منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:43


ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !
السلام عليكم
أخواني وأخواتي الكرام ..
شجعتني كتابة السيرة .. على تسليط الضوء بمقتطفات من حياة النفائس الأربعة ...
الذين عاشوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
ثم أخلفوا حكمه بين المسلمين ..

أبو بكر .. عمر .. عثمان .. علي

رضي الله عنهم وأرضاهم ..

فبهؤلاء .. تكتمل السيرة .. وتصبح أكثر عمقا .. وأعظم فهما ..

كي نثبت للعالم ..
أن صفة الخيرية في المسلمين .. باقية ..
حتى بعد وفاة رسول المسلمين محمد (صلى الله عليه وسلم)..

فمن كان يعبد محمدا .. فإن محمدا قد مات ..
ومن كان يعبد الله .. فإن الله حي لايموت ..

فالخير في الأمة باق .. ببقاء الله سبحانه .. لحين زوال المؤمنين بالريح الطيبة ..

يقول الحق في كتابه ..

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)

لذلك ..
سنظل من خير أمة أخرجت للناس ..
ما دمنا نأمر بالمعروف ..
وننهى عن المنكر ..
و نؤمن بالله ..
و نحفظ حدوده ..
و نتقرب إليه بطاعته ..

نسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد .. اللهم آمين ..

فكونوا على مقربة ...
التاريخ دائما .. يكرر نفسه بصورة عجيبة... لأنه من سنن الله ..
فنفس الأحداث نراها رأي العين..
باختلاف في الأسماء والأمكنة..

و دارس التاريخ بعمق ... كأنه يرى المستقبل..
ويقرأ ما يجد على وجه الأرض من أمور..
ولا يُخدع بسهولة..
مهما تفاقمت المؤامرات..
ومهما تعددت وسائل المكر والمكيدة...

دارس التاريخ بعمق ....يعرف أين يضع قدمه..
وكيف يقود نفسه ومجتمعه وأمته...

دارس التاريخ بعمق كالشمس الساطعة ...تنير الطريق لأجيال تتلوها أجيال..
وقد يمتد أثره إلى يوم تقوم الساعة...

كيف لا؟

وقد ذكرنا من قبل ...أنه لا جديد على الأرض ..

ويكفينا الأمر الإلهي الحكيم

(فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)

فقص القصة أو رواية الرواية لا يغني شيئا ..إن لم يُتبع بتفكر..

ودراسة التاريخ ....ليست دراسة تكميلية أو جانبية أو تطوعية...

ودراسة التاريخ ...ركن أساسي من أركان بناء الأمة القوية الصحيحة...

ففي دراستنا للتاريخ ..
نعرض لأمور لا تستقيم حياة المسلمين بغيرها..
لأمور من العقيدة..
وأمور من الفقه..
وأمور من الأخلاق..
وأمور من المعاملات...
وأمور من الأحكام...

نعرض لفقه الموازنات..
وفقه الأولويات..
ولفقه الواقع..

أو إن شئت فقل... نعرض لكل أمور الدين...

هكذا كان الله في كتابه الحكيم يقص القصة..
فيعرض فيها الحجة التي تقنع العقل..
ويعرض فيها الرقيقة التي تلمس القلب..
وقد يعرض فيها أمرا عقائديا..
وقد يعرض فيها حكما فقهيا..
ثم هو يربط القديم بالحديث..
والتاريخ بالواقع..
والماضي بالحاضر..
فتشعر أن التاريخ حي ينبض... ولسانٌ ينطق..
.
فالتاريخ أبدا ..
لا يحدثنا عن رجال ماتوا...
ولا عن بلاد طواها التاريخ بين صفحاته العديدة...

وإنما هو يحدثنا عن أحداثنا..
وينبئنا بأنبائنا..
ويخبرنا بأخبارنا...

التاريخ ثروة مدفونة تحتاج إلى بذل مجهود..
وتفريغ وقت..
وحشد طاقات..
تحتاج إلى عقول.. وقلوب.. وجوارح..

هذه الثروة .. تحتاج إليكم جميعا ...يا من ترجون للإسلام قياما..
.
والتاريخ الإسلامي هو ولا شك ...
أنقى وأزهى وأعظم وأدق تاريخ عرفته البشرية..
وسعدت الدنيا بتدوينه...

التاريخ الإسلامي هو تاريخ أمة شاهدة..
أمة خاتمة..
أمة صالحة..
أمة تقية نقية..

هو تاريخ أمة ..آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر..
داعية إلى كل خير..
محاربة لكل شر...

التاريخ الإسلامي ..
هو تاريخ رجال ما عرف التاريخ أمثالهم..
رجال فقهوا دينهم ودنياهم..
فأداروا الدنيا بحكمة وعيونهم على الآخرة..
فتحققت المعادلة الصعبة العجيبة: عزٌ في الدنيا.. وعز في الآخرة..
مجد في الدنيا.. ومجد في الآخرة..

والتاريخ الإسلامي هو تاريخ حضارة جمعت كل مجالات الحياة في منظومة رائعة راقية..
جمعت الأخلاق...
والسياسة..
والاجتماع..
والاقتصاد..
والمعمار..
والقضاء..
والترفيه..
والقوة..
والإعداد..
والذكاء..
والتدبير...

جمعت كل ذلك جنبا إلى جنب ...مع سلامة العقيدة..
وصحة العبادة..
وصدق التوجه..
ونبل الغاية...

وصدق الله تعالى إذ يقول..

(اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)

هذا هو التاريخ في أصله وجوهره...

ولا يمنع ذلك أنه يحوي أخطاء بعضها عظيم...
ويشمل عيوبا بعضها خطير..
وإنه لمن العبث أن ندعي أنه بياض بلا سواد..
ونقاء بلا شوائب..
لكن من الظلم البين أن نلصق أخطاء المسلمين بدين الإسلام...

فالإسلام دين لا ثغرة فيه..
ولا خطأ فيه..
ولا عيب فيه..

دين محكم تام كامل..
أنزله الذي يعلم السر وأخفى..سبحانه الحكيم الخبير..

ومن خالف دين الإسلام من المسلمين.. فوباله على نفسه.. وليس على الإسلام..

وكثيرا ما يخالف الناس..
فتحدث هزات وسقطات..
لكنها ما تلبث أن تتبع بقيام إذا ثابوا إلى رشدهم..
وعادوا إلى دينهم..
وإلا استبدلهم القوي العزيز بغيرهم من الصابرين الطاهرين...

ثم وقفة وسؤال..

هذه الثروة وهذا الكنز العظيم... ثروة التاريخ الإسلامي الطويل..

فمن مِن البشر في زماننا .. أمّنّاه عليها ؟!

مَن مِن البشر أعطيناه مفاتيح الكنوز التاريخية.. لينقب فيها ويستخرج جواهرها؟

مَن مِن البشر أسلمناه أذاننا... وعقولنا.. وأفئدتنا..
ليلقي عليها ما استنبط من أحكام وما عقله من أحداث؟

عجبا لأمتنا !

لقد أعطت ذلك لحفنة من الأشرار..
طائفة من المستشرقين..
وطائفة من المفتونين بهم من أبناء المسلمين ...تسلموا كنز التاريخ..
لينهبوا أجمل ما فيه ..
وليغيروا ويبدلوا ويزوروا..
فيخرج التاريخ إلينا مسخا مشوها عجيبا..

فتًقطع حلقة المجد..
وينفصل المسلمين في حاضرهم عن ماضيهم..
كما تنفصل الروح عن الجسد تماما بتمام..

ولقد انتبه الشباب ..
فوجدوا بين أيديهم سجلا حافلا ..
من الصراعات والمؤامرات والخيانات والسرقات..
صفحات سوداء تتلوها صفحات أسود..
واحتار الشباب في تاريخهم ..
أيمسكونه على هونٍ أم يدسونه في التراب؟!

فويل..
ثم ويل لمن افترى على الله كذبا.. ليضل الناس بغير علم...

وويل..
ثم ويل لأبناء المسلمين الذي فتنوا بمناهج العلمانية..
فصاغوا التاريخ صياغة مشوهة مزورة محرفة..
فحرموا المسلمين من أمثلة عملية تطبيقية رائعة لكل أمر من أمور الدين...

وويل..
ثم ويل لمن يقدر على التصحيح فلم يفعل..
ولمن يقدر على التوضيح والتبيين فلم يفعل..
ولمن يقدر على النصح والإرشاد فلم يفعل...

يقول جابر بن عبد الله..

إذا لعن آخر هذه الأمة أولها..
فمن كان عنده علم فليظهره..
فإن كاتم العلم يومئذٍ ككاتم ما أُنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) ..

سبحان الله ..

ألهذه الدرجة .. ؟!

من سمع طعنا في الصحابة.. أو في الصالحين من الأمة.. ثم لم يَرُد..
كان كمن كتم ما أُنْزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..!

نعم..

لأنه... كيف وصل إلينا ما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟

ألم يصل إلينا عن طريق الصحابة والتابعين.. وتابعي التابعين؟

فإذا طُعن في هؤلاء دون توضيح لحقيقتهم الطاهرة.. لم يُقبل ما يأتي عن طريقهم...
و هذا هدم للدين بالكلية..

إذن تزوير التاريخ أمر خطير مروع... يحتاج إلى وقفات ووقفات...

و لهذا كانت هذه السطور...
أول حدث جليل بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم) ..
هو استخلاف الرجل الجبل (أبو بكر الصديق) .. رضي الله عنه وأرضاه..

ونقول .. استخلاف .. وليس خلافة .. فهذا له مقصد آخر سنوضحه لاحقا ..

لكن .. كيف اختير (أبو بكر الصديق) خليفة للمسلمين؟

وكيف تم؟

وما هي خطواته وما هي تبعاته؟

وماذا حدث في سقيفة بني ساعدة؟

وماذا أثير حولها من شبهات من المستشرقين وأحبابهم؟

والحق أن كثيرا من القراء ...
قد يتعجبون لإفراد هذا الحدث...
الذي يعدونه حدثا قصيرا بسيطا في التاريخ ببحث خاص...

فالحدث تم في أقل من يوم واحد..
وتاريخ المسلمين 14 قرنا من الزمان ..

فهل يجب أن نفرد له بحثا خاصا ؟!

ولماذا هذا الحدث بالذات؟

ونجيب عن هذا السؤال .. بـ 5 نقاط ..

أولا

إن دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين (أبي بكر وعمر وعثمان وعلي) .. رضي الله عنهم أجمعين..
تعتبر من أهم الأمور التي يجب أن يحرص عليها المسلمين..
ويجب أن يحرصوا على دراستها دراسة وافية...
مستفيضة شاملة لكل نقاط حياتهم..
فهي فترة من أهم فترات التاريخ الإسلامي..
بل هي أهمها على الإطلاق بعد فترة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ..

لماذا؟

لأن هذه الفترة تعتبر جزءا من التشريع الخاص بالمسلمين..
وقد يستغرب البعض أن هناك تشريعا بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

لكن الواقع أن كثيرا من الأمور جدت على حياة المسلمين بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)..
وكانت هذه الأمور تحتاج إلى فقهٍ واجتهاد..
فاجتهد فيها هؤلاء الأخيار واختاروا آراء سديدة ساروا عليها..
وسارت الأمة معهم..
فكانت تشريعا للمسلمين...

ولقد حدثت أمور ...ما كان لها شبيه في حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
منها هذا الحدث الذي نحن بصدده وهو... اختيار خليفة للمسلمين...
ومنها فتوحات عظام في أراض شاسعة... وما تبع ذلك من أمور...
ومنها أمور فقهية..
ومنها شبهات أثيرت فدافعوا عنها...

فترة جليلة حكم فيها خير المسلمين على الإطلاق..
وكان المحكومون هم خير أهل الأرض بعد الأنبياء...

من هنا نستطيع أن نفهم حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
الذي رواه الترمذي رحمه الله.. ورواه أبو داود .. عن العرياض بن سارية.. قال..

"وعظنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) موعظة بليغة وجلت منها القلوب .. وذرفت منها العيون..
فقلنا: يارسول الله كأنها موعظة مودع.. فأوصنا ..
قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد..
وإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا..."

وصدقت يا رسول الله..
ونحن الآن نعيش في هذا الزمن الذي فيه اختلاف كثير..
تشعبت بنا الطرق..
وكثرت عندنا المناهج..
وتعددت أمامنا الأساليب..

فماذا نفعل؟

وفي أي طريق نسير؟

وأي المناهج نتبع؟

وأي الأساليب نختار؟

ولنكمل قوله (صلى الله عليه وسلم) أعلاه ..

"وإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ..
فعليكم بسنتي .. وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..
عضّوا عليها بالنواجذ (الأضراس) ..
وإياكم ومحدثات الأمور .. وكل بدعة ضلالة .. "

فندما تتشعب الطرق ...عليك بسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...
وهذا بالطبع مفهوم..

لكن لماذا يضيف (صلى الله عليه وسلم) .. "وسنة الخلفاء الراشدين المهديين"؟!

إذا كان الخلفاء الراشدون سيعيشون حياة ليس فيها اختلاف عن حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
فإنه من الطبيعي والمنطقي ..
أن يقلدوا الرسول في كل شيء...
ولا يبقى مجال لاجتهادهم..

ومن ثم لا يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم).."عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين"..

لكن الواقع ..
أن الأمور التي جدت على الأمة في عهدهم ..
وضعت أشياء كثيرة كانت تحتاج إلى عقول ذكية..
وقلوب طاهرة كعقول وقلوب الخلفاء الراشدين..
فأصبح ما يفعلون ليس مقبولا فقط..
بل شَرْع للأمة إلى يوم الدين...

خلاصة هذه النقطة ..
أن دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين المهديين جزء من الدين والشرع..
ولا بد أن يعطي له المسلمون اهتماما خاصا..

ثانيا

الذي يهمنا في قصة استخلاف (أبي بكر الصديق)..
أننا سنستخلص أحكاما وأمورا هامة من هذه الحادثة ..
تفيد جدا في بناء الأمة الإسلامية بناء صحيحا..
فما هو معنى الشورى؟
وكيف التصرف عند الاختلاف؟
وما هي طرق عرض وجهات النظر؟
ولماذا يختار رجل دون آخرٍ لإمارة ما؟

ثالثا

إن هذا الحدث الهام هو بداية حياة المسلمين بدون رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. .
ولا شك أن هذا أمر يدعو إلى الاهتمام...
فغياب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمرُ صعب..
والأصعب من ذلك غياب الوحي الذي كان يأتي عن طريقه (صلى الله عليه وسلم)..

فالصحابة كانوا يعيشون الوحي...
فكل يوم يحدثهم (صلى الله عليه وسلم) بما يريده الله منهم .. ليس قرآنا فحسب..
لكن يقول لهم .. الله غفر لفلان...
الله يحب فلان...
الله يبشر فلان بالجنة...

وكانوا إذا اختلفوا ...نزل الوحي يؤيد رأيا على رأي...
ويعدل المسار ويصحح الوجهة...

وفجأة .. انقطعت العلاقة التفاعلية بين الصحابة وبينه (صلى الله عليه وسلم)..
وأصبح عليهم أن يجتهدوا لكي يعرفوا .. أين غضب الله... وأين رضاه؟

رابعا

تأتي أهمية حادث الاستخلاف أيضا ...
في أنه تبعه أحداث جسام في حياة المسلمين ما كانت لتتم ..
لولا أن هدى الله فاختار المسلمون (أبا بكر) ليكون خليفة للمسلمين..
فالرجل له طابع يختلف عن كثير من الصحابة..
سنتعرف عليه إن شاء الله في سطور قادمة ..
وستستشعر كم كان الله رحيما بالمؤمنين... ومسدِدا لخطاهم ..
لما يسر لهم اختيار هذا الصحابي الجليل لهذه المهمة الثقيلة..
مهمة خلافة المسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

خامسا

من أهمية دراسة هذا الحدث الخطير أيضا ...
أنه كثر طعن المستشرقين وأتباعهم في كل من شارك في هذه العملية الهامة...
ولم يتركوا أحدا..
ضربوا كل الرموز الإسلامية العظيمة..
وأظهروا الأمر على أسوأ ما يكون..

فطعنوا في أبي بكر وعمر... وأبي عبيدة بن الجراح..
وعائشة.. وسعد بن عبادة.. وزيد بن ثابت.. وأبي هريرة.. والسيدة فاطمة..
بل طعنوا في علي بن أبي طالب في صورة الثناء عليه.. وذموه في صورة المدح..
و طعنوا في العباس بن المطلب عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

خلاصة الأمر ...أنهم أخرجوا لنا صورة مهلهلة قبيحة لخير الأجيال.. وخير القرون...
فإن كان هم كذلك... فأي خير يرتجي مَن جاء مِن بعدهم؟
وأخطر من ذلك... إن كانوا هم كذلك فكيف نأخذ ديننا عن طريقهم؟
وكيف نقبل باجتهادهم؟..

فالمستشرقون بذلك يضربون الدين في عمقه ...ويدمرون الإسلام في أصوله...

هذا الكلام..
ليس تاريخا قديما فعله بعض المستشرقين في السابق..
والحال الآن غير ذلك...
بل هذا الكلام ما زال يتردد في أفواه بعض من يدرسون التاريخ في الجامعات المتخصصة ..
سواء في الجامعات المحلية...
أو الجامعات الغربية التي تفتح فروعا في البلاد الإسلامية..
وبالطبع يردد أيضا بكثرة في الجامعات الغربية في خارج الأقطار الإسلامية ..
لتشويه صورة الإسلام والمسلمين...

هنا وجب علينا أن ندفع هذه الشبهات..
وأن نوضح للناس الصورة الحقيقية للأحداث التي تمت بخصوص هذه القصة..
قصة استخلاف (أبي بكر الصديق)..

ولهذه الأسباب مجتمعة .. سنشرح هذا الحدث الكبير .. إن شاء الله ..

ولكي نفهم هذا الحدث ..
ولكي نستوعب اختيار (أبي بكر الصديق) خليفة للمسلمين..
لا بد أن ندرس في البداية شخصية هذا الرجل النادر...

لا بد أن نعرض لطرف بسيط من حياته...

نحن لا نستطيع أن نفتح الباب على مصراعيه لرؤية شخصية هذا الرجل الفذ العملاق..
نحن فقط نلقي نظرة على استحياء لنعرف..

ما هي مفاتيح الشخصية عنده؟

وما سر هذه الرؤية الواضحة عنده في كل الأمور؟

وما سر هذه الدرجة الرفيعة التي نالها في دنياه وآخرته؟

(أبو بكر الصديق) شخصية عجيبة جمعت بين طياتها الرقة والشدة...
والرحمة والقوة..
والأناة والسرعة..
والتواضع والعظمة..
والبساطة والفطنة...

وأضعاف من فضائل الأخلاق والطباع..
وهبه الله حلاوة المنطق..
وطلاقة اللسان..
وقوة الحجة..
وسداد الرأي..
ونفاذ البصيرة..
وسعة الأفق..
وبعد النظرة..
وصلابة العزيمة..
وكل هذا وغيره.. وهو ليس بنبي... إن هذا لشيء عجيب..!

فشخصية (أبي بكر الصديق) شخصية عجيبة ما تكررت في التاريخ..

انظر تقييم (علي بن أبي طالب) لهذه الشخصية..

أخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال..
قلتُ لأبي .. أي الناس خير بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
قال: أبو بكر..
قلت: ثم من ؟
قال: ثم عمر..
وخشيتُ أن يقول عثمان .. فقلت: ثم أنت ؟
قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين ..

وهذا تواضع من (علي بن أبي طالب) .. رضي الله عنه وأرضاه.

فيا تُرى ...كيف كانت شخصية (أبو بكر) الذي هو خير الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟!

قال (صلى الله عليه وسلم) في حقه كما روى البخاري ..

"إن من أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبا بكر..
ولو كنتُ متخذا خليلا غير ربي لأتخذت أبا بكر..
ولكن أخوة الإسلام ومودته.."

فهذه مقامات عالية جدا...
فـ (أبو بكر الصديق) كما في الحديث ..من أَمنّ الناس عليه (صلى الله عليه وسلم)..
أي أكثرهم مِنّة وفضلا..
.
وهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتخذ الله خليلا...
ولولا ذلك لاتخذ (أبا بكر)...!
ولكن أخوة الإسلام...

فكيف يكون هذا الرجل الذي ظفر بتلك المنزلة الراقية؟

وكيف وصل إليها؟

ونحن لا نريد دراسة أكاديمية لحياة (أبي بكر الصديق)..
لكن أحب أن نبحث في مفاتيح شخصية هذا الرجل العظيم..

فكيف تسهل عليه فعل كل هذا الخير؟

وكيف حافظ عليه؟

ثم هل من سبيل بعد معرفة هذا أن نقلده فيما فعل... فنصل إلى ما إليه وصل؟


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:45


أبو بكر وحب النبي

لقد أحب (أبا بكر) رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. حبا خالصا ..
خالط لحمه ودماءه وعظامه وروحه ..
حتى أصبح جزءا لا يتجزأ من تكوينه..
والصحابة جميعا أحبوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حبا عظيما فريدا..
لكن ليس كحب (أبي بكر)..

هذا الحب الذي فاق حب المال والولد والأهل والبلد... بل فاق حب الدنيا جميعها...

وحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مكملات الإيمان..

كما روى البخاري ..

"لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"

و(أبو بكر الصديق) ...أشد الناس إيمانا...
فهو إذن أشد الناس حبا للرسول (صلى الله عليه وسلم)..

ففي حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. في مسند الإمام أحمد عن ابن عمر ..

قال خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات غداة بعد طلوع الشمس..
فقال: رأيتُ قبل الفجر كأني اعطيتُ المقاليد والموازين ..
فأما المقاليد فهذه المفاتيح ..
وأما الموازين فهي التي تزنون بها ..
فوُضعتُ في كفة ووُضعت أمتي في كفة .. فوزِنتُ بهم .. فرجحتُ..
ثم جيء بأبي بكر .. فوُزن بهم .. فوزن .. "

هذا الحب المتناهي...
له دليل من كل موقف من مواقف السيرة تقريبا..
ولو تتبعت رحلة (أبو بكر) معه (صلى الله عليه وسلم) ..
لرأيت حبًا قلما تكرر في التاريخ....

ففي الهجرة ..
لما جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت (أبي بكر) في ساعة لم يكن يأتيهم فيها..

أول ما قاله (أبو بكر).. فداء له أبي وأمي.. والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر...

ولما أخبره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأمر الهجرة

قال (أبو بكر) بلهفة .. الصحبة يارسول الله ..

قال (صلى الله عليه وسلم).. "الصحبة"

فماذا كان رد فعل (أبي بكر) لما علم أنه سيصاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟

تقول (عائشة) .. فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح..
حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ...!

سبحان الله ..
يبكي من الفرح للصحبة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
مع أن هذه الصحبة الخطيرة سيكون فيها ضياع النفس..
فمكة كلها تطارده (صلى الله عليه وسلم)..
وقد يكون فيها ضياع المال..
وضياع الأهل ..
وترك البلد ..
لكن ما دامت في صحبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
فهذا أمر يبكي من الفرح لأجله...

وعند الوصول إلى غار ثور ...

قال (أبو بكر) .. والله لا تدخله حتى أدخله قبلك.. فإن كان فيه شر أصابني دونك..

فدخل (أبو بكر) فكسحه..
ووجد في جانبه ثقبا.. فشق إزاره وسدها به..
وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه..

ثم قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).. ادخل...

فدخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..ووضع رأسه في حجر (أب بكر) ونام...

فلُدغ (أبو بكر) في رجله من الجُحر... ولم يتحرك مخافة أن ينتبه (صلى الله عليه وسلم)..

فسقطت دمعة على وجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "ما لك يا أبا بكر؟"

قال .. لدغتُ فداك أبي وأمي ..

فتفل (صلى الله عليه وسلم) عليها .. فذهب ما يجده..

وفي لقطة أخرى من لقطات الهجرة..
يقول (أبو بكر) كما في البخاري ..

ارتحلنا من مكة فأحيينا...
أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا..
وقام قائم الظهيرة..
فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه ؟
فإذا صخرة أتيتها..
فنظرت بقية ظل... فسويته بيدي..
ثم فرشت للنبي (صلى الله عليه وسلم) فيه..
ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله..
فاضطجع النبي (صلى الله عليه وسلم)..
ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا؟
فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة.. يريد منها الذي أردنا ..
فسألته: لمن أنت يا غلام؟
قال: لرجل من قريش سماه فعرفته..
فقلت هل في غنمك من لبن ؟
قال: نعم..
قلت: فهل أنت حالب لبنا؟
قال: نعم...
فأمرته فاعتقل شاه من غنمه..
ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار..
ثم أمرته أن ينفض كفيه..
فقال هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى فحلب له كثبة من لبن..
ومعي دواة حملتها للنبي (صلى الله عليه وسلم) يرتوي منها يشرب ويتوضأ...
فأتيت النبي (صلى الله عليه وسلم)..
فكرهت أن أوقظه..
فوافقته حين استيقظ ..
فصببت الماء على اللبن حتى برد أسفله ..
فقلت: اشرب يا رسول الله..
فشرب حتى رضيت... !
ثم قال (صلى الله عليه وسلم)... "ألم يأن الرحيل؟"
قلت: بلى..
فارتحلنا.. والقوم يطلبوننا..
فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشة على فرس..
فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله..
فقال.. "لاتحزن.. إن الله معنا"

ولقطة أخرى من لقطات الهجرة ..
كما أخرج الحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب .. قال ..

خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الغار.. ومعه أبو بكر..
فجعل يمشي ساعة بين يديه.. وساعة خلفه..
حتى فطن له رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فسأله..
فقال له: أذكر الطلب فأمشي خلفك.. ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك...
فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "يا أبا بكر .. لو شيء أحببتَ أن يكون بك دوني؟"
قال: نعم.. والذي بعثك بالحق...
هل كان هذا الحب من طرف واحد؟

كلا والله..

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. كما عند مسلم ..

"الأرواح جنودٌ مجندة.. فما تعارف منها ائتلف .. وماتناكر منها اختلف"

فلأن (أبو بكر) قد أحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فلابد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد رفع مكانته في قلبه ...فوق مكانة غيره..

روى الشيخان عن عمرو بن العاص ..

أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعثه على جيش ذات السلاسل..
يقول: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟
قال(صلى الله عليه وسلم) .. "عائشة"
قلت: من الرجال؟
قال (صلى الله عليه وسلم) .. "أبوها"
قلت: ثم من؟
قال (صلى الله عليه وسلم) .. "عمر"..
فعد رجالا..

وهنا سؤال ..

هل كان يُرغم (أبو بكر) نفسه على هذا الحب؟

وهل كان يشعر بألم في صدره عندما يقدم حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
على حب ماله أو ولده أو عشيرته أو تجارته أو بلده؟

أبدا والله..

لقد انتقل (أبو بكر) من مرحلة مجاهدة النفس لفعل الخيرات ..
إلى مرحلة التمتع.. والتلذذ بفعل الخيرات..

انتقل إلى مرحلة حلاوة الإيمان ...يذوقها في قلبه وعقله وكل كيانه..

يقول (صلى الله عليه وسلم) في حديث رواه الشيخان عن أنس..

"ثلاث من كنّ فيه .. وجد حلاوة الإيمان..
أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ..
وأن يحب المرء لايحبه إلا لله..
وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار"

وهذا الحب الفريد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
قاد إلى أمرين عظيمين ..
يفسران كثيرا من أعمال (أبو بكر) الخالدة في التاريخ..

(1) اليقين بالكامل بصدق ما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
(2) الاقتداء الكامل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى وإن لم يدرك الحكمة..

وسنتحدث عن كل منهما .. بشيء من التفصيل ..إن شاء الله ..


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:47


اليقين الكامل بصدق ما قال النبي
أول أمر ظهر في (أبو بكر) .. هو اليقين الكامل بصدق ما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
دون جدال أو نقاش أو تنطع..
ما نهى عنه ينتهي..
وما أمر به يأتي منه ما استطاع..
ونجد مصداق ذلك في أحداث كثيرة منها..

عُرِض الإسلام على (أبي بكر)..
وأن يدخل في دين جديد ما سمع به من قبل..
وأن يترك دين الآباء والأجداد..
وأن يخالف الناس أجمعين..
ويتبع رجلا واحدا.. أمر عجيب لا بد أن نلتفت إليه...!

يقول (صلى الله عليه وسلم)..

"ما دعوتُ أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر..
إلا أبا بكر.. ما عتم (ما كف) عنه حين ذكرته .. وما تردد فيه .. "

سبحان الله .. عنده يقين كامل أن هذا الرجل (صلى الله عليه وسلم) لا يكذب..

وفي حادثة الإٍسراء ..
أخرج الحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله عنها قالت:

جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟
يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس..
قال: أوقال ذلك؟
قالوا: نعم..
فقال: لقد صدق..!

دون أن يذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليستوثق منه..
ثم يعطي التبرير لمن يستمع له..

ثم قال .. إني لأصدقه بأبعد من ذلك بخبر السماء غدوة وروحة...

وتقول بعض الروايات .. إنه لأجل هذه الحادثة سمي (أبا بكر) بلقب الصديق..

والثابت أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الذي سماه..

فقد روى البخاري عن أنس..

أن النبي (صلى الله عليه وسلم) صعد أحد.. وأبو بكر وعمر وعثمان..
فرجف بهم..
فقال (صلى الله عليه وسلم).. "اثبت أحُد.. فإنما عليك نبي وصدّيق وشهيدان.. "

بل في رواية الحاكم في المستدرك عن النزال بن سبرة رحمه الله ..
أن الذي سماه بذلك هو الله ..

قال النزال بن سبرة: قلنا لعلي: يا أمير المؤمنين.. أخبرنا عن أبي بكر..
قال: ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل.. وعلى لسان محمد (صلى الله عليه وسلم)..
وكان خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. رضيه لديننا.. فرضيناه لدنيانا..
ويقول الله (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ)
الذي جاء بالصدق محمد (صلى الله عليه وسلم)..
والذي صدق به هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه..

كما أننا نجد أن حياة (الصديق)... ما هي إلا تصديق مستمر ومتصل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

فالموقف مثلا في صلح الحديبية .. كان شديد الصعوبة..
فالرسول (صلى الله عليه وسلم) كان قد رأى في منامه أنه يدخل المسجد الحرام.. ويعتمر الناس..
ثم لم يحدث هذا في ذلك العام..
ثم عقدت معاهدة بنودها في الظاهر مجحفة وظالمة للمسلمين..
ثم طبقت المعاهدة على أبي جندل بن سهيل بن عمرو مباشرة بعد إتمام المعاهدة..
فرده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى المشركين لما جاءه مسلما في مشهد مأساوي مؤثر...

كل هذه الأمور وغيرها ..أثرت كثيرا في نفسية الصحابة ..
وكان من أشدهم غما وهما ... (عمر بن الخطاب)..
فذهب (عمر) على عظم قدره وفقهه.. إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

فقال .. يا رسول الله... ألست نبي الله حقًا؟

وهو لا يشك في ذلك قطعا...لكنه يبدي استغرابه مما حدث..

قال (صلى الله عليه وسلم) .. "بلى"

قال (عمر) .. ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟

قال (صلى الله عليه وسلم) .. "بلى"

قال (عمر) .. أليس قتلانا في الجنة.. وقتلاهم في النار؟

قال (صلى الله عليه وسلم) .. "بلى"

قال (عمر) .. علام نعطي الدنية في ديننا إذن؟

وعمر هنا ليس قليل الإيمان..
بل بالعكس يريد ما هو أشق على النفس..
ولا يسأل التخفيف أو التغاضي..
والرسول (صلى الله عليه وسلم) كان من عادته أن يوضح.. ويبين للناس..
لكن هنا الرسول يربي على الاستسلام دون معرفة الأسباب..
ودون معرفة الحكمة..
ما دام الله قد أمر...

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "إني رسول الله .. وهو ناصري .. ولستُ أعصيه"

قال (عمر) .. أولست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت ونطوف به؟

قال (صلى الله عليه وسلم) .. "بلى.. فأخبرتك أنك تأتيه العام ؟!"

قال (عمر) .. لا ..

قال (صلى الله عليه وسلم) .. "فإنك آتيه ومطوّف به"

والرسول (صلى الله عليه وسلم) صابر جدا في حديث (عمر)..
لأنه يعلم ما به من الغم ويعذره..
وهذه درجة عالية جدًّا من درجات الإيمان وهي غليان القلب حمية للدين.

لكن تعال من الجانب الآخر وانظر إلى (أبي بكر)..

يقول (عمر) ..

فأتيت أبا بكر
فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟
قال: بلى..
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: بلى..
قلت: أليس قتلانا في الجنة.. وقتلاهم في النار؟
قال: بلى..
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟
قال: أيها الرجل.. إنه لرسول الله.. وليس يعصي ربه.. وهو ناصره..
فاستمسك بغرزه حتى تموت... فوالله إنه لعلى حق...!

فانظر هنا كيف يغضب الرجل الرقيق..
لأنه شعر أنه في هذه التلميحات إشارة ولو من بعيد ..
إلى شك في وعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

فسأله (عمر) .. أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال (أبو بكر) .. بلى.. فأخبرك إنك تأتيه العام؟
قال (عمر) .. لا ..
قال (أبو بكر) .. فإنك آتيه ومطوّف به .. !

ولعلنا نلاحظ التشابه الشديد بين ردود الصديق ...
وردود رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...
سبحان الله ..
يقين تام ..
ليس فيه ذرة شك من كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

يقول (عمر) .. ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ ..
مخافة كلامي الذي تكلمت به..
لقد كان هذا اليقين أيضا يفسر لنا موقفا عجيبا من مواقف (الصديق)...
وهو موقف إعلان الحرب على الفرس..
فور الانتهاء من حرب الردة..
فهذا من أعجب مواقف التاريخ على الإطلاق.. ولنحسبها بحساباتنا المادية البشرية..

فالدولة دولة ناشئة لا تشتمل إلا على جزيرة العرب فقط...

والدولة ليس لها تاريخ في الحروب النظامية..
فهي مجموعة من القبائل جمعها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منذ أعوام قلائل...

والدولة خارجة من حرب أهلية طاحنة.. هي حروب الردة الضارية
والتي ارتدت فيها كل جزيرة العرب باستثناء ثلاث مدن وقرية...

والفرس دولة تقتسم العالم مع دولة الروم..
أي أنها إحدى الدول العظمى في العالم...
وتاريخ الفرس قديم في الحروب النظامية... وجيوش الفرس تجاوز الملايين...
والجيش الإسلامي المعد لحرب الفرس لم يكن يتجاوز الـ 10 آلاف ..
ثم وصلوا إلى 18 ألفا عند اكتمال العدة..
وهو عدد لا يمثل قوة مدينة واحدة من مدن الفرس...
كل هذا وغيره..
ومع ذلك يأخذ هذا القرار العجيب بالتوجه لفتح هذه البلاد.

وحتى تفهم هذا القرار ...
ارجع وادرس الموقف في ضوء اليقين الذي تحلى به (الصديق)..

أولا

رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد بشر بغلبة هذا الدين بصفة عامة على كل الأمم..
والأحاديث أكثر من أن تذكر في هذا المجال..
وعلى سبيل المثال ما جاء في صحيح مسلم عن ثوبان ..

"إن الله زوى لي الأرض.. فرأيتُ مشارقا ومغاربها.. وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها"

ثانيا

لقد سمع (أبو بكر) بشارة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر تخصيصا..
فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لمشركي قريش..
وكان فيهم أبو جهل..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "أرأيتم إن اعطيتكم كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب .. ولا نت لكم بها العجم.."

فقال (أبو جهل).. ما هي؟ وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها..

قال (صلى الله عليه وسلم).. "تقولون لا إله إلا الله .. وتخلعون ما تعبدون من دونه"

فصفقوا بأيديهم وقالوا... أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها وحدا؟ إن أمرك لعجب...

و(أبو بكر) قد قال كلمة لا إله إلا الله وصدق بها وعمل بها ..
وجيش (أبي بكر) كذلك... فلماذا لا يُنصر؟
بل العجب كل العجب ألا يُنصر..

ثالثًا

سمع (أبو بكر) بشارة أكثر تخصيصا أيضا من تلك التي سبقت..
فقد كان مع المسلمين في حفر الخندق في الأحزاب ..
يوم اعترضت المسلمين صخرة كبيرة..

فقام إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وضربها..

وكان مما قال .. "الله أكبر.. أعطيتُ فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الآن"

رابعا

رأى (أبو بكر) بعينه وسمع بأذنه هو دون بقية الصحابة ..
ما حدث في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة ...من أمر سراقة بن مالك..
ورأى أقدام فرسه تسوخ في الرمال..

ثم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول لسراقة.. "كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى؟"..

خامسا

حضر (أبو بكر) مباحثات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع بني شيبان أيام مكة..
ولما رفض بنو شيبان الدعوة الإسلامية..
لأنهم اشترطوا شرطًا أن لا ينصروه إذا حارب الفرس..
فإنهم ليست لهم طاقة بحرب الفرس..

قال لهم (صلى الله عليه وسلم) .. "أرأيتم إن لن تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ..
ويفرشكم نساءهم .. أتسبحون لله وتقدسونه؟!"

فقالوا .. اللهم لك هذا ..

سادسا

كان هناك أكثر من ذلك ..
فقد حدث من (أبي بكر) ما يذهب العجب عندك حينما تعلمه..
فإنه في أوائل الفترة المكية قد نزل القرآن الكريم بمقدمات سورة الروم وفيها..

(الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ)

وكان هذا إخبار بما حدث من هزيمة الروم وبما سيحدث من انتصارهم لاحقا على الفرس..
فذهب (أبو بكر) يذكر ذلك للمشركين يغيظهم به..
وقد كان المسلمون يفرحون لنصر الروم... لأنهم أهل كتاب..
بينما يفرح المشركون لنصر الفرس... لأنهم وثنيون مثلهم..

فقال (أبو بكر)... ليظهرن الروم على فارس.. أخبرنا بذلك نبينا..

فصاح به (أُبَي بن خلف الجمحي).. كذبت يا أبا فصيل..

فقال الصديق... أنت أكذب يا عدو الله..

قالوا.. هل لك أن نقامرك..

فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين فمضت السبع.. ولم يكن شيء..
ففرح المشركون بذلك..
فشق على المسلمين..
فذُكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم)..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "ما بضع سنين عندكم؟"

قالوا.. دون العشر ..

قال (صلى الله عليه وسلم) له.. "اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل"

يقول (أبو بكر) .. فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس...

إذن هل يوقن (الصديق) بنصر النصارى على الفرس ..
ولا يوقن بوعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بنصر المسلمين على الفرس وغيرهم؟

هذا والله أبدا لا يكون...

كانت هذه بعض المواقف التي دلت على يقين الصديق فيما قاله رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
يقينا تاما.. لا يعتريه شك




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:48


الاقتداء الكامل برسول الله


كان الأمر الثاني الذي قاده إليه حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
فهو الاقتداء الكامل به (صلى الله عليه وسلم) ...حتى وإن لم يدرك الحكمة..

وهو يتمثل بقوله

(وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)

وقوله ..

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

و(أبو بكر) يحب الله سبحانه حبا لا يُقَدر..
ويعلم أن الطريق الطبيعي لحب الله هو اتباع الرسول (صلى الله عليه وسلم) الاتباع المطلق...
فإن علم الحكمة ..فبها ونعمت..
وإن لم يعلمها... فالعمل هو العمل بنفس الحماسة ونفس الطاقة...!

وكثير من الناس يعرضون أقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم) على عقولهم القاصرة..
فإن وافقت موافقة من عقولهم فعلوها..
وإن لم توافق عقولهم أو أهوائهم تركوها ونبذوها..
بل قد يسخرون منها..

أما (أبو بكر) فلم يكن من هذا النوع..
بل كان يقتدي به (صلى الله عليه وسلم) في كل صغيرة وكبيرة..
حتى لتشعر أنه لا يفرق بين فرض ونافلة..
التصاق شديد بسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وبطريقته ومنهجه..

فإذا كنت تريد أن تصل إلى ما وصل إليه (أبو بكر) وأمثاله ..
فاعلم أن قدر السنة عندهم ...كان عظيما جدًا..

لكن .. ما معنى السُنّة ؟!

ليس المقصود بالسنة ...النوافل التي كان يؤديها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
بل هي الطريقة ..
المنهاج..
و السبيل الذي كان يسلكه في حياته كلها...

السنة هي طريقته (صلى الله عليه وسلم) في السلم والحرب..
في الأمن والخوف..
في الصحة والمرض..
في السفر والإقامة..
في السياسة والاقتصاد..
في الاجتماع..
وفي المعاملات..
في كل وجه من أوجه الحياة...

ولقد ابتليت الأمة الآن بمن يقللون من شأن السنة ..
ويكتفون كما زعموا بأوامر القرآن..
ويتركون توجيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وكأنه توجيه رجل من الصالحين أو شيخ من الشيوخ..
ونسوا أن له (صلى الله عليه وسلم) مقاما لا يصل إليه أحد من البشر..
فهو يتلقى عن رب العزة..
ويصف لك ما فيه خير الدنيا.. وخير الآخرة...

وقد تنبأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الكارثة ..
وهي التقليل من شأن السنة..

فقد روى أبو داود والترمذي أنه (صلى الله عليه وسلم) قال..

"يوشك رجل منكم متكئا على أريكته.. يُحدث بحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ..
فما وجدنا فيه من حلال استحللناه.. وما وجدنا فيه من حرام حرمناه.."

أي أنه سيكتفي بكتاب الله...
وينكر السنة..
وكلهم جاهل بكتاب الله..
ولو قرأه لعلم ما فيه من آيات تخص اتباع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)

ألا وإن ما حرم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مثل الذي حرم الله...

ومشكلة خطيرة يقع فيها كثير من الناس إما بجهل..
وإما بقصد.. وتلك هي الطامة الكبرى.

فعندما ننظر إلى حياة الصديق ...تجد اقتداء برسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاق كل اقتداء..
تشعر به في أقواله..
وفي أفعاله..
وفي حركاته وسكناته.. وبهذا بلغ المنازل..

لو رأينا اقتداء (أبو بكر) برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
في إنفاذ بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما..

والحقيقة أننا نسمع عن إنفاذ جيش أسامة...
فلا نعطيه قدره..
ونتخيل أنه مجرد جيش خرج...
ولم يلق قتالا يُذكر ...فأي عظمة في إخراجه؟!


بيد أن دراسة ملابسات إخراجه... وتأملها ..
تدل على عظمة شخصية الصديق..
وكيف أنه بهذا العمل وهو أول أعمال خلافته..
قد وضع سياسة حكمه التي تعتمد في المقام الأول على اتباع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دون تردد..

ولا شك..
فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أعد هذا البعث ..
لإرساله لحرب الروم في شمال الجزيرة العربية..

وقد أمّر عليه (أسامة بن زيد) .. ولم يبلغ الـ 18 من العمر ..
ثم توفي (صلى الله عليه وسلم)..
وارتدت جزيرة العرب كلها إلا 3 مدن ...
هي مكة والمدينة والطائف وقرية صغيرة..
وهي جواثا في منطقة هجر بالبحرين.

الجزيرة العربية كلها تموج بالردة ...
ومع هذا أصر (أبو بكر) أن ينفذ بعث (أسامة بن زيد) إلى الروم ...!

مع اعتراض كل الصحابة على ذلك الأمر..
لأنه ليست لهم طاقة بحرب المرتدين ..
فكيف يرسل جيشا كاملا إلى الروم ويترك المرتدين...؟!

والحق أنه قرار عجيب...
فالبلاد في حرب أهلية طاحنة..
وبها أكثر من 10 ثورات ضخمة..
ثم يرسل زعيم البلاد جيشا لحرب دولة مجاورة..
كان قد أعده الزعيم السابق...!

لكن (أبو بكر) كانت الأمور في ذهنه في منتهى الوضوح ...
ما دام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أمر فلا مجال للمخالفة...
حتى وإن لم تفهم مقصوده (صلى الله عليه وسلم) ..
حتى وإن لم تطلع على الحكمة والغاية..
وهذه درجة عالية من الإيمان..

كما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد علم بردة مسيلمة في اليمامة..
والأسود العنسي في اليمن..
ومع ذلك قرر تجهيز الجيش.. وإرساله إلى الشام..

وما دام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أمر..
فالخير كل الخير فيما أمر..
فأصر (أبو بكر) على إنفاذ البعث إلى الروم..

وجاءه الصحابة يجادلونه ويحاورونه..
وهم على قدرهم الجليل لم يفهموا فهم الصديق ..

فماذا قال لهم؟

قال... والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
ولو أن الطير تخطفنا.. والسباع من حول المدينة..
ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين ... لأجهزن جيش أسامة..!

الله أكبر .. !

ولما رأى الصحابة إصرار (أبي بكر) ..

قال بعضهم لـ (عمر) .. قل له فليؤمر علينا غير أسامة... !

فانتفض (أبو بكر) .. وأخذ بلحية (عمر) .. وقال .. ثكلتك أمك يا ابن الخطاب..
أؤمر غير أمير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟

وقد كانت لحظات الغضب في حياته قليلة جدا..
وكانت في غالبها إذا انتهكت حرمة من حرمات الله ..
أو عطل أمر من أوامر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

وبالفعل ..
أنفذ جيش (أسامة بن زيد)..
وكان الخير في إنفاذه...
إذ أرعبوا قبائل الشمال..
وسكنت الروم..
وظنوا أن المدينة في غاية القوة..
وإلا لما خرج من عندهم هذا الجيش الضخم..
وحفظ الله المدينة بذلك..

ورأى الصحابة بعد ذلك بأعينهم صدق ظن الصديق ..
لكن الصديق كان يرى الحدث قبل وقوعه..
لأنه يرى بعين رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
ولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. (عمرو بن العاص) على عُمان ..
ووعده أخرى بالولاية عليها..

فلما استتب الأمر (لأبي بكر الصديق) بعد حروب الردة ..
ولى عليها (عمرو بن العاص) تنفيذا لوعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

مع أن هذه أمور يجوز للوالي الجديد أن يراها أو يرى غيرها.. حسبما رأى المصلحة..
وهذا أمر ليس شرعيا حتميا..
لكن (أبو بكر) لا يريد أن يخالف ولو قدر أنملة..
وهذا هو الذي وصل به إلى درجته..
وهذا الذي رفع قدره..
وهذا الذي سلم خطواته..
وهذا الذي سدد رأيه...

ثم إنه قد احتاجه لإمارة جيش من جيوش الشام..
و (عمرو بن العاص) طاقة حربية هامة جدا..

لكن (أبو بكر) تحرج من استقدامه في مكان ...
وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
مخافة أن يكره (عمرو) ذلك ...

فأرسل (أبو بكر) له رسالة .. يقول فيها ..

إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولاَّكه مرة..
وسماه لك أخرى.. مبعثك إلى عمان ...إنجازا لمواعيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فقد وليته ثم وليته..
وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه..
إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك...!

ومنها .. هيبة (أبو بكر) في جمع القرآن..
فإنه لما استشهد عدد كبير من حفظة القرآن في موقعة اليمامة..
وخشي الصحابة على ضياع القرآن..

ذهبوا إلى (أبي بكر) يعرضون عليه فكرة جمع القرآن..
فكان متحرجا أشد التحرج من هذا العمل الجليل..

وقال .. كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟

مع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم ينه عن جمعه..
ولكن كان من عادة الصديق أن ينظر إلى فعله (صلى الله عليه وسلم)..
قبل الإقدام على أي عمل..
فما وجده اتبعه..

فلما نظر ولم يجد رسول الله قد جمع القرآن... تهيب الموقف..
واحتار..
لكن لما اجتمع عليه الصحابة.. وأقنعوه وخاصة (عمر)...
استصوب جمعه لما فيه من خير...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:49


أبو بكر الصديق ورقة القلب

بعض النفوس تكون في طبيعتها غليظة جافة...
والبعض الآخر يكون في قلبه رحمة فطرية ...غير مصطنعة غير متكلفة..
وكان (أبو بكر) من هذا النوع الأخير...
ولقد سمع (أبو بكر) وصايا حبيبه محمد (صلى الله عليه وسلم)..
فحفظها..
وعقلها وعمل بها..

ففي الحديث النبوي ..

"لاتحاسدوا .. ولا تناجشوا .. ولا تباغضوا .. ولا تدابروا ..
ولا يبع بعضكم على بيع بعض..
وكونوا عباد الله إخوانا ..
المسلم أخو المسلم .. لايظلمه ولا يخذله ولايحقره ..
التقوى ها هنا .. (ويشير إلى صدره 3 مرات) ..
بحسب أمريء من الشر .. أن يحقر أخاه المسلم ..
كل المسلم على المسلم حرام ..
دمه وماله وعرضه.."

وكانت رقة قلب (أبي بكر).. تنعكس على حياته الشخصية..
وتنعكس على علاقاته مع الناس..

وتستطيع بعد أن تدرك هذه الحقيقة..
حقيقة أنه جُبل على الرحمة والرقة والهدوء ..فتفهم كثيرا من أفعاله الخالدة..

فعن (عائشة) كما روى البخاري ومسلم.. قالت.. لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين..
ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طرفي النهار.. بكرةٍ وعشية..
فلما ابتلي المسلمون (تقصد في فترة إيذاء المشركين للمسلمين في مكة) ..
خرج أبو بكر مجاهدا إلى أرض الحبشة..
حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة..، وهو سيد القارة..
فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي.. فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي...

سبحان الله..

سيترك التجارة والمال..
والوضع الاجتماعي المرموق...
والبيت والأهل والبلد والكعبة..
بل أعظم من ذلك عنده ...سيترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..!

وهناك بعض الناس يحبون أن يعبدوا الله بالطريقة التي يرونها هم صحيحة..
لكن (أبو بكر).. كان يعبد الله بالطريقة التي يريدها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

وكان من الممكن أن يبقى (أبو بكر) في مكة..
ويعبد الله في سرية..
ويتاجر..
ويحقق المال الذي يفيد الدعوة...
لكن رسول الله أراد له الهجرة...
لأنه ليست له حماية في مكة.. لأن قبيلته ضعيفة.. وهي قبيلة بني تيم..
فترك كل شيء وهاجر..
وإلى أرض بعيد مجهولة غير عربية..، إلى الحبشة..

و الله أراد لـ (أبي بكر) غير ذلك...أراد الله له البقاء في مكة فسخَّر له (ابن الدغنة)..

قال (ابن الدغنة).. فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله..
إنك تكسب المعدوم.. وتصل الرحم.. وتحمل الكل.. وتقري الضيف.. وتعين على نوائب الحق...

ونلاحظ أنها نفس الصفات التي ذكرتها السيدة (خديجة)..
في وصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

ثم قال (ابن الدغنة) .. لـ (أبي بكر).. فأنا لك جار ارجع.. واعبد ربك ببلدك..

فرجع وارتحل معه (ابن الدغنة)..
فطاف (ابن الدغنة) عشيًة في أشراف قريش ..

فقال لهم: أتُخرجون رجلا يكسب المعدوم.. ويصل الرحم.. ويحمل الكل..
ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟!

فلم تكذب قريش بجوار (ابن الدغنة).. وقالوا ... مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره.. فليصل فيها..
وليقرأ ما شاء.. ولا يؤذينا بذلك... ولا يستعلن به... فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا...

لأن قلوب النساء، والأبناء قلوب رقيقة...
و (أبو بكر) رجل رقيق...
يخرج كلامه من القلب، فيصل إلى القلوب الرقيقة المفتقرة للمعرفة..
لكنهم لا يخشون على الرجال فقلوبهم كانت قاسية..
عرفت الحق... واتبعت غيره.

فقال ابن الدغنة ذلك لـ (أبي بكر)...
فلبث (أبو بكر) بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ...
ولا يقرأ في غير داره (يعني لا يقرأ في الكعبة ولا في مجالس التقاء الناس ولا في السوق) ..

ثم بدا لـ (أبي بكر)... فابتنى مسجدا بفناء داره ..
وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن...
فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ..وهم يعجبون منه وينظرون إليه...

فلننظر إليه ..
لا يريد أن يكتم أمر الدعوة..
تتحرق نفسه شوقا لإسماع غيره كلام الله..
وتشفق روحه على أولئك الذين سيذهبون إلى النار إذا ماتوا على كفرهم ...
تماما كرسول الله (صلى الله عليه وسلم)...
الذي خاطبه ربه بقوله..

(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)

هكذا كان أبو بكر الصديق .. رضي الله عنه وأرضاه..







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:51


أبو بكر الصديق يبكي عند قراءة القرآن

كان (أبو بكر) رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن...
ولقد أفزع ذلك أشراف قريش من المشركين..

فأرسلوا إلى (ابن الدغنة) فقدم عليهم..

فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره.. فقد جاوز ذلك...
فابتنى مسجدا في فناء داره... فأعلن بالصلاة والقراءة فيه... وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا..فانهه..

وهذا أمر طبيعي جدا..
فإذا وصلت كلمات الله وكلمات الرسول خالصة نقية إلى أسماع الناس...
وجردوا قلوبهم من المصالح...
فمن الطبيعي جدا أن يؤمنوا بها..

(فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)

وطبيعي جدا ...أن يقاتل الكافرون دون ذلك... وهم يعلمون صوابها

(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)

فقالت قريش.. فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل...
وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك..
فإنا قد كرهنا أن نخفرك.. ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان...

هنا وُضع (ابن الدغنة) في موقف حرج ..
فهو لا يريد أن يخسر كل أهل قريش..
كما أنه ليس من أهل مكة الأصليين ...
ويبدو أن الكفر الشديد والعناد الكبير سيجعل مكة تغير من قوانينها وأصولها..
فتكسر قواعد الحماية وتعطل قانون الإجارة..

ولذا قالت (عائشة)... فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر ..
فقال: قد علمتَ الذي عاقدتُ لك عليه.. فإما أن تقتصر على ذلك..
وإما أن ترجع إلي ذمتي.. فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له...

هنا لا يتردد (أبو بكر)..
فالدعوة في مقدمة حياته على كل شيء ..
حتى على حياته وروحه..

فقال (أبو بكر).. فإني أرد إليك جوارك.. وأرضى بجوار الله..!

كانت هذه طبيعة (أبي بكر)..
موقف أبي بكر مع ربيعة الأسلمي

هذه النفس الرقيقة.. والقلب الخاشع...
والروح الطاهرة النقية..
والطبيعة الهينة اللينة ..
تفسر لنا كثيرا من مواقف أبى بكر العجيبة..

أخرج أحمد بسند حسن عن (ربيعة الأسلمي)..

قال (ربيعة) .. جرى بيني وبين أبي بكر كلام... فقال لي كلمة كرهتها وندم...

ولنتأمل أن هذا الكلام يدور في المدينة..
و (أبو بكر) هو المستشار الأول لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
بمعنى أنه نائب الرئيس مباشرة..
و (ربيعة الأسلمي) هو خادم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فقال (أبو بكر) كلمة كرهها (ربيعة)...
ويبدو أن الخطأ كان في جانب (أبي بكر).. الذي أدرك ذلك ..
ويحدث أن يخطئ البشر مع علو قدرهم.. وسمو أخلاقهم..

لكن (أبو بكر) ثاب إلى رشده بسرعة عجيبة...
وشعر بالندم كما قال (ربيعة) وهو يصف الموقف..

لكن هل وقف الندم عند حد الشعور به والتألم الداخلي فقط؟

أبدا..

فرقة نفس (أبي بكر) خرجت بهذا الندم إلى خير العمل وأسرع..

وهو نائب الرئيس يقول لربيعة الخادم.. يا ربيعة رد علي مثلها حتى يكون قصاصا..

فقال (ربيعة) .. لا أفعل...

قال (أبو بكر).. لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

فقال (ربيعة) .. ما أنا بفاعل...

يقول (ربيعة) وهو يصف الموقف .. انطلق (أبو بكر) إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)..
وانطلقت أتلوه..
وجاء أناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبا بكر..
في أي شيء يستعدي عليك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..وهو الذي قال لك ما قال..
فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق..
هذا ثاني اثنين..وهذا ذو شيبة في الإسلام..
إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه..
فيغضب.. فيأتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيغضب لغضبه..
فيغضب الله لغضبهما.. فيهلك ربيعة..!

والله إنه لمجتمع عجيب...!

وأعجب منه الإسلام الذي غير في نفسيات القوم في سنوات معدودات ..حتى أصبحوا كالملائكة..

فقال الناس لـ (ربيعة) .. ما تأمرنا ؟!

قال.. ارجعوا...

ويكمل (ربيعة) لنا الوصف .. وانطلق أبو بكر الصديق وتبعته وحدي ..
حتى أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فحدثه الحديث كما كان..
فرفع إلي رأسه فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "ياربيعة .. مالك والصديق ؟"
فقلت: يا رسول الله كذا وكذا... فقال لي كلمة كرهتها.. فقال لي: قل كما قلت حتى يكون قصاصا.. فأبيت..
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. "أجل .. لا ترد عليه .. ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر"..
فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر...
قال الحسن: فولى أبو بكر وهو يبكي...!

وكان من رقته وحنانه .. أنه يشفق على المستضعفين في مكة..

يقول (عبد الله بن الزبير) ... كان أبو بكر الصديق يعتق على الإسلام في مكة..
بمعنى أنه إذا أسلم الرجل... أو المرأة اشتراه من صاحبه وأعتقه...
فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن..
فقال أبوه: أي بني أراك تعتق أناسا ضعافا...
فلو أنك تعتق رجالا جلدا يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟

وقد كان أبو بكر الصديق في حاجة إلى ذلك... لأن قبيلته قبيلة تيم كانت ضعيفة وصغيرة..

فرد عليه (أبو بكر) .. أي أبت ...أنا أريد ما عند الله..

فنزل فيه قول الله تعالى

(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)

ونزل في (أبي بكر) كذلك قول الله تعالى..

(وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى)

وتأمل معي ..حينما يَعِدُ الله سبحانه وتعالى بنفسه عبده بأنه سيرضى..

فأي ثمن دُفع وأيُّ سلعة تُشْترى؟ ..

وما أزهد الثمن المدفوع.. ولو كان الدنيا بأسرها...

وما أعظم السلعة المشتراة لأنها الجنة...

ولما وقع حادث الإفك وتكلم الناس في حق أم المؤمنين (عائشة)..
كان ممن تكلم في حقها (مسطح بن أثاثة)..
وهو من المهاجرين..
وهو ابن خالة الصديق..
فحلف الصديق أن لا ينفع (مسطح) بنافعة أبدا...

وهذا رد فعل تجاه من طعن في عرض ابنته..
فمسطح لم يتكلم في خطأ عابر لأم المؤمنين (عائشة)..
بل يطعن في عرضها وشرفها ..
وهذه جريمة شنعاء وذنب عظيم..

فلما نزلت البراءة وأقيم الحد على المتكلمين ..

نزل قول الله تعالى..

(وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

لا يأتل: أي لا يحلف...
أولوا الفضل: وهو وصف خاص بالصديق رضي الله عنه..
وللعلماء تعليقات كثيرة على هذه الشهادة من رب العالمين على (أبي بكر)..
أنه من أولي الفضل على إطلاقها... فهي تعني كل أنواع الفضل....

فماذا كان رد فعل (أبي بكر) على هذه الآية ؟!

قال بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا...

ثم أرجع إلى (مسطح) ما كان يصله من نفقة .. ثم قال .. والله لا أنزعها منه أبدا..

كل هذا وهو ليس بذنب..
بل قطع فضلا ولم يقطع حقا لقريبه ..

أما نحن فللأسف الشديد..
كم مرة نسمع المغفرة.. ونحن على ذنب كبير حقيقي..

ونسمع قوله تعالى ..

(أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

فنقول: إن شاء الله..
ونُسَوف في التوبة..
وكم مرة سمعناها.. ونحن على ذنوبنا؟

هذا هو الفرق بين الصديق... السبّاق إلى التوبة من ترك فضل ..وبين المُسَوّفين في التوبة..
فيجب علينا أن نتوب في هذه اللحظة..
لكي نكون قد تعلمنا حق ...من (أبي بكر) سبقه في الخيرات ..

وروى مسلم عن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني ..

إن أبا سفيان أتى عَلى سلمان وصهيب وبلال في نفر..
فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها..
فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟..
فأتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره..
فقال (صلى الله عليه وسلم).. "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم.. لئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبت ربك.."!
فأتاهم فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟
قالوا: لا... غفر الله لك يا أخانا..
لما استشاره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أمر الأسرى في موقعة بدر..
ماذا كان يرى في أولئك الذين عذبوهم وأخذوا أموالهم..
وطردوهم من ديارهم..
وحرصوا على حربهم..
وكادوا يقتلونهم في بدر لولا أن الله مَنَّ على المؤمنين بالنصر؟

فلو نظرنا إلى (أبي بكر) لوجدناه وكأنه يتحدث عن أصحابه ..لا يتحدث عن الأسرى..

لقد قال: يا رسول الله... هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان.. وإني أرى أن تأخذ فيهم الفدية..
فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار.. وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا...

أما (عمر) فقد كان جوابه مختلفا..

سأله (صلى الله عليه وسلم) .. "ما ترى يابن الخطاب؟"

قال (عمر) .. وهو مُلهم .. ومحدث .. ومسدد الراي .. والله ما أرى ما رأى أبو بكر الصديق..
ولكن أرى أن تمكنني من فلان (أحد أقرباء عمر) فأضرب عنقه..
وتمكن عليا من عقيل بن أبي طالب.. فيضرب عنقه..
وتمكن حمزة من فلان أخيه.. فيضرب عنقه..
حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين.. وهؤلاء أئمتهم وقادتهم..

لكن .. وافق رأي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. رأي (أبو بكر)..
حتى وإن كان الصواب هو في قول (عمر) .. !.

ثم نزلت ..

(مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)

والكتاب الذي سبق ...هو قوله تعالى..

(فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)

ويلخص هذا كله رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...
بتعليق جامع بعد قضية أسرى بدر..
واختلاف العملاقين الكبيرين في الرأي ..

فيقول (صلى الله عليه وسلم).. :

"إن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)..
ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)..
وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا)..
ومثلك مثل موسى قال (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ)..

ولا أحد يُخَطِّئ إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعيسى عليه السلام في رحمتهما مع المذنبين..
ولا أحد يخطئ نوح وموسى عليهما السلام في شدتهما في الحق....

إذن هذه المواقف وكثير غيرها ...
توضح مدى الطبيعة الرقيقة الحانية التي جُبِل عليها أبو بكر الصديق .
هذه الرقة الشديدة والنفس الخاشعة...والطباع اللينة ...
أورثت في قلب الصديق تواضعا عظيما فاق كل تواضع....
تعالوا نرقبه بإمعان وهو يودع جيش (أسامة بن زيد)...

موقف عجيب..

فـ (أسامة) دون الـ 18 من عمره..
وهو جندي من جنود (أبي بكر).. والأخير هو زعيم الدولة ..
و خليفة المسلمين الذي يتجاوز في العمر الـ 60 سنة...
ومع ذلك يودع بنفسه جيش (أسامة)...
وهو ماش على قدميه.. و(أسامة بن زيد) يركب جواده..!

فقال (أسامة).. يا خليفة رسول الله... إما أن تركب وإما أن أنزل.

فقال (أبو بكر) .. والله لستَ بنازل.. ولستُ براكب.. وما عليَّ أن أُغَبّر قدمي في سبيل الله ساعة...

تربية راقية تربية على منهج النبوة...
يربي نفسه على التواضع..
ويربي (أسامة بن زيد) على الثقة بالنفس...
ويربي الجنود على الطاعة لهذا الأمير الصغير..
ثم هو يربي كل المؤمنين على حسن التوجه وعلى إخلاص النية ووضوح رؤية..

اللطيفة الأخرى .. أن (أبا بكر) يريد (عمر) أن يبقى معه في المدينة ..
و (عمر) في جيش أسامة...
ومع أن (أبا بكر) هو القائد الأعلى لكل الخلافة ...
إلا إنه يستأذن في ذلك (أسامة بن زيد) ... فيقول .. إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل....!



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:52


أبو بكر الصديق ونعمة السبق

السبق سمة واضحة جدا في حياة الصديق...
والشيطان كثيرا ما يمنع الإنسان من عمل الخير عن طريق التسويف...
وبالذات مع أهل الإيمان والتقوى..

يقول له افعل الخير لكن بعد يوم أو يومين أو شهر أو شهرين..
ولا يقول له لا تفعل الخير...

فالشيطان أذكى من ذلك..
وعندما يؤجل الإنسان العمل... ولو للحظات قليلة ...
يكون معرضا بشدة لترك العمل..
إما أن ينساه ..
وإما أن تَجِدّ له ظروف تمنع من العمل من شغل أو مرض...
أو تتغير الحماسة في القلب..
بل إن الإنسان قد يموت.

(أبو بكر الصديق) .... الرجل العاقل الحكيم ...
كان يفهم لعبة الشيطان فهما جيدا..
كان يفهم لعبة التسويف...
فما سمح للشيطان أبدا أن يلعبها معه..

كان (أبو بكر) أستاذا في السبق ونبراسا في الحسم..
تشعر أنه يتحرك في حياته ...وقد وضع الآية الكريمة نصب عينيه..

(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ)

فتجده في سباق دائم مع الزمن...
وكأن اللحظة القادمة هي لحظة الموت..
أو هي لحظة الفتنة...
فلا بد أن يكون ثابتا..

ومن المؤكد أنه سمع حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما عند مسلم ..

"بادروا بالأعمال الصالحة.. فستكون فتنا كقطع الليل المظلم..
يصبح الرجل مؤمنًا ويمسى كافرًا ويمسى مؤمنًا ويصبح كافرًا.. يبيع دينه بعرض من الدنيا"

فمن يرى حياة الصديق ...يعلم أنه كان دائما يبادر بالأعمال الصالحة...
اتقاء الفتن التي تظهر فجأة على غير موعد سابق...
أول ما يلفت الأنظار إلى أبي بكر الصديق سبقه إلى الإسلام...
فمن المعروف أنه أول الرجال إسلاما...
ما تردد..
وما نظر..
وما قال آخذ يوما أو يومين للتفكير...
بل أسرع إليه إسراعا..
وهو أمر لافت للنظر جدا..

فهو لن يغير شكله..
أو بيئته...
أو بلده..
بل سيغير إيمانه..
وعقيدته التي عاش عليها طيلة 38 سنة..

وأحيانا بعض الرجال يعتقدون أنه من الحكمة التروي جدا في الأمر..
وعدم التسرع..
وأخذ وقت طويل في التفكير قبل الإقدام على خطوة من خطوات الحياة..
وبالذات لو كانت خطوة مصيرية..

وهذا قد يكون صوابا في بعض الأحيان..
لكن في أحيان أخرى عندما يكون الحق واضحا جليا مضيئا ..
كالشمس في كبد السماء ساعة الظهر..
يصبح التروي حماقة..
وتصبح الأناة كسلًا..
وتصبح كثرة التفكير مذمة..

هذا مثلا ما حدث مع قوم نوح (عليه السلام) ..
فقومه كانوا يعيبون على الذين آمنوا مع النبي .. بأنهم تسرعوا في الأمر ولم يتفكروا..

فقالوا

(فَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا
وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)

فبادي الرأي معناها أولئك يبدون آرائهم لأول وهلة دون تفكير وتمحيص..
وسبحان الله ...
إنه لمن البلاهة أن ترى الشمس ساطعة..
فتسأل عنها فتقول دعوني أفكر أولًا وأتروى: هل هي ساطعة أم لا؟

أو ترى نبعا صافيا سلسبيلا في الصحراء...
وأنت على مشارف الهلكة من العطش ...
فتأخذ يوما أو يومين تفكر هل أشرب أم لا؟!

ولقد كان الصديق يرى الحق بهذه الصورة..
فلماذا التردد والانتظار؟!

عُرض عليه الإسلام غضا طريا واضحا..
فأنار الله قلبه بنور الهداية... وأدرك الحق من أول وهلة ...فلماذا الانتظار؟

روى البخاري عن أبي الدرداء ...

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

"هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي؟"

ثم أكمل (صلى الله عليه وسلم) مسوغات أن يتركوا له صاحبه..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "إني قلتُ: أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا..
فقلتم : كذبتَ .. وقال أبو بكر: صدقت.."

إذن هي فضيلة ولا شك ...أن أسرع إلى الإسلام هذا الإسراع..

وسبحان الله ...مرت الأيام..
وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم)... أولئك الذين كذبوه من قبل..
لكن كان (أبو بكر) هو الفائز بأجر السبق..

فمن الناس من صدق بعد أيام من سماع الدعوة..
ومنهم من آمن بعد سنوات..
ومنهم من انتظر حتى تم الفتح ثم آمن..
نعم الجميع آمن..
والجميع صدق..

لكن الصديق فاز بها..

(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)

والأيام التي تمر لا تعود أبدا إلى يوم القيامة..
ولا شك أن أولئك الذين تأخر إسلامهم أياما وشهورا وسنوات..
كانت الحسرة تأكل قلوبهم على أيام ضاعت في ظلمات الكفر..
لكن الحسرة ما أعادت الأيام..

ولا شك أن الذي سارع إلى الخيرات ..
استمتع بهذه الأيام التي قضاها في الإيمان..
وفي النهاية الأيام مرت على هذا وذاك..

وأنا لا أذكر هذا الكلام للتاريخ..
فنحن في واقع حياتنا كثيرا ما نتردد في أعمال الخير ..
فنؤجلها يوما... وشهرا أو شهرين..
ثم نفعل الخير... أو لا نفعله..

(لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)

فالأعمال لها أجران...
أجر العمل نفسه...
وأجر المبادرة إليه..
والسبق في تنفيذه..
وقد يكون أجر السبق أعظم من أجر العمل نفسه...
لأنها تكون بمثابة السُّنة الحسنة التي تسنها لغيرك فيقلدونك...
فيكون لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ...
لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا...
كما في الحديث عند مسلم ..

"مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا
وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا...
وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا..
وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا"


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:54


قضية إسلام (أبي بكر) بهذه السرعة قضية ..
تحتاج إلى وقفة... بل وقفات..

فهذا قرار غير عادي..
قرار مهول..
بل أكثر من مهول..
قرار يتبعه ترك الدين إلى دين غيره..
قرار يتبعه هلكة الأموال والأولاد والأشراف..
قرار يتبعه قتال الأبيض والأسود والأحمر من الناس..
قرار يتبعه تكفير الآباء والأجداد..
قرار يتبعه تعب ونصب ووصب... بل جهاد حتى الموت..

هذا قرار يغير المألوف الذي ألفه الناس سنوات وسنوات..
وتغيير المألوف يحتاج إلى رجال من طراز خاص...
وقد كان الصديق ذلك الرجل...
لكن ..

لماذا اختار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الصديق من بين كل الناس..
لكي يسر له بأمر الدعوة دون غيره؟

كان من المنطقي أن يدعو الرسول أحد أقاربه قبل الصديق...
وخاصة في هذه البيئة القبيلة..
فلماذا لم يذهب (صلى الله عليه وسلم) مثلا لأبي لهب..
أو العباس.. أو حمزة... أو غيرهم من عائلته وأهل بيته؟

ذلك ولا شك قد كان ..
لأن الصديق كان أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أقاربه...
كما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرى في الصديق أمورا..
ولا شك.. جعلته يتيقن أنه سيوافقه...
بل يعينه على أمر هذه الدعوة..
ويكون له شـأن عظيم لا يغفل في هذا الدين..

فمــا الذي رآه (صلى الله عليه وسلم) في الصديق ؟

كيف أخذ الصديق هذا القرار الجريء المُغيّر؟

أو قل: لماذا لم يأخذ الآخرون القرار الذي أخذه الصديق ببساطة وسهولة؟

وما الذي يمنع الناس أن يؤمنوا فيتخلفوا عن ركب الصديق وأمثاله؟

وهنا نقف وقفة ونحلل..
ولأننا لا نسرد التاريخ لمجرد العلم به..
بل لكي نتحرك به خطوات إلى الأمام...
فلنلاحظ الصفات التي كانت في الصديق ...وجعلته يسبق إلى الإسلام..
فإن كانت موجودة عندنا... فالحمد لله.. وإلا فلنستكملها..

لأنه لا يمكن سبق بدونها..
كذلك تساعدنا هذه الصفات في الحركة في دعوة الناس إلى الله..
فمن كانت فيه مثل هذه الصفات الخيرة..
فلنكن بادئين به..

فإن للداعية أولويات لا بد أن تحترم..
وقواعد لا بد أن تتبع...

وقد حصرنا الصفات في 20 صفة ..
قد يكون بعضها موجود بعض الناس وبعضها الآخر في آخرين..
وقد تجتمع في رجل واحد مثل الصديق ..

فما هي هذه الصفات ؟!
أولا

قبل كل شيء ..
فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ..

(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ)

إذ لما يختار الله للنبوة أفرادا بعينهم يصطفيهم على بقية البشر..
فإن الله بعد ذلك يصطفي عبادا من عباده يعينون رسل الله في قضاء مهمتهم..
وفي توصيل دعوتهم..
وقد كان الصديق ولا شك في ذلك من هؤلاء المصطفين..

بل إن الله يصطفي من البشر أناسا على فترات متعددة... بعيدا عن زمان الرسل...
يجددون لهذه الأمة أمر دينها...

إذا أول أمر ...هو اصطفاء الله للصديق لينال هذه المكانة الراقية ...
وذلك لحكمة يعلمها..
وكما صنع الأنبياء على عين الله..
فكذلك الصديق ...قد صُنع على عين الله..

وهنا قد يقول قائل: أن هذا الأمر ليس بيده.. أي اصطفاء الله له..
لكنه لا بد أن يعلم ...
أن هذا الاصطفاء ليس عشوائيا... حاشا لله..
لكن الله بسابق علمه ...
يعلم أن في هذا العبد صلاحا وإيمانا..
فيقربه.. ويهديه..
نـسـأل الله أن نكون كذلك..
ثانيا

قد يصد الناس عن سماع الحق ...كراهيتهم لقائله...
والحق أن أهل مكة جميعا ...ما كانوا يكرهون محمدا قبل بعثته..
بل كان جلهم أو كلهم يحبه (صلى الله عليه وسلم)..
فهو الصادق الأمين الشريف العفيف..

لكن أتراهم أحبوه (صلى الله عليه وسلم) مثلما أحبه الصديق ؟

أشك كثيرا في ذلك...

فإني لا أعتقد أن أحدا أحب أحدا ...مثلما أحب الصديق محمدا (صلى الله عليه وسلم)..

فـ (محمد) (صلى الله عليه وسلم) و (أبو بكر) كانا صديقين حميمين حتى قبل البعثة..
وكما ذكرنا من قبل.. في حديث مسلم ..

"الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَناكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ"

فقد تعارفت روحا النبي (صلى الله عليه وسلم) والصديق..
وأول درجات الدعوة الصحيحة أن يحب المدعو الداعية.. وأن يحب الداعية المدعو..
هذا الحب المتبادل يفتح القلب.. وينور العقل..
ولا شك أنه درس لا يُنسى لكل الدعاة..

فإذا أردت أن يستجيب الناس لدعوتك فلا بد أولًا من حب متبادل..
أَحِبّ الناس وكن أهلًا لحبهم... وإلا .. فلن تكون كـ (أبي بكر)..
ثالثا

من الموانع الخطيرة لإجابة الدعوات الجديدة الصالحة... الكِبر..
آفة عظيمة تصيب قلوب بعض العباد ...فتصدهم عن كل خير..

الكبر أخرج إبليس من الجنة..
والكبر أخرج المتكبرين في كل العصور من جنة الإيمان إلى جحيم الكفر والضلال...

(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ)

الكبر أخرج معظم عمالقة الكفر في مكة من دائرة الإيمان إلى دائرة الجحود..
بل قل معظم أفراد الكفر..
فالكافر لا يكون عملاقا..
مثلا الوليد بن المغيرة كان يستكبر أن يتبع محمدا (صلى الله عليه وسلم)

(وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)

فلو نزل على عظيم في مكة كالوليد بن المغيرة...
أو على عظيم في الطائف كعروة بن مسعود الثقفي..
لو نزل على هؤلاء لاتبعوهم..
ومحمد (صلى الله عليه وسلم) ليس عظيما فقط..
بل هو أعظم الخلق أجمعين..
لكن مقياس العظمة عند هؤلاء مقياس مختل..
فالعظمة عندهم لا تكون في خلق... ولا عقيدة..
بل في وفرة مال أو سعة أملاك أو بأس سلطان...
هؤلاء المتكبرون المتغطرسون يطمس الله على قلوبهم..
فلا يعرفون معروفا ولا يُنكرون منكرا..

(سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)

وهكذا صرف الله قلوب المتكبرين عن الإيمان..
لكن الصديق ليس من هذا الصنف..

فقد كان متواضعا شديد التواضع..
هينا لينا سهلا محببا..
وتواضعه لم يكن مختلقا أو مصطنعا..
بل كان تواضعا فطريا أصيلا في شخصيته...

وهذه النفس المتواضعة للحق ...
كان من السهل عليها جدا أن ترى سبيل الرشد.. وأن تتخذه سبيلا..
وأن ترى سبيل الغي... ولا تتخذه سبيلا..
وهو درس لا يُنسى للدعاة..

فدعوة الإنسان الهين اللين المتواضع أبرك ألف مرة ..من دعوة المتكبر المتغطرس..
وإن كان زعيما ممكنا..

وسبحان الله..
فكما أن الحب المتبادل يسهل الدعوة...
ويسهل قبول الفكرة الجديدة..
فالتواضع المتبادل يسهل الدعوة أيضا..
ويسهل قبول الفكرة الجديدة أيضا..

فالرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) من أشد الناس تواضعا..
بل هو أشدهم على الإطلاق..
ولا شك أن قبول الفكرة من الداعية الذي لا يتكبر على الخلق ..
يكون سهلا سلسا طبيعيا..
بينما لا يقبل الناس عادة أفكار المتكبرين...

فإن كنتَ متكبرا .. فلن تكون كـ (أبي بكر)..
رابعا

يمنع طائفة من الناس أن يصدقوا غيرهم ...لأنهم شخصيا اعتادوا الكذب..
فالكذاب كثير الكذب.. وغالبا ما يصعب عليه تصديق الآخرين..
والخائن كثير الخيانة .. غالبا ما يصعب عليه أن يأتمن الآخرين..

ذلك لأنه دائم الظن أن الناس يفعلون كما يفعل..
ويتصرفون كما يتصرف..

و (أبو بكر) لم يكن صادقا فقط... بل كان صديّقًا..
كان يستقبح الكذب...
وما أوثر عنه كذبة واحدة..

ورجل بهذه الصفات... لا يفترض الكذب في غيره...
بل هو يحسن الظن فيما يقال له..

فما بالكم إذا كان الذي يحدثه رجل اشتهر بالصدق والأمانة ...
حتى لُقّب بالصادق الأمين (صلى الله عليه وسلم) ..
ولم يشتهر بهذا عاما أو عامين بل أربعين سنة..
ولم يشتهر بذلك في معظم أموره...بل كل أموره...

فكيف للصديق أن يفترض الكذب في رجل داوم على الصدق أربعين سنة؟

وكيف لهذا الذي ترك الكذب على الناس أن يكذب على الله رب العالمين؟

هذا استنتاج بسيط لا يغيب عن عقل الصديق...
بل إنه لم يغب عن ذهن رجل ما عاشر محمدا ..
ولا حتى رآه مثل هرقل ملك الروم..

فإنه لما سأل أبا سفيان عن صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) ..
قال أبو سفيان وكان ما زال كافرا قال أنه لا يكذب..
فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب عليكم ليكذب على الله...

وهكذا فالصدق المتبادل بين الداعية والمدعو ...
من أشد عوامل قبول الفكرة... وإن كانت جديدة تماما..
خامسا

كثيرا ما يمتنع كبراء القوم عن إجابة الدعوات...
بل يواظبون على حربها..
ومقاومتها بسبب الخوف على السيادة والحكم...

فالحاكم الذي يستمد قوته من شرعه الذي وضعه للناس...
يخشى إن جاء شرع جديد أن يستبدل بصاحب هذا الشرع..

والرسول (صلى الله عليه وسلم) يدعو أن يكون الحكم لله..

(إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)

(أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ)

فأسياد البلد يرفضون السيادة الجديدة..
وهذا الأمر صد طائفة ضخمة من حكام مكة في ذلك الزمان..
وهذا الأمر هو الذي صد زعماء القوم من زمان نوح وإلى يوم القيامة..
الخوف على السلطان..

فعبد الله بن أُبَي بن سلول زعيم المنافقين في المدينة.. لماذا كان يكره محمدا (صلى الله عليه وسلم) ؟

لأن الأوس والخزرج كانوا ينسجون له الخرز حتى يتوجوه ملكا على المدينة..
ثم جاء (صلى الله عليه وسلم) فاستلم سدة الحكم بالمدينة..
وجعل الشرع لله والأمر لله والحكم لله..
فأبت نفس ابن أبي سلول ذلك..
فرفض الإيمان..
ثم ادعاه ظاهرا فأصبح منافقا..

أما أبو بكر الصديق فلم يكن زعيما من زعماء قريش..
وإن كان من أهل الشرف هناك..
فلم يكن يخاف على ملك ضائع.. أو سلطان مبدد..
ولم تكن السيادة والزعامة عائقا أمامه..
والرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) أيضا لم يكن زعيما في مكة..
ولم يكن يطلب زعامة بدعوته الجديدة..
بل عرضت عليه الزعامة مقابل ترك هذه الدعوة..
فرفض رفضًا حاسما باتا..

وهكذا التقى الحبيبان من جديد .. النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والصديق...
التقيا في رفض الزعامة..
ورفض طلبها..
فهان على محمد (صلى الله عليه وسلم) توصيل الدعوة..
وهان على الصديق قبولها..

لكنه هذا لا يعني عدم قبول الزعماء للدعوة بشكل مطلق...
فقد يهدي الله أحدهم..
كما حدث مع سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وهم من زعماء الأنصار..
لكن لا تبدأ بالزعمـاء...
سادسا

تعارض المصالح من أشد المعوقات لقبول الدعوات الجديدة...
وخاصة المصالح المالية...
قد تؤثر الدعوة الجديدة سلبا على مصلحة أحد الناس المادية..
فيقاوم الدعوة حفاظا على مصلحته..

وأبو بكر الصديق كان تاجرا...
ودين الإسلام لا يمنع التجارة... بل على العكس يحفز عليها..
وهو حتى إن لم يكن يعرف تفاصيل هذا الدين... وماذا يبيح أو يمنع التجارة...

إلا أنه يرى الداعية لهذا الدين يعمل تاجرا.. وهو محمد (صلى الله عليه وسلم)...
وذلك أكثر من 15 عاما متتالية منذ زواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها..
بل قبل ذلك..
فقد كان يرعى تجارة عمه أبي طالب..
إذن الوظيفة محفوظة..

لكن ما بال تجار مكة غير الصديق يقاومون الدعوة بينما انخرط فيها الصديق؟

فمكة بلد آمن..
وبه المسجد الحرام وأهل الجزيرة العربية كانوا يذهبون بتجارتهم...
وأموالهم يتاجرون في هذا المكان الآمن..
وتجار مكة يستفيدون من هذا تماما..

فإذا انتشرت دعوة محمد (صلى الله عليه وسلم)..
فأهل مكة يتوقعون حربا لها من العرب..
وستتحول البلد الآمن إلى بلد قلاقل وفتن ولا يأمنوا على تجارتهم..
فلذلك سارعوا حماية لمصالحهم التجارية والاقتصادية.. بمقاومة الدعوة في مهدها..

بينما الصديق وإن كان تاجرا..
إلا أنه جُبِل على العطاء والكرم والزهد في المال حتى قبل إسلامه..
فلم يكن حب المال عائقا أمام الصديق يمنع من دخول الدين..

لكن المهم هنا أن نعلم أن تجار مكة الذين تغلغل حب المال في قلوبهم ..
فكانت أموالهم حجر عثرة في طريق إيمانهم..
بينما تميز الصِّديق عن أقرانه بعطائه وكرمه،..

فما بالكم إن كان يستمع إلى دعوة تأتي على لسان رجل ..
ما تعلق بالمال في حياته ولو مرة واحدة سواء قبل بعثته أو بعد بعثته..
وسواء قبل تمكينه أو بعد تمكينه..
لا شك أن لقاء الزاهدين في المال سيكون لقاءًا مثمرا إيجابيا..
فإن أردت أن تبدأ فابدأ بالكريم..
الذي لا يتعلق بمال..
ولا يبكي على ثروة...
سابعا

التحرر من قيود القبلية والتعصب..
والقبلية عند المتحمسين تكون حاجزا لا يُعبر..
وعائقا لا يُتخطى..
وخاصة في هذه البيئة العربية...

ويزداد الأمر خطورة ..
إذا كان هناك تنافس شديدا وحاميا بين قبيلتين من القبائل...
فهذا الأمر على سبيل المثال ..
هو الذي صد رجلا عاقلا حكيما كعمرو بن هشام (أبو جهل) ..
فإذا به بسبب قبيلته ينقلب إلى أبي جهل..

قال أبو جهل وهو من قبيلة مخزوم: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف.. أطعموا، فأطعمنا..وحملوا، فحملنا..
وأعطوا، فأعطينا..حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان.. قالوا: لنا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه..!!

فهكذا منعت القَبَلية أبا جهل وأمثاله من دخول الإسلام...!

ورجل من بني حنيفة...
وهي فرع من ربيعة آمن بمسيلمة الكذاب..
وكفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم)...

ولما سئل عن ذلك قال: والله أعلم أن محمدا صادق، وأن مسيلمة كذاب..
لكن كاذب بني ربيعة، أحب إليَّ من صادق مضر....!

وأبو بكر الصديق من قبيلة ضعيفة..
وهي فرع صغير من فروع قريش.. تلك هي قبيلة تيم..
ولم تكن القبيلة تنازع أحدا.. أو تنافس أحدا ..
فوقاه الله بذلك شر التعصب القبلي..

ثم هو يستمع الدعوة من رجل نجيب كالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أشرف قريش نسبا..
ومن قبيلة قوية ذات منعة..
ومع ذلك فالرسول (صلى الله عليه وسلم) لا يعتمد على نسبه وقبيلته..
بل يدعو أبا بكر وهو من قبيلة أخرى..
وهي كما ذكرنا قبيلة ضعيفة نسبيا..

إذن هذان رجلان نزعا من قلبيْهما حمية الجاهلية..
ونزعا من قلبيْهما النعرة القبلية...
وبحثَا عن الحق أينما كان..
لا فرق بين هاشمي أو مخزومي..
ولا هاشمي وتيمي..
بل لا فرق بين قريش وغيرها..
بل لا فرق عربي وأعجمي..

فالدعوة لجميع الخلق..
والمفاضلة بينهم بالتقوى..
هذا مقياس عادل يعجب رجلا حصيفا كأبي بكر الصديق ..

والقبلية قديمًا هي في مقابل القومية حديثا..
فالقومية العربية، والقومية التركية، والقومية البربرية، والقومية الكردية...
كل هذه صور من القبلية القديمة ..
صدت ومازالت تصد كثيرا من الناس عن سماع كلمة الحق وإجابة داعي الإيمان..

وما تفرق المسلمون إلا بقومياتهم..
ووالله لا يجتمعون إلا على الإسلام..
وذلك مصداقًا لقول الفاروق

"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فأينما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله"
ثامنا

بعض الناس يكون أسيرا للتقاليد... وإن كانت باطلة..
ويكون مفتونا بالآباء والأجداد..
ولا يتخيل أن ما عاش هو عليه فترات...
وعاش عليه الأقدمون فترات أطول ..
ما هو إلا ضلال في ضلال...

فالدين الجديد لا يُسَفّه أحلامهم فقط..
بل يسفه أحلام السابقين..
يسفه أحلام الآباء والأجداد..
يهدم التقاليد..
يزلزل التراث..

وهذا الذي صد رجلا مثل أبي لهب..
فأبو لهب من ذات قبيلة الرسول (صلى الله عليه وسلم)... بل هو عمه..
لكنه يرفض أن يسفه فكر الآباء والأجداد..
وأن يسفه فكره هو شخصيا..
لذلك فهو يرفض الدعوة..

بل أشد من ذلك وأعجب ...أبو طالب عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
ومن أكثر الناس رعاية له..
ومن أشد الناس حبا فيه..
ومع ذلك وقف حاجز التقاليد أمام إيمانه..
ووقف تقديسه لآبائه وأجداده أمام دخول الدين ..
مع أنه يصدق محمد في كل كلمة قالها..

لكن أيخالف الأجداد؟

هذا في عرفه مستحيل..

فإذا به على فراش الموت..
وخير الدعاة وأحب الخلق إلى أبي طالب يقف على رأسه..
يرجوه أن يقول كلمة واحدة..
ثم سيموت بعدها..

"أَيْ عَمِّ قُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ"

وماذا سيضره بعد الموت من كلام الناس والعرب..
لكن أبدا ..
التقاليد الموروثة والعقائد العقيمة المسمومة..
وأبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يقفان على رأسه يلعبان على هذا الوتر القبيح...
وتر التقاليد المخالفة للشرع..

يقولان: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب...

فلم يزالا يكلماه حتى كانت آخر كلماته: على ملة عبد المطلب...

لا حول ولا قوة إلا بالله ...
خسارة فادحة، وخطب عظيم..

أبو بكر الصديق لم يكن متمسكا بتقاليد آبائه وأجداده..
وكان من القليلين الذين يرتبطون بالحق لا بقائل الكلام..
فالرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال..
فهو يعلم أن الحق قد يأتي على لسان رجل شاب من قبيلة أخرى..
وقد لا يأتي على لسان مُعَمّر خبير ولو كان أبوه أو جده..

كما أن الله مَنّ عليه بأبيه وأمه أحياء عند ظهور الدعوة الإسلامية..
فما زالت هناك الفرحة عند دعوتهما إلى الحق..
وبذلك لا تسفه أحلامهما..
وقد تم له بفضل الله ما أراد وما استراح إلا وقد أدخل أبويه وأولاده وزوجاته في هذا الدين..

فاعرض أنت كل تقليد أو موروث من الآباء والأجداد على الحق..
فإن اتفق فبها ونعمت..
وإن خالف... فلا تعدل بشرع الله شيئا
تاسعا

بعض الناس يفتنون بالديانة القديمة..
ويعتقدون في صحتها..
وفي نبل القائمين عليها..

وهذا الذي صد بعض النصارى مثلا..
فهم قد غالوا في المسيح جدا حتى جعلوه إلها.. أو ابن الله.. تعالى عما يصفون..
ومن ثم فهم لا يتخيلون أن يأتي رجل..
أو تأتي دعوة ترد هذا الإله المعبود إلى عبوديته..
وترد هذا الرب إلى بشريته..
فكانت الحرب التي لا هوادة فيها...

أما أبو بكر الصديق ... فأي شيء يُعَظّم؟

أيُعَظّم اللات؟

أيعظم العزى؟

أيعظم هبل؟

ألهم تاريخ يشهد لهم بالاحترام والتقديس؟

أبو بكر الصديق ما سجد لصنم قط في حياته سواء قبل إيمانه أو بعد إيمانه..
بل كان دائم الازدراء لهذه الأحجار...
ويعلم علم يقين أنها ليست آلهة..
فكيف ينفع غيره من لا يستطيع نفع نفسه؟

فكانت دعوة الإسلام لأبي بكر خلاصا من دين ثقيل على النفس..
وراحة لقلب ...
شك طويلًا في اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى...
عاشرا

من العوائق الهامة عند بعض الناس..
أو عند كثير من الناس..
انغلاق الفكر، وضيق الأفق، وغياب الفطنة والذكاء..

والحقيقة إنني اعتبر الكافر إنسانًا غبيًا ..
شديد الغباء بكل ما تحمله الكلمة من معان..
حتى وإن كان في ظاهره عالمًا أو حكيمًا أو فيلسوفًا ..
إذ كيف لا يهديه ذكاؤه إلى أن خالق هذا الكون بما فيه ...هو إله حكيم قدير ليس كمثله شيء..

ودائمًا ما تأتي آيات التدبر والبحث لأولي الألباب والعقول والنهي..

(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ)

(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى
ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)

كيف يعقل أن الحجر الأصم خلق، وصور، وهدى، ورحم، وعاقب، ورزق، ونجّا؟

كيف يعقل أن بقرة تشرع أو أن شجرة تحكم وتدبر؟

الكافر شديد الغباء..

هذا الذي منع مثلاً رجلاً مثل حبيب بن عمرو الثقفي من زعماء ثقيف في الطائف..

قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. والله لا أكلمك أبدًا..
لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام..
ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك...!

وكأنه لا يستطيع التفكير وما قاده عقله القاصر إلا إلى هذا الجهل المُطبق.

وأبو بكر الصديق ليس كذلك..
بل هو حاد الذكاء تمامًا ..
وكثيرًا ما كان يلتقط ببساطة ما يذهب عن ذهن الجميع..
اتسم بذكاء فطري..
وعبقرية فذة..
إذا كان يلتقط الصعب من الأمور..

أفلا يلتقط أن لهذا الكون خالقًا؟

وأن محمدًا رسول؟
حادي عشر

الجبن والخوف الشديد إلى درجة الهلع ..
يمنع كثيرًا من الناس من تغيير المألوف..
الجبن يمنع كثيرًا من البشر أن يظهروا آراءهم..
أو يعبروا عن أفكارهم..

وكم من قضية ماتت بسبب جبن أصحابها ؟

وكم من حق ضاع بسبب جبن طلابه.. ؟

أبو بكر أشجع الصحابة وأقواهم شكيمة...
ما نكص على عقبيه منذ أسلم..
ولم يؤثر عنه فرار ولا خضوع ولا فتور..

فلما عرض عليه الإسلام..
ورأى الحق فيه ما خاف من أحد..
ولا اعتبر بالجموع التي ستواجه الدعوة حتمًا...

والإسلام قرار جريء..
ويحتاج إلى رجل جريء وكان أبو بكر ذلك الرجل...
ثاني عشر

الانغماس في الشهوات أيضًا من الموانع المعروفة للدعوات الإصلاحية..
فصاحب الشهوات لا يريد أن ينقطع عنها..
ولا يريد أن يبتعد عنها ولو إلى فترة قليلة..

(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)

هكذا الذي جعل من نفسه تابعًا للشهوات لا بد أن يضيع الصلاة..
ومن أضاع الصلاة كان على إضاعة غيرها أقدر..

بل إن الله يجعل طائفة من الناس وكأنهم يعبدون هواهم وشهواتهم..

اسمع إلى قوله..

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ
وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)

هذا الرجل الغارق في الشهوات ..
المنغمس في المعاصي ..
يكون بعيدًا تمامًا عن الدعوات الأخلاقية الفاضلة...

أبو بكر لم يكن من هذه الطائفة..
بل على العكس، إنه من خيار الناس أخلاقًا حتى قبل إسلامه..
ويعظم من شأن الفضائل والمكارم..
وما طعنه طاعن بشيء في أخلاقه..

حتى بعد إسلامه ومعاداته للكفر والكافرين..
ودعوة الإسلام هي دعوة الأخلاق العظمى في الأرض..
والداعي إليها (صلى الله عليه وسلم) أكمل البشر أخلاقًا.. قبل وبعد البعثة..
ولا يخفى ذلك على أحد..

وكان الجميع يعلم أن هذه الدعوة هي دعوة أخلاق..
حتى قبل التحريم الكامل للخمر، والزنا، والربا، وغيرها من الفواحش..

فها هو جعفر بن أبي طالب يخاطب النجاشي ملك الحبشة ..
في العام الخامس من البعثة يصف أخلاق الإسلام..

"أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله وحده؛ لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان، وأَمَرَنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات".

إذن الدعوة الإسلامية أخلاقية منذ اللحظات الأولى لها..
ورجل له أخلاق الصديق لا بد أن يستجيب لهذه الدعوة...
ثالث عشر

من الموانع الخطيرة للدعوات الإصلاحية ...التعود على الذل..
يكون المرء ذليلاً لا يستطيع الحراك إلا بإذن الذي يسقيه الذل والهوان..

وأبو بكر الصديق كان عزيزًا في قومه..
صاحب رأي وشرف ومكانة..

فكان يأخذ رأيه بإرادته، لا يمليه عليه أحد..
والإنسان الذليل ...ليس بالتبعية أن يكون عبدًا..

فكم من العبيد كانت لهم نفوس حرة..
وكم ممن يظنون أنفسهم أحرارًا هم أذلاء لغيرهم..

هذا بلال العبد يأخذ قراره بنفسه وينخرط بسرعة في فريق المؤمنين..

وهذا على الجانب الآخر وفد بني شيبان..
وهو على درجة عالية من المكانة والعز والشرف بين العرب يرفض الإسلام لماذا؟

لأنهم أذلاء لفارس، يسكنون بجوار فارس..
ومع عزتهم الظاهرة إلا أنهم لا يأخذون قرارًا ولا يقطعون رأيًا يغضب الأسياد الفارسيين..

وقالوا: إن هذا الأمر-أي الإسلام- مما تكرهه الملوك...

ولذلك أجلوا إسلامهم سنوات وسنوات..

ولذلك نلاحظ رسالة الرسول (صلى الله عليه وسلم) مثلاً إلى هرقل عظيم الروم..

كان مما قاله فيها (صلى الله عليه وسلم) ..

"أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ"

وفي رسالة كسرى فارس قال (صلى الله عليه وسلم)..

"فَإِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ"

فشعوب الروم وفارس كانت ذليلة، لا تأخذ قرارًا إلا بعد رأي الأسياد..
حتى لو كان القرار قرار جنة أو نار...
رابع عشر

دعوة الإسلام دعوة رقيقة لطيفة حانية..
تمس القلب، وتربت على الكتف، وتسمو بالروح..
وقلوب العباد متفاوتة..
فمنهم من له قلب ألين من الحرير..
ومنهم من قلوبهم كالحجارة أو هي أشد قسوة..

ولا شك أن غليظ الطباع، قاسي القلب، جافي النفس..
سيكون بعيدًا عن هذا الدين..

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:55

ولا شك أيضًا أن أبا بكر الصديق لم يكن كذلك..
وتحدثنا كثيرًا عن رقته وعاطفته الجياشة ودموعه القريبة..
ورجل كهذا لا بد أن يدخل الإيمان في أعماق قلبه..
ولا بد أن يتأثر بكلمات الرحمن..
ولا بد أن يتأثر بكلام حبيب الرحمن (صلى الله عليه وسلم) ..

(اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)

فإذا بدأت فابدأ برقيق القلب..
ليّن الجانب..
واتل عليه كتاب الله..
وسترى عجبًا...
خامس عشر

بعض الناس يعاني مرضًا خطيرًا لا يرجى في وجوده تغيير ولا إصلاح..
بل يقعده هذا المرض حتى يرى كيف تسير الأمور؟
ثم يسير معها أينما سارت..
ذلك المرض هو السلبية..

السلبية تقعد بصاحبها عن كل خير..
فلا يفعله إلا إذا فعله الناس..
ويصبح بذلك رجل إمعة..

كهذا الذي صوره لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
في حديث له رواه الترمذي عن حذيفة..

"لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَظَلَمُوا ظَلَمْنَا
وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا"

فالرجل الإمعة هذا لا يصلح إلا أن يكون تابعًا..
وهي صفة من صفات المنافقين...

(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)

هذه السلبية هي التي صدت رجلاً عاقلاً مثل عتبة بن ربيعة..
فإنه لما سمع كلام الله على لسان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)..
وأثرت فيه الآيات المعجزات من صدر سورة فصلت..
عاد إلى قومه مسرعًا يتحدث عن القرآن..
وكأنه داعية من دعاة الإسلام..

قال: سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.

فماذا كان نتيجة هذا اليقين بصدق ما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم)..؟

وماذا فعل بعد العلم.. ؟

اقرأ إليه وهو يعرض رأيه..

يقول عتبة بن ربيعة: يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.

قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.

قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

فالرجل عتبة بن ربيعة سلبي إلى أبعد درجات السلبية..
فهو على يقين من صدق محمد (صلى الله عليه وسلم)..
ويعلم أن هذا الكلام ليس بكلام بشر..
ومع ذلك فرأيه الذي يظنه حكيمًا... أن تخلي قريش بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبين العرب..!

فإن انتصر العرب عليه فهم مع العرب..
وقد أراحوا أهل قريش من محمد (صلى الله عليه وسلم)..
ولم يصبهم أذى..

وإن انتصر محمد (صلى الله عليه وسلم) على العرب ..
سارعوا بالانضمام إلى محمد (صلى الله عليه وسلم)..

سلبية مطلقة..

فلما اعترض القوم على كلامه ..

وقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه...فماذا فعل؟

ماذا فعل أبو الوليد الرجل العاقل الحكيم الذي أدرك صدق الرسالة؟
قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

والقوم صنعوا السيئ والقبيح..
فإذا به يصنع السيئ والقبيح معهم..
بل إنهم خرجوا يقاتلون النبي (صلى الله عليه وسلم) في بدر..

فإذا بعتبة بن ربيعة يحمل سيفه..
ويخرج مع الكافرين يقاتل رجلاً تيقن أنه نبي..!

أي سلبية، وأي إمعية، هذا الطراز الفاشل لا يصلح للدعوات المصلحة...

أبو بكر الصديق على طرفي النقيض من عتبة بن ربيعة..
فليس في الإسلام رجلاً بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) أبعد عن السلبية من أبي بكر الصديق..

وقد ظهرت إيجابيته في كل مواقفه ..
ظهرت في إسلامه، وفي إعتاقه للعبيد..
وفي دفاعه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في فترة مكة..
ثم المدينة، وفي إعداده للهجرة..
وفي ثباته في كل غزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
وظهرت إيجابيته عند وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وظهرت في حروب الردة وفارس والروم، وفي جمعه للقرآن..
وظهرت إيجابيته في مساعدة الفقراء والمحتاجين وكبار السن من عامة المسلمين..

كان الصديق نبراسًا لكل مصلح..
ودليلًا لكل محسن..
وما معروفًا إلا وأمر به..
ولا رأى منكرًا إلا وحاول تغييره بكل طاقاته، بيده، ولسانه، وقلبه..

لذلك شق عليه كثيرًا أن يرى بعض المؤمنين يتركون النهي عن المنكر...
لأنهم فهموا آية من آيات الله على غير معناها الصحيح..

لقد سمع بعض المؤمنين الآية الكريمة..

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

فظن بعض المؤمنين أن هذه دعوة إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
ظنوا أن الله يقول لهم: عليكم أنفسكم..أو اهتموا بأنفسكم فقط لا يضركم ضلال الآخرين فلا تهتموا بهم...

والأمر على خلاف ذلك تمامًا..
وقف أبو بكر ليصحح لهم الفهم، وليصلح فهم الطريق..

قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}...وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلا يُغَيِّرُونَهُ يُوشِكُ اللَّهُ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ"...

وهكذا فإن الرجل الإيجابي العظيم كان ولا بد أن يسعى للتغيير..
إذا وجد المنهج القويم المعين على ذلك..
وقد وجد ضالته في الإسلام فما تردد ولا تأخر
سادس عشر

كثيرًا ما يقتنع الرجل بفكرة، أو قضية، أو موضوع..
ثم إذا به يُصَد عنها بصحبته السيئة..

فكما روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..قال

"الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ"

كثيرًا ما رأينا في فترة مكة مجموعات من الأصدقاء تؤمن..
أو مجموعات من الأصدقاء تكفر..
فالرجل يتأثر بأحبابه وأصحابه..

رأينا مثلاً رجلاً عاقلاً ذكيًّا لبيبًا مثل خالد بن الوليد يتأخر الإسلام عشرين سنة كاملة..
فمَنْ أصحابه المقربون؟
عمرو بن العاص ..، ظل أيضًا عشرين سنة كافرًا..
وعثمان بن أبي طلحة ظل أيضًا كافرًا عشرين سنة...
والثلاثة من أصحاب الذكاء والفطنة والمروءة والنجدة..
لكن اجتمعوا على باطل..
فأضل كل واحد منهم صاحبيه..
وتعاهدوا على ذلك..

ثم سبحان الله بعد السنوات الطوال..
يدخل الإيمان تدريجيًّا في قلب أحدهم فيسري بسهولة إلى الآخر، ثم إلى الثالث..
ثم إذا بهم يذهبون للإسلام على يد الرسول (صلى الله عليه وسلم) في يوم واحد ..
وذلك ليثبتوا قيمة الصحبة..
وقيمة الأخلاء فلما كانوا على الكفر تعاهدوا عليه..
ولما أشرف الإيمان في قلوبهم أيضًا تعاهدوا عليه.

مثال آخر..
هو أبو البَختري بن هشام..
وكان من المشركين، لكنه لم يكن يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
بل على العكس كان من الذين قاموا لنقض صحيفة المقاطعة المشهورة..
ولكونه كف الأذى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن قتله يوم بدر..

فقابله أحد الصحابة المجذر بن زياد البلوي..
فوجده يقاتل بجوار صديق له..

فقال: يا أبا البختري، إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد نهانا عن قتلك.

فقال: وزميلي؟

فقال المجذر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك.

فقال: والله لأموتن أنا وهو جميعًا.

ثم اقتتلا فاضطر، المجذر إلى قتله، فهذه صداقة كافرة قادتهما إلى موت على كفر..
ولو لم تكن الصداقة لنجا أبو البختري..
ولكن اختياره لأصدقائه كان سببًا في هلاكه...

فمن هم اصدقاء (أبي بكر) ؟!

(ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا)

صاحبه الأول حتى قبل الإسلام كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وكفى به صاحبًا..
ثم أصحابه الآخرون عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله، وغيرهم من أبطال الإسلام..
هؤلاء هم أصحابه قبل الإسلام..
إذن رجل أحاط نفسه بدائرة من أصحاب كهؤلاء..
لا بد وأن يسهل عليه أمر الإيمان..
ولو صاحب الأراذل من الناس لصدوه عن الفضائل..

روى البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري ..
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"
سابع عشر

من الصفات الذميمة التي كثيرا ما صدت أقواما عن دعوة الإسلام ...صفة الجَدَل..
والجدل لا يهلك الأفراد فقط..
بل يهلك الأمم..

والمجادلون قوم فتنوا بعقولهم...
فآثروا أن يستمروا في حوار لا ينقطع..
غالبًا لا ينبني عليه كثير عمل...
ويخرجون من نقطة إلى نقطة..
ويناقشون من زاوية... ثم إلى زاوية أخرى..
ليس في العزم اتباع الحق... وليس في النية الاهتداء إلى سواء السبيل...
بل هم كالأنعام إن لم يكونوا أضل ..

اقرأ وصف القرآن للمجادلين من أهل قريش

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)

(وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا)

(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولاً)

(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)

وأبو بكر الصديق كما وصفه مقربوه كان سهلاً لينًا هينًا...
كان قليل الجدل..
قليل السؤال..
بل قليل الكلام..
كان يضع أحيانًا حصاة في فيه..
فإذا أراد أن يتكلم رفعها ليتكلم...
وذلك حتى لا يتكلم كلما اشتهى الكلام..
بل يفكر أولا...

ما إن عُرض عليه الإسلام حتى قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

والله ما جربت عليك كذبًا
وإنك لخليق بالرسالة لعظم أمانتك، وصلتك لرحمك، وحسن فعالك..
مد يدك فإني مبايعك

وموقفه في حادث الإسراء موقف لا ينسى..
ومواقفه جميعًا كانت مبرأة من الجدل والمراء، فسَلِم وسلمت خطواته..

وهكذا فالجدل من الصفات الذميمة التي تصد كثيرًا من الخلق عن طريق الهداية..
وهي رسالة إلى كل الداعين إلى الله..
أن اختبر من تدعوه فإن كان ممن تمرسوا على الجدال..
ورغبوا فيه..
فكن كأبي بكر الصديق ..
وكن كعباد الرحمن الذين وصفهم الله ....

(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا)
ثامن عشر

البخل والشح من الصفات التي تبتعد بصاحبها عن دعوة الإسلام..
الرجل الشحيح يعلم أن هذه الدعوة الجديدة ستحتاج إلى حماية ورعاية وتضحية وإنفاق..
وهو لذلك يفكر ألف مرة.. قبل أن يرتبط بهذه الدعوة..

لذلك فالشح قد يؤدي بالرجل إلى التهلكة، وتكون التهلكة باستبداله بغيره..

(هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)

بل إن الشح قد يهلك أمة..

روى الإمام مسلم عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

"اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ
فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهَمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ"

فالشح قد صد اليهود مثلاً عن الإيمان بهذا الدين..

(لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ
سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ)

وقالوا هذا القول الفاحش لما سمعوا قول الله..

(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)

هم جُبِلوا على التضحية بكل شيء في سبيل المال...
فكيف يرتبطون بدعوة تدعو إلى جهاد بالنفس والمال؟!

أمـا أبو بكر الصديق فقد كان مجبولاً على حب الإنفاق... وعلى حب العطاء..
وليس في الإسلام بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من هو أكرم من أبي بكر الصديق ..
ومواقفه في ذلك لا تحصى ولا تعد.

وكان هذا العطاء قبل وبعد الإسلام، وقبل وبعد الهجرة..
وقبل وبعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وقبل وبعد استخلافه..
وحتى آخر لحظة في حياته..

رجل جُبِل على الكرم
وهذا الصنف من الرجال لا تكفيه الاستجابة فقط لدعوات الخير..
بل يسعى ويكد ويجتهد، حتى يرتبط بمثل هذه الدعوات.
تاسع عشر

دعوة الإسلام هي دعوة لكل الأجيال والأعمار..
هي دعوة للصغير والكبير والشاب والشيخ..
لكن مما لا شك فيه أن أنسب الأعمار لتحقق الإجابة هي الفترة المتأخرة في سن الشباب..
أقصد فترة الثلاثينات من العمر وأحيانًا العشرينات من العمر..

وذلك أن الشيخ الكبير يكون مطبوعًا على عقائد معينة..
وأفكار خاصة من الصعب أن تغيرها..
وأحيانًا يعتاد أشياء خاطئة، ثم يعلم أنها خاطئة فلا يستطيع تصحيحها..

وهذا واقع نشاهده وندركه..
والشاب الصغير كثيرًا ما يكون طائشًا في تصرفاته، متسرعًا في أحكامه..
تنقصه الخبرة اللازمة، والرأي الحكيم..
ثم إنه قد يكون ملتفتًا إلى شهواته، وملذاته..
منصرفًا عن من ينغص عليه هذه الشهوات والملذات..
وفوق ذلك فإنه في الغالب ما يكون تابعًا لرأي والده وعائلته..
وبالذات في المجتمع القبلي المعتز بالآباء والأجداد..

أما الرجل البالغ في متوسط العمر فإنه قد تجاوز مرحلة الطيش والشهوات والاتباع..
وأصبح يقود نفسه وعائلته...
وتكون قد حنكته التجارب فيحكم الرأي، ويصيبه..
ومن الناحية الأخرى فهو لم يبلغ من العمر أرذله بحيث تصده السنوات الطوال عن التغيير والإصلاح..

أبو بكر الصديق أسلم وهو في الثامنة والثلاثين من العمر..
وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الأربعين من العمر..
وهو سن يجمع بين كل الخير..
ففيه حماسة الشباب وطاقتهم، وفيه أيضًا حكمة الشيوخ وخبرتهم..
فلم يكن عجيبًا أن يأخذ قرارًا هامًّا مثل قرار دخول الإسلام إذا رأى فيه خيرًا..
دون انتظار لرؤية والد أو كبير..
يظهر هذا في حواره مع أبيه بعد ذلك..

وقد أسلم الابن أبو بكر الصديق، وظل الوالد فترة كبيرة دون إسلام..
فمع اختلاف العقيدة لم يكن الأب يلوم عليه كثيرًا في إسلامه..
ولم يكن يعنفه أو يعذبه، مثلما فعلت القبائل الأخرى مع شبابها..
بل كان يبادله الرأي، وينصحه..

فمثلاً ينصحه مرة أن يعتق الرجال الأشداء من العبيد بدلاً من إعتاق الضعفاء حتى يحمونه..
ومرة ينصحه بترك مال للأولاد، ولا ينفقه كله في سبيل الله..
نعم وجهات نظر مختلفة عن وجهة نظر الصديق ..
لكنه لم يكن يفرض عليه رأيًا، أو يجبره على فعل..

فقد صار الصديق رجلاً حكيمًا عاقلاً، قد يحتاج إلى مشورة..
ولكنه لا يحتاج إلى إكراه أو إرغام..

وسبحان الله، فإن سن الأربعين هذا هو غاية النضج والرشد..
وفيه تكتمل جميع الطاقات..
ويصبح الإنسان قادرًا على التفكر والتدبر والرجوع إلى الصواب..
والاستقامة على المناهج السليمة..

وقد بين الله ذلك في كتابه عندما قال

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ)

بلوغ الأشد، وهذا الكلام العاقل الرزين...
وهذه العودة إلى الله أقرب ما تكون عند سن الأربعين وما حولها..

يقول ابن كثير: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}...أي: تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه.

وأبو بكر لم يختر أن تنزل الرسالة، وهو في سن الثامنة والثلاثين قريبًا من الأربعين..
ولكن الله اختار ذلك..
فكما صنع محمدًا على عينه سبحانه، وهيأه للرسالة، وهو في الأربعين من عمره..
فإن الله أيضًا اصطفى من الخلق من يصلح أن يكون صاحبًا لهذا الرسول..
وخليفة من بعده، فهيأه منذ خلق، وولد..
ليكون في هذا العمر وقت نزول الرسالة

(صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)
عشرون والأخيرة

إذا توافقت بعض صفات الفرد مع فرد آخر..
فإنه ينشأ نوع من التجاذب بين الفردين..
وكلما زادت التوافق كلما ازداد التجاذب..
حتى يصل إلى حد أن يكون الفردان روحًا واحدة في جسدين..
فيفرح أحدهما فرحًا حقيقيًا لفرح الآخر..
ويحزن أحدهما حزنًا حقيقيًا لحزن الآخر..
ويألم أحدهما حقيقة لألم الآخر..

حالة كهذه تفسر أن يقتنع رجل برأي رجل آخر..
بل يدافع عنه إلى نهاية المطاف..
مع كون هذا الرأي محارَبًا من عامة الناس..
ذلك أنه أصبح دون تكلف، ولا افتعال كرأيه تمامًا..

ولا أحسب أن رجلاً في أمة الإسلام كان شديد الشبه برسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
أكثر من أبي بكر الصديق ..
وبالطبع فالمقصود هو الشبه في الأخلاق والأفعال لا في الصور والأجساد...

ويلفت الأنظار ...
أن الصفة الرئيسية التي اشتهر بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مكة قبل البعثة وبعدها ..
هي صفة الصدق، والأمانة، فعُرف بالصادق الأمين..
ثم تجد أن الصفة الرئيسية التي اشتهر بها أبو بكر الصديق ..هي أيضًا صفة الصدق حتى عرف بالصديق..
بل كان عمله في الجاهلية كما سيأتي شرحه إن شاء الله ..
هو ضمان الديات والمغارم، وهو عمل يحتاج إلى صدق وأمانة..

ألا يلفت هذا الأنظار إلى شخصيتين متقاربين جدًا..
حتى في غلبة صفة معينة على لقبهم الذي يشتهران به..
فيعرف هذا بالصادق الأمين، وهذا بالصديق...
بل أعجب من ذلك..
لما نزل الوحي على الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)...

عاد مذعورًا إلى السيدة خديجة رضي الله عنها يرجف فؤاده وهو يقول: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي".

ثم أخبر خديجة بالخبر، وقال لها: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي"...

فقالت خديجة رضي الله عنها وأرضاها: "كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا".

ثم بدأت تصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فماذا قالت؟

قالت: "إنك لتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

هذه هي المبررات التي قالت من أجلها السيدة خديجة إن الله لا يخزي الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
وهي جميعًا صفات تختص بعلاقة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمجتمع الخارجي..
وعلاقاته بالناس، وهي أساس الدين.

احفظ هذا الموقف، وتعال نراجع ما قاله زيد بن الدغنة سيد قبيلة القارة وهو يسأل أبا بكر ..
عن سبب خروجه من مكة مهاجرًا إلى الحبشة..

فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي.

هنا قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله...إنك تكسب المعدوم، وتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".!!

سبحان الله، نفس الخمس صفات التي ذكرتها السيدة خديجة في صفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

هذا الاتفاق الملحوظ يفسر كثيرًا سرعة تلبية الصديق لدعوة الإسلام..
فالدعوة وكأنها أنزلت عليه لا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وحركته لها ستكون في حماسة قريبة جدًّا من حماسة الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
ولا نجد شخصًا فيه هذا التوافق مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
كالذي كان بين الصاحبين الجليلين ...

مما يؤكد أن الله كما اختار محمد (صلى الله عليه وسلم) للرسالة ..
فقد اختار أبا بكر للصحبة.

ثم من فضل الله على الأمة ...
أن استخلف أبو بكر بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فكان امتدادًا طبيعيًّا جدًّا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
ومع عظم الخطب بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ..
إلا أن الاستخلاف بالصديق هون كثيرًا من المصيبة على المسلمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:56


الصديق وسبق الاطمئنان إلى إيمانه

رغم أن أبو بكر كان أول من أسلم .. لكنه كان أحرص على إيمانه من هذا السبق..

روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي ربعي حنظلة بن ربيع الأسيدي الكاتب..
أحد كتاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) ..

قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟

فالصديق يطمئن على حال حنظلة بسؤال عادي: كيف أنت؟..
لكن حنظلة فاجأ الصديق بإجابة غير عادية.. إجابة غريبة..

قال: نافق حنظلة. نافق حنظلة؟!

حنظلة من الرجال المشهود لهم بالإيمان، فكيف يقول ذلك عن نفسه..؟!

تعجب الصديق ، وسارع يقول: سبحان الله، ما تقول؟

فبدأ حنظلة يفسر كلماته العجيبة وقال: نكون عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا..

يقصد أنهم في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتأثرون كثيرًا بالكلام عن الجنة والنار..
حتى وكأنهم يرونها عيانًا بيانًا..
ومن المؤكد وهم في هذه الحالة يعتزمون أن لا يفعلوا شيئًا في حياتهم إلا أفعال الآخرة فقط..
ينوون أن يخرجوا..
فيفردون الأوقات الطويلة في الصلاة والقرآن والقيام والدعوة والجهاد وغير ذلك..
ويصبحون في حالة زهد تام في الدنيا وقناعها..

لكن سبحان الله إذا خرجوا من عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
اختلطوا بأمور الحياة الطبيعية، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات.. والمعايش المختلفة..
عند هذه الحالة الأخيرة ينسون كثيرًا مما سمعوه من الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)..

وهذا التباين في حالتهم في مجلس العلم، وحالتهم في معترك الحياة العامة ...عده حنظلة نفاقًا..!

وهذه ولا شك حساسية مفرطة وتحرٍ عميق لقضية الإيمان..
وكان من المتوقع من أبي بكر الصديق الذي يزن إيمانه إيمان أمة ..
أن يهون الأمر على حنظلة..
ويوضح له أن ذلك يعتبر شيئًا طبيعيًّا..
فمن المستحيل على المرء أن يظل على حالة إيمانية مرتفعة جدًّا دون هبوط، ولو قليل..

وكان من المتوقع من هذا الصديق الذي لا يشك أحد في إيمانه..
والمبشر بالجنة تصريحًا والمقدم على غيره دائمًا..

وكان من المتوقع منه أن يحادثه في قضية الإيمان برباطة جأش، وثبات قدم..

لكن الصديق رجل المفاجآت ...
وقف يحاسب نفسه بسرعة، عقله لا يتوقف عن مساءلة نفسه..
وقلبه لا يطمئن على عظيم إيمانه..
حاسب نفسه بصراحة ووضوح فكانت المفاجأة العظمى أن قال: فوالله إنا لنلقى مثل هذا.

سبحان الله، أبو بكر الصديق المشهود له بالإيمان من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
بل ليس إيمانًا عاديًّا، بل إيمان كإيمان أمة، أو يزيد..
والمشهود له بالتقوى من الله ..

حيث قال في حقه

(وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى)

هذا الرجل يجد في نفسه هذا الأمر الذي خشي أن يكون نفاقًا..
ومع أن الخاطر عجيب ومع أن الهاجس غريب..
ومع أنه من الطبيعي تمامًا لرجل في مكانته أن يطرد هذه الأفكار بسرعة..

إلا أن الصديق ليس كذلك، الصديق يسبق إلى الاطمئنان على إيمانه..

فإذا به يسارع مع حنظلة إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للاطمئنان على قضية الإيمان..

يقول حنظلة : فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على الرسول (صلى الله عليه وسلم) ..

هنا سارع حنظلة يقول: نافق حنظلة يا رسول الله.

فتعجب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال: "وَمَا ذَاكَ؟"

قال حنظلة: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا.

هنا يتكلم الطبيب الماهر، والحكيم العظيم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وكأني ألحظ على وجهه ابتسامة رقيقة وبشرًا في أساريره وحنانًا في صوته بأبي هو وأمي..

وهو يقول في هدوء وتؤدة:

"والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكِمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً". ثلاث مرات...

ومن المفهوم يقينًا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ...
لا يقصد ساعة طاعة وساعة معصية كما يفهم كثير من الجهال..
أن هناك ساعة لله، وساعة يخرجون فيها عن منهجه وشرعه...

لكن المقصود هو ساعة تفرغ وخلوة واجتهاد في الطاعة..
وساعة أخرى تفرغ لأمور الدنيا الحلال..
والذي يطالب الإنسان بها أيضًا في شرع الله كرعاية الأزواج والأولاد..
ومتابعة أسباب الرزق واللهو الحلال، والنوم الذي لا يضيع صلاة..
وغير ذلك من أمور الحياة المختلفة.

الشاهد اللطيف في القصة هو حرص الصديق على قضية الإيمان ..
مع أنه كان من الممكن أن ينتظر حتى يرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في صلاة من الصلوات..
لكنه سارع إليه مطبقًا شعاره

(وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)
الصديق وسبقه إلى الدعوة

سبحان الله..
إن كان عجيبًا سبق الصديق إلى الإسلام..
فلعل الأعجب من ذلك سبقه إلى الدعوة إلى هذا الدين..
وحماسه لنشره وحميته لجمع الأنصار له..
وسرعته في تبليغ ما علم من الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع قلة ما علمه..

فإذا بالصديق يأتي في اليوم الأول لدعوته ...
بمجموعة من الرجال قَلّ أن يجتمعوا في زمان واحد..
الرجل بألف رجل أو يزيد، أتى في اليوم الأول بخمسة هم:

عثمان بن عفان
الزبير بن العوام
سعد بن أبي وقاص
طلحة بن عبيد الله
عبد الرحمن بن عوف

ما هذا؟!

هؤلاء الخمسة، صناديد الإسلام، وعباقرته، أتوا جميعًا على يد الصديق؟

نعم.. والحدث عظيم، ويحتاج إلى وقفات..

فبتحليل إسلام هؤلاء الخمسة يزداد المرء عجبًا..
الملحوظة الأولى

ليس من هؤلاء أحد من قبيلة بني تيم إلا طلحة بن عبيد الله فقط...
وبقيتهم من قبائل أخرى ..

فعثمان بن عفان أموي، من بني أمية..
والزبير بن العوام من بني أسد..
وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف من بني زُهرة..

فالاستجابة له لم تكن من باب القبلية..
لكن كما هو واضح كان له صداقات قوية..
وعلاقات وطيدة بكثير من أركان المجتمع المكي قبل الإسلام..
وهذا ولا شك أساس من أسس الدعوة...

فهل لك علاقات طيبة مع الناس .. صديقك وعدوك .. أم أنك تهمز وتلمز ولا ترى أبعد من أنفك ؟!
الملحوظة الثانية

أن أعمار هذه المجموعة كانت صغيرة جدًّا، وبعيدة عن عمر الصديق..

فالزبير بن العوام كان في 15 من العمر ..
ومع ذلك لم يستقله أبو بكر الصديق وأَسَرّ له بهذا السر الخطير..
سِرّ دعوة الإسلام في بلد لا محالة ستحارب هذه الدعوة..
وهذا يعني أن الزبير في سن ولد في الصف الثالث الإعدادي في زماننا..
ويبدو أن تربيتنا لأطفالنا تحتاج إلى إعادة نظر..!

وطلحة بن عبيد الله كان أكبر من ذلك قليلاً..

وكذلك سعد بن أبي وقاص كان في 17 من العمر ..

وعبد الرحمن بن عوف نحو ذلك ..

وكان أكبرهم عثمان بن عفان .. في 28 من العمر ..

إذن أبو بكر الصديق قبل الإسلام كان له علاقات طيبة مع كل طوائف مكة على اختلاف قبائلها..
وعلى تفاوت أعمارها..
وعندما فكر في تبليغ الدعوة بلغها للشباب من أهل مكة..
وبالذات لأولئك الذين اشتهروا بالطهر والعفاف، وحسن السيرة..
فكان لهم بمثابة الأستاذ لتلامذته، سمعوا له، واستجابوا، فكان خيرًا له ولهم، وللإسلام، والمسلمين,,
وهي إشارة لكل الدعاة أن يعطوا قدرًا أكبر وأعظم للشباب، فعلى أكتافهم تقوم الدعوات.
الملحوظة الثالثة

أنه بعد أن أتى بهذا الرعيل الأول، وهذا المجهود الوافر، ما فتر حماسه، وما كلت عزيمته..
لكنه أسرع في الأيام التالية يأتي بغيرهم..

فأتى بأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وهو من بني الحارث بن فهر.. وكان في 27 عاما ..

وجاء أيضًا بالصحابي الجليل عثمان بن مظعون وهو من بني جمح..

ثم أتى بالأرقم بن أبي الأرقم وأبو سلمة بن عبد الأسد وهما من بني مخزوم..
وما أدراك ما بنو مخزوم، هي قبيلة تتنازع لواء الشرف مع بني هاشم قوم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فكيف أثر عليهما حتى يأتي بهما يدخلان في الإسلام تحت قيادة رجل من بني هاشم؟

هذا أمر لافت للنظر ولا شك..
ومن الواضح الجلي أن الصديق كان قريبًا من قلوبهم..
إلى درجة أقرب من القبيلة والعنصرية والعصبية وحمية الجاهلية..
وغير ذلك من الدوافع المنتشرة في ذلك الزمان...

ومن الجدير بالذكر أن الأرقم بن أبي الأرقم ...والذي فتح بعد ذلك بقليل بيته للمسلمين..
ولرسول الله (صلى الله عليه وسلم)... يعقدون فيه لقاءاتهم ويتعلمون فيه دينهم بعيدًا عن عيون مكة..
ومعرضًا نفسه لخطر عظيم وخطب جليل...
جدير بالذكر أن هذا البطل المغوار والمغامر الجريء كان يبلغ من العمر 16 عاما فقط ..

ولاتعليـــق..
الملحوظة الرابعة

أن 6 من الذين دعاهم أبو بكر الصديق للإسلام ... هم من العشرة المبشرين بالجنة..
وهم صفوة الصحابة وخير الأمة بعد نبيها محمد (صلى الله عليه وسلم)..

والآخرون أيضًا من أهل الجنة إن شاء الله فهم من السابقين السابقين..

وإن العقل ليعجز أن يتخيل حجم الثواب الذي حصله أبو بكر الصديق..
من جراء دعوته لهؤلاء وغيرهم..

فكما قال رسول الله في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة

"مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الآثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا"

وكما قال أيضًا (صلى الله عليه وسلم) في حديث الإمام مسلم عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري..

"مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ"

فتدبر يا عبد الله في أفعال العظماء الذين أتى بهم الصديق ..
تدبر في أعمال عثمان، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وأبي عبيدة..
والأرقم، وأبي سلمة.. وعثمان بن مظعون..

ثم سيأتي بعدهم آخرون أمثال بلال، وعامر بن فهيرة، وغيرهم..
تدبر في ذلك، وأعلم أن أجور هؤلاء جميعًا، ومن هداهم الله على أيديهم..
كل هذا في ميزان الصديق ...
حتى تعلم عظم الدعوة إلى الله..
وشرف العمل الذي وكله الله للأنبياء ومن سار على نهجهم.

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِين)

تدبر في كل هذا..
ثم تدبر في مجهوداتنا لهذا الدين...!!

هذا الصديق أتى بهؤلاء، وحمل معه أجور هؤلاء..

فمَن مِن البشر أتينا به إلى طريق الله..؟

وكم من الأجور حملنا معنا في ميزاننا ؟؟

ونتساءل لماذا استجيب لدعوته بهذه السرعة؟

ولماذا أحبه قومه لهذه الدرجة؟

اسمع كلام طلحة بن عبيد الله ، وهو يصف أبا بكر الصديق..
ولاحظ أن هذا الوصف قاله طلحة بن عبيد الله يوم إسلامه..

قال: وكنت أعرف أبا بكر، فقد كان رجلاً سهلاً محببًا موطأ الأكناف. أي لين الجانب...

فها هي صفة أولى نلاحظها في كلام طلحة ..
فالصديق كان سهلاً محببًا إلى القلوب، كان لينًا مع الناس رفيقًا بهم..
كان حنونًا عطوفًا رحيمًا..
ورجل بهذه الصفات لا بد أن يحبه الناس..

وصدقت يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. "الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلا يُؤْلَفُ"

وقال (صلى الله عليه وسلم) .. "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ"

ونكمل الاستماع إلى وصف طلحة لأبي بكر الصديق .. وكان تاجرًا ذا خلق واستقامة..

وهنا أيضًا نلاحظ سمات لا بد أن تجذب القلوب لصاحبها..
الصديق كان تاجرًا، وكان كثير الأموال، وكان رجلاً معطاءً، كثير العطاء..
والناس بطبعها تحب مجالسة الرجل الذي ألف العطاء، وألف السخاء..
وإن كانوا لا يريدون منه مالاً، فعلى الأقل هو لن يطلب منهم شيئًا..
والناس أيضًا بطبعها تنفر من الذين يطلبون منهم شيئًا، ويستقرضونهم في كل مناسبة..
ومن ثم فلا عجب أن أهل مكة كانوا يحبون مجلس الصديق ..

وفوق ذلك يقول طلحة : كان تاجرًا ذا خلق واستقامة.

والتجارة والمال الكثير كثيرًا ما يغيران من نفوس الناس..
وكثيرًا ما يغش التاجر في تجارته، ويدلس على زبائنه..
وكثيرًا ما يحلف على بضاعته بالكذب ليزداد ربحًا..
والتاجر المستقيم صاحب الخلق لا بد وأن يكون محبوبًا..
ولا بد أن يكون مقربًا لقلوب الناس..

وبالتبعية، فإن الله يعظم جدًا من أجر التاجر المستقيم..

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. "التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ"

فإذا كان التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين..
فما بالك بالتاجر الصِّديق أبي بكر الصديق ؟!

ويكمل طلحة بن عبيد الله كلامه عن الصديق فيقول: وكنا نألفه، ونحب مجالسه؛ لعلمه بأخبار قريش، وحفظه لأنسابها.

فها هي صفة جديدة تحبب الناس في الصديق..
وكان لها أثرًا في استجابة الناس له..
فالصديق كان عالمًا بالعلم الذي يفيد في زمانه..
والعلم الذي يحتاجه أهل البلد علم الأنساب ... وهو كان أعلمهم بالنسب..
وهذا أمر بالغ الأهمية في المجتمع المكي القديم..
وفوق علمه بالنسب، فهو كريم الخلق، فلم يطعن في نسب أحد مهما علم فيه من مثالب ومساوئ..
وهذا يجعله، ولا شك محبوبًا للناس جميعًا..
وهي رسالة إلى كل الدعاة أن عليهم أن يتعلموا العلم النافع الذي يصلح بيئتهم ومجتمعهم..
وأن لا يتكبروا بعلمهم على الناس..
الملحوظة الخامسة

الصديق لم يكن حريصًا على أصدقائه ومعارفه على حساب أهل بيته..
فكثير من الدعاة ينفقون الساعات الطوال في دعوة الآخرين...
ثم هم يقصرون تقصيرًا شديدًا في دعوة أهل بيتهم..
مع أنهم سيسألون عنهم قبل الآخرين..

قال (صلى الله عليه وسلم) ..

"كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"

الصديق كان راعيًا في بيته..
وكان مسئولا عن رعيته ..
أدخل في الإسلام زوجته أم رومان رضي الله عنها..
وزوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها..
وأدخل أولاده عائشة، وأسماء، وعبد الله أجمعين..
ثم ما لبث أن أدخل أمه أيضًا في الإسلام ..
بعد أن طلب من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يدعو لها بالهداية..

وتأخر ابنه عبد الرحمن عن الإسلام كثيرًا فقد أسلم يوم الحديبية..
فشق ذلك على أبي بكر وكان له موقف عجيب معه سيأتي شرحه لاحقًا إن شاء الله..

وتأخر إسلام أبيه أكثر من ذلك..
لكن ما نسيه الصديق ....
حتى كان يوم فتح مكة..
فأتى به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
وكان أبو قحافة أبو أبي بكر الصديق رجلاً مسنًا طاعن في السن .
حتى قالوا: كان رأسه ثغامة (والثغامة نبات أبيض يُشَبه به الشيب) ..

فجاء به الصديق إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

فقال (صلى الله عليه وسلم) وهو الرسول الكريم المتواضع .. "يَا أَبَا بَكْرٍ هَلاَّ تَرَكْتَهُ حَتَّى نَأْتِيَهُ"

فقال أبو بكر في أدب جم: هو أولى أن يأتيك يا رسول الله..

فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

وهكذا فعائلة الصديق كلها مسلمة..
بل لم تجتمع الصحبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أجيال أربعة متعاقبة في عائلة واحدة ..
إلا في عائلة الصديق ..
فالجيل الأول هو جيل أبو قحافة وزوجته والدا الصديق ..
والجيل الثاني هو الصديق وزوجاته..
والجيل الثالث أولاد الصديق أسماء وعائشة وعبد الله وعبد الرحمن..
والجيل الرابع هم أحفاد الصديق ولهم صحبة مثل عبد الله الزبير بن العوام ابن السيدة أسماء..
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر أجمعين..

فهذه العائلة المباركة بارك الله فيها، وعمت بركتها على أمة المسلمين جميعًا...




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:56


أبو بكر وسبقه في كل أعمال الخير

كما رأينا سبقه في الإسلام والإيمان والدعوة..
فإننا أيضًا نرى بوضوح سبقه في كل أعمال الخير..

ففي حديث رواه مسلم عن البزاز ..

"يقول عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: صلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صلاة الصبح..
ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟"
فقال عمر: يا رسول الله، لم أحدث نفسي بالصوم البارحة، فأصبحت مفطرًا
فقال أبو بكر: ولكني حدثت نفسي بالصوم البارحة، فأصبحت صائمًا

فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "هَلْ أَحَدٌ مَنْكُمُ الْيَوْمَ عَادَ مَرِيضًا؟"
فقال عمر: يا رسول الله لم نبرح، فكيف نعود المريض؟
فقال أبو بكر: بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاكٍ، فجعلت طريقي عليه؛ لأنظر كيف أصبح؟

فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ مِسْكِينًا؟"
فقال عمر: صلينا يا رسول الله، ثم لم نبرح؟
فقال أبو بكر: دخلت المسجد، فإذا بسائل، فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن، فأخذتها، ودفعتها إليه.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "أَنْتَ فَأَبْشِر بِالْجَنَّةِ"..
ثم قال كلمة أرضى بها عمر..

بل إن في رواية أبي هريرة في صحيح مسلم ..

يسأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فوق هذا فيقول: "فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟"
فقال أبو بكر: أنا..

وفي نهاية الحديث قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..."مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ".

حقًّا.. من العسير والله أن تحصر مواقف السبق في حياة الصديق ..
فالسبق في حياته يشمل كل حياته...

يلخص هذا عمر بن الخطاب في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي..

يقول عمر: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي..
قلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يومًا. فجئت بنصف مالي...
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟"
قلت: مثله.
وأتى أبو بكر بكل ما عنده
فقال(صلى الله عليه وسلم) ... "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟"
قال: أبقيت لهم الله ورسوله
فقلتُ -أي عمر-: لا أسبقه في شيء أبدًا...
أبو بكر الصديق وإنكار الذات

كان الصديق من أروع الأمثلة الإسلامية على صفة إنكار الذات..
أنكر الصديق ذاته في حق الله..
فلا يأمره الله بشيء ولا ينهى عن شيء إلا امتثل..
واستجاب مهما كانت التضحيات..
والصديق أنكر ذاته في حق رسول الله ..
ومواقفه في إنكار ذاته مع الرسول لا تحصى..
فهو لم يكن يرى نفسه مطلقًا بجوار رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

والصديق قد أنكر ذاته مع المؤمنين..
حتى من أخطأ في حقه منهم..
بل حتى من تجاوز خطؤه الحدود المألوفة المعروفة بين الناس.

إنكـار الذات معناه: أن الإنسان لا يرى نفسه مطلقًا..
ليس لنفسه حـظٌّ في حياته، وإن كان حلالاً، وإن كان مقبولاً في عرف الناس، وفي الشرع..
لكنه دائمًا يؤخر نفسه، ويقدم غيره...

إنكار الذات معناه: أن تتخلص النفس من حظ النفس..
فلا تهتم بثنـاءٍ، ولا مدح، ولا تنتظر أن يشار إليها في قول أو فعل...

إنكار الذات معناه: أن تؤخر حاجات النفس الضرورية، وتقدم حاجات الآخـرين...
حتى وإن لم تربطك بهم صلات، أو علاقات رحم، أو مصلحة، أو مـال...

إنكـار الذات هو أعلى درجات السمو في النفس البشرية..
تقترب فيه النفس من الملائكة، بل لعلها تفوق الملائكة..
لأن الملائكة جبلت على الطـاعة..
أما الإنسان فهو مخير بين الخير، والشر.

ولعل أكثر مثل يوضح لنا إنكار الذات نجده في الأم، في تعاملها مع أولادها..
وليس معنى إنكار الذات، أن الإنسان لا قيمة له، بل على العكس..
فالمنكرون لذواتهم هم أعلى الناس قيمةً، وأرفعهم قدرًا..
لكنهم لا ينتظرون من الناس مقابلاً...

الأم مثلاً لا ترى نفسها أمام أولادها، قد تتعب، قد تـسـهر، قد تنفق، قد تـسـاعد..
تفعل أي شيء، أي شيء، وهي سعيدة بذلك؛ لأنها أسعدت أولادها..
ولا ترى ما أصابها من تعب أو سهر أو مرض، هذه هي الأم.
بيد أن إنكار الذات عند المؤمن أعلى من ذلك، أعلى من ارتباط الأم بوليدها...

لمـاذا ؟

ذلك لأن الأم ترتبط بوليدها برابطة فطرية، طبيعية..
كما أنها لا تنكر ذاتها إلا مع أطفالها، فقد لا تفعل ذلك مع جيرانها، أو معارفها، أو أقاربها، أو حتى مع زوجها..

أمـا المؤمن الذي يفعل ذلك، فإنه ينكر ذاته في حياته كلها، مع القريب والبعيد، مع الأهل..
وغيرهم، مع الأصحاب، وغير الأصحاب..
بل قد يفعل ذلك مع من أخـطـأ في حقه وآذاه، صفة عجيبة حقًّا، صعبة، عالية جدًّا,,
في أعلى درجات سلم الإيمـان...




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
frimija
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 03/04/2013

مُساهمةموضوع: رد: ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !   الأربعاء 26 نوفمبر - 15:57

ننتظر باقى الثمرات\
http://forum.islamstory.com/75668-%CB%E3%DC%DC%D1%C7%CA-%E3%E4-%CD%ED%C7%C9-%C7%E1%C3%D1%C8%DA%C9-3.html
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ثمــرات .. من حياة الخلفاء الأربعة،أبو بكر ،عمر،عثمان،علي !
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: