منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 فضل قيام الليل [- للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد سليم
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 340
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: فضل قيام الليل [- للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )    الأربعاء 5 فبراير - 17:26



فضل قيام الليل [- للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )

صلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلا بما صلح به أولها، وأول هذه الأمة -وهم سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين- كانوا على قدر عظيم من الصلاح والتقوى والتمسك بالدين، ومن ذلك محافظتهم على الطاعات والعبادات والنوافل والقربات والتي من أهمها وأفضلها قيام الليل، وقد دلت الأدلة الكثيرة من كتاب الله تعالى على فضل هذه العبادة العظيمة ومنزلتها عند الله تعالى.
ذكر الأمور الداعية إلى الحديث عن قيام الليل
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. الحمد لله شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد:معشر الإخوة الكرام! إن الموضوع الذي سنتدارسه في هذا الحين يدور حول شعار الصالحين في كل حين، وهذا الموضوع في الحقيقة يعتبر تتميماً لموضوع قد مضى الكلام عليه في وقت ماضٍ حول هدي الإسلام في نوم الإنسان، واستعرضت هناك آداب النوم، والحكمة من خلق النوم، ووجود الليل، وسأستعرض الآن ما ينبغي أن يفعله الإنسان بعد نومه، وهو شعار الصالحين في كل وقت، والذي دعاني للحديث عن هذا الأمر أمران عظيمان جليلان:
 صلاح الأمة بصلاح القلوب
الأمر الأول: أنني تأملت حال الأمة الإسلامية الذين زاد عددهم في هذا الوقت على ألف مليون مسلم، فرأيت حالتهم تفطر الأكباد وتدمي القلوب، وإذا أراد الإنسان أن يفكر في إصلاح الأمة، فلن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وألقيت نظرة في الأمر الذي صلح به أمر أول هذه الأمة فرأيت أن بداية الإصلاح كانت من هذا الأمر، وهو إصلاح القلوب، وربطها بعلام الغيوب عن طريق قيام الليل وغيره. وسيأتي معنا عند مدارسة هذا البحث أنه من العجيب الغريب الذي يلفت أذهان العقلاء: أن الله جل وعلا افترض قيام الليل في مكة قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن تشرع الحدود، بل قبل أن تفرض الصلوات المفروضة الصلوات الخمس، وهذا لأمر عظيم؛ لأن الإنسان إذا خلا بربه جل وعلا، واتصل قلبه بالله جل وعلا في جنح الليل طهر القلب، ونزلت عليه الفوائد، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، وإذا طهر القلب فإنه يكون في حالة استعداد لتلقي كل أمر طاهر بعد ذلك، وإذا كان القلب فيه فساد، فلن يتقبل الأوامر الطاهرة إذا وجهت إليه، ولذلك عندما ربي الرعيل الأول الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم على هذا المعنى على تطهير القلوب، وربطها بعلام الغيوب، خرج جيل لم يشهد له التاريخ مثيلاً. ثبت في مستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين، وأقر ذلك الذهبي ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن -يتصل قلبه بالله جل وعلا- وكانت السورة تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عندها، ثم رأيت أناساً يأخذون القرآن قبل الإيمان، يقرأ القرآن من أوله لآخره لا يسقط منه حرفاً، ولا يدري ما أمره ولا نهيه، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده). ولذلك قال أئمتنا الكرام: من رحمة الله بالحدث وبالشاب أن يوفق في بدايته لرجل من أهل السنة ليربط قلبه بالله جل وعلا، وليعرفه الطريق المستقيم، ثم بعد ذلك يقبل على العلوم ويأخذ منها وينهل، لا بد من هذا، وهذا كما ثبت في سنن ابن ماجه بسند صحيح عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا ونحن فتيان حزاره) جمع حزور، وهو الشاب الممتلئ نشاطاً وقوة وجلداً، (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاره، فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً) وتعلم الإيمان يكون عن طريق الخلو مع الرحمن جل وعلا في جنح الظلام، هذا الأمر الأول الذي دعاني للحديث عن هذا الأمر العظيم شعار الصالحين.
 طهارة القلوب سبب لطهارة الجوارح وتقبلها أوامر الله تعالى
عباد الله! إن القلب إذا طهر، واتصل بالله جل وعلا تطهر سائر الجوارح، وقد ربى الله جل وعلا هذه الأمة على هذا المعنى، ففي صحيح البخاري عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما أنزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار)، وتعني بها سورة المدثر، وهي ثاني سورة نزلت من القرآن، وفيها يقول الله جل وعلا: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:8-10]، ثم يتحدث الله جل وعلا بعد ذلك عن بيان أصحاب وعدة أهل النار الملائكة، وما سيصلى الكفار في النار من طريق حراس الملائكة التسعة عشر، فيقول جل وعلا: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]، ثم في نهاية السورة يقول الله جل وعلا: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ [المدثر:38-40]، فأول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، تقول: (حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل من أول الأمر -أي: والقلوب لا زالت على شوائبها ولم تطهر ولم تتصل بربها جل وعلا- ولو نزل من أول الأمر لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، ولو نزل من أول الأمر لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نترك الخمر أبداً، أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر:46]، وهو من سورة القمر، وما نزلت البقرة والنساء إلا وأنا عندهم في المدينة)، عليها رضوان الله، وصلوات الله وسلامه على نبينا وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.ولهذا الأمر إخوتي الكرام! لو تفكر الإنسان في شرع الرحمن جل وعلا لوجد أن الله حرم الخمر في العام الثاني للهجرة، أي: بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بواحد وعشرين سنة، وحرم الغناء في مكة عند بعثته صلوات الله وسلامه عليه، الغناء يحرم في مكة، والخمر تحرم بعد واحد وعشرين سنة؛ لأنه لا يجتمع قرآن الشيطان مع قرآن الرحمن في قلب إنسان، وإذا اجتمعا فسيخرج أحدهما الآخر، فإما شيطان وإما عبد للرحمن، الغناء يحرم في العصر المكي، وعسى الله جل وعلا أن يمد في الأجل لنتدارس هذه الرذيلة التي فشت في أوساط المؤمنين وجعلتهم في رتبة الشياطين، الغناء يحرم في مكة، والخمر في المدينة بعد واحد وعشرين سنة؛ لأن القلب إذا طهر وقيل له: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:90-91]، يقول المسلمون قولة رجل واحد: انتهينا، القلوب طاهرة، سبحان الله العظيم، يعتني الله بالقلب إلى هذا الحد! لو نظر الإنسان في الشرع لرأى أن الله فرض الحجاب في العام السادس للهجرة بعد تسع عشر سنة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، كان يركز على القلب ولا يضر الظاهر؛ لأن الظاهر يغير بعد ذلك بإشارة، يقول الله في سورة النور: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، (يغضوا) مجزوم بقوله: قل للمؤمنين، فإذا قلت للمؤمنين: غضوا يغضوا، بعد أن طهرت قلوبهم فأفعالهم متوقفة على أمرك.ولما نزلت آية الحجاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، ثبت في سنن أبي داود وغيره عن أم سلمة وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما: (أن هذه الآية لما نزلت عمد النساء إلى مروطهن -أي: أثخنها وأسمكها وأغلظها- فاختمرن بها، وخرج النساء بعد ذلك كأن على رءوسهن الغربان)، بعد تسع عشرة سنة ينزل هذا الأمر فيخرج النساء مباشرة كأن على رءوسهن الغربان، وفي زمننا التي في الإسلام من سنوات كثيرة، ومن أسرة مسلمة، إذا خاطبتها بالحجاب تعرض بوجهها عن هذا! لم؟ لأن القلب فاسد، معشعش بوساوس الشياطين من غناء وهوى وغير ذلك، فلا بد من تطهير القلب وربطه بالرب جل وعلا، فإذا ربط القلب بالله أعمال الجوارح بعد ذلك هينة سهلة. ولذلك ثبت في الصحيحين والمسند وغيرهما في الحديث الطويل عندما سأل هرقل أبا سفيان وغيره عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعن أصحابه الكرام، وكان أبو سفيان إذ ذاك مشركاً، فقال: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ كيف يرتد وقلبه يرقص طرباً بلقاء الله كل ليلة، كيف يرتد؟! هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه، كراهية له ونفوراً منه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان : لا، وكان إذ ذاك مشركاً، فقال هرقل : وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].
 صلاح القلب وطهارته يرفع صاحبه منزلة عالية
وهذا الأمر يفسر لنا حديثاً كم بذلت في فهمه لأصل إلى المراد، فأزال الله بعد ذلك عني القلق الذي كان يساورني من هذا الحديث، والحديث هو ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: ذكر الله )، وفي رواية: ( والذي نفسي بيده! لو ضرب بسيفه المشركين حتى يختضب دماً لكان الذاكر لله أفضل منه )، قلت: كيف فضل بهذه المرتبة على الجهاد، وعلى الزكاة، وعلى إنفاق الذهب والفضة، وعلى غير ذلك من الأعمال؟ ثم أزال الله عني الإشكال؛ لأن المجاهد إذا لم يكن ذاكراً سيولي الأدبار، كما هو حالنا في هذه الأيام، فلا بد إذاً من تعمير القلب بذكر الله؛ ليكون بعد ذلك شعلة نور وصلاح وفضيلة وخير وبركة، وأما المجاهد إذا لم يكن قلبه متصلاً بالله سيفر، والمتصدق والمزكي إذا لم يكن قلبه طاهراً سيحبط عمله. فجعل للذكر هذه المرتبة لأن الذكر عندما يربط القلب بالله فإن جميع الأعمال بعد ذلك تكون زكية مقبولة طاهرة، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، وإذا كان القلب فاسداً، فكل ما سيصدر عن الجوارح سيضرب به وجه صاحبه.إخوتي الكرام! هذا الأمر له قدر كبير لا تظنوه يسيراً، واسمعوا لإشارة نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي ، والحديث رواه الحاكم في المستدرك، وهو في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه، ورواه ابن ماجه بسند ضعيف عن أنس بن مالك رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة )، تأملوا أحوالنا إخوتي الكرام! إذا كان عدد الجيش اثنا عشر ألف مقاتل لا يغلبون من قلة، لو اجتمع أهل الأرض على قتالهم، إذا كانت قلوبهم طاهرة، وبذكر الله عامرة، إنما يغلبون من ذلة كما هو حالنا في هذه الأيام، فإذا بلغ عدد الجيش هذا الرقم، فلو اجتمع أهل الأرض على قتالهم سينهزم أهل الأرض أمامهم؛ لأن الله معهم، وإذا كان عدد الجيش بهذا المستوى أو أكثر ممن كثروا فيفتش قلوبهم؛ لعلها أخبث من قلوب أعدائهم، ولذلك أهانهم الله، وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18].إخوتي الكرام! ألف مليون مسلم غثاء كغثاء السيل، قلوب خبيثة، وأعمال فاسدة، ولا يعلم بحالنا إلا الذي خلقنا، ولذلك إذا أردنا الإصلاح لا بد من تطهير القلوب، إن القلب إذا طهر فإن الواحد يعدل مائة، بل يعدل أرقاماً لا نهاية لها، وفي معجم الطبراني الأوسط والصغير بسند ضعيف، وللحديث روايات كثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم: ( ليس شيء خيراً من ألف مثله إلا الإنسان )، إذا كان قلبه طاهراً فهو خير من ألف قلوبهم غير طاهرة. والناس ألف منهم كواحدوواحد كالألف إن أمر عنى ولم أر كأمثال الرجال تفاضلتإلى المجد حتى عد ألف بواحد إذاً: لهذا الأمر -وهو السبب الأول- أردت أن أتكلم عن قيام الليل، لنعرف أن هذا الأمر له شأن كبير يطهر القلوب، وهذه بداية الصلاح والإصلاح.
 بقاء الخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة
الأمر الثاني الذي دعاني للحديث عن هذا الأمر: أنه في خلال محاضراتي في كلية التربية للبنات، عندما درست أخواتي الصالحات في بداية تدريسي لهن من ثلاث سنوات، كان في ذهني عندما درست في تلك الكلية لأخواتي خمسة أمور، ركزت في أذهان البنات ولله الحمد، وثبتت واستقرت، فبدأت بأول محاضرة في التوجيه بعد مضي فترة من محاضرات التوحيد عن قيام الليل، وربطت هذا بموضوعات المنهج المقرر في بحث نزول الرب جل وعلا في ثلث الليل الأخير، وما الذي يستفيده من ذلك؟ ثم جاءتني البشائر من أخواتي الصالحات بأن طالبات قسم الدراسات الإسلامية قد التزمن بقيام الليل على الإطلاق، وكان السكن -ولله الحمد- عامراً بالمتهجدات الصالحات القانتات، ركزت على هذا، وحصل أثر، وسأعقب بعد ذلك على هذا بما يتيسر. والأمر الثاني: ألقيت محاضرة حول الغناء فيهن، وفي الليلة التي ألقيت فيها المحاضرة قطعت أشرطة الغناء من قبل من كن يسمعنه، وألقيت في مكان في الكلية حتى اجتمع عدد من الأشرطة، وعندي عدد من الرسائل من الأخوات الصالحات التي تخبر عن نفسها أنها قطعت أشرطة الغناء والخزي وما شاكل هذا، والحمد لله رب العالمين. الأمر الثالث: كنت أتكلم معهن عن منزلة المرأة، واستعرضت ما يتعلق بالحجاب على الخصوص، وبتعدد الزوجات، أما الحجاب فلله الحمد التزمن به في القسم الذي كنت أدرس فيه التزاماً كبيراً، ولعله من الغريب في أكثر نساء هذه البلاد لباس الجوارب الثخينة السميكة، ولباس القفازين، وقد وجد -ولله الحمد- طالبات صالحات من أبي عريش ومن جيزان ومن سائر المناطق لا تخرج الواحدة خارج بيتها إلا بجورب ثخين سميك، وقفازين في اليدين، وكانت شروط حجاب المرأة المسلمة تكتب على الجدران لتتقيد بها كل طالبة ولله الحمد والمنة. ثم بعد ذلك وهو الأمر الرابع: الاعتناء بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يتقصد الإنسان من الحديث الذي يرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت أوراق الامتحان عندما يستدل بالأحاديث فيها، وتذكر الأحاديث فيها يقال: رواه الشيخان، ورواه الحاكم ورواه النسائي وسنده صحيح، وسنده ضعيف، هذا في أوراق الامتحان، وقد أخبرني عدد من المشايخ الكرام بهذا عندما ألقوا محاضرات هناك، وعندما جاءتهم الرسائل. والأمر الخامس وهو أعظم الأمور وهو موضوع المنهج: مادة التوحيد جعلتها على أن تكون حياة الإنسان حولها تدور، فلا خير في الحياة إذا لم يعرف الإنسان ربه، ولم يحبه، ولا خير في الآخرة إذا لم ير فيها وجهه، ولم يتنعم بجنته، هذا الأمر قد التزم به من التزم ولله الحمد، وقد وصلتني رسائل من عدد من الصالحات كل واحدة تقول: والله لقد هانت عندنا الحياة في ذات الله، وأخرى تقول: والله لا أريد شيئاً إلا الجهاد في سبيل الله، ومثل هذا كثير، وإذا كان هذا الموضوع قد آتى ثماره عند أخواتي الصالحات، فأسأل الله جل وعلا أن يعطي ثماره في وفيكم، وأسأل الله جل وعلا أن لا يجعلني جسراً يعبر به إلى الجنة ثم يلقى في جهنم إنه على كل شيء قدير، وأسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعل سرنا خيراً من علانيتنا إنه على كل شيء قدير.والذي أريد أن أنبه عليه في الأمر الثاني: ليعلم كل واحد منا أن الأمة ولله الحمد لا زال فيها خير كثير، وأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كالذهب، ولكن تراكم عليه الغبار في هذا الوقت فيحتاج فقط إلى تنظيف ونفخ ونفض وإزالة هذا الغبار، وإذا زال الغبار تظهر المعادن الطيبة في الذكور والإناث، لا يتقدم عليهم الصحابة الأبرار إلا بفضل الصحبة رضي الله عنهم أجمعين، وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم عندما يقول في الحديث الذي رواه عنه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته )، ولله الحمد والمنة، عندما تقال كلمة الحق يتقبلها أهل القلوب الطيبة من ذكور وإناث، عندما تنظف هذا المعدن الطيب وعندما تزيل عنه ما تراكم عليه تراه يتفاعل معك وكأن القرآن نزل عليه الساعة، والحمد لله رب العالمين، وما دامت الأمة بهذه الحالة، فهذه تبشر بخير، وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا مزيداً من الإخلاص وتدبير الدعوة لتكون كلمة الله هي العليا إنه على كل شيء قدير.روى أبو نعيم في الحلية عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: لا تزالون بخير ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم الحق فعرفتموه. أي: إذا قيل فيكم الحق عرفتموه، واطمئننتم إليه، وقدمتموه، وارتاحت قلوبكم له، فهذا يدل على أمر حسن عظيم فيكم.
الآيات التي حثت على قيام الليل
إخوتي الكرام! الحديث الذي سنتدارسه الآن حول شعار الصالحين حول قيام الليل، سيدور حول خمسة أمور: سنتدارس في الأمر الأول: آيات القرآن التي حثت على هذا الأمر، وسأذكر سبع آيات مكية وثلاث آيات مدنية قررت قيام الليل. والأمر الثاني: سأستعرض لهدي نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر. وسأتعرض في الأمر الثالث: لمسلك الصالحين. والأمر الرابع سأتكلم لم كان لقيام الليل تلك المنزلة؟ وما الفوائد التي يحصلها من يقوم الليل؟ والأمر الخامس: سيكون حول الأسباب التي تيسر على الإنسان قيام الليل. ‏
 قوله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً..)
أما الأمر الأول وهو الآيات: الآية الأولى في سورة المزمل، يقول الله جل وعلا في بدايتها: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:1-8]، (يا أيها المزمل) المزمل: المتفعل من التزميل، فأصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاء فصارت: يا أيها المزمل، وإنما خاطبه الله جل وعلا بهذا الوصف -وهو نبينا صلى الله عليه وسلم- لأمرين: لأنه عندما نزل عليه الوحي رجع إلى زوجه خديجة رضي الله عنها، وقال: (زملوني زملوني)، فاشتق الله من حالته وصفاً لقبه به وأطلقه عليه، على عادة العرب إذا أرادت أن تكرم إنساناً فتخبر عنه بالوصف الذي هو عليه، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه: ( أن نبينا صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت ابنته فاطمة رضي الله عنها، فلم يجد صهره وابن عمه علياً رضي الله عنه، فقال لها: أين ابن عمي؟ فقالت: خرج مغضباً، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عنه فرآه في المسجد قد نام، وانكشف الرداء عن عاتقه رضي الله عنه فأصاب التراب عاتقه، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يوقظه ويقول له: قم أبا تراب )، وكان هذا من أحب الأسماء لـعلي رضي الله عنه، وهنا نبينا صلى الله عليه وسلم عندما تدثر وتزمل وتغطى، قال الله له: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1]، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1]، ملاطفة وإكراماً له عليه صلوات الله وسلامه.والأمر الثاني: ليشمل هذا الخطاب كل من يتصف بهذه الحالة؛ لأن ذلك وصف مشتق، فكل من تدثر، وكل من تزمل يوجه إليه الخطاب، فليس الوصف وصف تزمل وتدثر، قم لمناجاة الله جل وعلا.
 مسألة: هل الأمر في قوله: قم الليل للوجوب أم للندب؟
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2]. صيغة الأمر في (قم) قال علماؤنا الكرام: إن كانت للندب، فالآية محكمة وهي باقية، وهي عامة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، وإن كانت للوجوب -وهو الظاهر- كما ثبت هذا في صحيح مسلم عن أمنا عائشة كما سيأتي الإشارة إلى الحديث، فإن كانت للوجوب فاختلف العلماء: هل الوجوب باقٍ أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل: إن الوجوب كان في حق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل ذلك واجباً عليه حتى فارق الدنيا والتقى بربه صلوات الله وسلامه عليه. وقيل: إن الوجوب كان في بداية الأمر في حق نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي حق الأمة أيضاً، ثم نسخ الله ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حق الأمة، وبقي على الندب، كما ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن حكيم بن أفلح أنه جاء إلى أمنا عائشة رضي الله عنها فقال لها: (أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت له: ألست تقرأ سورة المزمل؟ فقال: لا، قالت: فإن الله جل وعلا افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً -سنة كاملة- وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة). وهذا المعنى ثبت أيضاً في سنن أبي داود بسند صحيح، ورواه ابن نصر في كتاب قيام الليل، ورواه ابن مردويه في تفسيره والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قيام الليل كان فريضة في أول الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، واستمر سنة كاملة، حتى نسخ الله هذا الأمر بقوله جل وعلا: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل:20].أمسك الله هذه سنة كاملة، ثم أنزلها فكان فيها الرخصة، وأما في أول الأمر فينبغي للإنسان أن يقوم الليل على هذه الشاكلة: نصفه، وإن زاد فإلى الثلثين، وإن نقص فإلى الثلث، ولا يباح له أقل من هذا بحال، (قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً) إلى الثلث، (أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً). ثم نسخ الله الوجوب بعد ذلك، وبقي الأمر للندب وللتطوع كما سأيتينا في الآيات الأخرى. وورد في تفسير ابن جرير عن سعيد بن جبير : (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام بقوا على تلك الحالة عشر سنين، حتى نسخ الله جل وعلا ذلك في آخر السورة في الآيات المتقدمة) والثابت في صحيح مسلم وغيره سنة واحدة، وهو الأولى والأقوى وعليه المعتمد.
 سورة المزمل من أوائل ما أنزل
إخوتي الكرام! سورة المزمل التي فرض الله فيها قيام الليل، نزلت في أوائل ما نزل من القرآن على نبينا صلى الله عليه وسلم، بل ادعي أن هذه السورة هي أول ما نزل على الإطلاق، ولعلمائنا الكرام في أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ثلاثة أقوال: قولان معتبران، والبقية فيها ما فيها، أقوى الأقوال وأولاها وهو المعتمد: أن أول ما نزل خمس آيات من سورة اقرأ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وهذا ثابت في الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها، وأول ما نزلت سورة المدثر، وهذه أولية مقيدة، أي: أول ما نزل بعد انقطاع الوحي، وأول ما نزل مشعراً بالبلاغ وتكليف النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة، والحديث ثابت في صحيح مسلم، وقيل: أول ما نزل البسملة، وقيل: الفاتحة، وقيل: سورة القلم، ثبت هذا عن مجاهد ، وقيل: أول ما نزل سورة المدثر، ورد هذا عن عطاء الخراساني ، وهو غير ابن أبي رباح ، وهو من أئمة التابعين، وفي روايته ضعف، ثم لم يثبت أنه سمع أحداً من الصحابة ونقل عنه، فروايته تكون معضلة، والآثار تشعر أن سورة المدثر تأخرت قليلاً ثم نزلت بعد ذلك، فنزلت قبلها سورة العلق، ثم بعد ذلك سورة المدثر، ولا مانع أن تكون سورة المزمل بعد ذلك.إذاً: من أول ما ينزل على نبينا صلى الله عليه وسلم التكليف بقيام الليل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2]، وهكذا كان أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم يفعلون، فهم للنبي صلى الله عليه وسلم تبع، ونبينا منا ونحن منه، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، عليه صلوات الله وسلامه.
 قوله تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك ...)
الآية الثانية: في سورة الإسراء، وهي مكية بالإجماع يقول الله جل وعلا فيها: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:78-79] (أقم الصلاة لدلوك الشمس) الدلوك فسر بأمرين: الأول: قيل: إنه زوال الشمس عن كبد السماء، وعلى هذا فهذا شامل لصلاة الظهر والعصر، نقل هذا عن عمر وابنه رضي الله عنهما، وعن أبي هريرة ، وهذا الذي اختاره ابن جرير عليه رحمة الله، وقيل: إن الدلوك هو الغروب، وهذا منقول عن علي وابن مسعود وأبي بن كعب ، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما روايتان: أن الدلوك هو الزوال وهو الغروب. والذي يظهر -والله أعلم- أنه من ناحية المعنى اللغوي كل منهما فيه ميلان، فالزوال تميل فيه الشمس، والغروب تميل فيه، هنا تميل عن كبد السماء، وهنا تميل إلى الغروب، ولكن الذي يظهر: أن المعنى الأول هو المعتمد ليشمل صلاة الظهر والعصر، ويأتي بعد ذلك غسق الليل، والغسق هو السيلان في اللغة، (غسق الليل) أي: إذا سال الليل وأقبل بظلامه الدامس، وهذا شامل لصلاة المغرب والعشاء، (وقرآن الفجر) شامل لصلاة الفجر، فدخلت الصلوات الخمس في هذه الآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، أي: تشهده ملائكة الليل والنهار، ويشهده العزيز الجبار سبحانه وتعالى، فعندما ينزل جل وعلا كل ليلة إلى السماء الدنيا يستمر نزوله حتى تنتهي صلاة الفجر، كما ثبت هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم. ثم قال: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، قوله: نافلة لك تحتمل ثلاثة أمور: إما أن يكون المراد من النافلة ما يقابل الفريضة، وهذا تقييد وإعلام بأن هذا التهجد ليس من باب الفريضة والوجوب، إنما هو من باب التطوع والتنفل والتقرب إلى الله جل وعلا، ولكن لهذا أجر عظيم وإن كان نافلة، فعسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً عظيماً، وهو مقام الشفاعة الذي يغبطك عليه الأولون والآخرون، ودرجة في الجنة لا تنبغي إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم.المعنى الثاني الذي تحتمله هذه الآية: أن المراد من النافلة هنا: الزيادة على الفرائض، مع أن هذه الزيادة من جنسها، وعلى هذا فقوله: (نافلة لك)، أي: فريضة ثانية في حقك عدا الفرائض الخمس المتقدمة: (لدلوك الشمس وغسق الليل وقرآن الفجر)، فتلك واجبة عليك وعلى كل أحد، وأنت يجب عليك فريضة أخرى؛ لأنه لك مقامات عالية، فينبغي أن تبذل لهذه المقامات ما يتناسب من طاعة رب الأرض والسماوات، (نافلة لك)، فريضة زيادة على الفرائض الخمس، وهذا على قول من يقول: إن قيام الليل كان واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم.المعنى الثالث: ما قاله مجاهد إمام المفسرين في زمن التابعين، ونقل الواحدي على هذا القول اتفاق المفسرين، فقال: (نافلة لك) إشارة إلى أن قيام الليل في حق النبي صلى الله عليه وسلم يكون من باب التنفل والتطوع؛ لأن قيامه لليل يكون من باب رفع الدرجات، لا من باب تكفير الخطيئات والسيئات، وأما في غيره فليس قيام الليل في حقه نافلة، إنما هو على سبيل الوجوب؛ لأن قيامه لليل يكون بإتمام الفرائض ولتكفير السيئات، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن البصري وابن سيرين ، وكانا يقولان: إن قيام الليل واجب على الأمة، ويجزئ القليل من ذلك ولو صلاة ركعتين عند السحر، ولكن لا بد من ذلك، فقيام الليل تطوعاً في حقك، فهو في حقك لرفع درجاتك، وأما في حق غيرك فهو لتكفير سيئاته، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79].
 قوله تعالى: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ..)
الآية الثالثة: في سورة الذاريات، وهي مكية بإجماع المفسرين، يقول الله جل وعلا فيها: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات:15-16]، ثم نعت الله جل وعلا إحسانهم والأعمال التي وصلوا بها إلى هذه الدرجة العظيمة فقال، وهو أول وصف في حقهم: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:17-19]، الآيات.قوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17]، الهجوع: هو النوم، وأصح ما قيل في هذه الآية: أنهم كانوا ينامون قليلاً ويحيون أكثر الليل، وبذلك استحقوا الإحسان ودخول الجنان، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:15-17]، ينامون قليلاً، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]، لا يعجبون بأعمالهم فيمدون القيام إلى السحر، فإذا جاء السحر رأيتهم يستغفرون الله جل وعلا، وكأنهم كانوا في ذنوب وعيوب.
 قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً...)
الآية الرابعة: في سورة السجدة، وهي مكية بإجماع المفسرين، وفيها يقول رب العالمين: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:15-17]. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ أي: تبتعد عن المضاجع لتتهجد لله جل وعلا في ظلام الليل، والتجافي: هو الارتفاع والبعد، وفي هذا إشعار بقوة عزيمة هؤلاء ونشاطهم لطاعة الله جل وعلا، كيف ارتفعت جنوبهم، وابتعدت عن فرشهم طاعة لربهم جل وعلا، والمعتمد في تفسير الآية، وهو المنقول عن التابعين، كما قال الإمام الألوسي عليه رحمة الله: أن جنوبهم تبتعد وترتفع عن فرشهم ليقوموا لصلاة الليل، وهي صلاة نافلة، وما قيل: إنهم يشهدون صلاة الفجر، ويشهدون صلاة العشاء في جماعة، فهذا مما يدخل في هذا اللفظ، والمعتمد في تفسير هذه الآية: ترتفع جنوبهم وتبتعد ليقوموا بقيام الليل تهجداً لله رب العالمين، وهذا هو الثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم.ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فاقتربت منه فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصبر ضياء، والصدقة برهان، وصلاة الرجل في جوف الليل )، هذه من أبواب الخير العظيمة، ( ثم تلا نبينا صلى الله عليه وسلم: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16] الآيات )، وخير من فسر كلام الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بملاك ذلك كله -بما يحفظ عليك هذا ويساعدك على القيام به- قلت: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا. فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم ).
 قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً)
الآية الخامسة: في سورة الفرقان، وهي مكية باتفاق المفسرين، وفيها يقول ربنا العظيم: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:63-64] (يبيتون) البيتوتة تطلق على من أدركه الليل ودخل في الليل سواء نام أو لا، بات الإنسان إذا أدركه الليل وصار فيه، سواء نام أو لا، (يبيتون لربهم سجداً وقياماً) ولذلك هم ليسوا نائمين.قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63]، وصفهم بالصفات الطيبة في أنفسهم، ثم وصفهم بمعاملتهم مع غيرهم فأحسنوا: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ثم وصفهم بمعاملتهم لربهم جل وعلا، فقال: إذا جن عليهم الليل يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يقطعون الليل بهذا الأمر ساجدين لله قائمين، وقدم (لربهم)، والأصل أن يقول: يبيتون سجداً وقياماً لله أو لربهم، إشارة إلى أن تعظيمهم وقيامهم وسجودهم لا يصرفونه إلا لله، فهم يبيتون لربهم، ورعاية لتواصل الآيات (يبيتون لربهم سجداً وقياماً). وقدم السجود على القيام، مع أن القيام يسبق السجود في الصلاة، قدمه لثلاثة اعتبارات: لاعتبار لفظي أيضاً وهو مراعاة لتواصل الآيات، والأمر الثاني: لمنزلة السجود وأهميته، فهو أعظم من القيام، كما ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن النسائي والترمذي وغير ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء فيه ).والأمر الثالث الذي من أجله قدم الله السجود على القيام: أن الله ذكر قبل آيات استكبار المشركين عن السجود لرب العالمين، فقال جل وعلا: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا [الفرقان:60]، فأخبر الله جل وعلا أن هؤلاء المؤمنين يقابلون أولئك، ولذلك أول وصف في حقهم هو السجود: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64].
 قوله تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً...)
الآية السادسة: وهي مكية أيضاً باتفاق المفسرين في سورة الزمر، وفيها يقول الله جل وعلا: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9]، (أمن) قرأ بالتخفيف نافع وابن كثير وحمزة : أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ، وقرأ بقية العشرة بالتثقيل: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ . وعلى قراءة نافع وابن كثير وحمزة بالتخفيف فالآية تحتمل أمرين: إما أن تكون الهمزة للنداء، أي: يا من هو قانت! إنك لست كمن تقدم وصفه في الآيات السابقة التي يقول الله فيها: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر:8]، يا من هو قانت! إنك من أصحاب الجنة، لست من ذلك الصنف، وإما أن تكون الهمزة للاستفهام، أي: أمن هو قانت كمن تقدم وصفه يعرض عن الله وينساه وهو من أصحاب النار؟ لا ثم لا. وقراءة التثقيل (أمّن) تحتمل أمرين: الأمر الأول: الاستفهام: أي: أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً كغيره الذي لا يسلك مسلكه ولا يفعل فعله؟ وعلى هذا فالجملة التي عادلت (أم) محذوفة، الأمر الثاني: أن تكون (أم) بمعنى بل، كما قال النحاس ، و(من) اسم موصول بمعنى الذي، ومعنى الآية: بل الذي هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً ليس كمن تقدم وصفه، بل الذي هو قانت أفضل وأعظم وأفصح وهو مستقيم ليس كمن هو من أصحاب الجحيم الذين تقدم وصفهم. أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، هؤلاء هم الذين يعلمون، وهم الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والعلم هو الخشية: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].
 قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وأدبار السجود)

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد سليم
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 340
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: فضل قيام الليل [- للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )    الأربعاء 5 فبراير - 17:29



الآية السابعة: في سورة ق، وهي مكية باتفاق، يقول الله جل وعلا في آخر السورة: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:39-42]، ويقول أيضاً في سورة الطور وهي مكية أيضاً في آية تشبه هذه: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:48-49]. أمر الله جل وعلا النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر الله وأن يسبحه في الليل، والأمة تتبعه في ذلك: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:39-40]، والأمة تتبعه في تسبيح الله وتعظيمه والثناء عليه، وعبادته في ظلام الليل، وفي الطور: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48]، أي: نحن نراك، ومن قال: فإنك بحفظنا ورعايتنا وكلاءتنا فقد أبعد وفسر اللفظ بلازمه، ولا داعي لهذا الشطط في كلام الله جل وعلا، (فإنك بأعيننا) أي: نراك، وإذا كنا نراك فسنحفظك ونرعاك، فلا داعي لتفسير اللفظ بلازمه، أثبت المعنى الحق للآية ورتب عليه ما شئت بعد ذلك مما يدل عليه، (فإنك بأعيننا): فنحن نراك، والله سميع بصير سبحانه وتعالى، وإذا كنا نراك فلن ننساك فسنرعاك ونتولاك.هذه سبع آيات في سبع سور مكية يتحدث الله جل وعلا فيها عن قيام الليل على سبيل الوجوب، وعلى سبيل الندب كما تقدم تفصيل ذلك، فرض الله هذا الأمر، وطلبه منا بعد ذلك على سبيل الندب، في أول الأمر عندما كان المسلمون في مكة قبل أن تقوم لهم دولة، وقبل أن تنزل الفرائض، قبل أن تنزل الأحكام، وقبل أن تشرع الحدود، لا بد من تطهير هذا القلب، وأن يرتبط بالرب جل وعلا عن طريق قيام الليل.
 قوله تعالى: (... والمستغفرين بالأسحار)
وهذا الأمر كما شرعه الله جل وعلا في مكة تابع الله جل وعلا تشريعه والتأكيد عليه بعد ذلك عندما تأسست الدولة الإسلامية في المدينة، وصار المسلمون لهم شأن، وكثر عددهم، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ففي سورة آل عمران، وهي مدنية بإجماع المفسرين الكرام، يقول الله جل وعلا فيها: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [آل عمران:14-17]، والمستغفرين بالأسحار خير مما تقدم من الشهوات واللذائذ العاجلة.
 قوله تعالى: (...يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون)
وفي سورة آل عمران يقول أيضاً ربنا جل وعلا في وسط السورة: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران:113-114]، هذا وصفهم وهذا شعارهم، يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، فليسوا سواء، لا تستوي هذه الأمة مع أهل الكتاب. والتفسير الثاني وهو الظاهر: لا يستوي أهل الكتاب، فهم صنفان: صنف آمن وهذا وصفه: أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران:113-114]، وصنف ثان حرف كلام الله عن مواضعه، وخلد إلى الدنيا، واشترى بآيات الله ثمناً قليلاً، فلا يستوي الصنفان من أهل الكتاب، هذا صنف تقي وهذا شقي، والآية تحتمل الأمرين: لا تستوي هذه الأمة مع الأمم السابقة، ولا يستوي أيضاً أهل الكتاب فيما بينهم فهم صنفان، صنف مهتد وآخر ضال، لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [آل عمران:113-115].
 قوله تعالى: (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً)
الآية الثالثة في سورة الإنسان وفيها يقول ربنا الرحمن: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [الإنسان:23-26]، وسورة الإنسان مدنية بإجماع المفسرين. إذاً: هذه سبع آيات مكية، وثلاث آيات مدنية، أشار الله جل وعلا فيها إلى مشروعية القيام وإلى فضله.


كما أن القرآن حث على قيام الليل حثت السنة كذلك، ومن يتصفح الحديث يجد كمّاً هائلاً من الأحاديث التي تبين فضل وأجر وتمرات قيام الليل، والتي منها أنه شرف المؤمن، وأنه أمان من المخاوف، وأن الدعاء فيه مستجاب.
الأحاديث الدالة على فضل قيام الليل والحث عليه
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. الحمد لله شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد:فإن الأحاديث الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم في فضل قيام الليل والحث عليه كثيرة وفيرة.
 حديث: وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل
ثبت في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، والحديث رواه ابن خزيمة وغيره من أئمة الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل )، ولذلك روى ابن أبي الدنيا في كتاب التهجد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: (لأن أصلي في جوف الليل ركعة خير وأحب إليّ من أن أصلي في النهار عشر ركعات).
 حديث اختصام الملأ الأعلى
وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وقال: حسن صحيح، والحديث رواه الحاكم وصححه وأقره عليه الذهبي ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، والحديث يخبرنا ويبين لنا أن قيام الليل يكتسب به الإنسان درجات عند الله جل وعلا، والملائكة الكرام تتحدث في هذا الأمر وتتباحث في شأنه، والحديث في المسند والترمذي والمستدرك عن معاذ رضي الله عنه قال: ( احتبس النبي صلى الله عليه وسلم عنا ذات غداة عن صلاة الفجر -تأخر- حتى كدنا أن نرى قرن الشمس ) أن تطلع الشمس علينا ونحن ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم، ( ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم مسرعاً، فثوب في الصلاة -أمر المؤذن أن يقيم- فأوجز في صلاته، ثم التفت علينا، فقال: مكانكم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: قمت من الليل لأصلي ما قدر لي فنعست حتى استثقلت )، أي: هجم عليّ النوم وأنا في السجود، وإذا نام الإنسان وهو ساجد باهى به الله الملائكة، يقول: انظروا لعبدي روحه عندي وهو ساجد لي، فنام النبي عليه الصلاة والسلام وهو ساجد، يقول: ( فرأيت الله جل وعلا في أحسن صورة )، ونؤمن بذلك بلا كيف، وصفات الله جل وعلا كما يعلم الله سبحانه وتعالى، ( فرأيت ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد صلى الله عليه وسلم! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ )، في أي شيء يتحدثون ويبحثون؟ والملائكة تتحدث بأعمالنا؛ لأنها موكلة بنا، قال تعالى: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [النازعات:5]، في أي شيء يرتفعون وبأي شيء ينخفضون؟ ولذلك إذا مات الإنسان يقول بنو آدم: ما خلف، فتقول الملائكة: ما قدم؟ ( فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب! ثم أعاد الله السؤال على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! فم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب! فأعاد الله السؤال على النبي صلى الله عليه وسلم ثالثة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب! فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي -عليه صلوات الله وسلامه- فتجلى لي كل شيء وعرفت )، ظهر لي المراد من اختصام الملأ الأعلى وعرفت كل شيء ببركة وضع الله جل وعلا كفه بين كتفي النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا مما نقره ونمره، ولا نقف عنده، وصفات الله جل وعلا تقوم على هذين الأمرين، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.والعجز عن درك الإدراك إدراكوالبحث في كنه ذات الإله إشراكوقد ألف الإمام ابن رجب كتاباً منظوماً حول هذا الحديث سماه: اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، وغفر الله للمعلق عندما لوث الكتاب بتعليقه على هذه الجملة، فقال: (فوضع كفه بين كتفي) كناية عن إكرام النبي عليه الصلاة والسلام، نقول: ترفع الكناية وصاحب الكناية، هذا أمر بغيب ورد لا تحيله العقول، وورد به السمع، فيجب الإيمان به والمخالف لهذا ضال، قال: (فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أناملي بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد صلى الله عليه وسلم! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: يا رب! في الكفارات والدرجات)، حديث الملائكة يدور حول هذا: ما الأعمال التي تكفر الذنوب؟ وما الأعمال التي إذا قمنا بها ترتفع درجاتنا عند علام الغيوب؟ ( فقال: وما الكفارات؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كثرة الخطا إلى الجمعات )، المشي إلى الجمعة والجماعة، ( والانتظار في المساجد بعد الصلوات )، بعد أن صلى جلس ينتظر ويذكر الله جل وعلا، وهذا هو الرباط، ( وإسباغ الوضوء على الكريهات )، أي: على المكاره في أيام البرد يتم الوضوء على أتم وجه، هذه هي الكفارات: يمشي إلى المساجد، وينتظر في المسجد بعد الصلاة، ويتم الوضوء أيام الشدائد في شدة البرد عندما يقوم للتهجد، ( فقال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام )، بهذا ترتفع الدرجات عند الله جل وعلا، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17]. ثم قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: (سل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام -في سجوده عندما التقى بربه جل وعلا-: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: تعلموها وادرسوها فإنها حق )، هذه الرؤيا.وورد في رواية في المسند: ( فمن واظب عليها عاش في خير ومات في خير، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه )، (اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك)، ولأجل ذلك تأخر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة عندما كان في هذه الرؤيا الجليلة، أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن قيام الليل يرفع درجات العبد عند الله جل وعلا: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79].
 حديث: (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها... وصلى بالليل والناس نيام)
وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الجنة وما فيها من النعيم أعدها الله للمتهجدين، ففي مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قالوا: لمن هي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام ).إخوتي الكرام! حول كلام النبي عليه الصلاة والسلام أن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أي: ما فيها من النعيم يظهر، ولكن المؤمن أيضاً عندما يكون في تلك الحجرة يكون مستوراً بكيفية لا يعلمها إلا الله جل وعلا، مع أن ما في باطن هذه الأصول ظاهر، ولكن المؤمن يستر عندما يكون مع أهله بكيفية لا يعلمها إلا الله، وهذا مما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين وغيرهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن للمؤمن خيمة في الجنة من لؤلؤة مجوفة، له فيها أهلون -من نسائه ومن الحور العين- يطوف عليهم فلا يرى بعضهم بعضاً )، والحديث في الصحيحين والمسند. إذاً: هذه الدور بهذه المثابة، ولكن المؤمن يكون فيها مستوراً، وعند البحث عن هذا أحب أن أنبه إلى الشطط الذي اعتاده كثير من الناس في بيوتهم في هذه الأيام، حينما يضعون نوعاً من الزجاج في النهار يرى الإنسان من في الشارع إذا كان في البيت، وفي الليل إذا لم يكن هناك ستائر إذا نظر الإنسان يرى من في داخل البيت! سبحان الله العظيم، ما أعلم هل وصل هذا الانحطاط إلى اليهود أم لا؟ هل يقبل اليهودي أن يرى إلى داخل بيته عندما يجلس مع أهله؟!وقد وقع نظري على كثير من البيوت وهم في الداخل ما بين نساء وغير ذلك بهذه الشاكلة، سبحان الله العظيم! نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الحياء فهو قرين الإيمان، وإذا نزع أحدهما نزع الآخر، فهذه البيوت في الجنة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها؛ لما فيها من النعيم والبهجة، ولكن المؤمن يكون مستوراً بكيفية لا يعلمها إلا الله، فهو على كل شيءٍ قدير سبحانه وتعالى، فالجنة تكون لهؤلاء المتهجدين المتعبدين.
 حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على قيام الليل
وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحث الناس على التهجد والقيام في كل لقاء، ففي أول اجتماعه بأصحابه في المدينة، رضي الله عن أصحابه الكرام وصلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، في أول اجتماع له في الصحابة حثهم على قيام الليل، وكيف لا يكون هذا والله يحثه على قيام الليل في أوائل ما ينزل عليه من السور! ففي سنن الترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وهو من أحبار اليهود الذين أسلموا، قال: ( لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ) أي: أسرعوا إليه وأقبلوا ليرون شأنه، ( فكنت ممن ذهب إلى لقاء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نظرت إلى وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب عليه صلوات الله وسلامه ). لو لم تكن فيه آيات مبينةكانت بديهته تنبيك بالخبر( فكان أول ما قال عندما اجتمع عليه الأنصار، وأصحابه الأبرار رضي الله عنهم أجمعين: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام ). وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يوصي الصحابة الكرام بهذا عندما يستفتونه ويسألونه، ففي صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني، فأخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أطب الكلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وصل بالليل والناس نيام ). وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يتعهد الصحابة الكرام كل ليلة بهذا الأمر، ويحثهم على القيام، ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والمستدرك بسند صحيح عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فنادى بأعلى صوته -ليسمع الجيران حوله، ليستيقظوا لمناجاة الله جل وعلا- يا أيها الناس! اذكروا الله -يكرر هذا مرتين- يا أيها الناس! اذكروا الله، جاءت الرادفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه )، يفعل هذا كل ليلة عليه صلوات الله وسلامه.فقال أبي بن كعب : ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك. قلت: النصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك. قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت وإن زدت خير لك. قلت: أجعل صلاتي كلها لك )، أي: أورادي كلها أجعلها صلاة وسلاماً عليك، وأنصرف عن سؤال حوائجي من ربي جل وعلا، وأجعل عوضها صلاة وسلاماً على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذاً يكفيك الله همك، ويغفر لك ذنبك )، والحديث كما قلت إخوتي الكرام: في المسند وسنن الترمذي والمستدرك بسند صحيح كالشمس، وصححه الترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه الحاكم وأقره عليه الذهبي وهو في المسند.وأخبرني بعض إخواننا الكرام أنني قلت هذا الحديث في بعض المواعظ، فقال بعض الناس في بعض الأماكن هنا: إن هذا الحديث موضوع، ولا يعرف في كتب السنة، ولأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إليّ من أن أكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، الحديث في مسند الإمام أحمد ، وسنن الترمذي ، ومستدرك الحاكم ، ولكن وصل الجهل بنا ووصل حالنا إلى أننا لا ندرك كتب الأصول، الكتب الستة لا يعرفها طالب العلم فينا، حتى يقول بعد ذلك: إن هذا الحديث موضوع، يا أيها الرجل! اتق الله في نفسك، كما أنه لا يجوز أن نقول عن الحديث الموضوع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن نقول عن الحديث الصحيح: إنه موضوع، اتق الله أيها الرجل في نفسك، فالحديث في كتب السنة، وهو حديث صحيح لا غبار عليه.
 حث النبي صلى الله عليه وسلم أهله على قيام الليل

بعد الفاصل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد سليم
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 340
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: فضل قيام الليل [- للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )    الأربعاء 5 فبراير - 17:31

 حث النبي صلى الله عليه وسلم أهله على قيام الليل
وكان نبينا صلى الله عليه وسلم كما يتفقد الناس ويحثهم على هذا، كان أيضاً يتفقد أهله وأسرته ويحثهم على هذا، كما قال الله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132]، ففي الصحيحين وسنن النسائي وغيرهما عن علي رضي الله عنه قال: ( طرقني النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة )، والطروق: هو المجيء في الليل، في ساعة من ساعات الليل (طرقني النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة ) أي: دخل علينا في الليل، ولا مانع على الإنسان أن يدخل إلى بيت ابنته وبيت صهره بغير استئذان إذا علم رضاهما بذلك واحتراسهما، ولعل النبي عليه الصلاة والسلام عندما دخل أعطى صوتاً ثم دخل، فقال عليه الصلاة والسلام: ( ألا تصليان؟ ) قال لابن عمه وصهره ولابنته رضي الله عنهم أجمعين: ( ألا تصليان؟ فقال علي : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنما أنفسنا بيد الله، فإن شاء أن يبعثنا بعثنا )، قال علي رضي الله عنه -وهذا من طهارته وطيبه وفضيلته، يروي ما فيه عتاب له-: ( فلم يجبني النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرجع إليّ بشيء، وخرج وهو يضرب على فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً )، إشارة إلى أن الإنسان ما ينبغي أن يتعلل بالقدر في المعايب، القدر حجة لك، وتسلية في المصائب، أما إذا قصرت فلا تقل: الأمر بيد الله، لا شك أن الأمر بيد الله، ولكن -يا عبد الله- ينبغي أن تبذل جهداً، وأن تضيف التقصير إلى نفسك، لا أن تقول: لا دخل لي، الله هو الذي يسيرني كما يريد، ولكن لا بد من جهد منك، ولا تضيف ما فيه شاكلة تقصير إلى العزيز الكبير سبحانه وتعالى، بل أضفه إلى نفسك، كما قال تعالى: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، فالله هو الذي يقدر المرض، لكن لا تقول: إذا أمرضني الله ونحو ذلك.وهنا قال علي : (إنما أنفسنا بيد الله) ومن الذي يخالفك في هذا يا علي رضي الله عنه وأرضاه؟ وأنت من تخاطب بهذا؟ تخاطب خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، وهو يعلم هذا قبل أن تعلمه أنت، وأنت علمت هذا من قِبله، فالمطلوب منك ومن كل مسلم عندما يسمع أن يستجيب وأن يقول: نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا للقيام في الليل طاعة لربنا، وأما أن يقول: أنفسنا بيد الله فإن شاء أن يبعثنا بعثنا، ونحن إذاً ليس لنا في ذلك دخل، فهذا لا ينبغي، ولذلك ما أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء؛ ليعلم علي تأثر النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج وهو يضرب على فخذه ويقول: ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ).ومن طهارة علي رضي الله عنه وفضيلته وصدقه وأمانته أنه يروي هذا الحديث عن نفسه، وفيه معاتبة له من خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه.
 حث النبي صلى الله عليه وسلم الرجل والمرأة على إيقاظ كل منهما الآخر لصلاة الليل
وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرض الأمة دائماً على التواصي بهذا الأمر، فكان يوصي الرجل بإيقاظ زوجته، ويوصي المرأة بإيقاظ زوجها، وإذا لم يكن البيت مؤسساً على هذا فهذا ليس من بيوت المسلمين المتقين الكاملين، ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء )، أي: أخذ شيئاً من الماء ورشه على وجهها لتستيقظ، ( ورحم الله امرأة قامت من الليل وصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء )، وهذا من باب التواصي بالحق والتواصي بالصبر، كما قال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، يا عبد الله! إذا دخلت إلى بيتك فاقرأ هذه السورة على أهلك، وإذا خرجت فأوص زوجتك لتقرأ عليك هذه السورة، وإذا لم تكن المعيشة بينكما على هذا الأمر فحياتكما إلى خسارة، الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].إن أردت أن تكون زوجتك زوجة لك في الآخرة، فقل لها هذا وانضح في وجهها الماء، وأنتِ -يا أمة الله- إذا أردت أن تكون العشرة بينك وبين زوجك على شرع الله فانضحي في وجهه الماء إذا امتنع عن قيام الليل. وقد قال لي بعض الأخوات الصالحات عندما ذكرت هذا الحديث في كلية البنات -وهي مزوجة-: إذا فعلت هذا مع زوجي يغضب وقد يضربني، فقلت: يا أمة الله! أنت فرطت في حق نفسك، وأسلمت القيادة لمن لا يخاف رب العالمين سبحانه وتعالى، فماذا أعمل لك بعد ذلك؟ إنما تداركي الأمر على حسب الاستطاعة، وهذا مما رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تفعله مع زوجها، إذا لم يقم فلتأخذ الماء ولتنضح به وجهه، ولترشه بشيء من الماء ليستيقظ وليصحو، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرحمة إن فعلت هذا، كما دعا للرجل إذا فعل هذا، وورد في الكتب المشار إليها وغيرها بسند صحيح أيضاً، عن الصحابي المتقدم أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات )، وإذا لم تكن البيوت على هذا المعنى فلا خير فيها، كان نبينا صلى الله عليه وسلم يغرس هذا المعنى في قلوب الصحابة، في قلوب أهله، ثم أرشدنا بعد ذلك إلى يوم الدين لنفعل هذا.
 حب الله تعالى لمن يقوم الليل
إخوتي الكرام! وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا قام لله جل وعلا في جنح الليل ليتهجد يضحك الله إليه ويحبه، لا سيما إذا كان في حالة فيها شيء من التعب والنصب، ثبت في معجم الطبراني الكبير بسند حسن، والحديث مر معنا في كتاب التوحيد لـابن خزيمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم )، ثم بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله ويضحك إليهم، فقال: ( الرجل الأول منهم الذي يكون مع أصحابه في الجهاد في سبيل الله، فينهزم أصحابه الذين معه ويثبت وحده ليقاتل في سبيل الله، يحبه الله ويضحك إليه ويستبشر به، فيقول الله جل وعلا للملائكة: انظروا لعبدي جاد لي بنفسه، والرجل الثاني: الذي يقوم في وسط الليل، وعنده فراش لين وزوجة حسناء، ثم قام لمناجاة رب الأرض والسماء، فيقول الله جل وعلا: انظروا آثرني على شهوته -على فراشه الوثير وعلى زوجته الجميلة- والرجل الثالث: كان مع أصحابه في سفر فساروا معظم الليل، ثم نزلوا وهجعوا -ناموا- فقام هو وصف قدميه يعبد الله ويتهجد له حتى طلع الفجر )، هؤلاء الثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم.إخوتي الكرام! ثبت في مسند الإمام أحمد، ومسند أبي يعلى بسند رجاله ثقات، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا ضحك الله من العبد فلا حساب عليه)، فالعبد إذا فعل فعلاً أضحك به الرب فلا حساب عليه، وصفة الضحك -أخي المسلم- تواتر عن نبينا صلى الله عليه وسلم وصف ربنا بهذه الصفة، وهي صفة نثبتها لله جل وعلا على غير ما نعرف فينا، وكل ما خطر ببالنا فالله بخلاف ذلك، ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى وهو السميع البصير، فإذا ضحك الله من العبد فلا حساب عليه. ولذلك روى الإمام ابن حجر في الإصابة وابن الأثير في أسد الغاية، والقصة موجودة في البداية والنهاية، قصة عوف بن عفراء رضي الله عنه، وهو من الصحابة الأبرار عندما كان في موقعة بدر، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! ما الفعل الذي إذا فعلته يضحك الله مني؟ ) ما الذي يضحك الرب في هذه الساعة العظيمة؟ أريد أن أفعل فعلاً أنال به هذا الأجر العظيم فلا حساب عليّ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن يغمس يده في العدو حاسراً )، أي: أن يذهب ويقاتل في الأعداء وهو حاسر ليس عليه درع ولا مغفر، يجود بنفسه لربه جل وعلا، فألقى درعاً كان عليه، ونزع المغفر، ثم ذهب يقاتل في صفوف المشركين حتى قتل، ليضحك منه الله، فمن ضحك الله منه فلا حساب عليه.اثنان من هؤلاء يضحك الله إليهما: الرجل يقوم في وسط الليل يتهجد فيضحك الله إليه، ويقول للملائكة: انظروا آثرني عبدي على شهوته، والثاني: يكون مع أصحابه فينامون فيقوم ويصف قدميه لمناجاة ربه جل وعلا، فيضحك الله إليه سبحانه وتعالى، وأحاديث الضحك التي وصف بها نبينا صلى الله عليه وسلم ربه بهذه الصفة أنه يضحك أحاديث متواترة تواتراً معنوياً، ثابتة في الصحيحين وغيرهما، ولعل الله جل وعلا يأذن بإلقاء محاضرة حول صفات الله جل وعلا، وما لها من أثر في نفوس العباد، وما الطريق للإيمان بها إنه على كل شيء قدير.
 حديث: شرف المؤمن قيامه بالليل
أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن شرف المؤمن ومكانته ومنزلته وعلو رتبته عند الله تكون بقيامه بين يديه في جنح الليل، الشرف لا يحصل له إلا إذا حافظ على هذا، روى الطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك بسند صحيح عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فقال له: ( يا محمد صلى الله عليه وسلم! عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس )، شرف المؤمن قيام الليل، لا يحصل للإنسان شرف ولا رتبة عند الله إلا إذا قام الليل، وتهجد لله.
 حديث: لا حسد إلى في اثنتين، ومنها قيام الليل
ولذلك أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينبغي أن يغبط أحد منا أحداً إلا لهذا الأمر وما هو في درجته وفي رتبته، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان حتى أعمل مثل عمله، ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفقه في الحق آناء الليل وأطراف النهار، فقال جار له: ليت لي مثل فلان حتى أعمل مثل عمله )، فلا ينبغي أن نغبط أحداً، وأن نتمنى مثل عمله إلا في هذه الأحوال الجليلة الفضيلة، ومنها: قارئ القرآن إذا كان يقوم الليل ويقرأ القرآن ويتهجد بين يدي الرحمن.
 حديث: يعقد الشيطان على قافية أحدكم
وقيام الليل ضروري للإنسان، فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا أراد أن ينام يعقد الشيطان في مؤخرة رأسه ثلاث عقد لا تزال عنه إلا إذا استيقظ لمناجاة الله جل وعلا، ففي الكتب الستة إلا الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم -مؤخرة الرأس، وهو مكان الإحساس- إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد )، وهذه العقد التي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عنها مما نؤمن به ونفوض العلم بكيفيته إلى الله جل وعلا، وهي أمور غيبية لا داعي لتأويلها ولا الشطط في تفسيرها، يعقد عقداً تتناسب مع طبيعته والله أعلم بحاله.يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإذا هو استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان )، ولذلك استحب علماؤنا -كما هو وارد عن نبينا صلى الله عليه وسلم- إذا أراد الإنسان أن يتهجد، أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين يوجز فيهما ما أمكن لتزال عنه هذه العقد بسرعة، كما قرر هذا الإمام زين الدين عبد الرحيم الأثري عليه رحمة الله، وهو المعروف بالشيخ العراقي عليه رحمة الله، نص على هذا، وهذا ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، كان إذا تهجد يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين لتزال هذه العقد بسرعة وبسهولة، فإذا صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان. وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن الإنسان إذا نام حتى أصبح، أي: حتى أذن الفجر، يبول الشيطان في أذنيه، والحديث بذلك ثابت في الصحيحين والنسائي عن ابن مسعود ، ورواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة بسند صحيح: ( أنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم رجل نام حتى أصبح، فقال: ذاك إنسان بال الشيطان في أذنيه )، والبول حقيقي كما قال الإمام القرطبي، فهو يبول وينكح ويتناسل بكيفية لا يعلمها إلا الله، يبول الشيطان في أذنيه، وإن أردت أن تتحقق من هذا فانظر إلى وجوه الذين يأتون للأعمال ولم يشهدوا قيام الليل، ولم يصلوا الفجر في جماعة، انظر إلى وجوههم في أول الدوام تجد عليها غبرة، هذا حالهم في الدنيا، وما لهم عند الله أعظم وأشنع، وإنما خصت أذناه دون العينين مع أنهما الآلة في الإبصار واليقظة؛ لأنه عندما نام يدل هذا على غفلته واستيلاء الشيطان عليه، فالشيطان يبول بعد ذلك إذا لم يستيقظ لقيام الليل، ليزيد في عدم انتباه هذا الإنسان ليشد عليه المسامع التي عن طريقها يستيقظ، فإذا أراد أن يستيقظ للفجر يثبطه أكثر، وهكذا حتى تطلع الشمس.
 قيام الليل أمان للعبد من المخاوف
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا قام الليل يأمن المخاوف، وإذا لم يقم فستصاحبه المخاوف مهما كان من المتقين، ففي صحيح البخاري وبوب عليه البخاري في كتاب التهجد: باب فضل قيام الليل، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنه قال: ( كان الرجل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على النبي عليه الصلاة والسلام، فكنت أتمنى أن أرى رؤيا لأقصها على النبي عليه الصلاة والسلام، وكنت أنام في المسجد -ولم يكن إذ ذاك مزوجاً رضي الله عنه- فرأيت كأن ملكين أخذاني وأنا نائم فعرجا بي حتى أشرفت إلى جهنم، ورأيتها بعيني وإذا هي مطوية كطي البئر، وعليها قرنان )، أي: عمودان، وهما اللذان ينصب عليهما الدلو ليستقي الإنسان ( فنظرت فيها فإذا فيها أناس قد عرفتهم، وهم من المنافقين، فاستقبلني ملكان آخران، وقالا: لن تراع لن تراع، فقصصت الرؤيا على حفصة ) وهي أخته، وهي أمنا زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فخشي أن يحدث بها النبي عليه الصلاة والسلام، ( فقصصت الرؤيا على حفصة لتقصها على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: إن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل )، ولذلك حصل له هذا الفزع وهذا الخوف ورأى النار، ولكن هو ليس من أهلها، فقد استقبله ملكان وقالا له: لم ترع، ولو كان يقوم الليل لما عرض على النار ولما رآها، فهو رجل صالح، وليته أكمل الصلاح بقيام الليل، فما كان عبد الله بعد ذلك ينام من الليل إلا قليلاً.
 حديث: أن الله ينزل كل ليلة حينما يبقى ثلث الليل الآخر
إخوتي الكرام! لا بد من التهجد لله جل وعلا، وهذا ضروري للإنسان، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم: ( أن الله ينزل كل ليلة حينما يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له.. ).سبحان الله العظيم! كيف فرطنا في خيرات عظيمة، لو قيل لنا: إن غنياً من الأغنياء وأميراً من الأمراء سيأتي قبل الفجر بساعة إلى أبها، وسيعطي كل من يتصل به مائة ألف ريـال، والله لما نام أحد منا في تلك الليلة! سبحان الله العظيم! جعلنا الريالات أعظم من مناجاة رب الأرض والسماوات! ينادينا يطلب أن نلتقي به في تلك الساعة المباركة، وأن نخلو به في ذلك الوقت العظيم: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من ينادي رب العالمين؟ إنه ينادي عباده، يا عباد الله! اتقوا الله في أنفسكم، وأحيوا هذه السنة فيكم وفي أهليكم وفي جيرانكم، وتواصوا بها فلها فوائد عظيمة، سيأتي الإشارة إليها والكلام عليها إن شاء الله عما قريب.
المقدار المطلوب من قيام الليل
إخوتي الكرام! وإذا سأل الإنسان عن المقدار المطلوب من قيامه في الليل، فأقول: إن ذلك موكول إلى جد الإنسان واجتهاده ونشاطه، فإن شاء فليستقل وإن شاء فليستكثر على حسب ما عنده من عزيمة، لكن إذا استكثر لا ينبغي أن يستكثر بحيث يصل إلى حالة يصاب فيها بملل وسآمة وكراهية لعبادة الله، فليعبد الله جل وعلا بجد ونشاط، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن خير قيام الليل يكون على شاكلة معينة، كان نبي الله داود على نبينا وعلى صلوات الله وسلامه يحافظ عليها، ففي الكتب الستة إلا الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام ثلثه ) هذا أحب القيام إلى الله جل وعلا.وعلى هذا فإذا أراد الإنسان أن ينام، ولنفرض أنه نام في الساعة التاسعة بعد العشاء، ويستحب التبكير بالنوم إذا لم يكن الإنسان في موسم طاعة، وهذا في ليال معدودة، وما عدا ذلك فليبكر، كما تقدم معنا بيان هذا في هدي الإسلام في النوم، فإذا نام الساعة التاسعة فمن الساعة التاسعة إلى الخامسة قرابة ثمان ساعات، فلينم نصفها أربع ساعات، ثم ليستيقظ بعد ذلك قرابة ثلاث ساعات أو ساعتين أو ساعتين ونصف لمناجاة الله، ثم لينم ساعة وليستيقظ بعد ذلك قبل الفجر بدقائق؛ لئلا يدركه أذان طلوع الفجر وهو نائم، وهذا مطلوب من الإنسان، وهو أحسن كيفيات القيام؛ لأنه إذا قام الجزء الأخير من الليل فقط قد يعتريه شيء من الملل بعد ذلك لصلاة الفجر، يضاف إلى هذا أنه يصبح في وجهه شيء من الصفرة، فلو نام في ذلك الوقت لكان أنسب، فلينم إذاً شيئاً يسيراً، ينادي الله جل وعلا عند نزوله بما تيسر ثم ينام، ليخلو بالرحمن جل وعلا أيضاً عن طريق النوم، بعد أن تهجد وطهر نفسه ونام على أكمل حالة، فينام إذاً ما تيسر له مقدار ساعة متوجهاً للقبلة على هيئة الميت، ولير بعد ذلك ولينظر ماذا سيراه في تلك الساعة، وفي ذلك الوقت من رؤى يسر بها ويبتهج، كما حصل لنبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم، وكما يحصل للصالحين في كل حين، هذه أكمل الحالات، وإذا لم يتيسر له ذلك فليقم من الليل ولو قدر حلبة شاة، ولو بمقدار صلاة ركعتين، ينبغي أن لا يطلع عليه الفجر ولم يأخذ بحظه من الليل ولو مقداراً يسيراً؛ لأنه لو لم يقم حتى يطلع الفجر فقد بال الشيطان في أذنيه، وكتب عند الله من الغافلين.ولذلك ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، والحديث في سنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية -بقرابة سدس القرآن خمسة أجزاء في الليلة- كتب من المقنطرين )، أي: الذين يوفون أجورهم بالقناطير يوم القيامة بغير حساب. فلا بد من القيام على أقل تقدير، كما تقدم معنا عن الحسن وابن سيرين أنهما يريان أن القيام واجب ولو بمقدار حلبة شاة، بمقدار عشر آيات، حتى يتعرض الإنسان لنفحة رب الأرض والسماوات في ظلام الليل، ولا يكون في جميع الليل كأنه جيفة، إن قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، وإن قام بمائة كتب من القانتين، وإن قام بألف كتب من المقنطرين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
احمد سليم
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 340
تاريخ التسجيل : 16/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: فضل قيام الليل [- للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )    الأربعاء 5 فبراير - 17:35


لقد كان الصحابة والتابعون رحمهم الله تعالى من أعظم الناس تقرباً إلى الله تعالى وطاعة له، ومن ذلك محافظتهم على تلك العبادة العظيمة ذات الأجور الكثيرة، وهي قيام الليل والتهجد لله تعالى فيه، فينبغي الاقتداء بهم في ذلك، وعلى المسلم أن يبذل كل الأسباب التي تعينه حتى يحوز على ذلك الأجر العظيم المترتب على هذه العبادة العظيمة.
هدي الصحابة الكرام رضي الله عنهم في قيام الليل
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. الحمد لله شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد:الجانب الثالث وهو عمل السلف الصالح رضي الله عنهم في قيام الليل، سأبتدئ بذكر الصحابة الكرام الذين كانوا ينفذون ما يغرس نبينا صلى الله عليه وسلم في قلوبهم من التوجيه نحو القيام، لنرى كيف كانوا، ثم آخذ نماذج أيضاً ممن جاء بعدهم، ثم ننتقل بعد ذلك إلى المبحث الرابع إن شاء الله. ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين -بين عمودين من أعمدة المسجد- فقال: ما هذا؟ فقيل: هذا حبل لـزينب رضي الله عنها تصلي فإذا فترت تعلقت به ) أي: لتطرد عن نفسها النعاس، وليكون معها جد ونشاط، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد )، فإذا فتر فلينم، ليصل أحدكم نشاطه، وهذا هو المطلوب منا، فلا ينبغي أن نفعل العبادة بحالة نصل بها إلى السآمة، فإن لنفسك عليك حقاً فنم ما تيسر، إنما كان هذا شأنهم في بداية الأمر عندما وجههم نبينا صلى الله عليه وسلم للقيام، يربطون الحبل بين الساريتين ثم بعد ذلك يتأرجحون إذا اعتراهم الملل؛ ليطردوا عن أنفسهم النعاس. وهكذا كان السلف يوصي بعضهم بعضاً بهذا الأمر، ففي سنن أبي داود بسند صحيح عن عبد الله بن أبي قيس رضي الله عنه قال: دخلت على أمنا عائشة رضي الله عنها، وعبد الله بن أبي قيس من أئمة التابعين الكبار، فقالت له أمنا عائشة : ( يا عبد الله ! لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى وهو قاعد )، أي: إذا اعتراه تعب أو مرض لا يترك قيام الليل عليه صلوات الله وسلامه، بل يصلي وهو قاعد، فأنت لا تدع قيام الليل يا عبد الله بن أبي قيس ! وعبد الله بن أبي قيس هو الذي سأل أمنا عائشة رضي الله عنها عن كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل: هل كان يجهر أو يسر؟ كما ثبت ذلك في المستدرك بسند صحيح، قالت: ( كل ذلك كان يفعل، فيجهر أحياناً ليوقظ من حوله، ويسر أحياناً ليكون أخشع له، فقال: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة ).وثبت في المستدرك بسند صحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بكر رضي الله عنه وهو يتهجد ويخفض صوته بالقراءة، ومر بـعمر رضي الله عنه وهو يجهر بصوته ويرفعه بقوة، ثم سأل أبا بكر عن هذا، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! لقد أسمعت من ناجيت )، أناجي الله وهو يسمعني، وقال لـعمر : لم ترفع صوتك بقوة؟ قال: لأطرد الشيطان، وليستيقظ الوسنان -النائم- فقال لـأبي بكر : ارفع قليلاً، وقال لـعمر : اخفض قليلاً، ليكون ذلك في حد التوسط، فإذا كان الصوت خافتاً لا يسمعه المجاورون، والمقصود منهم أن يستيقظوا إذا دخلوا في الثلث الأخير، فاجهر بالقراءة ليستيقظ من حولك من زوجتك وأولادك وجيرانك، وإذا كنت قبل ذلك فأسر، كل هذا مطلوب. فلا تدع -أخي المسلم- قيام الليل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى وهو قاعد عليه صلوات الله وسلامه. وهكذا كان الصحابة الكرام قاطبة، فهذا عمر كما في موطأ مالك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كان عمر رضي الله عنه يصلي في الليل حتى إذا كان من آخر الليل ودخل الثلث الأخير أيقظ أهله، وتلا قول الله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132]، قال الإمام ابن كثير في كتاب البداية والنهاية في ترجمة عمر رضي الله عنه: وثبت أنه كان في خلافته إذا صلى العشاء يأتي إلى بيته فيلقي نفسه في مسجده ويتهجد حتى يطلع الفجر، وما كان ينام رضي الله عنه إلا ساعة يسيرة عند الضحى، ثم يتفرغ بعد ذلك للرعية، وكان يقول: إذا نمت في الليل ضيعت نفسي، وإذا نمت في النهار ضيعت رعيتي. رضي الله عنه وأرضاه، يقوم في الليل ويتهجد حتى إذا دخل الثلث الأخير أيقظ أهله، وتلا قول الله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].
 هدي الصحابة في تقسيم الليل أثلاثاً
وهكذا كل الصحابة الكرام كانوا على هذا المسلك، ففي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد ، وكتاب الزهد للإمام أحمد عن أبي عثمان النهدي رضي الله عنه، قال: تضيفت أبا هريرة ، أي: نزلت عليه ضيفاً سبعة أيام، فكان هو وزوجته وخادمته -أي: أمته- يقتسمون الليل أثلاثاً، تصلي الزوجة ثلثاً، وتصلي الأمة ثلثاً، ويصلي أبو هريرة ثلثاً، ولا يخلو البيت من قائم لله جل وعلا، والحديث في صحيح البخاري إخوتي الكرام! وقوله: خادمه، أي: أمته، وهذا كان موجوداً في العصور الأولى عندما كانت الدولة الإسلامية قائمة، ويحكم الإسلام بين الدولة الإسلامية وبين الكافرين، فإذا أراد الإمام أن يسترق الذرية وأن يسترق أيضاً الرجال المأسورين فله ذلك، فإذا استرقهم صاروا عبيداً، والنساء تصبح إماء، وهذه الإماء يحق للمجاهد عندما تعطى له وتوزع عليه أن يعاملها معاملة زوجته، وله أن يبيعها ليشتريها إنسان كأنها زوجة له، بدون عقد وبدون شهود، هذا ملك باليمين، وهو جائز، وهو شرع الله جل وعلا. وقد استنكرت القوانين الشيطانية الغوية الإنسانية في هذا الوقت هذا الأمر، وقالت: إنه جريمة ما بعدها جريمة، ونقول ما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل)، كفروا بالله فأمكننا الله من رقابهم، فخير من ضرب رقابهم وتخليدهم في السجن أن نجعلهم يخدمون من يعبد الله ليوحدوا الله ويدخلوا الجنة بعد ذلك، هذا شرع الله ومن اعترض عليه فهو كافر، إنما أريد أن أقول لهؤلاء الزنادقة في هذا الوقت الذين يعترضون على حكم الله جل وعلا، ويقولون: إن هذا امتهان للإنسان، إذا قلنا لكم: عاشروا هذه المرأة على أنها أمة ولها حكم الزوجة، وإذا حملت منك فلا يصح بيعها صارت أم ولد، بمجرد موتك تصبح حرة، هذا الحكم تستنكرونه وهو في منتهى الرحمة، وبدأتم تستسيغون -يا إخوان الشياطين- الشغالات والخدامات التي ملأتم بها البيوت، عدد الشغالات الآن في هذه البلاد ثلاثمائة ألف شغالة، تستسهلون هذا الأمر وتستمرءونه، وتعاشرها بعد ذلك عشرة المحارم، أو عشرة الزوجات، وهذا عندكم لا غضاضة فيه! وإذا قلنا: هذه أمة حكمها حكم الزوجة تعاشرها فيأتيك أولاد منها عن طريق الحلال، وإذا حملت صارت أم ولد بمجرد موتك تصبح حرة لا تباع، هذا تستنكرونه وتستهلون ما يوحيه إليكم ساداتكم من الغرب! وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].إذا دخلت الشغالات للبيوت، هذا رقي والناس يفتخرون، وإذا كانت أمة فهذا امتهان للإنسان! لم هذا امتهان وهذا إكرام؟! الشغالة إكرام وذاك امتهان! لم؟ تمتهنها امتهاناً إذا كانت شغالة ليس بعده امتهان، ولكن هذا عندهم هو الإكرام. فهنا كان أبو هريرة هو وزوجه وخادمته، أي: أمته، يقتسمون الليل أثلاثاً، هذه أمة ليست شغالة ولا خادمة، وما كانت في بيوت أحد من سلفنا شيء من ذلك.إخوتي الكرام! واقتسام الليل أثلاثاً كان فاشياً في زمن السلف الصالح، فليتنا نحيي هذه السنة في هذه الأيام، يقتسم الإنسان مع زوجه أو مع زوجتيه أو مع أولاده الليل، بحيث لا يخلو البيت من قائم من أول الليل إلى آخره، هذا كان فاشياً عن عدة من السلف الصالح. هذا سليمان التيمي المتوفى سنة 196 للهجرة، وهو من رجال الكتب الستة، وأطلق عليه الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ لقب: شيخ الإسلام، وكنت قرأت الكتاب بأجزائه الأربعة، وترجم فيه ألفاً ومائة رجل وستاً وسبعين، فما وصف أحداً بشيخ الإسلام إلا قرابة مائة فقط من الأئمة الذين هم حفاظ.يقول في ترجمة سليمان التيمي : إنه شيخ الإسلام، من رجال الكتب الستة، كان عنده زوجتان رضي الله عنه وعن زوجتيه، فكانوا يقتسمون الليل أثلاثاً، ولا يخلو بيتهم من قائم، ولما احتضر بدأ يبكي عليه رحمة الله، فقالوا له: ما الذي يبكيك؟ قال: مررت على مبتدع فسلمت عليه، فأخشى أن يجعلني الله معه. يخاف بسبب تسليمه على مبتدع أن يكون مثله! هذا شأنه وهذا صلاحه رضي الله عنه وأرضاه، كان يقتسم الليل مع زوجتيه أثلاثاً. وهكذا كان الحسن بن صالح بن حي ، وهو من رجال مسلم والسنن الأربعة، كان أيضاً يقتسم الليل هو وأخوه وأمه أثلاثاً، فماتت أمه فاقتسم الليل هو وأخوه علي بن صالح بن حي ، فمات أخوه فقام الليل كله. ومن طريف ما يروى: أنه كان عنده جارية (أمة) فباعها عندما احتاج لشيء من المال، فأيقظت هذه الجارية أهل البيت الذين صارت إليهم في وسط الليل لقيام الليل، فقالوا لها: أسحرنا؟ هل دخل الفجر؟ قالت: لا، قوموا لتتهجدوا ولتعبدوا الله، قالوا: لا نستيقظ إلا إذا أذن الفجر، فلما كان اليوم الثاني ذهبت إلى الحسن بن صالح بن حي ، وقالت: يا سيدي! بعتني إلى أناس لا يصلون إلا الفرائض، فاتق الله فيّ وردني إليك، فذهب إليهم وقال: ردوا عليّ الجارية، قالوا: نعم، فأعطاهم فلوسهم وأعاد الجارية إليه، سبحان الله العظيم! كان سلفنا على هذا المسلك العظيم.إذاً: كان أبو هريرة وأهله يقتسمون الليل أثلاثاً، سليمان التيمي ، الحسن بن صالح يقتسمون الليل أثلاثاً، ومثل هؤلاء كثير وكثير.
 سابقة الصحابة رضي الله عنهم في العبادة والطاعة ومنها قيام الليل
إن من نظر في حال الصحابة رضي الله عنهم بعلم أن المجتهد فينا كاللاعب فيهم، وهذا قاله الإمام مجاهد رضي الله عنه بعد أن نقل عن ابن عمر كلاماً في منتهى السداد، قال: لم يزل الناس في نقص في عقولهم وفي أعمارهم وأبدانهم، كلما امتدت الحياة ينقصون، ولا يكون حال المتأخرين كحال السابقين، فكان مجاهد بعد ذلك يقول: والله ما المجتهد فيكم -يقصد التابعين- إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم، وهذا هو وصف الصحابة كما قال علي رضي الله عنه، ففي الحلية وصفة الصفوة: أن علياً رضي الله عنه صلى في آخر أيامه صلاة الفجر، ثم بعد أن انصرف الناس من الصلاة بقي في مصلاه يذكر الله حتى طلعت الشمس، وظهر نورها على الجدران، فأخذ بلحيته رضي الله عنه وبدأ يبكي، ثم قال: والله! لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً بين أعينهم كأمثال ركب المعزى من البكاء، قد باتوا لله سجداً وقياماً يراوحون بين أقدامهم وجباههم، فإذا طلع الفجر ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم بالبكاء، والله لكأن القوم كانوا غافلين. أي: يبكون على أنفسهم، وكأنهم كانوا في ذنوب وفي عيوب، ما رأيت شيئاً يشبههم، ثم قام رضي الله عنه وهو حزين، فما دخلت عليه الجمعة إلا وطعنه ابن ملجم لعنة الله على الطاعن ورضي الله عن المطعون.قل لابن ملجم والأقدار غالبةهدمت ويحك للإسلام أركاناقتلت أفضل من يمشي على قدموأول الناس إسلاماً وإيمانا
هدي التابعين وأتباعهم في قيام الليل
هذا كان حالهم رضي الله عنهم وأرضاهم، ولو استقرأنا بعد ذلك أحوال من بعدهم لرأيناهم على هذه الشاكلة. هذا محمد بن واسع عليه رحمة الله، من رجال مسلم وسنن أبي داود والترمذي ، قال عنه الحافظ: ثقة عابد كثير المناقب، وهو من التابعين، أدرك أنس بن مالك رضي الله عنه في البصرة وروى عنه، كان إذا جن عليه الليل يقوم ويتهجد، يقول أهله: والله إن حاله كحال من قتل أهل الدنيا، فهو يلجأ إلى الله جل وعلا، ويعود إليه من ذنوبه. هذا محمد بن واسع عليه رحمة الله. ويروى أنه لما داهم الكفار بلاد الكوفة وكان فيها إذ ذاك، تفقد أمير الكوفة قتيبة بن سعيد الناس وقال: من في المسجد؟ فقالوا: لا يوجد إلا محمد بن واسع رافعاً أصبعه إلى السماء، فقال: والله إن تلك الأصبع أحب إليّ من ثلاثين ألف فارس، أصبع محمد بن واسع بدعائه ينصرنا الله ويفرج كروبنا، رضي الله عنه وأرضاه، هذا كان حاله. وهكذا الإمام أبو سليمان الداراني المتوفى سنة 207 للهجرة، كان يقول: والله! لولا قيام الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، ووالله! إن أهل الليل في ليلهم مع الله ألذ من أهل اللهو في لهوهم، وإنه لتمر بالقلب ساعات يرقص القلب فيها طرباً بذكر الله فأقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم إنهم لفي نعيم عظيم. وكان يستغفر في الليل كثيراً مع أنه كان يقومه، وما ذلك إلا لأن سنة الوصال سنة، كما أن سنة الهجر سنة، لكن سنة الوصال بمقدار لمحة بصر، بمقدار ما يغفل الإنسان، فكان يستغفر الليل الذي نراه طويلاً إذا أردنا أن نتهجد فيه، كان يرى سنة الوصال حيناً يسيراً، كما أن سنة البعد والجفاء بمقدار سنة على المحب، وكان يقول عليه رحمة الله: من صفى صفي له، ومن كدر كدر عليه، وإنما عصى الله من عصاه لهوانه على الله، ولو كرموا عليه لحال بينهم وبين معصيته. كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]، وكان يقول: الأخ من يعظك بحاله قبل أن يعظك بمقاله. وهكذا كان أئمتنا وسلفنا ما بين رجال ونساء، فهذا رياح بن عمرو القيسي ، وهو من العباد في زمن التابعين، تزوج امرأة اسمها ذؤابة ، وكانت من الصالحات أيضاً، فلما جاء النهار أراد أن يختبرها، فقامت لتعجن عجينها، فقال: أحضر لك أمة؟ قالت: أنا تزوجت رياحاً ، وما تزوجت جباراً عنيداً، لا داعي لأمة، هذا شأن الملوك والأمراء والجبابرة، فعجنت، فلما جاء الليل تناوم رياح ليرى على أي شاكلة هي، يا عبد الله! إن الجنس يألفه الجنس، وإذا كنت طيباً فلن يكرمك الله إلا بالطيب فاطمئن، فتناوم فقامت ربع الليل، ثم نادته يا رياح قم، فقال: أقوم، فبقي نائماً، فمضى ربع الليل الثاني، فقالت: يا رياح قم، فقال: أقوم، فمضى الربع الثالث، فقالت: يا رياح قم، فقال: أقوم، ودخل الربع الثالث فقالت: يا رياح ! قد عسكر المعسكرون، وفاز المحسنون، يا ليت شعري من غرني بك! ليت نساءنا يسلكن هذا المسلك فيقلن للرجال: يا ليت شعرنا من غرنا بك عندما اتقيت الله في بيتنا، وجعلت بيتنا قطعة من النار، من غرنا بك؟ من غرنا بك يا رياح ، وكانت بعد ذلك إذا دخل الليل تكون في أجمل هيئة، فإن كان له بها حاجة أصابا حاجتهما ثم تفرغا لعبادة الله، وإلا شرع كل واحد منهما في مناجاة الله، هذه ذؤابة مع زوجها المبارك رياح .
 الفضيل بن عياض وقيامه الليل
وهكذا كان سلفنا، هذا الفضيل بن عياض إمام المسلمين في زمنه، وأطلق عليه الذهبي في تذكرة الحفاظ أيضاً لقب شيخ الإسلام، وهو إمام المسلمين بلا نزاع، ورحمة الله على هارون الرشيد عندما يقول: ما رأيت أهيب من مالك ، ولا أورع من الفضيل . حج هارون الرشيد مرة من المرات فوجد في قلبه قسوة، واحتاج إلى من يعظه ويرققه فقال للفضل بن الربيع حاجبه: خذني إلى بعض العلماء في مكة، فأخذه إلى عدد وهو يقول: ما أشفيت قلبي، ثم جاءا إلى بيت الفضيل بن عياض فأنصتا عند الباب وإذا بالرجل يصلي، ويقرأ قول الله ويكرره ويبكي: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:26-28]، الآيات في سورة الطور التي يقول الله فيها: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الطور:17-25]، هذا وصف أهل الجنة فليفتش كل واحد منا في نفسه عن هذا الوصف، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:25-26]، في أهلنا لا في مسجدنا، يعني: إذا جن علينا الليل ودخل كنا مشفقين خائفين وجلين تتقطع قلوبنا، قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:26-28]. فانتظر الخليفة وحاجبه على باب الفضيل حتى انتهى من الركعتين، فطرقا الباب، فقال: من؟ قال: هارون ، قال: ما لي ولـهارون ، فقال له حاجب هارون : أوليس له في عنقك بيعة، وله عليك حق الطاعة؟ افتح الباب، ففال: نعم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يذل المرء نفسه، والحديث وارد في سنن الترمذي وغيره: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يذل المرء نفسه ) فلينصرف، قال: عليك عزيمة أمير المؤمنين أن تفتح، ففتح، فلما دخل هارون ووضع يده بيد الفضيل صاح الفضيل وقال: أوه، يد ناعمة لو نجت من النار، فبعد أن وعظه قال: هل عليك ديون يا فضيل ؟ قال: نعم، قال: علي ديون لربي، الويل لي إن لم يعف عني ولم يسامحني، قال: ما أسألك عن هذا، قال: عن أي شيء تسألني؟ قال: عن ديون العباد، قال: ما أمرنا الله بهذا، لقد تكفل الله لنا بذلك، أمرنا أن نعبده ووعدنا أن يرزقنا، الرزق ليس منك، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132]. ولذلك كان بعض الصالحين يقول: والله! لو أن أهل مصر كلهم عيالي لما خشيت الفقر، علينا أن نعبده كما أمر، وعليه أن يرزقنا كما وعد، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].هذا هو الفضيل بن عياض ، بلغ من مكانته أن أمير المؤمنين في الحديث في زمانه سفيان بن عيينة كان إذا التقى به قبل يده، كما روى هذا الذهبي في تذكرة الحفاظ، ومن كلامه الطيب: من جلس مع صاحب بدعة منع من الحكمة. وهذا الوصف كان لجميع التابعين رضي الله عنهم أجمعين، ولمن جاء بعدهم، كلهم كانوا على هذا المسلك، فهذا الإمام أبو إسحاق الشيرازي حبر المسلمين في زمانه المتوفى سنة 476 للهجرة، الذي غسله إمام الحنابلة ابن عقيل عليه رحمة الله وعليهم جميعاً رحمة الله، كان إذا جاء الليل يقوم وينادي رب العالمين جل وعلا بالصلاة والقرآن والذكر، وبأبيات رقيقة من نظمه، فيقول: لبست ثوب الرجا والناس قد رقدواوقمت أشكو إلى مولاي ما أجدوقلت يا عدتي في كل نائبةومن عليه لكشف الضر أعتمدأشكو إليك أموراً أنت تعلمهاما لي على حملها صبر ولا جلدوقد مددت يدي بالذل معترفاًإليك يا خير من مدت إليه يدفلا تردنها يا رب خائبةفبحر جودك يروي كل من يرديردد هذا ويبكي عليه رحمة الله.
 بيوت التابعين في ظلام الليل قراءة وقيام
وكان وصف التابعين على هذه الشاكلة، فهذا أبو الأحوص الهذلي ، وهو عوف بن مالك ، ثقة من التابعين روى له البخاري تعليقاً، وهو من رجال مسلم والسنن الأربعة، كان يقول: إن كان الرجل ليطرق الفسطاط طروقاً، والطروق: هو المجيء في الليل، أن يأتي الرجل إلى الفسطاط، أي: إلى المخيم، وإلى محل المسلمين في الليل، إن كان الرجل ليطرق الفسطاط طروقاً، فيسمع لهم دوياً كدوي النحل بالقرآن، فما بال هؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون؟! إذا جاء الرجل إلى محلة من المسلمين في زمن التابعين يسمع لتلك المحلة في الليل دوياً بالقرآن كدوي النحل، من كل بيت يوجد صوت خافت تتجمع هذه الأصوات ويكون لها دوي، هنيئاً لمن اكتحلت عيناه برؤية تلك الحياة، فمر في أحياء المسلمين في الليل ولها دوي بالقرآن كدوي النحل! ماذا نسمع في محلاتنا، وفي بيوتنا وفي عماراتنا في هذه الأيام؟! بارزنا الله جل وعلا بالغناء وقلة الحياء الذي حرم قبل تحريم الخمر، سبحان الله العظيم! إن كفر الهوى أعظم من كفر الشراب، أعظم بكثير، ولذلك أكثر الناس سكارى من غير شراب، ويعبدون أهواءهم، وهم يظنون أنهم يعبدون ربهم.إخوتي الكرام! والله الذي لا إله إلا هو! إن من استحل الغناء سيمسخه الله في قبره قرداً أو خنزيراً، ولعله سيمسخ فينا عدد من الناس على قيد الحياة ونراهم بأعيننا ليثبت لنا عن طريق العيان صدق نبينا صلى الله عليه وسلم، ويتحقق ما أشار إليه، ولعل الله يمد في الأجل بالكلام على هذه المفسدة التي عمت البيوت في هذا الوقت، الغناء وقلة الحياء، الذي يلعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله، والذي يلعب بالنرد ثم يقوم ويصلي كمن يغمس يده في دم خنزير، ثم يقوم ويصلي كما في المسند، فلا تقبل صلاته، والله إن شناعة الغناء أعظم من شناعة النرد بكثير، فإذا سمع الغناء والمسلسلات التي لو سمعها الزهاد العباد لانحرفوا، ثم بعد ذلك أراد أن يصلي، ليصلي بجسم حاضر وقلب في كل واد يهيم من أودية الشيطان.إخوتي الكرام! لا تظنوا الأمر يسيراً، هذا المنهال بن عمرو من رجال البخاري والسنن الأربعة، من تلاميذه شعبة بن الحجاج ، جاء يوماً إلى بيته ليسمع الحديث منه، فسمع في بيته صوت طنبور، شيء من الآلات يضرب به، نعوذ بالله مما ندرك في هذه الأوقات، سمع صوت طنبور، وهو من هو من الأئمة المحدثين، فانحرف شعبة عنه، وقال فيه كل سوء، وعلماء الحديث ما خطئوا شعبة ، قالوا: أنت لو أثبت أن الطنبور جرى من بيته وبعلمه فهو فاسق ترد شهادته، ولا يجوز حمل الحديث عنه، وترد روايته، ولكن يا عبد الله! لعل صوت الطنبور كان من بيت جاره، هل تحققت يا شعبة ؟! قال: لا، إذاً: كيف نقذف هذا الرجل بأمر لم نتحقق منه، إنما قال علماؤنا: لو سمع صوت الطنبور من بيته لكان هذا فسقاً، هذا في المنهال بن عمرو من شيوخ البخاري والسنن الأربعة، سمع من بيته هذا الصوت، فقدح فيه وقال كل سوء، وعلماؤنا أقروه، وقالوا: يحتاج فقط لإثبات، هل هذا الطنبور من بيته أو من بيت جيرانه واشتبه عليك الصوت؟لقد بدأنا نستحل هذا الأمر، قال عليه الصلاة والسلام، والحديث في صحيح البخاري وغيره: ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرو والحرير والخمر والمعازف )، قال الحافظ ابن حجر : المعازف هي آلات اللهو بأسرها، قال: (ولينزلن أقوام إلى جنب علم لهم تروح عليهم سادحة لهم، فيأتيهم الفقير لحاجته، فيقولون: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة)، وثبوت المسخ في هذه الأمة تواترت به الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وما ندري في أي وقت سيقع؟ ولعله عما قريب يستيقظ بعضنا في يوم من الأيام ويتحدثون بأنه مسخ اليوم بأسرة فلان، ولا تستعظموا هذا، والأمر كما قال الله: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:6-7].يقول الإمام ابن القيم : ومن لم يمسخ منهم في حياته مسخ في قبره. سبحان الله! البيوت كانت تتنور وتعج بقراءة القرآن وذكر الرحمن، ولها دوي كدوي النحل، واليوم أصبح فيها ما يصك الآذان! عباد الله! اتقوا الله في أنفسكم، فمن سلم من هذه المفسدة في هذا الوقت فليحمد الله، واتقوا الله في أنفسكم، وأحيوا قيام الليل فيكم وفي أهلكم وفي أولادكم وفي جيرانكم، وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، فوالله ما تحفظ الأمة في هذا الوقت إلا بواسطة ثلة قليلة من المتهجدين لله في الليل، ولولا أهل الطاعة لهلك أهل المعصية. يقول سليمان الأخناصي من التابعين عليه رحمة الله: رأيت علياً في النوم فأنشد لي بيتين، فقال: لولا الذين لهم ورد يقومونوآخرون لهم فرد يصومون لدكدكت أرضكم من تحتكم سحراًلأنكم قوم سوء لا تطيعون لولا هؤلاء لدمر الله الأرض ومن عليها، ولكن يحفظ الله جل وعلا العباد بواسطة هؤلاء، ولولا شيوخ ركع، وبهائم رتع، وأطفال رضع، لصب عليكم البلاء صباً. هذا فيما يتعلق بمسلك سلفنا، وما أحرانا أن نسير على شاكلتهم، فهم أسوتنا وقدوتنا، وهم سلفنا الصالح.
أسباب سمو منزلة قيام الليل
الأمر الرابع: لماذا كان لليل تلك المكانة؟ وما هي فوائده العظيمة التي يحصلها الإنسان؟ أتكلم على هذا وعلى ما بعده بإيجاز لأنهي الموضوع على وجه التمام في هذا الوقت إن يسر ربنا الرحمن: إن الأمور التي كان من أجلها لقيام الليل تلك المنزلة العالية أمور عظيمة كثيرة، أبرزها تدور حول خمسة أمور: الأمر الأول: أن الإنسان عندما يقوم في الليل ويتهجد يكون هذا أخلص لربه جل وعلا؛ لأنه يكون في وقت سر لا يطلع عليه أحد، وعبادة السر تفضل عبادة العلانية كما ثبت هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي معجم الطبراني الكبير وكتاب الزهد لـعبد الله بن المبارك بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية)، وصدقة السر تزيد على صدقة العلانية بسبعين ضعفاً، وهكذا صلاة الليل، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، كما ثبت في معجم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر )، فصلاة الليل أخلص لله لأنه يكون في وقت سر لا يطلع عليه أحد.الأمر الثاني: أنه أشق على النفس، والمجاهدة في ذلك أكثر، ولذلك يكون للإنسان أجر أكثر مما لو قام بهذه العبادة في النهار، والأمر كما قال الله: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ [المزمل:6]، وناشئة الليل لا تكون إلا بقيام بعد نوم، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا [المزمل:6]، أي: أثقل على النفس وأصعب وأعظم، ولذلك يكون الأجر أكثر.الأمر الثالث: في الليل يحصل مزيد تدبر وتفهم، فالشواغل يبتعد عنها الإنسان، ويكون قد استراح منها عن طريق النوم، وليست أنوار تبهر بصره وتخسفه هنا وهناك، فيتواطأ القلب واللسان على التفهم والتدبر، وقد قرأ أبو عمرو إمام البصرة، وابن عامر إمام الشام قول الله: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا [المزمل:6]، قرءا: (إن ناشئة الليل هي أشد وطائاً وأقوم قيلاً)، أي: مواطأة للقلب مع اللسان، فيتفق القلب مع اللسان لعدم الشواغل، والقراءتان ثابتتان عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والإنسان بعد ذلك لا يوجد هناك ما يخطف بصره، ولا ما يلفت ذهنه هنا وهناك.الأمر الرابع: أن الليل موسم لتنزل الرحمات، ولنزول رب الأرض والسماوات، فعظمت العبادة فيه، وكان لها ذلك الأثر الكبير؛ لأن الوقت وقت مبارك، والزمن زمن فاضل.الأمر الخامس: إن قيام الليل والتهجد لله في الليل عبادة جامعة لطهارة القلب وبنائه، فالقلب يطهر عن الرذائل، وبعد ذلك يتحلى بالفضائل، ولذلك لا يقوم الليل منافق، وإذا اشتغل الإنسان بالذنوب لا يتيسر له قيام الليل كما سيأتينا، فهذا يطهره، ثم بعد ذلك يحليه بالفضائل والأنوار التي تنزل عليه في ذلك الوقت، ولذلك ثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن خزيمة والمستدرك بسند صحيح على شرط البخاري وأقره عليه الذهبي ، عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لربكم، وفيه تكفير للسيئات، ومنهاة عن الإثم )، ثبت في سنن الترمذي والطبراني عن سلمان زيادة: ( ومطردة للداء عن الجسد )، أي: يصح الجسد وينشطه ويقويه، فكان لقيام الليل تلك المنزلة لهذه الاعتبارات العظيمة.
فوائد قيام الليل
وأما الفوائد التي يجنيها الإنسان من قيام الليل فهي جميلة تدور حول خمسة أيضاً: الأولى: أن الإنسان إذا قام في الليل متهجداً لله جل وعلا، يسهل عليه القيام يوم يقوم الناس لرب العالمين، والجزاء من جنس العمل، فمن استراح هنا وقضى أيامه في البطالة فإنه يتعب هناك، ومن تعب هنا وفي هذا التعب راحته وسعادته، ولذته وبهجته، فإنه يستريح هناك، والجزاء من جنس العمل.الأمر الثاني كما قال سلفنا: إن من يكثر القيام في الليل إذا كان من الرجال يعوضه الله يوم القيامة ويثيبه كثرة الأزواج من الحور العين، والسبب في هذا: أنه عندما ابتعد عن أهله في ذلك الوقت عوضه الله جل وعلا في يوم القيامة أضعاف ما فاته، وهذا أيضاً لأن الجزاء من جنس العمل.الأمر الثالث: في ذلك صحة جسم وبهاء وجه، ولذلك لما قيل للحسن البصري عليه رحمة الله: لم كان المتهجدون أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بربهم فأعطاهم من نوره، فإذا قام الإنسان في الليل يكسي الله وجهه نوراً ونضرة، فهذا أيضاً من الفوائد التي يحصلها الإنسان.الأمر الرابع: أن الفتوحات والتوفيق وإرشاد الناس لخير الأمور وأسدها وأفضلها، هذا يتم إذا كان الإنسان قائماً، فالله يهديه لسبل الخير من حيث لا يحتسب، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، ولذلك كان سري السقطي يقول: الفوائد ترد في ظلم الليل، أي: التحف والطرائف والاستنباطات، وإذا خفي على الإنسان شيء إذا قام في ظلام الليل يفتح الله جل وعلا عليه فيدركه، ويهتدي إلى الأمر، ويعلمه من حيث لا يحتسب، فإن الفوائد ترد في ظلم الليل.الأمر الخامس وهو أعظم الفوائد: أن الذين يقومون في الليل ويتهجدون يمتعهم الله جل وعلا يوم القيامة برؤية وجهه الكريم، كما خلوا به كل ليلة ولم يروه، يكشف الحجاب بينهم وبينه في ذلك اليوم العظيم ليروه، ولذلك قال الحسن البصري عليه رحمة الله: والله لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم يوم القيامة لذابوا، فهؤلاء يمتعون بأعظم النعيم بالنظر إلى وجه الله الكريم.
الأسباب المعينة على قيام الليل
إخوتي الكرام! إن سأل الإنسان عن الأسباب التي يتيسر للإنسان بها القيام، وهي آخر المباحث عندنا، فأقول: إن الأسباب التي تيسر عليك كذلك كثيرة أبرزها خمسة أيضاً:
 تحري أكل الحلال والابتعاد عن الحرام
السبب الأول وهو أعظمها: أن يأكل الإنسان الحلال، وأن يبتعد عن الحرام، مثل أكل الربا والغش والاحتيال الذي فشا فينا، ولعل عدد المرابين في هذا الوقت من كل مائة سبعين، وربما يزيدون، ينتسبون إلى الإسلام اسماً ولا يصلي ويرابي، وأما إن كان من المصلين فصلاة الفريضة يضرب الله بها وجهه، فهل يوفق لقيام الليل؟ هيهات هيهات أن يوفق لمجالسة الله ومناجاته في ذلك الوقت العظيم! وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله طيب لا يقبل طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172]، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك ). وفي معجم الطبراني الأوسط بسند فيه رواة قال الحافظ الهيثمي : لا أعرفهم، فالحديث ضعيف، وما قبله وغيره يشهد له، أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! ادع لي أن أكون مستجاب الدعوة، قال: أطب مطعمك تستجب دعوتك، ثم قال: يا سعد ! إن العبد ليقذف اللقمة من الحرام في جوفه فلا يقبل الله له أربعين يوماً صلاة )، فإذا أردت أن توفق للقيام فاحرص على أكل الحلال: ( فكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به )، كما ثبت هذا في سنن الترمذي وغيره عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال سهل التستري عليه رحمة الله: من أكل الحلال أطاع الله شاء أم أبى، ومن أكل الحرام عصى الله شاء أم أبى، فإذا وضعت في السيارة وقوداً سليماً فإن السيارة تمشي، وإذا وضعت فيها تراباً أو غير ذلك فلا تتحرك، وهكذا البدن، إذا أدخلت فيه حلالاً يوفقك الله جل وعلا لمناجاته، وقد كان سلفنا يحذرون من مجالسة ثلاثة من العلماء: الأول: المبتدع، فعلى لسانه شيطان يتكلم، والثاني: الذي لا يبالي ما يدخل في جوفه من حلال أو حرام، فإنه ينطق عن الهوى، والثالث: الذي لا عقل له، فما يفسده أكثر مما يصلحه، أحمق مهووس، هؤلاء الثلاثة ينبغي الحذر منهم.
 ترك الذنوب
الأمر الثاني: ترك الذنوب على سبيل العموم والكل، فمن لوث نفسه وقلبه بشيء من الذنوب بالنهار لا يوفق للقيام في الليل، فمن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ولذلك لما قيل لـابن مسعود رضي الله عنه: لا نستطيع قيام الليل؟ فقال: أبعدتكم ذنوبكم، وقيل للحسن البصري : إنه لا يتيسر لنا قيام الليل، فقال: قيدتكم خطاياكم، إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وكان أبو سليمان الداراني عليه رحمة الله الذي تقدم معنا ذكره يقول: لا تفوت أحداً صلاة الجماعة إلا بذنب يذنبه. إن اللئيم عن المكارم يشغلفإذا منع من صلاة الجماعة لذنب فمن باب أولى سيمنع من القيام بسبب الذنوب والعيوب. وقد قال بعض السجانين في زمن التابعين: كنت سجاناً ثلاثين سنة، فكل من يؤتى به إلى السجن في الليل أسأله: هل شهدت العشاء في جماعة؟ فيقول: لا، فأقول: هذا من شؤم إعراضه عن الله وقع فيما وقع فيه، ولو صلى العشاء في جماعة والفجر في جماعة لكان في حفظ الله وذمته، ووفق لقيام الليل، ونحي عن تلك الأماكن، ثلاثين سنة يشرف على السجن، يقول: ما دخل أحد السجن وقد صلى العشاء في جماعة، فهذا الأمر ينبغي للإنسان أن يحرص عليه وهو أن يبتعد عن الذنوب.
 الابتعاد عن الفضول وما لا فائدة منه في كل شيء
الأمر الثالث: أن يبتعد عن الفضول، أو كل ما لا فائدة منه من كلام فليترك الثرثرة، ومن نظر، ومن أمور لا يحتاج إليها، من فراش وثير وما شاكل هذا، فليقتنع وليقتصد، وليقنع بما يوصله إلى غايته، وليترك الفضول من كل شيء؛ فضول النظر والكلام والسماع وغير ذلك، كل هذا ليبتعد عنه؛ لئلا يشغله ذلك عن قيام الليل، وهذا يدخل فيما رواه الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )، وفي الصحيحين وغيرهما عن نبينا صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )، وقد تقدم معنا في بيان هدي الإسلام في النوم الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أمنا عائشة رضي الله عنه: ( أن فراش النبي صلى الله وسلم كان من أدم -من جلد- حشوه ليف ). وفي شمائل الترمذي عن أمنا حفصة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان فراشه في بيتها مسحا )، أي: كساء خشن غليظ، ( مسحاً نثنيه ثنيتين فينام عليه، فقلت -أي: حفصة رضي الله عنها- لو ثنيته أربع ثنيات لكان أوطأ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فثنيته أربع ثنيات فقام النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن استيقظ وقال: هل غيرتم فراشي؟ قلنا: لا، إلا أننا كنا نثنيه ثنيتين فثنيناه أربع ثنيات، فقال: إنه منعني عن قيام الليل هذه الليلة، أعيدوه كما كان ).عباد الله! تفقدوا فرشكم، إن الناس في هذا الوقت -وخاصة عند بداية العرس- يريدون أن يؤثثوا بيتاً كبيت فرعون وقارون ، سرير وثير إذا نام عليه الإنسان لا يستيقظ إلى الظهر، والأسرة التي بدأت تباع الآن من أسرة إيطالية أو أميركية، يا عبد الله! هذه ليست للمسلمين، هذه للملاعين، للإيطاليين والأمريكيين، دعك منها يا عبد الله، وعلى الجانب الأيمن موسيقى شرقية، وعلى الجانب الأيسر موسيقى غربية! وإذا نام الزوجان تضرب الموسيقى حتى يناما، ولا يستيقظا بعد ذلك إلا إلى جهنم وبئس المصير! هكذا تؤثث بيوتنا في هذا الوقت، كان فراش خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه يثنى أربع ثنيات ويمنعه عن قيام الليل، فماذا سيكون حال غيره؟! تعهدوا أنفسكم واتركوا الفضول، فإن الفضول سيقودنا للعمل المرذول، وسيحول بيننا وبين مناجاة الله جل وعلا في السحر.
 نوم القيلولة
الأمر الرابع: ينبغي للإنسان أن يأخذ بحظه من القيلولة في النهار، وهي النوم الذي يكون بعد تناول طعام الغداء، من الظهر إلى العصر، ينام ولو دقائق، فهذه النومة اليسيرة تعينه على قيام الليل، ورد في سنن ابن ماجه بسند فيه ضعف لوجود زمعة بن صالح فيه وهو ضعيف، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، واستعينوا بالقيلولة على قيام الليل )، وكان الحسن البصري رضي الله عنه عندما يمر على أهل السوق يقول: أظن ليل هؤلاء ليل سوء؛ لأنهم لا يقيلون، أي: إذا كانوا لا يقيلون فلن يستيقظوا لمناجاة الله سبحانه وتعالى فيكون ليلهم ليل سوء، فليأخذ الإنسان بحظه من القيلولة وإن كان وقتاً يسيراً.
 تذكر الموت والدار الآخرة عند النوم
الأمر الخامس: إذا أردت أن تنام يا عبد الله! فتذكر الموت، وأنك ستنام بعد ذلك نومة تقول فيها: رب ارجعون، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، وأنك ستنام نومة يقول فيما بعد تلك النومة كل واحد من بر وفاجر: واحسرتاه! وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم:39]، تذكر هذا يا عبد الله! فإذا مت فأعظم ما تسأله من ربك الرجعة إلى الدنيا، فافرض أنك مت وقد أرجعك الله فخذ استعدادك، وخذ أهبتك يا عبد الله قبل أن تتمنى فيقال لك: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100]، وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ [ص:3]. ولذلك قالت رابعة لـسفيان : يا سفيان ! إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، وإذا ذهب بعضك فيوشك أن يذهب كلك. فانتبه لنفسك يا عبد الله! تأمل هذا يا عبد الله! تأمل إلى أي شيء ستصير بعد النومة الحقيقية عندما تلقى في القبر، إذا استحضرت هذا عند نومك ستوفق لمناجاة ربك، تأمل حال القبور، فحالها كما قال القائل: أتيت القبور فناديتهافأين المعظم والمحتقروأين المدل بسلطانهوأين المزكى إذا ما افتخروالجواب يا عبد الله!تفانوا جميعاً فما مخبروماتوا جميعاً ومات الخبرتروح وتغدو بنات الثرىفتمحو محاسن تلك الصورفيا سائلي عن أناس مضواأما لك فيما ترى معتبرأسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعلنا ممن يقومون الليل، وممن يتقبل ذلك منهم إنه على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفنا غير مفتونين بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك، اللهم اجعلنا من المحبوبين عندك، واجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك يا رب العالمين.اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث فأصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمن له حق علينا، ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
فضل قيام الليل [- للشيخ : ( عبد الرحيم الطحان )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: