم الله، أو تحريم ما أحلّ الله، أو يزينون لولاة الأمور الخروج عن شريعة الإسلام بنظمٍ يستوردونها مخالفةٍ لنظام الدين الإسلامي هم من الطواغيت؛ لأن هؤلاء تجاوزوا حدهم، فإن حد العالم أن يكون متبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن العلماء في الحقيقة هم ورثة الأنبياء، يرثون لأمتهم علماً وعملاً وأخلاقاً ودعوة وتعليماً، فإذا تجاوزوا هذا الحد وصاروا يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام بمثل هذه النظم فهم طواغيت؛ لأنهم تجاوزوا ما كان يجب عليهم أن يكونوا عليه من متابعة الشريعة.وأما المطاع في قوله رحمه الله: (أو مطاع) فيريد به الأمراء الذين يطاعون شرعاً أو قدراً، فالأمراء يطاعون شرعاً إذا أمروا بما لا يخالف أمر الله ورسوله، فهم يطاعون هنا شرعاً كما يطاعون قدراً؛ لأن الواجب على الرعية إذا أمر ولي الأمر بأمرٍ لا يخالف أمر الله السمع والطاعة، وطاعتهم لولاة الأمور في هذه الحال وبهذا القيد طاعةٌ لله عز وجل.ولهذا ينبغي أن نلاحظ حين ننفذ ما أمرته الدولة مما تجب طاعتها فيه أننا بذلك نتعبد لله تعالى ونتقرب إليه حتى يكون تنفيذنا لهذا الأمر قربةً لله عز وجل، وإنما ينبغي لنا أن نلاحظ ذلك؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].وأما طاعة الأمراء قدراً، فإن الأمراء إذا كانوا أقوياء في سلطتهم فإن الناس يطيعونهم بقوة السلطان، وإن لم يكن بوازع الإيمان؛ لأن طاعة ولي الأمر قد تكون بوازع الإيمان وهذه هي الطاعة النافعة لولاة الأمور، والنافعة للناس أيضاً، وقد تكون طاعة ولاة الأمور بردع السلطان، بحيث يكون السلطان قوياً يخشى الناس منه ويهابونه؛ لأنه ينكل بمن خالف أمره.ولهذا نقول: إن الناس مع حكامهم في هذه المسألة ينقسمون إلى أقسام:فتارةً يقوى الوازع الإيماني والرادع السلطاني، وهذه أكمل المراتب وأعلاها.وتارةً يضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني، وهذه أدنى المراتب وأخطرها على المجتمع، على حكامه وعلى المحكومين؛ لأنه إذا ضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني صارت الفوضى الفكرية والخلقية والعملية.وتارة يقوى الوازع الإيماني ويضعف الرادع السلطاني، وهذه مرتبةٌ وسطى ينظر فيها أيها أكمل مما إذا قوي الرادع السلطاني وضعف الوازع الإيماني، فإنه في المظهر إذا قوي الرادع السلطاني يكون أصلح للأمة، لكن الأمة إذا اختفت قوة السلطان فلا تسأل عن حالها وسوء عملها؛ لأن الوازع الإيماني ضعيف، أما إذا قوي الوازع الإيماني والرادع السلطاني فقد يكون المظهر أدنى من المظهر في المرتبة الأخرى، لكنه فيما بين الإنسان وبين ربه إذا اختفى الرادع السلطاني يكون أصلح. على كل حال هذه أربعة مراتب: قوة الإيمان والسلطان، وضعف الإيمان والسلطان، وقوة الإيمان وضعف السلطان، وقوة السلطان وضعف الإيمان.فينبغي لنا عند تنفيذ أوامر السلطان أن نعتقد أننا بذلك نتقرب به إلى الله عز وجل، وإنما قال ابن القيم: إن الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاع؛ لأن الأمير أو ولي الأمر الذي يطاع قد يأمر بما يخالف أمر الله ورسوله، فإذا أمر بما يخالف أمر الله ورسوله فإنه لا سمع له ولا طاعة، ولا يجوز لنا أن نطيعه في معصية الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله تعالى جعل طاعتهم تابعةً لطاعة الله ورسوله، كما يفهم من سياق الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، فدلّ هذا على أن طاعتهم غير مستقلة، بل هي تابعةٌ لطاعة الله ورسوله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إنما الطاعة بالمعروف أو في المعروف ) أي: فيما أقره الشرع، وأما ما أنكره فلا يجوز أن يطاع فيه أي مخلوق، حتى لو كان الوالد أو الوالدة يأمرانك بمعصية الله، فإنه لا يحل لك أن تطيعهما؛ لأن طاعة الله تعالى مقدمةٌ على كل طاعة، فإذا أطاع الإنسان أميره أو ولي أمره في معصية الله فقد تجاوز به حده.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سعيد ناجى
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 596
تاريخ التسجيل : 31/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الإثنين 6 يناير - 1:58

تابعووووووووووووونا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هدوء القمر
عضو مميز
عضو مميز


عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 29/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   الثلاثاء 7 يناير - 11:37



فقه العبادات [11]

الحكم بغير ما أنزل الله قسمان: الأول: أن يبطل حكم الله ويحل محله شرع طاغوتي، وهذا شرك وكفر، والثاني: أن يبقى الحكم لشرع الله ولكن يأتي حاكم فيحكم في قضية ما بغير شرع الله، فإن اعتقد تقديم حكمه كان كافراً، وإن حكم ظلماً وجوراً أو لهوى كان عاصياً فاسقاً خار

الحكم بغير ما أنزل الله

المقدم: عرفنا في اللقاء الماضي الطاغوت من حيث الاشتقاق والمعنى، ونقلتم التعريف له: أنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاع، وكان الحديث عن السلطة وضعفها وقوتها وضعف الإيمان، أو قوتهما أو ضعف أحدهما وقوة الآخر، لكن في بداية لقائنا هذا نود أن نعرف ما هي صفة الحكم بغير ما أنزل الله؟

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أن يبطل حكم الله ليحل محله حكمٌ آخر طاغوتي، بحيث يلغى الحكم بالشريعة بين الناس، ويجعل بدله حكمٌ آخر من وضع البشر، كالذين ينحون الأحكام الشرعية في المعاملة بين الناس، ويحلون محلها القوانين الوضعية، فهذا بلا شك أنه استبدالٌ لشريعة الله سبحانه وتعالى غيرها، وهو كفر مخرج عن الملة؛ لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق، حيث شرع لعباد الله ما لم يأذن به الله، بل ما خالف حكم الله عز وجل، وجعله الحكم الفاصل بين الخلق، وقد سمى الله تعالى ذلك شركاً في قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21].

القسم الثاني: أن تبقى أحكام الله على ما هي عليه، وتكون السلطة لها، ويكون الحكم منوطاً بها، ولكن يأتي حاكم من الحكام فيحكم بغير ما تقتضيه هذه الأحكام، أي: يحكم بغير ما أنزل الله، فهذا له ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يحكم بما يخالف شريعة الله معتقداً أن ذلك أفضل من حكم الله وأنفع لعباد الله، أو معتقداً أنه مماثل لحكم الله عز وجل، أو يعتقد أنه يجوز له الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا كفر يخرج به الحاكم من الملة؛ لأنه لم يرض بحكم الله عز وجل، ولم يجعل الله حكماً بين عباده.

الحالة الثانية: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباده لكنه خرج عنه وهو يشعر بأنه عاصٍ لله عز وجل، إنما يريد الجور والظلم من المحكوم عليه؛ لما بينه وبينه من عداوة، فهو يحكم بغير ما أنزل الله لا كراهة لحكم الله، ولا استبدالاً به، ولا اعتقاداً بأنه -أي: أن الحكم الذي حكم به- أفضل من حكم الله أو مساوٍ له، أو أنه يجوز الحكم به، لكن من أجل الإضرار بالمحكوم عليه حكم بغير ما أنزل الله، ففي هذه الحالة لا نقول: إن هذا الحاكم كافر، بل نقول: إنه ظالم معتدٍ جائر.

الحالة الثالثة: أن يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباد الله، وأنه بحكمه هذا عاصٍ لله عز وجل، لكنه حكم لهوىً في نفسه، لمصلحة تعود له أو للمحكوم له، فهذا فسق وخروج عن طاعة الله عز وجل، وعلى هذه الأحوال الثلاث يتنزل قول الله تعالى في ثلاث آيات: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وهذا ينزل على الحالة الأولى، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] ينزل على الحالة الثانية. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] ينزل على الحالة الثالثة. وهذه المسألة من أخطر ما يكون في عصرنا هذا، فإن من الناس من أولع وأعجب بأنظمة غير المسلمين حتى شغف بها، وربما قدمها على حكم الله ورسوله، ولم يعلم أن حكم الله ورسوله ماضٍ إلى يوم القيامة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الخلق عامة إلى يوم القيامة، والذي بعثه سبحانه وتعالى عالمٌ بأحوال العباد إلى يوم القيامة، فلا يمكن أن يشرع لعباده إلا ما هو نافعٌ لهم في أمور دينهم ودنياهم إلى يوم القيامة، فمن زعم أو توهم أن غير حكم الله تعالى في عصرنا أنفع لعباد الله من الأحكام التي ظهر شرعها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد ضل ضلالاً مبيناً، فعليه أن يتوب إلى الله، وأن يرجع إلى رشده، وأن يفكر في أمره.

المقدم: لكن ذكرتم في الظالم والفاسق أشياء متقاربة أو متداخلة كما نتصور، وهي أن يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أن حكم الله أفضل لكنه يريد أن يتشفى لنفسه من أحد، أو يطبق الحكم على شخص ما جاء عن الله عز وجل، وبين الذي يحكم أيضاً وهو يعلم بحكم الله عز وجل، ويعلم أنه هو الحكم السديد، لكنه لمصلحةٍ في نفسه، أو لهوىً لنفسه، أو ليوافق أيضاً هذا المحكوم عليه أو يرد على المحكوم عليه، ما الفرق بينهما؟

الشيخ: الفرق بينهما: أن الذي نصفه بأنه ظالم حكم لطلب العدوان على المحكوم عليه، وإن لم يكن له فيه مصلحة، ولم ينظر إطلاقاً إلى مصلحة المحكوم له، لكن أهم شيءٍ عنده هو الجور والظلم بالنسبة لهذا المحكوم عليه، أما الآخر فهو نظر إلى مصلحة المحكوم له، ولم يكن يشعر في نفسه أن يظلم ذلك الرجل المحكوم عليه؛ ولهذا لا يفرق في المحكوم عليه بأن يكون فلاناً أو فلاناً؛ لأنه إنما يريد مصلحة المحكوم له، أو يريد أن يجر إلى نفسه هو منفعة أو ما أشبه ذلك، فهذا هو الفرق بينهما.......

الكهانة

المقدم: مما يدخل في أصول الدين أيضاً بعض العادات التي تنتشر بين الناس، ولعل منها الكهانة، فنود في لقائنا هذا أن نعرف ما هي الكهانة؟......

تعريف الكهانة

الشيخ: الكهانة فعالة مأخوذة من الكهن وهو التخرص والتماس الحقيقة بأمورٍ لا أساس لها، وكانت في الجاهلية صنعة لأقوامٍ تتصل بهم الشياطين وتسترق السمع من السماء وتحدثهم به، ثم يأخذون الكلمة التي نقلت إليهم من السماء بواسطة هؤلاء الشياطين ويضيفون إليها ما يضيفون لها من القول، ثم يحدثون بها الناس، فإذا وقع الشيء مطابقاً لما قالوا اغترّ بهم الناس، واتخذوه مرجعاً في الحكم بينهم وفي استنتاج ما يكون في المستقبل، ولهذا نقول: الكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.


أعلى الصفحة

أقسام الذين يأتون الكهان

والذي يأتي إلى الكاهن ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه، فهذا محرم وعقوبة فاعله ألا تقبل له صلاةٌ أربعين يوماً، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافاً فسأله لم تقبل له صلاةٌ أربعين ليلة) .

القسم الثاني: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ويصدقه بما أخبر به، فهذا كفرٌ بالله عز وجل؛ لأنه صدقه في دعوى علم الغيب، وتصديق البشر في دعوى علم الغيب تكذيبٌ لقول الله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65] ، وتكذيب خبر الله ورسوله كفر؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم) .

القسم الثالث: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ليبين حاله للناس، وأنها كهانةٌ وتمويه وتضليل، فهذا لا بأس به، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه ابن صياد فأضمر له النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في نفسه فسأله النبي صلى الله عليه وسلم ماذا خبأ له؟ فقال: الدخ، يريد الدخان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اخسأ، فلن تعدو قدرك).

إذاً: أقسام من يأتي إلى الكهان ثلاثة: أن يأتي فيسأله بدون أن يصدقه، وبدون أن يقصد امتحانه وبيان حاله فهذا محرم وعقوبة فاعله ألا تقبل له صلاةٌ أربعين ليلة. الثانية: أن يسأله فيصدقه وهذا كفرٌ بالله عز وجل، يجب على الإنسان أن يتوب منه، ويرجع إلى الله عز وجل، وإلا مات على الكفر، الحالة الثالثة: أن يأتيه فيسأله ليمتحنه ويبين حاله للناس فهذا لا بأس به.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )   السبت 11 يناير - 2:04

فقه العبادات [12] - للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، وهو نوع من السحر إن اعتقد تأثير الكواكب بذاتها، وأما مجرد الاستدلال على الأوقات والفصول فلا بأس به، والسحر من الكبائر، وهو حقيقة وله تأثير، ولكن لا يصل إلى قلب الأعيان، وقد شرع لنا التحصن والاستعا
حكم الذهاب إلى الكهان
المقدم: عرفنا في حلقةٍ ماضية الشيء الكثير عن الكهانة، عرفنا الكاهن وهو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، كما عرفنا حكمها وبعض أقسام الذين يصدقون بها، حبذا لو عرفنا أحوال الناس الذين يرتادون الكهان؟الشيخ: ذكرنا في الحلقة الماضية أن أحوالهم ثلاثة: الأولى: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله بدون أن يصدقه، ولا يقصد بذلك بيان حاله، فهذا آثم، وعقوبته ألا تقبل له صلاةٌ أربعين يوماً.والحالة الثانية: أن يأتيه فيسأله ويصدقه وهذا كافر؛ لأنه مكذبٌ لقول الله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65] . الحالة الثالثة: أن يأتي إليه فيسأله ليمتحنه ويبين حاله للناس ودجله وافتراءه، وقلنا: إن هذا لا بأس به، ومن المعلوم أن الشيء الذي يكون مباحاً إذا أفضى إلى محظور فإنه يكون محظوراً، فلو قدر أنه في هذه الحالة الثالثة إذا أتى إليه ليمتحنه ويبين حاله أن يغتر به من يغتر من الناس فإنه في هذه الحال لا يفعل ولا يأتي إليه، ولو كان لهذا القصد الصحيح؛ لأن القاعدة أن ما أفضى إلى محظورٍ فهو محظور.
التنجيم.. وحكمه
المقدم: أيضاً نريد أن نعرف التنجيم وحكمه؟الشيخ: التنجيم مأخوذ من النجم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، بمعنى أن يربط المنجم ما سيقع في الأرض بالنجوم.. بحركاتها، وطلوعها وغروبها، واقترانها، وافتراقها، وما أشبه ذلك، والتنجيم نوع من السحر، وهو محرم؛ لأنه مبني على أوهامٍ لا حقيقة لها، فلا علاقة لما يحدث في الأرض بما يحدث في السماء؛ ولهذا لما كان من عقيدة أهل الجاهلية أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد إلا لموت عظيم فكسفت الشمس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم رضي الله عنه، فقال الناس: (كسفت الشمس لموت إبراهيم ، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس حين صلى للكسوف، وقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ارتباط الحوادث الأرضية في الأحوال الفلكية، وهو كذلك، وكما أنه -أي: التنجيم- بهذا المعنى نوعٌ من السحر فهو أيضاً سببٌ للأوهام والانفعالات النفسية التي ليس لها حقيقة ولا أصل، فيوقع الإنسان في أوهام وتشاؤمات ومتاهات لا نهاية لها.هناك نوعٌ آخر من التنجيم وهو أن الإنسان يستدل بطلوع النجوم على الأوقات والأزمنة والفصول، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه، مثل أن يقول: إذا دخل نجم فلان فإنه يكون قد دخل موسم الأمطار، أو قد دخل وقت نضوج الثمار أو ما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه.المقدم: يعني: هذا يكون من باب استقراء السنن الكونية؟ الشيخ: نعم، كما نقول: إذا دنت الشمس فقد دخل وقت الظهر، وإذا غربت دخل وقت المغرب، وما أشبهها.
العلاقة بين التنجيم والكهانة
المقدم: لكن هل هناك علاقة بين التنجيم وبين الكهانة التي عرفناها سابقاً؟الشيخ: نعم، العلاقة بينهما: هو أنه كلاً منهما مبني على الوهم والدجل وأكل أموال الناس بالباطل، وإدخال الهموم والغموم عليهم، وما أشبه ذلك.المقدم: لكن أيهما أخطر على المسلمين؟الشيخ: هذا ينبني على شيوع هذا الأمر بين الناس، فقد يكون في بعض البلاد لا أثر للتنجيم عندهم إطلاقاً، ولا يهتمون به، ولا يصدقون به، ولكن الكهانة منتشرة عندهم فتكون أخطر، وقد يكون الأمر بالعكس، لكن من حيث واقع الكهانة والتنجيم فإن الكهانة أخطرها.
السحر
المقدم: ذكرتم في حديثكم عن التنجيم أنه نوع من السحر فما هو السحر؟

 إصابة النبي بالسحر وتأثير ذلك على مقام النبوة
المقدم: جاء عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سحر، فنريد أن تتحدثوا لنا عما سحر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً هل حصول السحر للنبي طعن في مقام النبوة؟الشيخ: ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، لكن هذا السحر لم يؤثر عليه من الناحية التشريعية أو الوحي، إنما غاية ما هنالك أنه وصل إلى درجة أنه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله في أهله، وهذا السحر الذي عمل له كان من يهوديٍ يقال له: لبيد بن الأعصم ، وضعه له، ولكن الله سبحانه وتعالى أنجاه منه، حتى جاءه الوحي بذلك، وعُوذ بالمعوذتين عليه الصلاة والسلام: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] ، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، ولا يؤثر هذا السحر على مقام النبوة؛ لأنه لم يؤثر في تصرف النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالوحي والعبادات كما أسلفنا، وقد أنكر بعض الناس أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم سحر؛ لحجة أن هذا القول يستلزم تصديق الظالمين الذين قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:47]، ولكن هذا لا شك أنه لا يستلزم موافقة هؤلاء الظالمين بما وصفوا به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أولئك يدعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسحور فيما يتكلم به من الوحي، وأن ما جاء به هذيانه كهذيان المسحور، وأما السحر الذي وقع للرسول عليه الصلاة والسلام فلم يؤثر عليه في شيءٍ من الوحي، ولا في شيءٍ من العبادات، ولا يجوز لنا أن نكذب الأخبار الصحيحة بسوء فهمنا للنصوص.
 العلاقة بين السحر والكهانة
المقدم: يا شيخ! تحدثتم عن الكهانة وعرفتم الكاهن وعرفتم أيضاً السحر، لكن هل هناك علاقة بين الكهانة والسحر؟ الشيخ: هو كما قلنا من قبل: إن الكاهن يؤثر في الناس فيما يدجل به عليهم من الإخبارات عن الأشياء المستقبلية، وكذلك الساحر يؤثر في عقول الناس وتفكيرهم وأبدانهم حتى يتوهم المسحور أشياء ليس لها حقيقة.
 السحر بين الحقيقة والتخييل
المقدم: لكن هل السحر حقيقة أم أنه تخيلات عادية؟الشيخ: السحر حقيقة ولا شك، وهو مؤثرٌ حقيقة، لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن، أو يسكن المتحرك، فهذا خيال وليس حقيقة، انظر إلى قول الله تبارك وتعالى في قصة السحرة في آل فرعون، يقول الله عز وجل: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116] ، كيف سحروا أعين الناس؟ سحروا أعين الناس حتى صار الناس ينظرون إلى هذه الحبال والعصي كأنها ثعابين تمشي، كما قال الله تعالى في العصا: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:66]، فالسحر باعتبار تأثيره في قلب الأشياء وتحريك الساكن أو تسكين المتحرك فهذا ليس له أثر، لكن في كونه يسحر أو يؤثر على المسحور حتى يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً فهذا أثره ظاهرٌ جداً.إذاً: فله حقيقة، ولهذا يؤثر على بدن المسحور وعقله وحواسه، وربما يهلكه.المقدم: إذاً نقول: إن أداة السحر أو التي مثلاً يراها الإنسان هذه لا تتغير عن الحقيقة التي هي عليها جامدة ولا تتحرك، لكن الأثر يأتي على حواس الإنسان الرائي أو المسحور.الشيخ: نعم.
 تعريف السحر
الشيخ: السحر قال العلماء: هو عبارة عن كل ما لطف وخفي سببه بحيث يكون له تأثيرٌ خفي لا يطلع عليه الناس، وهو بهذا المعنى يشمل التنجيم والكهانة، بل إنه يشمل التأثير بالبيان والفصاحة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن من البيان لسحراً) ، فكل شيءٍ يكون له أثر لكنه ليس شيئاً معلوماً -أي: ذلك المؤثر- فإنه نوعٌ من السحر.المقدم: ما المقصود باللطافة في قولكم: السحر: كل ما لطف وخفي سببه؟ الشيخ: اللطافة معناها: الشيء الخفي اللطيف، وضده الشيء الجليل الكبير البين، مثلاً: هذا الساحر يعمل عملاً يستجلب الداء المسحور حتى يتعلق به تعلقاً عظيماً، أو يستجلب نفرته منه حتى يضره ضراً عظيماً، مع أن هذا الذي سُحِر وحصلت له المحبة العظيمة أو المصلحة العظيمة لا يعرف هذا الشيء ويخفى عليه سببه.
 حكم تعلم السحر
المقدم: ما حكم السحر؟ وما حكم تعلمه؟الشيخ: تعلم السحر محرم، بل هو كفر إذا كانت وسيلته الاستعانة بالشياطين، قال الله تبارك وتعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102].فتعلم هذا النوع من السحر وهو الذي يكون بواسطة الاستعانة بالشياطين كفر، واستعماله أيضاً كفرٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الخلق؛ ولهذا يقتل الساحر إما ردة وإما حداً، فإن كان سحره على وجه يكفر به فإنه يقتل قتل ردة وكفر، وإن كان سحره لا يصل إلى درجة الكفر فإنه يقتل حداً دفعاً لشره وأذاه عن المسلمين.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
فقه العبادات للشيخ : ( محمد بن صالح العثيمين )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: