منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 تكريم الإسلام للنفس الإنسانية .. د. راغب السرجاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
همس الورد
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 83
تاريخ التسجيل : 19/05/2014

مُساهمةموضوع: تكريم الإسلام للنفس الإنسانية .. د. راغب السرجاني   الثلاثاء 20 مايو - 5:23

تكريم الإسلام للنفس الإنسانية .. د. راغب السرجاني


تكريم الإسلام النفس الإنسانية



لعل من المهم أن نُدرك طبيعة النظرة الإسلامية إلى النفس الإنسانية بصفة عامة؛ لندرك كيف تناول المنهج الإسلامي قضية غير المسلمين وكيفية التعامل معهم.

إن النفس الإنسانية بصفة عامة مُكَرَّمَةٌ ومُعَظَّمَة.. وهذا الأمر على إطلاقه، وليس فيه استثناء بسبب لون أو جنس أو دين، قال تعالى في كتابه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].
وهذا التكريم عام وشامل، وهو يلقي بظلاله على المسلمين وغير المسلمين؛ فالجميع يُحمل في البر والبحر، والجميع يُرزق من الطيبات، والجميع مُفضَّلٌ على كثيرٍ مِن خلْق الله .

وقد انعكست هذه الرؤية الشاملة لكل البشر، وهذا التكريم لكل إنسان على كل بندٍ من بنود الشريعة الإسلامية، وبالتالي انعكست هذه الرؤية الشاملة على كل قولٍ أو فعل لرسولنا .. وهذا يفسر لنا الطريقة الراقية الفريدة التي تعامل بها الرسول العظيم مع المخالفين له، والمنكرين عليه.

إنه يتعامل مع نفوس بشرية مُكرَّمة، فلا يجوز إهانتها أو ظلمها، أو التعدي على حقوقها، أو التقليل من شأنها، وهذا واضح بَيِّن في آيات القرآن الكريم، وكذلك في حياة الرسول .
يقول الله : {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151].
فالأمر هنا عام، يشمل نفوس المسلمين وغير المسلمين؛ فالعدل في الشريعة مطلق لا يتجزأ.

وما أجمل ما ذكره القرطبي[1] -رحمه الله- تعليقًا على هذه الآية عندما قال: «وهذه الآية نهيٌ عن قتل النفس المحرمة، مؤمنة كانت أو معاهدة، إلا بالحق الذي يوجب قتلها»[2].

ثم ذكر –رحمه الله- عدة أحاديث نبوية تشير إلى هذا المعنى، منها -على سبيل المثال- ما رواه أبو بكرة t عن رسول الله ، قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»[3].

فالشريعة تأبى الظلم في كل صوره، والنهي عن ذلك واضح في آيات وأحاديث لا تُحصى، وهو مرفوض إلى يوم القيامة.. بل يقول الله في صفة الحساب يوم القيامة: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47].

والأمر هنا على إطلاقه أيضًا؛ فلن تظلم «نفس» يوم القيامة، أيًّا كانت هذه النفس، مؤمنة بالله أو كافرة به، مسلمة كانت أو نصرانية أو يهودية، أو غير ذلك من الملل والنحل الأخرى.
إن الظلم شيءٌ مقيت، وإن الله قد حرَّمه على نفسه Y، وحرمه أيضًا على كل عباده؛ فيروي أبو ذر t عن النبي فيما روى عن ربه أنه قال: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا»[4].
هذه هي النظرة الإسلامية الحقيقية لكل البشر، إنها نظرة التقدير والاحترام والتكريم.

رسول الله وتكريم النفس

وما أبلغ وأروع الموقف الذي علَّمَنا إياه رسول الله عندما مرت به جنازة يهودي!!
فقد روى مسلم عن ابن أبي ليلى أَنَّ قيس بن سعد وسهل بن حنيف كَانَا بالقادسية، فَمَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ[5]. فَقَالا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا»[6].

ألا ما أروع هذا الموقف حقًّا!!
هذه هي النظرة الإسلامية للنفس البشرية..

إن رسول الله في هذا الموقف زرع في نفوس المسلمين التقدير والاحترام لكل نفس إنسانية، وذلك على الإطلاق؛ لأنه فعل ذلك وأمر به، حتى بعد علمه أنه يهودي.

فإذا أخذنا في الاعتبار أن هؤلاء اليهود قد عاصروا رسول الله ، ورأوا الآيات، واستمعوا إلى الحجج الدامغة والبراهين الساطعة، ثم لم يؤمنوا، بل إنهم اعتدوا عليه بشتى أنواع الاعتداءات المعنوية والمادية، ومع كل هذا التعنُّت اليهودي إلا أن رسول الله يقف لجنازة رجلٍ منهم، وهو رجل غير معروف؛ لكيلا يقال إنه -أي اليهودي- أسدى معروفًا مرة للمسلمين أو كان ذا خلق حسن، ودليل أنه غير معروف أن الصحابة عيَّنوه بصفته لا باسمه، ثم إن الرسول برَّر وقوفه بقوله: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا»، ولم يذكر فضيلة معينة له.
إنه الاحترام الحقيقي للنفس البشرية..
وهذا الاحترام لم يكن للحظة عابرة، بل طال وقوف رسول الله حتى اختفت الجنازة؛ ففي رواية مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «قَامَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ حَتَّى تَوَارَت»[7].

وتخيل معي هذا الموقف الجليل وجنازة اليهودي تمرُّ، والرسول وأصحابه ما زالوا واقفين!
إن هذا الموقف قد رسَّخ في أذهان الصحابة -والمسلمين من بعدهم- أن الإسلام يحترم كلَّ نفس بشرية ويقدرها ويكرمها، وهذا الذي دفع قيس بن سعد [8] وسهل بن حنيف[9] أن يقفا لجنازة رجل مجوسي يعبد النار!
فالمجوسي هذا ليس كتابيًّا أصلاً، وهو على عقيدة مخالفة تمامًا لدين الإسلام، بل إنه من قوم محاربين، ومع ذلك فالصحابة ن يدركون قيمة النفس البشرية فيُكَرِّمونها ويقفون لها.

هذه هي نظرتنا لغير المسلمين، وهذه هي الخلفية التي يضعها المسلمون في أذهانهم عن التعامل مع غير المسلمين.

سنة الاختلاف بين البشر

ثم إن هناك خلفية أخرى مهمة تحكم تصور المسلمين للمخالفين لهم في الاعتقاد، والمغايرين لهم في المبادئ، وهي أن الاختلاف بين الناس أمر محتمل جدًّا، بل هو حتمي! ولن يوجد زمانٌ أبدًا يتفق فيه العالمون على رأي واحد في قضية ما، بما فيها قضية الألوهية والتوحيد.
يقول تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}[هود: 118].

فالمسلم يقبل ببساطة أن يوجد مخالفون له في العقيدة، ويعلم أن اختفاءهم من الأرض مستحيل؛ ولذلك يتعايش معهم بشكل طبيعي، وخاصة أن الشريعة الإسلامية توضح بجلاء أُطُر التعامل وآليات التفاهم مع الطوائف المختلفة من غير المسلمين.
فإذا أضفت إلى هذه الخلفيات أن المسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الحساب يوم القيامة بيد الله وحده، وأنه إذا أراد إنسانٌ الإيمان أو الكفر فإن ذلك متروك له، وحسابه عند ربه يوم الحساب، إذا أضفت هذا إلى الخلفية الفكرية للمسلمين، أدركت أنه لا داعي مطلقًا للمسلم أن يفكر في إجبار الآخرين على اعتناق الإسلام، أو إكراههم على تغيير دينهم.. قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].

منهج الإسلام في التعامل مع النفس الإنسانية



إن مهمة المسلم ببساطة أن يصل بدعوته نقية إلى غير المسلمين، أما ردود أفعالهم تجاه هذه الدعوة فلا يُسأل عنها المسلم ولا يُحاسَب.. قال تعالى:{وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج: 68، 69].

من هذا المنطلق، ومن واقع تقدير الشرع الإسلامي «لكل نفس»، وتكريم الله لكل بني آدم، جاءت أوامر الشريعة الإسلامية الخاصة بالعدل والرحمة والألفة والتعارف، وغيرها من فضائل الأخلاق.. جاءت كل هذه الأوامر عامة تشمل المسلمين وغير المسلمين، ولم تكن يومًا كما فعل اليهود بتحريفهم في التوراة؛ فخصُّوا بالمعاملات الحسنة اليهود وحدهم، وأباحوا الموبقات كلها في حق غيرهم!!

في شريعتنا الإسلامية تجد مثلاً قول الله في مسألة الرحمة يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. فليست الرحمة هنا خاصة بالمسلمين، إنما هي عامة لكل البشر على اختلاف أديانهم ومللهم.

وفي مسألة التعارف يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]. فلم يقتصر التعارف أيضًا على طائفة معينة، إنما اتسع ليشمل كل الشعوب والقبائل.

والرزق في الأرض مكفولٌ لكل البشر، والكون مسخرٌ للإنسانية جمعاء، دون تفرقة بين مؤمن وكافر. يقول تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج: 65].
فهذا التسخير للأرض والفُلك والبحار والسماء لكل البشرية، والتعليق الختامي على الآية يوضح أن الرأفة والرحمة لكل الناس.

وفي مسألة العفو قال الله :{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133، 134]. فالعفو من صفات المؤمن، ولكن هذا العفو الذي نراه في هذه الآية ليس خاصًّا بالمسلمين فقط، إنما هو عفوٌ واسعٌ يشمل «الناس» كما ذكر ربنا ، وهو بذلك يشمل المسلمين وغير المسلمين.

بل أكثر من كل ذلك، أنه عندما ذكر أمْرَ العدل المأمور به في الإسلام، لم يجعله عدلاً خاصًّا بالمؤمنين وحدهم، ولم يجعله عدلاً خاصًّا بالبشر المحايدين فقط، مسلمين كانوا أو غير مسلمين.. وإنما حضَّ وأَمَر أن يكون العدل حتى مع من نكره من الناس!!
قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].

النظرة المنحرفة للنفس البشرية

هذه النظرة المتناهية في الرحمة والألفة والعدل والتسامح تفسِّر لنا الأخلاق النبيلة التي كان عليها رسولنا .. لقد كان متبعًا للشرع في كل خطوة من خطوات حياته.

ومن اللافت للنظر حقًّا أن رسول الله كان يفعل كلَّ ذلك في زمانٍ نَدَرتْ فيه أخلاق الفرسان، وعزَّت فيه طبائع النبلاء.

ويكفيك أن تراجع بعض الأوامر والقوانين في التوراة المحرَّفة التي كانت موجودة في عصر رسولنا -وما زالت إلى زماننا هذا- لتدرك البون الشاسع بين التشريع الإسلامي المحكم، وبين الافتراءات البشرية التي دُسَّت بين صحائف التوراة..

ففي سفر يشوع -مثلاً- تجد في طريقة تعامل اليهود مع غيرهم ما يلي: «ثم تحرك يشوع وجيش إسرائيل من لخيش نحو عجلون فحاصروها وحاربوها واستولوا عليها في ذلك اليوم ودمروها، وقضوا على (كل نفس) فيها بحد السيف، على غرار ما صنعوا بلخيش. ثم اتجه يشوع بقواته من عجلون إلى حبرون وهاجموها، واستولوا عليها ودمروها مع بقية ضواحيها التابعة لها، وقتلوا ملكها و(كل نفس) فيها بحد السيف، فلم يفلت منها ناجٍ، على غرار ما صنعوا بعجلون. وهكذا قضوا على (كل نفس) فيها، ثم عاد يشوع إلى دبير وهاجموها واستولى عليها ودمرها مع ضواحيها، وقتل ملكها (وكل نفس) فيها بحد السيف، فلم يفلت منها ناجٍ، فصنع بدبير وملكها نظير ما صنع بلبنة وملكها»[10].

لقد عكس هذا التزوير نفسيَّة اليهود وطبيعتهم، فهذه هي صورة الأنبياء عندهم يقتلون «كل نفس» غير يهودية!

ويؤكد هذه النظرة المنحرفة للنفس البشرية ما جاء في سِفر العدد، حين يصف رد فعل موسى u -وحاشاه- لما رأى بعض جيوشه قد أبقت النساء والأطفال على قيد الحياة، واتخذوهم أسيرات وأسرى فقال لهم: «لماذا استحييتم[11] النساء؟! إنهن -باتباعهن نصيحة بلعام- أَغْوَين بني إسرائيل بعبادة فغور، وكُنَّ سبب خيانة الرب فتفشى الوباء في جماعة الرب، فالآن اقتلوا (كل ذكر) من الأطفال، واقتلوا أيضًا كل امرأة ضاجعت رجلاً، ولكن استحيوا لكم كل عذراء لم تضاجع رجلاً»[12]!!

وأمثلة هذه العدوانية كثيرة جدًّا، سواءٌ في العهد القديم أو الجديد، وليس المجال الآن للحصر، ولكن لتوضيح أن عظمة التشريع الإسلامي ورحمته وعدله وتسامحه تتجلى بصورة أكبر وأكبر، عندما نعرف أن هذا التشريع المحكم نزل في زمانٍ وُجدت فيه مثل هذه التوجُّهات العدوانية والافتراءات المخزية.

رحمة رسول الله بالنفس البشرية

ليس معنى أن الإسلام إذ ينظر هذه النظرة المتقبِّلة للاختلاف إلى الأديان الأخرى، أنه ليس حريصًا على دعوتهم إلى الحق الذي يراه.. بل على العكس من ذلك، كان رسول الله يرجو الإسلام حتى لألدّ أعدائه، برغم شرورهم ومكائدهم..
ها هو يخص بالدعاء رجلين من ألد أعدائه: أبو جهل وعمر بن الخطاب -قبل أن يسلم- فيقول: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ»، فَكَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اللهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ [13].

إن التاريخ الطويل من الصد عن سبيل الله، وفتنة المسلمين عن دينهم، لم يورث في قلب رسول الله شعورًا بالانتقام، أو رغبة في الكيد أو التنكيل، إنما على العكس تمامًا، شعر بأنهم مرضى يحتاجون إلى طبيب، أو حيارى يحتاجون إلى دليل، فجاءت هذه الدعوة لهم بالهداية وبالعزة وبالنجاة.

كانت تلك هي نفسيته ، وكانت تلك هي سنَّته وطريقته، وكانت هذه هي خلفياته ومرجعيته في التعامل مع الناس.

إن رسولنا الكريم كان حريصًا كل الحرص على إيصال دعوته إلى كل من هو على غير الإسلام؛ فحملها إلى كل مشرك أو يهودي أو نصراني أو مجوسي، وكان يبذل قصارى جهده في الإقناع بالتي هي أحسن، وكان يحزن حزنًا شديدًا إذا رفض إنسانٌ أو قومٌ الإسلامَ، حتى وصل الأمر إلى أن الله نهاه عن هذا الحزن والأسى..

قال تعالى يخاطبه : {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]. ويقول أيضًا: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر:8].

ومع شدة هذا الحزن إلا أن الرسول لم يجعله مبررًا للضغط على أحد ليقبل الإسلام، إنما جعل الآية الكريمة: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]. منهجًا له في حياته، فتحقق في حياته التوازن الرائع المعجز؛ إذ إنه يدعو إلى الحق الذي معه بكل قوة، ولكنه لا يدفع أحدًا إليه مُكْرَهًا أبدًا.

ألا ما أروع ما قاله يلخص به نظرته إلى عموم الناس..
يروي أبو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا»[14].
إنها نظرة الرحمة والرعاية لا القهر أو التسلط..
وسبحان الذي رزقه هذا الكمال في الأخلاق!
الفهرس

[1] محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي المالكي القرطبي، من كبار المفسرين، وهو صاحب التفسير المشهور (الجامع لأحكام القرآن). مات بمنية بني خصيب من الصعيد الأدنى في مصر سنة 671هـ. انظر: الزركلي: الأعلام 5/322.
[2] القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 7/132.
[3] أبو داود (2760)، والنسائي (4747)، وأحمد (20393)، والدارمي (2504)، والطيالسي (879)، والحاكم (2631)، وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع (6456).
([4]) مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (2577)، وأحمد (21458)، والبخاري في الأدب المفرد (490)، وابن حبان (619)، والبيهقي في شعب الإيمان (7088)، والسنن الكبرى (11283).
([5]) أي: من مجوس فارس.
([6]) البخاري: كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي (1250)، ومسلم: كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة (961)، واللفظ له.
[7] مسلم: كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة (960)، والنسائي (1928)، وأحمد (1928)، والبيهقي في سننه (6670).
[8] هو قيس بن سعد بن عبادة، أحد دهاة العرب وأهل الرأي والمكيدة في الحروب، وكان شريف قومه، وكان من النبي ﷺ بمكان صاحب الشرطة من الأمير، وقد أعطاه رسول الله ﷺ الراية يوم فتح مكة، ومات بها سنة 60 أو 59هـ. انظر: ابن الأثير: أسد الغابة 4/272، وابن حجر: الإصابة، الترجمة رقم (7176)، وابن عبد البر: الاستيعاب 3/350.
[9] هو سهل بن حنيف بن واهب، شهد بدرًا وكل المشاهد مع رسول الله ﷺ، وثبت يوم أحد، استخلفه علي t حين خرج من المدينة إلى البصرة، كما شهد مع علي صفين وولاه على فارس. مات بالكوفة سنة 88هـ. انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 2/223، وابن الأثير: أسد الغابة 2/335، وابن حجر: الإصابة، الترجمة رقم (5323).
[10] سفر يشوع، ويُكتب في بعض النسخ يوشع 10/34-39.
[11] استحيا الأسير: تركه حيًّا فلم يقتله. المعجم الوسيط 1/213.
[12] سفر العدد 31/7-18.
[13] الترمذي: كتاب المناقب، باب في مناقب عمر بن الخطاب (3863) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر. وأحمد (5696)، والحاكم (4485) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وقال الألباني: حسن صحيح. انظر: مشكاة المصابيح (6036).
[14] البخاري: كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي (6118)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته (2284).
تكريم الإسلام للنفس الإنسانية .. د. راغب السرجاني
سلسلة سماحة الرسول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تكريم الإسلام للنفس الإنسانية .. د. راغب السرجاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: