منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 الفتح الاسلامى لمصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:26

الفتح الاسلامى لمصر
الفتح الاسلامى لمصر
الفتح الاسلامى لمصر
مصر قبل الفتح الإسلامي

قبل الحديث عن الفتح الإسلامي لمصر، لا بد من الوقوف أولاً على أحوال مصر قبل ذلك الفتح، سواء الأحوال السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية؛ وذلك ليتسنى لنا الوقوف على طبيعة الفتوحات الإسلامية وماهيتها بالمقارنة بغيرها من الحروب وأنواع الاحتلال، وفي الوقت ذاته إبراز العوامل التي من شأنها أن تؤثر في حركة الفتح سلبًا أو إيجابًا.
حملة قمبيز بن قورش:
كان غزو "قمبيز" لمصر عام (525 ق.م) من أسوأ الغزوات التي تعرضت لها البلاد؛ فقد أعد قمبيز لحملته كل ما استطاع، ومالأه اليهود مقابل أن صرح لهم ببناء معبدهم في أورشليم، فجعل من فلسطين قاعدة لتحركه نحو مصر، كما اكتسب بذلك ولاء اليهود الذين كانوا في جيش مصر، وانحاز إلى قمبيز رجل إغريقي يُدعى "فانيس"، كان قائدًا لفرقة مرتزقة في جيش مصر، ووشى فانيس بخطط المصريين لمقاومة الحملة، كما أفاد قمبيز بدلالته على مسالك الصحراء، وتسهيل الاتصال ببدو سيناء لإمداده بالماء والمئونة عبر الصحراء.
ومات فرعون مصر "أمازيس" وارتقى العرش بعده ابنه الشاب "أبسماتيك الثالث" قبيل الغزو مباشرة، وسار قمبيز بجيشه من غزة كما تحرك أسطوله من عكا، وكانت وجهته بيلوز "الفرما"، فهزم أبسماتيك الثالث، وكانت المعركة الثانية في "عين شمس" ثم الثالثة في "منف"، وهذا يعني أن قمبيز قد سلك الطريق نفسَه الذي سلكه عمرو بن العاص من بعدُ، وفي منف وقع أبسماتيك أسيرًا، وسقطت عاصمته في يد قمبيز.
كان قمبيز ملكًا همجيًّا أَذَلَّ المصريين إذلالاً مهينًا، فقد أجلس أبسماتيك وكبار رجال دولته عند مدخل المدينة، وألبس ابنته وبناتهم ملابس الإماء التي تكشف عن أجسادهن العارية، وأجبرهن على حمل جِرَارِ الماء والسير حفاة أمامه، وأمام الفرعون الأسير يسقين المنتصرين ويخدمنهم، وعندما دمعت عينا أبسماتيك أمر به قمبيز فقُتل!!
وأراد قمبيز أن يواصل غزواته إلى النوبة، ولكنه هُزِمَ فارتدَّ على أعقابه، ثم عاد فسيَّر جيشه من طيبة غربًا إلى الواحات الخارجة ومنها إلى سيوة، ولكن ريحًا عاتية ثارت على الصحراء، فدُفِنَ هذا الجيش كله ولم ينجُ منه أحد، ولا عثر عليه أحد بعد دخوله الصحراء! ولم يجد قمبيز بُدًّا من العودة إلى فارس، ولكنه مات في الطريق عام (522 ق.م)، وقيل إنه انتحر.
وفي عام (341 ق.م) وجه الفرس حملة أخرى إلى مصر برًّا وبحرًا، استطاعت أن تحتل مصر مرة أخرى، حتى غزاها الإسكندر الأكبر بعد تسع سنوات.
حملة الإسكندر الأكبر
لقد خرج الإسكندر بجيشه من اليونان متجهًا شرقًا حتى عَبَرَ الدردنيل، ثم اشتبك مع الفرس عند نهر (جرانيق) الذي يصب في بحر مرمرة وهزمهم سنة (334 ق.م)، واجتاز هضبة الأناضول إلى خليج الإسكندرونة، حيث هزم الفرس هزيمة ساحقة في إيسون، وَفَرَّ "دارا الثالث" ملك فارس إلى بابل، ثم سار الإسكندر جنوبًا ففتح بلاد الشام حتى وصل إلى مصر في جيش قوامه أربعون ألفًا، وأسطوله يبحر بحذائه في البحر، وسار من غزة إلى بيلوز "الفرما" ثم إلى منف، في الطريق نفسِه الذي سلكه قمبيز من قبل وعمرو بن العاص من بعدُ، واستسلم مازاكيس - الوالي الفارسي - للإسكندر دون مقاومة سنة (332 ق.م).
أنشأ الإسكندر مدينة الإسكندرية، ثم سار غربًا حتى سيوة وعاد إلى منف، ثم غادر مصر عام (331 ق. م) ليواصل فتوحاته، ولكنه توفي بالملاريا في 13 يونية عام (323 ق.م) وهو في الثالثة والثلاثين من عمره.
وبعد وفاته تمزقت إمبراطوريته، واقتسمها قادته من بعده، فكانت مصر من نصيب بطليموس بن لاجوس، وبدأ حكم البطالمة لمصر سنة (306 ق.م)، وتتابع حكامهم حتى هزيمة القائد الروماني أنطونيوس في معركة أكتيوم البحرية سنة (31 ق.م) على يد القائد الروماني المنافس "أوكتافيوس"، الذى عُرِفَ بعد ذلك بالملك "أغسطس".
وهكذا انتهت الفترة البطلمية التي عانى خلالها المصريون من التمايز الطبقي والمظالم المادية، وفساد الإدارة، حتى تفككت الدولة، وضَعُفَ الجيش والأسطول، وبدأ الحكم الروماني لمصر عام (30 ق.م) واستمر قرابة سبعة قرون، فكان أطول وأسوأ فترات تاريخها.
الأحوال الاقتصادية
لقد أبقى الرومان في مصر حامية رومانية من ثلاثين ألفًا، عبارة عن ثلاث فرق، وقوات مساعدة، أخضعت البلاد وأخمدت ثوراتها، وأحالتها إلى مزرعة تمد الإمبراطورية الرومانية بالمال والغلال، لا سيما القمح، حتى إن الإمبراطور تيبريوس عَنَّفَ حاكمًا أرسل إليه حاصل الضرائب زائدًا عن النصاب السنوي وقال له: "إنه إنما وَلِيَ على مصر ليجزَّ وبرها لا ليسلخ جلدها"!
ولا خلاف في أن روما كانت تنظر إلى مصر على أنها بقرة حلوب دأبت على استنزاف لبنها، فلم يكن كل قياصرة روما مثل تيبريوس، ومع ذلك كان من رأيه أن يجز وبرها، وأصبحت مصر مستعمرة بمعنى الكلمة، وعاملت روما شعب مصر على أنه شعب مغلوب مقهور، ومنحت اليونانيين واليهود امتيازات خاصة في مصر، وحظر على المصريين حمل السلاح وصارت حيازته عقوبتها الإعدام، واتسم الحكم الروماني بفداحة الضرائب والعسف في الجباية، وعاش المصريون قرونًا ضنكًا، حتى خربت البلاد اقتصاديًّا واجتماعيًّا.
وقد كتب المؤرخ اليهودي فيلون philon فقال: إن جباة الضرائب كانوا يستولون على جثة العاجزين عن سداد الضرائب حتى يُكرِهوا ذوي قرباه على دفع الضرائب المتأخرة عليه؛ استنقاذًا لجثته، كما ذكر أن الزوجات والأطفال وغيرهم من الأقرباء كانوا يحشرون إلى السجون، ويُصَبُّ عليهم التعذيب حتى يصل الرومان إلى المفلس الهارب، فكان يحدث أن يهرب الأهالي من مدن برمتها!
وكانت جباية الضرائب تُطْرَحُ في مزاد عام يرسو على من يلتزم بتوريد أكثر، ثم تطلق أيديهم في تحصيل ما يشاءون بأبشع الوسائل، حتى تناقص عدد السكان، وظهرت المسئولية الجماعية بِمُضيِّ الزمن، فإذا اختفي أحد دافعي الضرائب وقعت مسئولية سدادها على زملائه، ووقع واجب فلاحة أرضه على الآخرين، وبلغ الحال أن امتنع الملتزمون عن التقدم لهذا العمل، فكانت السلطة تُكرههم على ذلك، وصار أولئك الذين كان من واجبهم ترشيح هؤلاء ضامنين مسئولين عما ينشأ من عجز!!
وهكذا عاشت مصر اقتصاديًّا، وهذه كانت صورتها لمدة سبعة قرون منذ انتحار كليوباترا عام (30 ق.م) حتى أنقذها الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص (640 - 642م).
وقد كان من الطبيعي أن تحدث ثورات على هذا الوضع، فقد نشبت ثورة في طيبة بعد بضعة شهور من الغزو الروماني، ونكَّل الثوار بجباة الضرائب الرومان، وزحف إليهم الحاكم الروماني جالوس من الإسكندرية حتى أسوان وما وراء الشلال الأول، فأخمد الثورة ونكَّل بالثائرين، وتكررت الثورات في الصعيد، وفي شمال شرق الدلتا وكان الرومان يخمدونها.
ويبدو أن الأمر كان صعبًا على الرومان في بعض الأحيان، فعقدوا صلحًا مع النوبيين، أعفوهم فيه من دفع الجزية، وأقام الرومان حصونًا في النوبة: في الدكة وكلابشة وقرطاسة وأبريم؛ لتعينهم على أمرهم، كما جَدَّدَ الإمبراطور تراجان (98 - 117م) بناء حصن بابليون ليكون المقر الرئيسي للحامية الرومانية في داخل البلاد.
وقد اتخذ الرومان مصر شاة حلوبًا يريدون أن يستنزفوا مواردها ويمتصوا دمها، يقول ألفرد: "إن الروم كانوا يجبون من مصر جزية على النفوس وضرائب أخرى كثيرة العدد... مما لا شك فيه أن ضرائب الروم كانت فوق الطاقة، وكانت تجري بين الناس على غير عدل". ويقول مؤلفو (تاريخ العالم للمؤرخين): "إن مصر كانت تضيف إلى مالية الدولة البيزنطية مجموعًا كبيرًا من حاصلها ومنتجاتها، وكانت طبقات الفلاحة المصرية - مع حرمانها من كل قوة سياسية ومن كل نفوذ -مرغمةً على أداء الخراج للدولة الرومية، كَكِرَاء الأرض فضلاً عن الضرائب، وكانت ثروة مصر في هذا العهد إلى الانتقاص والانحطاط".
الأحوال الدينية
/705_image003.jpg[/img]تسربت المسيحية إلى مصر في وقت مبكر، وأخذت في الانتشار تدريجيًّا في أنحاء مصر منذ القرن الثاني الميلادي، فألفَى الناس فيها زادًا روحيًّا، يستمدون منه القوة والقدرة على مقاومة ظلم أباطرة الرومان.
ولا شك أن الأهمية المتزايدة لإقليم مصر هي التي دفعت الإمبراطورية للوقوف في وجه المسيحية، فلعلها - إلى جانب مخالفتها لدين الدولة الرسمي - تدفع الناس لمقاومة الظلم، فما كان من الحكام بها إلا أن زادوا من حجم الاضطهادات في القرن الثالث الميلادي، وبالتحديد في منتصفه، حين قام ديكيوس الروماني بمحاولة إبادة المسيحيين على مستوى الإمبراطورية كلها بما فيها مصر، مما أدى إلى نوع من الانقسام بين المصريين، ما بين متحمل للاضطهاد وثابت على الحق مهما كلفه ذلك، وما بين متظاهر بالوثنية؛ نجاة بنفسه من الموت المحقق!!
وقد بلغت المظالم وحركة الاضطهاد ذروتها في عهد دقلديانوس (284 - 305م) الذي تَأَبَّى المسيحيون عليه، ورفضوا تقديم القرابين لآلهته، فما كان منه إلا أن مَثَّل بهم، وارتكب في حقهم أفظع الجرائم حتى لقد أطلق على عصره "عصر الشهداء"؛ بسبب آلاف الأرواح التي أزهقت من قبط مصر بسبب اعتناقهم المسيحية، وتمسكه بفتنتهم عن دينهم. وما زالت الكنيسة القبطية حتى الآن تستخدم تقويمها القبطي بدءًا بسنة (284م)، التي اعتلى فيها عرش الإمبراطورية، رغم أن اضطهاده الفعلي بدأ قرب
أواخر حكمه سنة (299م).
ويذكر المقريزي أن دقلديانوس هذا كان من غير بيت الملك، فلما ملك تجبر، وامتد ملكه إلى مدائن الأكاسرة ومدينة بابل، واستخلف ابنه على مملكة روما، واتخذ تخت ملكه بمدينة أنطاكية، وجعل لنفسه بلاد الشام ومصر إلى أقصى المغرب، فلما كان في السنة التاسعة عشرة من ملكه -وقيل الثانية عشرة– خالف عليه أهل مصر والإسكندرية، فبعث إليهم، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وأوقع بالنصارى؛ فاستباح دماءهم، وغلَّق كنائسهم، وحمل الناس على عبادة الأصنام، وبالغ في الإسراف في قتل النصارى.
وقد أقام ملكًا إحدى وعشرين سنة، وهلك بعد علل صعبة؛ دَوَّدَ منها بدنه وسقطت أسنانه، وهو آخر مَن عَبَدَ الأصنام من ملوك الروم، وكل من ملك بعده فإنما كان على دين النصرانية، ويقال: إن رجلاً ثار بمصر يقال له "أجلة" وخرج عن طاعة الروم، فسار إليه دقلديانوس وحاصر الإسكندرية -دار الملك يومئذ- ثمانية أشهر، حتى أخذ "أجلة" وقتله، وعَمَّ أرض مصر كلها بالسبي والقتل.
وشأن جميع أفراد هذا النوع من أساطين الاستبداد في تاريخ العالم، من أمثال: فرعون موسى، ونمروذ إبراهيم، وستالين، وهتلر وغيرهم، نجد بكل أسًى من يلتمس لهم المعاذير!!

فتراهم يقولون: إن دقلديانوس كان يرغب في توحيد الإمبراطورية، وكان الولاء العام لدين الدولة الرسمي هو الرباط الذى يربط أجزاءها، ولكن المسيحيين رفضوا هذه المشاركة في الوثنية، وكان طبيعيًّا –هكذا!- أن يُدمجوا أو يستأصلوا، ومع ذلك فيبدو واضحًا أن الاضطهاد الأكبر لم يحدث بناء على رغبة دقلديانوس، وإنما أمر به وهو كاره له أشد الكراهية، وتحت ضغط شديد من القيصر جاليريوس. الاعتذار المرفوض نفسه الذي يتعلق به كل مستبد تافه، تورط في مثل هذه الهمجية من وحوش التعذيب في جميع العصور.
وبالرغم من ذلك يقول "هـ آيدرس بل": إنه لمن الخطأ أن نعتقد أن الاضطهاد كان حملة متصلة، وأن الحكومة الرومانية اضطهدت المسيحيين بسبب عقائدهم الدينية بالذات، فقد كانت متسامحة كل التسامح في المسائل الدينية، ولم تحاول أن تستأصل شأفة أي عبادة جديدة إلا بحجة منافاتها للمبادئ الأخلاقية، أو تعارضها مع السياسة العامة، وكان المسيحيون في نظر السلطات مواطنين أشرارًا، وعنصرًا خطرًا في المجتمع؛ لأنهم كانوا يترفعون عن ممارسة شعائر الديانة الرسمية، ولا يقدسون صور الأباطرة، غير أنه كان هناك دائمًا بين الوثنيين من كان مستعدًّا للتستر على أصدقائهم المسيحيين، كما كان حكام الولايات يحجمون أشد الإحجام في معظم الأحيان عن تطبيق قانون العقوبات عليهم، ولم يكن الاضطهاد عامًّا إلا عند حدوث كارثة قومية أو هياج شعبي، وكما قال ترتو ليانوس: فإذا فاض نهر التيبر على الجسور، أو غاض ماء النيل فلم يبلغ الحقول، أو أمسكت السماء عن المطر، أو زلزلت الأرض، أو حدثت مجاعة أو انتشر وباء تعالت الصيحات على الفور: "اقذفوا بالمسيحيين إلى الأسود". وفي تلك الأوقات كان بين الناس من يعوزهم الجَلَد، وكان كثير منهم يصمدون للمحنة.
وللاقتناع بصورة الاضطهاد الذي طال مداه وتجاوب من كانوا ينفذونه أو عدم تجاوبهم، نستطيع أن نرى صورة واضحة ومجسمة لذلك إذا نظرنا إلى الاضطهادات المعاصرة، وهي تكاد لا تختلف، وقد صدر في الموضوع عديد من الكتب التفصيلية على أية حال.
بعد ذلك بعشر سنوات اتخذ الإمبراطور قسطنطين بيزنطة عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية، وسميت القسطنطينية، وأعلن اعتناقه المسيحية عام (324م). يقول هـ أيدرس بل: "في وسعنا أن نشعر أن اعتناق الإمبراطور المسيحية لم يكن خيرًا كله، فلم يعد اعتناق هذا الدين يعني مجرد الأمان، وإنما أصبح بدعة العصر، وأسرع كثير من منتهزي الفرص إلى اعتناق الدين الجديد".
ولقد كانت مصر في عام (300م) بلدًا وثنيًّا في جوهره، رغم وجود عدد كبير من المسيحيين، ولكنه في عام (330م) صار بلدًا يدين معظم أهله بالمسيحية. وفي هذا يقول هـ .آيدرس بل: "... ولا شكَّ أن بعض هذا الانقلاب كان يرجع إلى توقف الاضطهاد لا إلى استمراره، فقد حدث في 30 ابريل (311م) أن أصدر جاليريوس - وكان يعاني مرضًا كريهًا - قرارًا بوقف الاضطهاد، ملتمسًا من المسيحيين أن يُصلُّوا من أجله، ولقد استجابوا له ولكن دون جدوى، إذ قضى نحبه بعد ذلك بأيام قلائل".
اضطهاد المسيحيين قبل الانحسار الروماني والبيزنطي:
تطفح المصادر التاريخية التي تتعرض لهذه الفترة (ما بين ظهور المسيحية حتى انحسار الوجود الروماني والبيزنطي عن منطقة الشرق الأوسط) في مرارة بالأخبار الكثيرة عن هذا الاضطهاد؛ يقول المؤرخ القبطي زكي شنودة: "حين جلس مكسيميانوس على العرش سنة 235م اضطهد المسيحيين اضطهادًا شديدًا وخاصة في مصر، فاستشهد كثيرون في عهده، واضطر كثيرون إلى الفرار من وجهه، ومنهم البابا ياروكلاس بطريرك الإسكندرية".
وعن عهد ديسيوس الذى جلس على العرش سنة 249م، يقول القديس ديونيسيوس: "إن الخوف عَمَّ الجميع، وقد فُصِلَ المسيحيون جميعًا من خدمة الحكومة مهما كانت كفاءتهم أو مقدرتهم في عملهم، وكان الوثنيون يَشُون بالمسيحيين ويرشدون عنهم، فيُؤتى بهم في الحال ويطلب إليهم تقديم الذبائح للأوثان، ومن أولئك الأتقياء رجل اسمه يوليانوس كان مُقعَدًا؛ فحمله رجلان إلى دار الحكم وطلبا إليه أن ينكر إيمانه فرفض، وعندئذٍ حملوه على جمل وطافوا به في شوارع الإسكندرية وهم يجلدونه بالسياط، ثم أخيرًا طرحوه في لهيب النار فظل يحترق حتى مات".
وينقل لنا المقريزي في كتابه القيم "المواعظ والاعتبار" صورًا من المعاناة التي عاشها قبط مصر أثناء حكم بعض قياصرة الروم فيقول: "وفي أيام الملك أنديانوس قيصر أصاب النصارى منه بلاء كثير، وقتل منهم جماعة كثيرة، واستعبد باقيهم، فنزل بهم بلاء لا يوصف في العبودية حتى رحمهم الوزراء وأكابر الروم وشفعوا فيهم، فمَنَّ عليهم قيصر وأعتقهم.
واشتد الأمر على النصارى في أيام الملك أريدويانوس وقتل منهم خلائق لا يُحصَى عددهم، وقدم مصر فأفنى من بها من النصارى، وخرَّب ما بُنِيَ في مدينة القدس من كنيسة النصارى، ومنعهم من التردد إليها فلم يتجاسر نصراني أن يدنو من القدس، واشتد الملك أوليانوس قيصر على النصارى، وقتل منهم خلقًا كثيرًا.
وأثار الملك سوريانوس قيصر على النصارى بلاءً كبيرًا في جميع مملكته، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وقدم مصر وقتل جميع من فيها من النصارى، وهدم كنائسهم وبنى بالإسكندرية هيكلاً لأصنامه.
ولقي النصارى من الملك مكسيموس قيصر شدة عظيمة وقتل منهم خلقًا كثيرًا، كما لقي النصارى من الملك داقيوس قيصر شدة؛ فإنه أمرهم أن يسجدوا لأصنامه، فأبوا من السجود لها فقتلهم أبرح قتلة.
واشتد الأمر على النصارى في أيام الملك طيباريوس قيصر، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، فلما كانت أيام دقلديانوس قيصر خالف عليه أهل مصر والإسكندرية فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وكتب بغلق كنائس النصارى، وأمر بعبادة الأصنام، وقتل من امتنع منها، فارتد خلائق كثيرة جدًّا.
وفي عهد دقلديانوس قتل بطرك الإسكندرية بطرس بالسيف ومعه امرأته وابنتاه لامتناعهم من السجود للأصنام، وبدقلديانوس هذا يؤرخ قبط مصر إلى يومنا هذا. ثم قام بعده مكسيمانوس قيصر فاشتد على النصارى وقتل منهم خلقًا كثيرًا، حتى كانت القتلى منهم تحمل على العجل (العربات) وترمى في البحر.
ولم تلبث المسيحية أن لقيت قبولاً في عهد الإمبراطور قسطنطين الأول (323 – 337م) لا سيما بعد أن اعترف بها دينًا مسموحًا به ضمن الديانات الأخرى في الدولة الرومانية بموجب مرسوم ميلان الشهير في عام 343م، ثم أصبحت الدين الرسمي الوحيد للدولة في عهد الإمبراطور تيودوسيوس الأول (379 - 395م) الذي أصدر مرسومًا بذلك عام 380م، كما أصدر مرسومين في عامي 392 و 394م حرم بموجبها العبادات الوثنية".
النزاع والصراع بين المسيحيين حول طبيعة المسيح:
لم تنعم مصر المسيحية طويلاً بهذا النصر الذي أحرزه الدين المسيحي إذ ثار الجدل والنزاع منذ أيام قسطنطين الأول بين النصارى حول صفات المسيح، وقد تدخل قسطنطين الأول في هذه النزاعات الدينية البحتة، وعقد مجمع نيقية في عام 325م من أجل ذلك، وناقش هذا المجمع مذهب أريوس الإسكندري الذي أنكر صفة الشبه بين الأب والابن، وعَدَّ أن ابن الله ليس إلا مخلوقًا فأنكر بذلك ألوهية المسيح، وتقرر بطلان مذهبه، والإعلان عن أن الابن من جوهر الأب نفسه، واتخذ معظم الأباطرة الذين جاءوا بعد قسطنطين الأول موقفًا عدائيًّا من معتقدات النصارى في مصر؛ مما أدى إلى احتدام الجدل والنزاع الديني بين كنيستي الإسكندرية والقسطنطينية.
وقد بلغ أقصاه في منتصف القرن الخامس الميلادي، حينما اختلفت الكنيستان حول طبيعة المسيح، فاعتقدت الكنيسة المصرية بأن للمسيح طبيعة إلهية واحدة – مونوفيزيت - وتبنَّت كنيسة القسطنطينية القول بثنائية الطبيعة المحددة في مجمع خلقيدونية، ورأت أن في المسيح طبيعة بشرية وطبيعة إلهية، وهو المذهب الرسمي للإمبراطور البيزنطي. وقد عقد الإمبراطور مرقيان (4550 - 457م) مجمعًا دينيًّا في خلقيدونية في عام 451م من أجل وضع حد لهذا النزاع، تقرر فيه تحديد العقيدة الدينية المتعلقة بطبيعتي المسيح، وأنكر المجتمعون نحلة المونوفيزيتيين، وكفَّروا من قال بأن للمسيح طبيعة واحدة، وعَدُّوهم خارجين عن الدين الصحيح، كما تقرر حرمان ديسقوروس بطريرك الإسكندرية من الكنيسة.
والواضح أن ما أحرزته كنيسة القسطنطينية من انتصار على كنيسة الإسكندرية إنما يدل على أن دعوى الكنيسة الأولى بأن لها الصدارة بين الكنائس الشرقية ومساواتها بالكنيسة الغربية في روما قد أضحى واقعًا، واتخذت القضية في مصر شكلاً قوميًّا؛ إذ لم يقبل ديسقوروس ولا نصارى مصر ما أقره مجمع خلقيدونية، وأطلقوا على أنفسهم اسم الأرثوذكس أي أتباع الديانة الصحيحة، وعُرِفَتِ الكنيسة اليعقوبية نسبة إلى يعقوب البرادعي أسقف الرها المونوفيزيتي الذي زار مصر في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ونظم كنيستها. أما أتباع كنيسة القسطنطينية فقد عُرِفُوا بعد الفتوحات الإسلامية باسم الملكانيين لاتباعهم مذهب الإمبراطور.
أضحى هذا النزاع بين الكنيستين مشكلة أقلقت المسئولين البيزنطيين، إذ إن المونوفيزيتية ليست إلا تعبيرًا عما بمصر وبلاد الشام من ميول انفصالية، وكانت الأداة التي اتخذها النصارى في هذه الجهات لمناهضة الحكم البيزنطي، فألغت كنيسة الإسكندرية استخدام اللغة اليونانية في طقوسها وشعائرها، واستخدمت بدلاً منها اللغة المصرية القبطية.
وما حدث من القلاقل الدينية في الإسكندرية وبيت المقدس وأنطاكية، وتَعَرُّض السكان في مصر لأشد أنواع الاضطهاد، وحرمان ديسقوروس وطرده من الكنيسة بسبب ما جرى من محاولة تنفيذ قرارات مجمع خلقيدونية بالقوة، إنما اتخذ صفة الثورات الوطنية العنيفة، ولم تقمعها السلطات إلا بعد أن أراقت دماء كثيرة.
وعندما استولى هرقل على الحكم، رأى أن ينقذ البلاد من الخلاف الديني، وأَمَّلَ المصريون بانتهاء عهود الاضطهادات وإراقة الدماء، ومن خلال البطريرك سرجيوس، الذي أدرك خطورة الموقف، لم يَأْلُ جهدًا في أن يعيد للكنيسة الهدوء والسكينة؛ ذلك أنه اعتقد بقدرته على التوفيق بين المذهبين الخلقيدوني والمونوفيزتي، فتبنى مذهب الفعل الواحد في المسيح، وهي وحدة تعرب عن وحدة الأقنوم (الشخص) لا عن وحدة الطبيعة، وأسند الرئاسة الدينية والسياسية في مصر للمقوقس أسقف فاسيس في بلاد القوقاز، وطلب منه أن يحمل أهل مصر على اعتناق المذهب الموحد، غير أنه لم يدرك أن مذهبه هذا قد ترفضه كنيسة مصر، وهذا ما حصل.
اضْطُرَّ المقوقس للضغط على المصريين وخَيَّرَهم بين أمرين: إما الدخول في مذهب هرقل الجديد، وإما الاضطهاد. وقبل أن يصل الحاكم الجديد إلى الإسكندرية في عام 631م هرب البطريرك القبطي بنيامين؛ توقعًا لما سيحل به وبطائفته من الاضطهاد من جرَّاء فرض المذهب الجديد.
كان هذا القرار نذيرًا أزعج الأقباط، وأفزع أهل الدين منهم، وخاصة أنه كان لهذا البطريرك مكانة محببة بين الأقباط في مصر، ولجأ المقوقس إلى البطش والتعذيب، وقاسى الأقباط جميع أنواع الشدائد فيما سُمِّيَ (الاضطهاد الأعظم) الذي استمر عشر سنوات، مما كان له أثر في سهولة فتح المسلمين لمصر. [راجع في ذلك د/ طقوش: تاريخ الخلفاء الراشدين]
ويمكن حصر الخلاف المذهبي في هذين الاتجاهين:
1- اتجاه يمثله الملكانيون (حزب الإمبراطورية البيزنطية): شعارهم ازدواج طبيعة واحدة؛ فالألوهية طبيعة وحدها، والناسوت طبيعة وحده، ويلعن أصحاب هذا المذهب ويضطهدون كل من خالفهم الرأي.
2- اليعاقبة: وهم معظم أهل مصر من القبط، ويقولون بأن للمسيح طبيعة واحدة هي الألوهية، وفيها تكونت طبيعته البشرية، مثل: قطرة الخل تقع في بحر عميق لا قرار له، وكلا الفريقين كافر بالله، ضال عن الحق.
واحتدم الصراع بين أنصار مذهب اليعاقبة السائد في كثير من بلاد الإمبراطورية البيزنطية، وبين الإمبراطورية نفسها ذات المذهب المخالف، فعاقبت الإمبراطورية المخالفين لمذهبها كما أشرنا من قبل.
الأحوال السياسية
كانت مصر ولاية رومانية تابعة مباشرة لروما منذ عام 31 ق.م، حين استولى الرومان عليها وقضوا على حكم البطالسة فيها، واتخذها الإمبراطور أغسطس قيصر مخزنًا يمد روما بحاجتها من الغلال.
اتصف الحكم الروماني لمصر بالتعسف، فقد برع الرومان في ابتكار الوسائل التي تتيح لهم استغلال موارد البلاد، ففرضوا على المصريين نظمًا ضريبية متعسفة شملت الأشخاص والأشياء والصناعات والماشية والأراضي، فضاق المصريون بها ذَرْعًا، وقاموا بعدة ثورات ضد الحكم الروماني، لعل أشهرها تلك التي قامت في عهد الإمبراطور ماركوس أورليوس (161 – 180م)، وتعرف بحرب الزراع أو الحرب البوكولية، ولكن الرومان كانوا يقضون على هذه الثورات في كل مرة.
ظلت مصر تحت الحكم الروماني ما يزيد عن ستة قرون، وفي عام 395م انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: شرقي وغربي، وعلى الرغم من استمرار فكرة الإمبراطورية، فقد حكم إمبراطوران معًا، واحد في الشرق وآخر في الغرب، وفي عام 476م سقط القسم الغربي في أيدي البرابرة الجرمان، في حين نجا القسم الشرقي الذي عُرِفَ بالإمبراطورية البيزنطية، وعاصمته القسطنطينية.
وكان شمالي إفريقية - ومن ضمنه مصر - تابع لهذه الإمبراطورية من خلال ما كان يعرف بأرخونية إفريقية، إلا أنها بظروفها السياسية والدينية تُعَدُّ امتدادًا طبيعيًّا لبلاد الشام مع بعض الاختلاف في المدى الذي ترتبط به بالحكم المركزي في القسطنطينية؛ فقد وحدت بينهما العقيدة النصرانية، ولكن وفقًا لمفهوم لا يتفق كثيرًا مع المذهب الإمبراطوري الملكاني.
ومن ناحية أخرى، كان الحكم البيزنطي مباشرًا ومستبدًّا، يدار بواسطة حاكم يعينه الإمبراطور، لكن الحضور السياسي كان ضعيفًا، مما أدى إلى انعدام التوازن في العلاقة بين الحكم المركزي والشعب المصري، وكان المظهر الوحيد للسيادة المركزية والإدارية التي تُؤَمِّنُ مصالح الدولة الحاكمة، هو وجود مراكز عسكرية في المدن الكبرى، وبعض الحاميات المنتشرة في الداخل.
وكانت مصر بوصفها مرتبطة مباشرة بالحكم المركزي تتأثر بما كان يحدث في البلاط البيزنطي من صراعات ومؤامرات من أجل السلطة؛ فَتَعَرَّضَ المصريون لأشد أنواع المضايقات في عهد الإمبراطور فوقاس (602 -610م)، فما اشتُهِرَ به عهدُه من المؤامرات والاغتيالات، إنما حدد الإطار الخارجي الذي جرى في نطاقه من العوامل ما أَدَّى إلى انتشار الفوضى والتفكك البطيء في الحكومة والمجتمع، وقد تأثرت مصر بذلك، فامتلأت أرض الصعيد بعصابات اللصوص وقطاع الطرق، وغزاها البدو وأهل النوبة، واضطربت أوضاع مصر السفلى أيضًا وأضحت ميدانًا للشغب والفتن والثورات بين الطوائف، أوشكت أن تكون حربًا أهلية. وانصرف الحكام إلى جمع المال لخزينة الإمبراطورية، بِغَضِّ النظر عن مشروعية الوسائل أو عدم مشروعيتها، فاضطرمت مصر بنار الثورة.
وتعرضت الإمبراطورية في هذه الأثناء إلى كارثة خطيرة، إذ هُزِمَتْ عسكريًّا في البلقان وآسيا الصغرى وبلاد الشام، واجتاحتها الجيوش الفارسية، ثم شرع الفرس يغزون مصر.
كسرى أبرويز
وفي أيام فوقا (فوكاس) (602 - 610م) ملك الروم، بعث كسرى أبرويز ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشام ومصر، فخربوا كنائس القدس وفلسطين وعامة بلاد الشام، وقتلوا النصارى بأجمعهم، وأتوا إلى مصر في طلبهم فقتلوا منهم أمة كبيرة، وسبوا منهم سبيًا لا يدخل تحت حصر، وساعدهم اليهود في محاربة النصارى وتخريب كنائسهم.
وفي أيام "فوكاس" أُقِيمَ يوحنا الرحوم بطرك الإسكندرية فدبَّر أرض مصر كلها عشر سنين، ومات بقبرص وهو فَارٌّ من الفرس، فخلا كرسي الإسكندرية من البطركية سبع سنين لخلو أرض مصر والشام من الروم، واختفى من بقي بها من النصارى خوفًا من الفرس. وكان غزو الفرس للإسكندرية عام 617م، وتم لهم إخضاع مصر عام 618م، وبلغوا أقاصي الصعيد حتى أسوان، وبقي سلطانهم في مصر حوالي عشر سنوات.
وعندما ملك هرقل (610 - 641م) الروم بالقسطنطينية تغلب على الفرس وغزا عاصمتهم المدائن، وأجبرهم على الانسحاب من جميع الأراضي التي استولوا عليها من آسيا الصغرى وبلاد الشام، وخرجوا من مصر عام 627م ، وهكذا عاد الروم إلى مصر في عهد هرقل.
والحقيقة أن تغلب الروم على الفرس كان أمرًا متوقعًا ولا يدعو إلى الدهشة بالنسبة للمسلمين، لماذا؟ لأن الله تعالى قد أخبر بذلك في كتابه الكريم؛ ففي أوائل الفترة المكية نزل القرآن الكريم بمقدمات سورة الروم وفيها: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم:1–4]، وكان هذا إخبارًا بما حدث من هزيمة الروم، وبما سيحدث من انتصارهم لاحقًا على الفرس.
وقد ذهب أبو بكر الصديق يذكر ذلك للمشركين يغيظهم به، وقد كان المسلمون يفرحون لنصر الروم لأنهم أهل كتاب، بينما يفرح المشركون لنصر الفرس لأنهم وثنيون مثلهم، فقال أبو بكر الصديق : لَيَظْهَرَنَّ الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا. فصاح به أُبيّ بن خلف قائلاً: كذبت يا أبا فضيل. فقال الصديق: أنت أكذب يا عدو الله. فقالوا: هل لك أن نقامرك؟ وذلك قبل تحريم المراهنة والمقامرة، فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين ومشت السبع سنين ولم يكن شيء؛ ففرح المشركون بذلك فشَقَّ على المسلمين، فذُكِرَ ذلك للنبي فقال: "ما بضع سنين عندكم؟". فقالوا: دون العشر. قال: "اذهب فزايدهم سنتين في الأجل". قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على الفرس.
الروم مرة أخرى:
خرج الفرس من مصر عام 627م، وعاد إليها الروم البيزنطيون، وفي عام 631م أرسل هرقل الأسقف سيروس Cyrus بطركًا للإسكندرية، وهو الذي ذكره المقريزي باسم "فيرس" وذكره غيره باسم "قيرس" وكان ملكاني المذهب، وإلى جوار أنه كان أسقفًا فقد كان نائبًا عن هرقل في حكم مصر، وكانت الإسكندرية ما زالت هي عاصمة البلاد.
وصل "قيرس" إلى الإسكندرية، وبدأ اضطهاده للقبط ليحملهم على اتباع المذهب الملكاني الحكومي، فكان عليهم أن يختاروا بين مذهب خلقيدونية بنصه أو الجلد أو الموت، وبلغ السيل الزبي بقبط مصر، فلئن كان حكم الفرس مما لم يرغبوا فيه لِمَا كان معه من ظلم وجور، فإن حكم الرومان وبطشهم وعسفهم لم يكن مما يفرحون به ويحمدونه، فقد جاء "قيرس" ليحرمهم حرية العقيدة. وتتفق كلمة المؤرخين أن اضطهاد "قيرس" للقبط قد استمر عشر سنوات، بمعنى أنه استمر طول مدة ولايته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:32

أهمية الفتوحات الإسلامية
عالمية الدعوة الإسلامية وعمومية الرسالة

للمسلم في هذه الحياة مهمة جليلة وعظيمة وضحها الصحابي الجليل ربعي بن عامر في حواره مع رستم قائد الفرس، عندما سأله قائلاً: ما جاء بكم؟ فقال ربعي: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا منه حتى نفضي إلى موعود الله. فقال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أَبَى، والظفر لمن بقي. فإذا سُمِحَ لهم بتوصيل دعوة ربهم I فبها ونِعْمَتْ، وإن لم يسمح لهم بذلك قاتلوا من يمنعونهم من إيصال الدعوة.

والذي يجب أن نعلمه أن كل رسول مُطالَب بالبلاغ، ومن مصلحة الناس في الدنيا أن يصلهم البلاغ، فالناس لا يدركون أين المصلحة، مثل الطفل الذي لا يدري قيمة الدواء. والإسلام دين عالمي يجب تبليغه إلى الناس كافة، وقد ورد في كتاب الله تعالى آيات عديدة تدل على عموم الرسالة وعالمية الإسلام، منها:

1- {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص:87-88].

2- {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس:69-70].

3- {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1].

4- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28].

5- {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158].

6- {نَذِيرًا لِلْبَشَرِ} [المدثر:36].

7- {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:29-33].

فهذه الآيات توضح دون ريب أو شك عالمية الدعوة الإسلامية وعمومية الرسالة التي يجب تبليغها إلى الناس أجمعين بالحكمة والموعظة الحسنة {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل:125].

الجهاد

ركز الإسلام في نفوس أتباعه المؤمنين مبدأ العزة، وجعل شعورهم بها شعارًا: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون:8]. ولا بد لهذه العزة أن تبقى وتنتشر بين الشعوب المضطهدة المظلومة، والجهاد هو وسيلة بثها ونشرها، وجعل الإسلام لهذه العزة مؤيدات وضمانات هي:

1- ربط ضمير المؤمن بمثل أعلى هو الله؛ فلا يعرف المؤمن الخضوع إلا لربه، ولا يخشى أحدًا سواه.

2- جعل الإنسان يسمو على كل طبقية أو حسب أو نسب، أو مال أو جاه، أو لون أو جنس. وجعل العمل الصالح لخير الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة منشأَ كل تقدير أو شرف: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام:132].

3- مبدأ المساواة في الحقوق.

4- العدل المطلق قوام المجتمع والحكم، فلا تفاوت بسبب قرابة أو مودة أو عداء.

5- تحريم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض.

فالعزة لا تعني الاستعلاء أو البغي أو التسلط، ومع ذلك فهي عزة قائمة على القوة وجاعلة هدفها السلم في العلاقات الدولية: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال:61]. وما قوة العزة، وعزة القوة إلا للدفاع عن المبدأ والدعوة، وردع الاعتداء وظلم الظالم، فالعزة درع الرسالة وصون لها.

أهداف الجهاد:

لم يفرض اللهُ I الجهاد لإكراه الناس على الإسلام؛ فالإكراه لا يؤسس عقيدة: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256]؛ لذلك فإن الإسلام لا يقهر ولا يجبر أحدًا على دين يرفضه، وعلى ذلك فالحرية مكفولة في أحكام دستور الإسلام.

ولو صح قول بعضهم أن الإسلام سَلَّ سيفًا وفرض نفسه على الناس جبرًا، لما وجدنا شيئًا اسمه "الجزية" أو "ذميون"؛ فالجزية لغير المسلمين الذين لم يرضوا دخول الإسلام ولم يجبرهم الإسلام على اعتناقه، إنهم في حرية تامة، عقائدهم ومعابدهم محترمة، يطبقون أحكام دينهم فيما بينهم، وقد جاءت النصوص الصريحة تحرِّم إيذاءهم؛ فقد قال رسول الله : "مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ".

فالحُجة أن الجهاد وسيلة لنشر الدعوة الإسلامية:

- {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].

- {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور:54].

- {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية:21-22].

- {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق:45].

وأساس إعلان الجهاد:

1- إزالة عوائق الحرية العقلية، وحماية الشخصية الإنسانية من الانحدار في هوة من الإسفاف، وإتاحة المجال لإبراز خصائصها الخيِّرة، وتخليصها من شوائب الخرافة والوهم وعبادة المادة واستغلال المستضعفين؛ لتقرر كلمة الله في الأرض وتعلو.

2- رد الظلم والبغي والعدوان عن الدين والوطن والأهل والمال والولد: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39].

3- كفالة حرية الدين والاعتقاد.

4- تأمين طريق الدعوة لدين الله بأمر من الله، باعتبارها رسالة اجتماعية إصلاحية، ومنقذة شاملة، تنطوي على مبادئ الحق والخير، والعدل والمساواة والإخاء، وعبادة الله وحده.

5- نصرة المظلومين المضطهدين من الشعوب: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:72].

آداب الجهاد:

للحروب عند المسلمين آدابٌ لخصها الخليفة الأول أبو بكر الصديق في عشر خصال، جاءت في خطبته التي وَدَّعَ بها جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وفيها يقول: "يا أيها الناس، قفوا أُوصِكُم بعشر فاحفظوها عني:

1- لا تخونوا ولا تغلُّوا.

2- ولا تغدروا ولا تمثلوا.

3- ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا.

4- ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة.

5- ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه.

6- ولا تقطعوا شجرة مثمرة.

7- ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة.

8- وسوف تمرون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فَرَّغوا أنفسهم له.

9- وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام؛ فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليه.

10- وتلقون أقوامًا قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقًا. اندفعوا باسم الله".

ومن آداب الإسلام في الجهاد: عدم التمثيل بالقتيل، أو الإحراق بالنار، أو تجويع الأعداء، أو إرهاب الأسرى. ومن الآداب: ضرورة إعلان الحرب قبل البدء بالقتال؛ للابتعاد عن الخداع والخيانة، ولا تعلن الحرب إلا بعد استنفاد جميع وسائل النصح والدعوة، ثم عدم التفاخر بالنصر أو مُرَاءَاة الناس: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} [الأنفال: 47].

الفتوحات الإسلامية مطلب ديني أم دنيوي؟

من المؤكد أنه ليس في الفتوحات الإسلامية مطلب دنيوي على الإطلاق، بل على العكس، ينفق المسلمون أرواحهم وأموالهم ليصلوا بدعوة الله إلى الناس. والدليل على أنه لا مطلب دنيوي أنه إذا آمن قوم احتفظوا بكل ما يملكون.

بل انظر إلى جواب زهرة بن الحوية عندما عرض عليه رستم الذهب والكساء قبيل القادسية، قائلاً له: "انصرف وقومك ولكم منا جُعْل". فقال زهرة: "إنا لم نأتكم بطلب الدنيا، إنما طِلْبتُنا وهمتنا الآخرة". وانظر أيضًا إلى جواب المغيرة بن شعبة لرستم حين قال: "قد علمت أنه لم يحملكم على ما أنتم عليه إلا ضيق المعاش، وشدة الجهد، ونحن نعطيكم ما تشبعون به، ونصرفكم ببعض ما تحبون". فما كان من المغيرة إلا أن سَخِرَ منه ومن رأيه ومن ماله، حيث صاح به بألا مناص من واحدة من ثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو القتال.

فلو أراد الفاتحون مالاً دون نشر الدعوة والعقيدة، لرضوا بالمال دون دماء، ولحفظوا أرواحهم وعادوا بأموال تكفيهم بلا تعب ولا إرهاق، أو تيتيم أو ترمُّل. فمن ذا الذي يحمل رأسه على يده ويقاتل بها أقوى جيوش الدمار والفتك لينال من بذخ العيش؟!

وإذا نظرنا إلى التاريخ الإسلامي نجد أنه مملوء بقصص البطولات التي لا يمكن أن يسطرها إلا صاحب عقيدة مُثلَى رسخت في فكره وقلبه، وملأت حياته، ولا تصدر هذه البطولات إلا من إنسان صار كالمَلَك، وصار يعلم لماذا يبذل الروح، وماذا يطلب بها، وهيهات أن تجد في أمة من أمم الأرض مثل هذه البطولات {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].

ففي القادسية: خرج رجل فارسي من أهل فارس ينادي من يبارز؟ فبرز له علباء بن جحش العجلي، فضربه علباء فأصاب رئته، وضرب الفارسي علباء فأصاب أمعاءه، مات الفارسي من ساعته، أما علباء فخَّر على الأرض فلم يستطع القيام، فعالج إدخال أمعائه فلم يتأتَّ له، حتى مَرَّ به رجلٌ من المسلمين فقال: يا هذا، أعني على بطني؟ فأدخله له، فأخذ علباء جلد بطنه ثم زحف باتجاه عدوه من الفرس ما يلتفت إلى المسلمين، فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعًا من مصرعه إلى صف الفرس!!

وفي اليرموك: كم من منادٍ يصيح قائلاً: من يبايع على الموت؟! لا على الغنيمة، فتفكر.

وقال ورقة بن مهلهل التنوخي - وكان صاحب راية أبي عبيدة في اليرموك -: "كان من أوائل من افتتحوا الحرب غلامٌ من الأزد، وكان حدثا كَيِّسًا، قال لأبي عبيدة: أيها الأمير، إني أردت أن أشفي قلبي، وأجاهد عدوي وعدو الإسلام، وأبذل نفسي في سبيل الله تعالى لعلِّي أُرزَقُ الشهادة، فهل تأذن لي في ذلك؟ وإن كان لك حاجة إلى رسول الله فأخبرني بها"!!

هذا يمثل فتية الإسلام فكيف برجالاته ؟! إنهم يبتغون نشر دعوة أو شهادة.

وفي نهاوند "فتح الفتوح": لِنَرَ ماذا قال النعمان بن مقرن المزني قبل بدء المعركة، لقد قال: "اللهم أعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم. اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتحٍ يكون فيه عز الإسلام. أَمِّنوا يرحمكم الله"!!

والبطولات في هذا الميدان أعظم من أن تحصى، ومع كل ذلك فنحن لا نُكرِه أحدًا أبدًا على الإسلام، ومحال أن تجد في التاريخ حادثة واحدة تدل على ذلك، بينما تجد العكس في كثير من دول العالم في القديم والحديث: روسيا والصين، وقبل ذلك في محاكم التفتيش.

في كل فتوحات الإسلام ما دُنِّسَ إنجيلٌ ولا توراةٌ، وما سُبَّ نبيٌّ، بل نرفع كل الأنبياء فوق كل البشر {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة:285].

غير المسلمين في الدولة الإسلامية

على أن الذي يعيش على غير الإسلام في دولة إسلامية فإنها تحترم حقوقه تمام الاحترام، ولا يجوز ظلمه بأي حال من الأحوال، وأمثلة ذلك في التاريخ لا تحصى.

فمن حقهم الملكية، والعبادة الشخصية، وأَكْلُ ما يشتهون، وشُرْبُ ما يريدون، ومن حقهم العمل بالوظائف المختلفة، ولا يُظلَمون أبدًا، وقد قال رسول الله : "أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

أما بالنسبة للجزية فنجد أنها أقل بكثير مما كانوا يدفعونه من ضرائب، سواء للرومان أو للفرس أو غيرهما؛ فالجزية لا تُؤخَذُ على النساء، ولا الأطفال، ولا الشيوخ، ولا المرضى، ولا المعتكفين للعبادة، وإنما تؤخذ فقط من القادرين على القتال وحمل السلاح، وهي تؤخذ في مقابل الدفاع، وإذا عجز المسلمون عن الدفاع عنهم رُدَّتْ إليهم جزيتُهم، كما حدث مع أهل حمص، ولكن إذا قُورِن بين الجزية والزكاة نجد أن الأرخص له أن لا يظل كافرًا!!

والحقيقة أن الفارق عظيم وهائل بين المناهج السماوية والمناهج الأرضية، فهل سمعتم بشعوب كاملة تدخل في دين المحتل إلا مع الإسلام؟

فلماذا يحدث ذلك؟ والجواب ببساطة: لأن المنهج مقنعٌ، ولا يقارن بالمرة!

وتراهم يقولون: الحل العسكري حلٌّ رجعي.

والحقيقة أنه في كثيرٍ من الأحيان يكون الحل العسكري حلاًّ واقعيًّا، فكم نتمنى أن تسمح الدول بالدعوة دون مقاومة، ولكنهم لا يفعلون.

ثم إن ما فعلته كل الدول الاستعمارية في الدول المحتلة، أليس ذلك حلاًّ عسكريًّا، سواء في القديم أو الآن؟! أليس هناك دول إسلامية محتلة؟! أَحَلالٌ على الدول المحتلة أن تنشر إباحيتها بالقوة، ويحرم على المسلمين أن ينشروا فضيلتهم؟! {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:35

دوافع فتح مصر
لم يكن فتح مصر عشوائيًّا، وإنما كان ذلك بخطة محكمة ودراسة مسبقة، ويرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل؛ منها ما هو ديني أو عسكري أو سياسي أو اقتصادي أو غير ذلك.
1- الدافع الديني:
فتح مصريتمثل هذا الدافع في رغبة المسلمين في الاضطلاع بأعباء الدعوة الإسلامية العالمية، وضرورة أداء أمانة تبليغها إلى العالمين لإبراء الذمة أمام الله U، وقد سبق للمسلمين في عهد الرسول r دعوة المقوقس إلى الإسلام سلميًّا، فقد أرسل له النبي r الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة، وكذلك أبو بكر الصديق t أرسل إليه حاطبًا مرة أخرى، وفي عهد عمر بن الخطاب t أرسل إليه كعب بن عدي بن حنظلة التنوخي، فما كان من المقوقس إلا أن اكتفى بالرد الحسن.
ولما كانت مصر خاضعة للإمبراطورية البيزنطية كان من الضروري مواجهة جند هذه الإمبراطورية على أرض مصر؛ ذلك أنهم يحولون بين المصريين وبين الدخول في الإسلام.
لقد تطلع المسلمون إلى فتح مصر بعد ورودها في كثير من المواضع في القرآن الكريم عند التعرض لقصص الأنبياء الأولين، وتبشير النبي r صحابته بفتحها وتنويهه بجندها، وتوصيته بأهلها خيرًا، ومن أجل ذلك كله حرص المسلمون على فتحها.
2- الدافع العسكري:

كان هذا الفتح طبيعيًّا لأن مصر هي الامتداد الطبيعي الجنوبي لفلسطين، كما أن فتح ما فُتِحَ من مدن فلسطينية قد أجهد البيزنطيين، ولا بد من ضربة قاصمة لوجودهم في هذه الأماكن الجنوبية فكان ذلك.
ومن ناحية أخرى فإن "أرطبون" قائد بيت المقدس قد انسحب منها بنظام إلى مصر لإعادة المقاومة، ودفع المسلمين عن الشام ثانية، ولذلك استدعى الأمر مباغتة هؤلاء والإيقاع بهم قبل تزايد خطرهم واستعمال قوتهم.
كما أن الاستيلاء على ما في مصر من ثغور وسفن سوف يمكِّن المسلمين من إخضاع مدن الشام الشمالية الواقعة على البحر المتوسط، والتي كانت لا تزال تقاوم المسلمين، ففتح مصر ضرورة حربية ملحة تكميلاً لفتح بلاد الشام؛ لأن الإمبراطورية البيزنطية كانت تسيطر على الشام ومصر وبلاد المغرب، وتلك البلاد -عسكريًّا- تعد منطقة واحدة؛ إذ إن فتح جزء منها يستلزم فتح الأجزاء الأخرى نتيجة التعرض للصدام مع عدو واحد يحتلها.
وكذلك كان من الممكن عند إغفال فتح مصر مهاجمة البيزنطيين دار الخلافة عن طريق البحر الأحمر، فتهبط قواتهم إلى ميناء جدة أو الجار، وتتم مهاجمة الحجاز.
وكان من دواعي فتح مصر أيضًا أن البيزنطيين حاولوا استرداد الشام من المسلمين، وأرادوا عرقلة جهودهم للتوجه جنوبًا، وهاجموهم من شمال الشام، فشعر المسلمون أنهم محاصرون بين قوات بيزنطة في آسيا الصغرى وقواتهم في مصر.
أضف إلى ذلك أيضًا سهولة فتح مصر الذي لن يكلف العرب المسلمين سوى القليل من الأرواح والأموال؛ لقلة التحصينات بها.
كما أن معرفة عمرو بن العاص t لمصر ودرايته بها، وهو القائد المختار لفتح البلاد، وَفَّرَ على المسلمين كثيرًا من المعاناة والتكاليف. إضافة إلى أن أغلب الجند الذين اشتركوا في الفتح كانوا من العناصر اليمنية، وأغلبهم من قبيلتي غافق وعك على وجه الخصوص، وهؤلاء اليمانية مهروا في قتال الحصون الساحلية، واشتركوا مع عمرو في فتح الحصون ببلاد الشام، فهم أقدر الناس على فتح مصر ومعالجة شئونها العسكرية، كما كانوا على دراية ببناء المدن واختطاطها، والإلمام بالزراعة، فهم من هذه الناحية العسكرية أقدر الناس على تفهم أمور مصر ومعالجة شئونها.
3- الدافع السياسي الاقتصادي:

وهو يتعلق بما تَجَمَّع لدى المسلمين من معلومات عن أوضاع مصر السيئة في ظل حكم البيزنطيين، وما تَرَدَّتْ إليه أوضاعها الاقتصادية نتيجة المظالم المادية، والنهب المنظم لثروات البلاد لصالح الغرباء عنها.
ويُضَافُ إلى ذلك الصراع الديني المذهبي الذي أَجَّجَ العداوة والأحقاد بين عامة الشعب من القبط، وبين البيزنطيين.
أدرك المسلمون ذلك كله، وأدركوا معه غنى مصر وثراءها، وعلموا أن ضمها إلى بلدان الإسلام يضمن انتعاشًا في اقتصاد المسلمين، ويوفر لهم الأموال التي تساعد على مزيد من الفتوح، إضافة إلى أن مصر كانت مركزًا رئيسيًّا لتمويل بيزنطة بالقمح، ومع انهيار الجيش البيزنطي، وما حَلَّ بمصر من ضعف وانقسام كانت الفرصة مواتية للإقدام على فتح مصر.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:36

علاقة مصر بالدولة الإسلامية
جاء الفتح الإسلامي لمصر عام 640 - 642م، وهذا الفتح لم يكن على أي نسقٍ سابق أو لاحق، وبالرغم من أن الفتح الإسلامي قد محا كل أثر لأي غزو سابق، وبالرغم من أن أرض الكنانة مصر تعرضت لغزوات واحتلال بعد ذلك، فإن أيًا منها لم يستطع أن يغير شيئًا من نتائج الفتح الإسلامي على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

وعلى إثر هذا الفتح ظلت مصر عربية إسلامية إلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم الساعة بإذن الله، وكان دخول المسلمين مصر في أعقاب دول وحضارات سبقت، بدأت بالفرعونية ثم الرومانية فالقبطية والبيزنطية.

المقوقس:
لم تكن كلمه "المقوقس" اسما لرجل، إنما كانت لقبا أو اسما لوظيفة، فهي كلمة يونانية معناها المفخم أو المبجل، كما نقول اليوم: صاحب الجلالة أو السمو، أو عظمة السلطان أو فخامة الرئيس. وقد ظهر هذا اللفظ أول ما ظهر في تاريخنا في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس عظيم القبط، ثم عاد إلى الظهور مرة أخرى في أحداث فتح مصر.

ونذهب إلى أنه لم يكن مقوقسا واحدا، إنما كان هناك مقوقسان: أولهما الذي تلقى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان اسمه جورج، وكما قال عنه الرواة المسلمون: جريج بن قرقب الرومي، وكان هو الحاكم الرومي من قِبَلِ القسطنطينية، وكانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه إلى الإسلام، وبالرغم من أنه لم يسلم لكنه أجاب جوابا جميلا، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الهدايا.

أما المقوقس الثاني فقد ذكرته المصادر العربية باسم "فيرس"، وكتبها بعضهم "قيرس"، ونختار أن نكتبها كما تنطق وهي سيروس Cyrus وهو اسم مازال معروفا عند اليونانيين وغيرهم، وكان هو الحاكم الرومي من قبل هرقل على ولاية مصر، كما كان البطرك الملكاني لكنيسة الإسكندرية، فاجتمعت في يده السلطتان.

وبعض من كتب ذهب إلى أنه كان مصريا قبطيا، وبعضهم استند إلى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إليه التي استهلها بعبارة: «من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط»، ويبنون على ذلك أنه كان من القبط، ولكن في روايات واضحة أنه كان من الروم، وفى أوضاع كالتي كانت في مصر حينذاك كان عظيم القبط من الروم.

كانت الكنيسة قد انشقت إلى كنيستين: الكنيسة اليعقوبية في الإسكندرية، وتقول بأن للمسيح إرادة واحدة وطبيعة واحدة إلهية، والكنيسة البيزنطية، وتقول بأن للمسيح إرادة واحدة وطبيعتين. وأراد هرقل - كما أشرنا - التوفيق بين الكنيستين، وابتدع سرجيوس بطرك القسطنطينية بدعة جديدة بأن للمسيح إرادة واحدة وأن يمتنع الناس عن الخوض في طبيعته، وتبنى هرقل هذا المذهب، وقَبِلَه سيروس مطران فاسيس فى مستهل عام 631م فولاه هرقل بطركة الإسكندرية، كما أسند إليه حكم مصر وجمع خراجها.

ولكن بنيامين تزعم القبط في رفض هذا المذهب الملكاني، وراح المقوقس يحارب القبط ومذهبهم ويضطهدهم لإجبارهم على مذهبه، حتى صار اسمه مفزعا للقبط كريها لديهم، ويذكر مؤرخو القبط أنهم ولمدة عشر سنين كانوا يخيرون بين قبول مذهب خلقيدونية أو الجلْد أو الموت، حتى قال بتلر: " علينا أن نبين هنا بيانا لا شك فيه أنه لم يكن في ذلك الوقت شيء اسمه القبط في ميدان النضال، ولم تكن منهم طائفة لها يد فيه، بل كان القبط إذ ذاك بمنحاة عنه، قد أذلهم قيرس وأرغم أنوفهم".

وقد دبر فريق من الجايانية من القبط لقتل سيروس، ولكن أخبار المؤامرة نمت إلى علمه فقضى عليها، ولم يكن القبط وحدهم الذين عارضوا المقوقس سيروس، وإنما الملكانيون أيضا لم يعجبهم ذلك المذهب الوسط بين المذهبين، وتزعم معارضتهم صفرونيوس بطرك القدس.

ثم جاء المسلمون وفتحوا الفرما ثم بلبيس ثم هزموا الروم في عين شمس وحاصروا حصن بابليون وكان به المقوقس، ثم عبر إلى جزيرة (الروضة) في 6 يونيه 641م، وبعث إلى عمرو ليفاوضه، ومال المقوقس إلى الصلح ولكن من معه عارضوه، فرحل إلى الإسكندرية في النهر، واستاء منه هرقل فاستدعاه إلى القسطنطينية، ورفض الصلح وأسلمه إلى حاكم المدينة ليهينه ويشهر به ثم نفاه.

ومات هرقل وكانت زوجته مارتينا ذات نفوذ؛ وكان سيروس من حزبها فأعيد إلى الإسكندرية ومعه أمداد من جند الروم، وعاد إلى عسفه بالقبط، ثم قدم على عمرو في بابليون وأذعن له بأداء الجزية، واتفق معه على تسليم الإسكندرية بعد 11 شهرا!!

لم يذكر المقوقس أمر الصلح لأهل الإسكندرية حتى حل الموعد وتحرك المسلمون إليها، فأعلن الأمر وغضب الناس وتظاهروا عند قصره، وبرر ما عمل بأنه لصالحهم وحقن دمائهم ولعجز دولتهم، فقبلوا كلامه وجمعوا الجزية، وحملها سيروس إلى عمرو (ربما في أول المحرم 22 هـ - 642م).

وفي القسطنطينية زال أمر مارتينا وتم نفيها وإذلالها؛ فتكاثرت على سيروس الأحزان وقد زال أمره هو الآخر، وأصيب بالدوسنتاريا مع شيخوخته، فمات في 21 مارس، ولم يكن مقوقسا يوم مات لكنه كان مازال بطركا للكنيسة الملكانية بالإسكندرية، وبعد ثلاثة أشهر ألبسوا الشماس بطرس رداء البطركة في 14 يوليه(1).

العلاقة بين مصر والدولة الإسلامية قبل الفتح
لم تبدأ علاقة المسلمين بمصر بفتحها على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه، وإنما سبق ذلك مقدمات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما..

ففي شهر ذي الحجة من العام السادس حدث صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وقضت شروط الصلح بهدنة بين الطرفين مقدارها عشر سنوات، وما إن عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية إلى المدينة حتى بعث كتبه مع مبعوثه إلى الملوك من حوله يدعوهم إلى الإسلام.

فقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله، وأثنى عليه وتشهد ثم قال: «أما بعد، فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم، فلا تختلفوا عليَّ كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى بن مريم، وذلك أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى أن ابعث إلى ملوك الأرض فبعث الحواريين، فأما القريب مكانا فرضي، وأما البعيد مكانا فكره، وقال: لا أحسن كلام من تبعثني إليه، فقال عيسى: اللهم أمرت الحواربين بالذي أمرتني فاختلفوا عليَّ، فأوحى الله إليه أني سأكفيك، فأصبح كل إنسان منهم يتكلم بلسان الذي وُجِّهَ إليهم».

فقال المهاجرون: يا رسول الله، والله لا نختلف عليك أبدا في شيء، فمرنا وابعثنا، فبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وشجاع بن وهب الأسدي إلى كسرى، وبعث دحية بن خليفة إلى قيصر (هرقل)، وبعث عمرو بن العاص إلى ابني الجلندي أميري عمان(2).

مضى حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس، وأترك سيدنا حاطب رضي الله عنه يتحدث عن نفسه إذ يقول: "ثم توجهت أريد مصر ولم أزل إلى أن أتيتها، فلما وصلت إلى باب الملك، قالوا: من أين جئت؟ قلت: أنا رسول إلى ملككم، فقالوا: من عند من؟ قلت: من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمعوا بذلك أحاطوا بي وأوصلوني إلى قصر الشمع بعد أن استأذنوا لي، وأوقفوني على باب الملك فأمرهم بإحضاري بين يديه، فعقلت راحلتي وسرت معهم عند المقوقس، وإذا هو في قبة كثُرَ الجوهر في حافتها، ولمع الياقوت من أركانها، والحجَّاب بين يديه، فأومأت بتحية الإسلام، فقال حاجبه: يا أخا العرب، أين رسالتك؟ قال: فأخرجت الكتاب، فأخذه الملك من يدي بيده.

قال: فباسه ووضعه على عينيه، وقال: مرحبا بكتاب النبي العربي، ثم قرأه وزيره الباكلمين، فقال له: اقرأه جهراً؛ فإنه من عند رجل كريم، فقرأه الوزير إلى أن أتى إلى آخره،

وهذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فَأَسْلِمْ تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] فقال الملك لخادمه الكبير: هات السفط الذي عندك؛ فأتى به ففتحه واستخرج نمطا ففتح ذلك النمط، وإذا فيه صفة آدم وجميع الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وفي آخره صفة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لي: صِفْ صاحبك حتى كأني أراه.

قال حاطب: ومن يقدر أن يصف عضوا من أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لابد من ذلك، قال: فوقفت بعدما كنت جالسا، وقلت: إن صاحبي وسيم قسيم، معتدل القامة، بعيد الهامة، بين كتفيه شامة، وله علامة كالقمر إذا برز، صاحب خشوع وديانة، وعفة وصيانة، صادق اللهجة، واضح البهجة، أشم العرنين، واضح الجبين، سهل الخدين، رقيق الشفتين، براق الثنايا، بعينيه دعج، وبحاجبيه زجج، وصدره يترجرج، وبطنه كطي الثوب المدبج، له لسان فصيح، ونسب صحيح، وخُلُقٌ مليح.

قال: والملك ينظر في النمط، فلما فرغت قال: صدقت يا عربي هكذا صفته، فبينما هو يخاطبني إذ نُصِبت الموائد، وأحضروا الطعام؛ فأمرني أن أتقدم فامتنعت، فتَبَسَّمَ وقال: وقد علمتُ ما أُحِلَّ لكم وحُرِّمَ عليكم، ولم أقدم لك إلا لحم الطير، فقلت: إني لا آكل في هذه الصحاف الذهب والفضة؛ فإن الله قد وعدنا بها في الجنة، قال: فبدلوا طعامي في صحاف فخار فأكلت، فقال: أي طعام أحب إلى صاحبك؟ فقلت: الدباء (يعني: القرع)، فإذا كان عندنا منه شيء آثرناه على غيره. فقال: ففي أي شيء يشرب الماء؟ فقلت: في قعب من خشب.

قال: أيحب الهدية؟ قلت: نعم؛ فإنه قال صلى الله عليه وسلم: «لو دُعِيتُ إلى كراع لأجبت، ولو أُهديَ إليَّ ذراع لقبلت».

قال: أيأكل الصدقة؟ قلت: لا، بل يقبل الهدية ويأبى الصدقة، وقد رأيته إذا أُتِيَ بهدية لا يأكل منها حتى يأكل صاحبها. فقال الملك: أيكتحل؟ قلت: نعم، في عينه اليمنى ثلاثا وفي اليسرى اثنتين، وقال: "من شاء اكتحل أكثر من ذلك أو أقل" وكحله الإثمد، وينظر في المرآة، ويرجل شعره، ويستاك.

فقال المقوقس: إذا ركب ما الذي يحمل على رأسه؟ فقلت: راية سوداء ولواء أبيض، وعلى اللواء مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال: أله كرسي يجلس عليه أو قبة. قلت: نعم، له قبة حمراء تسع نحو الأربعين. قال: فما الذي يحب من الخيل؟ قلت: الأشقر الأرتم الأغر المحجل في الساق، وقد تركت عنده فرسا يقال لها: المرعد.

قال: فلما سمع كلامي انتخب من خيله فرسا أفخر خيول مصر الموصوفة، وأمر به فأسرج وألجم، فأعده هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فرسه المأمون، وأرسل معه حمارا يقال له: عفير، وبغلة يقال لها: دلدل، وجارية اسمها: بريرة وكانت سوداء، وجارية بيضاء من أجمل بنات القبط اسمها: مارية، وغلام اسمه: محبوب، وطيب وعود وند ومسك وعمائم وقباطي، وأمر وزيره أن يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا يقول فيه: "باسمك اللهم، من المقوقس إلى محمد، أما بعد؛ فقد وصل كتابك وفهمته، أنت تقول: إن الله أرسلك رسولا وفضلك تفضيلا وأنزل عليك قرآنا مبينا، فكشفنا - يا محمد - خبرك، فوجدناك أقرب داع إلى الله وأصدق من تكلم بالصدق، ولولا أنني ملكت مُلكا عظيما لكنت أول من آمن لعلمي أنك خاتم النبيين وإمام المرسلين، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته مني إلى يوم الدين.

قال: وسلم الكتاب والهدية إلي و قبلني بين عيني، وقال: بالله عليك قَبِّلْ بين عيني محمد عني هكذا، ثم بعث معي من يوصلني إلى بلاد العرب وإلى مأمني. قال: فوجدنا قافلة من بلاد الشام وهي تريد المدينة فصحبتها إلى أن وردت المدينة، فأتيت المسجد وأنخت ناقتي ودخلت، وسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشأت أقول:
أنعم صباحا يا وسيلة أحمد *** نرجو النجاة غدا بيوم الموقف
إني مضيت إلى الذي أرسلتني *** أطوي المهامة كالمجد المعنف
حتى رأيت بمصر صاحب ملكهم *** فبدا إليَّ بمثل قول المنصف
فقرأ كتابك حين فك ختامه *** فأطل يرعد كاهتزاز المرهف
قال البطارقة الذين تجمعوا *** ماذا يروعك من كتاب مشرف
قالوا: وهمت فقال: لست بواهم *** إني قرأت بيان لفظ الأحرف
هذا الكتاب كتابه لك جامعا *** يا خير مأمول بحبك نكتفي (3)

ويذكر ابن عبد الحكم أن المقوقس قال لحاطب بن أبي بلتعة رضى الله عنه بعد أن قرأ الكتاب: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو عليَّ فيُسلَّط عليَّ! فقال له حاطب: ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يُفعَل به ويُفعَل؟ فوجم ساعة، ثم استعادها فأعاد عليه حاطب فسكت، فقال له حاطب: إنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الرب الأعلى فانتقم الله به ثم انتقم منه، فاعتبِر بغيرك ولا يُعتبَر بك، وإن لك دينًا لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافي – والله - به فَقْدَ ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى من قبل إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به.

ويروي ابن عبد الحكم أيضا أن المقوقس أرسل ذات ليلة إلى حاطب رضي الله عنه وليس عنده أحد إلا ترجمان له فقال: ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها؟ فإني أعلم أن صاحبك قد تخيرك حين بعثك قال: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك. قال: إلام يدعو محمد؟ قال: إلى أن تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتخلع ما سواه، ويأمر بالصلاة. قال: فكم تصلون؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدم.

قال: من أتباعه؟ قال: الفتيان من قومه وغيرهم، قال: فهل يقاتل قومه؟ قال: نعم. قال: صفه لي، فوصفه بصفة من صفته لم آتِ عليها، قال: قد بقيت أشياء لم أَرَكَ ذكرتها: في عينه حمرة قلما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوة، يركب الحمار ويلبس الشملة، ويجتزيء بالتمرات والكسر، لا يبالي من لاقى من عَمٍّ ولا ابن عم.

قلت: هذه صفته. قال: قد كنت أعلم أن نبيا قد بقي، وقد كنت أظن أن مخرجه الشام، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج من العرب، في جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني في اتِّباعه، ولا أحب أن يُعْلَمَ بمحاورتي إياك، وسيظهر على البلاد وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما هاهنا، وأنا لا أذكر القبط من هذه حرفًا، فارجع إلى صاحبك.


(1) راجع أحمد عادل كمال: الفتح الإسلامي لمصر.
(2) المرجع السابق 5/ 221.
(3) راجع: فتوح الشام 1/ 284،285
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:39

من الفرما.. إلى حصن بابليون
بعد موافقة الخليفة عمر والمجلس العسكري على فتح مصر وخطة الفتح، تحرك الجيش الإسلامي بقيادة عمرة بن العاص وتحت قيادته دون أربعة الآلاف مقاتل معظمهم من الفرسان. سار عمرو بجيشه من قَيْسارِية، حتى إذا مَرَّ بجبل الحلال قبل أن يبلغ العريش، وكانت تنزل به قبائل من راشدة ومن لخم انضمت إليه، فأصبحت قواته أربعة آلاف سار بهم إلى مصر.
وكان عمرو قد جاء من بلاد الشام في ثلاثة آلاف وخمسمائة من عك، ثلثهم من غافق، ثم صاروا أربعة آلاف بمن انضم إليهم من راشدة ولخم، وعلى ذلك يصير الجيش الذي سار مع عمرو لفتح مصر كالآتي:
- 1160 من غافق (وغافق من عك؛ فهو غافق بن الشاهد بن عك).
- 2340 من عك.
- 500 من راشدة ولخم (وراشدة من لخم - راشدة بن مالك بن خالفة بن أد بن نمارة بن لخم).
الجيش الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص يتوجه إلى مصر توجه عمرو إلى العريش فأدركه عيد النحر (10 من ذي الحجة سنة 19هـ) كما ذكر ذلك البلاذري، فَضَحَّى عن أصحابه بكبش، وذلك اليوم كان يوافق 29 من نوفمبر 640م. وهنا وقع حادث بسيط ولكنه يكشف عن نفسية عمرو ونوعيته كقائد مسلم.
فقد هلك جمل لرجل ممن خرج معه من الشام، فجاء إلى عمرو ليجد له ما يركبه، وكانوا في البادية فقال له عمرو: تحمل مع أصحابك حتى تبلغ أول العامر. فلما بلغوا العريش عاد إليه الرجل فأمر له عمرو بجملين وقال له: "لن تزالوا بخير ما رحمتكم أئمتكم، فإذا لم يرحموكم هلكتم وهلكوا"!!
فكان عمرو يدرك مسئوليته عن أصحابه وعن ركائبهم، وأنه يَهْلك ويُهلك أصحابه إن لم يرحمهم ويدبر لهم ما يحملهم عليه.
ولما بلغ المقوقس مجيء جيش المسلمين إلى مصر أرسل جيشًا لملاقاة عمرو، فتلاقيا على الفرما فكان أول قتال.
والفرما: مدينة من أقدم الرباطات المصرية بقرب الحدود الشرقية لمصر، وكانت في زمن الفراعنة حصن مصر من جهة الشرق؛ لأنها في طريق المغيرين على مصر اسماها القديم "بر آمون" أي: بيت الإله آمون، ومنه اسمها العبري "بَرَمُون"، والقبطي "برما"، ومن هذا أتى الاسم العربي وهو الفرما، وسماها الروم: "بيلوز"، ومعناها الوحلة؛ لأنها كانت واقعة في منطقة من الأوحال بسبب تغطية مياه البحر الأبيض لأراضي تلك المنطقة، وكانت الفرما تستقي الماء قديمًا من الفرع البيلوزي للنيل، وقد اندثرت هذه المدينة وتعرف اليوم آثارها بتل الفرما، على بعد ثلاثة كيلو مترات من ساحل البحر الأبيض المتوسط، وعلى بعد 23 كيلو مترًا شرقي محطة الطينة الواقعة على السكك الحديدية التي بين بورسعيد والإسماعيلية.
فتح الفرما.. تحليلٌ وردٌّ
في تقدير بتلر أن فتح الفرما كان في منتصف يناير 640م، وينتقد "سيروس" إذ لم يرسل عشرة آلاف من الروم ليهزموا الفئة القليلة من العرب بين العريش والفرما أو تحت حصن الفرما، ثم يخلص من ذلك أن سيروس بدأ خيانته للدولة بالاتفاق مع العرب وإعانتهم على دولته، وقال: ولسنا نجد غير هذا الرأي ما نفسر به مسلكه، ولا سيما ما وقع منه بعد ذلك.
وما ذهب إليه بتلر لم تذهب إليه أية رواية من الروايات العربية؛ فقد كان بتلر يريد أن يعزو نجاح المسلمين في الاستيلاء على مدينة الفرما لسبب رئيسي، هو خيانة المقوقس قيرس العظمى للدولة؛ لأنه قَصَّر في حقها حين لم يبادر بإرسال عشرة آلاف جندي إليها ليعوقوا مسيرة عمرو، واكتفوا بالمسلحة التي كانت ترابط فيها للدفاع عنها.
وقبل أن نتناول هذا الكلام بالرد والتفنيد نقول بادئ ذي بدء: إن الغرض المفهوم والمقصود من منطق بتلر هو تجريد الفتح الإسلامي من مزية نصر استحقه بعد كفاح مرير استمر شهرًا أو شهرين. وفي معرض الإنصاف يقتضينا الواقع أن نقول: إن مساحة المدينة الرومانية كانت تحتمي بأسوارها وتتحصن بحصونها، ولو كانت قيادتها تعلم أنهم أقل عددًا من المسلمين وأضعف استعدادًا ما فكروا ولو للحظة واحدة في التخلي عن مزاياهم الحربية، والخروج للقاء المسلمين في ساحة تُعرَف فيها أقدارُ الجيوش وأوزان الرجال. وما ذكرناه قبلُ يدل على وقوع قتال بين الطرفين، بل إن الكندي يقول: فتقدم عمرو إلى الفرما وبها جموع فقاتلهم فهزمهم. أما ما نرد به على ألفرد بتلر فيتلخص في نقطتين:
الأولى: أن القيادة الرومانية كانت تعلم بيقين أن المسلمين في الطريق إلى مصر بعد أن خلص لهم الشام، كما يقول بتلر نفسه (ص 188)، ولذلك فقد كانت خطتهم في مواجهة هذا الزحف الذي أدركوا خطورته في حروب الشام المريرة أن يبذلوا أقصى الطاقة في حشد الجنود وإعدادها؛ انتظارًا وترقبًا لملاقاة جيوش المسلمين، وكان من أنسب المواقع لهذه الخطة حصن بابليون؛ لقوته وبُعدِه عن مراكز تجمع المسلمين، ولاتصاله وقربه من العاصمة الإسكندرية والمواقع الأخرى التي كانت موزعة على اتساع مصر السفلى (الوجه البحري).
وهو تفكير صائب من جهة أن المسلمين كان عليهم لكي يصلوا إلى بابليون أن يقطعوا مسافة غير قصيرة، سوف تستنزف بعض قوتهم في مواقع متقدمة محصنة ومسلحة بالجند المستعدين للقتال، وهذه الخطة تستلزم بالضرورة عدم التفريط في عشرة آلاف جندي يُرسَلون إلى الفرما في ظروف كانت غير مأمونة، وربما لنتيجة غير مضمونة.

الثانية: أن بتلر نفسه يؤكد أن إرسال عشرة آلاف جندي روماني إلى الفرما لو حدث لما حال بين المسلمين وبين فتح هذه البلاد أمدًا طويلاً. وواضح أنه بهذا القول الذي لا لبس فيه يدافع من حيث لا يدري عن المقوقس والقيادة العسكرية الرومانية في مصر؛ لأنهم لم يُستدرَجوا إلى الفرما، وبالتالي لم يكن في تصرفاتهم أثناء زحف المسلمين على مصر، ذلك الخطأ المزعوم الذي رَتَّبَ عليه بتلر زعمًا لا يقل الادعاء فيه عن سابقه - إن لم يَفُقْهُ - ألا وهو الخيانة العظمى التي اقترفها المقوقس ضد إمبراطوريته التي أذن برحيلها عن مصر.
الفتوح بعد الفرما
كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح على ميمنة الجيش منذ خروجه من قَيْسارِية إلى أن فرغ من حربه حتى تمام فتح مصر، ولا بد أن الروم البيزنطيين كانوا يتوقعون هذا الغزو بعد أن ضاعت منهم الشام، وصار من غير المقصود أن ينصرف المسلمون عن أرض مصر، وكان أول قتال عند الفرما، وفي تقديرنا أنه بلغها حوالى 25 من صفر عام 20هـ/ 11 من فبراير 641م، وكان بالفرما حصن للبيزنطيين فقاتلوه قتالاً شديدًا نحوًا من شهر حتى فتحها، وكانت حامية الفرما البيزنطية مستعدة للقتال فحاربهم عمرو وهزمهم وحوى عسكرهم.
ثم سار من الفرما لا يُدافَع إلا بالأمر الخفيف حتى نزل القواصر، وهي مسافة تزيد بعض الشيء عن 100 كيلو متر، تحتاج في قطعها إلى ثلاثة أيام، فيكون قد بلغها حوالي 9 من ربيع الآخر 20 هـ/ 26 من مارس 641م ولا بد إن كان عمرو قد حدد من قبل وجهته على أرض مصر أن يكون هدفه الأساسي هو مدينة الإسكندرية التي زارها من قبل في الجاهلية؛ فهي عاصمة البلاد، وتتصل بالقسطنطينية بحرًا وبكافة موانئ الدولة على بحر الروم، وهي أكبر حاضرة في مصر منذ بناها الإسكندر الأكبر، ولكي يزول حكم الروم تمامًا عن مصر فإنه يتعين إخراجهم من كل شبر من أرضها، فكيف يكون طريقه إليها؟ لا بد أنه قد حدد مساره؛ هل يخترق أرض الدلتا بزروعها وأنهارها وفيض مائها، أو يدور حولها من جنوبها إلى غربها ويساير الصحراء حتى يصل إلى الإسكندرية؟
اختار عمرو الخيار الثاني، وهو الطبيعي والمنطقي، فالسير في الصحراء أفضل للعربي ودوابه من التورط بين الحقول وأوحالها، خاصة وقد كان الفصل شتاء، ولو أنه لا فيضان للنيل في هذا الفصل فإن احتمال سقوط الأمطار وارد، هذا فضلاً عن تعدد فروع النيل وبحيرات شمال الدلتا. كما أن هذا الاختيار هو الضروي حربيًّا فإن هناك من حصون الروم ما لا بُدَّ من تصفيته قبل الوصول إلى الإسكندرية؛ حتى لا يتركها مشحونة بالجنود وراء ظهره.
وقرر عمرو أن يكون هدفه الأول هو حصن بابليون؛ فهو أكبر هذه الحصون وأحصنها، ومكانه على الساحل الشرقي لنهر النيل، وموقعه الحالي بحي مصر القديمة من مدينة القاهرة، فهو بين دلتا النيل وصعيد مصر، وكانت الإسكندرية ذاتها قلعة يحيط بها سور حصين، كما كانت هناك حصون في أم دنين، ومكانها اليوم من مدينة القاهرة أيضًا، (وأتريب) نواحي بنها، ومنوف ونقيوس وسخا وكريون، وفي الصعيد كانت حصون أخرى؛ فموقع حصن بابليون لم يكن عبثًا، وإنما كان عن اختيار حربي سديد.
سار عمرو من القواصر لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس (حوالي 45 كيلو مترًا) مسيرة يوم، فقاتل حاميتها نحوًا من شهر، حتى فتح الله عليه حوالي 9 من شهر جمادى الأولى 20هـ/ 24 أبريل 641هـ.
ثم سار لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أم دنين (مسافة 70 كيلو مترًا) مسيرة يومين، فقاتل الروم بها قتالاً شديدًا، وأبطأ عليه الفتح فكتب إلى عمر بن الخطاب يستمده، فأمده بأربعة آلاف لاستكمال الفتح.
يقول ساويرس بن المقفع عن المسلمين: وكانت أُمَّة مُحبَّة للبرية؛ فأخذوا الجبل حتى وصلوا إلى قصر (حصن) مبني بالحجارة بين الصعيد والريف يسمى بابليون، فضربوا خيامهم هناك حتى ترتبوا لمقاتلة الروم ومحاربتهم.
بطبيعة الحال بلغ المقوقس -وهو حاكم مصر من قبل الدولة البيزنطية وكان مقره بالإسكندرية- قدوم عمرو بن العاص بجيشه، وكان يتابعه وهو يتحرك على أرض مصر، فتوجه من الإسكندرية إلى حصن بابليون لملاقاة المسلمين، وكان على الحصن قائد من الرومان عُرِفَ بالأعيرج وقيل الأعرج. ويبدو أن هذه صفة له ولم تكن اسمًا بالمعنى الصحيح، وكما جاء الخبر إلى المقوقس سيروس كذلك جاء خبر قدوم عمرو بجيش من المسلمين إلى البطرك بنيامين المختفي في صعيد مصر، فكتب إلى القبط على أرض مصر يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم باستقبال عمرو!!
ولا بد أن البطرك بنيامين قد علم بانتصار المسلمين من الإنجيل، كما علم بانتصارات المسلمين على الفرس بالعراق وعلى الروم ببلاد الشام، وتراجع هرقل إلى عاصمته، كما كان بنيامين مطلوبًا من الروم لإعدامه كما أعدموا أخاه مينا، وصبوا عذابهم على قبط مصر، ولعله أيضًا أن يكون قد علم بمعاملة المسلمين لأهل العراق والشام، فليس غريبًا - بل منطقيًّا - أن ينحاز بالقبط إلى جانب المسلمين.
معركة عين شمس:
(الاثنين 1 من شهر جمادى الأولى 20 هـ/ 30 من إبريل 641م)
لقد ذكر حنا النقيوسي معركة على جانب من الأهمية ولم يذكرها الرواة المسلمون، فقد جاء جيش المسلمين إلى تندونياس Tenauniass (أم دنين) وأرسى إلى النهر، وأن عمرو بن العاص أرسل إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما يطلب المدد فجاءه أربعة آلاف، وقَسَّم عمرو بن العاص قواته إلى ثلاث فرق:
1- فرقة بالقرب من تندونياس.
2- الثانية إلى الشمال من بابليون.
3- والثالثة قريبًا من مدينة "أون"، وهي عين شمس (هليوبوليس).

وأن الروم لم يفطنوا إلى ما فعله عمرو بن العاص، فسار جيشهم من بابليون نحو جيش المسلمين، وبدأ الالتحام بناحية عين شمس، ثم انقضت قوات المسلمين بأعداد كبيرة من "تندويناس" من الفريق الثاني وتدفقت عليهم من ورائهم بأعداد كبيرة، فهربت قوات الروم نحو السفن، وسقطت تندونياس بيد المسلمين، فسحقوا حاميتها ولم ينجُ منها سوى 300 استطاعوا الفرار إلى الحصن وأغلقوا أبوابه، ثم غلب عليهم الخوف والحزن، ففروا بالسفن إلى نقيوس.
حصن بابليون:
كان الحصن على الساحل الشرقي لنهر النيل على الطريق بين منف وهليوبوليس، وما زالت له بقايا بمصر القديمة من أحياء القاهرة، وليس هناك رأي مؤكد عن تاريخ بناء الحصن، ولكن على الرغم من قدمه وأهمية موقعه فلا نكاد نجد له ذكرًا مع أحداث التاريخ سوى ما كان في أيام الفتح الإسلامي.
وكان موقع الحصن على النيل يوفر له الماء، كما كان يتصل من خلفه بالسفن، وكان له باب يفتح على أرصفة رسوها، وكان تجاه الحصن تحصينات أخرى في الجزيرة (الروضة) على الشاطئ المقابل من النيل، وكانت مدينة بابليون تمتد جنوب الحصن، أما شماله فكانت حدائق للكروم، كما كانت هناك مزارع إلى الشرق بينه وبين جبل المقطم.
أما مبنى الحصن فكان من خمسة طبقات من الحجر الجيري، بارتفاع ثلاثة أقدام، يعلوها طبقات من الحجر بارتفاع قدم واحد، فكل طبقتين معًا حوالي 4 أقدام، ثم يتكرر هذا النسق من القاعدة إلى القمة.
وكان من ضمن أسوار الحصن أبراج تتخلل أضلاعه الشمالية والشرقية والجنوبية، طول البرج 2.10 مترًا، وعرضه 7.6 مترًا، وفي كل طابق خمس نوافذ بعرض 1.4 مترًا في الطابقين الأول والثاني، و 0.7 مترًا في الطابق الثالث، أما الأبراج الجنوبية فكان بها سبع نوافذ، وكان الضلع الغربي يمتد على النيل وبه صرحان مستديران مرتفعان يكشفان من جبل المقطم شرقًا إلى الجيزة والأهرام والصحراء غربًا، وحتى مسلة عين شمس شمالاً، وكان قطر كل منهما نحوًا من 30 مترًا مطلة على النهر، وكانت أسوار الحصن ترتفع إلى نحو 18 مترًا. أما سُمْك جدار السور فقد ذكر بتلر أن آثاره تدل على أنه كان ثمانية عشر قدمًا ( 5.5 مترًا)، وكان ارتفاع النوافذ في الطابق الأوسط ثلاثة أمتار، أما في الأعلى فكان مترًا ونصف، ويعلو كل نافذة عقد مقوس.
وكان له باب كبير بين الصرحين، وباب آخر في الضلع الجنوبي الغربي يفتح على درج يهبط إلى مرساه على النيل من الحديد، يدلى من أعلى خلال مجريين بالجدران، ويسلك منه طريق بطول الحصن حتى الباب بالضلع الشمالي الشرقي، وكان الحصن على مستوى من الأرض يعلو ما حوله، كما كان حوله خندق وكانت مساحته حوالي عشرة أفدنة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:42

حصار حصن بابليون

المسلمون أمام حصن بابليون

الفتح الإسلامي لمصر وصل عمرو بن العاص بجيشه حتى حصن بابليون، وكان الروم قد خندقوا حول حصنهم خندقًا وجعلوا له أبوابًا، ونثروا بأفنية الأبواب سكك الحديد موانعَ للخيل والرجال، وكان الجيش الذي مع عمرو قليل العدد وأمامه حصن حصين، فكان يقسم أصحابه ليوهم الروم أنهم أكثر عددًا، فلما بلغ خندقهم نادوه من فوق الحصن: إنا قد رأينا ما صنعت، وإنما معك من أصحابك كذا وكذا. فلم يخطئوا برجل واحد.

توقف عمرو أمام الحصن يقاتل الروم قتالاً شديدًا، وأبطأ الفتح فلم يحرز نصرًا حاسمًا؛ فقد كان الروم يلوذون بحصنهم، وقد كان التفوق في تلك الاشتباكات للمسلمين لإزاحة الروم المسلمين عن حصنهم، وكتب عَمرو إلى عُمر رضي الله عنهما يخبره بالوضع ويستمده، فأمده عمر بأربعة آلاف، على كل ألف منهم رجل بمقام ألف، وهم الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، واختُلِفَ في الرابع فقيل: هو مَسْلَمَةُ بنُ مُخَلَّد، وقيل: خارِجَة بن حُذَافة العدويّ، وذكر بعضهم أنه عُمَير بن وهب الجمحيّ.
وفي ذلك قال عمر لعمرو رضي الله عنهما: اعلم أن معك اثني عشر ألفًا، ولا يُغلَب اثنا عشر ألفًا من قلة".
استمرار الحصار
أقام المسلمون أمام باب الحصن ستة أشهر، وقيل سبعة، وظل عمرو بن العاص أيامًا يغدو في السَّحَر يصفّ أصحابه على أفواه الخندق عليهم السلاح، وبينما هو على ذلك قدم الزبير بن العوام في المدد، وتلقاه عمرو ثم أقبلا يسيران معًا، ولم يلبث الزبير أن ركب وطاف بالخندق، ثم قسم الرجال حول الخندق. وجاء رجل إلى عمرو بن العاص فقال: "اندب معي خيلاً حتى آتي من ورائهم عند القتال".

فأخرج معه خمسمائة فارس، فساروا من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بني وائل -أو خليج بني وائل- قبيل الصبح، وكان الروم قد خندقوا خندقًا، وجعلوا له أبوابًا، وبثوا في أفنيتها سكك الحديد، فالتقى القوم حين أصبحوا، وخرج اللخمي بمن معه من ورائهم فانهزموا حتى دخلوا الحصن، وفي رواية أن هذه القوة كان عليها خارجة بن حذافة.

وقد ذكر البلاذري: أن الزبير كان يقاتل من جهة وعمرو بن العاص من جهة -ولم يذكر أي جهة كان يتبع كل منهما- ثم إن الزبير أتى بسلم فصعد عليه حتى أوفى على الحصن.

وزاد ابن عبد الحكم: أن ذلك كان من ناحية سوق الحمام. ومر بنا سابقًا أن رجلاً طلب من عمرو بن العاص أن يندب معه خيلاً حتى يأتي من وراء الروم عند القتال، ثم ساروا من وراء الجبل مما يعني أن جهة سوق الحمام كان في القطاع الذي تولاه الزبير بن العوام، وأن الدوران خلف الجبل كان في قطاع عمرو بن العاص، ويؤيد هذا أن شرحبيل بن حُجيَّة المرادي نصب سلمًا آخر من جهة زقاق الزمامرة، ثم تنازع مع الزبير على باب أو مدخل، مما يدعم أنه لم يكن يتبعه، وأنه كان في قطاع عمرو بن العاص.

وبعبارة أخرى: إن الزبير كان شمال شرق الحصن، وعمرو في جنوب شرق الحصن. وعندما جاء المدد إلى عمرو بن العاص شدد قتاله، وألح على القصر، ووضع عليه المنجنيق، ولم يلبث الزبير أن ركب ثم طاف بالخندق، وقسم الرجال حوله، وكانت قبيلة بَلِيّ تقف عن يمين راية عمرو بن العاص؛ لأن أم العاص بن وائل بلوية.
المفاوضات بين المسلمين والرومان

أرسل المقوقس إلى عمرو يقول : "إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا، وإنما أنت عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم، ومعهم العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسرى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالاً منكم نسمع من كلامهم، فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفًا لطلبكم ورجائكم، فابعث إلينا رجالاً من أصحابك نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء".

وعندما أتت رسل المقوقس إلى عمرو بن العاص حبسهم عنده يومين وليلتين، حتى خاف عليهم المقوقس فقال لأصحابه: "أترون أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ويستحلون ذلك في دينهم؟".
وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين، ثم رد عليهم مع رسله: أنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما إن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، وإما جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين".
المسلمون كما وصفهم الرومان
فلما رجعت رسل المقوقس إليه، قال لهم: كيف رأيتموهم؟ قالوا : "رأينا قومًا الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نَهْمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعُهم من وضيعهم، ولا السيد فيهم من العبد، إذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم".

فقال المقوقس: "والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يَقْوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محاصرون بهذا النيل، لن يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم.
الحوار بين عبادة بن الصامت والمقوقس

ثم بعث المقوقس رسله مرة أخرى إلى عمرو بن العاص يقولون له: "ابعثوا إلينا رسلاً منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم".

فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، ولم تذكر المصادر أسماء الآخرين، وكان عبادة أسود اللون وطوله عشرة أشبار (أي يتجاوز المترين طولاً)، وأمره أن يكون متكلم الوفد، وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الخصال الثلاث.

فركبوا السفن وعبروا من جهة بابليون إلى الجزيرة، فلما دخلوا على المقوقس تقدم عبادة فهابه المقوقس، وقال: "نحُّوا عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني". فقالوا جميعًا: "إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، أمرنا بأن لا نخالف رأيه وقوله".
فقال المقوقس: "وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟" فقالوا: لا، إنه وإن كان أسودَ كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعًا، وأفضلنا سابقة، وعقلاً ورأيًا، وليس يُنكَرُ السواد فينا.
ثم قال المقوقس لعُبَادة: "تقدم يا أسود، وكلمني برفق؛ فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك عليَّ ازددت لذلك هيبة".
فتقدم إليه عبادة وقال: "قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلّفت من أصحابي ألف رجل أسود، كلهم أشد سوادًا مني، وأفظع منظرًا، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي، وأنا قد وليت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك -بحمد الله- ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعًا، وكذلك أصحابي؛ وذلك أنَّا إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله، واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا، ولا طلبًا للاستكثار منها، إلا أن الله قد أحل ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالي أحدنا أكان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلا درهمًا، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعته لليله ونهاره، وشَمْلة يتلحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله، واقتصر على هذا الذي بيده، ويبلغه ما كان في الدنيا؛ لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءَها ليس برخاء، وإنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربُّنا، وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه".
فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله: "هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟ لقد هبت منظره، وإن قوله لأهيب عندي من منظره، وإن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض، وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها".
ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت، فقال: "أيها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة، ما يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرًا، وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم، قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به".
المسلم لا يهاب عددًا ولا عدة
تكلم عبادة عن هدف المسلمين من الجهاد في سبيل الله وهو نشر هذا الدين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأن المسلم لا يهاب عددًا ولا عدة، فقال للمقوقس: "يا هذا، لا تَغُرَّنَّ نفسك ولا أصحابك؛ أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم وأنَّا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه، إن كان ما قلتم حقًّا فذلك -والله- أرغب ما يكون في قتالهم، وأشد لحرصنا عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قُتِلْنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء أقر لأعيننا، ولا أحب إلينا من ذلك، وإنا منكم حينئذٍ لعلى إحدى الحسنيين، إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإن الله عز وجل قال لنا في كتابه: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249]، وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحًا ومساءً أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا أرضه ولا أهله وولده، وليس لأحد منا هَمٌّ فيما خلفه، وقد استودع كل واحد منا رَبَّه أهلَه وولدَه، وإنما همنا ما أمامنا. وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السعة، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه".
عبادة يعرض على المقوقس شروط المسلمين

ثم بعد الحوار يعرض عبادة على المقوقس مطالب المسلمين، فيقول: "فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك، ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيها شئت ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله من قبلُ إلينا، إما أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه؛ فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الله، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم، فان أبيتم إلا الجزية فأدوا إلينا الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدًا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن آخرنا، أو نصيب ما نريد منكم، هذا ديننا الذي ندين الله به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم".

فقال له المقوقس: هذا ما لا يكون أبدًا، ما تريدون إلا أن تتخذونا نكون لكم عبيدًا ما كانت الدنيا.

قال عبادة بن الصامت: هو ذاك، فاختر ما شئت.

فقال له المقوقس: أفلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الثلاث خصال؟

فرفع عبادة يديه فقال: لا ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، ورب كل شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.

فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه وقال: قد فرغ القوم، فما ترون؟

فقالوا: أوَ يرضى أحدٌ بهذا الذل؟! أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم فهذا ما لا يكون أبدًا أن نترك دين المسيح ابن مريم وندخل في دين غيره لا نعرفه، وأما ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلونا عبيدًا، فالموت أيسر من ذلك، لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارًا كان أهون علينا.

فقال المقوقس لعُبَادة: قد أبى القوم، فما ترى؟ فراجع صاحبك على أن نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون.

فقام عبادة وأصحابه.

فقال المقوقس عند ذلك لمن حوله: أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فوالله ما لكم بهم طاقة، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين.

فقالوا: وأي خصلة نجيبهم إليها؟

قال: إذن أخبركم، أما دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به، وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة".
قالوا: أفنكون لهم عبيدًا أبدًا؟
قال: نعم، تكونوا عبيدًا مسلطين في بلادكم، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم، خير لكم من أن تموتوا عن آخركم، وتكونوا عبيدًا تباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبدًا أنتم وأهليكم وذراريكم.

قالوا: فالموت أهون علينا. وأمروا بقطع الجسر من بابليون والجزيرة، وبالقصر من الروم والقبط جمع كثير، فألح عليهم المسلمون عند ذلك بالقتال على من في الحصن حتى ظفروا بهم، ومكنهم الله منهم فقُتِلَ منهم خلق كثير، وأُسِرَ من أُسِرَ، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:44

فتح حصن بابليون
كان الروم قد خندقوا خندقًا حول حصن بابليون، وجعلوا للخندق أبوابًا لخروجهم ودخولهم، ونثروا سكك الحديد بأفنية الأبواب.لم يذكر الرواة أماكن تلك المخارج، ولكنا نرى أنه من المنطق أن تكون تجاه أبواب الحصن، كما أن استعمال صيغة الجمع (أبوابًا) تعني أنها لم تكن تقل عن ثلاثة. ونعلم أنه كان للحصن باب في الجدار الشمالي أمام الجهة التي أقيم بها بعد ذلك جامع عمرو بن العاص، وباب في المدخل الجنوبي الذي نشأ أمامه بعد ذلك السوق الكبير، وفى ذلك المكان كان النيل يصل إلى جدار الحصن حيث الآن الكنيسة المعلقة، كما كان هناك باب في الجدار الشرقي الذي كان ينفذ منه درب الحجر.
أبطأ الفتح أمام حصن حصين يلوذ به الروم ولا يخرجون منه إلا إذا أرادوا، ثم يعودون إليه منهزمين فيعتصمون به. ثم ماذا؟ في عديد من الروايات عن رواة ثقات، قال الزبير بن العوام: "إني أهب نفسي لله، فأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين". ووضع سُلَّمًا من الخشب إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام، وأمر المسلمين إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعًا. كان الزبير فدائيًّا شجاعًا لا يدري ما سوف يلقى فوق السور من قوات الروم، وكان في نحو الخمسين من عمره.
وما دام جدار الحصن كان يرتفع حوالي 18 مترًا، فلا بد أن السلم لا يقل عن عشرين مترًا حتى نتصور إمكان استناده مائلاً على جدار الحصن، فهو سلم كبير غير عادي، استغرق بعض الوقت في صناعته، ربما أيامًا، كذلك لا بد أنه كان ثقيلاً، استلزم حمله على أكتاف عديد من الرجال الأشداء، وعبور الخندق به في صمت تام إلى جدار الحصن حتى لا ينتبه الروم، ولا بد أيضًا أنه كان قد تمَّ صنعه في الخلف على مسافة من الحصن، وربما كان ذلك في موقع بني بَلِيّ (250 مترًا أو يزيد)، فهم الذين تسلق رجال منهم الحصن مع الزبير (بنو حرام). وقد صعد مع الزبير إلى أعلى الحصن محمد بن مسلمة الأنصاري، ومالك بن أبي سلسلة، ورجال من بني حرام.
وبطبيعة الحال كان ذلك في غفلة من أهل الحصن، فلا نذهب إلى أنه حدث نهارًا، وإنما يتحتم أنه كان ليلاً، ويدعم ذلك أنه كان يوم الجمعة 29 من ذي الحجة20هـ / 7 ديسمبر 641م بما يعني عدم وجود هلال يكشف بسطوعه عملية الاقتراب والتسلق، فضلاً عن أن الفصل شتاء بارد ينشد جنود الروم الدفء فيه، خاصة وأنه قد مضى على وقوف المسلمين أمام الحصن سبعة أشهر، اعتادوا على عدم حدوث شيء من هذا القبيل ولم يخطر لهم على بال، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه سيفه والمسلمون يرددون تكبيره، وقد تسلقوا على السلم حتى نهاهم عمرو خوفًا من أن ينكسر، ثم انحدر الزبير ومن معه إلى داخل الحصن، والأرجح أنهم نزلوا على سلالم البرج، وأصاب الرعب أهل الحصن فهربوا من أمامهم، وعمد الزبير إلى باب الحصن المغلق من الداخل ففتحه واقتحمه المسلمون من الخارج.
سقوط حصن بابليون وطلب الروم للصلح
كان الحصن في قلب مصر، وكان أحصن ما بيد الروم في مواجهة جيش المسلمين، فلما سقط بدا واضحًا حرج موقف الروم أمام عملية الفتح. نعم ما زال أمام المسلمين أن يعبروا مجاريَ مائية خاصة نهر النيل، ولكن أيضًا صار مألوفًا لديهم أن يجدوا حلاًّ أمام كل عقدة.

صار المسلمون وقد أحدق بهم الماء من كل جهة واتجاه، لا يقدرون أن ينفذوا نحو الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: "ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم؟! ما تنظرون؟ فوالله لتجيبنهم إلى ما أرادوا طوعًا، أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرهًا، فأطيعوني من قبل أن تندموا".

فلما رأوا منهم ما رأوا وقال لهم المقوقس ما قال، أذعنوا بالجزية ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه، وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: "إني لم أزل حريصًا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إليَّ بها، فأبى ذلك عليَّ من حضرني من الروم والقبط، فلم يكن لي أن افْتَاتَ عليهم في أموالهم وقد عرفوا نصحي لهم وحبي صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أمانًا أجتمع أنا وأنت في نفر من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تمَّ ذلك لنا جميعًا، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه".

فاستشار عمرو أصحابه في ذلك فقالوا: "لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا، وتصير الأرض كلها لنا فيئًا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه". قال عمرو: "قد علمتم ما عهد إليَّ أمير المؤمنين في عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إليَّ فيها أجبتهم إليها وقبلت منهم، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم".
فجنح المسلمون إلى الصلح كما عاهدهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وتمَّ عقد الصلح بين المسلمين والرومان، ونذكره كما أورده الطبري:
"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لُصوتُهم (جمع لِصْت، وهو اللص)، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رُفِعَ عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايتهم إذا انتهى رُفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثًا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا، على ألا يُغْزَوا ولا يُمْنَعُوا من تجارة صادرة ولا واردة".

وشرط المقوقس للروم أن يخيّروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك لازمًا له مفترضًا عليه فيمن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، على أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلنه ما فعل، وإن قبل ذلك منه ورضيه جاز عليهم، وإلا كانوا جميعًا على ما كانوا عليه، وكتبوا بذلك كتابًا.
غضب قيصر الروم.. ودخول المقوقس في المعاهدة

كتب المقوقس إلى ملك الروم يعلمه بذلك، فجاءه من ملك الروم جوابه على ذلك يقبح رأيه وعجزه ويرد عليه ما فعل، ويقول: "إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفًا، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم بالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف معهم العدة والقوة، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم على حال القبط أذلاء! ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظهر عليهم، فإنهم فيكم -على قدر كثرتكم وقوتكم، وعلى قدر قلتهم وضعفهم- كأكلة، فناهضهم القتال ولا يكون لك رأي غير ذلك". وكتب ملك الروم بمثل ذلك إلى جماعة الروم.

قال المقوقس: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل يتمنى ألا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده، ويرون أن لهم أجرًا عظيمًا فيمن قتلوا منا، ويقولون إنهم إن قُتِلُوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة في الدنيا، ولا لذة إلا قدر بُلْغَة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء؟! وكيف صبرنا معهم؟! واعلموا -معشر الروم- والله أني لا أخرج مما دخلت فيه ولا صالحت العرب عليه، وأني لأعلم أنكم سترجعون غدًا إلى رأيي وقولي، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني، وذلك أني قد عاينت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه. ويحكم! أما يرضى أحدكم أن يكون آمنًا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة؟!

ثم أقبل المقوقس على عمرو بن العاص وقال له: إن الملك قد كره ما فعلتُ وعَجَّزني، وكتب إليّ وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه، وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، وقد تمَّ صلح القبط بينك وبينهم ولم يأتِ من قِبَلِهم نقض، وأنا مُتمّ لك على نفسي، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم، وأما الروم فأنا منهم براء. وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال".
قال عمرو: "ما هن؟"
قال: لا تنقض بالقبط وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك عليه، فهم يتمون لك على ما تحب. وأما الثانية إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئًا وعبيدًا؛ فإنهم أهل ذلك لأني نصحتهم فاستغشوني، ونظرت لهم فاتهموني.
وأما الثالثة أطلب إليك إن أنا مت أن تأمرهم يدفنونني في كنيسة أبي يُحَنَّس بالإسكندرية". فقال عمرو: "هذه أهونهن علينا".
فأنعم له عمرو بن العاص بذلك، وأجابه إلى ما طلب على أن يضمنوا له الجسرين جميعًا، ويقيموا له الأضياف والأنزال والأسواق والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية، ففعلوا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:46

فتح الإسكندرية
لإسكندرية قبل الفتح الإسلامي

مدينة الإسكندريةكانت الإسكندرية عاصمة لمصر منذ أنشأها الإسكندر الأكبر في شتاء عام 331- 332 ق.م عند بلدة راكوتيس Rakotis التي يرجع تاريخها إلى 1500 ق.م، كما أضاف ضاحية نيوبوليس New Polis إلى غربها، وقد أقامها لتحل محل نوكراتيس naukratis كمركز للثقافة اليونانية في مصر، وفي العصر الروماني صارت المدينة الثانية بعد روما، وبقيت تحت سلطان الرومان أكثر من قرن من الزمان، ثم نما حجم الإسكندرية وأنشأ البطالمة فيها المتحف والمكتبة التي حوت 500.000 مجلدٍ، وفيها تمَّ ترجمة التوراة (العهد القديم Old testament) إلى اليونانية، وصارت الإسكندرية مركزًا للتجارة بين دول أوروبا والشرق، واستمر ذلك الحال حتى دُمِّرَ المتحف والمكتبة خلال الحرب الداخلية في القرن الثالث الميلادي، كما أحرق المسيحيون مكتبة فرعية عام 391م، وأنشأ أوكتافيوس مدينته المنافسة قريبًا من الرمل، وأخذت أهمية خاصة في عصرها المسيحي من ناحية الفكر اللاهوتي للحكومة، وفي عام 616 م استولى عليها الفرس من البيزنطيين، واستعادها البيزنطيون حتى فتحها المسلمون عام 21هـ/ 642م.
الزحف إلى الإسكندرية.. ومعاونة الأقباط للمسلمين!

بعد سقوط حصن بابليون في أيدي المسلمين أقاموا به، ثم كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يستأمره في الزحف إلى الإسكندرية، فكتب إليه عمر يأمره بذلك. وقد استخلف عمرو بن العاص على ما فتح خارجةَ بن حذافة السهمي، وسار على رأس من معه.

ثم حدث بعد ذلك أمران مهمان، وهما:

- جاء إلى الروم إمدادات كثيرة.

- أصبح للقبط موقفٌ واضح، ألا وهو تعاونهم مع المسلمين.
خرج عمرو بن العاص بالمسلمين حين أمكنهم الخروج، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط، وقد أصلحوا لهم الطرق وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصار القبط لهم أعوانًا على ما أرادوا من قتال الروم، وسمع بذلك الروم فاستعدوا واستجاشوا، وقدم عليهم مراكبَ كثيرة من أرض الروم فيها جموع كثيرة منهم بالعدة والسلاح، فخرج إليهم عمرو بن العاص من بابليون متوجهًا إلى الإسكندرية، فلم يلقَ منهم أحدًا حتى بلغ تَرْنُوط، فلقي بها طائفة من الروم فقاتلوه قتالاً خفيفًا فهزمهم الله، ومضى عمرو بن العاص بمن معه حتى لَقِيَ جمع الروم بكَوْم شَرِيك، فاقتتلوا به ثلاثة أيام ثم فتح الله للمسلمين، وولَّى الروم مدبرين.
وتجمع الروم والقبط دون الإسكندرية ببلدة كِرْيُون، وفيهم من أهل سَخا وبَلْهِيب والخَيْس وسُلْطَيْس وغيرهم، وهذا يخالف الروايات الصحيحة التي ذكرت أن القبط كانوا أعوانًا للمسلمين مثل رواية ابن عبد الحكم في كتابه "فتوح مصر وأخبارها"؛ ولذلك نذهب إلى أن أهل هذه القرى قام الروم بتجنيدهم وحشرهم ليقاتلوا معهم، وأثخن المسلمون الرومَ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وطاردوهم حتى بلغوا الإسكندرية فتحصنوا بها. وكانت عليهم حصون لا تُرَامُ؛ حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حُلْوَة إلى قصر فارس إلى ما وراء ذلك، ومعهم رؤساء القبط يمدونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعَلُوفة.

وقد ذكرنا من قبل أن فتح بابليون كان يوم الجمعة 29 من ذي الحجة 20هـ / 7 ديسمبر641م؛ وتقول الروايات: إن عمرو بن العاص ظل أمام الإسكندرية مُحاصِرًا لها ثلاثة أشهر. وتعني هذه الروايات أن المسلمين قطعوا ما بين بابليون حتى الإسكندرية في ستة أشهر، ثم أقاموا أمامها ثلاثة أشهر، وعلى ذلك يكون وصول المسلمين إلى الإسكندرية كان نحو 19جمادى الآخرة21هـ / 23 مايو 642م، ويكون فتحها حدث نحو 19رمضان21هـ / 19أغسطس642م، وقد ذكر خليفة بن خياط في تاريخه أن فتحها كان سنة 21هـ على يد عمرو بن العاص .
إحكام الحصار على حصن كِرْيُون

فر الرومان نحو الإسكندرية، وكان حصن كريون آخر سلسلة الحصون قبل الإسكندرية، وقد اعتصم به "تيودور" قائد الجيش البيزنطي مع حامية قوية، وبعد أن تمكن المسلمون من اقتحامه فَرَّ "تيودور" وبعض أفراد حاميته إلى الإسكندرية.
وقد أدرك عمرو فور وصوله إلى الإسكندرية ودراسته للوضع الميداني أن المدينة حصينة؛ إذ يحيط بها سوران محكمان، ولها عدة أبراج، ويحيط بها خندق يُمْلأُ من ماء البحر عند الضرورة للدفاع، وتتألف أبوابها من ثلاث طبقات من الحديد، ويوجد مجانيق فوق الأبراج، وقد بلغ عدد جنود حاميتها بعد الإمدادات التي أرسلها الإمبراطور البيزنطي خمسين ألف جندي، ويحميها البحر من الناحية الشمالية، وهو تحت سيطرة الأسطول البيزنطي، الذي كان يمدها بالمؤن والرجال والعتاد، وتحميها قريوط من الجنوب، ومن المتعذر اجتيازها، وتلفها ترعة الثعبان من الغرب، وبذلك لم يكن للمسلمين طريق إليها إلا من ناحية الشرق، وهو الطريق الذي يصلها بكريون، وكانت المدينة حصينة من هذه الناحية، ومع ذلك لم ييأس، ووضع خطة عسكرية ضمنت له النصر في النهاية، قضت بتشديد الحصار على المدينة حتى يتضايق المدافعون عنها، ويدب اليأس في نفوسهم، فيضطرون للخروج للاصطدام بالمسلمين لتخفيف وطأة الحصار، وهكذا يستدرجهم ويحملهم على الخروج من تحصيناتهم، ثم ينقض عليهم.
ونتيجة لاشتداد الصراع في القسطنطينية بين أركان الحكم، انقطعت الإمدادات البيزنطية عن الإسكندرية، إذ لم يعد أحد منهم يفكر في الدفاع عنها، مما أَثَّرَ سلبًا على معنويات المدافعين عنها، فرأوا أنفسهم معزولين ولا سند لهم، ومما زاد من مخاوفهم ما كان يقوم به المسلمون من غارات على قرى الدلتا والساحل، فإذا سيطروا عليها فسوف يقطعون الميرة عنهم.
رسالة أمير المؤمنين إلى عمرو
رسالة أمير المؤمنين عمر لعمرو بن العاصوكان عمر بن الخطاب في المدينة ينتظر أنباء فتح مصر، وهو أشد ما يكون استعجالاً لنبأ سقوط الإسكندرية في أيدي المسلمين، ولكن هذا النبأ أبطأ عنه أشهرًا، فذهب يبحث عن السبب، وهو لم يقصر عن إمداد عمرو بما يحتاج إليه من المساندة التي تكفل له النصر، وخشي أن تكون خيرات مصر قد غَرَّت المسلمين فتخاذلوا؛ فقال لأصحابه: "ما أبطَئُوا بفتحها إلا لما أحدثوا"، أي لما أحدثوا من ذنوب، وكتب إلى عمرو بن العاص:

"أما بعد، فقد عجبتُ لإبطائكم عن فتح مصر، إنكم تقاتلونهم منذ سنتين، وما ذاك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قومًا إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكونوا غيَّرَهم ما غيَّر غيرهم، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس، وحُضَّهم على قتال عدوهم، وَرَغِّبْهم في الصبر والنية، وقَدِّم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومُر الناس جميعًا أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة، ووقت الإجابة، وليعجّ الناسُ إلى الله ويسألوه النصر على عدوهم".
تحقيق النصر.. ونجاح الفتح

وعندما أتى عَمرًا الكتابُ جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر، فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله عز وجل ويسألوه النصر؛ ففعلوا ففتح الله عليهم.

ويقال: إن عمرو بن العاص استشار مَسْلَمَة بن مُخَلَّد في قتال الروم بالإسكندرية، فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله ، فتعقد له على الناس، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيك. قال عمرو: ومن ذلك؟ قال: عبادة بن الصامت.

فدعا عمرو عبادةَ فأتاه وهو راكب فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فقال له عمرو: عزمت عليك لا تنزل؛ فَنَاوِلْنِي سِنَانَ رُمحِك. فناوله إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه وعقد له، وولاه قتال الروم، فتقدم عبادة مكانه، فقاتل الروم حتى فتح الله على يديه الإسكندرية من يومهم ذلك.

يقول جنادة بن أبي أمية: دعاني عبادة بن الصامت يوم الإسكندرية، وكان على قتالهم، فأغار العدو على طائفة من الناس ولم يأذن لهم بقتالهم، فسمعني فبعثني أحجز بينهم، فأتيتهم فحجزت بينهم، ثم رجعت إليه، فقال: أَقُتِلَ أَحَدٌ من الناس هنالك؟ قلت: لا. فقال: الحمد لله الذي لم يقتلْ أحدًا منهم عاصيًا.

لقد عانت الإسكندرية من الحصار، وأَدَّى ذلك إلى هبوط معنويات الجند والقادة، خاصة بعد وفاة هرقل، فأسرع المقوقس بالسفر إلى مصر على رأس جنده لتسليم المدينة، ورافقه عدد من القساوسة، وبذلك فتح الله الإسكندرية على المسلمين.
صورة رائعة من حضارة المسلمين في التعامل مع الأعداء

تمَّ هذا الفتح عَنْوة، ولكن عمرًا جعل أهلها ذمة على أن يخرج مَن يخرج، ويقيم من يقيم باختيارهم، شأن المسلمين مع أهالي معظم البلاد التي فتحوها، وإنما عامل عمرو المصريين معاملة من فُتِحَتْ بلادُهم صلحًا ليستجلب محبتهم، وتتألف الهدنة التي عقدها المقوقس مع عمرو بن العاص من أمرين:

الأمر الأول: شروط تسليم مدينة الإسكندرية، ومنها:

- أن يدفع أهل الإسكندرية الجزية المستحقة عليهم دينارين كل عام.

- أن يحافظ المسلمون على الكنيسة المسيحية، فلا يتعرضون لها بسوء، ولا يتدخلون في شئونها.

- أن يتمتع أهل الإسكندرية بالحريات الدينية.

- أن تعقد هدنة مدتها 11 شهرًا، يبقى المسلمون في أثنائها عند مواقعهم الأولى.

- أن يكف الروم عن القتال، وألا يحاولوا استرداد مصر، ولا تعود إليها قوة حربية.

- أن ينسحب البيزنطيون، ويأخذون معهم أموالهم وأمتعتهم عن طريق البحر.

وإذا تمَّ الانسحاب دخلت قوات المسلمين واحتلت المدينة.
- أن يكون عند المسلمين من الروم 150 جنديًّا، و50 مدنيًّا رهينة؛ لتنفيذ المحافظة على الجالية اليهودية، وكان عددها عظيمًا.
- أن يرحل جند الروم من الإسكندرية في البحر على أن يحملوا متاعهم وأموالهم، ومن أراد الرحيل برًّا فليدفع كل شهر جزءًا معلومًا من المال، ما بقي في أرض مصر أثناء رحلته.
الأمر الثاني
أن المعاهدة القديمة التي عقدها المقوقس مع عمرو بن العاص بحصن بابليون، ستطبق على القطر المصري كله، وتصبح معاهدة يدخل فيها جميع المصريين من حيث تأمين أهل مصر على أنفسهم ومِلَّتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلُبِهم وبَرِّهم وبحرهم، بما يضمن منح المصريين حقوقهم وحرياتهم، وقد حمل "قيرس" شروط الصلح إلى "تيودور" وهو القائد الأعلى للجيش للموافقة عليها، وأُرسِلت إلى قنسطانز فأقرها، ولكن الروم بعد ذلك لم يحترموا هذه المعاهدة؛ فقد أرسل الإمبراطور جيشًا بقيادة "منويل"، فاحتلها وقتل حاميتها.

وبالفعل تمَّ تنفيذ الاتفاق، وأخلى الروم الإسكندرية، ورحلوا عنها قبل حلول الموعد المحدد لانتهاء الهدنة بين الطرفين، إذ تمَّ إخلاؤها بتاريخ السابع عشر من سبتمبر سنة 642م.
تأمين حدود مصر

لقد حرص عمرو بن العاص على تأمين الإسكندرية من هجمات الأعداء المباغتة، فجعل نصف جنده معه بالفسطاط، وأمر النصف الآخر بالمرابطة بسواحل مصر، خاصة الإسكندرية، بحيث يتم ذلك بالتبادل صيفًا وشتاءً، مدة ستة أشهر لكل فريق مع توفير المساكن اللازمة للإقامة هناك.
وبعد أن فرغ المسلمون من فتح مصر، رأى عمرو بن العاص ضرورة تأمين حدودها من جهة الغرب، وبخاصة أن الروم قد أُجبِرُوا على الخروج منها، وهم يتحينون الفرصة لاستعادتها. ولما كانوا يبسطون نفوذهم وسلطانهم على المناطق التي تقع غرب مصر حتى المحيط الأطلنطي، كان لا بد من تأمين تلك الحدود؛ لذلك كان من الضروري استمرار الفتح غربًا لارتباط تلك المناطق الوثيق بمصر؛ فقد كانت أنطابُلُس (برقة) وطرابلس قد انفصلتا عن الإمبراطورية البيزنطية منذ عهد موريس 583- 602م، وكانتا شبه مستقلتين وتابعتين لمصر رسميًّا، وأيدتا "جريجوريوس" لدى انفصاله عن الإمبراطورية البيزنطية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:48

إنشاء الفسطاط


يعتبر تخطيط وإنشاء المدن الإسلامية من الأعمال العمرانية المهمة التي قام بها عمرو، لقد كان الهدف من إنشاء هذه المدن من أجل جند المسلمين وعائلاتهم في المناطق المفتوحة؛ ليكون الجند فيها مستعدين دائمًا للجهاد في سبيل الله، وللدفاع عن حدود الدولة الجديدة، ونقطة انطلاق عسكري لأي توسع إسلامي. وكان المسلمون قبل إنشاء المدن يقيمون بمساكن من القصب، فكانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب وحزموه ووضعوه حتى يرجعوا من الغزو، وإذا رجعوا أعادوا بناءه، فلم تزل الحال كذلك حتى كانت أوامر أمير المؤمنين ببناء المدن.

وإذا ما بحثنا في تاريخ العرب المسلمين نرى أنهم حين خرجوا من شبه الجزيرة العربية فاتحين ورجال دعوة للدين الإسلامي، وبناة حضارة جديدة، كانوا قد تعودوا على الاستقرار في المدن كمكة والمدينة، ناهيك عن إقامتهم في المدن التي كانت قائمة في جنوبي الجزيرة العربية منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وحضارات عرب سوريا قبل الإسلام كالأنباط والتدمريين والغساسنة واللخميين.

لذلك يمكننا القول: إن العرب المسلمين حينما خرجوا فاتحين كانوا مهيئين لهذه النقلة التاريخية من طور البداوة إلى طور الحضارة، وهذا ما جسده بناء البصرة والكوفة، ثم الفسطاط في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

وفي ذلك نقول: إن الدعوة الإسلامية أحدثت ثورة دينية، وسياسية، واقتصادية؛ فقد تجاوز الإسلام بالعرب الحدود القبلية، ثم وحدهم بحروب الردة في نطاق أمة واحدة، ودفعهم إلى الجهاد فأخرجهم من مواطنهم إلى آفاق جغرافية جديدة، ولم يعد المتتبع لسير حركة الفتوح يرى فيهم جماعات متعددة، وإنما يرى جماعة واحدة، تملأ عقيدتها ما كان بينها من فراغ.

وقد أُنشِئَتِ البصرة سنة 15هـ، والكوفة سنة 17هـ، والفسطاط سنة 21هـ.
إنشاء الفسطاط

جامع عمرو بن العاص بمدينة الفسطاطتقع الفسطاط في إقليم مصر على ساحل النيل في طرفه الشمالي الشرقي، قبل القاهرة بحوالي ميلين، وكان النيل عندها ينقسم إلى قسمين، وموضعها كان فضاءً ومزارعَ بين النيل والجبل الشرقي، ليس فيه من البناء والعمارة سوى حصن بابليون الذي يطل على النيل من بابه الغربي الذي يعرف بباب الحديد، واستفادت الفسطاط من موقعها على النيل بنتيجتين:

فقد يسر النيل للأهالي سبل الحصول على الماء من جهة، وخدم توسعها العمراني من جهة ثانية، فتحكمت بطرق المواصلات التجارية الداخلية والخارجية بين مصر والشام، وبين مصر والحجاز.

وقد اكتشف هذا الموقع الإستراتيجي الفراعنة والبابليون والرومان، فاتخذ منه الفراعنة مكانًا لمدينة كبيرة، جعلها البابليون مكانًا لاستقرارهم عند نزولهم في مصر، ثم اتخذه الرومان مقرًّا لدفاعهم يصلون به الوجهين البحري والقبلي، ويدفعون منه كل معتدٍ خارجي على مصر.

والفسطاط من حيث المناخ، تتبع المناخ شبه الصحراوي، فهي حارة نهارًا وباردة ليلاً، لا ينزلها المطر إلا نادرًا، كما هو الحال في باقي إقليم مصر ما عدا الإسكندرية.

وبعد الصلح سار المسلمون إلى الإسكندرية وعاونهم القبط في أعمالهم، ورحبوا بهم. وعند حصن الإسكندرية اقتتلوا قتالاً شديدًا، ثم تمَّ لهم فتحها بعد حصار دام بضعة أشهر، وقبل أهل مصر الصلح.

وعليه نشير إلى أن عمرو بن العاص حينما عزم على التوجه إلى الإسكندرية، أمر بنزع فسطاطه الذي ضربه قرب حصن بابليون، فإذا فيه يمام قد فرخ فأقره كما هو.

وحينما فتح المسلمون الإسكندرية أراد عمرو بن العاص اتخاذها عاصمة ودار هجرة للمسلمين، فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في ذلك، فسأل عمر رسول عمرو بن العاص: "هل يحول بيني وبين المسلمين الماء؟" فأجابه: نعم.

فكتب عمر إلى ابن العاص أن يرحل عن هذا المكان؛ لأنه لا يريد أن يحول بينه وبين المسلمين الماء، لا في الصيف ولا في الشتاء.

فتحول عمرو بن العاص إلى موضع فسطاطه القديم، وذلك حينما استشار أصحابه أين ينزلون، فأشاروا عليه بالنزول في هذا الموضع، وكان مضروبًا في موضح الدار التي تعرف بدار الحصى عند دار عمرو الصغرى، ثم انضمت إليه القبائل وتنافست في المواضع، واختط عمرو المسجد الجامع الذي عرف بتاج الجوامع، وكان حوله حدائق وأعناب، وقام عمرو بنصب الحبال مع أصحابه حتى استقامت، وقد اشترك في وضع قبلة المسجد من ثمانين صحابيًّا، واتخذوا فيه منبرًا، ثم اختط الناس بعد اختطاط المسجد الجامع، ونزل المسلمون الفسطاط بعد تمصيره سنة 21هـ.

هذا، وقد أنزل عمرو بن العاص القبائل العربية بالفسطاط، وبعد أن اختط المسجد الجامع، بنى للخليفة عمر دارًا عند المسجد، فكتب إليه عمر قائلاً: "أنَّى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر؟!" وأمره أن يجعلها سوقًا للمسلمين، وتمَّ ما أراده أمير المؤمنين، وأصبحت هذه الدار تسمى بدار البركة.

وسَرْعان ما اتخذت الفسطاط مظهر المدينة بجامعها الكبير، وبأسواقها التجارية التي أحاطت به، وبدور السكن التي ارتفعت بمرور الزمن إلى خمسة وسبعة أطباق، وعظم أمرها واغتنت، وكثر ساكنوها حتى قاربت ثلث بغداد مساحة، أي حوالي فرسخ على غاية الخصب والعمارة والحضارة، وبقيت دار الإمارة حتى سقطت الدولة الأموية، وبنيت المعسكرات بظاهرها.

وقد وُفِّقَ عمرو بن العاص في اختيار الموقع الإستراتيجي لبناء الفسطاط سياسيًّا وجغرافيًّا؛ فالموقع الذي ضرب عليه عمرو فسطاطه كان موضعًا لمدينة قديمة اندثرت ثم ازدهرت ثانية مع دخول الإسلام لمصر، وإنما بنمط معماري جديد وبحياة وحضارة جديدتين، حتى أصبحت الفسطاط -مع هذا كله- مدينة جديدة زاهرة بكل ما يجعل شأن العواصم كبيرًا.

وكان ذلك إيذانًا بدخول وادي النيل في الإسلام لتسطع من الفسطاط فيما بعد أنوار الحضارة العربية الإسلامية وأنوار الدين الإسلامي، ولتصبح فيما بعد قاعدة الفتوح الإسلامية في المغرب.
وعن سبب التسمية نشير إلى أن عمرو بن العاص كما يذكر الطبري، وبعد فتح حصن بابليون أراد رفع الفسطاط والمسير إلى الإسكندرية لإتمام فتح مصر، فإذا يمام قد فرخ في أعلاه فتركه على حاله، وأوصى به صاحب الحصن والقصر.
فلما فتح الإسكندرية وأراد الاستقرار بها نهاه عمر بن الخطاب عن ذلك، وأوصاه باختيار موضع وسط يتيسر الاتصال به، فلم يجد عمرو أنسب من اختيار الموقع الملاصق لحصن بابليون لحصانته وموقعه، وسأل أصحابه: أين تنزلون؟
قالوا: نرجع إلى موقع فسطاطه؛ لنكون على ماء وصحراء. فعاد إليها ومَصَّرَها وأقطعها للقبائل التي معه، فنسبت المدينة إلى فسطاطه، فقيل: فسطاط عمرو. فالفسطاط على هذا النحو معسكر أو مخيم أو بيت من الشَّعر.
ويذكر ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار أن العرب يقولون لكل مدينة: الفسطاط، ولذا سموا مصر بالفسطاط، ويستشهد على ذلك بحديث للرسول رواه أبو هريرة، قال فيه: "عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الفسطاط" أي المدينة.
تخطيط الفسطاط
وعن تخطيط المدينة العمراني نشير إلى أن أول بناء اختطه عمرو بن العاص في الفسطاط كان مسجده الجامع، وكان مسجدًا كبيرًا شريف القدر شهير الذكر، ثم بنى عمرو داره الكبرى عند باب المسجد، وكان يفصلها عن الجامع طريق، ثم اختط دارًا أخرى ملاصقة لها، وبنى حمام الفار (الذي سمي كذلك لصغر حجمه، قياسًا بحمامات الروم الضخمة)، واختطت قريش والأنصار وأسلم وغفار وجهينة، ومن كان قد اشترك في جيش المسلمين حول المسجد الجامع ودار عمرو.
هذا، وكانت هذه الخطط في الفسطاط بمثابة الحارات في القاهرة، واختط خارجة بن حذافة غربي المسجد، وبنى أول غرفة بمصر، والغرفة هي قاعة تعلو الدار وتطل على الطريق، وهي التي أمره عمر بن الخطاب بهدمها؛ لكي لا يطلع على عورات جيرانه.
أما الدار البيضاء التي استغرق بناؤها أربعين يومًا فاختطها عبد الرحمن بن عُدَيْس البلوي، وبُنِيَتْ لمروان بن الحكم حين قدم إلى مصر، وكانت صحنًا وموقفًا لخيل المسلمين بين المسجد ودار عمرو.
وبنى عمرو بن العاص لبني سهم دار السلسلة الواقعة غربي المسجد، واختطت ثقيف في الركن الشرقي للمسجد الجامع، واختط أبو ذر الغفاري دار العمد ذات الحمام، واختطت همذان الجيزة، وحينما أخبر عَمرو عُمر بن الخطاب بذلك ساءه، وكتب إلى عمرو يقول:
كيف رضيت أن تفرق عنك أصحابك؟! لم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر، لا تدري ما يفاجئهم، فلعلك لا تقدر على غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره، فاجمعهم إليك، فإن أبوا عليك وأعجبهم موضعهم فابنِ عليهم من فَيْء المسلمين حصنًا.
وحينما لم يرجعوا ومن والاهم من رهطهم كيافع وغيرها، بنى لهم عمرو الحصن سنة 22هـ.
وكان يتوسط خطط الجيزة أرض فناء فسيحة، فلما قدمت الإمدادات زمن عثمان بن عفان، وفيما بعد ذلك، كثر الناس في هذه الأرض، وكثر بنيانها حتى التأمت خطط الجيزة، وأصبحت امتدادًا للفسطاط وأرضًا منها.
وكثرت بالفسطاط الحارات والأزقة والدروب، التي تعتبر مظهرًا من مظاهر التوسع العمراني والازدهار الاقتصادي؛ يقول في ذلك جمال الدين الشيال اعتمادًا على حفريات الفسطاط لبهجت وعكوش: إنه كان يفصل بين منازل الفسطاط أنواع من الطرقات المختلفة الاتساع والامتداد، فأكبرها لا يزيد عرضه عن ستة أمتار، وأضيقها لا يتجاوز مترًا ونصف المتر، وكان يطلق عليها بنسبة عرضها أو اتساعها أو طولها أو اتصالها اسم حارة أو درب أو زقاق، وكانت تسمى بأسماء القبائل التي نزلت بها، أو باسم كبار العرب الذين سكنوها، أو بأسماء الحرف والصناعات، أو أنواع التجارة.

المساجد:
جامع عمرو

جامع عمرو بن العاص أول جامع بمصرهو أول جامع أقيم في مصر، ويعرف بالجامع العتيق، وكان موضعه جبانة، وعندما نزل المسلمون في مكانه حاز موضعه قيسبة بن كلثوم التجيبي ونزله، وحينما رجع المسلمون من الإسكندرية إلى هذا المكان، سأل عمرو قيسبة في منزله هذا أن يجعله مسجدًا، فتصدق به على المسلمين، فبُنِيَ في سنة 21هـ، وقد وقف على تحرير قبلته جمع كبير من جِلَّة الصحابة رضوان الله عليهم، قال المقريزي: إنهم ثمانون رجلاً من أصحاب رسول الله ، منهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، وغيرهم رضي الله عنهم، وكان طوله خمسين ذراعًا في عرض ثلاثين، ثم توالت الزيادات، إلى أن كانت سنة 212هـ، إذ أمر عبد الله بن طاهر والي مصر من قبل المأمون بتوسيعه، فزيد فيه مثله، وبذلك بلغت 5012 * 50120 مترًا.
وكانت تقام فيه حلقات الدروس، بعضها للإرشاد، والآخر لدروس الفقه والحديث وعلوم القرآن والأدب، فكان جامعة إسلامية ذاع ذكرها في الآفاق، وصار يقصدها الطلاب من الأقطار المختلفة.
ويروي ابن إسحاق أن عَمرًا بنى بعد فتح الإسكندرية مسجدًا، كان لا يزال باقيًا إلى عصره.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:49

عمرو بن العاص .. فاتح مصر
هو الصحابي الجليل عمرو بن العاص بن وائل، القرشي السهمي، يكنى أبا عبد الله وأبا محمد. كان في الجاهلية جزارًا، وكان يحترف التجارة أيضًا، فقد كان يسافر بتجارته إلى الشام واليمن ومصر والحبشة. كما كان من فرسان قريش وأبطالهم المعدودين، مذكورًا بذلك فيهم، وكان أيضًا شاعرًا حسن الشعر، حفظ عنه الكثير في مشاهد شتى. كما كان معدودًا أيضًا من دهاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم، ولذلك أرسلته قريش إلى النجاشي ملك الحبشة ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده.

وبعد أن رجع من الحبشة، وفي سنة ثمانٍ من الهجرة، وقبل الفتح بنحو ستة أشهر قدم هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة المدينة مسلمين، فلما دخلوا على رسول الله ونظر إليهم قال: "قد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها". وكان قد همّ بالإقبال إلى رسول الله في حين انصرافه من الحبشة، ثم لم يعزم له إلى ذلك الوقت.

ولما أسلم كان النبي يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته، وقد بعث إليه رسول الله يومًا يقول له: "خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني". قال عمرو: فأتيته وهو يتوضأ فصعّد فيَّ النظر، ثم طأطأه فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيش فيُسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة". قال: قلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله . فقال: "يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح".

وقد كان من أهم ملامح شخصيته ما يلي:

1- يفزع إلى الله ورسوله:

فقد أخرج ابن حبان في صحيحه عنه أنه قال: فزع الناس بالمدينة مع النبي فتفرقوا، فرأيت سالمًا مولى أبي حذيفة احتبى بسيفه وجلس في المسجد، فلما رأيت ذلك فعلت مثل الذي فعل، فخرج رسول الله فرآني وسالمًا، وأتى الناس فقال رسول الله : "يا أيها الناس، ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله! ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان؟".

2- شهد له رسول الله بالإيمان:

وفي ذلك أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله : "ابنا العاص مؤمنان، هشام وعمرو".

3- أميرٌ عليم بالحرب:

فقد ذكر ابن حجر في الإصابة من طريق الليث قال: نظر عمر إلى عمرو يمشي، فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا.

وأخرج الحاكم أيضًا في المستدرك عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارًا، فغضب عمر وهمَّ أن ينال منه، فنهاه أبو بكر وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله عليك إلا لعلمه بالحرب، فهدأ عنه عمر .

كما يحكي هو عن نفسه فيما أخرجه الحاكم أيضًا فيقول: "ما عدل بي رسول الله وبخالد بن الوليد أحدًا من أصحابه في حربه منذ أسلمنا".

4- شديد التواضع:

وهو فوق ذلك متواضع شديد التواضع، وقد أخرج ابن المبارك عن جرير بن حازم قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول: مَرَّ عمرو بن العاص فطاف بالبيت فرأى حلقة من قريش جلوسًا، فلما رأوه قالوا: أهشام (أخو عمرو) كان أفضل في أنفسكم أو عمرو بن العاص؟ فلما فرغ من طوفه جاء فقام عليهم فقال: إني قد علمت أنكم قد قلتم شيئًا حين رأيتموني، فما قلتم؟ قالوا: ذكرناك وهشامًا فقلنا: أيهما أفضل؟ فقال: سأخبركم عن ذلك, إنا شهدنا اليرموك فبات وبِتُّ في سبيل الله وأسأله إياها، فلما أصبحنا رُزِقَهَا وحُرِمْتُهَا، ففي ذلك تبين لكم فضله عليَّ.

وقد ولاه رسول الله غزاة ذات السلاسل، وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح، ثم استعمله على عُمان فمات وهو أميرها، ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر، وهو الذي افتتح قِنَّسْرِين وصالح أهل حلب ومَنْبج وأنطاكية وولاه عمر فلسطين، هذا غير جهاده العظيم في حروب الردة.
جهاده في حرب الردة

مات الرسول وعمرو بعُمان، فأقبل حتى انتهى إلى البحرين فوجد المنذر بن ساوى في الموت، ثم خرج عنه إلى بلاد بني عامر فنزل بقُرَّة بن هبيرة وهو يقدم رِجلاً إلى الردة ويؤخر أخرى ومعه جيش من بني عامر، فأكرم قُرَّة مثواه، فلما أراد عمرو الرحلة خلا به قرة وقال: يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة، فإن أعفيتموها من أخذ أموالها فتسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم. فقال عمرو: أكفرت يا قرة؟ أتخوفنا بالعرب؟! فوالله لأُوطِئَنَّ عليك الخيل في حفش أمك. (والحفش: بيت ينفرد فيه النفساء).

ومر بمسيلمة الكذاب فأعطاه الأمان، فقال له عمرو: "اعرض لي ما تقول". فذكر مسيلمة بعض كلامه، فقال عمرو: "والله إنك لتعلم إنك من الكاذبين" فتوعده مسيلمة.

ولما وصل عمرو المدينة وعقد أبو بكر أحد عشر لواء لحرب أهل الردة، عقد لعمرو وأرسله إلى قضاعة، وكان قد حاربهم في حياة النبي في غزوة ذات السلاسل، وكانت قضاعة قد ارتدت بعد وفاة النبي ، فلما أنفذ إليهم أبو بكر جيشًا بقيادة عمرو، سار عمرو بجيشه في الطريق الذي سلكه من قبل حتى وصل بلاد قضاعة، فأعمل السيف في رقابهم وغلبهم على أمرهم، فعادوا إلى الإسلام، وعاد هو إلى المدينة حاملاً لواء النصر.
جهاده في أرض الشام

رد أبو بكر عَمْرًا إلى عمله الذي كان رسول الله ولاه إياه في (عُمان)، فلما أراد إرسال الجيوش لفتح أرض الشام كتب أبو بكر لعمرو: "إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك رسول الله ووعدك به أخرى؛ إنجازًا لمواعيد رسول الله وقد وليته، وقد أحببت أن أفرغك لما هو خير لك في الدنيا والآخرة، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك". فكتب إليه عمرو: "إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارمِ به شيئًا إن جاءك من ناحية من النواحي".

فعقد أبو بكر لعمرو وأمره أن يسلك طريق (أيلة) عامدًا إلى فلسطين، وكان العقد لكل أمير من أمراء الشام في بدء الأمر ثلاثة آلاف رجل، فلم يزل أبو بكر يتبعهم الإمداد حتى صار مع كل أمير سبعة آلاف وخمسمائة، وكان جيش عمرو مؤلفًا من أهل مكة والطائف وهوازن وبني كلاب، وقال أبو بكر لعمرو: "قد وليتك هذا الجيش، فانصرف إلى أرض فلسطين، وكاتب أبا عبيدة وانجده إذا أرادك ولا تقطع أمرًا إلا بمشورته". فأقبل عمرو على عمر بن الخطاب وقال له: "يا أبا حفص، أنت تعلم شدتي على العدو وصبري على الحرب، فلو كلمت الخليفة أن يجعلني أميرًا على أبي عبيدة، وقد رأيت منزلتي عند رسول الله ، وإني لأرجو أن يفتح الله على يدي البلاد ويهلك الأعداء". فقال عمر بن الخطاب: "ما كنت بالذي أكلمه في ذلك؛ فإنه ليس على أبي عبيدة أمير، ولَأَبو عبيدة أفضل منزلة منك وأقدم سابقة منك، والنبي قال فيه: "أبو عبيدة أمين الأمة". فقال عمرو: "ما ينقص من منزلته إذا كنت واليًا عليه؟!" فقال عمر: "ويلك يا عمرو! إنك ما تطلب بقولك هذا إلا الرياسة والشرف، فاتقِ الله ولا تطلب إلا شرف الآخرة، ووجه الله تعالى". فقال عمرو: "إن الأمر كما ذكرت".

وما كادت جيوش المسلمين تصل أرض الشام، حتى بعث هرقل قادته وجيوشه باتجاه قادة وجيوش المسلمين، فكان "تذارق" شقيق هرقل أمام عمرو على رأس جيش عدده تسعون ألفًا، ولكن قادة المسلمين فوتوا على الروم فرصة ضرب جيوش المسلمين على انفراد؛ إذ كاتبوا عَمْرًا: ما الرأي؟ فأجابهم: "إن الرأي لمثلنا الاجتماع، فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة، وإذا نحن تفرقنا لا تقوم كل فرقة لمن استقبلها لكثرة عدونا". وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم مثل جواب عمرو، وقال: "إن مثلكم لا يؤتى من قلة وإنما يؤتى العشرة آلاف من الذنوب، فاحترسوا منها، واجتمعوا باليرموك".

واجتمع المسلمون باليرموك، واجتمع الروم بها أيضًا، فنزل الروم (الواقوصة)، وهي على ضفة اليرموك خندقًا لهم، وانتقل المسلمون عن معسكرهم فنزلوا على طريق الروم وليس للروم طريق إلا عليهم، قال عمرو: "أيها الناس أبشروا، حصرت - والله - الروم، وقلما جاء محصور بخير".

وفي معركة اليرموك الحاسمة كان عمرو على الميمنة، فكان له أثر كبير على انتصار المسلمين في هذه المعركة، وفي معركة فتح دمشق نزل عمرو بجيشه من ناحية باب (توما)، وبعد فتحها سار المسلمون نحو (فحل) وعليهم شرحبيل ابن حسنة، وكان عمرو وأبو عبيدة بن الجراح على المجنبتين، فانتصر المسلمون على الروم أيضًا. كما شهد مع شرحبيل فتح (بيسان وطبرية)، وصالحا أهل الأردن.

وعلم عمرو أن الروم حشدوا جيوشهم وعلى رأسها قائد فلسطين أرطبون في أجنادين، فسار عمرو ومعه شرحبيل ابن حسنة واستخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غورًا، وكان قد وضع بالرملة جندًا عظيمًا، و(بإيلياء) جندًا عظيمًا أيضًا، فلما بلغ عمر بن الخطاب الخبر قال: "رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب (يقصد عَمْرًا)، فانظروا عما تنفرج".

وكان معاوية بن أبي سفيان قد شغل أهل قيسارية عن عمرو، كما جعل عمرو علقمة بن حكيم الفارسي ومسروق العكي وجعل أبا أيوب المالكي بالرملة، فشغل هؤلاء القادة القوات الرومانية عن قوات عمرو الأصلية.

وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر على الأرطبون ولا تشفيه الرسل، فسار إليه بنفسه ودخل عليه كأنه رسول، ففطن به الأرطبون، وقال: لا شك أن هذا هو الأمير أو من يأخذ الأمير برأيه. فأمر رجلاً أن يقعد على طريقه ليقتله إذا مرَّ به، وفطن عمرو إلى غدر الأرطبون فقال له: "قد سمعت مني وسمعت منك، وقد وقع قولك مني موقعًا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكاتفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنت على رأس أمرك". فقال الأرطبون: نعم، ورد الرجل الذي أمره بقتل عمرو. فخرج عمرو من عند الأرطبون، فعلم الرومي بأن عمرًا خدعه، فقال: "خدعني الرجل! هذا أدهى الخلق". وبلغت خديعته عمر بن الخطاب فقال: "لله دَرُّ عمرو!".

وقد عرف عمرو من استطلاعه الشخصي هذا نقاط الضعف في مواضع الروم، فهاجمهم واقتتلوا قتالاً شديدًا كقتال اليرموك حتى كثرت القتلى بينهم، ولكن أرطبون انهزم فأوى إلى (إيلياء) ونزل عمرو أجنادين، وانضم علقمة ومسروق وأبو أيوب إلى عمرو بأجنادين.

ولما دخل أرطبون إيلياء فتح عمرو غزة وسَبَسْطِية ونابُلُس واللُّدّ ويُبْنَى وعَمَواس وبيت جِبْرين ويافا ورفح، وقدم عليه أبو عبيدة بن الجراح وهو محاصر بإيلياء وهي بيت المقدس، فطلب أهل إيلياء من أبي عبيدة الصلح على مثل ما صولح عليه أهل مدن الشام على أن يكون المتولي للعقد لهم عمر بن الخطاب نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فقدم عمر وأنفذ صلح (إيلياء) وكتب لهم به عهدًا.

وحاصر عمرو قيسارية بعد فتح بيت المقدس، ولكنه خرج إلى مصر فتولى فتحها معاوية بن أبي سفيان. لقد شهد عمرو أكثر معارك فتح أرض الشام، وكان فتح أكثر فلسطين على يديه.
عمرو بن العاص.. شبهات وردود

قلما تجد فاضلاً ليس له حساد ومفترون، وهذا الأمر لم يسلم منه عمرو بن العاص ؛ فقد اختُلق في حقه قصة باطلة بصفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.

يقول نصر بن مزاحم الكوفي: وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا، وحمل عمرو بن العاص فاعترضه عليّ وهو يقول:

قد علمت ذاتُ القُرون الميل ... والخِصر والأنامل الطَّفول

إلى أن يقول: ثم طعنه فصرعه، واتقاه عمرو برجله فبدت عورته، فصرف علي وجهه عنه وارتُثَّ، فقال القوم: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين. قال: وهل تدرون من هو؟ قالوا: لا. قال: فإنه عمرو بن العاص، تلقاني بعورته فصرفت وجهي.

وذكر القصة أيضًا ابن الكلبي، كما ذكرها السهيلي في الروض الأنف، وقال عن قول علي (إنه اتقاني بعورته فأذكرني الرَّحِمَ): "ويُروى مثل ذلك عن عمرو بن العاص مع علي يوم صفين، وفي ذلك يقول الحارث بن النضر الشهمي رواه ابن الكلبي وغيره:

أفي كل يوم فارس غير منته ... وعورته وسط العجـاجة بادية

يكف لها عنه عليٌّ سـنانه ... ويضحك منه في الخلاء معاوية

والرد على هذا الافتراء والإفك المبين كالآتي:

فراوي الرواية الأولى نصر بن مزاحم الكوفي صاحب وقعة صفين شيعي جَلْد، لا يستغرب عنه كذبه وافتراؤه على الصحابة، قال عنه الذهبي في الميزان: نصر بن مزاحم الكوفي رافضي جَلْد، متروك، قال عنه العقيلي: شيعي، في حديثه اضطراب وخطأ كثير. وقال أبو خيثمة: كان كذابًا. وقال عنه ابن حجر: قال العجلي: كان رافضيًّا غاليًا، ليس بثقة ولا مأمون. وأما الكلبي هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فقد اتفقوا على غلوه في التشيع. قال الإمام أحمد: من يحدث عنه؟! ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه. وقال الدارقطني: متروك.

وعن طريق هذين الرافضين سارت هذه القصة في الآفاق، وتلقفها من جاء بعدهم من مؤرخي الشيعة وبعض أهل السنة ممن راجت عليهم أكاذيب الرافضة، وتُعدُّ هذه القصة أُنموذجًا لأكاذيب الشيعة الروافض وافتراءاتهم على صحابة رسول الله، فقد اختلق أعداء الصحابة من مؤرخي الرافضة مثالب لأصحاب رسول الله وصاغوها على هيئة حكايات وأشعار لكي يسهل انتشارها بين المسلمين، هادفين إلى الغَضِّ من جناب الصحابة الأبرار في غفلة من أهل السنة الذين وصلوا متأخرين إلى ساحة التحقيق في روايات التاريخ الإسلامي، بعد أن طارت تلكم الأشعار والحكايات بين القصّاص، وأصبح كثير منها من المُسلَّمات، حتى عند مؤرخي أهل السنة للأسف!
ولاية عمرو بن العاص على مصر

وَلَّى معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص على مصر عام 41هـ، وهذا من باب وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فعمرو فاتح مصر وواليها على عهد عمر وعثمان رضوان الله عليهم، وهو أقرب الناس لتولي هذه الولاية المهمة.

وقد تكاثرت الروايات الموضوعة والضعيفة في العلاقة بين عمرو ومعاوية رضي الله عنهما، واشتمل على مغامز خفية ومعلنة على الرجلين، وتشير بعضها إلى أن معاوية قد أعطى ولاية مصر لعمرو بن العاص مكافأة له نظير وقوفه إلى جانبه أثناء الفتنة التي أعقبت استشهاد عثمان بن عفان . وفي ذلك يقول الدكتور علي محمد الصلابي: "وهذا الأمر قد بينته في كتابي عن علي بن أبي طالب بأن وقوف عمرو بن العاص مع معاوية في المطالبة بالتعجيل بتطبيق القصاص على قتلة عثمان لم يكن تضامنًا من عمرو مع شخص معاوية، بل كان نابعًا من اجتهاد عمرو الشخصي في هذه المسألة، حيث رأى الأخذ بالقوة من قتلة عثمان على الفور، فكان هذا الاجتهاد من عمرو بن العاص متطابقًا مع اجتهاد معاوية بن أبي سفيان في القضية نفسها".

وقد كانت ولاية عمرو بن العاص على مصر ذات صلاحيات واسعة بسبب ما كان يتمتع به من مقدرة إدارية فائقة، وقابليات سياسية وعسكرية متميزة، فقد واصل فتوحات الشمال الأفريقي ونظم أمر العطاء والإعمار والبناء والزراعة والري بمصر، وقد بقي في ولاية مصر حتى وفاته عام 43هـ.
إعطاء مصر طُعْمَة لعمرو بن العاص

تتعدد الروايات التي تنص على أن معاوية أعطى مصر طعمة لعمرو بن العاص لقاء تأييد الأخير له في حربه ضد علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم.

وجُلُّ هذه الأخبار تحوي روحًا عدائية لعمرو ومعاوية، وتصور اتفاقهما على حرب عليّ، كما لو كانت مؤامرة دنيئة أو صفقة مريبة، خان فيها الرجلان ربهما، ودينهما، وتاريخهما، مقابل عَرَضٍ زائل أو نصر سريع، وكأنه من المستحيل أن يبذل ابن العاص نصرة لقضية اجتمع حولها آلاف الرجال من الشام وغيرها، وهي الطلب بدم عثمان إلا إذا نال ولاية مصر وخراجها لنفسه.

وبعض هذه الروايات تحوي سُبابًا لهذين الصحابيين، كأن تزعم أن عَمرًا فضل ولاية مصر على حُسنَى الآخرة وصرح بذلك؛ فقال: "إنما أردنا هذه الدنيا"، أو أنه قال لمعاوية: "لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك"، أو قوله: "إنما أُبايعك بها ديني" (أي بمصر)، أو قوله لمعاوية: "ولولا مصر وولاياتها لركبت المنجاة منها؛ فإني أعلم أن علي بن أبي طالب على الحق وأنت على ضده". إلى غير ذلك من الروايات.

وهي روايات باطلة وموضوعة عند المسعودي، وكتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة وغيرها، تمسخ عمرو بن العاص إلى رجل مصالح، وصاحب مطامع وراغب دنيا.

وقد تأثر بالروايات الضعيفة والموضوعة والسقيمة مجموعة من الكتاب والمؤرخين، فأهووا بعمرو إلى الحضيض، كالذي كتبه محمود شيت خطاب، وعبد الخالق سيد أبو رابية، وعباس محمود العقاد الذي يتعالى عن النظر في الإسناد، ويستخف بقارئه، ويظهر له صورة معاوية وعمرو رضي الله عنهما بأنهما انتهازيان، صاحبا مصالح، ولو أجمع النقاد التاريخيون على بطلان الروايات التي استند إليها في تحليله، فهذا لا يعني للعقاد شيئًا.

فقد قال بعد أن ذكر روايات ضعيفة واهية لا تقوم بها حجة: "وليقل الناقدون التاريخيون ما بدا لهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار، وصحة هذه الكلمات وما ثبت نقله ولم يثبت منه سنده ولا نصه، فالذي لا ريب فيه، ولو أجمعت التواريخ قاطبة على نقضه أن الاتفاق بين الرجلين، كان اتفاق مساومة ومعاونة على الملك والولاية، وأن المساومة بينهما كانت على النصيب الذي آل إلى كل منهما، ولولاه ما كان بينهما اتفاق".

وهناك عدة دلائل ترد على الروايات الضعيفة، والموضوعة والسقيمة التي لاقت رواجًا واستقرارًا في تشويه عمرو بن العاص ومعاوية بالظلم والبهتان، منها ما عرف من صحة إسلام وتقوى معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وتاريخهما المضيء في خدمة دين الله منذ أسلما.

ففي معاوية يكفي دعاء رسول الله عندما قال: "اللهم اجعله هاديًا مهديًّا، واهدِ به". وقوله : "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب، وقهِ العذاب". وأما عمرو بن العاص فقد شهد له رسول الله بالإيمان حيث قال: "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص". وفي حديث آخر - كما قدمنا - قال: "ابنا العاص مؤمنان: عمرو وهشام". وقول رسول الله : "وصدق عمرو، إن لعمرو عند الله خيرًا كثيرًا".

وعلى هذا فإن بيعة عمرو لمعاوية في عهد عليّ كانت على الطلب بدم عثمان ، فقد كان تأثُّر عمرو بمقتل عثمان عظيمًا، فعندما سمع خبر مقتل عثمان ارتحل راجلاً يبكي، ويقول: يا عثماناه، أنعي الحياء والدين. حتى قدم دمشق، فقد كان من أقرب أصحابه وخلانه ومستشاريه، وكان يدخل في الشورى في عهد عثمان من غير ولاية، ومضى إلى معاوية ليتعاونا معًا على الاقتصاص من قتلة عثمان، والثأر للخليفة الشهيد، لقد كان مقتل عثمان كافيًا لأن يحرك كل غضبه على أولئك المجرمين السفاكين، وكان لا بد من اختيار مكان غير المدينة للثأر من هؤلاء الذين تجرءوا على حرم رسول الله وقتلوا خليفته على أعين الناس.

وأي غرابة أن يغضب عمرو لعثمان؟! وإن كان هناك من يشك في هذا الموضوع، فمداره على الروايات المكذوبة التي تصور عَمرًا: كل همه السلطة والحكم.

ومن الدلائل على بطلان فرية إعطاء مصر طُعْمة لعمرو بن العاص ما ذكره أبو مخنف - أحد رواة الفرية السابقة - أن دفع معاوية لجيشه إلى فتح مصر وأخذها من يد أنصار علي بن أبي طالب سنة 38هـ، وكان عمرو قائده في هذه الحملة، أنه كان يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب عليّ لعظم خراجها. فكيف يهب معاوية ذلك الخراج كله لعمرو بن العاص وهو في مسيس الحاجة إليه؟!

ومن الدلائل أيضًا: أن معاوية كتب بعد استخلافه إلى عامله على خراج مصر وردان أن زد على كل امرئ من القبط قيراطًا، فرد عليه: كيف وفي عهدهم أن لا يزاد عليهم؟! ولم يلِ وردان خراج مصر لمعاوية إلا في ولاية عمرو بن العاص؛ لأن من ولوا مصر بعد موت عمرو، وهم: عتبة بن أبي سفيان، وعقبة بن عامر، ومسلمة بن مخلد، كانوا يتولون صلاتها وخراجها، وهذه الرواية صريحة قاطعة في الدلالة على اهتمام معاوية بزيادة حصيلة الخراج في مصر، وفي ولاية عمرو بن العاص عليها.

وهذا الاهتمام لا معنى له إلا إذا كان فائض الخراج في مصر يحمل إلى معاوية في دمشق ليواجه به وجوه الإنفاق المتنوعة، كما أن معاوية لم يكن يستحل أن يتنازل عن خراج مصر وهي من أغنى الأقاليم للدولة الإسلامية آنذاك لفرد واحد، وهو يعلم أنه حق الأمة كلها، وأنه لا يملك التنازل عنه. وقد روى ابن تميمة عن عطية بن قيس قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطبنا يقول: إن في بيت ملكم فضلاً بعد أعطياتكم، وإني قاسمه بينكم، فإن كان يأتينا فضل عام قابل قسمناه عليكم، وإلا فلا عتبة عليّ؛ فإنه ليس بمالي وإنما هو مال الله الذي أفاءَه عليكم.

وإذا أضفنا إلى ذلك ما نعرفه من تنافس الأمصار الإسلامية مع بعضها، ووجود معارضة للأمويين في مصر كانت حديثة العهد منذ تبعية مصر لعلي بن أبي طالب حتى دخلها عمرو بن العاص سنة 38هـ، لازددنا يقينًا أن أهلها لم يكونوا يقبلون ما يزعمه الرواة حول إعطائها طعمة لعمرو بن العاص .

وعلى ذات السبيل نذكر أن من رجال مصر من بذل في سبيل نصرة معاوية مثلما بذل عمرو بن العاص، إن لم يَفُقْهُ، كمعاوية بن حَدِيج وأصحابه من العثمانية، وهؤلاء لا يقبلون بحال أن يمتاز عمرو عليهم كل هذا الامتياز، ونذكر أن معاوية بن حديج هذا قد أرجع ابن أخت معاوية عبد الرحمن بن أم الحكم الذي ولاه معاوية مصر، من قبل أن يدخلها، ورفض أن يتولى إمارتهم، ورده إلى الشام على نحو غير كريم، فما استطاع معاوية أن يُغضِب ابن حديج.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:51

مصر في عهد عمرو بن العاص

الجوانب الحضارية
مشاركة مصر في كشف الضر الذي نزل بالجزيرة العربية (عام الرمادة)

عند التحدث عن عام الرمادة في عهد عمر، لا بد من الإشارة إلى أن السياسة (الحكم) والاقتصاد (المالية) ركنان مهمان ومتلازمان من أركان الدولة القوية والناجحة. وما حصل في عام الرمادة في عهد عمر، هو أزمة قاسية لاقتصاد الدولة الإسلامية الفتية.

وعام الرمادة -والرمادة في اللغة الهلكة- هو البلاء والحدث الجسيم الذي فاجأ عمر، وهو في صدد بناء الدولة الإسلامية الناشئة. ففي سنة 18هـ، حصل في الجزيرة العربية قحط دام تسعة أشهر، فسميت هذه السنة عام الرمادة؛ لأن الريح كانت تسفي ترابًا كالرماد، أو لأنه هلكت منه الناس والأموال. واشتد الجوع في ذلك العام حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها.

خريطة لشبه الجزيرة العربيةوأصبحت الجزيرة العربية جدباء قاحلة، لا ماء ولا مرعى، ولا ماشية ولا طعام. وجاع الناس، وأحسَّ عمر بجوع رعيته، ونهض لهذه الكارثة نهوضه لكل خطب، فأقسم ألا يذوق لحمًا ولا سمنًا حتى يكشف الله الضر، وقال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يصبني ما أصابهم؟!

وبدأ عمر بمواجهة المشكلة داخليًّا متجهًا إلى الله عز وجل، وإلى الأغنياء والموسرين من رعيته، واستجلب القوت من كل مكان فيه مزيد من قوت، وجعل يحمله على ظهره مع الحاملين إلى حيث يعثر على الجياع والمهزولين العاجزين عن حمل أقواتهم، وآلى على نفسه وأهله لا يأكلون طعامًا أنقى من الطعام الذي يصيبه الفقير المحروم من رعاياه.

وعن ابن عمر: "كان عمر بن الخطاب أحدث في زمان الرمادة أمرًا ما كان فعله، لقد كان يصلي بالناس العشاء ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب فيطوف عليها، وإني لأسمعه ليلة في السحر وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي".

ولم يقتصر عمر في مواجهة الأزمة على الالتجاء إلى الله فقط، بل كتب إلى الولاة والعمال في سائر الأمصار يطلب منهم النجدة والعون، يستعينهم ويستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، وكانت كتبه إليهم قصيرة، عميقة التأثير، منها رسالته إلى عمرو بن العاص والي مصر:

"بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص ابن العاص، سلام عليك. أما بعد، أفتراني هالكًا ومن قبلي وتعيش أنت ومن قبلك؟ فياغوثاه! يا غوثاه! يا غوثاه!".

فرد عمرو بن العاص والي مصر إلى عمر

"بسم الله الرحمن الرحيم. إلى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو. أما بعد، أتاك الغوث فلبيك لبيك، لقد بعثت إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي، مع أني أرجو أن أجد سبيلاً أن أحمل في البحر".

فبعث في البر بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدقيق والدهن، وبعث إليه بخمسة آلاف كساء.

وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان والي الشام يقول: إذا جاءك كتابي هذا فابعث إلينا من الطعام بما يصلح قِبَلَنَا؛ فإنهم قد هلكوا إلا أن يرحمهم الله. فأرسل معاوية ثلاثة آلاف بعير من دمشق، وقدم أبو عبيدة بن الجراح من حمص بأربعة آلاف راحلة محملة بالطعام.
حفر خليج أمير المؤمنين

يعتبر حفر خليج أمير المؤمنين من الأعمال العمرانية العظيمة التي قام بها عمرو بن العاص t في مصر، فعن طريقه تم ربط النيل بالبحر الأحمر بحر القلزم وشبه الجزيرة العربية، ولكن الروايات تختلف في شأن صاحب الفكرة الأولى في حفره.

فقد ذكر ابن عبد الحكم في كتابة فتوح مصر والمغرب: أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر، فقدموا عليه، فقال عمر: "يا عمرو، إن الله قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى في رُوعي؛ لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوة لهم ولجميع المسلمين، أن أحفر خليجًا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فإن حمله على الظهر يبعد، ولا نبلغ منه ما نريد، فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم."

فانطلق عمرو فأخبر بذلك من كان معه من أهل مصر، فثَقُلَ ذلك عليهم، وقالوا: نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين، وتقول له: إن هذا أمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلاً.

فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك عمر حين رآه، وقال: "والذي نفسي بيده، لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج فثقل ذلك عليهم، وقالوا: يدخل في هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين، وتقول له: إن هذا الأمر لا يعتدل، ولا يكون ولا نجد إليه سبيلاً".

فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت.

فقال له عُمر: انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى تجِدَّ في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله. فانصرف عمرو، وجمع لذلك من الفَعَلَةِ ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج الذي في حاشية الفسطاط الذي يقال له: خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأتِ الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسمي خليج أمير المؤمنين.
التسامح الديني

وهذا جانب جديد من جوانب النزعة الإنسانية في حضارتنا الخالدة، جديد في تاريخ العقائد والأديان، وجديد في تاريخ الحضارات القديمة التي ينشِئُها دين معين أو أمة معينة، لقد أنشأ الإسلام حضارتنا فلم يضق ذرعًا بالأديان السابقة، ولم يتعصب دون الآراء والمذاهب المتعددة، بل كان شعاره {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر:17-18]. ومن أجل ذلك كان من مبادئ حضارتنا في التسامح الديني:

1- أن الأديان السماوية كلها تستقي من معين واحد: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13].

2- وأن الأنبياء إخوة لا تفاضل بينهم من حيث الرسالة، وأن على المسلمين أن يؤمنوا بهم جميعًا: {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:136].

3- وأن العقيدة لا يمكن الإكراه عليها، بل لا بد فيها من الاقتناع والرضا {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين} [البقرة:256]، {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين} [يونس:99].

4- وأن أماكن العبادة للديانات السماوية محترمة، يجب الدفاع عنها وحمايتها كحماية مساجد المسلمين {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40].

5- وأن الناس لا ينبغي أن يؤدي اختلافهم في أديانهم إلى أن يقتل بعضهم بعضًا، أو يعتدي بعضهم على بعض، بل يجب أن يتعاونوا على فعل الخير ومكافحة الشر {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان} [المائدة:2].

أما الفصل بينهم فيما يختلفون فيه، فالله وحده هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة:113].

6- وأن التفاضل بين الناس في الحياة وعند الله بمقدار ما يقدم أحدهم لنفسه، وللناس من خيرٍ وبِرٍّ "الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله" (رواه البزار)، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

7- وأن الاختلاف في الأديان لا يحول دون البر والصلة والضيافة {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة:5].

8- وإن اختلف الناس في أديانهم، فلهم أن يجادل بعضهم بعضًا فيها بالحسنى، وفي حدود الأدب والحجة والإقناع {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46]. ولا تجوز البذاءة مع المخالفين، ولا سب عقائدهم ولو كانوا وثنيين {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108].

9- فإذا اعتدى على الأمة في عقيدتها، وجب رد العدوان لحماية العقيدة ودَرْءِ الفتنة {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة:193]، {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} [الممتحنة:9].

10- فإذا انتصرت الأمة على من اعتدى عليها في الدين، أو أراد سلبها حريتها، فلا يجوز الانتقام منهم بإجبارهم على ترك دينهم، أو اضطهادهم في عقائدهم، وحسبهم أن يعترفوا بسلطان الدولة، ويقيموا على الإخلاص لها حتى يكون "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

هذه هي مبادئ التسامح الديني في الإسلام الذي قامت عليه حضارتنا، وهي توجب على المسلم أن يؤمن بأنبياء الله ورسله جميعًا، وأن يذكرهم بالإجلال والاحترام، وأن لا يتعرض لأتباعهم بسوء، وأن يكون معهم حسن المعاملة، رقيق الجانب، لين القول، يحسن جوارهم، ويقبل ضيافتهم، وأوجب الإسلام على الدولة المسلمة أن تحمي أماكن عبادتهم، وأن لا تتدخل في عقائدهم، ولا تجور عليهم في حكم، وتسويهم بالمسلمين في الحقوق والواجبات العامة، وأن تصون كرامتهم وحياتهم ومستقبلهم كما تصون كرامة المسلمين وحياتهم ومستقبلهم.

وعلى هدي الرسول الكريم في تسامحه الديني ذي النزعة الإنسانية الرفيعة، سار خلفاؤه من بعده، فإذا بنا نجد عمر بن الخطاب وقد شكت إليه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرهًا عنها، فسأل عَمْرًا عن ذلك؛ فيخبره أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم، وفي جواره دار هذه المرأة، وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالغ في الثمن فلم ترضَ، مما اضطر عمرو إلى هدم دارها وإدخاله في المسجد، ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت.

ومع أن هذا مما تبيحه قوانيننا الحاضرة، وهي حالة يعذر فيها عمرو على ما صنع، فإن عُمر لم يرضَ ذلك، وأمر عَمرًا أن يهدم البناء الجديد من المسجد، ويعيد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت!!

هذه هي الروح المتسامحة التي سادت المجتمع الذي أظلته حضارتنا بمبادئها، فإذا بنا نشهد من ضروب التسامح الديني ما لا نجد له مثيلاً في تاريخ العصور حتى في العصر الحديث!!

ومن مظاهر التسامح الديني أيضًا أن كانت المساجد تجاور الكنائس في ظل حياتنا الخالدة، وكان رجال الدين في الكنائس يعطون السلطة التامة على رعاياهم في كل شئونهم الدينية والكنسية، لا تتدخل الدولة في ذلك، بل إن الدولة كانت تتدخل في حل المشاكل الخلافية بين مذاهبهم، وتنصف بعضهم من بعض، فقد كان الملكانيون يضطهدون أقباط مصر في عهد الروم ويسلبونهم كنائسهم، حتى إذا فتحت مصر ردَّ المسلمون إلى الأقباط كنائسهم وأنصفوهم.

أما حرية رجال الدين في طقوسهم، وإبقاء سلطاتهم على رعاياهم دون تدخل الدولة في ذلك، فقد شعر المسيحيون من سكان البلاد بالحرية في ذلك ما لم يشعروا ببعضه في حكم الروم.
- ابن عمرو بن العاص والقبطي

يذكر ابن عبد الحكم أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب ، فقال له: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم. قال: عذت معاذًا. قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه هو وابنه، فقدما، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب. فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر:

اضرب ابن الأكرمين. قال أنس: فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه. ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني، وقد اشتفيت منه. فقال عمر لعمرو: مُذ كَمْ تعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ؟! قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتني.
وثيقة الصلح مع أهل مصر

كانت وثيقة الصلح التي عقدها عمرو بن العاص مع أهل مصر إحدى مظاهر التسامح الديني، فقد تمتع المصريون من خلالها بحرية دينية كاملة لم يعهدوها من قبل، وهذا نص الوثيقة:

"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر، الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لُصوتُهم (جمع لِصْت، وهو اللص)، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رُفِعَ عنهم الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى، رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثًا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله، وذمته وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا، على ألا يُغْزَوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر".

وتبرز من خلال هذه الوثيقة مجموعة من المعطيات المهمة:

1- ضمان الحرية الدينية، والتعهد بحماية ممتلكات الكنائس والأديرة.

2- ربط قضية الجزية بالقدرة على دفعها، فإذا كانت السنة خيرة بعطائها الزراعي تمَّ دفع الجزية بحسب ما هو مقرر "خمسين مليون"، أما إذا كان الفيضان ضعيفًا وكان الإنتاج الزراعي قليلاً تمَّ تخفيض الجزية بما يعادل "إجداب الأرض وضعف إنتاجها".

3- تقسيم الجزية على ثلاثة أقساط بما يتوافق والتكوين الاقتصادي للإقليم.

4- إعطاء الأمان لمن يرفض دفع الجزية حتى يغادر أرض مصر.

5- شمول الجزية لمن يريد المصريون إدخاله في الجزية من أبناء الشعوب الأفريقية التي لم يفتح المسلمون بلادهم.

6- إسقاط واجب الحرب عن المواطنين ممن يدفعون الجزية.

7- إطلاق الحرية التجارية وحرية التنقل دون قيود.

8- إعطاء ذمة الله ورسوله.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:52

أوضاع مصر الإدارية والاقتصادية والثقافية بعد الفتح
الأوضاع الإدارية

أوضاع مصر الاقتصادية والاداية والثقافية بعد الفتح الإسلامي1- لم يغير المسلمون النظام الإداري المعمول به في مصر قبل الفتح، سواءٌ على المستوى المركزي لإدارة الولاية أم على المستوى المحلي لإدارة الإقليم، اللهم إلا في حدود ضيقة استدعتها الضرورة والظروف. ولم تكن تلك السياسة نابعة من جهل العرب بالنظم الإدارية، أو رغبة في استمرار تدفق الضرائب إلى خزانة الخلافة كهدف يمكن الفتح من ورائه، وإنما كان إبقاؤهم على النظام الإداري، نتيجة عدم معرفتهم باللغتين اليونانية والقبطية المستعملين في دواوين مصر، ثم احترام نصوص عهود الصلح التي تم التعهد فيها بالحفاظ على الحريات، وصون الممتلكات والأموال، وعدم التدخل في شئون الأقباط.

فقد كان العرب على معرفة بالنواحي الإدارية، فمعظم جند الفتح من اليمن، وهي بلاد ذات حضارة معروفة، كما أن عمرو بن العاص له سابق خبرة بالنواحي الإدارية في عهد الرسول وأبي بكر، إضافة إلى ما عرفه عن بلاد الشام المفتوحة قبل مصر.

2- كانت مصر مقسمة عند الفتح الإسلامي إلى ثمانين كورة (مركزًا)، ينظمها قسمان رئيسيان: مصر العليا (الصعيد)، ومصر السفلى (الوجه البحري - الريف).

3- كان الوالي (أمير مصر) على قمة الجهاز الإداري، ويعين من قبل الخليفة، وهو مسئول عن الأمن والدفاع عن مصر، ويؤم الناس في الصلاة، ويقيم الحدود، ويتلقى الأوامر من الخليفة، ويقوم بتنفيذها، وقد يجمع إلى جانب ذلك شئون المال (الخراج) فيجمع الضرائب، وينفق على مصالح الولاية، ثم يرسل الباقي إلى الخلافة، كما كان عمرو بن العاص يفعل في ولايته، وقد يعاون الوالي في حكم البلاد شخص آخر كما فعل عمر بن الخطاب في أواخر خلافته، عندما ولى ابن سعد على الصعيد.

4- أحيانًا يفصل بين السلطة التنفيذية والمالية، كما حدث في خلافة عثمان بن عفان ، إذ جعل عَمْرًا على الصلاة والحرب، وابن سعد على الخراج، مما أدى إلى رفض عمرو ذلك، واحتجاجه بأنه لا يقبل أن يكون كماسك البقرة من قرنيها، بينما يحلبها غيره، فعزله عثمان، وجعل ابن سعد على مصر كلها.

5- يقوم الوالي باختيار (صاحب الشرطة) الذي يحافظ على استقرار الأمن في الولاية، وقمع اللصوص والمجرمين، وبالنسبة للقضاء فقد كان الخليفة يقوم بتولية قاضي مصر، ويقوم الوالي بتنفيذ ذلك؛ فقد ولى عمر بن الخطاب قيس بن أبي العاص السهمي على قضاء مصر أول سنة 23هـ حتى وفاته في ربيع الأول من العام نفسه، فلما تُوُفِّي أمر عَمْرًا بتولية كعب بن يسار بن ضنة العبسي، فلم يقبل المنصب تعففًا، فولى مكانه عثمان بن قيس بن أبي العاص الذي توفي بعد قتل عثمان بن عفان سنة 35هـ/ 656م.

وهكذا جمع الوالي في يده كل السلطات، وكان له نواب مساعدون في مختلف أقاليم الولاية، وكان الوالي يُسأَلُ عن كل شيء أمام الخليفة.

6- ويلاحظ أن المسلمين تدخلوا في إدارة الكُوَر ذات الأهمية الحربية كالموانئ والثغور، التي يُخشَى هجومُ الروم عليها، فكان عمرو يأمر بتواجد قائد حربي مسلم مع مسئولي الإدارة القدامى في تلك الكور، فكان وردان مولى عمرو حاكمًا على الإسكندرية، ومعه منياس من أهل البلاد، وتواجد المقداد بن الأسود في دمياط بعد فتحها، وكذلك أقام ابن سعد في الصعيد.

ومن الكور المهمة على ساحل البحر الأبيض: (الفَرَما، وتِنِّيس، ودمياط، والإسكندرية، ورشيد)، وعلى البحر الأحمر: (القُلْزُم، والقُصَير، وعَيْذاب)، وفي الجنوب ثغر أسوان.

7- أما بخصوص النصارى فقد أمنهم عمرو على معتقداتهم، وأعاد البطريرك بنيامين إلى رئاسة القبط، وجعل له الإشراف على الأحوال الشخصية والدينية لأقباط مصر، وجعل إليه الفصل في منازعاتهم، إلا إذا أرادوا هم الاحتكام إلى القضاء الإسلامي، أو كان ثمة نزاع بين مسلم وقبطي، فليجئ إلى القاضي المسلم.
الأوضاع المالية

يقول الدكتور ألفرد. ج. بتلر عن الحكم الروماني في مصر: "إن حكومة مصر الرومية لم يكن لها إلا غرض واحد، وهو أن تبتز الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين، ولم يساورها أن تجعل قصد الحكم توفير الرفاهية للرعية، أو ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة، أو تهذيب نفوسهم، أو إصلاح أمور أرزاقهم، فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء لا يعتمد إلا على القوة، ولا يحس بشيء من العطف على الشعب المحكوم".

هذه هي أوضاع مصر المالية في ظل الحكم الروماني، ولكن ماذا عن وضع مصر المالي في عهد عمرو بن العاص ؟

نحب أن نقرر -بادئ الأمر- أن المسلمين لم يأتوا إلى مصر لابتزاز أموال أهلها، ولا لاستنزاف ثرواتهم، وقد اتضح منذ المفاوضات المبكرة مع المقوقس أنهم ليسوا طلاب دنيا، ولا راغبي مال، وإنما هم أهل دعوة ورسالة سامية، وقد كانت هذه المعاني سياسة ثابتة في عهد عمر بن الخطاب الذي كان يميل إلى فتح البلدان صلحًا إذا أمكن تجنب فتحها عنوة، فقد ذكَّر عمرو جنده بما أوصى به عمر من التريث وقبول الصلح، وتقديم ذلك على القتل والفتح العمد، وكذلك بعد أن تسور الزبير حصن بابليون، وفتح بابه بالقوة، قال لعمرو: اقسم مصر، فقد فتحت بغير عهد. فرفض عمرو، فلما ألح الزبير على عمرو أن يقسمها كما قسم الرسول خيبر، سأل عَمْرو عُمَر، فقال: أقرها حتى يغزو منها حبل الحبلة.

بل إنه عَامَلَ الإسكندرية -على الرغم من أنها فتحت عنوة- معاملة ما فتح صلحًا، وقد اتضح من خلال بنود الاتفاقات المعاهدات التي عقدها المسلمون مع أهل البلاد أنهم يَعِدُون بانتهاج سياسة عادلة، ويحفظون ممتلكات الناس، ويرعون حرمتهم، ولذلك فإنه لا غرو أن يسأل عمرو -بناء على طلب عمر- بنيامين النصيحة الخالصة لمعرفة أحسن السبل التي تدار بها شئون مصر الاقتصادية ويحقق الرخاء والاستقرار لأهلها، فقد كتب عمرو متسائلاً: من أين تأتي عمارة مصر وخرابها؟

فقال بنيامين: "تأتي عمارتها وخرابها من وجوه خمسة: أن يستخرج خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، وتحفر في كل سنة خُلُجها، وتسد ترعها وجسورها، ولا يُقْبَلُ مَحْلُ أهلها (يريد البغي)، فإذا فعل هذا عمرت، وإن عمل فيها بخلافه خربت".

ولعل ما ورد في نص الصلح الرسمي الذي عقد بين المسلمين والمقوقس بعد فتح الحصن، ما يبين لنا بوضوح ملامح السياسة المالية للمسلمين في مصر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:53

أثر الفتح الإسلامي على أوضاع الأقباط

الأثر الديني

أثر الفتح الإسلامي على أوضاع الأقباطتعرض الأقباط في مصر قبل الفتح الإسلامي لاضطهادٍ قاسٍ على أيدي البيزنطيين، ومن ثَمَّ رأوا في القوة الإسلامية الداخلة الأمل بالخلاص مما هم فيه، فساندوها، ورحبوا بدخول المسلمين أرض مصر، لكن هذه المساندة كانت صامتة في بادئ الأمر، أي حيادية.

وشكلت انتصارات المسلمين وإخضاعهم البلاد نصرًا دينيًّا للأقباط، حيث غادر البلاد عدد كبير من البيزنطيين، ولما استقرت الأوضاع، وكانت أخبار العهدة العمرية الخاصة ببيت المقدس قد تسربت إلى مصر، لقي الأقباط من الحكم الجديد ما شعروا معه بكثير من الحرية.

ولعل أول عمل قام به عمرو بن العاص بعد استقرار الأوضاع الداخلية، الإعلان بين الناس جميعًا أن لا إكراه في الدين، وأن حرية العقيدة أمر مقدس، فلن يتعرض لأحد في حريته أو ماله بسبب دينه أو مذهبه، وخيَّرهم بين الدخول في الإسلام والبقاء على دينهم، فمن يدخل في الإسلام يكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم

والواقع أن عَمْرًا انتهج سياسة المساواة الدينية بين المذهبين النصرانيين اللذين استمرا في مصر، وتذكر روايات المصادر أن كثيرًا من كنائس الملكانيين فضلوا البقاء في مصر، وأن أسقفًا ملكانيًّا بقي على مذهبه حتى مات ولم يمسه أحد بأذى، وأن البطريرك القبطي بنيامين الذي عاد إلى الإسكندرية بعد أن قضى ثلاثة عشر عامًا لاجئًا متخفيًا خشية أن يُقبَض عليه، أُعِيد إلى مركزه، وأضحى بإمكانه أن يقوم بواجباته الدينية وهو مطمئن، وكان يستقطب الناس إلى مذهبه بالحجة والإقناع، واستطاع أن يحصل على بعض الكنائس التي تركها الملكانيون بعد خروجهم وضمها إلى كنائس البطريركية، ولما عاد إلى الإسكندرية قال لأتباعه: "عدت إلى بلدي الإسكندرية، فوجدت بها أمنًا من الخوف، واطمئنانًا بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة وبأسهم".

فكان من أثر الحرية الدينية والمعاملة السمحة أن أقبل كثير من الأقباط على النظر في المذاهب المختلفة، ثم انتهى أكثر هؤلاء إلى قبول الإسلام والدخول فيه.
الأثر الإداري

خلت بخروج البيزنطيين بعض الوظائف الحكومية التي كان يشغلها هؤلاء، ولأن المسلمين لم يكن لهم عهد بعدُ بالشئون الإدارية، وكان يهمهم أن تستمر الإدارة في العمل، وأن تجمع الضرائب، بغض النظر عما يختص بالعاملين في الحقل الوظيفي، فقد فتحوا أبواب العمل أمام القادرين والراغبين من الأقباط.

والمعروف أن الإدارة الإسلامية الجديدة احتفظت بثلاثة موظفين بيزنطيين في مراكز إدارية كبيرة هي حاكمية مصر السفلى وتولاها ميناس، وحاكمية منطقة الفيوم وتولاها فيلوخينوس، وحاكمية الريف الغربي وتولاها سينوتيوس.

وبفعل هيمنة الموظفين الأقباط على العمل الإداري، أضحت اللغة القبطية اللغة الرئيسية في الإدارة، فحلَّت بذلك محل اللغة اليونانية، وحافظ المسلمون على الأساليب البيزنطية في تدوين الدواوين وجمع الضرائب، فانتعشت الثقافة القبطية مجددًا، وأخذت تملأ الفراغ الذي نتج عن الخروج البيزنطي، واعتنى الأقباط بتعلم اللغة العربية؛ لأنها كانت لغة الفاتحين، واحتفظ المسلمون بقيادة الجند والقضاء.
الأثر الاقتصادي

كانت مصر تتعرض بين سنة وأخرى لضائقة اقتصادية ناتجة عن انخفاض ماء النيل، مما يسبب خللاً في المعادلة الاقتصادية، قد عانى المصريون كثيرًا من هذه الظاهرة، وقد أدرك عمرو بن العاص ذلك فخَفَّفَ عن المصريين كثيرًا من الضرائب التي فرضها البيزنطيون عليهم. والمعروف أن الضرائب البيزنطية كانت كثيرة ومتنوعة، وتناولت معظم النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وسوَّى بينهم في أدائها، كما أعفى بعضهم منها.

ويذكر في هذا المقام أن الخليفة كتب إلى عمرو أن يسأل المقوقس في خير وسيلة لحكم البلاد وجباية أموالها، فأشار عليه المقوقس بالشروط التالية:

- أن يستخرج خراج مصر في وقت واحد، عند فراغ الناس من زروعهم.
- أن يرفع خراجها في وقت واحد، عند فراغ أهلها من عصر كرومهم.
- أن تحفر خلجانها كل عام.
- أن تصلح جسورها وتسد ترعها.
- ألا يُختار عاملٌ ظالم لِيَلِيَ أمورها.

ونتيجة لهذه التوصيات رسم المسلمون خطة جباية الخراج، واعتنوا بهندسة الري من حفر الخلجان وإصلاح الجسور، وسد الترع وبناء مقاييس للنيل وإنشاء الأحواض والقناطر، ولعل من أشهر ما قام به عمرو، هو حفر خليج تراجان الذي يصل النيل بالبحر الأحمر، ويسهل الاتصال بالجزيرة العربية، ويؤمّن طريقًا أفضل للتجارة الشرقية، يبتدئ هذا الخليج من شمالي بابليون ويتجه شمالاً بشرق إلى بلبيس، ثم ينحرف شرقًا إلى بحيرة التمساح ليخرج من جنوبي هذه البحيرة إلى البحيرات المرة، ويبلغ البحر الأحمر عند السويس.

وكان من أثر هذه الإصلاحات أن تحسنت حالة الأقباط وزادت ثرواتهم، واطمأنوا على أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم، ونعموا بالهدوء والاستقرار، وازدادت إلفتهم بالمسلمين مع مرور الوقت، ودخل كثير منهم في الإسلام.

ويبقى أن نذكر أن الرأي السائد آنذاك، كان أن يبقى المسلمون على رباطهم لا يشغلون بالزراعة، ولا يحلُّون بالبلاد كأهلها، فلما اطمأنوا في البلاد أخذ ذلك الحظر يُرفَع عنهم، وأُبِيحَ لهم أن يمتلكوا الأراضي.
ماذا كان يحدث لمصر لو لم يأتها الفتح الإسلامي؟

الواقع أن هذا السؤال ضروري للغاية لمن يريد أن يقيّم الفتح الإسلامي لمصر تقييمًا نزيهًا مخلصًا مبرأً من الأغراض؛ لأن الفتح الإسلامي كان ذا أثر عظيم على مصر، وكان علامة فارقة في تاريخها، ليس في مصر فحسب بل في إفريقيَّة بأسرها، والباحث المنصف يرى أنه لو لم يأتِ الفتح الإسلامي لمصر لظلت:

1- خاضعة للدولة البيزنطية تُعاني من الاضطهاد والظلم إلى ما شاء الله، ولهجر أبناؤها أرضها فخربت، ودبَّت المجاعات وعصفت بأهلها، ولتداولت عليها أيدي الدول الاستعمارية الظالمة يتخطّفها مستعمر من مستعمر، يذيقونها العذاب ألوانًا، وينهبون خيراتها ويخربونها ليعمروا أوطانهم، ولتجرع المصريون كأس المهانة والذل، ولانتهى بهم الحال إلى بيع أبنائهم وأعراضهم ليسددوا الضرائب الجائرة، واستمر القتل والسجن والتعذيب والفتنة في عقيدتهم إكراهًا لهم على اتباع ديانة غيرهم، ثم يكون المصير النهائي للجميع: النار؛ النار للمُكْرِهِ الروماني والمُكْرَهِ المصري على حدٍّ سواء؛ جزاءً على الكفر والشرك بالله (عز وجل)، ولكن الإسلام أتاها فأضاء جنباتها بنوره، وأنقذ أبناءها من وَهْدة الكفر ورفعهم إلى قمة الإيمان السامقة، كما حماها من الاستعمار قرونًا عديدة نَعِمَتْ خلالها بسماحة الإسلام.

2- لو لم يأتِ الإسلام لحُرِمَ الأقباط من ممارسة شعائرهم الدينية وحقوقهم، ولظل الإسلام قابعًا في الجزيرة العربية، ولم يستضئ بنوره أهل إفريقيَّة وبلاد الأندلس.

3– أو لأصبحت مصر بؤرة من بؤر محاربة الإسلام (أما اليوم فهي شعلة من مشاعل نصرة الإسلام ونشره في العالم أجمع)، ولحُرِمَ أبناؤها من ثواب الرباط إلى يوم القيامة.

وخلاصة القول: لو لم يأتِ الإسلام لظلت مصر ميتة بين الأحياء.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:54

مصر مقارنة بالدول التي لم يدخلها الفتح
لإنسانية في الاحتضار

مصر مقارنة بالدول التي لم يدخلها الفتحكان القرن السادس والسابع (لميلاد المسيح) من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف، فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي، فقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة إسفافها، وكأن الإنسان قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم، أو بقيت ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب، فضلاً عن البيوت والبلاد، وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة، ولاذوا بالأديرة والكنائس والخلوات فرارًا بدينهم من الفتن، وضنًّا بأنفسهم، أو رغبة في الدَّعَة والسكون، وفرارًا من تكاليف الحياة وجِدِّها، أو فشلاً في كفاح الدين والسياسة والروح والمادة، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا، وعاونهم على إثمهم وعدوانهم، وأكل أموال الناس بالباطل على حساب الضعفاء والمحكومين.
نظرة في الأمم المختلفة
- الأمم الأوروبية الشمالية الغربية

لم يصل الفتح الدول الأوروبية الشمالية الغربية؛ لذلك كانت تتسكع في ظلام الجهل المطبق، والأمية الفاشية، والحروب الدامية، لم ينبثق فيها فجر الحضارة والعلم بعدُ، ولم تظهر على مسرحها الأندلس لتؤدي رسالتها في العلم والمدنية، ولم تصهرها الحوادث، وكانت بمعزل عن جَادَّة قافلة الحضارة الإنسانية بعيدة عنها، لا تعرف عن العالم ولا يعرف العالم المتمدِّن عنها إلا قليلاً، ولم تكن - مما يجري في الشرق والغرب مما يغير وجه التاريخ - في عير ولا نفير، وكانت بين نصرانية وليدة، ووثنية شائبة، ولم تكن بذات رسالة في الدين، ولا بذات راية في السياسة.

يقول هـ .ج . ويلز: "ولم تكن في أوروبا الغربية في ذلك العهد أمارات الوحدة والنظام".

ويقول روبرت بريفولت (Robert briffault): "لقد أطبق على أوروبا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلامًا وسوادًا، فقد كانت همجية ذلك العهد أشد هولاً، وأفظع من همجية العهد القديم؛ لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة، وقُضِيَ عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة، وبلغت أوجها في الماضي كإيطاليا وفرنسا فريسة الدمار والفوضى والخراب". (أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص 51، 52)
- أمم آسيا الوسطى

أما الأمم الأخرى في آسيا الوسطى وفي الشرق، كالمغول والترك واليابانيين، فقد كانت بين بوذية فاسدة، ووثنية همجية، لا تملك ثروة علمية، ولا نظامًا سياسيًّا راقيًا، وإنما كانت في طور الانتقال من عهد الهمجية إلى عهد الحضارة، ومنها شعوب لا تزال في طور البداوة والطفولة العقلية.
- الهند: ديانة، واجتماعًا، وأخلاقًا

أما الهند فقد اتفقت كلمة المؤلفين في تاريخها على أَنَّ أَحَطَّ أدوارها ديانة وخلقًا واجتماعًا ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي، وأخذت نصيبًا غير منقوص من هذا الظلام الذي مد رواقه على المعمورة، وامتازت عنها في ظواهر وخِلالٍ يمكن أن نخلصها في ثلاث: كثرة المعبودات والآلهة، كثرة فاحشة الشهوة الجنسية الجامحة، التفاوت الطبقي المجحف والامتياز الاجتماعي.
- الوثنية المتطرفة

ارتقت صناعة نحت التماثيل في هذا العهد، وبلغت أوجها في القرن السادس والسابع حتى فاق هذا العصر في ذلك العصور الماضية، وقد عكفت الطبقات كلها وعكف أهل البلاد من الملك إلى الصعلوك على عبادة الأصنام، حتى لم تجد الديانة البوذية والجينية منها بُدًّا، وتذرعت هاتان الديانتان بهذه الوسيلة للاحتفاظ بحياتهما وانتشارهما في البلاد، ويدل على ما وصلت إليه الوثنية والتماثيل في هذا العصر ما حكاه الرحالة الصيني الشهير (هوئن سوئنج) الذي قام برحلته بين عام 630 وعام 644 عن الاحتفال العظيم الذي أقامه الملك هرش الذي حكم الهند من عام 606 إلى 647 : وأقام الملك احتفالاً عظيمًا في قنوج، اشترك فيه عدد كبير جدًّا من علماء الديانات السائدة في الهند، وقد نصب الملك تمثالاً ذهبيًّا لبوذا على منارة تعلو خمسين ذراعًا، وقد خرج بتمثال آخر لبوذا أصغر من التمثال الأول في موكب حافل، قام بجنبه الملك "هرش" بمظلة، وقام الملك الحليف "كامروب" يذب عنه الذباب. ويقول هذا الرحالة عن أسرة الملك ورجال بلاطه: إن بعضهم كان من عباد "شو"، وبعضهم من أتباع الديانة البوذية، وكان بعضهم يعبد الشمس، وبعضهم يعبد "وشنو"، وكان لكل واحد أن يخص من الآلهة أحدًا بعبادته أو يعبدهم جميعًا.
- الشهوة الجنسية الجامحة

وأما الشهوة فقد امتازت بها ديانة الهند ومجتمعها منذ العهد القديم، فلعل المواد الجنسية والمهيجات الشهوية لم تدخل في صميم ديانة بلاد مثل ما دخلت في صميم الديانة في البلاد الهندية، وقد تناقلت الكتب الهندية وتحدثت الأوساط الدينية عن ظهور صفات الإله، وعن وقوع الحوادث العظيمة، وعن تعليل الأكوان روايات وأقاصيص عن اختلاط الجنسين من الآلهة، وغارة بعضها على البيوتات الشريفة تستك منها المسامع، ويتندى لها الجبين حياء، وتأثير هذه الحكايات في عقول المتدينين المخلصين المرددين لهذه الحكايات في إيمان وحماسة دينية، وفعلها في عواطفهم وأعصابهم واضح، زد على ذلك -في صورة بشعة- اجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال وبنات، زد عليه كذلك ما يحدّث به بعض المؤرخين أن رجال بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات، والنساء يعبدون الرجال العراة، وكان كهنة المعابد من كبار الخونة والفساق الذين كانوا يرزءون الراهبات والزائرات في أعز ما عندهن، وقد أصبح كثير من المعابد مواخير يترصد فيها الفاسق لطِلْبته، وينال فيها الفاجر بُغيته. وإذا كان هذا شأن البيوت التي رُفِعَتْ للعبادة والدين، فما ظن القارئ ببلاط الملوك وقصور الأغنياء؟! فقد تنافس فيها رجالها في إتيان كل منكر وركوب كل فاحشة، وكان فيها مجالس مختلطة من سادة وسيدات، فإذا لعبت الخمر برءوسهم خلعوا جلباب الحياء والشرف، وطرحوا الحشمة فتوارى الأدب وتبرقع الحياء، هكذا أخذت البلادَ موجةٌ طاغيةٌ من الشهوات الجنسية والخلاعة، وأسفت أخلاق الجنسين إسفافًا كبيرًا.
نظام الطبقات الجائر

أما نظام الطبقات فلم يعرف في تاريخ أمة من الأمم نظامًا أشد قسوة وأعظم فصلاً بين طبقة وطبقة، وأشد استهانة بشرف الإنسان من النظام الذي اعترفت به الهند دينيًّا ومدنيًّا، وخضعت له آلافًا من السنين ولا تزال، وقد بدت طلائع التفاوت الطبقي في آخر العهد الويدي بتأثير الحرف والصنائع وتوارثها، وبحكم المحافظة على خصائص السلالة الآرية المحتلة ونجابتها، وقبل ميلاد المسيح بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، ووُضِعَ فيها مرسومٌ جديدٌ للمجتمع الهندي، وأُلِّفَ فيه قانون مدني وسياسي اتفقت عليه البلاد، وأصبح قانونًا رسميًّا ومرجعًا دينيًّا في حياة البلاد ومدنيتها، وهو المعروف الآن بـ (منوشاستر).

يقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات ممتازة البراهمة: طبقة الكهنة ورجال الدين، شتري رجال الحرب، ويش رجال الزراعة والتجارة، شودر رجال الخدمة. ويقول منو مؤلف هذا القانون: "إن القادر المطلق قد خلق لمصلحة العالم البراهمة من فمه، وشتري من سواعده، وويش من أفخاذه، والشودر من أرجله، ووزع لهم فرائض وواجبات لصلاح العالم. فعلى البراهمة تعليم ويد، وتقديم النذور للآلهة، وتعاطي الصدقات، وعلى الشتري حراسة الناس والتصدق، وتقديم النذور، ودراسة "ويد" والعزوف عن الشهوات، وعلى ويش رعي السائمة، والقيام بخدمتها، وتلاوة ويد، والتجارة والزراعة، وليس لشودر إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث.
- امتيازات طبقة البراهمة

وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقًا ألحقتهم بالآلهة، فقد قال: إن البراهمة هم صفوة الله وهم ملوك الخلق، وإن ما في العالم هو ملك لهم فإنهم أفضل الخلائق وسادة الأرض، ولهم أن يأخذوا من مال عبيدهم شودر – من غير جريرة – ما شاءوا، لأن العبد لا يملك شيئًا، وكل ماله لسيده. وإن البرهمي الذي يحفظ رك ويد "الكتاب المقدس" هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز للملك حتى في أشد ساعات الاضطرار والفاقة أن يجبي من البراهمة جباية أو يأخذ منهم إتاوة، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعًا، وإن استحق برهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل.

أما الشتري فإن كانوا فوق الطبقتين "ويش وشودر" ولكنهم دون البراهمة بكثير؛ فيقول "منو": إن البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشتري الذي ناهز مائة، كما يفوق الوالد ولده.
- المنبوذون الأشقياء

أما شودر "المنبوذون" فكانوا في المجتمع الهندي – بنص هذا القانون المدني الديني - أحط من البهائم وأذل من الكلاب؛ فيصرح القانون بأن "من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة البراهمة، وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك. وليس لهم أن يقتنوا مالاً أو يدخروا كنزًا، فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا مَدَّ أحدٌ من المنبوذين إلى برهمي يدًا أو عصًا ليبطش به قُطِعَتْ يدُه، وإذا رفسه في غضب فُدِعَتْ رجله، وإذا هَمَّ أحدٌ من المنبوذين أن يجالس برهميًّا، فعلى الملك أن يكوي استه وينفيه من البلاد، وأما إذا مسه بيد أو سبه فيقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه سُقِيَ زيتًا فائرًا، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفضعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء".
مركز المرأة في المجتمع الهندي

وقد نزلت النساء في هذا المجتمع منزلة الإماء، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار، وكان بعض الأحيان للمرأة عدة أزواج، فإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج، وتكون هدف الإهانات والتجريح، وكانت أَمَةَ بيت زوجها المُتوفَّى وخادم الأحماء، وقد تحرق نفسها على إثر وفاة زوجها تفاديًا من عذاب الحياة وشقاء الدنيا. وهكذا صارت هذه البلاد المخصبة أرضًا وعقولاً - التي وصفها بعض مؤرخي العرب بكونها معدن الحكمة، وينبوع العدل والسياسة، وأهل الأحلام الراجحة، والآراء الفاضلة؛ لبعد عهدها عن الدين الصحيح، وضياع مصادره، وتحريف رجال الدين، واتباع هوى النفوس، ونزعات الشهوات - مسرحًا للجهل الفاضح، والوثنية الوضيعة، والقسوة والهمجية، والجور الاجتماعي الذي ليس له مثيل في الأمم، ولا نظير في التاريخ.

هكذا عاشت الأمم التي لم تَستَنِر بنور الإسلام؛ سدرت في جاهليتها وغيها، وغرق الناس في بحور الجهل والظلم والشهوات التي أردتهم المهالك، واستعبد بعضهم بعضًا، وصاروا في دركة أحط من الحيوانات، وبهذا يظهر الفرق بين مصر التي عمرها الإسلام وأضاء أركانها؛ فانتقلت من حال إلى حال، وبين الأمم التي لم يصلها الفاتحون، ولم تعرف نور الإسلام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عصافير الغلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 24/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: الفتح الاسلامى لمصر   الجمعة 2 مايو - 13:56

إعادة فتح الإسكندرية.. ودعوى حرق مكتبة الإسكندرية

إعادة فتح الإسكندرية (25 هـ/ 645 م)

إعادة فتح الإسكندريةلم يكد عبد الله بن سعد بن أبي سرح يستقر في ولاية مصر حتى غدر الروم فيها، وكتب الروم من أهل الإسكندرية إلى الإمبراطور قسطنطين بن هرقل يصفون له ما كانوا عليه من الذلة، ويهوّنون عليه فتح الإسكندرية لقلة من كان بها من حامية المسلمين، فأنفذ قسطنطين قائده الأرمني "مَنَويل" إلى الإسكندرية على رأس جيش كثيف، فاستولى عليها، وأخذ هو وجنده، ومن انضم إليهم من الروم المقيمين في الوجه البحري يعيثون في هذه البلاد حتى بلغوا مدينة نقيوس.

ولم يرحب القبط بعودة بلادهم إلى الروم يسومونهم الخَسْف لمظاهرتهم العرب المسلمين، ورضائهم عن حكمهم من جهة، ولمَا كان بينهم وبين الروم من الخلاف المذهبي من جهة أخرى؛ ولهذا كتب القبط إلى الخليفة عثمان يلحون في إسناد حروب الروم إلى عمرو بن العاص، لما كسبه في حروبه معهم من خبرة، فولى عثمان عَمْرًا الإسكندرية وعهد إليه بحرب الروم، وإخراجهم من مصر.

وفي مدينة نقيوس دار القتال بين جند "عمرو" وجند "منويل" في البر والنهر، وكثر الترامي بالنُّشَّاب حتى عقر فرس عمرو فنزل عنه، ثم خرجوا من النهر فاجتمعوا هم والذين في البر، فنضحوا المسلمين بالنُّشَّاب، فاستأخر المسلمون عنهم شيئًا، وحملوا على المسلمين حملة ولَّى المسلمون منها، وانهزم شريك بن سُمَيّ في خيله.

شد المسلمون على الروم فكانت هزيمتهم، فطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح الله عليهم وقُتل مَنَويل الخَصِيّ، وأمعن عمرو بن العاص في قتلهم، فكُلِّمَ في ذلك فأمر برفع السيوف عنهم، وبنى في ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجدًا، وهو المسجد الذي بالإسكندرية ويقال له: الرحمة، وإنما سُمِّيَ الرحمة لرفع عمرو بن العاص السيف هنالك.

وكان فتح الإسكندرية الثاني عَنْوة وقسرًا في خلافة عثمان بن عفان سنة 25 هـ، أما فتحها الأول فقد كان في سنة 21 هـ.

وقد ارتبط بفتح الإسكندرية قضية حساسة أثارها بعض المتأخرين من المؤرخين، ألا وهي إحراق مكتبة الإسكندرية.
براءة المسلمين من تهمة إحراق مكتبة الإسكندرية

حريق مكتبة الإسكندريةلقد خاض بعض المتأخرين من المؤرخين في مسألة مكتبة الإسكندرية، وناقش هذه القضية كثير من المستشرقين مثل جبون وبتلر وسديولوت وغيرهم، ولكنهم لم يجزموا فيها برأي، وارتاب بعضهم في صحة تهمة إحراق هذه المكتبة التي وُجِّهَت إلى عمرو بن العاص، بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب.

ويجزم الدكتور جوستاف لوبون في "حضارة العرب" (ص 213) بخرافة القصة :"وأما إحراق مكتبة الإسكندرية المزعوم، فمن الأعمال الهمجية التي تأباها عادات العرب والمسلمين، والتي تجعل المرء يسأل: كيف جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً؟! وهذه القصة دحضت في زماننا، فلا نرى أن نعود إلى البحث فيها، ولا شيء أسهل من أن نثبت -بما لدينا من الأدلة الواضحة- أن النصارى هم الذين أحرقوا كتب المشركين في الإسكندرية قبل الفتح الإسلامي".

وكذلك جاك.س .ريسلر (في ص 100/ 101 من الحضارة العربية) اعتبر: حريق الإسكندرية أسطورة. وإذا رجعنا إلى المؤرخين المعاصرين للفتح الإسلامي لمصر مثل "أوتيخا" الذي وصف فتح مصر بإسهاب، فلن نجد ذكرًا لهذه التهمة.

كما أنهالم ترد في كتب الأقدمين: كاليعقوبي، والبلاذري، وابن عبد الحكم، والطبري، والكندي، ولا في تاريخ من جاء بعدهم وأخذ منهم: كالمقريزي، وأبي المحاسن، والسيوطي، وغيرهم.

وأول من نسب الحريق إلى عمرو بن العاص هو عبد اللطيف البغدادي (629هـ/ 1231م)، ومن بعده ابن القفطي (646هـ/ 1248م)، ثم أوردها أبو الفرج غريغوريوس الملطي (وهو ابن العبري) دون ذكر السند، ودلل المؤرخون الذين أخذوا عن هؤلاء حديثًا - على هذا الأمر بما يلي:

الدليل الأول: بأن المسلمين كانت لهم رغبة عظيمة في محو كل كتاب غير القرآن والسنة.

الدليل الثاني: أن رواية الحريق لم يروها أبو الفرج فقط، بل رواها أيضًا مؤرخان مسلمان: البغدادي وابن القفطي.

الدليل الثالث: أن المسلمين الفاتحين أحرقوا كتب الفرس، كما ذكر حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون. والرابع: بأن إحراق الكتب كان أمرًا معروفًا وشائعًا، يتشفَّى به كل مخالف ممن خالفه في رأيه، كما عمل هولاكو التتري سنة 656هـ بإلقاء خزائن الكتب في دجلة.
ونحن نجيب بأن:

الدليل الأول: غير مُسَلَّم به؛ لأنه المعروف من أخلاق المسلمين أنهم كانوا يشجعون العلم، بدليل ما ذكره أبو الفرج من أن عمرو بن العاص كان يُصغِي إلى أقوال يوحنا النحوي.

والدليل الثاني: وهو أن أبا الفرج لم يروِ هذه الرواية وحده، بل رواها أيضًا البغدادي وابن القفطي، وهما مؤرخان إسلاميان عظيمان، فيمكن دحضه بما سنورده - بعد قليل - في مناقشة ما ذكره أبو الفرج لأنهم عاشوا في عصر واحد، وروايتهم واحدة تقريبًا، ولا يبعد أن يكونوا قد أخذوا ذلك عن مصدر ضائع معادٍ للعرب والإسلام.

والدليل الثالث: لم نَرَ من المؤرخين من ذكره إلا حاجي خليفة، ومثل هذا المؤرخ لا يُؤخَذُ بكلامه ولا يعول عليه في المسائل التاريخية المقدمة؛ لأنه توفي سنة (1067هـ/ 1657م)؛ فلو أن المسلمين أحرقوا هذه المكاتب لذكر ذلك المؤرخون الذين تقدموا حاجي خليفة.

والدليل الرابع: لا يثبت دعواهم؛ لأنه لا يقاس هولاكو بعمر بن الخطاب، ولا يقاس من جاء ليحصد الحضارات عامة، بمن قام بنشر الحضارة في العالم.

وقد أسهب بعض المؤرخين المحدثين في تفنيد رواية الإحراق، لا سيما رواية أبي الفرج، وذكروا ما يدل على أن عَمْرًا وعُمر بريئان مما نسب إليهما. وهذه هي رواية أبي الفرج عن كيفية الحريق على يد عمرو بن العاص، قال:

"كان في وقت الفتح رجل اكتسب شهرة عظيمة عند المسلمين يسمى بيحيى المعروف عندنا "بغرماطيقوس" أي النحوي، وكان إسكندريًّا، وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية، ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية -التي لم تكن للعرب بها أنسة- ما هاله ففتن به.

وكان عمرو عاقلاً حسن الاستماع صحيح الفكر، فلازمه وكان لا يفارقه، ثم قال له يحيى يومًا: إنك قد أحطت بحواصل الإسكندرية، وختمت على كل الأشياء الموجودة بها، فما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به. فقال له عمرو: وما الذي تحتاج إليه؟ قال: كتب الحكمة التي في خزائن الملوكية. فقال له عمرو: لا يمكنني أن آمر إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى، فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التي ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله، ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله، فلا حاجة إليه فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها، فاستنفدت في ستة أشهر، فاسمع ما جرى واعجب".
تفنيد الحجج حول رواية الإحراق

- هذه الرواية أشبه بالخرافة، فقد ذكر فيها ابن العبري أن كتب المكتبة كفت أربعة آلاف حمَّام - وهي عدد حمامات الإسكندرية كما ذكرها ابن العبري - لمدة ستة أشهر، وهذا غير معقول، فضلاً أن عَمْرًا لو قصد تدمير المكتبة لأحرقها في الحال ولم يتركها تحت رحمة أصحاب الحمامات، وإلا لتمكن يوحنا النحوي -الذي بنى ابن العبري روايته عليه- من أخذ ما يلزم من هذه الكتب بثمن بخس، ولتسرب قسم كبير من الكتب ليظهر فيما بعد، وهذا ما لم يحدث.

- كما ذكر "بتلر" أن يوحنا هذا مات قبل الفتح الإسلامي لمصر بثلاثين أو أربعين سنة.

- لو كانت هذه الرواية صحيحة، لتعرض لها المتقدمون من قريب أو بعيد ولو تليمحًا.

- إن هذه المكتبة أصابها الحريق مرتين: الأولى سنة 48 ق.م على أثر إحراق أسطول يوليوس قيصر، والثانية في عهد القيصر تيودوسيس (738 – 395م) وذلك عام 391م؛ فنسجت هذه الحكاية على منوال الحريقين السابقين.

- زار "أورازيوس" الإسكندرية في أوائل القرن الخامس الميلادي، فذكر أن رفوف المكتبة خالية من الكتب عند زيارته؛ وعلى ذلك فإن الكتب التي كانت بالمكتبة من عهد البطالمة لم يبق لها أثر منذ أواخر القرن الرابع الميلادي، أي منذ عهد الإمبراطور تيودوسيس -أي الحريق الثاني- كما أنه لم يرد لها ذكر في الآداب في القرنين السادس والسابع، ومن المعلوم أن حالة مصر قبيل الفتح الإسلامي –أي منذ أيام دقلديانوس- كانت حالة تأخر الزراعة والصناعة والعلوم والمعارف والآداب، فمن البعيد -إذن- أن يهتم الناس بإعادة هذه المكتبة إلى عهدها الأول.

- إن التعاليم الإسلامية تخالف رواية القصة؛ لأن الإسلام يحرم المساس بالكتب السماوية كاليهودية والمسيحية، لأنه يجوز أن ينتفع المسلمون بها، فالرواية مخالفة لعادات المسلمين الذين عُرف عنهم عدم التعرض لما فيه ذكر الله.

- ولو فرضنا أن هذه المكتبة بقيت إلى الفتح الإسلامي، ولم يكن هناك ما يمنع من نقلها إلى القسطنطينية على أيدي الروم في أثناء الهدنة التي عقدت مع المسلمين، وقد أجاز لهم عمرو في عهد الصلح أن يحملوا كل ما يقدرون عليه، وكان لديهم من الوقت ما يمكّنهم من نقل مكتبات لا مكتبة واحدة.

- وقد أنهى أبو الفرج روايته بقوله: "فاسمع ما جرى واعجب". وهذا يعني أنه أراد أن يدعونا إلى إحكام العقل بأنه ليس من الممكن أن يفعل عُمر وعَمْرو هذا، وهذا ما لا يريده؛ فكأنما يوحي لنا بكذب الخبر، وإن لم يكن كذلك فلِمَ يقول: اسمع واعجب؟! هذه فكرة، وفكرة أخرى يحملها المعنى، وهي أن يكون في نفس المؤلف ضغينة على عُمر وعَمرو، فنسب إليهما هذه الفِرْية، وهو يدعونا إلى التعجب من شدة هذا الأمر.

وعلى كلا الأمرين، فإن إثارة العجب والدعوة إلى الاستماع فيها شيء من الإيحاء وعدم النزاهة، ويجعل ما سبق من الخبر فِرْية لا صحة لها.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الفتح الاسلامى لمصر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: