منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:06

قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان
قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان
قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان
قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان
قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان


نفتح اليوم صفحة مؤلمة من التاريخ الإسلامي؛ صفحةَ استشهاد مجموعة ضخمة من الصحابة على أيدي الصحابة، إنها أحداث الفتنة الكبرى، فتنة قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ذي النورين وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتنة قتال علي بن أبي طالب معاوية رضي الله عنهما، وفتنة استشهاد هذه المجموعة من الصحابة في حدث كان له الأثر الشديد في تحويل مسار الدعوة الإسلامية في هذه الفترة.

حقيقة، البحث في هذا الموضوع من أصعب ما يكون، وذلك لأن الخوض فيه شائك وخطير، والخطأ فيه يأتي على حساب رجل من أهل الجنة، والصحابة جميعًا نحسبهم من أهل الجنة، وقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، ونزلت في فضلهم الآيات الكثيرة، والخطأ فى حق أحدهم إنما هو خطأ عظيم وجسيم.

وسوف نحاول أن نضع بعض الأسس القوية التي من خلالها، وعلى ضوئها نستطيع أن نتناول موضوع الفتنة، وليس من الصواب أن يُقرأ في أحداث الفتنة من أي مصدر، ومن الخطورة أن يقرأ الإنسان عن الفتنة من مصدر غير موثوق، وسنذكر لماذا؟

نحن نريد بداية أن نبني هذا الأساس، والذي يعصم الإنسان من الوقوع في الخطأ في حق أي صحابي من الصحابة الأطهار رضي الله عنهم جميعًا. 

أهداف دراسة أحداث الفتنة الكبرى

الهدف الأول: الدفاع عن الصحابة رضي الله عنهم
في البداية لا بدّ من التنويه على أمر النية التي من أجلها نبحث في هذا الأمر وما هو هدفنا، إن هدفنا الأول هو الدفاع عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا في حد ذاته شرف كبير، أن نجلس لندافع عن الصحابة رضوان الله عليهم، وخاصة أنه قد كثر الطعن فيهم في هذه الحادثة على وجه الخصوص، ولم يسلم أحد منهم من الإساءة ممن يشوهون الإسلام سواءً عن جهل أو عن قصد ورغبة.


يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه كما جاء في الأثر: إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

وعندما نفكر في هذه الجملة نجد أن لها معنى عميقًا، فكيف يكون الإنسان، وكأنه كتم ما أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يدافع عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟!

إن هذا الدين جاءنا عن طريق الصحابة رضي الله عنهم، فالقرآن نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنبأ به الصحابة، فكتبوه، وحفظوه، وبلّغوه لنا، والسنة المطهرة لم يكتبها الرسول صلى الله عليه وسلم بخط يده، بل نقلها الصحابة رضي الله عنهم عنه صلى الله عليه وسلم، فالطعن في أحد هؤلاء الصحابة إنما هو طعن في السنة، بل في القرآن الذي أتى من قِبَل هذا الصحابي مبلغًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كلنا نعرف كم يطعن الشيعة في كثير من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ربما يأخذ إنسانٌ ما هذا الأمر بشيء من البساطة ويقول: ما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فليست هناك مشكلة. لكن في الواقع الأمر جدّ خطير.

تعالوا نرى عواقب طعنهم في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قالوا إن الصحابة فيهم كذا وكذا، وبدءوا الطعن فيهم واحدًا بعد الآخر، حتى كفروهم جميعًا إلا خمسة، ومن يقول بذلك هم الموجودون في عصرنا؛ الشيعة الاثنى عشرية، أو الجعفرية، والخمسة الذين لم يكفّروهم هم:علي بن أبي طالب، والمقداد بن عمرو، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وتساهل بعضهم فلم يكفّر أحد عشر من الصحابة وكفّر باقيهم، ويسمون أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب الجبت والطاغوت، وطعنوا في السيدة عائشة وفي الصحابة جميعًا بما لا حصر له.

وبناءً على تكفيرهم لهم وطعنهم فيهم رفضوا كل ما جاء على ألسنتهم، ورفضوا كل الأحاديث التي رواها هؤلاء الصحابة.

مائة وأربعة عشر ألفًا من الصحابة على أصح تقدير كلهم جميعًا- وحاشا لهم ما يقولونه عنهم- خانوا الأمانة، فالأمر إذن خطير، كل هذا الكم من الأحاديث التي رووها باطلة.

والبخاري رحمه الله روى عنهم، فكله باطل، وما جاء في البخاري على لسان علي رضي الله عنه، وعلى لسان سلمان الفارسي، وعلى لسان كل من لم يكفروه باطل أيضا.

وكذلك صحيح مسلم، والترمذي، والنسائي، وأبي داود، وكل كتب الصحاح لأهل السنة باطلة في زعمهم.

بل الأدهى من ذلك والأخطر طعنهم في القرآن الكريم، جاء في كتاب الكافي- وهذا الكتاب عند الشيعة بمثابة صحيح البخاري عندنا، وهو أوثق الكتب عندهم- عن جعفر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام، وأبو جعفر الصادق بريء منهم، ومما نسبوه إليه، وهو من نسل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ويسمونه الإمام السادس، يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذّاب.

فالقرآن في قولهم لم يُجمع كما أنزل، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده. ومع ذلك فالأئمة من بعده لم يظهروا القرآن، ويقولون في رواياتهم أن القرآن الكريم سبعة عشر ألف آية، مع أننا نعرف أن القرآن الكريم (6236) آية فقط، ويقولون أنه ثلاثة أضعاف القرآن الذي معنا، ويقولون أن هذا القرآن مخبّأ مع الإمام الغائب الذي سيأتي في يومٍ ما، وأن القرآن الذي بين أيدينا اليوم به الكثير من التحريفات والضلالات، ولكنهم يقرون بها في هذا الزمن بعقيدة التَّقِيَّة، وهي أن تظهر خلاف ما تؤمن به، وما ليس في قلبك حتى يُمكّن لك.

والتَّقِيَّة عندهم من أهم العقائد حتى أنهم يقولون: من لا تَقِيَّة له فلا دين له، ويقولون أن التَّقِيَّة تسعة أعشار الدين، إذن هم يظهرون إيمانهم بهذا القرآن الذي بين أيدينا اليوم، لكنهم يقولون في كتبهم: القرآن الحقيقي الذي هو سبعة عشر ألف آية، نزل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على السيدة فاطمة عليها السلام، وحفظت هذا القرآن وتناوله من بعد ذلك الأئمة بعد علي بن أبي طالب، ويزعمون أن كثيرًا من الآيات سقطت من القرآن، كما في سورة الشرح {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1]. ويقولون سقطت: وجعلنا عليًا صهرك.

وهذا الكلام في كتاب الكافي، وهذه هي سورة الولاية الموجودة في مصحف إيراني، وليست عندنا بالطبع في القرآن، وهذا السورة على هذا النحو: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي وبالولي الذَين بعثناهما لهدايتكم إلى صراط مستقيم. نبي وولي بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير. إن الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم. والذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآيتنا مكذبين؛ إن لهم في جهنم مقامًا عظيمًا. إذا نودي لهم يوم القيامة أين الظالمون المكذبون للمرسلين. ما خلفهم المرسلين بالحق وما كان الله ليظهرهم إلى أجل قريب وسبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين.

إذن فالدفاع عن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يساوي تمامًا الحفاظ على هذا الدين، وإذا مُكّن لهؤلاء الذين يدّعون هذه الأشياء فسوف تُمحى السنّة، ويُمحى الدين الذي أراده الله عز وجل للناس، وقد حدث هذا بالفعل عندما تمكن هؤلاء المنحرفون من الحكم في بعض البلاد الإسلامية، مثل مصر عندما حكمها الفاطميون فألغوا السنّة تمامًا، وقاموا بكل شيء أقلّه كفر، ومن يقرأ تاريخ الفاطميين فسيجد الكثير من ذلك.

الهدف الثاني: التدبر في التاريخ
فالتاريخ يعيد نفسه، وهذه هي سنة الله {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا} [فاطر:43].


إن ما حدث بين الصحابة في هذا الوقت، أسباب الخلاف، وطبيعته، ونتائجه، أمور تتكرر في عصور كثيرة، وفي عصرنا هذا وإلى يوم القيامة، فلا بد من معرفة أسباب الخلاف الرئيسة، وكيف استمرّ؟ وما هي نتائجه؟ وكيف انتهى؟

حتى نستفيد من هذا الأمر {فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176]، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].

الهدف الثالث: تصحيح العقائد المنحرفة
فمن خلال مدارستنا لهذه الأحداث، وكيف ظهرت هذه الفرق الضالة والمنحرفة، وما هي العقائد المنحرفة التي يتبعونها، وكيف اتبعوا هذه العقائد، فنعرف هذه العقائد ورأي السنة في هذه العقائد الضالة.


وإذا اجتمعت هذه النيات في قلوبنا، وهي أن مدارستنا لأحداثنا الفتنة إنما هو لأجل هذه الأهداف السامية، وليس لأجل سماع القصص والروايات والتي هي من الكثرة بمكان في تلك الأحداث، وربما كان سماعها مسلّيًا للبعض، وهذا الأمر من الخطورة بمكان، فقد سُئل الحسن البصري عن الفتنة فقال: عصم الله سيوفنا من دمائهم فنريد أن نعصم أقلامنا من أعراضهم.

ومن الضروي، ونحن في بداية هذه الدراسة أن نقول: إن المعلومات التي يعرفها الكثير من الناس عن هذه الأحداث فيها الكثير من التشويه، وما درسناه في المدارس، والجامعات كله مشوّهٌ قصدًا، والغرض منه واضح، وسنذكره لاحقًا إن شاء الله.

والدراسة العلمية في هذا الأمر ستقودنا إلى الحديث عن قاعدة هامة من قواعد الخوض في الفتنة، وهذه القاعدة تمثّل علمًا أنعم الله تعالى على المسلمين به، وهذا العلم هو علم الرجال أو علم الجرح والتعديل.

وينبغي بداية أن نقول: إن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متن وسند، وعلم الجرح والتعديل، أو علم الرجال يبحث في السند من حيث الصحة أو الضعف، فتعريف الجرح عند علماء الحديث: ردُّ الحافظ المتقن روايةَ الراوي؛ لعلة قادحة فيه، أو في روايته من فسق، أو تدليس، أو كذب، أو شذوذ، أو نحوها كأن يقول: هذا الرجل فيه شيء، كذاب، وضّاع، ليس بثقة، ينسى كثيرًا.

والتعديل: وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته.

ومن خلال الحكم على السند نستطيع أن نعرف ما إذا كان الحديث صحيحًا، أو ضعيفًا، أو موضوعًا، أو غير ذلك.

وعلم الرجال هو علم مستقل تخصص فيه العلماء الكبار من أمثال يحيى بن معين، وكان معاصرًا لأحمد بن حنبل، وغيره الكثير من علماء الأمة ورجالها.

وهذا الأمر يهمنا كثيرًا حيث إن أكثر من 75 % من أحاديث الفتنة، وروايتها جاءت من طرق ضعيفة جدًا، وموضوعة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى الصحابة رضوان الله عليهم.

ومن المهم أن نقول أيضًا:
إن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لم تُدوّن إلا في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله أي بعد ما يقرب من مائة سنة من الهجرة، وذلك عندما رأى أن الناس تنسى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخشي عليها من الضياع، فأمر الزهريَّ، وهو أحد العلماء الكبار في ذلك الوقت، فذهب يكتب هذه الأحاديث ويجمعها، ولم يكن يوجد من الصحابة إلا عدد قليل ربما يُعد على الأصابع، ونعرف أن آخر الصحابة قد توفي سنة 110 هـ، فكان اعتماد الزهري الكلي على علم الرجال، وأخذ يدقق، ويجمع، وجاء بعده العلماء من أمثال البخاري ومسلم وغيرهم، وأخذوا يكتبون الأحاديث عن فلان عن فلان، وظهرت أهمية علم الجرح والتعديل.


عندما يقرأ إنسان ما في سنة 600 هـ حديثًا من الأحاديث، ويقول: إن هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه فلان بن فلان، وهو كذاب، فهو شيء في غاية الدقة، ولكي يتمكن العلماء من الحكم على الحديث بهذا الشكل؛ كانوا يدرسون حياة الإنسان كاملة، متى ولد، ومتى توفي، وفي أي بلد عاش، ومدة إقامته بكل بلد عاش فيها، واشتهر بالصدق، والأمانة، أو بالكذب والخيانة وما إلى ذلك.

فهذا العلم حفظ لنا السنة، وحفظ لنا أفعال الصحابة، وكذلك حفظ لنا أحداث الفتنة، خاصة وأن فيها الكثير من الوضع.

إذا نظرنا إلى كتب الشيعة الموجودة لا نجد عندهم هذا العلم- علم الجرح والتعديل- بهذه الكفاءة الموجودة عند أهل السنة، فنجدهم يقولون عن فلان عن فلان ويذكر الأسماء ثم يقول: عن عمه عن أبيه عن جماعة من الناس. من؟ لا أحد يعرف ولا أحد يستطيع أن يجرح، أو يعدّل، فكان الكثير من الإبهام عندهم، كما أن الكثير من رواتهم قد أجمع أئمة أهل السنة على الطعن فيهم كما سيأتي.

انتشر الوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الدولة العباسية، لماذا؟

لقوة شوكة هؤلاء المنحرفين، وقد حاربهم الخلفاء العباسيون أشد المحاربة؛ لزجرهم عن هذا الأمر، ولكنهم استمروا في وضع الأحاديث.

من أسباب وضع الأحاديث
قسم العلماءُ من يضع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجموعات منهم


1- مجموعة الزنادقة:
الزنديق هو: الخارج عن الدين الطاعن فيه بعلمه، كسلمان رشدي في زماننا؛ لم يكتف بردته عن الدين، بل بدأ يطعن في الإسلام في كتاباته، هؤلاء الزنادقة بدءوا يدخلون الإسلام في الظاهر بقصد التشويه فيه، واللعب في نصوصه، وعقائده، فيضعون الأحاديث التي تحرّم الحلال، وتحلّ الحرام، - ومثال ذلك رجل اسمه محمد بن سعيد المصلوب، والذي قتله أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي بعد ذلك لما علم بوضعه للأحاديث، ومن الأحاديث التي وضعها: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله.


ومثله عبد الكريم بن أبي العوجاء وقد قتله أحد الأمراء العباسيين أيضًا عندما علم أنه وضع بعض الأحاديث، وكان ابن أبي العوجاء هذا شديد الكراهية للإسلام؛ فعندما قُدّم للقتل قال: تقتلني في بعض الأحاديث، والله لقد وضعت على رسول الله أربعة آلاف حديث، أحلل فيها حرامًا، وأحرّم فيها حلالًا.

فهذا بمفرده وضع هذا الكم الكبير من الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن مجموع ما وضعه الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديث منها أحاديث كثيرة مشهورة كما سيأتي.

2- المتزلفون إلى الأمراء:
هم من يريدون التقرّب إلى الأمراء، فبدأ هؤلاء يضعون الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم تقربًا إلى هؤلاء الأمراء، ومن هنا بدأ الطعن في بني أمية؛ لأن العباسيون كانوا هم من يحكم، فلإرضائهم لا بد من الطعن في بني أمية، ومن ثَم ظهرت الروايات التي تطعن في سيدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه، والروايات التي تطعن في ابنه يزيد، وكان تقيًا ورعًا، فقالوا: إنه اشتهر بالخمر والنساء، وقالوا عن الوليد بن عقبة المجاهد الكبير أنه كان مولعًا بالخمر، وطعنوا في عامر بن عبد الله، وكذلك طعنوا في كل الولاة بما فيهم عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، لكونه من بني أمية ولم يسلم رضي الله عنه من طعنهم.


3- المتزلفون إلى العامة:
كان هناك طائفة من الناس يُسمون القصاصين، يقصون للناس القصص والحكايات، ولكون المجتمع مسلم يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحب الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا، كانوا يحكون لهم هذه القصص على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى لسان الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، فيرون لهم القصص الغريبة، والعجيبة، والباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وينسبون ذلك إلى الصحابة افتراءً وكذبًا.


ومن طريف ما يُروى أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صليا في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله: من قال لا إله إلا الله، خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قصته نحوا من عشرين ورقة.

فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال له: حدثته بهذا ؟!

فيقول: والله ما سمعت هذا إلا الساعة.

فلما فرغ من قصصه، وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال.

فجاء متوهماً لنوال، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟

فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.

فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله.

فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلاّ الساعة، كأن ليس يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.

فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم.

فقام كالمستهزىء بهما.

كان هذا هو الحال في عهد أحمد بن حنبل رحمه الله (164 - 241 هـ )، وهو قريب من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بالنا بالعصور التالية.

4- المتعصبون لمذهبهم أو بلدهم
وهذه الطائفة تُعدّ من أخطر الطوائف، ومن منطلق التعصب لمذهبهم قام الشيعة بوضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والروايات المفتراة على الصحابة، خاصة في أحداث الفتنة، وقد كان لهذا الأمر رواجًا كبيرًا؛ نظرًا لقوة شوكة الشيعة في ذلك الوقت، كما تعصبوا بشدة لفارس، وخلطوا في أمور كثيرة، بل أدخلوا على الإسلام كثيرًا من العقائد المجوسية، وسنفصّل ذلك إن شاء الله عند الحديث عن عقائد الشيعة.


ومن أمثلة الأحاديث التي وضعوها:

أ- يقوم الرجل للرجل إلا بني هاشم فإنهم لا يقومون لأحد.

ب- وأيضًا من الأحاديث التي وضعوها يقولون: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين أصحابه، فجاء علي رضي الله عنه تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك، ولم تؤآخ بيني وبين أحد. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة. فهذا حديث موضوع يظنه البعض صحيحًا.

ت- النظر في المصحف عبادة.

ث- ونظر الولد إلى الوالدين عبادة.

ج- والنظر إلى علي بن أبي طالب عبادة.

ح- ومن الأحاديث الموضوعة أيضًا:أنا خاتم الأنبياء، وأنت يا علي خاتم الأولياء.

خ- ثم يحاولون أن يقللوا من قدر السيدة عائشة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة أما تعلمين أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وامرأة فرعون.

ولم يذكروا السيدة عائشة، مع أن من المعروف أن زوجة المؤمن في الدنيا هي زوجته في الآخرة، ويطعنون في السيدة عائشة رضي الله عنها طعنًا كبيرًا، وأحاديث أخرى من هذا القبيل، وعندهم رجل يُسمّى ميسرة بن عبد ربه، قد اعترف بأنه وضع بمفرده سبعين حديثًا في فضل علي بن أبي طالب.

ونحن نعرف أن عليًا رضي الله عنه ليس بحاجة إلى هذه الأحاديث، حتى ترفع من قدره، فكلنا نعرف قدر علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الإسلام، وقدره عند الله عظيم، فليس هناك ما يبرر الافتراء على الرسول صلى الله عليه وسلم بادّعاء أحاديث في فضل هذا الرجل، والطعن في بقية الصحابة، حتى يصبح هذا الرجل هو المنصور، وهو الأحق بالاتباع دون بقية الصحابة.

5- المتحمّسون للإسلام
كان من بين هؤلاء من يضع الأحاديث أيضًا، وهذا شيء عجيب، ولكن يزول العجب عندما نعرف أن الذي دفعهم إلى وضع الأحاديث أنهم وجدوا أن الناس بعدوا عن الإسلام، وقصّروا في قراءة القرآن، وفي التزام السنّة، فأرادوا أن يحمّسوا الناس لقراءة القرآن وعمَل السنن، وذلك بوضعهم للأحاديث.


وكان من هذا الصنف رجل يُسمى أبو عصمة نوح بن أبي مريم قاضي (مرو) إحدى بلاد إيران، وقد وضع على كل سورة من سور القرآن الكريم حديثًا في فضلها؛ من قرأ سورة كذا فله كذا وكذا، ومن الأحاديث المنكرة أيضًا: لكل شيءٍ عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن.

6- أصحاب الأغراض الدنيوية
هذه الطائفة من الناس تضع الأحاديث لمصلحتهم الدنيوية، ولا يتورعون من نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة هذا النوع قول أحدهم وهو ينسب الكلام للرسول العظيم صلى الله عليه وسلم: بارك الله في عسل بنها. ويبدو أنه كان يبيع عسلًا، ويريد الترويج له ثم يعلق على حديثه الموضوع قائلًا: بنها هذه قرية من قرى مصر.


ومن أمثلة ذلك أيضًا: من احتجم يوم الثلاثاء لسبعة عشر من الشهر كان دواءً لداء السنة.

وأيضًا: ما أفلح صاحب عيالٍ قط.

وهذا الأمر إنما هو نتيجة لضعف الإيمان، وغياب الدين عن النفوس.

وكما نرى كثرت الأحاديث الموضوعة من أكثر من وجهٍ، فالزنادقة يشوهون الإسلام عن قصد، وأصحاب المذاهب يحاولون إظهار مذهبهم، والطعن في المذهب الإسلامي الصحيح، ومن يريد أن يقص على الناس قصصه المصطنعة المثيرة للعجب، والذين يتقربون إلى الأمراء العباسيين بالطعن في الأمراء الأمويين.

وبدأت آثار هذه الأحاديث الموضوعة تظهر على أحداث الفتنة.

وإذا رجعنا إلى الكتب التي تتحدث عن الفتنة نجد مجموعة من رواة الأحاديث منهم: أبو مخنف لوط بن يحيى، والواقدي، ومحمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فهؤلاء الأربعة ترجع إليهم معظم روايات الفتنة المشكوك فيها.

ماذا قال علماء السنّة في هؤلاء الأربعة؟

قال الإمام ابن حجر العسقلاني: لوط بن يحيى أبو مخنف إخباري تالف لا يوثق به.

وقال الدارقطني: ضعيف.

وقال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال مَرّة: ليس بشيء.

وقال ابن عدي: شيعي محترق.

أما الواقدي فيقول عنه الذهبي: مجمعُ على تركه.

ويقول ابن المديني: الواقدي يضع الحديث.

ويقول البخاري: الواقدي متروك الحديث.

ويقول معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب. وقال مرّة: ليس بشيءٍ.

وقال الشافعي: كتب الواقدي كلها كذب.

وقال ابن المديني: عندي عشرون ألف حديث للواقدي ما لها أصل، وإبراهيم بن يحيى كذاب، وهو عندي أحسن من الواقدي.

أما محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام فذُكر فيهما الكثير والكثير من الطعن، ومما يُروى عن محمد بن السائب أنه كان يقول أنه علم وسمع عن فلان عن فلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس، ويتلقى الوحي، وقام لقضاء حاجته، فجلس مكانه علي بن أبي طالب فألقى عليه جبريل الوحي.

فهؤلاء الأربعة من الأئمة الأخيار عند الشيعة، وتمتلئ كتب الشيعة بالمدح فيهم والثناء عليهم.

ومن ثَمّ فعلينا عند دراستنا لموضوع الفتنة أن نعرف المصدر الذي نأتي منه بهذا الكلام جيدًا، هل مصدر ما نرويه هو هؤلاء الوضاعين الكذابين أم هو مصدر وثقه علماء الجرح والتعديل؟

وهذا الأمر يتطلب جهدًا كبيرًا وعملًا متواصلًا حتى يتضح الأمر بصورة صحيحة.
يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:07

ما هي كتب أهل السنة الصحيحة التي روت هذه الأحاديث؟
- أصح الكتب في هذا المجال هي كتب الصحاح الستة، وأصحها كما هو معروف صحيح البخاري، بل هو أصح الكتب على الإطلاق بعد القرآن الكريم، هكذا قال علماء الجرح والتعديل، وقالوا جميعًا: إن حجة البخاري أقوى على من نازعه.

انتقى الإمام البخاري رحمه الله كتابه الصحيح الذي تبلغ أحاديثه بالمكرر منها سبعة الآف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثًا، وبدون المكرر ألفان وستمائة واثنين من الأحاديث، انتقى هذه الأحاديث من ستمائة ألف حديث، ولم يكتب حديثًا من الأحاديث إلا صلّى قبله ركعتين يستخير الله أن يكتب هذا الحديث أم لا، وكان يسافر الأميال البعيدة طلبًا لحديث واحد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ولد الإمام البخاري في سنة 194 هـ في قرية تُسمّى (بخارى) من قرى (خراسان) فهو ليس بعربي، وقد مات رحمه الله عن اثنين وستين سنة.

يأتي في المرتبة الثانية بعد صحيح البخاري صحيحُ مسلم، وهو من الكتب المهمة أيضًا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل إن بعض العلماء يجعلونه على مرتبة البخاري، وبعض العلماء يقولون: إن صناعة الحديث عند مسلم من ناحية تحرّى السند، وتنظيم كتابه، أفضل من البخاري، لكن البخاري أصح، ومن ثَم يُقدّم على مسلم، ويوجد بعض الأحاديث وإن كانت قليلة جدًا نُوزِع فيها الإمام مسلم، وكان الحق مع من نازعه، وغير المكرر عنده أربعة آلاف حديث، لكن البخاري كما ذكرنا فيه 2602 حديث غير مكرر، وقد ولد الإمام مسلم في (نيسابور) فهو غير عربي أيضًا، ومات وعمره سبعة وخمسين عامًا.

- يأتي بعد مسلم في المنزلة النسائي وقد ولد في (نسا)، وهي تابعة لخراسان، وليس بعربي أيضًا، وقد ولد في سنة 215 هـ، ومات، وعمره 88 سنة، وكان من أدق الناس في الرجال.

- بعده سنن أبي داود وفيها أربعة الآف وثمانمائة حديث، وهو عربي، ولد في البصرة سنة 202 هـ، ومات وعمره 73 سنة.

- ثم الترمذي وفيه بعض الأحاديث الضعيفة، لكنها محققة، وكان الترمذي يشير إلى الحديث من ناحية الصحة، والضعف، ولم يشر إلى ضعف بعض الأحاديث، وصححت من قبل علماء الجرح والتعديل، وقد ولد الترمذي في (ترمذ) على ضفاف نهر (جيحون) في أفغانستان سنة 209 هـ، وليس بعربي، ومات وعمره 70 سنة، ومن شدة ثقة البخاري فيه كان يأخذ منه، مع أن البخاري شيخ الترمذي.

- ثم سنن ابن ماجه، وهو في المرتبة السادسة، ويقال: إن ما انفرد به ابن ماجه غالبًا ما يكون ضعيفًا، إلا ما اتفق فيه مع غيره من الأئمة.

وقال ابن حجر: إن هذا الأمر ليس على الإطلاق.

وهذا يعني أنه قد ينفرد ببعض الأحاديث دون أن تكون ضعيفة.

وُلد ابن ماجه في قزوين سنة 209 هـ، فهو ليس بعربي، وكما نلاحظ أن كتب الصحاح الستة قد كتب منها خمسة من غير العرب، وسبحان الله الذي أنعم على المسلمين بفتح هذه البلاد، ودخل منها الإسلام من حفظوا لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

- يأتي بعد هذه الصحاح مسند الإمام أحمد، وهو أعظم المسانيد على وجه الأرض.

لماذا لم يضعه العلماء مع الكتب السابقة؟

هناك فرق بين الصحيح والمسند، فكتب الصحاح والسنن مرتبة حسب الأبواب، وحسب المواد التي بها، أما المسند فيكون مرتبًا حسب الصحابة فيقول مثلًا: الأحاديث التي رواها عبد الله بن عمر كذا وكذا، والأحاديث التي روتها السيدة عائشة كذا وكذا وهكذا.

وفي المسند غير مكرر 30000 حديث، أو نحو ذلك، و40000 حديث بالمكرّر، ويقال أن الإمام أحمد كتب هذه الأحاديث من سبعمائة ألف حديث، وقيل: ألف ألف حديث.

وزاد عبد الله بن أحمد بن حنبل بعد ذلك على المسند بعض الأحاديث، وقد قيل: إن مسند الإمام أحمد ليس به حديث واحد موضوع، وإن بعض الأحاديث الموضوعة إنما جاءت عن طريق ابنه.

هذه هي المصادر الموثوق فيها عندنا، وعلماء الجرح والتعديل من المعرفة والشهرة بمكان، فعندما نبحث في أحداث الفتنة ينبغي أن تكون هذه هي مراجعنا التي نثق فيها، ونترك المراجع الغير موثوق فيها التي بها الكذب والوضع.

وقد يتساءل البعض: من يطعن في الإسلام اليوم؟

ربما يظن البعض أن هذا الطعن كان في عهد الدولة العباسية، وكانوا يطعنون في الأمويين تقربًا إلى العباسيين، فلماذا الطعن الآن، ومن يطعن؟

إن من يطعن في الإسلام اليوم إنما هم أصحاب المذاهب المنحرفة، فكل من خرج بفرقة منحرفة يطعن في الإسلام من وجهة نظر الفرقة التي ينتمي إليها، ويذكر الأحاديث الموضوعة، والضعيفة مستشهدًا بها على رأيه المنحرف والضال.

وقد كانت هذه الروايات الموضوعة المكذوبة كنز حصل عليه المستشرقون عندما بدءوا التنقيب في كتب التاريخ الإسلامي كلها، ونقلوا هذه الروايات إلى لغاتهم المختلفة، وقالوا بأن الدين الإسلامي انتشر عن طريق الحروب وأنه متى تملك أحد من المسلمين السلطة فإنه يحارب الآخر، ويقاتله، ووصفوا أحداث الفتنة من هذه الروايات المكذوبة.

أما المستغربون، وهم الذين تربوا على يد الغرب، ثم جاءوا يطعنون في الإسلام في بلادهم، فهم أصحاب أسماء إسلامية ويعيشون بين المسلمين، وربما كانوا يصلّون، أو يصومون، ومع هذا يطعنون في الإسلام طعنًا شديدًا، ومن هؤلاء طه حسين، وهو من الشهرة بمكان، ويلقبونه عميد الأدب العربي، وهو وإن كان أديبًا إلا أنه من أشد أعداء الإسلام، وجميع كتبه تطعن في الإسلام، وكان يعلّم تلامذته النقد في القرآن الكريم، ويقول: هذه الآية بناؤها قوي وهذه الآية بناؤها ضعيف.

ومن أقواله: إنه ليس معنى أن قصة إبراهيم وإسماعيل وردت في القرآن الكريم أن تكون حقيقية، فربما كانت روايات من الفن القصصي في القرآن الكريم، ولا بد لتصديقها من وجود حفريات وأدلة مادية تؤيد ذلك.

كما طعن طه حسين في كتبه في كثير من الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، إلى درجة أن الأزهر الشريف كفّره، وحكم بردته، ووقتها كان أستاذًا بكلية الآداب، ثم زعم أنه تاب، وعاد إلى الله وألّف كتابًا يتقرّب به إلى علماء الأزهر، وهذا الكتاب في ظاهره الدفاع عن الإسلام، وفي باطنه الكثير من الطعن والروايات الموضوعة والمكذوبة.

كما أن الكثير من أمثال طه حسين، والمعاصرين له الذين درسوا في فرنسا وإنجلترا، وغيرها من البلاد الأوربية جاءوا بمثل هذه الأمور.

ومن الكتب الخطيرة أيضًا في هذا المجال كتب عبد الرحمن الشرقاوي، ومن يقرأ عن أحداث الفتن في هذه الكتب يجده قد طعن في جميع الصحابة بلا استثناء.

كما أن كتاب خالد محمد خالد (رجال حول الرسول) وكتابه (خلفاء الرسول) قد طعن في من كان مع معاوية ضد علي رضي الله عنهم جميعًا، وطعن أيضًا في أبي موسى الأشعري مستدلًا بقصص واهية ومكذوبة.

ومن أولئك الطاعنين في الصحابة الدكتورة زاهية قدروة عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية السابقة في كتابها (عائشة أم المؤمنين)، وعندما كنت أقرأ في هذا الكتاب كدت أن أتقيّأ من شدة الاشمئزاز مما كُتب، فمن بين ما كَتَبَتْ تقول: أصل الخلاف بين علي وعائشة أن الرسول تزوجها، وكانت الأقرب إلى قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وحقدت عليها السيدة فاطمة، فكرهتها، وبثت شكواها إلى عليّ فكرهها، وهذا مما جعله يحاربها بعد ذلك.

أيضًا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب السيدة فاطمة، فحقدت عليها السيدة عائشة، وكرهتها.

تقول المؤلفة أيضًا: إن عليًا رضي الله عنه كان من الذين طعنوا في السيدة عائشة في حادث الإفك، فكرهته عائشة وحملتها له.

وتذكر الكاتبة أن عليًا وفاطمة قد أظهرا الشماتة في السيدة عائشة في حادث الإفك، ولما ظهرت برآتاها كلّمتهما في ذلك.

أيضًا تقول: إن السيدة عائشة رضي الله عنها حاربت عليًا رضي الله عنه؛ لأنه أخذ الخلافة بعد عثمان رضي الله عنه، وكانت تريدها لطلحة بن عبيد الله لأنه من قومها.

وهكذا نرى المجتمع المسلم في ذلك الوقت في نظر الكاتبة أكثر انحطاطًا من مجتمع المسلمين اليوم.

ومراجع الكاتبة ومصادرها شيعية، ولا أدرى ما إذا كانت تعرف ذلك أم لا، فإن كانت لا تعرف، فتلك مصيبة، وإن كانت تعرف فالمصيبة أعظم.

وتذكر الكاتبة أنه بعد كل هذا الحقد الدفين بين السيدة عائشة، وسيدنا علي قامت بينهما معركة الجمل، وضاعت كل هذه الدماء الطاهرة بسبب الكارهية، وهذا الحقد الدفين كما تزعم الكاتبة.

وكانت السيدة عائشة في زعم الكاتبة الباطل تنقِم على عثمان بن عفان، ومن ثَم ألّبت الناس عليه، ولما همّ عبد الله بن عباس أن يبقى في المدينة ليدافع عن عثمان رضي الله عنه- وكان أميرًا للحج في هذا العام- قالت له: يا عبد الله لا تبق في هذه المدينة، ولا ترد الناس عن هذا الطاغية.

هكذا روج هؤلاء المستغربين لأفكار باطلة كاذبة؛ ليطعنوا الأمة في أعز ما لديها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من هم الصحابة ؟
نحب أن نشير أيضًا إلى معنى الصحابة، حتى نكون على علمٍ بقدر من نتحدث عنه.

الصحابي هو: كل من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ورآه أو اجتمع به في حياته، ومات على الإيمان، فيدخل فيهم من ارتد، ثم رجع إلى الإسلام كالأشعث بن قيس.

وعدد الصحابة في أصح الأقوال مائة وأربعة عشر ألفًا.

أما التابعي فهو من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، والتقى بصحابي وتعلم منه، وهم درجات فمنهم الدرجة العليا كسعيد بن المسيب، فإن معظم رواياته عن الصحابة، والطبقة الوسطى من التابعين مثل: عكرمة، وقتادة، وعمر بن العزيز، والحسن البصري وغيرهم، والطبقة الصغرى، وهم من أخذوا أحاديث قليلة من الصحابة، ويوجد من يُسمّى بالمخضرم، وهو من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ولم يره، كالنجاشي.

ويُجمع علماء الجرح والتعديل أن كل الصحابة عدول فكل ما قالوه حق، ربما يكون خطأً، لكنه ليس فيه كذب، ولا خيانة، ولا تدليس، وقال العلماء: لا تضر الجهالة مع صحابي.

أي أنك إذا علمت أن فلانًا من الصحابة، ولا تعرف عنه أي شيء إلا يقينك بصحبته، وقال جملة ما، فما قاله صحيح لا كذب فيه، فهذا هو تعاملنا مع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ثًمّ فلا يجوز على الإطلاق الطعن في أحد من الصحابة، وإذا فعل أحد من الصحابة فعلًا، ويحتمل هذا الفعل نيّتين، فيُحمل الأمر على الأحسن، وحسن الظن مطلوب في حق كل المسلمين، وفي حق الصحابة أَوْلى.

وإذا تبيّن خطأ أيٍّ من الصحابة نقول: اجتهد فأخطأ فله أجر.

وقد كثر الطعن في كثير من الصحابة كما نعرف كمعاوية رضي الله عنه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول عنه: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَ هَادِيًا مَهْدِيًّا.

وكثيرٌ ممن يطعن في معاوية رضي الله عنه إذا ظل يعمل طوال حياته فلن يفعل ما فعله معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من الخير في سَنَة واحدة، وقد هدى الله على يديه الأمم الكثيرة.

ولا يدفعنا كرهنا لعقائد الشيعة، ووضعهم الأحاديث أن نقلل من قدر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو من قدر الحسين، أو من قدر السيدة فاطمة، أو من قدر أحد من أهل البيت رضي الله عنهم، فإن لهم في الإسلام مكانة عظيمة، ولكن لا إفراط ولا تفريط.

مراجع موثوق فيها
هناك مجموعة من المراجع الموثوق فيها التي تحدثت عن أحداث الفتنة، وهي:

1- العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي، وهو من أفضل الكتب على الإطلاق التي كُتبت للرد على من طعن في الصحابة رضي الله عنهم، وهو غير كتاب العواصم والقواصم.

والقاضي أبو بكر بن العربي ولد بأشبيلية بالأندلس في أواخر القرن الخامس الهجري، وحفظ القرآن وعمره خمس سنوات، وحفظ القراءات العشر، وعمره ستة عشر سنة، ثم أخذ يسيح في الأرض طالبًا العلم، فرحل إلى الجزائر، ومصر، والحجاز، والشام، وفلسطين، وغيرها من البلدان، وقد التقى خلال رحلاته بالكثير من العلماء المشهورين، وتعلّم منهم، ورجع ليؤلّف، وقام بعمل أكثر من خمسة وثلاثين مؤلفًا، ومن مؤلفاته كتاب (أنوار الفجر في تفسير القرآن) وعدد صفحاته مائة وستين ألف صفحة، وكانت تحمله الجمال، وقد كتبه في أواخر القرن الخامس الهجري وحفظ في أكثر من مكان حتى انتهى به الأمر في القرن الثامن الهجري عند ملك مراكش وفُقد هذا الكتاب، وكان ابن العربي قد كتبه في عشرين سنة، ومن أروع مؤلفاته هذا الكتاب (العواصم من القواصم)، وقد علّق عليه علامة من العصر محب الدين الخطيب، وأضاف عليه الكثير والكثير مما يسعد المرء أن يقرأه.

2- كتاب (منهاج السنة النبوية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وحق له أن يُلقّب بشيخ الإسلام، وسيف السنة المسلول على المبتدعين، وهذا الكتاب لا غنى عنه لمن يبحث في عقائد الشيعة، والقدرية، ومن يبحث في أحداث الفتنة، ويقع في أربعة أجزاء، ويستخدم المنطق، والعقل في الرد، والدفاع عن الصحابة رضي الله عنهم.

3- كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير، وهو من أوثق الكتب، وأفضلها وينبغي لكل مسلم أن يجعله عنده، ولا بدّ من الأخذ في الاعتبار أن ابن كثير في بعض الأحيان كان ينقل عن الواقدي، فهذه الروايات تسقط، ولكن ابن كثير كان يذكر الروايات الأخرى الموثوقة، وقد نقل ابن كثير عن شيخه الطبري الكثير.

4- كتاب (الشيعة والتشيع) لإحسان إلهي ظهير، وهو من أفضل من كتبَ عن الشيعة وفضحَ مخططاتهم، وقد اغتيل حديثًا في ظروف غامضة، وكتابه هذا من أفضل ما كتُب حول الشيعة والتشيع.

5- كتاب (تاريخ الخلفاء) للسيوطي، يذكر قصة كل خليفة، وإن كان لم يتورع بشدة في رواية أحداث الفتنة. وقد توفي السيوطي سنة 911 هـ.

6- كتاب (حماة الإسلام) لمصطفى نجيب، وهو من الكتب القيّمة الصغيرة، ومعظم ما ورد فيه موثوق، وتعليقات المؤلف على ما ورد تعليقات جيدة وفي محلها.

7- وكتب استشهاد الحسين لابن كثير.

8- رأس الحسين لابن تيمية.

9- العقائد الشيعية لناصر الدين شاة.

10- حقيقة الخلاف بين علماء الشيعة وجمهور علماء المسلمين لسعيد إسماعيل.

11- الأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثنى عشرية لمحب الدين الخطيب؛ العلّامة الذي قضى جزءًا كبيرًا من حياته في دراسة وتفنيد أصحاب دعاوى التقريب بين علماء الشيعة، وعلماء السنة، ويقول أنه لا تقريب، إن هذا شيئًا مختلفًا بالكلية عن دين الإسلام، وكما سيأتي في دراسة عقائد الشيعة الموجودة في كتبهم.

فهذه هي العقائد التي ينبغي أن نفهمها، ونحفظها جيدًا، ونحن بصدد دراسة هذا الموضوع الخطير؛ أحداث الفتنة، وعندما نقرأ في أي كتاب من الكتب لا نسلم رقابنا لأي كاتب.

لأنهم يريدون أن يفهّموا الناس أن الدولة الإسلامية ما قامت إلا في عهد أبي بكر وعمر فقط، بعد ذلك لا يمكن للإسلام أن يقيم دولة، فما دام الإسلام قد جاء، وحكم فستكون الدماء، والأشلاء، والضحايا، فلا داعي إذن لإقامة دولة الإسلام، وإلا كان مصيرنا كمصيرهم، فإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم وهم من أخذوا من الرسول مباشرة، قد فعلوا هذه الأفاعيل- في زعمهم- فماذا سيفعل غيرهم، فهذا هو الهدف الرئيسي الذي من أجله ينشرون هذه الروايات، وهذه الأكاذيب.

ومن ثَم فعليك عندما تقرأ في هذه الأحداث أن تتأكد من المراجع والمصادر التي تذكر الحدث، وتعرف مدى الصحة والضعف.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:10

ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه
مقدمة
كنا قد ذكرنا قبل ذلك أن هدفنا الأول من دراسة هذه الأحداث هو الدفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم، وكفى بذلك شرفًا، وذكرنا قول جابر بن عبد الله رضي الله عنه أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذٍ ككاتم ما أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكرنا أيضًا علّة هذا القول، وأن هؤلاء الصحابة هم الذين نقلوا لنا القرآن، والسُّنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا طُعن فيهم بكفر، أو فسق، أو كذب، أو خيانة، وسكت من عنده علم، فإن معنى ذلك أن كلّ ما في أيدينا مما نُقل عنهم ليس بثقة، ولا يُؤخذ به، وفي هذا الأمر هدمٌ للدين، وكتمان لما أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومما ينبغي أن نؤكد عليه في هذا الصدد عدالة الصحابة جميعًا أي أنهم جميعًا أهل ثقة وأمانة ولا يقبل بحال إتهامهم، وإن أخطأ أحدهم في الرأي نقول: اجتهد فأخطأ فله أجر، ورواياتهم التي تثبت صحتها؛ مقبولة تمامًا.
يقول الله تعالى مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].
ويقول عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143].
ويقول تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].
وكثير من أصحاب البيعة الذين رضي الله عنهم يُطَعن فيهم، ويوصمون ليس فقط بالفسق، ولكن بالكفر، ونعوذ بالله من ذلك، وقال الله عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [التوبة: 100].
ويقول أيضا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64].
ويقول تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8].
ويقول عز وجل: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10].
وروى عبد الله بن مسعود عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينّ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ أَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ، وَيَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا"[1].
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ"[2].
أما علماء الشيعة فيقولون:
إن خلفاء المسلمين الثلاثة الأُول، قد خانوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما قال مهدي العسكري في كتابه، وقد نشرت وزارة الإرشاد الإسلامي بجمهورية إيران الإسلامية كتيبا جديدا يصنف فيه جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا إلى ثلاث مجموعات كالآتي:
المجموعة الأولى:
هم الذين رضي الله عنهم- وهم في الحقيقة الذين رضي عنهم علماء الشيعة- وهم لا يتجاوزون أصابع اليدين، وهم: علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، والمقداد بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي.
المجموعة الثانية:
وصفها الكتاب بأنها أسوأ العناصر، وأنها انتحرت تحت أقدام الطغاة، ومن هؤلاء عبد الله بن عمر بن الخطاب-رضي الله عنهما.
المجموعة الثالثة:
وصفها بأنها باعت شرفها، وباعت كل حديث بدينار، وتضم في رأيهم- عياذا بالله من هذا الرأي- أبا هريرة وأبا موسى الشعري وغيرهم.
وأبو هريرة كما نعرف مِن أكثر مَن روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان قد اشترى دينه ببعض الدراهم كما يدعون، فيكون كل ما رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم- في زعمهم الفاسد- باطل، وكذا عبد الله بن عمر الذي روى بمفرده أربعة آلاف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أمر في غاية الخطورة، ويقولون عن خالد بن الوليد عديم المبالاة، وعثمان أرستقراطي، وعبد الرحمن بن عوف عابد المال، وسعد بن أبي وقاص عديم التقوى.
وهؤلاء الثلاثة: عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، من العشرة المبشرين بالجنة على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن يكذبون؟!
الصحابة أم الرسول صلى الله عليه وسلم؟!
وخالد بن الوليد كما نعرف سيف الله المسلول.
يقول الخميني في كتابه (كشف الأسرار): إن أبا بكر، وعمر، وعثمان لم يكونوا خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بل أكثر من ذلك يقول: إنهم غيروا أحكام الله، وحللوا حرام الله، وظلموا أولاد الرسول، وجهلوا قوانين الرب وأحكام الدين.
فهذا قليل القليل من كثير يقال افتراء، وكذبا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم.
أما علماء السنة فيقول أحمد بن حنبل رحمه الله: إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء، فاتهمه على الإسلام.
وقال إسحاق بن راهويه: من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب ويحبس.
ويقول الإمام مالك: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل بكفره، ومن سب أصحابه أُدّب.
وقال القاضي أبو يعلى: الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة؛ إن كان مستحلا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلا لذلك فسق.
ويقول ابن تيمية: من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا، أو أنهم فسقوا عامة الصحابة، فلا ريب في كفره.
ويقول أبو زرعة الرازي: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق.
لأجل هذا كله كانت دراسة هذه الأحداث للدفاع عن الصحابة الكرام، وتبرئتهم مما ألصقه بهم هؤلاء الطغاة الجهال، واتبعهم في ذلك كثير من جهلة المسلمين من السنة، وكتبوا فيها كتابات كثيرة لا ندري إن كانت عمدا فتكفرهم، أم جهلا فتفسقهم؟
من أمثال عبد الرحمن الشرقاوي وعائشة قدروة عميدة كلية الآداب بالجامعة اللبنانية سابقا التي طعنت بشدة في السيدة عائشة، وسيدنا علي، والسيدة حفصة، والسيدة فاطمة، وسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا.
هذا رجل من أعظم الناس في ميزان الإسلام، وقد لقب بهذا اللقب لزواجه ابنتي الرسول صلى الله عليه وسلم السيدة رقية، والسيدة أم كلثوم، وهذا أمر في غاية الشرف، ولم يجمع أحد من البشر على مدار العصور ابنتي نبي غير هذا الصحابي الجليل، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أم كلثوم رضي الله عنها: "لَوْ كَانَ عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَجَّنَاكَهَا".
هذا الخليفة المظلوم طُعن فيه كثيرا، وحتى من قِبَل جهال السنة الذين يكتبون دون تمحيص أو دراية.
وقد استُخلف رضي الله عنه على المسلمين في بداية العام 24 هـ، وظل خليفة للمسلمين حتى قتل سنة 35 هـ، بعد الكثير من الادعاءات الظالمة التي ألصقت به رضي الله عنه وأرضاه من بعض الذين ادعوا الإسلام، وبعض المسلمين الذين اتبعوهم جهلا في ذلك الوقت، حتى قتلوه رضي الله عنه، وبعد ذلك بالغت الشيعة في الطعن في عثمان رضي الله عنه على أساس أنه أخذ الخلافة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالاحتيال مع عبد الرحمن بن عوف، ونعوذ بالله من زعمهم.
من هو عثمان بن عفان ؟
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، فهو رضي الله عنه ينتمي إلى بني أمية، ويلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجد الرابع عبد مناف، وهذا شرف كبير أن يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأم عثمان رضي الله عنه هي أروى بنت كريز وأم أروى هي أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب توأمة عبد الله، والد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فعثمان رضي الله عنه هو ابن بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إذن من أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم من جهتي الأم والأب.
ولد عثمان رضي الله عنه بعد ست سنوات من عام الفيل، فهو أصغر من الرسول صلى الله عليه وسلم بست سنوات، ومن أوصافه أنه كان رجلا ربعة ليس قصيرا ولا طويلا، حسن الوجه، أبيض مشربا بحمرة، بوجهه نكتات جدري، كثير اللحية تملأ ما بين منكبيه، وكانت لحيته بيضاء لكبر سنة، عظيم الكراديس- كبير العظام- بعيد ما بين المنكبين، طويل الذراعين، وشعره قد كسا ذراعيه، كان جعد الرأس، وكان أحسن الناس ثغرا، وكان من أجمل الناس، وقد اشتهر بذلك، وكان يقال عنه، والسيدة رقية رضي الله عنها أنهما أجمل زوج.
أسلم رضي الله عنه على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان رابع من أسلم بعد أبي بكر، وزيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب.
وقد قابله أبو بكر يوما بعد نزول الرسالة فقال له: ويحك يا عثمان، إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا، أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع؟
قال: بلى هي كذلك.
فقال أبو بكر رضي الله عنه:
والله هذا رسول الله محمد بن عبد الله، قد بعثه الله إلى خلقه برسالته، هل لك أن تأتيه؟
فقال: نعم.
فاجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: "يَا عُثْمَانُ، أَجِبِ اللَّهَ إِلَى حَقِّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، وِإِلَى خَلْقِهِ".
قال: فوالله ما تمالكت نفسي منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.
فكانت استجابته للإسلام سريعة بفضل الله تعالى، وهو من حسنات أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
وبعد إسلامه تزوج من رقية رضي الله عنه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل أنه كان زوجا لها قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع شرفه، ومكانته في قومه إلا أنه عندما أسلم آذاه أهله إيذاء شديدا، وكان يتولى تعذيبه عمه الحكم بن العاص، فكان يجلده فلا يرده ذلك عن دين الله شيئا.
عندما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة كان رضي الله عنه من أول من هاجر إليها هو وزوجته السيدة رقية، وتبعهم المسلمون بعد ذلك، وكان الهدف من الهجرة إلى الحبشة، هو تكوين نواة للمسلمين بالحبشة حتى إذا استأصلت نواة مكة يصبح للمسلمين مكانا آخر ينطلقون منه بعد ذلك.
وفي أثناء وجود المسلمين في الحبشة أشيع أن أهل مكة قد أسلموا، ورجع بعض المسلمين إلى مكة، وكان منهم عثمان بن عفان، والسيدة رقية رضي الله عنهما، ولما علم المسلمون أن تلك كانت شائعة كاذبة استقر منهم بمكة من قدمها، واستقر بالحبشة من لم يأت منها.
ثم هاجر عثمان رضي الله عنه وزوجه رقيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فكان صاحب الهجرتين، وقليل من الصحابة من كان كذلك، وكان رضي الله عنه ونظرا لكثرة ماله يعتق الكثير من العبيد، سواء في فترة إقامته في مكة أو المدينة، وبعد أن تولى الخلافة أيضا استمر في عتق العبيد حتى قيل: ما مرت جمعة إلا وأعتق عثمان رضي الله عنه رقبة.
وهذا منذ أسلم حتى لقي الله تعالى، وإذا مرت جمعة دون أن يعتق رقبة لقلة مال، أو قلة رقاب أعتق في الجمعة التي تليها رقبتين.
ومن محاسنه رضي الله عنه، والتي لا تخفى على أحد أنه عندما أتى المدينة المنورة كان اليهود يتحكمون في المياه فاشترى بئر رومة على نفقته الخاصة، وحفرها، وجعلها للمسلمين، ونصيبه فيها كنصيب المسلمين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: "مَنْ حَفَرَ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ".
تأتي بعد ذلك غزوة بدر، ونعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج لبدر لم يكن في نيته القتال، وإنما خرج المسلمون للعير، وكان عثمان رضي الله عنه ممن يصرون على الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين إلا أن الله عز وجل لم يرد ذلك، فقد مرضت السيدة رقية رضي الله عنها مرضا شديدا، وأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمكث معها ليطببها، ويمرضها، فمكث معها رضي الله عنه وأرضاه، وذهب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن معه إلى بدر وكان القتال، والنصر، ورجعوا إلى المدينة، فوجدوه يدفن السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي زوجته رضي الله عنهما، وأسهم له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم من الغنائم، وكأنه من المشاركين في هذه الغزوة، وزوجه الرسول صلى الله عليه وسلم من ابنته أم كلثوم رضي الله عنها، ومكثت معه حتى السنة التاسعة من الهجرة، وتوفاها الله تعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: "لَوْ كَانَ عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَجَّنَاكَهَا".
ومن فضائله رضي الله عنه أنه لما كان في المدينة بعد هجرة المسلمين إليها اشترى من ماله الخاص أرضا حول المسجد النبوي توسعة للمسجد.
وتأتي بعد ذلك غزوة أحد التي بدأت بالنصر للمسلمين، ثم مخالفة الرماة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فالهزيمة للمسلمين، وقتل الكثير من الصحابة وفرار الكثير، ومنهم عثمان رضي الله عنه، وذلك لهول وعظم المعركة، ولكن الله عز وجل بمنه، وفضله، وجوده، وكرمه أنزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155].
ومن عفا الله عنه في أمر من الأمور فلا يجوز لأي إنسان أن يُعَرّض- ولو مجرد تعريض- بهذا الأمر، وعندما تكلم أناس في (ماعز) بعد أن زنى ورجم قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ماعز: "لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ وُزِّعَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَسِعَتْهُمْ".
ومر النبي صلى الله عليه وسلم على جيفة حمار، وكان معه هذين الذين تكلما في أمر (ماعز) فقال لهما: انْزِلَا فَكُلَا مِنْ هَذِهِ الْجِيفَةِ.
فقالا: سبحان الله، يا رسول الله، كيف نفعل ذلك؟
قال صلى الله عليه وسلم: فَمَا فَعَلْتُمَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ.
وكانت هذه الغيبة في حق رجل اعترف بزناه، فكيف بنا مع رجل أعلن الله عز وجل في القرآن أنه عفا عنه، وتجاوز عن هذه الأمر.
بعد ذلك، وفي السنة الرابعة للهجرة كانت غزوة ذات الرقاع، استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، فكان أميرا للمدينة في غياب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شارك في الخندق، وفي غطفان استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة.
عثمان وبيعة الرضوان
لما ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة للعمرة قبل صلح الحديبية ورفضت مكة دخوله، والمسلمين ليطوفوا بالحرم، أراد صلى الله عليه وسلم أن يرسل أحد الصحابة؛ ليعلمهم أنهم ما أتوا لقتال، أو حرب، وإنما أتوا للعمرة، واختار صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه فقال عمر رضي الله عنه: إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني؛ عثمان بن عفان.
ووافق النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرأي، ودعا صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه، وبعثه إلى أبي سفيان، وإلى أشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت بحرب، وأنه جاء لمجرد العمرة، فدخل رضي الله عنه مكة، وأجاره أبان بن سعيد بن العاص، وهو أحد أبناء عمومته، وقام معهم بالمفاوضات، وأوضح لهم الأمر، فطلبوا أن يقوموا ببعض المفاوضات مع النبي صلى الله عليه وسلم فوافقهم، ولما هم بالرجوع عرضوا عليه أن يطوف بالبيت الحرام، وكان هذا حلما لكل المسلمين بعد هجرة سنوات وسنوات بعيدا عن مكة، ولكنه رضي الله عنه قال لهم: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مكث عثمان رضي الله عنه في مباحثاته مع أهل مكة ثلاثة أيام، وفي هذا الوقت أشيع عند رسول الله، وعند المسلمين أن عثمان قد قتل في داخل مكة، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم صحابته جميعا، وتبايعوا على الموت انتقاما لمقتل عثمان رضي الله عنه، وفي هذا ما فيه من التشريف لعثمان رضي الله عنه، وفي أثناء هذه المبايعة يأتي جميع الصحابة ليبايعوه فوضع صلى الله عليه وسلم يده مكان يد عثمان بن عفان، فكانت خير يد في هذه المبايعة.
وشارك رضي الله عنه بعد ذلك في فتح خيبر، وفتح مكة، وجاءت بعد ذلك غزوة تبوك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يُجَهِّزُ الْجَيْشَ؟"، فقام عثمان رضي الله عنه وقال: يا رسول الله، عليَّ مائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها.
أي بكل ما تحمله، فَسُرّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب من المسلمين أن يساهموا في الجيش، فقام عثمان رضي الله عنه مرة أخرى فقال: عَلَيّ مائة أخرى بأقتابها وأحلاسها.
وأخذ رضي الله عنه يزيد على نفسه، تقول بعض الروايات أنه أنفق ثلاثمائة وقيل ألفا من الإبل، ثم ذهب إلى بيته، وأتى بألف من الدنانير، وضعها في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومائتي أوقية من الفضة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ".
قالها صلى الله عليه وسلم مرتين في حقه رضي الله عنه.
وعندما حوصر رضي الله عنه في الفتنة قال: أنشدكم بالله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ"، فجهزتهم؟ قالوا: نعم.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: اشترى عثمان الجنة مرتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حفر بئر رومة، وحيث جهز جيش العسرة.
عثمان وخلق الحياء
وقد جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه كثيرا من مكارم الأخلاق، فكان رضي الله عنه حيِيّا شديد الحياء، ففي صحيح الإمام مسلم عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها عائشة قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيتي، كاشفا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسوى ثيابه- قال محمد ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل فتحدث، فلما خرج، قالت عائشة: دخل أبو بكر، فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عمر، فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عثمان، فجلست وسويت ثيابك، فقال: أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ.
وفي سنن الترمذي وعند الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيٌّ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ".
وفي مسند الإمام أحمد ‏عن ‏ابن عمر‏ ‏قال: ‏‏خرج علينا رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: ‏"رَأَيْتُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ، وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهَذِهِ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهِيَ الَّتِي تَزِنُونَ بِهَا، فَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ ‏ِبِأَبِي بَكْرٍ،‏ فَوُزِنَ بِهِمْ فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُمَرَ ‏َفَوُزِنَ فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُثْمَانَ فَوُزِنَ بِهِمْ ثُمَّ رُفِعَتْ".
إذن فإيمان عثمان بن عفان رضي الله عنه يزن إيمان هذه الأمة، وكان رضي الله عنه حافظا للقرآن عن ظهر قلب، ويقول السيوطي في (تاريخ الخلفاء): لم يحفظ القرآن من الخلفاء قط إلا اثنان؛ عثمان بن عفان، والمأمون العباسي.
عثمان والقرآن
وكان عثمان رضي الله عنه محبا لقراءة القرآن، فكان يكثر من قراءته حتى أن السيدة نائلة زوجته لما حوصر قالت: اقتلوه، أو دعوه فإنه والله كان يقوم الليل بركعة يقرأ فيها القرآن.
ويقول عثمان رضي الله عنه: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعت من كلام ربنا، والله إني لأكره أن يأتي عَلَيّ يوم لا أنظر فيه في المصحف.
ويقول عبد الله بن عمر: إن قول الله تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزُّمر: 9]. نزلت في عثمان بن عفان.
وقال عبد الله بن عباس: نزل قول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76]. في عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وكان رضي الله لينا مع غلمانه، وبعد أن تولى الخلافة كان يقوم الليل دون أن يوقظ غلمانه ليجهزوا له الماء، ويقول: الليل لهم يستريحون فيه.
وكان رضي الله عنه كثير الصيام حتى قيل إنه كان يصوم الدهر، أو قرب الدهر، وكان كثير القيام، وكان خطيبا مفوها، وقد آتاه الله الكثير من الفصاحة، ومن الورع، ومن التقوى، وفي آخر خطبة خطبها قال: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى، وإن الآخرة تبقى، لا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، وآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله، اتقوا الله، فإن تقواه جُنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم، ولا تصيروا أحزابا {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].
وقد شهد له كثير من الصحابة بأنه كان خطيبا مفوها يقول عبد الرحمن بن حاطب: كان عثمان بن عفان أتم الناس حديثا، ولكنه كان رجلا يهاب الحديث؛ لأنه كان حييا شديد الحياء.
ومع هذا ينقل الواقدي رواية يقول فيها أن عثمان رضي الله عنه أول ما استخلف قام خطيبا فقال: أيها الناس أول كل مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها، وما كنا خطباء، وسيعلمنا الله.
وقد نقل ابن كثير هذه الرواية عن الواقدي، لكنه قال في موضع آخر: إن هذا لا يوافق الواقع.
عثمان وخلق الكرم
كان عثمان بن عفان رضي الله عنه كريما شديد الكرم يعطي من يعرف ومن لا يعرف، يصل عطاؤه إلى كل من في المدينة سواء قبل أن يكون خليفة، أو بعد أن استخلف، ومما يروى في ذلك أن أبا طلحة كان مَدِينا لعثمان بخمسين ألف درهم، وبعث أبو طلحة إلى عثمان يقول له: إن أموالك قد اكتملت فأرسل من يأخذها.
فقال عثمان رضي الله عنه: قد وهبناها لك لمروءتك.
في حين تقول الكاتبة المستغربة زاهية قدروة عن هذا الصحابي الجليل: كان رجل يكرم أهله ولا يعطي بقية الناس ولا يهتم بالمسلمين، هكذا تقول عن عثمان رضي الله عنه.
وهذا القدر الكبير العظيم لعثمان رضي الله عنه لم يمنع هؤلاء الأفاكين أن يلصقوا بعثمان رضي الله عنه الكثير من الافتراءات والادعاءات، جاء في كتاب البرهان، وهو من الكتب المعتبرة عند الشيعة: إن المراد من قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء:49]. هم الذين سموا أنفسهم بالصديق والفاروق وذي النورين.
وجاء في كتاب حق اليقين للمجلسي: إن كبار الصحابة اتفقوا على تفسيقه، وتكفيره؛ أي الصديق والفاروق، ثم يقولون في حق عثمان بن عفان: وكان حذيفة بن اليمان- على زعمهم الباطل- يقول: الحمد لله لا أشك في كفر عثمان.
ويقولون: إن الذي يعتقد في عثمان بأنه قتل مظلوما يكون ذنبه أشد من ذنب الذين عبدوا العجل[3].
كان عثمان رضي الله عنه رجلا حكيما، وقد كان من مجلس شورى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومجلس شورى أبي بكر الصديق، ومجلس شورى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعا، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يرفضان أن يخرج عثمان رضي الله عنه من المدينة في أي فتح من الفتوح، حتى يستعينا برأيه في الأمور المهمة، وكذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.
في آخر سنة 23 هـ، تحدث كارثة عظيمة للمسلمين، وهي مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وقد حدث ذلك تحديدا في 27 من ذي الحجة 23 هـ، طعنه أبو لؤلؤة المجوسي في ذلك اليوم، فتوفي رضي الله عنه في آخر ليلة من تلك السنة بعد أن استخلف على المسلمين ستة من الصحابة، وذلك بعد نقاش طويل بينه وبين الصحابة في هذا الأمر على أن يختاروا من بينهم الخليفة على المسلمين، وكان هؤلاء الستة هم:
عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم جميعا.
وجميعهم من العشرة المبشرين بالجنة، أما باقي العشرة المبشرين بالجنة، فقد توفي منهم أبو بكر، وأبو عبيدة بن الجراح، وها هو عمر، ولم يبق إلا سعيد بن زيد، وقد استثناه عمر رضي الله عنه؛ لأنه ابن عمه ورعًا وتقوى، ولئلا يقال: إنه أعطاها لقرابته. وهذا مع ما له من الفضل في الإسلام، وجعل معهم عبد الله بن عمر، ولكنه لا يولى من الأمر شيء، وجعل أبا طلحة الأنصاري مع خمسين من الصحابة حراسة لهؤلاء الستة الذين جلسوا في بيت المسور بن مخرمة، أو في بيت السيدة عائشة، أو في بيت المال حتى يقرورا في هذا الشأن العظيم، وقد استقروا في نهاية الأمر على ثلاثة هم: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعا.
فقال عبد الرحمن بن عوف إنه ينخلع من هذا الأمر على أن يرجع إليه القول في تولية من يراه أصلح لهذا الأمر فوافقوا على ذلك، فأخذ البيعة والعهد عليهم إن ولى عثمان بن عفان أن يعدل بين الناس، وكذلك علي، وإن ولى أحدهما، فإن على الآخر أن يسمع له ويطيع، ثم انطلق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في جهد جهيد، وظل ثلاثة أيام يبحث في الأمر، ويسأل الناس فرادى، ومثنى، ومجتمعين، الكبار والصغار حتى الغلمان، سأل الأحرار والعبيد، سأل الركبان الذي يأتون إلى المدينة للزيارة، وسأل الأعراب الذين يمرون بالمدينة، ووصل في سؤاله إلى النساء، وبعد هذا الجهد العظيم يقول رضي الله عنه: فلم أجد في المدينة أحدا إلا ويقدم عثمان بن عفان على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.
إلا اثنين فقط هما المقداد بن عمرو، وعمار بن ياسر، وهذا في بعض الروايات، ومن ثم لم يكفر علماء الشيعة هذين الصحابيين.
لم ينم عبد الرحمن بن عوف في هذه الأيام الثلاثة، وكان يقضيها بين البحث وسؤال الناس، وبين الصلاة، والاستخارة والدعاء، حتى كانت رابع ليلة، فأتى إلى باب المسور بن مخرمة ابن أخته فقال: أنائم يا مسور، والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث، اذهب فادع إلي عليا وعثمان.
فقال المسور: فقلت بأيهما أبدأ؟
فقال: بأيهما شئت.
قال: فذهبت إلى علي فقلت: أجب خالي.
فقال: أمرك أن تدعو معي أحد؟
فقلت: نعم.
قال: من؟
قلت: عثمان بن عفان.
قال: بأينا بدأ؟
فقال: لم يأمر بشيء من ذلك، بل قال: بأيهما شئت. فجئت إليك أولا.
فقام معه، يقول: فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس عليّ، حتى دخلت، فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي علي سواء، فقام معه، فلما انصرفت، أقبل عبد الرحمن بن عوف على علي وعثمان فقال: إن قد سألت الناس عنكما، فلم أرى أحدا يعدل بكما أحدا، ثم أخذ العهد عليهما مرة أخرى بأن يعدل من يولى منهما، ولأن ولي عليه ليسمعن، وليطيعن، ثم خرج عبد الرحمن إلى المسجد، وقد لبس العمامة التي عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أهداه هذه العمامة، فلبسها، وتقلد سيفا وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين، والأنصار، ونودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وتراصوا في المسجد، وكثروا حتى أن عثمان رضي الله عنه لم يجد مكانا يجلس فيه، وهو أحد المرشحين للخلافة، فوقف على أطراف المسجد، وكان حييا شديد الحياء، ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف وقوفا طويلا، ودعا دعاء طويلا لم يسمعه أحد.
ثم قال:يا أيها الناس إني سألتكم سرا وجهرا بأمانيكم، فلم أجدكم تعدلون بهذين الرجلين أحدا، إما علي، وإما عثمان، فقم إليّ يا علي، فقام رضي الله عنه ووقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده، وقال له: هل أنت مبايعي على كتاب الله، وسنة نبيه، وفعل أبي بكر، وعمر؟
فقال علي: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي.
قال فأرسل يده، ثم قال: قم إليّ يا عثمان.
فأخذ بيده فقال له: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر؟
فقال: اللهم نعم.
فقال فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد، ويده بيد عثمان بن عفان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، إني خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان.
قال: وازدحم الناس جميعا يبايعون عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وكان علي بن أبي طالب- كما تقول إحدى الروايات- أول من بايع عثمان رضي الله عنه، وقعد عبد الرحمن في الدرجة الثالثة، وجلس عثمان في الدرجة الثانية، ثم قام وخطب في الناس خطبته الأولى وهي بالطبع ليست كما ذكر الواقدي.
يعلق ابن كثير على هذا الأمر فيقول: أما ما ذكره علماء الشيعة والرافضة ومن والاهم من أن عليا بعد ذلك قال لعبد الرحمن بن عوف: خدعتني، وإنك إنما وليته لأنه صهرك، وليشاورك كل يوم في شأنه.
فهذه كلها أباطيل ولم يرد لها أصل.
وقد بويع لعثمان رضي الله عنه وأرضاه في يوم 3 من شهر محرم سنة 24 هـ، وبدأ عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه من هذه السنة، واستمر حتى 35 هـ، وهو عهد مليء بالكثير من الأحداث.

[1] رواه أبو هريرة وعمران بن حصين وورد في البخاري ومسلم.
[2] رواه البخاري ومسلم.
[3] كتاب حق اليقين ص 271.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:12

بدايات الفتنة الكبرى
مقدمة

بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجّه عثمان رضي الله عنه الجيوش لاستكمال فتوحات فارس، فوجّه جيشًا لمنطقة (الري) شرق بحر قزوين، وكان على رأس هذا الجيش أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وفتحها أبو موسى الأشعري، وقام بعد ذلك بغاراتٍ على بعض القلاع، والحصون الرومية.

ومن الأحداث المهمة أن عثمان رضي الله عنه، ولّى سعد بن أبي وقّاص على الكوفة سنة 24 هـ، وكانت هذه المدينة دائمة الفتن، والثورات على أمرائها، وفي سنة 25 هـ ثار أهل الكوفة من جديد على سعد بن وقاص.

فعزل عثمان سعدًا، وولّى الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم فتحت الجيوش الإسلامية في عهد عثمان رضي الله عنه أذربيجان، وأرمينية غرب بحر قزوين على يد الوليد بن عقبة رضي الله عنه، وفي سنة 26 هـ، قام عثمان رضي الله عنه بتوسعة المسجد الحرام، وفتحت أيضًا في هذه السنة سابور في شرق فارس، وكانت من المناطق الغنية الكثيرة السكان، حتى أن خراجها كان ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف درهم في السنة، وبدأ الخير يعم على المسلمين بصورة كبيرة، وفي سنة 27 هـ فُتحت أرجان، وهي من بلاد الفرس، وعزل عثمان رضي الله عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه عن ولاية مصر، وكان واليها من قِبَل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك لما لانت قناته مع أهل الكتاب الذين قلّلوا من الجزية التي كانوا يدفعونها، ووقفت الفتوحات عند برقة وهي تابعة لـ(ليبيا) حاليًا، وتولى مصر عبد الله بن أبي سرح، فعادت الجزية كما كانت في بداية عهد عمرو بن العاص، وواصل عبد الله بن سرح الفتوحات متجهًا نحو الغرب، واتجه إلى ما يسمّى الآن بتونس، وكان على رأس الجيوش عقبة بن نافع رضي الله عنه.

آثار خلافة عثمان بن عفان

في سنة 28 هـ فُتحت قبرص، وكان هذا تقدمًا خطيرًا للدولة الإسلامية، وذلك لأن المسلمين لم يكن لهم أسطولًا بحريًا، ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موافقًا على غزو البحر، وكان يخشى على المسلمين منه، لكنّ معاوية رضي الله عنه أصرّ على هذا الأمر، وعرضه على عثمان رضي الله عنه مرة بعد مرة، حتى اقتنع به عثمان رضي الله عنه، وقام الأسطول البحري الإسلامي الأول بفتح قبرص، وعلى رأس هذا السطول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وعبد الله بن أبي سرح من مصر، وحاصرا قبرص، وفتحت، واستكلمت فتوحات إفريقية، ووطدت أركان الدولة الإسلامية في منطقة شرق وشمال إفريقية.

في سنة 29 خالفت (اصطخر) وهي إحدى بلاد فارس، ونقضت عهدها مع المسلمين، فأرسل إليها جيشًا وفُتحت مرة أخرى.

كما تمت توسعة المسجد النبوي مرة ثانية في هذا العام، وفي العام 30 هـ فتحت خراسان، ونيسابور، وقوص، وكثر الخراج بصورة عظيمة، وثار أهل الكوفة كالعادة على الوليد بن عقبة، وعُزلَ وتولّى سعيد بن العاص.

يقدّم الحسن البصري رضي الله عنه وأرضاه، وهو أحد التابعين المعاصرين لهذه الفترة، شهادةً للتاريخ على هذه الفترة من حياة عثمان رضي الله عنه وأرضاه فيقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قلّما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون خيرًا، يُقال لهم: يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم.

فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم.

فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على السمن والعسل.

فالأعطيات جارية، والأرزاق دارّة، والعدو متّقى، وذات البين حسن، والخير كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمنًا ومن لقيه فهو أخوه.

إذن فقد كان المسلمون على درجة عالية من الرخاء، لم يصلوا إلى هذه الدرجة من قبل، ويقوم عثمان رضي الله عنه في هذه الفترة بعمل من أعظم أعماله؛ وهو جمع القرآن على مصحف واحد، وكان سبب هذا الأمر أن المسلمين في فتوحات الشام، وفي الأراضي الرومية كان يأتون من الشام ومن العراق، وكان ممن حضر هذه الفتوحات حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وقد لاحظ الاختلاف الشديد في القراءات ما بين الناس، فكلٌ منهم يقرأ بقراءة، فأهل الشام يقرءون على قراءة المقداد بن عمرو، وأبي الدرداء رضي الله عنهما، وأهل العراق يقرءون على قراءة عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب رضي الله عنهما، حتى أن بعض الجهّال ممن لا يعرفون أن القرآن أنزل على سبعة أحرف بدأ كل منهم يخطّأ الآخر، بل وصل الأمر إلى درجة التكفير.

فعاد حذيفة بن اليمان إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه وقال له: أدرك الأمة.

فاستدعى عثمان رضي الله عنه زيد بن ثابت رضي الله عنه، وكان قد جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وطلب منه عثمان رضي الله عنه أن يأتي بالصحائف التي كان قد جمعها، وكانت هذه الصحائف بداية عند أبي بكر الصديق، ثم عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعند وفاته ترك هذه الصحائف عند ابنته أم المؤمنين السيدة حفصة رضي الله عنها وعن أبيها، وذهب بالفعل وأتى بهذه الصحائف، وكوّن عثمان رضي الله عنه مجموعة من أربعة هم: سعيد بن العاص الأموي، زيد بن ثابت الأنصاري، عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وكلفهم بعمل بعض النُّسخ من القرآن الكريم على القراءة التي كتبها زيد بن ثابت في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو لم يضف قراءة جديدة، ولكنه جمع الناس على ما جمعهم عليه أبو بكر رضي الله عنه من قبل، فكان الذي يُملِي هو سعيد بن العاص رضي الله عنه، وكان الذي يكتب هو زيد بن ثابت، وكان عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث رضي الله عنهما يحضران الإملاء، والكتابة، ويتابعان الأمر فكتبوا المصحف كاملًا، ونسخوا منه سبع نسخ، وقام عثمان رضي الله عنه بحرق باقي الكتابات الأخرى الموجودة عند بقية الصحابة، والتي يخالف ترتيبها الترتيب الذي عُرِض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرة الأخيرة، وكان هذا مجهودًا شاقًا وعسيرًا فقد كان حجم الصفحة من المصحف الذي أمر عثمان رضي الله عنه بنسخه سبع نسخ كانت ما بين 80 و 60 سم، وكانت النسخة الواحدة يحملها المجموعة من الرجال، ووجّه عثمان رضي الله عنه إلى كل قطر بنسخة من هذا المصحف، فأبقى نسخة بالمدينة المنورة، وأرسل نسخة إلى مكة، والثالثة إلى مصر، والرابعة إلى الشام، والخامسة إلى الكوفة، والسادسة إلى البصرة، والسابعة إلى اليمن، وبهذا تم جمع المسلمين على مصحف واحد، وهو المُسمّى بالمصحف العثماني، وعثمان رضي الله عنه لم يكتب فيه حرفًا واحدًا وإنما أمر بجمعه، ونسخه كما رأينا.

في سنة 31 هـ قام المسلمون بموقعة بَحْرية شهيرة هي موقعة (ذات الصواري).

وفي سنة 34 هـ توفي الكثير من أعلام الصحابة، وكأن الله أراد أن يقيهم شر حضور الفتنة، فكان ممن توفي في هذه السنة: العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه، وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو ذرّ رضي الله عنهم جميعًا، وزيد بن عبد الله بن عبد ربه الأنصاري رضي الله عنه، وهو الذي رأى في منامه الأذان وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره برؤياه، فأقرّه النبي صلى الله عليه وسلم.

كما فُتحت أجزاء من بيزنطة في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، ولكن كان إتمام فتحها في عهد معاوية رضي الله عنه.

وفي سنة 33 هـ فتحت الحبشة - والمقصود أجزاء من السودان -، وفي سنة 34 هـ حدثت ثورة أخرى بالكوفة على سعيد بن العاص، وتولّى الأمر فيها أبو موسى الأشعري برغبة أهل الكوفة، ووافقهم عثمان رضي الله عنه على ذلك وسنرى تفاصيل هذا الأمر إن شاء الله.

وفي هذه السنة 34 هـ بدأت مقدمات الفتنة الكبرى تأخذ شكلًا واضحًا والتي استُشهد على أثرها في سنة 35 هـ عثمان بن عفان رضي الله عنه لينهي حياة حافلة بالعمل الخالص لله تعالى، والذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم من أجله بالجنة.

ذو النورين كان على يقين بما سيحدث له

لا شك أن قتل عثمان رضي الله عنه له تفاصيل كثيرة، ولكن ما نشير إليه الآن هو أنّ عثمان رضي الله عنه كان يعلم أنه سيُقتل في هذه الفتنة، وذلك ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم ونبوءته بهذا الأمر، روى البخاري بسنده عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: "اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ".

وفي البخاري أيضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ".

فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ".

فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ".

فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وروى ابن ماجة والترمذي والإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ حَدَّثَهُ قَالَ:

كَتَبَ مَعِي مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ، قَالَ: فَقَدِمْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَدَفَعْتُ إِلَيْهَا كِتَابَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ أَلَا أُحَدِّثُكَ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنِّي كُنْتُ أَنَا، وَحَفْصَةُ يَوْمًا مِنْ ذَاكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يُحَدِّثُنَا.

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَبْعَثُ لَكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْ كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يُحَدِّثُنَا".

فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَا أُرْسِلُ لَكَ إِلَى عُمَرَ. فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: "لَا".

ثُمَّ دَعَا رَجُلًا، فَسَارَّهُ بِشَيْءٍ، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ أَقْبَلَ عُثْمَانُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ: "يَا عُثْمَانُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَعَلَّهُ أَنْ يُقَمِّصَكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ". ثَلَاثَ مِرَارٍ.[1]

وروى الترمذي بسنده عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّ خُطَبَاءَ قَامَتْ بِالشَّامِ وَفِيهِمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ آخِرُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ: لَوْلَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قُمْتُ، وَذَكَرَ الْفِتَنَ، فَقَرَّبَهَا، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ:

هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى. فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَقُلْتُ: هَذَا؟

قَالَ: نَعَمْ.[2]

فهذه كلها بشارات لعثمان رضي الله عنه أن هذه الفتنة سوف تحدث ويكون فيها عثمان رضي الله عنه على الحق، وسيُقتل فيها رضي الله عنه، ويدخل على أثرها الجنة، وستكون لهذه البشارات من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأثر في سير الأحداث بعد ذلك كما سنرى في تفاصيل الفتنة.

إذن هذا هو ما حدث في فترة خلافة عثمان رضي الله عنه من الآثار، وكانت من الفترات المهمة جدًا في تاريخ الدولة الإسلامية.

ومع هذا الخير الذي كان عليه عثمان رضي الله عنه، ومع هذه الأفضال والمحامد، والآثار العظيمة، ومع هذا الخير الذي عمّ على جميع المسلمين، ومع هذه الأرزاق الدارّة التي لمسها المسلمون، حتى كان يُنادى على المسلمين أن اغدوا على أعطياتكم، فقد كان عهدًا عظيمًا من الرخاء، مع هذا كله تحدث الفتنة.

ظهور ابن سبأ وبداية الفتنة

ما بين سنة 30 إلى 31 هـ، ظهر في اليمن عبد الله بن سبأ، وكانت أمه جارية سوداء، ومن ثَمّ لُقّب بابن السوداء، وكان يهوديًا، وعاش في اليمن فترة طويلة، وكانت اليمن قبل الإسلام مقاطعة فارسية، فتعلّم عبد الله بن سبأ الكثير عن المجوسية، وأراد هذا اليهودي أن يطعن في الإسلام والمسلمين، وبدأ بالتفكير في عمل هذه الفتنة، فدخل في الإسلام ظاهرًا في بداية عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبدأ يتنقل في البلاد حتى ينشر بعض الأفكار السامّة، والطاعنة في الإسلام، فذهب إلى الحجاز، ولما لم يجد صدى كافيًا انطلق إلى العراق، فذهب إلى البصرة، وكانت موطنًا للفتن، ووقع هناك على رجل يُسمّى حكيم بن جبلة، وكان من المسلمين، ولكنه كان لصًّا يغير على أهل الذمة، وقد حدد الخليفة إقامته بألا ينتقل من البصرة، فقد كان رجلًا سيئ الخلق، وبدأ ابن سبأ يلقي في روعه بعض الأفكار الجديدة على الإسلام، والمقتبسة من اليهودية، والمجوسية، وخرجت عقائد الشيعة من هذه الأفكار التي جاء بها عبد الله بن سبأ، وقد انقسم الشيعة إلى فرق كثيرة، فمنهم من أخذ من عبد الله بن سبأ كل ما قاله، وهم من يُسمّون الآن بالسبئية، ومنهم من أخذ منه البعض، ومنهم من أخذ القليل منه، ولكن على العموم فالشيعة جميعًا أخذوا من هذه الأفكار.

تبعه حكيم بن جبلة، وبعض من قبيلته، وبعض من أصدقائه، وكان كل هذا الأمر يدور سرّا، فهو لا يجرؤ على الجهر به ابتداءً، ثم انتقل من البصرة إلى الكوفة، وهي موطن للفتن، والثورات أيضًا، واستجاب له من أهل الكوفة أفراد كثيرون، ولكن سرّا ومنهم على سبيل المثال الأشتر النخعي، وهذا أمر غريب، فقد كان الأشتر من المجاهدين في اليرموك، والمواقع التي جاءت بعدها، ولكن الله تعالى يثبّت من يشاء، وقد استجاب الأشتر لابن سبأ إما عن جهلٍ، وإما عن رغبةٍ في الرئاسة أو غير ذلك، وكان الأشتر ذو مكانة ورأي في قومه، وبدأ يدعو الناس إلى ما هو عليه من أفكار، ويفسر بعض المؤرخين سبب انضمام الأشتر إلى أصحاب الفتنة بتفسيرين يناقض كل منهما الآخر؛ فالأول أنه كان من المغالين المتشددين في الدين، ويبالغ في بعض الأمور التي كان يظن أنها خطأ، ومن ثَمّ يتشدد لها، والأمر الثاني أنه كان محبًا للرئاسة، والسيطرة، وقام بالمشاركة في هذه الفتنة حتى يُمكّن له ويصل إلى ما يريد.

انتقل ابنُ سبأ إلى مصر، ووجد في مصر مناخًا مناسبًا لأفكاره؛ لأن معظم المجاهدين خرجوا إلى الفتوحات في ليبيا، وآخرين في السودان ومن كان موجودًا إنما هم قلة من المسلمين، فاستطاع ابن سبأ أن يجمع حوله قلة من الناس، واستقرّ في مصر، ولم يكن استقراره أمرًا مقصودًا، لكنه كان بطبيعته يستقرّ في كل بلد ينزل فيها مدة، ثم يغادرها إلى غيرها، فلما كان بمصر كان قد قرب عهد الفتنة فخرج من مصر.

أفكار ابن سبأ

كانت أفكار ابن سبأ تهدف لهدم الإسلام، وتشكيك المسلمين في دينهم ومن هذه الأفكار:

1- القول بعقيدة الرجعة: وهي من الثوابت عند الشيعة، وأصلها في المجوسية، وقد وُجدت في اليهودية افتراءً على الله تعالى، فاليهود يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وقال لهم ابنُ سبأ: إذا كان عيسى بن مريم سيرجع فكيف لا يرجع محمد صلى الله عليه وسلم، فمحمد صلى الله عليه وسلم سيرجع، وتمادى الشيعة في الأمر، وقالوا ليس محمدًا فحسب بل علي بن أبي طالب وغيره.

لكن أصل هذه العقيدة كما نرى نابعة من المجوسية، ومن افتراء اليهود وكذبهم، وكان ابن سبأ يخاطب الجهّال فيصدقونه، وقد سأله البعض عن دليلٍ على رجعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85].

وقال إن هذا المعاد في الدنيا، فخدع به بعض الجهال.

2- عقيدة الوصاية: قال ابن سبأ إن أمر النبوة منذ آدم حتى محمد صلى الله عليه وسلم بالوصاية، أي أن كل نبي يوصي للنبي الذي بعده- وهذا تخريف منه وتحريف- وكان هناك ألف نبي وكل منهم أوصى لمن بعده، فهل يأتي محمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتم الأنبياء، ولا يوصي بالأمر من بعده لأحد، إذن أوصى محمد صلى الله عليه وسلم إلى أحد الناس، هذا في البداية، ثم بدأ في البحث عن رجل إذا تكلم عنه أمام الناس يخجل الناس أن يردوا كلامه، فقال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم أوصى بالأمر لعلي وقد علمت ذلك منه، ووضع حديثا في ذلك يقول- افتراءا على الرسول صلى الله عليه وسلم-: أنا خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء. أو الأولياء.

وهو حديث موضوع كما قال الألباني، وأضاف الشيعة بعد ذلك مجموعة من الأوصياء، ومن هنا ظهرت عقيدة الوصاية.

ثم قال ابن سبأ لأتباعه: اطعنوا في الأمراء، وبدأ يراسل أهل الأمصار بسلبيات افتراها على الأمراء الذين ولاهم عثمان رضي الله عنه، من أمثال عبد الله بن أبي سرح، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر.

وقال لأتباعه: إذا قمتم بالدعوة إلى هذا الأمر في الناس فقولوا: إنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، حتى لا ينكر قولكم.

أتباع ابن سبأ

اتبع ابن سبأ مجموعة من الطوائف، فمنهم الذين هم على شاكلته ممن دخلوا في الإسلام ظاهرا، وأبطنوا الكفر والنفاق، وطائفة أخرى يرغبون في الإمارة والرئاسة والسيطرة، ولم يولهم عثمان رضي الله عنه، إما لسوء خلقهم، أو لوجود من هو أفضل منهم، وطائفة ثالثة من الموتورين الذي أقام عثمان رضي الله عنه الحد على أحدهم، أو على قريب لهم، فقاموا حمية له، وطائفة أخرى من جهال المسلمين الذين ينقصهم العلم، فتبعوا ابن سبأ بدافع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليقتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ثم بدأ الطعن في الخليفة نفسه، وأعد ابن سبأ قائمة بالطعون في عثمان رضي الله عنه، وأرسلها إلى الأمصار والبلدان، ووصل الأمر إلى أمراء المسلمين، وإلى الخليفة رضي الله عنه، فأرسل مجموعة من الصحابة يفقهون الناس، ويعلمونهم، ويدفعون عنهم هذه الشبهات، فأرسل محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعمار بن ياسر إلى مصر، وعبد الله بن عمر إلى الشام، وكان أهل الشام أقل الناس تأثرا بهذه الفتنة، وكان معاوية رضي الله عنه يسوس الناس بحكمة، وحلم وكان الناس يحبونه حبا شديدا، وقد رفض الناس دعوة ابن سبأ عندما عرضها عليهم، فذهب إلى أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه وهو من كبار الصحابة ومن شديدي الزهد كما يعرف ذلك من يطالع سيرته، ولما مر به عبد الله بن سبأ في طريقه قال له: يا أبا ذر إن أهل الشام ينغمسون في الدنيا وفي الملذات وينشغلون عن أمر الدين.

محاولا بهذا الكلام إثارته، فذهب أبو ذر إلى معاوية وقال له: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:34].

متأولا معنى الآية أنه لا يجوز للإنسان أن يكنز أكثر من قوت يوم واحد، وهذا الفهم يخالف أصول الإسلام في هذه الناحية، فقال له معاوية: إنك تحمل الناس على أمر لا يطيقونه، ولم يقره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصر أبو ذر على رأيه، فأرسل معاوية إلى عثمان رضي الله عنه، فاستدعى عثمان رضي الله عنه أبا ذر رضي الله عنه، ودار بينهما حوار سنذكر تفاصيله فيما بعد، وكان هذا من المطاعن على عثمان رضي الله عنه التي تبع ابن سبأ فيها الكثير.

وذهب ابن سبأ أيضا إلى عبادة بن الصامت، وحاول معه مثل هذا الأمر، فقبض عليه، وأتى به إلى معاوية بن أبي سفيان، وقال له: هذا الذي أثار عليك أبا ذر الغفاري.

فكلمه معاوية رضي الله عنه، وكان معاوية حليما شديد الحلم، فرجع ابن سبأ عن قوله ظاهرا، ولم يطمئن إليه معاوية، فأخرجه من بلاده فذهب إلى مصر بعد ذلك.

أما مجموعة الصحابة الذين أرسلهم عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار ليعلمونهم ويدرءون عنهم هذه الشبهات، فقد رجعوا جميعا إلى عثمان رضي الله عنه إلا عمار بن ياسر الذي كان قد ذهب إلى مصر، وكان بها عبد الله بن سبأ، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر، وهم من رءوس الفتنة، فقد جلسوا مع عمار بن ياسر، وأقنعوه ببعض الأفكار، والمآخذ على الأمراء، وعلى عثمان رضي الله عنه، فتأخر عمار بن ياسر عن العودة إلى عثمان رضي الله عنه بالمدينة، فخاف المسلمون أن يكون قد قتل، ولكن جاءهم في هذا الوقت كتاب من عبد الله بن أبي سرح، والي عثمان رضي الله عنه على مصر يخبرهم أن عمار بن ياسر قد استماله القوم، وأرسل عثمان رضي الله عنه إلى عمار بن ياسر رضي الله عنه خطابا يعاتبه فيه، ولما قرأ الخطاب ظهر له الحق، ورجع إلى عثمان رضي الله عنه في المدينة، وتاب بين يديه عن هذا الظن.

ثم ظهرت الفتنة، ولأول مرة بصورة علنية، وكان ذلك في الكوفة سنة 33 هـ، فقد جمع الأشتر النخعي حوله مجموعة من الرجال تسعة أو عشرة، وبدأ يتحدث جهارا نهارا عن مطاعن يأخذها على عثمان رضي الله عنه.

وسمع سعيد بن العاص والي الكوفة من قبل عثمان رضي الله عنه هذا الكلام فنهى الأشتر، ومن معه، ثم أرسل بعد ذلك إلى عثمان رضي الله عنه يخبره بما عليه الأشتر النخعي ومن معه، فأرسل عثمان رضي الله عنه رسالة إلى سعيد بن العاص أن يرسل الأشتر النخعي، ومن معه إلى معاوية بن أبي سفيان بالشام، وكان معاوية كما ذكرنا حليما شديد الحلم، فقد كانوا يسبونه علنا مرة، والثانية، والثالثة، ويأخذهم باللين والرفق، ولم يحاول معاوية بن أبي سفيان أن يشتد معهم، فأرسلهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والي حمص، وكان كأبيه خالد رضي الله عنه له مخالب كمخالب الأسد شديدا حازما، فعنفهم بشدة ولما ردوا عليه أذلهم ذلا عظيما، وحبسهم فأظهروا توبتهم، فأرسل إلى عثمان رضي الله عنه أن هؤلاء قد تابوا، فأرسل إليه أن يجعل أحدهم يأتيه فأرسل إليه الأشتر النخعي وأعلن توبته على يدي عثمان رضي الله عنه، فرده عثمان إلى الشام، وظل فيها هو ومن معه، وبينما هم في الشام جاءتهم رسالة من رجل يسمى يزيد بن قيس من البصرة أنه سوف يعلن الثورة في البصرة جهرا، وأرسل لهم رسالة يستعين بهم، ولما وقعت الرسالة في أيديهم ترددوا في أمر الثورة، وأصر عليهم الأشتر النخعي، فقيل أنهم رجعوا معه، وقيل لم يرجعوا معه، ولكنه عاد إلى الكوفة، وكما ذكرنا من قبل أنه كان مسموع الكلمة وذا رأي في قومه.

وفي هذا الوقت أرسل عثمان رضي الله عنه إلى ولاته كي يستشيرهم في أمر هذه الفتنة، فأرسل إلى معاوية بن أبي سفيان واليه على الشام، وإلى عبد الله بن عامر واليه على البصرة، وسعيد بن العاص واليه على الكوفة، وعبد الله بن أبي سرح واليه على مصر، وجاءوا جميعا إلى عثمان رضي الله عنه بالمدينة، وبعد أن عرض عليهم الموقف بدأوا يقولون رأيهم؛ فأشار عبد الله بن عامر أن يشغل الناس بالجهاد حتى لا يتفرغوا لهذه الأمور، وأشار سعيد بن العاص باستئصال شأفة المفسدين وقطع دابرهم، وأشار معاوية رضي الله عنه بأن يرد كل وال إلى مصره فيكفيك أمره، أما عبد الله بن أبي سرح فكان رأيه أن يتألفهم بالمال.

وقد جمع عثمان رضي الله عنه في معالجة هذا الأمر بين كل هذه الآراء، فخرج بعض الجيوش للغزو، وأعطى المال لبعض الناس، وكلف كل وال بمسئوليته عن مصره، ولكنه لم يستأصل شأفتهم.

إلى هذا الوقت لا زال الأمر لم يعلن عدا أمر العشرة الذين كانوا مع الأشتر النخعي في الكوفة، وظهور أمر يزيد بن قيس في البصرة، ورجع الأمراء من عند عثمان رضي الله عنه إلى أقطارهم، وعندما رجع سعيد بن العاص إلى الكوفة وجد أن الأشتر النخعي قد سبقه إليها، وقام بثورة كبيرة بعد أن جمع الجموع، ونشر فيهم الفتنة نشرا عظيما، ومنع دخول سعيد بن العاص الكوفة، وأصروا على أمرهم، وآثر سعيد بن العاص أن يقمع الفتنة فرفض الدخول في قتال معهم ورجع إلى عثمان رضي الله عنه، وأخبره بما حدث، وآثر عثمان رضي الله عنه السلامة في هذه البلاد التي تدير وسط وشمال فارس وارتضى أهل الكوفة أن يولى عليهم أبو موسى الأشعري، ووافقهم عثمان رضي الله عنه على ذلك، وكان ذلك سنة 34 هـ، وبدأ الطعن يكثر في عثمان رضي الله عنه، وتنتشر أفكار ابن سبأ في البلاد، وأصبح للفتنة جذور في بلاد كثيرة، فكان يزيد بن قيس في البصرة، والأشتر النخعي في الكوفة، وكذا حكيم بن جبلة، وعبد الله بن سبأ رأس الفتنة في مصر، ومعه كنانة بن بشر وسودان بن حمران.

وأراد رءوس الفتنة أن يشعلوا الأمر أكثر وأكثر، حتى يجتثوا الدولة الإسلامية من جذورها، فبدءوا يكثرون الطعن على عثمان، ويكتبون هذه المطاعن المكذوبة، والمفتراة ويرسلونها إلى الأقطار موقعة بأسماء الصحابة افتراء على الصحابة، فيوقعون الرسائل باسم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والسيدة عائشة.

وكان من الصعب نظرا لصعوبة الاتصال وتنائي الأقطار أن يتم تنبيه الناس إلى كذب هذه الرسائل، وأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكتبوا هذه المطاعن ولم يوقعوا عليها.

ومن ثم انقاد بعض الناس لهذه الفتنة، بينما انتظر آخرون حتى يتثبتوا من الأمر نظرا لخطورته.

وتلك المطاعن التي افتراها من أشعل هذه الفتنة هي الموجودة الآن في كتب الشيعة، وعندما يطعنون ويسبون عثمان رضي الله عنه يذكرون هذه المطاعن الذي ذكرها هؤلاء المارقون عن الإسلام، ويضعونها على أنها حقائق، وقد انساق ورائهم بعض الجهال من المسلمين كـزاهية قدورة التي ذكرت هذه المطاعن على أنها حقائق، واتهمت بها عثمان رضي الله عنه والسيدة عائشة رضي الله عنها، وذكرت أن السيدة عائشة ألبت الناس على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكأن الرسائل التي أرسلت من أصحاب الفتنة رسائل حقيقية أرسلتها السيدة عائشة، يقول ابن كثير: قال أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة عن مسروق قال: قالت عائشة حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قتلتموه.

وفي رواية: ثم قربتموه، ثم ذبحتموه كما يذبح الكبش؟

فقال لها مسروق: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم أن يخرجوا إليه، فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا، قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها، وهذا إسناد صحيح إليها.

وفي هذا وأمثاله دلالة ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج قبحهم الله، زوروا كتبا على لسان الصحابة إلى الآفاق يحرضونهم على قتال عثمان، كما قدمنا بيانه.

التهم والمطاعن المفتراة على عثمان

ما هي المطاعن التي أخذها هؤلاء المارقون على الإسلام على عثمان رضي الله عنه، والتي لا زالت تتردد على ألسنة بعض المسلمين، وبعض المذاهب إلى هذا الوقت:

التهمة الأولى: ضربه لابن مسعود حتى كسر أضلاعه كما يقولون، ومنعه عطاءه.

التهمة الثانية: ضربه عمار بن ياسر حتى فتق أمعاءه.

التهمة الثالثة: ابتدع في جمعه للقرآن وحرقه للمصاحف.

التهمة الرابعة: حمى الحمى، وهي مناطق ترعى فيها الإبل، وقالوا إنه جعل إبله فقط هي التي ترعى فيها، وفي الحقيقة لم تكن هذه إلا إبل الصدقة.

التهمة الخامسة: أنه أجلى أو نفى أبا ذر الغفاري إلى الربذة، وهي منطقة في شمال المدينة.

التهمة السادسة: أنه أخرج أبا الدرداء من الشام.

التهمة السابعة: أنه رد الحكم بن أبي العاص بعد أن نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التهمة الثامنة: أنه أبطل سنة القصر في السفر، وذلك لأنه أتم الصلاة في (منى) لما ذهب للحج.

التهمة التاسعة: أنه ولى معاوية بن أبي سفيان وكان قريبا له.

التهمة العاشرة: ولى عبد الله بن عامر على البصره وهو قريب له.

التهمة الحادية عشر: أنه ولى مروان بن الحكم وكان قريبا له.

التهمة الثانية عشر: أنه ولى الوليد بن عقبة على الكوفة وهو فاسق.

التهمة الثالثة عشر: أنه أعطى مروان بن الحكم خمس غنائم إفريقية.

التهمة الرابعة عشر: كان عمر يضرب بالدرة- عصا صغيرة- أما هو فيضرب بعصا كبيرة.

التهمة الخامسة عشر: علا على درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل عنها أبو بكر وعمر.

التهمة السادسة عشر: لم يحضر بدرا.

التهمة السابعة عشر: انهزم وفر يوم أحد.

التهمة الثامنة عشر: غاب عن بيعة الرضوان.

التهمة التاسعة عشر: لم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان، وكان عبيد الله بن عمر قد تيقن من أن الهرمزان قد شارك في الإعداد لقتل أبيه عمر بن الخطاب فقتله.

التهمة العشرون: أنه كان يعطي أقرباءه، ولا يعطي عامة المسلمين.

وهذه التهم كلها جاءت في رواية واحدة، بينما تضيف روايات أخرى تهما أخرى، وهي موجودة إلى الآن ليس في كتب الشيعة فحسب، بل في كتابات الجهال من المسلمين الذين ينقلون عن روايات الشيعة الموضوعة دون أن يعلموا أنها موضوعة، أو ممن لا يريد لدولة الإسلام أن تقوم، مدعيا أن دولة الإسلام إذا قامت سوف يحدث مثل هذا الأمر، فقد حدث ذلك بين الصحابة أنفسهم، فكيف تقوم دولة الإسلام في عهدنا نحن.

وانتشرت هذه التهم المفتراة في الأمصار والبلاد، ولم يكن محفوظا من هذا الأمر غير بلاد الشام، وبدأ الناس يجهزون أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإزالة عثمان بن عفان عن الحكم لأنه فعل هذه الأمور.

نسأل الله تعالى أن يعيننا على الدفاع عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ونفي هذه التهم المنسوبة إليه كذبا وافتراء، وأن ننشر هذا الدفاع بين المسلمين، وننشره بين الشيعة إذا استطعنا، ونعرف الناس بالحقائق من خلال التاريخ الصادق الصحيح النقل، والعقل والمنطق، والفقه السليم، ونسأل الله أن يتقبل منا جميعا.


[1] صححه الألباني.

[2] قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، ورواه ابن ماجه وصححه الألباني.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:14

الدفاع عن عثمان بن عفان رضى الله عنه
المطاعن التي أخذها المتمردون على عثمان رضي الله عنه

ما هي المطاعن التي أخذها هؤلاء المارقون على الإسلام على عثمان رضي الله عنه، والتي لا زالت تتردد على ألسنة بعض المسلمين وبعض المذاهب إلى هذا الوقت:

التهمة الأولى: ضرْبه لابن مسعود حتى كسر أضلاعه - كما يقولون - ومنعه عطاءه.

التهمة الثانية: ضرْبه عمار بن ياسر حتى فتق أمعاءَه.

التهمة الثالثة: ابتدع في جمْعه للقرآن وحرْقه للمصاحف.

التهمة الرابعة: حَمَى الحِمَى- وهي مناطق ترعى فيها الإبل- وقالوا إنه جعل إبله فقط هي التي ترعى فيها، وفي الحقيقة لم تكن هذه إلا إبل الصدقة.

التهمة الخامسة: أنه أجلى أو نفى أبا ذرٍّ الغفاري إلى الربذة، وهي منطقة في شمال المدينة.

التهمة السادسة: أنه أخرج أبا الدرداء من الشام.

التهمة السابعة: أنه ردّ الحكم بن أبي العاص بعد أن نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التهمة الثامنة: أنه أبطل سنة القصر في السفر، وذلك لأنه أتم الصلاة في (منى) لما ذهب للحج.

التهمة التاسعة: أنه ولّى معاوية بن أبي سفيان وكان قريبًا له.

التهمة العاشرة: ولّى عبد الله بن عامر على البصره وهو قريب له.

التهمة الحادية عشر: أنه ولّى مروان بن الحكم وكان قريبًا له.

التهمة الثانية عشر: أنه ولّى الوليد بن عقبة على الكوفة وهو فاسق.

التهمة الثالثة عشر: أنه أعطى مروان بن الحكم خمس غنائم إفريقية.

التهمة الرابعة عشر: كان عمر يضرب بالدرة- عصا صغيرة- أما هو فيضرب بعصا كبيرة.

التهمة الخامسة عشر: علا على درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل عنها أبو بكر وعمر.

التهمة السادسة عشر: لم يحضر بدرًا.

التهمة السابعة عشر: انهزم وفرّ يوم أحد.

التهمة الثامنة عشر: غاب عن بيعة الرضوان.

التهمة التاسعة عشر: لم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان، وكان عبيد الله بن عمر قد تيقن من أن الهرمزان قد شارك في الإعداد لقتل أبيه عمر بن الخطاب فقتله.

التهمة العشرون: أنه كان يعطي أقرباءه، ولا يعطي عامة المسلمين.

وهذه التهم كلها جاءت في رواية واحدة، بينما تضيف روايات أُخرى تهمًا أخرى، وهي موجودة إلى الآن ليس في كتب الشيعة فحسب، بل في كتابات الجهّال من المسلمين الذين ينقلون عن روايات الشيعة الموضوعة دون أن يعلموا أنها موضوعة، أو ممن لا يريد لدولة الإسلام أن تقوم، مدّعيًا أن دولة الإسلام إذا قامت سوف يحدث مثل هذا الأمر، فقد حدث ذلك بين الصحابة أنفسِهم، فكيف تقوم دولة الإسلام في عهدنا نحن.

تهمة الضرب لابن مسعود وعمار

أما بالنسبة للتهمة الأولى، وهو الزعم بأن عثمان ضرب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما حتى كسر أضلاعه، ومنعه عطاءه، فهذه الرواية مختلقة، ليس لها أصل، وعندما بُويع عثمانُ رضي الله عنه بالخلافة قال عبد الله بن مسعود: بايعنا خيرنا ولم نأل.

فعبد ألله بن مسعود رضي الله عنه يرى أن خير الأمة في هذا الوقت هو عثمان رضي الله عنه، وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه واليًا لعثمان رضي الله عنه على بيت مال الكوفة، وكان والي الكوفة في ذلك الوقت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقد حدث خلاف بينهما بسبب أن سعدًا رضي الله عنه استقرض مالًا من بيت المال، ولم يردّه في الموعد المحدد، فحدثت المشادة بينهما بسبب هذا الأمر، وبعدها ثار أهل الكوفة كعادتهم مع كل الولاة على سعد بن أبي وقاص، مع ما له من المكانة في الإسلام، فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وخال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعزل عثمان رضي الله عنه سعدًا من ولاية الكوفة، وأقرّ على بيت المال عبد الله بن مسعود، فلما أراد عثمان رضي الله عنه جمع الناس على مصحف واحد اختار رضي الله عنه لهذا الأمر زيد بن ثابت رضي الله عنه، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قد اختاراه من قبل لجمع القرآن في المرة الأولى، وذلك لأن زيدًا رضي الله عنه هو الذي استمع العرضة الأخيرة للقرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الصحف الأخرى تكتب تباعًا كلما نزل من القرآن شيءٌ كُتب فيها.

والقضية أنه كان لعبد الله بن مسعود مصحف يختلف في ترتيبه عن مصحف زيد بن ثابت رضي الله عنهما، ومن يرجع للروايات التي تروى عن مصحف عن عبد الله بن مسعود يجد أن ترتيب السور يختلف كثيرًا، وترتيب الآيات أيضًا داخل السور يختلف أحيانًا، وبعض الكلمات مختلفة أيضًا، بل إن بعض السور ليست موجودة أصلًا في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كسورة الفاتحة والمعوذتين، ولهجة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من هزيل، وليست من قريش، وقد كان الأمر أن تكون كتابة المصحف على الاتفاق، وعند الاختلاف يُرجع إلى لهجة قريش؛ لأن القرآن نزل بلسانها، فلما علم عبد الله بن مسعود أن القرآن سيجمع على قراءة ثابت، وأن مصحفه سوف يحرق غضب غضبًا شديدًا ووقف على المنبر في الكوفة وقال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ}

[آل عمران:161].

وإني غال مصحفي فهو رضي الله عنه يتأول الآية، وإنما الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، وهو محرم إجماعا، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص، ولكن عبد الله بن مسعود يريد أن يقول أنه سيحتفظ بمصحفه هذا ولن يوافق على حرقه ليأتي به يوم القيامة، وقد كان يريد رضي الله عنه أن يكون من الفريق المكلف بكتابة المصحف، لأنه كان ممن أثنى على قراءتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا باتفاق ولكن كانت لهجته- كما ذكرنا- تختلف عن لهجة قريش، ورخص له النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة بلهجته، ولكن الأمر الآن يتجه إلى جمع الناس على مصحف واحد، ويجب أن يكون باللسان الذي نزل به القرآن، وهو لسان قريش، فلما فعل ذلك عبد الله بن مسعود أجبره عثمان رضي الله عنه على حرق مصحفه، فعاد إلى المدينة يناقش عثمان رضي الله عنه والصحابة جميعا في هذا الأمر، واجتمع كبار الصحابة على عبد الله بن مسعود، وأقنعوه بالأمر، وأن هذا الأمر فيه الخير للمسلمين، فلما علم ذلك رجع عن رأيه، وتاب عنه بين يدي عثمان رضي الله عنه، وعادت العلاقة بينه وبين عثمان رضي الله عنه كما كانت قبل هذه الحادثة. وهذه الروايات باتفاق.

ونحن كما نرى هذا الموقف، فقد كان من الصعب بداية على عبد الله بن مسعود أن يقوم بحرق مصحفه الذي ظل ما يربو على عشرين سنة يكتب فيه آي الذكر الحكيم التي يسمعها من الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمثل هذه المصحف شيئا عظيما في حياته، ويربطه بكل ذكرياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع الصحب الكرام رضوان الله عليهم جميعا فقد كان جزءا لا يتجزأ من حياته، فكان هذا رد فعله ابتداء، ولكنه لما علم الحق واقتنع به رجع عن رأيه وتاب عنه، ولم يخطأ عثمان رضي الله عنه إطلاقا في حقه ولم يضربه ولم يمنعه عطاءه.

أما التهمة الثانية المفتراة على عثمان رضي الله عنه فهي أنه ضرب عمار بن ياسر رضي الله عنه حتى فتق أمعاءه، ولو حدث هذا ما عاش عمار بعد تلك الوقعة المكذوبة، ولكن عمارا رضي الله عنه عاش حتى موقعة صفين بعد ذلك، فضرب عمار رضي الله عنه حتى فتق أمعائه لم يحدث، أما ضربه فقط فقد حدث، والسبب في هذا الأمر أنه قد حدث خلاف بين عمار بن ياسر رضي الله عنه، وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب رضي الله عنه، فقذف بعضهما بعضا فعزرهما عثمان رضي الله عنه بالضرب، بعد أن رأى أن كلا منهما قد أخطأ في حق أخيه، ومر هذا الأمر دون أن يترك أثرا في نفوس الصحابة رضي الله عنهم جميعا، ومما يؤكد ذلك أن عثمان رضي الله عنه عندما اختار مجموعة من كبار الصحابة؛ ليدفعوا الشبهات عن المسلمين في الأمصار كان ممن اختارهم لأداء هذه المهمة عمار بن ياسر رضي الله عنه، وأمره أن يذهب إلى مصر، وقد ذكرنا أن رءوس الفتنة في مصر قد استمالوا عمارا رضي الله عنه بشبهاتهم على الأمراء، فتأخر عمار رضي الله عنه في مصر، وظن عثمان رضي الله عنه والمسلمون في المدينة أن عمارا قد قتل، وجاءت رسالة من مصر من عبد الله بن أبي سرح والي عثمان رضي الله عنه فيها أن القوم قد استمالوا عمارا، فأرسل إليه عثمان رضي الله عنه برسالة.

ولما رجع عمار رضي الله عنه، وقص له ما حدث، قال له عثمان رضي الله عنه: قذفت ابن أبي لهب أن قذفك، وغضبت علي أن أخذت لك بحقك وله بحقه، اللهم قد وهبت ما بيني وبين أمتي من مظلمة، اللهم إني متقرب إليك بإقامة حدودك في كل أحد، ولا أبالي، اخرج عني يا عمار.

فكان هذا عتابا من عثمان لعمار رضي الله عنهما، وقد اعتذر عمار رضي الله عنه عن ميله لرءوس الفتنة في مصر الذين حاولوا أن يقنعوه بما هم عليه، وأظهر توبته ورجوعه عن هذا الأمر بين يدي عثمان رضي الله عنه وبوجود كبار الصحابة.

فقصة ضرب عمار رضي الله عنه حنى فتق أمعائه أمر مكذوب تماما، ولكن الأحداث كانت كما رأينا، وكون عثمان رضي الله عنه ضرب الاثنين، لو كان ضربهما، لا يقدح هذا الأمر في الثلاثة، وذلك لأنهم من أهل الجنة جميعا، وقد يصدر من أولياء الله ما يستحقوا عليه العقوبة الشرعية (الحد) فضلا عن التعزير، وفعل مثل هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما ضرب أبي بن كعب وهو من كبار الصحابة ويقرأ القرآن على قراءته، وذلك لأنه كان يسير في المدينة، ويتبعه الناس فضربه عمر رضي الله عنه بالدرة وقال له: إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.

وأمره ألا يجعل أحدا يسير خلفه، بل فعل هذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أحد الصحابة الذي كان قد شرب الخمر في غزوة خيبر فضربه أربعين ضربة، وقيل إنها كانت بالنعال، ولما لعنه أحد الصحابة بعد هذا الضرب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أولو كان يحب الله ورسوله.

إذن فالضرب لا يقلل من قيمة هؤلاء وهم في الجنة باتفاق، ثم إن التعزير يراد به التأديب على أمر ليس فيه حد ولا كفارة، والذنوب من حيث العقوبة المترتبة عليها ثلاثة أنواع:

الأول: يترتب عليه حد مثل السرقة أو الزنا.

والثاني: ما يترتب عليه الكفارة دون الحد، مثل الجماع في نهار رمضان، أو الجماع في الإحرام.

والثالث: ما لا يترتب عليه حد ولا كفارة، وهو ما يكون فيه التعزير، كالسب فيما عدا القذف بالزنا فإن فيه الحد، وكذا سرقة ما حد فيه، وكذلك الكذب قد يكون فيه التعزير، ويرى أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد أن التعزير واجب، وقال الشافعي: مندوب. والحد والتعزير كلاهما عقاب والمستهدف منهما تطهير النفس، وردع الناس عن ارتكاب المعاصي، وأن يأتي الناس يوم القيامة، وقد كفرت ذنوبهم بالحدود والتعزير، والكفارات، والفرق بين الحد والتعزير أن الناس جميعا يتساوون في إقامة الحد عليهم، ولكن التعزيرات تختلف باختلاف الناس، فإذا أخطأ الكريم من أهل التقوى والصلاح يكون التعامل معه غير أهل الفسق الذين يداومون على ارتكاب المعاصي والآثام، والحدود لا تجوز فيها الشفاعة بينما تجوز في التعزيرات، ومن مات أثناء تعزيره فله ضمان وهو مثل الدية، أما من مات أثناء إقامة الحد عليه فليس له ضمان، وقال بعض الفقهاء ليس لمن مات في التعزير ضمان.

والتعزير قد يكون بالكلام كالتوبيخ، أو الوعظ، أو الحبس، أو الضرب، أو النفي، أو العزل من العمل، والحاكم له حق التعزير مطلقا، وقال الفقهاء: إنه لا ينبغي التعزير بأكثر من عشرة أسواط، وقيل أقل من ثمانين، وقيل يرجع لتقدير الحاكم.

فهذا ما فعله عثمان رضي الله عنه مع عمار بن ياسر وعباس بن عتبة عندما قذف كل منهما صاحبه.

وممن له حق التعزير أيضا الوالد فله أن يعزر ولده، وليس للوالد أن يضرب ولده بعد البلوغ.

وممن له حق التعزير السيد لرقيقه سواء بالضرب أو الحبس أو غير ذلك، ولكن هذا كله دون تعسف أو ظلم، فالله تعالى مطلع على كل الأمور.

فعثمان رضي الله عنه له حق التعزير، حتى ولو عارضه الصحابة، والواقع أن أحدا من الصحابة لم ينكر عليه هذا الأمر.

قضية جمع القرآن

التهمة الثالثة على عثمان رضي الله عنه أنهم يقولون أنه ابتدع في جمع القرآن، وفي حرق المصاحف، وهكذا نرى أن الحسنات يجعلها أهل الفتنة سيئات، وقد قال كثير من العلماء أن هذه هي أعظم حسنات عثمان بن عفان رضي الله عنه وقالوا إن هذا الأمر أفضل من حفره بئر رومة، وأفضل من تجهيزه جيش العسرة؛ لأن أثره مستمر إلى يوم القيامة.

والصحابة جميعا وافقوا على هذا الأمر، وحتى ما كان من أمر عبد الله بن مسعود في البداية رجع عنه، واقتنع برأي عثمان، وسائر الصحابة رضي الله عنهم جميعا، واجتماع الصحابة لا يأتي على ضلالة، بل إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في خلافته: لو لم يفعله عثمان لفعلته أنا، وجاء في كتب الشيعة أنفسهم ما يؤكد إجماع الصحابة على هذا الأمر، والحق ما جرت به ألسنة الأعداء.

وفي كتاب سعد السعود، وهو من المراجع الشهيرة للشيعة، قال ابن طاوس نقلا عن الشهرستاني عن سويد بن علقمة قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: أيها الناس، الله الله، إياكم والغلو في أمر عثمان، وقولكم حرق المصاحف، فوالله ما حرقها إلا عن ملإ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ جمعنا وقال: ما تقولون في هذه القراءة التي اختلف الناس فيها يلق الرجل الرجل فيقول: قراءتي خير من قراءته، وهذا يجر إلى الكفر.

فقلنا: ما الرأي؟

قال: أريد أن أجمع الناس على مصحف واحد فإنكم إن اختلفتم الآن كان مَن بعدكم أشد اختلافا.

فقلنا جميعا: نِعْمَ ما رأيت.

فهذا كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مراجع الشيعة أنفسهم؛ في هذا الكتاب، وفي بعض الكتب الأخرى للشهرستاني، وفي كتب أخرى يزعمون أن عثمان رضي الله عنه ابتدع في جمعه للقرآن، وحرقه للمصاحف، وهذا التناقض عندهم يظهر الحق.

ومع هذا الإجماع الكبير من الصحابة على هذا الأمر إلا أن الشيعة يزعمون أن عثمان رضي الله عنه إنما جمع المصحف برغبته الشخصية، وجمع بعض الصحابة وذكروهم بالاسم، وألفوا قرآنا غير الذي أنزل، كما يزعم الشبعة أن لديهم القرآن الحقيقي، وهو ثلاثة أضعاف، وهو مخبأ عندهم في سرداب، وسيأتي مع الإمام الثاني عشر، وليس فيه حرف واحد من القرآن الذي معنا، وأقر بعض الشيعة ببعض الآيات في القرآن الكريم، وحذف آيات أخرى.

وكان إنكار الشيعة لجمع القرآن في عهد الصديق أبي بكر رضي الله عنه، وادعائهم أن القرآن الذي بين أيدينا اليوم قد ألف في عهد عثمان كان هذا يمثل مادة دسمة للنصارى كي يطعنوا في القرآن، وهذا الطعن من قديم، ففي عهد ابن حزم الأندلسي كثر الطعن من قبل النصارى في حق المسلمين في هذه النقطة، وأن المصحف ألف في عهد عثمان رضي الله عنه، ومن معه من الصحابة، ومراجع النصارى في ذلك هي كتب الشيعة التي تقول: إن المصحف الحقيقي هو الذي أنزل على السيدة فاطمة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، واحتفظ به بعد ذلك علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.

يقول ابن حزم في كتابه (الفصل): إن الروافض- الشيعة- ليسوا من المسلمين، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكفر.

حديث: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ منه".

هذا حديث صحيح رواه أكثر من عشرين من الصحابة رضي الله عنهم، وتأويل هذا الحديث من الكثرة بمكان، فذكر السيوطي في (الإتقان في علوم القرآن) أربعين تأويلا لهذا الحديث، وذكر ابن حجر، وابن حبان خمسة وثلاثين قولا في تأويل هذا الحديث، والسبعة أحرف قيل: إنها سبع قراءات، وقيل سبع لهجات.

وقيل: هذه السبع لهجات في مضر.

وقيل: في قريش.

وقيل: معناها أن المشكل في القرآن الكريم يحتمل سبعة تفسيرات على الأكثر.

وقيل: التغاير في اللفظ أو الشكل.

وقيل: الزيادة والنقصان، أو الإبدال، أو الإعراب، أو التقديم، أو التأخير.

وذهب الطحاوي أن هذا الأمر كان رخصة للمسلمين في قراءة القرآن؛ لتعذر قراءته على مختلف القبائل بلهجة واحدة، فلما رأى الصحابة انتشار القراءة بين هذه القبائل، وشدة الحفظ وإتقانه، أقروا قراءة واحدة، وهي التي كتبها عثمان رضي الله عنه في مصحفه، وقال بهذا ابن جرير الطبري وقال: لم يكن ذلك ترك واجب، ولا فعل محرم، فاتفق الصحابة على كتابته كما جاء في العرضة الأخيرة.

فما بين أيدينا اليوم هو المصحف الذي كتب في عهد عثمان رضي الله عنه، كما نزل في العرضة الأخيرة، باللسان الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التهمة الرابعة الموجهة إلى عثمان رضي الله عنه أنه حمى الحمى

ومعنى ذلك أنه خصص جزءا معينا من الأرض لبعض الإبل لترعى فيها دون غيرها من الإبل، قالوا: إنه ابتدع في هذا الأمر، وقالوا: إنه كان يجعلها لإبله وخيله، والقولين مردود عليهما.

أما قولهم أنه رضي الله عنه ابتدع الحمى، فهذا غير صحيح، حيث إن الحمى كان موجودا في الجاهلية قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان السيد يدخل الأرض التي يريد أن يجعلها حمى لإبله، ومعه كلب يعوي، ويكون حدود حماه على امتداد عواء كلبه، وتكون تلك المنطقة من الأرض خاصة به لا تستطيع أي إبل غير إبله أن ترعى فيها، وهذا هو الحمى، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ألغى هذا الأمر كله، إلا لإبل الصدقة فقط، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمى في منطقة الربذة- كانت الربذة فلاة بأطرف الحجاز مما يلي نجد- وكان مساحتها ميل في سبعة أميال، وكانت ترعى فيها إبل الصدقة، والإبل التي تعد للجهاد، وللمصالح العامة.

عن الصعب بن جثامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ"[1].

وقد فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مثل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحمى، ولما جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه زاد في هذه المساحة، وضم إليها أماكن كثيرة، وذلك لكثرة الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكثرة إبل الجهاد، فكان لا بد من منطقة كبيرة ترعى فيها إبل، وخيول الجهاد، ولما كان عهد عثمان رضي الله عنه اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وكثرت الخيرات عند المسلمين، وكثرت الإبل، فاتسعت منطقة الحمى إلى أكبر مما كانت عليه.

إذن فأصل الحمى سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزيادة فيه سنة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أمر اقتضته الحاجة، وليس فيه أي تعارض مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ".

أما إبل عثمان رضي الله عنه فكانت لا ترعى في هذا الحمى، وإنما كان هذا الحمى لإبل الصدقة فقط، وأما إبل عثمان رضي الله عنه فكانت ترعى في أماكن أخرى بعيدة، وكان عثمان رضي الله عنه شديد الدقة في هذا الأمر، حتى أنه كان يمنع أي إبل للأغنياء أن تدخل في حمى إبل الصدقة، وكان يترخص لإبل الفقراء لأنها ربما تهلك نظرا لفقر أصحابها، وعدم قدرتهم على إطعامها.

وكان عثمان رضي الله عنه أكثر العرب إبلا قبل أن يتولى الخلافة، وعندما استشهد رضي الله عنه لم يكن يملك سوي بعيرين كان قد استبقاهما للحج، وباقي إبله كان قد تبرع بها للمسلمين خلال مدة خلافته، وخيره رضي الله عنه سابق على المسلمين منذ أسلم حتى استشهد رضي الله عنه وأرضاه.

قضية أبي ذر

أما التهمة الخامسة فقد قالوا: إن عثمان رضي الله عنه قد أجلى أبا ذر رضي الله عنه من الشام إلى الربذة.

ذكرنا قبل ذلك أن عبد الله بن سبأ لما لما يجد صدى لكلامه في أرض الشام ذهب إلى أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، وكان زاهدا شديد الزهد عاكفا عن الدنيا بالكلية، وأراد ابن سبأ إشعال الفتنة في الشام، فقال لأبي ذر رضي الله عنه: إن معاوية يقول: إن المال مال الله يريد بذلك أن يحجزه عن المسلمين.

ومعاوية رضي الله عنه قال هذه الكلمة، ولكن ابن سبأ اليهودي أوله لأبي ذر على غير ما يراد بها، فذهب أبو ذر رضي الله عنه إلى معاوية رضي الله عنه وقال له: تقول: المال مال الله؟ قال: نعم.

فقال له أبو ذر: المال مال المسلمين، فقال له معاوية رضي الله عنه وكان معروفًا بحلمه الواسع: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه والأمر أمره؟ فقال أبو ذر: فلا تقله.

فقال له معاوية رضي الله عنه في منتهى الرفق: لن أقول: إن المال ليس مال الله. ولكني أقول: المال مال المسلمين.

وكان أبو ذر رضي الله عنه يمر على أغنياء الشام، وعلى ولاة معاوية في أنحاء الشام، ويقرعهم بقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:34].

ويقول لهم: من امتلك أكثر من قوت يوم واحد، فقد كنز المال، ودخل تحت حكم هذه الآية.

فهو رضي الله عنه يرى أن على كل من يمتلك أكثر من قوت يوم واحد أن ينفقه في سبيل الله على سبيل الفرض، ولا بد من ذلك، ومن لم يفعل دخل في حكم الآية، وقال أبو ذر رضي الله عنه هذا الكلام لمعاوية بن أبي سفيان أيضا، فقال له معاوية رضي الله عنه: سبحان الله إن الناس لا تطيق ذلك، وهذا الأمر ليس بواجب.

وبلغ معاوية رضي الله عنه هذا الأمر إلى عثمان رضي الله عنه.

ولنا وقفة مع هذا الموقف من أبي ذر رضي الله عنه

أولا: أبو ذر رضي الله عنه من الزهاد شديدي الورع، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، ولكننا نرى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: ما أديت زكاته فليس بكنز.

والقاعدة الشرعية تقول: إنه لا حد للمسلم في الثروة، وللمسلم أن يمتلك ما استطاع أن يمتلكه، لكن بشروط أن يكون هذا المال من حلال، وأن ينفقه في الحلال، ولا ينفق بسفه، وأن يؤدي زكاة ماله.

وحال أبي ذر رضي الله عنه أشد ورعا، وأقرب إلى الجنة، ومن الخير أن يزهد الإنسان في الدنيا قدر ما يستطيع، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحض على هذه الدرجة من الزهد، فكان صلى الله عليه وسلم ينام على حصير حتى يظهر أثر ذلك على جسده الشريف صلى الله عليه وسلم، وكان يربط على بطنه الحجر والحجرين من الجوع، وكان لا يوقد في بيته نار ثلاثة أهلة؛ أي شهرين كاملين، وكان أبو بكر رضي الله عنه كذلك، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كذلك، وكثير من الصحابة رضي الله عنهم كانوا على هذا القدر من الزهد، والورع، ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له جبل أحد ذهبا لجعله كذلك، كما ورد في الصحيح، وكما كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا لِي وَالدُّنْيَا".

ويحاول أبو ذر رضي الله عنه أن يقتدي به في هذا الأمر، وأن يحمل الناس على ذلك، لكن الناس لا يطيقون ذلك ولا يستطيعون الوصول إلى هذه الدرجة، كما أن هذا الأمر ليس بفرض، والفرض كما أسلفنا أنه إذا أراد الإنسان أن يمتلك فليكن من حلال، ولينفق في الحلال، وليؤدي زكاة ماله، ولا يمكن أن ننكر أن المسلم إذا اجتهد في جمع المال من الحلال، وأنفقه في سبيل الله، فإن ذلك يعود على المسلمين بالنفع والخير العميم ما لا يستطيعه الفقير، ولا أحد ينكر فضل الثراء الذي كان عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه على الإسلام، وفضل أبي بكر رضي الله عنه، وفضل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقد كانت أموالهم نصرة للدعوة الإسلامية، فكون المسلم إذن يكتسب المال من الحلال، وينفقه في سبيل الله، فهذه فضيلة كبيرة يحث عليها الإسلام، شرط ألا يكون جمع المال رغبة في الدنيا، أو رغبة في الجمع، والكنـز، وزيادة الأموال من دون فائدة، وعلى المسلم إذا أراد أن يكون مثاليا أن يقسم وقته بين العبادة لله تعالى من صلاة، وتعليم للغير، وجهاد في سبيل الله، وبين التكسب للعيش، فوقت المسلم ينبغي أن يقسم هكذا بين حاجاته، وحاجات المسلمين، وعبادته لله رب العالمين، وليجعل نيته في العمل أن يعف نفسه، وأهله، ويكفيهم من الحلال، وأن ينفق على الإسلام والمسلمين، وليس الإنفاق هذا على المسلمين وعلى الدعوة الإسلامية، فضلا منه وتفضلا، بل إنه مما ينبغي عليه أن يفعله دون مَنّ ولا أذى، وأن هذا المال إنما هو مال الله استخلفك عليه ليرى ماذا تفعل فيه.

ويزعم الاشتراكيون أن أبا ذر هو زعيمهم في الإسلام لأنه قال بتوزيع الثروة، وحاشا لله أن يكون أبا ذر فردا من الاشتراكيين، فضلا عن أن يكون زعيما لهم، فنية أبي ذر رضي الله عنه، إنما كانت الزهد في الدنيا، وعدم الرغبة فيها، وأن يكون الناس جميعا مما ينفقون أموالهم في سبيل الله، ولم يكن يقصد رضي الله عنه أن يتم توزيع الثروات بين الناس مساواة، ومن يعمل كمن لا يعمل.

لما علم عثمان من معاوية بأمر أبي ذر رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم، أرسل إليه، فجاءه، وتناقش معه عثمان رضي الله عنه وأرضاه في هذا الأمر، وقال أبو ذر ابتداءً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا. وهو مكان في أطراف المدينة لم يكن البناء قد بلغه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم الخبير بالرجال يعلم جيدا أنه إذا انتشرت الحضارة في المدينة ووصل الناس إلى هذه الدرجة من المعيشة فلن يستطيع أبو ذر أن يعيش بين الناس نظرا لطبيعة الورع، والزهد التي يعيش عليها ويلزم نفسه بها، ولو عاش بين الناس بهذا الأسلوب لأرهق نفسه وأرهقهم، ومن ثَم ينصحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه النصيحة.

فقال عثمان لأبي ذر رضي الله عنه: فما الرأي؟ قال أبو ذر رضي الله عنه: أريد الربذة.

إذن فأبو ذر رضي الله عنه هو الذي يريد الخروج إلى الربذة.

قال عثمان رضي الله عنه: فافعل، أي أنه وافقه على ما يريد.

فخرج رضي الله عنه بإرادته، واختياره، وباقتراحه إلى الربذة، ولم يكن هذا نفيا أو طردا كما ادعى أصحاب الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه، وكما ادعى الشيعة بعد ذلك في كتبهم حتى هذا الوقت، ووقع في ذلك الكثير من جهال المسلمين الذين ينقلون دون علم أو وعي، ويؤكد على ذلك ما رواه عبد الله بن الصامت قال: قالت أم ذر: والله ما سير عثمان أبا ذر، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا بَلَغَ الْبُنْيَانَ سَلْعَا فَاخْرُجْ مِنْهَا"[2].

ثم إن عثمان رضي الله عنه لما أراد أبو ذر برغبته وإرادته الخروج إلى الربذة أعطاه إبلا، وصرف له مملوكين، وأجرى له رزقا، والأكثر من هذا أن أبا ذر رضي الله عنه كان يتعاهد المدينة، أي يأتي كل مدة لزيارة المدينة، ولو كان منفيا ما كان له أن يدخل المدينة، إضافة إلى هذا فالربذة هذه لم تكن مكانا معزولا في الصحراء، فيقول الحموي عنها أنها كانت أحسن منزل في الطريق بين المدينة، ومكة، وكان تبعد عن المدينة ثلاثة أميال فقط، وكان فيها عمران، وبنى فيها مسجدا، وبناء المسجد يدل على أنه رضي الله عنه لم يكن يعيش بمفرده في هذا المكان.

فالأمر إذن لم يكن عزلا، أو نفيا، أو طردا كما يزعمون، ولكنه كان باختيار أبي ذر رضي الله عنه ورغبته في الخروج.

التهمة السادسة: يزعمون أن عثمان رضي الله عنه أخرج أبا الدرداء من الشام نفيا، وعزلا، وقهرا، وكان قاضيا بها، قالوا ذلك في زمن الفتنة، ولم ينتشر هذا الأمر في كتب الشيعة بعد ذلك، لأن أبا الدرداء ممن لم يرض عنه الشيعة، والحق أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان قاضيا على الشام، وكان شديدا في الحق، إلى درجة أن البعض يشبه شدته في الحق بشدة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه لا يتسامح مع أحد أبدا في حق الله تعالى، وكان يخاطب أهل الشام بشيء من الشدة، فكره الناس ذلك، وكان معاوية رضي الله عنه هو الوالي بينما كان أبو الدراء قاضيا، وكان معاوية رضي الله عنه شديد اللين، والحلم فلم ينه أبا الدراء عن هذا الأمر، وكما نعرف أن أبا الدرداء رضي الله عنه من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرت الشكاوى إلى عثمان رضي الله عنه، واجتهد عثمان رضي الله عنه في عزل أبي الدرداء عن قضاء الشام، بعد أن تحدث معه في هذا الأمر، وترك أبو الدرداء رضي الله عنه الشام بإرادته، واختار المدينة المنورة؛ ليعيش فيها بجوار عثمان رضي الله عنه.

فهذه القضية مردود عليها بسهولة في كتب التاريخ، وكان ما يرمون إليه من إثارة هذا الأمر أنهم يريدون أن يثيروا الناس جميعا على عثمان رضي الله عنه، ومنهج رءوس الفتنة في ذلك أنهم يطعنون في ولاة عثمان رضي الله عنه، وينتقصونهم، ويلصقون بهم العيوب، وإذا كان بعضا من هؤلاء الولاة من رموز الصحابة، اجتهدوا أن يظهروا الخلاف، والشحناء بينه، وبين عثمان رضي الله عنه كعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وأبو الدرداء وأبو ذر الغفاري، وهكذا.

وولاة الأمر الآخرون إما أنهم أقرباؤه، وإما أنهم فساق أو ظلمة على زعمهم الكاذب، فالغرض هو الطعن في عثمان رضي الله عنه من كل الوجوه، حتى إذا أخذوا مجموعة من الناس، وذهبوا يريدون عزله؛ كانت الأمة متقبلة إلى حد ما هذا الأمر العظيم الجلل الذي لم يحدث من قبل.

عثمان والحكم بن العاص

التهمة السابعة: أنه -أي عثمان رضي الله عنه- رد الحكم بن أبي العاص بعد أن نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تقول الرواية الموجودة في كتب الشيعة أن الرسول صلى الله عليه وسلم طرد الحكم بن العاص، وابنه مروان من المدينة، فلم يزل طريدا في زمن أبي بكر، وعمر، فلما ولي عثمان آواه، ورده إلى المدينة.

أولا: هذه الرواية لم ترد في أي كتاب من كتب الصحاح، والرواية التي جاءت في كتب السنة، إنما جاءت في حديث مرسل، والحديث المرسل هو الذي رفعه التابعي إلى الرسول مباشرة من غير ذكر للصحابي، وفي بعض الأقوال أن الحديث المرسل ضعيف لا يحتج به، وقد حكى في (التقريب) هذا القول عن جماهير من المحدثين، وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول.

ثانيا: الرواة في هذه الرواية الكثير منهم مشكوك فيه، ومنهم من يطعن فيه بالكذب.

وتعالوا بنا نتدبر أمر هذه القضية المثارة بشيء من الحكمة

أولا: الحكم بن العاص من مسلمي الفتح، فقد أسلم رضي الله عنه سنة 8 هـ، ومسلمي الفتح يسمون في التاريخ الطلقاء وكانوا ألفين، فقد كان رضي الله عنه إذن يعيش في مكة لا في المدينة، فكيف يطرده النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، بينما هو يعيش في مكة؟ ربما قال البعض: إنه قد يكون هاجر من مكة إلى المدينة بعد الفتح. ونقول لهم: روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتَنْفَرْتُمْ فَانْفِرُوا.

فهذا نهي على الإطلاق عن الهجرة إلى المدينة بعد الفتح، ولما هاجر صفوان بن أمية، وهو من مسلمي الفتح إلى المدينة واستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أخبره أنه جاء مهاجرا رده إلى مكة وقال له: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ".

وجاء العباس رضي الله عنه برجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأقسم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبايعه على الهجرة وذلك بعد الفتح، فأمسك الرسول صلى الله عليه وسلم بيد هذا الرجل الذي أتى به العباس رضي الله عنه وقال: "إِنِّي أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي، وَلَكِنْ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ".

والحديث في مسند الإمام أحمد، إذن فالحكم بن العاص كان من سكان مكة أصلا، ولم يكن من سكان المدينة حتى يطرده النبي صلى الله عليه وسلم منها.

وقال بعض العلماء: إن الحكم ذهب إلى في الطائف باختياره، وليس نفيا، وهذا الأقرب إلى الصواب؛ لأنه عاش فترة في الطائف في أواخر عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي الرواية نفسها يقولون: إنه نفى الحكم بن أبي العاص، وابنه مروان من المدينة إلى الطائف، وإذا قدرنا عمر مروان بن الحكم في سنة 8 هـ عام الفتح، وجدنا أن عمره سبع سنوات، فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم نفاه في آخر يوم من حياته فلن يتجاوز عمره عشر سنوات على الأكثر، ومن المستحيل أن ينفي الرسول صلى الله عليه وسلم غير مكلف، ولو سلمنا جدلا أن هذه الرواية التي جاءت في كتب الشيعة صحيحة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى الحكم بن العاص إلى الطائف؛ فليس هناك ذنب في الشريعة الإسلامية يستوجب النفي الدائم، فالنفي يكون إما فترة يتمها المنفي ويعود، وإما يترك حتى يتوب من ذنبه، فإذا تاب ورأى الحاكم صدق توبته عاد، فلو كان الحكم منفيا، وأعاده عثمان رضي الله عنه، فليس في ذلك ضرر، فإن قيل: لِمَ لَمْ يرده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما مع أن عثمان رضي الله عنه كما في رواية خاطبهما في هذا الأمر؟

ولو سلمنا جدلا أنه كان منفيا في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولم يرداه فربما لأن توبته لم تظهر بعد، أو قد تكون مدة النفي غير كافية في عهدهما، لكنها كفت في عهد عثمان رضي الله عنه، أو أن الحكم بن العاص لم يطلب أن يعود إلى المدينة من أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما، لكنه طلب ذلك من عثمان رضي الله عنه.

فإن قيل: إن نفي الحكم بن أبي العاص كان نفيا دائما استحال على الظن أن يعيده عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذلك لأن عثمان رضي الله عنه أشد ورعا من أن يقطع أمرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والأكثر من هذا أن يسكت جميع الصحابة على هذا الأمر، أو لا أحد منهم يتحدث، ويعارض عثمان رضي الله عنه، ويقول له: إنك قد قطعت أمرا قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدوامه واستمراره، ومن بين الصحابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي كان موجودا، ووافق على عودة الحكم بن أبي العاص، إذا فرضنا أنه كان منفيا، وأعاده عثمان رضي الله عنه.

فإذا قيل: لِمَ يشفع عثمان رضي الله عنه في رجل قد ارتكب ذنبا؟

نقول: لأن هذا نوع من صلته لرحمه، وهذا عمه، وقد ورد في البخاري عن عروة عن أسماء قال: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش، ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع ابنها فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أمي قدمت، وهي راغبة، أفأصلها؟

قال: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ.

وقد أوصت السيدة صفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين رضي الله عنها، وأرضاها قبل موتها لبعض قرابتها من اليهود، واحتج بعض الفقهاء بهذا الأمر أنه يجوز للمسلم أن يوصي لأقربائه من أهل الذمة، فإذا كان يجوز للمسلم أن يصل رحمه الكافر، أفلا يجوز له أن يصل رحمه المسلم؟

وإذا سلمنا جدلا أن عثمان رضي الله عنه قد أخطأ في هذا الأمر، وأنه اجتهد في إعادة الحكم بن العاص إلى المدينة، وكان الأفضل ألا يعيده، فمن يستطيع أن يطعن في عثمان بن عفان رضي الله عنه لأجل هذا الأمر؟

لننظر إلى أمر حاطب بن أبي بلتعة، ماذا فعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

لقد أفشى سر استعداد دخول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة لفتحها، وكان يخشى على أهله، وماله بمكة، فأراد أن تكون له يد عند أهل مكة، فأعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالوحي بهذا الأمر، في البخاري عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا مرثد الغنوي، والزبير بن العوام، وكلنا فارس، قال: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ" فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: الكتاب؟

فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا، فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك، فلما رأت الجد، أهوت إلى حجزتها، وهي محتجزة بكساء، فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟"، قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي، ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله، وماله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا"، فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: "أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟"، فقال: "لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ".أو: "فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.

فما فعله حاطب بن أبي بلتعة أعظم بكثير مما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه في شأن الحكم بن أبي العاص لو كان قد أخطأ في إعادته لو افترضنا في الأصل أنه كان منفيا.

ودرجة عثمان بن عفان رضي الله عنه أعلى بكثير من درجة حاطب بن أبي بلتعة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إيمان عثمان رضي الله عنه يعدل إيمان الأمة كلها إذا أخرجنا من إيمان الأمة إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم وإيمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

ويقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كنا لا نعدل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر، وعمر، وعثمان أحدا، وبعدهم لا نفاضل بين الصحابة.

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبى أن تقطع رقبة حاطب بن أبي بلتعة في هذا الأمر الخطير الذي يسمى في عصرنا بالخيانة العظمى، بل لم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوصف حاطب بالخيانة، أو النفاق، أفلا نقبل اجتهاد عثمان رضي الله عنه لو كان قد أخطأ وهو من هو رضي الله عنه وأرضاه في هذه القضية التي هي أبسط بكثير من قضية حاطب رضي الله عنه !

فهذا الأمر لمستوثقي الإيمان وسليمي العقيدة واضح جلي، وكما ذكرنا أنه ينبغي أن يكون أمر الصحابة عندنا منـزه تماما، وأنه ما كان لأحد من عموم الصحابة أن يكون في نيته أي سوء للمسلمين فضلا عن أن يكون عثمان بن عفان رضي الله عنه.

بل إن الشيعة يصفون عثمان رضي الله عنه ليس بالخيانة، أو النفاق، بل بالكفر صراحة دون أي نوع من المواربة، ومثله أبو بكر وعمر أيضا، فأني يؤفكون.

قضية قصر الصلاة

التهمة الثامنة: يقولون إن عثمان رضي الله عنه أبطل سنة القصر في السفر.

وأصل هذا الأمر أن عثمان رضي الله عنه في موسم الحج سنة 29 هـ أتمّ الصلاة في منى، وكان من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقصر الصلاة في منى، وفي كل سفر، ولم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتمّ الصلاة في أي سفر من أسفاره، فكان هذا الأمر مخالفًا للمعتاد، فناظره في ذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، واعترض عليه بعض الصحابة كعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعًا، فقال عثمان رضي الله عنه مفسّرًا سبب إتمامه للصلاة: تأهّلت بمكة. أي تزوجت بها، فأصبح إذن من أهل مكة، فقال عبد الرحمن بن عوف: ولك أهل بالمدينة، وأنت تقوم حيث أهلك بالمدينة.

فقال عثمان بن عفان: وإن لي مالًا في الطائف، فقال: إن بينك وبين الطائف ثلاث، أي ثلاثة أيام سفر فلا تُعتبر بلدك، فقال عثمان: وإن طائفة من أهل اليمن قالوا: إن الصلاة بالحضر ركعتان.

أي أن بعض الأعراب من أهل البادية البعيدين عن العلم والفقه ظنوا أن القصر هذا في السفر، وفي الحضر، فبدءوا يقصرون في الحضر أيضًا.

يقول عثمان رضي الله عنه: فربما رأوني أقصر في الصلاة فيحتجون بي، فقال عبد الرحمن بن عوف: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي والإسلام في الناس يومئذ قليل، وكان يصلّي ها هنا ركعتين، وكان أبو بكر يصلي ها هنا ركعتين، وكذلك عمر بن الخطاب، وصليت أنت ركعتين صدرًا من إمارتك، فسكت عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم قال: إنما هو رأي رأيته.

ثم خرج عبد الرحمن بن عوف من عند عثمان بن عفان، فالتقى مع عبد الله بن مسعود، فخاطبه في ذلك، وأخبره بما دار بينه، وبين عثمان رضي الله عنه، فقال عبد الله بن مسعود: لقد صليت بأصحابي اثنتين، ثم علمت أنه صلّى بأصحابه أربعًا، فصليت أربعًا فالخلاف شرٌّ.

فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلى أربعًا، فصليت بأصحابي ركعتين، أما الآن فسوف يكون الذي تقول.

أي أن عبد الرحمن سيصلّي أربعًا حتى لا يكون هناك خلاف بينهم، وفي الحقيقة هذا الأمر فيه فقه عظيم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فمع اقتناع عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما برأيهما في قصر الصلاة، إلا أنهم قالوا: الخلاف شر.

وهذا على عكس ما يردده بعض الناس: اختلاف أمتي رحمة.

ويزعمون أنه حديث، وهو قول لا أصل له، بل هو قول فاسد، فإن الخلاف شر، وليس برحمة، ويقول الفقهاء في مسألة القصر هذه، قال الشافعية والحنابلة: إن القصر والإتمام جائز، وإن كان القصر أفضل.

وقال المالكية: إن القصر سنة مؤكدة. وقالوا أيضًا: إن القصر في السفر آكد من سنة صلاة الجماعة.

ويترتب على هذا أنه لو كنت مسافرًا، ووجدت جماعة يصلون فالأفضل أن تصلي منفردًا قصرًا، ولا تصلّي جماعة مع المقيم، إلا إذا وجدت مسافرًا معك يصلي فاقتدِ به، ويصلي كل منكما ركعتين.

أما الحنفية فقالوا بوجوب القصر في السفر، وإذا أتممت أربعًا قُبلت الصلاة، ولكنك مخالف للسنة عمدًا، فتُحرم من الشفاعة، بل إنهم قالوا: إذا لم تجلس للتشهد الأوسط بطلت الصلاة.

القضية إذن قضية اجتهاد، فقد اجتهد عثمان رضي الله عنه في هذه الأمر، وإن كان الأولى هو القصر في السفر، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يتم صلاة قط في سفر، إلا أن الأمر كان موضع اجتهاد، ووافقه الصحابة لتجنب الخلاف، ولو كان حرامًا لما وافقه الصحابة رضي الله عنهم جميعًا.

فإن كان عثمان رضي الله عنه قد أخطأ في اجتهاده هذا فله أجر واحد، وإن كان أصاب فله أجران، وقد كان لعثمان رضي الله عنه تأويلات يستند إليها في رأيه كزواجه، وماله بالطائف، وافتتان الناس بالقصر، وهذا الأمر لا يُحل دمه رضي الله عنه بأي حال من الأحوال.

تولية عثمان بن عفان لأقاربه

التهمة التاسعة: أنه ولّى معاوية بن أبي سفيان وكان قريبًا له.

الحديث عن معاوية رضي الله عنه وأرضاه سنفصل فيه عندما نتحدث عن القتال الذي دار في معركة صفين، وعند الحديث عن خلافة معاوية رضي الله عنه سوف نتحدث عنه بصورة أكبر، ولكننا الآن نلقي الضوء سريعًا على حياة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه

فنقول: كان رضي الله عنه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب له الوحي، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأتمنه على وحي السماء، وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، جعله أبو بكر رضي الله عنه خليفة لأخيه يزيد بن أبي سفيان على الجيش الخارج لحرب الروم في الشام، وفي عهد عمر رضي الله عنه ولّاه عمر رضي الله عنه على حمص، بعد عزل عمر بن سعد، وكان من زهّاد الأنصار وقدامى الصحابة رضي الله عنهم جميعًا وتحدث الناس قائلين: يعزل سعدًا ويولّي معاوية.

وقد أسلم معاوية رضي الله عنه سنة 8هـ أو سنة 6 هـ كما سيأتي في موضعه، فقال عمير بن سعد رضي الله عنه: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهُمَّ اهْدِ بِهِ"[3].

ثم بعد هذا ولّاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام بالكامل، وذلك بعد حدوث الطاعون، ووفاة الأمراء الواحد تلو الآخر، وكما نعرف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان شديد الدقة في اختيار الأمراء، وكان لا يتردد في عزل أحد، حتى وإن كانوا من قدامى الصحابة، كما عزل سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه وأرضاه، وقد أقرّ عمر رضي الله عنه معاوية رضي الله عنه على ولايته حتى استشهد سنة 23 هـ، وبعد وفاة عثمان رضي الله عنه قال سعد بن أبي وقاص: ما رأيت أحدًا بعد عثمان أقضى بحقٍ من صاحب هذا الباب، وأشار إلى باب معاوية، في خلافة معاوية.

وقال حبر الأمة عبد الله بن عباس: ما رأيت رجلًا أخلق بالملك من معاوية.

كان معاوية رضي الله عنه وأرضاه عادلًا حكيمًا حليمًا، يحسن الدفاع عن ملكه، وينشر الإسلام في خارج ممالك المسلمين، ويستعين بالله على ذلك، وكان من المجاهدين الأبرار، ودخل على يده الكثير، والكثير، ليس من الأفراد، بل من الأمم فى الإسلام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:15

وكان سيرة معاوية مع رعيته خير سيرة، وكانت الرعية تحبه حبًا شديدًا، وروى مسلم وغيره عن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ".

فإذا كان الشعب يحب القائد، وهو يحبهم، فهذا من خيار الأئمة، وإذا كان يبغض الشعب، والشعب يبغضه، فهو من شرار الأئمة، وهذا مقياس ثابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يتسع المقام هنا للحديث عن معاوية رضي الله عنه وسنفصّل ذلك في موضعه، وما يهمنا هنا هو أن نقول أن عثمان رضي الله عنه لم يستحدث تولية معاوية بن أبي سفيان، بل فعلها من قبله من هو خير منه.

التهمة العاشرة: أنه ولّى عبد الله بن عامر بن قريظ على البصرة، وهو من أقاربه

عبد الله بن عامر هذا من بني أمية من جهة الأب، ومن بني هاشم من جهة الأم، فأم جدته الكبرى عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما ولد عبد الله بن عامر بن قريظ أُتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لأهله: "هَذَا أَشْبَهُ بِنَا مِنْهُ بِكُمْ"، ثم تفل في فيه فازدرده، فقال صلى الله عليه وسلم: "أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَسْقِيًّا".

فكان رضي الله عنه لا يعالج أرضًا إلا ظهر منها الماء، ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في الإصابة.

ويُعدّ عبد الله بن عامر من أشهر الفاتحين في الإسلام، فقد فتح خراسان كلها، وأطراف فارس، وساجستان، وأعاد فتح كرمان بعد نقضها للعهد، وكان هذا الجهاد سببًا في تقويض آمال المجوس في استعادة ملكهم، ومن ثَمّ يكنّون له هذا الحقد العظيم في نفوسهم، وعندما انطلق الشيعة من تلك الأراضي أخذوا يطعنون في من قوضوا ملك فارس من أمثال المجاهد عبد الله بن عامر بن قريظ الذي فعل هذا، ولم يكن يبلغ من العمر سوى خمسة وعشرين سنة.

قال ابن كثير في البداية والنهاية: هو أول من اتخذ الحياض بعرفة لحجاج بيت الله الحرام، وأجرى إليها الماء المعين.

وقال ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة: إن له من الحسنات، والمحبة في قلوب الناس ما لا يُنكر.

التهمة الحادية عشرة: أنه ولّى مروان بن الحكم وكان قريبًا له

والواقع أن مروان بن الحكم لم يُولّ، وإنما كان عثمان رضي الله عنه يستشيره في كثير من الأمور، وكان يقربه إليه، ولم يولّه إمارةً من الإمارات، يقول القاضي ابن العربي في العواصم من القواصم: مروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين.

ومن الصحابة من روى عن مروان بن الحكم رضي الله عنه الحديث كسهل بن سعد الأنصاري رضي الله عنه وهذا في البخاري، وروى عنه أيضًا زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعًا، وإذا كان زين العابدين قد وثق في حديث مروان بن الحكم، فإن هذا من أقوى الأدلة على الشيعة، لأن زين العابدين في زعمهم الإمام الرابع من الأئمة، وهو معصوم عندهم، وروى عن مروان بن الحكم أيضًا سعيد بن المسيب إمام التابعين، كما روى عنه عروة بن الزبير، وعراك بن مالك، وهؤلاء من كبار أئمة التابعين، وكثير غيرهم روى عنه، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب (الشيعة والتشيع) لإحسان إلهي ظهير، ولما وقع مروان بن الحكم رضي الله عنه أسيرًا في موقعة الجمل لم يؤذه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا أحد من أتباعه، وذلك لمكانته بين المسلمين، وشفع له الحسن والحسين عند أبيهما رضي الله عنهم جميعًا ليطلق سراحه، وهذا ما حدث، وفي رأي الشيعة أن الحسن والحسين معصومان من الخطأ، فضلًا عن أبيهما، والحق ما شهدت به الأعداء.

يبقى في هذا الأمر ثلاثة أسئلة هامة وهي:

1- هل في تولية بني أمية أي خطأ من ناحية الشرع؟

2- هل كان معظم ولاة عثمان بن عفان رضي الله عنه من أقاربه بالفعل؟

3- هل تولية الأقارب بصفة عامة محرّمة شرعًا أم لا؟

أولًا: كان بنو أمية من أكبر القبائل العربية الموجودة في ذلك الوقت، وكان فيهم الكثير والكثير من أهل الحكم والولاية، وكان فيهم شرف وسؤدد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوليهم بنفسه في كثير من الأمور، فنجد أنه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن فُتحت مكة ولّى عليها عتاب بن أسيد من بني أمية، بينما كان عمره لا يتجاوز العشرين سنة، فولّاه الرسول صلى الله عليه وسلم على أفضل بقاع الأرض على مكة، وولّى صلى الله عليه وسلم على نجران أبا سفيان بن حرب، وولّى على صنعاء، واليمن، وصدقات بني مذحج خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وولّى على تيماء، وخيبر، وقُرى عرينة عثمان بن سعيد بن العاص الأموى، وولّى على البحرين إبان بن سعيد بن العاص، بعد العلاء بن الحضرمي، وقد كان العلاء أيضًا حليفًا لبني أمية، واستعملهم بعد ذلك أيضًا الصديق أبو بكر، والفاروق عمر رضي الله عنهما، وزاد عمر رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان، ونعرف أن الصديق رضي الله عنه ائتمن يزيد بن أبي سفيان على ربع الجيش الخارج للشام.

بنو أمية إذن لا يستطيع أحد أن ينكر فضلهم في التاريخ، فهم الذين ثبتوا دعائم الدولة الإسلامية، ونشروا الإسلام في بقاع كثيرة، وسيأتي بيان ذلك في موضعه.

أما السؤال الثاني: هل كان معظم ولاة عثمان بن عفان رضي الله عنه من أقاربه بالفعل؟

المناصب العليا في عهد عثمان رضي الله عنه، وتحديدًا في الوقت الذي جاء فيه رءوس الفتنة يطلبون عزله رضي الله عنه كانت هذه المناصب على هذا النحو، كان على القضاء زيد بن ثابت الأنصاري، وكان على بيت المال عقبة بن عامر الجهني، وكان على إمارة الحج عبد الله بن عباس الهاشمي، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وسماك الأنصاري، وعلى إمارة الحرب القعقاع بن عمرو التميمي، وعلى الشرطة عبد الله بن قنفذ من بني تيّم.

فهذه المناصب الستة العليا في الإمارة لم يكن فيها أحد من بني أمية.

أما ولاة عثمان بن عفان رضي الله عنه على البلاد المختلفة، فكانوا على هذا النحو:

كان على اليمن: يعلى بن أمية التميمي.

وكان على مكة: عبد الله بن عمرو الحضرمي.

وعلى همذان: جرير بن عبد الله البجلي.

وعلى الطائف: القاسم بن ربيعة الثقفي.

وعلى الكوفة: أبو موسى الأشعري.

وعلى البصرة: عبد الله بن عامر بن قريظ.

وعلى مصر: عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

وعلى الشام: معاوية بن أبي سفيان.

وعلى حمص: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي.

وعلى قنسرين: حبيب بن مسلمة القرشي الهاشمي.

وعلى الأردن: أبو الأعور السلمي.

وعلى فلسطين: علقمة بن حكم الكنعاني.

وعلى البحر الأبيض المتوسط: عبد الله بن قيس الفزاري.

وعلى أذربيجان: الأشعث بن قيس الكندي.

وعلى حلوان- في أرض فارس-: عتيبة بن النهاس العجلي.

وعلى أصفهان في عمق فارس: السائب بن الأقرع الثقفي.

ولا نلمح في كل هذه الولايات إلا اثنين فقط من أقارب عثمان رضي الله عنه هما: عبد الله بن السائب بن قريظ، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.

وكما ذكرنا أن (مروان بن الحكم) لم يُولّى، والوليد بن عقبة، وهو من أقارب عثمان رضي الله عنه، ولكن من جهة الأم، وليس من بني أمية، وكان معزولًا في زمن هذه الفتنة، وسنفصّل في أمره في موضعه.

فمع عظمة بني أمية، وسُؤْددهم، وشرفهم، وكونهم أهلًا للولاية، والإمارة، إلا أننا لا نرى منهم في الإمارة إلا اثنين فقط، مما يدحض هذا الافتراء الذي يزعمه الشيعة.

أما السؤال الثالث: هل تولية الأقارب بصفة عامة محرّمة شرعًا أم لا؟

والجواب أنه ليس هناك أي دليل شرعي على منع، أو تحريم تولية الأقارب ما داموا يستحقون الإمارة، والشيعة الذين يهاجمون عثمان رضي الله عنه في هذا الأمر نقول لهم: إذا نظرنا إلى حال الولاة في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه نرى أنه كان على اليمن ثم البصرة عبد الله بن عباس وهو ابن اخيه، وكان على مكة قثم بن العباس بن عبد المطلب، وهو ابن أخيه، وعلى مصر محمد بن أبي بكر ربيبه- ابن زوجته التي كانت زوجة لأبي بكر رضي الله عنه فلما توفي عنها تزوجها علي رضي الله عنه- وعلى خراسان جعد بن الهبيرة، وهو صهر وابن أخت علي بن أبي طالب، وعلى المدينة المنورة ثمامة بن العباس في وقت، وسهل بن حنيف في وقت آخر، وكان على العسكر ابنه محمد بن الحنفية، وسمي بذلك لأنه أمه كانت من سبي بني حنيفة في موقعة اليمامة، وكان على غمارة الحج سنة36 هـ عبد الله بن العباس، و37 هـ قثم بن العباس، و38 هـ عبيد الله بن العباس.

وهذا كله ليس طعنًا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأن هؤلاء جميعًا مستحقون للإمارة، ولهم من المكانة، والفضل، والأهلية ما يؤهلهم للإمارة، ولكن الشيعة يحاولون الطعن في أمر فعله علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافته لما رأى أن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك، بل إن الشيعة يزعمون أن عليًا رضي الله عنه أوصى بالخلافة للحسن، ثم الحسين، ثم ابن الحسين، وهكذا، وهذه الوصاية المزعومة المكذوبة أشد من تولية الأقارب.

فالولاية إذن أمر يجتهد فيه أمير المؤمنين حسب ما يرى، وحسب من يصلح أن يكون أهلًا للإمارة، سواء أكان قريبًا له، أو غير قريب، بل إن له أن يعزل الفاضل، ويولّي المفضول إن رأى في ذلك مصلحة للمسلمين، أو دفع فتنة عنهم، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما عزل سعد بن أبي وقّاص، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وخال الرسول صلى الله عليه وسلم، والوحيد الذي افتداه الرسول صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمه، وولّى بعده من هو أقل منه درجة عبد الله بن عبد الله بن عتبان، ثم زياد بن حنظلة، ثم عمار بن ياسر، ولم ينكر عليه أحد ذلك.

ثم إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولّى زياد بن أبي سفيان، والأشتر النخعي، ومحمد بن أبي بكر، وبلا شك أن معاوية بن سفيان أفضل من هؤلاء، ومع ذلك ولّاهم وله في ذلك اجتهاده وتأويله.

التهمة الثانية عشرة: أنه ولّى الوليد بن عقبة على الكوفة، وهو فاسق

وبداية يَرُدّ القاضي ابن العربي في العواصم من القواصم قائلًا أن من فسّق الوليد بن عقبة فهو فاسق، ففي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه استأمنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر على الرسائل التي كانت بينه، وبين خالد بن الوليد في موقعة المزار، فكان هذا سرًا خطيرًا في الحرب بين الفرس، وبين المسلمين، وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه أيضًا أرسله مددًا على رأس قوة إلى عياض بن غنم في دومة الجندل، وفي سنة 13 هـ تولّى لأبي بكر الصديق صدقات قضاعة، فكان هو الذي يجمع الصدقات لأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وكان أبو بكر رضي الله عنه شديد الدقة في اختيار الأمراء.

وعينه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه على إمارة قبائل بني تغلب، وتنوخ، وربيعة، وعرب الجزيرة، ليحمي ظهور المسلمين، وقام بهذه المهمة خير قيام، وقد بدأ رضي الله عنه ينشر الدعوة في القبائل النصرانية الموجودة بتلك المنطقة حتى اشتكت هذه القبائل إلى عمر رضي الله عنه أن هذا الرجل يخرج شباب، وأطفال قبائلهم من النصرانية إلى الإسلام، فكانت هذه هي تهمته، فكان رضي الله عنه نعم المجاهد الشاب، ونعم الداعية في سبيل الله تعالى.

وفي عهد عثمان رضي الله عنه تولّى أمر الكوفة، وظل في إمارته خمس سنوات كاملة، يحبه أهل الكوفة ويحبهم، وكان الزائرون لا ينقطعون عن بيته يطعمهم، ويسقيهم، وكان الناس في رخاء شديد في عهد الوليد بن عقبة، فقد كان صاحب فتوحات عظيمة في أراضي الفرس، وكان رضي الله عنه لا تأخذه في الله لومة لائم.

إذن فلِمَ الطعن فيه ووصفه بأنه فاسق من قِبل الشيعة؟!

احتجوا أولًا بالآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6].

وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا، وخرجوا يتلقون رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع الوليد ظنا منه أنهم يريدون قتله، فقال يا رسول الله: إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة.

فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضبا شديدا، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذا أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله، إنا بلغنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله. فأنزل الله تعالى الآية.

وليس هناك حديث صحيح، أو متصل يقول إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، وهو رضي الله عنه عندما أسلم عام الفتح كان في جملة الصبيان 8 هـ، فكيف يرسله الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الشأن العظيم، فمن الواضح أنه كان صغيرا، وهذا يدلنا أيضا أنه كان في ولايته في عهد أبي بكر وعمر دون العشرين، وكانا شديدا الثقة به، ومن المحال أن يرضيا عنه إذا وصفه القرآن بالفسق.

وادعوا عليه أيضا أنه كان يشرب الخمر، وقد اتهم بهذا؛ لأنه كان لا يخشى في الله لومة لائم، ولأنه أقام الحدود على من ارتكب ما يوجب حدا من أهل الكوفة، كما أنه أقام حد القتل على ثلاثة قتلوا رجلا، وشهد عليهم أحد الصحابة وابنه، فأحرق ذلك قلوب آباء هؤلاء الثلاثة، وكانوا جميعا من الأشرار المشهورين وكان أحدهم قد غضب عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وطرده من المدينة، فذهب إلى الكوفة، وكان سبب طرده أنه تزوج من امرأة قبل انتهاء عدتها من زوجها الأول، فهؤلاء الموتورون المصابون في أبنائهم ذهبوا إلى عثمان رضي الله عنه، وادعوا على الوليد بن عقبة ظلما، وزورا أنهم شاهدوه يشرب الخمر، وأرسل عثمان رضي الله عنه إلى الوليد بن عقبة فلما أتى قال له عثمان: إنهم يشهدون عليك أنك قد شربت الخمر، ورأوك سكران تتقيأ.

فحلف الوليد أنه لم يفعل، فقال عثمان رضي الله عنه: نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار.

مع أنه قريبا له من ناحية الأم وقيل: أخوه لأمه، وأقام عليه الحد، وقيل: الذي جلده هو علي بن أبي طالب، وبعدها عزله عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وعلى فرض أن هذا الذنب قد حدث منه، فالذنوب لا تسقط العدالة ما دام الإنسان قد تاب منها، وقد أقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد على قدامة بن مظعون رضي الله عنه، وهو من قدامى الصحابة، وممن هاجر الهجرتين، وشهد بدرا، فلما شرب الخمر أقام عليه الفاروق الحد، ولم ينقص ذلك من قدره؛ لأنه تاب من ذنبه.

فهذه هي قضية الوليد بن عقبة رضي الله عنه المجاهد الذي كان له الفضل الكبير في الكثير من الفتوحات الإسلامية.

التهم الأخرى الموجهة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه

التهمة الثالثة عشرة: أنه أعطى مروان بن الحكم خمس غنائم إفريقية.

وهذا الأمر بداية لم يصح له أي سند، ولا توجد رواية واحدة صحيحة تؤكد هذا الخبر، وإذا طالعنا الروايات التي تذكر هذا الأمر نجدها ترجع إلى أحد هؤلاء: إما الواقدي وإما محمد بن هشام الكلبي وإما أبو مخنف لوط بن يحيى، وجميعهم كما نعرف من الشيعة الوضاعين الذين يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الصحابة، ويفترون عليهم.

والصحيح أن عثمان رضي الله عنه أعطى خمس الخمس لعبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله عنه، وكان قد قال له أنه إن أبلى بلاء حسنا في فتح إفريقية فسوف يعطيه خمس الخمس تشجيعا له على هذا الأمر، وقام عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالفعل بفتحها بالفعل، وأعطاه عثمان رضي الله عنه خمس الخمس كما وعده، فجاء مجموعة من إمرة الجند الذين هم تحت عبد الله بن سعد أبي سرح إلى عثمان، وقالوا له: إن عبد الله بن سعد قد أخذ خمس الخمس.

فقال عثمان: إني أنا الذي أمرت له بذلك، قالوا: فإنا نسخط ذلك، قال: فإني أسأله فإن رضي رددته.

فاستأذن عثمان بن عفان رضي الله عنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح في رد المال فرده، مع أن هذا الأمر جائز شرعا، وفعله من هو خير من عثمان رضي الله عنه، فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وفعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأقطعوا القطائع والأعطيات لبعض الناس، إما ترغيبا لهم، وتأليفا لقلوبهم، وإما جزاء لهم على حسن البلاء، وقد ذكر الكثير من هذه الأمثلة أبو يوسف في كتابه (الخراج).

التهمة الرابعة عشرة: كان عمر يضرب بالدرة- عصا صغيرة- أما عثمان، فيضرب بعصا كبيرة.

هذا الأمر ليس له أصل، ولا سند، ولا يصح فيه حديث واحد.

التهمة الخامسة عشرة: علا على درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل عنها أبو بكر وعمر.

يقول القاضي ابن العربي في العواصم من القواصم: لا يصح لهذه الرواية إسناد، ولو صح إسنادها فلم ينكر عليه أحد من الصحابة هذا الأمر، ولو كانوا أنكروه، فلا يحل ذلك دمه بحال من الأحوال.

وقال محب الدين الخطيب في تعليقه على العواصم من القواصم: لو صح هذا الأمر، فله التأويل الواضح، وذلك لأن المسجد النبوي في عهد عثمان رضي الله عنه اتسع اتساعا كبيرا، ومن حر مال عثمان رضي الله عنه، وأصبحت مساحته مائة ذراع في مائة وعشرين ذراعا، فلو وقف على الدرجة الأخيرة من المنبر لما رآه الناس، فاعتلى حتى يراه الناس، هذا إن صحت الرواية القائلة بأنه علا على الدرجة التي كان يقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التهمة السادسة عشرة: لم يحضر بدرا.

التهمة السابعة عشرة: انهزم وفر يوم أحد.

التهمة الثامنة عشرة: غاب عن بيعة الرضوان.

وقد ذكرنا الرد على هذا النقاط قبل ذلك عندما ذكرنا سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، ويكفينا ما قاله عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، والرواية في البخاري عن عثمان هو ابن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟

فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟

قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟، قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟، قال: نعم، قال: الله أكبر.

قال ابن عمر: تعال أُبَيّن لك، أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له.

وأما تغيبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ".

وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: "هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ".

فضرب بها على يده فقال: "هَذِهِ لِعُثْمَانَ".

فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك.

التهمة التاسعة عشرة: لم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان، وكان عبيد الله بن عمر، قد تيقن من أن الهرمزان قد شارك في الإعداد لقتل أبيه عمر بن الخطاب، فقتله.

هذه قضية شائكة للغاية، فقد قُتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 23 هـ على يد أبي لؤلؤة المجوسي، وقَتَل أيضا سبعة من الصحابة، وأصاب كثير غيرهم، وقتل نفسه بعدها مباشرة، ولم يمت عمر رضي الله عنه في اليوم الذي طعن فيه 27 من ذي الحجة، بل مات بعدها في آخر ليلة من شهر ذي الحجة 23 هـ، في هذا الوقت يأتي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، ويقول أنه رأى الهرمزان، وهو قائد فارسي قديم، خالف عهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خالف عهده مع عمر بن الخطاب ثلاث مرات، ثم أعلن إسلامه، وبقي في المدينة، رآه يتناجي في السر مع أبي لؤلؤة المجوسي، فارتاب في أمرهما، فاقترب منهما، ثم هجم عليهما فجأة، فسقط منهما خنجر له رأسان، فاذهبوا فالتمسوا الخنجر الذي قتل به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهبوا وبحثوا عنه فوجدوه بمواصفات الخنجر الذي ذكره عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فتيقن القوم أن الهرمزان مشارك لأبي لؤلؤة المجوسي في التخطيط، والحض على قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فسمع بذلك عبيد الله بن عمر بن الخطاب، فأمسك- أي لم يتصرف- حتى مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فحمل سيفه، وخرج، فقتل الهرمزان، فكانت تلك قضية شائكة، ولننظر إلى مدى العدالة في الدولة الإسلامية اجتمع عثمان رضي الله عنه بكبار المهاجرين، والأنصار رضي الله عنهم جميعا، هل يقام عليه الحد على ابن الخليفة الذي قتل رجلا من المتيقن به لدى الجميع أن أعد وخطط لمقتل أبيه الذي كان الخليفة، وأخذ الصحابة يتداولون الأمر.

فقال عثمان رضي الله عنه: أشيروا عليّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق، وكان هذا بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بثلاثة أيام، وكان عبيد الله بن عمر في تلك الفترة محبوسا في بيت سعد بن أبي وقاص.

فقال علي بن أبي طالب: أرى أن تقتله.

فقال المهاجرون والأنصار: يُقْتل عمر بن الخطاب بالأمس، ويُقْتل ابنه اليوم.

فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن الله أعفاك، أن يكون هذا الحدث كان، ولك على المسلمين سلطان، إنما كان الحدث، ولا سلطان لك.

فقال عثمان بعد أن سكت برهة: أنا ولي الذي قتل، وقد جعلتها دية، واحتملتها من مالي.

ويعلق ابن تيمية في منهاج السنة النبوية على هذا الأمر فيقول: لو كان القاتل متأولا، ويعتقد حل القتل لشبهة ظاهرة صار ذلك شبهة قد تدرأ عنه القتل.

وفي هذه الحالة التأويل قوي جدا، وشهادة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق من الواضح أن الهرمزان كان يخطط مع أبي لؤلؤة المجوسي لقتل عمر رضي الله عنه، ووجد الخنجر الذي رآه عبد الرحمن بن أبي بكر، وقتل به عمر رضي الله عنهم جميعا على يد أبي لؤلؤة، وبعد موت عمر رضي الله عنه، وقبل اختيار عثمان لم يكن للمسلمين ولي فكان عبيد الله ولي أبيه، فأخذ له بحقه في رأيه، ولم يقر الصحابة رضي الله عنهم هذا الاجتهاد، والتأويل بالكلية من عبيد الله بن عمر رضي الله عنهما، ومن ثَمّ دفع عثمان رضي الله عنه الدية من حر ماله.

ودار حوار بين عبد الله بن عباس حبر الأمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فبعد طعن عمر رضي الله عنه نادى على ابن عباس رضي الله عنه وقال له: كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر الفرس في المدينة.

أي أنهما كانا من مؤيدي أن يكثر الفرس في المدينة، ويسلموا، ويعيشوا فيها، ويقتربوا من الإسلام، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكره ذلك ويرى فيهم الغدر.

فكان رد عبد الله بن عباس: إن شئت أن نقتلهم فعلنا، ليس الهرمزان فحسب، بل كلهم، وذلك لما ظهر الفساد منهم، ولا بأس بأن يقام عليهم حد الحرابة وللوالي أن يقتلهم.

فقال له عمر رضي الله عنه: كذبت، أفبعد أن تكلموا بلسانكم، وصَلّوا إلى قبلتكم.

الشاهد في الأمر أنه في هذه الفتنة- فتنة مقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه- كان من المسلمين من يرى جواز قتل الفرس جميعا الذين هم بالمدينة؛ لأنهم أفسدوا في الأرض، وخططوا لقتل الخليفة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وكان من يرى ذلك هو عبد الله بن عباس حبر الأمة، وهو بلا شك أكثر فقها وأعلم من عبيد الله بن عمر، لهذا احتمل عثمان بن عفان الدية من ماله الخاص ولم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان.

التهمة العشرون: أنه كان يعطي أقرباءه، ولا يعطي عامة المسلمين

يقول عثمان رضي الله عنه: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي لهم، فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطائهم فإنما أعطيهم من مالي، ولا أستحل مال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من المسلمين، وقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي في أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتت عليّ أسنان أهل بيتي، وفني عمري، ووضعت الذي لي في أهلي، قال الملحدون ما قالوا.

ومن المعروف أن عثمان رضي الله عنه كان يعتق في كل جمعة رقبة في سبيل الله، وأقطع لعبد الله بن مسعود، ولعمار بن ياسر، ولخباب بن الأرت، وللزبير بن العوام، وغيرهم ممن ليسوا بأقاربه على الإطلاق، وتنازل رضي الله عنه لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه عن خمسين ألف درهم كانت له عليه.

ويتجاوز ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية) إلى أكثر من ذلك فيقول: على فرض إعطاء عثمان رضي الله عنه لمروان بن الحكم خمس غنائم إفريقية، فإن عثمان عامل على صدقات المسلمين، ويستحق من هذه الأموال حتى وإن كان غنيا، ويقول أيضا أن سهم ذوي القربى المذكور في الآية: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال:41].

قال بعض العلماء كالحسن البصري، وأبو ثور أن المقصود بذي القربى: قرابة الإمام، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعطي ذوي قرابته؛ لأنه إمام المسلمين، ذلك حق لكل وال من بعده، أن يعطي من هذا السهم لأقاربه، هذا على فرض أن هذا الادعاء منهم صحيح وإن كان باطلا من البداية.

جمع المتمردون هذه النقاط العشرين، جمعوا أنفسهم من البصرة، ومن الكوفة، ومن مصر، وتوجهوا نحو عثمان بن عفان رضي الله عنه بالمدينة، ووصلوا المدينة مع ظهور هلال ذي القعدة سنة 35 هـ، وبدءوا يتحاورون في هذه النقاط مع عثمان رضي الله عنه.


[1] رواه البخاري.


[2] قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.


[3] رواه الترمذي، وجاءت هذه الرواية أيضًا على لسان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:17

عثمان بن عفان والمتمردون في المدينة
مقدمة

تناولنا فيما سبق الردود على النقاط التي أثارها المتمردون على عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وعلى ولاته في الأمصار المختلفة.

جمع المتمردون أنفسهم من البصرة، والكوفة، ومصر، وبدءوا في التوجه ناحية المدينة المنورة؛ لإحداث فتنة عظيمة ظاهرها عرض هذه النقاط على عثمان رضي الله عنه ومناقشته فيها، كما أنهم أعلنوا أيضًا عند خروجهم أنهم ذاهبون للحجّ، وكان توقيت الخروج مناسبًا لهذا الزعم، حيث كان في أواخر شوال وأوائل ذي القعدة سنة 35 هـ.

قادة المتمردين

خرج من كل مدينة أربع فرق، فكان على رأس فرق البصرة حكيم بن جبلّة، وبشر بن شريح، وذريح بن عباد، وابن المحرك الحنفي، وعليهم جميعًا حرقوص بن زهير السعدي، وكان عددهم ما بين الستمائة والألف.

وكان على رأس الفرق التي خرجت من الكوفة الأشتر النخعي، وزيد بن صوحان، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، وعليهم جميعًا عمرو بن الأصم، وكان عددهم ما بين الستمائة والألف.

وكان على رأس الفرق التي خرجت من مصر الغافقي بن حرب العكي، وتحته أربع فرق أخرى بقيادة عبد الرحمن بن عديس، وكنانة بن بشر، وسودان بن حمران، وقطيرة السكوني، وكان عددهم أيضًا ما بين الستمائة والألف.

فكان مجموع المتمردين على الأقل حوالي ألفين توجهوا نحو المدينة، وبعد خروجهم من بلادهم، وكلهم خارجون بنية الحج ولا أحد يعلم النيات الخبيثة التي خرجوا من أجلها إلا عبد الله بن أبي سرح والي عثمان رضي الله عنه على مصر، فبعد خروج هذه الفرقة الضالة من مصر متوجهة إلى المدينة أرسل عبد الله بن ابي سرح إلى عثمان رضي الله عنه يخبره أن قوات المتمردين قد تحركت من مصر إلى المدينة لا تنوي حجًا، وإنما تنوي الفتنة، وهذه الرسالة قد وصلت متأخرة إلى حد ما، كما أرسل له رسالة أخرى يخبره أنه سيوافيه بقوة من مصر.

القادة الخارجون على رأس المتمردين منهم من تحدثنا عنه قبل ذلك كالأشتر النخعي، وحكيم بن جبلّة أحد أشرار ولصوص البصرة المشهورين بالسرقة، وسودان بن حمران الذي خرج من مصر، وهو من قبيلة سكون باليمن، وسبحان الله عندما كان يستعرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه القبائل الخارجة للجهاد سنة 14 هـ، مرت عليه قبيلة سكون اليمنية، وكان في هذه القبيلة سودان بن حمران، فنظر إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم أعرض عنهم، ثم نظر إليهم، ثم أعرض عنهم، ثم نظر إليهم، ثم أعرض عنهم- ثلاث مرات-، ثم قال رضي الله عنه: سبحان الله إني عنهم لمتردد، والله ما مر بي قوم أكره لي منهم.

وكان منهم سودان بن حمران، وخالد بن ملجم الذي كان له دور كبير بعد ذلك في الفتنة، وهذا مما يدلّ على قوة الفراسة عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أما الغافقي فكان متزعمًا للفتنة في مصر ظاهرًا، بينما كان ابنُ سبأ يحرك الأمور من الداخل، والغافقي بن حرب العكي من اليمن، وقَطَن مصر بعد فتحها، وكان محبًا للظهور وللرئاسة، وكان متحدثًا ذكيًا، وكان عالِمًا بالدين أيضًا.

بعد أن خرجت هذه المجموعات الثلاثة بكل هذه الفرق أمّروا عليهم جميعًا الغافقي بن حرب العكي، واقترب المتمردون من المدينة، وعسكروا قريبًا منها، وكان عبد الله بن سبأ موجودًا في الفرق التي خرجت من مصر، لكنه لم يعلن عن اسمه.

مطالب المتمردين

كان جميع المتمردين متفقين على عزل عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، بينما كانوا مختلفين في مَن سيخلفه، فكان أهل مصر يريدون تولية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم قد خدعوا وفتنوا بما أثاره فيهم عبد الله بن سبأ اليهود من أن عليًا إنما هو وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أولى بالخلافة، وكان أهل الكوفة يريدون تولية الزبير بن العوام رضي الله عنه؛ لأنه كان أميرهم فترة من الفترات، وأهل البصرة يريدون تولية طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه؛ لأنه كان أميرًا عليهم أيضًا فترة من الفترات.

فلما وصلوا إلى المدينة، وعلم المسلمون أنهم قد قدموا بهذا الشرّ، أرسل عثمان رضي الله عنه إلى كل فرقة من هذه الفرق من يطلبونه أن يكون أميرًا عليهم ليحدثهم، ويحاججهم، فخرج كلٌ إلى الفرقة التي تطلبه أن يكون أميرًا للمؤمنين.

خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى القادمين من مصر، ولما التقي بهم على بعد أميال قليلة رحبوا به، واستقلبوه على أنه الأمير، ولكنه رضي الله عنه عنفهم، وشتمهم، وسبهم وكان مما قال: لقد علم الصالحون أنكم ملعنون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فارجعوا لا صبّحكم الله.

وقال طلحة رضي الله عنه مثل هذا الكلام لأهل البصرة، وقال مثله لأهل الكوفة الزبيرُ بن العوام رضي الله عنه.

ثم طلب المتمردون من هؤلاء الصحابة الثلاثة (علي وطلحة والزبير) رضي الله عنهم جميعًا طلبوا أن يقابلوا عثمان رضي الله عنه ليعرضوا ما عندهم من أمور يأخذونها عليه، فدخلوا المدينة المنورة، والتقوا مع عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقالوا له افتح المصحف، اقرأ التاسعة- أي سورة يونس على مصحف عبد الله بن مسعود- فبدأ عثمان رضي الله عنه يقرأ من سورة يونس، وهو رضي الله عنه يحفظ القرآن، ويستظهره حتى وصل إلى قول الله تعالى: {آَللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ} [يونس:59].

فقالوا: قف.

ثم قالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله افتريت؟

إذن فقد بدأ المتمردون يسألونه رضي الله عنه عن النقاط التي قد رددنا عليها من قبل، وهو رضي الله عنه يجيبهم، فقال لهم رضي الله عنه: هذه الآية لم تنزل في ذلك، وإنما نزلت في المشركين، وقد حمى عمر الحمى، وزادت الإبل، فزدت في الحمى.

ثم أخذوا يعدّون عليه النقاط، وهو يردّ عليهم- كما يقول الرواة- وهو ظاهر عليهم، وقد أفحمهم بالردّ، ولا يتكلمون بعد أن يرد، وبعد أن انتهوا من حوارهم قال لهم: ماذا تريدون؟

قالوا: المنفيّ يعود، والمحروم يُعطى، وتستَعمل ذوي الأمانة، والقوة وأن تعدل في القسمة.

ومع أن عثمان رضي الله عنه لم يتجاوز ما يطلبونه منه قدر أنملة، ولا يوجد محروم، ولا منفي، إلا أنه رضي الله عنه وافقهم على ما قالوا وكتب ذلك في كتابٍ، ثم كان هذا الطلب من المتمردين القادمين من مصر قالوا له: وأن تعزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وتولِّي محمد بن أبي بكر. وسبحان الله كان محمد بن أبي بكر الصديق أحد من ألّبوا على عثمان في مصر، وأحد من جاءوا مع المتمردين، وكان هو الصحابي الوحيد الذي اشترك في أحداث الفتنة والحصار.

ووافقهم عثمان رضي الله عنه على ذلك أيضًا، وكتب لهم كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر على مصر، وعزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وشرط عليهم عثمان رضي الله عنه ألا يشقوا له عصا، ولا يفرقوا جماعة المسلمين، وأعطوه عهدًا بذلك وخرجوا من المدينة راضين.

ظن المسلمون في المدينة أن الفتنة قد خمدت، وبات المسلمون ليلة سعيدة بعد خِضَم أحداث عظيمة استمرت شهورًا.

وإذا نظرنا إلى هؤلاء المتمردين نجد أن منهم من يريد الطعن في الإسلام، وهدمه كعبد الله بن سبأ، ومنهم من ينزع إلى عصبيته، وخاصة القبائل اليمنية التي لم تحز الشرف والسبق مثل قريش، وهؤلاء كان كثُر وخاصة من قبيلة السكون اليمنية، ومن المتمردين أيضًا الموتورون الذين أقيمت عليهم أو على أقاربهم حدود الله من قِبَل عثمان رضي الله عنه ومن ثَمّ نقموا عليه، ومنهم من عُزّر شخصيًا من قِبل عثمان بن عفان، فجاء لينتقم، ومنهم المتعجلون للرئاسة أمثال الغافقي بن حرب، والأشتر النخعي، وغيرهم ممن لديهم القوة، والذكاء، والفصاحة، فظنوا أن هذه الجوانب وحدها تكفل لهم القيادة، وتعجبوا لعدم توليتهم، ومنهم من أكرمه عثمان رضي الله عنه كرمًا شديدًا حتى طمع في المزيد، وطمع في الولاية، ولما لم يعطه نقم عليه، كرجل يُسمّى محمد بن أبي حذيفة، وكان ربيبًا لعثمان، وقد أنفق عثمان رضي الله عنه عليه في صغره، لكنه انقلب عليه، وبدأ يؤلّب الناس عليه في السرّ، وهو ممن ألّف الرسائل على لسان الصحابة، وكان يجعل نفرًا من المقربين إليه يذهبون بهذه الرسائل إلى الأمصار القريبة منه بعد أن يجعلهم يقفون في الشمس مدة طويلة حتى يتوهم الناس أنهم قادمون من سفر بعيد، فينخدعون بتلك الرسائل، وكانت تلك الفئات التي ذكرناها من المجرمين، والمنافقين هم القوّاد والرءوس لهذه الفتنة، بينما كان الباقون من نوعين آخرين:

الأول: نوع من المغالين في الدين، قد جعل الزلات البسيطة عظيمةً، ولم يعف عن الهنات، ويظنون أن عثمان رضي الله عنه أخطأ خطأً، فيجب أن يُعزل عن مكانه، أو يصل الأمر إلى قتله.

الثاني: نوع من الناس هم في الحقيقة يحمعون بين الجهل، والحمق، قد انخدعوا بتلك الكلمات التي قالها لهم رءوس الفتنة ومدبروها، ولضعف الاتصال لم يكن هناك وسيلة كافية وسريعة لتصحيح تصوراتهم الخاطئة، مع الأخذ في الاعتبار أنهم يسكنون في أماكن نائية، وبعيدة عن المدينة المنورة موطن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والعلماء، والفقهاء.

وقد اقتنع هؤلاء بعد حوارهم مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومع عثمان رضي الله عنه بخطأ ما كانوا عليه، وبدءوا يرجعون إلى بلادهم راضين، أما رءوس الفتنة وقوادها فهم لم يجيئوا في الأصل لأجل الاقتناع بما يقوله عثمان بن عفان رضي الله عنه، أو ما يقوله غيره من كبار الصحابة، وإنما هم قد قدموا لإحداث الفتنة.

الرسالة الكاذبة وعودة المتمردين

خرج الجميع راجعين إلى بلادهم، ولم يبق في المدينة منهم سوى اثنين الأشتر النخعي، وحكيم بن جبلة، وعلامات استفهام كثيرة حول بقاء هذين الفردين بالمدينة دون بقية الناس، وعدم انصرافهم مع من انصرفوا، وسلك الوفد المصري الشمال الغربي عائدًا إلى مصر، بينما سلك وفدا البصرة والكوفة الشمال الشرقي، فكلما ساروا كلٌ في طريقه، كلما ابتعدوا عن بعضهم.

وبينما الوفد المصري في طريق عودته إذا راكب على ناقة يتعرض لهم، ثم يفارقهم مرارًا، فشكّ القوم في أمره، فأمسكوا به وقالوا له: من أنت؟

فقال لهم: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر.

ومن الواضح أن هذا الرجل يقصد شيئًا من موقفه هذا، ويريد أن يفصح لهم عن أمر ما، وليس رسولًا لأمير المؤمنين، فكما تقول الرواية كان يتعرض لهم ويفارقهم مرارًا.

فلما قال لهم أنه رسول أمير المؤمنين، فتشوه، فوجدوا معه رسالة فيها أمر من عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى عامله بمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بقتل بعض أهل الفتنة وسمّاهم له، وصلْب بعضهم، وتقطيع أطراف بعضهم، وقتل محمد بن أبي بكر الصديق.

والكلام مختوم بخاتم عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما قرأه القوم ثارت ثائرتهم، وبدءوا يرجعون إلى المدينة المنورة مرة أخرى، وكان هذا في منتصف ذي القعدة سنة 35 هـ، وفي طريق رجوعهم جاءتهم رسالة أخرى من علي بن أبي طالب يأمرهم بالقدوم إلى المدينة.

وتعجب المسلمون من عودة هؤلاء المتمردين مرة أخرى بعد كانوا في طريقهم إلى بلادهم، فخرج إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال المتمردون: ألم تر إلى عدو الله - يقصدون عثمان رضي الله عنه وأرضاه - كتب فينا كذا وكذا- وأروه الكتاب - وقد أحلّ الله دمه، فقم معنا إليه.

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: والله لا أقوم معكم إلى هذا.

فقالوا له: فلِمَ كتبت إلينا؟

فقال: والله ما كتبت إليكم شيئًا.

فنظر القوم بعضهم إلى بعض، وهذه الرواية ثابتة في كل الكتب، وفيها دليل على أن بعض المتمردين يُضلّل بهم، ولا يعرفون كيف تُدبر الأمور، وأن هناك من يكتب الخطابات، ويوقعها بأسماء الصحابة مما يشعل الفتنة، كما أن الأحداث تدل على أن عليًا رضي الله عنه كان ضد المتمردين دائمًا، فقد خرج إليهم أول ما قدموا، ثم خرج إليهم مرة أخرى عندما عادوا، وشتمهم، وسبهم، وحاول إخراجهم من المدينة، في حين تشير الروايات المكذوبة أن عليًا رضي الله عنه كان ينقم على عثمان رضي الله عنه في بعض الأمور، فتركه، ولم يدافع عنه، ولم يَدْفع عنه المتمردين، وهذا طعن في كليهما في عثمان وعلي رضي الله عنهما، ومن يقرأ الكتابات الحديثة الغير موثقة سوف يجد فيها الكثير من هذه الأغاليط.

وبينما هم يتناقشون مع علي رضي الله عنه في أمر هذا الخطاب الغريب والعجيب الذي نُسب إلى عثمان رضي الله عنه، إذا بوفود الكوفة والبصرة تدخل المدينة، فخرج إليهم مجموعة من الصحابة، وقالوا لهم: ما أرجعكم بعد ذهابكم؟

فقالوا: جئنا لنصرة إخواننا. أي المصريين.

فقال لهم علي بن أبي طالب: كيف علمتم بما حدث لأهل مصر وأنتم على بعد مراحل منهم، ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر دُبّر بالمدينة.

وكأنه رضي الله عنه يشير إلى بقاء الأشتر النخعي، وحكيم بن جبلة، وأنهما الذَيْن كتبا هذه الخطابات، وهذا احتمال قريب جدًا.

فقال المتمردون العراقيون (الكوفيون والبصريون): ضعوا الأمر حيث شئتم، ليعتزلنا هذا الرجل ولنتعزله.

في هذا الوقت يريد الصحابة التيقن من أمر هذا الخطاب الذي هو مختوم بخاتم عثمان رضي الله عنه، فذهبوا بالمتمردين إلى عثمان رضي الله عنه، وأروه الخطاب.

فقال لهم رضي الله عنه: ائتوني ببينة على ذلك، والله ما كتبت، ولا أمليت، ولا دريت بشيءٍ من ذلك، والخاتم قد يُزوّر على الخاتم.

فقال بعضهم: إذن كتبه مروان.

وأرادوا تسليم مروان بن الحكم إليهم، فخشي عثمان رضي الله عنه إن سلّمهم مروان أن يقتلوه، فرفض رضي الله عنه تسليمه إليهم، فصدقه بعض الناس وكذبه آخرون.

واستمرّ هذا الحوار أيامًا بين عثمان رضي الله عنه وبين المتمردين، وأعلن المتمردون أن من كفّ يده فهو آمن.

عدد المتمردين على أقل تقدير ألفان، وعدد الموجودين من الصحابة في المدينة سبعمائة، وليس في المدينة جيش للدفاع عنها؛ لأن معظم الجيوش الإسلامية في أطراف الدولة، في فارس، والروم، وإفريقية، ولا توجد قوات أمن مخصصة في المدينة؛ لأن الناس يأمنون على أنفسهم كما يقول الحسن البصري: ولا يلقى مؤمن مؤمنًا إلا وهو أخوه.

وأيضًا هؤلاء المتمردين قدموا في موسم الحج، والكثير من المسلمين في المدينة قد خرجوا لأداء الحج، وخرج عبد الله بن عباس بعد أن استاذن عثمان رضي الله عنهم جميعًا في الخروج للحج، وأذن له، لكنه انتظر أيامًا ليرى ما يحدث، وخرج للحج كذلك السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

المتمردون يحاصرون الخليفة في بيته

إلى هذا الوقت، وعثمان رضي الله عنه خليفة المسلمين، والجميع يصلّى خلفه من المهاجرين والأنصار، والمتمردين أيضًا، حتى كان يوم جمعة، فقام عثمان رضي الله عنه، وخطب الناس، وبعد الصلاة صعد على المنبر مرة أخرى، وقال: يا هؤلاء الغرباء، الله، الله، فوالله، إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعنون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب، فإن الله لا يمحو السيئ إلا بالحسن.

فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه، وهو من قدامى الصحابة، وقال: أنا أشهد بذلك.

وكان بجواره حكيم بن جبلة، فأجلسه بالقوة، وسبّه، فقام زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وقال: إن ذلك في الكتاب.

فقام له رجل من أهل الفتنة يُسمى محمد بن أبي مريرة، وجذبه، وسبّه، ثم قام رجل اسمه جهجاه الغفاري، وهو من أهل الفتنة أيضًا، قام يخاطب عثمان بن عفان رضي الله عنه، واتجه نحوه وأخذ منه العصا التي كان يتّكأ عليها، وهو يخطب وهي عصا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتّكأ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخطب في الناس، وأخذها بعده أبو بكر رضي الله عنه، ثم عمر، ثم عثمان رضي الله عنهما، فأخذ هذا الجاحد المسمى جهجاه العصا، وكسرها على ركبته، وقال لعثمان رضي الله عنه: يا نعثل انزل من على هذا المنبر.

ونعثل تطلق على الظبي كثير الشعر، وقد كان عثمان رضي الله عنه كثير الشعر كثّ اللحية، وتقال هذه الكلمة أيضًا للشيخ الأحمق.

وهذه أول مرة يُسبّ فيها عثمان رضي الله عنه علنًا أمام الناس، وبعد أن قيلت هذه الكلمة، قام المتمردون جميعًا، وأخذوا يحصبون- يضربونهم بالحجارة- الصحابة، وعثمان رضي الله عنه، وهو على المنبر، وسالت الدماء على قميصه، وحمله بعض الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا، وأدخلوه بيته، ولم يخرج بعدها منه، وحاصر أهل الفتنة بيته رضي الله عنه وأرضاه، واستُخلف أبو هريرة رضي الله عنه على الصلاة بالمسلمين، وهناك روايات ضعيفة تشير إلى أن الغافقي هو الذي كان يؤم الناس، قبل مقتل عثمان رضي الله عنه، والصحيح أن أبا هريرة رضي الله عنه هو الذي كان يؤم الناس.

عندما وجد عثمان رضي الله عنه أن الأمر قد وصل إلى هذا الحدّ، وأن اللين لن يجدي مع هؤلاء المتمردين؛ كتب رضي الله عنه رسائل إلى ولاته في الأمصار أن يرسلوا إليه بالجيوش لحل هذه الأزمة، فكتب إلى معاوية بن أبي سفيان بالشام، وكتب إلى أبي موسى الأشعري بالكوفة، وإلى والي البصرة، ونعرف أن المسافات شاسعة بين تلك البلاد، وبين المدينة.

وإلى هذا التوقيت لم تظهر فكرة قتل الخليفة، بل ما يطلبونه هو عزله، ولم يصرّحوا بكلمة القتل مطلقًا.

بعد هذا الأمر خرج عثمان رضي الله عنه من شرفة بيته، وبدأ يحادث المتمردين، فخطب فيهم فقال: أليس فيكم علي بن أبي طالب، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص؟- وكان الصحابة رضي الله عنهم مع الناس، ولا يريدون الانصراف، ويتركون عثمان رضي الله عنه- فوقف هؤلاء الأخيار وقالوا: نعم نحن هنا، وأشاروا إلى أماكنهم.

فقال عثمان رضي الله عنه: أنشدكم بالذي لا إله إلا هو، تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ يَبْتَاعَ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ".

فابتعته، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني قد ابتعته.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا، وَأَجْرُهُ لَكَ"

قال الصحابة: نعم.

قال عثمان رضي الله عنه: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ يَبْتَاعُ بِئْرَ رُومَةَ؟"

فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني قد ابتعتها.

قال صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكَ أَجْرُهَا".

ففعلت؟

قالوا: نعم، نشهد بذلك.

فقال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم، يوم جيش العسرة، فقال: "مَنْ يُجَهِّزُ هَؤُلَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ".

فجهزتهم، حتى ما يفقدون خطاما، ولا عقالا؟

قالوا: اللهم نعم.

فقال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد.

ثم انصرف.

وأشرف عثمان من بيته مرة أخرى، وهو محصور، فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حراء إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: "اسْكُنْ حِرَاءَ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ". وأنا معه، فانتشد له رجال. أي شهدوا بأن ما يقوله حق.

ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله يوم بيعة الرضوان، إذ بعثني إلى المشركين، إلى أهل مكة، فقال: "هَذِهِ يَدِي، وَهَذِهِ يَدْ عُثْمَانَ".

ووضع يديه إحداهما على الأخرى، فبايع لي.

فانتشد له رجال.

ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله قال: "مَنْ يُوَسِّعُ لَنَا بِهَذَا الْبَيْتِ فِي الْمَسْجِد بُنِيَتْ لَهُ بِيْتًا فِي الْجَنَّةِ".

فابتعته من مالي، فوسعت به المسجد.

فانتشد له رجال.

ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله يوم جيش العسرة قال: "مَنْ يُنْفِقُ الْيَوْمَ نَفَقَةً مُتَقَبَّلَةٌ؟"

فجهزت نصف الجيش من مالي.

فانتشد له رجال.

ثم قال: أنشد بالله من شهد رومة، يباع ماؤها ابن السبيل، فابتعتها من مالي، فأبحتها ابن السبيل.

فانتشد له رجال.

المفاوضات إلى الآن لا زالت سلمية بين الطرفين، لكن بدأت تظهر فكرة القتل، فخيروا الخليفة بين العزل، والقتل، وكان هذا موقفًا صعبًا على الصحابة جميعًا، وعلى عثمان رضي الله عنه، وعن جميع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

موقف الصحابة رضي الله عنهم من أحداث الفتنة الكبرى

هناك روايات كثيرة ضالة، ومكذوبة تشير إلى أن الصحابة رضي الله عنهم تخلّوا عن عثمان رضي الله عنه في هذه الأزمة، ولم يدافعوا عنه؛ لأنهم لم يكونوا راضين عن سياسته، وهذا افتراء شديد على الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعًا.

ففي بداية الفتنة جاء الصحابة رضي الله عنهم إلى عثمان رضي الله عنه، وكان فيهم علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم رضي الله عنهم جميعًا، ولكن عثمان رضي الله عنه رفض أن يدافعوا بأسلحتهم عنه، وعن المدينة، وكان يريد أن تنتهي هذه الأزمة بطريقة سلمية.

وبعد اشتداد الأزمة أرسل الزبير بن العوام رضي الله عنه رسالة إلى عثمان رضي الله عنه يقول له فيها: إني استطيع أن أجمع لك بني عمرو بن عوف.

وهي قبيلة كبيرة على بعد أميال من المدينة، فقال له عثمان بن عفان رضي الله عنه: نعم، إن كان ذلك فنعم.

إذن فما يدور في ذهن عثمان رضي الله عنه هو الحفاظ على أهل المدينة الذين هم قليل مقارنة بعدد المتمردين، وإن قامت حرب بين الفريقين أُريقت دماء الصحابة، فهو رضي الله عنه يوافق على صدّ المتمردين بالقوة إذا وجدت قوة تستطيع هزيمتهم، أما أن تراق دماء الصحابة والمسلمين بالمدينة على يد هؤلاء الفجرة من المتمردين، فهذا ما لا يرضاه عثمان رضي الله عنه على الإطلاق، وإن أتى هذا على دمه هو، وهي شجاعة لا تتكرر؛ أن يضحّي قائد بدمه من أجل أمته، وشعبه، بل إننا نرى القادة، والزعماء يضحون بجيوشهم، وشعوبهم من أجل راحتهم النفسية، ومن أجل متعتهم، ولهوهم ولعبهم، لكن أمير الدولة الإسلامية بكاملها شرقًا، وغربًا يضحي بنفسه من أجل حقن دماء أهل المدينة.

ويقوم زيد بن ثابت الأنصاري ويقول له: إن الأنصار خارج الباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله، إن شئت كنا أنصار الله، كررها مرتين.

فقال عثمان رضي الله عنه: لا حاجة لي في ذلك، فكفوا أيديكم.

ورجع عبد الله بن عباس رضي الله عنه قبل أن يخرج للحج، وقال لعثمان رضي الله عنه: يا عثمان إن وقوفي على بابك أجاحف عنك- أي أدافع عنك- خير من الحج.

فقال له عثمان رضي الله عنه: لا حاجة في ذلك.

وأمّره على الحج، وأمره أن يذهب إلى الحج، فأطاع عبد الله بن عباس رضي الله عنه.

وقام أبو هريرة، ومعه مجموعة من الصحابة، وذهبوا إلى عثمان رضي الله عنه في بيته، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لقد سمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تَكُونَ بَعْدِي فَتْنَةٌ وَأَحْدَاثٌ".

فقلت: وأين النجاة منها يا رسول الله؟

فقال: "الْأَمْيرُ وَحِزْبُهُ".

وأشار إلى عثمان رضي الله عنه، فقال القوم: ائذن لنا فلنقاتل، فقد أمكنتنا البصائر.

فقال عثمان رضي الله عنه في منتهى الصراحة والوضوح: عزمت على كل أحد لي عليه طاعة ألا يقاتل.

فقال أبو هريرة: يا عثمان طاب الآن الضراب معك، فهذا هو الجهاد.

فقال له عثمان رضي الله عنه: عزمت عليك لتخرجن. فخرج أبو هريرة رضي الله عنه.

الموقف كما نرى شديد الحساسية، فعثمان رضي الله عنه يعلم تمامًا أن هذه القوة الصغيرة لن تصمد أمام المتمردين، وكان رضي الله عنه في انتظار المدد الذي يأتيه من الشام، ومن البصرة، والكوفة، لكن المسافة إلى تلك الأماكن بعيدة، وكان رضي الله عنه في انتظار بني عمرو بن عوف قوم الزبير بن العوام، ولم يكونوا قد جُمعوا بعد.

فهو رضي الله عنه يرى أن القوة الموجودة بالمدينة ليست كافية، ومن ثَمّ فلا داعي لهذا الأمر الآن.

وثَمّ شيء آخر من الأهمية بمكان هو أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان على يقين كامل أنه سيلقى الله شهيدًا، وأنه سيموت في فتنة، وفي بلوى تصيبه، وسوف يدخل الجنة على هذه البلوى، وقد سمع هذا بأُذنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى} [النَّجم: 3] صلى الله عليه وسلم.

روى البخاري بسنده عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ: "اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ".

وفي البخاري أيضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ". فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ،

ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ". فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ،

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: "افْتَحْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ". فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

إذن فعثمان رضي الله عنه كان يرى أنه إذا كانت حياته ثمنًا لحل هذه الفتنة فهذا شيء مناسب جدًا في رأيه خاصة، وأنه على يقين أن حياته ستذهب في هذا الأمر، فلا بأس أن تذهب حياته، وتحفظ دماء سبعمائة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل المدينة، حتى يحفظوا الأمة بعد ذلك، ولا يتولى هؤلاء المتمردون الشرار الحكم في البلاد بعد ذلك، وهؤلاء الشرار حتى هذه اللحظة يطلبون عليًا رضي الله عنه، أو طلحة، أو الزبير، وكلهم من الأخيار، وهم من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم جميعًا، فلو عاش هؤلاء الصحابة يكون الحال أفضل بكثير من أن يقتلوا، وتحكم هذه الثلة الباغية الدولة الإسلامية.

وأمر آخر في غاية الأهمية أيضًا وهو أن عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو خليفة المسلمين له الأمر على كل المسلمين، وعليهم الطاعة، فعندما يقول لهم: عزمت على من لي عليه طاعة ألا يقاتل.

فلو قاتلوا بعد ذلك لكان هذا عصيانًا له رضي الله عنه وأرضاه، فقد وضعهم رضي الله عنه في دائرة ضيقة للغاية؛ من دافع عنه فقد عصاه، ومن عصاه فذلك خروج عليه، وهو يرى هذا الرأي.

والصحابة رضي الله عنهم يعرفون مكانته رضي الله عنه في الإسلام وفضله، وأنّ له رأيًا حكيمًا، وربما يفكر في شيء لا يعرفونه هم، وإن كان في ظاهر الأمر أن رأيه خطأ، فعليهم أن يطيعوه ما لم يكن معصية؛ لأنه الخليفة.

وهذا هو الحوار الذي نُقل إلينا، وثبت أنه دار بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبين رجل من التابعين يُسمى سعيد الخزاعي، وذلك بعد موقعة الجمل.

قال سعيد: إني سائلك عن مسألة كانت منك، ومن عثمان.

فقال علي رضي الله عنه: سل عما بدا لك.

فقال سعيد: أي منزلة وسعتك، إذ يقتل عثمان ولم تنصره؟

فقال علي رضي الله عنه: إن عثمان كان إمامًا، وإنه نهى عن القتال، وقال: من سلّ سيفه فليس مني. فلو قاتلنا دونه عصيناه.

فقال سعيد: فأي منزلة وسعت عثمان إذ يستسلم؟

قال علي رضي الله عنه: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لأخيه: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ} [المائدة: 28]. فسكت سعيد الخزاعي.

قد يقول قائل: لِمَ لَمْ يتنازل عثمان رضي الله عنه عن الخلافة لعلي أو الزبير أو طلحة رضي الله عنهم جميعًا، وكلهم من الصحابة الأخيار؟

نقول: لو فعل ذلك لكان مخالفًا للشرع وللنص الصريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي الحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عُثْمَانُ، إِنْ وَلَّاكَ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ يَوْمًا، فَأَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَ قَمِيصَكَ الَّذِي قَمَّصَكَ اللَّهُ فَلَا تَخْلَعْهُ، يَا عُثْمَانُ، إِنْ وَلَّاكَ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ يَوْمًا، فَأَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَ قَمِيصَكَ الَّذِي قَمَّصَكَ اللَّهُ فَلَا تَخْلَعْهُ، يَا عُثْمَانُ، إِنْ وَلَّاكَ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ يَوْمًا، فَأَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَ قَمِيصَكَ الَّذِي قَمَّصَكَ اللَّهُ فَلَا تَخْلَعْهُ".

وكرّر صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات.

وفي هذا دلالة واضحة على أن على عثمان رضي الله عنه أن يتمسك بهذا الأمر، وتركه الأمر لهؤلاء المنافقين حينئذٍ إنما هو مخالفة واضحة لنصّ حديث رسول صلى الله عليه وسلم، والذي رواه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والحاكم.

لا زال بعض الصحابة مترددًا في أمر هذه الفتنة العظيمة التي يبيت فيها الحليم حيرانًا، فيصف لهم مرة بن كعب مذكرًا لهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى الترمذي بسنده عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّ خُطَبَاءَ قَامَتْ بِالشَّامِ، وَفِيهِمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ آخِرُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ: لَوْلَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قُمْتُ، وَذَكَرَ الْفِتَنَ، فَقَرَّبَهَا، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ: "هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى"، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَقُلْتُ: هَذَا؟

قَالَ: نَعَمْ.[1]

إذن فلو أن هناك خلافًا في الرأي، فالحق مع عثمان بن عفان رضي الله عنه بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبشهادته، وهو صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى.

كان هذا الأمر في غاية الصعوبة على الصحابة رضي الله عنهم إذ كيف يتركون عثمان رضي الله عنه، وهو أفضل مخلوق على وجه الأرض يومئذٍ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، وقد زوّجه الرسول صلى الله عليه وسلم ابنتيه الواحدة تلو الأخرى، ففي قلوب الصحابة رضي الله عنهم شيء عظيم من الأسى والحزن، وهم مع ذلك لا يستطيعون الدفاع عنه حتى لا يقعوا في معصيته، فرجعوا رضي الله عنهم إلى بيوتهم، وتأولّوا الأمر وقالوا: إن كان قد أقسم علينا ألا نردّ عنه، فهو لم يقسم على أبنائنا.

فأرسل علي رضي الله عنه الحسن والحسين رضي الله عنهما، وفي هذا دلالة قوية على دحض من يزعمون أن عليًا رضي الله عنه قد تخلّى عن عثمان رضي الله عنه في محنته؛ لأنه لم يكن راضيًا عن سياسته، فها هو رضي الله عنه يرسل فلذتي كبده للدفاع عن أخيه، وصاحبه ذي النورين رضي الله عنه، وأرسل الزبير بن العوام ابنه عبد الله بن الزبير، وأرسل طلحة بن عبيد الله ابنه محمد بن طلحة، وهكذا فعل كثير من الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، واجتمع أبناء الصحابة رضي الله عنهم جميعًا في بيت عثمان رضي الله عنه، وأمّروا عليهم عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنه، وبدءوا في الدفاع عن عثمان رضي الله عنه.

ودخل عبد الله بن عمر على عثمان رضي الله عنه، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه يرى ما يرى عثمان من الرأي بعدم التصادم مع هؤلاء المتمردين، وإن أدى ذلك إلى قتله، فقال له عثمان: انظر إلى هؤلاء يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك.

فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أمخلّد أنت في الدنيا؟

فقال: لا

فقال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟

فقال: لا

فقال: هل يملكون لك جنة أو نارًا؟

فقال: لا

فقال ابن عمر رضي الله عنه: فلا تخلع قميصًا قمّصه الله لك، فتكون سنة، كلما كره قومٌ خليفتهم خلعوه، أو قتلوه.

وبعد إعلان المتمردين تخيير الخليفة بين القتل أو الخلع خرج إليهم رضي الله عنه وأرضاه من شرفة بيته وقال لهم: يا قوم علام تقتلونني؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، أَوْ قَتَلَ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ".

فوالله ما زنيت في جاهلية، ولا إسلام، ولا قتلت أحدا فأقِد نفسي منه، ولا ارتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فبم تقتلونني؟[2]

ولم ينصرف المتمردون، بل تحكم الشيطان والهوى من قلوبهم، وخرج لهم عثمان رضي الله عنه في يوم آخر وقال لهم: والله لئن قتلتموني، لا تتحابوا بعدي، ولا تصلوا جميعًا أبدًا، ولا تقاتلوا جميعًا أبدًا عدوًا.

وقد صدق رضي الله عنه، فبعدما قُتل انحل العقد، ودارت الفتنة منذ هذا العهد، حتى وقتنا هذا.

وفي الفترة من 15 إلى 18 ذي القعدة بدأ المتمردون يدخلون في مرحلة جديدة، وهي أنهم منعوا الطعام والشراب عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، ولما علم عثمان رضي الله عنه ذلك خرج لهم، وقال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله فقال:

"مَنْ يَشْتَرِي هَذِهِ الْبُقْعَةَ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ فَيَكُونُ فِيهَا كَالْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟" فاشتريتها من خالص مالي، فجعلتها بين المسلمين، وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين.

ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يكن بها بئر يُستعذب منه إلا بئر رومة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ، فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ". فاشتريتها من خالص مالي، وأنتم تمنعوني أن أشرب منها شربة.

ثم قال: هل تعلمون أني صاحب جيش العسرة؟ فقالوا: نعم.

فقال: اللهم اشهد. ودخل إلى بيته.[3]

تحمّس بعض الصحابة لشدة هذا الأمر إذ كيف يمنع الطعام والماء عن خليفة المسلمين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فحمل الماء في قربة، وركب على بغلته، ودخل بين صفوف المتمردين، وهم يقرّعونه بغليظ الكلام، وهو يزجرهم، وينهاهم حتى قال لهم: والله إن فارس والروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل، والله إنهم ليأسرون فيسقون ويطعمون.

السيدة أم حبيبة أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حملت في ثوبها الماء، وغطته، وذهبت على بغلتها حتى تسقي عثمان رضي الله عنه وأرضاه في بيته، فالتفّ حولها المتمردون، وقالوا لها: ما جاء بك؟

فقالت: عند عثمان وصايا بني أمية لأيتام وأرامل، فأحببت أن أذكره بها، فكذبوها في ذلك، ودفعوها فسقط الماء، وقطعوا حزام البغلة، ودفعوها، فكادت أن تسقط أم المؤمنين رضي الله عنها، وفي رواية أنها سقطت، وكادت أن تُقتل، لولا أن قام إليها جماعة من الناس، وأنقذوها.

وتمكن الشيطان من قلوب هؤلاء المجرمين، فمنعوا الماء أن يدخل إلى عثمان رضي الله عنه، ولم يكن يصل إليه ماءٌ إلا من جاره الملاصق له عمرو بن حزام، وهذا في أول يومين فقط، وفي اليوم الثالث منعوا الماء تمامًا، وهو يوم 17 من ذي الحجة سنة 35 هـ.

وفي هذا اليوم يعلم المتمردون أن جيوش الشام، والبصرة، والكوفة، قد اقتربت من المدينة، فخافوا من ذلك، وكانت الجيوش القادمة ضخمة، فقد أرسل معاوية رضي الله عنه جيشًا كان على رأسه حبيب بن مسلمة، وعلى رأس جيش الكوفة القعقاع بن عمرو التميمي، وعلى رأس جيش البصرة مجاشع بن مسعود، وعلى رأس الجيش القادم من مصر معاوية بن حبيش.

أما الأمراء فقد مكثوا في بلادهم حتى لا تحدث الفتن في الأمصار التي هم عليها إن تركوها، وقدموا مع الجيوش إلى المدينة.

عندما علم المتمردون بهذا الأمر عزموا عزمًا أكيدًا على قتل عثمان رضي الله عنه، والانتهاء من أمره قبل دخول هذه الجيوش إلى المدينة المنورة.



[1] قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، ورواه ابن ماجه، وصححه الألباني.


[2] رواه النسائي، وأحمد، ورواية أخرى بلفظ قريب لأبي داود، والترمذي وقال: حديث حسن.


[3] أخرجه الترمذي والنسائي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:19

مقتل عثمان وفتنة أبدا
مقدمة
في يوم الخميس السابع عشر من شهر ذي الحجة سنة 35 من الهجرة يصبح عثمان بن عفان رضي الله عنه صائمًا، ويحاول الصحابة رضي الله عنهم إيصال الماء إليه، لكنهم لا يستطيعون، ويأتي وقت المغرب دون أن يجد رضي الله عنه شيئًا يفطر عليه لا هو، ولا أهل بيته، ويكمل بقية الليل دون أن يفطر، وفي وقت السحر استطاعت زوجته السيدة نائلة بنت الفرافصة أن تحصل على بعض الماء من البيت المجاور خفية، ولما أعطته الماء، وقالت له: أفطر، نظر رضي الله عنه من النافذة، فوجد الفجر قد لاح، فقال: إني نذرت أن أصبح صائمًا.
فقالت السيدة نائلة: ومن أين أكلتَ ولم أرَ أحدًا أتاك بطعام ولا شراب؟
فقال رضي الله عنه: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اطّلع عليّ من هذا السقف، ومعه دلو من ماء، فقال: اشرب يا عثمان. فشربت حتى رويت، ثم قال: ازدد. فشربت حتى نهلت، ثم قال صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه: أما إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا. فاختار رضي الله عنه لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لشوقه إليه، ولِيَقِينِهِ بأنه سوف يلقى الله شهيدًا ببشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم له من قبل.
في صباح هذا اليوم؛ الجمعة 18 من ذي الحجة سنة 35 هـ، يدخل كثير بن الصلت أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول له: يا أمير المؤمنين، اخرج فاجلس في الفناء- أي فناء البيت- فيرى الناس وجهك، فإنك إن فعلت ارتدعوا.
وذلك لهيبته رضي الله عنه، فقد كان عمره رضي الله عنه أكثر من اثنين وثمانين سنة.
فقال عثمان رضي الله عنه: يا كثير رأيت البارحة، وكأني دخلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو بكر، وعمر فقال: ارجع، فإنك مفطر عندي غدًا.
ثم قال عثمان رضي الله عنه: ولن تغيب الشمس هذا اليوم، والله إلا وأنا من أهل الآخرة.
وخرج كثير بن الصلت رضي الله عنه بأمر عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأمر عثمان رضي الله عنه بالسراويل أن تُعدّ له؛ لكي يلبسها، وكان من عادته رضي الله عنه ألا يلبسها في جاهلية، ولا إسلام، وقد لبسها رضي الله عنه؛ لأنه خشي إن قُتل أن يتكشف، وهو رضي الله عنه شديد الحياء، فلبس السراويل، ووضع المصحف بين يديه، وأخذ يقرأ في كتاب الله.
ودخل عليه أبناء الصحابة للمرة الأخيرة، وطلبوا منه أن يسمح لهم بالدفاع عنه، فأقسم عثمان رضي الله عنه على كل من له عليه حق أن يكفّ يده، وأن ينطلق إلى منزله، ثم قال لغلمانه: من أغمد سيفه، فهو حرّ، فأعتق بذلك غلمانه، وقال رضي الله عنه أنه يريد أن يأخذ موقف ابن آدم الذي قال: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [المائدة:28، 29]، فكان آخر الناس خروجًا من عند عثمان رضي الله عنه هو الحسن بن علي رضي الله عنهما.

استشهاد عثمان رضي الله عنه

وصلى عثمان رضي الله عنه صلاة نافلةٍ ختم فيها سورة طه، ثم جلس بعد ذلك يقرأ في المصحف، في هذا الوقت كان أهل الفتنة يفكرون بشكل حاسم، وسريع في قتل عثمان رضي الله عنه، خاصة مع علمهم باقتراب الجيوش الإسلامية المناصرة للخليفة رضي الله عنه من المدينة المنورة.
فدخل رجل يُسمى كنانة بن بشر التجيبي، وكان من رءوس الفتنة بشعلة من نار، وحرق بابَ بيتِ عثمان رضي الله عنه، ودخل ومعه بعض رجال الفتنة، ثم دخل رجل آخر يسمونه الموت الأسود، قيل إنه عبد الله بن سبأ وقيل غيره، فخنق عثمان بن عفان رضي الله عنه خنقًا شديدًا حتى ظن أنه مات، فتركه، وانصرف، ودخل بعد ذلك محمد بن أبي بكر الصديق، وكما ذكرنا أنه كان الوحيد من الصحابة الذي شارك في هذه الفتنة في هذا الوقت، فدخل عليه، وكان يظنه قد مات، فوجده حيًّا فقال له: على أي دين أنت يا نعثل؟!
ونعثل هذه سُبّة تُقال للشيخ الأحمق، وللظبي كثير الشعر، فقال عثمان رضي الله عنه وأرضاه: على دين الإسلام، ولست بنعثل، ولكني أمير المؤمنين.
فقال: غيّرت كتابَ الله.
فقال عثمان رضي الله عنه: كتاب الله بيني وبينكم.
فتقدم إليه وأخذ بلحيته وهزّه منها وقال: إنا لا نقبل أن نكون يوم القيامة مما يقول {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ} [لأحزاب:67].

فإلى هذه اللحظة، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وبعض أفراد الفتنة يظنون أنهم يفعلون الخير بقتلهم، أو خلعهم لعثمان رضي الله عنه، فهو يحاول القتل أو الخلع للخليفة طاعة لله، ونجاة من النار، وهذا بلا شك من تلبيس إبليس عليهم.

فقال عثمان رضي الله عنه: يا ابن أخي إنك أمسكت لحية كان أبوك يكرمها.

فلما قال له عثمان رضي الله عنه ذلك وضحت الحقيقة فجأةً أمام محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكأن عثمان رضي الله عنه أزال بهذه الكلمات غشاوة كانت تحجب الحق والصواب عن قلب محمد بن أبي بكر، وتذكر تاريخ عثمان رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أبيه الصديق رضي الله عنه، ومع المسلمين، فاستحيا محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما، وخارت يده من على لحية عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبكى، ثم وقف، وتركه، وانصرف، فوجد القوم يدخلون على عثمان رضي الله عنه، فأمسك سيفه، وبدأ يدافع عن عثمان رضي الله عنه، ولكنهم غلبوه فلم يستطع أن يمنعهم، ويشهد بذلك السيدة نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان رضي الله عنه.

ثم دخل على عثمان رضي الله عنه كنانة بن بشر الملعون، وحمل السيف، وضربه به، فاتّقاه عثمان رضي الله عنه بيده فقطع يده، فقال عثمان رضي الله عنه عندما ضُرب هذه الضربه: بسم الله توكلت على الله. فتقطرت الدماء من يده، فقال: إنها أول يد كتبت المفصل.

ثم قال: سبحان الله العظيم.

وتقاطر الدم على المصحف، وتثبت جميع الروايات أن هذه الدماء سقطت على كلمة{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ} [البقرة:137].

بعد ذلك حمل عليه كنانة بن بشر وضربه بعمود على رأسه، فخرّ رضي الله عنه على جنبه، وهمّ كنانة الملعون بالسيف ليضربه في صدره، فانطلقت السيدة نائلة بنت الفرافصة تدافع عن زوجها، ووضعت يدها لتحمى زوجها من السيف فقُطعت بعض أصابعها بجزء من كفها، ووقعت السيدة نائلة رضي الله عنها.

وطعن كنانةُ عثمانَ رضي الله عنه في صدره، ثم قام سودان بن حمران بحمل السيف، وطعن عثمان رضي الله عنه في بطنه فمال رضي الله عنه إلى الأرض فقفز على بطنه، واتّكأ على السيف بجسده ليتأكد من اختراق السيف لجسد عثمان رضي الله عنه، ومات رضي الله عنه وأرضاه بعد هذه الضربة.

ثم قفز عليه عمرو بن الحمق، وطعنه في صدره تسع طعنات، وقال: هذه الثلاثة الأولى لله، وهذه الست لشيء في نفسي.

استشهد ذو النورين عثمان رضي الله عنه وأرضاه زوج ابنتي الرسول صلى الله عليه وسلم، والمبشَّر بالجنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، وثالث الخلفاء الراشدين، وقد لَقِيَ بعد استشهاده رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وعده بذلك.

بعد أن قتل هؤلاء الخوارج المجرمون عثمان رضي الله عنه أخذوا ينهبون ما في بيته ويقولون: إذا كان قد أُحلّ لنا دمه أفلا يحل لنا ماله؟

وأخذوا كل شيء حتى الأكواب، ولم يتركوا شيئًا، ثم همّوا بعد ذلك أن يقطعوا رأس عثمان رضي الله عنه، فصرخت السيدة نائلة، والسيدة أم البنين زوجتاه، وصرخت بناتُه، فقال عبد الرحمن بن عديس، وهو أحد رءوس الفتنة: اتركوه، فتركوه، وبينما هم خارجون، قفز غلامٌ لعثمان رضي الله عنه على سودان بن حمران أحد قتلة عثمان رضي الله عنه، فقتله، فقام رجل من أهل الفتنة يُسمّى قترة، فقتل الغلام، فقام غلامٌ آخر، وقتل قترة، فقام القوم، وقتلوا الغلام الثاني.

ففي هذا الحدث قُتل عثمان رضي الله عنه، واثنين من غلمانه، وقُتل أيضًا بعض الصحابة، وبعض أبنائهم، وجُرح عبد الله بن الزبير، كما جُرح الحسن والحسين رضي الله عنهم جميعًا.

ثم توجه هؤلاء الفجرة الخوارج إلى بيت مال المسلمين، وحاولوا أن يأخذوا المال، وهذا يؤكد لنا أنه ما أخرجهم إلا حب الدنيا، فصرخ حراس بيت المال: النجا النجا.

ولكن غلبهم أهل الفتنة، واستطاعوا الاستيلاء على أموال كثيرة من بيت المال، وصاح حفظة بيت المال: والله إنهم قوم يريدون الدنيا، وما أرادوا الإصلاح كما قالوا.

أما الجيوش التي كانت على مشارف المدينة مرسلة من ولاة عثمان، فقد رجعت إلى أمرائها بعد معرفتها بمقتل عثمان وتولية عليّ رضي الله عنه.

الصحابة بعد مقتل سيدنا عثمان

ما هو ردّ فعل الصحابة رضوان الله عليهم تجاه مقتل عثمان رضي الله عنه؟

هذا الأمر من الأهمية بمكان حيث إنه يُذكر بصورة مشوهة في كتب الشيعة، ويشيرون إلى أن الصحابة رضي الله عنهم قد سعدوا بمقتل عثمان رضي الله عنه؛ لأنه كان مخالفًا لما هم عليه، وكانوا يعارضون استمراره في الحكم، ومثل هذه الأكاذيب والأغاليط.

علم الصحابة رضي الله عنهم بهذا الأمر، وعلموا أمرًا آخر عجيبًا، فالقتلة بعدما فعلوا هذه الجريمة النكراء، فعلوا كما فعل أصحاب موسى عليه السلام لما عبدوا العجل، فقد ندموا على هذا أشد الندم، ويخبر الله عز وجل عن أصحاب موسى في كتابه الكريم قال تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف:149].

فهؤلاء القتلة بعد أن شاهد كثيرٌ منهم الدماء، وشاهدوا عثمان بن عفان رضي الله عنه طريحًا على الأرض شعروا بجرمهم وبسوء ما فعلوا، فندموا على ذلك، ونُقل إلى الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر، فقال الزبير بن العوام رضي الله عنه: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحّم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبًّا لهم.

ثم تلا قوله تعالى {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُون} [يس: 49، 50].

ولما بلغ عليًا رضي الله عنه هذا الخبر، وقيل: كان بحضرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما بلغه هذا الخبر، الحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، فلطمَ الحسينَ، وضرب الحسنَ، في صدره، وسبَّ عبد الله بن الزبير، ومحمد بن طلحة، وقال لهم: كيف يُقتل، وهو بين أيديكم؟!

ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان.

ثم قالوا له: إنهم قد ندموا على ما فعلوا.

فقال لهم: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ} [الحشر:16].

ولما بلغ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أمْر قتل عثمان رضي الله عنه استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعً} [الكهف:103، 104].
ثم قال سعد: اللهم اندمهم ثم خذهم، ودعوته رضي الله عنه مستجابه لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يكون مستجاب الدعوة، واستجاب الله عز وجل لدعوته، فقد أقسم بعض السلف بالله: إنه ما مات أحد من قتلةِ عثمان إلا مقتولا، وتأخر بعض هؤلاء القتلة إلى زمن الحجاج، وقُتل على يده، ولم يفلت أحد منهم من القتل، وباءوا بشَرَّيْ الدنيا والآخرة.

خبر مقتل عثمان يصل إلى الشام

بعد هذه الأحداث أخذت السيدة نائلة بنت الفرافصة رضي الله عنها زوجة عثمان رضي الله عنه، أخذت القميص الذي قُتل فيه عثمان رضي الله عنه وعليه دماؤه، وأصابعها، وكفها التي قُطعت، وهي تدافع عن زوجها؛ وأعطت كل ذلك للنعمان بن بشير رضي الله عنه، وقالت له: خذهم إلى معاوية بن أبي سفيان فهو وليه.

وحمل النعمان بن بشير رضي الله عنه هذه الأمانات إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بالشام، فلما وصلت هذه الأشياء إلى معاوية رضي الله عنه علّقها على المنبر في المسجد، وبكى وأقسم أن ينتقم، وأن يثأر له، ووافقه أهل الشام جميعًا على ذلك، وكان فيهم الكثير من الصحابة، كأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وغيرهم رضي الله عنهم جميعًا، وكان أبو الدرداء قاضي الشام، ومن أعلم أهلها، وأفتى رضي الله عنه بوجوب أخذ الثأر من قتلة عثمان رضي الله عنه، فجلس سبعون ألف رجل يبكون تحت قميص عثمان بن عفان ويقسمون على الأخذ بثأره.

وكان من بين من وافق على هذا الأمر وأفتى به- بوجوب أخذ الثأر- أبو مسلم الخولاني وهو من كبار التابعين، ويُقال أنه أعلم أهل الشام بعد أبي الدرداء رضي الله عنه.

ووصل هذا الخبر إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، وأرضاها، وكانت في مكة هي وجميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم للحج، وكُنّ في طريقهن إلى المدينة عائدات من الحج حين بلغهم مقتل عثمان رضي الله عنه، فرجعن إلى مكة مرة أخرى، ولما علمت السيدة عائشة رضي الله عنها بمقتل عثمان رضي الله عنه قالت: تركتموه كالثوب النقي من الدنس، ثم قربتموه، ثم ذبحتموه كما يذبح الكبش؟ فقال لها مسروق وهو من كبار التابعين: هذا عملكِ، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم أن يخرجوا إليه.

فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا.

وصدقت رضي الله عنها وأرضاها فيما قالت.

قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كُتب على لسانها.

وكما ذكرنا أن رءوس الفتنة كانوا يُزَوّرون الخطابات التي تسيء إلى عثمان رضي الله عنه، وينسبونها إلى الصحابة كذبًا، وافتراءً، حتى يؤججوا نار الفتنة، ويصلوا إلى ما يريدون.

وبعد أن رجع أمهات المؤمنين إلى مكة انتظرن إلى أن يرين ما تصير إليه الأمور.

الصحابة يدفنون عثمان رضي الله عنه

لما قتل عثمان رضي الله عنه في هذا اليوم (الجمعة 18 من ذي الحجة 35 هـ) قبل صلاة المغرب؛ تقدم مجموعة من الصحابة إلى بيته وصلوا عليه في بيته بين المغرب والعشاء، وهذا على أصح الأقوال، وبعض الروايات تقول أنهم صلوا عليه في اليوم الثاني، وتقول روايات أخرى أنهم صلّوا عليه في اليوم الثالث، وأصحها القول الأول.

وحمله الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا إلى مكان خارج المدينة يُسمى (حش كوكب) وهو غير المكان الذي يَدفن فيه أهل المدينة موتاهم، وقد ذهب به الصحابة رضوان الله عليهم إلى هذا المكان؛ لأنهم كانوا يخشون عليه من أهل الفتنة أن يخرجوه جسده، ويمثّلوا به، أو أن يقطعوا رأسه رضي الله عنه كما حاولوا ذلك بعد قتله.

ويروى الإمام مالك رضي الله عنه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه عندما كان يمرّ على هذا المكان وهو حي ( حش كوكب ) كان يقول: يُدفن هاهنا رجل صالح.

فغسلوه رضي الله عنه، وكفنوه، وصلوا عليه، وفي بعض الروايات أنهم لم يغسلوه، وصلى عليه أحد الصحابة، إما أبو هريرة، وإما المسوّر بن مخرمة وقيل غيرهما.

وبعد أن دُفن رضي الله عنه، حمل الصحابةُ رضي الله عنهم الرقيقين اللذين قُتلا في بيته رضي الله عنه، ودفنوهما بجواره رضي الله عنهم جميعًا.

وحتى نعلم ما كان في قلوب هؤلاء الفجرة من حقد دفين على الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه يروى عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة، وإذا رجل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي.

فقلت: يا عبد الله، ما سمعت أحدا يقول ما تقول.

قال: كنت أعطيت لله عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت والناس يجيئون يصلون عليه، فدخلت كأني أصلي عليه، فوجدت خلوة، فرفعت الثوب عن وجهه، ولحيته، ولطمته، وقد يبست يميني.

قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود.

وصية سيدنا عثمان رضى الله عنه

وقد ترك عثمان رضي الله عنه في بيته وصية كان فيها:

هذه وصية عثمان:

بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيى وعليها يموت، وعليها يبعث إن شاء الله تعالى.

مبايعة علي بن أبي طالب
في تلك الفترة كان على المدينة أميرُ أهل الفتنة الغافقي بن حرب، وقد سارع المتمردون من أهل مصر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقولون له: نبايعك على الإمارة.

فسبّهم، ولعنهم، ورفض ذلك، وطردهم، وذهب إلى حائط- بستان- من حيطان المدينة، وذهب المتمردون من أهل الكوفة إلى الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه، وطلبوا منه أن يكون أميرًا، ففعل معهم مثل ما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذهب كذلك أهل البصرة إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه وطلبوا أن يكون أميرًا، فرفض ذلك وردهم، وتحيّـر أهل الفتنة فيمن يتولّى خلافة المسلمين، وحتى هذه اللحظة لم يفكّر المتمردون في تولية أحدهم أميرًا على المسلمين، وإنما جعلوا الغافقي أميرهم أميرًا على المدينة إلى أن يتم اختيار الأمير، وكان يصلّى خلفه المتمردون، وأهل المدينة، واستمر الحال على هذا الأمر خمسة أيام.

وسارع الصحابةُ رضوان الله عليهم إلى علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وقالوا له: أنت أحق الناس بهذا الأمر فامدد يدك نبايعك.

ورفض علي رضي الله عنه هذا الأمر، وازدادت حيرة أهل الفتنة، فذهبوا إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فرفض هذا الأمر تمامًا، فقالوا له: أنت ممن رضي عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم عمر، ولكنه رضي الله عنه رفض.

فذهبوا إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فرفض أيضًا، فرجعوا مرة أخرى إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال الصحابة رضوان الله عليهم لعلي رضي الله عنه: إن لم تكن أميرًا، فسوف يجعلون الأمير منهم، يعني أهل الفتنة، فاجتمع على علي رضي الله عنه بعض الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا، وبعض أهل الفتنة، وطلبوا منه أن يكون الأمير، وكان أول من بايعه الأشتر النخعي، وكان ممن خرج مع أهل الفتنة من الكوفة، وسبب خروجه مع أهل الفتنة شيئان متعارضان:

الأول: غلّوه في الدين، وظنه أن ما كان يُدّعى على عثمان رضي الله عنه يستوجب خلعه من الخلافة، وإلا قتله.

والشيء الثاني: أنه كان يحب الرئاسة والزعامة، وكان له كلمة على أهل الفتنة، وعلى أهل الكوفة، وله قوم، وعشيرة.

ومع هذا الضغط المتزايد على عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه قَبِل بالأمر، لكنه اشترط أولًا أن يبايعه بدايةً طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام رضي الله عنهما؛ لأنه خشِي إن وُلّي الأمر أن ينقلب أهل الكوفة، أو البصرة، ويطلبون طلحة، أو الزبير رضي الله عنهما ليكون أميرًا، ويحدثون فتنة أخرى، فذهبوا إلى طلحة، والزبير رضي الله عنهما فقالا: دمُ عثمان أولًا.

وبعد جدال ونقاش وأنه لا بدّ من تولية أحد حتى لا تتسع الفتنة أكثر من ذلك فوافقا على البيعة، فذهب طلحة بن عبيد الله، وبايع عليًا رضي الله عنه، وهو ما زال على المنبر وكان في انتظار مبايعتهما، فبايع طلحة رضي الله عنه بيده اليمنى، وكانت شلّاء ويوجد رواية ضعيفة تشير إلى أن رجلًا ممن بالمسجد قام، فقال: والله إن هذا الأمر لا يتم أول يد تبايع يد شلّاء.

وإن صح هذا القول، فالمعنى فاسد؛ لأن هذه اليد هي من خير الأيدي الموجودة في المدينة المنورة، وقد شُلّت عندما كان يدافع صاحبها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، عندما أطلق مالك بن الربيع سهمًا على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان لا يطلق سهمًا إلا أصابه، فأسرع طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ووضع يد ليردّ بها السهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم فشُلّت يده، ودافع رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعًا شديدًا في هذه الغزوة حتى طُعن أكثر من أربع وعشرين طعنة، وكان الصديق أبو بكر رضي الله عنه كلما تذكر غزوة أحد يقول: والله هذا يوم طلحة.

هذه اليد التي بايعت عليًا رضي الله عنه وأرضاه، إنما هي يدٌ مباركة.

ثم جاء الزبير بن العوّام رضي الله عنه وأرضاه، وبايع عليًا رضي الله عنه، وما قيل أن الزبير رضي الله عنه قال: بايعت والسيف على رقبتي.

كلام باطل وهي رواية موضوعة، وليس لها أساس من الصحة.

ثم قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ووقف على المنبر وأعلن قبوله لأن يكون أميرًا للمؤمنين، وذلك في اليوم الخامس لاستشهاد عثمان رضي الله عنه، وخطب رضي الله عنه خطبة عصماء، ذكّر الناس فيها بالآخرة، وبغّضهم في الدنيا، ولعن من سعى في الأرض فسادًا.

إلى هذا الوقت، وإن كان عليًا رضي الله عنه قد أصبح خليفة للمسلمين، إلا أن الأمر لا زال بيد المتمردين الذين يحملون السلاح، وهم أكثر عددًا، وعدّة من أهل المدينة.

في هذا الوقت يذهب طلحة والزبير رضي الله عنهما إلى علي رضي الله عنه بوصفه خليفة المسلمين ويقولان له: دم عثمان، فهما رضي الله عنهما يريدان منه رضي الله عنه أن يقتل من قتل عثمان رضي الله عنه.

فقال لهما: إن هؤلاء لهم مددٌ وعونٌ وأخشى إن فعلنا ذلك بهم الآن أن تنقلب علينا الدنيا.

كان تفكير علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينتظر حتى تهدأ الأمور ويتملك زمامها جيدًا، وبعدها يقتل قتلة عثمان بعد محاكمتهم بشكل عادل ويعزّر من يرى تعزيره، أما الآن، فهؤلاء القتلة لهم من القوة، والمنعة في المدينة، وفي أقوامهم في الكوفة، والبصرة، ومصر ما لو قتلهم لأحدث ذلك فتنة عظيمة، وانقلب كثير من الناس بقبَلِيَّتهم، وعصبيتهم على الدولة الإسلامية.

فلما سمع طلحة والزبير رضي الله عنهما ذلك من علي رضي الله عنه، قالا له: ائذن لنا بالعمرة، فأذن لهما، فتركا المدينة، وتوجها إلى مكة ومكثا فيها وقتًا.

بدأ الإمام علي رضي الله عنه في دراسة أحوال الدولة الإسلامية وكيفية درأ آثار الفتنة التي حدثت، وكان الأمر بيد المتمردين بشكل واضح، وكان لهم كلمة مسموعة حتى أن عليًا رضي الله عنه اضطُر- مع كراهته لهم جميعًا- أن يولّى بعضهم على بعض المهام في الدولة، كالأشتر النخعي، وذلك نظرًا لكلمتهم المسموعة، وسيطرتهم على الأمور.

كان على الكوفة وقت تولّي علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وعلى البصرة عبد الله بن عامر رضي الله عنه، وكان على مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله عنه، ولكن في هذا الوقت كان قد تغلب عليها محمد بن أبي حذيفة، وكان أحد معاوني عبد الله بن سبأ، وكان يعمل من الباطن دون أن يظهر، وكان على الشام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وعلى اليمن يعلى بن أمية التميمي.

رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بدايةً تغيير هؤلاء الأمراء درءًا للفتنة التى زعم أهلها المطاعن على هؤلاء الأمراء، ورأى رضي الله عنه أن يولّى من يصلح للسيطرة على الأمور في هذا التوقيت.

موقف معاوية من مقتل عثمان بن عفان

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه -كما ذكرنا- وصله خبر قتل عثمان رضي الله عنه، ووصله القميص، وأصابع وكف السيدة نائلة، وقالت له السيدة نائلة رضي الله عنها في الرسالة التي بعثت بها إليه: إنك ولي عثمان.

وهو بالفعل وليه؛ لأنه من بني أمية، فلم يبايع معاوية رضي الله عنه عليًا رضي الله عنه، واشترط أن يأخذ بثأر عثمان رضي الله عنه، وأن يقتص من قاتليه، وأن من لم يفعل ذلك، فقد عطّل كتاب الله، ولا تجوز ولايته، فكان هذا اجتهاده رضي الله عنه، ووافقه على هذا الاجتهاد مجموعة من كبار الصحابة، منهم قاضي قضاة الشام أبو الدرداء رضي الله عنه، وعبادة بن الصامت وغيرهما.

وهذا الأمر، وإن كانوا اجتهادًا، إلا أنهم قد أخطأوا في هذا الاجتهاد، وكان الحق مع علي رضي الله عنه، وكان الصواب أن يبايعوه رضي الله عنه، ثم بعد ذلك يطالبوا بالثأر لعثمان رضي الله عنه بعد أن تهدأ الأمور، ويستطيع المسلمون السيطرة على الموقف، لكن معاوية رضي الله عنه كان على إصرار شديد على أن يأخذ الثأر أولًا قبل البيعة، وإن أخذ علي رضي الله عنه الثأر فلا بأس المهم أن يُقتلوا، وقال رضي الله عنه: إن قتلهم علي بايعناه.

وجاء عبد الله بن عباس رضي الله عنه ناصحًا لعلي رضي الله عنه ألا يغيّر أمراء الأمصار، حتى تهدأ الأمور نظرًا للفتنة القائمة، لكن عليًا رضي الله عنه أصرّ على رأيه بتغيير الولاة، فولّى عليٌّ عبد الله بن عباس على اليمن، وعثمان بن حنيف رضي الله عنه على البصرة، وعمارة بن شهاب رضي الله عنه على الكوفة، وسهل بن حنيف رضي الله عنه على الشام، وقيس بن سعد رضي الله عنه على مصر.

أما عبد الله بن عباس رضي الله عنه فقد ذهب إلى اليمن، وتولّى الإمارة بها، وذهب عثمان بن حنيف إلى البصرة، وفاجأ أهلها بصعود المنبر وأعلن رضي الله عنه أنه الأمير، فانقسم الناس منهم من وافقه، ومنهم من قال: لا نقبل إمارتك إلا بعد أخذ الثأر لعثمان رضي الله عنه.

لكن الأغلب كان معه وتمكنت له الأمور، واستطاع السيطرة على البصرة، أما عمارة بن شهاب فقد قابله طلحة بن خويلد على باب الكوفة، ومنعه من دخولها بالقوة، وردّه إلى علي رضي الله عنه، وتفاقم الأمر بالكوفة، ولما أرسل عليٌ رضي الله عنه يستوثق من الأمر جاءته رسالة من أبي موسى الشعري أن جل أهل الكوفة على الطاعة له، أي لعلي رضي الله عنه.

أما سهل بن حنيف رضي الله عنه المتوجه إلى الشام، فقد قابلته خيل معاوية رضي الله عنه على أطراف الشام، فقالوا له: من أنت؟

فقال: سهل بن حنيف.

فقالوا له: ولِمَ جئت؟

قال: جئت أميرًا.

فقالوا له: إن كنت قد جئت من طرف عثمان فأهلًا، وإن كنت قد جئت من طرف علي فارجع، وإلا دخلت الشام على دمائنا.

ورجع رضي الله عنه إلى المدينة.

أما قيس بن سعد المتوجه إلى مصر فقد وصل إليها، وتمكن من الأمور، وقد انقسم أهل مصر إلى ثلاث طوائف، كان الأغلب منهم مبايعًا لقيس بن سعد، والبعض امتنع عن إبداء الرأي، والبعض قالوا: إنهم مع من يطالب بدم عثمان بن عفان رضي الله عنه.

أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يحثّه على مبايعته لئلا يكون خارجًا عليه، لكن معاوية رضي الله عنه يرى باجتهاده أن عدم الأخذ بثأر عثمان رضي الله عنه مخالفة لكتاب الله، وأن من خالف كتاب الله لا تجوز مبايعته، ولم يكن في تفكير معاوية رضي الله عنه خلافة، ولا إمارة كما يُشاع في كتب الشيعة، بل وفي كتب بعض أهل السنة الذين ينقلون دون تمحيص أو توثيق.

أرسل علي رضي الله عنه ثلاث رسائل إلى معاوية رضي الله عنه دون أن يرد معاوية، إلا أنه أرسل لعلي رضي الله عنه رسالة فارغة، حتى إذا فتحها أهل الفتنة في الطريق لا يقتلون حاملها، ودخل حامل الرسالة على علي رضي الله عنه مشيرًا بيده أنه رافض للبيعة، فقال لعلي رضي الله عنه: أعندك أمان؟

فأمّنه عليّ رضي الله عنه.

فقال له: إن معاوية يقول لك: إنه لن يبايع إلا بعد أخذ الثأر من قتلة عثمان، تأخذه أنت، وإن لم تستطع أخذناه نحن.

فرفض ذلك علي رضي الله عنه، وقال: إن معاوية خارجٌ عن الولاية، ومن خرج يُقاتَل بمن أطاع. أي أنه رضي الله عنه رأى أن يستعين بمن أطاعه على من عصاه.

فقرر رضي الله عنه أن يجمع الجيوش، ويتوجه بها إلى الشام، وإن لم يبايع معاوية رضي الله عنه يُقاتَل، هذا الاجتهاد هو الصحيح في مثل هذه الموقف.

بدأ علي رضي الله عنه يستنصر بالمسلمين، فأرسل رسالة إلى أبي موسى الأشعري في الكوفة، وإلى عثمان بن حنيف في البصرة، وإلى قيس بن سعد في مصر، وإلى عبد الله بن عباس في اليمن يستمد منهم المدد لهذا الأمر، وخالفه في ذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنه، لكن عليًا رضي الله عنه أصرّ وجاء إليه ابنه الحسن وقال له: يا أبتِ، دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم.

فلم يقبل منه علي رضي الله عنه هذا الأمر، وأصرّ على القتال واستعد رضي الله عنه للخروج إلى الشام.

استخلف علي رضي الله عنه على المدينة ابن أخيه قثم بن عباس رضي الله عنه، وجهز الجيش للخروج، فكان على الميمنة عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ولم يمنعه الخلاف معه في الرأي أن يخرج معه، وعلى الميسرة عمرو بن أبي سلمة، وعلى المقدمة أبو ليلى بن عمرو الجرّاح، وهو ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم وأرضاهم جميعًا.

وبينما علي رضي الله عنه خارج بجيشه من المدينة متوجهًا إلى الشام حدث في مكة أمر لم يكن متوقعًا فغيّر علي رضي الله عنه من خطته بالكلية.

كان بمكة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين عدا السيدة أم حبيبة، فقد كانت بالمدينة، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم جميعًا، وأيضًا يعلى بن أمية التميمي الذي كان واليًا لعثمان رضي الله عنه على اليمن، ولما حدثت الفتنة جاء إلى مكة، ومعه ستمائة من الإبل، وستمائة ألف درهم من بيت مال اليمن، واجتمع كل هؤلاء الصحابة، وبدءوا في مدارسة الأمر وكان رأيهم جميعًا- وكانوا قد بايعوا عليًا رضي الله عنه- أن هناك أولوية لأخذ الثأر لعثمان رضي الله عنه، وأنه لا يصح أن يؤجل هذا الأمر بأي حال من الأحوال، وقد تزعّم هذا الأمر الصحابيان طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام رضي الله عنهما .. وكان هذا الأمر مقدمةً لموقعة الجمل.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:21

الطريق إلى موقعة الجمل
بدأت أحداث هذه الفتنة الكبرى قبل وفاة عثمان بن عفان ، بعد أن افترى أهل الفتنة المطاعن عليه ، وعلى ولاته، وقد أتى أهل الفتنة بأنفسهم إليه ، وجادلوه، وغلبهم ، وعلا عليهم في المجادلة، وبعد أن اتفقوا على الصلح، وتوجهوا إلى بلادهم، رجعوا مرةً أخرى بعد أن وصلتهم الخطابات المزورة، وحاصروا بيت عثمان ، وقتلوه، وذكرنا ملابسات هذا الأمر، وموقف الصحابة رضي الله عنهم منه.

وقفة مهمة

هذه بعض النقاط المهمة التي تشير إلى هذا الأمر بشيء من التفصيل:

ربما نرى الآن الأمور واضحة، والحق مع فلان، وفلان على خطأ، وربما نتساءل: لماذا لم يأخذ فلان بهذا الرأي مع وضوحه في نظرنا أنه الصواب؟

لكن ما ينبغي أن يُقال في هذا المقام أن كلًّا من الصحابة كان له ثِقَلُهُ، ومكانته، وقدره في الإسلام، فعلي بن أبي طالب أفقه أهل الأرض في ذلك الوقت، والزبير بن العوام حواريّ رسول الله ، وطلحة بن عبيد الله الذي كان يُسمى طلحة الخير له قدره، ومكانته في الإسلام، والسيدة عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين كان لها مكانتها، ولها أيضًا رأيها، وهكذا نجد أن مجموعة من أعلم أهل الأرض، وفقهائها في كل العصور يقول كل منهم رأيه حسب اجتهاده، وما من شك أن هؤلاء رضي الله عنهم هم أتقى أهل الأرض في زمانهم.

ومع العلم، والفقه، والتقوى، وهذه الصفات الحميدة التي كانوا عليها، إلا أن رأي كل منهم بعد اجتهاده، وتدقيقه، وفقهه، وتقواه يختلف عن رأي صاحبه الذي يعاصره، فما بالنا نحن الذين نريد أن نحكم على الأحداث بعد ألف وأربعمائة عام من وقوعها مع الأخذ في الاعتبار أن الكثير من الحقائق قد شُوّهت إما عمدًا أو جهلًا.

وقد ذكرنا الكثير من كتب التاريخ التي تطعن في الصحابة رضي الله عنهم إما عمدًا، وإما جهلًا.

وقد بُني داخل الكثير منا، من خلال دراستنا للتاريخ في مدارسنا وجامعاتنا بصورة مشوهة وغير صحيحة، بُنيت بعض الأمور التي نظنّ أنها هي الحقيقة، بل نجادل من يقول بخلافها، وما نودّ أن نقوله هو:

لو حدث أنك لم تقتنع بشكل كافٍ بأمر من الأمور، فافترض أن بعض الأمور قد غابت عنك، ولكن لا تظن على الإطلاق أن أحد هؤلاء الأخيار قد تعمّد قيام مثل هذه الفتنة، وأن يقاتل هؤلاء رغبة في الملك، أو الإمارة، أو المال، أو أي أمر من أمور الدنيا، فهؤلاء قد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو راض عنهم ورضي الله عنهم، ويشير إلى ذلك الكثير من الآيات، والأحاديث، وهذا من عقائدنا، فلا يخالف أحد العقيدة بظنٍ قد يظنه بأحد هؤلاء الأخيار رضي الله عنهم جميعًا.

مما ينبغي الإشارة إليه أيضًا ضعف الاتصالات بين الصحابة، وبين كثير من الناس ممن يسكن الأمصار النائية، ويتأثرون بما يشيعه أهل الفتنة من افتراءات، وكذب، ورسائل مزورة ينسبونها إلى الصحابة رضي الله عنهم، ولو قدّر لهذا الأمر أن يحدث في العصر الحديث مع توافر وسائل الاتصال المختلفة من هاتف وتلفاز، ما كان للأمور أن تتفاقم بهذا الحجم، وذلك أن الأمور كان تسير بسوء من مدبري الفتنة دون أن يعلم الأمراء، ودون أن يعلم عثمان إلا بعد أيام، بل شهور، وتصحيح فكر الناس يحتاج إلى وقت كبير ذهابًا وإيابًا، فضُلّل كثير من الناس.

وكان ما حدثَ من أمور إنما هو من قضاء الله عز وجل ومن ابتلائه لهم رضي الله عنهم جميعًا { وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب:38].

ربما يتساءل البعض أيضًا: لماذا لم يسمح عثمان للصحابة رضوان الله عليهم أن يدافعوا عنه في هذه الأزمة؟

نقول: إن القاعدة الشرعية تقول:

إن على المرء أن يدفع أعظم الضررين، وأن يجلب أكبر المنفعتين قدر ما يستطيع، فإذا كان هناك ضرران من المحتّم أن يحدث أحدهم، فيتم اختيار أخفهما ضررًا منعًا لحدوث أكبرهما، وكذلك في المنافع ينبغي اختيار المنفعة الأكبر دون الأقل، وكذلك في قضية تغيير المنكر لا يصح أن يُغيّر بمنكرٍ أكبر منه.

وانطلاقًا من هذه القاعدة كان عثمان بن عفان يقيس المنافع والأضرار، فرأى - ومعه الحق في ذلك- أنه إذا وصل الأمر إلى قتله في مقابل أن لا يُقتل جميع الصحابة، فهذا أفضل للإسلام وللمسلمين، فقرر أن يضحي بنفسه، وهي شجاعة نادرة، وليست سلبية، أو جنبًا، أو عجزًا عن أخذ الرأي، فقد ضحّى بنفسه لئلا يجعل الصحابة رضوان الله عليهم يدخلون في قتال مع هؤلاء الخوارج، فيُقتل الصحابة في هذه الفتنة، وكان عدد أهل الفتنة- كما نعرف- أكبر بكثير من عدد الصحابة.

وأمر عثمان ، بل أقسم على من له حق عليه أن يضع سيفه في غمده، فلو دافعوا عنه لعَصَوه ، وعنهم جميعًا كما قال ذلك علي بن أبي طالب عندما سأله أحد الناس بعد ذلك:

كيف وسِعَك أن تدع عثمان يُقتل؟

فقال : لو دافعنا عنه عصيناه، لأنه قال: من سلّ السيف فليس مني.

وقد قال عثمان لغلمانه: من أغمد سيفه فهو حرّ.

فهو يريد بذلك ألا تقع الفتنة بأي صورة من الصور.

ربما يقول البعض: ولكن الفتنة حدثت وسُفكت الدماء بعد ذلك في موقعة الجمل وصفين؟

نقول: إن كل هذا لم يكن في الحسبان، وإن التقدير المادي البشري الذي اتبعه عثمان كان يشير إلى أن ما أقدم عليه من رأي يقمع الفتنة في بدايتها، ولكن الأمر تطور بعد ذلك على غير ما توقع الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب:38].

وينبغي عند الحكم في مثل هذه القضايا أن يكون للعقل دوره، وألا تتحكم العاطفة وحدها في الأمر كله، فموقف قتل عثمان بن عفان بهذه البشاعة، وبهذا الجرم الذي لم يحدث من قبل، تأخذ الحميّة البعض وينسون القاعدة الشرعية التي هي الأخذ بأخف الضررين، ودفع أكبرهما، ويطالبون بالثأر له قبل أي شيء، ولا شك أن هذه الأمور كلها كانت واضحة تمامًا عند علي بن أبي طالب يوم أن قرر أن يسكت عن قتلة عثمان بن عفان بصفة مؤقتة، فلم يكن قد مُكّن الأمر له في البلاد بعد، وعلينا أن نتخيل ما الذي كان من المتوقع أن يحدث لو فعل ما تمليه العاطفة، ونقدّر التوابع المترتبة على هذا الأمر، هل هي أكبر أم أقل منه، وعندها نستطيع أن نصدر الحكم الصحيح، مع الأخذ في الاعتبار أن عليًا من أفقه أهل الأرض في هذا الوقت إن لم يكن أفقههم جميعًا .

ربما قال البعض: لِمَ لَمْ يترك عثمان بن عفان الخلافة درءًا للفتنة؟

ذكرنا الحديث الصحيح عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عُثْمَانُ، إِنْ وَلَّاكَ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ يَوْمًا، فَأَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَ قَمِيصَكَ الَّذِي قَمَّصَكَ اللَّهُ فَلَا تَخْلَعْهُ، يَا عُثْمَانُ، إِنْ وَلَّاكَ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ يَوْمًا، فَأَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَ قَمِيصَكَ الَّذِي قَمَّصَكَ اللَّهُ فَلَا تَخْلَعْهُ، يَا عُثْمَانُ، إِنْ وَلَّاكَ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ يَوْمًا، فَأَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَ قَمِيصَكَ الَّذِي قَمَّصَكَ اللَّهُ فَلَا تَخْلَعْهُ".

وكرّر ذلك ثلاث مرات، وفي هذا دلالة واضحة على أن على عثمان أن يتمسك بهذا الأمر، وتركه الأمر لهؤلاء المنافقين حينئذٍ إنما هو مخالفة واضحة لنصّ حديث رسول صلى الله عليه وسلم، والذي رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم.

ومن الأمور المهمة التي يجب الإشارة إليها في هذا الموضوع أن من عقيدة المسلمين الإيمان بما قاله الرسول ، وثبتت صحة نسبته إليه، حتى ولو لم يكن هناك دليل مادي على الأمور الغيبية التي أخبر بها الرسول ، ومن بين ما أخبر به الرسول هذا الحديث الذي يؤكد على عثمان بن عفان التمسك بالخلافة حال حدوث الفتنة، وعدم تركها للمنافقين.

فعثمان على يقين أن ما قاله الرسول هو الحق، وهو ما ينبغي أن يُتّبع، هو أمر صريح من رسول الله ، واتباع عثمان لهذا الأمر إنما هو دليل على صدق إيمانه.

ربما لا يقتنع الماديون بالأمور الغيبية، ولكننا نخاطب المؤمنين الذين ذُكر من صفاتهم في القرآن الكريم: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة:3].

لا بد إذن من الإيمان اليقيني بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف عرف النبي أن هذه الفتنة سوف تحدث في عهد عثمان إلا أن يكون وحيًا من الله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجم:4].

ذكرنا أيضًا أنه بعد مقتل عثمان بن عفان اجتمع كل الناس بمن فيهم الصحابة على عليٍّ ، فرفض هذا الأمر رفضًا تامًا، وبعد ضغوط كثيرة اضطر أن يقبل الخلافة، وكان ذلك بعد خمسة أيام من مقتل عثمان ، وبايعه أيضًا طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهما على خلاف في الروايات التي تقول: إنهما بايعا مكَرَهِين.

ثم بايعه بقية الناس، وتأخر بعض الناس في البيعة، لكنهم بايعوا بعد ذلك، وأرسل علي إلى كل الأمصار يخبرهم بهذا الأمر، وكان الواجب على كل الأمصار أن ترسل مبايعتها لعلي بهذه الخلافة.

كان أهل الفتنة في هذا الوقت يسيطرون على الأمور في المدينة بصفة عامة، ولهم من القوة والسلاح ما يؤهلهم لذلك، ولم يكن بيد علي بن أبي طالب في هذا الوقت من القوة ما يستطيع من خلاله أن يقتل قتلة عثمان دون أن تحدث فتنة عظيمة في الأمصار المختلفة، والتي سوف تثور لهؤلاء القتلة بدافع الحمية، والعصبية، فآثر أن يؤجل محاكمة هؤلاء القتلة إلى حين تثْبت أركان الدولة، ثم يتصرف التصرف الذي يراه مناسبًا مع كل من شارك في هذه الفتنة، فمنهم من يُقتل كرءوس الفتنة، والمحرّضين عليها، ومن شارك في القتل بيده، ومنهم من يُعزّر كالجهّال الذين يظنون أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر بهذا الفعل الشنيع، فكلٌ له حكمه، وكانت إقامة هذه المحاكمة في هذا التوقيت من الأمور الصعبة للغاية نظرًا لأن كثيرًا من الأمور لا زالت بأيدي هؤلاء المتمردين، وهناك الكثير من القبائل الملتفة حول هذه الرءوس التي أحدثت الفتنة، وهذه القبائل قد دخلت في الإسلام حديثًا، ولم يتعمق الإيمان في قلوبهم كما تعمق في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ظل الرسول ثلاثة عشر عامًا يربي المؤمنين في مكة، ولم ينزل التشريع إلا في المدينة بعد أن تمكن الإيمان من قلوب المهاجرين، والأنصار، وأعطاهم الله تعالى الملك، والإمارة بعد ذلك بسنين عديدة، ومن ثَمّ لم تحدث مخالفات، أما من لم يمر بهذه المرحلة من التربية، ثم كانت له الإمارة، أو الخلافة، فلا شك أنه سوف تنشأ من جهته أمور عظيمة، وفتن كثيرة، فهذه القبائل الملتفّة حول أهل الفتنة كان لديهم شيء من القبلية، ومن العصبية، ومن حب الدنيا، ومن حب الإمارة، ولم يكن علي يدري ما سوف تفعله تلك القبائل حال قتله لأهل الفتنة، فربما قاموا بتجميع الجيوش، وقاموا بالثورات في مختلف الأمصار في مصر، والكوفة، والبصرة، واليمن، ويستقل كل أمير بإمارته، وتتفتت الدولة الإسلامية، وهذا كله بسبب قتل قتلة عثمان .

فأيهما أشد في ميزان الإسلام؟!

أن تتفكك الدولة الإسلامية ويصبح كل أمير على مصر من الأمصار، كما هو حالنا اليوم، أم يصبر على قتل عثمان - والذي قُتل بالفعل- إلى أن تدين له كل أطراف الدولة الإسلامية، ويستقر الحكم، وتهدأ الفتن، ثم يعاقب كلًا بما يستحق.

وهذه الأمور كلها من الأمور الاجتهادية، والحق فيها ليس واضحًا لأيٍّ من الأطراف تمام الوضوح، وعلي عندما يأخذ قرارًا من القرارات يفكر كثيرًا قبل أن يصدره، ويستشير، ثم يخرج بالقرار في النهاية، وكانت الأمور في منتهى الغموض كما يقول من يصف الفتنة أنها "يبيت فيها الحليم حيرانًا" وقد تحيّر الصحابة رضوان الله عليهم كثيرًا في هذه الأمور، ولم يأخذوا قرارتهم إلا بعد تفكير عميق، وفكر ثاقب، واجتهدوا قدر استطاعتهم، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، وهم ليسوا بمعصومين، وهم جميعًا من أهل الاجتهاد حتى لا يقول أحد:

ولِمَ اجتهدوا في وجود علي ، وهو أفقههم وأعلمهم؟

إنهم جميعًا رضي الله عنهم من أهل الاجتهاد، فالسيدة عائشة رضي الله عنها من أهل الاجتهاد، والزبير بن العوّام من أهل الاجتهاد، وطلحة بن عبيد الله من أهل الاجتهاد، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، والذي ترك الأمور واعتزل من أهل الاجتهاد، وسعد بن أبي وقاص من أهل الاجتهاد.

إذن فعليٌ وأرضاه، ومن حاربوه جميعًا مجتهدون، والمجتهد يحق له أن يجمع بين الأمور، وأن يأخذ ما يراه مناسبًا منها، وعلينا ألا نلّوث ألستنا، أو عقولنا بظنٍ سيئٍ فيهم، والأحداث لا تتضح إلا بعد انتهائها.

أرسل علي بن أبي طالب عثمان بن حنيف أميرًا على البصرة، فذهب إليها، واعتلى المنبر، وأخبرهم بأنه الأمير عليهم من قِبل علي بن أبي طالب ، أما أميرهم الأول عبد الله بن عامر، فقد كان ممن يطالبون بدم عثمان بن عفان وأرضاه، وذهب إلى مكة.

وولّي على مصر قيس بن سعد، ودان له أغلب أهلها، إلا فئة قليلة آثرت الاعتزال في إحدى القرى دون أن تبايع، ودون أن تقاتل مَنْ بايع عليًا .

وأقرّ علي بن أبي طالب أبا موسى الأشعري على إمارة الكوفة.

أما الشام فذكرنا أن عليًا أرسل ثلاث رسائل إلى معاوية بن أبي سفيان يطالبه فيها بمبايعته، ولكن معاوية قال: دم عثمان قبل المبايعة.

ولم يطلب معاوية وأرضاه خلافة، ولا إمارة، ولا سيطرة على الدولة الإسلامية، وإنما يريد أن يُؤخذ بثأر عثمان مِن قَتَلتِهِ سواءً أخذ هذا الثأر علي ، أو أخذه هو بنفسه، المهم أن يتم أخذ الثأر من هؤلاء القتلة، وبعدها يبايع عليًا .

أما قبل أخذ الثأر من القتلة، فلن يبايع، وكان معه سبعون ألف رجل يبكون ليلًا ونهارًا تحت قميص عثمان بن عفان المعلّق على منبر المسجد بدمشق، ومع القميص أصابع السيدة نائلة بنت الفرافصة، وكفّها التي قُطعت، وهي تدافع عن زوجها رضي الله عنهما.

وفي آخر الأمر أرسل معاوية لعلي رسالة فارغة، حتى إذا فتحها أهل الفتنة في الطريق لا يقتلون حاملها، ودخل حامل الرسالة على علي مشيرًا بيده أنه رافض للبيعة، فقال لعلي : أعندك أمان؟

فأمّنه عليٌّ .

فقال له: إن معاوية يقول لك: إنه لن يبايع إلا بعد أخذ الثأر من قتلة عثمان، تأخذه أنت، وإن لم تستطع أخذناه نحن.

وكاد أهل الفتنة أن يقتلوا الرسول، كما كان يخشى معاوية ، لكن عليًا قام بحمايته، حتى أوصله إلى خارج المدينة، ورجع الرسول إلى دمشق.

إذن فمعاوية بن أبي سفيان يرفض أن يبايع عليًا بعد أن تمت له البيعة الصحيحة، وبعد أن اجتمع أهل الحِلّ والعقد، وأهل بدر على اختيار علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين، إذن فقد أصبح معاوية خارجًا على الخليفة، فقرّر الخليفة علي بن أبي طالب أن يجمع الجيوش، ويذهب إليه حتى يردّه عن هذا الخروج بالسِلْم وإلا قاتله، فأرسل علي لأمرائه بالأمصار أن يعدّوا الجيوش للذهاب إلى الشام لأجل هذا الأمر.

مقدمات موقعة الجمل

كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في مكة تحج في الوقت الذي قُتِلَ فيه عثمان ، أما طلحة والزبير فإنهما بعد أن بايعا ورأيا سيطرة أهل الفتنة على المدينة خرجوا منها إلى مكة، وهناك قرَّر المجتمعون في مكة – وأبرزهم عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير رضي الله عنهم - أن يُجَهِّزوا جيشًا، ويذهبوا إلى المدينة المنورة لأخذ الثأر من قتلة عثمان ؛ لأن عليًّا لا يستطيع أن يُقاتلهم وحده، ووافقت السيدة عائشة رضي الله عنها على هذا الأمر، ووافقت جميع زوجات النبي على الخروج من مكة إلى المدينة؛ لأخذ الثأر لعثمان بن عفان .

وظهر رأي آخر يقول بالذهاب إلى الشام للاستعانة بمعاوية على هذا الأمر، فقال عبد الله بن عامر: إن معاوية قد كفاكم أمر الشام، وأشار عليهم بالذهاب إلى البصرة- وكان واليًا عليها قبل ذلك- للتزوُّد بالمدد والأعوان منها، وكان له فيها يدٌ ورأي، وقال لهم: إن لطلحة فيها كلمة ورأي، وقد كان واليًا عليها لفترة من الزمن وتأثَّرُوا به.

فكان رأي عبد الله بن عامر أن يذهبوا إلى البصرة، ويبدءوا بقتلة عثمان الموجودين في البصرة فيقتلونهم، ثم يذهبون بعد أن يتزوَّدوا بالعدد والعدَّة إلى المدينة فيأتون على باقي القتلة.

وأعجب هذا الرأي الجميع إلاَّ السيدة عائشة رضي الله عنها فقالوا لها: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]. وأن ما تفعلينه بهذا الخروج، إنما هو إصلاح بين الناس، وليس منافيًا لقول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}[ الأحزاب: 33].

ورفضت سائر زوجات النبي رضي الله عنهم الخروج إلى البصرة إلاَّ السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها، فقرَّرت الخروج مع السيدة عائشة رضي الله عنها إلى البصرة، إلاَّ أن أخاها عبد الله بن عمر قال لها: إن هذا زمن فتنة، وعليك أن تقرِّي في بيتك، ولا تخرجي. فلمَّا خاطبتها السيدة عائشة في عدم خروجها إلى البصرة قالت لها إن أخاها- أي عبد الله بن عمر- قد منعها، فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: غفر الله له.

ويتَّضح من هذا الموقف مدى قناعة السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها بأمر الخروج للبصرة، لدرجة أنها تَعُدُّ أمر عبد الله بن عمر في منعه للسيدة حفصة رضي الله عنها من الخروج ذنبًا تستغفر الله لعبد الله بن عمر منه.

كان موقف عبد الله بن عمر هو اعتزال الفتنة من أولها إلى آخرها، وكان يُصَوِّر الفتنة بأنها كغمامة جاءت على المسلمين، فلم يَعُدْ أحد يرى شيئًا، والكل يسير في طريق يُريد أن يصل إلى الصواب، فاجتهد فريق منهم في الطريق، فوصل فهذا علي ومن معه، واجتهد آخرون لكي يصلوا، ولكنهم أخطئوا الطريق؛ فمعاوية ومن معه، والبعض انتظر حتى تنقشع الغمامة ثم يرى الرأي، وكان هو من هذه الفئة، ثم يقول : والمجاهد أفضل.

أي علي بن أبي طالب أفضل، لكن الأمر فيه خطورة كبيرة، وفيها احتمالية الخطأ في الوصول، ولم يكن عليٌّ يُجبر أحدًا على الخروج معه في هذا الأمر، بل كان الأمر تطوُّعيًّا، ومَنِ اعتزل فلا شيء عليه، ولا يُجبَر على رأي من الآراء.

خرجت السيدة عائشة رضي الله عنها من مكة ومن معها من الناس؛ طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وابنه عبد الله، وأمَّرت السيدة عائشة رضي الله عنها عبد الله بن الزبير على الصلاة، وكانت ترى أنه أعلم الناس مع وجود أبيه، وجهَّز يعلى بن أمية البعير، وكانت ستمائة بعير بالمال الذي أتى به معه من اليمن عندما قدم إلى مكة.

وكان عددهم عند خروجهم من مكة تسعمائة، ثم بلغ عددهم بعد قليل ثلاثة آلاف في طريقهم إلى البصرة، واشتروا للسيدة عائشة رضي الله عنها جملاً، وركبت في الهودج فوق الجمل، وانطلقوا نحو البصرة.

عَلِمَ علي بهذا الأمر كله، وكان حينها على نيَّة الخروج للشام، لكن مع هذه المستجدات قرَّر الانتظار حتى يرى ما تصير إليه الأمور.

رواية الحوأب:

لما أقبلت عائشة - يعني في مسيرها إلى وقعة الجمل - وبلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب. فقالت: ما أظنني إلا راجعة.

فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم. قالت: إن رسول الله قال لنا ذات يوم: "كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلابُ الْحَوْأَبِ؟"[1] . وفي لفظ آخر قال لنسائه: "لَيْتَ شِعْرِي أيَّتُكُنَّ صَاحِبَةُ الْجَمَلِ الأَدْبَبِ[2] ، تَخْرُجُ فَيَنْبَحُهَا كِلابُ الْحَوْأَبِ يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَتْلَى كَثِيرٌ ثُمَّ تَنْجُو بَعْدَ مَا كَادَتْ".

فقال لها الزبير: ترجعين؟! عسى الله أن يُصلح بك بين الناس.

فهذه نِيَّة عائشة رضي الله عنها عند خروجها، فما خرجت لقتال علي ، بل خرجت للإصلاح، فلو عَلِمَ أي مسلم أن فريقين من المسلمين سيقتتلان، وأنَّ خروجه سيحقن دماءهم لما تردَّد في الخروج، فكيف بعائشة رضي الله عنها؟! كما أن الحديث ليس فيه نهي عن شيء، أو أمر بشيء تفعله عائشة رضي الله عنها.

ولقد دلُّ هذا الحديث على أن النبي كان يعلم أن عائشة رضي الله عنها ستخرج.

إن التوقُّف أمام المشهد بشيء من الرويَّة وإحسان الظنِّ يجعله أكثر وضوحًا؛ إن الزمان زمان فتنة، الفتنة التي لا يتَّضح فيها الحقُّ واضحًا جليًّا؛ حتى إنَّ كبار العقول تحتار فيه، ولقد حدث أن اعتزل بعض الصحابة هذه الفتنة كلها؛ لما يبدو من غيام على الحقِّ، وإنَّ مِنْ فضل الله ونعمته على هذه الأُمَّة وجود النصوص الصحيحة التي تُبَيِّن وجه الحقِّ في هذه الفتن، إننا نعلم الآن من خلال هذه النصوص أيَّ الفئات كانت على الحقِّ، وأيَّها كانت المخطئة أو الباغية، فرواية الحوأب هذه وكذلك ما صحَّ عن النبي من أن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية هي الروايات التي تُظهر الحقَّ للأجيال القادمة لكي يستفيدوا من التجربة، إلاَّ أنه في زمن الفتنة قد يقع الخطأ والتأويل غير السديد لمثل هذه النصوص.

فأُمُّ المؤمنين عائشة -وهي العالمة الفقيهة التي تملك أدوات الاجتهاد- كانت مدفوعة بعاطفتها؛ عاطفتها تجاه عثمان بن عفان الخليفة الذي قُتل ظلمًا بأيدي عدد من الرعاع والغوغاء، في مدينة رسول الله وفي الشهر الحرام، كذلك عاطفتها تجاه المسلمين الذين انقسموا فئتين؛ فئة علي التي تُطالب بالبيعة، وفئة معاوية التي تُصِرُّ على أخذ القصاص من قتلة عثمان قبل البيعة، وما كان يمنع الإصلاح بين هذين الفريقين إلاَّ أن يُقتل قتلة عثمان ، فكانت ترى في خروجها إلى البصرة واستكثارها من الأنصار استقواءً وامتلاكًا للقدرة على تنفيذ القصاص من قتلة عثمان؛ فيتمُّ الإصلاح بين الفريقين المتخاصمين من المسلمين.

ولا شَكَّ أنها رضي الله عنها لما سمعت نباح الكلاب وعلمتْ أنها كلاب الحوأب اهتزَّ موقفها، وتردَّدت وخشيتْ أن تكون المعنيَّة بالحديث، إلاَّ أن توقُّعَاتها القوية بأن الأمر لن يكون فيه قتال، وأن غرضها ما هو إلاَّ الإصلاح تأوَّلت المعنى، وربما ظنَّت أنها امرأة أخرى في موقف آخر فيه قتال وقتل كثير.

قد تُسيطر "فكرة ما" على الذهن فتقوم فيه مقام الحقِّ الذي لا حقَّ غيره، فيتمُّ تأويل النصوص لتُوَافق الحقَّ المظنون، ولقد كان الأولى بأم المؤمنين رضي الله عنها وَمَنْ معها أن يعودوا، إلاَّ أنَّ الله شاء غير هذا، قال الشيخ الألباني: "ليس كلُّ ما يقع من الكمل يكون لائقًا بهم؛ إذ لا عصمة إلاَّ لله وحده، والسُّنِّيّ لا ينبغي له أن يُغالي فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصاف الأئمة الشيعة المعصومين! ولا نشكُّ أن خروج أم المؤمنين كان خطأ من أصله؛ ولذلك همَّت بالرجوع حين علمت بتحقُّق نبوءة النبي عند الحوأب، ولكن الزبير أقنعها بترك الرجوع بقوله: عسى الله أن يُصلح بك بين الناس. ولا نشكُّ أنه كان مخطئًا في ذلك أيضًا، والعقل يقطع بأنه لا مناص من القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين، اللتين وقع فيهما مئات القتلى، ولا شكُّ أن عائشة رضي الله عنها المخطئة لأسباب كثيرة وأدلَّة واضحة؛ ومنها ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها"[3].

قدِم الجيش الذي خرج من مكة وفيه السيدة عائشة رضي الله عنها إلى البصرة، وقبل دخولهم أرسلوا رسائل إلى عثمان بن حنيف والي البصرة من قِبَل علي بن أبي طالب أن يُخلي البصرة لجيش السيدة عائشة رضي الله عنها؛ لأخذ المدد، والأخذ على يد مَنْ قتل عثمان بن عفان وأرضاه، ولم يكن عثمان بن حنيف يعلم مَنْ قتل عثمان من أهل البصرة، ولا يعلم -أيضًا- مَنْ وافق من أهلها على القتل، ومَنْ لم يوافق، ولكن مما يُذكر أن حكيم بن جبلة وهو أحد رءوس الفتنة كان قد هرب من المدينة إلى البصرة بعد قتل عثمان ، وكان مختبئًا في مكان لا يعلم به أحد، وهو من رءوس قومه، ومن إحدى القبائل الكبيرة.

ثم كان الحوار عن طريق الرُّسل بين السيدة عائشة ومعها طلحة، والزبير، وبين عثمان بن حنيف والي البصرة رضي الله عنهم وأرضاهم جميعًا.

فأرسل إليهم عثمان بن حنيف: ما الذي أتى بكم؟

فقالت السيدة عائشة: إن نريد إلاَّ الإصلاح.

أي إنه ما أتى بهم إلى البصرة، إلا لأنهم يُريدون أن يجمعوا كلمة المسلمين، وأنهم يَرَوْنَ أنه لن تجتمع كلمة المسلمين إلاَّ بعد أن يُقتل مَنْ قتل عثمان بن عفان .

فوقف عثمان بن حنيف على المنبر يستشير الناسَ في هذا الأمر، فقام رجل يُسمَّى الأسود بن سَرِيع[4]، وأشار بأنه لا بأس بأن يضع أهل البصرة يدهم في يد هذا الجيش القادم من مكة لقتل قتلة عثمان، ما دام لا يوجد أحد منهم في البصرة، فلما قال ذلك حُصب بالحجارة، فعلم عثمان بن حنيف أن لقتلة عثمان أعوانًا في البصرة، وكاد أن يحدث ما يخشاه علي بن أبي طالب إن قتل قتلة عثمان في هذا التوقيت.

ومن ثَمَّ رفض عثمان بن حنيف والي البصرة دخول جيش السيدة عائشة رضي الله عنها إلى البصرة، فلما هدَّدوه أنهم سوف يدخلون بالقوَّة أخذ جيشه ووقف على حدود البصرة، فقام طلحة بن عبيد الله، وخطب في الناس وذكَّرهم بدم عثمان، ثم قام الزبير بن العوام، وخطب في الناس خطبة، وبقي الحال على ما هو عليه، ثم قامت السيدة عائشة رضي الله عنها، وخطبت في الناس خطبة عصماء بليغة، ورقَّقت قلوب الناس لدم عثمان ، فانقسم جيش عثمان بن حنيف إلى فئتين فئة مع السيدة عائشة وجيشها، وفئة ظلَّت معه، وقويت شوكة جيش السيدة عائشة رضي الله عنها، وضعفت شوكة جيش عثمان بن حنيف ومَنْ معه من الموالين لعلي بن أبي طالب ، وفيهم الكثير من المؤيدين لقتل عثمان بن عفان ، والقبائل التي منها مَن قتل عثمان، ولو لم تشترك هي في القتل، لكنهم يُريدون أن يكون لهم الأمر، فلما كان هذا الأمر بدأ عثمان بن حنيف يُفَكِّر فيما سيفعله؛ هل يُصالحهم درءًا لهذه الفتنة، أم يُرسل إلى عليٍّ ؟

وخاف أهل الفتنة من أمر الصلح؛ لأنه لن يكون في مصلحتهم على الإطلاق، فأتى حكيم بن جبلة في هذا الوقت، ومعه قوَّة من قبيلته، وأنشب القتال مع جيش السيدة عائشة، وبدأ يرميهم بالسهام ويردُّوا عليه، ودارت الحرب بين الفريقين، وكثر القتلى وكثرت الجراح، وفي النهاية أسفرت المعارك عن مقتل حكيم بن جبلة ومعه ستمائة من أهل البصرة، وأُسر عثمان بن حنيف، ولم يُقتل، ثم أطلقوه.

فلما عَلِمَ عليٌّ بهذا الأمر، خرج من المدينة ومعه تسعمائة إلى البصرة، وتوجَّه بهم إلى (ذي قار)، فقابله رجل يُسمَّى ابن أبي رفاعة بن رافع، وقال له: يا أمير المؤمنين؛ أي شيءٍ تُريد، وأين تذهب بنا؟ فقال له علي : أما الذي نُريد وننوي فالإصلاح إن قبلوا منا وأجابوا إليه. قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندَعهم بعذرهم، ونعطهم الحقَّ ونصبر. قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندَعهم ما تركونا. قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم. أي بالسيف. قال: فنعم إذًا. وخرج معهم.

وقام إليه الحجاج بن غَزِّيَّة الأنصاري، فقال: لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول، والله لينصرنا الله كما سمانا أنصارًا.

وقبل أن يصل إلى (ذي قار) قابله عثمان بن حنيف، وأخبره بما حدث في البصرة ومقتل الستمائة وغيرهم، فقال علي : إنا لله وإنا إليه راجعون. وأرسل ابنه الحسن، والقعقاع بن عمرو، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم جميعًا إلى الكوفة لأخذ المدد منها.

كان في الكوفة أبو موسى الأشعري وكان ممن يرى رأي عبد الله بن عمر من اعتزال الفتنة كليةً، وأنه لا يصحُّ أن يقتتل المسلمون بالسيوف، فقام الحسن والقعقاع وعمَّار رضي الله عنهم جميعًا في المسجد، وأخذوا يُقنعون الناس بالخروج معهم، بينما كان أبو موسى الأشعري قد كلَّم الناس بأنه يجب اعتزال الفتنة، وعدم الخروج مع أيٍّ من الفريقين، فقام أحد رعاع الناس محاولاً إرضاء الحسن والقعقاع وعمار رضي الله عنهم، وسبَّ السيدة عائشة ظنًّا منه أن هذا يرضيهم.

فقال له عمار بن ياسر: اسكت مقبوحًا منبوحًا. وقال : إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا، والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه، أو إياها.

وقام حجر بن عدي[5] فقال للناس: انفروا إلى أمير المؤمنين خفافًا وثقالاً، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.

وبدأ الناس يميلون إلى رأي القعقاع وعمار والحسن رضي الله عنهم جميعًا، وخرج معهم اثنا عشر ألفًا، وأتى لعلي أناس من قبيلة طيِّئ وقيل له: إن منهم مَنْ يُريد الخروج معك، ومنهم مَنْ جاء ليسلم عليك. فقال : جزى الله كلاًّ خيرًا. ثم قال: {وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95].

وفي الطريق إلى (ذي قار) قابلهم المستشار الأول لعلي بن أبي طالب ، وهو عبد الله بن عباس، فقال للقوم: يا أهل الكوفة؛ أنتم لقيتم ملوك العجم -أي الفرس- ففضضتم جموعهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نُريده، وإن أبوا داويناهم بالرفق، حتى يبدءونا بالظلم، ولن ندع أمرًا فيه صلاح إلاَّ آثرناه على ما فيه الفساد، إن شاء الله تعالى. فاجتمع الناس على ذلك.

وبعد أن اجتمع الجيش في (ذي قار) تَوَجَّهُوا نحو البصرة، وفي هذا الوقت كان الناس بين مؤيِّد لعلي ينضمُّ إلى صفه؛ وبين مُؤَيِّد لما عليه السيدة عائشة فينضمُّ إلى صفِّها، فوصل تعداد جيش علي إلى عشرين ألفًا، بينما وصل تعداد جيش السيدة عائشة رضي الله عنها إلى ثلاثين ألفًا، واقترب الجيشان من البصرة، وكلاهما لا يُريد قتالاً، فأرسل عليٌّ القعقاع بن عمرو ليتفاوض، ويتحدَّث في أمر الصلح مع السيدة عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم جميعًا، فقال القعقاع للسيدة عائشة رضي الله عنها: أي أُمَّاه - فهي ، أمه وأم جميع المؤمنين - ما أقدمك هذه البلد؟

فقالت رضي الله عنها: أي بني؛ الإصلاح بين الناس.

فسألها أن تبعث لطلحة والزبير أن يحضرا عندها، فأرسلت إليهما فجاءا.

فقال القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت: إني جئت للإصلاح بين الناس.

فقالا: ونحن كذلك.

فقال: وما وجه الإصلاح، وعلى أي شيء يكون؟ فوالله! لئن عرفناه لنصطلحنَّ، ولئن أنكرناه لا نصطلحن.

فقالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن تُرك، كان تركًا للقرآن.

فقال القعقاع: قتلتما قتلته من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة آلاف، فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير، فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم، فأُديلوا عليكم[6] كان الذي حذرتم، وفرَّقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون، وتجمعون منه.

يعني أن الذي تُريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة، ولكنه يترتَّب عليه مفسدة هي أربى منها، وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير، لقيام ستة آلاف في منعه ممن يُريد قتله، فعليٌّ أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخَّر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكَّن منهم، فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفة، ثم أعلمهم أن خلقًا من ربيعة ومضر قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع.

وبدأ القوم يتأثَّرون بقوله.

فقالت له عائشة أم المؤمنين: فماذا تقول أنت؟

قال: أقول: إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير، وتباشير رحمة، وإدراك الثأر، وإن أنتم أبيتم إلاَّ مكابرة هذا الأمر، كانت علامة شرٍّ، وذهاب هذا الملك، فآثروا العافية تُرزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولاً، ولا تُعَرِّضونا للبلاء، فتتعرَّضوا له، فيصرعنا الله وإياكم، وايم الله! إني لأقول قولي هذا، وأدعوكم إليه، وإني لخائف أن لا يتمَّ حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأُمَّة التي قلَّ متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي قد حدث أمر عظيم، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة القبيلة.

فقالوا: قد أصبت وأحسنت فارجع، فإن قدم عليٌّ، وهو على مثل رأيك صَلُح الأمر.

فرجع إلى عليٍّ، فأخبره فأعجبه ذلك، واتفق القوم على الصلح، وكره ذلك مَنْ كرهه، ورضيه من رضيه، وأرسلت عائشة إلى عليٍّ تُعلمه، أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء وهؤلاء، وقام عليٌّ في الناس خطيبًا، فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها، وذكر الإسلام وسعادة أهله بالألفة والجماعة.

وقال عليٌّ : إني متوجِّه بقومي إليهم للمصالحة، فمَنْ كانت له يد في قتل عثمان بن عفان فلا يتبعنا. فقاموا معه إلاَّ ألفين وخمسمائة، وهم مَنْ شاركوا ورضوا بقتل عثمان ، ويُعلنون ذلك صراحة.

بدأ هؤلاء القتلة يشعرون بتحييد علي بن أبي طالب لهم، فخافوا على أنفسهم، وذهب عليٌّ بمَنْ معه من القوم إلى السيدة عائشة ومَنْ معها، وجاء الليل وبات الفريقان خير ليلة مرَّت على المسلمين منذ أمد بعيد، ونام أهل الفتنة في شرِّ ليلة يُفكِّرون كيف سيتخلَّصون من هذا الصلح الذي سيكون ثمنه هو رقابهم جميعًا، وخطَّطوا من جديد لإحداث الفتنة التي كانت نتيجتها موقعة الجمل.

[1] رواه أحمد (24299) وابن حبان (6732)، وقال شعيب الأرناءوط في التعليق عليهما: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين. وأبو يعلى (4868)، وقال حسين سليم أسد في التعليق عليه: إسناده صحيح. ورواه الحاكم في المستدرك (4613)، وابن أبي شيبة في مصنفه (38926)، وعبد الرزاق في المصنف (20753)، وقال ابن كثير في إسناد آخر للقصة: وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه. انظر: ابن كثير: البداية والنهاية 6/236، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار ورجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (474)، وقال: وإسناده صحيح جدًّا. ونقل تصحيح الأئمة له: الحاكم وابن حجر والذهبي. أما زيادة: "إِيَّاكِ أَنْ تَكُونِي يَا حُمَيْرَاءُ". فلا تَصِحُّ.

[2] الأدبب: الأدَبّ: وهو الكثيرُ وبَرِ الوجه. الجزري: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/203.

[3] الألباني: السلسلة الصحيحة (474).

[4] الأسود بن سريع: هو الأسود بن سريع بن حمير التميمي السعدي، من بني منقر، صحابي غزا مع النبي r وروى عنه، ونزل البصرة، وهو أول من قصَّ بها، وروى عنه الأحنف بن قيس والحسن البصري وعبد الرحمن بن أبي بكرة، شهد معركة الجمل، وتوفي سنة 42هـ=622م. ابن الأثير: أسد الغابة 1/132، وابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 1/74.

[5] حُجْر بن عدي (ت 51 هـ = 671م): هو حجر بن عدي بن جبلة الكندي، ويسمى حجر الخير، وفد على رسول الله r وشهد القادسية، ثم كان من أصحاب علي t وشهد معه وقعتي الجمل وصفين، وسكن الكوفة وكان شريفًا، أميرًا مطاعًا، ذا صلاح وتعبد. ابن سعد: الطبقات الكبرى 6/217، والذهبي: سير أعلام النبلاء 3/462-467.

[6] أُدِيل عليكم؛ أي: نُصِروا علكهم وكانت الدَّوْلة لهم، والدَّوْلة الانتقال من حال الشدَّة إلى الرَّخاء. ابن منظور: لسان العرب، مادة دول 11/252.
Related Posts islamstory...
تعليقات القراء
جميع الحقوق محفوظة لموقع قصة الإسلام ©2012
Powered By: Orangestudio.com

من نحن
دعوة للمشاركة
ادعم الموقع
اتصل بنا

Web Analytics
تصفح موقع قصة الإسلام

الرئيسية
رسولنا
تاريخنا
حضارتنا
أعلامنا
روائعنا
ملفات ساخنة
بأقلام العلماء
حوارات
شهادات المنصفين
إبداعاتكم
عظماء أسلموا
فلسطين
الأخبار
الأسرة والطفل
المشرف
الأحداث
كاريكاتير
مناسبات

قصة الإسلام في سطور

موقع تاريخي إسلامي شامل باللغتين العربية والإنجليزية.. تتم ترجمته إلى اللغات الأخرى (الفرنسية، الإيطالية، الأسبانية، الصينية، الألمانية، اليابانية..).. يشرف على موقع "قصة الإسلام": المؤرخ الإسلامي أ.د. راغب السرجاني.. يشمل محتوى موقع "قصة الإسلام": مقالات، ودراسات، وبحوثًا، وكتبًا، وأخبارًا، وتحليلات، وصوتيات، ومرئيات، وفلاشات.. كما يعرض معلومات وصورًا عن دول العالم الإسلامي المعاصرة، وتراجم للشخصيات التاريخية القديمة والحديثة.. ويحوي موقع "قصة الإسلام" أيضًا أبوابًا تفاعلية: استبيانات، استشارات، منتديات، مسابقات، أسئلة، تعليقات.
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:23

موقعة الجمل
قبل الدخول في أحداث معركة الجمل نتناول بعض الشبهات والأسئلة ونرد عليها ..

الشبهة1: مبايعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم تكن مبايعة شرعية، ومن ثَم يحق لمعاوية رضي الله عنه ألا يبايع عليًا رضي الله عنه، خاصة أن من بايعه إنما هم أهل الفتنة، ومبايعتهم غير شرعية وغير جائزة.

الرد على الشبهة 1:

معظم الناس، وخاصة كبار الصحابة، وهم أهل الحل، والعقد، هم الذين بايعوا عليًا رضي الله عنه، ومنهم أيضًا طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام رضي الله عنه اللذين كانا يطالبان بدم عثمان، أولًا قد بايعا، وبايع أيضًا أهل الفتنة، ومبايعتهم في هذا الإطار لا تقدم، ولا تؤخر بعد مبايعة أهل الحل والعقد من الصحابة، ولكن ما حدث أن الرؤى توافقت في هذا التوقيت، فقد كان أهل الفتنة يريدون تولية علي رضي الله عنه، وكان يريد ذلك أيضًا جميع أهل المدينة، ولم يعترض أحد على تولية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لم يكن يعترض مطلقًا على تولية علي رضي الله عنه، ولكن كان الاختلاف في ترتيب الأولويات؛ فمعاوية رضي الله عنه يريد القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه يريد استقرار الدولة أولًا، ثم يرى رأيه في أهل الفتنة، ويقتل منهم من يستحق القتل، ويعزر من يستحق التعزير بعد أن تقوى شوكة المسلمين، وتزول الفتن القائمة.

الكل إذن على اتفاق على تولية علي رضي الله عنه، ونذكر في هذا الإطار أن عليًا رضي الله عنه كان مرشحًا للخلافة مع عثمان رضي الله عنه، ولم يعدل أهل المدينة به، وبعثمان رضي الله عنهما أحدًا، ولكن كان هناك إجماع على تولية عثمان رضي الله عنه في ذلك التوقيت، فمن الطبيعي أن يتولّى علي رضي الله عنه الإمارة بعد عثمان رضي الله عنه، خاصة بعد أن أجمع أهل الحل والعقد على توليته.

سؤال: كيف يتم اختيار أهل الحل والعقد؟

الإجابة: أهل الحل والعقد في هذه الفترة كانوا هم كبار الصحابة من المهاجرين، والأنصار، وأهل بدر، وكان هؤلاء هم أهل الحل والعقد منذ عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وحتى هذا الوقت، وقت خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان يتجمع هؤلاء جميعًا رضي الله عنهم، ويأخذون القرارات المهمة التي لا يستطيع الوالي أن يأخذ فيها قرارًا بذاته، وبالأولى إذا لم يكن هناك والٍ، ويراد تولية أحد ليكون واليًا على أمر الأمة.

سؤال: لماذا لم يشترك علي ومعاوية رضي الله عنهما في قتل القتلة أولًا، ثم يتم بعد ذلك اختيار الخليفة، ومبايعته؟

الإجابة: اختيار الخليفة ومبايعته أهمّ بكثير من قتل قتلة عثمان رضي الله عنه، وذلك لأن البلاد لا تسير دون خليفة، أو أمير، فكيف يتم قتل هؤلاء القتلة ومن المتوقع حدوث حربٍ ضارية وكبيرة على مستوى الدولة الإسلامية كلها؟

ورأينا كيف قُتل ستمائة من المسلمين في البصرة وحدها، فكيف لو كان الأمر في غيرها من البلاد أيضًا؟

ثم إنه إذا حدثت الحرب، وحدث القتال مع أهل الفتنة، فمن بيده أن يصدر قرارًا باستمرار الحرب أو وقفها، هل هو علي بن أبي طالب أم معاوية أم السيدة عائشة أم طلحة أم الزبير رضي الله عنهم جميعًا؟

ثم إذا حدث أن دولة معادية للدولة الإسلامية استغلت نشوب القتال بين المسلمين وأهل الفتنة في الداخل، وهاجموا الدولة الإسلامية، فمن بيده القرار حينئذٍ؟

وهل يتم وقف الحرب مع أهل الفتنة، وقتال المهاجمين من الخارج، أم يقاتلوا في الجبهتين داخليًا وخارجيًا؟ ومن الذي يستطيع أن يأخذ هذا القرار ولا يوجد خليفة للمسلمين؟

لا شكّ أن الأمر سيكون في منتهى الخطورة، ثم إنه عند تعارض مصلحتين تُقدم الأكثر أهمية فيهما، وتُؤخر الأخرى لوقتها، وإذا تحتّم حدوث أحد الضررين تمّ العمل بأخفهما ضررًا تفاديًا لأعظمهما.

وفي تلك الفترة حدث أمرٌ عظيم كان من الممكن أن يودي بالدولة الإسلامية كلها ولكن الله سلّم.

رأى قسطنطين ملك الدولة الرومانية ما عليه حال الدولة الإسلامية بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجمع السفن وأتى من البحر متوجهًا إلى الشام للهجوم على الدولة الإسلامية، وبينما هو في الطريق إلى المسلمين، وكانت الهلكة محققة للمسلمين إن وصل إليهم نظرًا لما هم عليه من الفتن والحروب بينهم وبين بعضهم، ولكن الله تعالى بفضله ومنّه وكرمه أرسل على تلك السفن قاصفًا من الريح، فغرق أكثر هذه السفن قبل الوصول إلى الشام، وعاد من نجا منهم، ومعهم قسطنطين إلى صقلية، واجتمع عليه الأعوان، والأمراء، والوزراء، وقالوا له: أنت قتلتَ جيوشَنا. فقتلوه.

وعلى فرض أن قسطنطين هذا نجح في الوصول إلى الشواطئ الشمالية للشام، فمن يستطيع أن يجمّع الجيوش لمحاربة هؤلاء الرومان، وأي جيوشٍ يجمعها، ففي كل بلد أمير، ولكل بلد جيشها، فمبايعة الخليفة إذن كانت أمرًا من الضرورة بمكان.

وإذا نظرنا إلى المدة التي كانت فيها الشورى لاختيار عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن المسلمون في تلك المدّة القصيرة دون أمير، بل كان أميرهم في هذه الثلاثة أيام هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، فلا يصح بحال أن يمر على المسلمين يوم واحد دون أن يكون عليهم أمير، ولما بويع عثمان رضي الله عنه بالخلافة، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: قد خلعت ما في رقبتي في رقبة عثمان.

بل إن الصحابة رضي الله عنهم قد اختاروا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدفنوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولما مات الصديق رضي الله عنه بين المغرب والعشاء، بايع المسلمون في الفجر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فالأمر عظيم، وجلل، ولا يصح تأجيله بحال من الأحوال، وكان من الواجب على الجميع أن يبايعوا الخليفة الذي اختاره أهل الحل والعقد، واختاره أهل المدينة والكثرة الغالبة من أهل الأمصار، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

سؤال: من الذي استخلفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المدينة عندما توجه إلى الكوفة؟

الإجابة: استخلف رضي الله عنه قثم بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهو ابن أخيه، ولم يستخلف أحدًا من أهل الفتنة، بل أخذهم معه في الجيش، وأَخْذِهِ لهم معه في الجيش ضرورة اضطر إليها، وهو رضي الله عنه أكثر الناس كراهية لهم، ولما سمع رضي الله عنه أن جيش السيدة عائشة يدعون: اللهم العن قتلة عثمان، قال علي رضي الله عنه: اللهم العن قتلة عثمان، ولم يأخذهم معه حبًا فيهم أو مساندة لهم.

قصة ماء الحوأب ونباح الكلاب

ذكروا أن السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها ومن معها مروا في مسيرهم ليلا بماء يقال له الحوأب، فنبحتهم كلاب عنده، فلما سمعت ذلك عائشة قالت: ما اسم هذا المكان؟

قالوا: الحوأب.

فضربت بإحدى يديها على الأخرى، وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أظنني إلا راجعة.

قالوا: ولم؟

قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنسائه: ليت شعري أيتكن التي تنبحها كلاب الحوأب.

ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، وقالت: ردوني ردوني، أنا والله صاحبة ماء الحوأب.

يقول ابن العربي في العواصم من القواصم أن هذه الرواية لا أصل لها، ولم ترد، وأنها غير صحيحة.

لكن البعض صحح هذا الحديث، والشيعة في كتبهم، وكذلك بعض الكتّاب من السنة الذين ينقلون دون تمحيص، أو تدقيق يذكرون هذه القصة في كتبهم ويعلّقون عليها بقولهم: إن السيدة عائشة لما عزمت على العودة لشكها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عناها بأنها هي التي ستنبحها كلاب الحوأب، وأنها بذلك تفرّق كلمة المسلمين يقولون أن طلحة بن عبيد الله، والزبير، وعبد الله بن الزبير اجتمعوا على السيدة عائشة، وأقسموا لها أن هذا المكان ليس ماء الحوأب، وأتوا بخمسين رجل شهدوا على ذلك، فيقول المسعودي وهو من كبار علماء الشيعة في كتابه (مروج الذهب) عن هذه الشهادة: فكانت أول شهادة زور في الإسلام.

وهذا الحديث كما ذكرنا ليس له أصل، وإن صح فليست السيدة عائشة رضي الله عنها هي المعنيّة بهذا القول، وإنما قالت ذلك- إن كانت قد قالته- تقوى وخشية أن تكون هي المقصودة بهذا الكلام، وأن عبد الله الزبير بن العوام قد قال لها أنها ما خرجت إلا للصلح بين المسلمين، وأن هذا لا ينطبق عليها مطلقًا، وتُذكر رواية أخرى، وهي مشكوك في صحتها أيضًا تقول:

إن إحدى الجاريات كانت موجودة مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم حين وجّه إليهن هذا الكلام، وأن هذه الجارية ارتدت، وقتلت على يد خالد بن الوليد في حروب الردة، وهي المقصودة في الحديث.

ولو صحت الرواية الأولى لكان من المستحيل على السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن تكون قد علمت، وتيقنت أنها صاحبة هذا الأمر، واستمرّت فيه، ومن المستحيل على الصحابة الأخيار الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم جميعًا، من المستحيل أن يكونوا قد شهدوا زورًا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد لهم بالجنة.

رءوس الفتنة يدبرون ويخططون

بعد أن أوشك الطرفان أن يصلا إلى موقف موحد بعد حديث القعقاع مع السيدة عائشة وطلحة والزبير وبعد أن ذهب علي رضي الله عنه بمن معه من القوم إلى السيدة عائشة، ومن معها، وجاء الليل، وبات الفريقان خير ليلة مرت على المسلمين منذ أمدٍ بعيد، ونام أهل الفتنة في شر ليلة يفكرون كيف سيتخلّصون من هذا الصلح الذي سيكون ثمنه هو رقابهم جميعًا، وخططوا من جديد لإحداث الفتنة.

في هذا الوقت أشار بعض الناس على طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام رضي الله عنهما أن الفرصة سانحة لقتل قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه وذلك لأن عليًا رضي الله عنه عندما توجه للصلح مع القوم قال: لا يصحبنا أحدًا شارك، أو أعان على قتل عثمان بن عفان.

فانسلخ من قتل، ومن شارك، وتقدم بقية الجيش للبصرة، فأصبح أهل الفتنة بعزلة عن جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فرفض طلحة والزبير رضي الله عنهما، وقالا: إن عليًا أمر بالتسكين.

فمن الواضح أن لديهم قناعة تامة بالصلح والأخذ برأي علي رضي الله عنه.

واجتمع قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتشاوروا في الأمر، فقال بعضهم: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم، فإنما اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا عليا بعثمان.

فهم يريدون هنا قتل علي رضي الله عنه أيضًا، وهذا مما يدل بشكل قاطع أن عليًا رضي الله عنه لم يكن له أي تعاون مع هؤلاء القتلة، فها هم يريدون قتله، حتى تظل الفتنة دائرة.

فقام عبد الله بن سبأ وقال: لو قتلتموه لاجتمعوا عليكم فقتلوكم.

وهذه الفئة كما نرى إنما هم أهل فتنة، ويطلبون الحياة الدنيا، أما جنود علي رضي الله عنه، ومن مع السيدة عائشة رضي الله عنه، إنما يريدون الآخرة، وإرضاء الله تعالى، والجنة، ويظنون أنهم على الحق، ويجاهدون في سبيل الله، ويحتسبون أنفسهم شهداء في سبيل الله إن قتلوا في ميدان الحرب.

فقال أحد الناس: دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها.

أي يرجع كلٌ إلى قبيلته، ويحتمي بها، فرفض عبد الله بن سبأ هذا الرأي أيضًا وقال: لو تمكّن علي بن أبي طالب من الأمور لجمعكم بعد ذلك من كل الأمصار وقتلكم.

وكان عبد الله بن سبأ معهم كالشيطان يرتّب لهم الأمور حتى يتم اختيار الرأي الصائب من وجهة نظرهم.

فأشار على مَنْ معه مِنْ أهل الفتنة في تلك الليلة التي كان المسلمون سيعقدون الصلح في صبيحتها أن تتوجه فئة منهم إلى جيش الكوفة، وفئة أخرى إلى جيش البصرة، وتبدأ كل فئة منهما في القتل في الناس، وهم نيام، ثم يصيح من ذهبوا إلى جيش الكوفة ويقولون: هجم علينا جيش البصرة.

ويصيح من ذهب إلى جيش البصرة ويقولون: هجم علينا جيش الكوفة.

وقبيل الفجر انقسم أهل الفتنة بالفعل إلى فريقين، ونفذوا ما تم الاتفاق عليه، وقتلوا مجموعة كبيرة من الفريقين، وصاحوا، وصرخوا أن كل من الفريقين البصرة، والكوفة قد هجم على الآخر، وفزع الناس من نومهم إلى سيوفهم وليس لديهم شك أن الفريق الآخر قد غدر بهم، ونقض ما اتفق عليه من وجوب الصلح، ولم يكن هناك أي فرصة للتثبت من الأمر في ظلام الليل وقد عملت السيوف فيهم، وكثر القتل، والجراح، فكان هَمّ كل فريق هو الدفاع عن نفسه {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب:38].

وكان أبو سلام الدالاني قد قام إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تلك الليلة، وقبل أن يحدث القتال، وسأله: هل لهؤلاء القوم- يعني السيدة عائشة، وطلحة والزبير رضي الله عنهم جميعًا- حجة فيما طلبوا من هذا الدم، إن كانوا أرادوا الله في ذلك؟

قال: نعم.

قال: فهل لك من حجة في تأخيرك ذلك؟

قال: نعم.

قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا؟ أي بالقتال بيننا وبينهم.

قال: إني لأرجو أن لا يُقتل منا ومنهم أحد نقّي قلبه لله، إلا أدخله الله الجنة.

وهذا لأن كل واحد منهما كان متأولًا أنه على الحق، واجتهد في ذلك، فمنهم من أصاب، فله أجران، ومنهم من أخطأ، فله أجر واحد، ولا ينطبق عليهم الحديث: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بَسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ.

بداية القتال

بدأت الحرب يوم الأربعاء 15 جمادى الثاني سنة 36 هـ، 7 من ديسمبر سنة 656 م، واستيقظ علي بن أبي طالب رضي الله عنه من نومه على صوت السيوف، والصراخ، والصياح، ولا يعلم من أين بدأ القتال، وكيف نشب بين الفريقين، وكذلك الحال في معسكر السيدة عائشة رضي الله عنها ومن معها طلحة، والزبير، وابنه عبد الله، وسائر الجيش، وصرخ علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الناس أن كُفّوا، لكنه لم يستطع لشدة المعركة، فلما نظر رضي الله عنه إلى المسلمين تتطاير رءوسهم بأيدي بعضهم البعض فقال: يا ليتني مت قبل هذا بعشرين سنة.

ونادى في الناس: كفوا عباد الله، كفوا عباد الله، ثم احتضن ابنه الحسن، وقال: ليت أباك مات منذ عشرين سنة.

فقال له: يا أبي قد كنت أنهاك عن هذا.

قال: يا بني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا.

فلم يكن يتوقع أحد أن تتفاقم الأمور إلى هذه الدرجة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد ذلك: إنا لله وإنا إليه راجعون.

وظل رضي الله عنه في محاولة كف الناس عن القتال، لكنه لم يستطع، وقد عمّت الفتنة، واشتد القتال.

وكان ممن التقى بسيفه مع الآخر في هذه المعركة الزبير بن العوّام، وعمار بن ياسر رضي الله عنهما.

كم من المرات قاتلا جنبًا إلى جنب تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر، وما بعدها، وكان عُمْر عمار بن ياسر حينها تسعين سنة، وعمر الزبير بن العوام خمسة وسبعين سنة، ومع قدرة الزبير على قتل عمار رضي الله عنهما، إلا أنه لا يستطيع فقد تحملا معًا الكثير في سبيل بناء الدولة الإسلامية التي يُهدم اليوم من دعائمها الكثير، وقد تربيا معًا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعُذّبا كثيرًا في سبيل الله، ولكنها الفتنة، وما كان لهما أن يتقاتلا، وهما في هذا العمر دفاعًا عن باطل، أو رغبةً في الدنيا.

فيقول الزبير رضي الله عنه لعمار بن ياسر رضي الله عنه: أتقتلني يا أبا اليقظان؟

ويضربه عمار بن ياسر رضي الله عنه بالرمح دون أن يدخله في صدره ويقول له: لا يا أبا عبد الله.

ويخشى الزبير بن العوّام أن يكون ممن وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالفئة الباغية حين قال لعمار بن ياسر رضي الله عنه: "وَيْحَكَ ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ".

فيخشى الزبير رضي الله عنه أن يكون من هذه الفئة الباغية، ويريد أن يكفّ عنه، وهذا ما حدث، ولم يقتل أحدهما الآخر.

ويبحث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه، ويلتقيان، فيقول علي رضي الله عنه للزبير رضي الله عنه: أما تذكر يوم مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني غنم، فنظر إليّ وضحك، وضحكتُ إليه، فقلتَ: لا يدع ابن أبي طالب زهوه.

فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَرِّدٍ لَتُقَاتِلَنَّهُ وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ؟"

فقال الزبير: اللهم نعم! ولو ذكرتُ ما سرتُ مسيري هذا، ووالله لا أقاتلك.

وبعدها أخذ الزبير بن العوّام رضي الله عنه خيله، وبدأ في الرجوع عن القتال، ولم يأخذه الكبر والعزة، وهو أحد رءوس الجيش الذي يبلغ تعداده ثلاثون ألفًا، وذلك لما ذُكّر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينما هو ينسحب من ساحة القتال، ويعود، يقول له ابنه عبد الله بن الزبير: جمعت الجموع، ثم تعود.

فيقول الزبير رضي الله عنه: والله لا أقاتل عليًا.

ويخرج الزبير رضي الله عنه من ساحة القتال متجهًا إلى مكة، وفي منطقة تًسمّى وادي السباع، وعلى بعد أميال قليلة من البصرة يتبعه عمرو بن جرموز، وهو ممن كان في جيش علي رضي الله عنه، ومع الزبير رضي الله عنه غلامه، فيقول ابن جرموز لهما: إلى أين المسير؟

فيقولان: إلى مكة.

فيقول: أصحبكما.

وفي رواية أن الزبير رضي الله عنه كان يقول: إني أرى في عين هذا الموت.

ويأتي وقت الصلاة، فيؤمّهما الزبير رضي الله عنه، وبعد أن يكبر تكبيرة الإحرام يهجم عليه ابن جرموز، ويقتله، وهو يصلي، ثم يأتي بسيف الزبير رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه فرحًا مسرورًا، ظانًا بذلك أنه يدخل السرور على قلب علي رضي الله عنه، ويصل الخبر إلى علي رضي الله عنه، فيبكي بكاءً شديدًا، ويرتفع نحيبه، ويمسك سيف الزبير رضي الله عنه ويقول: طالما كشف هذا السيف الكُرَب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورفض علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يدخل عليه عمرو بن جرموز وقال: بَشّر قاتل ابن صفية بالنار، فلما أُخبر بهذا ابنُ جرموز قتل نفسه فباء بالنار، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ولا زال القتال مستمرًا بين الفريقين، وكان طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يقاتل بيده اليسرى، بينما كانت يده اليمنى شلّاء من يوم أُحد، حين صد بها الرمح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينما هو يقاتل، وكان عمره أربعًا وستين سنة، أتاه سهم طائش لا أحد يعرف مصدره، ويقول من يكرهون الدولة الأموية: إن الذي رماه بالسهم هو مروان بن الحكم.

ولم تثبت أي رواية هذا الأمر، وقتل هو الآخر رضي الله عنه وأرضاه، وقد كان هو والزبير رضي الله عنهما من أوائل من أسلم من الصحابة، وظلوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي حياتهم كلها مجاهدين في سبيل الله، ويتزعم الجيش في هذا الوقت عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وعن أبيه وأرضاهما.

ويشتد القتال بين الفريقين وتتطاير الرءوس، والأيدي، والأرجل، ويذكر الرواة أن هذه الموقعة كانت أكثر المواقع قطعًا للأيدي والأرجل.

موقف السيدة عائشة رضي الله عنها من موقعة الجمل

وحتى هذه اللحظة لم تدخل السيدة عائشة رضي الله عنها ساحة القتال، فيذهب إليها كعب بن ثور قاضي البصرة ويقول لها: يا أم المؤمنين، أنجدي المسلمين.

فتقوم السيدة عائشة رضي الله عنه وأرضاها، وتركب الهودج ويوضع على الجمل، وتدخل إلى ساحة القتال لتنصح المسلمين بالكفّ عن القتال، وعن هذه المجزرة التي لم تحدث من قبل في تاريخ المسلمين.

وتسيء كتابات مَن تربَوا على أيدي الغرب إلى السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها في هذا الموقف، فيقول طه حسين في كتابه (علي وبنوه): إن السيدة عائشة خرجت تتحدث إلى مَن على يمينها محرّضة، وإلى مَن على شمالها محمسة، وإلى مَن أمامها مذكرة، وأنها كانت تشجع الناس على القتال.

ويقول طه حسين أيضًا: إن عليَا رضي الله عنه عندما سمعهم يلعنون قتلة عثمان، قال: يلعنون قتلة عثمان، والله ما يلعنون إلا أنفسهم فهم قتلوه، اللهم العن فتلة عثمان.

ولا يصح من هذا كله إلا الجملة الأخيرة: اللهم العن قتلة عثمان، وقد قالها علي رضي الله عنه عندما سمع دعاء الفريق الآخر على قتلة عثمان، ولا ندري من أين أتى طه حسين بهذه القصة، وبهذا الكلام الذي لم يذكر أي توثيق له.

وعلى هذا النسق أيضًا تقول زاهية قدّورة في كتابها (عائشة أم المؤمنين): إن السيدة عائشة بدأت تحركاتها الظاهرة لنشر الدعاية ضد علي بحجة المطالبة بدم عثمان، بل إنها اتهمت عليًا بقتل عثمان، ولهذه الخصوم بين عائشة وعلي أسباب:

1- أن عائشة كانت أول زوجة بنى بها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها، وخديجة هي أم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقدت عليها فاطمة لأنها زوجة أبيها، وحزن علي رضي الله عنه لهَمّ زوجته ونشأت بين علي وعائشة الخصومة بسبب هذا الأمر.

2- تقول الكاتبة كاذبةً أيضًا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب السيدة فاطمة حبًا شديدًا، وقال عنها أنها سيدة نساء العالمين، فتقول الكاتبة إن هذا أيضًا جعل الغيرة تزيد في قلب السيدة عائشة.

3- تقول الكاتبة كاذبةً أيضًا: إن عليًا رضي الله عنه أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم بتطليق السيدة عائشة بعد حادث الإفك قبل أن يتحقق الأمر، والنساء سواها كثيرًا، وذلك لكراهته لها، وازداد الأمر تعقيدًا كما تقول الكاتبة.

4- تقول الكاتبة كاذبةً أيضًا: إن السيدة فاطمة وزوجها سيدنا علي قد أظهرا الشماتة سرًا أو جهرًا- على خلاف- عندما اتهمت السيدة عائشة رضي الله عنها في حادث الإفك.

5- تقول الكاتبة كاذبةً أيضًا: إن عليًا كان يحقد على السيدة عائشة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرّب أباها أبا بكر رضي الله عنه أكثر منه، ومن ثَمّ حقد عليها، وحقدت هي عليه أيضًا.

6- تقول الكاتبة كاذبةً أيضًا: إن السيدة عائشة لم تُرزق بأولاد بينما رزق علي وفاطمة بالحسن والحسين اللذين كان يحبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوجد ذلك الغيرة عند السيدة عائشة.

7- تقول الكاتبة كاذبةً أيضًا: إن النبي صلى الله عليه لما مرِض مرَض الموت اختار بيت السيدة عائشة، فغضب علي لهذا الأمر.

8- تقول الكاتبة كاذبةً أيضًا: إن السيدة عائشة سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته يأمر أن يصلى أحد بالناس فقالت لبلال: اجعل أبا بكر يصلي بالناس، فحقد عليها عليّ لهذا الأمر واتهمها به، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قال الناس: كيف يرضاه الرسول لديننا بأن أمره أن يؤمهم في الصلاة ولا نرضاه لدنيانا.

فكان خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، فتشير الكاتبة بهذا أن هذه لعبة لعبتها السيدة عائشة ليتسلم والدها الخلافة، ثم تأتي الكاتبة برواية أخرى تقول أن العباس رضي الله عنه قال لعلي رضي الله عنه: امدد يدك أبايعك فيقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله. فلا يختلف عليك اثنان. فقال له علي: وهل يطمع فيها طامع غيري.

9- تقول الكاتبة كاذبةً أيضًا: إن بعد وفاة السيدة فاطمة ذهب سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وقدمن العزاء لعلي رضي الله عنه، ولم تذهب السيدة عائشة، ونُقل على لسانها لعلي رضي الله عنه ما يدل على السرور.

ثم تقول الكاتبة: هذه هي الأسباب التي ظهرت في شكل خصومة انتهت إلى سفك الكثير من الدماء في موقعة الجمل.

وهذا الكتاب من المفترض أن يكون كتابًا لأهل السنة، لكن كل مصادر الكتاب عن علم الكاتبة، أو عن جهلها، مصادر شيعية.

وما حدث أن السيدة عائشة رضي الله عنها عندما ذهب إليها كعب بن ثور يطلب منها نجدة المسلمين، ودخلت هودجها، ووضع الهودج على الجمل، ودخلت ساحة القتال نادت على المسلمين جميعًا: الله الله يا بَنِي، اذكروا يوم الحساب.

وأعطت مصحفها لكعب بن ثور وقالت له: ارفعه بين الناس، لعل الله أن يزيل به ما بين الناس.

فلما أخذ المصحف، ورفعه تناوشته السهام، فقُتل لتوّه، ودخلت السيدة عائشة بالجمل في ساحة القتال، ومن ثَم سُمّيت الموقعة بموقعة الجمل، فكان الناس جميعًا يقاتلون حميّة حول الجمل بينما السيدة عائشة رضي الله عنها من داخل الهودج تأمر الناس بالكف عن القتال، إلا أن الناس جميعًا كانوا يتفانون في القتال حول الجمل، وقتل ممن يمسك بخطام الجمل سبعون رجلًا، فكان احتدام القتال، وقوته، ومنبعه من حول جمل السيدة عائشة رضي الله عنها، فأشار القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه بقتل الجمل، أو عقره مع المحافظة والحماية لهودج السيدة عائشة رضي الله عنها، وذلك حتى يهدأ القتال، وتزول الفتنة، واجتمع القوم على الجمل ليقتلوه، أو يعقروه، بينما الفريق الآخر يستميت في الدفاع عن الجمل، وكان آخر المدافعين عن الجمل عبد الله بن الزبير بن العوّام، وهو ابن أخت السيدة عائشة رضي الله عنها، فلما أُخبرت السيدة عائشة بذلك قالت: واثكل أسماء.

فقد ظنت رضي الله عنها أنه سيموت في هذا الموقف، وقد جُرح رضي الله عنه سبعة وثلاثين جرحًا، وكان من المقاتلين الأشداء، لكنه لم يقتل رضي الله عنه، بل استمرت حياته، وامتدت بعد ذلك مدة طويلة.

بعد قتال مرير أفلح فريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عقر الجمل، ولما وقع الجمل انهارت معنويات جيش السيدة عائشة رضي الله عنها وبدأ الناس يفرون، وأصبح النصر في جانب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورُشق هودج السيدة عائشة رضي الله عنها- قبل أن يسقط- بالرماح من كل جانب حتى أصبح مثل القنفذ كما يقول الرواة، ويأمر علي رضي الله عنه الناس بالكف عن ضرب الهودج بالسهام، والسهام لا تفرق بين الجمل، والهودج منها ما يرمي به أهل الفتنة، ومنها ما هو غير مقصود.

واجتمع المسلمون على هودج السيدة عائشة، فرفعوه من على الجمل المعقور ووضعوه على الأرض، وأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن تنصب على الهودج قبّة، فنُصبت عليه خيمة حتى يُحفظ سترها رضي الله عنها، وجاءها أخوها محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وكان مشاركًا في حصار عثمان رضي الله عنه، لكنه تاب، وندم، وبكى، وعاد إلى صف المسلمين وحاول أن يرد القتلة بسيفه عن عثمان رضي الله عنه، لكنه لم يستطع، وبعد ذلك بايع عليًا رضي الله عنه، وها هو الآن يقاتل في صف علي رضي الله عنه، ونحسبه على خير، فقال للسيدة عائشة: هل وصل إليك شيء من الجراح فقالت له: لا، وما أنت بذاك، مما يدل على عدم رضاها عنه لما فعله ابتداءً في حق عثمان رضي الله عنه.

ثم جاء عمار بن ياسر رضي الله عنه وكان عمره يومئذٍ تسعين سنة بينما كان عمر السيدة عائشة رضي الله عنها أربعًا وأربعين، أو خمسًا وأربعين سنة، فقال لها رضي الله عنه: كيف أنتِ يا أم؟

فقالت: لست لك بأم.

فقال: بلى، أمي وإن كرهتِ.

علي بن أبي طالب وعائشة رضي الله عنهما

وجاء إليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مسلِّمًا، وسائلًا فقال: كيف أنت يا أم؟

فقالت: بخير.

فقال: يغفر الله لكِ. وفي رواية فقالت: ولكَ.

وجاء وجوه الناس من الأمراء والأعيان من جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه يسلّمون على أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، فما زالوا يعظّمون هذه السيدة التي هي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والسيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها حتى نهاية المعركة كانت على يقين تام- بعد اجتهادها- أنها على الحق، وكانت أعلم الناس، وأكثر الناس رواية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي هريرة رضي الله عنه، وكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يقول: كان إذا أُشكل علينا حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدنا عند عائشة علمًا من كل حديث.

وقد كانت رضي الله عنها أحبّ الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، روى البخاري بسنده عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟

قال: عَائِشَةُ، فقلت: من الرجال؟ ، فقال: أَبُوهَا. ، قلت: ثم من؟ ، قال: ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فعد رجالًا.

ولا خلاف بين أهل السنة أن السيدة خديجة، والسيدة عائشة رضي الله عنهما أفضل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان الخلاف اليسير، أيتمها أفضل.

بعد أن انتهت المعركة أدركت أنها كانت على خطأ، وندمت على قدومها، وكانت بعد ذلك كلما ذُكرت موقعة الجمل، بكت، وتمنّت لو أنها قد ماتت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

ثم أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يوضع هودج السيدة عائشة- وهي فيه- في أفخر بيوت البصرة، وكان بيت رجل يُسمّى عبد الله بن خلف الخزاعي، تحت الحماية والحراسة معززة مكرمة.

ويذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليتفقد قتلى الفريقين، وكانت لحظات شديدة، وقاسية عليه رضي الله عنه، وكان يبكي بكاءً مرّا شديدًا، ويمر رضي الله عنه على طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وهو مقتول، وشهيد في ساحة المعركة، ويجلس بجواره، ويبكي، ويقول: لهفي عليك يا أبا محمد، ويمرّ على محمد بن طلحة بن عبيد الله، والذي قُتل أيضًا في هذه المعركة، فيبكي عليه، ويقول: هذا الذي كنا نسميه السجّاد. من كثرة سجوده، وقد كان رضي الله عنه تقيًا ورعًا.

ويمرّ رضي الله عنه على القتلى من الفريقين يدعو لهم جميعًا بالمغفرة والرحمة ويصلّي على الشهداء من الفريقين، ويأمر بدفنهم، وتُجمع الأسلاب وهو ما تركه جيش البصرة، فيضع علي رضي الله عنه هذه الأشياء في مسجد البصرة ويقول: من كان له شيء يعرفه فليأخذه.

ويأمر رضي الله عنه بعدم الإجهاز على الجرحى، بل مداواتهم، وعدم متابعة الفارّين وألا يُقتل أسير، وذلك لأن كلا الفريقين كان يظن أنه على الحق وكلاهما من المسلمين.

ويريد أهل الفتنة أن توُزع عليهم الغنائم، ومن فقه علي رضي الله عنه أن قال بعدم وجود الغنائم بين المسلمين، وإنما تكون الغنائم من الأعداء، ومع إصرار أهل الفتنة على رأيهم، قال لهم علي رضي الله عنه: فلنقسّم الغنائم، ففي سهم مَن تكون السيدة عائشة؟! فبهتهم بهذا القول، فتركوه، وانصرفوا.

ويذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى السيدة عائشة رضي الله عنها في بيت عبد الله بن خلف الخزاعي، ويجهزها للذهاب إلى مكة بأفضل ما يكون التجهيز، ويختار لها أربعين امرأة هنّ أشرف نساء البصرة ليرافقنها إلى مكة، ومعها محمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم جميعًا.

وعلى باب بيت عبد الله بن خلف الخزاعي ذُكر لعلي رضي الله عنه أن اثنين من الناس يذكران السيدة عائشة بسوء، فأمر بجلد كل واحد منهما مائة جلدة تعزيرًا له على سبّه أم المؤمنين، وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأمر كما نرى لم يكن فيه منتصر، ومهزوم بالمعنى الحربي؛ لأن الجميع من المسلمين، ومع كون الغلبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، إلا أنه كان أشد الناس حزنًا، وأسفًا، وألمًا، وكان هذا أيضًا شعور مَنْ غُلِبَ ومَن غَلَبَ على السواء.

وقد استشهد في هذه المعركة العظيمة من كلا الفريقين عشرة آلاف؛ خمسة آلاف من جيش علي رضي الله عنه، وخمسة آلاف من جيش السيدة عائشة، وطلحة، والزبير رضي الله عنهم جميعًا، وكلٌّ من المسلمين، وقُتُل على أيدي المسلمين، وهذا العدد الضخم في يوم واحد، بينما قُتل في معركة القادسية ثمانية آلاف ونصف، وشهداء اليرموك كانوا ثلاثة آلاف، وشهداء معركة الجسر التي كانت من أشد الكوارث على المسلمين كانوا أربعة آلاف، بينما شهداء موقعة الجمل عشرة آلاف بأيدي المسلمين، فكانت من أشد البلاء على المسلمين {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُوراً} [الأحزاب:38]. ويجزي الله تعالى من اجتهد منهم فأصاب أجران، ومن اجتهد فأخطأ أجرًا واحدًا، وكل من الأخيار.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:25

موقعة صفين
انتهاء معركة الجمل حرص علي بن أبي طالب رضى الله عنه على هودج السيدة عائشة رضي الله عنها، ونقله إلى أفخم بيوت البصرة، وعندما أرادت السيدة عائشة رضي الله عنها أن تذهب إلى مكة، أرسل معها أربعين من أشرف نساء البصرة المعروفات، كما أرسل معها أخاها محمد بن أبي بكر، وأرسل معها أيضًا عمار بن ياسر، ومجموعة من الجنود لحمايتهم جميعًا، وسار مع القافلة بنفسه بعض الأميال مشيّعًا، كما سار الحسن، والحسين رضي الله عنهما مسافة أكبر خلف السيدة عائشة رضي الله عنها حتى سلكت طريق مكة.

وقد ودّعت السيدة عائشة رضي الله عنها الناس قبل أن تغادر البصرة، وقالت لهم: لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين عليّ في القدم، إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها -أي أقارب زوجها- وإن عليًّا لمن الأخيار.

فقال علي رضى الله عنه: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذاكَ، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة.

فهذه هي نظرة كل منهما للآخر.

مكثت السيدة عائشة رضي الله عنها في مكة، حتى حجّت هذا العام 36هـ، ثم عادت بعد الحج إلى المدينة المنورة.

بعد أحداث الجمل بايع أهل البصرة جميعًا عليًّا رضى الله عنه، سواءً من كانوا معه، أو من كانوا عليه، وتمكن رضى الله عنه من الأمور، وولّى على البصرة بعد أن تم له الأمر فيها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ترك البصرة، وتوجّه إلى الكوفة التي كان أغلب جيشه منها، ونزل في بيت متواضع، ورفض أن ينزل في قصرها الذي كان يُسمّى القصر الأبيض؛ لأن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يكره هذا القصر لفخامته، ومكث رضى الله عنه في الكوفة ليسيطر على الأمور، ودانت له البصرة والكوفة، وهي مناطق كبيرة، وبها من الجنود الكثير، ولا زال بعض من أهل الفتنة في جيش علي رضى الله عنه إلى هذا الوقت، منهم من قُتل في معركة البصرة الأولى التي قُتل فيها ستمائة، وكثير منهم قُتل في معركة الجمل.

أما مصر فقد كان على إمرتها أثناء خلافة عثمان رضى الله عنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد خرج بجيشه من مصر متوجهًا لنجدة عثمان رضى الله عنه، ولكنه لمّا علم بمقتله توجه إلى الشام، وكان ممن يرى رأي معاوية بن أبي سفيان، وطلحة، وعائشة، والزبير رضوان الله عليهم جميعًا مِن أخذ الثأر لعثمان رضى الله عنه من قَتَلَتِه قبل البيعة.

وتولّى الأمور في مصر، وسيطر عليها محمد بن أبي حذيفة الذي كان أحد أقطاب الفتنة مع كونه تربى في كنف عثمان بن عفان رضى الله عنه، وأحد أبناء المجاهدين البررة حذيفة بن عتبة الذي استشهد في اليمامة، ولما لم يعطه عثمان رضى الله عنه الإمارة لعدم رؤيته لكفاءته نقم عليه، وتعاون مع عبد الله بن سبأ في الفتنة، وتقلّد الأمور بعد ذلك في مصر، وكان معاوية رضى الله عنه في الشام على مقربةٍ من مصر، وهي أقرب إليه من المدينة، ومن العراق، فلما حدثت الفتنة، وحدثت معارك البصرة أرسل معاوية رضى الله عنه جيشًا صغيرًا لمحاربة أهل الفتنة في مصر، فخرج له محمد بن أبي حذيفة في العريش بسيناء، وتقاتلا، وقُتل محمد بن أبي حذيفة، ومعه ثلاثون آخرون من أهل الفتنة، وقبل أن يتمكن جيش معاوية رضى الله عنه من مصر أرسل علي بن أبي طالب رضى الله عنه قيس بن سعد أحد رجالاته إلى مصر للسيطرة على الأمور، فذهب، ومعه سبعة من الرجال، فأسرع إليها قبل جيش معاوية، وسيطر عليها، وصعد المنبر، وأعلن أنه يبايع عليًّا رضى الله عنه، فبايعه أهل مصر جميعًا إلا فئة قليلة جدًّا انحازوا إلى قرية (خربته) بمنطقة البُحَيْرة بمصر، وتركهم قيس بن سعد درءًا للحرب في ذلك الوقت، وتمكّن لعليٍّ رضى الله عنه الأمر في مصر في ذلك الوقت، ولم يعجب هذا الأمر معاوية رضى الله عنه، فأرسل رسالة إلى قيس بن سعد والي مصر من قِبَل علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وأقام معاوية رضى الله عنه الحجة على قيس بن سعد، وأن معاوية رضى الله عنه يتتبع قتلة عثمان، ويأخذ بثأره ممن قتلوه.

كان قيس بن سعد بعيدًا عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه فهو في مصر بينما علي رضى الله عنه في العراق، وبينهما معاوية رضى الله عنه في الشام.

لم يردّ قيس بن سعد على رسالة معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه ردًّا حازمًا صريحًا، بل كان في رسالته تردد في الأمر، وأُشيع في الشام أن لقيس بن سعد علاقة في السرّ مع معاوية، وخشي علي بن أبي طالب رضى الله عنه أن تنقلب الأمور في مصر، ويتكرر ما حدث في البصرة، فعالج الأمر بأن عزل قيسًا، وولّى مكانه محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وذكرنا قبل ذلك أن محمد بن أبي بكر كان الصحابي الوحيد الذي شارك ابتداءً في أمر الفتنة، ولكنه رضى الله عنه تاب على يد عثمان رضى الله عنه، ورجع عن ما كان عليه، بل ودافع بسيفه عن عثمان رضى الله عنه، ولكنه لم يستطع أن يثنيهم عن قتل عثمان رضى الله عنه، وشهدت له بذلك السيدة نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان رضي الله عنهما، وبعد ذلك بايع عليًّا رضى الله عنه، وحسن عمله، ونحسبه على خير، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا.

دانت السيطرة لعلي بن أبي طالب تمامًا على مصر، وبعدما عُزل قيس بن سعد رضى الله عنه رجع إلى علي بن أبي طالب، واعتذر له عن كون ردّه على معاوية رضى الله عنه كان فيه شيءٌ من التردد مما أثار الشكوك حوله، فقبل منه علي بن أبي طالب رضى الله عنه، واشترك قيس بن سعد في جيش علي رضى الله عنه.

أرسل علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وهو في الكوفة رسالتين إحداهما إلى جرير بن عبد الله أمير من قِبَل عثمان بن عفان رضى الله عنه على (همذان) في أرض فارس، وطلب منه المبايعة، فبايع جرير رضى الله عنه كل أهل (همذان)، وأتى بالمبايعة إلى علي بن أبي طالب رضى الله عنه.

والرسالة الأخرى إلى الأشعث بن قيس في (أذربيجان) فأخذ له البيعة من أهلها، فتمت لعلي بن أبي طالب رضى الله عنه البيعة في كل منطقة شرق العراق، وأصبحت كل مناطق الكوفة، والبصرة، وما يليها من البلاد تحت إمرة علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وكذلك المدينة المنورة، ومكة، واليمن، ومصر، ولم يتبق إلا منطقة الشام فقط لم تبايع عليًّا رضى الله عنه، والدولة الإسلامية كلها قد اتفقت على أمير واحد هو علي بن أبي طالب رضى الله عنه وأرضاه، ولم يخالف إلا إمارة واحدة هي إمارة الشام، وإن كانت إمارة كبيرة.

وكانت مشكلة كبيرة تحتاج إلى وقفة حازمة من علي رضى الله عنه، فأرسل جرير بن عبد الله البجلي أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه؛ لكي يتحاور معه من أجل الوصول إلى حل لتلك المشكلة دون الدخول في حرب بين المسلمين، خاصة بعد موقعة الجمل المُرّة، والتي راح ضحيتها عشرة آلاف من المسلمين، وذهب جرير بن عبد الله رضى الله عنه إلى معاوية رضى الله عنه، وعرض عليه أن يبايع عليًّا رضى الله عنه جمعًا لكلمة المسلمين، وتجنبًا للحرب بينهم، فجمع معاوية رضى الله عنه رءوس الشام، وفيهم الكثير من الصحابة، والفقهاء، وكبار التابعين، والقضاة، واستشارهم في الأمر، فاتفق اجتهادهم جميعًا على عدم المبايعة إلا بعد أخذ الثأر من قتلة عثمان بن عفان رضى الله عنه، وقالوا: إن علي بن أبي طالب قد آوى قتلة عثمان بن عفان، وعطّل حدًّا من حدود الله، ومن ثَم لا تجوز له البيعة.

وكان معاوية رضى الله عنه يرى أنه ولي دم عثمان، وأنه لا بدّ من الأخذ بثأره من هؤلاء القتلة، وأنه لا يجوز له بحالٍ أن يقصّر في هذا الأمر، وتأوّل قول الله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33].

ومعاوية رضى الله عنه هو ولي ابن عمه عثمان بن عفان رضى الله عنه، وقد قالت له السيدة نائلة بن الفرافصة رضى الله عنها: أنت وليّه. وحمّلته هذه المسئولية في الأخذ بثأره ممن قتله.

والآية تشير أن لولي المقتول الحق أن يعفو، أو أن يأخذ له الأمير القصاص، ولا يُحكَّم طالب الدم، ومن ثَم كان لا بدّ أولاً من وجود حاكم قد بايعه الناس أولاً، ويذهب طالب الدم إلى الحاكم بعد أن يبايعه أولاً، ثم يطالبه بالقصاص، لا أن يمتنع عن البيعة، ويطالب بالقصاص، ولكن معاوية رضى الله عنه رفض الاستجابة لجرير بن عبد الله، بل أرسل هو رسلاً إلى علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه لا يبايعه إلا بعد أن يسلّمه قتلة عثمان بن عفان، أو يقتلهم هو، وبعدها يبايعه.

ويرى علي بن أبي طالب رضى الله عنه أن هذه الفئة هي الوحيدة الخارجة عليه من كل الدولة الإسلامية، ومن ثَم تجب محاربتها لردها إلى الحق، وإلى جماعة المسلمين، ولكنه قبل أن يبدأهم بحربٍ يحاول أن يقرّب وجهات النظر، وأن يسلك مع أهل الشام مسلك التهديد بقتالهم، إن لم يبايعوا، ويعودوا إلى جماعة المسلمين، فأمر بتجميع الجيوش، واستشار الناس، فأشار الجميع بأن تخرج الجيوش، وأن يخرج علي رضى الله عنه بنفسه مع الجيش، وكان ممن عارض خروجه ابنه الحسن، ورأى أن قتال أهل الشام سوف يأتي بفتنة عظيمة، لكن علي رضى الله عنه كان يريد أن يقمع الفتنة من جذورها، وأن يحسم الأمر من بدايته.

خروج الفريقين إلى صفين

خرج علي بن أبي طالب رضى الله عنه من الكوفة، وعسكر في منطقة النخيلة خارج الكوفة، واستخلف على الكوفة عقبة بن عامر الأنصاري أحد البدريين من صحابة رسول الله r، وأرسل علي رضى الله عنه مقدمة جيشه نحو الشام، وتقدمت هذه المقدمة، حتى تجاوزت نهر الفرات، ووصلت إلى منطقة تُسمّى (صفين)، وتتبع علي بن أبي طالب رضى الله عنه المقدمة بجيشه.

ووصلت الأخبار إلى معاوية رضى الله عنه أن علي بن أبي طالب قد خرج بجيشه من العراق متوجهًا إلى الشام؛ لإجبار أهلها على البيعة، فاستشار معاوية رضى الله عنه رءوس القوم، فأشاروا عليه بأن يخرج لجيش علي رضى الله عنه، وألا ينتظر في أرض الشام حتى يأتوه، كما أشاروا عليه أن يخرج بنفسه مع الجيش كما خرج علي بن أبي طالب رضى الله عنه مع جيشه، ووافق رضى الله عنه على هذا الرأي، وخرج بنفسه على رأس الجيش،

وقد كان من مؤيدي الخروج عمرو بن العاص رضى الله عنه، والذي قام وخطب الناس قائلاً: إن صناديد أهل الكوفة والبصرة -أي عظماءهم وشجعانهم- قد تفانوا يوم الجمل، ولم يبق مع علي إلا شرذمة قليلة من الناس، وقد قُتل الخليفة عثمان بن عفان أمير المؤمنين، فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تتركوه - أي دم عثمان رضى الله عنه، وحمّس عمرو بن العاص الناس على القتال، وعُقدت الألوية، وخرج معاوية رضى الله عنه بالجيش، وأرسل مقدمة جيشه تجاه جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه.

كان عُمْر عمرو بن العاص رضى الله عنه، وهو يحمّس الناس في هذا الوقت للقتال 86 سنة، فكان شيخًا كبيرًا، وهو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووردت أحاديث كثيرة في فضله رضى الله عنه، ولا ينبغي لأحد أن يظن أنه رضى الله عنه، وهو في هذه الفترة من عمره يفكر في الإمارة، أو الدنيا، وهو على أبواب لقاء الله تعالى، ولقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان على مقدمة جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه زياد بن النضر، وعلى مقدمة جيش معاوية رضى الله عنه أبو الأعور السلمي، وتلتقي المقدمتان في منطقة صفين.

وأرسل علي بن أبي طالب رضى الله عنه أوامره إلى مقدمته يقول لهم: ادعوهم إلى البيعة مرة بعد مرة، فإن امتنعوا، فلا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، ولا يقرب منهم أحد قرب من يريد الحرب، ولا يبتعد عنهم أحد بعد من يهاب الرجال.

وعرضت مقدمة علي بن أبي طالب رضى الله عنه البيعة على مقدمة معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه مرة بعد مرة، لكنهم رفضوا البيعة، وبدأ الأعور السلمي من مقدمة معاوية القتال، ودار بينهم القتال ساعة، وسقط بعض القتلى والشهداء، ثم تحاجزوا، كان ذلك في أوائل شهر ذي الحجة سنة 36هـ، أي بعد حوالي سبعة شهور، أو ثمانية من موقعة الجمل، وفي اليوم التالي تناوشت المقدمتان ساعة، ثم تحاجزوا، بعد أن سقط بعض القتلى، والشهداء من الفريقين.

في اليوم الثالث جاء علي بن أبي طالب رضى الله عنه بجيشه، وجاء معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه بجيشه.

كان تعداد جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه مائة وعشرين ألفًا، وجمع معاوية رضى الله عنه من أهل الشام وحدهم تسعين ألفًا، وهي أرقام ضخمة لم تصل إليها جيوش المسلمين من قبل، فقد كان تعداد المسلمين في اليرموك ستة وثلاثين ألفًا، وفي القادسية ثمانية وثلاثين ألفًا، بينما هم اليوم في صفين مائتان وعشرة آلاف، وكلهم من المسلمين، مائة وعشرون ألفًا مع علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وتسعون ألفًا مع معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه.

عندما يصل معاوية رضى الله عنه إلى أرض صفين يجد نهرًا يغذي تلك المنطقة كلها، فيسيطر على النهر، ويقطع الماء عن جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه، ويكاد جيش علي رضى الله عنه أن يموت عطشًا بعد أن قُطع عنه الماء أكثر من يوم، ويتقاتل الفريقان على الماء، وفي آخر هذا اليوم أرسل علي بن أبي طالب رضى الله عنه صعصعة بن صوحان إلى معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه يقول له: إنا جئنا كافّين عن قتالكم، حتى نقيم عليكم الحجة، فبعثت إلينا مقدمتك، فقاتلتنا قبل أن نبدأكم، ثم هذه أخرى تمنعوننا الماء.

واستشار معاوية رضى الله عنه رءوس قومه في الأمر، فقال عمرو بن العاص رضى الله عنه: خَلِّ بينهم، وبين الماء، فليس من الإنصاف أن نشرب، ويعطشون.

فقال الوليد، وهو أحد من استشارهم معاوية رضى الله عنه: دعهم يذوقون من العطش ما أذاقوا أمير المؤمنين عثمان بن عفان حين حاصروه في الدار.

فكان هذا رأيًا آخر، والذي حاصر عثمان رضى الله عنه، ومنعه الماء إنما هم أهل الفتنة، وهم يقولون: إن جيش علي يأوي هؤلاء القتلة، ويجب أن يذوقوا ما ذاقه عثمان بن عفان.

فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: امنعهم الماء إلى الليل، فلعلهم يرجعون إلى بلادهم.

وبعد تشاور، وتباحث بين الفريقين اتفقوا على أن يشرب الجميع من الماء دون قتال.

فكان ديدنهم -سبحان الله- أن يقاتلوا حتى إذا كفّ القتال، ذهبوا جميعًا، فشربوا من الماء دون أن يتقاتلوا عند الماء، ثم يأخذ كل فريق قتلاه من ساحة المعركة، فيدفنوهم، ويصلّون عليهم، وهكذا كل يوم.

في اليوم الثالث من هذه الحرب أرسل علي بن أبي طالب رضى الله عنه مجموعة أخرى لمعاوية رضى الله عنه، فأرسل له بشير بن عمرو الأنصاري، وسعيد بن قيس، وشُبيس بن ربعي، وقال لهم: ايتوا هذا الرجل -يعني معاوية- فادعوه إلى الطاعة، والجماعة، واسمعوا ما يقول لكم.

فلما دخلوا على معاوية، بدأ بشير بن عمرو الأنصاري، فقال: يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك، ومجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله ألا تفرّق جماعة هذه الأمة، وألا تسفك دماءها بينها.

فقال له معاوية رضى الله عنه: هلاّ أوصيت بذلك صاحبكم - يعني عليًّا رضى الله عنه.

فقال له: إن صاحبي أحق هذه البرية بهذا الأمر؛ لفضله، ودينه، وسابقته، وقرابته، وإنه يدعوك إلى مبايعته، فإنه أسلم لك في دنياك، وخير لك في آخرتك.

فقال معاوية رضى الله عنه: ويُتْرَك دم عثمان، لا والله لا أفعل ذلك أبدًا.

فالقضية عند كل من الطرفين واضحة تمامًا، ولا يرى أي خطأ فيما يراه، ويقاتل كل منهما على رأيه حتى النهاية.

وتفشل المفاوضات، وتبدأ المناوشات مرةً أخرى بين الفريقين، وفي كل يوم تخرج من كل جيش مجموعة تقاتل مجموعة من الجيش الآخر، وفي آخر اليوم يتحاجز الفريقان، ثم يعودان للقتال من جديد في اليوم التالي، وهكذا طوال شهر ذي الحجة، وفي تلك السنة أمّر علي رضى الله عنه على الحج عبد الله بن عباس، فأتم مهمته، ورجع بعد حجه إلى جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه.

وفي شهر المحرم تهادن الفريقان، وحاولا الإصلاح، ولكن دون جدوى، وأرسل علي بن أبي طالب رضى الله عنه عدي بن حاتم الطائي أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه، ومع عدي يزيد بن قيس، وشُبيس بن ربعي، فقام عدي بن حاتم رضى الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أما بعد يا معاوية، إنا جئنا ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا، وأمرنا، وتُحقن به الدماء، وتأمن به السبل، ويُصلح ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين، أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرًا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله بالذي رأوا، فلم يبق أحد غيرك، ومن معك من شيعتك.

ثم قال له كلمة قاسية شديدة قال: فانته يا معاوية، لا يصبك مثل ما أصاب أصحاب يوم الجمل.

فقال له معاوية: كأنك إنما جئت مهددًا، ولم تأت مصلحًا، هيهات، والله يا عدي، إني لابن حرب لا يُقعقع لي بالشنئان.

فقال له شُبَيْس بن ربعي: اتق الله يا معاوية، ولا تخالفه، فإنا والله ما رأينا رجلاً قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه.

فتكلم معاوية، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة، فكيف أطيع رجلاً أعان على قتل عثمان، وهو يزعم أنه لم يقتله، ونحن لا نردّ ذلك عليه، ولا نتهمه به، ولكنه آوى قتلته، فيدفعهم إلينا حتى نقتلهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة، والجماعة.

فيقول شُبيس بن ربعي: أنشدك الله يا معاوية لو تمكنت من عمار بن ياسر أكنت قاتله بعثمان؟

فقال معاوية: لو تمكنت منه ما قتلته بعثمان، ولكني أقتله بغلام عثمان.

ومعاوية رضى الله عنه لا يقول هذا الكلام حميّةً لعثمان رضى الله عنه، ولا عصبية، ولكنه يرى أنه لا تعطيل لحدود الله مهما صغر المقتول، كغلام عثمان مقارنة بعثمان رضي الله عنهما، ومهما كان القاتل أو من أعان على إيوائه.

وأرسل معاوية رضى الله عنه بعض الرسل إلى علي رضى الله عنه فيهم شرحبيل بن عمرو، وحبيب بن مسلمة، ولكن لم يتم الصلح طوال شهر المحرم.

في آخر يوم من أيام المحرّم استدعى علي بن أبي طالب رضى الله عنه مناديه يزيد بن الحارث، وأمره أن يخرج إلى أهل الشام ويقول لهم: ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استأنيتكم لتراجعوا الحق، وأقمت عليكم الحجة، فلم تجيبوا، وإني قد نبذت إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين.

وبهذا القول يتضح لنا أنه رضى الله عنه قد قرّر أن يستأنف القتال مرةً أخرى، ولكنه في هذه المرة سيكون أشد وأعنف، ويخطب علي بن أبي طالب رضى الله عنه خطبةً عصماء في قومه يحمّسهم على الجهاد في سبيل الله، ثم يقول لهم: ولا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبرًا، ولا تكشفوا ستر امرأة، ولا تُهان، وإن شتمت أمراء الناس وصلحاءهم.

وقام معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه أيضًا في جيشه، وخطب في قومه خطبةً حمّسهم فيها على الجهاد في سبيل الله وقال لهم: {استَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].

ويلتقي الجيشان في أول يوم في شهر صفر، وأخرج كل من الفريقين مجموعةً تقاتل الأخرى.

في اليوم الأول أخرج علي بن أبي طالب فرقة كبيرة من جيشه، وعلى رأسها الأشتر النخعي لمقابلة مجموعة مثلها من جيش معاوية.

والأشتر النخعي هذا كان أحد كبار رجال الفتنة كما ذكرنا من قبل، ولكنه كان صاحب بأس شديد، وله كلمة مسموعة في قومه، وكثير ممن خرجوا معه له عليهم الكلمة ورأي، ومن ثَمّ استعان به علي بن أبي طالب رضى الله عنه ليقمع هذه الفتنة سريعًا لبأسه الشديد في الحرب، ولكلمته المسموعة في قومه، وقد كان النخعي قبل أحداث الفتنة من أشد الناس تقوى، ولكنه كان محبًّا للرئاسة.

الحكم الشرعي في الاستعانة بقتلة عثمان في المعركة

رأى علي بن أبي طالب رضى الله عنه أن مصلحة المسلمين العامة تقتضي مقاتلة هذه الفئة التي خرجت على أمير المؤمنين، وخرجت على جماعة المسلمين، ورأى أن من المصلحة أيضًا أن يستعين على قتالهم بهؤلاء القوم من أهل الفتنة لِمَا لهم من العدد والعدة.

وإذا ذكرنا حروب الرسول صلى الله عليه وسلم وجدنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم المنافقين بأسمائهم وأشخاصهم، والمنافقون أشد خطرًا من الكفار{إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، ومع هذا كانوا يشتركون مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزواته، ولم ينكر أحد هذا الأمر.

ففي غزوة أحد كان ثلث الخارجين للغزوة من المنافقين، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، ولم يمنعهم الرسول صلى الله عليه وسلم من الخروج معه، وذلك لأن فتنة منعهم في المدينة، كانت أشد من فتنة قتال المشركين في أحد.

وقد أجمع الفقهاء على جواز الاستعانة في الحرب بالفسّاق من المسلمين، وإنما الخلاف في الاستعانة بالكفار، فيرى الإمام مالك، والإمام أحمد أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في الحروب، ويرى الإمام أبو حنيفة جواز الاستعانة بهم على الإطلاق، واشترط الشافعي بعض الشروط لجواز الاستعانة بهم، مع العلم أن أحدًا لم يكفّر قتلة عثمان بن عفان رضى الله عنه وأرضاه، وعبد الله بن سبأ نفسه كان يظهر الإسلام، وإن كان يبطن الكفر، وهذا هو عين النفاق، والمجموعة التي حاصرت عثمان رضى الله عنه، كانت تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين:

- مجموعة تظن أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وذهبت لأجل هذا لخلع عثمان بن عفان، أو قتله، وكذلك قال محمد بن أبي بكر الصديق رضى الله عنه لعثمان بن عفان رضى الله عنه: إنا لا نريد أن نكون يوم القيامة ممن يقول: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} [الأحزاب: 67].

فكان رضى الله عنه يعتقد ابتداءً، ولديه قناعة تامة أن عزله لعثمان رضى الله عنه، أو قتله قربة إلى الله، وكان الكثير منهم قد ضُلّل من قِبَل رءوس الفتنة.

- أما المجموعة الأخرى، فكانت تظهر الإسلام، وتبطن الكفر والكيد والحقد على الإسلام، فكانوا من المنافقين.

من أحداث معركة صفين

نعود من جديد إلى ساحة المعركة، أخرج علي بن أبي طالب رضى الله عنه في اليوم الأول -وكان غرّة شهر صفر- الأشتر النخعي على رأس مجموعة كبيرة من الجيش، وأخرج معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه حبيب بن مسلمة مع مجموعة كبيرة من جيشه، وتدور الحرب بين الفريقين بشدة من الصباح حتى المغرب، ويسقط الكثير من القتلى الشهداء من الفريقين، ويكون القتال في هذا اليوم متكافئًا.

في اليوم التالي الخميس 2 من شهر صفر، أخرج علي بن أبي طالب رضى الله عنه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص رضى الله عنه أحد المجاهدين الذين لمعت أسماءهم كثيرًا في فتوح فارس والروم، وأخرج معاوية رضى الله عنه أبا الأعور السلمي، ويدور قتال شديد، ويتساقط القتلى والشهداء من الفريقين دون أن تكون الغلبة لأحدهما.

في اليوم الثالث يخرج على فريق العراق عمار بن ياسر رضى الله عنه وأرضاه، وهو شيخ كبير قد تجاوز التسعين من عمره، ويخرج في الناحية الأخرى عمرو بن العاص رضى الله عنه وأرضاه ويتقاتل الفريقان من الصباح حتى المغرب، ولا يتم النصر لأحد الفريقين على الآخر.

في اليوم الرابع يخرج على فريق علي بن أبي طالب محمد بن علي بن أبي طالب المُسمّى محمد ابن الحنفية، وعلى الناحية الأخرى عبيد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه، ويدور القتال من الصباح إلى المساء، ويسقط القتلى والشهداء من الفريقين ثم يتحاجزان، ولا تتم الغلبة لأحد الفريقين على الآخر.

في اليوم الخامس يخرج على فريق علي بن أبي طالب رضى الله عنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وعلى الفريق الآخر الوليد بن عقبة فاتح بلاد أذربيجان وجزء كبير من بلاد فارس في عهد عثمان بن عفان رضى الله عنه، وقد ولاّه عثمان رضى الله عنه، وهو ابن خمس وعشرين وسنة، وكانت له جهود كبيرة في الجهاد في سبيل الله، وتقاتل الفريقان طوال اليوم دون أن يحرز أحدهما النصر على صاحبه.

في اليوم السادس يخرج على فريق العراق قيس بن سعد، وعلى جيش الشام ابن ذي القلاع الحميري، وكان هو وأبوه ذو القلاع في جيش معاوية رضى الله عنه، وقد استشهد والده في هذه المعركة، ويدور القتال الشديد بين الفريقين من الصباح إلى المساء، ويتساقط القتلى والشهداء ويكثر الجرحى دون أن تكون الغلبة لأحد الفريقين.

في اليوم السابع يخرج للمرة الثانية الأشتر النخعي على مجموعة من جيش العراق، ويخرج على جيش الشام حبيب بن مسلمة الذي قد خرج له في المرة الأولى.

وفي مساء هذا اليوم تبين أن استمرار هذا الأمر، من إخراج فرقة تتقاتل مع الفرقة الأخرى دون أن يكون النصر لأحد سيأتي على المسلمين بالهلاك، ولن يحقق المقصود، وهو إنهاء هذه الفتنة، وكان علي بن أبي طالب رضى الله عنه يفعل ذلك ليجنّب المسلمين خطر التقاء الجيشين الكبيرين، ولئلا تُراق الدماء الكثيرة، فكان يخرج مجموعة من الجيش لعلها أن تهزم المجموعة الأخرى، فيعتبروا ويرجعوا عما هم عليه من الخروج على أمير المؤمنين، وكذلك كان معاوية رضى الله عنه يخرّج مجموعة من جيشه فقط دون الجيش كله ليمنع بذلك إراقة دماء المسلمين.

فقرر علي بن أبي طالب رضى الله عنه أن يخرج بجيشه كله لقتال جيش الشام، وكذلك قرر معاوية رضى الله عنه، ويبقى الجيشان طوال هذه الليلة يقرءون القرآن، ويصلون، ويدعون الله أن يمكنهم من رقاب الفريق الآخر جهادًا في سبيل الله، ويدوّي القرآن في أنحاء المعسكرين، ويبايع جيش معاوية رضى الله عنه على الموت، فليس عندهم تردد فيما وصلوا إليه باجتهادهم، ويستعدون للقاء الله تعالى على الشهادة في سبيله، ومع أنهم يعلمون أنهم يقاتلون فريقًا فيه كبار الصحابة؛ علي بن أبي طالب، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن عباس، وغيرهم، إلا أنه كان معهم أيضًا الكثير من الصحابة معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو من أفقه الصحابة، ولم يكن يرغب على الإطلاق أن يقاتل في صف معاوية، أو علي رضي الله عنهما ولم يشترك رضى الله عنه في هذه المعركة إلا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أوصاه بألا يخالف أباه، وقد أمره أبوه عمرو بن العاص رضى الله عنه أن يشارك في القتال، فاشترك رضى الله عنه في الحرب، ولكنه لم يقاتل ولم يرفع سيفًا في وجه أحد من المسلمين.

وفي اليوم الثامن يخرج علي بن أبي طالب رضى الله عنه بنفسه على رأس جيشه، كما يخرج معاوية بن سفيان رضى الله عنه على رأس جيشه، ويدور بين المسلمين من الطرفين قتال عنيف، وشرس لم يحدث مثله من قبل، فهؤلاء هم الأسود الشجعان الذين قهروا دولة الروم ودولة الفرس، وثبت الفريقان لبعضهما ولم يفرّ أحد، ودار هذا القتال من الصباح حتى عشاء هذا اليوم، وتحاجز الفريقان بعد سقوط الكثير من الشهداء، والقتلى والجرحى.

وفي اليوم التاسع يصلّي علي بن أبي طالب رضى الله عنه الصبح، ويخرج مباشرة لساحة القتال مستأنفًا من جديد، وفي هذا اليوم كان على ميمنة علي بن أبي طالب رضى الله عنه عبد الله بن بديل، وعلى ميسرته عبد الله بن عباس، ويهجم عبد الله بن بديل بالميمنة التي هو عليها على ميسرة معاوية رضى الله عنه التي كان عليها في ذلك الوقت حبيب بن مسلمة، ويجبرهم عبد الله بن بديل على التوجه إلى القلب، ويبدأ جيش علي رضى الله عنه في إحراز بعض من النصر، ويرى ذلك معاوية رضى الله عنه، فيوجه جيشه لسد هذه الثغرة، وينجح جيشه بالفعل في سد الثغرة ويردّون عبد الله بن بديل عن ميسرتهم، وقُتل في هذا اليوم خلق كثير، وانكشف جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه حتى وصل الشاميون إلى علي رضى الله عنه، فقاتل رضى الله عنه بنفسه قتالاً شديدًا، وتقول بعض الروايات إنه قتل وحده في هذه الأيام خمسمائة من الفريق الآخر، وقد يكون مبالغًا في هذه الرقم، وخاصةً أنه في أحداث الفتن تكثر الروايات الموضوعة، والكاذبة التي تشمئز منها النفوس، ويتهمون فيها بسوء ظنّهم، وقبْح قصدهم، يتهمون معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما بأنهما يريدان الإمارة والملك ويخدعان الناس بمكرهما الشديد، ويقذفان في جيش علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر رضي الله عنهما، وروايات أخرى مختلقة في إظهار تقوى علي بن أبي طالب رضى الله عنه، والفريق الذي معه لينتقصوا بذلك من معاوية رضى الله عنه وجيشه، وكلها روايات شيعية مغرضة ليس لها أساس من الصحة، وكلها تأتي من أبي مخنف لوط بن يحيى أحد الوضّاعين الذي قال عنه الإمام ابن حجر العسقلاني: إخباري تالف لا يوثق به.

وقال عنه الدارقطني: ضعيف.

وقال عنه يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال عنه مرة: ليس بشيء.

وقال عنه ابن عدي: شيعي محترق.

بدأ جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه في الانكسار بعد الهجمة التي هجمها عليها جيش معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه، فيأمر علي بن أبي طالب رضى الله عنه الأشتر النخعي لينقذ الجانب الأيمن من الجيش، واستطاع بقوة بأسه، وكلمته على قومه أن ينقذ الموقف، وظهر بأسه، وقوته وشجاعته في هذا الموقف، وردّ الأمر إلى نصابه، واستطاعت ميمنة الجيش من السيطرة مرةً أخرى على أماكنها التي كانت قد انسحبت منها.

ويُقَتل في هذا الوقت عبد الله بن بديل وتكاد الكرة تكون على جيش علي رضى الله عنه، لولا أن ولّى علي رضى الله عنه على الميمنة الأشتر النخعي.

استشهاد عمار بن ياسر رضى الله عنه

قرب العشاء يُقتل عمار بن ياسر رضى الله عنه وأرضاه، وكان في جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه وأرضاه، ويقتل معه في نفس الوقت هاشم بن عتبة بن أبي وقاص في لحظة واحدة.

يقول أبو عبد الرحمن السلمي: رأيت عمارًا لا يأخذ واديًا من أودية صفين إلا اتّبعه من كان معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيته جاء إلى هاشم بن عتبة وهو صاحب راية، فقال: يا هاشم تقدم، الجنة تحت ظلال السيوف والموت في أطراف الأسنة وقد فُتحت أبواب الجنة وتزينت الحور العين اليوم، ألقى الأحبة محمدًا وحزبه.

ثم حمل هو وهاشم بن عتبة حملةً واحدة فقُتلا جميعًا.

فكان لهذا الأمر الأثر الشديد على كلا الطرفين وحدثت هزة شديدة في الفريقين، وزادت حميّة جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه بشدة، وزاد حماسهم، وذلك لأنهم تأكدوا أنهم على الحق، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ".

وتيقن الناس أنهم على الحق البيّن، وأنهم الجماعة.

وعلى الناحية الأخرى خاف الناس، لأنهم إذن البغاة الخارجين على إمامهم، واجتمع رءوساء جيش معاوية رضى الله عنه، عمرو بن العاص رضى الله عنه، وأبو الأعور السلمي، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ومعهم معاوية بن أبي سفيان، وأخذوا يتشاورون في الأمر ويتدارسونه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:27

عمار بن ياسر والفئة الباغية
بعد قتل عمار بن ياسر رضى الله عنه، حدثت هزّة شديدة في الجيشين، أما جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه، فيقدّرون عمارًا رضى الله عنه أشد التقدير، فهو أحد شيوخ الصحابة، وقد تجاوز التسعين سنة، ومن أوائل من أسلم، وقد عاصر رضى الله عنه بدايات الإسلام، وعُذّب هو وأهله كثيرًا في سبيل الله، وله في الإسلام مكانته وقدره، فعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اشْتَاقَتِ الْجَنَّةُ إِلَى ثَلاَثَةٍ: عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَسَلْمَانَ"[1].

فكان قتل عمّار رضى الله عنه شديدًا على جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه، لكنه كان أشد على جيش الشام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن عمارًا رضى الله عنه تقتله الفئة الباغية، وها هو رضى الله عنه قد قُتل على أيديهم فهم إذن الفئة الباغية، وليسوا على الحقّ.

أبو عبد الرحمن السلمي، وهو من جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وقد شهد مقتل عمار بن ياسر رضى الله عنه، تسلل في هذه الليلة إلى معسكر الشاميين، وسمع حوارًا يدور بين أربعة من قادة الشاميين هم: معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وأبو الأعور السلمي.

فقال عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو من كبار الصحابة وأعلمهم، وله القدر العظيم بين الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا، وهو أحد العبادلة الفقهاء الأربعة عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فكان رضى الله عنه أحد كبار الفقهاء العُبّاد قال رضى الله عنه: يا أباه، قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال؟

فقال عمرو بن العاص رضى الله عنه: وما قال؟

فقال: ألم يكن معنا ونحن نبني المسجد، والناس ينقلون حجرًا حجرًا، ولبنة لبنة، وعمار ينقل حجرين حجرين، ولبنتين لبنتين، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عن وجهه ويقول: "وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَة".

فلما سمع عمرو بن العاص هذا الكلام من ابنه عبد الله ذهب إلى معاوية وقال له: يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد الله؟

فقال: وما يقول؟

فقال: يقول كذا وكذا وأخبره الخبر.

فقال معاوية: إنك شيخ أخرق، أَوَ نحن قتلنا عمارًا، إنما قتل عمارًا من جاء به.

ومن الواضح أن معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه كان على قناعة تامة بأنه ليس من البغاة، وأنه إنما يقاتل لإقامة حد من حدود الله تعالى قد عطّله علي بن أبي طالب رضى الله عنه، حين لم يقتل قتلة عثمان رضى الله عنه، وكان هذا الرأي بعد اجتهاد من معاوية رضى الله عنه، لكن اجتهاد علي بن أبي طالب رضى الله عنه في تأخير قتلهم إلى أن يستقر حال الأمة، وتهدأ الفتن هو الأصوب، ولكلٍّ أجره؛ من أصاب أجران، ومن أخطأ أجر واحد.

والفئة الباغية في نظر معاوية رضى الله عنه، هم من جاءوا بعمار بن ياسر معهم، فكانوا سببًا في قتله، وخاصة أنه لم يخرج لمحاربتهم، وإنما هم الذين جاءوا.

فلما سمع الناس قول معاوية رضى الله عنه أخذوا يتحدثون بما قاله، يقول أبو عبد الرحمن السلمي: فلا أدري أهم أعجب أم هو؟

يقول محبّ الدين الخطيب، وهو أحد العلماء الأبرار الذين درسوا تاريخ الفتنة جيدًا، وتايخ الشيعة، يقول في تعليقه على كتاب العواصم من القواصم: الفئة الباغية التي قتلت عمار بن ياسر ليست إلا قتلة عثمان بن عفان، وهي التي يقع على عاتقها هذه الدماء الكثيرة التي سُفكت قبل موقعة الجمل، وفي أثناء موقعة الجمل، وفي موقعة صفين وبعدها، وكل ما جاء من مصائب وكوارث على الأمة بسبب ما فعله أهل الفتنة يعود إثمه عليهم.

لم يهدأ القتال في اليوم الذي قُتِل فيه عمار بن ياسر رضى الله عنه، بل استمر القتال ليلاً، وإلى الصباح، واستمر إلى ظهر اليوم التالي، وصلى المسلمون من الفريقين المغرب، والعشاء، والفجر، إيماءً، وهم على الخيول، أو الجمال، أو وهم يمشون، وسميت هذه الليلة بليلة الهرير، وهذا الاسم سميت به آخر ليلة من ليالي موقعة القادسية التي دارت بين المسلمين والفرس، وشتان بين موقعة يقاتل فيها المسلمون أعداء الله تعالى وينتصرون، ويدخلون البلاد ليفتحوها لدين الله تعالى، وبين هذه الموقعة التي تتقاتل فيها هذه الأعداد الغفيرة من المسلمين.

واستمرّ القتال على أشدّه طوال الليل، وبدأت الكفّة ترجح بشدة لصالح الجيش العراقي، وبدأت الهزيمة تدبّ في جيش معاوية، وكان النصر وشيكًا لجيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه.

حيلة رفع المصاحف

في هذه اللحظات أشار عمرو بن العاص رضى الله عنه على معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه برأي ينقذ به جيش الشام من الهلكة المحققة له علي أيدي الجيش العراقي، وهم حتى هذه اللحظة على يقين أنهم على الحق، وأنهم يجاهدون في سبيل الحق، وأنهم يجب أن يستمروا في مواجهة من آوى قتلة عثمان بن عفان رضى الله عنه.

فقال عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: إني قد رأيت أمرًا لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعًا، ولا يزيدهم إلا فرقة، أرى أن نرفع المصاحف، وندعوهم إليها، فإن أجابوا كلهم إلى ذلك برد القتال، وإن اختلفوا فيما بينهم فمِن قائل: نجيبهم. وقائل: لا نجيبهم. فإذا فعلوا ذلك فشلوا وذهب ريحهم.

فأُعجب معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه بهذا الرأي، ونادى على بعض أفراد الجيش، وأمرهم برفع المصاحف فرفعوها، وقالوا: يا أهل العراق هذا بيننا وبينكم، قد فني الناس، فمن للثغور، ومن لجهاد المشركين والكفار؟

وعندها سمع جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه حدث فيه انقسام، فقال بعضهم نحكّم كتاب الله تعالى، وقال آخرون: بل نحن على الحق، ويجب أن نستمرّ في القتال.

وفي مثل هذه الأحداث تكثر روايات الشيعة الضالة المكذوبة التي تصوّر علي بن أبي طالب رضى الله عنه بأنه شتم أهل الشام، وسبّهم، ورفض هذا الأمر.

وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى الشيعي الذي يضع الروايات، ويفتريها كذبًا وزورًا قال: إن عليًّا قال: عباد الله، امضوا إلى حقكم، وصدقكم، وقتال عدوكم، فإن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح، والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شر أطفال، وشر رجال، ويحكم، والله إنهم يقرءونها، ولا يعلمون ما فيها، وما رفعوها إلا خديعة، ودهاءً، ومكيدة.

وهذا الكلام لم يحدث على الإطلاق، ولم يصدر من علي بن أبي طالب رضى الله عنه مثل هذا الكلام، وإنما هو من وضع هذا الشيعي الكذاب الوضّاع أبي مخنف لوط بن يحيى.

وكان علي بن أبي طالب رضى الله عنه من الراغبين في التحكيم، ووافق على هذه الفكرة التي طرحها جيش الشام، وبدأ يفكر فيمن سيخرج في هذه القضية، قضية التحكيم بينه وبين معاوية رضى الله عنه.

حول موقعة صفين

بدأت هذه الموقعة -كما ذكرنا- في بداية شهر ذي الحجة سنة 36 هـ، واستمرت حتى 10 من شهر صفر 37 هـ، وبهذا تكون المعركة قد استمرّت حوالي سبعين يومًا، وكان شهر محرم مهادنة بين الفريقين، وتقول بعض الروايات أن المعركة كانت110يومًا، بينما تقول روايات أخرى: إن هذه المعركة استمرت سبعة شهور، أو أكثر، وكانت أشد أيام القتال هي الأيام التسعة الأخيرة، وأشدها آخر ثلاثة أيام، لا سيما بعد مقتل عمار بن ياسر رضى الله عنه، وفي الليلة التي سُمّيت بليلة الهرير.

كم عدد القتلى والشهداء في هذه الموقعة بعد هذا القتال المرير الذي استمرّ هذه الفترة الطويلة؟

ويبلغ الرواة الكذابون، ومؤرخو الشيعة المفترون بعدد القتلى إلى سبعين ألفًا من الجهتين، ويذكر المسعودي المؤرِّخ الشيعي أن قتلى جيش الشام كانوا تسعين ألفًا، ومن أهل العراق عشرين ألفًا.

يقولون هذا مع أن المسعودي نفسه يذكر أن عليًّا رضى الله عنه كان تعداد جيشه تسعين ألفًا، وتعداد جيش معاوية خمسة وثمانين ألفًا. أي أن المسعودي الشيعي يدَّعِي أن قتلى جيش الشام يزيدون على تعداد الجيش بخمسة آلاف؛ فأنَّى يُصَدَّق مثل هذا؟!!

لقد تم تضخيم عدد القتلى لنفس الأغراض التي تم فيها نفس الفعل في موقعة الجمل، كما أن الأرقام الحقيقية للقتلى أيضًا أقل بكثير من المكذوب، لنفس الأسباب التي ذكرناها في الجمل، وكذلك لأن الجيشيْن هنا كانا لا يريدان القتال، ولا يتحمسان له. وإضافةً إلى ذلك، فلو تم قتل هذا العدد الضخم؛ فلماذا لم تذكر كتب التاريخ بعض الأسماء كعادتها؟!!

رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تنبّأ بهذه الحرب العظيمة التي دارت بين فئتين عظيمتين من المسلمين فقد روى البخاري بسنده عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ، فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ" أي أن كلاً من الفئتين يطلبان رضا الله تعالى، ويجاهدان في سبيله، وكلٌّ مجتهد في رأيه، وغالب الفقهاء، وأهل الحديث على أن المقصود بهذا الحديث: هذه المقتلة العظيمة التي وقعت في تلك المعركة.

وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ".

والمقصود بالمارقة: الخوارج، والذي قتلهم هو علي بن أبي طالب رضى الله عنه والفئة التي معه، مما يدل على أنهم الذين على الحق.

وروى الإمام مسلم بسنده، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل، فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا، فقال صلى الله عليه وسلم: "سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعْنِيهَا".

وفي البخاري بسنده، عَنْ جَابِرٍ رضى الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام:65].

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ".

قَالَ: {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام:65]، قَالَ: "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ".

{أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام:65].

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ".

والله عز وجل يقول: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ * إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9، 10].

ومن هذه الآيات تظهر لنا بعض الدلالات منها:

أن القتال بين طائفتين من المؤمنين أمر وارد، كما تذكر الآية، ويكون الحلّ الأول حينئذ الإصلاح {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9]، أما في حالة تعدّي، وبغْي إحدى الطائفتين على الأخرى {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [الحجرات:9]، فيجتمع كل المسلمين لمقاتلة هذه الفئة التي خرجت على الإمام {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} [الحجرات:9]، ويذكر الله عز وجل بعد ذلك: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10].

فلم ينزع الله تعالى عنهم صفة الإيمان، ولم ينزع عنهم صفة الأخوة حتى بعد القتال، وبعد أن سمّاهم بغاة، وكلا الطرفين في هذه المعركة كان يظن أن الطرف الآخر هو الطرف الباغي المخالف للحق، والمتعدي على الحق، ومن ثَمّ يجوز قتاله لردّه إلى الحق، وكلٌّ مجتهد.

فبعض الصحابة اجتهد، فعلم أن الحق مع علي بن أبي طالب رضى الله عنه، ومع هذا اعتزلوا القتال، وبعض الصحابة لم يعلم مع أي الطرفين الحق، فاعتزل القتال، وبعضهم اجتهد، فعلم أن الحق مع علي رضى الله عنه، فقاتل معه، وبعضهم اجتهد، فعلم أن الحق مع معاوية رضى الله عنه، فقاتل معه.

فكان الأمر من الصعوبة بمكان، وكان فيه اجتهاد كبير، وكان ممن اعتزل الفتنة، ولم يقاتل مع أحد الطرفين أعلام كبار من صحابة النبي ، كعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فقد عاصر رضى الله عنه هذه الأحداث، ولم يشارك مع أيٍّ من الطرفين، وكذلك سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه، وأسامة بن زيد رضى الله عنه، ومحمد بن مسلمة رضى الله عنه، وعمران بن حصين رضى الله عنه، وكان ينهى عن بيع السلاح لأحد الطرفين.

بل إن الفقهاء والعلماء الذين جاءوا بعد ذلك بفترة طويلة، ونظروا للأمور نظرة عامة تحيّروا في هذا الأمر، ولم يكن الأمر واضحًا لهم بشكل كامل.

الإمام ابن تيمية -رحمه الله- كان يرى أن الحق مع علي بن أبي طالب رضى الله عنه، ولكنه كان يقول: إن معاوية لم يكن ممن اختار الحرب ابتداءً، بل كان من أشد الناس حرصًا على ألا يكون هناك قتال، ولولا تحرّك علي بن أبي طالب بالجيش من الكوفة إلى صفين لما حدث قتال.

أما الفقهاء الأربعة فيرون جميعًا أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه كان مجتهدًا مصيبًا فله أجران، وأن معاوية رضى الله عنه كان مجتهدًا مخطئًا، فله أجر، وليس عليه وزر، وأضاف الإمام أحمد بن حنبل مع قناعته بكَون علي رضى الله عنه على الحق أن القتال قتال فتنة، وأنه كان من الأصوب ألا يتم، وأن القتال في هذا الوقت ليس بواجب، ولا مستحب.

وكثير من أصحاب الإمام أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة قالوا : بأن كلا الطرفين كان مجتهدًا مصيبًا، وأن أمر الله تعالى كان قدرًا مقدورًا.

وبصفة عامة لم يختلف أحد في أن عليًّا رضى الله عنه كان مصيبًا في اجتهاده بأنه يجب أن يُبايَع من المسلمين جميعًا، قبل قتل قتلة عثمان رضى الله عنه.

ومن خلال هذا كله نستطيع أن نقول: إن الفئة الباغية لم تكن واضحة تمام الوضوح في ذلك الوقت في أعين الصحابة المشاركين في القتال، ولم يكن أحد يعلم يقينًا أي الطائفتين على الحق الكامل.

ربما نرى الأمور الآن واضحة، وأن الحقّ في صف علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وأن غالب الدولة الإسلامية كان معه ضد معاوية رضى الله عنه، ولكن يجب أيضًا أن ننظر إلى وجهة نظر معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والصحابة الأبرار رضوان الله عليهم جميعًا، والتابعين الذين كانوا في جيش معاوية رضى الله عنه، فقد كانوا جميعًا معاصرين لعثمان بن عفان رضى الله عنه، ويعرفون -كالمسلمين جميعًا- مكانته وفضله، وقدره، ومنزلته العالية في الإسلام، وأنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم زوّجه ابنتيه الواحدة تلو الأخرى، فكان من الصعب على معاوية رضى الله عنه ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا والتابعين، من الصعب على نفوسهم أن يروا هذا الصحابي العظيم، والشيخ الكبير الطاعن في السن أمير المؤمنين يُقتَل هذه القتلة البشعة على أيدي أُناس لا يحفظون حق الله عز وجل، ويريدون إشعال الفتن، وتقويض دعائم الدولة الإسلامية..

ومع هذا كله يرون هؤلاء القتلة الذين ارتكبوا هذه الجريمة البشعة يقاتلون في جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه ضدهم، فكان لهذا الأمر ألمًا كبيرًا، وجرحًا عظيمًا في نفوسهم، وإن كان عليهم أن يجاهدوا أنفسهم، ويطيعوا أمير المؤمنين، ويبايعوه أولاً؛ لتهدأ الفتن، ثم يحاكم هؤلاء القتلة بعد أن تستقر له الأمور، ويمسك بزمام الدولة، ويكون له من القوة والمنعة ما يستطيع به أن يحاسبهم دون أن تثور عليه قبائلهم الكبيرة وأقوامهم الغفيرة.

لكن كانت تلك وجهة نظر معاوية رضى الله عنه، ومن معه، ويجب أن تُؤخذ في الاعتبار، ويُحكم عليهم من خلالها، وإن كان على المسلم-كما ذكرنا- أن يزن المضار والمنافع، فإذا وجد مضرّتين، ولا بد أن يختار إحداهما فعليه أن يختار أخف الضررين، وكان أخفّ الضررين أن يُؤجّل قتل قتلة عثمان رضى الله عنه إلى أن تستقر الدولة، وتهدأ الأمور، ثم يحاكمهم أمير المؤمنين.

وينبغي أن نذكر في هذا المجال أن الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا لم يكونوا يصدرون آرائهم على عجل، وتسرّع، بل كانوا يجتهدون، ويستشيرون قبل تنفيذ ما يرونه من رأي، وإذا نظرنا إلى واقعنا وجدنا أننا نطلق الأحكام دون علم، بل ربما على علم ضال خاصة، في هذه القضية -قضية الفتنة الكبرى- التي التصق بها الكثير من الروايات الشيعية المكذوبة والباطلة، والروايات الأخرى التي روّجها المستشرقون والمستغربون، وقد درسناها نحن على أنها حقائق ثابتة، وهي في الواقع أباطيل كاذبة.

وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يتعجب من أناس على عهده ويقول لهم: والله إنكم تقولون رأيًا في أمور كنا نجمع لها أهل بدر.

ويعلّق الإمام ابن تيمية تعليقًا لطيفًا على هذه الأحداث فيقول: كان أمر الله قدرًا مقدورًا، ووقعت الفتنة، ولا يدري أحد أي خير وراء هذا الأمر، وهناك أمور من الفقه لم نكن لنعلمها لولا وقوع هذه الفتنة.

وربما كانت ستظل علامات استفهام لفترات طويلة أمام العلماء، ولكنها وضحت من خلال تعامل الصحابة رضوان الله عليهم مع معطيات الأحداث في تلك الفترة.

أولاً: لم نكن لنعرف الفرق بين البغاة، والمحاربين لولا وقوع هذه الأحداث العظيمة، ولم يكن هناك فئة حتى هذه اللحظة منذ بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطبق عليهم لفظ البغاة، ومن ثَمّ لا يعرف أحد ما هو حكم البغاة، وهذا ما حدث بالفعل في جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه، فقد اختلفوا فيمن يقاتلونهم، فأوضح لهم علي بن أبي طالب رضى الله عنه ومن معه من كبار الصحابة، كمستشاره الأول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أوضحوا للناس حكم البغاة.

نحن نريد أن نفرق بين البغاة، والمحاربين وذلك؛ لأن البغاة لفظ أخف كثيرًا وأسهل وأيسر من لفظ المحاربين، لأن المحاربين أعداء لله ورسوله، وسنفصل في أمرهم لاحقًا إن شاء الله.

من هم البغاة ؟

1- هم الخارجون عن طاعة الإمام العادل التي أوجبها الله تعالى على المؤمنين جميعًا لأولياء أمورهم في غير معصية، فلا يطلق اسم البغاة إلا على قوم خرجوا عن طاعة الإمام العادل الذي يحكم بما أنزل الله، وأمرهم بأمر ليس فيه معصية، فإن خرجوا عليه بعد هذا فقد تحقق فيهم أحد شروط البغاة، أما الحاكم الظالم الذي يأمر بالمعصية، فلا يسمى الخارجون عنه بغاة.

وفي أحداث الفتنة كان معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه يرى باجتهاده أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه قد أمرهم بأمر فيه معصية، ولا يجب أن يطيعه في معصية، وهو أمر تأجيل قتل قتلة عثمان رضى الله عنه، وكان معاوية رضى الله عنه يرى أن يُؤخذ القصاص من قتلة عثمان في العاجل؛ لأن معاوية هو ولي عثمان رضى الله عنه، وهو ابن عمه، ولم يعف عن القتلة حتى يسقط القصاص، فكان يرى أن عليًّا رضى الله عنه قد عطّل حدًّا من حدود الله تعالى ومن ثم فلا طاعة له.

2- أن يكون الخروج من جماعة قوية لها من الشوكة، والقوة ما يحتاج الحاكم معه إلى قوة وعتاد ومال لردّها، وليست مجرد فئة صغيرة ليس لها سلاح، وخرجت تعترض على الحاكم في أمر من الأمور فهؤلاء لا يُسمّون بغاة.

3- أن يكون لهم تأويلاً سائغًا وحجة واضحة مقبولة في خروجهم على الحاكم، وإن كانت حجّة الإمام أقوى، أما إن كانوا خارجين دون تأويل منازعة للإمام، ورغبة في الإمارة، وحرصًا على الدنيا، ويريدون السيطرة فقط، فهم حينئذ المحاربون.

4- أن يكون لهم أمير مطاع له في الكلمة والرأي ويسمعون له ويطيعون.

فهذه هي الشروط الأربعة التي يجب توافرها في أي فئة حتى يُقال عنهم أنهم بغاة.

وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه على قناعة تامة، وعلى يقين خالص أن معاوية رضى الله عنه، ومن معه فئة باغية يجب محاربتها، وقد استوفت هذه الشروط الأربعة التي ذكرناها آنفًا.

وحكم البغاة في الشرع يختلف كليةً عن حكم المحاربين في الدنيا، والأمر موكول إلى الله تعالى، ويجب أن يكون واضحًا أن من يقاتل معتقدًا أنه يدافع عن حق، ويقيم حدًّا من حدود الله تعالى يختلف تمامًا عن من يقاتل رغبة في الدنيا، ومتاعها، وحرصًا على الرئاسة والوجاهة بين الناس.

أحكام البغاة في الإسلام

1- أن مدبرهم في الحرب لا يقتل؛ وذلك لأنه مؤمن، والله عز وجل حين ذكر البغاة لم ينزع عنهم صفة الإيمان، بل قال عز وجل: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات:9].

2- جريحهم لا يُقتل، بل يُترك أو يُداوى.

3- لا يُقتل أسيرهم، بخلاف أسرى المحاربين، أو الكفار فيجوز قتلهم.

وقضية أسرى المحاربين، والكفار متروكة لإمام المسلمين، فإما أن يعفو عنهم منًّا بغير فداء، وإما أن يفديهم بمال، أو يفديهم بأسرى، أو بتعليم كما فعل النبي في غزوة بدر، أو بأي فداء يقرره إمام المسلمين، وإما أن يقتلهم.

فإذا كان المسلمون في قوة ومنعة وسيطرة على أعدائهم فللإمام أن يطلق الأسرى منًّا بغير فداء، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة وفي ذلك تأليف للقلوب، وأملاً في إسلامهم.

ويمكن تبادل الأسرى، أو فداؤهم بمال، وإذا كان لدى الجيش المعادي علمًا ليس عندك، فتستطيع أن تجعل فداء الأسرى أن يعلموا المسلمين العلم الذي ليس عندهم.

أما إذا كانت قوة المسلمين أضعف من قوة الجيش المعادي الذي يفوقهم في العدد والعدة، فيُقتل الأسير ليُرهب به عدو الله وعدو المسلمين، ولأنه ليس لدى المسلمين القدرة، أو الطاقة على حماية هؤلاء الأسرى، أو إطعامهم، أو السيطرة عليهم.

وإذا نظرنا مثلاً إلى جيشٍ كجيش خالد بن الوليد رضى الله عنه في معركة أُليس، كان قوام الجيش الإسلامي ثمانية عشر ألفًا من المسلمين، والجيش المقابل له مائة ألف, أسر منهم خالد بن الوليد سبعين ألفًا، فمن يحمي هؤلاء السبعين ألفًا، إن الجيش الإسلامي بكامله لا يستطيعون حمايتهم، أو السيطرة عليهم، بل إنهم يمثلون خطورة بالغة على المسلمين، ولا يتحقق استكمال الفتح إلا بقتلهم.

ومع هذا العدد الذي وصل إليه الجيش الإسلامي في قواته إلا أنه وكما نرى لدى الفرس من الأعداد ما لا يُحصى.

فقد قُتل من الفرس في معركة (الفراد) مائة ألف.

وفي (أُليس) سبعون ألفًا.

وفي (الأنبار) أكثر من عشرة الآف.

وفي (عين التمر) ثلاثون ألفًا.

وفي (دومة الجندل) خمسون ألفًا.

وفي (البويب) خمسون ألفًا...

وأعداد لا تنتهي من الفرس كلما قُتل منهم جيش جاء جيش آخر، فقد كانت قوة فارس هي والروم أكبر القوى على الأرض، وكانت حدود فارس من غرب العراق، حتى شرق الصين، وهي مساحة شاسعة جدًّا فلديهم أعداد كبيرة جدًّا من البشر، وكما نرى من الصعب جدًّا الاحتفاظ بالأسرى؛ لأنهم يشكلون خطرًا كبيرًا على الجيش المسلم، ومن ثَمّ أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بقتلهم حتى يفتّ هذا القتل في عضد فارس، ويوفّر على المسلمين الطاقة التي ستُبذل في حمايتهم.

ومن هنا يجوز لولي الأمر أن يقتل أسرى المحاربين، إذا رأى مصلحة المسلمين في ذلك، ولا يكون قتلهم تشفيًا، أو حبًّا في القتل، وإنما هو قتل للمصلحة العامة للمسلمين.

أما أسرى البغاة فلا يجوز قتلهم، ولا تُعدّ أموالهم غنيمة، وهذا علي بن أبي طالب رضى الله عنه بعد موقعة الجمل، وقد أخذ المسلمون الذين كانوا مع علي بن أبي طالب رضى الله عنه أموالاً كثيرة من جيش السيدة عائشة رضي الله عنها، فأمر علي رضى الله عنه بوضعها في مسجد البصرة، وقال: من كانت له حاجة يعرفها فليأت فليأخذها.

ولم تُحتسب هذه الأشياء غنائم؛ لأن كلا الفريقين من المسلمين، فقال بعض الجيش الذي معه: كيف نستحل أرواحهم ولا نستحلّ أموالهم؟!

ومع إصرار أهل الفتنة على رأيهم، قال لهم علي رضى الله عنه: فلنقسّم الغنائم ففي سهم مَن تكون السيدة عائشة؟!

فبهتهم بهذا القول، فتركوه، وانصرفوا.

ولا يُضمّنون -أي البغاة- ما أتلفوا من مال، أو نفس أثناء القتال، وقتيلهم من المؤمنين يُغسّل، ويُكفّن، ويصلّى عليه، ويُدفن، وهذا فرق جوهري بين قتلى الفئة الباغية، ومن يقتل من الفئة العادلة، فقتلى الفئة العادلة شهداء لا يغسلون، ولا يُكفنون، ولا يُصلّى عليهم.

وهذه الأحكام كلها لم تعرف إلا بعد أحداث الفتنة.

أما المحاربون الذين خرجوا على الإمام دون أن يكون لهم تأويل صحيح ودون أن يكون لهم مسوغ يستندون إليه في خروجهم, فيكفي أن نقرأ قول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:33 ،34].

إذن فللإمام في أمر المحاربين الذين قد قُدِر عليهم قبل توبتهم أحد أربعة أمور:

1- القتل.

2- الصلب.

3- أن يقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف.

4- أن ينفيهم من الأرض.

فهذا ردٌّ شديد وقاسٍ؛ لأن هؤلاء المحاربين إنما يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادًا.

ولم يكن علي بن أبي طالب رضى الله عنه يرى أن معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه من المحاربين، بل كان يراه من البغاة، وفي أثناء القتال في صفين كان كل فريق مع حلول الليل يدخل معسكر الفريق الآخر دون أن يُصاب بأي أذى، ويأخذ قتلاه، وجرحاه، ولم يكن معاوية رضى الله عنه، ومن معه يصلون على قتلاهم، بل كانوا يحتسبونهم -باجتهادهم- شهداء؛ لأنه كان على يقين أنه على الحق، وأن فريق علي رضى الله عنه هم البغاة.

[1] قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:28

التحكيم بين علي ومعاوية رضى الله عنهما
مقدمة

بعد معركة صفين، والتي راح ضحيتها الكثير من القتلى والشهداء، والذين بلغ عددهم سبعين ألفًا من المسلمين على يد إخوانهم من المسلمين، وجد الصحابي الجليل سهل بن حنيف رضي الله عنه وأرضاه وهو أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وجد أن في قلوب بعض الناس شيئًا من القتال الذي حدث بينهم، فبعض الناس مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورغم قناعتهم بكونه أمير المؤمنين، وتجب البيعة له والطاعة التامة إلا أن في قلوبهم وأنفسهم حرج من قتلهم لإخوانهم من المسلمين، وكذلك من كان مع معاوية رضي الله عنه، فقال لهم سهل بن حنيف رضي الله عنه كلامًا في غاية الأهمية وينبغي أن ينتفع به المسلمون إلى يوم القيامة قال لهم: يا أيها الناس اتّهموا الرأي على الدين.

فهو يقصد أن بعض الناس ربما يكون لهم من الرأي ما يخالف الشرع، وتظن أن هذا الرأي هو الصائب، وهو السليم، ويحاول أهل الشرع إقناعهم بالرأي السليم، لكنهم لا يقتنعون بسهولة، أو ربما لا يقتنعون مطلقًا، يقول: فلقد رأيتُني يوم أبي جندل.

يقصد رضي الله عنه يوم الحديبية، حين عقد الرسول صلى الله عليه وسلم الصلح مع كفار مكة، وكان من بنود هذا الصلح أن من أتى من قريش، أو ممَن حالفهم مسلمًا ردّه المسلمون إلى قومه، ومَن أتى من المسلمين إلى قريش مرتدًا لا يردّوه إلى قومه، بل يقبلوه بينهم، فكان هذا شرطًا جائرًا، في نظر أغلب الصحابة، إذ كيف يعطون الدنية في دينهم، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان الكثير منهم يعتقد أن الصواب في غير ذلك، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم متمسكًا بهذا الأمر، وكان هذا وحيًا من الله تعالى له صلى الله عليه وسلم، واضطر المسلمون، مع عدم قناعتهم بهذا الرأي في قبول هذا الشرط المجحف- إلى الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والقبول بما رضي به صلى الله عليه وسلم.

واشتد على المسلمين يوم آخر، والذي يسميه سهل بن حنيف رضي الله عنه يوم أبي جندل، فبعد أن عُقد الصلح وتمّ، وكان الذي باشر عقد هذا الصلح من طرف المشركين حينئذ سهيل بن عمرو، والذي أسلم بعد ذلك، فجاء أحد المشركين، وأراد أن يدخل في الإسلام، وكان اسمه أبا جندل، وهو ابن سهيل بن عمرو، فقال سهيل بن عمرو: هذا أول ما نبدأ به، ردّوه علينا.

فأعاده الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أعلن إسلامه إلى الكفار، فقال أبو جندل: يا رسول الله تردني إليهم يفتنوني في ديني؟!

وكان هذا الأمر صعبًا على المسلمين جميعًا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ سيفه، وأعطاه لأبي جندل وقال له: إنما أنت رجل وهو رجل، يحرّضه على قتل أبيه.

ومع هذا كله كانت تلك الشروط، وهذه الأمور سببًا للفتح العظيم للمسلمين، فبعد صلح الحديبية بعام واحد دخل في الإسلام أعداد كبيرة كانت ضعف العدد الذي دخل في الإسلام قبل ذلك، وتضاعفت أعداد المسلمين بعد ذلك.

فيقول سهل بن حنيف رضي الله عنه: يا أيها الناس اتّهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتُني يوم أبي جندل، ولو أقدر لرددت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمره، ووالله ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمرٍ نعرفه، غير أمرنا هذا فإننا لا نسد منه خصمًا، إلا انفتح لنا غيره لا ندري كيف نبالي له.

فهذا سهل بن حنيف رضي الله عنه مع كل هذا التاريخ العظيم في الإسلام يخبر رضي الله عنه أنه منذ أسلم ما رفع سيفه لقتال إلا أوضح الله له أين الحق إلا هذا الأمر، فلم يتبين فيه الحق بوضوح، وكلٌّ يجتهد حسب ما يرى من الأمور، فكانت فتنة النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة.

وهذا عمار بن ياسر رضي الله عنه سُئل يوم صفين عن القتال: أهذا عهدٌ عهده رسول الله إليكم أم هو الرأي؟، فقال رضي الله عنه: لم يعهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا وأشار إلى القرآن.

فالقضية كلها تدخل في مجال الاجتهاد، فمن الصحابة رضي الله عنهم جميعًا من اجتهد فأصاب، فله أجران كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن معه، ومنهم من اجتهد فأخطأ كمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ومن معه..

وهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا، قد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.

التحكيم

خشي عدد من عقلاء الطرفين من استمرار القتال حتى لا يهلك المسلمون، فيستغل الأعداء ذلك، ويستأصلوا الإسلام، فلا تقوم له بعد ذلك قَوْمة، وكان عقلاء الكوفة أسبق إلى الموادعة؛ فهذا الأشعث بن قيس الكندي لمَّا اشتد القتال يخطب في قومه أهل الكوفة في المساء خطبته التي قادت للصلح؛ فيقول:

"قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من العرب، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قَطُّ.

ألا فليبلغ الشاهد الغائب، أنَّا إنْ نحن تواقفنا غدًا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات.

أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا من الحتف، ولكني رجل مسنّ أخاف على النساء والذراري غدًا إذا فنينا.

اللهم إنك تعلم أنى قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آلُ، وما توفيقي إلا بالله".

فلما وصل الخبر معاوية بخطبة الأشعث فقال: أصاب ورب الكعبة، لئن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلنَّ أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنُّهى؛ اربطوا المصاحف على أطراف القَنَا.

قال صعصعة: فثار أهل الشام فنادوا في سواد الليل: يا أهل العراق، مَن لذرارينا إن قتلتمونا، ومن لذراريكم إن قتلناكم؟ اللهَ الله في البقية.

فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح وقلدوها الخيل، والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه، ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رءوس الرماح، ونادوا: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم.

وأقبل أبو الأعور السلمي على برذون أبيض وقد وضع المصحف على رأسه ينادي: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم.

فقال الأشعث لأمير المؤمنين: أجب القوم إلى كتاب الله؛ فإنك أحق به منهم، وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال.

فقال عليٌّ رضى الله عنه: إن هذا أمر ينظر فيه.

وذكروا أن أهل الشام جزعوا فقالوا: يا معاوية، ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه، فأعدها جذعة، فإنك قد غمرت بدعائك القوم وأطمعتهم فيك.

فدعا معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص، وأمره أن يكلم أهل العراق؛ فأقبل حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل العراق، أنا عبد الله بن عمرو بن العاص، إنها قد كانت بيننا وبينكم أمور للدين والدنيا، فإن تكن للدين فقد والله أعذرنا وأعذرتم، وإن تكن للدنيا فقد والله أسرفنا وأسرفتم، وقد دعوناكم إلى أمرٍ لو دعوتمونا إليه لأجبناكم، فإن يجمعنا وإياكم الرضا فذلك من الله؛ فاغتنموا هذه الفرجة.

وأمَّا الأشتر، فلم يكن يرى إلا الحرب؛ لأنه من أهل الفتنة، ولكنه سكت على مضضٍ، وذكروا أن الناس ماجوا وقالوا: أكلتنا الحرب، وقتلت الرجال، وثارت الجماعة بالموادعة[1].

إذن لا يَصِحُّ شيء مما ادَّعاه أهل الفتنة كذبًا من أن رفع المصاحف هو مكيدة من الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضى الله عنه، أشار بها على معاوية رضى الله عنه ليتفاديا انتصار جيش علي رضى الله عنه، ومن ثَمَّ أوسعا الصحابييْن الجليليْن سبًّا وقذفًا شنيعًا لا يرضاه الله سبحانه وتعالى.

لقد كان رفع المصاحف -في الحقيقة- عملاً رائعًا اشترك فيه العقلاء من الفريقين، وتُوِّج بموافقة أمير المؤمنين علي رضى الله عنه؛ إذ قال: "نعم بيننا وبينكم كتاب الله، أنا أولى به منكم"[2].

وقد افترى الرواة الشيعة الكذَّابون، واختلقوا الكثير من الروايات الموضوعة لأهدافهم الخبيثة من طعن الصحابة رضوان الله عليهم، وتشويه الدين؛ فقد وضعوا روايات تُضَخِّم من عدد قتلى صفين، كما فعلوا في الجمل، وللأسف اهتم المؤرخون القدماء بجمع هذه الروايات حتى كادت الروايات الحقيقية تضيع وسط هذا الركام؛ فهذا الطبري شيخ المؤرخين -رحمه الله- يذكر حول صفين ما يقارب 107 روايات تصف أحداثها من البدء إلى النهاية، ويروي فيها للشيعي الكاذب أبي مخنف لوط بن أبي يحيى المتجرئ على الصحابة خمسًا وتسعين رواية[3].

وتم الاتفاق على التحكيم وبدأ كل فريق يختار من يخرج لهذ المهمة، ولم يكن في جيش معاوية رضي الله عنه أي اختلاف على من يتولّى أمر التحكيم، فاختاروا عمرو بن العاص رضي الله عنه، والذي كان بمثابة الوزير الأول لمعاوية رضي الله عنه في كل هذه الأحداث، وكان عمره رضي الله عنه في هذا التوقيت سبعة وثمانين سنة، فكان شيخًا كبيرًا من شيوخ صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رضي الله عنه، إن كان قد اشتهر بشدة الذكاء، والحيلة فقد اشتهر أيضًا بالورع والتقوى، وكان رضي الله عنه كثير المحاسبة لنفسه، وهذا الأمر يخفيه الكثير من الكتاب المغرضين، ويظهرون عمرو بن العاص رضي الله عنه في صورة صاحب المكر، والخداع، والدهاء، ويكفيه فخرًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنه: "أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ"[4].

وفي الحديث الصحيح أيضًا: "عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ صَالِحِي قُرَيْشٍ"[5].

أما جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما عُرض عليهم أن يخرج للتحكيم عبد الله بن عباس رفض القوم، وطالبوا بأن يخرج عنهم أبو موسى الأشعري، وذلك لأنه رفض الدخول في القتال من بداية الأمر مع يقينه أن عليًا رضي الله عنه على الاجتهاد، وكان رضي الله عنه قاضيًا للكوفة، واعتزل القتال، ولم يكرهه علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الخروج معه، وكان أبو موسي رضي الله عنه رجلًا تقيًا ورعًا فقيهًا عالمًا، وقد أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ بن جبل رضي الله عنهم جميعًا لتعليم الناس أمور الإسلام، وكان مقربًا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وولّاه أمر البصرة، وكان هذا أمرًا عظيمًا، ذلك لأن البصرة كانت تدير عمليات الفتوح في جنوب ووسط فارس، وظل رضي الله عنه فيها فترة كبيرة، وكان رضي الله عنه قائدًا لمعركة (تستر) الشهيرة التي حوصرت سنة ونصف، فهو رجل فقيه عالم قاض محنّك، غير ما أُشيع في الكتب من سذاجة، وبساطة، وسوء رأي نُسبَ إليه ليلصقوا به ما زعموه من كذب وزور في قضية التحكيم، وهو من هذا كله براء.

وتولّى رضي الله عنه في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ولاية الكوفة فترة طويلة، وكذلك في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ذهب إليه القوم في قريته التي كان معتزلًا فيه وقالوا له: إن الناس قد اصطلحوا.

فقال: الحمد لله.

فقالوا له: وقد جُعلت حكمًا.

فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

وذلك لأن هذا الأمر أمر صعب، وشاق عسير أن يحكم بين طائفتين اقتتلا هذا القتال الشديد فترة كبيرة، ووافق رضي الله عنه على الذهاب معهم، حتى يتم التحكيم في هذه القضية الشائكة.

والتقى أبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما في مكان (صفين)، وبدآ يفكران في كيفية إيجاد حلٍ لهذه المعضلة التي ألمّت بالمسلمين، فاتفقا ابتداءً على كتابة كتابٍ مبدئي يضع أسس التحكيم، ولن يكون هو الكتاب النهائي.

فبدأ أبو موسى يملِى الكتاب وعمرو بن العاص يسمع:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما قاضي عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين.

فقاطعه عمرو بن العاص قائلًا: اكتب اسمه، واسم أبيه، هو أميركم، وليس بأميرنا.

فقال الأحنف بن قيس: لا نكتب إلا أمير المؤمنين.

فذهبوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكروا ذلك له، فقال رضي الله عنه: امح أمير المؤمنين، واكتب: هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب.

وعمرو بن العاص رضي الله عنه باجتهاده مقتنع بعدم ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه للمؤمنين، وإلا ما قاتله، وكان ذلك خروجًا منه على طاعته، ولكن لم يبايعه، وكذلك أهل الشام، وفي اجتهاده أنه ليس أميرًا للمؤمنين.

وقبل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بهذا الأمر؛ حرصًا على جمع الكلمة، ووحدة الصف، وسعة صدرٍ منه رضي الله عنه وأرضاه.

فكتبوا: هذا ما تقاضي عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان أننا نزل عند حكم الله، وكتابه، ونحيي ما أحيا الله، ونميت ما أمات الله، فما وجد الحكمان في كتاب الله عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله، فالسنة العادلة الجامعة غير المتفرقة.

ثم ذهب كل من الحكمين إلى كل فريق على حدة، وأخذا منهما العهود والمواثيق أنهما أي الحكمان آمنان على أنفسهما، وعلى أهليهما، وأن الأمة كلها عونٌ لهما على ما يريان، وأن على الجميع أن يطيع على ما في هذه الصحيفة.

فأعطاهم القوم العهود والمواثيق على ذلك، فجلسا سويًا، واتفقا على أنهما يجلسان للحكم في رمضان من نفس العام، وكان حينئذ في شهر صفر سنة 37 هـ، وذلك حتى تهدأ نفوس الفريقين ويستطيع كل فريق أن يتقبل الحكم أيًا كان.

وشهد هذا الاجتماع عشرة من كل فريق، وممن شهد هذا الاجتماع عبد الله بن عباس، وأبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد.

وخرج الأشعث بن قيس، والأحنف بن قيس رضي الله عنهما، وهما من فريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقرأ الأشعث بن قيس الكتاب على الفريقين، فوافق الجميع على هذا الأمر، وبدءوا في دفن الشهداء، والقتلى.

ويقول الزهري: كان يُدفن في كل قبر خمسون نفسًا لكثرة عدد القتلى والشهداء.

وبعد ذك بدأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتوجه بجيشه إلى الكوفة، وكان في يده بعض الأسرى من الشاميين فأطلقهم، وكذلك فعل معاوية رضي الله عنه وأرضاه حيث كان في يده بعض الأسرى من العراقيين فأطلقهم، وعاد كلٌّ إلى بلده.

تحكيم الرجال في دين الله

كان الأشعث بن قيس رضي الله عنه عندما قرأ الكتاب على جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرّ على فريق من بني تميم، وبعد أن قرأ الكتاب خرج له رجل يُسمّى عروة بن جرير من بني ربيعة من تميم، وقال للأشعث بن قيس رضي الله عنه: أتحكمون في دين الله الرجال؟!

فكان هذا الرجل يرى أن حكم الله واضح تمام الوضوح وأنه يجب أن يُقاتل فريق معاوية رضي الله عنه حتى النهاية، ويستنكر تحكيم عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري في أمرٍ واضح كهذا، ثم ضرب بسيفه عجز دابة الأشعث بن قيس، فغضب الأشعث بن قيس رضي الله عنه من هذا التصرف، وكاد أن يحدث الشقاق والخلاف، لولا أن تدخل الأحنف بن قيس وكبار القوم وأنهوا الأمر.

ومرّ الموقف في تلك اللحظة، لكن طائفة من جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخذت هذه الكلمة، وبدأت تتحدث بها وظنّتها صوابًا، وكان الكثير ممن ردد هذا الأمر من حفاظ القرآن الكريم، وشديدي الورع والتقوى، وممن يكثرون الصلاة بالليل والنوافل، فأخذوا هذه الكلمة وقالوا: أتحكمون في دين الله الرجال؟ وغضبوا لأمر التحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله.

واستمرّ مسير علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حتى وصل الكوفة، فسمع رجلًا يقول: ذهب علي ورجع في غير شيء. وفي هذا لوم له رضي الله عنه على أمر التحكيم.

فقال علي رضي الله عنه: لَلَذين فارقناهم خير من هؤلاء، ثم أنشأ يقول:

أَخُوكَ الَّذِي إِنْ أَحْرَجَتْكَ مُلِمَّةٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَبْرَحْ لِبَثِّكَ رَاحِمًا

وَلَيْسَ أَخُوكَ بِالَّذِي إِنْ تَشَعَبَتْ عَلَيْكَ أُمُورٌ ظَلَّ يَلْحَاكَ لَائِمًا

كلمة حق أريد بها باطل

عند وصول علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الكوفة، كان عدد من يقول بهذه الكلمة: (لا نحكّم الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله)، وصل عددهم إلى اثني عشر ألف رجل، فكان شيئًا صعبًا عليه رضي الله عنه.

وكان من بين هذا العدد ثمانية آلاف يحفظون القرآن، وهؤلاء الحفظة كانوا طائفة في جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه يُقال لهم: القرّاء؛ لأنهم كانوا يكثرون من قراءة القرآن الكريم، ومن القيام والصيام، وكان أكثر من خرجوا مع هذه الطائفة من قرية تُسمّى (حروراء) وهم الذين عُرفوا في التاريخ بعد ذلك باسم الخوارج؛ لأنهم خرجوا عن طاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وقد تنبّأ بهذه الطائفة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، فعند الإمام مسلم بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ".

وعند البخاري بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه،ُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ"

قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟

قَالَ: "سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ"، أَوْ قَالَ: "التَّسْبِيد".

وفي البخاري ومسلم قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا، فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خِدْعَةٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ،َ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة".

والأحاديث في شأنهم كثيرة.

بعد ذلك ذهب إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ليحاورهم، ويجادلهم، ويردّهم بالتي هي أحسن فقال لهم: ماذا تأخذون علينا؟

فقالوا: انسلخت من اسم سماك الله به -يقصدون اسم أمير المؤمنين- ثم انطلقت، فحكّمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله.

بداية اسم أمير المؤمنين هذا لم يسمّه الله تعالى به، وكان أول من سُمّي بهذا الاسم هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان اعتراضهم أنه قَبِل أن يُقال من علي بن أبي طالب في أثناء كتابة صحيفة التحكيم، دون ذكر أمير المؤمنين، واعتراضهم الثاني على قبوله تحكيم الرجال في أمر الله تعالى، وأنه كان يجب أن يستمرّ القتال؛ لأن هذا هو أمر الله، ولا يصح على الإطلاق أن يقف القتال بناءً على رأي الحكمين.

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يدخل علي إلا من حمل القرآن.

فدخل عليه ثمانية آلاف، فأمسك بالمصحف، وأخذ يهزّه، فقالوا له: ماذا تفعل؟

فقال: إني أسأله.

فقالوا له: إنما هو مداد في ورق.

وعلي رضي الله عنه يشير بهذا الفعل إلى أن القرآن لن يقوم بذاته في فعل الأمور، ويقرر الأحكام، وينفذها، بل يقوم بذلك رجال قرءوا القرآن، واستوعبوه جيدًا، وبنوا آرائهم على حكمه.

وقال لهم علي رضي الله عنه: قال الله تعالى في كتابه في امراة ورجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35].

ثم قال لهم رضي الله عنه: فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من رجل وامرأة.

ثم قال لهم: أتنقمون عَلَيَّ أن محوت أمير المؤمنين، وكتبت علي بن أبي طالب، فإنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءنا سهيل بن عمرو حين صالح قومه قريشًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم".

فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب.

فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ"، ثم قال: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ".

فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ".

فقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأنسب في هذا الوقت أن يتم الصلح، وإذا لم يتم الصلح إلا بهذا الأمر فلا بأس، وكذلك فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ثم قال علي رضي الله عنه: ويقول الله تعالى في كتابه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21].

ومع هذا كله لم يرتدع القوم، ولم يرتدوا عن ما هم عليه، فأرسل لهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه حبرَ الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"، ومن علماء المسلمين، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستشيره في الملمات، وهي الأمور الصعبة العسيرة.

وذهب رضي الله عنه إلى القوم ليحاجهم، فلما دخل عليهم، وكان يرتدي حُلّة جديدة، فناظروه فيها، وقالوا له: ترتدي حلة عظيمة وجديدة؟!

فقال لهم: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32].

فقام رجل منهم يُسمّى ابن الكوى، وهو متحدث فصيح، وقال: يا حملة القرآن، هذا عبد الله بن عباس، فمن لم يكن يعرفه، فأنا أعرفه؛ هو ممن يخاصم في كتاب الله بما لا يعرف، وهو ممن نزل فيه، وفي قومه قوله تعالى: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزُّخرف:58]، فرُدّوهُ إلى صاحبكم، ولا تواضعوه كتاب الله.

فقال بعضهم: والله لنواضعنه، فإن جاء بحقٍ نعرفه تبعناه، وإن جاء بباطل لنكبتنّه بباطله.

فمكث فيهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه ثلاثة أيام، يجادلهم ويجادلونه، ويحاورهم ويحاورنه.

وبعد جدال وحوار طويل وعميق قالوا: إنهم يأخذون على علي بن أبي طالب ثلاث نقاط.

1-أنه محا اسمه من الإمرة.

2- أنه حكّم الرجال في كتاب الله.

3- أنه يوم الجمل بعد أن استحلّ الأنفس، ورفض أن يوزع السبي والأموال.

أجاب عبد الله بن عباس رضي الله عنه عن الأولى بما أجاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأجاب عن الثانية، وهي قولهم أنه حكّم الرجال في كتاب الله بآيتين من القرآن، وقال لهم: إن ذلك في القرآن.

فقالوا: وأين هو؟

قال الآية الأولى التي استشهد بها الإمام علي رضي الله عنه: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35].

والآية الثانية قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [المائدة:95].

فلم يقرر الله عز وجل المقدار الذي يضحي به الرجل نظير قتله للصيد، وهو حُرُم، ولكنه ترك الأمر ليحكم به ذوو العدل من المسلمين، ويقررون الحكم لهذا الرجل.

وأجاب رضي الله عن النقطة الثالثة وهي قضية: أنه يوم الجمل بعد أن استحلّ الأنفس رفض أن يوزع السبي والأموال.

فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه مجاراةً لهم: قد كان من السبي أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فإن قلتم أنها ليست بأم لكم فقد كفرتم، وإن استحللتم سبي أمهاتكم فقد كفرتم.

فلما دار هذا الحوار بين عبد الله بن عباس رضي الله عنه وبينهم على مدار ثلاثة أيام، رجع منهم أربعة آلاف، وتابوا على يديه، وكان منهم ابن الكوى هذا الرجل الذي ذكرناه قبل ذلك، وكان يحذّرهم من عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ولكن الله هداه وتاب عليه، وعاد من تاب معه إلى الكوفة، فكانوا مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ..

أما الباقون الذين عاندوا ولم يرجعوا عن ما هم عليه فقد ظلوا يترددون على الكوفة، ويتردد عليهم رسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه لإقناعهم، ولكن دون جدوى، ومع مرور الوقت، وقرب عقد المجلس الذي سوف يتم فيه التحكيم، بدأ هؤلاء يتعرضون لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بما لا يليق، وخرجوا عن دائرة النقاش المهذب، وبدءوا بالسباب، والشتائم، وعلي رضي الله عنه يصبر عليهم، ويردّ عليهم بالتي هي أحسن تجنبًا للفتن، واستمرّ الوضع هكذا يزداد يومًا بعد يوم، حتى قام له رجل منهم، وهو يخطب فقال له: يا علي أشركت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله.

وتنادوا من كل جانب: لا حكم إلا لله.

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هذه كلمة حق أًريد بها باطل.

ثم قال: إن لكم علينا ألا نمنعكم فيئًا ما دامت أيديكم معنا، وألا نمنعكم مساجد الله، وألا نبدأكم بقتال حتى تبدءونا.

ثم بدءوا يعرّضون بتكفير علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقابله رجلٌ منهم يومًا وقال له: يا علي لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين.

فجعلوا أن تحكيم أبي موسى وعمرو بن العاص رضي الله عنهما في هذه القضية إشراكًا بالله.

فقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه قول الله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الرُّوم:60].

ثم اعتزل هؤلاء القوم الكوفة بالكلية، ولجئوا إلى مكان يُسمّى النهروان، ومكثوا فيه، ولم يدخلوا الكوفة بعد ذلك، فلما رأي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن أمرهم بدأ يزيد، ويشكل خطورة على المسلمين بعث إليهم يقول لهم: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وبيننا وبينكم ألا تسفكوا دمًا حرامًا، أو تقطعوا سبيلًا أو تظلموا ذميًّا - يهوديًا أو نصرانيًا - فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء، إن الله لا يحب الخائنين.

ومكث الخوارج في النهروان بعيدًا عن الكوفة، وفي هذا التوقيت كان جيش الشام مستقرًا دون خلاف مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

وجاء شهر رمضان سنة 37 هـ، فأرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى دومة الجندل أربعمائة فارس، معهم أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأمّر عبد الله بن عباس على الصلاة.

وأرسل معاوية رضي الله عنه أربعمائة فارس إلى أرض دومة الجندل معهم عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان معهم من رءوس الناس عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وكان معهم أيضًا عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما، ولم يكن مع معاوية في القتال، ولكنه كان ممن اعتزل الفتنة، وإن كان يرى أن عليًا رضي الله عنه على الحق، وإنما كان حينئذٍ في الشام، فجاء مع الوفد الذي أرسله معاوية رضي الله عنه للتحكيم.

وقد تمّ اختيار دومة الجندل للتحكيم لأنها تقع في مسافة متوسطة بين الكوفة، والشام فهي على بعد تسع مراحل من كلٍ منهما، وفي غالب الأمر لم يحضر سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه هذا الاجتماع.

الحقيقة الغائبة في أمر التحكيم

من الأمور المحزنة التي يندى لها الجبين أن الذي اشتهر في أمر التحكيم تلك الرواية الشيعية الموضوعة المكذوبة المفتراة التي عمّت بها البلوى، وقد انتشرت تلك الرواية انتشارًا كبيرًا بعد انتهاء عصر الدولة الأموية، واشتداد شوكة الشيعة في عصر الدولة العباسية، بل ظلت هذه الرواية هي المنتشرة في كتبنا حتى الوقت المعاصر.

هذه الرواية الشيعية في هذا الأمر وضعها أبو مخنف لوط بن يحيى، والذي قال عنه الإمام ابن حجر العسقلاني: لوط بن يحيى أبو مخنف إخباري تالف لا يوثق به. وقال عنه الدارقطني: ضعيف. وقال عنه يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن عدي: شيعي محترق.

تقول الرواية: عن أبي مخنف أن عمرو بن العاص قال: إن هذا الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل ويطعم، وكان ابن عمر فيه غفلة؛ فقال له ابن الزبير: افطن وانتبه. أي قل شيئًا حتى تأخذ الإمارة، فقال ابن عمر: لا والله لا أرشوا عليها شيئًا أبدًا. أي أنه أبى الإمارة.

فقال أبو موسى الأشعري: يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعت بالسيوف، وتشاكت بالرماح، فلا تردنّهم في فتنة مثلها، أو أشد منها.

ويكمل أبو مخنّف كذبه فيقول: ثم إن عمرو بن العاص حاور أبا موسى أن يقرّ معاوية وحده على الناس، فأبى عليه، ثم حاوره ليكون ابنه عبد الله بن عمرو، هو الخليفة فأبى أيضًا، وطلب أبو موسى من عمرو أن يكون عبد الله بن عمر، هو الخليفة فامتنع عمرو أيضًا، ثم اصطلحا على أن يخلعا معاوية، وعليًا ويتركا الأمر شورى بين الناس يتفقوا على من يختارونه لأنفسهم، ثم جاء إلى المجمع الذي فيه الناس، وكان عمرو بن العاص لا يتقدم بين يدي أبي موسى، بل يقدّمه في كلّ الأمور أدبًا وإجلالًا.

فقال له: يا أبا موسى قمْ فأعلم الناس بما اتفقنا عليه، فخطب أبو موسى الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:

أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر أمرًا أصلح لها، ولا ألم لشعثها من رأي اتفقت أنا وعمرو عليه، وهو أن نخلع عليًا ومعاوية، ونترك الأمر شورى، وتستقبل الأمة هذا الأمر، فيولى عليهم من أحبوه، وإني قد خلعت عليًا، ومعاوية ثم تنحى.

وهناك روايات أكثر كذبًا تقول أنه قال: خلعته كما أخلع خاتمي من إصبعي، أو سيفي من عاتقي.

وجاء عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

إن هذا- يقصد أبا موسى الأشعري- قد قال ما سمعتم، وإنه قد خلع صاحبه، وإني قد خلعته كما خلعه، وأثبتُّ معاوية بن أبي سفيان، فإنه ولي عثمان بن عفان، والطالب بدمه، وهو أحق الناس بمقامه.

وتكمل الرواية الشيعية الكاذبة:

فلما حدث هذا وثب شريح بن هانئ من جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه فضربه بالسوط، فقام إليه ابنُ عمرو بن العاص، وضربه بالسوط، وتفرّق الناس في كل وجه إلى بلادهم.

فذكر أبو مخنف عن أبي حباب الكلبي أن عليًا لما بلغه ما فعل عمرو بن العاص كان يلعن في قنوته معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وأبا الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، والضحاك بن قيس، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والوليد بن عقبة، فلما بلغ ذلك معاوية كان يلعن في قنوته عليًا، وحسنًا، وحسينًا، وعبد الله بن عباس، والأشتر النخعي.

وهذا كله كذب، وافتراء من أبي مخنف على صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول ابن كثير في البداية والنهاية: ولا يصح هذا.

هذه الرواية غير موافقةٍ للنقل، وغير موافقة للعقل.

أما النقل أو علم الرجال فيقول:

إن لوط بن يحيى هذا شيعي كاذب ضال يضع الأحاديث والروايات، ويفتري على الصحابة ما لم يحدث، فكل ما يأتي من قبله إن لم يوافق الحق، فهو كذب، وباطل.

أما أن هذه الرواية غير موافقة للعقل، فإن سياق الكلام لا يستقيم، لأن الحكمين كما جاء في تلك الرواية، اتفقا على خلع علي ومعاوية.

فمن أي شيءٍ يُخلَع معاوية، وهو رضي الله عنه لم يَدّع أنه خليفة للمسلمين، ولم يدّع أنه أمير المؤمنين، ولم يكن القتال على إمرة، ولم يقل أحد من الطرفين أن معاوية رضي الله عنه في هذا الوقت أمير المؤمنين.

الأمر الثاني: سياق القصة يؤكد كذب عمرو بن العاص رضي الله عنه، ولا يُعدّ هذا خداعَ حربٍ، بل هو كذبٌ بيّن، ولا يصح هذا في حق عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه، فقد يُتهم المؤمن بالجبن، وبالبخل، أما الكذب فلا، وخاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد له بالإيمان فقال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمرُو بْنُ الْعَاصِ.

فلا يصح على الإطلاق أن نقول عن رجل شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان أنه كاذب كما في هذه الرواية.

الأمر الثالث: أن المسلمين ليسوا في منتهى البلاهة، والعجز حتى تنطوي عليهم هذه اللعبة الصبيانة المزعومة من عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه، وهو منها براء، ولو صح لوقف أبو موسى الأشعري وقال: إن هذا الكلام كذب حتى لا يتم الاتفاق.

الأمر الرابع: اتفق الجميع على أن هذا الأمر الذي تمّ بين الحكمين كان مشهودًا من مجموعة من رءوس الناس، وأعيانهم منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، والأحنف بن قيس، وهؤلاء جميعًا من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فأين هم إذن بعد أن قام عمرو بن العاص- كما يزعم الكذابون- وقال ما ينسبونه إليه.

بين الحَكَمَيْن

بعد مشاورات كثيرة، ومحاورات، واختلاف في الرأي على أساس القضية، فكان أبو موسى الأشعري يؤيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أنه تجب له البيعة من معاوية، ومن معه، وبعد أن تستقر الأمور يُؤخذ الثأر من قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولكن عمرو بن العاص طالب بقتلهم أولًا، أو تسليمهم إليهم ليقتلوهم، وبعدها يبايعون، فلما تحدثا في هذا الأمر كثيرًا، ولم يصلا إلى شيءٍ، اتفقا على يُترك أمر تحديد الخلافة إلى مجموعة من الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وهم أعيان وكبار الصحابة، وفيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأنه من السابقين الأولين، ولا يكون فيهم معاوية بن أبي سفيان، ولا عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ لأنهما ليسا من السابقين، ويُستعان برأيهما إن رأى القوم أن يستعينوا برأيهما، وإن لم يروا فلا يستعينوا برأيهما.

واتفقوا بحضور الشهود على أن يكون هذا الاجتماع في العام المقبل في دومة الجندل، وذلك بعد أن يذهب هؤلاء الأعيان، ويتباحثون في الأمر ويرون الأولى به، وقد يكون الأولى به علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو الأقرب إلى الاحتمال، خاصة، وأن هذه المجموعة هي التي اختارت عليًا رضي الله عنه ابتداءً، وليس عندهم اعتراض على شخصيته، ولكن عمرو بن العاص رأى أنه ربما تغيّرت الآراء بعد ما جرى من أحداث.

وإلى أن يحين موعد هذا الاجتماع يحكم كلٌ من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ما تحت يده في الدولة الإسلامية، وبعد تعيين الخليفة الجديد على الجميع أن يطيع الخليفة الجديد سواءً رأى قتل قتلة عثمان أولًا أو رأى تأخير ذلك.

ومن الواضح أن الحكم في ظاهره لصالح علي بن أبي طالب رضي الله عنه، خاصة وأن معاوية وعمرو بن العاص قد خرجا من الأمر تمامًا، ولم يكن لهما رأي في اختيار الخليفة الجديد.

وتفرق المسلمون على هذا الأمر، وهم راضون تمامًا حتى يجتمع كبار الصحابة لتحديد الخليفة، ولما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه رضي به، وكذلك عندما وصل إلى معاوية رضي الله عنه.

لكن الرواية الشيعية الكاذبة تقول: إن عليًا لما بلغه هذا الأمر غضب، وجهّز الجيوش لمحاربة معاوية ومن معه، وهذا ما لم يحدث على الإطلاق.

[1] المنقري: وقعة صفين ص481-484.

[2] مصنف ابن أبي شيبة 8/376، البلاذري: أنساب الأشراف 3/131.

[3] انظر: تاريخ الطبري من قوله: "فلما انتهى علي إلى الرقة... إلى قوله: ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين للهجرة" في خمس وستين صفحة، 5/296-330، 6/30. نقلاً عن د/حامد محمد الخليفة: الإنصاف ص437.

[4] صححه الألباني.

[5] صححه الألباني.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فريال علاء
برونزى


عدد المساهمات : 194
تاريخ التسجيل : 10/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان   الإثنين 10 مارس - 22:31

مقتل الإمام علي وعام الجماعة
الفتنة ومكانة الصحابة

للصحابة في قلوب المسلمين مكانة سامية، لا يفوقها إلا مكانة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وما ذلك إلا لما بذلوه من أجل نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونشر الدين، وما قدَّموه من تضحيات جسيمة بالمال والوقت والنفس لأجل رفعة راية الإسلام.

وقد جعل الله سبحانه وتعالى للصحابة مكانة كبيرة بين البشر؛ فقد أثنى عليهم قائلاً: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].

ولهذا يُجِلُّ المسلمون الصحابة إجلالاً كبيرًا، ولا يقبلون أن يتطاول أحد عليهم ولو بلفظ.

ولا يعني هذا أن الصحابة معصومون من الخطأ؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ"[1]. ولكن مكانة الصحابة تقتضي ألاّ يتجاوز أحد من المسلمين في حقهم، وإلا كان ذلك علامة على نقص الدين في نفسه؛ ولذا قال الإمام مالك رحمه الله واصفًا حال مبغضي الصحابة، ومبينًا معتقدهم: "إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم ذلك؛ فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين، وذلك أنه ما كان منهم رجل إلا ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويذبُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله، ويعينه على إظهار دين الله، وإعلاء كلمته، وتبليغ رسالاته وقت الحاجة، وهو حينئذٍ لم يستقر أمره ولم تنتشر دعوته، ومعلوم أن رجلاً لو عمل به بعض الناس نحو هذا، ثم آذاه أحد لغضب له صاحبه، وعدَّ ذلك أذى له (أي للرسول صلى الله عليه وسلم)"[2].

من هنا صارت دراسة فترة الفتنة الكبرى -التي بدأت بعد ست سنوات من حكم ذي النورين عثمان بن عفان رضى الله عنه، واستمرت فترة حكم أمير المؤمنين علي رضى الله عنه- بشكل محايد منصف واجبة؛ لكي نذبَّ الأذى عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تمالأ عليهم المنافقون وأصحاب الأهواء ليطعنوا فيهم مستغلين ما وقع من أحداث، فتظاهروا بالدفاع عن طرف، والهجوم على طرف آخر؛ ليتوصلوا إلى غرضهم الخبيث بالإساءة للطرفين، ومن ورائهم رسولهم ونبيهم الذي جاءهم بالحق من عند الله عز وجل.

التغير والمستجدات

منذ نهاية عصر الفاروق عمر رضى الله عنه بدت ملامح التغير في المجتمع المسلم واضحة للعيان؛ فقد اتسعت الفتوح، وفاض المال بأيدي المسلمين الذين كثروا، ودخل فيهم عناصر جديدة كثيرة من أهل البلاد المفتوحة مثَّلت الأغلبية خلال سنوات معدودة، وكانت هذه الغالبية منها من كان مخلصًا لله سبحانه وتعالى في إسلامه، ومنها من كان موتورًا يريد الانتقام من الإسلام الذي هدم ديانته، وقضى على دولته، كما كان حال بعض اليهود والفُرس، كما ساد الميل إلى الدنيا في نفوس كثير من المسلمين؛ فركن بعضهم إلى الدنيا وزينتها.

وما كانت تلك المستجدات لتمر على عبقري ملهَم كعمر بن الخطاب رضى الله عنه، الذي تعب من معاناته مع هؤلاء الداخلين حديثًا، ومع المتآمرين، ومع المائلين للدنيا؛ فقد مدَّ يديه إلى السماء، ودعا الله عز وجل قائلاً: "اللهم كبُرَت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي؛ فاقبضني إليك غير مضيِّع ولا مفرط"[3].

تغيرت الأحوال إذن، وأسوأ من ذلك تغيُّر النفوس، مما جعل أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه في مأزق؛ فقد حكم قومًا غير من كان عمر رضى الله عنه يحكمهم في بداية خلافته؛ فقد كان عمر رضى الله عنه يحكم الصحابة، أمَّا عثمان رضى الله عنه فكان أغلب رعيته ممن لم يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتأدَّبوا بأدبه، ومنهم من غرَّته الدنيا، واستولت على قلبه، وغرق في بحار أموال الفتوحات، وكان لا بد من حدوث الفتنة؛ فقد أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن حذيفة قال: "كنا جلوسًا عند عمر رضى الله عنه، فقال: أيُّكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله. قال: إنك عليه -أو عليها- لجريء. قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: أيُكسَر أم يُفتح؟ قال: يكسر. قال: إذن لا يغلق أبدًا. قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نَعَمْ، كما أن دون الغدِ الليلةَ إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فَهِبْنَا أن نسأل حذيفة، فأمَرْنَا مسروقًا فسأله، فقال: الباب عمر[4].

بداية الفتنة

إذن كان الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أن استشهاد عمر رضى الله عنه هو فتحٌ لِباب الفتنة؛ لذا كان أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه حريصًا على مداراة من يخالفونه، ويُكثرون من الشكوى من أمرائهم ظلمًا وعدوانًا، وحتى لما كثرت إساءات المارقين، وأشار ولاة عثمان عليه بأخذهم بالشدة، قال لهم: "والله إن رَحَى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها. كفكفوا الناس، وهبوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها"[5].

افترى أهل الفتنة تصرفات باطلة على أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه، وأخذوا يطعنون في وُلاته، وهو صابر عليهم، ولكن كان هناك من يحرِّك الفتنة بمهارة وتؤدة ومثابرة؛ فقد كان هناك عبد الله بن سبأ اليهودي المعروف بابن السوداء، الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر والعداوة للإسلام وأهله.

توجّه ذلك الرجل إلى البصرة التي كانت تحت إمارة عبد الله بن عامر الذي بلغه أن في عبد القيس رجلاً نازلاً على حكيم بن جبلة العبدي، وكان عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، هو الرجل النازل عليه، واجتمع إليه نفر، فطرح إليهم ابن السوداء ولم يصرح، فقبلوا منه.

فأرسل إليهم ابن عامر فسأله: من أنت؟

فقال: رجل من أهل الكتاب رغبت في الإسلام وفي جوارك.

فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني. فخرج حتى أتى الكوفة فأُخرج منها، فقصد مصر فاستقر بها وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، وتختلف الرجال بينهم[6].

وكان ابن سبأ يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر لأهل البيت، ويقول: إن محمدًا يرجع كما يرجع عيسى. وعنه أخذ ذلك أهل الرَّجْعَةِ، وإن عليًّا وصيُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يجز وصيته، وإن عثمان أخذ الأمر بغير حق، ويحرض الناس على القيام في ذلك، والطعن على الأمراء
[7].

وسواءٌ كان ابن سبأ هو الذي قام بهذا، أو أنه شخصية خيالية كما يرى عدد من الباحثين؛ فإن هناك من كان يقوم بهذا الدور، سواء كان فردًا أو جماعة.

المتمردون في المدينة

ظلَّت الرسائل تُتَبادَل بين أهل الفتنة في مصر والبصرة والكوفة، يحرِّض بعضهم بعضًا فيها على التشنيع على ولاة عثمان رضى الله عنه، ثم على عثمان نفسه حتى وصل الأمر إلى الاتِّعاد على قدوم المدينة في موسم الحَجِّ، وإعلان العصيان والخروج على أمير المؤمنين رضى الله عنه.

كان أمير المؤمنين قد علم بما خططه أهل الفتنة من رجلين شهدا تدبيرهم ومكرهم؛ "فأرسل إلى الكوفيين والبصريين، ونادى: الصلاة جامعة! فأقبل الرجلان، وشهدا بما علما؛ فقال المسلمون جميعًا: اقتلهم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن دعا إلى نفسه، أو إلى أحد وعلى الناس إمام، فعليه لعنة الله فاقتلوه".

وقال عمر بن الخطاب: لا أُحِلّ لكم إلا ما قتلتموه، وأنا شريككم. فقال عثمان: بل نعفو ونقبل، ونبصرهم بجهدنا، ولا نحادّ أحدًا حتى يركب حدًّا، أو يُبدِي كفرًا. إن هؤلاء ذكروا أمورًا قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبها عليَّ عند من لا يعلم[8].

وبعد ذلك أخذ الخليفة يرد على كل ما زعموه وافتروه، والمهاجرون والأنصار يؤيدونه في كل ما يقول؛ حتى إذا انتهى من ردِّه، وقد أفحم أهل الفتنة، "أبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى عثمان إلا تركهم، فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم، مع اتفاق بينهم على أن يعودوا وسط الحجاج لاقتحام المدينة؛ فتكاتبوا وقالوا: موعدكم ضواحي المدينة في شوال" من عام 35ه"
[9].

فوجِئ عثمان رضى الله عنه والمسلمون معه بأهل الفتنة يعيدون احتلال المدينة بشكل منظَّم تم إعداده مسبقًا، ويحاصرون دار الخليفة، ويواجهونه بما افتروه عليه، وكان ممن شارك في الفتنة كثير من الجُهَّال الذين غرَّر بهم أهل الفتنة، واستخدموهم في مخططهم الخبيث.

وقف هؤلاء وأولئك أمام دار أمير المؤمنين يحاصرونها، ويُعدِّدون عليه اتهاماتهم؛ فردَّ عليهم رضى الله عنه كل اتهام باطل بما يدحضه، ولكن الفتنة والعناد قد تحكما فيهم، وأخذ رءوس الفتنة يقطعون كل السُّبل أمام إخمادها؛ فخيروه رضى الله عنه بين عزل نفسه أو قتله، فرفض رضى الله عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشَّره بالشهادة؛ فعن أبي موسى الأشعري رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عند بئر أريس، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟

فقال: عثمان بن عفان.

فقلت: على رِسْلِكَ. فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: "ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ"[10].

كما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاه في حياته عن خلع نفسه من الخلافة التي تأتيه؛ فعن عائشة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عثمان فناجاه فأطال، وإني لم أفهم من قوله يومئذٍ إلا أني سمعته يقول له: "ولا تنزعَنَّ قميص الله الذي قمَّصك"[11].

لذا لما طلب منه أهل الفتنة عزل عُمَّاله وردَّ مظالمهم، وقالوا: والله لتفعلن أو لتخلعن أو لتقتلن. أبى عليهم وقال: لا أنزع سربالاً سربلنيه الله.

فحصروه واشتد الحصار عليه، فأرسل إلى علي وطلحة والزبير فحضروا، فأشرف عليهم فقال: يا أيها الناس، اجلسوا. فجلسوا المحارب والمسالم. فقال لهم: يا أهل المدينة، أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي. ثم قال: أنشدكم بالله، هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم، ويجمعكم على خيركم؟

أتقولون: إن الله لم يستجب لكم وهنتم عليه وأنتم أهل حقه؟

أم تقولون: هان على الله دينه فلم يبالِ من وَلِي والدين لم يتفرق أهله يومئذ؟ أم تقولون: لم يكن أخذٌ عن مشورة إنما كان مكابرة، فوكل الله الأمة إذا عصته ولم يشاوروا في الإمامة؟ أم تقولون: إن الله لم يعلم عاقبة أمري![12]

وأخذ عثمان رضى الله عنه يوضح لهم حرمة ما ينتوونه من قتله؛ فقال: وأنشدكم بالله أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير قدمه الله لي ما يوجب على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها! فمهلاً لا تقتلوني؛ فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أو قتل نفسًا بغير حق؛ فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفع الله عنكم الاختلاف أبدًا
[13].

ثم لزم عثمان رضى الله عنه الدار وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم، فرجعوا إلا الحسن بن علي وابن عباس ومحمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وأشباهًا لهم، واجتمع إليه ناس كثير، فكانت مدة الحصار أربعين يومًا، فلما مضت ثماني عشرة ليلة قدم ركبان من الأمصار فأخبروا بخبر من تهيأ إليهم من الجنود وشجعوا الناس، فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء.

فأرسل عثمان إلى عليٍّ سرًّا وإلى طلحة والزبير وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إنهم قد منعوني الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا ماء فافعلوا. فكان أوَّلهم إجابة علي، وأم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء عليٌّ في الغلس فقال: يا أيها الناس، إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي!

فقالوا: لا والله ولا نعمة عين! فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت ورجعت، وجاءت أم حبيبة على بغلةٍ لها مشتملة على إداوة فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل، فأحببت أن أسأله عنها لئلاّ تهلك أموال الأيتام والأرامل. فقالوا: كاذبة! وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت وكادت تسقط عنها، فتلقاها الناس فأخذوها وذهبوا بها إلى بيتها
[14].

إنَّ تجرؤ هؤلاء المارقين على أم المؤمنين أم حبيبة؛ لَيبين ما وصلوا إليه من خروج عن الدين، واستهانة بحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وعداوة للرسول صلى الله عليه وسلم نفسه.

ثم بدأ ذو النورين رضى الله عنه يُذَكِّرهم بسابقته في الإسلام، ومكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضحياته من أجل الدين؛ فقال: أنشدكم الله هل تعلمون أني اشتريت بئر رومة بمالي ليستعذب بها، فجعلت رشائي فيها كرجل من المسلمين؟

قالوا: نعم.

قال: فلِمَ تمنعوني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أني اشتريت أرض كذا فزدتها في المسجد؟

قيل: نعم.

قال: فهل علمتم أن أحدًا مُنع أن يصلي فيه قبلي؟ ثم قال: أنشدكم بالله أتعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عني كذا وكذا؟ أشياء في شأنه.

ففشا النهي في الناس يقولون: مهلاً عن أمير المؤمنين.

فقام الأشتر فقال: لعلَّه مكر به وبكم[15].

والأشتر هذا سيكون من قاتلي الإمام المظلوم عثمان بن عفان رضى الله عنه؛ لذا نراه هنا يحاول تخذيل مَن تراجعوا عن اتهاماتهم لأمير المؤمنين.

مقتل عثمان وفتنة أبدًا

سارت الأحداث في الاتجاه الذي خطط له أهل الفتنة؛ فشدَّدوا الحصار على دار أمير المؤمنين، وقد جاء عدد من الصحابة وأبنائهم يدافعون عنه، ولكنه أمرهم بالانصراف وترك الدفاع عنه؛ فعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه. ثم قال: قم يابن عمر -وعلى ابن عمر سيفه متقلدًا- فأخبر به الناس. فخرج ابن عمر والحسن بن علي. وجاء زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله، مرتين. قال عثمان: لا حاجة بي في ذلك، كُفُّوا.

وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجَنَّ.

وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم وخروجهم، ولزوم بيوتهم.

فقال له ابن الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا لا نبرح. ففتح عثمان الباب، ودخلوا عليه في أصح الأقوال
[16]؛ وذلك يوم الجمعة 18 من ذي الحجة سنة 35هـ[17].

قُتِل الشهيد عثمان بن عفان رضى الله عنه، وكانت صدمة لم يتوقعها المسلمون، وطعنة غدر أُعِدَّت بدقة لتوجَّه إلى قلب الأمة الإسلامية؛ فأصابت المسلمين بالذهول حتى قيل: إن المدينة بقيت خمسة أيام بعد استشهاد عثمان رضى الله عنه بلا خليفة[18].

لم يكن في المسلمين أولى بالخلافة من علي رضى الله عنه؛ لمكانته وفضله وإمكانياته، ولكن عليًّا وسائر الصحابة لم يكونوا يُقبِلون على الإمارة، أو يتشوفون إليها، بل كل واحد فيهم كان يعتبرها تكليفًا ثقيلاً يجدر به أن يبتعد عنه، وخاصةً أن من سيتحمل المسئولية سيكون عليه عبء مواجهة الفتنة وأهلها؛ لذا ظل أهل الفتنة هذه الأيام يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدههم وتبرّأ منهم ومن مقالتهم مرَّة بعد مرَّة؛ ويطلب الكوفيون الزّبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسلاً، فباعدهم وتبرّأ من مقالتهم؛ ويطلب البصريّون طلحة فإذا لقيهم باعدهم وتبرّأ من مقالتهم مرَّة بعد مرَّة؛ وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يَهْوَوْنَ، فلما لم يجدوا ممالئًا ولا مجيبًا، جمعهم الشرّ على أولّ من أجابهم، وقالوا: لا نولِّي أحدًا من هؤلاء الثلاثة. فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى؛ فرأيُنا فيك مجتمعٌ، فاقدمْ نبايعك. فبعث إليهم: إني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها على حال؛ وتمثَّل:

لا تخلطنَّ خبيثات بطَيِّبة *** واخلع ثيابك منها وانجُ عريانا

ثمّ إنهم أتوا ابن عمر عبدَ الله، فقالوا: أنت ابن عمر، فقم بهذا الأمر. فقال: إنَّ لهذا الأمر انتقامًا، والله لا أتعرّض له، فالتمسوا غيري. فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون، والأمر أمرهم[19].

خشي أهل الفتنة على أنفسهم إن لم يقبل أحد الصحابة الخلافة، وقالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بعد استشهاد عثمان رضى الله عنه، ودون أن يكون هناك خليفة فلن نسلم[20]؛ لذا عزموا -وهم في أوْج قوتهم، وسيطرتهم على الأوضاع بالمدينة- على أن يُوَلُّوا خليفة بأقصى سرعة؛ فجمعوا أهل المدينة، وقالوا لهم: يا أهل المدينة، أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبعٌ، وقد أجلناكم يومكم، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلَنَّ غدًا عليًّا وطلحة والزبير وأناسًا كثيرًا! فغشي الناس عليًّا فقالوا: نبايعك؛ فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى. فقال علي: دعوني والتمسوا غيري؛ فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وله ألوان، لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول. فقالوا: ننشدك الله! ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الإسلام؟ ألا ترى الفتنة؟ ألا تخاف الله؟ فقال: قد أجبتكم، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، ألا إني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد.

ولما أصبحوا يوم البيعة، وهو يوم الجمعة، حضر الناس المسجد، وجاء عليٌّ فصعد المنبر وقال: أيها الناس، عن ملأٍ وإذن، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنتُ كارهًا لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألاَ وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي، وليس لي أن آخذ درهمًا دونكم، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد. فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس[21].

فلما أكَّد المسلمون رغبتهم في بيعته؛ قال: ففي المسجد، فإنَّ بيعتي لا تكون خفيًّا، ولا تكون إلاَّ عن رضا المسلمين. فلمّا دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه الناس[22].

لقد كان علي رضى الله عنه كارهًا للخلافة، غير راغب فيها، ولكنه تولاّها رغمًا عن إرادته -لا إكراهًا- ولكن حرصًا على وَحْدة الأمة، وحفظًا لكيانها الذي يتعرض لعاصفة عاتية توشك أن تقتلع جذوره، وتعيد أمة الإسلام إلى زمن الجاهلية مرةً أخرى. يقول القاضي ابن العربي: "فانعقدت له البيعة ولولا الإسراع بعقد البيعة لعليٍّ لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه، ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه"[23].

بدأ علي رضى الله عنه خلافته التي لم تستقرّ له، ولم يهدأ له فيها بال بمواجهة رغبات المسلمين المتطلعة للقصاص من قتلة عثمان رضى الله عنه. ولا شك أن القصاص لعثمان رضى الله عنه واجب، ولا شك أيضًا أن عليًّا رضى الله عنه كان حريصًا على تنفيذ القصاص، ولكنه -وهو الخبير المجرِّب- رأى أن أهل الفتنة الذين قتلوا عثمان هم المسيطرون على أَزِمَّة الأمور في المدينة الآن، ولو حاول تنفيذ القصاص لانقلب كل هؤلاء على أهل المدينة قتلاً وتمثيلاً، وهم ليسوا بأهل دين وتقوى، بل أهل فسق وفجور وجرأة على الدماء والأموال؛ لذا رأى علي رضى الله عنه تأجيل تنفيذ القصاص حتى تستقر الأمور في المدينة، ويعود الهدوء إليها، ويرجع أهل الفتنة إلى بلادهم، ويتم التحقيق في حادث القتل، وتحديد القتلة ومن عاونهم بأعينهم، ثم يتم القصاص. ومما يثبت هذا ما رواه تاريخ الشعبيّ، قال: "خرجت عائشة رضي الله عنها نحو المدينة من مكَّة بعد مقتل عثمان، فلقيها رجل من أخوالها، فقالت: ما وراءك؟ قال: قُتل عثمان واجتمع الناس على عليٍّ، والأمر أمر الغوغاء"[24].

وكان كثير من الصحابة مع علي رضى الله عنه في رأيه، ولكن كان هناك مجموعتان يرون رأيًا مخالفًا؛ فكانوا يرون وجوب القصاص الفوري من قتلة عثمان رضى الله عنه، وقد كان الفريق الأول يضم السيدة عائشة رضي الله عنها، وطلحة بن عبيد الله رضى الله عنه، والزبير بن العوام رضوان الله عليهم، والفريق كله من أهل الجنة كعلي رضى الله عنه تمامًا.

أمَّا الفريق الثاني فكان يضم معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه والي الشام من قِبَل عثمان، والذي يعتبر نفسه ولي دمه؛ لأنه من بني أمية مثله.

أرسل علي رضى الله عنه إلى معاوية يبلغه ببيعة المسلمين له، ويطلب منه ومن أهل الشام البيعة، ولكن معاوية رضى الله عنه أرسل إليه يطلب منه أن يقتص أولاً من قتلة عثمان ثم يبايعه، أو أن يُخَلِّي علي رضى الله عنه بين معاوية وأهل الشام وبين قتلة عثمان ليقتصوا منهم، ويكون الأمر بعيدًا عن الخليفة؛ فلا يتحمل مسئوليته أمام أهل الفتنة، ثم يبايع معاوية وأهل الشام عليًّا بعد ذلك. ولكن عليًّا رضى الله عنه رفض هذه العروض، واعتبر ذلك عصيانًا من معاوية رضى الله عنه؛ فقرَّر عزله عن الشام، وأرسل سهل بن حنيف واليًا جديدًا، ولكن أهل الشام منعوه من الوصول، وردُّوه إلى المدينة.

الطريق إلى موقعة الجمل

قرَّر علي رضى الله عنه أن يغزو معاوية وأهل الشام، باعتبار الشام أصبح إقليمًا خارجًا ومنشقًّا عن الدولة، وهي نظرة وجيهة؛ فقد بايع المسلمون، وهذا والٍ يرفض البيعة، ويرفض السمع والطاعة، على حين رأى معاوية رضى الله عنه أنه وأهل الشام لم يبايعوا عليًّا رضى الله عنه بعدُ؛ لذا لا ينطبق عليهم حكم الخارجين؛ فلهم عذر، ولكن الحق كان مع علي رضى الله عنه، وستثبت الأحداث صحة موقف عليٍّ رضى الله عنه.

بينما علي رضى الله عنه يستعد للخروج إلى الشام، وجد أن الفريق الثاني -الذي يضم السيدة عائشة والزبير وطلحة- قد خرج دون إنذار إلى البصرة؛ فقد رأى هؤلاء الصحابة الكرام أن عليًّا رضى الله عنه في موقف حرج يمنعه من القصاص، ووجدوا في أنفسهم وأنصارهم القدرة على ذلك؛ ومن ثَمَّ قرَّروا الخروج إلى البصرة لتنفيذ القصاص في قتلة عثمان رضى الله عنه، وللإصلاح بين المسلمين، وإيقاف الخلافات بما لهؤلاء الصحابة الكرام جميعًا لدى المسلمين من مكانة، وكان ذلك في شهر جمادى الآخرة سنة 36هـ.

فُوجئ علي رضى الله عنه بهذا التحرك؛ فقرَّرَ بدلاً من المسير إلى أهل الشام أن يتجه إلى البصرة بجيشه لا ليقاتل هؤلاء الصحابة، بل ليردهم إلى المدينة، ولكنَّ الحسن بن علي رضى الله عنه نصحه بعدم الذهاب؛ لأنه رضى الله عنه يرى أن تواجه الجيوش لا بد أن يُسفِر عن حروب وخسائر دامية، ولكن عليًّا رضى الله عنه صمَّم على الذهاب.

وفي البصرة -التي كانت تعجُّ بالكثير من أهل الفتنة المشاركين في قتل عثمان رضى الله عنه- خرج الوالي من قِبَل علي رضى الله عنه لما علم بمقدم أصحاب الجمل وقاتلهم؛ فاضطروا لقتاله، وانتصروا عليه.

كان علي رضى الله عنه يريد التصالح مع هؤلاء الصحابة، وردهم إلى المدينة -كما أسلفنا- لذا لما نزل بذي قارٍ دعا عليٌّ القعقاع فأرسله إلى أهل البصرة وقال: الْقَ هذين الرجلين -وكان القعقاع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظّم عليهما الفُرقة.

وقال له: كيف تصنع فيما جاءك منهما وليس عندك فيه وصاة مني؟ قال: نلقاهم بالذي أمرت به، فإذا جاء منهم ما ليس عندنا منك فيه رأي اجتهدنا رأينا، وكلمناهم كما نسمع ونرى أنه ينبغي. قال: أنت لها. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة فسلّم عليها وقال: أي أمة، ما أشخصك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟

قالت: أي بُنيَّ، الإصلاح بين الناس.

قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما. فبعثت إليهما، فجاءا، فقال لهما: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها، فقالت: الإصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما، أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان
[25].

قالت عائشة: فماذا تقول أنت؟

قال: أقول: إن هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة، ودرك بثأر هذا الرجل، وعافية وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا المال، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم، ولا تعرضونا للبلاء فتعرضوا له فيصرعنا وإياكم. وايم الله، إني لأقول هذا القول وأدعوكم إليه! وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قلَّ متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس يقدر، وليس كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل. قالوا: قد أصبت وأحسنت فارجعْ، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر.

فرجع إلى عليٍّ فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه. وأقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو علي بذي قار قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة وعلى أي حال نهضوا إليهم، وليعلموهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح ولا يخطر لهم قتالهم على بال[26].

في هذا الوقت وصل علي رضى الله عنه، وبعث إلى أصحاب الجمل حكيم بن سلامة ومالك بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع، فكفوا حتى ننزل وننظر في هذا الأمر. فردوا حكيمًا ومالكًا إلى عليٍّ أننا على ما فارقنا عليه القعقاع[27].

وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه، وطلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما بذلك، فباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية التي أشرفوا عليها والصلح.

استبشر المسلمون خيرًا بهذا الصلح، ولكنه -في الوقت ذاته- كان وبالاً على أهل الفتنة الذين صُعِقوا لما علموا بأمره، وخافوا على أنفسهم، وباتوا بشر ليلة وقد أشرفوا على الهلكة؛ فاجتمع نفر، منهم: علباء بن الهيثم وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسي وشريح بن أوفى والأشتر في عدة ممن سار إلى عثمان، ورضي بسير من سار، وجاء معهم المصريون وابن السوداء وخالد بن ملجم فتشاوروا؛ فقالوا: ما الرأي؟ وهذا علي وهو والله أبصر بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه سواهم والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شام القوم وشاموه، ورأوا قلتنا في كثرتهم، وأنتم والله ترادون وما أنتم بالحي من شيء!

كان أهل الفتنة يخشون أن يتصالح علي رضى الله عنه وأصحاب الجمل؛ فيتفرَّغوا لهم ويحاسبوهم؛ لذا انتهى الاجتماع المشئوم باتفاق خبيث صاغه رأس الفتنة عبد الله بن سبأ اليهودي؛ إذ قال: يا قوم، إن عزكم في خلطة الناس، فإذا التقى الناس غدًا فأنشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر، فمن أنتم معه لا يجد بدًّا من أن يمتنع، ويشغل الله عليًّا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون. فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون[28].

وسواءٌ كان رأس الأمر هو عبد الله بن سبأ اليهودي، أو أنه شخصية غير حقيقية -كما يرى بعض الباحثين- فإن الثابت أن هناك من وضع هذا المخطَّط ونفَّذه، فردًا كان أم جماعة.

كان المخطَّط خبيثًا، والكيد شديدًا، وكذلك كان التنفيذ دقيقًا؛ يقول ابن الأثير: "فغدوا مع الغَلَس وما يُشعَر بهم، فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة، فقصد مضرهم إلى مضرهم، وربيعتهم إلى ربيعتهم، ويمنهم إلى يمنهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم"[29].

ظن جيش علي رضى الله عنه أن أصحاب الجمل قد خانوه، كما ظنَّ جيش الجمل نفس الظن بجيش علي رضى الله عنه؛ فاشتعل القتال، واضْطُرَّ الجميع للقتال، ولكن عليًّا رضى الله عنه كان حريصًا على إنهاء المعركة سريعًا تقليلاً للخسائر؛ لذا لما وجد جيش الجمل يدافع باستماتة عن الجمل الذي تركبه السيدة عائشة رضي الله عنها -وبه سُمِّيَت المعركة معركة الجمل- أمر جنوده بعقر الجمل لكي تخمد عزيمة المدافعين، وتنتهي المعركة، وقد كان.

اللافت للنظر أن كل الشواهد أثبتت صحة موقف علي رضى الله عنه من القضية؛ ففي أثناء المعركة وجد الزبير رضى الله عنه أن الهدف الذي خرج لأجله أصبح غير قابل للتحقيق؛ فترك ساحة المعركة عائدًا إلى المدينة، فأدركه رجل ممن كانوا معه يُدعى عمرو بن جرموز، فقتله وهو يصلي رضى الله عنه، وقد قُتِل أيضًا طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه.

وقد أكرم علي رضى الله عنه السيدة عائشة رضي الله عنها، وأرسل معها أخاها محمد بن أبي بكر يوصلها إلى المدينة معززة مكرَّمة ومعها أربعون من نساء البصرة، فذهبت إلى مكة للحج ثم رجعت إلى المدينة[30].

كما أثبتت الحوادث صحة موقف الحسن بن علي -رضي الله عنهما- في دعوته أباه إلى عدم الخروج إلى أصحاب الجمل؛ كي لا يحدث قتال.

ومن الحقائق التي تم تزويرها ما جرى من تضخيم لأعداد القتلى في موقعة الجمل حتى روى بعضهم "أنه قُتِل في ذلك اليوم ثلاثون ألفًا"[31]. والواقع والمعقول أن الرقم الحقيقي أقل من ذلك بكثير؛ لأن عدد جيش علي رضى الله عنه أصلاً كان بين تسعة آلاف إلى اثني عشر ألفًا، وكان جيش الجمل قريبًا من ذلك، كما أن القتال كان قصيرًا للغاية "كانت وقفة واحدة في يوم واحد"[32]، "وكانت الحرب أربع ساعات"[33].

لقد أراد أهل الفتنة أن يشوِّهوا تاريخ الصحابة ليطعنوا فيهم، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أرادوا أن يضخِّموا من نجاحهم ليستطيعوا جلب أنصار جدد من أهل الفتنة والضلال والشقاق؛ فأذاعوا هذه الأرقام المبالغ فيها، بينما رُويَ أن شهداء معركة اليرموك مثلاً كانوا حوالي "ثلاثة آلاف شهيد"[34].

لذا فما يبدو لنا أن عدد قتلى موقعة الجمل لا يتجاوز بضع مئات من الطرفين إن لم يكن أقل من ذلك.

بعد هذه الموقعة قرَّر أمير المؤمنين علي رضى الله عنه اتخاذ الكوفة عاصمة له بدلاً من المدينة، وأخذ من هناك يحاول توطيد أمر الخلافة في الولايات المختلفة.

كان معاوية رضى الله عنه وأهل الشام قد رفضوا البيعة لأمير المؤمنين علي رضى الله عنه قبل أن يقتص من قتلة عثمان رضى الله عنه -كما ذكرنا-، ولم يكن في نفس معاوية رضى الله عنه شيء من المشاقة أو العداوة الشخصية لعلي رضى الله عنه، وكذلك لم يكن به طمع في الخلافة كما يصوِّر المرجفون وأهل الفتنة، وإنما هو اجتهاد رآه صوابًا يثيبه الله عز وجل عليه بإذنه. ومما يثبت ذلك أن معاوية رضى الله عنه لم يشارك مع أصحاب الجمل في الحرب، رغم أنه على نفس رأيهم، ولو تدخَّل لصالحهم لكان جديرًا بما معه من قوة الشام الصلبة، وجنوده المطيعة من أن يرجِّح كفتهم، ولكنه رضى الله عنه لم يكن يود محاربة علي رضى الله عنه، ولا يجرؤ على التفكير في ذلك.

يقول الإمام ابن تيمية: "ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداءً، بل كان من أشد الناس حرصًا على أن لا يكون قتال"[35].

الطريق إلى موقعة صفين

قرَّر أمير المؤمنين علي أن يسير لقتال أهل الشام؛ ليلزمهم بالبيعة والطاعة، فقال له الحسن بن علي رضى الله عنهما: يا أبتِ، دع عنك هذا؛ فإن فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم". فلم يقبل منه ذلك، بل صمَّم على القتال[36].

كانت تلك هي النصيحة الثانية من الحسن رضى الله عنه بعدم لقاء الجيوش حتى لا تحدث المواجهة، ويتدخل أهل الفتنة، ويصير القتال لازمًا؛ ومن ثَمَّ تسيل دماء المسلمين، ولكن أمير المؤمنين أصرَّ على رأيه.

اتجه أمير المؤمنين بجنده إلى النخيلة قريبًا من الكوفة وعسكر بها؛ لتوافيه جنود البصرة بقيادة واليها عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، ثم توجه إلى صِفِّين على شاطئ الفرات الغربي؛ فخرج إليه معاوية رضى الله عنه على رأس جيشه حتى نزل صفين أيضًا، وكان ذلك أوائل ذي الحجة سنة 36هـ.

لم يكن هناك رغبة عند الطرفين في خوض الحرب؛ فقد علم الجميع حرمة الدم المسلم، وهم لا يريدون تكرار ما حدث يوم الجمل.

كما كانت القبائل في كلٍّ من العراق والشام قبائل واحدة انقسمت في سكناها إلى قسمين أيام الفتوح؛ فمَن فتح الشام استقر فيها، ومن فتح العراق وفارس استقر فيها كذلك، وكلا القسمين يحتفظ بصلات أرحامه. كما أن الجميع قريب من زمن النبوة والوحي، وهم من خير القرون في الأمة الإسلامية[37].

كما كان هناك اتجاه لاعتزال تلك الفتنة والحرب؛ فهذا أيمن بن خريم بن فاتك يقول في هذا المعنى:

ولسـت مقاتلاً رجلاً يصلي *** على سلطان آخر من قريشِ

له سلطانه وعليَّ إثمي *** معـاذ الله من سفهٍ وطيشِ

أأقتل مسلمًا في غيـر جُـرمٍ *** فليس بنافعي ما عشت عيـشي

بعد وصول الجيشين إلى صفين بدأت الرسل تتوالى بينهما بغية الوصول إلى حقن الدماء، ولكن أخبار تلك السفارات مروية عن رواة غير ثقات، ويتضح في كثير منها الكذب؛ لذا لا نستطيع أن نجزم بصحة شيء فيها، إلا أن نهاية الأمر أنه لم يتم التوصل لحل يرضي الطرفين. وجدير بالذكر أن مِن جند الشام مَن كان يستنكر أن يقاتل معاويةُ عليًّا رضى الله عنهما؛ يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "كان غير واحد من عسكر معاوية يقول له: لمَ ذا تقاتل عليًّا وليس لك سابقته ولا فضله ولا صِهْره، وهو أولى بالأمر منك؟! فيعترف لهم معاوية بذلك، لكنْ قاتلوا مع معاوية لظنِّهم أن عسكر عليٍّ فيه ظَلَمَة يعتدون عليهم كما اعتدوا على عثمان وأنهم يقاتلونهم دفعًا لصيالهم عليهم، وقتال الصائل جائز؛ ولهذا لم يبدءوهم بالقتال حتى بدأهم أولئك"38].

ومما ينبغي معرفته قبل الحديث عن وقعة صفين أن جيش الكوفة لم يكن طوعًا لأمير المؤمنين عليٍّ رضى الله عنه؛ فقد كان في الجيش عدد من أهل الفتن، وممن قتلوا عثمان رضى الله عنه؛ لذا كانوا ينفذون ما خطط له سادتهم، وما يرضي أهواءهم، ولم يكونوا في الحقيقة يدينون لعلي رضى الله عنه بالطاعة؛ فعن عامر الشعبي وأبي جعفر الباقر قال: بعث عليٌّ رجلاً إلى دمشق ينذرهم أن عليًّا قد نَهَدَ في أهل العراق إليكم ليستعلم طاعتكم لمعاوية. فلما قدم أمر معاوية فنودي في الناس: الصلاة جامعة. فملئوا المسجد، ثم صعد المنبر فقال في خطبته: إن عليًّا قد نهد إليكم في أهل العراق، فما الرأي؟ فضرب كل منهم على صدره، ولم يتكلم أحد منهم، ولا رفعوا إليه أبصارهم. وقام ذو الكلاع فقال: يا أمير المؤمنين، عليك الرأي وعلينا الفعال. ثم نادى معاوية في الناس: أن اخرجوا إلى معسكركم في ثلاث، فمن تخلف بعدها فقد أحل بنفسه. فاجتمعوا كلهم، فركب ذلك الرجل إلى عليٍّ فأخبره، فأمر علي مناديًا فنادى: الصلاة جامعة. فاجتمعوا، فصعد المنبر فقال: إن معاوية قد جمع الناس لحربكم، فما الرأي؟ فقال كل فريق منهم مقالة، واختلط كلام بعضهم في بعض، فلم يدرِ عليٌّ مما قالوا شيئًا، فنزل عن المنبر وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون[39].

لم ينتهِ الرسل إلى اتفاق يوقف الاستعداد للحرب؛ في ذات الوقت الذي كان أهل الفتنة فيه يسعون إلى إيقاعها بكل ضراوة، وقد وقعت الحرب، ولكن اعتزلها جمهور الصحابة؛ فقد روى محمد بن سيرين رحمه الله قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف؛ فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين"[40].

عمار بن ياسر والفئة الباغية

ومن أهم أحداث موقعة صفين استشهاد الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضى الله عنه الذي كان يحارب في صفوف أمير المؤمنين علي رضى الله عنه؛ وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنه: "وَيْحَ عَمَّارٍ! تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ"[41].

فقد كشف استشهاده رضى الله عنه عن حقيقة الموقف بين الفريقين؛ فعلم من كان متردِّدًا أن عليًّا رضى الله عنه ومن معه هم المصيبون، وأن معاوية رضى الله عنه ومن معه مخطئون في اجتهادهم.

ولا ينبغي التطاول على معاوية رضى الله عنه ومن معه، واتهامهم بالكفر لقتلهم عمارًا رضى الله عنه؛ فقد قال عمار رضى الله عنه نفسه: "حدثني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لا أموت إلا قتلاً بين فئتين مؤمنتين"[42]. فليس هؤلاء كقتلة عثمان رضى الله عنه الذين تواطئوا على الفتنة والضلال.

التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية

خشي عدد من عقلاء الطرفين من استمرار القتال حتى لا يهلك المسلمون، فيستغل الأعداء ذلك، ويستأصلوا الإسلام، فلا تقوم له بعد ذلك قَوْمة، وكان عقلاء الكوفة أسبق إلى الموادعة؛ فهذا الأشعث بن قيس الكندي لمَّا اشتد القتال يخطب في قومه أهل الكوفة في المساء خطبته التي قادت للصلح؛ فيقول: "قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من العرب، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قَطُّ.

ألا فليبلغ الشاهد الغائب، أنَّا إنْ نحن تواقفنا غدًا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات.

أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا من الحتف، ولكني رجل مسنّ أخاف على النساء والذراري غدًا إذا فنينا.

اللهم إنك تعلم أنى قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آلُ، وما توفيقي إلا بالله.

فلما وصل الخبر معاوية بخطبة الأشعث فقال: أصاب ورب الكعبة، لئن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلنَّ أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنُّهى؛ اربطوا المصاحف على أطراف القَنَا.

قال صعصعة: فثار أهل الشام فنادوا في سواد الليل: يا أهل العراق، مَن لذرارينا إن قتلتمونا، ومن لذراريكم إن قتلناكم؟ اللهَ الله في البقية.

فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح وقلدوها الخيل، والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه، ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رءوس الرماح، ونادوا: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم.

وأقبل أبو الأعور السلمي على برذون أبيض وقد وضع المصحف على رأسه ينادي: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم.

فقال الأشعث لأمير المؤمنين: أجب القوم إلى كتاب الله؛ فإنك أحق به منهم، وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال.

فقال عليٌّ رضى الله عنه: إن هذا أمر ينظر فيه.

وذكروا أن أهل الشام جزعوا فقالوا: يا معاوية، ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه، فأعدها جذعة، فإنك قد غمرت بدعائك القوم وأطمعتهم فيك.

فدعا معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص، وأمره أن يكلم أهل العراق؛ فأقبل حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل العراق، أنا عبد الله بن عمرو بن العاص، إنها قد كانت بيننا وبينكم أمور للدين والدنيا، فإن تكن للدين فقد والله أعذرنا وأعذرتم، وإن تكن للدنيا فقد والله أسرفنا وأسرفتم، وقد دعوناكم إلى أمرٍ لو دعوتمونا إليه لأجبناكم، فإن يجمعنا وإياكم الرضا فذلك من الله؛ فاغتنموا هذه الفرجة.

وأمَّا الأشتر، فلم يكن يرى إلا الحرب؛ لأنه من أهل الفتنة، ولكنه سكت على مضضٍ، وذكروا أن الناس ماجوا وقالوا: أكلتنا الحرب، وقتلت الرجال، وثارت الجماعة بالموادعة[43].

إذن لا يَصِحُّ شيء مما ادَّعاه أهل الفتنة كذبًا من أن رفع المصاحف هو مكيدة من الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضى الله عنه، أشار بها على معاوية رضى الله عنه ليتفاديا انتصار جيش علي رضى الله عنه، ومن ثَمَّ أوسعا الصحابييْن الجليليْن سبًّا وقذفًا شنيعًا لا يرضاه الله سبحانه وتعالى.

لقد كان رفع المصاحف -في الحقيقة- عملاً رائعًا اشترك فيه العقلاء من الفريقين، وتُوِّج بموافقة أمير المؤمنين علي رضى الله عنه؛ إذ قال: "نعم بيننا وبينكم كتاب الله، أنا أولى به منكم"[44].

وقد افترى الرواة الشيعة الكذَّابون، واختلقوا الكثير من الروايات الموضوعة لأهدافهم الخبيثة من طعن الصحابة رضوان الله عليهم، وتشويه الدين؛ فقد وضعوا روايات تُضَخِّم من عدد قتلى صفين، كما فعلوا في الجمل، وللأسف اهتم المؤرخون القدماء بجمع هذه الروايات حتى كادت الروايات الحقيقية تضيع وسط هذا الركام؛ فهذا الطبري شيخ المؤرخين -رحمه الله- يذكر حول صفين ما يقارب 107 روايات تصف أحداثها من البدء إلى النهاية، ويروي فيها للشيعي الكاذب أبي مخنف لوط بن أبي يحيى المتجرئ على الصحابة خمسًا وتسعين رواية[45].

ويبلغ الرواة الكذابون، ومؤرخو الشيعة المفترون بعدد القتلى إلى سبعين ألفًا من الجهتين[46]، ويذكر المسعودي المؤرِّخ الشيعي أن قتلى جيش الشام كانوا تسعين ألفًا، ومن أهل العراق عشرين ألفًا[47].

يقولون هذا مع أن المسعودي نفسه يذكر أن عليًّا رضى الله عنه كان تعداد جيشه تسعين ألفًا، وتعداد جيش معاوية خمسة وثمانين ألفًا[48]. أي أن المسعودي الشيعي يدَّعِي أن قتلى جيش الشام يزيدون على تعداد الجيش بخمسة آلاف؛ فأنَّى يُصَدَّق مثل هذا ؟!

لقد تم تضخيم عدد القتلى لنفس الأغراض التي تم فيها نفس الفعل في موقعة الجمل، كما أن الأرقام الحقيقية للقتلى أيضًا أقل بكثير من المكذوب، لنفس الأسباب التي ذكرناها في الجمل، وكذلك لأن الجيشيْن هنا كانا لا يريدان القتال، ولا يتحمسان له. وإضافةً إلى ذلك، فلو تم قتل هذا العدد الضخم؛ فلماذا لم تذكر كتب التاريخ بعض الأسماء كعادتها؟!

إن الحقيقة واضحة، وهي أن أصابع أهل الفتن تدخلت في التفاصيل لتفسد على المسلمين تاريخهم، وتضرب حب الصحابة رضوان الله عليهم في قلوبهم.

تم الاتفاق على التحكيم، وتم اختيار حكم عن كل فريق؛ فاختار معاوية عمرَو بن العاص رضى الله عنهما، واختار عليٌّ أبا موسى الأشعري رضى الله عنهما، وتم كتابة وثيقة التحكيم في 13 من صفر سنة 37ه:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي عليٍّ على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المسلمين، أنا ننزل على حكم الله وكتابه، فما وجد الحكمان في كتاب الله فهما يتبعانه، وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة تجمعهما وهما آمنان على أموالهما وأنفسهما وأهاليهما، وأن الأمة أنصار لهما على الذي يقضيان به عليه وعلى المؤمنين والمسلمين، والطائفتان كلتاهما عليهما عهد الله وميثاقه أن يفيا بما في هذه الصحيفة على أن بين المسلمين الأمن ووضع السلاح، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ليحكما بين الناس بما في هذه الصحيفة على أن الفريقين جميعًا يرجعان سنة فإذا انقضت السنة إن أحبّا أن يردا ذلك ردَّا وإن أحبَّا زادا فيهما ما شاء الله، اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة.

وشهد على الصحيفة فريق عشرة أنفس.[49]

وبالتالي لم يُذكَ أمر الخلافة في الوثيقة؛ فلم يكن هناك تنازع على الخلافة، ولا ادَّعاها معاوية لنفسه أبدًا، ولا تطلَّع إليها، ومِن ثَمَّ اكتفى الحكمان بتهدئة الأمور، وتثبيتها سنة كاملة يتحاجز فيها الفريقان، ولم يفصلا في محوري الخلاف، وهما طلب علي رضى الله عنه البيعة من معاوية رضى الله عنه وأهل الشام، وطلب معاوية رضى الله عنه وأهل الشام من عليٍّ القصاص أولاً من قتلة عثمان؛ فلم تكن الظروف تسمح بالفصل في هذين الأمرين، وهما محورا الخلاف.

وتبين الوثيقة أيضًا أن كثيرًا من الروايات حول صفين والتحكيم كانت روايات مكذوبة وضعها كذَّابو الشيعة؛ للنيل من الصحابة ممثَّلين في عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وأبي موسى الأشعري؛ فاتهموا عَمْرًا بالمكر والخديعة، ومعاوية بالحرص على الدنيا، ومنازعة الأمر أهله، وأبا موسى بالغفلة، وكلُّهم من هذه الاتهامات بُرآء.

فقد استحلَّ الكذَّابون أن يضعوا تلك الرواية التي صارت أشهر رواية عن التحكيم، وكلها إساءة للصحابة، حتى وُضِعَت في مناهج التعليم في البلاد الإسلامية، وصارت تُورِث المسلمين بُغض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيروي هؤلاء في وصف التحكيم، وإعلان نتائجه:

"قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي أن عمرًا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل، أخذ عمرو يقدِّم أبا موسى في الكلام، يقول: إنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أسن مني، فتكلم وأتكلم. فكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدِّمه في كل شيء، اغْتَزَى[50] بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع علي. قال: فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه، فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمرًا على عبد الله بن عمر فأبى عليه، فقال له عمرو: خبرني ما رأيك؟ قال: رأيي أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا. فقال له عمرو: فإن الرأي ما رأيت. فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: يا أبا موسى، أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق. فتكلم أبو موسى فقال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله سبحانه وتعالى به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبر، يا أبا موسى، تقدم فتكلم. فتقدم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابن عباس: ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك. إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك، ثم تكلم أنت بعده، فإن عمرًا غادر، ولا آمن من أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة الفتنة .. سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب استشهاد عثمان بن عفان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: