منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بنوتة مزيزنة
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 26
تاريخ التسجيل : 13/09/2013

مُساهمةموضوع: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الجمعة 23 مايو - 11:30

بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد


بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد


بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد












الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنوتة مزيزنة
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 26
تاريخ التسجيل : 13/09/2013

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الجمعة 23 مايو - 11:32

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Lion Heart
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 214
تاريخ التسجيل : 24/09/2011

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الجمعة 30 مايو - 7:13



استعداد قريش لمعركة ناقمة

كانت مكة تحترق غيظاً على المسلمين مما أصابها في معركة بدر من مأساة الهزيمة وقتل الصناديد والأشراف ، وكانت تجيش فيها نزعات الانتقام وأخذ الثأر ، حتى إن قريشاً كانوا قد منعوا البكاء على قتلاهم في بدر ، ومنعوا من الاستعجال في فداء الأسارى حتى لا يتفطن المسلمون مدي مأساتهم وحزنهم ‏.‏

وعلى أثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين تشفي غيظها وتروي غلة حقدها ، وأخذت في الاستعداد للخوض في مثل هذه المعركة ‏.‏

وكان عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وأبو سفيان بن حرب ، وعبد الله بن أبي ربيعة أكثر زعماء قريش نشاطاً وتحمساً لخوض المعركة ‏.‏

وأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم احتجزوا العير التي كان قد نجا بها أبو سفيان ، والتي كانت سبباً لمعركة بدر ، وقالوا للذين كانت فيها أموالهم ‏:‏ يا معشر قريش ، إن محمداً قد وَتَرَكُم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأراً ، فأجابوا لذلك ، فباعوها ، وكانت ألف بعير ، والمال خمسين ألف دينار ، وفي ذلك أنزل الله تعالى ‏:‏ ‏"‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ‏" "‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 36‏]‏

ثم فتحوا باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الأحابيش وكنانة وأهل تهامة ، وأخذوا لذلك أنواعا من طرق التحريض ، حتى إن صفوان بن أمية أغري أبا عزة الشاعر ـ الذي كان قد أسر في بدر ، فَمَنَّ عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأطلق سراحه بغير فدية ، وأخذ منه العهد بألا يقوم ضده ـ أغراه على أن يقوم بتحريض القبائل ضد المسلمين ، وعاهده أنه إن رجع عن الغزوة حياً يغنيه، وإلا يكفل بناته ، فقام أبو عزة بتحريض القبائل بأشعاره التي كانت تذكي حفائظهم ، كما اختاروا شاعراً آخر ـ مُسَافع بن عبد مناف الجمحي ـ لنفس المهمة ‏.‏

وكان أبو سفيان أشد تأليباً على المسلمين بعدما رجع من غزوة السَّوِيق خائباً لم ينل ما في نفسه ، بل أضاع مقدارًا كبيراً من تمويناته في هذه الغزوة‏ .‏

وزاد الطينة بلة ـ أو زاد النار إذكاء ، إن صح هذا التعبير ـ ما أصاب قريشاً أخيراً في سرية زيد بن حارثة من الخسارة الفادحة التي قصمت فقار اقتصادها ، وزودها من الحزن والهم ما لا يقادر قدره ، وحينئذ زادت سرعة قريش في استعدادها للخوض في معركة تفصل بينهم وبين المسلمين ‏.‏


قوام جيش قريش وقيادته

ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها ، واجتمع إليها من المشركين ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش ، ورأي قادة قريش أن يستصحبوا معهم النساء حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم ، وكان عدد هذه النسوة خمس عشرة امرأة ‏.‏

وكان سلاح النقليات في هذا الجيش ثلاثة آلاف بعير ، ومن سلاح الفرسان مائتا فرس ، جنبوها طول الطريق ، وكان من سلاح الوقاية سبعمائة درع‏ .‏

وكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان بن حرب ، وقيادة الفرسان إلى خالد بن الوليد يعاونه عكرمة بن أبي جهل ‏.‏

أما اللواء فكان إلى بني عبد الدار ‏.‏


جيش مكة يتحرك

تحرك الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام نحو المدينة ، وكانت الثارات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب ، ويشف عما سوف يقع من قتال مرير ‏.‏

الاستخبارات النبوية تكشف حركة العدو

وكان العباس بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية ، فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ضمنها جميع تفاصيل الجيش ‏.‏

وأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة ، وجد في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة والمدينة ـ التي تبلغ مسافتها إلى نحو خمسمائة كيلو متراً ـ في ثلاثة أيام ، وسلم الرسالة إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) وهو في مسجد قباء ‏.‏

قرأ الرسالة على النبي(صلى الله عليه وسلم) أبي بن كعب ، فأمره بالكتمان ، وعاد مسرعاً إلى المدينة ، وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار

استعداد المسلمين للطوارئ

وظلت المدينة في حالة استنفار عام لا يفارق رجالها السلاح حتى وهم في الصلاة ، استعداداً للطوارئ ‏.‏

وقامت مفرزة من الأنصار ـ فيهم سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، وسعد بن عبادة ـ بحراسة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح ‏.‏

وقامت على مداخل المدينة وأنقابها مفرزات تحرسها ، خوفا من أن يؤخذوا على غرة

وقامت دوريات من المسلمين ـ لاكتشاف تحركات العدو ـ تتجول حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين ‏.‏



الجيش المكي إلى أسوار المدينة

وتابع جيش مكة سيره على الطريق الغربية الرئيسية المعتادة ، ولما وصل إلى الأبْوَاء اقترحت هند بنت عتبة ـ زوج أبي سفيان ـ بنبش قبر أم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، بَيدَ أن قادة الجيش رفضوا هذا الطلب ، وحذروا من العواقب الوخيمة التي تلحقهم لو فتحو هذا الباب ‏.‏

ثم واصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة ، فسلك وادي العَقيق ، ثم انحرف منه إلى ذات اليمين حتى نزل قريباً بجبل أحد ، في مكان يقال له ‏:‏ عَينَيْن ، في بطن السَّبْخَة من قناة على شفير الوادي ـ الذي يقع شمإلى المدينة بجنب أحـد ، فعسكر هناك يوم الجمعة السادس من شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Lion Heart
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 214
تاريخ التسجيل : 24/09/2011

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الجمعة 30 مايو - 7:14


المجلس الاستشاري لأخذ خطة الدفاع

ونقلت استخبارات المدينة أخبار جيش مكة خبراً بعد خبر حتى الخبر الأخير عن معسكره ، وحينئذ عقد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مجلساً استشارياً عسكرياً أعلى ، تبادل فيه الرأي لاختيار الموقف ، وأخبرهم عن رؤيا رآها ، قال‏:‏ "‏إني قد رأيت والله خيراً ، رأيت بقراً يذبح ، ورأيت في ذُبَاب سيفي ثُلْماً ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة "‏ ، وتأوّل البقر بنفر من أصحابه يقتلون ، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته ، وتأول الدرع بالمدينة‏ . ‏

ثم قدم رأيه إلى صحابته ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها ، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بِشَرِّ مُقَام وبغير جدوى ، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة ، والنساء من فوق البيوت ، وكان هذا هو الرأي ‏.‏

ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول ـ رأس المنافقين ـ وكان قد حضر المجلس بصفته أحد زعماء الخزرج ‏.‏ ويبدو أن موافقته لهذا الرأي لم تكن لأجل أن هذا هو الموقف الصحيح من حيث الوجهة العسكرية ، بل ليتمكن من التباعد عن القتال دون أن يعلم بذلك أحد ، وشاء الله أن يفتضح هو وأصحابه ـ لأول مرة ـ أمام المسلمين وينكشف عنهم الغطاء الذي كان كفرهم ونفاقهم يكمن وراءه ، ويتعرف المسلمون في أحرج ساعاتهم على تلك الأفاعي التي كانت تتحرك تحت ملابسهم وأكمامهم‏.‏

فقد بادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر ومن غيرهم ، فأشاروا على النبي(صلى الله عليه وسلم) بالخروج ، وألحوا عليه في ذلك حتى قال قائلهم ‏:‏ يا رسول الله ، كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله ، فقد ساقه إلينا وقرب المسير ، اخرج إلى أعدائنا ، لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم ‏.‏

وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ الذي كان قد أبلي أحسن بلاء في معركة بدر ـ فقد قال للنبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاماً حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة ‏.‏

وتنازل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عن رأيه مراعاة لهؤلاء المتحمسين ، واستقر الرأي على الخروج من المدينة ، واللقاء في الميدان السافر ‏.‏

تكتيب الجيش الإسلامي وخروجه إلى ساح القتال

ثم صلى النبي(صلى الله عليه وسلم) بالناس يوم الجمعة ، فوعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد ، وأخبر أن لهم النصر بما صبروا ، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم ، ففرح الناس بذلك‏ .‏ ثم صلى بالناس العصر ، وقد حشدوا وحضر أهل العَوَالي ، ثم دخل بيته ، ومعه صاحباه أبو بكر وعمر ، فعمماه وألبساه ، فتدجج بسلاحه وظاهر بين درعين ‏[ ‏أي لبس درعا فوق درع ‏]‏ وتقلد السيف ، ثم خرج على الناس ‏.‏

وكان الناس ينتظرون خروجه ، وقد قال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير ‏:‏ استكرهتم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الخروج فردوا الأمر إليه ، فندموا جميعاً على ما صنعوا ، فلما خرج قالوا له ‏:‏ يا رسول الله ، ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت ، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل ‏.

فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم)‏ :‏ ‏" ‏ما ينبغي لنبي إذا لبس لأْمَتَه ـ وهي الدرع ـ أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه "‏ ‏.‏

وقسم النبي(صلى الله عليه وسلم) جيشه إلى ثلاث كتائب‏ :‏

1‏.‏ كتيبة المهاجرين ، وأعطي لواءها مصعب بن عمير العبدري‏ .‏

2‏.‏ كتيبة الأوس من الأنصار ، وأعطي لواءها أسيد بن حضير ‏.‏

3‏.‏ كتيبة الخزرج من الأنصار ، وأعطي لواءها الحُبَاب بن المنذر‏ .‏



وكان الجيش متألفاً من ألف مقاتل فيهم مائة دارع ، ولم يكن فيهم من الفرسان أحد ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة ، وآذن بالرحيل ، فتحرك الجيش نحو الشمال ، وخرج السعدان أمام النبي(صلى الله عليه وسلم) يعدوان دارعين ‏.‏

ولما جاوز ثنية الوداع رأي كتيبة حسنة التسليح منفردة عن سواد الجيش ، فسأل عنها ، فأخبر أنهم اليهود من حلفاء الخزرج يرغبون المساهمة في القتال ضد المشركين ، فسأل ‏:‏ ‏" هل أسلموا ‏؟‏‏ "‏ فقالوا ‏: ‏لا ، فأبى أن يستعين بأهل الكفر على أهل الشرك ‏.‏


استعراض الجيش

وعندما وصل إلى مقام يقال له ‏:‏ ‏[ ‏الشيخان‏ ]‏ استعرض جيشه ، فرد من استصغره ولم يره مطيقاً للقتال ، وكان منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد ، وأسيد بن ظُهَير ، وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وعَرَابَة بن أوْس ، وعمرو بن حزم ، وأبو سعيد الخدري ، وزيد بن حارثة الأنصاري ، وسعد بن حَبَّة ، ويذكر في هؤلاء البراء بن عازب ، لكن حديثه في البخاري يدل على شهوده القتال ذلك اليوم ‏.‏

وأجاز رافع بن خَدِيج ، وسَمُرَة بن جُنْدَب على صغر سنهما ، وذلك أن رافع بن خديج كان ماهراً في رماية النبل فأجازه ، فقال سمرة‏ :‏ أنا أقوي من رافع ، أنا أصرعه ، فلما أخبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بذلك أمرهما أن يتصارعا أمامه فتصارعا ، فصرع سمرة رافعاً ، فأجازه أيضاً‏ .‏

المبيت بين أحد والمدينة

وفي هذا المكان أدركهم المساء ، فصلى المغرب ، ثم صلى العشاء ، وبات هنالك ، واختار خمسين رجلاً لحراسة المعسكر يتجولون حوله ، وكان قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري ، بطل سرية كعب بن الأشرف ، وتولي ذَكْوَان بن عبد قيس حراسة النبي(صلى الله عليه وسلم) خاصة ‏.‏

تمرد عبد الله بن أبي وأصحابه

وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج ، حتى إذا كان بالشَّوْط صلى الفجر ، وكان بمقربة جداً من العدو ، فقد كان يراهم ويرونه ، وهناك تمرد عبد الله بن أبي المنافق ، فانسحب بنحو ثلث العسكر ـ ثلاثمائة مقاتل ـ قائلاً ‏:‏ ما ندري علام نقتل أنفسنا ‏؟‏ ومتظاهراً بالاحتجاج بأن الرسول(صلى الله عليه وسلم) ترك رأيه وأطاع غيره ‏.‏

ولا شك أن سبب هذا الانعزال لم يكن هو ما أبداه هذا المنافق من رفض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) رأيه ، وإلا لم يكن لسيره مع الجيش النبوي إلى هذا المكان معنى‏ .‏ بل لو كان هذا هو السبب لا نعزل عن الجيش منذ بداية سيره ، بل كان هدفه الرئيسي من هذا التمرد ـ في ذلك الظرف الدقيق ـ أن يحدث البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوهم ، حتى ينحاز عامة الجيش عن النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وتنهار معنويات من يبقي معه ، بينما يتشجع العدو ، وتعلو همته لرؤية هذا المنظر ، فيكون ذلك أسرع إلى القضاء على النبي(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه المخلصين ، ويصحو بعد ذلك الجو لعودة الرياسة إلى هذا المنافق وأصحابه‏ .‏

وكاد المنافق ينجح في تحقيق بعض ما كان يهدف إليه ، فقد همت طائفتان ـ بنو حارثة من الأوس ، وبنو سلمة من الخزرج ـ أن تفشلا ، ولكن الله تولاهما ، فثبتتا بعدما سرى فيهما الاضطراب ، وهمتا بالرجوع والانسحاب ، وعنهما يقول الله تعالى ‏:‏ ‏" ‏إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏ "‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 122‏] ‏‏.‏

وحاول عبد الله بن حَرَام ـ والد جابر بن عبد الله ـ تذكير هؤلاء المنافقين بواجبهم في هذا الظرف الدقيق ، فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع ، ويقول ‏:‏ تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا ‏:‏ لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ، فرجع عنهم عبد الله بن حرام قائلاً ‏:‏ أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغني الله عنكم نبيه ‏.‏

وفي هؤلاء المنافقين يقول الله تعالى ‏:‏ ‏" ‏وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ‏ "‏[‏آل عمران‏:‏ 167‏]‏‏


بقية الجيش الإسلامي إلى أحد

وبعد هذا التمرد والانسحاب قام النبي(صلى الله عليه وسلم) ببقية الجيش ـ وهم سبعمائة مقاتل ـ ليواصل سيره نحو العدو، وكان معسكر المشركين يحول بينه وبين أحد في مناطق كثيرة ، فقال ‏:‏ ‏" من رجل يخرج بنا على القوم من كَثَبٍ ـ أي من قريب ـ من طريق لا يمر بنا عليهم ‏؟‏‏ "‏‏.‏

فقال أبو خَيثَمةَ‏ :‏ أنا يا رسول الله ، ثم اختار طريقاً قصيراً إلى أحد يمر بحَرَّةِ بني حارثة وبمزارعهم ، تاركاً جيش المشركين إلى الغرب ‏.‏

ومر الجيش في هذا الطريق بحائط مِرْبَع بن قَيظِي ـ وكان منافقاً ضرير البصر ـ فلما أحس بالجيش قام يحثو التراب في وجوه المسلمين ، ويقول ‏:‏ لا أحل لك أن تدخل حائطي إن كنت رسول الله‏ .‏ فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏"‏ لا تقتلوه ، فهذا الأعْمَى أعمى القلب أعمى البصر "‏‏.‏

ونفذ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي ، فعسكر بجيشه مستقبلاً المدينة ، وجاعلا ظهره إلى هضاب جبل أحد ، وعلى هذا صار جيش العدو فاصلاً بين المسلمين وبين المدينة ‏.‏

خطة الدفاع

وهناك عبأ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) جيشه ، وهيأهم صفوفاً للقتال ، فاختار منهم فصيلة من الرماة الماهرين ، قوامها خمسون مقاتلاً ، وأعطي قيادتها لعبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري الأوسي البدري ، وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الشمالية من وادي قناة ـ وعرف فيما بعد بجبل الرماة ـ جنوب شرق معسكر المسلمين ، على بعد حوالى مائة وخمسين متراً من مقر الجيش الإسلامي ‏.‏

والهدف من ذلك هو ما أبداه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في كلماته التي ألقاها إلى هؤلاء الرماة ، فقد قال لقائدهم ‏:‏ "‏انضح الخيل عنا بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك ، لا نؤتين من قبلك "‏ وقال للرماة ‏:‏ "‏احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا‏ "‏، وفي رواية البخاري أنه قال ‏:‏ "‏إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم‏ "‏.‏

بتعين هذه الفصيلة في الجبل مع هذه الأوامر العسكرية الشديدة سد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الثلمة الوحيدة التي كان يمكن لفرسان المشركين أن يتسللوا من ورائها إلى صفوف المسلمين ، ويقوموا بحركات الالتفاف وعملية التطويق ‏.‏

أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو ، وجعل على الميسرة الزبير بن العوام ، يسانده المقداد بن الأسود ، وكان إلى الزبير مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد ، وجعل في مقدمة الصفوف نخبة ممتازة من شجعان المسلمين ورجالاتهم المشهورين بالنجدة والبسالة ، والذين يوزنون بالآلاف ‏.‏

ولقد كانت خطة حكيمة ودقيقة جداً ، تتجلي فيها عبقرية قيادة النبي(صلى الله عليه وسلم) العسكرية ، وأنه لا يمكن لأي قائد مهما تقدمت كفاءته أن يضع خطة أدق وأحكم من هذا ، فقد احتل أفضل موضع من ميدان المعركة ، مع أنه نزل فيه بعد العدو ، فإنه حمي ظهره ويمينه بارتفاعات الجبل ، وحمي ميسرته وظهره ـ حين يحتدم القتال ـ بسد الثلمة الوحيدة التي كانت توجد في جانب الجيش الإسلامي ، واختار لمعسكره موضعاً مرتفعاً يحتمي به ـ إذا نزلت الهزيمة بالمسلمين ـ ولا يلتجئ إلى الفرار ، حتى يتعرض للوقوع في قبضة الأعداء المطاردين وأسرهم ، ويلحق مع ذلك خسائر فادحة بأعدائه إن أرادوا احتلال معسكره وتقدموا إليه ، وألجأ أعداءه إلى قبول موضع منخفض يصعب عليهم جداً أن يحصلوا على شيء من فوائد الفتح إن كانت الغلبة لهم ، ويصعب عليهم الإفلات من المسلمين المطاردين إن كانت الغلبة للمسلمين ، كما أنه عوض النقص العددي في رجاله باختيار نخبة ممتازة من أصحابه الشجعان البارزين ‏.‏

وهكذا تمت تعبئة الجيش النبوي صباح يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3هـ‏

الرسول(صلى الله عليه وسلم) ينفث روح البسالة في الجيش

ونهى الرسول(صلى الله عليه وسلم) الناس عن الأخذ في القتال حتى يأمرهم ، وظاهر بين درعين ، وحرض أصحابه على القتال ، وحضهم على المصابرة والجلاد عند اللقاء ، وأخذ ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه حتى جرد سيفاً باتراً ونادى أصحابه ‏:‏ "‏ من يأخذ هذا السيف بحقه‏ ؟ "‏ ، فقام إليه رجال ليأخذوه ـ منهم على بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وعمر بن الخطاب ـ حتى قام إليه أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشَة ، فقال‏ :‏ وما حقه يا رسول الله ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏" ‏أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني "‏‏ .‏ قال‏:‏ أنا آخذه بحقه يا رسول الله ، فأعطاه إياه ‏.‏

وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب ، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت ‏.‏

فلما أخذ السيف عصب رأسه بتلك العصابة ، وجعل يتبختر بين الصفين ، وحينئذ قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏"‏إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن‏ "‏‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Lion Heart
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 214
تاريخ التسجيل : 24/09/2011

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الجمعة 30 مايو - 7:15

تعبئة الجيش المكي

أما المشركون فعبأوا جيشهم حسب نظام الصفوف ، فكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان صخر بن حرب الذي تمركز في قلب الجيش، وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد ـ وكان إذ ذاك مشركاً ـ وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ، وعلى المشاة صفوان ابن أمية ، وعلى رماة النبل عبد الله بن أبي ربيعة ‏.‏

أما اللواء فكان إلى مفرزة من بني عبد الدار ، وقد كان ذلك منصبهم منذ أن اقتسمت بنو عبد مناف المناصب التي ورثوها من قصي بن كلاب ، وكان لا يمكن لأحد أن ينازعهم في ذلك ، تقيداً بالتقاليد التي ورثوها كابراً عن كابر ، بيد أن القائد العام ـ أبا سفيان ـ ذكرهم بما أصاب قريشاً يوم بدر حين أسر حامل لوائهم النضر بن الحارث ، وقال لهم ـ ليستفز غضبهم ويثير حميتهم ‏:‏ يا بني عبد الدار ، قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنما يؤتي الناس من قبل راياتهم ، وإذا زالت زالوا ، فإما أن تكفونا لواءنا ، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه‏ .‏

ونجح أبو سفيان في هدفه ، فقد غضب بنو عبد الدار لقول أبي سفيان أشد الغضب ، وهموا به وتواعدوه وقالوا له ‏:‏ نحن نسلم إليك لواءنا ‏؟‏ ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع‏ .‏

وقد ثبتوا عند احتدام المعركة حتى أبيدوا عن بكرة أبيهم ‏.‏

مناورات سياسية من قبل قريش

وقبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين ‏.‏ فقد أرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول لهم ‏:‏ خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم ، فلا حاجة لنا إلى قتالكم ‏.‏

ولكن أين هذه المحاولة أمام الإيمان الذي لا تقوم له الجبال ، فقد رد عليه الأنصار رداً عنيفاً ، وأسمعوه ما يكره ‏.‏

واقتربت ساعة الصفر ، وتدانت الفئتان ، فقامت قريش بمحاولة أخرى لنفس الغرض ، فقد خرج إلى الأنصار عميل خائن يسمي أبا عامر الفاسق ـ واسمه عبد عمرو ابن صَيفِي ، وكان يسمي الراهب ، فسماه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الفاسق ، وكان رأس الأوس في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام شَرِق به ، وجاهر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالعداوة ، فخرج من المدينة وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ويحضهم على قتاله ، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ، ومالوا معه ـ فكان أول من خرج إلى المسلمين في الأحابيش وعُبْدَان أهل مكة ‏.‏

فناد قومه وتعرف عليهم ، وقال ‏:‏ يا معشر الأوس ، أنا أبو عامر‏ .‏ فقالوا ‏:‏ لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق ‏.‏ فقال‏ :‏ لقد أصاب قومي بعدي شر ‏.‏ ( ولما بدأ القتال قاتلهم قتالاً شديداً وراضخهم بالحجارة‏ ) .‏

وهكذا فشلت قريش في محاولتها الثانية للتفريق بين صفوف أهل الإيمان ‏.‏ ويدل عملهم هذا على ما كان يسيطر عليهم من خوف المسلمين وهيبتهم ، مع كثرتهم وتفوقهم في العدد والعدة‏ .‏

جهود نسوة قريش في التحميس

وقامت نسوة قريش بنصيبهن من المشاركة في المعركة ، تقودهن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان ، فكن يتجولن في الصفوف ، ويضربن بالدفوف ، يستنهضن الرجال ، ويحرضن على القتال ، ويثرن حفائظ الأبطال ، ويحركن مشاعر أهل الطعان والضراب والنضال ، فتارة يخاطبن أهل اللواء فيقلن ‏:‏

وَيْها بني عبد الدار
ويها حُمَاة الأدبار
ضـرباً بكـل بتـــار

وتارة يأززن قومهن على القتال وينشدن‏ :‏

إن تُـقْبلُـوا نُعَانـِــق
أو تُـدْبِـرُوا نُفـَــارِق
ونَفــْرِشُ النمــارق
فــراق غيـر وَامـِق

أول وقود المعركة

وتقارب الجمعان وتدانت الفئتان ، وآنت مرحلة القتال ، وكان أول وقود المعركة حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة العبدري ، وكان من أشجع فرسان قريش ، يسميه المسلمون كبش الكتيبة ‏.‏

خرج وهو راكب على جمل يدعو إلى المبارزة ، فأحجم عنه الناس لفرط شجاعته ، ولكن تقدم إليه الزبير ولم يمهله ، بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله ، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه ‏.‏

ورأى النبي(صلى الله عليه وسلم) هذا الصراع الرائع فكبر ، وكبر المسلمون وأثنى على الزبير ، وقال في حقه ‏:‏ ‏" ‏إن لكل نبي حوارياً ، وحواريي الزبير‏ "‏ ‏.‏



ثقل المعركة حول اللواء وإبادة حملته

ثم اندلعت نيران المعركة ، واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان ، وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين ، فقد تعاقب بنو عبد الدار لحمل اللواء بعد قتل قائدهم طلحة بن أبي طلحة ، فحمله أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة ، وتقدم للقتال وهو يقول ‏:‏

إنَّ على أهْل اللوَاء حقــاً
أن تُخْضَبَ الصَّعْدَة أو تَنْدَقَّا

فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه على عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه ، حتى وصلت إلى سرته ، فبانت رئته ‏.‏

ثم رفع اللواء أبو سعد بن أبي طلحة ، فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته ، فأُدْلِعَ لسانُهُ ومات لحينه ‏.‏ وقيل ‏:‏ بل خرج أبو سعد يدعو إلى البراز ، فتقدم إليه على بن أبي طالب ، فاختلفا ضربتين ، فضربه علي فقتله ‏.‏

ثم رفع اللواء مُسَافع بن طلحة بن أبي طلحة ، فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأفْلَح بسهم فقتله ، فحمل اللواء بعده أخوه كِلاَب بن طلحة بن أبي طلحة ، فانقض عليه الزبير بن العوام وقاتله حتى قتله ، ثم حمل اللواء أخوهما الجُلاَس بن طلحة بن أبي طلحة ، فطعنه طلحة بن عبيد الله طعنة قضت على حياته ‏.‏

وقيل‏ :‏ بل رماه عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح بسهم فقضي عليه ‏.‏

هؤلاء ستة نفر من بيت واحد ، بيت أبي طلحة عبد الله بن عثمان بن عبد الدار ، قتلوا جميعاً حول لواء المشركين ، ثم حمله من بني عبد الدار أرطاة بن شُرَحْبِيل ، فقتله على بن أبي طالب ، وقيل‏ :‏ حمزة بن عبد المطلب ، ثم حمله شُرَيح بن قارظ فقتله قُزْمَان ـ وكان منافقاً قاتل مع المسلمين حمية ، لا عن الإسلام ـ ثم حمله أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري ، فقتله قزمان أيضاً ، ثم حمله ولد لشرحبيل بن هاشم العبدري فقتله قزمان أيضاً ‏.‏

فهؤلاء عشرة من بني عبد الدار ـ من حمله اللواء ـ أبيدوا عن آخرهم ، ولم يبق منهم أحد يحمل اللواء ‏.‏ فتقدم غلام لـهم حبشي ـ اسمه صُوَاب ـ فحمل اللواء ، وأبدى من صنوف الشجاعة والثبات ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا قبله ، فقد قاتل حتى قطعت يداه ، فبرك على اللواء بصدره وعنقه ، لئلا يسقط ، حتى قتل وهو يقول ‏:‏ اللّهم هل أعزرت ‏؟‏ يعني هل أعذرت ‏؟ ‏‏.‏

وبعد أن قتل هذا الغلام ـ صُواب ـ سقط اللواء على الأرض ، ولم يبق أحد يحمله ، فبقي ساقطاً ‏.

القتال في بقية النقاط

وبينما كان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين كان القتال المرير يجري في سائر نقاط المعركة ، وكانت روح الإيمان قد سادت صفوف المسلمين ، فانطلقوا خلال جنود الشرك انطلاق الفيضان تتقطع أمامه السدود ، وهم يقولون ‏:‏ ‏[‏ أمت ، أمت‏ ]‏ كان ذلك شعاراً لهم يوم أحد ‏.‏

أقبل أبو دُجَانة معلماً بعصابته الحمراء ، آخذاً بسيف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، مصمماً على أداء حقه ، فقاتل حتى أمعن في الناس ، وجعل لا يلقي مشركاً إلا قتله ، وأخذ يهد صفوف المشركين هدّا ‏.

‏قال الزبير بن العوام ‏:‏ وجدت في نفسي حين سألت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) السيف فمنعنيه ، وأعطاه أبا دجانة ، وقلت ـ أي في نفسي ‏:‏ أنا ابن صفية عمته ، ومن قريش ، وقد قمت إليه ، فسألته إياه قبله فآتاه إياه وتركني ، والله لأنظرن ما يصنع ‏؟‏ فاتبعته ، فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه ، فقالت الأنصار ‏:‏ أخرج أبو دجانة عصابة الموت ، فخرج وهو يقول ‏:‏
أنا الذي عاهـدني خليلي ** ونحـن بالسَّفْح لدى النَّخِيل
ألا أقوم الدَّهْرَ في الكَيول ** أضْرِبْ بسَيف الله والرسول

فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله ، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحاً إلا ذَفَّفَ عليه ، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه ، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا ، فاختلفا ضربتين ، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته ، فَعَضَّتْ بسيفه ، فضربه أبو دجانة فقتله ‏.‏

ثم أمعن أبو دجانة في هدِّ الصفوف ، حتى خلص إلى قائدة نسوة قريش ، وهو لا يدري بها‏ .‏

قال أبو دجانة‏ : ‏رأيت إنساناً يخْمِش الناس خمشاً شديداً ، فصمدت له ، فلما حملت عليه السيف ولَوْل َ، فإذا امرأة ، فأكرمت سيف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن أضرب به امرأة ‏.‏

وكانت تلك المرأة هي هند بنت عتبة‏ .‏ قال الزبير بن العوام‏ :‏ رأيت أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ، ثم عدل السيف عنها ، فقلت ‏: ‏الله ورسوله أعلم ‏.‏

وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الليوث المهتاجة ، فقد اندفع إلى قلب جيش المشركين يغامر مغامرة منقطعة النظير ، ينكشف عنه الأبطال كما تتطاير الأوراق أمام الرياح الهوجاء ، فبالإضافة إلى مشاركته الفعالة في إبادة حاملي لواء المشركين فعل الأفاعيل بأبطالهم الآخرين ، حتى صرع وهو في مقدمة المبرزين ، ولكن لا كما تصـرع الأبطال وجهاً لوجـه في ميدان القتـال ، وإنما كمـا يغتال الكرام في حلك الظـلام‏ .‏

مصرع أسد الله حمزة بن عبد المطلب

يقول قاتل حمزة وحْشِي بن حرب‏ :‏ كنت غلاماً لجبير بن مُطْعِم ، وكان عمه طُعَيمَة بن عدي قد أصيب يوم بدر ، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير ‏:‏ إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق ‏.‏

قال ‏:‏ فخرجت مع الناس ـ وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة ، قلما أخطئ بها شيئاً ـ فلما التقي الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره ، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأوْرَق ، يهُدُّ الناس هدّا ما يقوم له شيء ‏.‏ فوالله إني لأتهيأ له أريده ، فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سِبَاع بن عبد العزي ، فلما رآه حمزة قال له ‏:‏ هلم إلى يابن مُقَطِّعَة البُظُور ـ وكانت أمه ختانة ـ قال ‏:‏ فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه ‏.‏

قال ‏:‏ وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه ، فوقعت في ثُنَّتِه ـ أحشائه ـ حتى خرجت من بين رجليه ، وذهب لينوء نحوي فَغُلِبَ ، وتركته وإياها حتى مات ، ثم أتيته فأخذت حربتي ، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه ، ولم يكن لي بغيره حاجة ، وإنما قتلته لأعتق ، فلما قدمت مكة عتقت ‏.‏

السيطرة على الموقف

وبرغم هذه الخسارة الفادحة التي لحقت المسلمين بقتل أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب ، ظل المسلمون مسيطرين على الموقف كله ‏.‏

فقد قاتل يومئذ أبو بكر ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، ومصعب بن عمير ، وطلحة بن عبيد الله ، وعبد الله بن جحش ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وسعد بن الربيع ، وأنس بن النضر وأمثالهم قتالاً فَلَّ عزائم المشركين ، وفتَّ في أعضادهم‏ .‏



من أحضان المرأة إلى مقارعة السيوف والدرقة

وكان من الأبطال المغامرين يومئذ حَنْظَلة الغَسِيل ـ وهو حنظلة بن أبي عامر ، وأبو عامر هذا هو الراهب الذي سمي بالفاسق ، والذي مضي ذكره قريباً ـ كان حنظلة حديث عهد بالعُرْس ، فلما سمع هواتف الحرب وهو على امرأته انخلع من أحضانها ، وقام من فوره إلى الجهاد ، فلما التقى بجيش المشركين في ساحة القتال أخذ يشق الصفوف حتى خلص إلى قائد المشركين أبي سفيان صخر بن حرب ، وكاد يقضي عليه لولا أن أتاح الله له الشهادة ، فقد شد على أبي سفيان ، فلما استعلاه وتمكن منه رآه شداد بن الأسود فضربه حتى قتله‏ .‏



نصيب فصيلة الرماة في المعركة

وكانت للفصيلة التي عينها الرسول(صلى الله عليه وسلم) على جبل الرماة يد بيضاء في إدارة دفة القتال لصالح الجيش الإسلامي ، فقد هجم فرسان مكة بقيادة خالد بن الوليد يسانده أبو عامر الفاسق ثلاث مرات ، ليحطموا جناح الجيش الإسلامي الأيسر ، حتى يتسربوا إلى ظهور المسلمين ، فيحدثوا البلبلة والارتباك في صفوفهم وينزلوا عليهم هزيمة ساحقة ، ولكن هؤلاء الرماة رشقوهم بالنبل حتى فشلت هجماتهم الثلاث‏ .‏



الهزيمة تنزل بالمشركين

هكذا دارت رحى الحرب الزَّبُون ، وظل الجيش الإسلامي الصغير مسيطرًا على الموقف كله حتى خارت عزائم أبطال المشركين ، وأخذت صفوفهم تتبدد عن اليمين والشمال والأمام والخلف ، كأن ثلاثة آلاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم لا بضع مئات قلائل، وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين ‏.‏

وبعد أن بذلت قريش أقصى جهدها لسد هجوم المسلمين أحست بالعجز والخور ، وانكسرت همتها ـ حتى لم يجترئ أحد منها أن يدنو من لوائها الذي سقط بعد مقتل صُؤاب فيحمله ليدور حوله القتال ـ فأخذت في الانسحاب ، ولجأت إلى الفرار ، ونسيت ما كانت تتحدث به في نفوسها من أخذ الثأر والوتر والانتقام ، وإعادة العز والمجد والوقار ‏.‏

قال ابن إسحاق‏ :‏ ثم أنزل الله نصره على المسلمين ، وصدقهم وعده ، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر ، وكانت الهزيمة لاشك فيها ‏.‏

روى عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال‏ :‏ والله لقد رأيتني أنظر إلى خَدَم ـ سوق ـ هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ، ما دون أخذهن قليل ولا كثير ‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ .‏

وفي حديث البراء بن عازب عند البخاري في الصحيح ‏:‏ فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل ، يرفعن سوقهن قد بدت خلاخيلهن ‏.‏ وتبع المسلمون المشركين ، يضعون فيهم السلاح ، وينتهبون الغنائم‏ .‏




غلطة الرماة الفضيعة

وبينما كان الجيش الإسلامي الصغير يسجل مرة أخري نصراً ساحقاً على أهل مكة لم يكن أقل روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر ، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة قلبت الوضع تماماً ، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين ، وكادت تكون سبباً في مقتل النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وقد تركت أسوأ أثر على سمعتهم ، وعلى الهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر ‏.‏

لقد أسلفنا نصوص الأوامر الشديدة التي أصدرها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى هؤلاء الرماة ، بلزومهم موقفهم من الجبل في كل حال من النصر أو الهزيمة ، ولكن على رغم هذه الأوامر المشددة لما رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين ينتهبون غنائم العدو غلبت عليهم أثارة من حب الدنيا ، فقال بعضهم لبعض ‏:‏ الغنيمة ، الغنيمة ، ظهر أصحابكم ، فما تنتظرون ‏؟‏

أما قائدهم عبد الله بن جبير ، فقد ذكرهم أوامر الرسول(صلى الله عليه وسلم) ، وقال ‏:‏ أنسيتم ما قال لكم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏؟‏

ولكن الأغلبية الساحقة لم تلق لهذا التذكير بالاً ، وقالت ‏:‏ والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ‏.‏

ثـم غـادر أربعون رجلاً أو أكثر هؤلاء الرماة مواقعهم من الجبل ، والتحقوا بسَوَاد الجيش ليشاركـوه فـي جمع الغنائم ‏.‏

وهكذا خلت ظهور المسلمين ، ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعة أو أقل من أصحابه والتزموا مواقفهم مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا ‏.‏

خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش الإسلامي

وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية ، فكرَّ بسرعة خاطفة إلى جبل الرماة ليدور من خلفه إلى مؤخرة الجيش الإسلامي ، فلم يلبث أن أباد عبد الله بن جبير وأصحابه إلا البعض الذين لحقوا بالمسلمين ، ثم انقض على المسلمين من خلفهم ، وصاح فرسانه صيحة عرف بها المشركون المنهزمون بالتطور الجديد فانقلبوا على المسلمين ، وأسرعت امرأة منهم ـ وهي عمرة بنت علقمة الحارثية ـ فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب ، فالتف حوله المشركون ولاثوا به ، وتنادي بعضهم بعضاً ، حتى اجتمعوا على المسلمين ، وثبتوا للقتال ، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف ، ووقعوا بين شِقَّي الرحى‏ .‏

موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق

وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حينئذ في مفرزة صغيرة ـ تسعة نفر من أصحابه ـ في مؤخرة المسلمين ، كان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين ، إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة ، فكان أمامه طريقان‏ :‏ إما أن ينجو ـ بالسرعة ـ بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون ، ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور ، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله ، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد ‏.‏

وهناك تجلت عبقرية الرسول(صلى الله عليه وسلم) وشجاعته المنقطعة النظير ، فقد رفع صوته ينادي أصحابه ‏:‏ ‏" عباد الله "‏، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون ، ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطراً بنفسه في هذا الظرف الدقيق ‏.‏

وفعلاً فقد علم به المشركون فخلصوا إليه ، قبل أن يصل إليه المسلمون .‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Lion Heart
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 214
تاريخ التسجيل : 24/09/2011

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الجمعة 30 مايو - 7:16

تبدد المسلمين في الموقف

أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم ، فلم تكن تهمها إلا أنفسها ، فقد أخذت طريق الفرار ، وتركت ساحة القتال ، وهي لا تدري ماذا وراءها ‏؟‏ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها ، وانطلق بعضهم إلى ما فوق الجبل ‏.‏

ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين ، والتبس العسكران فلم يتميزا ، فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض ‏.‏

روى البخاري عن عائشة قالت ‏:‏ لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة ، فصاح إبليس ‏:‏ أي عباد الله أخراكم ـ أي احترزوا من ورائكم ـ فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فبصر حذيفة ، فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال ‏:‏ أي عباد الله أبي أبي ‏.‏ قالت ‏:‏ فوالله ما احتجزوا عنه حتى قتلوه ، فقال حذيفة ‏:‏ يغفر الله لكم ‏.‏ قال عروة ‏:‏ فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله ‏.‏

وهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد ، وعمتها الفوضى ، وتاه منها الكثيرون ، لا يدرون أين يتوجهون ، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحاً يصيح ‏:‏ إن محمداً قد قتل ، فطارت بقية صوابهم ، وانهارت الروح المعنوية أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها ، فتوقف من توقف منهم عن القتال ، وألقى بأسلحته مستكيناً ، وفكر آخرون في الاتصال بعبد الله بن أبي ـ رأس المنافقين ـ ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان ‏. ‏ومر بهؤلاء أنس بن النضر ، وقد ألقوا ما بأيديهم فقال ‏:‏ ما تنتظرون ‏؟‏ فقالوا ‏:‏ قتل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، قال ‏:‏ ما تصنعون بالحياة بعده ‏؟‏ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثم قال‏ :‏ اللّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المسلمين ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المشركين ، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ ، فقال ‏:‏ أين يا أبا عمر ‏؟‏ فقال أنس ‏:‏ واها لريح الجنة يا سعد ، إني أجده دون أحد ، ثم مضي فقاتل القوم حتى قتل ، فما عرف حتى عرفته أخته ـ بعد نهاية المعركة ـ ببنانه ، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم ‏.‏

ونادى ثابت بن الدَحْدَاح قومه فقال ‏:‏ يا معشر الأنصار ، إن كان محمد قد قتل ، فإن الله حي لا يموت ، قاتلوا على دينكم ، فإن الله مظفركم وناصركم ‏.‏ فنهض إليه نفر من الأنصار ، فحمل بهم على كتيبة فرسان خالد فما زال يقاتلهم حتى قتله خالد بالرمح ، وقتل أصحابه ‏.‏

ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار ، وهو يتَشَحَّطُ في دمه ، فقال ‏:‏ يا فلان ، أشعرت أن محمداً قد قتل ‏؟‏ فقال الأنصاري‏ :‏ إن كان محمد قد قتل فقد بَلَّغ ، فقاتلوا عن دينكم ‏.‏

وبمثل هذا الاستبسال والتشجيع عادت إلى جنود المسلمين روحهم المعنوية ، ورجع إليهم رشدهم وصوابهم ، فعدلوا عن فكرة الاستسلام أو الاتصال بابن أبي ، وأخذوا سلاحهم ، يهاجمون تيارات المشركين ، وهم يحاولون شق الطريق إلى مقر القيادة ، وقد بلغهم أن خبر مقتل النبي(صلى الله عليه وسلم) كذب مُخْتَلَق ، فزادهم ذلك قوة على قوتهم ، فنجحوا في الإفلات عن التطويق ، وفي التجمع حول مركز منيع ، بعد أن باشروا القتال المرير ، وجالدوا بضراوة بالغة‏ .‏

وكانت هناك طائفة ثالثة لم يكن يهمهم إلا رسول الله(صلى الله عليه وسلم)‏ .‏

فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وعمل التطويق في بدايته ، وفى مقدمة هؤلاء أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وغيرهم ـ رضي الله عنهم ـ كانوا في مقدمة المقاتلين ، فلما أحسوا بالخطر على ذاته الشريفة ـ عليه الصلاة والسلام والتحية ـ صاروا في مقدمة المدافعين ‏.‏

احتدام القتال حول رسول الله(صلى الله عليه وسلم)

وبينما كانت تلك الطوائف تتلقي أواصر التطويق ، وتطحن بين شِقَّي رحى المشركين ، كان العراك محتدماً حول رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وقد ذكرنا أن المشركين لما بدءوا عمل التطويق لم يكن مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلا تسعة نفر ، فلما نادي المسلمين ‏:‏ ‏" ‏هلموا إلي ، أنا رسول الله "‏، سمع صوته المشركون وعرفوه ، فكروا إليه وهاجموه ، ومالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين ، فجري بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني والبسالة والبطولة ‏.‏

روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال ‏:‏ ‏" ‏من يردهم عنا وله الجنة ‏؟‏ أو هو رفيقي في الجنة ‏؟‏‏ "فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضاً فقال ‏:‏ "‏من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة ‏؟‏‏ "‏ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لصاحبيه ـ أي القرشيين ‏:‏ "‏ما أنصفنا أصحابنا‏ "‏.‏

وكان آخر هؤلاء السبعة هو عمارة بن يزيد بن السَّكَن ، قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط ‏.‏

أحرج ساعة في حياة الرسول(صلى الله عليه وسلم)

وبعد سقوط بن السكن بقي الرسول في القرشيين فقط ، ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال ‏:‏ لم يبق مع النبي(صلى الله عليه وسلم) في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة ابن عبيد الله وسعد ـ بن أبي وقاص ـ وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين ، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة ، فقد ركزوا حملتهم على النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وطمعوا في القضاء عليه ، رماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه ، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى ، وكُلِمَتْ شفته السفلى ، وتقدم إليه عبد الله بن شهاب الزهري فَشَجَّه في جبهته ، وجاء فارس عنيد هو عبد الله بن قَمِئَة ، فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة شكا لأجلها أكثر من شهر إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعين ، ثم ضرب على وجنته(صلى الله عليه وسلم) ضربة أخرى عنيفة كالأولى حتى دخلت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجْنَتِه ، وقال‏ :‏ خذها وأنا ابن قمئة ‏.‏ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهو يمسح الدم عن وجهة‏ :‏ ‏" أقمأك الله‏ "‏ ‏.‏

وفي الصحيح أنه(صلى الله عليه وسلم) كسرت رَبَاعِيَته ، وشُجَّ في رأسه ، فجعل يَسْلُتُ الدم عنه ويقول ‏:‏ "‏كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله "‏، فأنزل الله عز وجل‏ :‏ ‏" ‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ‏ "‏ ‏[‏آل عمران‏:‏128‏]‏ ‏.‏
وفي رواية الطبراني أنه قال يومئذ ‏:‏ ‏" ‏اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله‏ "‏، ثم مكث ساعة ثم قال ‏:‏ "‏اللّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون "‏ ، وفي صحيح مسلم أنه قال‏ : "‏رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون‏ "‏ ، وفي الشفاء للقاضي عياض أنه قال‏ :‏ "‏اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون‏ "‏‏.‏

ولا شك أن المشركين كانوا يهدفون القضاء على حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)إلا أن القرشيين سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله قاما ببطولة نادرة ، وقاتلا ببسالة منقطعة النظير ، حتى لم يتركا ـ وهما اثنان فحسب ـ سبيلا ً إلى نجاح المشركين في هدفهم ، وكانا من أمهر رماة العرب فتناضلا حتى أجهضا مفرزة المشركين عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏

فأما سعد بن أبي وقاص ، فقد نثل له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كنانته وقال‏ : "‏ارم فداك أبي وأمي "‏ ‏.‏ ويدل على مدى كفاءته أن النبي (صلى الله عليه وسلم)لم يجمع أبويه لأحد غير سعد ‏.‏

وأما طلحة بن عبيد الله فقد روى النسائي عن جابر قصة تَجَمَّع المشركين حول رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ومعه نفر من الأنصار ، قال جابر ‏:‏ فأدرك المشركون رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقال ‏:‏ ‏( ‏من للقوم ‏؟ ‏‏)‏ فقال طلحة ‏:‏ أنا ، ثم ذكر جابر تقدم الأنصار ، وقتلهم واحداً بعد واحد ، بنحو ما ذكرنا من رواية مسلم ، فلما قتل الأنصار كلهم تقدم طلحة ‏.‏ قال جابر ‏:‏ ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه ، فقال ‏:‏ حَسِّ ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏" ‏لو قلت‏:‏ بسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون‏ "‏، قال ‏:‏ ثم رد الله المشركين ‏.‏

ووقع عند الحاكم في الإكليل أنه جرح يوم أحد تسعاً وثلاثين أو خمساً وثلاثين ، وشلت إصبعه ، أي السبابة والتي تليها ‏.‏

وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال ‏:‏ رأيت يد طلحة شلاء ، وقى بها النبي(صلى الله عليه وسلم) يوم أحد‏ .‏

وروى الترمذي أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال فيه يومئذ‏ :‏ "‏من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله‏ "‏ ‏.‏

وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت ‏:‏ كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال ‏:‏ ذلك اليوم كله لطلحة‏ .‏

وقال فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه أيضاً‏ :‏

يا طلحة بن عبيد الله قد وَجَبَتْ

لك الجنان وبُوِّئتَ المَهَا العِينَا

وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل الله نصره بالغيب ، ففي الصحيحين عن سعد ، قال ‏:‏ رأيت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يوم أحد ، ومعه رجلان يقاتلان عنه ، عليهما ثياب بيض كأشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد ‏.‏ وفي رواية‏ :‏ يعني جبريل وميكائيل ‏.‏

بداية تجمع الصحابة حول الرسول(صلى الله عليه وسلم)

وقعت هذه كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة ، وإلا فالمصطفون الأخيار من صحابته(صلى الله عليه وسلم) ـ الذين كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال ـ لم يكادوا يرون تغير الموقف ، أو يسمعوا صوته(صلى الله عليه وسلم) حتى أسرعوا إليه ، لئلا يصل إليه شيء يكرهونه ، إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ما لقي من الجراحات ـ وستة من الأنصار قد قتلوا والسابع قد أثبتته الجراحات ، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح ـ فلما وصلوا أقاموا حوله سياجاً من أجسادهم وسلاحهم ، وبالغوا في وقايته من ضربات العدو ، ورد هجماته ‏.‏ وكان أول من رجع إليه هو ثانيه في الغار أبو بكر الصديق رضي الله عنه ‏.‏

روى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت ‏:‏ قال أبو بكر الصديق ‏:‏ لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فكنت أول من فاء إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فرأيت بين يديه رجلاً يقاتل عنه ويحميه ، قلت ‏:‏ كن طلحة ، فداك أبي وأمي ، كن طلحة ، فداك أبي وأمي ، ‏[‏ حيث فاتني ما فاتني ، فقلت ‏:‏ يكون رجل من قومي أحب إلي ‏]‏ فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح ، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني ، فدفعنا إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فإذا طلحة بين يديه صريعاً ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏دونكم أخـاكم فقـد أوجب "‏، وقد رمي النبي(صلى الله عليه وسلم) في وَجْنَتِهِ حتى غابت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجنته ، فذهبت لأنزعهما عن النبي(صلى الله عليه وسلم) فقال أبو عبيدة‏ :‏ نشدتك بالله يا أبا بكر ، إلا تركتني ، قال‏:‏ فأخذ بفيه فجعل ينَضِّـضه كراهية أن يؤذي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثم استل السهم بفيه ، فنَدَرَت ثنية أبي عبيدة ، قال أبو بكر ‏:‏ ثم ذهبت لآخذ الآخر ، فقال أبو عبيدة‏ :‏ نشدتك بالله يا أبا بكر ، إلا تركتني ، قال ‏: ‏فأخذه فجعل ينضضه حتى اسْتَلَّه ، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى ، ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏: "‏دونكم أخاكم، فقد أوجب "‏، قال ‏:‏ فأقبلنا على طلحة نعالجه ، وقد أصابته بضع عشرة ضربة ‏.‏ وفي تهذيب تاريخ دمشق ‏:‏ فأتيناه في بعض تلك الحفار فإذا به بضع وستون أو أقل أو أكثر ، بين طعنة ورمية وضربة ، وإذا قد قطعت إصبعه ، فأصلحنا من شأنه ‏.‏

وخلال هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي(صلى الله عليه وسلم) عصابة من أبطال المسلمين منهم أبو دُجَانة ، ومصعب بن عمير ، وعلى بن أبي طالب ، وسهل بن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ، وأم عمارة نُسَيْبة بنت كعب المازنية ، وقتادة ابن النعمان ، وعمر بن الخطاب ، وحاطب بن أبي بلتعة ، وأبو طلحة ‏

تضاعف ضغط المشركين

كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن ، وبالطبع فقد اشتدت حملاتهم وزاد ضغطهم على المسلمين ، حتى سقط رسول الله (صلى الله عليه وسلم)في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها ، فجُحِشَتْ ركبته ، وأخذه علي بيده ، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوي قائماً ، وقال نافع بن جبير‏ :‏ سمعت رجلاً من المهاجرين يقول ‏:‏ شهدت أحداً فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) وسطها ، كل ذلك يصرف عنه ، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ‏ :‏ دلوني على محمد ، فلا نجوت إن نجا ، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى جنبه ، ما معه أحد ، ثم جاوزه ، فعاتبه في ذلك صفوان ، فقال ‏:‏ والله ما رأيته ، أحلف بالله إنه منا ممنوع ، خرجنا أربعة ، فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله ، فلم نخلص إلى ذلك ‏.‏

البطولات النادرة

وقام المسلمون ببطولات نادرة وتضحيات رائعة ، لم يعرف لها التاريخ نظيراً ‏.‏

كان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ويرفع صدره ليقيه سهام العدو ‏.‏

قال أنس‏ :‏ لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وأبو طلحة بين يديه مجوب عليه بحجفة له ، وكان رجلاً رامياً شديد النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا ، وكان الرجل يمر معه بجَعْبَة من النبل فيقول ‏:‏ ‏( ‏انثرها لأبي طلحة‏ )‏ ، قال ‏:‏ ويشرف النبي (صلى الله عليه وسلم)ينظر إلى القوم ، فيقول أبو طلحة ‏:‏ بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم ، نَحْرِي دون نحرك ‏.‏

وعنه أيضاً قال ‏:‏ كان أبو طلحة يتترس مع النبي(صلى الله عليه وسلم) بترس واحد ، وكان أبو طلحة حسن الرَّمْي ، فكان إذا رمي تشرف النبي (صلى الله عليه وسلم)، فينظر إلى موقع نبله ‏.‏

وقام أبو دجانة أمام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فَتَرَّسَ عليه بظهره‏ ،‏ والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك‏ .‏

وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص ـ الذي كسر الرَّباعية الشريفة ـ فضربه بالسيف حتى طرح رأسه ، ثم أخذ فرسه وسيفه ، وكان سعد بن أبي وقاص شديد الحرص على قتل أخيه ـ عتبة هذا ـ إلا أنه لم يظفر به ، بل ظفر به حاطب‏ .‏

وكان سهل بن حُنَيف أحد الرماة الأبطال ، بايع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الموت ، ثم قام بدور فعال في ذود المشركين ‏.‏

وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يباشر الرماية بنفسه ، فعن قتادة بن النعمان ‏:‏ أن رسول الله رمى عن قوسه حتى اندقت سِيتُها ، فأخذها قتادة بن النعمان ، فكانت عنده ، وأصيبت يومئذ عينه حتى وقعت على وَجْنَتِه ، فردها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بيده ، فكانت أحسن عينيه وأحَدَّهُما‏ .‏

وقاتل عبد الرحمن بن عوف حتى أصيب فوه يومئذ فهُتِمَ ، وجرح عشرين جراحة أو أكثر ، أصابه بعضها في رجله فعرج‏ .‏

وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته(صلى الله عليه وسلم) حتى أنقاه ، فقال ‏:‏ ‏( ‏مُجَّه ‏) ‏، فقال ‏:‏ والله لا أمجه ، ثم أدبر يقاتل ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا "‏، فقتل شهيداً‏ .‏

وقاتلت أم عمارة فاعترضت لابن قَمِئَة في أناس من المسلمين ، فضربها ابن قمئة على عاتقها ضربة تركت جرحاً أجوف ، وضربت هي ابن قمئة عدة ضربات بسيفها ، لكن كانت عليه درعان فنجا ، وبقيت أم عمارة تقاتل حتى أصابها اثنا عشر جرحاً‏ .‏

وقاتل مصعب بن عمير بضراوة بالغة ، يدافع عن النبي(صلى الله عليه وسلم) هجوم ابن قمئة وأصحابه ، وكان اللواء بيده ، فضربوه على يده اليمني حتى قطعت ، فأخذ اللواء بيده اليسرى ، وصمد في وجوه الكفار حتى قطعت يده اليسرى ، ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى قتل ، وكان الذي قتله هو ابن قمئة ، وهو يظنه رسول الله ـ لشبهه به ـ فانصرف ابن قمئة إلى المشركين ، وصاح ‏:‏ إن محمداً قد قتل ‏.‏

إشاعة مقتل النبي (صلى الله عليه وسلم)

ولم يمض على هذا الصياح دقائق ، حتى شاع خبر مقتل النبي(صلى الله عليه وسلم) في المشركين والمسلمين‏ .‏

وهذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين ، الذين لم يكونوا مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وانهارت معنوياتهم ، حتى وقع داخل صفوفهم ارتباك شديد ، وعمتها الفوضى والاضطراب ، إلا أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة هجمات المشركين ، لظنهم أنهم نجحوا في غاية مرامهم ، فاشتغل الكثير منهم بتمثيل قتلى المسلمين ‏.‏

الرسول(صلى الله عليه وسلم) يواصل المعركة وينقذ الموقف

ولما قتل مصعب أعطي رسول الله اللواء على بن أبي طالب ، فقاتل قتالاً شديداً ، وقامت بقية الصحابة الموجودين هناك ببطولاتهم النادرة ، يقاتلون ويدافعون ‏.‏

وحينئذ استطاع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق ، فأقبل إليهم فعرفه كعب بن مالك ـ وكان أول من عرفه ـ فنادي بأعلى صوته ‏:‏ يا معشر المسلمين أبشروا ، هذا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فأشار إليه أن اصمت ـ وذلك لئلا يعرف موضعه المشركون ـ إلا أن هذا الصوت بلغ إلى آذان المسلمين ، فلاذ إليه المسلمون حتى تجمع حوله حوالى ثلاثين رجلاً من الصحابة ‏.‏

وبعد هذا التجمع أخذ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل ، وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين ، واشتد المشركون في هجومهم ، لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام ‏.‏

تقدم عثمان بن عبد الله بن المغيرة ـ أحد فرسان المشركين ـ إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهو يقول‏ :‏ لا نجوت إن نجا‏ .‏ وقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لمواجهته ، إلا أن الفرس عثرت في بعض الحفر ، فنازله الحارث بن الصِّمَّة ، فضرب على رجله فأقعده ، ثم ذَفَّفَ عليه وأخذ سلاحه ، والتحق برسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏

وعطف عبد الله بن جابر ـ فارس آخر من فرسان مكة ـ على الحارث بن الصِّمَّة ، فضرب بالسيف على عاتقه فجرحه حتى حمله المسلمون ولكن انقض أبو دجانة ـ البطل المغامر ذو العصابة الحمراء ـ على عبد الله بن جابر فضربه بالسيف ضربة أطارت رأسه ‏.‏

وأثناء هذا القتال المرير كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من الله ، كما تحدث عنه القرآن ‏.‏ قال أبو طلحة ‏:‏ كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً ، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه ‏.‏

وبمثل هذه البسالة بلغت هذه الكتيبة ـ في انسحاب منظم ـ إلى شعب الجبل ، وشق لبقية الجيش طريقاً إلى هذا المقام المأمون ، فتلاحق به في الجبل ، وفشلت عبقرية خالد أمام عبقرية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏

مقتل أبي بن خلف

قال ابن إسحاق‏ :‏ فلما أسند رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول ‏:‏ أين محمد ‏؟‏ لا نجوتُ إن نجا ‏.‏ فقال القوم ‏:‏ يا رسول الله ، أيعطف عليه رجل منا ‏؟‏ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم)‏ : ‏‏( ‏دعوه ‏)‏ ، فلما دنا منه تناول رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الحربة من الحارث بن الصمة ، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض ، ثم استقبله وأبصر تَرْقُوَتَه من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة ، فطعنه فيها طعنة تدأدأ ـ تدحرج ـ منها عن فرسه مراراً‏ .‏ فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبير، فاحتقن الدم ، قال ‏:‏ قتلني والله محمد ، قالوا له‏:‏ ذهب والله فؤادك ، والله إن بك من بأس ، قال ‏:‏ إنه قد كان قال لي بمكة‏ : ‏‏( ‏أنا أقتلك‏ )‏ ، فوالله لو بصق على لقتلني ‏.‏ فمات عدو الله بسَرِف وهم قافلون به إلى مكة ‏.

‏وفي رواية أبي الأسود عن عروة ، وكذا في رواية سعيد بن المسيب عن أبيه ‏:‏ أنه كان يخور خوار الثور ، ويقول‏ :‏ والذي نفسي بيده ، لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا جميعاً ‏.‏

طلحة ينهض بالنبي(صلى الله عليه وسلم)

وفي أثناء انسحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى الجبل عرضت له صخرة من الجبل ، فنهض إليها ليعلوها فلم يستطع ، لأنه كان قد بَدَّنَ وظاهر بين الدرعين ، وقد أصابه جرح شديد‏ . ‏فجلس تحته طلحة بن عبيد الله ، فنهض به حتى استوي عليها ، وقال ‏:‏ ‏(‏ أوْجَبَ طلحةُ ‏)‏ ، أي ‏: ‏الجنة‏ .‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Lion Heart
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 214
تاريخ التسجيل : 24/09/2011

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الجمعة 30 مايو - 7:17

آخر هجوم قام به المشركون

ولما تمكن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من المسلمين‏ .‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ بينا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل ـ يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد ـ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏اللّهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا‏ "‏ ، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ‏.‏

وفي مغازي الأموي ‏:‏ أن المشركين صعدوا على الجبل ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لسعد ‏: ‏‏( ‏اجْنُبْهُمْ ‏)‏ ـ يقول ‏:‏ ارددهم ـ فقال ‏:‏ كيف أجْنُبُهُمْ وحدي ‏؟‏ فقال ذلك ثلاثاً ، فأخذ سعد سهماً من كنانته ، فرمي به رجلاً فقتله ، قال‏ :‏ ثم أخذت سهمي أعرفه ، فرميت به آخر، فقتلته ، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته ، فهبطوا من مكانهم ، فقلت ‏:‏ هذا سهم مبارك ، فجعلته في كنانتي‏ .‏ فكان عند سعد حتى مات ، ثم كان عند بنيه ‏.‏




تشويه الشهداء

وكان هذا آخر هجوم قام به المشركون ضد النبي(صلى الله عليه وسلم)، ولما لم يكونوا يعرفون من مصيره شيئاً ـ بل كانوا على شبه اليقين من قتله ـ رجعوا إلى مقرهم ، وأخذوا يتهيأون للرجوع إلى مكة ، واشتغل من اشتغل منهم ـ وكذا اشتغلت نساؤهم ـ بقتلي المسلمين ، يمثلون بهم ، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج ، ويبقرون البطون ‏.‏ وبقرت هند بنت عتبة كبد حمزة فلاكتها ، فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ، واتخذت من الآذان والأنوف خَدَماً ـ خلاخيل ـ وقلائد

مدى استعداد أبطال المسلمين للقتال حتى نهاية المعركة

وفي هذه الساعة الأخيرة وقعت وقعتان تدلان على مدى استعداد أبطال المسلمين للقتال ، ومدى استماتتهم في سبيل الله ‏:‏

1‏.‏ قال كعب بن مالك ‏:‏ كنت فيمن خرج من المسلمين ، فلما رأيت تمثيل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت ، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة يجوز المسلمين وهو يقول ‏:‏ استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم‏ .‏ وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته ، فمضيت حتى كنت من ورائه ، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري ، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة ، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا ، فضرب المسلم الكافر ضربة فبلغت وركه وتفرق فرقتين ، ثم كشف المسلم عن وجهه ، وقال ‏:‏ كيف ترى يا كعب ‏؟‏ أنا أبو دجانة ‏.‏

2‏.‏ جاءت نسوة من المؤمنين إلى ساحة القتال بعد نهاية المعركة ، قال أنس :‏ لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم ، وإنهما لمشمرتان ـ أرى خَدَم سوقهما ـ تَنْقُزَانِ القِرَبَ على متونهما ، تفرغانه في أفواه القوم ، ثم ترجعان فتملآنها ، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم ‏.‏ وقال عمر ‏:‏ كانت ‏[ ‏أم سَلِيط من نساء الأنصار ‏]‏ تزفر لنا القرب يوم أحد ‏.‏

وكانت في هؤلاء النسوة أم أيمن ، لما رأت فلول المسلمين يريدون دخول المدينة ، أخذت تحثو التراب في وجوههم وتقول لبعضهم‏ :‏ هاك المغزل ، وهلم سيفك ‏.‏ ثم سارعت إلى ساحة القتال ، فأخذت تسقي الجرحى ، فرماها حِبَّان ـ بالكسر ـ بن العَرَقَة بسهم ، فوقعت وتكشفت ، فأغرق عدو الله في الضحك ، فشق ذلك على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فدفع إلى سعد بن بي وقاص سهماً لا نصل له ، وقال ‏: ‏‏( ‏ارم به ‏)‏ ، فرمى به سعد ، فوقع السهم في نحر حبان ، فوقع مستلقياً حتى تكشف ، فضحك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حتى بدت نواجذه ، ثم قال :‏ ‏( ‏استقاد لها سعد ، أجاب الله دعوته ‏)‏ ‏.‏

بعد إنتهاء الرسول (صلى الله عليه وسلم)إلى الشعب

ولما استقر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في مقره من الشِّعب خرج على أبي طالب حتى ملأ دَرَقَته ماء من المِهْرَاس ـ قيل ‏:‏ هو صخرة منقورة تسع كثيراً ‏.‏ وقيل ‏:‏ اسم ماء بأحد ـ فجاء به إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ليشرب منه ، فوجد له ريحاً فعافه ، فلم يشرب منه ، وغسل عن وجهه الدم ، وصب على رأسه وهو يقول ‏:‏ "‏اشتد غضب الله على من دَمَّى وجه نبيه‏ "‏ ‏.‏

وقال سهل ‏:‏ والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ومن كان يسكب الماء ، وبما دُووِي ‏؟‏ كانت فاطمة ابنته تغسله ، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمِجَنِّ ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير ، فأحرقتها ، فألصقتها فاستمسك الدم‏ .‏

وجاء محمد بن مسلمة بماء عذب سائغ ، فشرب منه النبي(صلى الله عليه وسلم) ودعا له بخير ، وصلى الظهر قاعداً من أثر الجراح ، وصلى المسلمون خلفه قعوداً .

شماتة أبي سفيان

ولما تكامل تهيؤ المشركين للانـصراف أشـرف أبو سفـيان على الجبل ، فـنادي أفيكم محمد ‏؟‏ فلم يجيبوه ‏.‏ فقال ‏:‏ أفيكم ابن أبي قحافة ‏؟‏ فلم يجبيبوه‏ .‏ فقال ‏:‏ أفيكم عمر بن الخطاب‏ ؟‏ فلم يجيبوه ـ وكان النبي(صلى الله عليه وسلم) منعهم من الإجابة ـ ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم ‏.‏ فقال‏ :‏ أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه أن قال ‏:‏ يا عدو الله ، إن الذين ذكرتهم أحياء ، وقد أبقى الله ما يسوءك ‏.‏

فقال ‏:‏ قد كان فيكم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني ‏.

ثم قال ‏:‏ أعْلِ هُبَل‏.‏

فقال النبي(صلى الله عليه وسلم)‏:‏ ‏(‏ ألا تجيبونه ‏؟ ‏‏)‏ فقالوا ‏: ‏فما نقول‏ ؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏قولوا ‏:‏ الله أعلى وأجل‏ ) ‏‏.‏

ثم قال‏ :‏ لنا العُزَّى ولا عزى لكم ‏.‏

فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏ألا تجيبونه ‏؟ ‏‏)‏ قالوا ‏:‏ ما نقول ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏قولوا ‏: ‏الله مولانا ، ولا مولي لكم‏ )‏ ‏.‏

ثم قال أبو سفيان ‏:‏ أنْعَمْتَ فَعَال ، يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال ‏.‏

فأجابه عمر ، وقال ‏:‏ لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار‏ .‏

ثم قال أبو سفيان‏ :‏ هلم إلى يا عمر، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏ائته فانظر ما شأنه ‏؟ ‏‏)‏ فجاءه ،

فقال له أبو سفيان ‏:‏ أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمداً‏ ؟‏ قال عمر ‏:‏ اللّهم لا‏ .‏ وإنه ليستمع كلامك الآن ‏.‏ قال ‏:‏ أنت أصدق عندي من ابن قَمِئَة وأبر ‏.

مواعدة التلاقي في بدر

قال ابن إسحاق‏:‏ ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى ‏:‏ إن موعدكم بدر العام القابل ‏.

‏فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لرجل من أصحابه ‏:‏ ‏(‏ قل‏ :‏ نعم ، هو بيننا وبينك موعد‏ )‏‏ .‏

التثبت من موقف المشركين

ثم بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) علي بن أبي طالب ، فقال‏ :‏ "‏اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون‏ ؟‏ وما يريدون ‏؟‏ فإن كانوا قد جَنَبُوا الخيل ، وامْتَطُوا الإبل ، فإنهم يريدون مكة ، وإن كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة‏ ،‏ والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ، ثم لأناجزنهم "‏‏.‏ قال علي ‏:‏ فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون ، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، ووَجَّهُوا إلى مكة ‏.‏

تفقد القتلى والجرحى

وفرغ الناس لتفقد القتلى والجرحى بعد منصرف قريش ‏.‏ قال زيد بن ثابت‏ :‏ بعثني رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يوم أحد أطلب سعد بن الربيع ‏.‏ فقال لي ‏:‏ ‏( ‏إن رأيته فأقرئه مني السلام ، وقل له ‏:‏ يقول لك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) :‏ كيف تجدك ‏؟ ‏‏)‏ قال ‏:‏ فجعلت أطوف بين القتلى ، فأتيته وهو بآخر رمق ، فيه سبعون ضربة ، ما بين طعنة برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم ، فقلت ‏:‏ يا سعد ، إن رسول الله يقرأ عليك السلام ، ويقول لك ‏:‏ أخبرني كيف تجدك ‏؟‏ فقال ‏:‏ وعلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) السلام ، قل له : يا رسول الله ، أجد ريح الجنة ، وقل لقومي الأنصار ‏:‏ لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وفيكم عين تطرف ، وفاضت نفسه من وقته ‏.‏

ووجدوا في الجرحى الأُصَيرِِم ـ عمرو بن ثابت ـ وبه رمق يسير ، وكانوا من قبل يعرضون عليه الإسلام فيأباه ، فقالوا‏ :‏ إن هذا الأصيرم ما جاء به ‏؟‏ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر ، ثم سألوه ‏:‏ ما الذي جاء بك ، أحَدَبٌ على قومك ، أم رغبة في الإسلام‏ ؟‏ فقال ‏:‏ بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله ورسوله ، ثم قاتلت مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حتى أصابني ما ترون ، ومات من وقته ، فذكروه لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال‏ :‏ ‏(‏ هو من أهل الجنة ‏) ‏‏.‏ قال أبو هريرة‏ :‏ ولم يُصَلِّ لله صلاة قط ‏.‏

ووجدوا في الجرحى قُزْمَان ـ وكان قد قاتل قتال الأبطال ، قتل وحده سبعة أو ثمانية من المشركين ـ وجدوه قد أثبتته الجراحة ، فاحتملوه إلى دار بني ظَفَر ، وبشره المسلمون فقال ‏:‏ والله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ، ولولا ذلك ما قاتلت ، فلما اشتد به الجراح نحر نفسه ‏.‏ وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول ـ إذا ذكر له ‏:‏ ‏( ‏إنه من أهل النار ‏)‏ ـ وهذا هو مصير المقاتلين في سبيل الوطنية أو في أي سبيل سوي إعلاء كلمة الله ، وإن قاتلوا تحت لواء الإسلام ، بل وفي جيش الرسول والصحابة‏.

وعلى عكس من هذا كان في القتلى رجل من يهود بني ثعلبة ، قال لقومه ‏:‏ يا معشر يهود ، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم حق ‏. ‏قالوا ‏: ‏إن اليوم يوم السبت‏ .‏ قال ‏:‏لا سبت لكم ‏. ‏فأخذ سيفه وعدته ، وقال‏:‏ إن أصبت فمالي لمحمد ‏.‏ يصنع فيه ما شاء ، ثم غدا فقاتل حتى قتل ‏. ‏فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏( ‏مُخَيرِيق خير يهود‏ ) ‏‏.

جمع الشهداء ودفنهم

وأشرف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الشهداء فقال ‏:‏ ‏" ‏أنا شهيد على هؤلاء ، إنه ما من جريح يُجْرَح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة ، يَدْمَي جُرْحُه ، اللون لون الدم ، والريح ريح المِسْك‏ "‏ ‏.‏

وكان أناس من الصحابة قد نقلوا قتلاهم إلى المدينة فأمر أن يردوهم ، فيدفنوهم في مضاجعهم وألا يغسلوا ، وأن يدفنوا كما هم بثيابهم بعد نزع الحديد والجلود ‏.‏ وكان يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد ، ويجمع بين الرجلين في ثوب واحد ، ويقول ‏:‏ ‏" ‏أيهم أكثر أَخْذًا للقرآن‏ ؟ "‏ فإذا أشاروا إلى الرجل قدمه في اللحد ، وقال ‏:‏ "‏أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ‏"‏ ‏.‏

ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة ‏.‏

وفقدوا نعش حنظلة ، فتفقدوه فوجدوه في ناحية فوق الأرض يقطر منه الماء ، فأخبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أصحابه أن الملائكة تغسله ، ثم قال‏ :‏ ‏( ‏سلوا أهله ما شأنه ‏؟ ‏‏)‏ فسألوا امرأته ، فأخبرتهم الخبر‏ . ‏ومن هنا سمي حنظلة ‏:‏ غسيل الملائكة.

ولما رأى ما بحمزة ـ عمه وأخيه من الرضاعة ـ اشتد حزنه ، وجاءت عمته صفية تريد أن تنظر أخاها حمزة ، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ابنها الزبير أن يصرفها ، لا ترى ما بأخيها ، فقالت‏‏ ولم ‏؟‏ وقد بلغني أن قد مُثِّلَ بأخي ، وذلك في الله ، فما أرضانا بما كان من ذلك ، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله ، فأتته فنظرت إليه ، فصلت عليه ـ دعت له ـ واسترجعت واستغفرت له ‏.‏ ثم أمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بدفنه مع عبد الله بن جحش ـ وكان ابن أخته ، وأخاه من الرضاعة‏ .‏

قال ابن مسعود ‏:‏ ما رأينا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) باكياً قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب ‏. ‏وضعه في القبلة ، ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نَشَع من البكاء ـ والنشع ‏:‏ الشهيق ‏.‏

وكان منظر الشهداء مريعاً جداً يفتت الأكباد ‏.‏ قال خباب‏ :‏ إن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة مَلْحَاء ، إذا جعلت على رأسه قَلَصَت عن قدميه ، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه ، حتى مدت على رأسه ، وجعل على قدميه الإِذْخَر ‏.‏

وقال عبد الرحمن بن عوف‏ :‏ قتل مصعب بن عمير وهو خير مني ، كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه ، وإن غطي رجلاه بدا رأسه ، وروي مثل ذلك عن خباب ، وفيه‏ :‏ فقال لنا النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ "‏غطوا بها رأسه ، واجعلوا على رجليه الإذخر "‏‏.‏

الرسول(صلى الله عليه وسلم) يثني على ربه عز وجل ويدعوه

روى الإمام أحمد ‏:‏ لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون ، قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏استووا حتى أثني على ربي عز وجل ‏"‏ ، فصاروا خلفه صفوفاً ، فقال ‏:‏

‏" ‏اللهم لك الحمد كله ، اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ، ولا هادي لمن أضللت ، ولا مضل لمن هديت ، ولا معطي لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت ، ولا مقرب لما باعدت ، ولا مبعد لما قربت ‏.‏ اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك ‏‏.‏
‏اللهم إني أسألك النعيم المقيم ، الذي لا يحُول ولا يزول ‏.‏ اللهم إني أسألك العون يوم العيلة ، والأمن يوم الخوف ‏.‏ اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا ‏.‏ اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين ‏.‏ اللهم توفنا مسلمين ، وأحينا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ، غير خزايا ولا مفتونين‏ .‏ اللّهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ، ويصدون عن سبيلك ، واجعل عليهم رجزك وعذابك ‏.‏ اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب ، إله الحق "‏‏.‏

الرجوع إلى المدينة ونوادر الحب والتفاني

ولما فرغ رسول الله من دفن الشهداء والثناء على الله والتضرع إليه ، انصرف راجعاً إلى المدينة ، وقد ظهرت له نوادر الحب والتفاني من المؤمنات الصادقات ، كما ظهرت من المؤمنين في أثناء المعركة ‏.‏

لقيته في الطريق حَمْنَة بنت جحش ، فَنُعِي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب ، فاسترجعت واستغفرت ، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير ، فصاحت وولوت ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ "‏إن زوج المرأة منها لبِمَكان "‏ ‏.‏

ومر بامرأة من بني دينار ، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها بأحد ، فلما نعوا لها قالت ‏:‏ فما فعل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏؟‏ قالوا‏ :‏ خيراً يا أم فلان ، هو بحمد الله كما تحبين ، قالت ‏:‏ أرونيه حتى أنظر إليه ، فأشير إليها حتى إذا رأته قالت ‏:‏ كل مصيبة بعدك جَلَلٌ ـ تريد صغيرة ‏.‏

وجاءت إليه أم سعد بن معاذ تعدو ، وسعد آخذ بلجام فرسه ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، أمي ، فقال ‏:‏ "‏مرحباً بها "‏، ووقف لها ، فلما دنت عزاها بابنها عمرو بن معاذ ‏.‏ فقالت ‏:‏ أما إذ رأيتك سالماً فقد اشتويت المصيبة ـ أي استقللتها ـ ثم دعا لأهل من قتل بأحد ، وقال ‏:‏ ‏" ‏يا أم سعد ، أبشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعاً ، وقد شفعوا في أهلهم جميعاً‏ "‏‏.‏ قالت ‏:‏ رضينا يا رسول الله ، ومن يبكي عليهم بعد هذا‏ ؟‏ ثم قالت ‏:‏ يا رسول الله ، ادع لمن خلفوا منهم ، فقال ‏:‏ ‏" ‏اللّهم أذهب حزن قلوبهم ، واجبر مصيبتهم ، وأحسن الخَلفَ على من خُلِّفُوا‏ "‏ ‏.‏

الرسول(صلى الله عليه وسلم) في المدينة

وانتهى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مساء ذلك اليوم ـ يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3هـ ـ إلى المدينة‏ .‏

فلما انتهى إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة ، فقال ‏:‏ ‏( ‏اغسلي عن هذا دمه يا بنية ، فو الله لقد صدقني اليوم ‏)‏، وناولها على بن أبي طالب سيفه ، فقال ‏:‏ وهذا أيضاً فاغسلي عنه دمه ، فو الله لقد صدقني اليوم ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏لئن كنت صدقت القتال ، لقد صدق معك سهل بن حُنَيف وأبو دُجَانة‏ "‏ ‏.‏

قتلى الفريقين

اتفقت جل الروايات على أن قتلى المسلمين كانوا سبعين ، وكانت الأغلبية الساحقة من الأنصار ، فقد قتل منهم خمسة وستون رجلاً ، واحد وأربعون من الخزرج ، وأربعة وعشرون من الأوس ، وقتل رجل من اليهود‏ .‏

وأما شهداء المهاجرين فكانوا أربعة فقط‏ .‏

وأما قتلى المشركين فقد ذكر ابن إسحاق أنهم اثنان وعشرون قتيلاً ، ولكن الإحصاء الدقيق ـ بعد تعميق النظر في جميع تفاصيل المعركة التي ذكرها أهل المغازي والسير ، والتي تتضمن ذكر قتلى المشركين في مختلف مراحل القتال ـ يفيد أن عدد قتلى المشركين سبعة وثلاثون ، لا اثنان وعشرون ، والله أعلم ‏.

حالة الطوارئ في المدينة

بات المسلمون في المدينة ـ ليلة الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ بعد الرجوع من معركة أحد ـ وهم في حالة الطوارئ ، باتوا ـ وقد أنهكهم التعب ، ونال منهم أي منال ـ يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها ، ويحرسون قائدهم الأعلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) خاصة ، إذ كانت تتلاحقهم الشبهات من كل جانب‏ .‏

غزوة حمراء الأسد



وبات الرسول(صلى الله عليه وسلم) وهو يفكر في الموقف ، فقد كان يخاف أن المشركين إن فكروا في أنهم لم يستفيدوا شيئاً من النصر والغلبة التي كسبوها في ساحة القتال ، فلا بد من أن يندموا على ذلك ، ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة مرة ثانية ، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة الجيش المكي ‏.‏

قال أهل المغازي ما حاصله ‏:‏ إن النبي(صلى الله عليه وسلم) نادى في الناس ، وندبهم إلى المسير إلى لقاء العدو ـ وذلك صباح الغد من معركة أحد ، أي يوم الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ ـ وقال ‏:‏ ‏( ‏لا يخرج معنا إلا من شهد القتال ‏) ‏، فقال له عبد الله بن أبي‏ :‏ أركب معك ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏لا ‏) ‏، واستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد ، والخوف المزيد ، وقالوا‏ :‏ سمعاً وطاعة ‏.‏ واستأذنه جابر بن عبد الله ، وقال ‏:‏ يا رسول الله ، إني أحب ألا تشهد مشهداً إلا كنت معك ، وإنما خلفني أبي على بناته فأذن لي أسير معك ، فأذن له ‏.‏

وسار رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد ، على بعد ثمانية أميال من المدينة ، فعسكروا هناك ‏.‏

وهناك أقبل مَعْبَد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأسلم ـ ويقال‏ :‏ بل كان على شركه ، ولكنه كان ناصحاً لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)لما كان بين خزاعة وبني هاشم من الحلف ـ فقال ‏:‏ يا محمد ، أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا أن الله عافاك ‏.‏ فأمره رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن يلحق أبا سفيان فَيُخَذِّلَه ‏.‏


ولم يكن ما خافه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من تفكير المشركين في العودة إلى المدينة إلا حقاً ، فإنهم لما نزلوا بالروحاء على بعد ستة وثلاثين ميلاً من المدينة تلاوموا فيما بينهم ، قال بعضهم لبعض ‏: ‏لم تصنعوا شيئاً ، أصبتم شوكتهم وحدهم ، ثم تركتموهم ، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم ، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم ‏.‏

ويبدو أن هذا الرأي جاء سطحياً ممن لم يكن يقدر قوة الفريقين ومعنوياتهم تقديراً صحيحاً ، ولذلك خالفهم زعيم مسئول ‏[‏ صفوان بن أمية ‏]‏ قائلاً‏ :‏ يا قوم ، لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من الخروج ـ أي من المسلمين في غزوة أحد ـ فارجعوا والدولة لكم ، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم ‏.‏ إلا أن هذا الرأي رفض أمام رأي الأغلبية الساحقة ، وأجمع جيش مكة على المسير نحو المدينة ،‏ ولكن قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه من مقره لحقه معبد بن أبي معبد الخزاعي ولم يكن يعرف أبو سفيان بإسلامه ، فقال ‏:‏ ما وراءك يا معبد ‏؟‏ فقال معبد ـ وقد شن عليه حرب أعصاب دعائية عنيفة‏ :‏ محمد قد خرج في أصحابه ، يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقاً ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ، وندموا على ما ضيعوا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط ‏.‏
قال أبو سفيان‏ :‏ ويحك ، ما تقول ‏؟‏
قال ‏:‏ والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل ـ أو ـ حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة‏ .‏
فقال أبو سفيان‏ :‏ والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم‏ .‏
قال ‏:‏ فلا تفعل ، فإني ناصح‏ .‏

وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي وأخذه الفزع والرعب ، فلم ير العافية إلا في مواصلة الانسحاب والرجوع إلى مكة ، بيد أن أبا سفيان قام بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي ، لعله ينجح في كف هذا الجيش عن مواصلة المطاردة ، وطبعاً فهو ينجح في تجنب لقائه ‏.‏ فقد مر به ركب من عبد القيس يريد المدينة ، فقال ‏:‏ هل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة ، وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبًا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة ‏؟‏
قالوا‏ :‏ نعم ‏.‏
قال‏ :‏ فأبلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الكرة ، لنستأصله ونستأصل أصحابه‏ .‏

فمر الركب برسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ، وهم بحمراء الأسد ، فأخبرهم بالذي قال له أبو سفيان ، وقالوا‏ :‏ ‏" إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ‏ "‏ ـ أي زاد المسلمين قولهم ذلك ـ ‏" ‏إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ‏ "‏‏[‏آل عمران‏:‏ 173، 174‏]‏‏ .‏

أقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بحمراء الأسد ـ بعد مقدمه يوم الأحد ـ الإثنين والثلاثاء والأربعاء ـ 9، 10، 11 شوال سنة 3 هـ ـ ثم رجع إلى المدينة ، وأخذ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قبل الرجوع إلى المدينة أبا عَزَّة الجمحي ـ وهو الذي كان قد منّ عليه من أسارى بدر ، لفقره وكثرة بناته ، على ألا يظاهر عليه أحداً ، ولكنه نكث وغدر فحرض الناس بشعره على النبي(صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ، كما أسلفنا ، وخرج لمقاتلتهم في أحد ـ فلما أخذه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال ‏:‏ يا محمد أقلني ، وامنن علي ، ودعني لبناتي ، وأعطيك عهداً ألا أعود لمثل ما فعلت ، فقال صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏" ‏لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول‏:‏ خدعت محمداً مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ‏" ‏، ثم أمر الزبير أو عاصم بن ثابت فضرب عنقه ‏.‏

كما حكم بالإعدام في جاسوس من جواسيس مكة ، وهو معاوية بن المغيرة بن أبي العاص جد عبد الملك بن مروان لأمه ، وذلك أنه لما رجع المشركون يوم أحد جاء معاوية هذا إلى ابن عمه عثمان بن عفان رضي الله عنه فاستأمن له عثمان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتله‏ .‏ فلما خلت المدينة من الجيش الإسلامي أقام فيها أكثر من ثلاث يتجسس لحساب قريش ، فلما رجع الجيش خرج معاوية هارباً ، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) زيد بن حارثة وعمار بن ياسر ، فتعقباه حتى قتلاه ‏.‏

ومما لا شك فيه أن غزوة حمراء الأسد ليست بغزوة مستقلة ، وإنما هي جزء من غزوة أحد ، وتتمة لها وصفحة من صفحاتها ‏.‏

تلك هي غزوة أحد بجميع مراحلها وتفاصيلها ، وطالما بحث الباحثون حول مصير هذه الغزوة ، هل كانت هزيمة أم لا‏ ؟‏ والذي لا يشك فيه أن التفوق العسكري في الصفحة الثانية من القتال كان للمشركين ، وأنهم كانوا مسيطرين على ساحة القتال ، وأن خسارة الأرواح والنفوس كانت في جانب المسلمين أكثر وأفدح ، وأن طائفة من المؤمنين انهزمت قطعاً ، وأن دفة القتال جرت لصالح الجيش المكي ، لكن هناك أمور تمنعنا أن نعبر عن كل ذلك بالنصر والفتح‏ .‏

فمما لا شك فيه أن الجيش المكي لم يستطع احتلال معسكر المسلمين ، وأن المقدار الكبير من الجيش المدني لم يلتجئ إلى الفرار ـ مع الارتباك الشديد والفوضي العامة ـ بل قاوم بالبسالة حتى تجمع حول مقر قيادته ، وأن كفته لم تسقط إلى حد أن يطارده الجيش المكي ، وأن أحداً من جيش المدينة لم يقع في أسر الكفار ، وأن الكفار لم يحصلوا على شيء من غنائم المسلمين ، وأن الكفار لم يقوموا إلى الصفحة الثالثة من القتال مع أن جيش المسلمين لم يزل في معسكره ، وأنهم لم يقيموا بساحة القتال يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام ـ كما هو دأب الفاتحين في ذلك الزمان ـ بل سارعوا إلى الانسحاب وترك ساحة القتال قبل أن يتركها المسلمون ، ولم يجترئوا على الدخول في المدينة لنهب الذراري والأموال ، مع أنها على بعد عدة خطوات فحسب ، وكانت مفتوحة وخالية تماماً‏ .‏

كل ذلك يؤكد لنا أن ما حصل لقريش لم يكن أكثر من أنهم وجدوا فرصة نجحوا فيها بإلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين ، مع الفشل فيما كانوا يهدفون إليه من إبادة الجيش الإسلامي بعد عمل التطويق ـ وكثيراً ما يلقي الفاتحون بمثل هذه الخسائر التي نالها المسلمون ـ أما أن ذلك كان نصراً وفتحاً فكلا وحاشا ‏.‏

بل يؤكد لنا تعجيل أبي سفيان في الانسحاب والانصراف أنه كان يخاف على جيشه المعرة والهزيمة لو جرت صفحة ثالثة من القتال ، ويزداد ذلك تأكداً حين ننظر إلى موقف أبي سفيان من غزوة حمراء الأسد ‏.‏

وإذن فهذه الغزوة إنما كانت حرباً غير منفصلة ، أخذ كل فريق بقسطه ونصيبه من النجاح والخسارة ، ثم حاد كل منها عن القتال من غير أن يفر عن ساحة القتال ويترك مقره لاحتلال العدو ، وهذا هو معني الحرب غير المنفصلة ‏.‏

وإلى هذا يشير قوله تعإلى‏:‏ ‏" ‏وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ‏ "‏ ‏[‏النساء‏:‏ 104‏]‏، فقد شبه أحد العسكرين بالآخر في التألم وإيقاع الألم ، مما يفيد أن الموقفين كانا متماثلين ، وأن الفريقين رجعا وكل غير غالب ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Lion Heart
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 214
تاريخ التسجيل : 24/09/2011

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الجمعة 30 مايو - 7:18

القرآن يتحدث حول موضوع المعركة

ونزل القرآن يلقي ضوءاً على جميع المراحل المهمة من هذه المعركة مرحلة مرحلة ، وصرح بالأسباب التي أدت إلى هذه الخسارة الفادحة ، وأبدى النواحي الضعيفة التي لم تزل موجودة في طوائف أهل الإيمان بالنسبة إلى واجبهم في مثل هذه المواقف الحاسمة ، وبالنسبة إلى الأهداف النبيلة السامية التي أنشئت للحصول عليها هذه الأمة ، والتي تمتاز عن غيرها بكونها خير أمة أخرجت للناس ‏.‏

كما تحدث القرآن عن موقف المنافقين ، ففضحهم وأبدي ما كان في باطنهم من العداوة لله ولرسوله ، مع إزالة الشبهات والوساوس التي كانت تختلج في قلوب ضعفاء المسلمين ، والتي كان يثيرها هؤلاء المنافقون وإخوانهم اليهود ـ أصحاب الدس والمؤامرة ـ وقد أشار إلى الحكم والغايات المحمودة التي تمخضت عنها هذه المعركة ‏.‏

نزلت حول موضوع المعركة ستون آية من سورة آل عمران تبتدئ بذكر أول مرحلة من مراحل المعركة ‏:‏ ‏" ‏وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ‏ "‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 121 ‏]‏ ، وتترك في نهايتها تعليقاً جامعاً على نتائج هذه المعركة وحكمتها ، قال تعالى ‏:‏ ‏" ‏مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏ "‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 179‏] ‏‏.‏

الحكم والغايات المحمودة في هذه الغزوة

قد بسط ابن القيم الكلام على هذا الموضوع بسطاً تاماً ‏.‏

وقال ابن حجر ‏:‏ قال العلماء ‏:‏ وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة ، منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية ، وشؤم ارتكاب النهي ، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول(صلى الله عليه وسلم) ألا يبرحوا منه ‏.‏

ومنها أن عادة الرسل أن تبتلي وتكون لها العاقبة ، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائماً دخل في المؤمنين من ليس منهم ، ولم يتميز الصادق من غيره ، ولو انكسروا دائماً لم يحصل المقصود من البعثة ، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب ، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفياً عن المسلمين ، فلما جرت هذه القصة ، وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحاً ، وعرف المسلمون أن لهم عدواً في دورهم ، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم ‏.‏

ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضـماً للنفس ، وكسراً لشـماختها ، فلما ابتلي المؤمنـون صـبروا ، وجـزع المنافقون ‏.‏

ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل فى دار كرامته لا تبلغها أعمالهم ، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها‏ .‏

ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم ‏.‏

ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه ، فقيض لهم الأسباب التى يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين ، ومحق بذلك الكافرين ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 20:44

غزوة أحد نصر في البداية وابتلاء تمحيص النهاية




بعد انتصار المسلمين في بدرٍ حاول أبو سفيان أن يَشُنَّ غارة سريعة على المدينة، يعلن فيها عن قوة قريش، ويَبَرُّ بقَسَمه أن يغزوَ المسلمين، ولكنَّ المسلمين عندما شعروا به، خرجوا سراعًا لرَدِّه، ففَرَّ ولم يدركوه، وتخفَّف أثناء فراره من السَّويق الذي يحمله الجند، فسمِّيت تلك غزوة السَّويق.

 

وقد قام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك ببعض الحملات الناجحة؛ لتفريق تجمُّعات القبائل من غَطفان وسُلَيم، التي كانت تراود نفسها بالإغارة على المدينة، كما استطاعت حملةٌ أخرى بقيادة زيد بن حارثة أن تصادر عِير قريش، التي حاولت الوصول إلى الشام عن طريق العراق دونَ المرورِ بالمدينة، وكان ذلك إمعانًا من المسلمين في إحكام الحصار الاقتصادي على قريشٍ.

 

وقد زاد ذلك من حَنَق قريش وغَيظِها على المسلمين؛ مما جعلها تُسارع في استعداداتها، وإحكام خطَّتها؛ للأخذ بثأر المشركين في بدر، ومحاولة الحدِّ من قوة المسلمين التي تُحكم الحصار من حولهم.

 

1- قريش تستعد وتخرج لأخذ الثأر:

من أجل هذا حاولت قريش أن تَبذل كل جهدها وطاقتها ماديًّا ومعنويًّا، في سبيل حشْد جيش كبير تستطيع به أن تنتقم من المسلمين الذين هَزَموها في بدر، وكانت أُولى الخطوات هي جمع الأموال ورصدها؛ للإنفاق منها على هذا الجيش، وقد وَجَدَتْ ذلك المورد في العِير التي نجا بها أبو سفيان، وكانت سببًا من أسباب غزوة بدر، وكانت ما تزال موقوفةً في دار الندوة، فذهب أشراف قريش إلى أبي سفيان، فقالوا: نحن طيِّبو أنفس أن تجهز بربح هذه العِير جيشًا إلى محمد.

 

فقال أبو سفيان: وأنا أول مَن أجاب إلى ذلك وبنو عبدمناف معي، فباعوها، فصارت ذهبًا، فكانت ألف بَعير، والمالُ خمسين ألف دينار، فسلم إلى أهل العِير رؤوس أموالهم، وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون للدينار دينارًا"[1]، فحَصَل لهم من ذلك أموال كثيرة، رُصِدت كلُّها للإنفاق على هذا الجيش.

 

وقد أنزل الله في شأن هذا الإنفاق للصدِّ عن سبيل الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 36].

 

وكانت الخطوة الثانية هي استنفار العرب؛ لمشاركتهم في حرب المسلمين ومساعدتهم على الأخذ بثأرهم، فخرج صفوان بن أُميَّة ومعه أبو عَزَّة الشاعر- الذي مَنَّ عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بدر بدون فِدْية - إلى تِهامة، وخرج مُسافع بن عبدمَناف إلى كِنانة يُحرِّضانهما ويُثيران فيهما النَّخْوة لمحاربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

 

وحرَّض بعض رجال قريش عبيدَه، فجعل ثَمَن عتقه أن يغتال بعض فرسان المسلمين، كما حَدَث مع وحشي.

 

وكانت الخطوة الثالثة حشدًا معنويًّا، فعَمِلوا على حمل أفراد الجيش على الثبات وعدم الفرار، وأثاروا فيهم الحَمِيَّة والنَّخْوة بالدفاع عن الحُرُمات والأعراض، فخرجت كرائم نساء قريش اللاتي أُصبنَ في أَحِبَّتهن في بدر؛ ليُحَمِّسْنَ الرجال على القتال، ويَدْفَعْنَهم إلى الأخذ بالثأر.

 

وعندما تم استعداد قريش، خرجت بحَدها وجَدِّها، وحديدِها وأَحابِيشها، ومَن تابعها من بني كِنانة وأهل تِهامة[2]، ومعهم أبو عامر الفاسق " أحد بني ضُبيعة من الأوس -بخمسة عشر رجلاً منهم- مؤمِّلاً أن تخذل قبيلة الأوس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتصاحبهم من الظَّعن خمس عشرة امرأة، وبلغ عدد الجيش ثلاثة آلاف رجل، فيهم سبعمائة دارع، ومائة رامٍ[3]، ومعهم مائتا فرس، وثلاثة آلاف بَعير.

 

وبعد أن دفع اللواء إلى حَمَلته من بني عبدالدار، تحرَّك هذا الجيش الضخم الذي يغلي بحب الانتقام متوجِّهًا إلى المدينة، حتى نزلوا -يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال من السنة الثالثة من الهجرة- بعَيْنين ببطن السَّبْخة من قناةٍ على شفير الوادي، قريبًا من جبل أُحد، وأرسلوا إِبِلَهم وخيلَهم ترعى زروع المدينة بالعريض، حتى لم يتركوا منها عودًا أخضر.

 

2 - الرسول يستشير أصحابه:

يذكر ابن سعد أن العبَّاس بن عبدالمطلب أرسل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- كتابًا يُخبره بتعبئة قريش وخروجها تقصد المدينة، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- سعد بن الربيع بذلك، ثم أرسل أنسًا ومُؤْنسًا ابني فَضالة، فأتياه بخبر قريش وقُرْبهم من المدينة، وإطلاقهم لخيلهم وإبلهم ترعى زروع المدينة.

 

ثم بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الحُباب بن المنذر، فتمكَّن من الدخول في معسكر قريش، ثم رجع فقدَّم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- تقريرًا واقعيًّا عنهم، عند ذلك بدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستشير أصحابه.

 

وتذكر كتب السيرة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رأى رؤيا جعلته يميل إلى المُكْث في المدينة وقتال قريش منها، ولكنه أَحَبَّ أن يأخذ رأي أصحابه في ذلك، فقرار الحرب أمرٌ خطير، يجب أن يكون لكبار القواد والمقاتلين رأي فيه.

 

وقد رأى أكابر المهاجرين والأنصار موافقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قتال العدو وهم في المدينة، ووافقهم عبدالله بن أُبي، وقال: يا رسول الله، أَقِم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرَجنا منها إلى عدوٍّ لنا قطُّ إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصَبنا، فدَعْهم يا رسول الله، فإن أقاموا، أقاموا بشَرِّ مَحبس، وإن دخلوا، قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا، رجعوا خائبينَ كما جاؤوا[4].

 

ولكن الشباب الذين لم يشهدوا بدرًا ورجالاً ممن شهِدوها وذاقوا حلاوة النصر، حبَّذوا الخروج إلى العدو؛ حتى لا يُظَنَّ بهم الجُبْن عن لقائه، ولئلاَّ تتخذَ قريش وغيرها ذلك ذريعةً للنَّيل من المسلمين، قال الذين لم يشهدوا بدرًا: كنا نتمنَّى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه الله إلينا وقبَّب المسير، وقال رجل من الأنصار: متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شِعبنا؟"[5].



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 20:45

وقال النعمان بن مالك الأنصاري: يا رسول الله، لا تحرمني الجنة، فوالذي بعثك بالحق، لأَدْخُلَنَّ الجنة، فقال له: ((بِمَ؟))، قال: بأني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأني لا أَفِرُّ يوم الزحف، قال: صدقت[6]، فقُتِل يومئذٍ".

 

وظهر من هذه المشاورة أن الكثرة تحبِّذ الخروج إلى العدو، فصلَّى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمسلمين الجمعة، ووعَظهم وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا، وأمرهم بالتهيُّؤ لعدوِّهم، ففَرِح الناس بالشُّخوص.

 

ثم دخل الرسول -عليه الصلاة والسلام- بيته، فلَبِس لأْمَتَه، وأظهر الدرع واعتمَّ، وتقلَّد السيف، وألقى التُّرس على ظهره، ولكن المحبِّذين للخروج شعروا أنهم استكرهوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- للنزول على رأيهم، فقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيتَ.

 

ولكن الرسول -عليه الصلاة والسلام- حسم الأمر، وقد رأى أن الأغلبية كانت ترى الخروج، وقال: ((لا ينبغي لنبي إذا لبِس لأْمَتَه أن يضعها؛ حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، فانظروا ما أمرتُكم به، فافعلوه، وامضوا على اسم الله، فلكم النصر ما صبَرتم))[7].

 

3- المسلمون يستعدون ويخرجون إلى أُحد:

قبل أن يستقرَّ أمر الخروج أو الإقامة، أخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- حذَره، فأمر بحراسة المدينة، وبات بعض المسلمين في المسجد يحملون السلاح، وفيهم كبراء الأنصار.

 

وعندما استقر الرأي على الخروج، عقد الرسول -عليه الصلاة والسلام- ثلاثة أَلْوِية: الأول للأَوْس، والثاني للخَزْرج، والثالث للمهاجرين، ورَكِب الرسول -صلى الله عليه وسلم- فرسه، وتنكَّب القوس، وأخذ قناة بيده، وخرج في ألفٍ من المسلمين يحيطون به، وعليهم السلام، وانطلق "سعد بن معاذ" و"سعد بن عُبَادة" يَعْدُوَان أمامه بدرعيهما حتى إذا كان بالشَّيْخَيْنِِ -وهما أُطْمَانِ- نظر فرأى كتيبة لا يعرفها فسأل عنها.

 

فقيل حلفاء عبدالله بن أُبي من يهود، فقال -عليه السلام-: ((لا تَستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك))[8].

 

وقد صلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع المسلمين المغرب بالشيخين، ثم استعرض المقاتلين، فأجاز مَن رأى فيهم القدرة من الشباب على القتال، وردَّ مَن استصغر سنَّه، وقد حدث أثناء العرض أمثلة رائعة من الشباب الحريص على الجهاد والاستشهاد في سبيل الله لنصرة دينه، فقد استصغر الرسول -صلى الله عليه وسلم- رافع بن خُدَيج، وسَمُرَة ابن جُنْدُب -وعمرهما خمسة عشر عامًا - فقام رافع على خفَّين له فيهما رقاعٌ، وتطاول على أطراف أصابعه، وزكَّى بعض المسلمين رافعًا بأنه رامٍ، فأجازه الرسول -عليه السلام- فذهب سَمُرَة لرَبيبه مُرِّي بن سِنان، وقال يا أبتِ: أجاز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رافع بن خُدَيج، ورَدَّني وأنا أَصْرَع رافعًا، فقال مُرِّي بن سِنان: يا رسول الله، رددتَ ابني وأَجزت رافع بن خُدَيج وابني يَصْرَعه!

 

فقال النبي -عليه الصلاة والسلام- لرافع وسَمُرة: ((تَصارَعا))، فصرع سَمُرَة رافعًا، فأجازه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فشهِد أُحدًا مع المسلمين[9].

 

بالله، أي حبٍّ للجهاد، وإقبال على القتال، والاستشهاد بعد ذلك؟!

وما أحرى شباب المسلمين أن يَعْرِفوا هذه الفدائية؛ حتى يتسابقوا إلى ميادين الجهاد، ولا يكون الذهاب لتأدية الخدمة العسكرية أمرًا تُتَّخَذ وسائل وتَعِلاَّت شتَّى للفرار أو الإعفاء منه بأي سبيل.

 

قضى المسلمون الليل بالشيخين، وكلَّف الرسول -صلى الله عليه وسلم- خمسين رجلاً عليهم "محمد بن مَسلمة بحراسة المعسكر والطواف حوله، وأدلج الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالجيش في السَّحَر متجهًا إلى أُحُد، حتى إذا كانوا بالشط بين المدينة وأُحد، انخذل عبدالله بن أُبَي المنافق بثُلث الناس من أهل النفاق والريب، ورجع وهو يقول: عصاني وأطاع الولدان ومَن لا رأي له، علامَ نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس؟ .

 

إن رجوع ذلك العدد الكبير مع ابن أُبَي في ذلك الموقف الدقيق يوم أُحد، يدل على وجود كثير من المنافقين في المدينة آنذاك، وهو أمر خطير ومخيف حقًّا أن يصل العدد إلى نسبة الثُّلث من الجيش، ولكن ذلك لم يؤثِّر في معنويات المؤمنين الصادقين، فقال عبدالله بن حرام -بعد أن ذكَّر المنافقين بألا يخذلوا قومهم ونبيَّهم، فأصرُّوا على الرجوع-: سيُغني الله عنكم نبيَّه.

 

ومضي الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيمن بَقِي معه وهم سبعمائة رجل، فيهم مائة دارعٍ، وخمسون راميًا، وفرس له، وفرس "لأبي بُرْدة بن نِيار .، حتى وصل أحدًا، فجعله خلف ظهره واستقبل المدينة، وأقبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يَصُفُّ أصحابه، وجعل لهم ميمنة وميسرة، وقال لهم: لا يقاتلنَّ أحد منكم حتى نأمره بقتال، فالمسلمون عليهم أن يقاتلوا بنظام وبدقة، ويتحلُّوا بصفة الضبط والربط عند القتال.

 

وقد أمَّر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الرماة "عبدالله بن جبير"، وأمره بالوقوف على شِعب في الجبل؛ ليحمي مؤخرة الجيش، وقال له: ((انضَح الخيلَ عنا بالنَّبْلِ، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نُؤتِيَنَّ من قِبلك))[10].

 

وبذلك اطمأنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى تأمين مؤخرة الجيش، وإلى حُسن الاستعداد فيه، وقد ظاهر بين درعين، ودفع اللواء إلى مصعب بن عُمير.

 

وأحب -عليه الصلاة والسلام- أن يشحذ رجاله وخاصة الأبطال منهم، فحضَّهم على القتال، ووعدهم النصر ما صبروا، ثم أمسك بيده سيفًا، وقال: مَن يأخذ هذا بحقِّه، فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام "أبو دُجانة: سِمَاك بن خَرَشة" - وكان رجلاً شجاعًا له عصابة حمراء، إذا اعتَصَب بها، عُلِم أنه سيقاتل أشد قتال - فقال: وما حقُّه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به العدوَّ حتى ينحني، قال: أنا آخذه بحقِّه يا رسول الله، فأخذ السيف من يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخرج عصابتَه، فعصَب بها رأسه، وجعل يَتبختر بين الصفين ويقول:

أنا الذي عاهَدَني خليلي
ونحن بالسفح لدى النَّخيلِ

ألاَّ أَقومَ الدَّهْر في الكُيُول[11]
أَضْرِب سيف الله والرسولِ

 

فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين رأى أبا دُجَانة يتبختر: ((إنها لمشية يبغضها الله إلاَّ في مثل هذا الموطن))، وكان ذلك تمام استعداد السبعمائة من المسلمين لقتال ثلاثة آلاف من المشركين.

 

4- المعركة: وصدق الله وعده بنصر المسلمين في بدايتها:

حاول أبو سفيان أن يستغل كل الطرق؛ ليفرِّق المسلمين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى يتمكَّن منه، فأرسل رسولاً إلى الأوس والخزرج؛ ليقول لهم: خلُّوا بيننا وبين ابن عمِّنا؛ فإنه لا حاجة لنا بقتالكم، ولكنَّ مسلمي يثرب ردُّوا رسوله بما يكره"[12].



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 20:46

عند ذلك بدأت محاولة ثانية؛ حيث تقدَّم أبو عامر وكان رأسَ الأوس في الجاهلية، فلما هاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، عادى المسلمين، ثم ذهب إلى قريش يؤلِّبهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويحضُّهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه.

 

فلما التقى الجمعان، كان أول مَن لقِي المسلمين أبو عامر في الأحابيش، وعُبْدان أهل مكة، فنادى قومه وتعرَّف إليهم، فقالوا له: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر[13]، ثم ترامى مع المسلمين بالحجارة حتى ولَّى أبو عامر وأصحابه.

 

وهكذا فشِلت كل أساليب أبي سفيان في تفريق أهل المدينة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

 

عند ذلك أخذ نساء المشركين يضربن بالدفوف خلف الرجال ويُحرضنَهم على القتال ويَصِحْنَ:

نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ
نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ

إِنْ تُقْبِلُوا نُعانقْ
أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ

فِرَاقَ غير وَامِقْ

 

ودنا القوم بعضهم من بعض، والرماة يرشقون خيل المشركين بالنَّبْل، فتولي مدبرة، وهنا صاح طلحة بن أبي طلحة حامل لواء قريش: مَن يبارز؟ فخرج إليه علي بن أبي طالب، فصرَعه، فسُرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكبَّر المسلمون وأخذ بنو عبدالدار يتقدمون يحملون اللواء واحدًا بعد الآخر، فيلقي كل منهم مصرعه على يد علي وحمزة وغيرهما من أبطال المسلمين، حتى قُتِل منهم عشرةُ رجال، وسقط اللواء من أيديهم - وظل صريعًا إلى أن أخذته "عَمْرَة بنت عَلْقمة الحارثية"، فرفعته لقريش، فَلاَثَوا به[14]، بعد أن تغيَّر الوضع واشتد القتال بين المسلمين والمشركين، وأبلى المسلمون بلاءً حسنًا، وصدقوا الحملة على المشركين، فلما قُتِل حمَلَة اللواء، ولَّى المشركون منهزمين، لا يلوون على شيء، وفرَّت النساء حتى كِدْنَ يُؤخَذن أسيرات، وتغلَّب المسلمون على جيش المشركين حتى أجلوهم عن المعسكر، وأخذوا يستولون على ما في المعسكر من الغنائم وما أكثرها، وصرفهم ذلك عن اتِّباع عدوِّهم، وحُقَّ لهم قول الله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ [آل عمران: 152]، فكان لهم النصر في بداية المعركة، إلا أنهم عصوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- فتغيَّر الوضع.

 

5- ضياع الانتصار بسبب العصيان:

كان الواجب على المسلمين -بعد أن مكَّن الله عددهم القليل من التغلب في بداية المعركة على عدوهم الكثير- أن يستمروا في حملتهم على عدوِّهم؛ حتى تتم الهزيمة كاملة، كما حدث في بدر، ولكن يبدو أن الغنائم الكثيرة جذبتهم إليها عندما فرَّ العدو، فانطلق كثير منهم إلى جمْعها، ورأى الرماة فرار المشركين، وانصراف المسلمين إلى جمع الغنائم، فظنَّ الكثير منهم أن المعركة قد انتهت، وأن لهم أن يحصلوا على الغنائم مثل بقية الجيش، غافلين عن وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: قد انهزم المشركون، فما مقامنا هنا؟ وظنوا أن ليس للمشركين رَجْعة، فذكَّرهم أميرهم "عبدالله بن جُبير" بوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: لم يرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك وانطلقوا في طلب الغنيمة، ولم يبق سوى أميرهم في نفر يسير دون العشرة، يحمون ظهور المسلمين.

 

وهنا اهتبل خالد بن الوليد فرصةَ قلَّةِ الرماة، وكان على خيل المشركين، فَكَرَّ على مَن بقي من الرماة فقتَلهم، وانقض على المسلمين من خلفهم، فأوقع الذُّعْر في صفوفهم، ورأى الفارُّون من قريش تغيُّرَ الوضع في صالحهم، فعادوا أدراجهم يلتفُّون حول لوائهم الذي رفعته ابنة عَلْقَمة الحارثية بعدما مرِّغ في التراب، وأحيط بالمسلمين وصاروا بين شِقَّي الرمي، فتَرَكوا مغانِمَهم، وعادوا إلى سيوفهم يستلُّونها؛ ليدافعوا عن أنفسهم، فاستُشهد كثير منهم، واختلَّ توازن المسلمين حتى قتَل بعضُهم بعضًا، وهم يحاولون النجاة من هذا المأزِق الذي حلَّ بهم.

 

وشدَّد المشركون الحملة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى وصلوا قريبًا منه، فجَرَحوا وجهَه، وكمَّروا رُباعيَّته، وهَشَموا البَيْضَة على رأسه، ودخلت حَلْقتان من حِلَق المِغْفَر الذي يستر به وجهه في وَجْنَته، وعلاه ابن قميئة بالسيف، فضربه على شِقِّه الأيمن، واتقاه طلحة بن عُبيدالله بيده، فشلَّت إِصْبعه، وادَّعى ابن قميئة أنه قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم [15]، وشاع ذلك بين المسلمين، فتفرَّق بعضُهم حتى وصل المدينة، وألقى بعضهم بيده إلا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جعل يدعو الناس: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله، فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً، قاتلوا دونه، وقاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحد قتالاً شديدًا، فرَمَى بالنَّبْل حتى فَنِيَ نَبْله، وانقطع طرف قَوْسه.

 

وفرِح المسلمون بنجاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبكذب دعوى ابن قميئة، فأقبلوا إليه يسيرون معه نحو الشِّعْب مُصَعِّدينَ في الجبل، يحمونه بأرواحهم، ويدفعون عنه بكل ما يملكون، وأقبل أُبَي بن خَلَف من صفوف المشركين، وهو يقول: أين محمد لا نجوتُ إن نجا؟ فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- الحربة من الحارث بن الصمة، ثم استقبله بها، فطَعنه في عنقه طعنة تقلَّب منها على فرسه مرارًا، ثم عاد أدراجه ليموت في طريق عودته إلى مكة.

 

وقد حاولت قريش أن تجعل المعركة فاصلة، وتُجْهِز على الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومَن انضم إليه من صحابته، فصارت السِّهام تَنْثَال عليه من كل جانب، إلا أن المسلمين ضربوا مثلاً عليًّا في حماية الرسول -صلى الله عليه وسلم- وافتدائه بأنفسهم، فاستشهد بين يديه عدد منهم، وتَرَّس أبو دُجَانة بنفسِه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقع النَّبْل في ظهره وهو مُنْحَنٍ عليه، حتى كَثُر فيه النَّبْل، وجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يناول سعد بن أبي وقاص النَّبْل، ويقول له: ((اِرْمِ فداك أبي وأمي)).

 

ضَعُفَت قوة قريش أمام شجاعة المسلمين وإصرارهم على حماية الرسول -صلى الله عليه وسلم- والاستِماتة في القتال دونه، وعدم تمكينهم من القضاء عليه، فقَنَعت قريش بما أصابت في الجولة الثانية من شهداء المسلمين ثأرًا لمن قُتِل منها في بدر.

 

وانطلقت نساء قريش الحانقات على شهداء أبطال المسلمين يمثِّلون بهم، ويقطعون أنوفهم وآذانهم، وبَقَرت "هند زوجة أبي سفيان" بطنَ حمزة، وأخذت كَبِده فَلاَكَتْه ومضغته، إلا أنها لم تستطع أن تُسِيغَه، فلفظته، يشفون بذلك حِقدَهن وغيظَهن مما حدث لهن في بدر.

 

وعندما شعرت قريش بأنها لن تستطيع أن تجعل المعركة فاصلة، فتقضي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذت في دفن قتلاها، ثم أقبل أبو سفيان على المسلمين، فقال: أفي القوم محمد؟ ثلاثَ مراتٍ، فنهاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُجِيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاثَ مراتٍ، فلم يُجِيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن الخطَّاب؟ ثلاثَ مراتٍ، فلم يجيبوه، فأقبل أبو سفيان على أصحابه، فقال: أمَّا هؤلاء، فقد قُتِلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله! إن الذي عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجَال، ثم إنكم ستجدون في القوم مُثْلَة لم آمُرْ بها، ولم تَسؤني، ثم جعل يقول: اعلُ هُبَل! اعلُ هُبَل! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجيبوه، فقولوا: ((الله أعلى وأَجَلُّ لا سواه، قتْلانا في الجنة وقتلاكم في النار))، فقال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجيبوه: ((الله مولانا ولا مولى لكم))، فلما انصرف أبو سفيان نادى: إن موعدَكم بدرٌ في العام المقبل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجلٍ من أصحابه، قل: نعم هي بيننا وبينكم موعد[16].

 

وخاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما انصرف المشركون أن يعرجوا على المدينة فيهاجموها، ورأى أن عليه أن يحاربهم دونها ويمنعهم من دخولها، فأرسل علي بن أبي طالب في آثار القوم، وقال: ((انظر ما يصنعون وما يريدون؟ فإن كانوا قد جَنَّبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأَسِيرنَّ إليهم فيها، ثم لأُنَاجِزَنَّهم))، فخرَج علي في آثارهم فرآهم جَنَّبوا الخيل وامتطوا الإبل واتجهوا إلى مكة، فعاد وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما رأى.

 

عند ذلك أمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- بدفن شهداء أُحد في مكان استشهادهم، وعند ما وَقَف الرسول -صلى الله عليه وسلم- على عمه حمزة، ظهر الحزن عليه، وقال: ((لن أُصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا أغيظ إليَّ من هذا))، ثم قال: ((إن حمزة بن عبدالمطلب مكتوب في أهل السموات السبع: أسد الله، وأسد رسوله))، وكان حمزة أخا الرسول من الرضاعة[17].

 

وانجلت المعركة عن استشهاد سبعين من المسلمين، وقَتْلِ اثنين وعشرين رجلاً من المشركين، فيهم حملة اللواء[18]، وبعد أن انتهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- من دفن قتلى أُحد، عاد إلى المدينة بعد أن وسَّد في أُحُد سبعين من خيرة شهداء المسلمين، كان استشهادهم نتيجة لعصيان الرُّماة أوامر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واشتغال بعض المسلمين عن تتبُّع العدو بالاستيلاء على غنائمه؛ ليكون ذلك درسًا ماثلاً دائمًا أمام المسلمين، وصدق الله حيث يقول: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152].

 



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 20:48

 

6 - بطولات في أحد علينا ألا ننساها:

إذا كانت معركة أحد ابتلاءً للمؤمنين وتمحيصًا لهم، أدَّى إلى أن يولي بعض المسلمين من المعركة عندما استزلَّهم الشيطان وقت التقاء الجمعين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155].

 

فإن البعض الآخر من المسلمين ثبت في ميدان المعركة، ضاربًا أروع الأمثلة في ميدان البطولة والاستشهاد؛ حفاظًا على الدعوة وصاحبها -عليه الصلاة والسلام- مؤكدًا قول الله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23].

 

ذلك أن معركة أُحد فيها نماذج لبطولات فذَّة، تُعَدُّ كل واحدة منها مثلاً عاليًا في الجهاد وحب الاستشهاد.

 

وسنكتفي هنا بعرض بعض أمثلة من هذه البطولات:

فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المثل الأعلى في البطولة يَثْبُت في بداية المعركة وفي نهايتها، ولا يَفِرُّ عندما أحيط بالمسلمين، وإنما يَثْبُت، ويقول: ((إليَّ عباد الله! إليَّ عباد الله!))، ويتناول الحربة وقت المَعْمَعة، ويرمي بها أُبَي بن خلف عندما أقبل يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إن نجا، فيهلِك من طعنته.

 

وهذا حمزة يصول صولة الأسد في ميدان المعركة، لا يعرض له أحد إلا قتَله، حتى يلقى مصرعه غدرًا بيد وَحْشي، ومصعب بن عُمير حامل لواءِ المسلمين يُجَالِد العدو حتى يستشهد أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

 

وعندما أحيط بالمسلمين أُصيب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نحو من ثلاثين رجلاً، كلهم يتقدَّم بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول: وجهي لوجهك الوفاء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك سلام الله غير مودع[19].

 

أما سعد بن الربيع، فقد أبى -وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة- إلا أن يدافع عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيًّا وميتًا، فقد بَعَث الرسول -عليه السلام- يوم أُحد رجلاً من الأنصار ينظر له سعد بن الربيع، وقال له: إن رأيته، فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كيف تجدك؟ فطاف الرجل بين القتلى، حتى أتاه وهو بآخر رَمَقٍ، وفيه سبعون ضربة: ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقال: يا سعد، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟ فقال سعد: وعلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قل له: يا رسول الله، أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عُذر لكم عند الله إن خَلَص إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيكم عن تَطْرِف، وفاضت نفسُه من وقته[20].

 

وقد عَرَف المسلمون لسعد بلاءَه وجهاده، فقد دخل رجل على أبي بكر الصديق، وبنت لسعد بن الربيع صغيرة على صدره يقبِّلها، فقال له الرجل: من هذه؟ قال: بنت رجل خير مني: سعد بن الربيع، كان من النُّقباء يوم العقبة، وشهِد بدرًا، واستُشهد يوم أُحد[21].

 

وكما كانت أُحد مجالاً لإبراز بطولات الرجال، فقد كانت كذلك مجالاً لإظهار بطولات النساء وصِدقهنَّ، فهذه "نَسيبة بنت كعب المازنية" خرجت يوم أُحد تنظر ما يصنع المسلمون، ومعها سِقَاء فيه ماء، حتى انتهت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والنصر للمسلمين،

 

فلما انهزَم المسلمون، انحازَت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبدأت تباشر القتال، فذبَّت بالسيف، ورمت عن القوس، حتى خَلَصت الجراح إليها، وظلَّ على عاتقها جُرْح أجوف له غور، فلما سُئِلت من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قميئة، أقمأه الله، لما ولَّى الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقبل يقول: دُلُّونِي على محمد، فلا نجوتُ إن نجا، فاعترَضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبَت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضربني هذه الضربة، ولكني ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه دِرْعَان[22].

 

وهذه صفيَّة بنت عبدالمطلب، أقبلت لتنظر شقيقها حمزة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لابنها الزبير بن العوام: الْقَها، فأرجعها لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أُمَّه، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرك أن ترجعي: قالت: ولِم وقد بلغني أن قد مثِّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبنَّ ولأصْبِرَنَّ - إن شاء الله؟

 

فلما جاء الزبير إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره بذلك، قال: ((خلِّ سبيلها))، فأتته، فنظرت إليه، فصلَّت عليه، واسترجعت، واستغفرت له[23].

 

وتلك امرأة عمرو بن الجموح، تعبِّر بصدق عن نتيجة معركة أحد، وقد أقبلت بأخيها وزوجها شهداءَ على بعير لها، فلما دنَت من المدينة، سُئِلت ما الخبر؟ فقالت: دفع الله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واتخذ من المؤمنين شهداءَ، ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ [الأحزاب: 25][24].

 

وعندما مرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بامرأة من بني دينار، وقد أصيب: زوجها، وأخوها، وأبوها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأُحد، فلما بلغها استشهادهم، قالت: فما فَعَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أَرُونِيه حتى أنظر إليه؟ فأُشير لها إليه، حتى إذا رأته، قال: كل مصيبة بعدك جَلل، تريد صغيرة[25].

 

وثَمَّ غير ذلك كثيرٌ من أمثلة البطولات والصبر، التي تعتبر مثلاً أعلى للمسلمين على مدى تاريخهم الطويل، ومنبعًا للفدائية، عليهم أن يَرِدُوا مَعِينَه، وصدق الله إذ يقول: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 140 - 142].

 

7 - الرسول يسترد للمسلمين هيبتهم:

عاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون إلى المدينة مساءَ يوم السبت، فقضى فيها ليلة الأحد؛ حيث ضمَّد المسلمون جراحهم، ولكنَّ أثر موقعة أحد في المدينة وفي خارجها قد هزَّ من كِيان المسلمين، وكان على الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يُعيد للمسلمين هَيبتهم؛ حتى لا يتطاول عليهم يهود ومشركو المدينة، ولا يتعرَّضوا لغارات القبائل حول المدينة، ولاستعلاء قريش وتفكيرها في أن تُعاود الكرَّة لتقضي على المسلمين.

 

وقد فكَّر الرسول -عليه الصلاة والسلام- بسرعة وحزم؛ لكي يعيد للمسلمين هيبتهم ومكانتهم، وليرهِّب عدوه، ويشعرهم بأنه ما زال بالمسلمين قوة، وأن ما أصابهم في أُحد لا يمنعهم من تتبُّع عدوِّهم والخروج في طلبه، فأمر بلالاً صباح الأحد 16 شوال بعد صلاة الصبح بأن ينادي في الناس بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرهم بطلب عدوِّهم، وألا يخرج إلا من شهِد القتال يوم أُحد، فتجمَّع المسلمون الذين شهدوا أحدًا من أنحاء المدينة، ودَفَع الرسول -صلى الله عليه وسلم- لواءه الذي ما زال معقودًا ولم يُحَلَّ إلى علي بن أبي طالب، ورَكِب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرسه، وخرج مع الناس وهو مجروح في وجهه، ومشجوج في جبهته، ورُباعِيَّته قد سقَطت، وشفته السفلى قد كلمت في باطنها، ومَنكبه الأيمن متوهنة من ضربة ابن قَميئة، ورُكبتاه مجحوشتان[26].

 

ولم يخرج -عليه الصلاة والسلام- بمَدَدٍ جديد، وإنما بنفس المقاتلين الذين لقوا عدوَّهم بالأمس، بالشجاعة والبطولة والفدائية التي يتمتع بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه؛ حيث لا يرضى أن يتبعه إلا مَن كان معه في يوم أحد، مع ما بهم من آثار المعركة،

 

وهنا تظهر بطولة أخرى؛ حيث نرى الجرحى يتحاملون على أنفسهم مع ما بهم من آلام قاسية، ويخرجون مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- تنفيذًا لأوامره، واستردادًا لهيبة المسلمين، ويذكر المؤرخون من ذلك أن رجلاً من بني "عبدالأَشْهل" قد شهِد هو وأخوه أحدًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجعا جَرِيحين، فلما أذَّن مؤذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالخروج في طلب العدو، قال كل منهما للآخر: أَتَفُوتنا غزوةٌ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ والله مالنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان أيسرهما جرحا إذا عجَز أخوه عن المشي، حمله عُقْبَةً، ومشى عُقْبَةً، حتى انتهيا إلى ما انتهى إليه المسلمون[27]، وصدق الله حين يمدح هؤلاء المؤمنين، فيقول: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 172].

 

سار هذا الجيش الصامد الصابر على ما به من آلام، حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بعث طليعة له، ثلاثة نفر من أَسْلَم، فلَحِق اثنان منهما بقريش، وهي بحمراء الأسد تتشاور في العودة إلى لقاء المسلمين، فقتَلتهما قريش، وقد شعرت بمن خلفهما، ثم مضت حتى نزلت بالرَّوْحَاء، وعسكر المسلمون بحمراء الأسد، ودفنوا الرجلين في قبر واحد -وهما القرينان- ومكث المسلمون ثلاث ليال يوقدون خمسمائة نارٍ تُرَى من المكان البعيد، وانتشر صوتُ معسكرِهم ونيرانُهم في كل جهة[28].

 

وقد سلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- كل السبل ليُوهِن من شأن قريش، وليقلل مما أصابت في أحد، وليَحْمِلَها على العودة إلى مكة دون معاودة الكرَّة على المسلمين، وقد أقبل على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو بحمراء الأسد معبد بن أبي معبد الخزاعي، فأسلم، فأمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يَلْحَق بأبي سفيان، فيخذِّله، فلَحِقَه بالرَّوْحاء -ولم يعلم بإسلامه- فقال: ما وراءك يا معبد، فقال: محمد وأصحابه، قد تحرَّقوا عليكم، وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد نَدِم مَن كان تخلَّف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقول؟ فقال: ما أرى أن ترتحل حتى يَطْلُع أول الجيش من وراء هذه الأَكَمَة، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرَّة عليهم لنَستأصلهم، قال: فلا تفعل، فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة[29].

 

وقد حاول أبو سفيان أن يتخذ نفس الأسلوب لإرهاب المسلمين، فأوصى رَكْبًا من عبدالقيس قاصدًا المدينة أن يبلغوا محمدًا بأن قريشًا قد أجمعت السَّير إليه وإلى أصحابه؛ ليستأصلوا بقيَّتهم، فمرَّ الركب برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بحمراء الأسد، فأخبره بما قال أبو سفيان[30]، فلم يزد ذلك المسلمين إلا إيمانًا وثباتًا؛ ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران 173 - 174].

 

8 - نظرة إلى معركة أُحد:

اختلف المؤرخون حول موقعة أُحُد، هل انتصر المسلمون فيها أو هُزموا؟

ويرى معظم المؤرخين أن المسلمين قد انهزموا فيها؛ حيث استشهد فيها سبعون من أبطالهم، ويرى اللواء "شيت خطاب" أن المسلمين قد انتصروا فيها؛ حيث تمكَّن المسلمون بعد التفاف المشركين حولهم والإحاطة بهم -وهم خمسة أضعافهم- من التخلُّص من هذا الموقف الحرِج، بعد فقد عُشْرِ الجيش شهداءَ.

 

ولا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة تفوُّقًا ساحقًا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة في المائة -نصرًا، ولا يمكن اعتبار فشل القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة ماديًّا ومعنويًّا في مثل هذا الموقف الحرِج للغاية- إلا فشلاً لها.

 

إن نجاة المسلمين من موقفهم الحَرِج الذي كانوا فيه بأُحُدٍ، نصرٌ عظيم لهم؛ لأن أول نتائج إطباق المشركين عليهم من كافة الجهات، كانت الفناء التام[31].

 

والذي يبدو لي أن المعركة لم يكن فيها هزيمة حاسمة، بحيث قُضِي على المسلمين فيها، ولم يكن فيها انتصار حاسم لقريش مكَّنها من القضاء على المسلمين، وحملهم على الفرار من المعركة، فنتيجة المعركة لم تكن فاصلة، من حيث قضاء قوة على أخرى، كما حدث في بدر، وإن كانت قريش قد أدركت ثأرها بقتل سبعين من المسلمين، ولكن المسلمين قد تمكَّنوا مع ذلك، من أن يمنعوا أنفسهم من قريش إلى أن حصل التحاجز بين الفريقين، وما حصل التحاجز بين الفريقين إلا بعد أن شعر المشركون بعدم قدرتهم على القضاء على المسلمين، فاكتفوا بأنهم أدركوا ثأرهم من المسلمين.

 

ولعل مما يدل على عدم حسْم الهزيمة أو الانتصار في أُحد، أن المشركين لم يأسروا أحدًا من المسلمين كما فعل المسلمون في بدر، بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أسر من المشركين في اليوم التالي لأحد - عندما خرج المسلمون إلى حمراء الأسد - اثنين من المشركين؛ هما: معاوية بن المغيرة بن أُمية، وأبو عزة الجُمَحي، وقتلهما[32]، كذلك فإن المشركين لم يتابعوا القتال إلى أن يقضوا على الرسول -عليه الصلاة والسلام- ويتمكَّنوا من قتْله.

 

وأيضًا فإن المشركين لم يهاجموا المدينة بعد التحاجز؛ لعدم استطاعتهم ذلك، وقد فكر أبو سفيان في مهاجمة المدينة، فقال له صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعل؛ فإن القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان[33].

 

ولا شك أن المشركين كانوا يعرفون أن رجالاً من المسلمين قد تخلَّفوا في المدينة عن شهود أُحُد، وأنهم سيكونون قوة ستنضم إلى جيش المسلمين؛ مما يزيد من بأس المسلمين وشوكتهم، فحمل ذلك قريشًا على عدم مهاجمة المدينة، كما أننا عندما نعلم أن أبا سفيان وقف في نهاية المعركة، وقال: إن موعدكم بدر للعام المقبل، فيأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من أصحابه، فيقول له: نعم هي بيننا وبينكم موعد[34]؛ فإن ذلك يعطينا دليلاً على أن المعركة لم تكن فاصلة، وأن قريشًا ما زالت تعترف عقب المعركة بقوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين على لقائهم في بدر من العام المقبل.

 

وقد ذكر ابن القيم رأي قريش في نتيجة معركة أحد، وأنهم لم يحققوا انتصارًا حاسمًا، فقد قال المشركون بعضهم لبعض: "لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا؛ حتى نستأصل شَأْفَتهم"[35].

 

وأخيرًا، فإننا نرى في خروج الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين معه في اليوم التالي لأُحد إلى حمراء الأسد بنفس الجيش دون أن يأخذ مَدَدًا آخر - دليلاً على أن الانتصار في أُحد لم يكن فاصلاً، وأن الخروج إلى حمراء الأسد كان تقليلاً من شأن الأخذ بالثأر الذي حصل عليه المشركون في أحد، ورفعًا للروح المعنوية بين المسلمين، وإظهارًا لقريش بين العرب بعدم القدرة على مواصلة القتال في اليوم التالي للمعركة.

 

وفي ذلك درس قوي يحرص المسلمون على تلقينه لقريش وغيرهم في المدينة وخارجها من عداء المسلمين؛ حتى يشعروا بمدى القوة الصُّلبة والقدرة الفائقة التي يتمتع بها المسلمون، وأنهم ما أصابهم في أحد من قرحٍ -جراح- فإنهم ما زالوا يتمتعون بنفس القوة والقدرة التي يتحلون بها، والتي يجب على أعدائهم أن يحسبوا لها ألف حساب.

 

ولعل كل هذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه لم يكن في معركة أحد نصر حاسم، ولا هزيمة حاسمة، وإنما كان فيها إدراك لثأر قَنَعت به قريش، ولم تجازف بالعودة ثانيًا للقاء المسلمين في اليوم التالي للمعركة، وصدق الله حين يصوِّر الوضع في أحد، فيقول: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]، ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 104].
z



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 20:49

الفهرس





[1] الطبقات 2/ 25.

[2] ابن هشام 3/ 61.

[3] الطبقات 2/ 27.

[4] ابن هشام 3/ 63.

[5] البداية والنهاية 4 / 12.

[6] الطبري 2/ 503.

[7] الطبقات 2/ 26.

[8] الطبقات 2/ 27، ويذكر ابن هشام 3/ 64 أن الأنصار قالوا للرسول: ألا نستعين بحلفائنا من اليهود، فقال: ((لا حاجة لنا فيهم)).

[9] الطبري 2/ 505.

. الطبقات 2/27، الطبري 2/505، في ابن خلدون 2/24، وزاد المعاد 2/92، يذكران أن المسلمين كان معهم خمسون فارسًا، وما نظن أن ذلك صحيح؛ لأن هذا العدد من الفرسان لو كان مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنشب به معركة ضد فرسان المشركين، ولتمكَّن هذا العدد من الفرسان للتصدي لخيل المشركين عندما تمكَّنت من القضاء على مَن بقي من الرماة.

[10] ابن هشام 3/ 65.

[11] الكيول: آخر الصفوف في الحرب.

[12] الطبري 2/ 511.

[13] زاد المعاد 2/ 92.

[14] لاثوا به: اجتمعوا حوله والتفوا.

[15] طبقات ابن سعد 2/ 29.

[16] ابن هشام 3/ 93، طبقات ابن سعد 2/ 33.

[17] ابن هشام 3/ 90.

[18] ابن هشام 3/ 127 - 129.

[19] الطبقات 2/ 33.

[20] زاد المعاد 2/ 96.

[21] ابن هشام 3/ 95.

[22] ابن هشام 3/ 82.

[23] ابن هشام 3/ 97.

[24] البداية والنهاية 4/ 41.

[25] ابن هشام 3/ 99.

[26] طبقات ابن سعد 2/ 34.

[27] ابن هشام 3/ 101، الطبري 2/ 534.

[28] طبقات ابن سعد 2/ 35.

[29] زاد المعاد 2/ 108.

[30] ابن هشام 3/ 103.

[31] الرسول القائد 119 - 120.

[32] ابن هشام 3/ 104.

[33] ابن هشام 3/ 104.

[34] الطبري 2/ 557.


[35] زاد المعاد 2/ 108.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 20:49




  • غزوة أحد (1) الآيات، والكرامات، والمعجزات
  • غزوة أحد (2) الابتلاءات والمصائب
  • غزوة أحد .. درس في أهمية الشورى والنظام
  • جوانب من حيطته وحذره صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد
  • http://markzaldawli.yoo7.com/t28650-topic#63013



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 20:56





]


[/url]






‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 20:59




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 21:00




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 21:02




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية


الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 3105
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد   الأحد 1 يونيو - 21:05




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
بالصور غزوة احد بالتفصيل /خرائط غزوة احد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: