منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد سليم
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 340
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )    الأربعاء 5 فبراير - 11:39


موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة  للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )
الحياة الدنيا دار فانية والحياة الأخرى دار باقية، والدنيا دار الهم والغم والتعب، والآخرة دار النعيم والفرح والسرور، والدنيا حقيرة قليلة مهينة، لا تساوي عند الله جناح بعوضة، والآخرة دار عظيمة ذات منزلة رفيعة ومكانة عالية عند الله، والدنيا فيها لذائذ ومتاع لكنها ليست خالصة للمؤمنين، بل إن الكفار أيضاً يتمتعون في الدنيا، بعكس الآخرة فإن متاعها ولذائذها خالصة للمؤمنين، لأجل ذلك كان على المؤمنين العاقل الحصيف أن يهتم بآخرته ويعمل لها، ويترك الدنيا ومتاعها، ويجعلها مطية إلى الآخرة.
أسباب الحديث عن موضوع موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا, إنك أنت العليم الحكيم.أما بعد: يا معشر الإخوة الكرام! إن الموضوع الذي سنتدارسه في هذه الليلة المباركة بإذن الرحمن هو حول موقف المكلف من أعمال الدنيا ومن أعمال الآخرة. فهذا الموضوع جميع دعوات الرسل الكرام عليهم صلوات الله وسلامه دارت عليه، ولذلك كل مكلف بحاجة إليه، والذي دعانا للكلام على هذا الموضوع أمران اثنان: ‏
 العاقل يتزود لكل دار بما يناسبها
الأول: لا يخفى على أحد من المسلمين أن الدور التي يمر بها سائر الخلق أجمعين لا تخرج عن دور ثلاث: الحياة الدنيا، وهي الدار الأولى التي تبتدئ من تكوين الإنسان في بطن أمه وهو في ظلمات ثلاث حتى يفارق هذه الحياة الدنيا.الدار الثانية: هي دار البرزخ، وهي المرحلة التي تكون بعد خروجه من الدنيا حتى يوم القيامة.والدار الثالثة: هي الدار الآخرة، وهي آخر الدور. وقد قرر علماؤنا الكرام في كتب التوحيد أن الأحكام في الحياة الدنيا تنصب على ظاهر البدن، البدن هو الذي ينعم، وهو الذي يعذب، وتشعر الروح بالنعيم والعذاب الذي يصب على هذا البدن. فالروح هي الأصل والبدن تبع. وأما الدار الثالثة وهي أكمل الدور على الإطلاق الحياة الآخرة فكل من البدن والروح هناك يشعران بالعذاب والنعيم شعوراً أصلياً دون تبعية واحد منهما للآخر, ولذلك كانت الدار الآخرة هي أكمل الدور على الإطلاق.إخوتي الكرام! إذا كان الإنسان سيمر بهذه الدور الثلاثة فإذا كان عاقلاً ينبغي أن يتزود لكل دار بما يناسبها. أما الحياة الدنيا فستتركك رغم أنفك وإن لم تشأ تركها, لذلك إذا كنت عاقلاً اتركها قبل أن تتركك. وأما الدار الثانية -وهي البرزخ- فاعمره يا عبد الله! قبل أن تسكنه وقبل أن تنتقل إليه، وأما الدار الثالثة -وهي الدار الآخرة التي يتولى فيها رب العالمين الفصل بين مخلوقاته أجمعين- فأرض الله في هذه الحياة الدنيا قبل أن تلقاه، إذا كنت عاقلاً اترك الدنيا قبل أن تتركك، وعمر قبرك قبل أن تسكنه، وأرض الله جل وعلا قبل أن تلقاه.إخوتي الكرام! وهذا الأمر -أعني الإعداد لكل دار كما ذكرت- وهو ما دلت عليه شريعة الله المطهرة، وهو ما تقتضيه العقول الصريحة الصحيحة السليمة السديدة، لكن من ألقى نظرة إلى حياة الناس رأى ما يفطر الأكباد ويشيب الولدان, فالحياة التي سيتركونها والحياة التي ستتركهم انهمكوا فيها واستغرقوا فيها، وأعدوا العدة لها، وكأنها هي الدار الأولى والدار الآخرة، والدار التي سينتقلون إليها ليست على بالهم، ولذلك يقولون في حال انتقالهم: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100], فيقال لهم: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].
 إقبال الناس على الدنيا وتركهم للآخرة
إخوتي الكرام! وكما قلت: إن النسبة الغالبة من الناس يسلكون هذا المسلك المنحرف، فينهمكون في الحياة الدنيا, ويعرضون عن الحياة الآخرة، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، وبين لنا أن هذه النكبة ستزداد جداً في آخر الزمان، ففي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الأوسط بسند صحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، وأصل الحديث في صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النعمان بن بشير : صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة فسمعناه يقول: ( إن بين يدي الساعة فتناً يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً, يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل ). قال الحسن البصري عليه رحمة الله: لقد رأيناهم والله صوراً ولا عقول، أجساماً ولا أحلام, فراش نار وذبان طمع, يغدو أحدهم بدرهمين، ويروح بدرهمين, يبيع دينه بثمن العنز.إخوتي الكرام! وهذا الأمر كما فشا في العامة في الناس فشا فيمن يعدون من الخاصة، فقد ركنوا إلى الحياة الدنيا، وأعرضوا عن الحياة الآخرة. وقد أخبرني بعض الإخوة الطيبين من أهل هذه البلاد من قريب: أن بعض طلبة العلم الصالحين كان يحضر رسالة في التخصص في الماجستير في بلاد انجلترا -في بلاد الإنجليز- وكنت أشرت في محاضرة قريبة إلى خطر الخروج إلى تلك البلاد لطلب العلم، يقول لي هذا الأخ نقلاً عن ذاك الذي كان يعد الرسالة في حياة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: بعد أن انتهى الطالب من إعداد الرسالة وعرضها على المشرف القسيس النصراني الصليبي الملعون قال: هذه الرسالة من أولها إلى آخرها مرفوضة، ولا يمكن أن تأخذ الرسالة إلا إذا قلت في عمر بن عبد العزيز ما نقوله، ماذا تقولون يا إخوان القردة والخنازير في عمر بن عبد العزيز؟! فقال له: عمر بن عبد العزيز عندنا لا يخرج عن رجلين، وأمره يدور بين حالتين لا ثالث لهما، إذا لم تقيد هذا فاحمل رسالتك وانصرف إلى بلادك.الأمر الأول: عمر بن عبد العزيز أبله مغفل، لا يعرف قيمة الحياة الدنيا, حول الخلافة الأموية -على زعمهم- إلى شعارات كهنوتية .. إلى عبادة .. إلى خشية .. إلى إنابة .. إلى رجوع إلى الله جل وعلا. فاكتب هذا، أنه ساذج مغفل، لا يدرك الأمور الدنيوية، وليس هو بصيراً بما يتعلق بأحوال الناس.والأمر الثاني: هو مخادع خبيث ماكر يريد الشهرة بهذا الأمر الذي أحدثه في الخلافة الأموية. فإذا كتبت هذين الرأيين فالرسالة تجاب وتقبل، وتمنح الدرجة. فالرجل صار بين أمرين الآن: إما أن يغضب الله، وإما أن يغضب الإنجليز، تصوروا إخوتي الكرام! آثر غضب الله على غضب الإنجليز، وهو رجل من الصالحين، فقيد هذا في رسالته عن عمر بن عبد العزيز , لكن ناقل قال لي: إنه احتفظ برسالته ولا يريد أن ينشرها، فقلت له: نسأل الله أن يفرج عنا كروبنا، وأن يصلح أحوالنا. إذا تلبس الصالحون فينا بهذه الدرجة من الركون إلى الدنيا والخلود إليها، فماذا ينتظر من العامة؟! الخلود إلى الدنيا لأجل درجة علمية أو لأجل وظيفة شهرية أو غير ذلك صار هذا هو المعبود الأول فينا يا عباد الله! فاتقوا الله في أنفسكم، وأسأل الله أن يلهمني وإياكم الرشد والسداد.
 إقبال العلماء والدعاة على الدنيا وزينتها
روى أبو نعيم في كتابه الحلية في ترجمة الرجل الصالح أبي حازم سلمة بن دينار ، وهو ثقة عابد، وفوق الثقة من رجال الكتب الستة، يقول هذا الرجل الصالح: خيار الأمراء من يزورون العلماء ويحبونهم، وخيار العلماء من يزورون الأمراء ويحبونهم، وكان الأمراء في العصر الأول إذا أرسلوا إلى العلماء وإلى طلبة العلم لم يأتوهم، فإذا سألوهم لم يرخصوا لهم، فإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم، فكان في ذلك صلاح للأمراء والعلماء، فلما رأى ناس ذلك -سبحان الله! علماء تتذلل لهم الأمراء!- قالوا: نطلب العلم لنأتي إلى الأمراء، فطلبوا العلم وذهبوا إلى الأمراء, فسألوهم فرخصوا لهم، فأعطوهم فأخذوا منهم، فتجرأ الأمراء على العلماء، وتجرأ العلماء على الأمراء، ففي ذلك هلاك الصنفين. إن الذي يصل به الحال إلى أن يكتب هذين الأمرين الخبيثين عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ماذا ينتظر منه؟ وكيف ستكون أحوال الأمة بعد ذلك؟ إخوتي الكرام! قرر علماؤنا أن العالم إذا ترخص وانهمك في المباح انهمكت العامة في المكروه، وإذا توسع في المكروه توسعت الأمة في الحرام، وإذا وقع العالم في الحرام وقعت الأمة في الكفر. العالم سفينة، طالب العلم سفينة هلاكه هلاك العالم. ومما يفطر الأكباد أن بعضاً ممن يعدون من الدعاة نصحهم بعض الإخوة الطيبين، ونقل لي هذا عنه علم رب العالمين، فقال له: اتق الله في نفسك، فعندك شغالة، وأنت كنت تحذر من هذا، وتنصح الناس وتمنعهم عن ذلك، هلا بلغك ما يقول فلان عن الشغالات وعن حكمها؟ فقال هذا الحاكم وليس الداعية قال: إن الشغالة الحرام إذا استعملناها في الحرام، أي: إذا فعلنا بها الفاحشة، وأما ما عدا ذلك فلا حرج ولا غضاضة في ذلك. فإذا كان هؤلاء المعدون في صنف الدعاة فعلى الأمة السلام.عباد الله! لا بد من طلبة علم ينظرون إلى الدنيا كما نظر إليها الله أنها لا تسوى جناح بعوضة، وينظرون بعد ذلك إلى الآخرة إلى أنها الكل في الكل. عمر بن عبد العزيز يقول عنه الإمام الشافعي وسفيان الثوري كما روى هذا ابن أبي حاتم في مناقب الإمام الشافعي قال هذان الرجلان الشافعي والثوري : الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، وسائرهم بعد ذلك مبتزون, أي: مغتصبون لسلطان الأمة. عمر بن عبد العزيز ينظر إليه على أنه إما مغفل ساذج صبي سفيه، وإما مخادع ماكر! وطالب علم صالح يقيد هذا. أين الاتباع لخاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه القائل: ( والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ).إخوتي الكرام! ويخبرني بعض إخواننا الصالحين عن طالب علم آثر الدنيا على الدين، وبدأ يكتب الحجب، ويستعمل السحر والشعوذة مع النساء والرجال، فلما خوطب في ذلك، قال له: لا تكثر من الكلام، فكلنا نعرف الحلال والحرام، وأنا على يقين -يقول له- بأن السحر من كبائر الآثام، قال: إذاً كيف تزاوله؟ قال له: لكننا نريد الفلوس، ثم قال له بالحرف الواحد: هات جنيهاً وخذ زوجتي!! سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! وصل به الانحطاط إلى هذا الحد! جعلنا الدنيا المعبود الأول، وجعلنا أهواءنا الغاية الأولى.رحمة الله على الإمام الشبلي عندما يخاطب الوزير علي بن عيسى حينما كان وزيراً للخليفة المقتدر ، والقصة في الحلية في ترجمة أبي بكر الشبلي , عندما مرض وزاره الوزير علي بن عيسى فقال له الشبلي : كيف ربك؟ قال: ربي في السماء, يفعل ما يشاء، يقضي ويمضي، قال: لا أسألك عن ربك الذي لم تعبده، إنما أسألك عن ربك الذي تعبده، قال: من الرب الذي أعبده؟ قال: الخليفة، الخليفة الذي جعلته نداً لله، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] من أجل دريهمات، ومن أجل عرض من الدنيا قليل. ما أسألك عن الرب الذي لم تعبده، هذا معروف, الله في السماء يفعل ما يشاء، إنما كيف حال هذا الرب الذي جعلته نداً لله.إخوتي الكرام! ونحن طلبة العلم إذا لم نقتد بهذا المسلك ولم نجعل الدنيا في اعتبارنا كأنها لا تسوى جناح بعوضة أو أقل فلا خير فينا ولا خير في الأمة. هذا الأمر الأول الذي دعاني للحديث عن هذا الموضوع، موقف المكلف من عمل الدنيا وعمل الآخرة.إخوتي الكرام! وهذا الأمر -أعني الوصول إلى الدنيا والإعراض عن الآخرة- عدا عن كونه خروجاً عن المهمة الأصلية التي خلقنا من أجلها، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]. يعتبر هذا الأمر -أعني إيثار الدنيا على الآخرة- حماقة ما بعدها حماقة، وجنوناً ليس بعده جنون، ووالله إن جنون الذين فقدوا عقولهم ووضعوا في المستشفيات أقل من جنون العقلاء الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة، ورحمة الله على الإمام سفيان الثوري عندما كان كثيراً ما ينشد:باعوا جديداً جميلاً باقياً أبداًبدارسٍ خلقٍ يا بئس ما اتجرواوقد عاتب الله جل وعلا خير هذه الأمة وأفضلها وهم الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم عتاباً شديداً، ولولا ما أتبعه بالعفو والمغفرة لتفطرت قلوبهم؛ لأنهم ركنوا إلى الدنيا عن طريق اجتهاد خاطئ، لا عن طريق قصد، فعاتبهم الله جل وعلا عتاباً تتفطر منه الأكباد، يقول جل وعلا في سورة آل عمران: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران:152]، في موقعة أحد تقتلونهم قتلاً ذريعاً؛ لأن الله كتب النصر لرسوله وللمؤمنين. حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:152]. سبحان ربي العظيم! يقال هذا لخير هذه الأمة: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [آل عمران:152]، النصر بعد أن صار لكم صار عليكم. وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران:152]. فلولا هذا العفو لاستأصلكم الكفار عن بكرة أبيكم، وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:152]. وهذه الآية نزلت في الرماة، كما ثبت هذا في تفسير ابن جرير عن ابن عباس والضحاك رضي الله عنهم أجمعين، عندما وضعهم النبي صلى الله عليه وسلم على الجبل وأمر عليهم عبد الله بن جبير ، وقال لهم: ( لا تبرحوا مكانكم ولو تخطفنا الطير ). فلما تم النصر للمؤمنين فقتلوا من قتلوا من المشركين، قال الذين هم على الجبل: تم النصر فلننزل لنجمع الغنائم، فنهاهم أميرهم عن النزول وعن مفارقة المكان، فأبوا إلا النزول, فلما نزلوا جاء جيش المشركين بعد ذلك من وراء الجبل وارتقوه ورشقوا المسلمين بنبالٍ كالمطر: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:153], إلى آخر الآيات. ثبت في معجم الطبراني الأوسط وشعب الإيمان لـلبيهقي وتفسير ابن جرير بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل قول الله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:152]. وهم إنما فعلوا هذا تقرباً وابتهاجاً في جمع الغنائم التي أحلها الله للمجاهدين, فعاتبهم ربنا أبلغ عتابٍ وأعظمه، ولولا أنه أتبعه بالعفو، وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران:152] لتفطرت قلوبهم. هذا هو السبب الأول.
 عدم شعور كثير من المسلمين بخطورة الإقبال على الدنيا والانهماك فيها
السبب الثاني: أنه مع هذه الحالة التي نغوص فيها في الانهماك في الدنيا والركون إليها، والإعراض عن الآخرة والبعد عنها، لا نشعر بدائنا ولا بدوائنا ولا بحالنا، ولا بهذه المصائب العظيمة التي تفطر القلوب. يطغى على المرء في أيام محنتهحتى يرى حسناً ما ليس بالحسن وإذا لم يكن عون من الله للفتىفأول ما يقضي عليه اجتهاده قال الحسن البصري عليه رحمة الله: والله لقد عبد بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم للرحمن بحبهم للدنيا. وهكذا نحن انحرفنا عن عبادة الله بسبب حبنا للدنيا.إخوتي الكرام! ومع هذه الحالة يزيدنا الله في النعم ويغدق علينا الخيرات من كل مكان، ويستدرجنا من حيث لا نعلم، ولا ندري متى ستقع بنا عقوبة الله. ربنا لا تعاقبنا بما فعل السفهاء منا، وعافنا واعف عنا يا أرحم الراحمين!روى الإمام أحمد في المسند والطبراني في المعجم الأوسط وابن أبي حاتم في تفسيره وهكذا ابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان بسند ضعيف له شواهد كثيرة، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيت الله يعطي الرجل ما يحب وهو مقيم على معصيته فاعلم أن ذلك استدراج, ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44] ). روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن قتادة قال: ترك القوم أمر الله، فما أخذ الله قوماً إلا في حالة سكرتهم في الحياة الدنيا، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99]. وروى أيضاً عن الإمام الحسن البصري عليه رحمة الله أنه قال: من وسع له في الدنيا فلم ير أنه قد مكر به إلا كان قد نقص عقله، ومن قدر عليه في الدنيا فلم ير أنه خير له، أي: واختير له ما هو الأنسب والأصلح, فلا عقل له، ثم تلا قول الله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44]. فقال الحسن البصري: أتم الله عليهم نعمه ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر. وهذه الآية كقول الله جل وعلا في سورة الجن على أحد التفسيرين: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن:16-17]. وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ أي: على طريقة الضلال والكفر والزيغ والانحراف عن شرع الله؛ لفتحنا عليهم النعم من كل جانب، كما قال جل وعلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:44].والتفسير الثاني يقابل هذا تماماً: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ الحقة المستقيمة وهي الإسلام؛ لأنعمنا عليهم، كما قال جل وعلا: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96]. ولا تعارض بين التفسيرين مع تقابلهما، فأهل القرية والناس إذا استقاموا يغدق الله عليهم النعم إكراماً لهم؛ ليشكروا الله جل وعلا، فسيزدادوا درجات, وأهل القرية إذا أشروا وبطروا وكفروا أغدق الله عليهم النعم؛ ليزدادوا طغياناً، وليقطع الله لهم كل عذر، ويزيل لهم كل شبهة، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. إخوتي الكرام! فهذا الأمر -كما قلت- يغوص فيه أكثر الناس، والأمر كما قال مالك بن دينار عليه رحمة العزيز الغفار: اصطلحنا في حب الدنيا، والقوم عندما يفتضحون يصطلحون. اصطلحنا في حب الدنيا، فلا يأمر بعضنا بعضاً، ولا ينهى بعضنا بعضاً، ولن يدعنا الله على هذه الحالة, ليت شعري أي عقوبة ستنزل علينا؟! وهذا الموضوع الذي سنتدارسه الآن ما أعلم أحداً من الخلق أكثر تخويفاً وتشويقاً فيه مني، والويل لي إن لم يعف ربي عني.
الحياة الدنيا فانية والآخرة هي الباقية
إخوتي الكرام! وهذا الموضوع الذي سنتدارسه سيدور على أمرين:الأمر الأول: سأقارن مقارنة وجيزة مركزة بين الدنيا والآخرة.والأمر الثاني: بعد تلك المقارنة الواضحة ماذا ينبغي أن نفعله نحو الدنيا والآخرة، وكل من الأمرين يتفرع عنه خمسة أمور، فتلك عشرة كاملة، ثم أختم الموضوع بخاتمة حسنة. أسأل الله أن يختم لنا بالحسنى, إنه سميع مجيب. الأمور التي يتبين لنا بها التفاوت بين الدارين خمسة أمور, هي أعظم الأمور التي يظهر بها التفاوت العظيم بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة:أول أمر من هذه الأمور: أن الحياة الدنيا فانية، وأن الآخرة باقية، وهذا أعظم نقص وذم في الدنيا, كما أن البقاء والدوام أعظم وصف ومدح في الحياة الآخرة، ولذلك قال الإمام السفاريني عليه رحمة الله في غذاء الألباب: أعظم ما عيبت به الدنيا فناؤها وهلاك أهلها. ورحمة الله على الإمام الفضيل بن عياض سيد المسلمين في زمنه حيث يقول: لو كانت الدنيا ذهباً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى - فخار- لكان ينبغي على العاقل أن يؤثر الآخرة على الدنيا؛ لأن الخزف باقٍ، والذهب فانٍ، فكيف والآخرة ذهب يبقى، والدنيا خزف يفنى؟ فكيف ينبغي أن يكون الحرص على الدار الآخرة وكيف ينبغي أن يكون الإعراض عن متاع الغرور، وهي الحياة الدنيا! وكان الحسن البصري عليه رحمة الله ينشد كثيراً في مجالسه ويقول هذا البيت ليذكر نفسه وغيره بحقيقة الدنيا:أحلام نومٍ أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدعفالدنيا مثل أحلام النوم، يرى الإنسان في نومه ما يرى، ثم يستيقظ فيزول عنه ما رآه، وأنت ترى هنا ما ترى ثم بعد ذلك تصل إلى الحياة الحقيقية فيقال لك: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ [ق:22]. كنت في نوم، في سبات، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].ورحمة الله على من قال:إن لله عباداً فطناطلقوا الدنيا وخافوا الفتنانظروا فيها فلما علمواأنها ليست لحي وطناجعلوها لجة واتخذواصالح الأعمال فيها سفنا
 الآيات الدالة على أن الدنيا متاع فانٍ وأن الآخرة هي الباقية
معشر الإخوة الطيبين! نستعرض بعض الآيات والأحاديث في تحقيق هذا الأمر وتقريره, قال الله جل وعلا في سورة غافر حكاية عن مؤمن آل فرعون: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:38-39]. متاع، ما يتمتع الإنسان به وقتاً قصيراً ثم يزول عنه, متعة .. لعبة .. لهو يسير.ولما حض الله على الجهاد وأمر به وتخلف من تخلف من المنافقين وبخهم ربنا جل وعلا بأعظم توبيخ فقال جل وعلا في سورة النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ [التوبة:38]، خلدتم إليها ولزمتموها وبقيتم فيها وما أردتم الخروج والنفير: أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38]. أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ (من) هنا بمعنى: بدل، أي: أرضيتم بالحياة الدنيا بدل الآخرة؟ وقد جاءت (من) بمعنى بدل في القرآن في آيات كثيرة، وهو أحد التفسيرين لقوله الله في سورة الأنبياء: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء:42]. قال الإمام ابن كثير : أي: بدل الرحمن، من يحفظكم ويحرسكم ويكلؤكم ويقوم على رعايتكم آناء الليل وأطراف النهار غير الله؟ هذا أحد التفسيرين لهذه الآية. والتفسير الثاني: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ أي: من يمنعكم ويحفظكم من عذاب الرحمن، كما قال الله جل وعلا: فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ [هود:63] أي: من عذاب الله، فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ [هود:63]. وقد أخبرنا الله جل وعلا عن وضع الحياة الدنيا، فقال جل وعلا في سورة آل عمران: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]. متاع خداع .. متاع لا حقيقة له، ولولا أن فيه هذه الخديعة والشهوات والزينة لما ركن إليه أحد.
 الأحاديث الدالة على أن الحياة الدنيا فانية لا قيمة لها وأن الآخرة هي الباقية
وقد بين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الأمر في أحاديثه الكثيرة, ففي صحيح مسلم وسنن الترمذي وابن ماجه عن المستورد بن شداد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم -في البحر- فلينظر بم ترجع )، إذا أدخل أصبعه في البحر ثم أخرجها ما نسبة ما أخرجه من البحر إلى ماء البحر؟ شيء لا يذكر, ليس شيئاً قليلاً، بل أقل وأقل من القليل، وهكذا الحياة الدنيا بالنسبة إلى الحياة الآخرة، وفي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من يدخل الجنة ينعم لا يبأس )، لا يعتريه بؤس ولا شقاء ولا كرب ولا بلاء ومصيبة، ( لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه ).
 خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما بلا موت
إخوتي الكرام! والذي يقرر عظم خلود أهل الدار الآخرة في الجنة، الذي يقرر هذا زوال الموت وعدمه، لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى [الدخان:56]. وقد وضح لنا نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الأمر غاية الايضاح, ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند ورواه الشيخان في صحيحيهما ورواه ابن ماجه والترمذي في قصة ذبح الموت، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يجاء بالموت يوم القيامة فيوضع بين الجنة والنار )، وفي رواية: ( يجاء بصورة كبش أملح، فيقال: يا أهل الجنة! ما هذا؟ فيقولون: الموت، فيقال: يا أهل النار! ما هذا؟ فيقولون: الموت، ثم يذبح الموت بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم ). وفي رواية الترمذي: ( فلو أن أحداً مات من الفرح لمات أهل الجنة، ولو أن أحداً مات من الحزن لمات أهل النار )! ووالله الذي لا إله إلا هو لو علم أهل الجنة أنهم سيمكثون في الجنة عدد الرمال والحصى وقطر الماء والساعات ثم بعد ذلك سيفنون ويموتون لتنغص عليهم النعيم, ولو علم أهل النار أنهم سيمكثون في النار عدد الرمال والقطر والحصى والساعات لخف عنهم عذابهم. لكن الأمر يا أهل الجنة ويا أهل النار! خلود لا موت.
 خلود الجنة والنار بلا فناء ولا زوال
إخوتي الكرام! ومما ينبغي التنبيه عليه عند هذا الأمر: أن دار الطائعين -وهي الجنة- ودار العاصين -وهي النار- كل منهما مخلد، لكن على سبيل التأبيد لا يفنى ولا يزول.دارا خلود للسعيد والشقي معذب منعم مهما بقيوما نسب لبعض العلماء من أن النار تفنى بعد حين فهو كلام باطل، وهذا القول ضلال، ومخالف للإجماع ولا دليل يدل عليه, وننزه أئمتنا الكرام عن أن يقولوا به، ونسبة هذا القول للإمام ابن تيمية عليه رحمة الله شيخ الإسلام نسبة باطلة فاحذروها، قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني عشر في الصفحة 307: أجمع سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة أن من الأشياء ما لا يفنى ولا يهلك بالكلية، ثم ذكر ثلاثة أمور، فقال مبيناً ذلك: هذه الأمور الثلاثة: النار والجنة والعرش وغير ذلك. فهذا كلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: أجمع سلف الأمة وأئمتها وجميع أهل السنة على أن من الأشياء ما لا يفنى ولا يهلك بالكلية، الجنة والنار والعرش وغير ذلك. وقد نص إمام أهل السنة نضر الله وجهه الإمام أحمد في كتابه السنة على أن المسلمين أجمعوا على أبدية الجنة وأبدية النار، وعدم فناء كل منهما. وهذا القول حكاه الإمام ابن حزم في كتابه مراتب الإجماع، وذكر أن الأمة أجمعت على ذلك، والإمام ابن تيمية علق على كتاب ابن حزم وسمى كتابه نقد مراتب الإجماع، تعقب فيها المسائل التي ذكرها الإمام ابن حزم على أنه مجمع عليها ولا إجماع فيها، فلم يتعقب ابن حزم في هذه المسألة، وسلم الإمام ابن تيمية في تعليقه على هذا الكتاب بأن المسلمين أجمعوا على أبدية الجنة وأبدية النار. وقد قرر الإمام أبو الحسن الأشعري عليه رحمة الله في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: أن المسلمين أجمعوا على أبدية الجنة والنار, ولم يخالف في ذلك إلا الضال الجهم بن صفوان ، إمام الجهمية الفرقة الردية. فهذا الأمر ينبغي أن نعيه؛ لحديث: ( يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت ).إخوتي الكرام! ولا يتعارض هذا مع قول ربنا الرحمن: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]؛ لأن الآية تخرج على أمرين كما ذكر أئمة التفسير، والبحث أيضاً مقرر في كتب التوحيد، الأول: أن تكون من باب العموم المخصوص، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ، وخص من ذلك الجنة والنار والعرش والكرسي، وقد ذكر العلماء ثمانية أشياء لا تفنى ولا تهلك، قال الناظم:ثمانية حكم البقاء يعمهامن الخلق والباقين في حيز العدمهي العرش والكرسي نار وجنةوعجب وأرواح كذا اللوح والقلم(وعجب) أي: عجب الذنب الذي خلق منه الإنسان ومنه يركب, كل شيء من بدن الإنسان يبلى إلا هذا، وهو عظمة صغيرة في نهاية فقرات الظهر في آخر العصعص، فعجب الذنب لا يبلى، وهذا ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم في الصحيح. فهذه الأشياء الثمانية لا يعتريها فناء ولا هلاك ولا زوال.وإما أن تكون الآية من باب العام الذي يراد به الخصوص، فقول الله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88], أي: كل شيء كتب الله عليه الهلاك، وكل شيء حكم عليه بالهلاك. فكل ما عدا هذه الأشياء الثمانية حكم الله بهلاكها فتفنى، وهذه أبدية باقية لا تفنى ولا تزول بإذن الله سبحانه وتعالى ومشيئته.هذا الأمر الأول: أن الدار الآخرة باقية، والدار الدنيوية الدار الأولى فانية زائلة.
الدنيا دار الهم والغم والتعب والآخرة دار النعيم والفرح والسرور
الأمر الثاني الذي تتقابل فيه الحياة الدنيا مع الحياة الآخرة: أن الحياة الدنيوية -وهي الحياة الأولى- تشتت هم الإنسان وتفرق ذهنه وتتعبه، والآخرة بعكس ذلك، فهناك همه يجمع، فلا يمسه في تلك الحياة نصب ولا لغوب إن كان من أهل الجنة التي نحرص أن نكون فيها بإذن ربنا سبحانه وتعالى. فالحياة الدنيا دار نصب ودار تعب ودار نكد وبلاء ومصائب، قال الله جل وعلا في سورة براءة: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55]. قال الحسن البصري: أي: بما يؤخذ منهم من هذه الأموال من زكوات؛ لأن الآية نازلة في المنافقين، فتؤخذ منهم الزكاة, ففي هذا تعذيب لهم. والآية أعم من ذلك: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:55]. أي: بجمعها وحراستها وإنفاقها، وحلول المصائب بها, فيحزن عليها.وقال قتادة: في الآية تقديم وتأخير. وهو قول مرجوح، ورده الإمام ابن جرير وابن كثير عليهم جميعاً رحمة ربنا الجليل. فقال: تأويل الآية: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا, إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وفي هذا التفسير بعد كبير، ولا يتناسب مع حال المنافقين والكافرين في الحياة الدنيا، الذين يجمعونها ويتعبون في جمعها وفي إنفاقها وفي حراستها وفي المحافظة عليها .. نصب ونكد .. تشتيت للهم .. تفريق للذهن.. فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55].ولذلك فإن العاقل يقتصر على ما قل وكفاه ولا يتكثر؛ لأنه إذا تكثر سيلهيه ذلك ويؤذيه، فما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ثبت في كتاب الحلية وغيره في ترجمة أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك من تفرقة القلب, فقيل له: وما تفرقة القلب؟ كيف يتفرق قلب الإنسان؟ قال: أن يوضع لي في كل واد مال، فيتشتت ذهني ويتعب خاطري وجسمي. وقد حدثنا نبينا صلى الله عليه وسلم بالغنى الحقيقي وبينه, ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس الغنى عن كثرة العرض )، حاجات الدنيا ومتاعها، ( ولكن الغنى غنى النفس ). ولذلك قال علماؤنا والقول مأثور عن نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أنه قال: (مثل محب الدنيا كمثل الشارب من البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً)، والمتعلق بالدنيا كلما ازداد غنى يزداد فقراً وحرصاً وتعباً في جمعها والتكالب عليها. وفي الحديث: ( منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا ). ‏
 الجنة دار لا فيها نصب ولا تعب ولا هم ولا حزن
هذه الدنيا تشتت الذهن وتفرق الخاطر وتتعب الإنسان، والدار الآخرة في الجنة بريئة من ذلك، يقول الله جل وعلا في سورة الحجر: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:45-48]. لا تعب ولا هم ولا حزن ولا صنف من المعكرات. ويقول جل وعلا في سورة فاطر: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:32-34]. الحزن .. فساد الذمم .. تعب الفتن .. إعياء البدن، كل ذلك ذهب وزال.. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:34-35]. واللغوب: هو النصب، وهو بمعنى: التعب. وقد كرر النصب للتأكيد، وقيل: إن النصب الأول تعب البدن، واللغوب: تعب النفس المترتب على تعب البدن، فقد يتعب بدن الإنسان ولا يهتم ولا تتعب نفسه، وقد يتعب بدنه وتتعب نفسه، فأهل الجنة منفي عنهم هذا وهذا، لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:35].إخوتي الكرام! هذه الآية آية جليلة عظيمة، وقد كان شيخنا المبارك عليه رحمة الله الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي في كتابه أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن يقول: إن هذه الآية أرجى آية في القرآن، وأذكر تقريره لذلك، ثم أؤيد هذا بحديث وارد عن نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول الشيخ عند قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [فاطر:32-33]: والواو في (يدخلونها) شاملة للظالم والمقتصد والسابق على التحقيق. ولذا قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أصناف هذه الأمة الثلاثة.وإنما بدأ الله بالظالم لنفسه وقدمه لئلا يقنط, وأخر الله السابق بالخيرات لئلا عجب بعمله فيحبط.وهذا المعنى الذي قرره شيخنا المبارك عليه رحمة الله ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم ما يؤيده، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح إن ثبت سماع علي بن عبد الله من أبي بن كعب رضي الله عنه, وهو راوي الحديث، والحديث عن أبي بن كعب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام: ( السابق في الخيرات لا حساب عليه، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه يحبس في عرصات الموقف، ويطول عليه ليعتريه هم وحزن، ثم بعد ذلك يؤذن له بدخول الجنة ). وعلى هذا القول فالضمير في (يدخلونها) يعود على الجميع. وقوله: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر:34]. الذي يظهر لي والعلم عند الله: أن الظالم لنفسه الذي حبس في عرصات الموقف بعد أن يدخل الجنة يقول: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، والسابق والمقتصد يقولون بعد دخول الجنة: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن الذي كنا نصاب به في الحياة الدنيا. كل بحسبه. إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34]. ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب يوماً فقال: سابقنا مقرب, ومقتصدنا ناج, وظالمنا مغفور له.
 فضل الله تعالى ورحمته سبق غضبه وعقابه
إخوتي الكرام! واحات الرجاء والخوف ينبغي أن تتقابل عند الإنسان, فهما كالجناحين للطائر، فمن عول على أخبار الرجاء فقط فهو مرجئي، ومن عول على أخبار الخوف فقط فهو حروري. وكنت قد وضحت هذا في محاضرة سابقة، غير أنني سأنبه الآن على أمر: وهو أن بعض الناس أوصل لي رسالة مصورة, يتعقب فيها شيئاً مما قلته في بعض المحاضرات، ومن جملة ذلك ما يتعلق بهذا الموضوع، فقد كنت ذكرت في محاضرة ماضية أنه أثر عن علي رضي الله عنه وعن حفيده علي بن الحسين بن علي وهو زين العابدين ، في قول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48], قال هذان الرجلان المباركان علي الصحابي وحفيده التابعي رضي الله عنهم أجمعين: هذه أرجى آية في القرآن. وكنت وضحت سبب كونها أرجى آية، فقلت: لأن الله هنا أخبرنا أن الشرك لا يغفره، (لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). وأن ما عدا الشرك فهو تحت المشيئة، إن عاقبنا فهو عدل منه، وإن غفر لنا فهو فضل منه، لا خلاف في هذا عند أهل السنة والجماعة.يقول هذا الأخ: لكنك قلت كلاماً لا يقوله عاقل فضلاً عن عالم، وأسأل الله أن يتوب علينا جميعاً. ما هو الكلام يا أخي! المعترض؟ قال: قلت: وأفعال الله إذا دارت بين الفضل والعدل فالمغلب في حق الله وكرمه جانب الفضل. وعندك شك في هذا أيها الإنسان؟! أيها الإنسان! والله لو حاسبك الله بعدله لأكبك على وجهك في نار جهنم. هل عندك شك في ذلك؟ ومن منا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله. إذا دارت أفعال الله بين الفضل والعدل فالمغلب في كرمه هو الفضل، كما أخبرنا هو عن نفسه أن رحمته سبقت عذابه، وأن حلمه سبق غضبه. هذا وصف الله جل وعلا، كما أخبر به عن نفسه. ثم رتب على ذلك كلاماً في قرابة نصف صفحة، وقال: أنت تفتح باب المعاصي أمام الناس, يتجرءون على حرمات الله ويقولون: نحن تشملنا هذه الآية. وأين أخبار الوعيد يا عبد الله! والله الذي لا إله إلا هو لو كان الواحد منا يأتيه صك بأنه سيختم له على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله فما عليه حرج ولو كان عليه من الذنوب أمثال الجبال، ولكن يا عبد الله! ما الذي يدريك أنه إذا وقعت الذنوب في الحياة الدنيا أن تلقى الله على الإيمان عند الموت؟ولما احتضر سفيان الثوري بدأ يبكي, فطفقوا يرجونه ويخبرونه بأخبار الرجاء والوعد، وأنك وأنك، فقال: يا قوم! والله إني أخشى أن أسلب إيماني، ثم أخذ قشة من الأرض وقال: المعاصي أهون عندي من هذه، لا أبالي بالمعاصي الآن، ليست ساعة المعاصي، إنما ساعة الإيمان والكفر، أين الكلام -يا عبد الله- الذي لا يقوله عاقل فضلاً عن عالم؟ اتق الله في نفسك أيها الرجل!وهذا القول منقول عن علي وحفيده، ولا تبرير له ولا تقرير ولا توجيه إلا هذا: أفعال الله إذا دارت بين الفضل والعدل فالمغلب هو الفضل في كرمه سبحانه وتعالى، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وإذا أطلعنا الله بأنه سيغفر لنا فهو عند حسن ظن عبده به، فليظن به ما شاء، وأخشى أن تكون -أيها المعترض- من الطائفة العدلية, من الطائفة الغبية, وهم المعتزلة الذين يقولون: يجب على الله أن يعاقب العاصي, ولا يجوز أن يغفر له. سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! أمر وسعه ربنا علينا لماذا تضيقونه؟ أفعال الله إذا دارت بين الفضل والعدل فالمغلب في كرمه هو الفضل, فرحمته واسعة سبحانه وتعالى.وقد قال لي بعض الإخوة الكرام أن أتحدث في محاضرة عن أخبار الرجاء، وقال لي: إن الغالب على محاضراتي تدور حول أمور الخوف, فقلت: لك ذلك إن شاء الله. وأسأل الله جل وعلا إن مد في أعمارنا أن يوفقنا إلى الكلام عن هذا الموضوع، وأن نستعرض أكثر الآيات رجاءً وأكثرها خوفاً في محاضرة أخرى إنه على كل شيء عزيز.
الحياة الدنيا حقيرة قليلة مهينة بعكس الآخرة
الأمر الثالث الذي تفترق فيه الدنيا عن الآخرة: أن الدنيا حقيرة قليلة مهينة، ومع ذلك لا يحصل الإنسان فيها ما يريده منها مع حقارتها ومهانتها ووضاعتها، والآخرة على الضد من ذلك. ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى فيها كافراً جرعة ماء ). قال الإمام يحيى بن معاذ الرازي : هذا قدر الدنيا عند الله وهو مالكها, فماذا ينبغي أن يكون قدرها عندك وهي ليست لك؟ عند مالكها لا تعدل جناح بعوضة، فكيف ينبغي أن يكون قدرها عندك؟ ولذلك كان المؤمنون في سائر العصور يسلون أنفسهم بما ينزل عليهم من المصائب من قبل أعداء الله بحقارة الدنيا وفنائها وزوالها، فهؤلاء السحرة سحرة فرعون عندما آمنوا وتهددهم فرعون بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتصليبهم في جذوع النخل قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]. هذه الحياة الحقيرة المهينة التي لا شأن لها ولا وزن ولا اعتبار. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:73].ولما أمر الله جل وعلا ببر الوالدين وأخبر أن برهما ينبغي أن يحصل من الولد ولو كانا مشركين قال: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]. قال المفسرون: وإنما قال: (في الدنيا) ولم يقل: وصاحبهما معروفاً لأمرين:الأمر الأول: للإشارة إلى تهوين الصحبة وتقليل أمرها وشأنها، فأنت وإن ابتليت بأبوين مشركين وأمرت ببرهما وتتضايق من ذلك فصحبتهما ليست ضربة لازب لا تزول ولا تنقطع ولا تنقضي، هي مدة يسيرة، فاصبر على المرارات التي تتجرعها في حال برهما وهما على الشرك، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15].والدلالة الثانية: للإشارة إلى أن صحبتهما قاصرة على الأمور الدنيوية، وأما في أمور الدين: ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ).
 إخبار الله تعالى بأن الدنيا حقيرة مهينة وأن الآخرة هي الحياة الحقيقية
أخبرنا الله جل وعلا أن هذه الحياة حياة حقيرة مهينة، لا وزن لها ولا اعتبار، وأن الحياة الآخرة هي الحياة الكاملة المعتبرة, قال الله جل وعلا: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:64]، وصف تلك الحياة بأنها الحياة الكاملة التامة (لو كانوا يعلمون). وأخبرنا الله جل وعلا عن حال الكافر عندما يؤمر به إلى النار بعد الحساب في عرصات الموقف فقال: يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]، ويخبرنا الله جل وعلا أنه يقول: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر:24-25]. (لحياتي) لحياتي الكاملة التامة الباقية، وهي حياة الآخرة. وقيل: إن اللام هنا للتوكيد، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:24]، أي: وقت حياتي الدنيوية عملاً صالحاً ينفعني في هذا الوقت. وكل من التفسيرين معتبر: يا ليتني قدمت لحياتي التامة في هذا اليوم العصيب الرهيب، حياة لا تزول ولا تنقطع. أو: يا ليتني قدمت عملاً صالحاً وقت حياتي. وهذا كقولك: قدمت لعشر ذي الحجة، أي: وقت عشر ذي الحجة. فاللام إما للتوكيد، وأما للمعنى الأول الذي ذكرته: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:24] أي: وقت حياتي عملاً صالحاً لحياتي التي سأعيشها في هذا اليوم الشديد، فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:25-26].
 ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة يبين فها حقارة الدنيا وهوانها
وقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة واضحة بينة, يبين بها حقارة الدنيا وتفاهتها وهوانها، ففي زيادات عبد الله ولد الإمام أحمد على مسند أبيه عليهما رحمة الله، والحديث في معجم الطبراني الكبير بسند صحيح ع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد سليم
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 340
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )    الأربعاء 5 فبراير - 11:42


ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة يبين فها حقارة الدنيا وهوانها
وقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة واضحة بينة, يبين بها حقارة الدنيا وتفاهتها وهوانها، ففي زيادات عبد الله ولد الإمام أحمد على مسند أبيه عليهما رحمة الله، والحديث في معجم الطبراني الكبير بسند صحيح عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن مطعم ابن آدم جعل مثلاً للدنيا، فإنه وإن قزحه وملحه فانظر إلى أي شيء يصير ). (وإن قزحه) وضع له القزح، وهي التوابل من فلفل وكزبرة وغير ذلك، ليكون طعاماً طيباً ورائحة شهية، (فإنه وإن قزحه وملحه فانظر إلى أي شيء يصير) إلى شيء حقير مهين، وهكذا الحياة الدنيا.وثبت في معجم الطبراني الكبير بسند صحيح عن سلمان الفارسي رضي الله عنه: ( أن قوماً جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ألكم طعام؟ قالوا: نعم، فقال: ألكم شراب؟ قالوا: نعم، قال: فتصفونه؟ قالوا: نعم، قال: وتبردونه؟ قالوا: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل طعام ابن آدم وشرابه مثلاً للدنيا )، أي: تصير الدنيا إلى ما يصير إليه الطعام والشراب، ( يقوم أحدكم خلف حائطه ليقضي حاجته, فيضع يده على أنفه من نتنه ). هذا مثل الدنيا وحقارتها وهوانها ووضاعتها. ولذلك لما جاء رجل للحسن البصري عليه رحمة الله قال له: إن أكلت كثيراً اتخمت، وإن أكلت قليلاً جعت، فقال له الحسن : أيها الرجل! هذه الدار لا تصلح لك، فالتمس داراً غيرها. هذه الدار إن أكلت كثيراً تشتكي من ثقل الطعام، وإن أكلت قليلاً اشتكيت من الجوع وشدته, فهي دار حقارة ونذالة، وليست داراً شريفة كريمة عظيمة, فلا يركن إليها إلا المجنون، فالتمس داراً غيرها.
 الحياة الدنيا لا يحصل فيها الإنسان على مراده بخلاف الآخرة فما أراده وجده

إخوتي الكرام! هذه هي حال الحياة الدنيا حقيرة مهينة، ومع ذلك لا يحصل الإنسان فيها مراده منها، خلاف الدار الآخرة, فهي كمال وطيب وطهر وفضيلة، ورد في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35] في كتاب الحلية وزوائد الزهد على كتاب الزهد لـعبد الله بن المبارك ، عن كثير بن مرة وهو من أئمة التابعين وأدرك سبعين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، قال: إن من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: يا أهل الجنة! ماذا تريدون أن أمطركم؟ فما أرادوا شيئاً إلا أمطرتهم إياه. وبذلك لا يوجد دار يحصل الإنسان فيها ما يريد وما يشاء إلا الدار الآخرة في الجنة, لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]. ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن قدر هذه الدار -الجنة- وعن شأنها ورفعة مكانها، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] ).
 قيمة الدنيا ومقدارها بالنسبة للجنة
وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن منزلة الجنة في الدار الآخرة وعن رفعة قدرها وعن وضاعة الدنيا وحقارتها، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وسنن الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها )، ذهاب ساعات في أول النهار أو ساعات في آخر الليل للجهاد في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ( ولقاب قوس أحدكم أو موضع سوطه في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) مساحة القوس، وهي لا تزيد على متر، خير من الدنيا وما فيها. ( ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما, ولنصيفها على رأسها -يعني: الخمار- خير من الدنيا وما فيها ). هذا حال الجنة في الدار الآخرة، وهذه هي حال الدنيا وحقارتها وخستها ووضاعتها, حقيرة مهينة، والدار الآخرة بضد ذلك.ولذلك قال يحيى بن معاذ، وهو من الأئمة الصالحين عليه رحمة رب العالمين، قال: في طلب الدنيا ذل النفوس، وفي طلب الآخرة عز النفوس، فواعجباً لمن يختار الذل في طلب ما يفنى على العز في طلب ما يبقى! ذل وفانٍ، وهناك عز وباقٍ، وقد أبى أكثر الناس إلا إيثار الذل مع فنائه، فواعجباً ممن يؤثر الذل فيما يفنى على العز فيما يبقى!
لذائذ الدنيا ونعيمها مشتركة بين المؤمنين والكفار والبهائم بخلاف الآخرة فهي خالصة للمؤمنين
الأمر الرابع في الأمور التي تتباين فيها الدنيا مع الآخرة والحياة الأولى مع الحياة الآخرة: أن لذائذ الدنيا ونعيمها يشاركك فيها الفجار والكفار، وهكذا البهائم وسائر المخلوقات، والدار الآخرة لا يشاركك في النعيم فيها إذا كنت في جنة النعيم إلا عباد الله المخلصين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. يخبرنا الله جل وعلا عن شأن الدنيا وعن تعلق الأشرار بها، فيقول: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة:212]. وقد أخبرنا الله جل وعلا أن نعيم الدنيا ولذائذها وبهجتها لا يتناسب إلا مع الفجار الكفار، فقال جل وعلا في سورة الزخرف: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا [الزخرف:33-35]. وهو الذهب. وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:35]. سبحان ربي العظيم! ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر, أي: لولا أن يكفر كل الناس لأعطينا للكفار هذا النعيم في الدنيا، كل من يكفر نجعل لبيته سقفاً من فضة، وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ، درج وسلالم، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا . نجعل لكل كافر هذا؛ لأن هذه الدار المهينة الوضيعة الحقيرة لا تتناسب إلا مع هذا الصنف. ولكن رحمة من الله بعباده ما أعطى هذا للكفار؛ لئلا يتتابع الناس في الكفر. والأمر كما قال نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه، والحديث في سنن الترمذي وصحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ). يشاركك فيها هؤلاء، يشاركك في النعيم هنا هذا الصنف اللعين، وأما في الدار الآخرة فهناك عباد الله الطيبون المقربون، هؤلاء هم الذين يشاركونك، وهذا مما يدعو العاقل للإعراض عن الانهماك في لذات الدنيا والخلود إليها، ورحمة الله على الإمام أبي حازم سلمة بن دينار عندما يقول: اشتدت مؤنة الدنيا ومؤنة الآخرة، أما مؤنة الدنيا فلا تكاد تضرب بدك في مجال من مجالاتها إلا ووجدت فاجراً قد سبقك إليه. أي عمل ترى الفجار يسبقونك إليه. وأما مؤنة الآخرة فإنك لا تجد عليها أعواناً. ورحمة الله على من قال:كفى حزناً أن المروءة ضيعتوأن ذوي الألباب في الناس ضُيعُ وأن ملوكاً ليس يحظى لديهممن الناس إلا من يغني ويصفعهذا حال الحياة الدنيا، الذي ينال الحظوة والمنزلة فيها الرقاص الذي يصفع ويغني.وأن ملوكاً ليس يحضى عندهممن الناس إلا من يغني ويصفعأهذه دار تتعلق بها همة كريمة؟ أهذه دار يخلد إليها عاقل؟ لا والله.
بقدر ما حصل العبد من اللذائذ في الدنيا تنقص درجته وأجره عند الله
الأمر الخامس: أن هذه الدنيا من شؤمها وبلائها أنك إذا حصلت منها نعيماً نقص من درجتك عند الله وإن كنت عليه كريماً، بمقدار ما تحصل من اللذائذ تنقص درجتك عند الله جل وعلا في الدار الآخرة. وهذا الأمر قررته الأدلة الشرعية المعتبرة، ففي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير ومستدرك الحاكم بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، عن شريح بن عبيد الحضرمي أن أبا مالك الأشعري رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين! ليبلغ الشاهد منكم الغائب، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة ). إذا صرفت أيامك في الانهماك في اللذات والشهوات سترى هناك من المرارات ما لا يخطر ببالك, وإذا صرفت أيامك في طاعة رب الأرض والسماوات وانحرفت عن اللذات والشهوات ستحصل من الحلاوة في ذلك الوقت ما يتضاءل بجانبه كل لذة وكل نعيم. وروى ابن أبي الدنيا بسند جيد كما قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، ونقل ذلك ابن حجر في الفتح وأقره عليه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (ما يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجته عند الله وإن كان عليه كريماً). والأثر موقوف على هذا الصحابي البار. والأثر له حكم الرفع، وكنت قد ذكرت شواهد لهذا الأثر في محاضرة ماضية. ولذلك كان سلفنا يحذرون من التوسع في الملذات والشهوات في هذه الحياة، ثبت في صحيح البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما قال: كان أبي صائماً، فلما حان الإفطار وغروب الشمس أتي بالطعام، فلما وضع بين يديه - وهو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة- قال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكان عليه بردة إن غطينا رأسه بدت رجلاه، وإن غطينا رجليه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني, ثم بسطت لنا الدنيا فأعطينا فيها ما أعطينا، أخشى أن تكون طيباتنا قد عجلت لنا، فجعل يبكي, ثم قال: ارفعوا عني الطعام. قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، قتل حمزة وهو خير مني، وما حصلوا من الدنيا نعيماً ولا لذة ولا شهوة، كان الكفن الذي عليه لا يكفي لبدنه، وأما نحن فقد بسطت لنا الدنيا, وأعطينا فيها ما أعطينا, فنخشى أن تكون طيباتنا قد عجلت لنا.وورد في المستدرك ومسند البزار بسند صحيح عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: استسقى أبو بكر رضي الله عنه أي: طلب ماء ليشرب ونحن معه فأتي بماء مشيب بعسل، فلما أدلاه إلى فيه نحاه ثم بكى وبكى حتى أبكى من حوله، فسكتوا وما سكت، ثم أعاد القدح إلى فيه، فبكى وبكى حتى أبكى من حوله, فسكتوا ثم سكت، فقالوا: ما الذي أباك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول بيده: إليك عني إليك عني، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! من تخاطب وليس هاهنا أحد؟ قال: هذه الدنيا تمثلت لي فقلت: إليك عني إليك عني، فقالت: إن نجوت مني فلن ينجو مني من بعدك, فهذا الذي أبكاني ). لا يصيب أحد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجته عند الله وإن كان عليه كريماً.ثبت في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له ). ورحمة الله على الإمام الشبلي عندما يقول: من أراد أن ينظر إلى الدنيا بحذافيرها فلينظر إلى مزبلة من المزابل، ومن أراد أن ينظر إلى نفسه فليأخذ حفنة من تراب فلينظر إليها، فإنه خلق من التراب وسيعود إليه وسيبعث منه: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، ومن أراد أن ينظر إلى شأنه ومنزلته فلينظر إلى ما يخرج منه عند الخلاء. هذه حياتك وهذه هي الحياة الدنيا، إن أردت النظر إلى الدنيا فانظر إلى مزبلة، وإن أردت النظر إلى نفسك فانظر إلى التراب, وإن أردت النظر إلى جاهك ومنزلتك وحالك فانظر إلى ما يخرج منك. هذا حال الإنسان، وهذه هي حال الدنيا. والآخرة على الضد من ذلك، دار كريمة عظيمة بجوار رب البرية. هذه الأمور الخمسة تتقابل فيها الدنيا والآخرة، الحياة الدنيوية والحياة الأخروية. والحمد لله رب العالمين.

إذا علم المؤمن أن الدنيا دار الفناء والزوال، وأن الآخرة هي دار البقاء والدوام؛ كان عليه أن يعرض عن الدنيا وأن يقبل على الأعمال التي بها يفوز في الآخرة بجنة النعيم، وأن يسارع ويعجل في أعمال الخير والطاعات والقربات، وأن يسابق وينافس غيره إليها حتى لا يكون من الذين يؤخرهم الله في الدنيا والآخرة، وأن يفرح كلما وفقه الله لعمل خير وطاعة وقربة تقربه من ربه، وترفع درجاته عنده، وأما الدنيا فالواجب هو الإعراض عنها، وعدم المسابقة إليها، وعدم الفرح بها إذا أقبلت والحزن عليها إذا أدبرت.

الإعراض عن الدنيا ومتاعها والإقبال على الآخرة وثوابها

بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا, إنك أنت العليم الحكيم.أما بعد:ما الذي ينبغي أن نفعله نحو الدارين ونحو أعمال الدارين، تترتب على هذه الخمسة الأمور خمسة أمور أخرى:الأمر الأول الذي ينبغي أن نفعله نحو الدار الدنيوية والدار الأخروية: أن نريد الدار الآخرة, وأن نرغب فيها, وإن نحرص عليها، وأن نعرض عن الدار الدنيا، وأن لا نبالي بها، ولا بيد من كانت، هذا لا بد منه. إخوتي الكرام! هذا الأمر هو المحك الفاصل بين المؤمن والكافر، الكافر قصده وإرادته وهمه الحياة الدنيا، والمؤمن قصده وإرادته الحياة الآخرة، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:152]. هذا محك فاصل ومعيار حاسم بين المؤمن والكافر، فمن أراد الدنيا وزينتها فليعزِّ نفسه، ومن أراد الآخرة ونعيمها فليهنئ نفسه، يقول الله سبحانه وتعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [هود:15], إرادته .. قصده .. نيته الدنيا وزينتها، نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16]. ثبت في صحيح مسلم في حديث الثلاثة الذين يقضى عليهم قبل غيرهم في عرصات الموقف، والحديث مروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الإمام ابن خزيمة بإسناد مطول عن أبي هريرة رضي الله عنه، وجاء في الحديث: أن أبا هريرة رضي الله عنه كان إذا أراد أن يحدث بهذا الحديث يغمى عليه، ثم إذا استيقظ وأراد أن يحدث يغمى عليه، تكرر هذا منه ثلاثاً في رواية ابن خزيمة ، ثم بعد ذلك أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أول من يقضى عليهم يوم القيامة ويحكم بينهم ثلاثة من الخلق: المجاهد، وقارئ القرآن، والمتصدق. يؤتى بالمجاهد -بالشهيد- فيعرفه الله نعمه فيعترف بها ويقر، فيقول: ماذا عملت بها؟ فيقول: قاتلت في سبيلك حتى قتلت، فيقول: كذبت ), وفي رواية ابن خزيمة : ( فتقول الملائكة كذبت، إنما قاتلت ليقال: فلان جريء فقد قيل ). تريد الحياة الدنيا وزينتها، ( ثم يأمر الله الملائكة أن تأخذه فتطرحه على وجهه في نار جهنم، ويؤتى بقارئ القرآن فيعرفه الله نعمه فيعترف بها ويقر، فيقول: ماذا عملت بها؟ فيقول: قرأت القرآن وعلمته آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة كذبت، إنما قرأت وأقرأت ليقال: فلان قارئ، وقد قيل، ويؤتى بالمتصدق فيعرفه الله نعمه فيعترف بها ويقر، فيقول: ماذا عملت بها؟ فيقول: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت, فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، إنما تصدقت ليقال: فلان جواد، وقد قيل، فيؤمر به إلى النار ). وكان معاوية رضي الله عنه عندما يروى له هذا الحديث يبكي بكاء كثيراً حتى يظنوا ببكائه أن البكاء سيفتت قلبه، ثم بعد أن يهدأ بكاؤه بعض الشيء يقول: هذا ما فعل بهؤلاء, فكيف ببقية الناس؟ صدق الله، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يتلو: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16]. ولذلك أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن قصد الإنسان إذا توجه للدنيا، وأن إرادة الإنسان إذا دارت حول الحظوظ العاجلة وأعرض عن الدار الآخرة الباقية فإن القربات التي تصدر عنه تكون من أعظم الموبقات. سبحان الله! طاعات يقوم بها ويعذب بها؟ نعم؛ لأن قصده الدنيا، وكيف سيكون شأن من عظم ما حقره الله، الله جعل الدنيا لا تعدل جناح بعوضة، فأنت جعلتها قصدك ومبلغ إرادتك، والله لو تعبدت بعبادة الثقلين فأنت من المغضوب عليه. ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، والحديث في المسند وسنن أبي داود وابن ماجه وصحيح ابن حبان والحاكم بسند على شرط الشيخين وأقر ذلك الذهبي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا ) هذه نيته وقصده ( لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ).إخوتي الكرام! معشر طلبة العلم! أخلصوا النية لرب البرية، لا نتعلم لشهادة ولا لوظيفة، ولا لنحصل منصباً ولا راتباً، نتعلم لنعرف شرع الله، ولندعو إلى الله على بصيرة، ولنزكي أنفسنا، فإن جاء شيء بعد ذلك دون أن نقصده، فمن قصده فالويل له، إن جاء شيء بعد ذلك نستعين به على ديننا ودنيانا, ويكون مطية لنا إلى ربنا، ولا يخدش ديننا, ولا ينقص كرامتنا فلا مانع من أخذه، وأما أن نلهث وراءه كما تلهث الكلاب فنحن من حطب جهنم، ولن نجد عرف الجنة يوم القيامة. وقد أخبرنا كثير من طلبة العلم وفي ظاهرهم صلاح -وأقسم أيماناً على ذلك- أنه ما يطلب العلم إلا للشهادة والوظيفة.. يا شقاء الأمة وهلاكها بمثل هذا الصنف الخبيث الذين سيحرفون كلام الله عن مواضعه، ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً بعد حين! ( من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ), يعني: ريحها. وهذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

 طالب الدنيا لن يأتيه منها إلا ما قدر له

إخوتي الكرام! والإنسان عندما يقصد الدنيا ويريدها وتكون هي مبعث همه ومحط همته هذا من قصر عقله وحماقته؛ لأنه لن يأتيه إلا ما قدر له، ولذلك عندما فسدت نيته دل على أنه لا يعرف ربه، وما آمن به حق الإيمان، وإلا لو آمن بالرحمن وعلم أن ما قدره الله سيكون وما قدر له سيأتيه ما الداعي لفساد النية؟ فساد النية يصدر من رجل لا يؤمن بالله، أما أنت فلم؟ ما قدر لك سيأتيك، يقول الله جل وعلا في سورة الإسراء: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ [الإسراء:18], هذا قصده وهمه وهمته, عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا [الإسراء:18]. حسب ما يشاء هذا الرجل؟ لا، حسب ما يشاء الله، عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ [الإسراء:18], لا ما يشاؤه هو، مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:18-19]. فهذا الذي قدر لهم لن يزداد ولن ينقص، إنما من فسدت نيته سيحصل ما قدر له بتعب ونصب لأنه انحرف عن شرع الله، وذاك سيحصل ما قدر له براحة وطمأنينة وسكينة قلب، هذا هو الفرق. ولن يحصل محب الدنيا عرضاً دائماً كما يريد، لا ثم لا، وهكذا الذي يريد الآخرة سيأتيه ما قدر له. وهذا المعنى وضحه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي سنن ابن ماجه ومعجم الطبراني الكبير بسند رجاله ثقات عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كانت الدنيا همه ), هي نيته وإرادته وقصده, ( فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ). انتهى الذي قدر لن يزاد فيه, إنما حصل له نكد وتعب وبلاء، فرق الله عليه أمره، وأتعبه بتحصيل هذا العرض الدنيوي، وتراه يلهث وراءه من الصباح إلى العشاء، ويفكر به عندما يريد أن ينام، وعندما يستيقظ مباشرة إلى العمل كالبهيمة, ففرق الله عليه أمره، وما حصل في قلبه غنى ولا قناعة, ( ومن أصبح وهمه الآخرة ) رضوان الله جل وعلا، والجنة الآخرة، ( جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا )، أي: المقدر له منها, ( وهي راغمة ) ذليلة. فشتان بين أن تكون لاهثاً وراءها كالكلب، وبين أن تساق إليك وهي راغمة ذليلة. إذاً: لن يزاد في رزقك عندما تخبث نيتك، وما قدر لك سيأتيك، فأخلص النية لله سبحانه وتعالى. روى الترمذي في سننه وقال: حديث حسن، وابن ماجه والإمام ابن حبان والحاكم في المستدرك وقال: صحيح، وأقره عليه الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20]، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك ).هذا الأمر -كما قلت- هو الحد الفاصل بين المؤمن وغيره، فالمؤمن يريد وجه الله، وغير المؤمن يريد عرض الدنيا، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:67].

 حرص المرء على المال والشرف مهلكة وفساد لدينه

وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن من حرص على جمع المال وكان هذا هو مبعث همه وهو محط همته وهو قصده وهو إرادته، هذا الحرص على المال وعلى عرض الدنيا سيفسد دينه، ويهلكه أعظم من إهلاك الذئب الضاري الجائع إذا وضع في زريبة غنم، ثبت في سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد وسنن الدارمي بسند صحيح عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما ذئبان جائعان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ), أي: إذا حرص على جمع المال وكان ذلك هو نيته، وحرص على الجاه والرفعة والشأن والمنزلة، سيفسد دينه أكثر من إفساد الذئبين الضاريين الجائعين المفترسين عندما يدخلان إلى زريبة الغنم، والمعروف من حال الذئب أنه إذا سطا على زريبة غنم لا يهدأ ولا يستريح ولا يقر ولا يثبت إلا بعد أن يقتل النعاج كلها، ثم يأكل منها ما يريد، أما أن يترك شاة حية فهذا لا يمكن أبداً. وعلى هذا فمن حرص على المال وكان ذلك هو نيته وحرص أيضاً على المنزلة والجاه والشرف سيفسد دينه، بل سيضيع دينه، كما يفسد ويهلك هذان الذئبان جميع الشياه والنعاج.

 عتاب الله تعالى للنبي والمؤمنين في غزوة بدر بسبب أخذهم الفداء من الأسرى

إخوتي الكرام! وكما تقدم معنا أن الله جل وعلا عاتب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم عندما جرى منهم في موقعة أحد ما جرى، فقد عاتبهم أيضاً في موقعة بدر عندما جرى منهم ما جرى، ولولا أن الله أتبع ذلك أيضاً بمغفرته ورحمته لتفطرت قلوبهم، يقول جل وعلا في سورة الأنفال: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ [الأنفال:67], أي: يكثر من القتل. أول معركة وقعت بين الإيمان والكفر ينبغي أن يباد فيها جنود الكفر، فلم تعجلتم إلى الأسر؟ ثم تريدون الفداء، مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:67]. هل وقف الله عند هذه الآية وما أنزل ما بعدها؟ والله ما أظن أن صحابياً يطعم طعاماً أو يشرب شراباً. ثم قال الله في إثرها مباشرة: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال:68-69]. وقع منكم هذا عن طريق الاجتهاد، ولكن الاجتهاد كان فيه شائبة تعلق بالدنيا، ليس قصداً لها، فحاشاهم من ذلك، ومع ذلك يعاتبون بهذا العتاب: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [الأنفال:68] في أنه أحل لكم المغانم، وأنه لن يؤاخذ المجتهد عندما يبذل ما في نفسه للوصول إلى مراد ربه، لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال:68-69].

 تحذير الله تعالى لنساء النبي عن إرادة الحياة الدنيا وزينتها

إخوتي الكرام! وحادث آخر في العصر الأول عاتب الله فيه خلاصة البرية وأشرف المخلوقات, وهن أزواج خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، انظروا -إخوتي الكرام- لهذه الآية مما جرى من نساء النبي عليه الصلاة والسلام، تنزل آية يقول بعض الصالحين: هي أخوف آية في القرآن، يقول الله في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28]. سبحان الله! أمهات المؤمنين يخاطبن بهذا الخطاب، ما الذي جرى منهن؟ قلن: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! نساء كسرى وقيصر في الديباج والاستبرق، وأنت رسول الله خير خلق الله، لماذا لا توسع علينا في الدنيا؟ فقط هذا الذي جرى منهن، فتنزل هذه الآية، إذا كان الإصرار منهن على ذلك, فمتعهن وسرحهن سراحاً جميلاً، وهن أزواج خير خلق الله، وهن أمهات المسلمين, وهن أفضل نساء هذه الأمة: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28]. والتي سيسرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفارقها لأنها تريد الدنيا عليها غضب الله. إذاً: إذا جرى منكن هذا وأنتن ثابتات عليه فأنتن من المغضوب عليكن. هذا معنى الآية. أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يوجه لهن هذا الخطاب عندما طلبن شيئاً يسيراً حقيراً. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:29].هذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام مع نسائه كان يأتيه الضيف فيرسل لأزواجه التسع: هل عندكم ما نضيف به ضيف رسول الله؟ فكل واحدة تقول: والله ما عندنا ما يأكله ذو كبد. لو دخلت فأرة إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ما تحصل حبة قمح ولا تمر. ما عندنا ما يأكله ذو كبد.إخوتي الكرام! فكل ما يثار من اللغط حول أمهاتنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فهو من خبث الملعونين، من خبث الفاسدين، والله لو لم تكن الواحدة منهن في أعلى رتب الصديقية وأعلى درجات الفضيلة لما صبرت على شظف العيش طرفة عين. إنهن يردن الله ورسوله والدار الآخرة. هذا الأمر ينبغي أن نعيه إخوتي الكرام! أن تكون الآخرة هي نصب أعيننا, وهي غايتنا، والدنيا ليست على بالنا، لا نفرح بها إن أقبلت، ولا نحزن عليها إن أدبرت، فإن جاءت فهي في أيدينا لا في قلوبنا، لا يرتفع قدرها عندنا عن هذا القدر، لا بد من هذا أن نعيه, وأن يكون فينا، وإلا فحالنا كما قلت: افتضحنا فاصطلحنا. هذا الأمر الأول: أن لا نبالي بالدنيا وزينتها وبهجتها.

إيثار الآخرة وتقديم أعمالها على أعمال الدنيا

الأمر الثاني وهو يترتب على هذا: إذا أردنا الآخرة وما أردنا الدنيا؛ إذاً ينبغي أن نؤثر أعمال الآخرة على أعمال الدنيا، وأن نقدم أعمال الآخرة على أعمال الدنيا، وإذا لم يصدر هذا منا فنحن في نياتنا كاذبون دجالون مزورون، ونحن نريد الدنيا ولا نريد الآخرة. وكل من آثر أعمال الدنيا على أعمال الآخرة فنيته خبيثة فاسدة، يقول الله جل وعلا: فَأَمَّا مَنْ طَغَى [النازعات:37] طغى: جاوز حده، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:38-39]. وقال جل وعلا في أول سورة إبراهيم: وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم:2-3]. وأخبرنا الله جل وعلا أن الإنسان إذا آثر الدنيا ولم يرد في حياته إلا العاجلة أنه لا فائدة من نصحه ولا وعظه ولا إرشاده، ويجب الإعراض عنه، قال تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى [النجم:29-30]. ولذلك قال يوسف بن أسباط : إذا رأيت الرجل أشر وبطر فلا تعظه. لأنه لا تنفع الموعظة معه في هذا الحين؛ لأنه سكران في حب الدنيا. وهذا كما ثبت في المستدرك وصحيح ابن حبان وسنن الترمذي وسنن أبي داود وابن ماجه بسند صحيح عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني رضي الله عنه فقلت: كيف نفعل بهذه الآية؟ فقال أبو ثعلبة : أية آية؟ قلت: قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]. فقال أبو ثعلبة : لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر, حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة )، يؤثرها على أعمال الآخرة، ( وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك, ودع أمر العامة، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيهن كأجر خمسين منكم, قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! منا أو منهم؟ قال: بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعواناً، ولا يجدون عليه أعواناً ).فينبغي -إذاً- أن نؤثر أعمال الآخرة على أعمال الدنيا، كما أن أهل الدنيا آثروا أعمال الدنيا على أعمال الآخرة، ولذلك قال عيسى ابن مريم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: (يا معشر الحواريين! ارضوا برديء الدنيا كما رضي أهل الدنيا برديء الدين)، أي: ارضوا بالدنيا القليلة كما أن أولئك ما أخذوا بشيء من الدين وأعرضوا عنه, أو أخذوا بحظ قليل منه. ارضوا برديء الدنيا كما رضي أهل الدنيا برديء الدين، أي: بقليله وبشيء يسير منه. هذا الأمر ينبغي أن نعيه وأن يكون على بالنا، وأن نكون به نحو دنيانا وأخرانا.

المسارعة في القيام بأعمال الآخرة بعكس أعمال الدنيا

الأمر الثالث الذي ينبغي أن نتصف به نحو أعمال الدنيا وأعمال الآخرة: أعمال الآخرة ينبغي أن نقوم إليها بسرعة وعجل، ونتعجل فيها، وأما أعمال الدنيا فنقوم إليها ببطء وتمهل، فهنا مسارعة وتعجل في عمل الآخرة، وهناك بطء وتمهل في عمل الدنيا. والله جل وعلا قرر هذا في كتابه فقال جل وعلا: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك:15]. مشياً رويداً يسيراً سهلاً برفق وتؤدة وتأن، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15]. وقال جل وعلا: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [الجمعة:10], انتشاراً برفق وسهولة وطمأنينة, وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:10].وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من التسرع والمسارعة إلى أعمال الدنيا، وأمرنا أن نضع بيننا وبينها حواجز؛ لئلا نقع في فتنتها وفي شركها وفي مصيدتها، ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون, فاتقوا الدنيا )، اجعل بينك وبينها وقاية, وتأن في أمرها وتمهل، فما ينفع خذه، وما يضر استرح منه. ( فاتقوا الدنيا واتقوا النساء, فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت النساء ).وأما أعمال الآخرة فالله جل وعلا أمرنا بالمسارعة إليها، فقال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، وقال: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21]. وقد أثنى الله على عباده المقربين الطيبين من أنبياء وصالحين ذكروا في سورة الأنبياء؛ لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، فقال جل وعلا: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]. فلا بد إذاً من العجلة في أعمال الآخرة، ولا بد من التأني والبطء والتمهل في عمل الدنيا. وهذا الأمر يصرف الإنسان طبيعته إليه، فالله جل وعلا خلقنا وفينا العجلة، فيصرفه إلى أعمال الآخرة، والتأني والتريث إلى أعمال الدنيا، يقول الله جل وعلا: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37]. ذكر المفسرون أربعة أقوال في تفسير هذه الآية، أولها وهو أرجحها: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ، أي: أن الإنسان لفرط استعجاله وشدة تسرعه جعل كأنه مخلوق من العجل، كما قال الله جل وعلا: وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11]. وهذا أسلوب عربي معروف، كقولك: خلق فلان من الكرم، وخلق فلان من الجمال إذا كان كريماً وجميلاً، خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ، جعل لفرط عجلته وشدة تسرعه كأنه مخلوق من ذلك. وهذا أرجح الأقوال. والثاني: قيل: العجل هنا من الطين، خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ أي: من طين. وورد هذا في لغة العرب كما قال الشاعر: والماء من بين الصخر منبعهوالنخل ينبت بين الماء والعجلأي: بين الماء والطين.وقيل: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ لقول الله: كن فكان، فالله خلق آدم بذلك.والقول الرابع: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ أي: وجدت العجلة من الإنسان، والشيء إذا كان سبباً لشيء بدأ العرب بالسبب في كلامهم, ومنه قول الله جل وعلا: وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص:76]. والأصل: ما إن العصبة أولي القوة ليشقيهم ويتعبهم حمل المفاتيح، فلما كانت المفاتيح سبباً في تعب حامليها نسب الفعل إليها، فكأنها هي الذي تدور وتتعب، وهنا خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37] مجاز كما قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : والمعنى: خلق العجل من الإنسان.هذه أربعة معانٍ أرجحها أولها, ففينا العجلة والتسرع، قال تعالى: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37]، وقال: وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11]. فهذا العجل الذي وجد فينا نصرفه إلى أمر الآخرة وإلى أمر الطاعة، وقد أرشدنا إلى ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي مستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( التؤدة ) أي: التأني والتمهل والتريث, ( التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة ). فيستحب فيها التعجل والتسرع. والحديث رواه الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبي، ورواه البيهقي أيضاً في شعب الإيمان بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لــعلي: ( يا علي ! ثلاثة لا تؤخر )، هذه ينبغي العجلة فيها، ويدخل في هذا الحكم ما هو في معناها من أمور الآخرة, ( الصلاة إذا آنت ), أي: إذا حضرت ودخلت وقتها. ( والجنازة إذا حضرت, والأيم إذا وجدت لها كفؤاً )، هذه الأمور الثلاثة لا ينبغي أن تؤخر: الصلاة لا تؤخر، فالعجلة فيها مشروعة؛ لأن ذلك من أعمال الآخرة، ولذلك أخبرتنا أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسارع إلى عمل الآخرة أعظم مسارعة، ففي مسند الإمام أحمد في الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسارع إلى شيء ما كان يسارع إلى الركعتين قبل الفجر ), أي: سنة الفجر كان يسارع إليها ويحرص عليها أكثر من حرصه على سائر الأمور والأشياء، وركعة الفجر كما ثبت في صحيح مسلم عن نبينا صلى الله عليه وسلم: ( خير من الدنيا والآخرة )، ركعتا السنة. وثبت أيضاً عن نبينا عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم أنه قال: ( هما أحب إليّ من الدنيا جميعاً )، ولذلك كان يسارع إليهما. وفي معنى ذلك كل طاعة ينبغي للإنسان أن يسارع إليها. هذا الأمر الثالث.

المسابقة إلى أعمال الآخرة من الطاعات والعبادات

الأمر الرابع: بعد أن أردنا الدار الآخرة، وبعد أن آثرنا الدار الآخرة على الدنيا، وبعد أن سارعنا إلى الدار الآخرة، ينبغي أن نتسابق في مسارعتنا فيما بيننا، نتسابق في عمل الطاعات، إذا رأيت هذا عمل كذا من الطاعات فسأحاول أن أزيد عليه، نتسابق، وأما في أمور الدنيا فلا ينظر بعضنا إلى بعض، ونقنع بما قدر لنا، وأما هنا فإذا لم تسابق غيرك في عمل الآخرة دل هذا على زهدك في الدار الآخرة، وعلى عدم حرصك على ذلك، فينبغي أن تسابق غيرك، فكلنا نسرع ونتعجل في أمر الآخرة ونحرص عليها، ويكون فيما بيننا مسابقة ومنافسة، وهذا الأمر أشار إليه ربنا جل وعلا في آيات كثيرة, فقال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148] استبقوا مسابقة، وقال جل وعلا في سورة المطففين: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:18-26]، فليتسابق المتسابقون إلى هذا. وهذا مما ينبغي أن يحرص عليه المؤمن نحو عمل الآخرةولذلك ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعلم الناس ما في النداء ), أي: الأذان من الأجر والفضيلة والمنزلة عند الله. ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ). لو يعلمون ما في هذين الأمرين من الفضيلة لتسارعوا .. لتعجلوا إلى الأذان وإلى الصف الأول، فإذا وصلوا كلهم دفعة واحدة واختلفوا من الذي سيؤذن، ومن الذي سيكون في الصف الأول؟ لا مرجح إلا بالقرعة والاستهام. لو يعلمون ما في هذين من الفضل لجاء الناس في موعد الصلاة دفعة واحدة، ثم بعد ذلك يستهمون، ويتقدم من تخرج قرعتهم في الصف الأول, ثم ما يليه. ( ولو يعلمون ما في التهجير ), أي: التبكير إلى المسجد لانتظار الصلاة ( لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والفجر لأتوهما ولو حبواً ). هذا عمل الآخرة ينبغي أن يكون على هذه الشاكلة.وفي رواية للإمام أحمد : ( لو يعلمون ما في التأذين لتضاربوا عليه بالسيوف ). سبحان ربي العظيم! لو يعلمون ما في الأذان لحصل بينهم مسابقة ثم منافسة صورت بهذا الأسلوب، لتضاربوا عليه بالسيوف. وثبت في صحيح البخاري معلقاً بصيغة التمريض فقال: ويذكر أن سعد بن أبي وقاص أقرع بين قوم اختلفوا في النداء, وكان هذا في موقعة القادسية, أصيب المؤذن واستشهد, فاختلف الجيش من الذي سيؤذن؟ فأقرع بينهم سعد رضي الله عنهم. هذا عمل الآخرة، كلما سابقت غيرك إليه دل على تعظيمك لربك أكثر وأكثر، ولذلك قرر علماؤنا: أن الإيثار بالقرب لا ينبغي، أي: بالطاعات، فإذا كنت مع إنسان وأنت سبقته لدخول المسجد فلا تتأخر لتقدمه، تريد أن تدخل إلى فضيلة، فالإيثار بالطاعات غير مشروع؛ لأن هذا يدل على زهدك بهذه الطاعة، التي هي تعظيم لله، فعظم ربك قبل غيرك، واحرص على الأجر أكثر مما يحرص عليه الناس. هذا الأمر ينبغي أيضاً أن نعيه, وأن يكون في اعتبارنا، أن يسابق بعضنا بعضاً مع عجلتنا وسرعتنا إلى طاعة ربنا جل وعلا، ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذا الأمر ويحثنا عليه، أعني: على المسابقة في الطاعات في أحاديث كثيرة، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر والحديث رواه البخاري بمفرده عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا حسد إلا في اثنتين ). والحسد هنا معناه: الغبطة، أي: أن تتمنى حصول ما عند من تحسده دون أن تزول تلك النعمة عنه. ( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن ), وفي رواية: ( الحكمة, فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في الحق آناء الليل وأطراف النهار ). لا ينبغي أن تسابق غيرك ولا أن تتمنى مثل ما حصل له إلا في هذا، وما في معناه من أمر الآخرة.

 حرص الصحابة رضي الله عنهم على المسابقة إلى الطاعات والقربات

وقد كان الصحابة يحرصون على هذا أتم حرص, روى ابن إسحاق في كتاب المغازي والسير في موقعة أحد حدثاً عظيماً، حاصل هذا الحدث: أن صحابين صالحين مباركين: الأول رافع بن خديج والثاني سمرة بن جندب ، وكان عمر كل منهما خمس عشرة سنة، فردهما النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد لصغرهما، فقال رافع بن خديج : ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني رامٍ, أرمي ما لا يرميه الرجال الكبار الذين معك، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم وقبله ). سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! يحرص على قتال الكفار وجيش الإسلام سبعمائة، وعدد المشركين في موقعة أحد ثلاثة آلاف، وهو صغير عمره خمس عشرة سنة، يريد أن يسابق الصحابة الكرام, ويقول: إني رام، وإن كانوا أكبر مني سناً فأنا أطيق القتال والجهاد في سبيل الله. فقال سمرة بن جندب : ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إذا كان رافع رامياً فلو صارعته لصرعته )، أنا أفضل منه في المصارعة، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم. هذه هي المسابقة إلى الطاعات وإلى الخيرات والقربات، كل واحد يريد أن يسابق بخصلة خير معه، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم كلاً من الصبيين, وعمر كل منهما خمس عشرة سنة. هذه هي المسابقة إلى الطاعات.إخوتي الكرام! كنت ذكرت في محاضرة ماضية قريبة في فضل أبي بكر رضي الله عنه شيئاً عظيماً، أحب أن أعيده في هذا الوقت، وأن أنبه على شيء قد يفهم فهماً خاطئاً، وأن نعطر هذا المجلس بمثل هذه الأخبار عن هذا الصحابي الطيب, الذي هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. أبو بكر تقدم معنا الإشارة في المحاضرة الماضية إلى بعض أخباره، وأنه ما سبق هذه الأمة بكثرة صلاة ولا صيام, إنما سبقهم بشيء وقر في قلبه، هذا الأمر كنت أريد أن أنبه عليه في المحاضرة عندما ذكرت هذا الأثر، وقلت: ليس هذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، إنما هو من كلام أبي بكر بن عياش ، أو من كلام بكر بن إسحاق المزني ، وبينت هذا سابقاً وخرجت الأثر، إنما قد يفهم الأثر فهماً خاطئاً، قد يظن أن أبا بكر رضي الله عنه ما كان يسبق غيره إلى فعل الطاعات، إنما فقط عنده إيمان عظيم فقط، وهذا خطأ، إنما هو أيضاً سبق الأمة بأعماله الظاهرة، في الأعمال الظاهرة لا يسبقه أحد، عمر فمن دونه, من تهجد وقيام ومجاهدة وجهاد، إنما ما كانت فضيلته بهذا فقط، بل كانت فضيلته بشيء وقر في قلبه من تعظيم الله جل وعلا، وعدم المبالاة بالدنيا، فليس المقصود أنه كان قليل العمل لكن في قلبه إيمان عظيم، كما سأوضح ذلك بالأمثلة، وكنت ذكرت في فضله رضي الله عنه قول عمر , وهو ثابت بسند صحيح موقوفاً عليه, وله شواهد في المرفوع كثيرة تقدم الكلام عليها: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر. أريد أن أذكر الآن بعض نماذج من الأعمال الظاهرة التي كان أبو بكر رضي الله عنه يسبق بها من يريد المسابقة، أعطر بها المجلس, وأزيل ما يعلق من إيهام حول الأثر المتقدم، ثبت في مسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة في أمر المسلمين )، أي: يكثر السمر والسهر مع أبي بكر وفي بيته، يتحدثان في مصالح المسلمين، ( فكنت ليلة عند أبي بكر وسمرت معه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خرج النبي عليه الصلاة والسلام خرجنا معه، فمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد، وإذا بــعبد الله بن مسعود يقرأ القرآن, فوقف ا


عدل سابقا من قبل احمد سليم في الأربعاء 5 فبراير - 11:53 عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد سليم
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 340
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )    الأربعاء 5 فبراير - 11:46




 حرص الصحابة رضي الله عنهم على المسابقة إلى الطاعات والقربات
وقد كان الصحابة يحرصون على هذا أتم حرص, روى ابن إسحاق في كتاب المغازي والسير في موقعة أحد حدثاً عظيماً، حاصل هذا الحدث: أن صحابين صالحين مباركين: الأول رافع بن خديج والثاني سمرة بن جندب ، وكان عمر كل منهما خمس عشرة سنة، فردهما النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد لصغرهما، فقال رافع بن خديج : ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني رامٍ, أرمي ما لا يرميه الرجال الكبار الذين معك، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم وقبله ). سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! يحرص على قتال الكفار وجيش الإسلام سبعمائة، وعدد المشركين في موقعة أحد ثلاثة آلاف، وهو صغير عمره خمس عشرة سنة، يريد أن يسابق الصحابة الكرام, ويقول: إني رام، وإن كانوا أكبر مني سناً فأنا أطيق القتال والجهاد في سبيل الله. فقال سمرة بن جندب : ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إذا كان رافع رامياً فلو صارعته لصرعته )، أنا أفضل منه في المصارعة، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم. هذه هي المسابقة إلى الطاعات وإلى الخيرات والقربات، كل واحد يريد أن يسابق بخصلة خير معه، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم كلاً من الصبيين, وعمر كل منهما خمس عشرة سنة. هذه هي المسابقة إلى الطاعات.إخوتي الكرام! كنت ذكرت في محاضرة ماضية قريبة في فضل أبي بكر رضي الله عنه شيئاً عظيماً، أحب أن أعيده في هذا الوقت، وأن أنبه على شيء قد يفهم فهماً خاطئاً، وأن نعطر هذا المجلس بمثل هذه الأخبار عن هذا الصحابي الطيب, الذي هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. أبو بكر تقدم معنا الإشارة في المحاضرة الماضية إلى بعض أخباره، وأنه ما سبق هذه الأمة بكثرة صلاة ولا صيام, إنما سبقهم بشيء وقر في قلبه، هذا الأمر كنت أريد أن أنبه عليه في المحاضرة عندما ذكرت هذا الأثر، وقلت: ليس هذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، إنما هو من كلام أبي بكر بن عياش ، أو من كلام بكر بن إسحاق المزني ، وبينت هذا سابقاً وخرجت الأثر، إنما قد يفهم الأثر فهماً خاطئاً، قد يظن أن أبا بكر رضي الله عنه ما كان يسبق غيره إلى فعل الطاعات، إنما فقط عنده إيمان عظيم فقط، وهذا خطأ، إنما هو أيضاً سبق الأمة بأعماله الظاهرة، في الأعمال الظاهرة لا يسبقه أحد، عمر فمن دونه, من تهجد وقيام ومجاهدة وجهاد، إنما ما كانت فضيلته بهذا فقط، بل كانت فضيلته بشيء وقر في قلبه من تعظيم الله جل وعلا، وعدم المبالاة بالدنيا، فليس المقصود أنه كان قليل العمل لكن في قلبه إيمان عظيم، كما سأوضح ذلك بالأمثلة، وكنت ذكرت في فضله رضي الله عنه قول عمر , وهو ثابت بسند صحيح موقوفاً عليه, وله شواهد في المرفوع كثيرة تقدم الكلام عليها: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر. أريد أن أذكر الآن بعض نماذج من الأعمال الظاهرة التي كان أبو بكر رضي الله عنه يسبق بها من يريد المسابقة، أعطر بها المجلس, وأزيل ما يعلق من إيهام حول الأثر المتقدم، ثبت في مسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة في أمر المسلمين )، أي: يكثر السمر والسهر مع أبي بكر وفي بيته، يتحدثان في مصالح المسلمين، ( فكنت ليلة عند أبي بكر وسمرت معه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خرج النبي عليه الصلاة والسلام خرجنا معه، فمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد، وإذا بــعبد الله بن مسعود يقرأ القرآن, فوقف النبي صلى الله عليه وسلم ينصت لقراءته، ثم قال: من أحب أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد )، أي: بقراءة ابن مسعود . ( ثم لما أراد ابن مسعود أن يدعو قال النبي عليه الصلاة والسلام: سل تعط، سل تعط ). وابن مسعود لم يدر بحال النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بحال أبي بكر وعمر , ثم انصرف كل إلى جهته وبيته. يقول عمر: ( فأدلجت -أسرعت- إلى عبد الله بن مسعود لأبشره, فطرقت عليه -أي: بعد أن ذهب كل واحد إلى بيته- فقال: ما الذي جاء بك الساعة؟ فقلت: جئت لأبشرك بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد سبقك أبو بكر. فقلت: فإن يفعل فإنه سباق إلى الخيرات، والله ما استبقنا خيراً قط إلا سبقنا إليه ). سباق إلى الخيرات، ما استبقنا خيراً قط إلا سبقنا إليه. ورواه الدارمي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومن الذي سينافس أبا بكر وعمر الذي يليه في الفضيلة؟ ولكن شتان شتان ما بين الرجلين، رضي الله عنهم أجمعين. وأعظم ما نعده ونتقرب به لرب العالمين بعد إيماننا بالله حب الصحابة، حب الصحابة أعظم حسنة نتقرب بها إلى الله بعد الإيمان.يقول عمر : ( حظ النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، وصادف ذلك وجود مال عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً ). إذا كان يوم من الأيام أسبقه فسأسبقه اليوم؛ لأن عندي أموال، وجاءني خير كثير، يقول: ( فقسمت مالي نصفين وأخذت نصفه وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر وجاء عمر , وكل واحد جاء بصدقة على حسب مسابقته، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما في وجه عمر , فقال: ما الذي أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، النصف, فالتفت إلى أبي بكر فقال: ما الذي أبقيته لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله ). ما ترك في بيته شيئاً. ( فقال عمر: والله لا أسبقك إلى شيء أبداً ). حرصت الآن غاية الحرص وجئت بنصف المال, وأنت هكذا جئت بدون قصد, فغلبتنا, والله لا أسبقك إلى شيء أبداً. وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أصبح منكم اليوم صائماً؟ فقال أبو بكر: أنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من تبع منكم اليوم جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من عاد منكم اليوم مريضاً؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما اجتمعن في رجل إلا أدخله الله الجنة ). هذا هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه. مسابقة ومنافسة.

 التحذير من المسابقة والمنافسة في أمر الدنيا

ولا بد من المنافسة والمسابقة في أمر الآخرة، وأما أمر الدنيا فلا داعي للمنافسة ولا للمسابقة، ولا للمنافسة فيها, هذا لأنها لا وجه لها ولا اعتبار، ولذلك أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الناس ينتفعون بإيمانهم وبكلمة توحيدهم ما لم يتنافسوا في دنياهم ويؤثروا العرض الفاني على الباقي، ففي مسند البزار بسند حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزال لا إله إلا الله أمنع من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم ), أي: على دينهم وعلى آخرتهم, ( فإذا آثروا صفقة دنياهم وقالوا: لا إله إلا الله قال الله: كذبتم ). آثرتم الآن الفاني الذي لا يعدل جناح بعوضة على الباقي في جوار الحي القيوم. وثبت في الصحيحين وغيرهما عن عمرو بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين ليأتي بالجزية، فلما جاء وافى الأنصار صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته تعرضوا له، وبدءوا يكلمونه ليوزع عليهم هذا الخير، وهذه المغانم التي جاءت، فقال: ( أظن أنه بلغكم أن أبا عبيدة قدم من البحرين؟ قالوا: نعم. قال: أبشروا وأملوا ما يسركم، والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها -أي: تتسابقون عليها- فتهلككم كما أهلكتهم ). هذا الذي أخشاه عليكم، أن تبسط الدنيا ويقع بعد ذلك فيما بينكم المسابقة والمنافسة على تحصيل عرضها كما هو الحاصل فينا في هذا الوقت، ( فتهلككم كما أهلكتهم ).وثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ما يشير إلى ما ينبغي أن يسلكه المسلم, وكيف كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم نحو عرض الدنيا، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً ), وفي رواية: ( كفافاً ) بمقدار قوت، بمقدار ما يكف عن السؤال ويكفي حاجة النفس، هذا الذي كان يسأله النبي صلى الله عليه وسلم له ولآله. وقد أخبرنا أن من حصل له هذا وقنع بالكفاف، فهو مصلح فائز رابح، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه ). وكان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على هذا، وإذا حصل لهم الكفاف ولو لم ينافسوا حمدوا الله جل وعلا، ثبت في صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما: أن سعد بن أبي وقاص عندما وقعت الفتنة عند مقتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه كان في إبله وفي غنمه، فجاءه ولده عمر , فقال: يا والدي! يا أبتي! أنت هنا والناس يقتسمون ويتنازعون على الملك في المدينة، اذهب وشارك لتحصل شيئاً من المناصب وشيئاً من المراتب، فضرب سعد بن أبي وقاص بصدر ولده وقال: اسكت، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي ). قال شراح الحديث: الغني: غني النفس. فكل من لم يكن غني النفس فهو حقير كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ). والذي يسهل عليك القناعة بأمر الدنيا مع المنافسة في أمر الآخرة أن تعلم أن الله ما صرف عنك أمر الدنيا بخلاً, فخزائنه ملأى، إنما صرفه عنك لطفاً بك، فاحمد الله على أن صرفه عنك، فلا داعي بعد ذلك للمنافسة والمسابقة في عرض حقير, لا يزن عند الله جناح بعوضة. هي القناعة فارض بها تعش ملكاًلو لم يكن لك فيها إلا راحة البدنوانظر لمن ملك الدنيا بأجمعهاهل راح منها سوى بالقطن والكفن

يتبع

الفرح بأعمال الآخرة على عكس أعمال الدنيا
الأمر الخامس وهو آخر الأمور الذي ينبغي أن نفعله نحو أعمال الدنيا وأعمال الآخرة: أن نفرح بأعمال الآخرة، فإذا وفقنا للقيام بها نفرح ونبتهج ونسر ونطير فرحاً، والدنيا على العكس من ذلك إن جاءتنا نفرح، وإن ذهبت عنا لا نحزن، وإن جاءت لا تكون إلا في أيدينا لا في قلوبنا، وأما الآخرة فإن حصلناها نفرح بها، وإن حجبنا عنها تضيق علينا الأرض بما رحبت، لا بد من هذا الوصف أيضاً في المكلف؛ ليكون من السعداء الفائزين، والله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]. ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي بن كعب : ( يا أبا المنذر ! إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة (لم يكن الذين كفروا) - سورة البينة- فقال أبي : آلله سماني لك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله سماك لي، فقال أبي : أذكرت عند رب العالمين؟ ثم بدأ يبكي ). وفي رواية المسند: فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي : (يا أبا المنذر ! أفرحت؟ قال: وما يمنعني، وقد قال الله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] ). سبحان ربي العظيم! إنسان يذكره رب العالمين لنبيه الأمين أن يقرأ عليه هذه السورة ألا يفرح؟ والله إن هذا الفخر يتضاءل بجانبه كل فخر، هذا هو الفخر الحقيقي، الفخر الحقيقي أن يذكره رب العالمين أمام نبيه الكريم ليقرأ عليه هذه السورة، وأبي بن كعب هو أقرأ هذه الأمة على الإطلاق بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث في المسند وسنن الترمذي بسند حسن صحيح: ( وأقرؤكم أبي ).إخوتي الكرام! وإنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليه هذه السورة وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على أبي هذه السورة تشريفاً لـأبي وملاطفة له وتأنيساً، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره وذكر أيضاً شراح الحديث عند شرح هذا الحديث أن أبي بن كعب رضي الله عنه كما في صحيح مسلم : ( كان في المسجد، فدخل رجل فقرأ القرآن على حروف لم يقرأها أبي ، لم يسمعها من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم دخل رجل فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه ). فاختلفت قراءة أبي مع قراءة هذين الرجلين، فقال لهما أبي : ( من أقرأكما؟ فقالا: النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فذهبنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعرضنا عليه قراءتنا, فحسن قراءة كل منا، وكان يقول: هكذا أنزل ). وحديث نزول القرآن على سبعة أحرف متواتر باتفاق المحدثين، يقول أبي : ( فسقط في نفسي من التكذيب ولا إن كنت في الجاهلية )، دخل في نفسي خاطر شيطاني, كيف يختلف القرآن وهو كلام الرحمن؟ كيف يقرأ هذا (فتثبتوا)، وهذا يقرأ ( فتبينوا)؟ والقراءة مع القراءة كالآية مع الآية، وبهذا يزيد إعجاز لكلام الله سبحانه وتعالى، (ولا يأتل أولوا الفضل)، (ولا يتألى أولوا الفضل)، (إن المتقين في مقام أمين), ( في مُقام أمين). كل قراءة تعتبر آية مستقلة, ما الحرج في هذا؟ يقول: ( فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلي وعرف ما دار في قلبي من خاطر رديء ظهر على وجه أبي رضي الله عنه ). وهذا الخاطر كما قلت من وساوس الشيطان، والحمد لله الذي عفا عنا الخاطر والهاجس والهم في السيئات فلا تكتب علينا.مراتب القصد خمس هاجس ذكروافخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم كلها رفعتسوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعارفع الله عنا في جميع السيئات الهاجس والخاطر وحديث النفس والهم، وأما العزم, وهو التصميم على الفعل بحيث لو لم يحل بينك وبين عزمك مانع خارجي لفعلته، فهذا أنت مؤاخذ به أما ما دون ذلك فلا يكتب في السيئات، وأما في الحسنات فالهاجس والخاطر لا يكتبان، وحديث النفس والهم والعزم يكتب، ثلاثة أمور تكتب في الحسنات, وأمر واحد يكتب في السيئات.قال: ( فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدري، ففضت عرقاً كأني أنظر إلى الله فرقاً، فقال: يا أبي ! إن الله أرسل إليّ أن أقرئ أمتك القرآن على حرف، فقلت: اللهم هون على أمتي، فقال: أقرئ أمتك على حرفين، فقلت: اللهم هون على أمتي، فقال: أقرئ أمتك على سبعة أحرف كلها كاف شاف، ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها ), اسأل ما شئت. ( فقلت: اللهم أمتي .. اللهم أمتي, وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم ). على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه. هذا هو السبب لما جرى من أبي رضي الله عنه، فالله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على أبي سورة البينة تأييداً له وتثبيتاً وملاطفة.إخوتي الكرام! عند قول أبي وهو في صحيح مسلم : ( كأني أنظر إلى الله فرقاً ), يقول الأخ المعترض في رسالة أرسلها باسم امرأة أيضاً, ونسأل الله أن يصلح شأننا وشأنه، يقول: إنك ذكرت في بعض المحاضرات أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا صفات ربنا كأنه ينظر إليه، يقول: وهذا تشبيه وتمثيل يتنافى مع طريقة أهل السنة والجماعة؟ من هم أهل السنة والجماعة أنت أيها المنكر؟! أهل السنة والجماعة أنت؟ هذا حديث في صحيح مسلم يقول أبي : ( كأني أنظر إلى الله ). هل أبي من الفرق المبتدعة؟ وأنت الذي جئت في آخر الزمان من أهل السنة والجماعة؟ إي والله بين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم صفات ربنا حتى كأننا ننظر إليه، (كـأننا) هل في ذلك حرج؟ وسأوضح هذه الأمور في محاضرة إن شاء الله من باب بيان الفائدة بعون الله وحوله. وهذا الحديث في صحيح مسلم، وعندي من كلام السلف الثابت من هذا شيء كثير. إخوتي الكرام! من باب الفائدة: أبي بن كعب من الخزرج من بني النجار، وهو من الأنصار، وهو عربي قح، أنا لا أقول هذا من باب الافتخار بالعربية أو بالعجم, فإن أكرمكم عند الله أتقاكم، إنما أريد أن أنبه إلى أمر وهم فيه الذهبي المتأخر صاحب كتاب التفسير والمفسرون، يقول: ولعل الذي ساعد أبياً على الاطلاع على تفسير كلام الله أنه كان حبراً من أحبار اليهود. سبحان ربي العظيم! الذهبي نسبك إلى اليهود يا عبد الله! ولعل الأمر اشتبه عليه بـكعب الأحبار ، فظن هذا الرجل أن أبي بن كعب هو ابن كعب الأحبار، وهذا كما يقال: الرجل أكبر من أبيه، أو أكبر من جده، كعب تابعي وأبي صحابي، فهذا اشتباه في منتهى النكارة لزم التنبيه عليه، أبي بن كعب ليس هو ابن كعب الأحبار , إنما اتفق والد أبي مع كعب الأحبار في الاسم، ولا علاقة له باليهود، ولم يكن حبراً من أحبارهم.إخوتي الكرام! لا بد من الفرح بأعمال الآخرة، وقد فرح أبي عندما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه سورة (لم يكن).وثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المرء مع من أحب ). والحديث متواتر، وقد ألف أبو نعيم حوله كتاباً سماه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ( الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم, فقال له: المرء مع من أحب. يقول أنس - هذا محل الشاهد- فما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحنا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب. فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم لحبي إياهم ). فرح فرحاً عظيماً بهذا. وهكذا كان حال سلفنا رضوان الله تعالى عليهم إذا رأوا أمراً من أمور الآخرة فرحوا به، ففي سنن النسائي في كتاب النكاح باب: التزويج على الإسلام، وفيه: (أن أم سليم خطبها أبو طلحة ، فقالت: يا أبا طلحة ! مثلك لا يرد، رجل شريف وصاحب مروءة، ولكنك كافر، فإذا أسلمت فذلك مهري, لا أريد مهراً غيره, فأسلم أبو طلحة وتزوج أم سليم ، يقول ثابت الراوي عن أنس رضي الله عنهم أجمعين: فما سمعنا بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم ). هكذا كانوا يعظمون شعائر الله جل وعلا ويفرحون بها. ‏
التحذير من الفرح بالدنيا
عباد الله! كما قلت وأما الدنيا فما ينبغي الفرح بها، ولذلك أخبرنا الله جل وعلا في صورة القصص عن العاصي قارون عندما خرج على قومه في زينته: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:79-80] . في أول الآيات يقول الله: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:76-77]. وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77], قال ابن عباس رضي الله عنهما وجمهور المفسرين: أي: لا تنس نصيبك من الدنيا في فعل الطاعات، والتزود للمعاد، فهو تشديد بعد تشديد.وقال بعض المفسرين وهو قول معتبر: ولا تنس نصيبك من الدنيا في التمتع بما أحل الله لك. وعلى هذا ففي هذا شيء من الملاطفة له، وكل من التفسيرين معتبر. وقال الله جل وعلا: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ [الرعد:26]. وقال الله جل وعلا: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23]. هذه الأمور الخمسة ينبغي أن نتصف بها نحو عمل الدنيا وعمل الآخرة.
أقسام الناس تجاه الدنيا وتحصيلها واكتسابها
الفصل في الكلام في هذا الأمر إخوتي الكرام! أن الناس في هذه الحياة الدنيا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام ليس لها رابع، مؤمن ومنافق وكافر، وكل واحد له صفة نحو الدنيا، فلينظر كل واحد منا في هذه الصفة؛ ليرى من أي الأقسام هو، أما المؤمن فيتزود، وأما المنافق فيتزين، وأما الكافر فيتمتع، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12]. والمنافق همه دائماً التزين في ثيابه ومركبه وأثاث بيته وقلبه خراب.ما بال دينك ترضى أن تدنسهوثوبك الدهر مغسول من الدنسترجو النجاة ولم تسلك مسالكهاإن السفينة لا تجري على اليبسوأما المؤمن فيتزود، فمن جعل الدنيا مجالاً لمتعه فهو كافر بالله، ومن جعلها مجالاً للزينة وقصر نظره على هذا فهو منافق، ومن جعلها مجالاً للتزود بالعمل الصالح, واكتساب المال من حله وإنفاقه في حقه وعدم الانشغال به عن الله فهذا مؤمن. والناس في تحصيل الدنيا أيضاً لا يخرجون عن ثلاثة أقسام، قسم يحصل الدنيا بالدنيا فهذا في جهنم، وقسم يحصل الدنيا بالدين، وهذا في الدرك الأسفل من النار، ثبت في مستدرك الحاكم بسند صحيح أقره عليه الذهبي عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بشر هذه الأمة بالثناء والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض، ومن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ليس له في الآخرة نصيب ).والصنف الثالث: يتزود من الدنيا للآخرة. فمن الناس من يكسب الدنيا بالدنيا، ومنهم من يكسب الدنيا بالدين، ومنهم من يكسب الدين بالدنيا، فيجعل دنياه مطية لآخرته، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207]. والانهماك في اللذات والاسترسال في الشهوات المباحات فضلاً عن المحرمات هذا ليس من خصال الأبرار ولا من خصال المؤمنين ولا من خصال المتقين. ثبت في مسند الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له عندما أرسله إلى اليمن: ( إياك والتنعم! فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ). وثبت في صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب كتب إلى أميره وعامله على بلاد أذربيجان وكان قائداً لسرية في ذلك الوقت، وهو عتبة بن فرقد ، فقال له: إنه ليس من كدك ولا كد أبيك ولا كد أمك، فأطعم الناس في رحالهم مما تطعمه في رحلك، وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك. وثبت في سنن أبي داود وابن ماجه بسند حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا يوماً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ مرتين، إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان ). والبذاذة: هي رثة الهيئة وعدم الاعتناء بالملبس، وأن يكون اللباس خادماً لك، لا أن تكون خادماً له. فالتزين مع قصر النظر على ذلك هذا ليس من خصال المؤمنين، ولا مانع أن يفعل الإنسان هذا بشرط ألا يكون هذا هو قصده وهمته تتعلق به، ثم بعد ذلك في بعض الأحيان يلبس ثياباً فيها شيء من البذاذة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( البذاذة من الإيمان، البذاذة من الإيمان ). ‏
حرص السلف الصالح على الزهد في الدنيا والبعد عنها
وكان السلف رضي الله عنهم يحرصون على المسلك المتقدم غاية الحرص، وعلى رأسهم نبيهم صلى الله عليه وسلم! ففي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان والمستدرك بسند صحيح عن عمرو بن العاص : أنه خطب التابعين يوماً فقال لهم: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، وأرغبهم في الآخرة. وثبت في مستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال للتابعين: أنتم أكثر صلاة وصياماً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا خيراً منكم، قالوا: وكيف ذاك؟ قال: بزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة. يزهدون في الدنيا ولا يعظمونها, ويرغبون في الآخرة، وأما أنتم فعندكم حرص على الدنيا، وعندكم بعد ذلك بالمقابل تهاون في أمر الآخرة.ولذلك ورد في الحلية وغيره عن إبراهيم التيمي ، وهو من أئمة السلف الصالحين، وكان يقول: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه، كان يقول: كم بينكم وبين من قبلكم, أقبلت عليهم الدنيا فهربوا منها، وأدبرت عنكم فتبعتموها، مع سابقتهم وتفريطكم, فكيف بين أمركم وأمرهم؟ كيف يكون الحال؟وورد في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان وغير ذلك عن أنس رضي الله عنه: أن سلمان الفارسي اشتكى، فعاده سعد بن أبي وقاص وعاده عدد من الصحابة، فلما عادوه وأرادوا زيارته في حال مرضه رضي الله عنه ودخلوا بيته بكى سلمان الفارسي ، فقال له سعد : ما الذي يبكيك؟ صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت وكنت، وبدأ يذكر محاسنه وفضائله، فقال سلمان : والله ما أبكي رغبة في الدنيا، وضناً عليها، ولا أبكي أيضاً زهداً في الآخرة، إنما قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليكن بلغة أحدكم في هذه الدنيا كزاد الراكب )، والراكب يتزود ما يكفيه في سفره ولا يزيد, ونحن تزودنا في هذه الدنيا أكثر مما نحتاج، فهذا الذي أبكاني رضي الله عنه وأرضاه. ولم يكن من المترفين ولا من الذين يجمعون الفلوس، ولما توفي رضي الله عنه لم يخلف إلا عشرين درهماً وأمتعة قومت جميعها فما وصلت إلى عشرين درهماً أخرى. فغاية ما تركه يقارب أربعين درهماً، ومع ذلك كان شديد الخوف لأنه لم يأخذ بوصية النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليكن بغلة أحدكم في هذه الحياة الدنيا كزاد الراكب ).إخوتي الكرام! ولذلك كان سلفنا يحذرون غاية الحذر من انفتاح الدنيا عليهم لما يترتب عليها من بلاء وقعنا فيه في هذه الأيام، روى الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى بسند حسن عن أبي سنان الدؤلي قال: دخلنا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن فتح الله عليه القادسية، وجاءت المغانم إلى المدينة المنورة، ومعه مشايخ المهاجرين فجيء بسفط من خشب، فلما فتحت خرج فيها خاتم، فأخذه ولد لــعمر فتبعه عمر وأخذه منه، ثم جلس عمر رضي الله عنه يبكي، فقالوا: ما الذي يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فتح الله عليك، وأظهرك وأقر عينيك، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تفتح على قوم الدنيا إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ). فهذا الذي أبكاني.وقد فتحت علينا، وهذه حالتنا عندما فتحت علينا الدنيا، فالصلاة التي نصليها جوفاء لو قدمت إلى زبال لا يقبلها، فكيف نتقرب بها إلى رب الأرض والسماء؟ والإنسان في صلاته في كل واد من أودية الدنيا يهيم، ثبت في معجم البزار بسند جيد عن ابن مسعود والأثر رواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين: أن ابن مسعود رضي الله عنه عندما كان على الكوفة ويعطي الناس عطاءهم أعطى رجلاً ألف درهم عطاءه، ثم قال له: خذها، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما أهلك من كان قبلكم الدرهم والدينار )، وهما مهلكات.أسأل الله جل وعلا برحمته التي وسعت كل شيء أن ينزع حب الدنيا من قلوبنا، وأن يجعلنا ممن لا يفرحون بها إذا أقبلت، ولا يحزنون عليها إذا أدبرت، وأن يجعلها في حال وجودها عندنا في أيدينا لا في قلوبنا، وأن يجعلها مطية لنا إلى ربنا، وأن يجعلنا ممن يتسابقون الخيرات. إنه على كل شيء قدير.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: