منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 «الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو الفتوح العمروسى
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 19
تاريخ التسجيل : 29/01/2014

مُساهمةموضوع: «الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»   الأربعاء 29 يناير - 13:55


«الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»


حمدي قنديل في «مذكراته»: تعاونت مع جارى الشيوعي في توزيع المنشورات بمسجد السيد البدوي

نشر فى : الأحد 26 يناير 2014 - 8:49 ص | آخر تحديث : الأحد 26 يناير 2014 - 8:57 ص



الإعلامي الكبير حمدي قنديل

إعداد ــ إسماعيل الأشول

من ميلاده وحتى وقتنا الراهن.. وبين حكاياته مع أهل السياسة والفن والإعلام تدور مذكرات الإعلامى الكبير الأستاذ حمدى قنديل الصادرة عن دار «الشروق» بعنوان «عشت مرتين».

قنديل الذى يقول إنه عاش مرتين لا يقصد بذلك حياة اليقظة وحياة المنام، فحياة اليقظة وحدها تكفى وتزيد، على حد تعبيره فى مقدمة مذكراته التى يوضح خلالها: عشتها طولا وعرضا، أخذا وردا، فيها الأسى والانكسار والفشل، وفيها الصمود والحلم والإنجاز، وفيها من المفاجآت والمفارقات ما يعجز عن ابتداعه عتاة المؤلفين. مضيفا فى مقدمة مذكراته: أعترف بتناقض فى شخصيتى يُقال إن ذلك هو الذى يميز مواليد برج الجوزاء، يجمع بين التفتح على الدنيا وبعض جذور محافظة، ذلك أننى أقدر المرأة وأفخر بها، لكننى أحاول أن أحميها من التلصص واللغو، لذلك لا أعتقد أن كتب المذكرات هى المكان المناسب للخوض فى حكايات النساء، وإن كان ذلك قد أصبح على ما يبدو حقا مكتسبا للقارئ. وبنبرة ساخرة يتحدث عن معرفة الرجل بالمرأة فى المقدمة ذاتها، فيقول: لو خيرت لاقتفيت أثر صديقى رجل الأعمال ممدوح عبدالغفار الذى فاجأنى منذ نحو عشرين عاما بكتابه الأول والأخير، وكان عنوانه بالإنجليزية WHAT MAN KNOW ABOUT WOMEN، أى «ما الذى يعرفه الرجال عن النساء؟» كان الكتاب ضخما وغلافه أنيقا للغاية، فى صفحته الأولى كانت المقدمة سطريْن: «هذا الكتاب ألفه رجل ذو رؤية.. وضع خلاصة تجاربه فى الحياة مع النساء وسلوكهن وأخلاقهن فى هذا الكتاب النافذ البصيرة».. وعندما بدأت أتصفح صفحاته المائتين، كانت كلها بيضاء من أول صفحة حتى آخر صفحة. ويختتم بالقول: لا أدرى فى النهاية إذا ما كان الذى يحتويه الكتاب هو الذى توقعه القارئ، وإذا ما كانت قد وصلته الرسالة التى وددت أن تصل إليه: أن يحس عندما يضع الكتاب جانبا أنه أكثر قوة ومناعة ضد غوائل الزمن، وأكثر قدرة على الحلم باليوم الجميل الآتى، أما بالنسبة لى فقد أحسست عندما انتهيت من الكتابة بكثير من الرضا؛ ذلك أننى أيقنت الآن أن الذكريات لا تعنى شيئا إلَّا لو شاركنى فيها الآخرون.

1936ـــ 1952
جذور أسرة أبى ترجع إلى بلدة كفر عليم فى ريف محافظة المنوفية، وكذلك أمى التى أتى أجدادها من أبيها (عائلة حلاوة) من البلدة نفسها، أما أجدادها من أمها (عائلة الفقى) فهم من بلدة طنبشا المجاورة، وهكذا فأنا منوفى أبا وأما، ولست أدرى ما إذا كنت قد ورثت عن المنايفة طباعهم التى يتحدث عنها الأدب الشعبى، وأشهرها البخل، ولكننى سأبادر، كما هو متوقع، إلى نفى هذه التهمة.


يتبع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هناء1
عضو ذهبى
عضو ذهبى


عدد المساهمات : 378
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: «الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»   الأربعاء 29 يناير - 14:05



الثابت على أى حال أن المنايفة يقبلون على التعليم، وتقول الإحصائيات إن فى المنوفية أكبر نسبة من المتعلمين مقارنة بعدد السكان.

كان الاثنان أولاد خالة، ومع ذلك فقد تزوج أبى من أمى برضاها بالرغم من فارق السن بينهما الذى يبلغ 25 عاما، وأظن أن زواجهما كان مستقرا إلى حد كبير.

فى بيتنا فى الوايلى ولدت طفلتهما الأولى سوزان فى عام 1935 ولكنها سرعان ما ماتت، وجئت بعد ذلك بعام، وسمونى محمد حمدى.

أخى الأصغر هو عاصم قنديل، المحامى الآن، وهو آخر العنقود كما يقال، أما ماجد، اللواء المتقاعد الذى قضى عمره فى سلاح المدفعية، فقد ولد بعد ولادتى بعامين، وبعده بعامين أيضا ولدت ميرفت، وهى ربة أسرة متزوجة من لواء الأسلحة والذخيرة المتقاعد صالح صالح، وبعد عامين آخرين جاءت شقيقتى مآثر، التى عينت معيدة بقسم اللغة الإسبانية فى كلية الألسن، ثم حصلت على منحة لدراسة الدكتوراه فى إسبانيا، وهناك بدأت حياتها كمترجمة فورية حتى تقاعدت قبل سنوات، أما ميرفت التى تصغرنى بأربعة أعوام فهى تعاملنى كأمى.

أنجبت ميرفت ومآثر أولادا وبنات، أما أنا وماجد وعاصم فلم ينجب ثلاثتنا، والحمد لله أننا راضون بما قسم الله لنا.

عشنا جميعا أيام صبانا فى طنطا التى انتقل إليها والدى مدرسا للغة العربية فى مدرسة طنطا الثانوية للبنات، وكنا نسكن فى بيت من ثلاثة طوابق فى 16 شارع الفاتح، كان بيتنا مثل كثير من البيوت المصرية يعرف ربنا، ويعمر المساجد ويعمِّر فى الأرض ويعامل الناس بالحسنى.

كان أبى يسمح لى، بل يطلب منى أحيانا، قراءة جريدة المصرى، وكانت هى الجريدة الوحيدة التى يشتريها كل يوم، قرأت جريدة الاشتراكية فى بيت صديق كان والده يشتريها بانتظام، فأصبحت أبحث عنها أنا الآخر بين الحين والحين، وأظنها أثرت كثيرا فى توجيه ميولى، بل واستفزتنى إلى أبعد حد عندما قرأت فيها مقال أحمد حسين الشهير رعاياك يا مولاى.

كان المقال ممتدا على صفحتين تصدرته صورة لطفل حافى القدمين مهلهل الملابس وصور أخرى لنساء ورجال تنطق أحوالهم بالبؤس فى أزقة القاهرة وأعماق الريف، وذُيِّلَ المقال بتوقيع المخلص: أحمد حسين.

كانت دراستنا مستقرة، ولم يرسب أحدنا فى عام من الأعوام، ولا أذكر أننى رسبت فى مادة سوى مرة واحدة عندما كنت فى مدرسة طنطا الابتدائية للبنين، وعندما جاءت الشهادة بدائرة حمراء فى اللغة الإنجليزية خلع والدى حزامه وضربنى به مرة واحدة كانت هى الأولى والأخيرة، التى ضربنى فيها، أنا أو واحد من إخوتى فى حياته.

أذكر من زملائى فى مدرسة طنطا الثانوية الجديدة: جمال بدوى وعمرو موسى.. جمال أصبح فيما بعد صحفيا لامعا وكاتبا كبيرا، وكنت أعتبره واحدا من أفضل من تحدثوا على شاشة التليفزيون وهو يروى كحكاء بارع قصصا مثيرة من التاريخ.

أما الطالب الثانى الذى امتدت علاقتى به هو الآخر، فكان عمرو موسى، وزير الخارجية وأمين الجامعة العربية ثم مرشح الرئاسة، فكان كل من يعرفه يتوسم فيه النبوغ، وكان متفوقا طوال دراسته، وغالبا ما كنا نتنافس معا على المركزين الأول والثانى، وظل طويلا يتحدث عن هذه المعركة إلى الآخرين أينما تواجدنا معا، ويضيف ضاحكا أنه كان بالطبع الأول على الدوام، وكنت أقول إننى سلمت بأنه كان الأول منذ عين وزيرا.

وكان لى فى ذلك الوقت بطل أسطورى واحد هو لطفى فطيم. كان فى العشرينيات من عمره، وكان جارا لنا، لفت نظرى بزيارات البوليس السياسى المتكررة له، واختفائه لأيام أو شهور بعد أن يغادر منزله فى بوكس الشرطة.

كان لطفى لغزا بالنسبة لى وعدد من أقرانى، وازداد اللغز غموضا حين قال أحدنا إنه شيوعى، ولم يكن هناك بد من أن أتربص به ذات مرة، وأسأله إذا ما كان شيوعيا حقا، وما هذه الشيوعية؟ وقد أجابنى يومها بإيجاز، لكنه وعدنى أن نلتقى مرة كل أسبوع فى الحديقة المواجهة لمدرسة طنطا الثانوية القديمة فى شارع البحر ليحدثنى باستفاضة.

عندما التقينا فى الموعد المحدد نبهنى أن أكتم سر لقائنا ومكانه فازداد الأمر بالنسبة لى إثارة، وأعطانى يومها محاضرة موجزة تذكرت منها عبارتين براقتين، «العدالة الاجتماعية» و«المساواة بين البشر»، لما قلت لأبى ما سمعت قال إن ذلك كله فى الإسلام، وطلب منى أن أستعد فى عصر اليوم التالى ليصطحبنى إلى جمعية «الشبان المسلمين» سألته: الشبان أم الإخوان؟ أذكر ما قال: «لا، الإخوان شداد شوية».. ربما كان يعنى متشددين، أو يعنى أنهم ميالون إلى العنف، خاصة أن الأنباء كانت تواترت عندئذ عن مقتل النقراشى باشا، رئيس الوزراء، واللواء سليم زكى، حكمدار العاصمة، على أيديهم.

دعانى لطفى فطيم إلى بيته حيث أطلعنى على بعض المنشورات المكتوبة بخط يده، وكان أحدها قاموسا فى ألفاظ السباب، لعن فيه خاش الملك والحكومة والإنجليز جميعا، يومها طلب منى أن أعاونه فى نسخ المنشورات بخطى لأن الشرطة أصبحت تعرف خطه جيدا، وعندما تهربت طلب منى أن أعاونه فى توزيعها على الأقل، وبدت لى المهمة أكثر إثارة.

قال إنه يعرف أننى أصلى الجمعة فى مسجد قريب من البيت، ولكنه يطلب منى أن أصليها فى الأسبوع التالى فى مسجد السيد البدوى الحاشد عادة بالمصلين؛ لكى نوزع فيه منشورات معادية للملك.

ذهبت إلى منزله صباح الجمعة، حيث شحنت حزمة من المنشورات داخل سترتى، وفعل هو الآخر الشىء نفسه، وذهبنا إلى المسجد، توجه هو إلى الطابق الأرضى وطلب منى التوجه إلى الطابق العلوى، وقال: «عندما تنتهى الصلاة ويبدأ المصلون فى التسليم أقذف المنشورات من أعلى إلى صحن المسجد بعد أن يلتفت الناس بالسلام إلى جانبهم الأيمن وقبل أن يلتفتوا للتسليم إلى يسارهم، وهرول إلى أسفل تجاه الباب دون أن تجرى»، وتمت المهمة بنجاح، وكنت أشعر بسعادة بالغة وأنا أرى المنشورات تتطاير مع الريح الخفيفة فى صحن المسجد كما لو كنا فى كرنفال.

كانت تعليمات لطفى أن يتحاشى كل منا أن يلتقى الآخر لأسبوع كامل، ولكننى شغلت عنه سنوات طوالا كان قد طلق خلالها النشاط السياسى وسافر إلى الخارج، ربما إلى هولندا، وعندما عاد نجح فى ميدان نشر الكتب وتوزيعها، وأصبح أستاذا لعلم النفس فى الجامعة، وقد علمت مؤخرا أنه عاش فى السعودية نحو عشر سنوات توفى بعدها فى عام 1998.

أما المغامرة الأخرى التى ما أزال أختزن تفاصيلها فكانت أيضا أيام دراستى الثانوية، حيث علمت أن هناك صحيفة محلية تصدر فى طنطا باسم جريدة الإخلاص، وكان صاحبها ورئيس تحريرها هو الأستاذ محمد عبدالسلام شتا.

ذهبت إلى الأستاذ عبدالسلام فى الجريدة، وكانت فى حارة خلف قسم أول طنطا، يومها كان الرجل رابضا خلف مكتبه، ورحب بى ببعض المبالغة، وطلب منى أن أجمع أخبارا من هنا وهناك وآتى بها إليه بعد أسبوع، لكنه حذرنى من أنه سيكون من الصعب القيام بهذا العمل إلَّا لو أعطانى بطاقة صحفية، وقال إن لديه نوعيْن من البطاقات، أحدهما «عادى» والآخر «لوكس».

اخترت اللوكس على الرغم من أن ثمنها كان أربعة جنيهات، هى كل ما كان فى حصالتى، وحصلت على ما يثبت أننى أصبحت (مراسلا صحفيا)، أذكر أننى ذهبت إلى الإسكندرية فى ذلك الصيف، وعندما كنت أدخل إلى بلاج سيدى بشر نمرة 2 الخاص، كنت أبرز الكارنيه اللوكس وأقول بصوت عالٍ: صحافة، فيسمح لى بالدخول دون أن أدفع الرسوم، وكنت أحس بزهو عظيم.

فى ذلك الوقت كان هناك جدل محتدم فى البرلمان حول ترميم اليخت الملكى (المحروسة) فى إيطاليا، وكانت الحكومة خصصت لهذا الغرض مليون جنيه، وهو الأمر الذى استفز نواب المعارضة، وخاصة المحامى الكبير مصطفى مرعى بك، والذى قدم استجوابا فى هذا الشأن وألقى خطابا ناريا قال فيه كلمته الشهيرة: «اليخت ملك فاروق وليس ملكا للدولة فلماذا تتكلف الدولة بتصليحه؟»، وقد تأثرت كثيرا بالخطاب فكتبت مقالا على خطى مرعى نفسها، وتسللت به فى المساء إلى المطبعة وقمت بدسه فى الصحيفة بعد أن خدعت (المطبعجى) فى وردية الليل.

حلت الكارثة بالإخلاص، وأغلقت الصحيفة، وألقى القبض على محمد عبدالسلام شتا فى قسم أول، ولكن سرعان ما دبر أمره، فأفرج عنه خلال ساعات.

عندما اقتربت امتحانات التوجيهية (الثانوية العامة) تبدلت الأحوال، مرض والدى مرضا شديدا اضطر معه للعلاج فى مستشفى الجمعية الخيرية فى القاهرة، أما أمى فقد أرهقها السفر بين طنطا والقاهرة، واضطربت أحوال البيت، وكنت أنا وإخوتى فى غم دائم، فأنهيت الامتحان بصعوبة، ولم أحصل سوى على 60% بالكاد.

كانت صدمة قاسية للعائلة التى كانت تتوقع لابنها المتفوق دائما أن يدخل الطب، ويلبس البالطو الأبيض وينادونه: «يا دكتور».

1952 ــ 1956

قادنى مجموعي فى الثانوية العامة إلى واحد من اختيارين؛ إما كلية العلوم وإما معهد الكيمياء الصناعية، وكان أبى يتكهن بأن للتعدين والبترول مستقبلا كبيرا فى مصر؛ ولذلك رجح كفة كلية العلوم، بل وقال: «اعمل حسابك من الآن، عندما تبدأون فى التخصص، فسوف تدرس فى قسم الجيولوجيا»، وكانت كلية العلوم المتاحة هى علوم الإسكندرية.

كانت نقلة ثقيلة فى حياتى من البيت الدافئ إلى المجهول، سافرت مع والدى إلى الإسكندرية، وكان لنا هناك أقارب يعيشون فى حى فيكتوريا، طلب والدى منهم أن يساعدونا على إيجاد مسكن لى يفضل أن يكون «مع ناس طيبين»، واهتدينا إلى عائلة يونانية، كانا زوجين فى الستينيات من عمرهما، وكانت الشقة نظيفة، فاتفقنا مع الرجل على السكن والإفطار مقابل 12 جنيها فى الشهر، واشتركت فى مطعم مجاور للكلية لتناول الغداء فيه مقابل أربعة جنيهات أخرى.

أذكر أننى اشتريت كتبا كثيرة، وكان معظمها بالإنجليزية، وكنت أستغرق فى الدراسة إلى حد أنه لم يكن يغرينى فى المدينة الكبيرة شئ سواها، ولم يكن لى بعدُ أصحاب ولا رفاق أزورهم ويزوروننى، وداهمتنى نوبات من الصداع لم أكن أعرفها من قبل، ولم يمضِ شهران حتى استولى علىّ شعور جارف أن أعيد امتحان التوجيهية وأحصل على مجموع أستعيد به كرامتى وسط أقرانى وأعيد به البهجة إلى الأسرة، وأظن أن هذا كان دافعا مهما لعودتى إلى طنطا، وأعتقد أن أبى وأمى لم يمانعا فى ذلك بل ربما كانا يحبذانه.

بدأت أجمع كتب التوجيهية مرة أخرى وأعد نفسى للامتحان، إلَّا أن نوبات الصداع كانت تتكرر بسرعة أكبر وحدة بالغة، ولم أكن أستطيع القراءة أكثر من دقائق معدودة، وظن الجميع فى بداية الأمر أننى أحتاج إلى نظارة طبية ولكن نظرى كان سليما، وهكذا صحبنى أبى إلى القاهرة حيث طفنا بأطباء فى كل التخصصات عدا أمراض النساء والأطفال.

وهكذا قفلنا عائدين إلى طنطا ونحن فى حيرة، والصداع لا يزال على حاله، وكان التفسير المنطقى الذى توصلت إليه صديقات أمى بعد أن أمضين معها يوما كاملا يبحثن فيه الأمر هو أن «الولد معمول له عمل».

وهكذا جىء برجل معمم إلى البيت، وأعدت له غرفة مظلمة وحده، خرج منها بعد ساعة ليعلن على الجميع أن الولد معمول له عمل فعلا، وأن هذا العمل مدفون فى الحقول المجاورة لمستشفى طنطا الأميرى، وأننا يجب أن نخرج فى اليوم التالى فى الفجر لنبحث عنه ونبطل مفعوله، وعندما جاء الرجل بالحنطور مع أول خيط من خيوط النهار نزلت إليه مع أبى الذى كان ممتعضا امتعاضا شديدا لتورطه فى كل هذه الرواية، لكنه حاول إخفاء شعوره، وتوقف الحنطور بنا بجانب سور المستشفى، ونزل الرجل معصوب العينين ونحن وراءه، وعندما أمسك بالسور بيده، خطا ثلاث خطوات عدَّها بحرص، ثم توقف وخلع منديله من فوق عينيه ونادى على واحد من الفلاحين الذين كانوا يعملون فى الحقل بالقرب منا: «افحت هنا يا جدع»، وإذا بخرقة ملفوفة فى قطعة من القماش القذر تظهر من باطن الأرض فيتلقفها الرجل بيده متلهفا كما لو كان قد وجد كنزا.

عاد بنا الحنطور إلى البيت، حيث طلب الرجل طشت غسيل مليئا بالماء، ونثر فيه كثيرا من الملح وهو يقرأ القرآن ويفك اللفافة بيديه، حتى ظهرت بداخلها ورقة ملفوفة بعناية فقال الرجل إنها العمل، وعندما هَمَّ بإلقاء الورقة فى الماء أطبق والدى على يده، وصمم على أن يقرأ ما فى الورقة، حاول الرجل أن يقنع والدى بأن من يلقى نظرة واحدة على العمل تعمى عيناه، ولكن والدى لم يتراجع، وقد ازداد إعجابى لحظتها به، ولم أكن أتخيل أنه يخفى وراء وجهه السمح كل هذه القوة والحزم، وبدأ والدى فى قراءة الورقة، ولم يجد مكتوبا فيها سوى آيات من القرآن فتساءل: كيف يجلب كتاب الله الضرر؟ وفوق هذا وذاك لم يجد ذكرا لاسمى فى الورقة، فطرد الرجل شر طردة، ومنذ ذلك الحين وأنا لا أصدق الدجالين أو أتعامل مع العرافين.

وعندما اشتد بى الصداع، وكانت حدته قد وصلت إلى درجة أننى لم أكن أستطيع النوم إلَّا بصعوبة، ولم تنفع المهدئات أو المنومات، فنصح عمى أبى أن أدخن سيجارة عندما أدخل سريرى، فربما دارت بى رأسى ونمت، وهكذا كانت أول سيجارة فى حياتى هى تلك التى أوقدها لى عمى بينما كان أبى واقفا إلى جواره، ولم أنم ليلتها، ولم أقلع عن التدخين منذ ذلك الحين.

فاتنى الدور الأول من امتحانات التوجيهية ولم يكن قد تبقى على الدور الثانى سوى شهرين اثنين، لكنهما كانا كافييْن مع دأبى وإصراري، ودخلت الامتحان، وأهلني مجموعي بـ 74.5% لدخول كلية طب قصر العيني، فعم الفرح الأهل والمعارف، وبدأت فى الاستعداد للرحيل إلى القاهرة.

زملائي الكبار

أذكر من زملائي في مدرسة طنطا الثانوية الجديدة: جمال بدوى وعمرو موسى.. جمال أصبح فيما بعد صحفيا لامعا وكاتبا كبيرا وكنت أعتبره واحدا من أفضل من تحدثوا على شاشة التليفزيون وهو يروى كحكاء بارع قصصا مثيرة من التاريخ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هناء1
عضو ذهبى
عضو ذهبى


عدد المساهمات : 378
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: «الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»   الأربعاء 29 يناير - 14:06

«الشروق» تنشر مذكرات الإعلامى الكبير حمدى قنديل: «عشت مرتين» (2)
حمدى قنديل: وقفت مع ياسر عرفات على هضبة فى اليونان وحاول إقناعى أنه يرى فلسطين
لقاء بين الإعلامي حمدي قنديل والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات
إعداد ــ إسماعيل الأشول

فى الحلقة الأولى من مذكرات الإعلامى الكبير حمدى قنديل، والصادرة عن دار «الشروق» بعنوان «عشت مرتين»، تابعنا كيف تعثر فى دراسته فى كلية العلوم بالإسكندرية، وعودته إلى طنطا مقررا العودة لدراسة مواد «التوجيهية» بهدف الحصول على مجموع يؤهله لدخول كلية الطب.

وفى هذه الحلقة نتابع مع صاحب هذه المذكرات، سطورا من حياته وهو طالب فى كلية الطب، وبعضا من حكاياته الممتدة عن أهل الفن والسياسة والإعلام فى مصر والعالم.

• رفضت أشرب من «الجوزة».. وعاندت لأثبت للجميع أن «الأفندى» لا يهزه الحشيش وبعدها تهت فى حوارى القلعة

أضعت فى اكتشاف القاهرة كل ما كان يسمح به المصروف الذى كان يعطيه لى والدى، وكان عشرة جنيهات فى الشهر، وهو مبلغ معتبر يمكن أن يكفى كل صنوف التسلية البريئة، والواقع أننى لم أجرب غيرها من صنوف التسلية سوى مرة واحدة، كان ذلك عندما دعانى أحد الزملاء فى الكلية إلى سهرة فى القلعة، وصارحنى أننا سندخن ليلتها «أجدع حشيش فى مصر»، ولم أمانع، لكننى لم أشعر براحة تجاه المكان الذى قصدناه وكان قبوا فى بيت متهالك، ولا بالجالسين حولى، كما أننى استنكفت أن أدخن «الجوزة»، ويبدو أن أحدهم لاحظ ذلك فنادى بصوت عالٍ ساخرا: «يا اخواننا لفوا سجاير للأفندى».

عاندت لأثبت للجمع أن «الأفندى» لا يهزه الحشيش فدخنت بدلا من السيجارة ثلاثا، ولكننى عندما غادرتهم مبكرا ضعت فى مسالك القلعة وحواريها وأنا أبحث عن محطة الأوتوبيس، ولم يكن هذا ما أزعجنى، وانما ما أزعجنى حقا هو الشعور بأن هناك أحدا يطاردنى، تملكنى جبن شديد لم أعرف كنهه، وكان هذا كافيا كى لا أعاود الكرَّة مرة أخرى.

وفى أحد الأيام التقيت إبراهيم مصطفى رائدنا السابق فى جمعية الشبان المسلمين، فأخذنى معه إلى بيت المهندس مصطفى مؤمن فى شارع قصر العينى، وكان زعيم طلبة الإخوان المسلمين فى جامعة القاهرة فى الأربعينيات، وهناك حضرنا ندوة لمناقشة كتاب أحمد بهاء الدين الذى كان صدر حديثا «النقطة الرابعة تعنى الحرب» (النقطة الرابعة هو برنامج مساعدات أمريكية أطلقه ترومان عند توليه الرئاسة فى 1949)، واستكملنا مناقشة الكتاب بعدئذ فى ندوة أخرى، وقد ألهبت هذه المناقشات عدائى لأمريكا، ليترسخ لديَّ اعتقاد بأنها وراء معظم المصائب فى مصر، وأنها تحرك كثيرا من الخيوط من وراء الستار.

• تظاهرت دعمـًا لمحمد نجيب بعد إقالته..وإزداد حنقى على الحكم بعد اعتقال إحسان عبدالقدوس

مع نجيب

استغرقت جولاتى هذه أشهرا قليلة لم أخرج منها بنتائج جلية حتى جاء مارس 1954 عندما حدثت الأزمة المعروفة بين محمد نجيب ومجلس قيادة الثورة، وكنت من بين أولئك الذين يناصرون محمد نجيب لأنه ـ على ما فهمت ـ كان هو من ينادى بعودة الجيش إلى ثكناته، وتشكيل حكومة برلمانية، فى حين كان الآخرون يصرون على البقاء فى السلطة، وكان نجيب رمز الثورة لدى الكثيرين، وعندما صدر القرار بإقالته خرجت من الجامعة مظاهرات استمرت عدة أيام.

فى أحد هذه الأيام وصلنا إلى كوبرى قصر النيل فطاردتنا الشرطة واعتقلت الكثيرين، ولكننى استطعت النجاة مع البعض عندما سارعنا بالعَدْو تجاه فندق شبرد، واختبأنا فى جراج عمارة الشمس المجاورة له؛ حيث استتر بعضنا داخل السيارات والآخرون تحتها أو خلفها، وظللنا فى هذا المخبأ ساعات حتى تأكدنا أن الشرطة غادرت المكان عندما صاح ضابط فى الخارج: «حارجع لكم تانى يا ولاد الكلب».

• حصلت على درجتين من مائة فى الكيميا العضوية.. فحبست نفسى شهرين بعدما حلقت شعرى «على الزيرو»

وزاد حنقى على الحكم بعد اعتقال إحسان عبدالقدوس، ولم أفهم كيف تعتقل الثورة ذلك الرجل الذى كشف الأسلحة الفاسدة، ولكننى كنت أحاول على الدوام الاهتمام بالدراسة، وغالبا ما كنت أفشل، وكان مصيرى المحتوم الرسوب فى كل المواد، وأذكر أننى حصلت فى إحداها على صفر، أما فى الكيمياء الحيوية، وكان كتابها يزيد على 300 صفحة باللغة الإنجليزية، فلم أستطع الإجابة سوى على فقرة واحدة من سؤال بين أسئلة الامتحان الخمسة، وكان السؤال على ما أذكر حول تركيب غاز الأوزون، ونلت مقابل هذه الإجابة درجتين اثنتين من مائة درجة.

لم تصدمنى النتيجة كثيرا، وقررت العودة إلى طنطا، وحلقت شعرى «على الزيرو» وحبست نفسى فى المنزل لم أغادره لمدة شهرين فاستطعت بذلك اجتياز امتحانات الدور الثانى، ونقلت إلى سنة أولى طب، أى إلى دراسة الطب الحقيقية فى قصر العينى.

فى خريف 1955 بدأت الانشغال بالمجلة التى كانت الكلية على وشك إصدارها، وبدأنا العمل باختيار الطلبة والأساتذة الذين سيكتبون المقالات أو يجمعون الأخبار والمعلومات، وأخذنا ننقب فى تاريخ الكلية ونبحث عن خريجيها البارزين الذين تولوا مناصب مهمة وما زالوا على قيد الحياة، وجمعنا قدرا كبيرا من الصور الفريدة.

احتفلت أخبار اليوم معنا عندما انتهت طباعة المجلة، وانضمت إلى الاحتفال زميلتنا سميحة النجدى التى تصدرت صورتها الغلاف، وقد توفيت فى ريعان شبابها بعد تخرجها بسنوات، وكانت آية فى الجمال والخلق، أما أنا فقد كدت أطير فرحا بنشر مقالى فى المجلة (بقلم حمدى قنديل) تحت عنوان «ذئاب ونعاج فى الجامعة»، وكان يدور حول العلاقة بين الطلبة والطالبات، الموضوع الذى شغل بالى كثيرا، وعندما اطلعت على المقال مؤخرا هالنى ما فيه من سطحية.

قبل فجيعة الامتحان، وكنا وقتها فى عام 1956، واجهتنا فجيعة أقسى، إذ جاءنا الدكتور ناصح أمين ينقل لنا النبأ الصادم أن إدارة الكلية قررت مصادرة المجلة؛ بدعوى أننا تطاولنا على الجامعة وأساتذتها، وكنا بالفعل قد انتقدنا الأساتذة ولكننا لم نتطاول عليهم، لهذا رجحنا أن يكون سبب المصادرة هو مقال محمد العزبى، وكان مقالا ملتهبا عن الكفاح الوطنى لطلبة الطب عبر الزمن، أو أن يكون أصحاب العيون والآذان المفتوحة قد علموا أننا من أنصار محمد نجيب.

فى براغ

إلى يمني سليمان إدريس «بالنظارة» وإلى يساري صبري أيوب أثناء استقبالنا في براغ لحضور مؤتمر اتحاد الطلبة الدولي (1956)

بعدها بأيام نادانى صبرى أيوب إلى الملاعب ليحدثنى فى أمر قال إنه مهم: «أنا على صلة باتحاد الطلبة العالمى فى براغ IUS كما تعرف، وسيعقد الاتحاد مؤتمره السنوى هذا العام فى المدينة نفسها، وهم يواجهون أزمة مع السلطات المصرية التى ترفض مشاركة طلبة من مصر فى مؤتمر تعقده منظمة يسارية» على الرغم من أن عبدالناصر كان قد عقد صفقة الأسلحة التشيكية الشهيرة فى العام السابق، أى فى عام 1955، وعلى الرغم من وقوفه ضد سياسة الأحلاف العسكرية الغربية فقد كان حذرا من تسلل الخطر الشيوعى إلى مصر فى ذلك الحين، وهكذا رفضت سلطات الأمن مشاركة مصر فى المؤتمر.

اتصل بى صبرى ذات يوم وسألنى إذا ما كنت أستطيع المرور عليه فى المساء، وعندما ذهبت إليه كان لديه ضيف أجنبى هو رئيس اتحاد الطلبة العالمى (يورى بليكان)، وهو تشيكى أصبح فيما بعد رئيسا للتليفزيون، تكلم بليكان طويلا عن الاتحاد وعن المؤتمر وودعناه بعد أن وعدناه بالحضور، كذلك وعدناه بأن ننسق، كما طلب، مع ياسر عرفات الذى أبلغنا فيما بعد بأنه سيحضر المؤتمر هو الآخر.

لم يكن ياسر عرفات شخصية معروفة عندئذ، كان مجرد طالب مثلنا يدرس فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وإن كنا قد اجتمعنا به من قبل فى ندوة عقدت فى مقر اتحاد الطلبة الفلسطينيين باعتباره رئيسا للاتحاد.

بعد مقابلة بليكان، أعلن عبدالناصر عن تأميم قناة السويس، وتأزمت العلاقة مع الغرب، ومع ذلك ظل رفض الجامعة للمشاركة فى المؤتمر على ما هو، وهكذا بدأنا نتشاور حول تشكيل وفدنا، واتفقنا على أن نصطحب معنا زميلنا سليمان إدريس (الذى أصبح زعيما نقابيا فى شركة الحديد والصلب فيما بعد) واقترحت أن نضم طالبة إلينا أيضا، فرشح صبرى سناء فتح الله (الناقدة المسرحية الكبيرة فيما بعد)، وكانت تتدرب فى دار أخبار اليوم عندما كنا نطبع المجلة، وكثيرا ما كانت تعاوننا فى إعدادها اتصلنا بسناء فوافقت على الفور، وهكذا بدأنا التحضير للسفر الذى اتفقنا مع ياسر عرفات أن يكون عن طريق أثينا.

بحرًا إلى اليونان

في إحدى جلسات المؤتمر، الصف الأول من اليسار: ياسر عرفات وصلاح خلف وزهير العلمي .. الصف الثاني من اليسار: سناء فتح الله وأنا وصبري أيوب وسليمان إدريس

حجزنا السفر بالبحر بالباخرة التركية (إسكندرون)، وقبل أن نستقل القطار جميعا من أثينا فى اليوم التالى اقترح ياسر عرفات أن نزور الأكروبول فذهبنا معا إلى حيث يقع هذا المعبد الشهير فوق هضبة عالية (اسمه باليونانية يعنى الهضبة العالية).

من فوق الهضبة أخذ عرفات يحدق طويلا من خلال نظارة معظمة ثم نادانى، ولما اقتربت طلب منى أن أثبت عينى فى النظارة وسألنى: «هل ترى فلسطين؟».. فلسطين؟! فلسطين تبعد عن هنا مئات الكيلومترات يا ياسر.. قال عرفات: «ولكننى أراها بوضوح، بل إننى أرى قبة الصخرة تلمع»، عندما سددت النظارة إلى الوجهة التى حددها لم أتبين شيئا سوى مياه البحر على مدى البصر، وظللت سنوات بعد أن بدأ اسم عرفات يلمع فى أواخر الستينيات حائرا بين ظنونى، فإما أنه خيل إليه بالفعل أنه رأى فلسطين لشدة تعلقه بها، وإما أنه قد بدأ يلعب دور السياسيين الذين يبيعون الأوهام للناس ويلعبون بعواطفهم.

كانت رحلة ممتعة بالقطار استقبلنا بعدها فى محطة براغ استقبال الفاتحين، وقدمت لنا باقات الزهور، وعندما تقدمنا صبرى وسط جمع من البنات والصبية الذين كانوا يلوحون بأعلام مصرية وفلسطينية صغيرة بدا كما لو كان رئيس دولة، خاصة أنه كان الوحيد بين القادمين والمستقبلين الذى يلبس بدلة بصديرى تتدلى منه سلسلة ساعة، ولما افتتح المؤتمر وجاء دور صبرى ليلقى كلمة مصر تكرر المشهد ودوت القاعة بالتصفيق والهتاف لناصر ووقف الأعضاء جميعا تقديرا واحتراما، أما أنا وسناء وسليمان فقد سالت من مآقينا الدموع، ذقت منذ ذلك الحين معنى الاعتزاز ببلدى وبنفسى كمصرى.

في نزهة نيلية إلى القناطر الخيرية (1955)

زملاؤنا السوفييت

لم نكن على أى حال فى حاجة لبذل جهد لاستخراج تأشيرة أو استصدار تذاكر سفر فقد قام زملاؤنا السوفييت بترتيب كل شىء على نحو دقيق، وسافر وفدنا بالقطار إلى موسكو حيث استقبلنا استقبالا أكثر تواضعا من ذلك الذى وقع فى براغ وإن لم يقل دفئا وحماسا، كانوا يسموننا وفد ناصر، وربما لهذا استضافونا فى فندق لا يليق إلا بالوزراء ومن على شاكلتهم، والحق أن كل فنادق موسكو الكبرى كانت عندئذ أشبه بالقصور.

فى موسكو كان أول بند فى البرنامج بعد الذهاب إلى مسرح البولشوى (أى المسرح الكبير باللغة الروسية) هو زيارة إذاعة موسكو (أظن أن اسمها عندئذ كان: صوت روسيا)، هناك استضافونا فى القسم العربى، وأجروا حديثا مع كل منا حول تأميم القناة وحول مؤتمر براغ وكذلك حول الثورة المصرية.

كانت هذه أول مرة يخرج فيها صوتى على موجات الأثير، ولم أكن أعلم عندئذ أننى سأعمل فى الأستوديوهات بقية عمرى، ولا كنت أعلم أن الشاب الذى جلس معى نحتسى الشاى إلى أن ينتهى صبرى وسناء من التسجيل سيصبح بعد سنوات وزيرا لخارجية روسيا ثم رئيسا لحكومتها فى عهد يلتسين، كان الشاب هو يفجينى بريماكوف»، الذى كان يعمل بالقسم العربى فى الإذاعة عندئذ، فى المساء جاءنا المترجم إلى الفندق، وهناك أبلغنا أن الإذاعة تعرض علينا نحن الثلاثة العمل بها، وافق صبرى على الفور، ورفضت سناء دون تردد، أما أنا فقد استمهلته حتى الغد لأتخذ قرارى.

طمأننا صبرى أنه لن يباشر العمل إلَّا بعد سفرنا، أما أنا فظللت غارقا فى الصمت، كل ما كان يشغل بالى هى الزيارة التى قررت أن أقوم بها فى الصباح للسفارة المصرية.

ذهبت دون موعد، وطلبت مقابلة سفيرنا الشهير محمد عوض القونى الذى استقبلنى بعد انتظار قصير، فرويت له قصة وفدنا وأخبرته بالعرض الذى تلقيناه، وبأننى راغب فى العمل فى الإذاعة عدة شهور ولكننى أريد أولا استئذان السلطات المصرية، كان هذا هو القرار الذى توصلت إليه خاصة بعد أن زاد إعجابى بعبدالناصر بعد تأميمه للقناة، وأيقنت أنه لا يمكننى العمل بدون إذن والاصطدام مع النظام، أثنى القونى على قرارى، وقال إنه سيبلغ القاهرة بالأمر وسيفيدنى بعد ذلك بالرد.

• تلقيت عرضـًا وأنا فى موسكو للعمل فى «الإذاعة».. فطلبت الإذن من القاهرة فجاء الرد: خالك بيقولك إرجع حالا

كان قد مضى على إقامتنا فى موسكو ثلاثة أسابيع، والآن علىَّ أن أرحل، كان السفير القونى قد تلقى ردا على رسالته من القاهرة، وكان الرد موجزا للغاية: «خالك بيقولك: عد فورا إلى القاهرة»، كان خالى المقدم صادق حلاوة يشغل المنصب المناسـب لطلبى بالتحديد، كان رئيس قسم مكافحة الشيوعية فى وزارة الداخلية!

• حملت المدفع الرشاش وأنا عائد للبيت وكنت أشعر بالرجولة الكاملة

العدوان

فى القاهرة كانت تهديدات الغرب قد تصاعدت، وبدأ التلويح بالعدوان على مصر، وهكذا التحقت بالحرس الوطنى ضمن الكتيبة التى بدأ تشكيلها فى قصر العينى، وقد تقاطر الأساتذة والطلبة للانضمام إلى الكتيبة، وبدأ التدريب بشكل يومى لنحو ساعتين، ووزعت علينا فيما بعد مدافع رشاشة، وأذكر أننى فى أول يوم حملت فيه مدفعى وأنا عائد إلى البيت شعرت بالرجولة الكاملة وبالمسئولية الكاملة أيضا، وكان كثيرون غيرى يحملون مدافعهم وبنادقهم فى الشوارع، لم تكن الثورة تخشى شعبها.

وقبل العدوان الثلاثى بأيام تم توزيع معظم فرق الحرس الوطنى فى البلاد على مواقعها، وكان الموقع الذى خصص لفصيلتى فى القاهرة مجاورا لحى المرج، وكنا نقضى الليل فى المزارع مختبئين فى قنوات الرى أو تحت الشجر نعين أنفسنا على البرد بالشاى الذى كان يجىء به أهل الكفر المجاور فى براد، ما إن يفرغ حتى يأتونا بغيره.

كانت مهمتنا أن نقاوم أى إنزال محتمل للغزاة بالمظلات وأن نخبر بذلك ثكنة عسكرية غير بعيدة عنا، وقد أمضينا هناك نحو عشرين يوما، ولكننا لم نصادف سوى حادث واحد عندما هبط طيار بالمظلة إثر سقوط طائرته المغيرة على بعد كيلومتر منا، وهكذا هرعنا جميعا تجاهه عدا واحد فقط من مجموعتنا ظل يهتف بحماس: ««روحوا.. ربنا معاكم.. أنا حاحرس لكم هنا البطاطين» وقد أصبنا بخيبة أمل كبيرة عندما وصلنا إلى مكان هبوط الطيار فإذا به قد اختفى بعد أن ألقى الفلاحون القبض عليه وقيل إنهم سلموه للجيش.

إلى يميني شقيقي ماجد وإلى يساري عاصم (2006)

كانت أمى قد أصيبت بالسرطان قبل وفاتها، ولكنها ظلت تصارعه بشجاعة وإصرار وكذلك بتفاؤل مذهل أكثر من خمس عشرة سنة، وكانت مقبلة على الحياة على الدوام تماما كما كانت قبل أن يطالها المرض اللعين.

والواقع أنها لم تكن مرضت من قبل سوى لعدة أشهر فى منتصف الخمسينيات عندما أصيبت بنوبة ربو عندما كنا نعيش فى طنطا، وهكذا نصحها الأطباء بالسكن فى منطقة جافة، فكان قرار العائلة بالانتقال إلى القاهرة حيث كنت أدرس فى قصر العينى وماجد يدرس فى الحربية، وكان والدى قد ترك تعليم البنات ورقى ناظرا لمدرسة المحلة الكبرى الثانوية، ولم يكن قد تبقى على إحالته للمعاش سوى عدة شهور.. وكانت المفاضلة بين حلوان أو مصر الجديدة، فرجحت كفة مصر الجديدة فى النهاية..

كانت مصر الجديدة فى منتصف الخمسينيات ضاحية جميلة هادئة، تم تخطيطها منذ بداية إنشائها وفقا لاشتراطات عمرانية صارمة، وكانت تتميز بمبانيها المتناسقة ذات الطرز الإيطالية والعربية.

ولو كان هناك منا من لم يذهب إلى مصر الجديدة وقتها لكفاه أن يشاهد عبدالحليم حافظ وهو يسير فى شوارعها فى فيلم الوسادة الخالية الذى صور هناك فى الوقت الذى انتقلنا فيه إليها.. ولايزال هناك حتى الآن شواهد على المعمار القديم ماثلة فى كنيسة البازيليك، وفندق هليوبوليس هاوس الذى أصبح يسمى قصر الاتحادية، وهناك أيضا جروبى والأمفتريون، وكذلك قصر البارون ذو المعمار التايلندى.

ولم يكن مترو مصر الجديدة وسيلة مواصلات مثلى فقط للسكان، بل إنه كان العامل الذى اجتذب الكثيرين مثلنا للسكن فى هذه الضاحية، وكان بالإضافة إلى ذلك يستخدم بغرض النزهة، وكانت عرباته التى صنعت فى بلجيكا نظيفة ومواعيده نموذجا للدقة كما أن ركوبه كان مجانيا فى أيامه الأولى، ولا بد لمن يتذكر أن البارون إمبان الذى أنشأ ضاحية مصر الجديدة منذ أكثر من مائة سنة قد مد خطوط المترو ليشجع الأهالى على السكن فى الحى، أن يتساءل اليوم: كيف فات على كل المسئولين فى مصر من بعد أن يمدوا خطوطا للمترو إلى مناطق مثل الشروق ومدينتى والرحاب؛ حتى تيسر الحياة على سكانها وتجتذب آخرين للخروج من قمقم القاهرة؟

• يعرف سكان مصر الجديدة من عاثوا فيها فسادًا .. دمروا القصور القديمة لتبنى مكانها عمارات لوزراء مبارك وأعوانه وأنجاله

مصر الجديدة

ولكن السؤال الأول هو: كيف تدهور حال مصر الجديدة على النحو الذى نراه الآن؟ لا شك أن الزيادة السكانية الهائلة قد تكون العامل الأهم، لكن الذى خرب مصر الجديدة فعلا هو الفوضى التى اجتاحت مصر كلها فأتاحت للكل أن يضربوا بالقوانين واللوائح عرض الحائط، والفساد الذى شاع من قمة الحكم إلى قاع المحليات.

ويعرف سكان مصر الجديدة الأصليون، الكبار الذين عاثوا فيها فسادا، كما يعرفون الوافدين الجدد منهم بالاسم، ويعرفون ما دمروه من القصور القديمة لتبنى مكانها عمارات فارهة أصبحت سكنى لعدد من وزراء مبارك وأعوانه وأنجاله وأصفيائهم، وعلى الرغم من أن سوزان مبارك كانت حريصة على إقامة لمسات تجميل فى الحى هنا وهناك مثل منع مرور السيارات فى الكوربة كل يوم جمعة أو بناء مكتبة باسم الحى أو إقامة حديقة باسمها، فإن هذه كانت مجرد لمسات لتجميل البيئة المجاورة لقصرها، أو كانت استكمالا لديكور استقبالها مع الجوقة التى كانت تصاحبها فى المناسبات المعدة سلفا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هناء1
عضو ذهبى
عضو ذهبى


عدد المساهمات : 378
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: «الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»   الأربعاء 29 يناير - 14:07


الحلقة (3) من مذاكرات حمدي قنديل «عشت مرتين»
حمدي قنديل بمذكراته: ترشحت للانتخابات فى دمشق.. وطالبنى ضابط مصرى بالانسحاب «حتى لا ينالوا من الوحدة»(3).

الحلقة (3) من مذاكرات حمدي قنديل «عشت مرتين»
حمدي قنديل بمذكراته: ترشحت للانتخابات فى دمشق.. وطالبنى ضابط مصرى بالانسحاب «حتى لا ينالوا من الوحدة»(3)
نشر فى : الثلاثاء 28 يناير 2014 - 2:09 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 يناير 2014 - 5:53 م
سعد زغلول فؤاد يشعل سيجارته وراء مقود السيارة الفورد ومعنا الصحفيان المصريان محمد حمودة«إلى الأمام»وصلاح جلال «إلى في الخلف»..في دمشق - خاص الشروقسعد زغلول فؤاد يشعل سيجارته وراء مقود السيارة الفورد ومعنا الصحفيان المصريان محمد حمودة«إلى الأمام»وصلاح جلال «إلى في الخلف»..في دمشق - خاص الشروق
اعداد - إسماعيل الأشول

من أول تعيين له فى مجلة آخر ساعة وهو طالب فى الطب، مرورا بسفره للعمل فى سوريا وترشحه فى انتخابات «الاتحاد القومى»، ثم لقاءاته بالرئيس السورى بشار الأسد، تدور أحداث السطور التالية من مذكرات الإعلامى الكبير حمدى قنديل.

ظهرت نتيجة امتحانات ثانية طب فى المساء، ونقلت إلى السنة الثالثة وإن كان علىّ أن أدخل امتحان الإعادة بعد شهور فى التشريح والفسيولوجى، ولكننى قبل أن أذهب إلى البيت لأخبر العائلة بالنتيجة، توجهت أولا إلى أخبار اليوم لعلِّى أستطيع مقابلة الأستاذ مصطفى أمين.

لم تستغرق المقابلة سوى بضع دقائق وفوجئت به بعدها يطلب سكرتيره سليم فى التليفون ويبلغه بأننى سأعمل محررا فى مجلة «آخر ساعة» وأن مرتبى سيكون 15 جنيها شهريا.

بعد ذلك جاءنى زميلى محمد العزبى يبلغنى بأن هناك عرضا لكلينا من مجلة «التحرير» مقابل راتب قدره خمسة وعشرون جنيها.

كانت مجلة «التحرير» تصدر عن «دار التحرير للطبع والنشر» التى تصدر كذلك جريدة «الجمهورية»، وكانت الدار أنشئت عام 1953 لتتحدث بلسان الثورة، وكان رئيس تحرير المجلة هو المقدم عبد العزيز صادق، أحد أعضاء الصف الثانى فى «الضباط الأحرار»، ولم يكن تولى ضابط لمثل هذه المهام أمرا يلفت النظر فى تلك الأيام التى بدأ فيها الضباط يتسربون إلى الصحافة والإذاعة.

آه يا دمشق 1959 ــ 2011

طلب منى زميلى فى مجلة «التحرير» أسعد حسنى فى فبراير 1959 أن نلتقى مع نصوح بابيل نقيب الصحفيين فى سوريا وصاحب جريدة «الأيام»، ذهبنا إلى هناك وأنا على يقين أن أسعد رتب لى اللقاء حتى أجرى حديثا للمجلة مع الرجل، وأنه صاحبنى لأنه صديق له.

لم تستغرق المقابلة سوى وقت قصير للغاية، كل ما فهمته فى الدقائق الأولى أنه متحمس للوحدة بين مصر وسوريا، وبعدها دخل مباشرة فى الموضوع، جريدته كانت عريقة وشهيرة فى سوريا، وهو راضٍ عنها تماما، إلَّا أنه غير راضٍ عن إخراجها الصحفى؛ ولذلك فهو يعرض عليَّ أن أكون مسئولا عن ذلك، وفاجأنى الرجل بأنه يود لو أجبته فى الحال إذا كنت على استعداد للسفر معه إلى دمشق خلال الأسبوع نفسه.

أجبت بالإيجاب حتى قبل أن أعرف الراتب الذى سيعرضه؛ وعندما أخبرت أبى بالأمر سألنى سؤالا واحدا: «وما الذى ستفعله بدراستك؟» قلت إن زملائى سوف يوافونى بالكتب والمذكرات، ووعدت بالحضور إلى القاهرة لأداء الامتحان، كنت على يقين أن العائلة لن تمانع؛ فقد ربانى أبى وأمى على حب السفر، بل كانا يحرضانى عليه.



فى سنة 1958 كنت سافرت إلى سوريا، وكانت الوحدة وقتها قد أعلنت، وكان معى زميلى السابق فى كلية الطب صبرى أيوب نصيف.

فى اليوم التالى للزيارة تلقيت مكالمة تليفونية فى الفندق، قال المتحدث إنه المقدم طلعت صدقى من المكتب الثانى، أى مخابرات الإقليم الشمالى، وإنه يريد أن يقابلنى.

قال إنه يود أن يحدثنى فى موضوع مهم: «يا أخ حمدى لماذا تعملون وحدكم؟» لم أفهم السؤال، ولكنه استمر يسأل: «لماذا لا تستعينون بنا؟ هل تعتقدون أنه بعد أن تقضوا فى دمشق أياما معدودة فقط تستطيعون الحصول على المعلومات الصحيحة اللازمة؟».

بدأت مقاصده تتضح فنفيت أى صلة لنا بالمخابرات المصرية، فقال لى: «سواء كنتم تعملون للمخابرات المصرية أم لا، فسوف أعرض عليك الآن عرضا أرجو ألا تتحرج من رفضه على الفور لو أردت، أما إذا كنت تود أن تقدم لسوريا وللعروبة خدمة فسوف أكون شاكرا».

صمت برهة وصمت أنا الآخر، فاستطرد يقول: «تعرف مشكلة لواء الإسكندرونة»، قلت: «أعرفها.. هذه أرض سورية استولى عليها الأتراك»، قال: «ونحن نجاهد من أجل استردادها، ويعمل فيها رجالنا على الدوام، ولكن مجموعة منهم ألقى القبض عليه فى العام الماضى، وهم الآن يحاكمون، ولدينا رسالة مهمة يمكن أن تساعد على تبرئتهم، وهذه الرسالة نريد تسليمها إلى القنصل (السورى) فى إسطنبول».

ذكر لى اسم القنصل الذى لا يحضرنى الآن، وسألنى إذا ما كنت على استعداد لتوصيل الرسالة، أشهد أنه نبهنى بشدة إلى مخاطر المهمة، وأبلغنى بأن المخابرات التركية لو ضبطت الرسالة معى أثنـاء التفتـيش الدقيق على الحدود فربما يكون مصيرى الإعدام.

وافقت دون تردد، ولكننى قلت إن لى شرطا واحدا هو أن أبلغ السفير فى أنقرة، التى سأزورها بعد زيارتى لإسطنبول، قال: «افعل ما ترى.. المهم أن تصل الرسالة بسرعة».

فى اسطنبول

قدَّرت أنه مادامت الصحف العربية ممنوعة فى تركيا، فسوف تلفت المجلة نظر ضابط الجمرك، والأرجح أنه سيركز اهتمامه فيها، وبذلك لن يلتفت إلى المظروف، يا إلهى، هذا ما حدث تماما عندما بلغنا نقطة الحدود التركية، صادر الضابط المجلة ولم يفتش الحقيبة، أحمدك يارب، السؤال الوحيد الذى سأله لى الضابط هو ما إذا كان معى بن أم لا، وهو السؤال نفسه الذى وجهه لكل الذين معنا فى السيارة؛ إذ يبدو أن مهربى البن كانوا كثيرا ما يستخدمون هذا الطريق.

عندما وصلنا إسطنبول أخذت أعد الساعات حتى يأتى الصباح وأسلم الرسالة، كانت تعليمات طلعت صدقى ألا أتصل بالقنصل، وإنما أن أذهب إلى القنصلية فى الصباح كمواطن عادى وأطلب مقابلته، وسوف يكون مستعدا لاستقبالى، وهذا ما حدث، بعدها ذهبت إلى أنقرة وأبلغت السفير بالأمر.

منذ اليوم الأول عاملنى نصوح بابيل كأب لا كصاحب عمل، كان حريصا على راحتى الشخصية أولا، على سكنى وما إلى ذلك، بل إنه وفقا للعقد الذى وقعناه كان عليه أن يدفع لى مرتب شهر مقدما إلَّا أنه قال إنه ملتزم بوعده لكنه سيعطينى نصف المبلغ فقط خشية أن تضيع الفلوس فى «الكلام الفارغ» إذا ما تسلمتها دفعة واحدة، وقال إنه سيحتفظ بالباقى لديه إلى أن أطلبه وقت الحاجة.

حين غادرت الجريدة بعد انتهاء فترة عملى المؤقتة بها، شاءت الصدف أن ينطلق مشروع لصحيفة يومية جديدة فى دمشق هى جريدة «الجماهير» التى التحقت بالعمل بها بدعوة من القائمين عليها، وكان وراءها قطبان شهيران فى حزب البعث، د. جمال الدين الأتاسى ود. عبد الكريم زهور، وكان كلاهما يمثل جناحا ذا صبغة اشتراكية مميزة فى الحزب الذى أصدر قرارا بحل نفسه فى اليوم التالى لإعلان الوحدة، أى فى 23 فبراير 1958.

انتظم العمل، ولم يكن هناك ما ينغصنى سوى ذلك التوتر المكتوم بين مؤسسى الجريدة وبين عبد الحميد السراج الذى أصبح وزيرا لداخلية الوحدة ورئيسا للمكتب التنفيذى للإقليم الشمالى، وكان هذا التوتر يعكس فى حقيقته العلاقة المضطربة بين البعث والسراج؛ أقرب الضباط السوريين إلى عبد الناصر.

الانتخابات

أعلن وقتها عن إجراء الاتحاد القومى لأول انتخابات له فى دولة الوحدة التى كنت واحدا من الملايين المتحمسة لها، فقررت أن أرشح نفسى فى دمشق لمجرد أن أؤكد أن هذه الوحدة واقع وليس مجرد شعارات.

قدمت أوراقى إلى وزارة الداخلية كما هو مقرر، ولكن لم تمضِ أيام حتى اتصل بى ضابط مصرى شاب يعمل فى مكتب الاتصال المصرى فى الداخلية السورية، وهو المكتب المعنى بشئون المواطنين المصريين المقيمين فى الإقليم الشمالى، وطلب منى الذهاب إليه، وفى مكتبه فاجأنى عندما طلب منى سحب ترشيحى، عندما سألت عن السبب، قال: «أصارحك، أنت المصرى الوحيد الذى رشح نفسه فى سوريا، وإذا سقطت فى الانتخابات فسوف يستغل ذلك للنيل من الوحدة»، عبثا حاولت أن أجادل، فقد قال الضابط بحسم: «أمـامك 48 سـاعة لتقرر وإلَّا فإننا سوف نصادر بطاقتك الشخصية ونعتبر ترشحك لاغيا».

نشرت مقالا فى «الجماهير» حكيت فيه القصة بتفاصيلها، وفى اليوم التالى وصلنى إخطار رسمى بأن ترشيحى اعتبر لاغيا لأن «أوراقه ليست مكتملة»، وصودرت البطاقة.

لم تمضِ أيام حتى وقعت أزمة أخرى داخل الجريدة بسبب تحقيق صحفى قام بنشره صديقى الصحفى المصرى الشهير سعد زغلول فؤاد.

سعد لم يكن صحفيا فقط، لكنه كان أيضا فى طليعة الفدائيين فى حقبة النضال من أجل الاستقلال فى الأربعينيات والخمسينيات، وكانت له صولات وجولات على امتداد الوطن العربى كله، حكم عليه خلالها بالإعدام مرتين وأفلت من المشنقة، وقاتل إلى جانب الجزائريين أثناء ثورتهم، ورافق الفلسطينيين فى كفاحهم سنوات، وظل على الدوام نقيا صافى النفس لا يملك من الدنيا إلَّا ما يكاد يستره، حتى استراح من رحلته المضنية فى الحياة.

كلف سعد مع مصور الجريدة «سركيس بالجيان» بإعداد تحقيق صحفى حول انتخابات الاتحاد القومى، وبالفعل قدم التحقيق فى اليوم التالى، إلَّا أنه أسهب كثيرا فى التفاصيل حتى إن التحقيق تعدى الصفحة المخصصة له فاختصرت منه نحو فقرتين عند النشر.

جاء سعد فى المساء إلى مقر الجريدة فى حى «المهاجرين» على حافة جبل قاسيون فى دمشق، وكان مكتبى فى قاعة كبيرة أجلس فى جانب منها فى حين يجلس فى الجانب الآخر «إميل شويري» مدير التحرير.

وما إن أبلغت سعد بأننى قمت بالاختصار حتى ثار، كان يعتقد أن إميل هو الذى حذف ما حذف لأنه بعثى، ولأن التحقيق الصحفى شهد بنزاهة التصويت والفرز الذى أشرف عليه السراج عدو البعث، لم يصدق سعد أننى الذى قمت باختصار التحقيق، وفجأة قفز إلى الجانب الآخر من الغرفة ليبدأ بينه وبين إميل تلاسن حاد، انتهى بأن التقط سعد مطفأة السجائر من على مكتب إميل وقذفه بها فى وجهه، كان هذا آخر أيام سعد فى الجريدة.

إلى بيروت

بعد هذه الواقعة بأيام وصلنى مقال الدكتور جمال الأتاسى قبل أن أتناول إفطارى، فقد كان معتادا أن يرسل مقالاته بانتظام، كانت مقدمة المقال معتادة تعكس الأزمة المألوفة مع السراج ومع السلطة فى القاهرة التى كتب عنها الأتاسى مرات من قبل، ولكن اللهجة هذه المرة كانت حادة، بل إنها تصاعدت حتى قال الأتاسى فى نهاية المقال: «عندما توصلت مع أخى عبد الكريم زهور إلى تحليل المرحلة، والمخاطر الخارجية والداخلية، وسيادة عقلية كمال الدين حسين وعبد القادر حاتم وغيرهما فى إدارة المجتمع على النقيض من عقلية الرئيس عبد الناصر، وجدنا أن الحل الوحيد المتاح لنا هو الاعتصام بالصمت كتعبير عن الاحتجاج»، وهكذا صمتت «الجماهير» وتوقفت عن الصدور فى عام 1959.

قال سعد: «لا تحمل همّا.. سنسافر إلى بيروت».. كانت بيروت بالنسبة لى حلما لم أستطع تحقيقه طوال إقامتى فى دمشق، وكانت وقتها مركز السياحة والتجارة فى المنطقة، وقبل هذا وذاك منبر الصحافة العربية الحرة.

حزمنا حقائبنا، ووضعناهما فى سيارته «الفورد» العتيقة المكشوفة، وانطلقت بنا السيارة صوب الحدود اللبنانية عبر طرق جبلية يعرفها سعد جيدا، وعندما عبرنا الحدود إذا بالجو يمتلئ فجأة بأزيز الرصاص.

قال سعد: «لا تخش شيئا، هذه الطلقات هى تحية لقدومنا، فنحن الآن فى أرض لبنانية يقيم بها الدروز التابعون للشيخ شبلى أغا العريان، وهو ورجاله أصدقائى منذ كنت أهرِّب لهم السلاح فى العام الماضى عندما كانوا يقاومون الرئيس اللبنانى كميل شمعون الذى استدعى الأسطول السادس لضرب مصر وسوريا»، وهكذا واصلنا السير إلى قلب بيروت حيث أقمنا فى فندق متواضع صغير».

كان الفندق فى «ساحة البرج»، لم أعد أذكر اسمه، وكان أفضل ما يميزه أنه كان يقبل الزبائن دون حاجة إلى جواز سفر، أما أسوأ ما فيه فكان الغرفة التى أعطوها لنا، فقد كان فى الغرفة سرير ثالث خال ولكنه شغل فى اليوم التالى بزبون جديد كان شابا أمريكيا فى عمرنا.

فى المساء أخذنى سعد إلى شرفة الغرفة المطلة على الساحة وهو بادى الغضب.. قال: «الواد ده CIA، لازم نمشى».. عذرته، إذ كان قد قضى الكثير من أيامه مطاردا فقلت: «فى كل الأحوال أنا لا أستطيع البقاء معه تحت سقف واحد.. رائحة جواربه تقتلنى».

عدت إلى دمشق بعد نحو عام من هروبي؛ حيث كنت موفدا من تليفزيون القاهرة لمدة أسبوع أقرأ فيه نشرات الأخبار فى تليفزيون دمشق، وكان زملاؤنا السوريون يأتون هم الآخرون إلى القاهرة بين وقت وآخر تنفيذا لبرنامج التبادل بين المحطتين.

بشار الأسد

أصبح لى هناك أصدقاء سوريون لا حصر لهم، وأذكر طلال الزين، وهو واحد من أكبر ملاك ناقلات الغاز فى العالم، الذى التقيته فى اليونان عام 2003 عندما أقامت السفارة المصرية حفل استقبال لسوزان مبارك أثناء زيارتها لأثينا، وكان الحفل فى واقع الأمر لجمع التبرعات للمشروعات الخيرية التى ترعاها حرم الرئيس السابق ولمكتبة الإسكندرية أيضا، وكان الزين مدعوا فتبرع بشيك بمليون دولار، ولكنه جاءنى بعدها إلى الفندق مندهشا من أن الشيك أعيد له حتى يعيد كتابته باسم سوزان مبارك!

لم تتح لى فرصة اللقاء بالأسد الأب من قبل ولكنى التقيت الرئيس بشار عدة مرات عام 2006 و2008.

عندما جلسنا معا فى أول لقاء عام 2006 قلت له: «يا دكتور بشار، أنتم لم تستفيدوا من درس الانفصال بين مصر وسوريا، وأنت تعرف أن واحدا من أسبابه كان سلوك بعض ضباط القيادة المصريين المقيمين فى دمشق، أنتم الآن تكررون الخطأ نفسه، لكنه بدلا من أن تكون سوريا هى المفعول به أصبحت هى الفاعل».

وعندما أوشكت المقابلة أن تنتهى قلت: «يا سيادة الرئيس، إن كان لى أن أطلب منك شيئا واحدا قبل أن أغادر فهو ضرورة أن تقود بنفسك انفراجة سياسية داخلية، وأن تقترب من معارضيك وأن تفرج عن المعتقلين السياسيين»، فقال: «وعد سوف أفى به، ولنا فى ذلك لقاء آخر».

وجاء اللقاء الثانى بعدها بأسابيع، سافرت إلى لبنان ضمن وفد شعبى مصرى بعد نشوب حرب تموز (يوليو) 2006 مباشرة، أذكر أننا عندما تجمعنا فى تظاهرة فى مطار القاهرة اقترب منى أحد لواءات الشرطة وهمس فى أذنى: «قل لحسن نصر الله إن مصر كلها معاه».

بعد ذلك بأسابيع أخرى كان لقاؤنا الثالث عندما لبى الرئيس بشار طلبى بإجراء حديث حول حرب «تموز» لتليفزيون دبى، وتطرقت إلى الموضوعين الحساسين لديه: لماذا لم يطلق الجيش السورى طلقة واحدة فى الجولان، ولماذا لا يفرج عن المعتقلين السياسيين؟ ولم تكن إجاباته شافية.. عندما تحدث عن الجولان مثلا قال إن المقاومة هناك «قرار شعبى، ومن غير المنطقى أن تقول دولة إنها ستذهب إلى المقاومة؛ لأن الشعب يتحرك للمقاومة بمعزل عن دولته عندما يقرر هذا الشىء»، أى أن الشعب هو المسئول!

وقلت له يومها أيضا إن «أول حق للناس فى وطنهم أن يتكلموا بحرية»، وعدت لأذكِّر أن جماعة مثل جماعة منتدى الأتاسى أو مثل الأعضاء فى الاتحاد الاشتراكى وآخرين غيرهم قد يكونون أكثر ولاء لبلدهم وهم فى المعتقل من بعض الذين خارج السجون، ولكنه رد بـ«الكليشيه» التقليدى: «لا نريد الحريات التى تستغل من الخارج.. نريد حريات ضمن إطار الوطن».

الثورة السورية

عندما اشتعلت الثورة فى سوريا بعد مصر تعاطفت مع الثوار مثلما تعاطف معظم المصريين الذين هبوا ضد الاستبداد والفساد فى بلدهم، ولكننى لم أعلن ذلك صراحة فى البداية، وتفاقمت الأمور على نحو ما نعرف، وامتدت الثورة إلى مناطق أوسع.

وقتها هاجم أعوان بشار رسام الكاريكاتير المعارض الشهير على فرزات فى ساحة الأمويين وهو عائد إلى بيته فجرا وأوسعوه ضربا على يديه وأصابعه فنقل إلى المستشفى مصابا بارتجاج فى المخ «علشان تتلم ماترسمشى ضد أسيادك»، وكان إبراهيم قاشوش الذى غنى أغنية الثورة الشهيرة «ياللا ارحل يا بشار» قد ذبح من حنجرته قبلها بأسابيع على أيدى الشبيحة أنفسهم.

عندها وصل بى الاستفزاز إلى مداه فقلت فى برنامجى الذى كنت أقدمه فى قناة «التحرير» حينئذ إن أمثالى «اللى كانوا بيشوفوا أمل فى بشار الأسد فى وقت ما، لا يمكن بعد كل المجازر اللى حصلت يقفوا النهارده جنب نظامه، مهما كنا متأكدين إن قوى أجنبية بتستهدف هذا النظام.. اللى عارف إن فيه قوة أجنبية متقصداه ما يديلهاش فرصة، ما يفتحلهاش الباب».

وأيقنت أن بشار وصل فى عناده إلى نقطة اللاعودة، فحسمت أمرى وواصلت الوقوف إلى جانب المعارضة، ولكن الأمور تطورت على النحو الذى تطورت إليه فيما بعد، وهالنى التدخل الفاضح للغرب الذى كان يهدف إلى إسقاط بشار منذ زمن.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هناء1
عضو ذهبى
عضو ذهبى


عدد المساهمات : 378
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: «الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»   الأربعاء 29 يناير - 14:08


«الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين» «4»
حمدي قنديل.. شاهد على النكسة في الحلقة الرابعة من مذكراته
» مايو 1976 « حمدي قنديل مع ضباط على ضفة القناة وإلى اليسار المصور فاروق صالح» مايو 1976 « حمدي قنديل مع ضباط على ضفة القناة وإلى اليسار المصور فاروق صالح
إعداد ــ إسماعيل الأشول

• شاهدت الطائرات المصرية تحترق على الأرض.. والإذاعة المصرية تعلن إسقاطنا عشرات الطائرات الإسرائيلية

• كان الضباط يصيحون بهستيريا.. وأحدهم ظل يخبط رأسه في الجدار حتى سال منه الدم

• قبل أن يلقى السادات بيان وفاة عبدالناصر سألته: «بأي لقب أقدمك?.. فرد باقتضاب: «أنور السادات مش كفاية كده؟!»

• السادات خذل جيشه المنتصر بعدما أجهض تقدمه إلى الممرات.. وكيسنجر قال إنه «بدد كل أوراق اللعبة من البداية»

• نمت في سيارتي على الطريق الصحراوي وحين أيقظني موظف «الاستراحة» لم يلاحظ وجود سعاد حسنى بجانبي

• أكاذيب الإخوان روجت أنني كنت أعذب معتقليهم في السجن الحربى ليعترفوا أثناء إجراء الحوارات

• لامتنى أم كلثوم على عدم تقديمها بشكل لائق وقالت لي على المسـرح: «ده كل اللي ربنا فتح بيه عليك؟»

• والدتي كانت حزينة لمحاورتي عساف ياجورى.. وكان منطقها أنه أسير

من أول نشرة قرأها الإعلامي الكبير حمدي قنديل في «التليفزيون العربي» مع بدء إرساله عام 1960، مرورا بنكسة عام 1967، ولحظات تنحى جمال عبدالناصر، ثم معارك الاستنزاف، وانتصار 1973، وصولا إلى احتلال العراق للكويت عام 1990، يدور حديث صاحب هذه المذكرات الذى «عاش مرتين» بحسب عنوانه الذى اختاره لها.

فى 21 يوليو 1960، بدأ إرسال «التليفزيون العربى» ولم تمر شهور حتى طلب منى رئيس تحرير الأخبار بهى الدين نصر أن أقرأ لأول مرة نشرة أخبار التاسعة الرئيسية.

لما حاولت التملص أبلغنى أن هذه أوامر، «الدكتور حاتم قال: خلوا الجدع السورى ده يقرا لنا النشرة الليلة دى»، وضحك. كان عبدالقادر حاتم يعرف العاملين جميعا واحدا واحدا، إذ لم يكن عددنا عندئذ فى التليفزيون كله يزيد على 600، وكان يظن أننى سورى ربما لأن أحدا أبلغه أننى كنت أعمل بالصحافة فى سوريا قبل التحاقى بالتليفزيون.

كان من المقرر أن يقرأ أنور المشرى تلك النشرة، وكانت أوراقها بالفعل فى يده عندما أبلغوه أن يتخلى عنها لى، لم يغضب، وبرقة بالغة وحرص صادق طلب منى أن أقرأ النشرة أمامه قبل أن أقرأها على الهواء حتى يطمئن إلى إلقائى.

عندما بدأت تقديم برنامج «أقوال الصحف» فى سبتمبر 1961 توقف بعد الحلقة الخامسة، قال لى رئيس تحرير الأخبار: «الوزير بيقول لك استريح شوية». كانت هذه هى الشفرة فى ذلك الحين للإعراب عن غضب السلطة، بعدها علمت أن سبب الغضب هو أننى أوردت خبرا عن الرئيس عبدالناصر فى نهاية البرنامج وليس فى بدايته.

ذهبت إلى مكتب الرئيس فى منشية البكرى، وطلبت مقابلة سامى شرف سكرتير الرئيس للمعلومات، قلت له: «يا سامى بك، أريد أن أعرف من الرئيس شخصيا إذا كان يعترض على إذاعة خبر عنه فى نهاية برنامج»، وحكيت له الحكاية، ضحك سامى شرف وطلب منى الانتظار فى استراحة مكتبه.

بعد قليل نادانى ثانية، وقال: «الريس بيقول لك خد الجرايد وروح على الأستوديو بتاعك على طول من غير ما تكلم حد».

فى سنة 1963 كان يصلنى فى مبنى التليفزيون قفص من المانجو الفاخر كل أسبوع دون أن أعرف مصدره،، وعندما طلبت من الأمن أن يتحرى الأمر أخبرونى أن القفص جاء مع سائق سيارة ليموزين سوداء فارهة ولكنه يرفض الإفصاح عن اسم المرسل.

انتظرت للأسبوع التالى، وتتبعت السائق، وما إن ركب السيارة حتى فتحت بابها الخلفى وقفزت داخلها، أخذت أسأل: «مين اللى قاعد جنبى؟ مين اللى قاعد جنبى؟»، وعندما جاءنى الجواب عرفت أنها امرأة.

طلبت منها أن تخلع الخمار، وعندما فعلت تمنيت لو لم أكن ألححت فى الطلب، كانت دميمة للغاية فغلبنى إحباط شديد، ولكننى حاولت أن أكون لطيفا بل وافقت على تلبية دعوتها على العشاء، ذهبنا إلى كازينو مجاور لقصر العينى الجديد، وما إن جلست حتى نادت النادل: «هات له كيلو كباب».

كظمت غيظى وأنا أقول لها: «أولا أنا الذى أنادى الرجل لا أنتِ، ثانيا ما حكاية هات له هذه؟ وأخيرا: الكباب هنا ليس بالكيلو ولكنه بالطبق».

بعد العشاء مدت يدها تحت المائدة وبدأت تلعب فى بنطلونى فاستعذت بالله من الفضيحة التى يمكن أن تحدث، حتى اكتشفت أنها تمد لى يدها بعشرة جنيهات لأدفع الحساب، اعتذرت شاكرا، وتنفست الصعداء عندما غادرت، ولما جاء الثلاثاء التالى ولم يصل قفص المانجو لعننى كل الزملاء الذين كانوا ينتظرون القفص كل أسبوع. ما أذكره عن تلك السنوات من حياتى فى التليفزيون أننا كنا سعداء، راضين برواتبنا المتواضعة، بدأت بـ 14.5 جنيه، وانتهت بـ 55 وكنت أتقاضى 70 جنيها بدل ملابس فى السنة، فى هذه السنوات اشتريت سيارة نصر 1300 بقسط شهرى 20 جنيها على مدى 24 شهرا، كما تزوجت من زميلتى مذيعة النشرة الفرنسية فى الإذاعة علية البرعى فى عام 1966 فى حفل استقبال فى فندق شبرد أظن أنه كان أنيقا كلفنى 240 جنيها، بالتقسيط أيضا.

عندما علم الأستاذ أنيس منصور بنيتى فى الزواج قال لى: «اوعى تعملها يا حمدى، إنت طالع، واللى طالع لازم يخفف الحمولة»، أشهد أن حمولتى لم تحل بينى وبين ارتقاء درجات السلم، إن لم تكن قد دفعتنى إلى مزيد من الصعود.

بعد حفل افتتاح مهرجان التليفزيون الدولى فى الاسكندرية عام 1964، وعندما أوشكت أن أغادر قابلت سعاد حسنى ولما علمت أننى مغادر إلى القاهرة طلبت منى أن أصطحبها معى لأنها مرتبطة بتصوير فى القاهرة.

انطلقنا حتى وصلنا إلى الاستراحة فى منتصف الطريق الصحراوى، وهناك غلبنى الإجهاد والنوم فسألتها إذا ما كانت تستطيع قيادة السيارة بدلا منى فقالت إنها متعبة تماما، وهكذا استغرقنا فى النوم كل فى كرسيه حتى جاء موظف فى المكتب ودق على الزجاج: «إصحى يافندى النهار طلع»، ولا أظن أنه تبين أن النائمة إلى جوارى هى سعاد حسنى.

وما أدراك ما الستينيات

كنا فى عام 1962 عندما طلب التليفزيون منى فى الدقيقة الأخيرة تقديم حفل نادى ضباط الجيش بالزمالك مساء 26 يوليو احتفالا بالذكرى السنوية لطرد الملك، بعدما تغيب عن الحفل مقدمه الأصلى.

عندما وصلت علمت أن مهمتى ستقتصر على تقديم أم كلثوم، وجدت أن الأمر لا يحتاج إلى عناء، وصعدت إلى خشبة المسرح فوجدت أمامى على بعد أمتار جمال عبدالناصر جالسا فى الصدارة ومن حوله أعضاء مجلس قيادة الثورة، لكننى لم أتحقق من شخصياتهم لأننى لم أستطع أن أحول نظرى عن عبدالناصر، وعلى الرغم من أنه ابتسم ابتسامة عريضة مشجعة فإن رعشة خفيفة أصابتنى، وبعد ثوانٍ من الصمت قلت: «أيها السادة، إليكم أم كلثوم»، وقفلت عائدا، فوجدت أم كلثوم فى طريقى تتقدم على خشبة المسرح، فاستوقفتنى وقالت: «ده كل اللى ربنا فتح بيه عليك؟».

جحيم النكسة

أتذكر يوم 5 يونيو 1967 بكل تفاصيله، عندما وصلنا إلى الشئون العامة للقوات المسلحة قيل لنا إننا سنذهب إلى قاعدة فايد الجوية التى سيصل إليها الفريق طاهر يحيى، رئيس وزراء العراق، ليتفقد القوة العراقية المرابطة هناك، وسيرافقه فى الزيارة حسين الشافعى نائب الرئيس.

كان معى المصوران محمد رجب وفاروق صالح، ومهندس الصوت محمد البلتاجى، وصلنا وقت الإفطار، فتناولنا إفطارنا مع الطيارين المصريين فى «ميس» الضباط، ثم قمنا بتصوير وصول الضيف العراقى، وبعدها اتجهنا إلى القوة العراقية التى كانت تقوم بتدريبات روتينية.

وفجأة، بينما نحن هناك إذا بدوى انفجار هائل تبعته انفجارات أخرى متتالية، وكانت الساعة وقتها تشير إلى التاسعة إلَّا الربع، أخذتنا المفاجأة فلم نتبين تماما ماذا حدث، إلَّا أننى بعد دقائق لمحت طائرة تحترق عن بعد على المدرج، وبعدها مباشرة لمحت طائرة إسرائيلية تمرق فوقنا فى الجو، وتتالت الانفجارات، سارعنا إلى سيارة التليفزيون، وعندما سألنا السائق: إلى أين؟ قلت: «تحرك فى أى اتجاه لكن بسرعة».

بعد أن ذهبت بنا السيارة يمينا ويسارا ونحن لا نعرف أين المفر، انتهى بنا الأمر فى نادى الطيارين على ضفاف القناة، كان هناك نحو 20 طيارا يتصايحون بهستيريا، وظل واحد منهم يخبط رأسه فى جدار حتى سال منه الدم.

فهمت من أحدهم أن معظمهم فقدوا طائراتهم قبل أن يصلوا إليها، وأن ثلاثة من زملائهم فقط استطاعوا الطيران لكنهم لا يعلمون مصيرهم.

خرجت من المكان قبل أن أصاب بالجنون، وعندما وصلت إلى السلم الأمامى إذا بسيارة جيب مكشوفة قادمة وفيها حسين الشافعى جالس إلى جوار الجندى السائق، سألنى إن كانت لدىّ معلومات مفصلة عما حدث فأجبته بما أعرف، قال إنه سيعود إذن إلى القاهرة، لكنه استدرك: «تفتكر ناخد أى طريق؟»، نصحت بالطريق الصحراوى.

عدنا نحن على الطريق الزراعى الذى كان يمر بثلاثة مطارات عسكرية هى أبوصوير ثم بلبيس ثم أنشاص، لعلنا نستطيع أن نجد شيئا مناسبا للتصوير، وكانت الطائرات الإسرائيلية تدوى فوق رءوسنا بين حين وآخر فنغادر السيارة ونرتمى إلى جانب الطريق، أما المطارات فكانت تتصاعد منها النيران جميعا، فى حين كان راديو السيارة ينقل لنا أخبارا عن عشرات الطائرات التى أسقطتها قواتنا.

المؤكد أن قيادة الجيش خدعتنا خدعة كبرى، وللأسف فإننا تحققنا من ذلك بعد ساعات، فقد علمت فى صباح اليوم التالى 6 يونيو أن عبدالحكيم عامر أصدر قراره فى الفجر بانسحاب الجيش من سيناء.

بالرغم من شعبية عبدالحكيم عامر بين كثير من الضباط، فإننى لم أنبهر به على مدى السنوات القليلة السابقة منذ انفصال سوريا عن دولة الوحدة فى سنة 1961، وذلك بسبب سلوك أعوانه المدللين فى دمشق وبسبب فسادهم الذى انتشرت روائحه فى القاهرة، ولم أكن أعتقد أنه يملك الكفاءة اللازمة لقيادة جيش مثل جيش مصر.

التنحي

يوم 9 يونيو عندما ألقى عبدالناصر خطاب التنحى، كنت فى أستوديو 4 وقتها مع همت مصطفى حيث قدمنا الخطاب الذى بدأ بثه من بيت عبدالناصر فى منشية البكرى فى السابعة مساء، ولما وقعت المفاجأة المذهلة عندما قال: «قررت أن أتنحى تماما ونهائيا عن أى منصب رسمى أو دور سياسى»، وقبل أن يكمل الخطاب حتى نهايته، قررنا معا أن نطالب عبدالناصر بالبقاء.. «كلام رجالة؟»، سألت همت.. قالت: «كلام رجالة».. انطلقنا فور أن انتهى الخطاب.

بعد دقائق طلبنا الوزير إلى مكتبه، وعندما دخلنا صاح فينا: «إنتو عملتوها مسرحية؟ الريس يتنحى وبعدين التليفزيون بتاعه يقول له: لأه؟».. جادلته همت، وانطلقت أنا إلى شباك مكتبه أفتحه وأقول له: «يا سيادة الوزير اسمع الناس وأنت فى الدور التاسع بتقول إيه»، كان الصياح من حوارى بولاق يتصاعد مطالبا الرئيس بالبقاء وتحمل المسئولية، ولم نكن ندرى وقتها أن مصر كلها بل وشعوب العرب جميعا تطالبه بأن يبقى.

أثبتت الأيام أن بقاءه كان الضمان الأول لاستنهاض الهمم وبدء حرب الاستنزاف ووضع الخطة التى كانت أساسا لحرب أكتوبر، وفى أيام قليلة بدأ الجيش يستعيد روحه فانتصر فى معركة رأس العش بعد ثلاثة أسابيع فقط من النكسة، ثم أغرق الباخرة إيلات وبدأ حرب الاستنزاف عندما رفع عبدالناصر شعار «لا صوت يعلو على صوت المعركة»، واستهل هذه الحرب بإقامة حائط الصواريخ الشهير.

فى 28 سبتمبر 1970 انتقل عبدالناصر إلى بارئه، ما إن تتالى بث آيات القرآن الكريم على الشاشة وأنا فى البيت حتى هرولت إلى مبنى التليفزيون، طردت من ذهنى أن يكون عبدالناصر قد أصابه سوء، ومع ذلك فقد طاردنى هاجس أنه ربما يكون قد اغتيل، ولعل هذا ما دفعنى إلى الذهاب لا إلى إدارة الأخبار وإنما إلى مكتب الوزير.

هناك كانت تنتظرنى الصاعقة.. لم يكن الأستاذ هيكل الذى عين وزيرا للإعلام قبل عدة شهور فى المكتب.. حضر أنور السادات ليلقى البيان، وصحبته إلى أستوديو 4، وتهيأتُ لأن أقدم السادات وأعلن أنه سيوجه بيانا إلى الأمة، وكان ذلك فى الساعة الحادية عشرة إلَّا خمس دقائق، لكننى قبل أن أظهر على الشاشة بثوانٍ تذكرت فجأة بأى صفة أقدمه، فربما يكون قد حدث فى الساعات القليلة السابقة ما لا أدريه.. سألته: «بأى لقب أقدمك سيادة النائب؟».. رمقنى بنظرة لم أتبين عندئذ معناها وقال: «أنور السادات، مش كفاية كده؟!».

كان للثورة أخطاؤها ولاشك، وفى مقدمتها مصادرة الحريات وسيطرتها على الإعلام، عن نفسى فقد اعتذرت للإخوان المسلمين منذ سنوات عن الأحاديث التى أجريتها مع المعتقلين منهم فى السجن الحربى عام 1965، وقد راجت فى بعض مؤلفات الإخوان بعدئذ أكذوبة، أننى كنت أطلب من ضباط السجن أن يبدلوا المعتقلين الذين كنت أستجوبهم بآخرين حتى أحصل على اعترافات صريحة، بل إننى كنت أصفع بعضهم إن لم يعترف الاعتراف الذى أريد، وأشارك فى تعذيبهم أحيانا!

أيقنت أننى ارتكبت خطأ مهنيا وأخلاقيا باستجواب معتقلين قيدت حريتهم فاعتذرت، ورحب الإخوان باعتذارى بامتنان، ولكننى عندما اختلفت مع مرسى فى 2012 وهاجمته، عادوا عن طريق تنظيمهم الإلكترونى يذكِّرون، فى لغة لا علاقة لها بدين ولا خلق، بحكاية السجن الحربى ويضيفون إليها روايات وروايات عن عبدالناصر وحكمه وأيام الستينيات التى كثيرا ما كرروا أنهم لم يشهدوا فيها سوى المذابح والمشانق.

عندما جاء عام 1973، ذهبت إلى مكتب الدكتور عبدالقادر حاتم مباشرة، وعندما قابلته قلت: «جئت لأسلم نفسى إذا كان بمقدورى أن أساهم بشىء»، أشهد أن الدكتور «حاتم» لم يتردد، طلب منى النزول إلى الأستوديو مباشرة، حيث أقمت إقامة تكاد تكون دائمة عدة أيام هى الأيام التى سبقت انسحاب القوات المصرية الذى وصفته السلطة وقتئذ بأنه «انسحاب تكتيكى» بسبب «ثغرة الدفرسوار» يوم 15 أكتوبر.

فى ذلك الوقت أجريت الحديث الشهير مع الكولونيل «عساف ياجورى» صاحب أعلى رتبة بين الضباط الإسرائيليين الذين أسرهم الجيش المصرى.

عندما عدت إلى المنزل قابلتنى والدتى بوجه عابس، ثم إذا بها تعاتبنى على إجراء حديث مع ياجورى، لم أستطع أن أضبط أعصابى فصحت: «تعاتبيننى يا أمى على الحديث؟ ليه؟ لأن الرجل كان إسرائيليا؟» قالت: «لا، لأنه أسير»، أفحمتنى إجابتها فلم أنطق بكلمة.

كنت ولا أزال أعتقد أن الرئيس السادات خذل جيشه، إذ إن الجيش كان قد حقق فى الحرب انتصارا مبهرا، وكان باستطاعته التقدم إلى الممرات فى سيناء مما يضع مصر فى موقف تفاوضى أفضل عند انتهاء العمليات العسكرية، لكن السادات أجهض هذا التقدم فى وقت مبكر، حتى إن صديقه «هنرى كيسنجر» قال إنه بدد كل أوراق الضغط التى كان يمتلكها فى البداية.

غزو الكويت

عندما غزا صدام الكويت فى 2 أغسطس 1990 كنت فى غاية القلق على أصدقائى هناك، كنت أريد معرفة ماذا حدث لهم، وخاصة جواد بو خمسين على وجه الخصوص، وكان واحدا من كبار رجال الأعمال فى الكويت، فوجئت برجل يتصل بى من الأردن، يقول بلهجة يمنية: «معى خطاب عاجل من أبو عماد وهو مهم جدا.. أرجوك أن تقابلنى فى عمان».

هرولت إلى عمان لأتسلم الخطاب الذى أبلغنى فيه بوخمسين أنه نجح فى تهريب عائلته، وأنها فى طريقها الآن إلى القاهرة حيث ستقيم فيها تحت مسئوليتى، ولكن المسئولية الفادحة بالفعل كانت تنتظرنى فى مظروف آخر كبير حمله الرسول ذاته، فقد كانت فيه رسالة مفادها أن «هذه الأوراق هى توكيلات رسمية لك منى بالتصرف فى أموالى»، كانت الأوراق موجهة منه إلى البنوك التى يتعامل معها فى القاهرة وبيروت ولندن، وكانت حساباته فيها بملايين يصعب إحصاؤها، أما سطور الرسالة الأخيرة فكانت بالعامية المصرية: «أما عن نفسى، فأنا مش طالع من هنا».

بعد أسابيع قليلة جاءنى صوته فى اتصال تليفونى يبلغنى أنه مع أصحابه الذين أعرف بعضهم ينظمون هناك صفوف المقاومة، تبين أن هؤلاء الرجال ومئات غيرهم قد نظموا تحت الاحتلال ما يشبه الحكومة المدنية، وحملوا السلاح وحملوا القلم أيضا.

كان معظم من تبقى فى الكويت وقتها هم أقل الناس دخلا ممن لم يستطع الهرب، وكانت هناك شبكة محكمة تنقل الغذاء والمال ممن عنده إلى من ليس عنده، كانت هناك خلايا من الأطباء المتطوعين، وكان المهندسون وغيرهم من أصحاب المهن يوزعون الخبز والزيت والأرز وكبار القوم يجمعون القمامة.

كان صدام يظن أنه سيكون الطرف الرابح، وكانت الولايات المتحدة تظن أنها الرابحة، ولكننا بعد انتهاء «عاصفة الصحراء» اكتشفنا أن الرابح الوحيد من الحرب كانت الـ CNN

كانت محطة تليفزيون CNN قد أنشئت فى الولايات المتحدة فى عام 1980، لكنها لم تعرف على المستوى العالمى سوى بعد غزو الكويت، وربما لهذا يقول كثيرون إنها ولدت مع الغزو الذى كلفت بتغطيته عديدين من مراسليها ونقلت كل أحداث الحرب خطوة بخطوة، وكان كل من الجانبين العراقى والأمريكى يوجه إنذاراته إلى الآخر من خلالها.

بعد دحر القوات العراقية ذهبت إلى الكويت وكان المطار الذى خرجت منه ودخلت مرات ومرات من قبل خرابا يبابا.. «أكو أوامر أن يحرق الأصل (العراق) الفرع (الكويت) وتأكل الأم كالقطط أولادها»، قالها ضابط عراقى بزهو إلى جمع من الأسرى الكويتيين: «المحافظة 19 لا يمكن أن تكون أكثر بهاء من العاصمة بغداد، سنسويها بالأرض حتى تصبح أحقر من أقذر أحياء البصرة»، لكن القدر الساخر جعلنا نرى البصرة تدمر، ومعها كركوك وكربلاء ومائة مدينة ومدينة فى العراق ذاته، أما الكويت فقد ظلت معظم مبانيها على حالها أو أقرب ما تكون إلى ذلك.

ورغم كل الخراب الذى خلفه العراق فى الكويت فإنه يهون أمام الجريمة الكبرى، حيث أحرقت القوات العراقية أكثر من 700 بئر للبترول قبل انسحابها، وهكذا غطت السماء سحابة سوداء امتدت إلى الدول المجاورة (استغرق إطفاؤها 8 أشهر).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هناء1
عضو ذهبى
عضو ذهبى


عدد المساهمات : 378
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: «الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»   الأربعاء 29 يناير - 14:10

نعتذر عن وضع الصور لنواحى فنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هناء1
عضو ذهبى
عضو ذهبى


عدد المساهمات : 378
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: «الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»   الأربعاء 29 يناير - 14:12


» مايو 1976 « حمدي قنديل مع ضباط على ضفة القناة وإلى اليسار المصور فاروق صالح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
«الشروق» تنشر مذكرات الإعلامي الكبير «عشت مرتين»
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: المنتدى العام [ General Section ] :: شارع الصحافة news-
انتقل الى: