منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:11

المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف

المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف

المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف

المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف
المسلك النافع القويم



في تدبّر سور القرآن الكريم



أبو محمد عبد الله بن سعيد اليوسف



الجزء الأول



بسم الله الرحمن الرحيم



وبه وحده أستعين

 إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
 أما بعد..
 فإن من أعظم أسباب سعادة العبد وراحته في دنياه أن يعيش في كتاب الله تعالى متدبّراً له ومستخرجاً لمعانيه وكنوزه، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في مقدمة كتابه (مدارج السالكين)(1/6-7) ما نصّه: (...كان حقيقاً بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية ويخلص به من الخسران المبين، وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهّمه وتدبّره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه وصرف العناية إليه والعكوف بالهمّة عليه، فإنه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد، والموصل لهم إلى سبيل الرشاد)أ.هـ
 فهذا الذي وصفه ابن القيم أمر يعلمه بيقين كل من حصّل منه نصيباً بفضل ربه عليه، خصوصاً إذا كان ذلك في وقت محنة وشدّة وضيق كما كنّا نحن، وذكَّرَنا ذلك بما قرأناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية حين سجن في آخر حياته في قلعة دمشق حتى توفي رحمه الله، فكان يخبر عن مدى راحته واستقراره في سجنه ذاك بتدبّره للقرآن الكريم، وبما فتح الله عليه من معاني كتابه؛ لم يكن قد أدركها قبل سجنه رغم سعة علمه بكتاب الله تعالى واشتغاله به طول عمره، حتى قال قولته المشهورة: (ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنّتي وبستاني في صدري، أنّى رحت فهي معي لا تفارقني...).
 وحُقّ لحياة تُقضى في تدبّر كتاب الله تعالى أن تكون جنّة وبستاناً، فهي نعمة عظيمة لا يعرفها إلا من ذاقها، لأنها ترفع العمر وتباركه وتزكّيه، كما قال ذلك سيد قطب رحمه الله عن تجربته في ظلال القرآن، وزاد: (ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي) كما في مقدمة كتابه (في ظلال القرآن).
 فمن أجل أن تكون حياتنا على وفق ذلك قدر الإمكان أحببنا أن ننفع إخواننا في الله بأن ننقل لهم ما نستطيعه منه، قياماً بواجب التعاون على البرّ والتقوى الذي أمر الله تعالى به، ونسأله عزّ وجلّ أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه وأن يتقبّله منا ويجزينا عليه أعظم الجزاء، فهو الكريم المعطاء سبحانه وتعالى.
 وليست مباحثنا هنا من قبيل التفسير لكتاب الله تعالى، بل هي مما نرجو أن تكون نافعة في تدبّر القرآن العظيم، وهذا ما نحرص على بيانه هنا من كلام أهل العلم؛ وهو التفريق بين تفسير القرآن الكريم وبين تدبّره، فالتفسير هو بيان ألفاظه وظواهر معانيه وفق كلام العرب، وهذا ما لا جديد عندنا فيه حتى ننفع به أحداً، لكن الذي يمكن أن يُنتفع به من دراستنا هذه هو تيسير الطريق لتدبّر كتاب الله تعالى.
 وقد بيّن الفرق بين تفسير القرآن وبين تدبّره الإمام الشاطبي رحمه الله في (الموافقات)(3/254-260) ضمن المسألة الثامنة من مسائل الدليل الأول "الكتاب"، وملخص الفرق بينهما يرجع إلى أن التفسير هو بيان ظاهر المعنى وما يجري وفق كلام العرب كما قال الشاطبي (3/255): (فظاهر المعنى شيء، وهم عارفون به لأنهم عرب، والمراد شيء آخر)، أما التدبّر فهو بيان مراد الله تعالى ومقصده من كلامه ذاك. قال الشاطبي (3/257): (فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها؛ فهو داخل تحت الظاهر)، ثم قال بعدُ (3/258): (وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار لله بالربوبية؛ فذلك هو الباطن المراد، والمقصود الذي أُنزل القرآن لأجله)أ.هـ
 فكان تدبّر القرآن إذن هو ما قرّره الشاطبي (3/255): (فالتدبّر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد)، وقال أيضاً (3/277): (كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقّه في العبارة، بل التفقّه في المعبّر عنه وما المراد به، هذا لا يرتاب فيه عاقل)أ.هـ
 وقد مثّل رحمه الله بأمثلة عديدة، أوضحها وأصحّها ما ثبت في صحيح البخاري (3428، 4043)؛ من أن عمر رضي الله عنه كان يُدخل ابن عباس رضي الله عنهما مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (لمَ تُدخله ولنا أبناء مثله؟) فقال له عمر: (إنه من حيث تعلم)، ثم سأله عن قوله تعالى: {إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ} وقرأ السورة إلى آخرها، فقال ابن عباس: (هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه)، فقال عمر: (ما أعلم منها إلا ما تعلم). قال الشاطبي (3/256): (فظاهر السورة أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُسبّح بحمد ربه ويستغفره إذ نصره الله وفتح عليه، وباطنها أن الله نعى إليه نفسه)أ.هـ
 فمباحثنا هنا تُعنى بهذا التدبّر قدر المستطاع بمعونة الله وحده، وهي في الأصل من مدارستنا للقرآن وتدبّره. وقد أشار علينا بعض أصحابنا بضرورة تسجيلها وحفظها، فعزمنا على هذا الأمر طمعاً في الثواب الذي فيه، ورغبة لما قد يحصل به من النفع، دون ادّعاء الكمال أو الصحة المطلقة فيه، بل نرجو ذلك ونستغفر الله تعالى من الخطأ والزلل. فيسّر الله تعالى لنا فكانت دروساً صوتية مسجّلة بحضور بعض الإخوان، ثم ارتأينا لتعميم النفع بها والازدياد من الأجر إن شاء الله؛ أن نجعلها مكتوبة  مطبوعة، مع بعض التعديلات اليسيرة التي تقتضيها حالة المكتوب عن المسموع.
 ولا تغني هذه المباحث عن التفسير كما قلنا، بل هي يمكن أن تصلح كمقدمةٍ لتفسير كل سورة من كتاب الله تعالى، أردنا بها أن نعطي تصوراً نحسبه كاملاً عن السورة، قبل الولوج في تفسيرها عند أهل العلم.
 والله تعالى هو الموفق لسبل الخير والرشاد، وهو المستعان على ذلك دائماً وأبداً.


والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات



وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:12

مقدمة المباحث المسجّلة

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
{يا أّيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنْساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.
{يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
أما بعد..
فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عِوَجاً، والحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وتبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً.
ثم أيّد رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأعظم البراهين والحجج التي أيّد بها رسله على الإطلاق، وكان أعظم ذلك هو كتابه الذي أوحاه إليه القرآن الكريم.
وقد أرشدنا فيه إلى تدبّر آياته؛ فقال في موضعين منه: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ}، وبيّن حكمة إنزاله؛ فقال: {كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ}.
فالغرض منه للتدبّر والتذكّر، وإن كان الله تعالى قد أنعم علينا نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فجعل أجر تلاوة كتابه نائلاً لكل مَن تلاه بتدبّر أو غيره، كما جاء في الحديث بأن مَن قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات([1])؛ فلم يشترط التدبّر والله أعلم، لكنّ تدبّر القرآن ينفع ويظهر أثره في زيادة المعرفة بالله تعالى والفهم في الدين، الذي يوصل إلى زيادة الإيمان، أما الأجر فهو عام كما سبق؛ ليشترك في ذلك العالم والجاهل، والقارئ والأميّ.
لكن الناظر في أوجه تدبّر القرآن الكريم يجد العجب العجاب، وقد جاء في الأخبار التي تصحّ بنفسها أو بمعناها بأن كتاب الله تعالى القرآن له في كل عصر تناولٌ وتأثيرٌ بحيث يُظن به بأن القرآن لم ينزل إلا لأهل ذاك العصر فقط، حتى إذا مضى ذلك الزمان وأتى مَن بعدهم فيجدون في كتاب الله تعالى ما لم يكن عند الأولين فيظنون بأن أسلافهم قد قصّروا في فهم آيات القرآن الكريم، وهكذا مع مَن بعدهم. وهذا يدلّ على إعمال آيات القرآن الكريم؛ ببراهينها وحججها؛ في كل العصور.
ثم إن إعجاز القرآن وبراهينه متنوّعة في شتّى المجالات؛ فقد يُتناول من ناحية الفصاحة والبلاغة، وقد يُتناول من ناحية حكمة التشريع والأحكام والأوامر والنواهي، وقد يُتناول من ناحية العلل والأسباب والنتائج، وقد يُتناول من ناحية الاكتشافات العلمية، وقد يُتناول حتى من جهة أثره في القلوب وترقيقها، إلى آخر هذه المفردات التي يصعب حصرها.
فكل مجال من تلك المجالات لكتاب الله تعالى فيه دلائل وبراهين، وبالنتيجة لا يمكن حصر دلائل القرآن الكريم وبراهينه في بعض هذه المجالات، كما لم يمكن لأهل عصر من العصور أن يحيطوا علماً بكتاب الله تعالى، ونحن نعني هنا الإحاطة به لا مجرد فهمه، فإن الفهم هو مناط التكليف.
وهذا الذي قلناه بشأن القرآن الكريم هو من إعجازه وبراهينه، وقبل كل ذلك هو من رحمة الله تعالى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وإنعامه عليها وتفضيله لها؛ فاختصّها بهذا الكتاب، بل إن كل النِعم التي اختُصّت بها هذه الأمة كان أعظمها ومَجمعها تولّيه سبحانه بنفسه حفظ القرآن الكريم ولم يَكِله إلى أحد منهم، بخلاف مَن قبلهم كاليهود والنصارى؛ فإن الله تعالى قد وَكَل حفظ كتبهم إلى علمائهم كما قال: {وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ}، فاستحفظهم الله تعالى كتبهم وجعلها عُهدة عندهم وهم يتولّون حفظها ولم يتكفّل لهم بذلك، وقد ضيّعوها ولا ريب، حتى ولو كانوا حريصين عليها ولم يتعمّدوا التحريف، فإنهم بشر ولا بدّ أن يقصّروا. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال لها ربها: {إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ}؛ يعني كما أنزلنا نحن هذا الذكر فنحن من يحفظه ولا نَكِله إلى غيرنا.
ولو حاولنا أن نستشرف الحِكَم من ذلك؛ يعني لماذا لم يتعهّد الله تعالى لليهود ولا للنصارى بحفظ كتبهم؟ على خلاف ما تعهّد به لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ونحن نبحث هنا عن غير مسألة الفضيلة؛ فإنها لا شكّ تدلّ على فضيلةٍ لهذه الأمة، لكن نريد معرفة ما يترتّب على ذلك غير كونها دليل تفضيل وإنعاماً محضاً.
نقول: لو حاولنا أن نستشرف الحكم من ذلك؛ لرأينا أهمّ شيء هو ما يتعلّق بطبيعة رسالة كل نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم، إذ من المعلوم أن كل نبي قبله كانت رسالته خاصّة بقوم معينين ولمدة محدّدة كذلك، أي أنها محدودة زماناً ومكاناً، والنبي الوحيد الذي عمّت رسالته في الزمان والمكان هو محمد صلى الله عليه وسلم كما قال في الحديث الصحيح: (أُعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد من النبيين قبلي؛ نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وأُحلت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة).
ولأن القرآن العظيم كان هو البينة العظمى والبرهان الأساسي الذي أيّد الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأن رسالته عامة كما قلنا؛ فينبغي لدلالة رسالته وبرهانها هذا أن يكون دائم التأثير والعمل إلى قيام الساعة حتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كي يصحّ بقاء الإلزام بها.
أي أنها تبقى مؤثرة ودالّة على رسالته بين بني آدم بنفس الدلالة والتأثير، بينما كانت دلالة نبوة أي نبي قبله تنتهي بموت ذلك النبي، فلا يبقى عند أتباعه سوى أخبار عن ما كان يفعله نبيهم وكيف كانت أحواله؛ فهي أخبار مجردة تحتاج إلى من يصحّحها أولاً، فضلاً عن أن تكون مؤثرة كبرهان عامل ومؤثر، كما هو الشأن في حقّ موسى وعيسى عليهما السلام وهما من أفضل أنبياء الله تعالى فكيف بمن سواهما!
وهذا المعنى الذي قلناه هو الذي يمكن أن يُفهم من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في (الصحيحين)، ونصّه: (ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)، هذا الفرق في البرهان والدلالة كان له أعظم الأثر في كون الدعوة إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم ودلائلها لا تختلف باختلاف الأزمان، فكلهم متساوون في ذلك، ومن ثَمّ لا اختصاص لبعضٍ على بعضٍ في وضوح الدلالات والهدى الواصل إليهم.
وهناك أمر آخر يتعلّق بعدم تعهّده سبحانه لأي أمة قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم بحفظ دينها ولا كتابها؛ وهو أن تلك الرسالات لأنها مؤقتة؛ فلا يصحّ أن تبقى مصانة محفوظة حين مجيء الرسالة الخاتِمة، لأنها تكون حينئذ مصدر إرباك وتضليل لا مصدر هداية كما كانت أول أمرها، ولهذا والله أعلم سلّط الله عليها بعضاً من خلقه من أهل الكفر والضلال أولئك فبدّلوها حتى لم يبقَ لها في نفوس مَن يعرفها أي مكانة كمصدر هداية.
ولو فرضنا أن جميع ما أنزله الله تعالى على أنبيائه أو غالبه قد حُفظ لأصبح عند بني آدم من موروث الرسالات ما يصعب حصره، فضلاً عن أن فيه المبدّل والمنسوخ والمؤقّت وما إلى ذلك؛ فكان في هذا التقدير من الله تعالى حكمة، بل ورحمة بخلقه، حتى إذا جاءت الرسالة الخاتِمة التي يريد الله تعالى من بني آدم أن يكونوا جميعاً على نهجها؛ تعهّد لهم بحفظها إلى آخر حياتهم، مع إذهاب القدسية والمكانة الرفيعة من قلوب عباده المؤمنين تجاه ما أنزله الله سلفاً على أنبيائه وإبقائها تجاه القرآن الكريم.
وهذا أمر مشاهد ومحسوس لنا نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإننا رغم إيماننا بأن الله تعالى هو الذي أنزل التوراة والإنجيل، وإيماننا بذلك من أصول الإيمان لكنه إيمان مجمل، بل إن التوراة عندنا أعظم مكانة وأفضل من الإنجيل كأفضلية موسى على عيسى عليهما السلام، خصوصاً وقد جاء في الأخبار بأن الله تعالى قد كتب التوراة لموسى بيده([2])، وقرن الله تعالى التوراة بالقرآن في تحدّيه لأهل الكفر بأن يأتوا بكتاب أحسن منهما وأهدى كذلك؛ فحكى قول أهل الكفر: {فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَما أُوتِيَ مُوسى}، فتحدّاهم الله تعالى بقوله: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ الله ِهُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} فهذا خبر من الله تعالى بأن أهدى ما أنزله على عباده وأفضله هو القرآن والتوراة.
ومع كل تلك المكانة المعروفة عندنا للتوراة فليست هي سبيل هداية أبداً، ولو افترضنا أنها بقيت مصانة محفوظة وهي بتلك المكانة فلا يعلم إلا الله تعالى كم كانت لتشكّل مصدر إرباك إن لم تكن ضلالاً مبيناً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرضَ منّا أن نتناول التوراة أو نحوها مما أنزله الله تعالى سلفاً على أنبيائه تناول الباحث عن الحق، كما جاء في الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم حين رأى بيد عمر بن الخطاب صفحة من بعض كتب أهل الكتاب غضب فأخذها وأحرقها وقال: (والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حياً ما وَسِعه إلا أن يتبعني)([3])، وهذا بغضّ النظر عن كونها محرّفة ومبدّلة بل هو الشأن معها حتى لو كانت محفوظة مصانة، فكيف وقد بُدّلت!
والمهم من كل ما تقدّم بيان الحكمة والرحمة والنعمة الفضلى من الله تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تولّيه سبحانه حفظ كتابها، بل حفظ دينها بحفظ أصوله: القرآن والسنة؛ فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم محفوظة أيضاً مع القرآن كما هو الصحيح عند أهل العلم بأدلة ليس هذا موضعها.
ولو تخيّلنا حالنا لو أن الله تعالى لم يتعهّد لنا بحفظ ديننا فقدّر لنا كما قدّر لليهود والنصارى فَوَكل حفظ ذلك إلى علمائنا، وتمرّ علينا أزمان من الفتن والاختلافات في الأفكار والاعتقادات وفي ما يُظن أنه من شرع الله تعالى؛ إذ كل الطوائف في مواطن الاختلاف تدّعي أنها على الحق وعلى الصراط المستقيم، فكيف السبيل لحلّ هذا الإشكال لو لم يتعهّد الله تعالى لنا بحفظ كتابه وأصول دينه من بعده!
فنحن في كل مواطن الخلاف ننادي بالرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتكون تلك حجة صاحب الحق على مَن سواه، لعلمنا وتيقّننا من أن الله تعالى قد تعهّد لنا بحفظ ذلك كله، وهو المحمود والمشكور على ذلك بما يستحقّه تبارك وتعالى.
ثم إن هذا الحفظ يتعدّى كونه فضيلة لهذه الأمة كما قلنا، بل يترتّب عليه من ضمن ما يترتّب عليه شيء في غاية الأهمية وهو الذي يعنينا هنا، ذلكم هو الأمر من الله تعالى بتدبّر القرآن وعقله وفهمه، فهذا الأمر مستمر إلى قيام الساعة؛ يعني متوجّه إلى أهل كل عصر أن يتدبّروا كتاب الله تعالى ويُعملوا الفكر في آياته والوقوف عندها واستخلاص معانيها، دون الخروج عن هدي السلف الصالح طبعاً، لكن بما يعنيهم ويتوفّر عندهم من مستجَدّات.
وإنه والله من أعظم ما يُنعم الله تعالى به على عبده أن يوصله إلى مرحلة حين يسمع كلام الله تعالى في القرآن الكريم يفهم خطاب ربه إليه ويفهم بأن الأمر متوجّه إليه بشخصه، خصوصاً في أحوال المحن حين تضيق الأمور على العبد فيتوجّه إلى القرآن إذا وفّقه الله تعالى، حين ذاك إذا قرأه أو سمعه استحضر أن المتكلم معه هو ربّ السماوات والأرض، مالك الملك، ربّ العرش العظيم؛ يخاطبه بشخصه: أنت يا فلان بن فلان، يخاطبه في محنته تلك ويسرّي عنه ويكشف غمّته، ويخرجه من تلك الظلمات كما وعد وقال: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ}، ولا شكّ أن المحنة هي من الظلمات، كحال الشكّ والريبة والجزع والترددّ ونحو ذلك، فكلها من الظلمات التي يخرج الله تعالى عباده المؤمنين منها إذا أخلصوا التوجّه إليه. وهذا الأمر إن حصل لهو كافٍ للعبد حين يعلم بأن ربه العظيم الشأن هذا ليس غافلاً عن حاله، وهاهو يخاطبه في ظلمته هذه، مهتمّ بأمره رغم ضآلة حجمه وقلة شأنه، فهذا لوحده مكسب للعبد ، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك أنه يخاطبه ليجيب عن سؤالاته أو حيرته إن كان في حيرة وتساؤل، أو يعينه ويصبّره إن كان محتاجاً لذلك!
حين ذاك تتضاءل المحنة حتى تختفي أو تكاد، ويسمو عندها إيمانه بالله تعالى ويستشعر بأنه قد أُخرج من تلك الظلمة إلى نورٍ من الله تعالى، وكل ذلك ببركة تدبّره لكتاب الله تعالى القرآن العظيم هذا، ويتحقّق عنده حينها ما وعد الله تعالى به عباده جميعاً بقوله: {يا أَيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ}، فهذه الأوصاف لكتاب الله تعالى شاملة لكل حاجات العبد وهو أحوج ما يكون إليها؛ الموعظة والشفاء والهدى والرحمة، وكل ذلك إنما هو من فضل الله ورحمته بخلقه.
ولسنا بصدد بيان فضل تدبّر كتاب الله تعالى وتعلّمه، وإن كان فضل ذلك عظيماً كما في الحديث الذي في (الصحيح) من رواية عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه)؛ والحديث عام في أي تعلّم من كتاب الله تعالى كتعلّم حروفه وآياته، وتعلّم تلاوته وأصول ذلك، وتعلّم معانيه وتفسيره، وكذا تعلّم أحكامه وما إلى ذلك، فالحديث عام في كل شؤونه والله أعلم.
لكن نحن نريد هنا لفت النظر إلى ما اختصّ الله تعالى به كتابه القرآن من بين كل الكتب التي أنزلها على أنبيائه أو التي نُقلت عنهم، حتى سنة النبي صلى الله عليه وسلم على شرفها وفضلها وكونها محفوظة مع القرآن أيضاً كما قلنا؛ ليس لها مثل هذا الفضل وهذه الميزة.
فكتاب الله القرآن؛ تقرؤه بفهم معانيه أو بدون فهم تنال الأجر كما في الحديث الذي تقدّم.
وتقرؤه بإحسان تلاوته أو بدون ذلك تنال الأجر أيضاً، كما في الحديث الذي في (الصحيح) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاقّ له أجران)؛ فمع تفريقه في الأجر بين الماهر وبين غيره إلا أن الله تعالى ضمن لكل قارئ أجراً يناسبه بل أجرين.
وكذا تقرؤه بتطبيق ما فيه من أوامر ونواهٍ أو بدون تطبيق تنال أجر التلاوة، وإن كان الإثم يلحق من جهة أخرى، لكن المهم أن أجرَ تلاوته إن كان يراد بها وجه الله تعالى وليس رياءً ولا سمعة غيرُ متوقّف على تطبيق ما فيه.
وكل هذه الأوجه لا يمكن أن تَرِد في غير القرآن الكريم، فإن أي كتاب آخر سواه إن قرأته بدون فهم أو بغير إحسان ونحو ذلك؛ لا تنتفع منه بشيء.
أما إذا انضم إلى تلاوة القرآن الكريم حسن التلاوة، وفهم المعنى، والالتزام بأوامره ونواهيه، ثم دعوة الخلق إليه وتعريفهم به؛ فهذا أجر زائد كلٌّ بحسبه، كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}؛ فحقّ التلاوة يبتدئ بإحسان تلاوته وأداء حروفه، ثم فهم معانيه، ثم العمل بذلك بتحليل حلاله وتحريم حرامه والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه، ثم الدعوة إليه وعدم كتمانه، فكل هذا والله أعلم من حقّ تلاوته.
ثم إن تدبّر آيات القرآن الكريم يزيد المرء معرفة بالله تعالى، بل إن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وشؤونه لا يمكن أن ينالها أحد من غير كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومعرفة الله تعالى توصل إلى محبته؛ فلا شكّ أنه جلّ شأنه كلما عُرف أكثر ازدادت المحبة له تبارك وتعالى، وسبيل ذلك هو هذا الذي قلناه.
وكلنا نعلم حال قريش حين كانت تسمع آيات القرآن الكريم من النبي صلى الله عليه وسلم وأنها كانت تصيبها الأهوال وتنجذب إليه، في حوادث كثيرة من السيرة حتى من أشدّ الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم كأبي جهل وغيره، وقد ثبت في (الصحيح) أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس، وقطعاً لم يكن سجودهم هذا تصديقاً وإلا لما كانوا مشركين لكنهم سجدوا رغماً عنهم، لأن ما سمعوه أخذ بكل حواسّهم إلى الحدّ الذي حين قال لهم "اسْجُدُوا" سجدوا، وهذا ما يجب أن يستوقفنا؛ فما الذي كانوا يجدونه في كتاب الله تعالى حتى يُحدث عندهم مثل هذا الأثر، وما الذي عَدِمَه المتأخرون حتى غاب مثل هذا الأثر عنهم.
فمشركو قريش كانوا يدركون ما للقرآن من أثرٍ في القلوب، فكانوا يتواصَون بينهم كما حكى الله تعالى عنهم: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} فهم يتواصَون بعدم السماع له خوفاً من تأثيره عليهم، وكذا جاء في السيرة([4]) قصة الطفيل بن عمرو الدَّوسي حين قدم مكة، وكان شاعراً لبيباً، فحذره رجال من قريش أن يكلّم النبي صلى الله عليه وسلم أو أن يسمع منه شيئاً، ولشدّة تحذيرهم له وضع في أذنه الكُرسُف وهو القطن خوفاً من أن يسمع منه شيئاً، إلى آخر قصة إسلامه رضي الله عنه، فهذا صنيعهم لأنهم يعلمون ما للقرآن من تأثير وأنه يفعل الأعاجيب، خصوصاً مع رجل مثل الطفيل في عقله وفهمه، فأوجدوا مثل هذا الحاجز بينه وبين القرآن الكريم.
ومثل هذا الحاجز وغيره من الحواجز صنعها أعداء ديننا بيننا وبين كتاب ربنا، فأصبحنا نقرؤه ولا نفهمه لقلّة معرفتنا بلغتنا التي أنزل الله بها لنا كتابه هدى ورحمة، بل بلغ الأمر أن تجد أهل الشرك بالله تعالى كالروافض وأمثالهم يتلون آيات الله تعالى التي فيها تقرير توحيده ونبذ الشرك به؛ في مواضع شركهم كالمراقد والمشاهد والقبور، مما يدلّ على عِظَم تخلّفهم في فهم القرآن الكريم، وكانت قريش أفضل حالاً منهم في ذلك؛ لأنهم كانوا إذا سمعوه فهموه، فلذا تواصَوا بينهم بعدم سماعه، أما هؤلاء فهم يسمعونه بل ويتلونه تعبّداً، وهم قائمون على ما يريد القرآن نقضه، فما أشدّ جهلهم!
وهذا يوصلنا إلى أن تدبّر آيات القرآن الكريم يحتاج من المرء معرفة مسبقة بلغته وما إلى ذلك ليحقّق مبتغاه كما قلنا، ولاشكّ أن في كتب التفسير معونة كبيرة على ذلك، لكن لا تكفي هي لما نريده من تدّبر آيات القرآن الكريم([5]) بل لا بد من أن تكون لأهل كل عصر محاولات في هذا الشأن، خصوصاً وقد قدمنا ما لآيات القرآن الكريم من إعمالٍ في كل عصر بما يناسبهم وبما يعينهم في فهم مراد الله تعالى منهم في كتابه.
وقبل البدء في استعراض ما يقدّره الله تعالى لنا من السُوَر والآيات لابدّ من ذكر أمرين من الثوابت بشأن ترتيب القرآن الكريم:
أولهما: أن نعلم بأن ترتيب الآيات في السورة الواحدة هو أمر توقيفي من النبي صلى الله عليه وسلم وهو من الله تعالى، إذ من المعلوم أن كل سورة في القرآن الكريم لم تنزل جملة واحدة إلا عدداً قليلاً منها كالمائدة والأنعام والسور القصار، أما غالبها فكان نزولها مفرّقاً، وكانت الآية حين تنزل يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا([6])، وهذا الأمر لا خلاف فيه بل الإجماع والنصوص تدلّ عليه كما قال السيوطي([7]) وغيره.
والأمر الثاني: ترتيب السور في القرآن الكريم توقيفي أيضاً، وهذا على الصحيح الراجح عند أهل العلم، وما يُنقل من اختلاف في ترتيب بعض السور بين مصاحف بعض الصحابة رضي الله عنهم؛ قصارى ما فيه دلالته على تنوع الترتيب الواجب، لا على عدم وجوبه كما قال ذلك بعض أهل العلم([8]).



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:13

هذان الأمران لابد من وقفة عندهما لمحاولة إدراك شيء من الحِكَم في ذلك، فمَثَلاً: ما الحكمة في كون أول الآيات النازلة في المدينة بشأن صفات أهل الإيمان وأهل الكفر وأهل النفاق في سورة البقرة؟ التي فيها أيضاً آخر ما نزل من القرآن وهو قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} كما جاء في الأخبار. ثم ما المعنى كذلك في كون سورة البقرة هي أول سورة في ترتيب القرآن الكريم؟ فلا بد من أن تكون من وراء ذلك حكمة نحاول أن ندرك ولو شيئاً منها في مباحثنا هذه.
ثم هذان الأمران يبينان كذلك أن ترتيب نزول القرآن الكريم أول الأمر لم يتلقَّه إلا صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الترتيب مناسباً لأهل ذلك العصر فقط، أما كل مَن بعدهم من عصر التابعين إلى قيام الساعة فلا يناسبهم إلا هذا الترتيب الذي استقرّ عليه القرآن الكريم، والذي نحن بصدده الآن ونحاول أن نستكشف بعضاً من الحِكَم فيه؛ وهو أن الله تعالى يعلم أن أول نزول القرآن بوجود النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحقّق الحكمة الشرعية حينها.
تلك الحكمة التي يؤدّيها عن هذين الاثنين؛ الترتيب الذي استقرّ عليه القرآن الكريم، فكان تسلسل نزول القرآن مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم؛ كلاهما يقومان مقام ترتيبه بعد ذلك أو بالعكس أيضاً.
ولهذا لم تكن هناك أهمية كبرى وحاجة ماسّة إلى النصوص التي تتناول سبب نزول الآيات أو أوقاتها إلا في اليسير من ذلك، فكان نسبة ما صحّ منها قليلة إذا ما قورنت بسائر النصوص أو الأخبار، وهذا ما يعلمه المتخصّصون في هذا العلم الشريف، فتوجيه ذلك: أن أهل الحديث ورواته رغم شدّة عنايتهم بالنقل وحرصهم عليه لم يجدوا في غالب هذه النصوص ما ينبني عليه شرع بالنسبة للمتأخرين عن عصر الصحابة فلم يوجّه الله تعالى هِمَمَهم إلى حفظها ونَقْلها كما حصل في سائر أنواع الأخبار والروايات الأخرى، والله أعلم.
والذي يلفت النظر في تسلسل سور القرآن الكريم أنها لم تكن على التسلسل الزمني؛ فقد ابتدأ القرآن الكريم بأربع سور مدنية ولم يبتدأ بالسور المكية وهي أسبق نزولاً، وفيها المائدة وهي آخر سورة كاملة نزلت كما جاء في الأخبار. وكذا لم تكن سور القرآن الكريم على عكس التسلسل الزمني؛ يعني يبتدأ بالآخِر نزولاً. وليس التسلسل كذلك بحسب طول السورة كما يُظن؛ لأن ذلك إن صحّ في سورة البقرة فلا يصحّ في ما بعدها، فسورة النساء أطول من سورة آل عمران وهي بعدها، وكذا بخصوص سورة المائدة مع سورتي الأنعام والأعراف وهكذا.
فلا يمكن إلا أن يكون هذا التسلسل يراعي معانٍ هي التي يريد الله تعالى لعباده أن يفهموها وأن تَصِلَهم حين يغيب عنهم رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يكون عندهم من وحي الله تعالى سوى هذا الكتاب.
وهذا الذي قلناه وإن كنّا لا نملك دليلاً شرعياً منصوصاً عليه لكنه يجري ضمن عموميات أمر الله تعالى وتقديره وأن ذلك لابد وأن يجري على حكمة مقصودة، خصوصاً في أمر قد أُلزمنا به نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ بأن يكون كتاب ربنا بهذا الشكل والترتيب. على خلاف ما عليه التوراة عند اليهود أو الإنجيل عند النصارى إذا تجاوزنا قضية التحريف فيهما. وكذا على خلاف حال الكتب التي نقلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها وإن كانت وحياً من الله تعالى أيضاً إلا أنها تختلف في التسلسل فيما بينها وإن حَوَت نفس النصوص، ذلك أنها من جهد بشرٍ ومن فعلهم، وإن كانت محفوظة بلا شك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن القرآن الكريم قد تعهّد الله تعالى لنا بحفظه، فلابد من أن يحفظه كلياً بنصوصه وشكله وتسلسله، لا لمجرد الحفظ فقط بل لأن الله تعالى يعلم بأن هذا هو الأنفع لإيصال مراده كما قلنا، سواء بالنسبة لتسلسل سور القرآن الكريم أو بالنسبة للآيات المجموعة في كل سورة منه.
وقد ذكرنا قبل قليل ما كانت عليه حال قريش حين كانت تسمع آيات كتاب الله، فلم تكن تعترض على نسق الآيات بكونها غير متناسبة، رغم أن الله تعالى قد تحدّاهم بالقرآن تحدّياً شخصياً مباشراً، فتضاعفت عندهم دواعي الاعتراض؛ أي أنه استفزّ عندهم كل دواعي الاعتراض فكانوا أكثر إرادة له من غيرهم. ثم هم كانوا أقدر في الفصاحة والبلاغة من كل مَن سواهم؛ أي أنهم أقدر من غيرهم على هذا الاعتراض لو كان ذلك ممكناً، ورغم أنهم كانوا يعترضون في كثير من المسائل باعتراضات واهية معلومة البطلان إلا أنهم بخصوص آيات القرآن الكريم لم يعترضوا بشيء من ذلك.
فلما لم تَرِد مثل هذه الاعتراضات رغم اجتماع شدة الإرادة وأقصى القدرة عندهم، بل على العكس ورد ما فيه انبهارهم وإعجابهم بنسق الآيات؛ عُلِم أنهم أدركوا ما في ذلك من دلالةٍ وبرهانٍ باهر.
على عكس المتأخرين الذين لم يقفوا عند حدّ جهلهم بنسق آيات القرآن الكريم فستروا جهلهم هذا، بل راحوا يفضحون أنفسهم بتصريحهم بأن هناك عدم ترابط بين بعض الآيات، حتى وصل أهل الجرأة في الكفر والضلال منهم إلى حدّ الزعم بأن هناك سقطاً في كتاب الله تعالى، كما صرّح بذلك كثير من أئمة الرافضة، ليُدخلوا في ذلك ما أملاه عليهم الشيطان من أقوالهم الضالّة كالوصاية لعلي وغير ذلك.
فكلّ هؤلاء وأمثالهم محجوبون عن معرفة قدر كتاب الله تعالى بتسلسل سُوَرِه ونظم آياته.
فما نريد أن نتواصى به في دراستنا هذه هو البحث قدر الإمكان عن المعنى من وراء جمع الآيات في سورة واحدة، خصوصاً في السور الطوال التي تأتي آياتها بمواضيع متنوعة؛ كان يمكن أن يأتي كل موضوع منها كسورة مستقلة، لكن لما كان بينها رابط مهم جُمعت كلها في سورة واحدة، كما في شأن سورة البقرة؛ ففيها آيات بخصوص بني إسرائيل وفيها آيات بخصوص القتال وكذا الطلاق والدَّين والزكاة والنفاق وغير ذلك، مما كان يمكن أن يكون كل موضوع منها سورة بنفسه، خصوصاً إن في القرآن الكريم سُوَراً بكثير من هذه المواضيع، لكنها هنا قد جُمعت في سورة البقرة لتخدم موضوعاً آخر من وراء جمعها غير مواضيعها بنفسها، فهذا أول شيء لابد من أن نهتمّ به في بحثنا.
لكن الذي يصعّب هذا الأمر بالنسبة للمتأخرين هو ما اصطلحوا عليه في تقسيم القرآن الكريم إلى أجزائه الثلاثين المعروفة، وكذا إلى أحزابه وأرباعه ضمن تلك الأجزاء.
ومع أن في هذا التقسيم دافعاً حسناً وهو التيسير على الناس؛ فقسّموه إلى عدد ليالي رمضان، لكنه تقسيم محدَث لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته، وإنما حدث بعد ذلك حين صعب على الناس تلاوة القرآن الكريم مثل ما كان الصحابة يفعلون، إذ من الثابت عن الصحابة أنهم كانوا يقرؤون القرآن في كل أسبوع، أي قراءة أسبوعية؛ سواء قلنا إن ذلك كان في الصلاة أو غيرها، ومن هذه القراءة أُخذ التقسيم الشرعي للقرآن الكريم، كما جاء عن أوس بن حذيفة وهو من متأخري الصحابة، قَدِم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف؛ أنه سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الذين تقدموه؛ كيف يحزّبون القرآن؟ فقالوا: (ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصّل)([9])؛ فالثلاث هي: السُوَر الثلاث الأولى وهي البقرة وآل عمران والنساء، والخمس هي: السُوَر الخمس بعدها، وهكذا حتى الحزب الأخير وهو المفصّل، من سورة "ق" إلى آخر القرآن الكريم، وقيل: إنه سمّي المفصّل لكثرة الفواصل فيه.
وهذا الحديث فيه أيضاً دليل على ما قلنا إنه الأرجح في كون ترتيب سُوِر القرآن الكريم كان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، إذ فيه أن هذا الترتيب المعروف الآن كان مشهوراً في عصر الصحابة كما ذكر ذلك بعض أهل العلم([10]).
والمهم هنا أن هذا التقسيم يراعي ما قلناه من وحدة الموضوع بوحدة السورة، فليس فيه أيّ فاصل في منتصف سورة أو بجزء منها أبداً، بل كل نهايات فواصله بنهاية سورة كما هو واضح.
أما التقسيم المحدَث الذي كان بعد ذلك ففيه كثير من الفواصل؛ ليس في منتصف السورة فحسب بل في منتصف موضوع واحد منها، فيفصل بين المعطوف والمعطوف عليه كما في نهاية الجزء الرابع مثلاً بقوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً}، ثم يبتدأ الجزء الخامس بقوله تعالى: "وَالمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ..."الآية، وهي متمّمة لما قبلها في المحرمات من النساء ومعطوفة عليها فكيف تفصل عنها؟ خصوصاً إذا كانت المدة الزمنية بين قراءة الجزأين يوماً كاملاً.
ولسنا هنا بصدد نقد هذا التقسيم أو الطعن فيه بل لبيان أصحّية ما كان عليه السلف الصالح، وهو يوافق ما نريده هنا من مراعاة وحدة الموضوع بوحدة السورة.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه (زاد المعاد)([11]) أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم قراءة السورة كاملة، ولم يكن يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض سورة في ركعة وبعض أخرى في ركعة، ومثّل ابن القيم على ذلك بقراءته صلى الله عليه وسلم في فجر الجمعة بسورة السجدة في الركعة الأولى وسورة الإنسان في الركعة الثانية وهي قراءة كاملة، على عكس ما يفعله كثير من المتأخرين؛ لقصر هِمَمِهم في الصلاة فتطول عليهم حتى هذه القراءة التي هي بالنسبة إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم قليلة، فهؤلاء يقتصرون على قراءة جزء من هاتين السورتين مكتفين بالسجدة في الركعة الأولى، فهذا خلاف الهدي النبوي، وفيه ما قلناه من بعثرة المعنى وتجزئته.
فالمهم أننا نريد أن نهتم أولاً بالبحث قدر الإمكان عن المعنى من وراء جمع الآيات في السورة الواحدة؛ وكيف أنه يدلّ على موضوع واحد ينتضمها جميعاً، ثم نبحث قدر الإمكان في المعنى من وراء هذا التسلسل لسُوَر القرآن الكريم؛ وكيف أنه يمكن أنه يؤدي معنىً بنفسه غير المعنى من كل سورة منه بمفردها.
ولا يصحّ أن نكتفي من هذين المعنيين بقولنا إن من وراء ذلك حكمة نَكِلها إلى علم الله تعالى فحسب، فإن ما نحن بصدده يعنينا، فهو كتابٌ قد حفظه الله لنا وأمرنا بالتدبّر والنظر وإعمال الفكر فيه والاحتكام إليه، فلا بد إذن من أن يصل كل منّا إلى مُستطاعه من هذه المعاني، والله تعالى هو الموفق لمن يشاء([12]).
أما عن الطريقة النافعة في استخلاص موضوع السورة فذلك يختلف من سورة إلى أخرى؛ فهناك إذن عدد من الطرق:
وابتداءً؛ فإن اسم السورة في القرآن الكريم لا يدلّ بالضرورة على موضوعها، وقلنا "بالضرورة" ولم نقل "أبداً" لأن اسم السورة قد يدلّ أحياناً على موضوعها لكن ذلك نادر.
فإن اسم السورة المثبّت في المصحف هو لتميز السورة عن غيرها، سواء كان ذلك الاسم توقيفياً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو اصطُلح عليه، كما في سورة "البقرة"؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمّاها بذلك لأن قصة البقرة لم تُذكر إلا فيها، فإذا قيل "سورة البقرة" لم تشتبه بغيرها، لكن ذلك لا يدلّ قطعاً على موضوعها، ونحو ذلك يقال بشأن كثير من السُوَر.
لكن لو قيل: إن اسم سورة يوسف مثلاً يوافق موضوعها فهي تسرد قصته عليه السلام، قلنا: هذا صحيح في الجملة، ولكنّ مقصدنا بموضوع السورة هو ما يريد الله تعالى منّا أن نفهمه وندركه من تلك السورة، ففي سورة يوسف لم يكن المقصود هو مجرد القصة وإنما ما تعنيه وتدلّ عليه من العِبَر، وهكذا في سائر السُوَر. فإذا اتّضح هذا فهناك طرق أخرى لاستخلاص موضوع السورة.
أول طريقة وأشهرها هو الاستدلال على ذلك بمقدمة السورة؛ أي الآيات الأولى منها، ففي الغالب يكون المعنى الأول الذي يأتي في السورة هو موضوعها ومحورها، حتى في حالة تناولها لمعانٍ أخرى فإنها تكون تابعة لذاك المعنى الأول أو متمّمة له.
مثالٌ على ذلك "سورة يونس"؛ ففي الآية الثانية منها يقول الله تعالى: {أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ...}الآية، فذكر الله تعالى استعجاب الناس من أن يوحي الله تعالى إلى فرد من جنسهم ثم يرسله إليهم، ففيها إشعار بأن ما تتناوله السورة هو إثبات النبوات في الجملة وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالخصوص، حتى لو ابتعدت عنه قليلاً فإنها ترجع إليه، ولهذا قال الله تعالى فيها: {قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفلا تَعْقِلُونَ}، وقال: {وَما كانَ هذا القُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ ولكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ...}الآيات الستة بعدها، وقال أيضاً: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤونَ الكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ...}الآيات، وكل ما تذكره السورة سوى ذلك فإنه يخدم موضوعها هذا والله أعلم.
ومثالٌ آخر "سورة ص"؛ فقد جاء في الآية الثانية منها قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ} مما يعني أن هذه السورة تتحدّث عن معاندة الكفار واستكبارهم عن أن يؤمنوا، ورغم أنه جاء في السورة ذكر داود وسليمان عليهما السلام وما آتاهما الله تعالى إلا أن ذلك يخدم موضوع السورة، كذكر أيوب وصبره وذكر سائر الأنبياء في السورة عليهم السلام أجمعين، وسنفصّل ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ونبين الروعة والعظمة في جمع ذلك كله في هذه السورة، حتى مع ذكر خلق آدم ومعاندة إبليس واستكباره. هذه هي الطريقة الأولى وهي الأشهر.
فإن صَعُب ذلك من مقدمة السورة وآياتها الأولى فيمكن الاستدلال على موضوعها من خواتيم السورة وآياتها الأخيرة، التي يمكن أن تمثّل خلاصة موضوع السورة، وهي الطريقة الثانية عندنا هنا، وهي بالاستقراء أقلّ وروداً وتوقّعاً.
ومثالٌ عليها "سورة هود"؛ فقد ذكر الله تعالى في أولها موقف أهل الكفر وإعراضهم، وذكر ضمنه خلقه تعالى السماوات والأرض وكون عرشه على الماء، ثم سرد قصص عدد من الأنبياء وأممهم؛ وكل هذا يعني صعوبة اتّضاح موضوعٍ خاصٍ بهذه السورة تحديداً، فكل ما تقدّم هو موضوع القرآن الكريم كله. حتى تنتهي السورة بقوله تعالى: {وَللهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فََاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ} وكذا ما قبلها قريب من الآيات، التي قد يُستنتج منها موضوع السورة كلها وأن ذلك هو ما يريد الله تعالى منّا أن ندركه ونفهمه ثم نأخذ به ونعمل بمقتضاه أيضاً من هذه السورة؛ وهو أن مرجع الأمور كلها إلى الله تعالى وهو الذي يقدّر ويدبّر الأمور، وليس تقدير فلان ولا فلان، ولا مخطّطات هؤلاء أو أولئك، ولا "بروتوكولاتهم" ولا غير ذلك، فإذن لا بد من أن تُخلِص العبادة والاستعانة له لا لغيره أبداً. وكل ما ذُكر في السورة من مختلف المواضيع حتى من القصص؛ إنما يخدم هذا الغرض ويبرهن على هذا الأصل، وهو أن الأنبياء جميعاً حين واجهوا قومهم وهُدّدوا كان موقفهم هو التوكّل على الله تعالى وحده وإرجاع الأمور إليه سبحانه، كما ذكر الله تعالى في هذه السورة جواب هود عليه السلام لقومه حين هدّدوه فقال: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ على اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي على صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}، وغير ذلك مما جاء في هذه السورة، والله أعلم.
ومن الطرق أيضاً لاستخلاص موضوع السورة، التي يصحّ أن تكون طريقة ثالثة هنا هو النظر في آيات السورة كلها إذا لم تكن الآيات في أول السورة ولا في آخرها مجمِلة لموضوعها، خصوصاً في السور الطوال التي يصعب فيها ذلك، فيكون الأمثل حينها أن نستحضر آيات السورة كلها بما فيها من العناوين المتعدّدة ونحاول أن نستخلص موضوعاً أو عنواناً يجمعها كلها. وأوضح أمثلة على ذلك هي السور السبع الطوال، وسيأتي قريباً تفصيل موضوع كلٍّ منها والاستدلال عليه.
هذه طرق ثلاث لاستخلاص موضوع أيّ سورة في القرآن الكريم، ولا نريد أن نحصر الأمر بها بل قد يكون هناك طرق أخرى، والله تعالى يفتح على من يشاء من عباده من علوم كتابه ما لا يمكن حصره.
لكن المهم هنا أن نبين بأن الاهتمام باستخلاص موضوع واحد ومعنى واحد لكل سورة في القرآن الكريم ليس أمراً بِدعاً، بل يمكننا أن ندعي هنا أنه هو منهج سنيّ سلفي والعلم عند الله، إذ مما يمكن أن يدلّ على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من وصف ابن عباس رضي الله عنهما لسورة النصر {إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ} بأنها: (أجلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه)، ووافقه على ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمثل هذا؛ هو الذي نقصده هنا باستخلاص موضوع السورة وعنوانها.
ثم إن استنباط عنوان واحد للسورة مع ربط ذلك بين السُوَر جميعاً قدر الإمكان؛ يوصلنا إلى أمر في غاية الأهمية([13])؛ وهو بيان تأثير القرآن الكريم في كل أوجهه:
-فهو مؤثّر بكل آية منه بمفردها.
-ومؤثّر بمجموع آياته في الموضوع الواحد الذي تتناوله هذه الآيات، خصوصاً في السور التي تتناول عدداً من المواضيع.
-ومؤثّر بكل سورة منه؛ بمجموع آيات تلك السورة ومواضيعها.
-ومؤثّر كذلك بتسلسل سُوَرِه فيما بينها.
وكل وجه من أوجه تأثيره هذا له معنى يزيد به عن ما قبله.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:14

هذه المعاني أكثر ما يوضّحها هي السور السبع الطوال؛ ونعني بها السور الثماني الأولى من القرآن الكريم: (البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة)، فسورة الأنفال تعتبر تابعة لسورة التوبة كما سيأتي توضيح ذلك إن شاء الله ولذا عُدّت سبعاً طوالاً.
وقد ذكر أهل العلم من المفسرين فضل هذه السور، وبعضهم جعلها هي المقصودة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِي}، والصحيح أن المقصود بهذه الآية هو "الفاتحة" كما في (صحيح البخاري) وسيأتي، لكن ذلك لا ينفي ما لهذه السبع الطوال من شأن، لذا سنركّز عليها وعلى سورة الفاتحة كذلك لبيان ما فيها من معانٍ، ونجعل ذلك نموذجاً لسائر سُوَر القرآن الكريم.
مع أننا قد لمسنا -والعلم عند الله تعالى- بأن استخلاص الموضوع أو العنوان أو المعنى من السُوَر الطوال هذه أيسر من السُوَر الأقصر منها؛ فإن السورة كلما قصرت بآياتها أو عدد آياتها تركّز موضوعها أكثر، وأصبح استخلاصه أصعب، وقد يكون هذا هو السبب -والله أعلم- في كون القرآن الكريم جعله الله تعالى مبتدَأً بالسبع الطوال هذه؛ لييسّر على العباد أول الأمر معرفة مراده منهم، وهو من شأن الله تعالى برحمته وفضله أن ييسّر على عباده عموم حاجاتهم، وييسّر عليهم كتابه القرآن بالخصوص كما قال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرْ}.
وهذا أوان الشروع في ذلك مستعينين بالله العظيم، وناسبين إليه ما في كلامنا من حق وصواب وهدى، ومبرّئيه تبارك وتعالى مما في كلامنا من الخطأ والزيغ والضلال، ومستغفريه من ذلك ومن سائر ذنوبنا، فهو ربنا الغفور الرحيم الودود، ولا حول لنا ولا قوة إلا به تبارك وتعالى.


* * *


سُورَةُ الفاتِحَة

هذه السورة هي أعظم سورة في القرآن الكريم كما إن آية الكرسي هي أعظم آية فيه، وقد جاء في (صحيح البخاري) وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن سورة الفاتحة بأنها أعظم سورة في القرآن وأنها هي السبع المثاني.
ولم يُنزل الله تعالى مثل هذه السورة في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن، كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه([14]).
ولسنا بصدد استقصاء فضائلها، فهي لها من الفضائل؛ عدداً ونوعاً ما لا يشابهها فيه أي سورة من كتاب الله تعالى، لكن نكتفي هنا لبيان تقدّمها على سائر السُوَر، أي أن لها الأفضلية على ما سواها وليس مجرد الفضل؛ أن نذكر حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي في (الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وهو حديث متواتر، ويبين أن لهذه السورة ميزة ومكانة على سائر السُوَر بأنها تنوب عن غيرها وتقوم مقامه؛ إذ يصحّ أن تكون الصلاة بسورة الفاتحة فقط، ولا ينوب غيرها عنها ولا يسدّ مسدّها؛ فلا تصحّ أي صلاة لأحد من بني آدم إلا بها، سواء كانت صلاة فرض أو نفل، وسواء كانت صلاة راتبة أو عارضة كصلاة الجنازة أو غيرها، كما هو الصحيح المشهور من قول أهل العلم، ولذا جاء من أسماء سورة الفاتحة "الصلاة" كما في (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وسيأتي، وقد سمّيت بذلك لأن الصلاة لا تصحّ إلا بها.
فهذه الفضيلة والميزة تبين أن سورة الفاتحة قد جمعت من المعاني ما لم تجمعه أي سورة أخرى، وإلا فلِمَ أغنت عن غيرها ولم يغنِ عنها غيرها؟
فإنها قد جمعت أصول الإيمان الثلاثة: التوحيد والمعاد والنبوات، كما فصّل ذلك ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين)([15])، وهي أصول الإيمان المتفق عليها في جميع الرسالات. بل لا نبعد عن الصواب إن قلنا إنها لا بد من أن تكون في موضوعها قد جمعت معاني كتاب الله تعالى كله([16])، وهو ما يعنينا هنا في تدبّرنا له كما سنبينه إن شاء الله.
وأكثر من ذلك؛ وهو ما قد يتعجّب منه البعض؛ وهو كون سورة الفاتحة تنوب عن القرآن كله في الرقية الشرعية والاستشفاء بها؛ فكلنا نعلم أن الله تعالى قد اختصّ كتابه القرآن فجعله شفاءً من كل الأمراض كما قال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} فهذا على العموم، وما دامت الفاتحة تنوب عن القرآن كله كما قلنا فلاشك أن كانت هذه الميزة لكتاب الله تعالى متّضحة فيها أكثر شيء، ولهذا والله أعلم لم يصحّ في أي سورة من القرآن أنها تُقرأ للرقية إلا الفاتحة كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، فهذا من فضائلها التي لا يشاركها فيه أي سورة أخرى من القرآن.
وقد بيّن ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين)([17]) أن سورة الفاتحة تشتمل على الشفاء من نوعي الأمراض؛ أمراض القلوب وأمراض الأبدان.
فأمراض القلوب مدارها على أصلين:
الأول: فساد القصد وهو فساد الغاية ، والثاني: فساد العلم وهو فساد الوسيلة ؛ فأما الأول فصلاحه بتحقيق {إِيّاكَ نَعْبُدُ}، وأما الثاني فصلاحه بتحقيق {إِيّاكَ نَسْتَعِينُ}، فمن حقّق قوله تعالى: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ} فقد أصبحت غايته صحيحة ووسيلته صحيحة، وأما من فسدت غايته ومقصده فقد استوجب الغضب {المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، ومن فسد علمه ووسيلته فقد استوجب الضلال {الضّالِّينَ}.
ولذا كانت الهداية إلى الصراط المستقيم كما في هذه السورة تتضمن الشفاء من هذين الداءين: الغضب والضلال.
وأما أمراض الأبدان فقد تقدمت الإشارة إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي في الصحيحين، وقد سمّاها النبي صلى الله عليه وسلم فيه "الرقية" فهذا من أسماء سورة الفاتحة.
وهي أكثر سورة في القرآن لها عدد من الأسماء، حتى أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين فالله أعلم، وهذا من فضائلها ولا شك.
ثم بالعودة إلى ما جمعته سورة الفاتحة في موضوعها فإن القرآن الذي أنزله الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم إنما غايته دعوة الخلق إلى عبادة الله وحده وتنظيم علاقتهم بربهم، وهي غاية دعوة كل نبي كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ}، فلا بد من أن تكون سورة الفاتحة تؤدي في موضوعها وفي محتواها ذلك الغرض؛ الذي يستلزم معرفة الخلق بربهم وما يستحقه أولاً، ويستلزم ثانياً بيان نوع علاقتهم بربهم وهي عبادة له وحده سواء في الشعائر التعبّدية أو في الأمور المعاشية ومعاملاتهم فيما بينهم وأنهم موحّدون له ولا يشركون به شيئاً، ثم يستلزم تحديد أقصى ما يطلبونه من ربهم.
هذه المحاور الثلاثة هي موضوع سورة الفاتحة، وقد قسمت كذلك كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ}، قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قال: مجَّدني عبدي، فإذا قال: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {إِهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ}، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).
ففي هذا الحديث جُعلت سورة الفاتحة على قسمين بثلاثة محاور، وهذه المحاور موزّعة على سبع آيات، إذ لا خلاف بين أهل العلم من أن سورة الفاتحة هي سبع آيات، لكنهم اختلفوا في تحديد فواصل بعض آياتها وهي آخرها بالتحديد {صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ}، فبعضهم يجعلها آية واحدة والصحيح أنها اثنتان.
ومنشأ هذا الخلاف من خلاف آخر وهو في البسملة، بعد الاتفاق على كونها آية من سورة النمل بلا شكّ؛ هل هي آية من الفاتحة أو من كل سورة، أم آية مستقلّة نزلت للفصل بين السُوَر كما هو الصحيح الراجح([18])، فالذي يدلّ على كونها آية من القرآن الكريم أن الصحابة رضي الله عنهم حين جمعوا المصحف كتبوها فيه، رغم اعتنائهم بعدم كتابة ما ليس من القرآن كالتحزيب ونحوه([19]). ثم الذي يدلّ على أنها ليست من الفاتحة ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في صلاته الجهرية يفتتح بالحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، يعني يسرّ بالبسملة ونادراً ما كان يجهر بها مع الفاتحة؛ مما يعني أنه كان لا يعاملها معاملة سورة الفاتحة التي كان يجهر بها كلها في الصلاة الجهرية، فإذا ما فُصل هذا النزاع في البسملة لم يبقَ إلا أن يكون آخر سورة الفاتحة وهو قوله تعالى: {صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ} آيتين وليس آية واحدة، حتى تكتمل آيات الفاتحة سبعاً لاتفاق أهل العلم على ذلك.
وهذه الآيات السبع على قسمين، كل قسم بثلاث آيات ونصف الآية: قسم للربّ وقسم للعبد، بثلاثة محاور كما قدّمنا:
المحور الأول فيها: وهو معرفة الخلق بربهم وأسمائه وصفاته؛ تمثله الآيات الثلاث الأولى منها: {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، فهذا المدح المستغرق لكل أنواعه وهذا الثناء على الله تعالى وتمجيده بأسمائه وصفاته هو طريق معرفة العباد لربهم، فضلاً عن أن ذلك هو ما يستحقه تبارك وتعالى.
وقد ذكر الله تعالى هنا ثلاثة أسماء هي مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا كما قال ابن القيم([20]) وهي: (الله، والربّ، والرحمن)، وبُنيت على الألوهية والربوبية والرحمة؛ فالألوهية: هي حق الله على خلقه وهي المقدَّمة على غيرها، والربوبية: هي حق العباد على الله وقد ضمنه لهم، ثم الرحمة: هي التي يسيّر الله تعالى شؤون خلقه على مقتضاها وليس على مقتضى العدل والاستحقاق فحسب، وبمضمون هذه المعاني الثلاثة يتقلّب خلق الله أجمعين.
ولأنه لا يحسن أن يتقدم على ما يخصّ شأن الله تعالى شيء فقد افتتحت هذه السورة بل القرآن الكريم كله به.
والمحور الثاني في السورة: وهو بيان نوع علاقة العباد بربهم وأنهم لا يشركون به أحداً في العبادة ولا في الاستعانة؛ فمن قوله تعالى: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ}، ففي هاتين الكلمتين سرّ الخلق والأمر، والكتب والشرائع، والثواب والعقاب، وعليهما مدار العبودية والتوحيد كما قال ابن القيم رحمه الله([21]).



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:14

فموقف العبد من ربه هو العبودية التامة {إِيّاكَ نَعْبُدُ}، وهذا فيه تحقيق توحيد الألوهية. مع ثقة تامة به واعتماد عليه تبارك وتعالى {وَإِيّاكُ نَسْتَعِينُ}، وهذا فيه تحقيق توحيد الربوبية.
ففي هذا جمع بين أعلى الغايات؛ وهي عبادة الله وحده، وبين أشرف الوسائل؛ وهي الاستعانة به تبارك وتعالى. ومن أعظم حالات هذا الجمع هو الاستعانة به تبارك وتعالى على أهم أفعال العبد وأعلاها وهي عبادته سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (يا معاذ والله إني لأحبّك؛ لا تدعنّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)([22]).
ثم هاتان الكلمتان هما المقسومتان نصفين بين الرب وبين العبد؛ فالأولى للرب تبارك وتعالى والثانية للعبد، وبحسب تحقيقهما أو إحداهما ينقسم الناس إلى أربعة أقسام، وهي القسمة الممكنة كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية([23])؛ فهو إما عبادة واستعانة، أو لا عبادة ولا استعانة، أو عبادة من غير استعانة، أو استعانة من غير عبادة.
ثم المحور الثالث في الآيات الثلاث الأخيرة: {إِهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ} فيها مطلوب العبد من ربه؛ فبعد أن يقف بين يديه ويقدّم الثناء عليه ثم يحدّد علاقته به تبارك وتعالى؛ فيحسن حينها وليس قبل ذلك أن يطلب من ربه مسألته، وهذا كحال من وقف بين يدي ملك من الملوك بعد محاولات وطرق سلكها؛ فيليق به عندئذ أن يُجمل مطلوبه ولا يفصّل في مثل هذا الموضع، فحينها يختار أشدّ مطالبه ضرورة.
والله تعالى له المثل الأعلى وهو ملك الملوك، ورغم أن شأن العبد كله به تبارك وتعالى فلا يستطيع العبد من نفسه شيئاً، إلا أن الأدب مع ربه تبارك وتعالى يوجب أن يُجمل مطلوبه بأعظم مصلحة له، وهي المصلحة التي إن فاتت العبد فلا خير فيما بقي عنده، وإن حصلت له فغيرها حاصل ضمناً أو لا ضَير في فواتها.
فيسأله مجامع النِّعم كلها وهي الهداية، وليست أي هداية بل جاءت محدّدة ومعينة بكل دقّة؛ فهي هداية ليست إلى أي صراط بل إلى صراط مستقيم، ثم هي ليست أي استقامة بل على نهج من أنعم الله عليهم من النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين، وليس ذلك فحسب بل هي على خلاف نهج المنحرفين؛ سواء من انحرف لفساد قصده وغايته كاليهود ومن على شاكلتهم، أو لفساد علمه ووسيلته كالنصارى ومن على شاكلتهم كذلك.
فهذه الهداية هي أجلّ مطالب العبد وأهمّها، وهذا السؤال هو نصيب العبد في هذه السورة كما قال في الحديث المتقدم: (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)، ومن رحمة الله تعالى بعباده أن حدّد لهم أهمّ مطالبهم وأكبر مصالحهم بهذا الدعاء الذي شرعه لهم، وأمرهم أن يسألوه به في كل صلاة ولم يترك ذلك لهم فيحيرون في تعيين مطلوبهم فضلاً عن السؤال به.
ثم إن سؤال الهداية هذا ليس قاصراً على حاجة العبد في الآخرة كما قد يظن البعض بل له نصيب في دنياه أيضاً، فهو يتضمن سؤال الرزق في الدنيا مع سؤال النصر؛ فإن من هداه الله كان من المتقين: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}، وكان أيضاً ممن ينصر الله فينصره الله: {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ}([24])، فكان هذا الدعاء ضامناً للعبد الاستقامة والرزق والنصر، فهل بعد هذه من حاجات للعبد؟
ومن خصائص سؤال الهداية هذا أنه ملازم للعبد دائماً، فهو محتاج إليه طيلة حياته، لأن الهداية المسؤولة هنا تشمل نوعيها اللذَين ذكرهما أهل العلم؛ هداية البيان والدلالة، وهداية التوفيق والإلهام([25]).
فالنوع الأول هو من شأن الرسل وأتباعهم كما قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}، وهو يعني أن يبين للناس الحق من الباطل والهدى من الضلال، أما النوع الثاني فهو من شأن الله تعالى وحده كما قال: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ}، وهو يعني أن يجعل العبد مهتدياً ومستقيماً على شرعه وليس ذلك إلا من أمر الله تعالى.
فسؤال الهداية في سورة الفاتحة يشمل كلا النوعين؛ أما الأول فلأن العبد مهما ظنّ أنه قد عرف الحق وفهمه فيبقى ما غاب عنه أضعاف ما علمه، وأما الثاني فواضحٌ لأن قوام هداية العبد وثباته على ذلك إنما هو بربه ولا شكّ.
وبالجملة فإن في موضوع سورة الفاتحة ونيابتها عن القرآن الكريم كله كما قلنا ما يحقّق إخلاص العبودية لله تعالى وتفويض الأمر كله إليه، مع الثناء عليه والاستعانة به والتوكل عليه وسؤاله الهداية التي تجلب النعم وتدفع النقم، فحريّ بمثل هذه السورة أن تكون أعظم سورة في القرآن الكريم، فالناس جميعاً محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء، ولذا فُرضت عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السُوَر([26])، والله تعالى أعلم بالصواب.


* * *


فصل

وبعد هذه المباحث في فاتحة الكتاب فهذا أوان الشروع في استعراض سُوَر القرآن الكريم، فإن بدايته الفعلية هي من سورة البقرة؛ كما سبق ذكر تحزيب الصحابة فكانت سورة البقرة هي الأولى، أما الفاتحة فهي مقدِّمة للقرآن الكريم، ولا تدخل في الابتداء ولا في التحزيب، والله أعلم.
وأول ما يأتينا من كتاب الله تعالى هي السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة، فالأخيرتان بمثابة سورة واحدة كما سيأتي.
وليس لهذه السُوَر صفة نزول واحدة؛ بمعنى ليست كلها مكية ولا كلها مدنية.
وليست كلها متقدمة في النزول أو متأخرة، أو موزّعة كلٌّ على جهة، مما يعني أن هناك معنى يراد الانتباه إليه من وراء تسلسلها هذا.
ثم هي تشكّل نحو ثلث القرآن الكريم؛ أكثر من عشرة أجزاء.
وتشكّل حلقة كاملة في عدد من المواضيع الأساسية؛ حلقة تبتدأ من سورة البقرة وتستمر حتى تكتمل وتنغلق بانتهاء سورة التوبة.
لذا سنحاول الوصول إلى ما نستطيعه من تلك المعاني العظيمة في كل سورة منها، وفي تسلسلها فيما بينها.
ولا نريد فعلياً التفسير الكامل أو التفصيلي لها كما قلنا سابقاً، فإن ذلك فضلاً عن طوله ليس عندنا فيه إضافة كبيرة عمّا في كتب التفسير، لكن هو التدبّر لمعاني هذه السور في الجملة، عسى أن يكون ذلك أكثر نفعاً ومعيناً في فهم مراد الله تعالى منّا في كتابه، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل.


* * *


سُورَةُ البَقَرَة

هذه السورة باعتبارها أول سورة يبتدأ بها من يقرأ القرآن الكريم بعد فاتحته فلا بد من أن يكون لذلك سبب وحكمة؛ وهي أنها تعرّف القارئ بهذا الدين، وماذا يشمل، وما هي أركانه، وكيف ينظر إلى الناس ويصنّفهم، وما هي مساحة وجوده بينهم؛ هل هي محصورة في المساجد أم هو متعلّق بكل شؤون حياتهم، وكيف ينظّم ذلك كله.
فمن المناسب أن تكون أول سورة بعد فاتحة القرآن الكريم تتحدّث عن هذا الدين كله، فهو موضوع هذه السورة.
ولذا نرى أن سورة البقرة التي تمثّل الإسلام كله ذكر الله تعالى فيها أعظم مطلوب في دينه وهو توحيده، فقال: {وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ}، وذكر فيها أيضاً من أبسط الآداب الاجتماعية مثل قوله تعالى: {وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها...}الآية.
وقد قال الله تعالى فيها أيضاً: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً}، و"السِّلم" هنا بمعنى "الإسلام" كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه وعدد من التابعين، فهذا أمرٌ من الله تعالى بأخذ دين الإسلام كله، الذي تمثّله سورة البقرة.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لهذه السورة من الفضائل ما يجعلها حاوية لأمور الدين كله؛ كما في الحديث الذي فيه تأمير النبي صلى الله عليه وسلم لفتىً على مَن معه لكونه قد حفظ سورة البقرة فقال له: (أمعك سورة البقرة؟) قال: نعم، فقال: (اذهب فأنت أميرهم)([27])، فكان ذلك بمثابة حفظه لأصول الدين والله أعلم، ويدلّ الحديث أيضاً على تقدّمها على سائر السُوَر بهذا الاعتبار؛ وهو تناولها لدين الإسلام كله.
وأيضاً من فضائلها؛ كون الشيطان لا يدخل بيتاً تُتلى فيه هذه السورة، كما في الحديث الذي في (الصحيح) لأنها تمثّل الدين كله كذلك، وغير ذلك من فضائلها.
ولتوضيح ذلك في نفس السورة نقول: لا شك أن الدين إنما هو اعتقادات، وعبادات، ومعاملات، ومواعظ، وسلوك وأخلاق؛ وقد جمعت ذلك كله سورة البقرة.
فالاعتقاد إنما هو الإيمان بالله وبالملائكة وبالرسل وبالكتب وباليوم الآخر وبالقدر، والناظر في هذه السورة المباركة يجد ذلك كله فيها:
فالإيمان بالله هو إيمان بربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته؛ فالأول مثل قوله تعالى: {يا أَيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّليْلِ وَالنَّهارِ وَالفُلْكِ الَّتي تَجْرِي فِي البَحْرِ...} إلى قوله: {لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، وغير ذلك. ومن الثاني: قوله تعالى: {فَلا تَجْعَلوا للهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، وقوله: {وَإِلهُكُكْ إلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إلا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ}، وغير ذلك أيضاً. ومن الثالث، وهو الأسماء والصفات: آية الكرسي ونحوها الكثير.
ثم الإيمان بالملائكة مبثوث في السورة؛ سواء بالإجمال أو بتفصيل أسماء بعض الملائكة، مثل قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كانَ عَدُواً لِجِبْرِيلَ...}الآية، وقوله: {مَنْ كانَ عَدُواً للهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ...}الآية، وقوله: {كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}.
وكذا الإيمان بالرسل وبالكتب وهو أيضاً بالإجمال أو التفصيل، كما في بعض ما تقدّم من الآيات مع ذكر الملائكة، وكذا في مثل قوله تعالى: {قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقَوبَ وَ الأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ}، وغير ذلك كثير.
وأما الإيمان باليوم الآخر فهو كثير كذلك في هذه السورة المباركة من مثل قوله تعالى: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}، وقوله: {الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ}، وقوله: {وَلكنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}، وغير ذلك.
بقي الإيمان بالقدر، وهو وإن لم يُذكر صراحة في سورة البقرة إلا أنه مذكور ضمناً في مثل قوله تعالى: {وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإذْنِ اللهِ}، وقوله: {فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ} فهذا قَدَر في المصائب والأمور الخَلقية، وأما في الأمور الشرعية الدينية فمثل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ}، فهذا إثبات للقدر أيضاً في الهداية والضلال.
وكذا من أمور الاعتقادات في هذه السورة: الإيمان بالجنّ، والموقف من السِّحر، والإيمان بالبعث بعد الموت الذي احتوت منه هذه السورة خمسة مواضع كما قال ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله، وسيأتي ذلك إن شاء الله، وهذا كله في الاعتقادات.
وأما في العبادات مثل أركان الإسلام الخمسة فقد جاء ذلك في هذه السورة بما لا يشابهها غيرها من سُوَر القرآن الكريم فيه؛ تفصيلاً أو حتى مجرد الذكر:
فأما الشهادتان؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمثل قوله تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ممّا نَزَّلْنا على عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} ففي الآية الأولى تقرير شهادة أن لا إله إلا الله، وفي الثانية تقرير شهادة أن محمداً رسول الله. وأيضاً قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ}.
وكذا الصلاة والصيام والزكاة والحجّ كل ذلك قد جاء مفصّلاً في هذه السورة بما لا مثيل له في سائر سُوَر القرآن الكريم، بل إن الصوم لم يرد في القرآن الكريم إلا في هذه السورة.
وأما المعاملات ففيها من ذلك الكثير؛ مثل بعض أحكام النكاح والطلاق والرضاع والقَصاص والوصية وبعض أحكام القتال، وكذا البيع والدَّين وتحريم الرّبا، وكذا فيها تفصيلٌ لكثير من أحكام الأطعمة والأشربة، والآيات في ذلك كثيرة مشهورة.
وأما في المواعظ والعِبَر فمثل قصة البقرة عند بني إسرائيل، وقصة الملأ الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت، وكذا قصة طالوت وجنوده، وغير ذلك الكثير.
وأما في السلوك والأخلاق ففيها من ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ...} إلى قوله: {وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي البَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ البَأْسِ}، وقوله: {وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها}، وقوله قبل ذلك: {أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وَتَنُسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ}، وقوله: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ على ما فِي قَلْبِهِ}، وغير ذلك من الآيات في هذه السورة كثير.
فهذا كله مما احتوته هذه السورة المباركة من تفصيلٍ لأحكام الدين كله، بل إنها اشتملت حتى على تاريخ دين الإسلام وأصوله الماضية وربطها بدين محمد صلى الله عليه وسلم كما يتضح ذلك جليّاً في قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام وبنائهما الكعبة ودعائهما لهذا النبي وهذه الأمة. وكذا احتوت على تفصيل أحوال ألدّ أعداء هذا الدين وهم اليهود وما يكيدون به وكيفية مواجهتهم.
كل ما تقدّم يبين عظمة هذه السورة وما اختُصت به من الفضائل، ولذا -والله أعلم- كان فيها أعظم آية في القرآن الكريم وهي آية الكرسي كما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه حين سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن أعظم آية في كتاب الله تعالى فقال: {اللهُ لا إلهَ إلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ}. وكذا خُتمت هذه السورة بآيتين هما مما اختُصّت بهما أمة محمد صلى الله عليه وسلم من كنز تحت العرش كما ثبت ذلك([28]) وقد خفّف الله تعالى بهما عن هذه الأمة ما كان أوجبه على مَن قبلها.
ثم إن هذه السورة المباركة التي تقدّمت الإشارة إلى بعض فضائلها من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لها ميزة أخرى؛ وهي أنها وإن كانت مدنية في النزول كما هو معلوم ومشهور إلا أنها اشتملت على عدد من خصائص السور المكيّة، وهذا أمر خاص بها؛ فهي مدنية في النزول وسياق آياتها كذلك بما فيها من تفصيل، ثم لها خصائص السُوَر المكيّة في بعض ذلك. وهذا يناسب كونها أول سورة يطالعها مَن يقرأ القرآن الكريم، لتعطي لمحة عن القرآن كله؛ المكيّ والمدنيّ.
وهذه الخصائص التي تشابه السور المكيّة فيها هي:
الأولى: ابتداؤها بالحروف المقطّعة، وهو أمر لا يوجد إلا في السور المكيّة باستثنائها، وكذا باستثناء سورة آل عمران التي إن عُرف موضوعها وأنها تابعة لسورة البقرة عُلم صحة هذا الاختصاص؛ ذلك أن سورة البقرة تتحدّث عن هذا الدين كله كما قلنا، وكذا سورة آل عمران تتحدّث عن أعداء هذا الدين وأنواعهم وصفات كلٍّ منهم وكيفية مواجهته كما سيأتي، فهي تَبَع لسورة البقرة من هذا الوجه والله أعلم، فصحّ استثناؤها مع سورة البقرة من سائر السور المدنية في شأن الحروف المقطّعة.
الثانية: احتواؤها على ذكر البعث بعد الموت، وهو أمر معتاد في السور المكيّة فقط. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره لسورة البقرة أن هناك خمسة مواضع في هذه السورة في ذكر البعث بعد الموت: أولها قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وثانيها قوله: {فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ المَوْتى}، وثالثها قوله: {فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ}، ورابعها قوله: {فَأَماتَهُ اللهُ مائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ}، وخامسها قوله: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً}.
الثالثة: احتواؤها على ذكر قصة خلق آدم عليه السلام، وهو ما لا يُعهد وجوده إلا في السور المكيّة كذلك.
الرابعة: مثل ما تقدّم في شأن قصة آدم فكذا ذكر إبراهيم عليه السلام وسرد بعض شؤونه ليس معتاداً إلا في السور المكيّة.
الخامسة: فيها ذكر التحدّي بالقرآن الكريم وبالإتيان بسورة منه، وهو كذلك مما لا يُعهد إلا في السور المكيّة.
فهذه الخصائص الخمسة المعتادة في السور المكيّة كان وجودها في سورة البقرة رغم كونها مدنية في النزول مُضفياً على السورة طابعاً خاصاً بها كما تقدّم، ذلك الطابع الذي يمكن أن يُلمح فيه تعريف من يقرؤها بمجمل ما في القرآن الكريم.
ولذا قّلما نجد موضوعاً قد عالجته سورة من سور القرآن الكريم إلا ونجد تطرّقاً إليه في هذه السورة العظيمة، فهي بطولها وتنوّع مواضيعها تمثّل تنوّع ما في القرآن الكريم.
ولا شك أن من الحُسن كل الحسن أن تكون أول سورة في القرآن الكريم بعد فاتحته تدلّ على محتواه بالجملة هكذا، ومن ذلك المحتوى هذه الخصائص الخمسة التي رصدناها في السور المكية، فهي بمثابة تهيئة لقارئ القرآن الكريم بما سيجده في كتاب الله العزيز هذا.
وهذا الشأن أيضاً ينطبق بوجه ما على احتواء هذه السورة على أعظم آية في كتاب الله تعالى كما سبق وهي آية الكرسي، وكذا احتوائها على آخر آية نزلت من القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُوُنَ فِيهِ إِلى اللهِ ثُمًّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} كما هو مشهور.
وأيضاًَ قد يفسّر هذا الذي قلناه احتواء هذه السورة بهذا الموضوع الذي فصّلناه على مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها}، فيمكن أن يكون فيها أيضاً التعريف بأن هذا الكتاب العزيز وهو كتاب الله تعالى فيه؛ من ضمن طرقه في البيان والدلالة؛ ضرب الأمثال من أي نوع، إذا كانت مؤدية للمعنى المراد منها، وأن ذلك لا يُستعجب ولا يُستحى منه، فالله تعالى وحده خالق الكل، وله الحق وحده سبحانه وتعالى بأن يضرب مثلاً بما شاء، والله أعلم.
وبعد ما تقدّم يبقى الكلام على ترتيب المواضيع في السورة، الذي فيه مراعاة لما قلناه من موضوعها العام، وهو دين الإسلام كله، فنقول:
ابتدأت السورة بالكلام على أصناف الناس في دين الله تبارك وتعالى؛ فذكر الله تعالى صفات المؤمنين في ثلاث آيات، ثم صفات أهل الكفر مقابلهم في آيتين، ثم أعقب ذلك بتفصيل صفات أهل النفاق بين الاثنين في ثلاث عشرة آية. ولاشكّ أن المناسبة واضحة في سورة بمثل هذا الموضوع؛ أن تبتدئ بهذا التقسيم والتصنيف، فهي تبين ميزان هذا الدين في تصنيف الناس والحكم عليهم، والله أعلم.
ثم بعد ذلك ذكر الله تعالى تحدّيه للناس كلهم بعد دعوتهم إلى توحيده؛ بأن يأتوا بسورة من مثل ما في القرآن الكريم، فكان بذلك اجتماعٌ لكلا الشهادتين، وهو مناسب كذلك في بداية مثل هذه السورة.
ثم جاء ذكر قصة خلق آدم عليه السلام، وفيها يبين الله تعالى المهمة التي أوكلها لهذا الكائن في استخلافه في الأرض، وذلك بعد قوله تعالى: {هُوَ الَّذي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سماواتٍ}، ففيها التنبيه والتنويه على أن ما خلقه الله تعالى في الأرض هو لهذا الكائن الذي استخلفه لهذه المهمة، وهذه هي قصة خلقه.
ومن الملاحظ أن قصة خلق آدم عليه السلام الواردة هنا تختلف عن ما ورد منها في جميع المواضع الأخرى في سُوَر القرآن الكريم، ذلك أنها لم تركّز على شأن إبليس وموقفه ومحاججته لرب العالمين، وكذا لم تركّز على كيفية إغوائه لآدم، بل كان التركيز على خلق آدم ومهمته في الأرض، وهذا لا شك أنه أليق وأنسب مع موضوع هذه السورة؛ فليست هي في شأن إبليس وعناده وعصيانه، بل في شأن هذا الكائن ووظيفته وقابلياته وما يراد منه، والله أعلم.
ثم بعد ذلك كله جاءت قصة بني إسرائيل وما فيها من تفصيلٍ باعتبارهم المستخلَفين قبل هذه الأمة، فلذا كان لزاماً علينا أن نفهم حالهم وما وقعوا فيه لنحذر ذلك كله.
لكن الناظر في الآيات التي تتحدث بشأن بني إسرائيل يجد أن الكلام فيها يمكن أن يعتبر على قسمين:
القسم الأول: يعتبرهم شهوداً؛ فيخاطبهم مباشرة، لكن بمحضر من السامعين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كالقاضي الذي يخاطب الشاهد وهو يعلم حقيقته لكن لا يقضي عليه إلا ببينة، فيخاطبه أمام الجمهور ليعلموا مقدار صدقه. والكلام في هذا القسم فيه ترغيب وتحبيب وتعداد لنِعَم الله تعالى عليهم ورعايته لهم في السابق بإزاء عصيانهم وتمرّدهم، مع شيء من تذكيرٍ بمخازيهم السابقة، وهذا القسم ينتهي بانتهاء قصة البقرة وتوابعها، إلى قوله تعالى: {وَما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ}.
ثم القسم الثاني الذي يبدأ من قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}؛ هو كلام مع المعنيِّين السامعين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الشهود، وهو أغلظ من الكلام في القسم الأول.
ولننظر إلى المقارنة بين لفظي الآيتين في القسمين: {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ} هذا هو اللفظ المشترك في الآية بين القسمين، لكن تتمتها في القسم الأول: {... وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ}، أي أنهم لم يُحكم عليهم بعدُ، أما في القسم الثاني فقد حكم عليهم رب العالمين فقال: {... وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}، وسبب الفرق بين القسمين والله أعلم؛ أن من لم يرتدع في أول الأمر ويأخذ بمقتضى الحق وبقي على موقفه ولم ينتسب لهذا الدين؛ يستحق أن يوصف بما وصفهم الله تعالى به من المخازي والمساوئ.
ثم تنتهي الآيات إلى أعظم ما كان يستند إليه اليهود والنصارى كذلك في اعتراضهم على هذا الدين وهذا النبي، وهو زعمهم أنهم أولى بإبراهيم عليه السلام لأتهم سلالته، والذي يزيد من ثقل هذا الأمر أن قريشاً كانت في مكة تدّعي ذلك أيضاً، لكن هذه الدعوى لم تكن في مكة -والله أعلم- من القوة ما يستدعي أن تناقَش ويبيَّن الحق فيها، لكن حين انضمّ إلى ذلك دعوى أهل الكتاب لها أصبح من المحتّم اللازم بيانها؛ فنجد في آخر الكلام عن بني إسرائيل أن ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام وبنائه الكعبة وما فيها من دعائه هو وابنه إسماعيل لهذا النبي وهـذه الأمة، وكل ذلك فيه الصلة الوثيقة التي يريد الله تعالى بيانها لنا ولبني إسرائيل؛ بين هذا النبي وهذه الأمة وهذا الدين وبين إبراهيم عليه السلام وملّته، وهذا كله يدحض كل حجة أو شبهة يمكن أن يتعلّل بها أحد من بني إسرائيل لأولويتهم بإبراهيم عليه السلام.
وبعد كل هذا التبيين والتقرير لأصل هذا الدين وهذه الأمة ونبيها، وكيف أنها تمثّل امتداداً لدين إبراهيم عليه السلام مما يُعطي بُعداً تاريخياً لها وجذوراً عميقة ضاربة في التاريخ؛ عادت الآيات للكلام على معالم هذا الدين في بعض أحكامه وتشريعاته.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:15

ومعلوم أن أهمّ ذلك وأعلاه وهو الذي يمثّل شخصية هذه الأمة وشعارها وميزتها عن غيرها هو قبلتها التي بها يحصل التميّز، فذكر الله تعالى أصل ذلك وما أراد به أن يميّزها عن مَن سبقها من الأمم، وحتى الذين اشتركت معهم بهذه القبلة مثل قريش التي كانت تعظّم الكعبة؛ حتى هؤلاء كان هناك تشريع مؤقت، فيه احتياط من المشاركة معهم في سبب تعظيمها؛ وذلك بما شرعه الله تعالى أولاً من التوجّه إلى بيت المقدس لمدة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر ثم أعادهم إلى الكعبة، فكانت عودتهم بعد ذلك لا لشيء إلا لأن الله تعالى أمرهم بهذا، وليس لأنه من بقايا ما كانوا يعظّمون في الجاهلية، لأن مَن كان سبب توجّـهه إلى الكعبة هو كـونها من موروث الجاهلية فسيكبر عليه حينها أن يستدبرها إلى بيت المقدس، ولذا قال الله تعالى هنا: {وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ على الَّذِينَ هَدى اللهُ}.
وبعد كل هذا تمضي آيات هذه السورة في تفصيل كثير من أحكام هذا الدين بما لا يخرج عن موضوعها العام وهو التعريف بهذا الدين وشموليته وخيريته، مع ما في ثنايا ذلك من القصص والمواعظ والعِبَر؛ مثل قصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى وكذا بعض شأن إبراهيم عليه السلام.
حتى تُختم السورة بثلاث آيات؛ أولها فيها بيان ملكية الله تعالى لكل ما في السماوات وما في الأرض ورقابته على كل ذلك، مما يحتّم محاسبته إيانا على جميع أعمالنا ظاهرها وباطنها، فقال تعالى: {للهِ ما فِي السَّماوات وَما فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ على كُلِّ شّيْءٍ قَدِيرٌ}.
وبعد هذه الآية تأتي آيتان؛ هما مما اختصّ الله تعالى بهما أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل والتخفيف، فأعطاهم هاتين الآيتين من كنز تحت العرش، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح([29]).
أولاهما سجّل الله تعالى فيها لسلف هذه الأمة موقفهم المشرّف الذي بسببه خُفّف عنهم وعن كل مَن بعدهم، حتى ممن كان ناقماً عليهم؛ فنِلْنا نحن هذه الميزة لا بأفعالنا ولا باستحقاقنا ولكن ببركة فعلهم وإذعانهم لأمر الله تعالى، حتى نعرف لهم فضلهم، ونحمد ربنا أن جعل سلف هذه الأمة خيراً من خلفها. فلا يعلم إلا الله تعالى ما كان يمكن أن تُحْرم منه أمة محمد صلى الله عليه وسلم لو كنّا نحن أو أي جيل من أجيال الأمة بعد الصحابة؛ مكانهم.
فهذه ميزة هذه الأمة المباركة؛ أن كان سلفها هو سبب الخير لخَلَفها، بخلاف اليهود والنصارى الذين كان أسلافهم هم سبب غضب الله عليهم أجمعين، كما مرّ في هذه السورة كثير من أفعال سلف بني إسرائيل.
أما صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فلإذعانهم لأمر الله تعالى بما علّمهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ سجّل الله تعالى لهم ذلك فقال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ}.
ثم خفّف الله تعالى عن هذه الأمة ما لم يخفّفه عن أمة قبلها، فقال في الآية الثانية من هاتين: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ}، وعلّمهم دعاءً كان قد استجابه لهم سلفاً، كما ثبت في (صحيح مسلم) أن الله تعالى قال: "قد فعلت"، وذلك بعد كل دعوة من تلك الدعوات:
{رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا} {رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ على الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا} {رّبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ} {وَاعْفُ عَنّا} {وَاغْفِرْ لَنا} {وَارْحَمْنا} {أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرنا على القَوْمِ الكافِرِينَ}.
وفي هذه الآية أيضاً تعريض بمن سبقهم من الأمم، وكيف أن الله تعالى حرمهم من هذا الفضل دون ظلم منه ولكن بظلمهم أنفسهم.
ولا شكّ أن هذه نهاية مناسِبة كل المناسَبة لختام هذه السورة العظيمة بهذا الموضوع العظيم؛ وهو أمر هذا الدين وهذه الأمة تفصيلاً، ونظرة للحياة والناس، وتنظيماً لكل شؤون الحياة دقيقها وعظيمها، والله الموفق لا إله غيره.


* * *



سُورَةُ آلِ عِمْران

هذه السورة في موضوعها متمّمة لسورة البقرة في موضوعها أيضاً، ذلك أن سورة البقرة كانت قد تحدّثت عن دين الإسلام، وبيّنت حسنه وشموله وسعته، فحين ذاك قد يقوم في النفس فضول: إذا كان هذا الدين بهذه الخيرية وبهذه البركة؛ فمن الذي يُتصور منه أن يعاديه؟ فجاءت سورة آل عمران لتتحدّث عن أعداء هذا الدين؛ ما هي أصنافهم، وكيف هي أساليبهم في محاربة هذا الدين، ثم كيف هي السبيل المثلى في مواجهتهم.
ولهذا والله أعلم جاء في أول السورة الإشارة إلى هؤلاء الأعداء بالكفر في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ}. وبهذا كانت هذه السورة متمّمة لسورة البقرة، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في الفضيلة كما جمع بينهما في المصحف؛ فسمّاهما "الزهراوان" يعني المنيرتان، وقال عنهما كما ثبت في (صحيح مسلم): (تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرقان من طير صوافّ؛ تحاجّان عن أصحابهما).
وعموماً قد بينت سورة آل عمران أن أعداء هذا الدين هم على ثلاثة أصناف بحسب نوع كفرهم:
فأولهم وأدومهم صراعاً هم أهل الكتاب بعمومهم؛ سواء اليهود أو النصارى، مع أن أول المواجَهين في تلك الآيات كانوا هم النصارى الذين نزلت الآيات الأولى من سورة آل عمران بشأنهم، إلا أن سياق الآيات أشرك اليهود معهم.
ولأن عداء أهل الكتاب لهذا الدين من نوع عداء الحسد والحقد، وهو أطول في الزمن من عداء غيرهم؛ كانت حصتهم من الكلام في هذه السورة أكثر من الآخرين، وابتدأت السورة بهم.
وقد ركّزت السورة على بيان أصل دينهم، وانفردت السورة ببيان الصلة بين زكريا وابنه يحيى وبين المسيح وأمه عليهم السلام جميعاً.
ثم قد بينت الآيات من هذه السورة كل أنواع المواجهة المحتملة مع أهل الكتاب:
فهو إما جدال ومناظرة تنتهي بالإقناع والقبول {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ}، خصوصاً أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق المبين {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ}.
أو لا يقبلون هذا الحق ولا يذعنون له؛ فيُحتاج عندها إلى المباهلة، كما قال تعالى بعد ذلك: {فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ على الكاذِبِينَ}.
أو لا يقبلون حتى هذه المباهلة؛ فلم يبقَ حينها إلا القتال، الذي ضَمِنه الله تعالى للمسلمين بقوله: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونُ}.
وفي مقابل أهل الكتاب كان الكلام أيضاً على أهل الشرك وعموم الكفار، الذين يكون عداؤهم لهذا الدين من نوع عداء من تتعارض مصالحه الدنيئة مع ما جاء به هذا الدين.
وهؤلاء كان يمثلهم يومها كفار قريش، وكانت الآيات بشأنهم هي ما نزل بعد معركة أحد من قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّءُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ} إلى نحو ستين آية بعدها.
ثم بين هذين الصنفين من الأعداء ذكر الله تعالى أهل النفاق والذين في قلوبهم مرض، وهم أجبن من الصنفين الأولين، وعداؤهم من جنس الخبث مع الذلّة، والآيات بشأنهم من قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُرُهُمْ أَكْبَرُ...}الآيات، إلى قوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}، وكان شأنهم في هذه السورة بين الاثنين أولاً، وهم كذلك في موقفهم، ثم كانت الآيات بحقّهم قليلة أيضاً، لأن شأنهم بالنسبة إلى الصنفين حقير أيضاً.
هؤلاء الثلاثة هم أصناف المعادين لهذا الدين، وهذا هو نوع عدائهم وسببه، وهذه هي طريقة مواجهة كلٍّ منهم، وقد خُتمت هذه السورة بقوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فهذه الآية في ترتيبها مناسِبة والله أعلم لترتيب ما مرّ في السورة من ذكر أصناف المعادين لهذا الدين:
فأول الذين مرّ ذكرهم أهل الكتاب، وأكثر ما يحتاجه المسلم معهم هو الصبر، لأننا قد شُرّع لنا التعايش معهم بشروط معلومة، ومع هذا فقد يصدر من بعضهم ما فيه استفزاز للمسلم، الذي يكون محتاجاً حينها أكثر شيء إلى الصبر على ذلك فقال: {اصْبِرُوا}.
ثم جاء في السورة بعدهم ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض، الذين يناسب حالهم كثرة المصابرة، التي تعني أيضاً الصبر على كثرة دواعي البطش بهم وعلى قدرة تامة عليهم، لأنهم ضمن مجتمع أهل الإسلام ومقدور عليهم لكن المصلحة الشرعية تقتضي الكفّ عنهم في الغالب، فكان أليق شيء معهم هو المصابرة فقال: {وَصابِرُوا}، وهذا ما فارقوا به أهل الكتاب.
ثم جاء في السورة ذكر أهل الكفر الظاهرين في عدائهم لهذا الدين، وهم في غالبهم ليسوا أهل شبه وحجج يراد ردّها بالمناظرة بل هم أهل عناد واستكبار يستحقّون عليه القتال والمرابطة على ذلك فقال: {وَرابِطُوا}.
وهذه الأمور الثلاثة: الصبر والمصابرة والمرابطة؛ وإن كانت هي مجتمعة كلها في مواجهة كل صنف من أعداء هذا الدين هؤلاء لكن لها اختصاص بكل صنف منهم عن غيره بما ذكرناه في شأن كل واحد منهم، والله أعلم. ثم يجمع أمر الجميع أن يكون ذلك كله بتقوى الله تعالى فقال: {وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
ومن أجل أن هذه السورة تتحدّث عن المخالفين لهذا الدين؛ ففيها يقول الله تعالى مثل هذا التقرير: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ} ويقول أيضاً: {فَإِنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوْا}، ويقول: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ}، وقرّر أمراً في غاية الأهمية وهو في الحقيقة تطبيق لمعنى الإسلام الذي ذُكر في تلك الآيات فقال آمراً لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن ذلك: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.
ولأنها سورة في الدفاع عن دين الإسلام ضد أعدائه جميعاً؛ فقد جاء فيها التصريح بلفظ "الإسلام" أو "المسلمين" أو "الفعل المجرّد" في أكثر من عشرة مواضع، بل هي من أكثر سُوَر القرآن الكريم تصريحاً بذلك، حتى إن وصفه تعالى لإبراهيم عليه السلام بأنه كان "مسلماً" مع كونه "حنيفاً" إنما جاء في هذه السورة بالتحديد: {ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرانِيّاً وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ}، رغم أن لفظ هذه الآية قد جاء مثله في كلٍ من سورة: البقرة والنساء والأنعام والنحل، دون لفظ "مسلماً".
ولأن هذه السورة في الدفاع عن هذا الدين في وجه أعدائه على اختلاف أصنافهم؛ فقد ذكر الله تعالى هؤلاء الأعداء مندّداً بهم في أكثر من أربعة عشر موضعاً، نذكر منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً} في موضعين، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِييِّنَ بِغَيْرِ حَقٍ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ}، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ}، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِْم مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ}، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإِيمانِ لنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً...}الآية، وقوله: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ ما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ...}الآية، ورغم أن المقصود بأهل الكفر في تلك المواضع مختلف لكن يجمعهم هذا الوصف لموقفهم من هذا الدين.
ولأن هذه السورة في الدفاع عن هذا الدين؛ فقد ذكر الله تعالى فيها من أساليب أعدائه من أهل الكتاب قبله ما لم يذكره في غيرها من سُوَر القرآن الكريم، مثل اتّباع المتشابَه كما قال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٍ...}الآية، ومثل ما في قوله تعالى: {وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ على الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
وكذلك مثل تحريفهم في الكتاب بإمالتهم ألسنتهم به ليوهموا أنه من كتاب الله المنزّل، كما قال الله تعالى عنهم: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ...}الآية. وكذلك إيقاعهم العداوة بين المؤمنين: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ}.
وهذا كله في العداء المبطّن وغير الظاهر، أما في العداء الظاهر فمثل صدّهم عن سبيل الله كما قال: {قُلْ يا أَهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ}.
ثم من الملاحظ في تناول هذه السورة لأعداء الدين وأصنافهم أنها لم تقتصر على بيان هذه الأصناف وطرقهم في محاربة هذا الدين بل ركّزت على أمر في غاية الأهمية؛ وهو الأسباب التي تؤدي إلى فشل المسلمين أمام كل صنف من هؤلاء الأعداء، وهي الأسباب الحقيقية، بعيداً عن الأسباب المادية والحسابات البشرية.
فبخصوص أهل الكتاب؛ نجد أن الآيات في هذه السورة تعزو سبب الفشل والهزيمة أمامهم -إن وقعت- إلى تفرّق المسلمين فيما بينهم وعدم اعتصامهم بحبل الله تعالى، وكل ذلك تحصل النجاة منه بقيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو سمة هذه الأمة، وهو ما بينته الآيات من قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً...}، إلى قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ}.
هذا هو السبب الحقيقي لهزيمة المسلمين وفشلهم في مواجهة أهل الكتاب، الذي يأتي في الغالب من طاعة بعض أهل الكتاب في تفريق كلمة المسلمين كما قال الله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ}، أما مسألة قوة أهل الكتاب بعددهم وعدّتهم فلا تشكل أبداً سبباً في خسارة المسلمين تجاههم لو أنهم أدّوا هذا الواجب الشرعي، لذا قال الله تعالى بعد تلك الآيات: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ}؛ فهذه هي حقيقة الموازنة المادية معهم، وحقيقة سبب كسب المعركة تجاههم.
وبخصوص أهل النفاق والريب ومن في قلبه مرض المتواجدين ضمن مجتمع هذا الدين؛ فإن الله تعالى قد بين بكل وضوح العصمة من شرّهم بقوله: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} هكذا بهذا الاختصار والوضوح.
ثم مع الصنف الثالث وهم المشركون وعموم أهل الكفر المحاربون؛ فإن ما جاء ضمن الآيات التي نزلت عقب معركة أحد يوضح السبب الحقيقي للخسارة أمامهم، وهو الأمر المعتمد في الموازنة معهم، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ...}الآيات، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقى الجَمْعانِ إِنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا}، وقوله: {أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} وهذا بالحقيقة هو المؤثّر في معادلة النصر والهزيمة.
لكن مع هذا ففي تلك الآيات ما يسرّي عن أصحاب مثل هذه المصائب ويأخذ بأيديهم، فإن ذلك حتى إن وقع فليس هو نهاية المطاف بل يمكن أن يكون ذلك لتكفير الذنوب أو للابتلاء، وأن ما يجري في هذه الدنيا ليس هو المعيار لما عند الله تعالى، خصوصاً قد قال الله تعالى في هذه السورة: {وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ}، كل هذه المعاني في التسرية عن أصحاب هذه الأحوال وإبراء جروحهم نجدها في آيات عديدة؛ مثل قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ...}الآيات إلى قوله: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}، ثم قوله بعد ذلك بقليل: {وَكَأَيّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَما اسْتَكانُوا...}الآيات، وكذا قوله بعد ذلك: {وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقى الجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ...}الآيات، وقوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} إلى قوله: {الَّذِينَ اسْتَجابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}، فذكر الله تعالى أن النتيجة حتى مع الهزيمة لا تكون إلا خيراً للمسلمين؛ سواء لمن قُتل أو لمن بقي.
ولا شك أن ذلك من أشدّ ما ينفع المسلمين في مواجهتهم لأعدائهم، لأن تحقيقهم لأسباب النصر الشرعية تلك لا يتمكّنون منه دائماً، فقد يغفلون أو يقصّرون في وقت من الأوقات فيتأخر عنهم النصر أو يُحجب، فيحتاجون حينها إلى هذه الأبواب الأخرى لنيل رضوان الله تعالى والعودة إلى طريق الدفاع عن دينه وتمثيله في الأرض.
والمهم أن هذه السورة في تناولها لأعداء هذا الدين تناولت أيضاً أسباب تأخّر المسلمين أمامهم، وكيف يتحصّن المسلمون تجاه كل صنف منهم. وقد جاءت في أواخر هذه السورة آية فيها إجمال لتلك المواجهة مع أعداء هذا الدين، وبينت أنه شأن مستمر، لكن النجاة من آثاره المؤذية ممكنة، وهي قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:16

وأخيراً فإن الآيات في هذه السورة وما فيها من معانٍ من أولها إلى آخرها لتتماسك وتُفتل كما تُفتل خيوط الحبل الواحد لتزيده قوة ومتانة، ومما يقوّي ذلك في هذه السورة ما يأتي بين حين وآخر من آيات بشأن أسماء الله تعالى وصفاته لتقرير وحدانيته واطّلاعه على كل شيء وانفراده بالملك والتصرّف في كل الشؤون العظيمة والدقيقة:
ففي أول السورة يقول الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.
ثم بعد ذلك بقليل يأتي قوله تعالى: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.
وبعد ذلك ببضع آيات يقول الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ}.
ثم بعد حين يأتي قوله تعالى: {وَللهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَإِلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}.
وكذا قوله: {وَللهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وفي أواخر السورة قوله: {وَللهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
ثم ينتهي ذلك بتلك الآيات التي يعلمنا الله تعالى فيها مناجاته والتفكّر في خلقه، كما هو شأن أولي الألباب من عباده فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعلى جُنُوبِهِمْ...}الآيات، وفيها بيان الزاد الحقيقي في مواجهة أعداء الدين على اختلاف أصنافهم، والله تعالى أعلم.


* * *


سُورَةُ النِّساء

الموضوع العام الذي تتناوله هذه السورة هو مجتمع هذا الدين بكل مكوناته وتفصيلاتها، ابتداءً من نواة المجتمع وأول آصرة فيه وهي العلاقة بين الرجل وامرأته والتي منها تنبثق الأسرة، فالأقارب، فالجيران، فسائر أفراد المجتمع ككل، ولذا افتتحت السورة بقوله تعالى: {يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءاً}، فالسورة إذن تنظّم تلك العلاقات كلها بدقّة وتفاصيل.
ولو استصحبنا ما ذكرناه من موضوعي سورتي البقرة وآل عمران لرأينا تسلسلاً رائعاً في تتابع مواضيع السُوَر منذ أول سورة وهي البقرة؛ التي كانت تتحدّث عن دين الإسلام وما يشمل، ثم سورة آل عمران تحدّثت عن أعداء هذا الدين وأنواعهم وأصنافهم، ثم بعد بيان ذلك يناسب أن تأتي سورة تتحدّث عن مجتمع هذا الدين لتنظّمه؛ ابتداءً بأول علاقة فيه وهي أصل كل العلاقات، وانتهاءً بالعلاقات حتى مع المنافقين والذين في قلوبهم مرض المنبثّين فيه، وحتى مع أهل الكتاب ضمن هذا المجتمع، وكل ذلك من أجل إحكام الجبهة الداخلية لهذا الدين وتمتينها وتقويتها.
ولو عدنا إلى الآية التي افتُتحت بها السورة {يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءاً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} لوجدنا فيها الابتداء بأصل مجتمع بني آدم من خلال مجتمع هذا الدين الذي تسوده التقوى، فابتدأت السورة بالعلاقة بين الرجل والمرأة.
ثم يقول الله تعالى في أثناء السورة: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيّاً وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً} ففيها مثل هذا التطمين بأن ما يريده الله تعالى من هذا المجتمع في هذه السورة؛ فيه الضمان لهم من أعدائهم، فالله تعالى قد تكفّل لهم بذلك كله.
ثم ختمت السورة بآيتين قبل آية الكلالة وهما قوله تعالى: {يا أَيّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً} هكذا بذكر من آمن بشرع الله تعالى وحالهم في الدنيا في معاشهم وكذا مآلهم في الآخرة، ولم يأتِ على ذكر من خالف؛ فكأن المراد من ذلك هو أن موضوع السورة هم هؤلاء فقط وليس الجانب الآخر المعرِض، بمعنى أن موضوع السورة هؤلاء المؤمنون وما يحتاجونه في الدنيا في مجتمعهم وكيف يُنظَم هذا المجتمع، أما من أعرض عن شرع الله تعالى فليس لهم تناول في هذه السورة، والله أعلم.
ومن الأمور المهمة الملاحَظة في هذه السورة أنها تبتدأ ببناء أساس المجتمع وهو الركن الأول فيه، الذي إن لم يصحّ ولم يسلم فلا فائدة فيما بعده؛ ذلكم هو الأسرة، فنلاحظ أن سورة النساء تبدأ بتنظيمها في ثلاث فقرات: الفقرة الأولى تتعلّق بالحقوق المالية في الأسرة، والفقرة الثانية تتعلّق بالحقوق والأحوال الشخصية، والفقرة الثالثة فيها بيان أصل تنظيم تلك العلاقات؛ المالية والحقوق الفردية، وعلى أي أساس ترتّبت. ولتوضيح ذلك نقول:
الفقرة الأولى: والتي قلنا إنها في الحقوق المالية؛ فهي من بداية السورة إلى الآية الرابعة عشرة منها؛ وفيها يذكر الله تعالى الحقوق المالية لليتامى {وَآتُوا اليَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً}، وكذا للنساء {وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً...}الآية، وفيها أمره تعالى بحجب الأموال عن السفهاء {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً}، وهكذا حتى الحقوق المالية في الإرث ومستحقّيه وكيفية تقسيمه.
ثم بعد هذه الجولة في الأمور المالية، ولأن الخلل فيها يأتي عادة من جانب الطمع؛ خُتمت هذه الفقرة بقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ خالِدِين فِيها وَذلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ} وواضح في مثل هذه الآيات الترهيب الشديد لمن يتهاون في هذه الحقوق التي وُصفت بأنها "حدود الله" لقطع كل مداخل الطمع في تجاوزها أو التهاون فيها والله أعلم.
أما الفقرة الثانية: فهي أربع عشرة آية أيضاً من قوله تعالى: {وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ...}الآية، وقلنا إنها في الحقوق والأحوال الشخصية؛ وأهمّ ذلك وهو عماد تكوين الأسرة؛ هو النكاح طبعاً، فيستغرق الكلام في هذه الفقرة عن كل ما له صلة به، ولذا نجد في هذه الفقرة أروع وصف للعلاقة الزوجية بقوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً}، ونجد فيها أمره تعالى بحسن معاشرة الزوجات في عموم الأحوال حتى مع عدم الاتفاق فقال تعالى: {وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}. مع احتواء هذه الفقرة على متعلّقات النكاح؛ كالمحرمات فيه بقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ...}الآية، وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ...}الآية، التي خُتمت بقوله تعالى: {كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ}، أي هو شرع مفروض لا تهاون فيه، والله أعلم.
وكذا نجد في هذه الفقرة عقوبة من يتجاوز على الشرع في النكاح فيقع في الفاحشة المقابلة له {وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ...}الآية، وأيضاً: {وَاللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما...}الآية.
وتتناول الآيات في هذه الفقرة أيضاً من أعسر عن نكاح المحصنات، فيعرض عن ذلك إلى نكاح الإماء {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ}.
وهذه الأحكام هي من قبيل المسائل التي يصعب على الإنسان الانصياع لها إلا إذا تحقّق فعلاً بأن الخير له يكون في الالتزام بها، فهي من قبيل المسائل التي يكون لخلافها شهوة في النفس البشرية وميل في القلوب، ويحتاج الإنسان أن يتيقّن بأن ذلك هو الأزكى والأطهر له حتى يلتزم وتطمئن نفسه وتستقر، ولذلك -والله أعلم- خُتمت هذه الفقرة بقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ...} إلى قوله تعالى: {وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً} ففيها تطمبن للنفس البشرية بأن ما أُلزمت به من هذه الأحكام هو لخيرها ولا بدّ، فلا يُتضايق منها، ولا يُشكّ في ذلك.
أما الفقرة الثالثة هنا: فنلمح فيها تأصيلاً لما مرّ في الفقرتين الأوليين؛ من الحقوق المالية ومن الحقوق الشخصية، بمعنى أن فيها إرجاعاً للأحكام التي تقدمت في الفقرتين الأوليين إلى أصولها، وهي سبع آيات فقط تبدأ من قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ} ففيه تقرير أصل المِلْكية الفردية، التي منها انبثقت سائر الحقوق المالية المتقدمة في الفقرة الأولى، ونحوه أيضاً قوله تعالى هنا: {وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ لِلْرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ}.
وفي هذه الفقرة أيضاً تقرير أصل الموازنة بين الزوجين الرجل والمرأة، والتي منها انبثقت الحقوق الشخصية التي تقدمت في الفقرة الثانية، كما في قوله تعالى: {الرِّجالُ قَوّامُونَ على النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ...}الآيتان، وفيهما بيان السلطة في الأسرة لمن تكون، بما يكفل حلّ أي إشكال قد تواجهه الأسرة إذا التزمت بشرع الله تعالى هذا.
وبعد هذا الشوط من الفقرات الثلاث في بناء الأسرة كما قلنا؛ نلحظ ذلك التدرّج المبهر في تناول ما يخصّ المجتمع الإسلامي، فمن الأسرة يتدرّج الكلام إلى عموم أفراد المجتمع، كما في قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي القُرْبى وَاليَتامى وَالمَساكِينِ وَالجارِ ذِي القُرْبى وَالجارِ الجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ...}الآية.
ثم في ثنايا هذه الآيات يأتي ذكر حتى مَن في قلبه مرض من أهل النفاق والرِّيبة، وكذا أفراد أهل الكتاب الذين هم ضمن مجتمع هذا الدين؛ فيُراد تنظيم العلاقة معهم وكيفية معاملتهم. وتتصاعد حدّة الآيات بشأن هذين الصنفين، حتى إن القارئ إذا تناسى بدايات هذه السورة في تنظيم الأسرة؛ فلا يتوقّع أن يجد فيها مثل هذه الآيات بهذه الحدّة، فالنقلة تبدو واسعة بين أوائل هذه السورة وبين أواخرها، ومع ذلك فكلها تخدم الموضوع الرئيسي فيها وهو تنظيم مجتمع هذا الدين، وكل هذا من روعة كتاب الله تعالى.
ثم من الملاحظ أن سياق ما تتناوله السورة يمكن تقسيمه إلى قسمين متقابلين، كل قسم منهما يحتوي نفس مواضيع القسم الآخر ونفس أصناف القسم الآخر لكن بوجهين مختلفين، أو قد يكون القسم الأول يتناول موضوعاً أو صنفاً بمستوى معين ثم يأتي القسم الثاني من السورة فيتناول المستوى الأعلى والأكبر من نفس الصنف أو الموضوع، وهذا قد يكون بعضاً من المعنى أو الحكمة في كون السورة تتناول هذه المعاني على موضعين.
ثم إذا صحّ هذا التوجيه فهو مقابِل ومتناسب مع ما ذكره الله تعالى في ابتداء السورة بأنه خلق الناس على زوجين ذكر وأنثى، أو رجل وامرأة، والله أعلم.
والعجيب أن مساحة كل قسم مساوية لمساحة القسم الآخر تماماً، فالفاصل بينهما هو في منتصف السورة عند قوله تعالى: {فَما لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا} فمن هذه الآية يبتدأ ما قلناه من القسم الثاني.
ولتفصيل ذلك نقول:
1-بخصوص الكلام عن حقوق اليتامى وحقوق النساء؛ ذكر الله تعالى ذلك في القسم الأول من السورة: {وَآتُوا اليَتامى أَمْوالَهُمْ...}الآية، {وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً...}الآية، {وَابْتَلُوا اليتامى حتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ...}الآية. ثم في قسمها الثاني عادت الوصية بحقوقهم في مثل قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ فِي يَتامى النَِساءِ الّلاتي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنْكِحُوهُنَّ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ} ثم ما بعدها من الآيات في حقوق الزوجات.
2-ما يتعلّق بالفرائض وأحكام الإرث؛ فقد جاء ذلك في السورة في موضعين في قسميها، كما هو معروف ومشهور من سورة النساء، آيتان في القسم الأول: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ...}، وواحدة في القسم الثاني: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِكُمْ فِي الكَلالَةِ...}.
3-ما يتعلّق بالتوبة وممن تُقبل؛ قال الله تعالى في القسم الأول من هذه السورة: {إِنَّما التَّوْبَةُ على اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثَمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ...}الآية إلى قوله: {أُولَئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً}. ثم جاء في القسم الثاني منها قوله تعالى:{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ...}الآيات.
4-بخصوص الكلام عن أهل الكتاب؛ جاء في القسم الأول من هذه السورة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ...}الآيات بعدها، وكذا قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ...}الآيات بعدها أيضاً. ثم في القسم الثاني من السورة جاء قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتابَ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ...}الآيات التسعة بعدها، وكذا قوله: {يا أَهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا على اللهِ إِلاّ الحَقَّ...}، وما بعدها أيضاً.
5-ومثل ذلك أيضاً بخصوص الكلام عن المنافقين والذين في قلوبهم مرض؛ فقد جاء في القسم الأول قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً * وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ...}الآية، وكذا قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إٍلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ...}الآيات بعدها. وأما في القسم الثاني فمثل قوله تعالى: {إِنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ...}الآيات، وغيرها كثير.
6-وفي الكلام عن القتال في سبيل الله؛ قال الله تعالى: {فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ...}الآيات بعدها، وكذا قوله تعالى: {فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ...}الآية، وهذا كله في القسم الأول من السورة. أما في القسم الثاني فقوله تعالى: {لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ المُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ...}الآية، وما بعدها أيضاً.
وكل هذا؛ تقابل في المواضيع أو العناوين بين قسمي السورة، وهناك تقابل آخر في نصّ الآية، وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} فقد جاءت هذه الآية في قسمي السورة كليهما، لكن اختلفت نهاية الآية بين الموضعين؛ ففي الأول خُتمت الآية بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً}، وفي الثاني خُتمت بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً}؛ فنلمح من الأول -والعلم عند الله تعالى- ظاهر الحكم على الفعل أكثر منه على الفاعل، بينما في الثاني الحكم ظاهر على الفاعل أيضاًً فيكون أشدّ وأكبر، وهذا الفرق يمكن أن يُلمح من الفرق بين الافتراء وبين الضلال، والله تعالى أعلم.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:20

وأخيراً فإن الآيات في هذه السورة وما فيها من معانٍ من أولها إلى آخرها لتتماسك وتُفتل كما تُفتل خيوط الحبل الواحد لتزيده قوة ومتانة، ومما يقوّي ذلك في هذه السورة ما يأتي بين حين وآخر من آيات بشأن أسماء الله تعالى وصفاته لتقرير وحدانيته واطّلاعه على كل شيء وانفراده بالملك والتصرّف في كل الشؤون العظيمة والدقيقة:
ففي أول السورة يقول الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.
ثم بعد ذلك بقليل يأتي قوله تعالى: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.
وبعد ذلك ببضع آيات يقول الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ}.
ثم بعد حين يأتي قوله تعالى: {وَللهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَإِلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}.
وكذا قوله: {وَللهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وفي أواخر السورة قوله: {وَللهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
ثم ينتهي ذلك بتلك الآيات التي يعلمنا الله تعالى فيها مناجاته والتفكّر في خلقه، كما هو شأن أولي الألباب من عباده فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعلى جُنُوبِهِمْ...}الآيات، وفيها بيان الزاد الحقيقي في مواجهة أعداء الدين على اختلاف أصنافهم، والله تعالى أعلم.


* * *


سُورَةُ النِّساء

الموضوع العام الذي تتناوله هذه السورة هو مجتمع هذا الدين بكل مكوناته وتفصيلاتها، ابتداءً من نواة المجتمع وأول آصرة فيه وهي العلاقة بين الرجل وامرأته والتي منها تنبثق الأسرة، فالأقارب، فالجيران، فسائر أفراد المجتمع ككل، ولذا افتتحت السورة بقوله تعالى: {يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءاً}، فالسورة إذن تنظّم تلك العلاقات كلها بدقّة وتفاصيل.
ولو استصحبنا ما ذكرناه من موضوعي سورتي البقرة وآل عمران لرأينا تسلسلاً رائعاً في تتابع مواضيع السُوَر منذ أول سورة وهي البقرة؛ التي كانت تتحدّث عن دين الإسلام وما يشمل، ثم سورة آل عمران تحدّثت عن أعداء هذا الدين وأنواعهم وأصنافهم، ثم بعد بيان ذلك يناسب أن تأتي سورة تتحدّث عن مجتمع هذا الدين لتنظّمه؛ ابتداءً بأول علاقة فيه وهي أصل كل العلاقات، وانتهاءً بالعلاقات حتى مع المنافقين والذين في قلوبهم مرض المنبثّين فيه، وحتى مع أهل الكتاب ضمن هذا المجتمع، وكل ذلك من أجل إحكام الجبهة الداخلية لهذا الدين وتمتينها وتقويتها.
ولو عدنا إلى الآية التي افتُتحت بها السورة {يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءاً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} لوجدنا فيها الابتداء بأصل مجتمع بني آدم من خلال مجتمع هذا الدين الذي تسوده التقوى، فابتدأت السورة بالعلاقة بين الرجل والمرأة.
ثم يقول الله تعالى في أثناء السورة: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيّاً وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً} ففيها مثل هذا التطمين بأن ما يريده الله تعالى من هذا المجتمع في هذه السورة؛ فيه الضمان لهم من أعدائهم، فالله تعالى قد تكفّل لهم بذلك كله.
ثم ختمت السورة بآيتين قبل آية الكلالة وهما قوله تعالى: {يا أَيّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً} هكذا بذكر من آمن بشرع الله تعالى وحالهم في الدنيا في معاشهم وكذا مآلهم في الآخرة، ولم يأتِ على ذكر من خالف؛ فكأن المراد من ذلك هو أن موضوع السورة هم هؤلاء فقط وليس الجانب الآخر المعرِض، بمعنى أن موضوع السورة هؤلاء المؤمنون وما يحتاجونه في الدنيا في مجتمعهم وكيف يُنظَم هذا المجتمع، أما من أعرض عن شرع الله تعالى فليس لهم تناول في هذه السورة، والله أعلم.
ومن الأمور المهمة الملاحَظة في هذه السورة أنها تبتدأ ببناء أساس المجتمع وهو الركن الأول فيه، الذي إن لم يصحّ ولم يسلم فلا فائدة فيما بعده؛ ذلكم هو الأسرة، فنلاحظ أن سورة النساء تبدأ بتنظيمها في ثلاث فقرات: الفقرة الأولى تتعلّق بالحقوق المالية في الأسرة، والفقرة الثانية تتعلّق بالحقوق والأحوال الشخصية، والفقرة الثالثة فيها بيان أصل تنظيم تلك العلاقات؛ المالية والحقوق الفردية، وعلى أي أساس ترتّبت. ولتوضيح ذلك نقول:
الفقرة الأولى: والتي قلنا إنها في الحقوق المالية؛ فهي من بداية السورة إلى الآية الرابعة عشرة منها؛ وفيها يذكر الله تعالى الحقوق المالية لليتامى {وَآتُوا اليَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً}، وكذا للنساء {وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً...}الآية، وفيها أمره تعالى بحجب الأموال عن السفهاء {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً}، وهكذا حتى الحقوق المالية في الإرث ومستحقّيه وكيفية تقسيمه.
ثم بعد هذه الجولة في الأمور المالية، ولأن الخلل فيها يأتي عادة من جانب الطمع؛ خُتمت هذه الفقرة بقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ خالِدِين فِيها وَذلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ} وواضح في مثل هذه الآيات الترهيب الشديد لمن يتهاون في هذه الحقوق التي وُصفت بأنها "حدود الله" لقطع كل مداخل الطمع في تجاوزها أو التهاون فيها والله أعلم.
أما الفقرة الثانية: فهي أربع عشرة آية أيضاً من قوله تعالى: {وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ...}الآية، وقلنا إنها في الحقوق والأحوال الشخصية؛ وأهمّ ذلك وهو عماد تكوين الأسرة؛ هو النكاح طبعاً، فيستغرق الكلام في هذه الفقرة عن كل ما له صلة به، ولذا نجد في هذه الفقرة أروع وصف للعلاقة الزوجية بقوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً}، ونجد فيها أمره تعالى بحسن معاشرة الزوجات في عموم الأحوال حتى مع عدم الاتفاق فقال تعالى: {وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}. مع احتواء هذه الفقرة على متعلّقات النكاح؛ كالمحرمات فيه بقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ...}الآية، وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ...}الآية، التي خُتمت بقوله تعالى: {كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ}، أي هو شرع مفروض لا تهاون فيه، والله أعلم.
وكذا نجد في هذه الفقرة عقوبة من يتجاوز على الشرع في النكاح فيقع في الفاحشة المقابلة له {وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ...}الآية، وأيضاً: {وَاللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما...}الآية.
وتتناول الآيات في هذه الفقرة أيضاً من أعسر عن نكاح المحصنات، فيعرض عن ذلك إلى نكاح الإماء {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ}.
وهذه الأحكام هي من قبيل المسائل التي يصعب على الإنسان الانصياع لها إلا إذا تحقّق فعلاً بأن الخير له يكون في الالتزام بها، فهي من قبيل المسائل التي يكون لخلافها شهوة في النفس البشرية وميل في القلوب، ويحتاج الإنسان أن يتيقّن بأن ذلك هو الأزكى والأطهر له حتى يلتزم وتطمئن نفسه وتستقر، ولذلك -والله أعلم- خُتمت هذه الفقرة بقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ...} إلى قوله تعالى: {وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً} ففيها تطمبن للنفس البشرية بأن ما أُلزمت به من هذه الأحكام هو لخيرها ولا بدّ، فلا يُتضايق منها، ولا يُشكّ في ذلك.
أما الفقرة الثالثة هنا: فنلمح فيها تأصيلاً لما مرّ في الفقرتين الأوليين؛ من الحقوق المالية ومن الحقوق الشخصية، بمعنى أن فيها إرجاعاً للأحكام التي تقدمت في الفقرتين الأوليين إلى أصولها، وهي سبع آيات فقط تبدأ من قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ} ففيه تقرير أصل المِلْكية الفردية، التي منها انبثقت سائر الحقوق المالية المتقدمة في الفقرة الأولى، ونحوه أيضاً قوله تعالى هنا: {وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ لِلْرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ}.
وفي هذه الفقرة أيضاً تقرير أصل الموازنة بين الزوجين الرجل والمرأة، والتي منها انبثقت الحقوق الشخصية التي تقدمت في الفقرة الثانية، كما في قوله تعالى: {الرِّجالُ قَوّامُونَ على النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ...}الآيتان، وفيهما بيان السلطة في الأسرة لمن تكون، بما يكفل حلّ أي إشكال قد تواجهه الأسرة إذا التزمت بشرع الله تعالى هذا.
وبعد هذا الشوط من الفقرات الثلاث في بناء الأسرة كما قلنا؛ نلحظ ذلك التدرّج المبهر في تناول ما يخصّ المجتمع الإسلامي، فمن الأسرة يتدرّج الكلام إلى عموم أفراد المجتمع، كما في قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي القُرْبى وَاليَتامى وَالمَساكِينِ وَالجارِ ذِي القُرْبى وَالجارِ الجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ...}الآية.
ثم في ثنايا هذه الآيات يأتي ذكر حتى مَن في قلبه مرض من أهل النفاق والرِّيبة، وكذا أفراد أهل الكتاب الذين هم ضمن مجتمع هذا الدين؛ فيُراد تنظيم العلاقة معهم وكيفية معاملتهم. وتتصاعد حدّة الآيات بشأن هذين الصنفين، حتى إن القارئ إذا تناسى بدايات هذه السورة في تنظيم الأسرة؛ فلا يتوقّع أن يجد فيها مثل هذه الآيات بهذه الحدّة، فالنقلة تبدو واسعة بين أوائل هذه السورة وبين أواخرها، ومع ذلك فكلها تخدم الموضوع الرئيسي فيها وهو تنظيم مجتمع هذا الدين، وكل هذا من روعة كتاب الله تعالى.
ثم من الملاحظ أن سياق ما تتناوله السورة يمكن تقسيمه إلى قسمين متقابلين، كل قسم منهما يحتوي نفس مواضيع القسم الآخر ونفس أصناف القسم الآخر لكن بوجهين مختلفين، أو قد يكون القسم الأول يتناول موضوعاً أو صنفاً بمستوى معين ثم يأتي القسم الثاني من السورة فيتناول المستوى الأعلى والأكبر من نفس الصنف أو الموضوع، وهذا قد يكون بعضاً من المعنى أو الحكمة في كون السورة تتناول هذه المعاني على موضعين.
ثم إذا صحّ هذا التوجيه فهو مقابِل ومتناسب مع ما ذكره الله تعالى في ابتداء السورة بأنه خلق الناس على زوجين ذكر وأنثى، أو رجل وامرأة، والله أعلم.
والعجيب أن مساحة كل قسم مساوية لمساحة القسم الآخر تماماً، فالفاصل بينهما هو في منتصف السورة عند قوله تعالى: {فَما لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا} فمن هذه الآية يبتدأ ما قلناه من القسم الثاني.
ولتفصيل ذلك نقول:
1-بخصوص الكلام عن حقوق اليتامى وحقوق النساء؛ ذكر الله تعالى ذلك في القسم الأول من السورة: {وَآتُوا اليَتامى أَمْوالَهُمْ...}الآية، {وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً...}الآية، {وَابْتَلُوا اليتامى حتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ...}الآية. ثم في قسمها الثاني عادت الوصية بحقوقهم في مثل قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ فِي يَتامى النَِساءِ الّلاتي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنْكِحُوهُنَّ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ} ثم ما بعدها من الآيات في حقوق الزوجات.
2-ما يتعلّق بالفرائض وأحكام الإرث؛ فقد جاء ذلك في السورة في موضعين في قسميها، كما هو معروف ومشهور من سورة النساء، آيتان في القسم الأول: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ...}، وواحدة في القسم الثاني: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِكُمْ فِي الكَلالَةِ...}.
3-ما يتعلّق بالتوبة وممن تُقبل؛ قال الله تعالى في القسم الأول من هذه السورة: {إِنَّما التَّوْبَةُ على اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثَمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ...}الآية إلى قوله: {أُولَئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً}. ثم جاء في القسم الثاني منها قوله تعالى:{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ...}الآيات.
4-بخصوص الكلام عن أهل الكتاب؛ جاء في القسم الأول من هذه السورة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ...}الآيات بعدها، وكذا قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ...}الآيات بعدها أيضاً. ثم في القسم الثاني من السورة جاء قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتابَ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ...}الآيات التسعة بعدها، وكذا قوله: {يا أَهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا على اللهِ إِلاّ الحَقَّ...}، وما بعدها أيضاً.
5-ومثل ذلك أيضاً بخصوص الكلام عن المنافقين والذين في قلوبهم مرض؛ فقد جاء في القسم الأول قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً * وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ...}الآية، وكذا قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إٍلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ...}الآيات بعدها. وأما في القسم الثاني فمثل قوله تعالى: {إِنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ...}الآيات، وغيرها كثير.
6-وفي الكلام عن القتال في سبيل الله؛ قال الله تعالى: {فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ...}الآيات بعدها، وكذا قوله تعالى: {فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ...}الآية، وهذا كله في القسم الأول من السورة. أما في القسم الثاني فقوله تعالى: {لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ المُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ...}الآية، وما بعدها أيضاً.
وكل هذا؛ تقابل في المواضيع أو العناوين بين قسمي السورة، وهناك تقابل آخر في نصّ الآية، وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} فقد جاءت هذه الآية في قسمي السورة كليهما، لكن اختلفت نهاية الآية بين الموضعين؛ ففي الأول خُتمت الآية بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً}، وفي الثاني خُتمت بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً}؛ فنلمح من الأول -والعلم عند الله تعالى- ظاهر الحكم على الفعل أكثر منه على الفاعل، بينما في الثاني الحكم ظاهر على الفاعل أيضاًً فيكون أشدّ وأكبر، وهذا الفرق يمكن أن يُلمح من الفرق بين الافتراء وبين الضلال، والله تعالى أعلم.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:20

سُورَةُ المائِدَة

يشبه موضوع سورة المائدة موضوع سورة النساء؛ فهي لتنظيم مجتمع هذا الدين، لكن سورة النساء كانت تتناول هذا المجتمع من داخله لتحصين جبهته الداخلية كما قلنا، أي أنها تتعامل مع أفراد هذا المجتمع كلُّ باستقلاله، فيتوجّه الخطاب في تلك السورة أمراً أو نهياً لكل فرد في هذا المجتمع، أما هذه السورة؛ سورة المائدة فهي تتناول مجتمع هذا الدين بالنظرة الخارجية له وبعلاقاته مع سائر مجتمعات بني آدم؛ أي أنها تتعامل مع المجتمع كوحدة واحدة وكيان واحد غير متجزّئ، فالخطاب فيها أمراً أو نهياً يُلمح منه المسؤولية الجماعية أكثر من الفردية، وحتى الأحكام التي وردت في السورة مما فيها تعلّق بكل فرد من المجتمع كتحريم بعض المطعومات والمشروبات، وكذا الأمر بالوضوء والتطهّر للصلاة ونحو ذلك؛ كل تلك الأحكام رغم تعلّقها بالأفراد إلا أنها سيقت في السورة لتعطي انطباعاً عن مجتمع هذا الدين في سماته الرفيعة وصفاته الحميدة، كما سنبيّن ذلك إن شاء الله.
وهذا الذي قلناه من الفرق بين السورتين إنما هو انطباع من النظرة العامة لكليهما، لكن ذلك يمكن أن يتأيّد بإذن الله تعالى بجملة مواضع من المقارنة بين السورتين:
فأول أمر يتّضح من المقارنة بينهما أن سورة المائدة قد خلت من الكلام عن المنافقين، ولم يأتِ لهم ذكر في السورة إلا في موضع تَبَعِهم إلى اليهود كما في قوله تعالى: {يا أّيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لَلْكَذِبِ...}الآية، وواضح من سياق الآيات هناك أن المقصود الأول هم اليهود، وما ذُكر المنافقون إلا تبعاً لهم. بخلاف ما جاء عنهم في سورة النساء فقد استغرق ذلك شوطاً كبيراً وآيات كثيرة من السورة في عدد من مواضعها.
وهذا الفرق بين السورتين يناسب ما قلناه؛ لأن سورة النساء لمّا كانت تتناول مجتمع هذا الدين من داخله فلابد من أن تأتي على ذكر المنافقين الذين فيه، أما سورة المائدة فلأنها تتناول المجتمع بكتلة واحدة وكيان واحد فلا شأن لها حينئذ بأهل النفاق، فهم لا يمثّلون المجتمع أبداً في أي وجه من الوجوه.
وبديلاً عن ذكر المنافقين فقد جاء في سورة المائدة ذكر أهل الشرك وعموم الكافرين من غير أهل الكتاب كما في قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا...}الآية، وقوله: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالكُفّارَ أَوْلِياءَ}، وهؤلاء قطعاً ليس لهم وجود داخل مجتمع المسلمين وإنما هم مجتمع آخر غيره، يُراد معرفة الموقف منهم والتعامل معهم.
أما سورة النساء فلم تتناول أيّاً من أهل الشرك أو الكفر أو أيَّ شأن من شؤونهم إلا ما كان متعلّقاً بأهل الكتاب أو أهل النفاق، فكل ما في السورة من ذكر الكفار فهو متعلّق بأحد هذين الصنفين، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً...}الآية، فسياق الآيات قبلها بشأن أهل الكتاب. وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ...}الآية، وهي في شأن المنافقين كما هو واضح، وغيرها كذلك على هذا المنوال.
وتبرير ذلك؛ بأن مجتمع هذا الدين لا يمكن أن يحوي من أهل الكفر أو الشرك إلا هؤلاء، بضوابط شرعية معلومة، ولأن سورة النساء تتناول مجتمع هذا الدين من داخله؛ فأتت على ذكرهم بهذا الشكل، والله أعلم.
ومن الأمور المتّضحة أيضاً من المقارنة بين السورتين هو صيغة تناول أهل الكتاب فيهما:
ففي سورة النساء كان تناولهم باعتبارهم صنفاً من أصناف مجتمع المسلمين والخطاب معهم يأتي على هذا الأساس، كما في قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ} فهذه الآية واضحة بشأن صنفٍ ضمن المسلمين، لأنه قال في تتمتها: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً}، وما ذكر بعد ذلك من شأنهم في سياق الآيات ينزّل منزلته. وهذا الأمر يُلمح أيضاً في قوله تعالى حين أتى على ذكرهم مرة أخرى في السورة: {لَكِنِ الرَاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكاةَ...}الآية.
أما في سورة المائدة فالخطاب معهم باعتبارهم كياناً منفصلاً عن مجتمع المسلمين حتى لو كانت معيشتهم واحدة، فلذا جاءت الآيات في بيان حكم طعامهم ونكاح نسائهم، فقال تعالى: {اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ وَالمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ...}الآية.
وأوضح من هذا وأعلى؛ أن الله تعالى قد وجّه لهم الخطاب مباشرة بشأن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبيناً لهم أنه مبعوث إليهم كذلك، ودعوته تعنيهم فقال: {يا أَهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ وَيَعْفُو عِنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}، وهذا فيه أعظم ما يكون من الثناء بالوصف الحق لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، خصوصاً وهو في مواجهة أهل الكتاب. ثم عاد فخاطبهم بعد ذلك بقليل فقال: {يا أَهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} وهذا فيه تقرير أن ما كانوا عليه لم يكن هو المنتهى، بل كان مرحلة مؤقّتة حتى يأتيهم البلاغ النهائي من الله تعالى، وهو هذا الرسول.
ثم من الأمور البارزة أيضاً في المقارنة بين السورتين في تناولهما لمجتمع هذا الدين؛ ما أوصى به الله تعالى من الأمر بالقِسط:
ففي سورة النساء جاء الأمر بما يتناسب مع أفراد المجتمع بكونهم مأمورين به حتى لو كان على حساب روابطهم في القرابة أو الرحم، فقال تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ للهِ وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ أَو الوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِّياً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أَنْ تَعْدِلوا...}الآية، وواضح من سياقها أنها في خطاب أفرادٍ ضمن مجتمعٍ يُراد تزكيته وترقيته بهذه الوصايا في تعاملهم فيما بينهم، وأن لا يراعوا أي صلة أو قرابة إذا كانت مضادّة للعدل الذي أمر الله تعالى به.
أما في سورة المائدة فقد جاء هذا الأمر بالقسط على النحو الآتي: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على ألاّ تَعْدِلُوا إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى...}الآية، ففيها الخطاب لمجتمع المسلمين بكيانه الواحد، وأمره بالعدل مع غيره من المجتمعات لأنه قال: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} يعني لا يحملكم بغضكم لقوم على أن لا تعدلوا معهم، وهذا الأمر للمجتمع باعتباره كياناً واحداً؛ هو ما يتميّز به عن الأمر الأول في سورة النساء المتوجّه إلى الأفراد ضمن المجتمع كما قلنا، والله أعلم.
وآخر ما عندنا هنا في المقارنة بين السورتين أمره تعالى بالتطهّر والاستعداد للصلاة:
فقال في سورة النساء: {يا أّيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا...}الآية.
أما في سورة المائدة فقد جاءت آية الوضوء: {يا أّيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلى المَرافِقِ...}الآية، مع تحريمه تعالى للخمر في هذه السورة: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّما الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ...}الآية.
فما جاء في سورة النساء لا يمثّل سمة مجتمع هذا الدين قطعاً، فهو حكمٌ متعلّق بأفراد فيه، وهذا بغضّ النظر عن كونه حكماً متقدّماً ومنسوخاً، فالمهم أنه أمر متوجّه إلى داخل المجتمع لتطهيره ومن ثم تحصينه، أما ما جاء في سورة المائدة فهو لإعطاء نظرة خارجية عن هذا المجتمع، فلا شكّ في كونه يمثّل إحدى الصفات العالية والرفيعة للمجتمع الإسلامي؛ من ناحية كونه مجتمعاً متطهّراً في عبادته، ومن ناحية ترفّعه عن هذه الخبائث كالخمر والميسر ونحوهما.
فإذا اتّضح ما قلناه من الفرق بين السورتين؛ النساء والمائدة في تناولهما للمجتمع الإسلامي؛ أصبح واضحاً أيضاً أن آيات سورة المائدة تدور حول سمات مجتمع هذا الدين بكُليّته، وكيف يبني علاقاته الخارجية مع غيره من المجتمعات، وعلى أي أساس تقوم تلك العلاقات.
ومن مظاهر هذا الذي نقوله أن جاء في هذه السورة دون غيرها التصريح بكفر النصارى في أكثر من موضع: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ} في موضعين، {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إٍِنَّ اللهََ ثالِثُ ثلاثَةٍ...}الآيات، مع ما تقدّم من تقرير الحكم النهائي في التعايش معهم وأكل طعامهم ونكاح نسائهم.
وكذا من مظاهر هذا الذي قلناه بشأن هذه السورة أن جاء فيها التصريح بكفر من حكم بغير ما أنزل الله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ}، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ}، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ}، فهذا حكم الله تعالى على جميع مجتمعات بني آدم التي تحكم بغير شرعه، وقد سمّاها جاهلية فقال: {أَفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}.
وأيضاً من مظاهر تناول سورة المائدة كيفية بناء علاقات مجتمع المسلمين الخارجية وعلى أي أساس تقوم؛ أن جاءت فيها الآيات المقرِّرة لأصل الولاء والبراء في دين الله عزّ وجلّ، فقال تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ...}الآية، وقال: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالكُفّارَ أَوْلِياءَ}.
هذه بعض المظاهر في هذه السورة تدلّل على ما قلناه من تناولها لمجتمع هذا الدين باعتباره كياناً واحداً، وتنظّم علاقاته مع غيره.
وبالجملة فإنه يمكن أن يقال إن سورة المائدة تتناول ذلك بركيزتين أساسيتين:
الأولى: الصفات الحميدة لهذه الأمة، والتي علّمها إياها دينها، فتسير على نهجها في حياتها؛ سواء فيما يخصّ ذاتها أو في تعاملها مع الغير.
والثانية: فضيلة هذه الأمة بدينها على سائر الأمم، وكيف أنها نالت به ما لم تنله أي أمة قبلها حتى من الأمم التي سبقتها بالنبوة والاستخلاف كاليهود والنصارى تحديداً.
فمن أدلة الركيزة الأولى: ما احتوته هذه السورة من أحكام منهجية لهذه الأمة في سلوكها وعباداتها؛ كأمره تعالى بالوفاء بالعقود في أول السورة مع تعظيم شعائر الله والتعاون على البرّ والتقوى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ...} إلى قوله: {وَتَعاوَنُوا على البِرِّ وَالتَقْوى وَلا تَعاوَنُوا على الإِثْمِ وَالعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ}، وأمره كذلك بالطهارة للصلاة كما في آية الوضوء، وأمره بالعدل والقسط حتى مع المخالفين، ثم نهيه عن الخبائث بكل صنوفها في المأكل والمشرب والنكاح: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ...}الآية، {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّما الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ...}الآية، {وَالمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ وَالمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ...}الآية، إلى آخر هذه الأحكام الزكية التي أُجملت في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ}، وقوله: {اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ}، فمثل هذه الأحكام والشرائع أمراً أو نهياً؛ تبين ما لهذه الأمة من منهج حميد وسلوك شريف تقدّمت به على سائر الأمم، وهو من شرع الله تعالى لها في دينها.
وأما الركيزة الثانية فمن أدلتها: أن الله تعالى قد ذكر خاتمة حال كلٍّ من الأمتين اليهود والنصارى وما انتهوا إليه مع أنبيائهم، مع ذكر ما انتهى إليه أمر هذه الأمة.
فبالنسبة لليهود؛ فقد ذكر الله تعالى آخر عهدهم مع نبيهم موسى عليه السلام حين دعاهم للقتال في سبيل الله فقالوا له: {إِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ}، فحَكَم الله تعالى عليهم بقوله: {قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ على القَوْمِ الفاسِقِينَ} فهذا آخر حال اليهود، بل أفضل اليهود مع موسى عليه السلام وإليه انتهوا، لأنه عليه السلام توفي في هذا التَيه كما هو معروف.
وبالنسبة للنصارى؛ فقد ذكر الله تعالى في آخر السورة أفضل النصارى على الإطلاق وهم الحواريّون، مع نبيهم عيسى عليه السلام حين قالوا له {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ}، وبرّروا ذلك بقولهم: {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقَْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ}، فقال الله تعالى لهم: {إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العالَمِينَ}، فهذا آخر حال أفضل النصارى، وذاك آخر حال أفضل اليهود.
أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكان آخر أمرها من شرع الله تعالى أن قال لها ربّها: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ علَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}؛ ففضّلها بهذا وكرّمها وأعلى شأنها وقدّمها على غيرها، حتى جُعل ذلك اليوم عيداً تحتفل فيه، وحُقّ له أن يكون كذلك.
فالجمع بين هذه الخواتيم للأمم الثلاث في سورة واحدة لاشكّ أنه يُلفت النظر بشدّة، فضلاً عن كونه لابدّ وأن يؤدي إلى المقارنة بين هذه الأمم وما هو مآل كل واحدة منها، ومنه يتبين الفرق الشاسع بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وما فضّلها الله تعالى به وبين من تقدّمها من الأمتين هاتين، هذا الفرق الذي يعطي للمسلم ثقة بدينه وشرع ربه إليه، واعتزازاً به لا بغيره.
ومما يقوّي ذلك أيضاً أن الله تعالى قد ساق في هذه السورة؛ وهي بهذا العَرض والموضوع؛ كثيراً من شناعات اليهود والنصارى على السواء، كما في قوله: {وَقالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤهُ...}الآية، وقوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتِ}، وقوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ}، وقوله: {وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةً...}الآية، وقوله: {كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ}، وغير ذلك.
بل إن بعض تلك الشناعات المذكورة عنهم قد ذكر الله تعالى عكسها أو ما يقابلها في حقّ هذه الأمة وشَرْعها؛ تحذيراً لها أن تقع في ما وقعوا فيه، مما يزيد في رفعتها عليهم:
وذلك مثل نقضهم للميثاق الذي أخذه الله منهم؛ فقال عن اليهود: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ...} إلى قوله: {فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً}، وقال عن النصارى: {وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ...}الآية، أما هذه الأمة فقد أمرها بقوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا}.
وفي إخلالهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال عنهم: {كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ}، وقال: {يُسارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالعُدْوانِ}، في حين أوصى هذه الأمة بقوله: {وَتَعاوَنُوا على البِرِّ وَالتَقْوى وَلا تَعاوَنُوا على الإِثْمِ وَالعُدْوانِ}، وقوله: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتُمْ}، وقد بين الصدِّيق أبو بكر رضي الله عنه معناها بما لا يُسقط واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل على العكس بما يحثّ على ذلك، كما في خطبته المشهورة التي رواها أهل السنن وغيرهم.
وفي موالاتهم للكفار قال عنهم: {تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، مقابل أمره لهذه الأمة بقوله: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالكُفّارَ أَوْلِياءَ}.
وبيّن أيضاً ما أوصلهم إليه كفرهم وعنادهم من الشقاق والعداوة، فقال: {فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ وَالبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ}، في حين جنّب هذه الأمة ذلك بتطهيرها من أسبابه؛ فحرّم الخمر والميسر الموجبان لذلك، كما قال: {إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ وَالبَغْضاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ...}الآية.
هذا ما عندنا بشأن هذه السورة وما فيها من تفضيل لهذه الأمة، نسأل الله أن يكون ذلك من مرضاته، فهو الموفق لا إله غيره.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:22

سُورَةُ الأَنْعام

هذه أول سورة مكية حسب الترتيب الذي استقرّ عليه القرآن الكريم، وهو أمر توقيفي كما قلنا، فهي سورة متقدّمة في النزول على السُوَر الأربع قبلها ومع ذلك فقد تأخّرت عنها ترتيباً، للحكمة التي أشرنا إليها من قبلُ، وهي مراعاة الأفضل للعباد في تناولهم كتاب الله تعالى بعد غياب رسوله صلى الله عليه وسلم عنهم.
ورغم أن موضوعها كشأن سائر السُوَر المكية يتناول أصول الاعتقاد كما سنفصّله قريباً إن شاء الله، إلا أنها تأخّرت في الترتيب لاحتوائها على تفصيلٍ لشهادة التوحيد لا يحتاجه المرء أول دخوله في الإسلام، بل بعده.
وقد ذكر أهل العلم أن أول واجب على المكلّف للدخول في الإسلام هو النطق بالشهادتين ثم القيام بشعائر الإسلام، ولا يتأخّر ذلك حتى يفهم أمور الاعتقاد وتفصيله([30])، بل ذلك يأتي تبعاً من خلال معيشة المرء داخل مجتمع المسلمين.
وهذا هو الأمر الحاصل هنا تماماً في تسلسل سور القرآن الكريم؛ فكانت هذه السورة رغم أهمية موضوعها؛ بعد السورة التي تحدّثت عن دين الإسلام وما يشمله وهي سورة البقرة، وبعد السورة التي تحدّثت عن أعداء هذا الدين وأصنافهم وكيفية مواجهتهم وهي سورة آل عمران، وكذلك بعد السورتين اللتين تناولتا تنظيم مجتمع هذا الدين ابتداءً من داخله كما في سورة النساء وانتهاءً بخارجه وعلاقاته مع سائر مجتمعات بني آدم كما في سورة المائدة، فبعد كل هذه الجولة لتوضيح هذا الدين وخصائصه وشموله ومعرفة أعدائه ثم قيام مجتمعه وتحصينه داخلياً وخارجياً؛ يحسن الآن الابتداء بتفصيل أمور الاعتقاد، تفصيلاً يعالج كل الشبه والشكوك ويردّ كل حجج المخالفين. وهذا التفصيل يرد بصورتين: الأولى: النظرية العلمية التقريرية وهو موضوع سورة الأنعام، والثانية: العملية التطبيقية والواقعية وهو موضوع سورة الأعراف.
وقد جاء في بعض الروايات أن سورة الأنعام نزلت كلها جملة واحدة، وهذا إن صحّ فهو الأليق -والله أعلم- بسياق هذه السورة، فإنها لا تكاد تقبل أن تتجزّأ، بل إن المتمعّن فيها يجدها بنظم واحد، خصوصاً أن هذه السورة على خلاف غالب مثيلاتها من السُوَر المكية قد خلت من ذكر قصة أي نبي أو أمة من الأمم السالفة إلا ما قصّه الله تعالى من شأن إبراهيم عليه السلام ونظره في ملكوت السماوات والأرض، وهذا له خصوصية سنذكرها قريباً إن شاء الله.
والمهم أنه باستثناء هذه القصة فقد خلت هذه السورة من أيٍّ من تلك القصص المعتاد وجودها في السُوَر المكية، مثل: الأعراف ويونس وهود ويوسف وغيرها كثير، والسبب في ذلك -والله أعلم- يرجع إلى ما ذكرناه من كونها تمثّل المنهج النظري والعلمي والتقريري لأصول الاعتقاد، فهي بمثابة تقرير من الله تبارك وتعالى لتلك الأصول مع حججها وردّ الشبهات عنها، وليست هي بصدد ذكر الأدلة العملية لذلك وما فعله الله تعالى بشأن من صدّق بها أو بشأن من ردّها، وإنما ذلك موضوع سورة الأعراف كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
أما بخصوص ما ذكر الله تعالى في هذه السورة من قصة إبراهيم عليه السلام ونظره في ملكوت السماوات والأرض؛ فلا شكّ أن مثل هذه القصة من مثله عليه السلام أليق بجانب الحجة والبرهان العلمي أكثر منها بجانب التطبيق العملي، فإبراهيم عليه السلام بما فضّله الله تعالى به من إقامته لدعائم التوحيد وحججه أكثر من أي نبي سواه؛ جعله الله تعالى إماماً للموحّدين، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتّبع ملّته ملّة التوحيد، كما قال: {ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ}، فخصّه الله بذلك لعِظَم فضله، رغم عدم إنكار فضل سائر الأنبياء في دعوتهم للتوحيد لكنه فضل الله تعالى يمنّ به على من يشاء، وبذلك أصبح لإبراهيم عليه السلام من علوّ المكانة أن كان أسوة وأنموذجاً، منه يؤخذ التقرير والبرهان، لا أنه يُطبّق عليه كما في شأن سائر الأنبياء والله أعلم، وهذا كما يقال في بعض علوم بني آدم عن مَن يتميّز منهم فيها تميّزاً فريداً، فيقال عنه إنه أصبح مصدراً للتقرير وأنموذجاً يقاس به غيره.
ومما يؤكّد هذا -والعلم عند الله- أن سورة الأعراف التي قلنا إنها تمثّل التطبيق العملي لشهادة التوحيد عبر أجيال بني آدم وأممهم من لدن آدم عليه السلام حتى قيام الساعة كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله؛ هذه السورة قد خلت كليّاً من أي ذكر لإبراهيم عليه السلام أو أي شأن من شؤونه، وكأنما اكتُفي بذكره في جانب التقرير العلمي ضمن آيات سورة الأنعام، فكان شأن إبراهيم عليه السلام بذلك أعلى رتبة من سائر الأنبياء بكون فعله وحججه مع قومه، ومنه هذا الذي ذكره الله تعالى في سورة الأنعام؛ يمثّل أصلاً يُتأَسّى به ويؤخذ منه التقرير العلمي والبرهان والحجة في الدعوة لشهادة التوحيد، فعاد ذلك -بفضل الله- متناسقاً مع ما قلناه بشأن هذه السورة، بل مؤيّداً وداعماً له بإذن الله.
ثم إن هذه السورة المباركة لكونها بمثابة تقرير من الله تبارك وتعالى بشأن أصول الاعتقاد هذه؛ قد كثر فيها بما يلفت النظر فعل الأمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم "قل"، وهذا ما أشار إليه بعض الفضلاء من المتأخرين، فقد جاء فيها هذا الأمر لأربع وأربعين مرة، وهو بالقياس إلى حجم السورة يعدّ أكثر تركيز في سُوَر القرآن الكريم، والله أعلم.
وهو يؤكد أن كل ما جاء فيها إنما هو من أمر الله تعالى المباشر، وليس لنبيه صلى الله عليه وسلم أي حظّ أو مشاركة فيه، وهو أمر وإن كان لازماً لكل آيات القرآن الكريم؛ إلا أنه يُراد تأكيده أكثر في هذه السورة بالتحديد، خصوصاً وقد جاء فيها قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرى على اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} فهو يؤكّد صدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما بلّغه عن ربه ومن ذلك هذه السورة، ويؤكّد أيضاً على أهمية ما قرّره الله تعالى من الحجج والبراهين فيها، لأن الله تعالى قد تولّى ذلك بنفسه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك ليبلّغه للناس كما قال فيها: {لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}.
أما عن أصول الاعتقاد التي تناولتها السورة كما قلنا؛ فأولها: شهادة أن لا إله إلا الله، وقد ركّزت الآيات في السورة على ذلك تركيزاً يقلّ نظيره في سُوَر القرآن الكريم، ونعني بذلك إثبات الألوهية لله تعالى وحده، بكل ما تشمله الألوهية، وليس ذلك خاصّاً بفرع من فروعها كما ظنه بعض الأفاضل فقصر دلالة توحيد الألوهية في سورة الأنعام على الحاكمية فقط، مستدلاً بمثل قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً...}الآية، وقوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}، وهذا حق من جهة دلالة هذه الآيات على ذلك، لكنه فرع واحد مما تناولته سورة الأنعام من توحيد الألوهية، والأدلة على ذلك كثيرة:
منها قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمْ}، فهذا في اتّخاذ الولي والناصر من دون الله تعالى.
وبعدها قوله: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ على كُلِّ شِيْءٍ قَدِيرٌ}، وهذا في رجاء النفع ودفع الضرّ.
وقوله: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ آتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ...}الآية، وهي في إفراده سبحانه في الدعاء؛ سواء كان دعاء عبادة أم دعاء مسألة.
ونحوها قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ}، وقوله: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةَ لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ * قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ}، وقوله: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ على أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانا اللهُ...}الآية، وقوله: {وَجَعَلُوا للهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ...}الآية، إلى غير ذلك من الآيات في إثبات الألوهية بعمومها وكل فروعها لله تعالى وحده، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله بكمالها.
وأما الشقّ الثاني من شهادة التوحيد وهو شهادة أن محمداً رسول الله؛ فقد تناولته السورة بحجج قوية، بل لا نبعد عن الصواب إن قلنا إن ما في سورة الأنعام من إثبات النبوات في الجملة، ومنها نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو من أقوى الأدلة في كتاب الله تعالى، كما في قوله تعالى: {وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ...}الآية، وكذا في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى على اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَما أَنْزَلَ اللهُ}، ففي هذه الآيات إثبات النبوات في الجملة بدليل عقلي وفطري، ثم إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالخصوص وأنه صادق فيما أخبر به من الوحي عن الله تعالى.
ومن الآيات بشأن إثبات النبوات أيضاً قوله تعالى في بداية السورة: {وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ...} إلى قوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئونَ}، وقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرى على اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ}، وقوله: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الغَيْبَ...}الآية، التي فيها تحديد مهمة الأنبياء، ونحو ذلك من الآيات.
هذا بالإضافة إلى ما في السورة من التنصيص على نبوة أكبر عدد من الأنبياء في أي سورة من سُوَر القرآن الكريم، وهم ثمانية عشر نبياً (إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم نوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط)، ولم تجمع سورة من القرآن الكريم مثل هذا العدد إلا سورة الأنعام؛ فكان ذكر النبوات فيها إثباتاً وإخباراً، وهو أوسع ما يمكن أن يكون، والله أعلم.
ثم من أصول الاعتقاد؛ إثبات المعاد واليوم الآخر، وهذا وارد في السورة منذ بدايتها في الآية الثانية منها: {وَأَجَلٌ مُسَمَّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ}، وكذا في قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ}.
ثم ما ذكره الله تعالى من مشاهد القيامة: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}، {وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا على النّارِ...}الآية، {وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا على رَبِّهِمْ...}الآية، وقوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا على ما فَرَّطْنا فِيها...} إلى قوله: {وَلَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفلا تَعْقِلُونَ}، وقوله: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ...}الآية، وقوله: {ثُمَّ رُدُّوا إِلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ أَلا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسِبِينَ}، وكذا قوله: {يا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُنَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا}، إلى الكثير من الآيات في إثبات المعاد واليوم الآخر.
وبهذا اكتملت أصول الاعتقاد الثلاثة: التوحيد والمعاد والنبوات؛ مفصّلة في سورة الأنعام.
مع ما في السورة من سائر أمور الاعتقاد الأخرى؛ كالإيمان بالملائكة في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ}، وفي قوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ}، وأيضاً في قوله: {وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ المَوْتِ وَالمَلائِكَةُ باسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ}، فليس في هذه الآيات ذكر الملائكة فحسب، بل وفيها ذكر بعضٍ من مهامّهم واختصاصاتهم.
وكذا الإيمان بالكتب عموماً وبالقرآن خصوصاً، كما في قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}، وقوله: {الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ}، وقوله: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ...}الآية، وقوله: {وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}، وفي آخرها قوله: {وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مَبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وكذا قوله: {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ}، ونحو ذلك.
وحتى الإيمان بالقدر، وهو من أركان الإيمان؛ فقد جاء إثباته في هذه السورة المباركة، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ على الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ}، وقوله: {وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا}، {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ}، وقوله: {مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}، وقوله: {ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ}، وقوله أيضاً: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً...}الآية، ففي كل تلك الآيات إثباتٌ للقدر وردٌّ على القدرية النفاة بالخصوص لأن فيها إرجاع الأمور كلها إلى الله تعالى.
ولكن حتى لا يفرح الجبريّة بذلك؛ جاء في السورة الردّ عليهم أيضاً، كما في قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ * قًُلْ فَللهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ}، وبهذا تضمنت السورة الردّ على كلا الطرفين المنحرفين في القدر.
وكذا من أمور الاعتقاد في السورة إثبات علم الله تعالى بكل شيء، كما قال: {وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ وَالبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأَرْضٍ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ} هكذا بهذا العموم وهذا الشمول لعلم الله تعالى في الزمان والمكان، وكذا في الأجناس والحركات.
وفي السورة أيضاً ذكرٌ للجنّ وبعض شؤونهم كما في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ…} إلى قوله: {يا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ…}الآية.
وكذا الإشارة إلى أشراط الساعة في قوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً}.
وما إلى ذلك مما جاء في هذه السورة من أمور الاعتقاد، والاهتمام الأكبر فيها بأصول الاعتقاد الثلاثة كما قدّمنا: التوحيد والمعاد والنبوات، مفصّلاً ذلك بالأدلة، ثم ما يتبع ذلك من سائر أركان الإيمان والاعتقاد.
علاوة على ذلك فقد حوت هذه السورة المباركة أساس تعامل المسلم مع غيره انطلاقاً من اعتقاده، وهي عقيدة الولاء والبراء. ولاشكّ في كونها من مكمّلات أصول الاعتقاد؛ أن يتعامل المسلم مع غيره على وفق ذلك لا على أساس النسب أو القرابة أو الجاه أو المال.
فنجد في هذه السورة أمره تعالى بتقريب أتباع هذا الدين والحفاوة بهم، كما قال: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ…} إلى قوله: {وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
ونجد في المقابل أيضاً أمره تعالى بإعلان المفاصلة مع أهل الشرك والكفر مهما كانوا، فقال تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنا مِنَ المُهْتَدِينَ…}الآيات، وقال أيضاً: {وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ…}الآية.
وقُبيل نهاية السورة جاءت ثلاث آيات فيها الوصايا العشر، التي قال عنها ابن مسعود رضي الله عنه([31]): من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتَمه فليقرأ هذه الآيات {قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً...} إلى قوله: {وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
ثم خُتمت السورة بتقريرات بالغة الأهمية، تصلح أن تكون خلاصة وإجمالاً لما سبق تفصيله من أمور الاعتقاد فيها، فأمَر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي للهِ رَبِّ العالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}، ولاشكّ أن هذا أحسن ختامٍ لهذه السورة المباركة بهذا الموضوع بالغ الأهمية، فالحمد لله على نعمائه، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:22

سُورَةُ الأَعْراف

سبق أن ذكرنا خلال تناولنا لسورة الأنعام العلاقة بين هاتين السورتين من جهة كونهما تتناولان تفصيل أمور الاعتقاد، فكانت سورة الأنعام تتناول ذلك بالتقرير والحجة العلمية والنظرية، أما هذه السورة؛ سورة الأعراف فتتناوله بالحجة العملية والتطبيقية والواقعية؛ فتذكر أحوال مَن صدّق بما بعث الله به رسله ومآلهم، وأحوال مَن كذّب بذلك ومآلهم أيضاً، بل تذكر أول سيرة بني آدم اعتماداً على ذلك التقييم، وكذا تذكر آخر سيرتهم ونهاية مستقرّهم في الآخرة اعتماداً على ذلك التقييم أيضاً، ثم تذكر بالتسلسل ما بين هذين الطرفين من أحوال الأمم السالفة المعروفة أو التي لها شأن بنا.
فهذه السورة بمثابة التطبيق العملي والبرهان الفعلي لما مرّ تفصيله في سورة الأنعام، وقد افتُتحت بقوله تعالى: {المص * كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ} فنهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يتحرّج من إبلاغ ما أنزله إليه والإنذار به، فقصّ عليه وعلى أمته من بعده الكثير من أخبار الأمم السالفة الذين أرسل الله تعالى إليهم رسله، ليبين حال البشرية عموماً وتاريخها معهم وما جابهوهم به؛ فذكر قصة نوح مع قومه، فهود فصالح فلوط فشعيب، ثم قصة بني إسرائيل مع موسى وبعده أيضاً، بتفصيل واسع وشوط طويل من تاريخهم.
لكن ابتدأت السورة سرد تاريخ البشرية بذكر ابتدائها بقصة خلق آدم عليه السلام.
ومن الملاحظ أن هذه القصة هنا لها طابع يتناسب مع هذه السورة، إذ فيها التركيز على طريقة إغواء الشيطان لبني آدم، ولم يكثر التركيز في سرد هذه القصة هنا على مهمة الإنسان في الأرض وقابلياته كما تقدّم في سورة البقرة، أو على استكبار إبليس وعناده كما في سورة "ص"، بل قد ذكر الله تعالى هنا قول إبليس: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ}، وقال تعالى واصفاً إغواء إبليس: {فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما}، فهذه بمثابة خطة العدو التي أضلّ بواسطتها كثيراً من أجيال بني آدم، المذكورة قصتهم في هذه السورة.
ثم بعد قصة خلق آدم انتقلت الآيات إلى ذكر مآل البشرية ومصيرها في الدار الآخرة؛ فكأن السياق يقول: ذاك أول البشرية ومبتدؤها، وهذا آخرها ومنتهاها، كما قلنا.
وكل ذلك مبني على الأصل الذي ذكرناه من التطبيق العملي لما أرسل الله تعالى به رسله، وهذا التطبيق العملي في هذه السورة مبني كذلك على وفرة ما فيها من القصص، فكانت هذه السورة بما حوته من قصص وتفصيل في بعضها، واستيعاب للحوادث الماضية والمستقبلية؛ أكثر سورة في القرآن الكريم تحوي هذا التفصيل في القصص من بين السور التي تميّزت بوفرة القصص مثل: هود والأنبياء والشعراء والقمر وغيرها.
وحتى لا يرتاب أحد فيما ذكره الله تعالى في هذه السورة من القصص والوقائع، وحتى تُؤخذ على محمل الجد أيضاً؛ قال الله تعالى في بدايتها في الآية السابعة منها: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ}، ولاشكّ أن هذا شامل لكل ما قصّه الله تعالى في هذه السورة، وشامل كذلك لما ذكره من أمور الآخرة وما يجري بين أهل الجنة وبين أهل النار، وكذا أصحاب الأعراف؛ الذين انفردت هذه السورة من بين سُوًر القرآن الكريم بذكرهم، وهو مما يقّوي ما قلناه بشأنها؛ من كونها أكثر سور القرآن الكريم تفصيلاً واستيعاباً، والله أعلم.
وسياق الآيات والأخبار في هذه السورة مبني على صيغة الوعد أو الخبر المستقبلي من الله تعالى، ثم تحققّ هذا الوعد أو الخبر في وقته.
ولهذا ذكر الله تعالى في هذه السورة دون غيرها من سُوَر القرآن الكريم؛ شأناً من شؤون كتابه، فقال: {وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ على عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، والكتاب هنا إما أن يكون هو القرآن الكريم بالتحديد، أو هو جنس ما أنزله الله تعالى على أنبيائه، ثم قال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ}، ومعنى تأويله هنا كما ذكر أهل العلم؛ هو وقوع ما أخبر به وحصول ذلك([32])، بمعنى تحققّ وعد الله تعالى الذي وعد به، ولهذا قال بعدها: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ}، فهذا هو المقصود بقولنا: تحققّ وعد الله تعالى لعباده، أو خبره الذي أخبرهم به.
وأهمّ وعد من الله تعالى، وخبر أخبر به بني آدم؛ ما أرسل به رسله وأمرهم أن يبلّغوه إلى عباده، وهو ما ذكره الله تعالى في بداية هذه السورة بقوله: {يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ}، فهذا هو الوعد والخبر.
ثم ذكر الله تعالى تحققّه حين يأتي وقته في الدار الآخرة، فقال على لسان أهل الجنة: {لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ}، أما عن أهل النار فقد ذكر الله تعالى سؤال أهل الجنة لهم فقال: {وَنادَى أَصْحابُ الجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قالُوا نَعَمْ}، فاكتمل بهذا تحققّ وعد الله تعالى لكلا الصنفين اللذَيْن مرّ ذكرهما حين الوعد، فهذان هما أيضاً حين تحقُّقِ الوعدِ وحصولِ الخبر.
ولأن هذا الوعد والخبر طويل عمره بعمر بني آدم، ولا يمكن لبني آدم الانتفاع منه إلا بعد تحقُّقِه، وتحقُّقُه ينفي تكراره ليتم الانتفاع به مرة أخرى؛ فمن أجل هذا -والله أعلم- ذكر الله تعالى في هذه السورة؛ رحمة منه بعباده، وتيسيراً عليهم ليتّعظوا، وتطبيقاً لهذا الوعد والخبر الأهمّ؛ ذكر وعداً آخر مع أبيهم آدم، ثم ذكر وقوعه وتحقّقه، وما جرّ به على آدم وبنيه من ذلك، فقال ضمن آيات قصة خلق آدم: {وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ}، فهذا وعد وخبر وتحذير من الله تعالى لآدم وزوجه بشأن تلك الشجرة، وأن مآلهم سيكون إلى الظلم إن أكلا منها. ثم بعد ذلك يذكر الله تعالى شأنهما حين أكلا من تلك الشجرة، فقال: {قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ}؛ فها هما قد وقعا في عين ما أخبرهما الله تعالى به وحذّرهما منه.
ووعد الله تعالى هذا لبني آدم بشأن مصيرهم في الآخرة وانقسامهم إلى صنفين؛ صنف في الجنة وصنف في النار؛ لا شكّ أنه متوقّف على تبليغ الرسل أممهم ما بعثهم الله تعالى به، كما قال في الآية التي تقدّمت قريباً: {يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي...}الآية، فمن أجل هذا -والعلم عند الله- ذكر الله تعالى هذا الشرط في التكليف والمؤاخذة في بداية السورة، فقال: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المُرْسَلِينَ}، فهذا سؤال لكلا الطرفين: الطرف الأول، وهم العباد المكلّفون؛ حتى يُعلم مدى استجابتهم لرسلهم وما عملوا على وفق ذلك، ولهذا قال بعدها: {وَالوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ}. والطرف الثاني، وهم المرسَلون؛ يُسألون عن تبليغ ما بعثهم الله به.
ولهذا جاء في السورة قول غير واحد من الأنبياء لقومه إنه إنما يبلّغهم وينصحهم حتى يُعذر يوم القيامة حين يسأله الله تعالى عن تبليغ ما بُعث به، كما في قول نوح عليه السلام: {أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ}، وقول هود عليه السلام: {أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ}، وقول صالح عليه السلام: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحِينَ}، وقول شعيب عليه السلام: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كافِرِينَ}.
وبمقابل وعد الله تعالى الصادق هذا وتحقّقه؛ يذكر الله تعالى وعد الشيطان مع بني آدم، ابتداءً من أبويهم، وكيف أنه غررّ بهما وكذب عليهما {فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ}، مع أنه كان قد أقسم لهما بأنه صادق معهما وناصح لهما {وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ}.
فهذا مما يلفت النظر بشدة في هذه السورة؛ مثل هذه المقارنة بين وعدين وخبرين ونصحين، فالعاقل بعد ذلك من يأخذ بالحق منهما، أما من صدّق بوعد الشيطان وأعوانه فهو كمن وصفهم الله تعالى في هذه السورة بأنهم حقّت عليهم الضلالة، والسبب في ذلك كما قال: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
هذه الولاية للشيطان وأتباعه قد حذّرنا الله تعالى منها في أول السورة فقال في الآية الثالثة منها: {إِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ}، وهذا التحذير ليس خبراً مجرّداً، بل هو عندنا في كتاب الله تعالى قائم على أمثلة محسوسة ممّن اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، كما قصّ الله تعالى علينا ذلك في هذه السورة.
مع أن الله تعالى كان قد حذّر بني آدم على ألسنة رسله كما سبق أن حذّر أبويهم في الجنة فقال: {يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما} إلى قوله: {إِنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِين لا يُؤْمِنُونَ}، فعاد الأمر إلى الاختيار بين ولايتين: ولاية الله واتّباع شرعه على ألسنة رسله، أو ولاية الشيطان مهما تلوّنت وتغيّرت راياتها.
ومن ألوان ولاية الشيطان أن يطول الأمد على الأمة المستخلَفة، فينشأ فيها جيل يتناول هذا الدين تناول وراثة، هذا إذا لم يتمكّن الشيطان من إضلالهم ابتداءً، فحسبه حينها إفراغ انتمائهم إلى دينهم من محتواه، كما فعل بالأجيال المتأخرة من بني إسرائيل فيما ذكره الله تعالى لنا من شأنهم في هذه السورة، فقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}، فليس عندهم من دينهم سوى الاسم وسوى أماني يتمنّونها، وهم مع كثرة تقصيرهم يجزمون بأن الله سيغفر لهم؛ هذا إن اعترفوا بتقصيرهم، فما أكثر من وقع في مثل هذا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدعوى أن الله غفور رحيم!
فهذا ونحوه من أنواع إضلال الشيطان لبني آدم، كما توعّد في قوله الذي حكاه الله تعالى عنه في أول السورة: {قال فَبِما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المُستَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ}.
وكذا من أنواع غوايته لبني آدم ما يفعله مع بعض من ينتسب إلى العلم فيغيّر من وجهتهم فيه؛ من طلب رضوان الله تعالى إلى طلب الدنيا، كما حكى الله تعالى في هذه السورة فقال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فأَتْبَعَهُ الشَّيطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ}الآيات، فجعله الله تعالى مثلاً لضلال من ينتسب إلى العلم.
هذا هو الجو العام في هذه السورة المباركة، وهو تطبيق عملي لما بعث الله تعالى به رسله كما قلنا.
وتمشّياً مع هذا الجو نجد في أواخر هذه السورة ذكراً للميثاق الذي أخذه الله تعالى من بني آدم، ولم يُذكر هذا الميثاق في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع، وهو لاشكّ في كونه متوافقاً كلياً مع ما قلناه بشأن هذه السورة من وعد الله تعالى لعباده ثم تحققّ هذا الوعد يوم القيامة: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةَ إٍِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ}، فسواء كان هذا الميثاق هو الفطرة التي فطر الله عباده عليها من توحيده وعدم الإشراك به، أو هو ميثاق مقاليٌّ آخر كما دلّ عليه منطوق الآية([33])؛ فالمهم أن هذا هو العهد والوعد به، ثم هذا هو وقت تحقّقه ووقوعه، والله أعلم.
وقد جاء في هذه السورة أيضاً ما يمكن أن يكون إشارة إلى هذا الميثاق الذي لم يوفِ بمقتضاه مَن أهلكهم الله تعالى، فاستوجبوا تلك النهاية، كما قال تعالى: {فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ على قُلُوبِ الكافِرِينَ * وَما وَجَدْنا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ}، فهؤلاء لمّا خالفوا فِطَرهم أو ما أخذه الله تعالى عليهم من الميثاق أول الأمر؛ استوجبوا أن يطبع الله على قلوبهم فلا يؤمنون بعد ذلك، خصوصاً أنهم لم يوجد في قلوبهم أي عهد بالإيمان ولو بعد حين، أي أنهم لم يوجد عندهم نية بالوفاء بعهد الله تعالى ذاك.
وفي خاتمة السورة يذكر الله تعالى قصة ضلال بني آدم، وهي القصة التي يمكن أن تتكرّر في كل زمان ومكان: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ * فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ...}الآيات.
ففي هذه القصة بيان الظلم العظيم من قبل بني آدم في شركهم بالله تعالى، وهذه القصة لا تعلّق لها بآدم عليه السلام وزوجه حواء، بل هي عامة في ذرية آدم على الصحيح، والمهم أن هذه القصة فيها ما يشبه التشكّي -إن صح هذا التعبير، ففيه نظر والله أعلم- من فعل بني آدم؛ كيف أن الله ربهم، وهو الذي يرزقهم ويخلقهم ويديم حياتهم، ثم هم ينسبون ذلك كله إلى غيره، وهذا الغير أيّاً كان فهو من خلق الله، لا يملك لنفسه خلقاً ولا نفعاً، ولا يدفع ضراً عن نفسه فضلاً عن غيره ممن يعبده ويرجوه.
هذه هي قصة شرك بني آدم بربّهم، مهما كان نوع هذا الشرك أو سببه، فكلها تؤول إلى ظلم عظيم؛ بنسبة ما لا يحقّ إلا لله تعالى إلى غيره، وأيّاً ما كان هذا الغير فهو عبد من عباد الله، فأي ظلم أعظم من هذا!
وهذه هي خاتمة هذه السورة في بيان التطبيق العملي لأصول الاعتقاد كما سبق وذكرنا، نسأل الله تعالى أن يكون ما قلناه صواباً، وخالصاً لوجهه الكريم، إنه وليّ ذلك وبه الرجاء، والحمد لله رب العالمين.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:23



سُورَةُ الأَنْفال

تأتي هذه السورة مع التي بعدها وهي سورة "التوبة" أو "براءة"، بعد تلك الجولة الطويلة في السُوًر الست الأولى، وبالنظر إلى موضوع هاتين السورتين تتبين المناسبة التامة في موضعهما؛ من كونهما تتناولان موضوع الجهاد في سبيل الله والقتال دفاعاً عن هذا الدين، ولا شكّ أن ذلك يتأخر بعد التعريف بهذا الدين، وبعد معرفة أعدائه وأصنافهم، وبعد إقامة مجتمعه وتحصينه من الداخل والخارج؛ وهذا كله مما تناولته السور الست الأولى قبلهما.
فهذا يبين المناسبة كل المناسبة -والله أعلم- في مجيء هاتين السورتين في هذا الموضع بالتحديد لا قبل ذلك ولا بعده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)([34])، فذروة سنام الشيء تأتي بعد إقامته وتثبيت أركانه ودعائمه، وهو الأمر الحاصل هنا تماماً في موضع هاتين السورتين بعد تلك السور قبلهما، والله أعلم.
أما عن الفرق الذي يميّز بين هاتين السورتين؛ فإن الأولى سورة الأنفال تتحدّث عن أوائل الجهاد في سبيل الله، وما يحتاجه من الشروط والتحضيرات، وكذا الأحكام كالغنائم والأسرى ونحو ذلك، فإن هذه السورة كانت قد نزلت بعد أول غزوة قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم وهي غزوة بدر.
أما سورة التوبة فإنها تتحدّث عن خواتيم أمور الجهاد والقتال في سبيل الله، ولذا حوت آخر أحكام المشركين والموقف منهم، وآخر موقف من أهل الكتاب وهو دفع الجزية، ونحو ذلك مما لم يكن قد شُرع قبل ذلك من أحكام القتال في سبيل الله، وكانت سورة التوبة قد نزلت بعد آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وهي غزوة تبوك.
فهذا هو التقابل وهذه هي المقارنة بين هاتين السورتين؛ فكل منهما مكمّلة للأخرى في الموضوع والأحكام والتشريعات، ولذا يصعب الفصل بينهما، وهذا أحد التوجيهات في عدم ذكر البسملة قبل سورة التوبة، أي في الفصل بين السورتين، وهو أصحّها([35])، والله أعلم. ومنه أيضاً عُدت هاتان السورتان سورة واحدة في تعداد السور السبع الطوال كما سبق وأشرنا إلى ذلك.
ثم إن سورة الأنفال لأنها أول سورة في الجهاد في سبيل الله، ولأنها نزلت بعد أول غزوة قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي غزوة فوق كل المقاييس، ولأنها سورة يراد منها تثبيت الركن الأساس في الجهاد وهو الاعتماد كلياً على الله تعالى وإرجاع الأمور كل الأمور إليه سبحانه وتعالى؛ لأنها كذلك فقد جاءت صيغة الأفعال في كل الشؤون بإضافتها إلى الله تعالى مباشرة بذاته العليّة، أو بصيغة المفرد المتكلّم وهو الله جلّ شأنه، أي بعدم استعمال ضمير الجمع المعتاد وجوده في كثير من آيات القرآن الكريم إلا قليلاً، مثل: أمرنا أو أوحينا أو أنزلنا أو غير ذلك، لكن جاء هنا مثل قوله تعالى: {كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ} ولم يقل "أخرجناك" أو "أخرجنا" كما في كثير من الآيات في سُوَر أخرى.
وقوله: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدامَ} فهذه الآية فيها ستة أفعال بصيغة المفرد، والفاعل فيها هو الله جلّ شأنه. وكذا قوله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا}، وقوله: {وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً} إلى قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ...}الآية، وقوله: {ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ}، وآيات كثيرة، أوضحها قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى} ففيها التصريح بذلك بكل وضوح.
وحتى إن هناك من الآيات ما لها مثيل في سور أخرى، لكنها جاءت في هذه السورة بمراعاة هذا الذي قلناه، مثل قوله تعالى في سورة آل عمران: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}، بينما جاءت في هذه السورة بقوله تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}، ورغم أن المخاطَب يختلف بين الموضعين؛ ففي "آل عمران" المخاطَبون هم المؤمنون، وهنا في "الأنفال" الخطاب للملائكة، فمع ذلك فالمقصود أن لفظ الآية في سورة الأنفال {سَأُلْقِي} يتناسب ما قلناه بشأنها، بينما هي في سورة آل عمران {سَنُلْقِي}.
وحتى تأييده سبحانه للمؤمنين بالملائكة، الذي ورد في سورة آل عمران أيضاً؛ تختلف صيغة الخبر به هنا في الأنفال؛ فلم يذكر الله تعالى في تلك السورة خطابه للملائكة وكونه هو المؤيّد والمثبّت لهم، في حين قد جاء الخبر في سورة الأنفال بخطاب الله تعالى للملائكة فقال: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا...}الآية، فهو سبحانه بذاته العليّة مع الملائكة ليثبّتهم، حتى يثبّتوا الذين آمنوا، فعاد الأمر بكل وضوح وصراحة إلى تثبيت الله تعالى لا غيره مطلقاً، ورغم أن هذا الأمر معلوم ومقطوع به إلا أن اختصاص سورة الأنفال بالتصريح به هو الذي نعنيه من كونه يتناسب مع طابعها وموضوعها، وما يراد التأكيد عليه فيها، والله أعلم.
ونحو هذه المقارنة تجري أيضاً مع سورة التوبة في قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا على النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}، بينما في سورة الأنفال قال عن نفس هذا الجنس: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ}؛ ففي "التوبة" قال: {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}، وفي "الأنفال" قال: {اللهُ يَعْلَمُهُمْ}.
وكل ذلك -والله أعلم- لتثبيت الأصل الذي قدمناه من إرجاع الأمور كلها إلى الله تعالى، وأنه هو المتفرّد بتصريف كل تلك الأحوال والأفعال والأقدار سبحانه وتعالى، خصوصاً إن هذه السورة في بداية أمر الجهاد في سبيل الله، فيحتاج عباد الله المؤمنون أن يثبت عندهم هذا الأصل، كما قال تعالى في هذه السورة: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ المَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}، وكذا قال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ على اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، بل وذكّرهم الله تعالى بما كان عليه حالهم أولاً وما أنعم به عليهم بعد ذلك، فقال: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فذكر ثلاث حالات لهم أولاً، ثم ذكر ثلاثاً أُخَر جعلهم بها بعدُ.
وبمقابل ذلك حذّر أعداءهم وأوعدهم بقوله: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ}، وقال قبل ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}.
ومع هذا فلم يغلق الباب أمام مَن يريد التوبة منهم، خصوصاً وهذا الكلام في بداية أمر الجهاد، فقال آمراً لرسوله صلى الله عله وسلم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}، فمع الترغيب ترهيب وتحذير، وهذا منهج القرآن.
ومن المعاني الشرعية المهمة أيضاً مما تقرّره هذه السورة هو أن التوكل على الله تعالى وإرجاع الأمور إليه جلّ شأنه لا يُبنى على كونه هو المتفرّد بالأقدار فحسب؛ بل على حسن الظنّ به تبارك وتعالى، وأنه يختار لعبده المؤمن إذا أحسن التوكل عليه؛ أفضل ما يناسبه، حتى إذا كان ذلك الأمر الأفضل مما يظنه العبد سوءاً أو ضِيقاً، وهو الأمر الذي حصل فعلاً قبيل معركة بدر، وذكره الله تعالى في هذه السورة بقوله: {كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ}؛ فهم كانوا كارهين للقاء جيش المشركين بعد أن فاتتهم القافلة.
ثم أوضحَ هذا المعنى أكثر بقوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} هذا هو مرادهم وطلبهم، وهذا هو سقف آمالهم، لكن انظروا كيف اختار الله تعالى لهم خيراً من ذلك بكثير كما قال: {وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ الباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ}.
بل بيّن بعد ذلك كيف أن ما جرى لم يكن، حتى لو خطّطوا له بكل إمكانياتهم، لولا أن الله تعالى أراد ذلك، فقال: {وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعادِ وَلكِن لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً...}الآية، وقوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً...}الآية، وقوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}، فكان الجميع بمثابة أدوات في قدر الله تعالى وإرادته، وهو المتفرّد بتصريف الأمور.
وحتى ما حصل من قتلٍ للمشركين لم يكن فيه للمؤمنين نصيب سوى في ظاهره، كما ثبت في صحيح مسلم([36]) بأن رجلاً من المسلمين يوم بدر كان يشتدّ في إثر رجل من المشركين، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك فإذا هو قد خرّ مستلقياً أمامه، وقد شُقّ وجهه وخُطم أنفه. وأيضاً قال سهل بن حنيف رضي الله عنه: (لقد رأيتُنا في بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه)([37])، وهذا كله لأن الفاعل بحقّ هو الله تعالى.
كل ذلك يبيّن التوافق العالي والتناسق الكامل في المعنى الذي تقرّره هذه السورة بمثل هذه الآيات وألفاظها تلك، مع الأخذ بعين الاعتبار كونها قد نزلت بعد غزوة بدر، التي هي كما قلنا فوق كل المقاييس والحسابات الدنيوية، فكان ما تقرّره سورة الأنفال من تلك المعاني العظيمة؛ في التوكل على الله تعالى وحده، وإرجاع الأمور إليه سبحانه، وأنه هو المتفرّد بتصريف الأحوال، مع حسن الظن به؛ كل تلك المعاني مقرونة بمثال واقعي وحسّي عاشته هذه العصابة المؤمنة، وعَلِمه مَن بعدهم بقيناً ليدّبّروه، خصوصاً مَن هم في مقتبل أمر الجهاد في سبيل الله؛ وهو أن التوكل على الله تعالى ينفع لا لأن مرجع الأمور إليه وحده سبحانه فحسب، بل لأن ذلك أيضاً أنفع وأحسن اختياراً وقراراً للعبد، وهو معنى حسن الظن به تبارك وتعالى.
فهذه القلّة المؤمنة التي كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم رغم أن أعداءهم استصغروهم، وقال المرجفون بشأنهم ما حكاه الله تعالى بقوله: {إِذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤلاءِ دِينُهُمْ}؛ لكن توكّلهم على الله تعالى واحتسابهم به هو الذي جلب لهم النصر {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ على اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
وقد أكّد الله تعالى في هذه السورة على الاحتساب والاكتفاء به في موضعين متقاربين؛ فقال: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالمُؤْمِنِينَ} ثم قال بعدها بآية: {يا أَيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} أي الله يكفيك ويكفي أتباعك من المؤمنين، وما جرى في بدر أكبر دليل على ذلك.
هذه هو المعنى الأهمّ -والله أعلم- الذي تقرّره هذه السورة بشأن الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو أعظم زاد للمجاهدين دائماً. مع ما في السورة أيضاً من تقريرٍ لكثير من أحكام القتال في سبيل الله؛ مثل الغنائم والأسرى وتحريم التولّي يوم الزحف والعدد الشرعي في المصابرة وحكم نبذ العهد وحكم المسالمة، وهي أحكام يُحتاج إليها في أول مشروعية القتال في سبيل الله، وهو شأن هذه السورة كما أسلفنا.
لكن أهمّ حكم من أحكام الجهاد في سبيل الله هو الغاية الشرعية من ذلك القتال، وهو أن يكون الدين كله لله، وأن تُزال الفتنة التي تصدّ الناس عن دينهم من أي نوع فتنة كانت، كما قال تعالى في هذه السورة: {وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ}، فهذه هي الغاية الشرعية من القتال والجهاد، لا الغنائم ولا الأسرى ولا ضمّ الأراضي أو الاستحواذ عليها لغرض الاستحواذ فقط، ولا نحو ذلك.
والملفت للنظر في هذه الآية أنها جاءت كذلك في سورة البقرة ضمن آيات القتال لبيان غايته الشرعية، لكنها بدون ذلك التأكيد {كُلُّهُ}، وهي هنا في سورة الأنفال بهذا التأكيد، وهو يناسب كونها سورة لأوائل فرض القتال، فمن المناسب والأليق -والله أعلم- أن يتقرّر هذا الأصل المهم، وهو الغاية الشرعية من فرض القتال، في السورة التي تتحدّث عن أول فرضه، تلك الغاية هي أن يكون الدين كله لله، بهذا التأكيد كما جاء هنا في هذه السورة. والله أعلم بالصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:23

سُورَةُ التَّوْبَة

قد تقدم في أول الكلام عن سورة الأنفال ما تشترك فيه مع سورة التوبة، وكونهما يكمّلان بعضهما، وقد ورد معنى ذلك في قول عثمان رضي الله عنه حين سأله ابن عباس رضي الله عنهما عن عدم الفصل بين هاتين السورتين بالبسملة فقال بأن قصة الأولى شبيهة بقصة الثانية([38]).
لكن قد ذكرنا ما تتميّز به كل سورة عن الأخرى، وأنهما في الأصحّ متقابلتان؛ فبعد السورة التي تفتتح الكلام عن الجهاد في سبيل الله، وهي سورة الأنفال؛ تأتي سورة التوبة، وهي تُنجز الكلام في أمور الجهاد وتكمّله، ومن ذلك أن ذكر الله تعالى فيها دون غيرها؛ عقد البيع بينه وبين عباده المؤمنين في القتال في سبيله، فقال: {إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}، فهذا هو العقد والعهد من ربّهم، وعلى أيّ احتمال وقع فهو ماضٍ ومنجَزٍ لهم، فوعد الله تعالى حق.
ثم إن المتمعّن في آيات هذه السورة يجد أن لها خصائص تميّزها عن سورة الأنفال، رغم اتحاد السورتين في تقرير أصل الاعتماد على الله تعالى خصوصاً في الجهاد، وأن مردّ النصر أو الهزيمة إلى قدر الله تبارك وتعالى وحكمته، سواء أراد ذلك العباد أم أَبَوْا.
وهذا الشأن الذي سبق وبيّنا تفصيله في سورة الأنفال، فكذلك هنا في سورة التوبة تأتي الآيات مستصحبة لهذا الأصل المهم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنِيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً...} إلى قوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعلى المُؤْمِنِينَ...}الآية، وكذا قوله تعالى: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الغارِ...} إلى قوله: {فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيِ العُلْيا}، فهذه المواضع مما تعيد تثبيت الأصل المهم الذي تناولته سورة الأنفال كما سبق.
لكن سورة التوبة تمتاز عنها بخمس خصائص، تتناسب مع كونها مُنجزة لأمور الجهاد في سبيل الله، بعد أن كانت سورة الأنفال مُفتَتِحة له، وسنذكر هذه الخصائص الخمس أولاً ثم نفصّل الكلام في كل واحدة منها بإذن الله:
1-تحدّثت سورة التوبة عن الأحكام النهائية والمواقف التي استقرّت عليها تجاه كثير من الأصناف؛ كالمشركين وأهل الكتاب، وكذا بمقابلهم.
2-تناولت السورة معالجة كل ما يصدّ الناس عن الجهاد أو يلهيهم عنه أو يشغلهم ولو جزئياً عن المشاركة فيه، وهذا والذي يأتي بعده هما من أهم الأمور فيها والله أعلم.
3-تتبّعت آيات هذه السورة جميع المنافقين وكل مَن في قلبه مرض؛ المخذّلين عن الجهاد، فكشفتهم وحذّرت منهم، بل وأمرت بالتخلّص منهم، حتى قيل إنها سُمّيت بالفاضحة([39]) لأنها فضحتهم، وكذا بالمنقّرة لأنها نقّرت عمّا في قلوبهم.
4-فصّلت السورة موضوع الإنفاق في سبيل الله، وبينت أثره المهم في الجهاد.
5-تناولت السورة أنواع الجهاد ومراتبه (جهاد بالنفس، أو بالمال، أو بالحجة والبرهان، أو حتى جهاد بالنيّة والمقصد).
وكل هذه المعاني أو الخصائص الخمسة لا نجد لها ذكراً في سورة الأنفال سوى موضوع الإنفاق في سبيل الله، فقد ورد بإشارة يسيرة كما سيأتي، فهذا أوان التفصيل الذي وعدنا به، فنقول مستعينين بالله العظيم:
أما بشأن الخَصِيصة الأولى؛ وهي الأحكام النهائية لكثير من الأصناف:
فقد تناولت سورة التوبة آخر أحكام المشركين والموقف منهم، في مثل قوله تعالى: {فَإِذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}، فهذا ما استقرّ عليه الحال مع المشركين، والله أعلم.
وقوله تعالى: {قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ على مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، وواضح أن مثل هذا الوعد بإراحة القلوب من الأعداء لا يُعطى إلا لقوم اكتملت عندهم مراتب الجهاد في سبيل الله، فاستحقّوا أن يكون القتال في سبيل الله تطييباً لقلوبهم أيضاً، وإذهاباً لما فيها من الغيظ من الأعداء، فهم قد بلغوا منزلة تطابقت فيها رغباتهم في القتال مع مراد الله تعالى فيه، وهذه ميزة ليست متاحة لكل أحد يقاتل في سبيل الله، ولهذا والله أعلم ذكر الله تعالى ذلك في السورة التي نزلت بعد آخر غزوة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي تتحدّث عن خواتيم أمور الجهاد في سبيل الله كما قلنا.
وكذلك من الآيات التي فيها تقرير الأحكام النهائية بخصوص أهل الكفر أو الشرك قوله تعالى: {يا أّيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا}، وقوله: {وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كافَّةً}.
وحتى النهي عن الاستغفار للمشركين في قوله تعالى: {ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى...}الآية، إنما يمثّل كذلك الموقف النهائي منهم في غير ساحات القتال، والله أعلم.
ومن تلك الأحكام النهائية أيضاً ما يتعلّق بأهل الكتاب، كما في قوله تعالى: {قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ}.
ولأن السورة فيها تكميلٌ وإنجازٌ لكل ما يتعلّق بالقتال في سبيل الله؛ كان لابدّ وأن تحوي من الآيات ما فيها الحثّ على قتال المشركين وأهل الكتاب، بل والإغراء بقتالهم، فإنه لا يمكن إتمام الكلام في الجهاد في سبيل الله دون هذه المعاني. كما في قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ...}الآية، وقوله: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ ولا ذِمَّةً}، وقوله: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً}، وقوله: {أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، فهذه الآيات فيها الإغراء بقتال المشركين.
أما بخصوص أهل الكتاب فمثل قوله تعالى: {قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ...}الآية، فجعل الله تعالى صفاتهم المخزية هذه مبرّراً لقتالهم، وكذا قوله تعالى: {وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ...}الآية، وقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ...}الآية، فقد يقوم في البال تساؤلٌ: ما علاقة هذا الذي ذكره الله تعالى عن اليهود وعن النصارى من أقوالهم الكفرية هذه بموضوع الجهاد في سبيل الله حتى يُذكر في هذه السورة؟ فيمكن أن يكون الجواب -والعلم عند الله- أن ذلك ورد هنا لتحقيق الحافز والمبرّر عند المسلم لقتالهم.
وكل هذا ينصبّ -والله أعلم- في جانب تقرير الأحكام النهائية والمستقرّة مع هذه الأصناف، والذي على أساسه حثّ الله تعالى عباده المؤمنين على قتالهم، لِما ذكر من الأسباب والمبرّرات عندهم.
وبمقابل هؤلاء جاء في السورة تقرير الأحكام النهائية للآخرين كذلك، كما في قوله تعالى: {وَالسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ...}الآية، وقوله: {لَقَدْ تابَ اللهُ على النَّبِيِّ وَالمُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ...}الآية، فالتوبة هي من خواتيم شؤون المؤمنين، كما قال الله تعالى في سورة الأحزاب لمّا ذكر حمل الإنسان الأمانة ونهاية حاله معها: {لِيُعَذِّبَ اللهُ المُنافِقِينَ وَالمُنافِقاتِ وَالمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ على المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ}.
أما بالنسبة للخَصِيصة الثانية أو المعنى الثاني؛ وهو معالجة السورة كل ما يصدّ الناس عن الجهاد أو يلهيهم عنه، أو يشغلهم ولو جزئياً عن المشاركة فيه:
فذلك مثل قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كانَ آباؤكُمْ وَأَبْناؤكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ}، وقوله: {يا أّيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إِلى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ...}الآية، فهذه الآيات ونحوها متوجّهة لمن صدّه عن الجهاد شيء من أمور الدنيا وملذّاتها.
أما من كان متخلّفاً عن الجهاد بدعوى قيامه بغير ذلك من الواجبات الشرعية؛ فهذا يتوجّه إليه مثل قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وَعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ...}الآية، فما ذُكر في هذه الآية -والله أعلم- هو أعلى ما يكون من الأعمال الشرعية التي يمكن أن يتعلّل بها بعض الناس لترك الجهاد في سبيل الله بدعوى قيامهم بتلك المصالح الشرعية، وفضّلوها على الجهاد، فهذا قول رب العالمين وفيه الفصل في الأمر.
والمهم أن هذه السورة قد عالجت كل الذرائع التي يمكن أن يتعلّل بها أحد لترك الجهاد في سبيل الله.
فإن من ترك الجهاد إما أن يكون مغموصاً بنفاق أو شبهة أو ريب، أو حتى مجرد ضعف في إيمانه فترك الجهاد بسببه؛ فهؤلاء يأتي الكلام بشأنهم في الخَصيصة الثالثة.
أو أن لا يكون كذلك، لكنه شغله عنه شاغل أو صّده عنه صادّ؛ فهؤلاء هم المعنيّون في هذه الفقرة من هذه الخَصيصة التي نتناولها.
ثم هؤلاء على ضربين ؛ إما أن يكون الشاغل لهم أمراً دنيوياً؛ فهؤلاء المعنيون أولاً بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كانَ آباؤكُمْ وَأَبْناؤكُمْ...}الآية وما في معناها، أو أن يكون الشاغل عن الجهاد أمراً شرعياً؛ فهو المذكور في السورة بعد ذلك، وقدمنا هذا الصنف فيما مضى من كلامنا حين ذكرنا قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وَعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ...}الآية.
حتى يأتي قوله تعالى في أواخر السورة: {ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ...}الآية، ففيها إجمال ذلك كله والله أعلم.
ثم المعنى الثالث أو الخَصيصة الثالثة لهذه السورة مما يميّزها عن سورة الأنفال؛ وهو كونها تتبّعت جميع أصناف المنافقين ومَن في قلبه مرض من المخذّلين عن الجهاد، فحذّرت منهم وأمرت بإبعادهم:
وذلك ابتداءً من قوله تعالى: {عَفا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ} وما بعدها إلى نحو سبعين آية عند انتهاء الكلام عن مسجد الضِّرار، ففي هذه الآيات لم يبقَ منهم صنف إلا وأتت عليه بالبيان والتحذير، وتناولت حتى من كان مقصّراً وإن لم يكن من أهل النفاق والريبة.
ولذا نجد هذه الآيات قد صنفت الموجودين من هؤلاء إلى صنفين: صنف يصلح معه النصح والإرشاد، وهم الأقلّ؛ لأن من بقي متخلّفاً إلى هذا العهد المتأخر نادراً ما يكون فيه خير، فحال هؤلاء كما وصفهم الله تعالى بقوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}، وقوله أيضاً: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}.
والصنف الآخر وهم الذين لا خير يُرتجى منهم، فلابد من الحذر بل والتخلّص منهم، كما في قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ}، وقوله: {إِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ}، وقوله: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُواً}، وقوله: {وَلا تُصَلِّ على أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ}، وقوله: {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ}، وكذا قوله تعالى بحقّ مسجد الضّرار: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً}، وقال بحق الذين اتّخذوه: {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ}. ففي كل تلك الآيات وما كان في معناها الأمر بالابتعاد عنهم، وعدم مشاركتهم بما هم عليه، وعدم السماح لهم بالخروج في الغزو أو غيره حذراً منهم، بعد أن ذكر الله تعالى في تلك الآيات جميع أنواعهم؛ فما زالت الآيات تقول: {وَمِنْهُمْ...}، {وَمِنْهُمْ...} حتى ظنوا أنها لم تُبقِ أحداً منهم، كما هو في الصحيحين من قول ابن عباس رضي الله عنهما.
ورابع هذه المعاني أو الخصائص لهذه السورة؛ كونها تناولت موضوع الإنفاق في سبيل الله وأثره في الجهاد تناولاً مفصّلاً:
وهذا بخلاف سورة الأنفال فإنها لم يأتِ فيها ذلك إلا بإشارة يسيرة في موضعين أو ثلاثة: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ}، {وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}، {وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ}، هذه فقط مواضع ذكر الأنفاق في سورة الأنفال سواء كان ذلك إنفاقاً عاماً أو كان إنفاقاً متعلّقاً بالجهاد.
أما سورة التوبة فقد ذكر الله تعالى فيها الجهاد بالمال مع الجهاد بالنفس في ستة مواضع: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ...}الآية، {وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ}، {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ}، {وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سِبِيلِ اللهِ}، {لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ}، {إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ}، هذا عن الجهاد بالمال مع الجهاد بالنفس.
وأما عن الإنفاق والصدقة بعمومها فقد قال الله تعالى أيضاً: {وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصًّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ}، وقال: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ}، وقال: {خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها}، وقال: {وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً...}الآية، وقال: {وَمِنَ الأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ}.
بل إن الآية التي فيها مصارف الزكاة لم تأتِ إلا في هذه السورة، وهي قوله تعالى: {إِنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمَساكِينِ وَالعامِلِينَ عَلَيْها وَالمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلٍ}، فهذه ستة مواضع أخرى في ذكر الإنفاق في سبيل الله تضاف إلى الستة الأولى، وكل هذا مما يعطي هذه السورة المباركة خَصيصة مهمة في الجهاد في سبيل الله من هذه الناحية.
وآخر ما عندنا هنا من الخصائص التي تميّزها عن سورة الأنفال، وهو خامسها؛ كونها تناولت أنواع الجهاد في سبيل الله:
فالجهاد بالنفس وكذا الجهاد بالمال تقدّم ذكر بعض مواضعهما في سورة التوبة فيما سبق، وهناك مواضع أخرى أيضاً.
ومن أنواع الجهاد أيضاً الجهاد باللسان أو بالحجة والبرهان، وهذا قد ذُكر في هذه السورة أيضاً كما في قوله تعالى: {يا أَيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ وَالمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}، فجهاد المنافقين الغالب فيه بالحجة واللسان كما هو معروف.
وأيضاً من أنواع الجهاد أو أبوابه الجهاد بالنيّة والعزم لمن عجز عن أدائه فعلياً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغزُ ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)([40])، فهذا النوع من الجهاد أو ما يلحق به قد ذكره الله تعالى في هذه السورة أيضاً بقوله: {لَيْسَ على الضُّعَفاءِ وَلا على المَرْضى وَلا على الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ ما على المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا على الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ...}الآية، فهاتان الآيتان قد رفعتا الحرج عن مثل هؤلاء، ثم قد ثبت في صحيح مسلم([41]) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما كان في إحدى غزواته: (إن بالمدينة لرجالاً ما سِرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شَرِكوكم في الأجر)، ففي هذا الحديث بيان إشراكهم في الأجر؛ فكانوا بذلك قائمين بالحدّ الأدنى من الجهاد في سبيل الله، لكن بشرط صدقهم ونصحهم، كما قال تعالى: {إِذا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ}، والله تعالى أعلم.
وبهذه الخصائص الخمس تكون سورة التوبة متمّمة لسورة الأنفال.
وهناك وجه آخر في كون هاتين السورتين تتمّمان بعضهما، وهو الغاية الشرعية من القتال:
ففي سورة الأنفال ذكر الله تعالى تلك الغاية بقوله: {وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ}، فهذا تقرير عام وكليّ في ابتداء الأمر بالقتال.
ثم في سورة التوبة بيّن الله تعالى مبرّرات القتال، التي تكون إزالتها من غاياته أيضاً، فقال: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمِ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ}؛ فجعل الله تعالى طعنهم في ديننا من موجبات قتالهم كذلك، حتى لو لم يكن لهم ظهور أو سطوة يفتنون بها الناس، فتكون إزالة هذا الطعن في الدين من غايات القتال الشرعية أيضاً، لأنها في الحقيقة من لوازم أن تكون كلمة الله هي العليا، والله أعلم.
وأخيراً.. ببيان هذه الصلة بين السورتين يكتمل الكلام عن الجهاد في سبيل الله فيهما، وهما ختام السبع الطوال.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:24


وبعد انتهاء السبع الطوال نرجو أن نكون قد وفّينا بما وعدنا به، ونرجو أيضاً أننا قد وُفّقنا لما أردناه من المعاني في تدبّرها في مباحثنا هذه، وقد حرصنا فيها على الاهتمام بالنظر في تسلسل السُوَر وموضع كل سورة من السبع الطوال، وكيف أن ذلك فوق كونه أمراً توقيفياً كما سبق؛ فهو مناسِب كل المناسبة بشأن كل سورة وموضعها مع أخواتها مما قبلها أو بعدها، وهذا ما قلنا إنه يحقّق بنفسه معنىً آخر يزيد به عن المعاني المستفادة من كل سورة بمجموع آياتها، أو حتى من كل آية من آيات تلك السُوَر.
وباكتمال السبع الطوال هذه يمكن أن يشعر المتدبّر لما مرّ به من معانٍ فيها مع المعاني المستفادة من ترتيب هذه السُوَر فيما بينها؛ باكتمال معنىً آخر وراءها يضمها جميعاً، وهو ما بعث الله تعالى به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم.
فإن الله تعالى بعثه ليبين للناس دينهم الحق وما يشمله أو يتناوله هذا الدين؛ وهو موضوع سورة البقرة كما قلنا.
ثم ليبين لهم أعداء هذا الدين وأصنافهم والموقف من كل صنف؛ وهو موضوع سورة آل عمران.
ثم ليبين لهم كيف ينظّمون أمور حياتهم وعلاقاتهم في مجتمعهم كما يريدها الله تعالى خالقهم؛ وهو موضوع سورة النساء.
ثم ليبين لهم موقفهم كمجتمعٍ وكيانٍ واحد من الآخرين أصحاب الديانات قبلهم وينظّم لهم علاقاتهم الخارجية؛ وهو موضوع سورة المائدة.
ثم بعد ذلك يفصّل لهم أهم شيء في دينهم وهو أصله وأساسه وهو اعتقادهم بربهم تفصيلاً يضمن لهم السلامة في آخرتهم فهو المقصد الأعلى ولا سلامة بدونه؛ وهذا ما تتناوله سورة الأنعام كما فلنا.
ثم ليبين لهم بعد ذلك أثر هذا البيان المفصّل للاعتقاد عند بني آدم عموماً من السابقين واللاحقين، ويخبرهم خبر صدق ويقين عن عاقبتهم وفق هذا التقييم بهذا الاعتقاد؛ وهذا ما تتناوله سورة الأعراف كما مرّ.
ثم لتكتمل مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم فلابد أن يبين للناس كيف يواجهون أعداءهم جهاداً بالنفس أو المال، وما يحتاجه جهادهم هذا من الأحكام والاستعدادات؛ وهذا ما تتناوله سورتا الأنفال والتوبة.
وباكتمال ذلك يشعر المرء بأن حلقة كانت قد ابتُدأت مع أول سورة البقرة واستمرت حتى أطبقت وأقفلت مع نهاية سورة التوبة، وهي آخر السبع الطوال. ومن المفيد أن نذكر هنا أن سورة التوبة كانت آخر سورة نزلت كما جاء في صحيح البخاري من قول البراء رضي الله عنه، وحتى إن كان المراد بذلك معظمها فهو يحقّق المعنى المقصود هنا من كونها تتناول ما تكتمل به بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.


* * *
فصل

باكتمال هذه الجولة في السبع الطوال يعتاد الناظر والمتدبّر لآياتها على نمطٍ من تناول المواضيع والمعاني لا يجد له شبيهاً -والله أعلم- فيما سيأتي من سُوَر القرآن الكريم.
فإن المتمعّن فيما بعد ذلك من السور؛ ابتداءً من سورة يونس فما بعدها؛ يلمس خصوصيةً في هذه السُوَر نسبة للسبع الطوال، التي كان فيها تفصيل أكثر وشرح أطول في ما تتناوله، ومن ثمّ كان الوصول إلى موضوع كلٍّ منها يسير، أما هذه السُوَر بعدها فما تتناوله من المواضيع والمعاني يأتي فيها بتركيز أكثر مما سبق، وكأنه يراد -والعلم عند الله تعالى- لمن يروم معرفة موضوعها واستخلاص معانيها؛ أن يترقّى في فهمه لدينه عن ما كان عليه ليكون بمستوى إدراك ذلك من هذه السُوَر.
ويمكننا أن نقول هنا إن السبع الطوال لكونها أقرب إلى حاجة عموم الناس في دينهم؛ كان استخلاص معانيها وفهم مراد الله تعالى فيها أيسر مما بعدها من السور، كما كانت سورة الفاتحة في حفظها وفهم معانيها أيسر على الخلق جميعاً من سائر سور القرآن الكريم، لأنهم بحاجة إليها أكثر من غيرها، وهذا من شأن الله تعالى ورحمته بخلقه؛ أن ما اشتدّت حاجة الخلق إليه يسّره لهم ربهم أكثر من غيره والله أعلم.
ولتقريب فهم معاني تلك السُوَر وتدبّر آياتها لاستخلاص مواضيعها سنصطلح على تقسيمها إلى مجموعات، وهو تقسيم ارتأيناه لتسهيل تدبّر معاني هذه السور، ونحن لا نجزم به ولا ننسبه إلى كتاب الله تعالى قطعاً.
وكذلك لا نريد التضييق على أنفسنا ولا على أحد سوانا في التقيّد بإطار ما سنذكره من معاني هذه المجاميع من السور أو مواضيعها؛ فنُحرَم بذلك نحن وغيرنا من خير كثير يمكن أن يأتينا من استمرار إعمال الفكر والتدبّر لكتاب الله تعالى، بل جهدنا هذا إنما هو وجهة ارتأيناها لتدبّر هذا الكتاب العزيز، ويبقى بعد ذلك العلم عند الله تعالى يفتح به على من يشاء من عباده، وهو المسؤول أن يرزقنا من ذلك ما ينفعنا عند لقائه، إنه هو البرّ الرحيم.
أما عن هذه المجاميع من السور فإننا نعني بالمجموعة: السور التي ينتظمها جميعاً باب واحد أو عنوان واحد، كما سنوضّح هذا فيما يأتي:
المجموعة الأولى: من سورة يونس إلى آخر سورة النحل، ولا حرج إن قلنا بأن ما تتناوله هذه السُوَر السبع في غالبه أو على الأقل حصة كبيرة منه؛ هو من شأن الدعاة أو المصلحين أو قادة الأمة أو المجاهدين؛ بمعنى: مَن هم ليسوا من عموم الأمة بل من خواصّها، وهذا هو الشأن الغالب في معظم آياتها كما قلنا.
بينما كان غالب ما تتناوله السبع الطوال قبلها هو من شأن عموم المسلمين في معرفة دينهم وما يلزمهم في هذا الأمر، كما فصّلنا ذلك من قبل.
ولذا نجد أن هذه السُوَر السبع (يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل) وإن تنوعت مواضيعها فيما بينها، ومهما كان ما تتناوله كل سورة منها من مواضيع ومعانٍ؛ فلابدّ وأن ينصبّ ذلك في شأن دعوة الناس، أو أيٍّ من أنواع الجهاد لنصرة هذا الدين، أو الإصلاح وما يستلزم ذلك من المعاناة في الصبر على أذى المخالفين. ثم لابد وأن يأتي فيها بعض الآيات التي فيها تصريح بهذا الشأن، وهذا ما سنحرص على بيانه إن شاء الله في تناولنا لكل سورة منها فيما يأتي.
ولا نريد بهذا التقسيم القطع به، ولا المصادرة على ما سواه، وإنما هي نظرة ووجهة لتسهيل تدبّر كتاب الله تعالى، وما كان فيها من خلل وقصور وتفاوت فهو من أنفسنا، والله وكتابه ورسوله بريئون منه، ونتوب إلى الله من ذلك ونستغفره.


* * *


سُورَةُ يُونُس

نلمس من هذه السورة أول الأمر شدّة ما كان يعانيه النبي صلى الله عليه وسلم بسبب إعراض قومه وعدم إيمانهم، رغم أنه جاءهم بالحق مؤيَّداً بالبينات.
ففيها يسرّي الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم وعن أتباعه كذلك إلى يوم القيامة بقوله: {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العِزَّةِ للهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * أَلا إِنَّ للهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ}، وحتى فيما ساقه الله تعالى بعد ذلك من قصة نوح أو من قصة موسى وهارون؛ نجد هذا الطابع من التسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر شدّة ما لاقاه هؤلاء الأنبياء قبله من التكذيب.
ففي شأن نوح عليه السلام يقول الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلى اللهِ تَوَكَّلْتُ...}الآية، وفي شأن موسى عليه السلام ومن معه يقول تعالى: {فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ على خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ المَسْرِفِينَ}.
وعموماً يمكن أن ينّضح من آياتها أنها نزلت في النصف الثاني من العهد المكي، أي بعد أن اشتدّ الأمر بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين وحَمِي الجدال معهم، حتى اقتضى ذلك أن يوجّه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى نوع من المفاصلة منهم، كما في قوله في منتصف هذه السورة: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ} وهذا لا يكون إلا بعد طول عناد وشدة معارضة وتكذيب، وقد ذكر البعض أنها نزلت بعد سورة الإسراء، وهو الأليق والله أعلم.
هذا ما نلمسه في هذه السورة، لكننا نلمح أيضاً أن محورها وموضوعها العام إثبات النبوات والرسالات في الجملة، كما قال الله تعالى في بدايتها؛ في الآية الثانية منها: {أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ}، وكذلك إثبات مهمة الرسل والأنبياء كما قال: {وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّناتِ}.
ومن إثبات مجمل النبوات يُتوصل إلى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتوضيح مهمته، وهو المقصد الأهمّ، كما قال تعالى بعد ذلك: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّنات قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرآنِ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى على اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ}، ففي هذه الآية الأخيرة يبين الله تعالى أن افتراء الكذب عليه وادّعاء النبوة بالكذب هو من أعظم الظلم والجرم، وأن فاعل ذلك لا يمكن أن يفلح، فكيف يمكن أن تشتبه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو معروف عندهم من قبلُ وسيرته الحسنة الطيبة مشهورة فيهم؛ كيف يمكن أن يشتبه أمره مع دعوى الكذّابين؟
وقد قال تعالى في هذه السورة أيضاً: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ على اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ}، ففي هذا -والله أعلم- استدلال لصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولصدقه بما فعله الله تعالى له ولدينه من التأييد والنصر بل والظهور أحياناً، لأنه لو كان كاذباً -وحاشاه- لما أفلح قط، فهذه سنة الله تعالى في المتقوّلين عليه.
وهذا الاستدلال الذي قلناه؛ هو أحد المسلكين لإثبات صدق المدّعي للنبوة، وهو مسلك معروف لبني آدم في نحو هذه الأمور؛ التي لا سبيل للعباد بأن يعرفوا مراد الله تعالى ورضاه إلا بأن ينظروا في أفعاله وأقداره في ذلك الأمر المعنيّ، كما فعلت قريش قبل البعثة حين تردّدوا في هدم الكعبة لإعادة بنائها فهابوا ذلك حتى تجرّأ أحدهم فهدم بعضاً من بنيانها، فتربّصوا به تلك الليلة فقالوا ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئاً وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله صنعنا فهدمنا، وهي حادثة مشهورة في السيرة تدلّ على ما قلناه من إدراك بني آدم لهذا المسلك، وهو مبني على إيمانهم بعلم الله تعالى بكل شيء، وأنه كذلك لا يعجزه شيء، فإذا كان ذلك معروفاً ومتّبعاً في ما دون أمر النبوة ففيها ولا شكّ يكون أقوى وأدلّ.
وهذا الاستدلال كله والتقرير لصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه وهو محور السورة كما تقدم؛ إنما كان -والله أعلم- لشدة ما كان يواجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه من الإعراض والتكذيب، الذي قلنا إنه يُلمس من كثير من آيات هذه السورة.
هذا الإعراض والتكذيب قد يوفّر سبباً للتشكيك بذلك؛ كأن يجول في خاطر بعض من آمن به: إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً فلمَ كان هذا الإعراض إذن والمعاداة الشديدة له ولدينه ولأتباعه؟ ولماذا لا يُظهر الله تعالى دينه على سائر الأديان دائماً وبكل الأزمان؟ وإذا كان سيفعل ذلك فمتى يكون أوانه؟ كل هذه الأسئلة ونحوها قد توصل إلى التشكيك بنبوته ووحي الله له، فمن هنا عالجت هذه السورة ذلك كله.
وقد بلغ من شدة هذا التكذيب أن اقتضى أن يخاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بقوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤونَ الكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ}.
وابتداءً نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشكّ ولم يسأل كما جاء ذلك في الآثار؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن عدد من التابعين فيما ساقه غير واحد من المفسرين([42])، إلا أن هذه الآية تدلّ على المسلك الثاني في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وهو الاستدلال بما في الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل من صفاته وبعض أحواله صلى الله عليه وسلم، إذ الآية تثبت أن في تلك الكتب من تلك الصفات ما يحصل به العلم بنبوته، ولذا أحال الله تعالى إليها في حال وجود الشكّ بنبوته صلى الله عليه وسلم، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن هذه الآية توضّح المناسبة في تناول أدلة إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في حال اشتداد التكذيب بها والإعراض عنها؛ وهو ما قلناه من إمكانية توفّر سبب التشكيك بها، خصوصاً وقد أتبعها الله تعالى هناك بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الأَلِيمَ}؛ فعدم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذن لا لنقص في دلالات ما جاء به، بل لقصور في هؤلاء المتلقّين المعرضين.
ثم إن الأمر كله راجع إلى مشيئة الله تعالى كما قال بعد ذلك: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، وفي خاتمة هذه الآية ما يحدّد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي حدود مهمة كل رسول؛ فلا شأن لأحد بالهداية والإيمان، بل ذلك من شأن الله تعالى وحده، كما قال بعد ذلك: {وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ...}الآية.
وأيضاً جاء في هذه السورة من الآيات في تحديد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّما الغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ}، وقوله أيضاً: {وَما كانَ هذا القُرآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ العالَمِينَ...} والآيات بعدها إلى قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنا بَرِيء مِمّا تَعْمَلًُونَ}.
لكن محور السورة هذا الذي قلناه، وهو أدلة صدق محمد صلى الله عليه وسلم؛ رغم أهميتها في الشرع، إلا أنها لا تنفع إن لم توصل إلى التصديق والإقرار بما جاء به من عند ربه تبارك تعالى، وأعظم ذلك وأعلاه الإقرار بوحدانية الله تعالى وعدم الشرك به.
ولذا لم تقتصر آيات السورة على ذاك المعنى في إثبات صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، رغم أهميته، ورغم إحساسنا بأن السورة يمكن أن تُعَنْوَن به كما قلنا؛ بل تناولت آياتها الدعوة إلى توحيد الله تعالى بكل صنوف العبادة، لا لأنها من طبيعة السور المكية فحسب، بل ولتعلّق هذا الأصل بأدلة صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها من لوازمه كما تقدّم، وإلا فمثل أبو طالب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يَشكّ في صدق ابن أخيه أبداً، بل لا نبعد عن الحق إن قلنا إنه وأمثاله كثيرين لم يكونوا ليحتاجوا أدلة على صدقه صلى الله عليه وسلم، لكن الشأن أنهم لم يستلزمهم تصديقهم بل ومحبتهم له؛ التصديقَ والإقرارَ بما جاء به من عند ربه، وبالأخص توحيده تبارك وتعالى، فلذلك لم ينفعهم هذا عند ربهم.
ومن أجل هذا نلاحظ بكل وضوح اقتران الكلام عن دلائل صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته؛ بالأمر بتوحيد الله تعالى ونبذ الشرك به، وذلك في أكثر من موضع في هذه السورة، كما في قوله تعالى في أولها: {أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} هذا بشأن النبوة، ثم يعقبها مباشرة: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أّفَلا تَذَكَّرُونَ}.
وكذلك بعد آيات حين يعلّمنا الله تعالى أصلاً من الأصول للاحتجاج بشأن النبوة في قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى على اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ}، فيعقبها مباشرة: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّؤُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ}.
وأيضاً حين ساق الله تعالى أدلة توحيد الربوبية للاستدلال بها على توحيد الألوهية في قوله: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهَ...}الآيات إلى قوله: {فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؛ قال بعدها بآية مقرراً صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من القرآن من عند الله: {وَما كانَ هذا القُرْآنَ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ العالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ...}الآيات.
وحتى في خاتمة السورة جمع الله تعالى هذين الأصلين في قوله: {قُلْ يا أَيُّها النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ...}الآيات.
فهذا من الأمور الواجب مراعاتها في المقصد الأسمى من تناول أدلة صدق محمد صلى الله عليه وسلم في ما أتى به من عند ربه، كما يكون المقصد الأسمى من محبته واتّباعه صلى الله عليه وسلم هو نيل رضا الله تعالى ربنا.
ثم ختمت السورة بقوله تعالى: {وَاتَّبِعْ ما يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ}؛ فالله تعالى هو الذي يحكم ويقدّر، فلا يملك العبد إلا أن يفوّض الأمر إليه ويصبر، مع حسن ظنه بربه، فهو خير الحاكمين.
ومثل هذه المعاني تدلّ على ما كان يواجهه النبي صلى الله عليه وسلم من قومه، وهو شأن خلفائه في الدعوة والجهاد في سبيل الله من بعده إلى يوم القيامة، فلا يملكون إلا الالتزام بهذه الوصية المركبة من الأمرين: التوكل على الله وحده وتفويض الأمر كله إليه، مع حسن الظن به تبارك وتعالى فيما يقدّره ويقضيه.
هذا ما عندنا من موضوع السورة ومحورها العام، مع ما يستلزمه هذا الموضوع من المقصد الأسمى كما سبق، فهذه لا شك هي القضية الأساسية التي بعث الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أجل تثبيتها كان الكلام والتفصيل في شأن أدلة إثبات النبوة تلك، فلا تعارض بينهما إذن، والله تعالى أعلم بالصواب.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:25

سُورَةُ هُود

تأتي هذه السورة متمّمة لما سبق في سورة يونس، وممهّدة لما سيأتي في سورة يوسف، وهذا ما يبين الترابط الوثيق بين هذه السور الثلاث رغم أنّنا كنّا قد اعتبرناها ضمن المجموعة الأولى من السور السبع كما في بداية هذا الفصل.
لكن يمكننا أن نقول إن هذه السور الثلاث (يونس وهود ويوسف) أخصّ بشخص الداعي أو أشخاص الدعاة منها بالمدعوين، بينما السور الثلاث بعدها (الرعد وإبراهيم والحجر) أخصّ بالمدعوين منها بالدعاة، وهذا ما سنحاول تفصيله إن شاء الله فيما سيأتي، لكن سنركّز هنا على الترابط بين سورتي يونس وهود.
فبعد أن عالجت سورة يونس الشكوك والرِّيَب التي تعرض لصاحب الحق في دعوته بسبب اشتداد المحنة وطول الطريق؛ تأتي سورة هود لتتناول الصعاب والمشاقّ التي يواجهها صاحب الدعوة في طريقه.
ولاشكّ في حسن هذا التناول في تسلسل السورتين؛ فالأولى تثبّت دعائم الحق وتزيل الشكّ عنه، والثانية تقوّي رصيد الصبر عليه.
أو بمعنى آخر، فإن الأولى يحتاجها من يُخشى عليه أن توصله المحنة إلى الشكّ والتردّد؛ فتقدّم له السورة أدلة إثبات هذا الحق، وهي أدلة إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما الثانية فتكفي لمن كان متيقّناً من هذا الحق، لكنه قد يعجز عن الاستمرار في القيام به والدعوة إليه؛ فتسرد له السورة أمثلة عديدة من الابتلاءات السابقة والصعاب التي واجهها مَن كانوا قائمين بهذه المهمة من السالفين، ليتأسّى بهم في صبره، كما قال تعالى في أثناء سرده في هذه السورة لما لاقاه الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم: {تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين}، فجعل الغاية من تلك الأنباء والقصص إعطاء الصبر وتقوية رصيده.
وتدليلاً على ما قلناه من المقارنة بين سورتي يونس وهود؛ نجد في السورة الأولى خطاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤونَ الكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ}، بينما في السورة الثانية خاطبه بقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}.
فالآية الأولى من سورة يونس تتناول دفع التشكيك في هذا الدين، في حين تتناول الآية الثانية من سورة هود دفع قلّة الصبر على البلاء في الدعوة لهذا الدين.
وعموماً فإننا نلاحظ -والله أعلم- أن الكلام في شأن التشكيك في هذا الدين وهذه الدعوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن تعرّضت له سورة هود بشيء يسير كما في قوله تعالى: {فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونًَ}؛ فليس هو الظاهر في هذه السورة، كما كان هو الشأن في سورة يونس.
بل يمكن أن لا نبعد عن الصواب -والله أعلم- إن قلنا إن ذلك إنما ورد في سورة هود بمثابة استصحاب لما سبق تفصيله في سورة يونس، لتبني عليه الآيات في سورة هود ما سيأتي من موضوعها العام، وهو المعنى الظاهر فيها؛ فتتناول عناد المعاندين واستكبار المستكبرين، وأن ذلك يبقى هو شأنهم كما كان هو شأن كثير من المكذّبين السابقين، الذين سردت السورة أحوال عدد غير قليل منهم, وهذا ما يجعل هذه السورة -من هذه الحيثية- تذكّرنا بسورة الأعراف، كما كانت سورة يونس تذكّرنا بسورة الأنعام، والله أعلم.
وأول ما نجده من ذلك ما ذكره الله تعالى من موقف المعاندين في أول السورة؛ فقال في الآية الخامسة منها بعد أن وجّه لهم الدعوة إلى عبادته وحده والتوبة والإنابة إليه تبارك وتعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}؛ ففيها تقرير شأن المكذّبين المعاندين، وهو شأنهم المستمر كما كان هو شأنهم في الماضي، رغم أن الله تعالى مطّلع عليهم ومحيط بهم، كما قال في آخر الآية: {يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}، وهذا ما يكفي النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده قادة الأمة والمجاهدين والدعاة في مواجهة هؤلاء المعاندين والصبر عليهم.
ثم تستمر الآيات في تقرير علم الله تعالى واطّلاعه على كل شيء، مع تدبيره تبارك وتعالى لشؤون خلقه جميعاً: {وَما مِنْ دابَّةٍ فِي الأَرِضِ إِلاّ على اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدّعّها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ...}والآيات بعدها، وكل هذا إضافة إلى ما فيه من تقرير وحدانية الله تعالى واستحقاقه وحده للعبادة؛ ففيه أيضاً ما يتعلّق بما قلناه من موضوع السورة؛ وهو تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده خلفائه في الدعوة والجهاد، وإعطاؤهم زاداً يصبّرهم على ما يلاقونه من المعاندين هؤلاء؛ فمردّ الخلق جميعاً إلى الله تعالى، وهو الذي يدبّر أمورهم ويتكفّل لهم بها.
وقد تكرّر هذا المعنى أيضاً في السورة في جواب هود عليه السلام لقومه حين هدّدوه فقال: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ على اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي على صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
مع أن قول هود عليه السلام هذا فيه أصلان؛ هما عمدة العبد في جهاده ودعوته، وهما: التوكّل على الله وحده، وحسن الظنّ به تبارك وتعالى، فهذا أحوج ما يكون إليه كل من يقوم بهذه المهمة من عباد الله المؤمنين، بل لا يمكنهم القيام بشيء دون ذلك.
ونعود إلى الآيات في بداية سورة هود فنجد أنه قد جاء في ثنايا هذه الآيات وصف الله تعالى الإنسان بطبعه من الجزع واليأس، إلا أنه استثنى من ذلك أهمّ صفة تتناسب مع ما قلناه من موضوع السورة، وهي الصبر؛ فقال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنا الإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورُ * وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} ثم استثنى تعالى من ذلك: {إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبٍيرٌ}، فهو يؤوس كفور، وفَرِح فخور، إلا من صبر وعمل صالحاً كما قال أصدق القائلين.
وأيضاً مما يتناسب مع ما قلناه من موضوع السورة وقد تناولته في بدايتها؛ تقرير الله تعالى وهو أصدق القائلين بأن من عجز عن الصبر في هذا الطريق وتكاسل عنه، فمال إلى الدنيا وزينتها وما ظنّه فيها من الراحة؛ فإنه قد استبدلها وهي الزائلة الفانية بما يبقى ويخلد، فقال تعالى: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الحياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاّ النّارَ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}.
فكم من عبادٍ كانوا قائمين بهذا الأمر، سائرين في طريق الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله، ثم أتعبهم طول الطريق وامتداد المحن والابتلاءات، فتراخت عزائمهم إلى الدنيا وزينتها وإلى ما ظنوه فيها من الراحة والدِعة، فاستبدلوها بما كانوا قائمين به.
وهذا إنما يحصل لمن لم يعرف طبيعة هذا المسلك؛ فيجعل غايته فيه وجه الله تعالى والدار الآخرة، بل يجعل غايته النتائج في الدنيا فقط.
أو يحصل لمن غرّه بعض ما عنده من العلم، فسوّلت له نفسه الحجج والذرائع باسم الشرع وباسم مصلحة الدعوة أو باسم المصلحة الشرعية المتوهَّمة؛ فمال إلى تمييع طريق الجهاد في سبيل الله تعالى بالسياسات الباطلة أو الكفرية، التي تؤول إلى مصانعة أعداء الله تعالى، والركون إليهم تحت تبرير "واقع الأمر" أو "المصلحة والمفسدة" أو "الأولويات الشرعية" أو "مصلحة الدعوة"، ونحو هذه العبارات الملغّمة بالباطل، الذي حذّر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم منه في أواخر هذه السورة أيضاً، لأنه شأن لا بد وأن يعرض لصاحب هذا الحق من قِبَل شياطين الإنس والجن، ما دام سائراً في طريقه هذا؛ فقال تعالى في أواخر السورة: {وَلا تَرْكَنُوا إِلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}.
وهذا التحذير من الركون إلى الظالمين جاء بعد أمره تعالى هناك بالثبات على هذا الطريق، فقال: {فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
وبالعودة إلى الآيات الأولى من السورة؛ فهذا ما نجده -والله أعلم- من المناسبة في ما تقرّره تلك الآيات، مع ما قلناه من موضوعها العام، وهو عناد المعاندين وبقاؤهم على ذلك كشأن من سبقهم، خصوصاً وقد أعقب ذلك قوله تعالى: {أَفَمَنْ كانَ على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً...}الآية، وهي في وصف المتيقّن من هذا الحق والثابت عليه، مقارنة مع المتردّد والمتشكّك فيه.
بعد هذه البداية لهذه السورة العظيمة يقصّ الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام كلٌّ مع قومه، وتركّز القصص هنا على مواقف المكذّبين مع أنبيائهم، بأسلوب يثير الهمّ والحزن والحسرة على هذه الأمم المتتالية، التي لم تتّعظ إحداها بما جرى لمن سبقها، فانتهت إلى نفس ما انتهوا إليه؛ كما حكى الله تعالى قول شعيب عليه السلام لقومه: {وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ}، فها هو نبيهم يذكّرهم بما جرى لهذه الأمم قبلهم لما كذّبوا، لكن هل اتّعظوا واعتبروا؟ أبداً.
ثم بعد انتهاء تلك القصص في هذه السورة يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلا كَما يَعْبُدُ آباؤهُمْ مِنْ قَبْلُ}، فآباؤهم هم هؤلاء الذين تقدّم ذكرهم، وآخرهم قوم شعيب، الذين كانوا قد ذكّرهم نبيهم بمن سبقهم أيضاً فلم يرتدعوا، وكأن الأمر حتم مكتوب عليهم؛ أن تكون مواقفهم جميعاً سواء، ليتحقّق أمر الله تعالى وحكمته من بعده.
فهذا هو التتابع من قبل هذه الأمم على نفس مواقف العناد والاستكبار مع أنبيائهم، مع أن كل رسول يذكّر قومه بإهلاك الله تعالى لمن كذّب قبلهم، لكن يبدو أن لا فائدة تظهر من هذا التذكير إلا نادراً.
وهذا -والله أعلم- قد يكون بعضاً من المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (شيّبتني هود)([43])؛ فلا شكّ أن إدراك هذا الأمر مما يشيب له شعر من اضطلع بهذه المهمة، خصوصاً إذا كان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو أحرص الناس على هداية الخلق وأنصحهم في ذلك.
ثم هذه هي مهمة أتباعه صلى الله عليه وسلم، وهم خلفاؤه في الدعوة والإصلاح والجهاد وقيادة الأمة.
ومما يزيد من ثقل هذه الحقيقة أمران؛ انفردت هذه السورة ببيانهما ضمن هذه القصص، دون غيرها من السور التي تناولت نفس القصص:
الأول: التأكيد على جدّية هذا الأمر وأن لا محاباة فيه لأحد، بل ولا تُقبل فيه وساطة أحد مهما بلغ لأي أحد؛ فذكر الله تعالى في السورة محاولة وساطة اثنين من خيار أنبيائه من أولي العزم؛ نوح عليه السلام في وساطته لابنه فلم يقبل الله تعالى منه ذلك: {وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأََنْتَ أَحْكَمُ الحاكِمِينَ * قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ}، وكذلك إبراهيم عليه السلام في وساطته لقوم لوط: {فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ...}الآية، فردّ الله تعالى عليه: {يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عّذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}.
والأمر الثاني: قول صاحب أطول دعوة وتبليغ لقومه على مدار حياة بني أدم، وهو نوح عليه السلام؛ بتقرير قاله عن خبرة وعن طول ممارسة لعناد المعاندين، حتى قالوا له كما أخبر أصدق القائلين: {قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَاتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ}، فأجابهم: {قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}؛ ففي قوله الأخير هذا تتجلّى حقيقة مرّة بشأن هؤلاء وأمثالهم.
ويبقى وراء ذلك كله قدر الله تعالى الغالب لجميع الخلق، فيتحقّق قدره مع حكمته تعالى في خلقه هؤلاء، كما قال في أواخر هذه السورة: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَئَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ}.
ثم من جانب آخر فإن في هذه القصص تثبيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم ولخلفائه في هذا الطريق من بعده، لأنها تُعْلمهم بأن ما يلاقونه من الإعراض والتكذيب والمحاربة ليس بدعاً ولا غريباً عن أصحاب هذا الطريق، فيتصبّروا بهم، كما قال الله تعالى في آخر هذه السورة مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم ومن ورائه كل من يقوم بهذه المهمة إلى قيام الساعة: {وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ}؛ فالتثبيت لمن قام بهذه المهمة، والحزن والأسى على الأمم التي لم تتّعظ بمن سبقها، هذا هو وجه الجمع بين هذين الأمرين، والله أعلم.
وقبل الكلام عن خاتمة السورة نودّ لفت الانتباه إلى ما جاء فيها من التركيز على أكبر نوع من نوعي الطغيان والاستكبار؛ وهو طغيان المؤسسات الحاكمة لا الأفراد بخصوصهم.
فطغيان الأفراد مثل طغيان فرعون والنمرود، أما الأول؛ وهو طغيان المؤسسات الحاكمة؛ فمثل طغيان عاد وثمود، وقد أكثرت فيه السورة، وكأنما يراد منّا أن نفهم بأن هذا هو الذي سيسود في بني آدم والله أعلم.
وقد رأينا في عصرنا دلائل ذلك بما جاءنا به الكفار من مسمّيات أضلوا بها خلقاً كثيراً، مثل "الديمقراطية"، و"حكم الأغلبية"، و"البرلمانات"، و"مجالس الشيوخ" ونحوها.
وهو ما تفعله "أميركا" رأس الكفر في عصرنا، وما أشبه حالها بحال "عاد" فيما قصّه الله علينا من أمرها، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك، والله المستعان.
وأخيراً تُختم السورة بآية عظيمة، ووصية عالية غالية: {وَللهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ}.
ففي هذه الآية العظيمة إيجاز كل ما سبق في السورة، مما يحتاجه أصحاب هذه الطريق؛ وهو العبادة لله تعالى وحده، والتوكّل عليه وتفويض الأمور كلها إليه، لأن مرجع الأمور إليه وحده.
وهي وصية متمّمة للوصية المستفادة من الآية الأخيرة من سورة يونس، التي كانت قد أمرت بالصبر مع حسن الظن بالله حتى يأتي حكمه: {وَاتَّبِعْ ما يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ}.
وهذه الآية هنا من سورة هود تتمّم ذلك: {وَللهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ}.

والله الموفق لا إله إلا هو.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:25

سُورَةُ يُوسُف

ذكرنا في بداية سورة هود أن هناك ترابطاً وثيقاً بين هذه السور الثلاث، بل وتسلسلاً موضوعياً في ما تتناوله كل منها؛ فمن عقَل ما في سورة يونس من المعاني المؤدية إلى اليقين في دين محمد صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم أدرك ثانياً ما تقرّره سورة هود من ضرورة الصبر على طول هذا الطريق وما فيه من العقبات؛ يحتاج بعد ذلك -وليس قبل أن يصل إلى هذه المرحلة- إلى البشارات في حتمية ظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم بمثال واقعي وحقيقي، وهذا ما تمثله قصة يوسف عليه السلام في هذه السورة.
إذ يمكننا أن نستخلص من قصته التي سردها الله تعالى لنا أن مآل النبي صلى الله عليه وسلم بعد صبره على أذى قومه إلى ظهور أمره عليهم، كما هو الشأن في يوسف عليه السلام مع إخوته، فكلاهما قد ابتليا بالأذى من أقرب الناس إليهما، وهو أذىً من قبيل الحسد الذي يؤدي إلى إنكار الفضيلة المتيقَّنة والتعالي عليها.
فلم تكن هي إذن قصة مجرّدة في الابتلاء، ولا عن مجرد الصبر في المحن، رغم أن سورة يوسف قد كفّت ووفّت في تناول أنواع الصبر بما لا مثيل لها من سور القرآن الكريم، لكن أعظم ما فيها كونها عن صبر مخصوص بصاحب الدعوة إذا أوذي من أقرب الناس إليه، فإن الله تعالى يصبّره ويبشّره بأنه سيظهره عليهم.
ولهذا -والله أعلم- تطابق ما روي من قول النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة لقومه الذين أخرجوه مع آخر قول يوسف عليه السلام لإخوته؛ فقد اشتهر في السيرة([44]) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في فتح مكة: (ما تظنّون أني فاعل بكم اليوم؟) فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: (فإني أقول كما قال أخي يوسف: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ} إذهبوا فأنتم الطلقاء)، فهذا أخر موقف هذين النبيين الكريمين مع أقرب الناس إليهما.
وعليه فيمكننا أن نقول بأن محور سورة يوسف وموضوعها العام هو البشارة بظهور أمر صاحب الدعوة -وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يومها- على مناوئيه بعد صبره، وبعد التزامه بما أمره الله تعالى به مما تقدم في سورتي يونس وهود.
وهذا الظهور والتمكين قد جاء في قول الله تعالى بشأن يوسف عليه السلام: {وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ} في موضعين من السورة، وكذا قال: {كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ}، فالشأن إذن أن يطمئن صاحب الدعوة بأن الله تعالى يكيد له لا عليه، وسيمكّنه في الحين الذي يقدّره، وذلك قابل لأن يطول، لكن لابد من مجيئه، كما قال تعالى: {حَتّى إِذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ}.
لكن هذه القصة بهذا المعنى وهذا الفحوى -كما هو شأن القصص في القرآن الكريم- لا تأتي مجرّدة عن ما تستلزمه من الواجبات الشرعية، التي تنقل القصة من إطارها الخبري والنظري إلى الواقع العملي والتطبيقي.
فكما إن قصة يوسف عليه السلام لم يكن المقصد منها مجرّد السرد القصصي، ولا حتى مجرّد المعرفة بشأن هذا النبي الكريم رغم أهميتها، بل يُتعلم منها مثلاً أنواع الصبر وأقسامه([45])؛ الصبر الاضطراري الذي لا محيص للعبد عنه، والصبر الاختياري الذي يفعله العبد ابتغاء رضا الله ربه، مع توفر بديل له لكنه لا يُرضي الله تعالى، هذه أنواع الصبر، وأما أقسامه: فالصبر على المصائب والأقدار، والصبر عن المعاصي والمحرمات، والصبر على الأوامر والطاعات.
فيوسف عليه السلام حين ألقي في الجبّ كان صبره اضطرارياً لا محيص له عنه، وهو صبر على المصائب والأقدار. أما صبره عليه السلام عن فعل الفاحشة مع امرأة العزيز فهو صبر اختياري، وعن المعاصي والمحرمات. وأيضاً صبره وثباته على توحيد الله تعالى والدعوة إليه حتى وهو في السجن؛ من قبيل الصبر على الأوامر والطاعات، والله أعلم.
لكن أهمّ صبر في قصة يوسف هو صبر صاحب الدعوة إذا أوذي من أقرب الناس إليه، وكيف أن الله تعالى لا يضيع صبره هذا، كما قال: {وَلا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ}، بل ذلك سيؤول حتماً إلى أن يظهره الله تعالى على مناوئيه.
وكذلك في واقع القصة يراد منها أيضاً تقرير ما شرعه الله تعالى، وما يوجّه به عباده الدعاة مما يعين في الوصول إلى غاية القصة وثمرتها.
وبناءً على ذلك نجد في سورة يوسف مواضع عديدة تتعلّق بشأن الدعوة إلى الله تعالى، وبيانها فيما يأتي:
·أولاً: حرص أصحابها عليها، وعدم تفويت أي فرصة لنشر ما عندهم من الحق، ودعوة الناس إليه حتى وهم في أشد المحن، كما في قصة يوسف عليه السلام مع صاحبي السجن.
فرغم كونه سُجن ظلماً وعدواناً، بتهمة مخلّة بمكانة أي رجل، فكيف إذا كان أكرم الناس كما في (الصحيح)، فهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقول: فرغم كونه كذلك ويُتوقّع أن يكون في حال نفسية مزرية أو متدهورة؛ إلا أنه حين أقبل عليه هذان السجينان لحاجتهما منه استغلّ ذلك لا لنفسه بل لشرع الله تعالى، فقدّم دعوتهما إلى توحيد الله في الكلام على سؤالهما وحاجتهما، بل وحاجته كذلك.
·ثانياً: تقدير الأولويات في الدعوة بما يُعلم من أصول الشرع، وعدم ترك ذلك إلى رغبات الناس المدعوّين.
فهذان السجينان لم يكن الكلام في توحيد الله تعالى هو الأَوْلى عندهما، ولو خُيّرا لاختارا حاجتهما، ومع ذلك لم يحدْ يوسف عليه السلام عن ابتداء الكلام والدعوة إلى التوحيد، ولم يَنسقْ وراء رغبتهما بدعوى تأليفهما أو الرّفق في دعوتهما أو مصلحة استجابتهما، ونحو ذلك من التبريرات المتنوعة التي تُستبدل بشرع الله تعالى.
·ثالثاً: الانتباه إلى أن طريق الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله محفوف بالمزالق، التي يحاول من خلالها الشيطان وأعوانه تغيير وجهة السالكين في هذا الطريق.
وهي متنوعة بحسب الحال والظرف؛ فقد تكون مزالق فكرية عقائدية، أو منهجية سلوكية، أو حتى بالشبهات أو الشهوات.
وكم رأينا وسمعنا عن دعاة أو مجاهدين كانوا قائمين بهذا الأمر بما يَنْدر أن يقوم به أحد مثلهم، لكنهم بعد حين انزلقوا في بعض تلك المنزلقات، وسببه توهّمهم أنهم ما داموا سالكين هذا الطريق فلا سبيل للشيطان وأعوانه عليهم، ونسوا أن الشيطان أحرص على ملازمتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً من حرصه على ملازمة أهل الكفر والفجور، ولا يعصم من ذلك إلا الإخلاص، بأن يكون ذلك السلوك لوجه الله تعالى وحده.
كما في قوله تعالى لبيان ما عرض ليوسف عليه السلام من مبررات الانزلاق: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنا المُخْلَصِينَ}، فهذا من ثمرات الإخلاص لله تعالى ومنافعه، نسأل الله تعالى أن يرزقنا ذلك.
·رابعاً: ما يحتاجه أصحاب هذه الطريق من التوكّل على الله تعالى وتفويض الأمور إليه.
فشأنه تبارك وتعالى كما قال: {وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ}، وكما في قول يعقوب عليه السلام: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ}، فالدعاة إلى الله والمجاهدون في سبيله أحوج ما يكونون إلى ذلك.
لكن التوكّل لا ينفع بدون إحسان الظن بالله رب العالمين، فالعبد يفوّض أموره إلى ربه، وهو يوقن أن الله لا يخذل من توكّل عليه، كما قال تعالى: {نُصيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ}، فمع إثبات مطلق المشيئة لله رب العالمين في تنزيل رحمته؛ فهو لا يخذل عبده المتوكّل عليه ولا يضيع إحسانه، وكما قال يعقوب عليه السلام: {فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ}، وقول يوسف عليه السلام: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ}، وقوله أيضاً: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ...} إلى قوله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ...}الآية.
·خامساً: من لوازم التوكّل على الله تعالى وحسن الظن به؛ عدم اليأس من رحمته وتفريجه الكربات.
كما حكى الله تعالى موقف يعقوب عليه السلام حين اشتدّت عليه المحنة بذهاب ابنه الآخر بعد يوسف، فكان ذلك عنده رغم ازدياد الكرب والحزن؛ سبباً لاستشراف قرب الفرج من رب العالمين: {قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ}، وكذا قوله بعد ذلك: {وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاّ القَوْمُ الكافِرُونَ}.
·سادساً: أن خلاف الدعاة مع معارضيهم مردّه إلى حكم شرع الله تعالى، ولا دخل للثارات الشخصية في ذلك.
فإخوة يوسف لما أقرّوا بخطئهم عنده عفا عنهم، رغم كونهم كانوا قد طلبوا قتله، لكنه آثر رضا الله ومحبته على ما يمكن أن تشتهيه نفسه حتى ولو كان مشروعاً، كما قال تعالى: {قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ * قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ}.
وكذلك فعل محمد صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة وأصبح الكل في قبضته، وهم مَن كانوا قد تآمروا على قتله قبل سنوات معدودة، ومع ذلك فقد عفا عنهم كما هو مشهور في السيرة، كل ذلك لأن خلافه معهم ليس شخصياً كما قد يحاول أعداؤه تصويره، بل هو خلاف في دين الله، وإذا ما زال سببه زالت العداوة، واحتُسب ما سواها عند الله تعالى.
·سابعاً: الثبات على هذا الطريق، وعدم الحَيْد عنه مهما طال.
كما هو مستفاد من قوله تعالى: {قُلْ هذهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللهِ...}الآية، فهذا هو سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اتّبعه، ولا يستبدلونه بالاتفاقات المشبوهة، ولا بالسياسات الباطلة التي تؤول إلى ترك الدعوة إلى دين الله تعالى، ومصانعة أهل الكفر والضلال.
·ثامناً: أن يكون ذلك بالبصيرة في الدين، والعلم والفقه فيه.
كما في نفس تتمة الآية السابقة: {أّدْعُو إِلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنا مِنَ المُشْرِكينَ}؛ فهو إذن منهج علمي في الدعوة وأولوياتها، وليس منهجاً عاطفياً أو استفزازياً، ولا مبنياً على مرحلة مؤقتة يتكيّف بها.
ثم إن قوله تعالى: {قُلْ هذهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنا مِنَ المُشْرِكينَ} يحتمل أن يكون {وَمَنِ اتَّبَعَنِي} معطوفاً على الضمير في {أَدْعُو}؛ فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله تعالى، وأن لا فصل بين منهج اتّباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم وبين منهج الدعوة إلى الله.
ويحتمل أن يكون معطوفاً على الضمير المنفصل {أَنا}؛ فهو دليل على أن أتباعه هم أهل البصيرة والعلم في الدين، وكلا المعنيين حق ومتلازمان كما بيّن ذلك ابن القيم([46])، فأتباع النبي صلى الله عليه وسلم بحقّ هم الدعاة إلى الله، وهم أهل البصيرة في الدين.
·تاسعاً: إحتمالية استمرار معاندة المخالفين حتى ظهور دواعي اليأس -دون حصوله حقيقة- وإحاطتها بهؤلاء الدعاة.
كما في قوله تعالى: {حَتّى إِذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ...}الآية، ففيها إشارة إلى طول هذا الطريق ومشقته، لكنه مهما طال فالله تعالى لابد من أن يظهر دينه كما وعد، ووعده الحق لا مرية فيه، فالشأن في صبر أصحاب هذا الطريق وتحمّلهم، رغم أن الله تعالى لا يكلّف نفساً إلا وسعها ولا يحمّلها ما لا تطيق.
هذا بعض ما يمكن أن نستخلصه من المعاني في هذه السورة بشأن الدعوة إلى دين الله كما قلناه.
وواضح من هذه المعاني أنها لا يمكن أن تُتناول وأن تقرَّر قبل ما تقدم من موضوعي سورتي يونس وهود؛ من تقرير أدلة هذا الحق، وتثبيت رصيد الصبر عليه، ثم بعد ذلك تأتي هذه التقريرات في سورة يوسف بشأن الدعوة إلى دين الله تعالى مصحوبة بالبشارة بالظهور والتمكين، وهو ما قلناه في البداية من حسن هذا التسلسل في هذه السور الثلاث، والله الموفق وهو أعلم بالصواب.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:26



سُورَةُ الرَّعْد

قد أشرنا في بداية الكلام عن سورة هود إلى العلاقة التي تربط سورة الرعد بالاثنتين بعدها (سورتا إبراهيم والحجر)، وكذلك أشرنا إلى التقابل بين هذه الثلاثة وبين الثلاثة التي قبلها (سورة يونس وسورة هود وسورة يوسف)؛ وكان ذلك بأن السور الثلاث الأولى (يونس وهود ويوسف) أخصّ بأشخاص الدعاة منها بالمدعوّين، فما تقرره من موضوعاتها كإثبات دلائل هذا الحق، وتقوية رصيد الصبر عليه، أو حتى البشارة به؛ كل ذلك إنما يتوجّه إلى شخص الداعي بنفسه لتثبيت هذه الأصول عنده.
هذا هو الجو العام في تلك السور، أو على الأقل هذا ما يُحسّ منها والله أعلم، ولذلك يكثر فيها الخطاب لشخص النبي صلى الله عليه وسلم، أو من يقوم مقامه في الدعوة أو الجهاد في سبيل الله. بينما السور الثلاث بعدها (الرعد وإبراهيم والحجر) يمكننا أن نقول بأنها أخصّ بالمدعوين منها بالدعاة وأشخاصهم فيما تتناوله من موضوعاتها، حتى لو كان هناك تشابه في مواضيع السور بين المجموعتين أو بعض سورهما.
فإذا اتّضح هذا واستحضرناه في استعراضنا لآيات سورة الرعد لوجدنا أن محور السور أو موضوعها يشبه إلى حدّ كبير ما مرّ في سورة يونس، لكن بوجود هذا الفرق في المقارنة بين السورتين؛ فسورة يونس تتناوله من جهة تعلّقه بالدعاة أنفسهم، بينما سورة الرعد تتناوله من جهة تعلّقه بالمدعوّين.
فموضوع السورة إذن هو أدلة إثبات هذا الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أو يصحّ أن نقول: أدلة إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالخصوص، بإزاء موقف كثير من المدعوين منه بالتكذيب، رغم أنه جاءهم بالحق الذي تدلّ عليه كثير من الدلائل والبينات.
وأول ذلك نجد أن السورة قد افتُتحت بقوله تعالى: {المر~ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ}، وفي هذا تقرير الحق الذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مع إعراض غالب بني آدم؛ وهم المدعوون في شرعه صلى الله عليه وسلم؛ عن هذا الحق.
وهذا فيه التسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده خلفائه في الدعوة إلى الله تعالى؛ بأن إعراض هؤلاء لا لنقص في دلالات ما جاءهم به أو في براهينه؛ بل هي سنة الله تعالى في خلقه، فالأمر كله راجع إليه، كما قال في هذه السورة: {بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعاً}، فالله تعالى قادر على هداية الناس كلهم ولا يعجز عن ذلك لو أراده، لكن حكمته اقتضت ألاّ يفعل، ليميّز بين المستجيب لتلك الآيات والدلالات من غيره، كما قال في هذه السورة أيضاً: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمى وَالبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ}.
ومما يؤكد قوة براهين ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنها متنوعة؛ فقد تخلّل في السورة ذكر الآيات الخلقية في السماوات وفي الأرض؛ ما فيه الدلالة على المطلوب: {اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى على العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ...}الآيات، وختمت هذه الآيات بتقرير ذلك، كما في قوله: {يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}، وقوله: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وبعدها: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فمن تفكّر وعقل؛ حصّل الهدى من هذه الآيات.
ومثل ما تقدم في سورة يونس حين رأينا اقتران دلائل صدق محمد صلى الله عليه وسلم بالأمر بتوحيد الله تعالى ونبذ الشرك به وذكر الدلائل على ذلك؛ نجد الأمر هنا في سورة الرعد كذلك، فلم تقتصر آيات هذه السورة على تناول تلك الدلائل مجرّدة من لوازم إثبات صدقه، وهو اتّباعه في ما جاء به، وأعظمه توحيد الله تعالى، كما سبق وبيّنّا أن لا فائدة تحصل لمن صدّق بالنبي صلى الله عليه وسلم لكن خالفه فيما دعا إليه من توحيد الله تعالى، مثل ما مرّ من شأن عمه أبي طالب وأمثاله.
ومن ذلك الاقتران الذي أشرنا إليه؛ ما ساقه الله تعالى في هذه السورة من الحجج العقلية لتوحيده، كما في قوله تعالى: {أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ}، وقوله: {وَجَعَلُوا للهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّؤُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ...}الآية، ونحوها من الآيات.
وكذلك الأمثال التي ضربها الله تعالى لتوضيح المقصود من بطلان ألوهية كل ما سواه، كما في قوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ}، وقوله أيضاً في المثلَيْن اللذَين ضربهما للحق وللباطل: {أَنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها...{الآية، إلى قوله: {كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثالَ}.
كل ذلك التنوع في الدلالات والحجج والبراهين لابد وأن يوصل إلى مغزى رسالته صلى الله عليه وسلم، كما هو الشأن مع سائر الأنبياء قبله؛ وهو إفراد الله تعالى بالعبادة بكل صنوفها.
وأيضاً هذا التنوع في الدلالات يعطي قوة في أحقّية ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، واكتمال ذلك على أتمّ وجه، لكنّ إعراض من أعرض عنه إنما هو شأنهم في عنادهم واستكبارهم عن عبودية الله تعالى، التي خضع لها كل ما في الوجود كما قال تعالى في هذه السورة: {وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالغُدُوِّ وَالآصالِ}.
حتى يقرّر الله تعالى أن السبب في الاستجابة من عدمها إنما هو معرفة الحق وإدراك أدلته، ومنها هذه الأدلة المساقة في هذه السورة؛ أو العماية عن ذلك كله والمكابرة فيه، فقال: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى}، فكل من عرف الحق بأيٍّ من أدلته هذه؛ آمن، وكل من لم يؤمن ولم يستجب لأيٍّ من هذه الأدلة؛ فإنما هو أعمى، فلم تؤثر فيه هذه الأدلة شيئاً.
ثم قد تكرّر في موضعين من السورة ذكر حجة المعرضين: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلََيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ}، وبيّن الله تعالى في كلا الموضعين أن الهداية من شأن الله تعالى، وليس الرسول صلى الله عليه وسلم إلا مبيّن ومنذر، كما قال في الموضع الأول: {إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ}، وفي الموضع الثاني: {قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ}؛ فالهداية بمشيئة الله تعالى، ومع ذلك فلها سببها وهي الإنابة إليه، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فتلك هي حدود مهمته، كشأن كل رسول قبله.
ثم إنهم بطلبهم هذه الآيات؛ ويعنون بها الخوارق بالتحديد؛ قد أعرضوا عن الآيات الحقيقية المبثوثة من حولهم في السماوات وفي الأرض، والدالّة على المطلوب من عبادة الله تعالى وحده من غير تكلّف ولا تفسير، وهي الآيات التي أشارت إلى بعضها هذه السورة: {اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها...}، {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً...}، {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ...}، {اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيظُ الأَرْحامُ وَما تَزْدادُ...}، {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفاُ وَطَمَعاً...} وغيرها كثير، فأصبح طلبهم هذا ليس إلا مكابرة وذريعة للعناد، فلو أرادوا آية بصدقٍ لوجدوها.
وأيضاً هم بطلبهم هذا قد أعرضوا كذلك عن دلالة القرآن على المقصود بأقوى من دلالة هذه الخوارق التي طلبوها، كما قال تعالى في هذه السورة: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعاً}؛ فلو كان هناك كتاب تُسيّر به الجبال عن أماكنها أو تُقطّع به الأرض وتنشق أو تُكلّم به الموتى في قبورها؛ لكان هو هذا القرآن، لما فيه من البراهين والدلالات على المقصود به.
وهذا المعنى من هذه الآية يشبه جزءاً من المعنى في قوله تعالى في سورة العنكبوت: {وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
مع أن الله تعالى قد أجابهم عن طلبهم هذا بإنزال آية؛ بقوله في هذه السورة: {وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأتِيَ بَآيَةٍ إلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ}، فالأمر إذن راجع إلى مشيئة الله تعالى، وهو الذي يقدّر وقته وجدواه، فلا يكون طلبهم هذا سبباً لاستفزاز النبي صلى الله عليه وسلم لإتيانهم بما طلبوا من الآيات، فليست هي مسألة الحرص على هدايتهم، إذ لو كان كذلك فالله تعالى أحبّ إليه هدايتهم من ضلالهم ولاشك، وقد نصب لهم كل الأدلة المعِينة في ذلك، ولم يبق إلا أن يجبرهم على ذلك قدراً، وهذا ما تأباه حكمته، وله الحجة البالغة في ذلك تبارك وتعالى.
وهذا الموقف من عدم الإنجرار وراء طلبهم للإتيان بآية ينسحب أيضاً على أتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله تعالى؛ بأن لا يُستفزّوا بطلبات المعارضين، ولا يظنّوا صدقهم في تعليقهم الهداية والاستجابة لشرع محمد صلى الله عليه وسلم على ذلك.
ومن لوازم إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم -وهو من محور السورة وموضوعها كما قدمنا- تقرير نوعي الأدلة على ذلك، أو تقرير المسلكين لإثباتها.
هذان المسلكان هما المستفادان من قوله تعالى في خاتمة هذه السورة: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ}، كما نبّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله([47])؛ وهو بأن نبوته صلى الله عليه وسلم تثبت: إما بالآيات والبراهين الدالّة على صدقه مما يؤيّده الله تعالى به في حياته وبعد مماته، وهذا هو المسلك الأول، وهو المعنيّ في قوله تعالى: {كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}، أي أن الله تعالى شهيد لي بما يؤيدني به من تلك الآيات والبراهين.
أو تثبت نبوته صلى الله عليه وسلم بشهادة نبي آخر له؛ وهو ما يوجد في الكتب قبله من ذكر صفاته ورسالته، أو أنه أتى بمثل ما أتَوا به، وهذا هو المسلك الثاني، وهو المعنيّ في تتمة الآية: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ}، أي أن مَن عنده علم الكتاب يشهد لي كذلك.
ومثله في الآية التي قبلها من هذه السورة: {وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ}، فهم يفرحون بذلك لتطابق ما جاء به صلى الله عليه وسلم مع ما عندهم في كتبهم، كما في قول النجاشي المشهور لمّا سمع القرآن من جعفر بن أبي طالب: (إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة) فهذا من شهادتهم. أو يشهدون له صلى الله عليه وسلم بما في كتبهم من ذكره، أو التنويه به، أو صفاته وأحواله مما يعلمون أنه نبي صادق.
فكان هذا أيضاً من زاد الدعاة إلى الله تعالى؛ وهي المسالك التي يسلكونها لتقرير الحجج والبراهين في إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه، ومن ثم إثبات الحق الذي جاء به، وأعظمه توحيد الله تعالى كما قلنا، والله أعلم بالصواب.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:27



سُورَةُ إِبْراهِيم

سبق أن أشرنا إلى العلاقة التي تربط هذه السورة بسورة الرعد قبلها وبسورة الحجر بعدها، وأن هذه الثلاثة تقابل السور الثلاث الأولى (يونس وهود ويوسف) من ناحية الترابط بينها في مواضيعها، لكن الثلاث الأولى أخصّ بالدعاة منها بالمدعوين، كما إن هذه الثلاث الثانية أخصّ بالمدعوين منها بالدعاة، والله أعلم.
فتأتي سورة إبراهيم في تشابه -من هذه الناحية- مع سورة هود، وهو تشابه من كون كلتا السورتين تتناول حتمية المواجهة بين الحق وبين الباطل، لكن سورة هود تناولته من جهة تعلّقه بشخص الداعي نفسه ليزيده ذلك صبراً وثباتاً كما تقدم، بينما سورة إبراهيم تتناوله من جهة تعلّقه بالمدعوّين أنفسهم ليعلموا أنهم لا يفعلون جديداً، وأن مصيرهم كمصير أسلافهم.
وعلى ذلك فإن سورة إبراهيم تأتي لتتحدّث عن الصراع بين أهل الحق وبين أهل الباطل، وتتحدث عن حقيقة هذه المواجهة وهذا الصراع، وعن استمراريته، وما يبذله كل طرف في هذه المواجهة اعتماداً على أصله وأساسه، وما تؤول إليه هذه المواجهة حتماً، ثم تذكر موعد فضّ هذا النزاع وإعطاء كل ذي حق حقه؛ فهاهنا إذن ستة محاور، تدور عليها آيات هذه السورة:
المحور الأول: الصراع بين أهل الحق وبين أهل الباطل.
وذلك من قوله تعالى في أول السورة: {كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ * اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا على الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلٍ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً}، فالأمر إذن لابد أن يؤول إلى صراع بين هذين الخصمين؛ بين أهل الظلمات على اختلاف أجناسهم، الذين لا يريدون أن يخرجوا ولا يخرجَ أحد منها، وبين أهل النور، الذين أُفرد لفظهم لتوحّدهم مهما اختلفت أجناسهم.
والعجيب أن هذه الآية جمعت كل أصناف الكافرين المعادين لهذا الدين؛ فهم إما أهل دنيا محضة ولا شأن لهم بالآخرة: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا على الآخِرَةِ}. أو أهل منهج يريدون أن يستبدلوا به منهج الله تعالى فعادَوا دين الله تعالى لذلك صراحة: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلٍ اللهِ}. أو ممن أخفَوا عداءهم لدبن الله؛ إما جبناً أو مكراً، فراحوا يرومون تحريفه وتبديله: {وَيَبْغُونَها عِوَجاً}.
المحور الثاني: حقيقة هذا الصراع وهذه المواجهة.
وذلك من قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}، فحقيقة الصراع هي بين هذين الطرفين: الهدى والضلال، كما قال: {فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ}، أو الكفر والإيمان، وليس هو صراعاً على المناصب أو الملك أو المال أو الأرض أو نحو ذلك، بل هذا ما يحاول أعداء الدين بالتمويه والغشّ أن يصبغوا به الصراع معهم.
مع العلم أن هذا الصراع هو ضمن مشيئة الله تعالى، وله في ذلك الحكمة البالغة تبارك وتعالى، وليس لأحد على الله حجة أبداً.
ثم ذكر الله تعالى مثالاً لهذا الصراع فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا موسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ}، ففرعون الذي أرسل الله تعالى إليه موسى عليه السلام كان قد حاول -كما قصّ الله علينا في موضع آخر، والقرآن يفسر بعضه بعضاً- أن يغير صبغة الصراع مع موسى عليه السلام إلى صراع على الأرض أو المكاسب، فقال كما ذكر الله تعالى في سورة طه: {قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى}، وبعدها أيضاً: {قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى}، فهذا تحريف وتبديل لحقيقة الصراع، مما فيه تشويه للدعوة الموجّهة إليهم.
ونلاحظ هنا أن الله تعالى قد وصف غاية رسالة موسى عليه السلام في هذه السورة بنفس ما وصف به غاية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في أول السورة؛ وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور، مما يعني أن هذا هو الشأن العام في كل الرسالات.
المحور الثالث: استمرارية هذا الصراع وهذه المواجهة.
كما قال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إلاّ اللهُ}، وسواء كان هذا القول على لسان موسى عليه السلام لقومه، أو هو قول يخاطبنا الله تعالى به مباشرة؛ فهو يفيد بكونه شأن أجيال مستمرة من بني آدم، سواء ما كان منها معلوماً لنا أو ما كان لا يعلمه إلا الله، وكل ذلك مردّه إلى قدر الله تعالى الغالب ومشيئته النافذة، كما قال في الآية السالفة: {فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}، وقال في موضع آخر من هذه السورة: {وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ}.
ثم إن من أهم أسباب استمرارية هذا الصراع ودوامه؛ وجود رؤوس لأهل الكفر والضلال، تتقاطع مصالحهم مع معاداة الرسل ودعوتهم ودعوة أتباعهم كذلك، فيستمرون في تغذية هذا الصراع وهذه المواجهة في عناد الرسل ومعارضة دعوتهم، كما قال تعالى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ...}الآية، وقال أيضاً: {أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ البَوارِ}، فجنَوْا على أنفسهم وعلى من اتّبعهم.
وهم في غالب أمرهم لا تعنيهم أفكارهم ولا مبادئهم، وإنما مصالحهم الدنيوية، كما بيّن الله تعالى بقوله: {وَجَعَلُوا للهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ}؛ فهم في الغالب يعلمون أنها ليست أنداداً بالفعل، وإنما اتخذوها حجة للصدّ عن سبيل الله تعالى وما أرسل به رسله، الذي لم يجدوا فيه مصالحهم ومآربهم الدنيئة.
المحور الرابع: ما يبذله كل طرف في هذه المواجهة وهذا الصراع اعتماداً على أصله وأساسه.
فالرسل وأتباعهم يمتازون بوضوح الأدلة ونصاعة الطرح، مع ما عندهم مما ترغب فيه النفوس وتطمئن إليه، كما قال تعالى: {قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى}.
أما مخالفوهم فلا يملكون إلا المشاغبة والاعتراض المحض: {قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ}؛ فاعترضوا بثلاثة أشياء: {إِنْ أَنْتُمْ إلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا}، {تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤنا}، {فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ}.
والملاحظ أن في جواب الرسل على هذه الاعتراضات إغفال للأمر الثاني، فأجابوهم بقولهم: {قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ على مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كان لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ}، فأجابوا عن الأول والثالث، أما الثاني وهو الصدّ عن ما كان عليه الآباء فأهملوه، وكأنما يراد أن يقال: وما المشكلة في كوننا نريد أن نصدّكم عمّا كان يعبد آباؤكم؟ وهذا فيه خروج من لوثة تعظيم موروث الآباء، فقد كان ذلك غالباً هو السبب في ضلال أكثر بني آدم، والله أعلم.
والمهم أن هذه هي ميزة دعوة الرسل وأتباعهم، بمقابل هشاشة موقف أعدائهم.
ثم إن زاد الرسل وكذا أتباعهم في هذه المواجهة؛ ما حكاه الله عنهم بقوله: {وَعلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ * وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ على اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ على ما آذَيْتُمُونا وَعلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ}.
أما أعداؤهم فلا يملكون إلا التهديد: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا}.
هذا التباين بين الموقفين مردّه إلى التباين بين أساسيهما؛ فالرسل وأتباعهم هم أصحاب الأساس المتين الراسخ، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةُ طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَهْا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها}، فهم لكونهم أصحاب الرسوخ والثبات والحق؛ فلا يحتاجون إلى أكثر من الصبر والتوكل على الله تعالى.
أما الآخرون فهم كما قال تعالى عنهم: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مالَها مِنْ قَرارٍ}، أو كما قال عنهم قبل ذلك: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا على شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ}.
وأيضاً بيّن الله تعالى التباين بين الاثنين بقوله: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنِيا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ}.
رغم أن هؤلاء قد بذلوا كل ما في وسعهم في محاربة دين الله تبارك وتعالى، حتى بلغ جهدهم وسعيهم وكيدهم ما وصفه الله تعالى وهو أصدق القائلين: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبالُ}؛ فحتى لو بلغ مكرهم من الشدة والقوة ما يؤدي إلى زوال الجبال([48])؛ فكل ذلك لا ينفع، لأن لا أساس لهم ولا ثبات ولا استقرار، كما وصفهم الله تعالى فيما تقدم، وهذا والله ما رآه أصحاب كل عصر، ونحن كذلك في عصرنا قد أدركنا منه الكثير بفضل الله ومنّته.
المحور الخامس: وهو مآل هذه المواجهة وهذا الصراع.
وذلك يُفهم من قوله تعالى بعد أن ذكر تهديد أهل الكفر لرسلهم: {فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ}، وفي أواخر السورة أيضاً قال تعالى: {فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزُ ذُو انْتِقامٍ}، فهذه المواجهة وهذا الصراع إذن محسوم لصالح الرسل وأتباعهم في الدعوة إلى الله، وكيف لا والله تعالى هو الذي كلّفهم بهذه المهمة فكيف لا ينصرهم، وهو إنما خلق الخلق بالحق ولإقامته، كما قال هنا: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ}، لكن يبقى توقيت ذلك مردّه إلى مشيئة الله تعالى.
المحور السادس: وهو الموعد الحق لفضّ هذا النزاع وإعطاء كل ذي حق حقه.
وهذا من قوله تعالى: {وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعاً...}الآيات إلى قوله: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتٍ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ...}الآية، وكذا قوله تعالى في أواخر السورة: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصارُ...}الآيات إلى قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا للهِ الواحِدِ القَهّارِ}، وإلى قوله أيضاً: {لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهُ سَرِيعُ الحِسابِ}.
والآيات الأخيرة لهذه السورة من قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ...}الآيات، والتي فيها كما قلنا موعد فضّ هذا النزاع وإعطاء كل ذي حق حقه؛ الملاحظ فيها تطور النزاع من نزاع بين أهل الحق وهم الرسل وأتباعهم، وبين أهل الباطل من مناوئيهم؛ إلى أن يكون نزاعاً يحسمه الله تعالى بنفسه ويحكم فيه، لا أن يصفه فحسب، فهو صاحب الأمر كله، وهو صاحب الدين والدعوة التي جاء بها الرسل وأتباعهم، فلم يكن هؤلاء أكثر من مكلّفين، أدّوا الواجب الذي عليهم وفوّضوا أمرهم إلى الله، ولذا ينقل الله تعالى في هذه الآيات قول أهل الظلم المفرّطين: {وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}، فالدعوة هي دعوة الله تعالى، والرسل هم مبلغون فحسب، وكذا أتباعهم.
وأيضاً من الملاحظ في هذه الآيات العظيمة من آخر السورة تأكيد وحدانية الله تعالى في تصريف الأمور والحكم فيها، وذلك من إضافة الأفعال ومجريات الأمور إلى الله تعالى وحده بكل صراحة ووضوح، كما في قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصارُ}، وقوله:{فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزُ ذُو انْتِقامٍ} إلى قوله: {وَبَرَزُوا للهِ الواحِدِ القَهّارِ}، وقوله أيضاً: {لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهُ سَرِيعُ الحِسابِ}.
حتى تُختم هذه السورة العظيمة بإعلانٍ وبيانٍ وتحذيرٍ يجمل موضوعها، بل موضوع رسالات الأنبياء كلهم: {هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ}، فالغاية من ذلك البلاغ كله هو تقرير وحدانية الله تعالى في العبادة، وفي نسبة تصريف الأمور، وفي الحكم.
هذه المحاور التي تتناولها هذه السورة المباركة على صغر حجمها، ويضاف إليها ما احتوته من ذكر أقصى غايتين لكلٍ من الطرفين في الصراع:
فبالنسبة لأعداء الرسل ومناوئيهم؛ ذكر الله تعالى شأن الشيطان يوم القيامة، وهو أشدّهم عداوة وأفجرهم، وذكر تبرؤه ممن كانوا أولياءه في الدنيا، وتقريعه لهم: {وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ...}الآية.
وبالمقابل أقصى غايات أولياء الله؛ ذكر تعالى إبراهيم عليه السلام، لأنه لما كان القرآن منزّلاً على محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب له أولاً ولأمته من بعده كان مناسباً -والعلم عند الله- أن يذكر الله تعالى أفضل أوليائه قبل محمد صلى الله عليه وسلم وهو إبراهيم عليه السلام، فيكون في هذه السورة بالتحديد أقصى غاية في طرف أولياء الله، فساق الله تعالى لنا شأناً من شؤونه عليه السلام؛ ما يبين عكس ما سبق ذكره من شأن الشيطان وتبرؤه من أتباعه، فقال: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا البَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، هكذا التزام بمن تبعه حتى لمن أخطأ مما يمكن أن يُتاب عليه ويُعاد إلى الطريق السوي، ثم ختم بدعائه عليه السلام: {رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ}.
ومع ذكر هذين الطرفين لم تخلُ السورة من تقرير استغناء الله تعالى عن كلا الطرفين مهما بلغوا في غايتهم، وأن هذا الصراع بكل احتمالاته لا يطول إلا بني آدم، وأن الله تعالى ربَّهم لا تنفعه استجابتهم كما لا تضرّه معاندتهم؛ كما قال في بداية السورة: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَإِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ * وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}.
وهذان المعنيان؛ من ذكر أقصى غايتي الطرفين، مع ذكر استغناء الله تعالى عن كليهما؛ يذكّران بقول الله تعالى في الحديث القدسي، الذي ثبت في (صحيح مسلم) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى قال: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً"، فأتقى قلبٍ هما قلبا الخليلَيْن محمد وإبراهيم عليهما السلام، وأفجر قلبٍ هو قلب إبليس لعنه الله، وهذا يوافق ما جاء في هذه السورة المباركة من هذه الحيثية، والعلم عند الله تعالى.



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:27

سُورَةُ الحِجْر

أما سورة الحجر فتأتي بعد تلك الجولة من السور لتتحدّث عن مصير المكذبين بالأخصّ في الدنيا، ومصير عموم الخلق أجمعين يوم القيامة، مع استحضار واقع حالهم في بدايته.
أي أنها تتحدّث عن مصير المدعوّين في جميع الرسالات التي أرسل الله تعالى بها رسله، كما كانت سورة يوسف قد تحدّثت عن مصير الداعي نفسه إذا صبر على أذى المدعوّين.
وبهذا التقابل تنتظم هذه السورة في هذه المجموعة من السور، التي قلنا إنها في غالبها من شأن خواصّ الأمة من الدعاة أو المصلحين أو المجاهدين أو نحوهم، لكن بيّنا التمايز بين الثلاث الأولى (يونس وهود ويوسف) في تعلّقها بأشخاص الدعاة أنفسهم، وبين الثلاث الثانية (الرعد وإبراهيم والحجر) في تعلّقها بالمدعوّين، وهو الشأن الحاصل هنا تماماً في المقارنة بين سورتي يوسف والحجر؛ فكلتا السورتين تناولت المصير والمآل في المواجهة بين الحق وأهله وبين الباطل وأهله، لكن الأولى اختصّت بمصير الدعاة وأصحاب الحق، بينما الثانية اختصّت بمصير المدعوّين عموماً.
وهذا مع ما في السورة من طابع الدقّة والتحديد في ما تتناوله، لتعرّف القارئ بقدرة الخالق وعظمته وسعة علمه تبارك وتعالى؛ فيقع ما أخبر به تعالى في هذه السورة من مصير خلقه جميعاً موقع الثبات والرسوخ، وبعيداً كل البعد عن الشكّ والتوهّم، فيحقّق علماً يقينياً بذلك.
وكذلك مع ما في السورة من الآيات المتعلقة بشأن دعوة الناس وتبليغهم والصبر على أذاهم، وهذا أيضاً ما يُلحق هذه السورة بمجموعة السور التي اصطلحنا عليها.
وأول ذلك نجد أن السورة تُفتتح بقوله تعالى: {الر~ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، فهذه الآيات تتعلّق بموقفهم يوم القيامة، كما جاء ذلك عن غير واحد من المفسرين؛ فتتحدّث عن مصير الكافرين، وأنهم سيتمنَّون يوم القيامة أن لو كانوا مسلمين، مع أنهم لاهون في واقع حالهم الآن، بل ومكذبون ومعرضون كما قال تعالى بعد ذلك: {وَقالًوا يا أَيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ}.
وهم لا يعنون بقولهم "مجنون" فاقد العقل، كيف ذلك ومحمد صلى الله عليه وسلم عندهم أرجحهم عقلاً، بل يعنون أن لك علاقة بالجنّ، وأن ما أتيت به هو من قِبلهم، فردّ الله تعالى عليهم بقوله: {إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ}؛ فهو من قِبل ربّ العالمين، وهو الذي يتولّى حفظه. وأجابهم أيضاً عن طلبهم الملائكة بقوله قبل ذلك: {ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إِلاّ بِالحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ}؛ فالملائكة لا ينزلون إلا لإظهار الحق ومحو الباطل وأهله، ومن ثمّ كان من رحمة الله تعالى بهم أن لم يستجب لهم هذا الطلب الآن، وإلا لأهلكهم، لكن ذلك غير بعيد عنهم وإنما يأتي بأوانه، كما قال قبل قليل: {وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ * ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ}.
والمهم أن هذه الآيات تذكر موقفهم وحالهم الآن، مقارنة بمصيرهم بعد حين، وتستمر الآيات في بيان سنة الله تعالى مع أمثال هؤلاء: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَما يَأْتِيهِمْ مٍِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}، فهذه إذن سنة الله تعالى مع أمثالهم.
والسبب المباشر هو عنادهم وإصرارهم على إنكار أدلة الحق رغم ظهورها كما قال تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنَ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}؛ فلو أن الله تعالى فتح عليهم باباً من السماء وأصعدهم فيه، وأراهم من آياته هناك ما أراهم؛ لبَقَوْا على موقفهم من إنكار الحق وأدلته هذه، بدعوى أن أبصارهم قد غلّقت فلم يروا شيئاً.
هذا هو السبب المباشر أو الظاهر لموقفهم، لكن يبقى وراء ذلك قضاء الله تعالى وقدره، وحكمته البالغة في خلق ذلك وحصوله، كما قال ضمن تلك الآيات: {كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ}، فهو إذن أمر قد قدّره الله وقضاه بحكمته وعلمه، وهو من الدقّة في علم الله تعالى وفي تقديره وخلقه كذلك ما أشرنا إليه من قبل في مطلع السورة.
ولذا نجد أن الآيات بعد ذلك مباشرة تتناول هذه الدقّة في خلق الله تعالى وتقديره: {وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ * وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ * إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ * وَالأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَينا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}؛ فكل شيء إذن محسوب بدقّة.
وتستمر الآيات في بيان ذلك: {وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَِدَرٍ مَعْلُومٍ}؛ فالله تعالى هو وحده المالك لكل ذلك {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ}، وهو وحده المتصرّف فيه والمقدّر له {وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَِدَرٍ مَعْلُومٍ}.
وهذا من معنى أنه تعالى له الملك وله الحمد؛ فهو وحده المالك، وهو يُحمد على تصرّفه في ملكه وعلى انفراده في ذلك أيضاً، وليس ذلك إلا لله تعالى؛ فليس كل من مَلَك؛ يُحسن التصرّف في ملكه ويُحمد على ذلك، وكذلك ليس بالضرورة أن كل من يُحسن التصرّف؛ يملك، والله تعالى له الملك كله لا يشاركه فيه أحد، وهو المحمود على كل ما يفعل في ملكه، فله كمال الملك وكمال الحمد سبحانه وتعالى.
ومن كمال ملك الله تعالى وحمده عليه؛ تقديره لما قدّره من إعراض مَن أعرض عن الحق رغم وضوح أدلته ورسوخها، كما هي عند من قَبِله وأيقن به؛ فكلا الفريقين في ملك الله تعالى، وهما من حمده على ذلك. وهذا قد يكون بعضاً من الحكمة في ما تتناوله هذه الآيات ضمن معرض وصف الدقّة في خلق الله تعالى، في مثل هذه السورة وهي بهذا الموضوع الذي أشرنا إليه، والله أعلم.
وتستمرّ الآيات في تفصيل الدقّة في خلق الله تعالى وعلمه به: {وَأَرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ * وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الوارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، وهذا كله -والله أعلم- يخدم الموضوع العام للسورة كما قلنا، وهو مصير الخلق المدعوّين جميعاً بشرع الله تعالى.
ومن لوازم ذكر مصير الخلق جميعاً، الذين هم المدعوون في دين محمد صلى الله عليه وسلم كما قلنا؛ من لوازم ذلك ربط مصيرهم هذا بأول حالهم ونشأتهم، كما رأينا في سورة يوسف التي كُرّست لذكر مصير الداعي إذا صبر على أذى المخالفين؛ رأينا ذكر أول حال الداعي من الضعف وتمالئ الأعداء عليه، فكذلك الأمر هنا والله أعلم؛ فذكر الله تعالى بداية خلق هذين الكائنين المكلَّفين، وهما الإنس والجن: {وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالجانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ...}الآيات.
والملاحظ في سرد قصة الخلق هذه؛ الدقة في تحديد صفة مادة الخلق، وتسلسله كذلك: {صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} وكذا {مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ}؛ فالجن خُلق قبل الإنس، وهما تحديداً مما ذكر الله تعالى. فهذا من مظاهر الدقة والإتقان في خلق الله تعالى، وهو ما له مساس مباشر بالمدعوِّين هؤلاء، وهذا التحديد في صفة الخلق ليس له مثيل في سائر القرآن الكريم، وهو يناسب ما سبق من آيات السورة وطابعها.
حتى تنتهي القصة بتحديد مصير الخلق جميعاً يوم القيامة إلى الفريقين: {...إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ * وَإِنّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}، هذا الفريق الأول، والثاني: {إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ...}الآيات، فترتبط بداية الخلق بآخر حالهم ومصيرهم.
ثم كل هذه المعاني التي تقدمت؛ من توعّدهم بعذاب يباغتهم في لهوهم، ومن حتمية مصيرهم ذاك إذا أصرّوا على عنادهم، وكذا من شأن الملائكة إذا أنزلها الله تعالى؛ كل هذه المعاني يسوق الله تعالى لبرهنتها ثلاثة نماذج ممثَّلة بقصة قوم لوط، وأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب، وكذا أصحاب الحِجر وهم ثمود قوم صالح.
والذي يمكن أن نستشرفه من اختيار هؤلاء الثلاثة دون غيرهم -والعلم عند الله تعالى- هو أنهم جميعاً أخذهم الله تعالى بنوع واحد من العذاب "الصَيْحَةُ"، والتي هي الصوت القاصف المهلِك، وهي تناسب مَن كان لاهياً في إعراضه عن الحق؛ فتأتي الصيحة لتباغته، كما قال تعالى عن قوم لوط هنا: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}، وقال عن ثمود كذلك: {وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ}، وعن قوم شعيب قال في سورة هود: {وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ}.
إضافة إلى أن هؤلاء الثلاثة متوالون فيما بينهم في الزمان والمكان؛ فأولهم ثمود في شمال غرب الجزيرة عند "الحِجر"، وبعدهم قوم لوط إلى الشمال منهم في "سَدوم"، وأعقبهم قوم شعيب في "مَدين" إلى الجنوب الغربي من سدوم.
أما عن شأن الملائكة الذي ذكره الله تعالى في أول السورة كما تقدم، وأنهم لا ينزّلهم الله تعالى إلا لإحقاق الحق وإهلاك الباطل وأهله؛ فقد ساق الله تعالى النموذج له في أول قصة قوم لوط فقال: {نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ العَذابُ الأَلِيمُ * وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ...}الآيات، فهؤلاء الملائكة حين أتَوا ورآهم قوم لوط؛ كان ذلك إيذاناً بهلاكهم كما حصل بعد ذلك، وكل هذا مصداق لما تقدم من قول الله تعالى في أول السورة، وكيف أنه لرحمته بهم لم يستجب لطلبهم إنزال الملائكة كما قال: {وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ}.
أما عن ذكر إبراهيم في هذه السورة، التي هي بهذا الموضوع الذي قلناه؛ فقد يكون من بعض الحكمة في ذلك هو ما لإبراهيم عليه السلام من علاقة بأولئك النفر الشريف من ملائكة الله تعالى، وما حملوه له من البشارة، وما جرى بينه وبينهم من الحوار، هذا أولاً.
وثانياً: من فضل الله علينا لم تكن هذه السورة، وهي تتحدّث عن مصير الخلق عموماً؛ خالية من جانب رحمته وعفوه وتطمينه لعباده، رغم أن غالب المدعوِّين هم المعاندون والمعرضون، الذين يستحقون مثل مصير مَن ذكرهم الله تعالى في هذه النماذج الثلاثة، لكن لعِظَم فضل الله تعالى قدّم مغفرته ورحمته على عقوبته: {نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ العَذابُ الأَلِيمُ}، فقبْل ذكر نماذج عقوبته وعذابه؛ ذكر نموذج نزول رحمته حين انقطاع الرجاء فيما سواه، والقنوط من كل الأسباب إلا منه تعالى، وهو ما رزق به إبراهيم من البشارة بالغلام على الكبر: {قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ * قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاّ الضّالُّونَ}.
ولفتة أخرى نجدها في قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام: {قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ}، وقولهم كذلك للوط عليه السلام: {وَأَتَيْناكَ بِالحَقِّ}، مع ما وصفهم الله تعالى به في أول السورة: {ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إِلاّ بِالحَقِّ}؛ فهم رسُل الحق، وبالحق يُرسَلون، وهذا الحق هو الذي خلق الله به السماوات والأرض، كما قال في هذه السورة: {وَما خَلَقْنا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالحَقِّ}.
وأخيراً تُختم السورة ببيان فضل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فيما آتاه: {وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ}، مع التسرية عنه -وهو صاحب الدعوة يومها- فيما يواجهه: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ...}الآيات، وهذا كله مع التأكيد على بقاء واجب الدعوة للخلق وتبليغهم: {وَقُلْ إِنِّي أَنا النَّذِيرُ المُبِينُ}، {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ}.
وكل تلك الآيات تؤيد ما قلناه -والله أعلم- من انتظام هذه السورة في مجموعة السور التي اصطلحنا عليها بأنها تتوجه أول ما تتوجه إلى الدعاة والمجاهدين والمصلحين ونحوهم من خواصّ الأمة كما قدمنا.
لكن الذي نحب أن نلفت الانتباه إليه هو أن خاتمة السورة هذه احتوت على آيتين عظيمتي الوقع وثقيلتي المعنى وعاليتي المبنى؛ وهما قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ}، فهذا من أعظم أنواع القَسم في القرآن الكريم؛ أن يقسم الله تعالى بذاته العليّة، ويضيف ربوبيته إلى عبده المصطفى صلى الله عليه وسلم إشارة إلى رعايته له وتوليه إياه، مع تأكيد المعنى بأربعة أنواع من التوكيد؛ كل هذا لإخباره تعالى بأنه لابد من أن يسأل "الجميع" عن "الجميع"، فالعموم والإطلاق لكلا الطرفين؛ الأفراد المسؤولون: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}، والأفعال المسؤول عنها: {عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ}.
وهذا فيه من المناسبة مع موضوع السورة كما تقدم، وهو مصير الخلق أجمعين؛ ما يؤكد هذا المعنى ويزيده توضيحاً، فالغاية التي سينتهون إليها هو وقوف الجميع بلا استثناء بين يدي رب العالمين، وسيسألهم عن كل ما فعلوه في الدنيا بلا استثناء كذلك.
وهذا الأمر يتناسب تماماً مع عظمة يوم القيامة، كما وصفه أصدق القائلين في سورة هود: {ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}؛ فلا يغيب عن حضوره أحد البتة، حتى مَن كان معدوداً في الدنيا ضمن المعذورين أو المرفوع عنهم التكليف؛ كالصبي الذي لم يبلغ والمجنون والهَرِم ونحوهم، كل هؤلاء سيُحضَرون وسيُسألون، كما جاء في الأحاديث صريحاً، وأقربها حديث الأربعة الذين يُدلون يوم القيامة بحجة([49]).
وهذا ما يفسّر إحضار الخلق جميعاً إلى يوم القيامة، رغم أن فيهم من لم يكن قد كُلف أصلاً، وكل ذلك تصديقاً لهذا الوعد العظيم، من الرب القدير، وهو المسؤول أن يرحمنا في ذاك اليوم، ويجعله أسعد يوم لنا وخير أيامنا.
وهذا آخر ما عندنا في هذه السورة، نسأل الله تعالى أن يتقبّل منا جهدنا فيها، ويجعله سبباً لسعادتنا ونجاتنا يوم العرض عليه، إنه البرّ الرحيم والجواد الكريم.


* * *



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ايات
المراقبة العامة
المراقبة العامة


شعلة المنتدى

المراقبة المميزة

وسامالعطاء

انثى الابراج : الجوزاء عدد المساهمات : 702
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 01/10/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف   الإثنين 22 ديسمبر - 19:33

سُورَةُ النَّحْل

هذه السورة هي خاتمة السور السبع (يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل)، وهي المجموعة التي اصطلحنا عليها بأنها من شأن الدعاة أو المصلحين أو قادة الأمة أو المجاهدين، ونحوهم من خواصّ الأمة، فيما نظنه والعلم عند الله تعالى، ونحن لا نجزم بذلك قطعاً وإنما هي وجهة ارتأيناها لتدبّر كتاب الله تعالى، كما قدمنا في بداية هذا الفصل عن هذه السور السبع.
والمتدبّر لهذه السورة بعد السور الست قبلها يلاحظ الهدوء في وقع آياتها نسبة لما تقدمها من السور، مما يوحي بتناولها لموضوع يستلزم ذلك؛ ألا وهو مفردات الدعوة إلى دين الله تعالى ومنهجها.
وهي بهذا الموضوع تكون متمّمة لسلسلة مواضيع السور قبلها ضمن هذه المجموعة التي اصطلحنا عليها.
ومن التدبّر في موضوعها هذا يتبين الحسن كل الحسن في تأخّرها عن السور قبلها وعن سلسلة مواضيعها؛ فإن الدعاة إلى الله تعالى يحتاجون للمضي في سبيل الدعوة بثبات وتروٍ ووضوح في المنهج؛ إلى التثبيت أولاً، والتوجيه إلى الصبر مع البشارة بالنصر والظهور، ومن هنا كانت هذه السورة -والعلم عند الله- متأخرة عن مثل سورة يونس وهود ويوسف، ونحوها مما تقدم من السور التي بينّا معالم مواضيعها.
فكان الأمر إذن من أجل الاتزان والثبات والاستقرار في منهج الدعاة ودعوتهم؛ تأخّر الكلام عن مفردات الدعوة ومنهجها -وهو موضوع سورة النحل- رغم أهميته؛ عن الكلام فيما يثبّت هؤلاء الدعاة ويصبّرهم ويعرّفهم حقيقة عناد المعارضين ونحو ذلك، وهو ما تقدم من مواضيع السور قبلها (يونس وهود...إلى آخره)، والعلم عند الله تعالى.
أما عن مفردات الدعوة الذي قلنا بتناول سورة النحل لها؛ فإنها تركّز على ثلاثة أصول مهمة وهي: توحيد الله تعالى، وإثبات المعاد ويوم الحساب، وإثبات الوحي والرسالات.
ومن أجل إثبات هذه الأصول يرد في السورة من البراهين والاستلزامات ما يؤكد حقيقة هذه الأصول الثلاثة، وبنفس الوقت يعرّف الدعاة أيضاً بالسُبل التي يسلكونها لإثبات هذه الأصول عند المدعوّين وإقناعهم بها، وأنها حق لا مرية فيه.
ففي شأن إثبات وحدانية الله تعالى في ألوهيته؛ تقرر هذه السورة منهج الاستدلال بوحدانية الله تعالى في ربوبيته؛ كخلقه ورزقه وملكه وكشفه الضر عن عباده؛ بأن ذلك مستلزم لوحدانيته في ألوهيته، ومستلزم لإفراده بالعبادة كذلك:
كما في أول السورة حين يذكر الله تعالى نِعَمه التي لا تُحصى على عباده، ويبدؤها بنعمة إنزاله الملائكة على رسله قبل نِعَمه بالخلق: {يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ على مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنا فَاتَِّقُونِ * خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ}؛ فنزّه نفسه عن الشرك في الألوهية والعبادة لانفراده بالربوبية والخلق.
وتستمر الآيات: {خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينُ * وَالأَنْعامَ خَلَقَها...}الآيات، حتى تنتهي هذه الآيات في استعراض بعض نِعَمِ الله على عباده إلى قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}، ثم يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُون أَيّانَ يُبْعَثُونَ * إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ...}الآيات، وفيها يقرّر الله تعالى عدم استقامة مساواة أحد به في العبادة والتوجّه؛ وهو الشرك في الألوهية؛ لعدم مساواة أحد له في أمور الخلق هذه.
وبعده في موضع آخر من السورة حين يذكر الله تعالى حكمه وأمره لخلقه بإفراده بالعبادة: {وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فارْهَبُونِ * وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ * وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}، فجعل انفراده تعالى بالملك {وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ}، وانفراده بالإنعام على خلقه {وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}؛ مستلزماً منهم إفراده بالعبادة، كشأن انفراده تعالى بكشف الضر {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}.
وأيضاً حين تأتي الآيات في السورة على ذكر نِعَم الله تعالى في رزقه لعباده، بعد أن تقدم في الآيات الأولى نِعَمه تعالى في الخلق والإيجاد، وهنا يذكر نِعَمه في الرزق، ويبدؤها أيضاً بنعمته بإنزال القرآن مثل ما تقدم حين ساق نِعَمه في الخلق: {وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعامِ لَعِبْرَةً...}الآيات.
حتى تنتهي هذه الآيات إلى هذا التقرير في الرزق مثل ما تقدم بشأن الخلق: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ}؛ فهنا نفى الرزق عمّن دون الله تعالى، وهناك نفى الخلق عمّن دونه كذلك: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}؛ وهذا كله استدلال بانفراده تعالى بأفعال الربوبية على انفراده تعالى باستحقاق الألوهية والعبادة.
ولا تقتصر ربوبية الله تعالى لخلقه وإنعامه عليهم في هذه السورة على الضرورات والحاجات فحسب، بل وتذكر الجماليات والتكميليات أيضاً، وكيف أنعم الله بها على عباده:
كما في قوله تعالى في بداية السورة عن الأنعام: {وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ...} إلى قوله: {وَالخَيْلَ وَالبِغالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً}.
وكذا في قوله عن البحر: {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها}.
وقوله عن المساكن والمتاع: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعامِ بُيٌوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ}.
وتستمر آيات السورة في ذكر نِعَم الله تعالى على خلقه، وهي من أكثر سور القرآن الكريم تعداداً للنِعم، حتى سمّاها بعض التابعين أيضاً "سورة النِعَم"([50]):
فتبين الآيات بأن نِعَم الله تعالى عديدة لا يمكن الإحاطة بها، وأن ذلك من رحمته بخلقه ومغفرته لهم: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.
فضلاً عن أن كل نعمة في الخلق إنما هي من الله وحده: {وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ}.
وأن نِعَم الله تعالى لا يمكن جحدها أو إنكارها، رغم أن ذلك هو حال غالب بني آدم: {أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ}، {أَفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}، {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ}.
بل إن نِعَمَه تعالى توجب الاستسلام له وحده وإفراده بالعبادة، وهو المقصود الأهمّ من ذكرها في السورة : {كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}، {وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ}.
وقد بيّن تعالى عاقبة من قابل نِعَمه بالكفر والجحود: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ}، ومدح أعظم أوليائه وهو الخليل إبراهيم عليه السلام بشكره لنِعَم ربه: {إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً للهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ * شاكِراً لأَنْعُمِهِ...}الآية.
كل هذا الاستعراض للنِعَم إنما فيه دلالة على وجوب شكر المنعِم بها، وهو الله تعالى؛ بتوجّه العباد إليه وحده وإفرادهم إياه بالعبادة، كما قال: {وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ}.
وفيه أيضاً تقريرٌ لمنهج الدعاة والسبيل الذي يسلكونه في دعوة العباد إلى التوحيد، كما سيأتي في الكلام على خواتيم السورة.
وهذا كله بشأن الأصل الأول من الأصول الثلاثة وهو إثبات وحدانية الله تعالى.
أما الأصل الثاني من أصول مفردات الدعوة وهو إثبات المعاد ويوم الحساب؛ فتذكره السورة في أوجه:
فهو أولاً غيب في علم الله تعالى، وهو يسير عليه بعثهم بعد موتهم وحسابهم بعد ذلك، كما قال: {وَللهِ غَيْبُ السّماواتِ وَالأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
وهو يوم يوافيه المشكّكون بهذا الكتاب بأثقالهم كاملة وزيادة أثقال من أضلّوهم، كما قال تعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
وهو يوم المواقف والمشاهد العظيمة؛ مثل مشهد الخزي على المشركين، كما قال تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أِيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إِنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ وَالسُّوءَ على الكافِرِينَ}. ومشاهد عموم الكافرين والظالمين والمشركين، وما ينالهم من التوبيخ حتى من بعضهم البعض، كما في قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَِّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَإِذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * وَإذا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤلاءِ شُرَكاؤنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ القَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ}، وكذا حال الخلق جميعاً بلا استثناء: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}.
كل هذه الأوجه في إثبات المعاد ويوم الحساب يمكن أن يكون لها مثيل في سور أخرى من القرآن الكريم، لكن انفردت هذه السورة من بين سائر السور بذكر المقتضي لوجود البعث بعد الموت والحساب، وهو بمثابة دليل عقلي على ضرورة وجوده وإثباته:
فحين ذكر الله تعالى إصرارهم على نفي البعث بعد الموت ردّه عليهم بقوله ووعده الحق: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ}، ثم بيّن تعالى الأمر المبرر والمقتضي لهذا البعث بعد الموت، فقال: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ}؛ فكل عاقل من بني آدم يعلم أن الناس منذ أن خلقهم الله تعالى ما زالوا مختلفين في أمور لا تعدّ ولا تحصى؛ في الاعتقادات والتصورات والنظرات والموازين، وحتى الأذواق والرغبات، وفي التحسين والتقبيح كذلك وفي أمور شتى، رغم أنهم متفقون بفطراتهم التي فطرهم عليها ربهم على معانٍ عديدة، إلا أن حصة ما يختلفون فيه تبقى واسعة كبيرة، ثم هم يغادرون حياتهم الدنيا ولم يُقضَ بينهم في كل تلك الأمور.
وبعد ذلك؛ فالعاقل يعلم يقيناً أيضاً بأن ربهم الذي خلقهم وهو أعلم بهم كما قال: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} لا يمكن أن يراهم كذلك باقين في اختلافهم ولا يبين لهم كل ما اختلفوا فيه، ولا يقضي بينهم فيه فيجازي المحقّ ويعاقب المبطل، فذلك لا يليق بربوبيته لهم ورحمته تبارك وتعالى بهم وعدله فيهم. والرسل الذين أرسلهم إليهم لم تكن مهمتهم القضاء في كل أمور الاختلاف ومجازاة المحقّ ومعاقبة المبطل بل كانوا مبينين وهادين لهم إلى الحق في ذلك -كما سيأتي ذكر مهمة الرسل- دون القضاء في كل تلك الاختلافات.
وعليه؛ فما دامت هذه الاختلافات لم تحلَّ ولم يُقضَ فيها كلها في الدنيا؛ فلابد إذن من يوم يُجمعون فيه جميعاً لحلّ تلك الاختلافات كلها أمام الجميع بلا استثناء، ليعرف كل أحد ما له وما عليه، وليأخذ كل صاحب حقّ ثوابه وكل صاحب باطل عقابه.
فهذا وجه إثبات المعاد، خصوصاً إذا انضمّ إليه أن معادهم وبعثهم بعد الموت هو أمر يسير على القادر الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، كما قال تعالى بعد تلك الآية في ذكر المقتضي للبعث: {إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
وهذا المبرر لإثبات المعاد قد ورد في السورة بعد ذلك كوعدٍ من الله تعالى لعباده في قوله: {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، فأصبح ذلك المقتضي للبعث وهو تبيين الحق في كل ما اختلف فيه الناس؛ وعداً منه تعالى واجب الوقوع والتحققّ.
وبعد.. فإدراك هذا -والله- هو من أعظم المقتضيات والمبررات لإثبات يوم يُجمع فيه الناس كلهم عند ربهم، ليفصل بينهم في كل شيء، وهو ما ترشد إليه هذه السورة المباركة لتقريره أولاً، ولتعليم الدعاة إلى الله تعالى أحد السبل التي يسلكونها مع المدعوّين في إثبات الحساب ويوم المعاد، والله أعلم.
ويمكن أن يكون هذا المعنى مفهوماً أيضاً من قوله تعالى بعد ذلك: {وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّىً فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}؛ وذلك من تقرير إرجاء حساب الناس على ظلمهم إلى أجلٍ هو ما سمّته لهم رسلهم، مما يدلّ على المبرر والمقتضي لإثبات المعاد ويوم الحساب، وهو محاسبتهم على ما قدّموه من ظلم لم يتمَّ القضاء به في الدنيا، وإلا لأهلكهم الله جميعاً، والله أعلم.
بقي الأصل الثالث من أصول مفردات الدعوة، التي قلنا بتناول هذه السورة لها، وهو إثبات الوحي والرسالات، وقد تناولته السورة أيضاً من كل جوانبه:
فتذكر أولاً أهميته بالنسبة لبني آدم وأنه نعمة من ربهم مقدَّمة حتى على نعمة الخلق والرزق؛ فجاءت الإشارة إليه في بداية السورة قبل سرد نِعَم الله تعالى في الخلق: {يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ على مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنا فَاتَِّقُونِ}، ثم عادت الإشارة إليه قبل سرد نِعَمه تعالى في الرزق أيضاً: {وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
وهذا التقرير بمثابة دليل عقلي على ضرورة إثبات الرسالات والنبوات في الجملة، وهو ضروري في مواجهة من يعارض في أصل النبوات، دون من يثبت نبوة بعض الأنبياء ويعارض في بعض.
أما من يؤمن ببعض الأنبياء وينازع في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالخصوص فقد أرشدته السورة إلى الطريق المعقول سلوكه لإثبات صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته، كما في قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ}، فهذا فيه أيضاً مقارنة ما جاء به صلى الله عليه وسلم مع ما أتت به الأنبياء قبله.
وحتى لا يبقى مجال للتشكيك بأن ما أتى به صلى الله عليه وسلم يمكن أن يكون أخذه من بعض أهل الكتاب قبله فقد ذكر الله تعالى هذا الادّعاء هنا أيضاً وأجاب عنه كذلك: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}؛ ففصاحة القرآن تقطع هذا الشك باليقين بأنه لا يمكن أن يكون من أحد من أهل الكتاب هؤلاء، بل ولا من غيرهم من البشر، وإنما هو قول رب البشر، كما قال تعالى قبل آية مقرّراً ذلك: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ}، فهذا بمثابة جانب آخر من جوانب الوحي والرسالات تتناوله هذه السورة.
وأيضاً من تلك الجوانب كذلك ذكر مهمة الرسل عموماً، ومهمة محمد صلى الله عليه وسلم بالخصوص في إنزال القرآن عليه:
ففي شأن مهمة الرسل؛ مرّت الآية السابقة في بيان ذلك: {يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ على مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنا فَاتَِّقُونِ}، وأيضاً قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ}، فمهمتهم الأولى إذن الدعوة إلى توحيد الله تعالى ونبذ الشرك، وهو ما حريّ بالدعاة إلى الله تعالى أن يتأسَّوا بهم في البداءة بالدعوة إلى التوحيد.
أما عن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد تقدمت الآية في بيان ذلك: {وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، وقبلها قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، وبعدها قوله تعالى: {وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ}، فمهمته بعد الدعوة إلى التوحيد كسائر الأنبياء؛ هي البيان والهدى والرحمة والبشرى، فصلى الله عليه أتمّ صلاة وسلم تسليماً كثيراً.
ثم من جوانب تناول وحي الله تعالى ورسالاته ذكر اختلاف مواقف الناس منها؛ ما بين رافض ومعاند لها، وما بين مؤيد وقابل بها، كما قال تعالى عن المنكرين والمستكبرين: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ وَمِنْ أًَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ...}الآية، ثم قال عن الطرف الآخر: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ...}الآية، وهذا أيضاً مما يجب أن يأخذه الدعاة إلى الله تعالى في حسبانهم، وهو أصناف من يواجهونهم.
وكل ما تقدم إنما هو الشقّ الأكبر من موضوع سورة النحل الذي يستغرق نحو ثلثيها أو أكثر، ألا وهو: مفردات الدعوة إلى دين الله تعالى ممثلّة بهذه الأصول الثلاثة؛ التوحيد، والمعاد، والنبوات.
وبقي الشقّ الآخر من موضوعها وهو منهج الدعوة.
هذا المنهج في الدعوة وقواعدها يرد في السورة على ضربين، والعلم عند الله تعالى:
الأول: سلوكيات الداعي وأخلاقـه التي يتعامل بها مع الناس، وهي مما فُرض عليه في دينه الذي يدعو إليه، وهذا ما بشكل مثالاً حياً وواقعاً لدينه ودعوته.
والثاني: تقرير قواعد منهج الدعوة هذا ومراتبها، بما يشمل جميع مراتب المدعوين.
أما الأول؛ فهو ما يُفهم من الأمر بالعدل ونحوه، والنهي عن الفحشاء وما إلى ذلك في هذه السورة، كما قال تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُرْبى وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ}، ثم أمره تعالى بالوفاء بالعهود ومراعاة الأَيمان: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها...}، {وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ...}، {وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً...}الآيات، فهذه كلها من سلوكيات الدعاة إلى الله تعالى.
ومنها أيضاً زاد الدعاة وعدّتهم؛ وهو الجهاد والصبر، المستفاد من وصفه تعالى لمن يستحقون المغفرة والرحمة في قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وحتى أمره تعالى بعد ذلك بأكل الرزق الحلال واجتناب أصناف من المحرمات: {فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ...}الآية، وبعده النهي عن التقوّل على شرع الله تعالى في التحليل والتحريم: {وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا على اللهِ الكَذِبَ...}الآية؛ كل ذلك يمكن أن يدخل في معنى ما قلناه من سلوكيات الداعي، وأخلاقه في معاشه، ومنهجه في دعوته، والله أعلم.
وأما الضرب الثاني من تناول السورة لمنهج الدعوة، وهو مراتبها وتقرير قواعد هذا المنهج؛ فهو ما تدلّ عليه الآية من آخر السورة: {أُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ}.
فبين سبحانه مراتب الدعوة بحسب حال المدعوين([51])؛ فهم إما أن يكونوا قابلين للحق لو عُرض عليهم ولا يتأخرون عن الاستجابة له؛ فهؤلاء يُدعون بالحكمة. وإما أن يكونوا معرضين عنه لا لعناد واستكبار بل لغفلة وانشغال عنه؛ فهؤلاء يُحتاج معهم إلى الموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب مع الحكمة أيضاً. وإما أن يكونوا معارضين للحق ومجادلين؛ فهؤلاء الذين يُجادَلون لكن بالتي هي أحسن كما قال الله تعالى.
وليس المقصود من هذه المراتب انفصالها عن بعضها، بل منهج الدعوة إلى دين الله تعالى مركّب من هذه الثلاثة جميعاً:
الحكمة؛ ومنها النظر في أحوال المدعوين ومقدار ما يُحدَّثون به، كما في قول علي رضي الله عنه الذي في (الصحيح): (حدَّثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله).
ثم الموعظة الحسنة؛ ومنها التلطّف والرفّق فيما يُنهون عنه، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه"([52])، وفي(الصحيحين) قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله".
ثم المجادلة بالتي هي أحسن؛ ومنها إحساس المدعوِّين بأن لا مآرب شخصية للدعاة في ما يَدعون إليه، ولا تحامل عندهم على المدعوين، وإنما هو قصد الوصول إلى الحق.
هذا منهج الدعوة وهذه قواعدها، ترسيها آيات هذه السورة، متناسبة مع ما تقدمها من السور في هذا الشأن كما فصلناه، حتى تكون خاتمتها، وهي خاتمة هذه المجموعة التي اصطلحنا عليها من السور؛ باعثة في النفس كل كوامنها المبدعة، للمضي قدماًُ في طريق الدعوة إلى الله تعالى بالصبر وعدم الحزن، ولا الضيق على معارضة الكثيرين: {وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُون * إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، مع تأكيدٍ وتذكيرٍ بأهمية تقوى الله.
هذا ما عندنا بشأن هذه السورة، نسأل الله تعالى أن يسدّد قولنا، ويتقبّله منّا، ويدّخره لنا إلى يوم لقائه، إنه جواد كريم وبرَ رحيم.


* * *

وبعد انتهاء هذه المجموعة الأولى من السور؛ نعود لنجمل مواضيعها لنستكشف حسن ترتيبها، والله الموفق:
فأول الأمر كان الكلام بشأن تثبيت دعائم الحق عند صاحب الدعوة نفسه، ليكون على بينة مما يدعو إليه، ولا يتشكّك ولا يتردّد بسبب الإعراض عنه حتى لو كان من الكثيرين؛ وهذا كان محور سورة يونس في تناولها لأدلة إثبات النبوة.
بعد ذلك كان الكلام على السنّة القدريّة في ما يواجهه صاحب الدعوة في طريق دعوته من الصعاب والمشاقّ بسبب إعراض الناس، وأنه أمر واجهه كل من قام بهذه المهمة ممن سبق، مع التوقّع لطول هذا الطريق ليحسن الاستعداد له؛ وهذا ما تناولته آيات سورة هود.
ثم بعد تثبين دعائم الحق بأدلته من سورة يونس، وبعد تصبير صاحب الدعوة بأحوال من سبق في سورة هود؛ تأتي سورة يوسف وقد رأينا أنها حوت البشارة للنبي صلى الله عليه وسلم -وهو صاحب الدعوة يومها- بظهور أمره على قومه الذين كذّبوه وآذوه، إذا صبر على أذاهم وثبت على ما بعثه الله تعالى به.
وبعد إنجاز هذه المعاني والأصول عند صاحب الدعوة وتثبيتها عنده؛ يتوجّه الكلام إلى المدعوّين عموماً لتقرير تلك الأصول نفسها، فيبدأ الكلام أولاً بشأن تثبيت دعائم هذا الحق عندهم، ويسوق لهم أدلة ذلك؛ وهذا ما كانت تتناوله سورة الرعد في آياتها.
ومثل ما رأينا في موضوع سورة هود بعد سورة يونس؛ نرى هنا أيضاً سورة إبراهيم بموضوعها بعد سورة الرعد؛ أي أنها تتناول السنة القدرية في المواجهة بين الحق وأهله وبين الباطل وأهله، لكن من جهة المدعوين أنفسهم، ليعلموا ما حلّ بأسلافهم في مواقفهم تلك التي يشابهونهم بها.
ولتكتمل هذه الأصول عند المدعوّين كما اكتملت في السور الثلاث الأولى عند الدعاة؛ تأتي سورة الحِجر لتتحدّث عن مصير المدعوين جميعاً، وتؤكّد بالأخصّ على مصير المعارضين المعاندين، كما كانت سورة يوسف قد تناولت مصير الدعاة في صبرهم وثباتهم على طريق دعوتهم، فتتقابل سورة الحِجر من هذه الناحية مع سورة يوسف.
ثم ليتمّ الكلام في باب الدعوة إلى الله تعالى، بعد تثبيت الدعاة وتقويتهم للصبر على عقبات الطريق، وبعد بيان سنة الله تعالى التي لا تتبدّل ولا تتغير بشأن عواقب الأمور بين الدعاة وبين المدعوين؛ ليتمّ كل ذلك فلابد من تبيين مفردات هذه الدعوة ومنهجها وقواعدها؛ وهذا ما تتناوله سورة النحل، فكانت هي آخر هذه المجموعة التي اكتمل بها الكلام عن كل ما يتعلق بالدعوة إلى دين الله تعالى، والله أعلم.
وفي ختام كلامنا عن هذه المجموعة من السور نسأل الله تعالى أن يجعله صواباً وخالصاً لوجهه، وأن يجعلنا ممن يُردفون مثل قولهم هذا بفعل يدلّ عليه، وأن يأخذ بأيدينا ويوفقنا لما يحب ويرضى، فإنّا نبرؤ من الحول والقوة إلا منه تعالى.


والحمد لله أولاً وآخراً

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

* * *


الفهرس

المقدمة 5
مقدمة المباحث المسجلة 9
سورة الفاتحة 35
فصل 45
سورة البقرة 47
سورة آل عمران 61
سورة النساء 71
سورة المائدة 81
سورة الأنعام 91
سورة الأعراف 101
سورة الأنفال 111
سورة التوبة 119
فصل 132
سورة يونس 135
سورة هود 143
سورة يوسف 153
سورة الرعد 163
سورة إبراهيم 171
سورة الحجر 181
سورة النحل 191


* * *


(
1) رواه الترمذي (4/53) وغيره، وهو صحيح كما في (مشكاة المصابيح) (2137).

(2) وهي من روايات متعددة؛ مرسلة وموقوفة ومقطوعة تدل على أن لها أصلاً والله أعلم،
أنظرها في (الصفات) للدارقطني (1/26)، (السنة) لعبد الله بن أحمد(1/295-300)،
(الزهد) لابن المبارك (1/512)، وغيرها. وانظر (الدر المنثور)(3/549).

(3)رواه الإمام أحمد (3/387)، وقد ساق طرقه ابن كثير في (تفسيره)(2/467-
468)، وصحّحه في (البداية والنهاية)(1/198)، وحسّنه الألباني في (الإرواء)(1589).

(4) أنظر (سيرة ابن هشام) (2/22-23)، وغيرها.

(5) يراجع ما نقلناه في المقدمة من كلام الشاطبي رحمه الله في (الموافقات)(3/254-260) في الفرق بين تفسير القرآن الكريم وبين تدبّره.

(6) كما في حديث عثمان رضي الله عنه عند الإمام أحمد (1/57)، وأبي داود (786)،
والترمذي (4/113-114)، والحاكم (2/221) وصحّحه ووافقه الذهبي.

(7) في (الإتقان في علوم القرآن)(1/60-61).

([8]) أنظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في (المجموع)(13/410).

(9) أخرجه الإمام أحمد (4/9)، وأبو داود (1393)، وابن ماجه (1345)، بسند صالح.

(10) أنظر (عون المعبود) (1/528).

(11) أنظر صفحة (53، 54) من الجزء الأول ففيه تفصيل ذلك.

(12) ثم بعد مدة ليست بالوجيزة من مباحثنا هذه وقعت على كلام نافع ماتع للإمام الشاطبي رحمه الله في (الموافقات)، يدور حول بعض ما نقوله في مقدمتنا هذه؛ فقد تطرّق = = رحمه الله هناك في (المسألة الثالثة عشرة) (3/278-284) إلى طريقة تدبّر سور القرآن الكريم من ناحية ربط آيات كل سورة بعضها ببعض، وأنه بمعاضدة بعضها لبعض يتبين مراد الله تعالى منّا في تلك السورة، وبيّن رحمه الله أن السور النازلة في قضية واحدة؛ طالت أم قصرت فأمرها في ذلك ظاهر، وقال (3/279): (فإن القضية وإن اشتملت على جُملٍ فبعضها متعلّق بالبعض، لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهّم عن ردّ آخر الكلام على أوله وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلّف، فإن فرّق النظر في أجزائه فلا يتوصّل به إلى مراده، فلا يصحّ الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض)أ.هـ وذلك مثل أكثر سور المفصّل كما قال. أما السور المشتملة على قضايا متعدّدة كسورة البقرة وآل عمران، فإنها وإن كان لها اعتبار من جهة تعدّد القضايا فتكون كل قضية مختصّة بنظرها؛ إلا أن لها اعتباراً آخر من جهة النظم، فهو ترتيب بالوحي لا مدخل لآراء الرجال، فيفيد بناء بعضه على بعض في الفهم، ولا تتمّ الفائدة من جهة النظم هذا إلا بعد استيفاء جميع السورة بجميع القضايا المتعدّدة فيها، وقال (3/279-280): (فالاقتصار على بعضها فيه غير مفيد غاية المقصود، كما أن الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما؛ لا يفيد إلا بعد كمال النظر في جميعها)أ.هـ ثم مثّل على ذلك باختصارٍ ببعض المواضع من سورة البقرة باعتبارها أُنزلت في قضايا متعدّدة كما سبق، وبعدها مثّل بسورة المؤمنين باعتبارها نازلة في قضية واحدة وإن اشتملت على معانٍ كثيرة، حتى قال أخيراً (3/283): (ومن أراد الاعتبار في سائر سور القرآن فالباب مفتوح، والتوفيق بيد الله)، ثم قال (3/284): (وعلى حذو ما تقدم من الأمثلة يُحتذى في النظر في القرآن لمن أراد فهم القرآن، والله المستعان)أ.هـ وبعد ذلك عقد فصلاً في آخر هذه المسألة (3/284)، بيّن فيه أن سلوك نفس المأخذ في النظر على أن جميع سور القرآن الكريم هي بنظم واحد؛ هو أمر محتمل ويحتاج إلى تفصيل، فقال: (وهل للقرآن مأخذ في النظر على أن جميع سوره كلام واحد بحسب خطاب العباد...؟ هذا محل احتمالٍ وتفصيل)أ.هـ ولم يفصّل ذلك ولم يُتعب نفسه رحمه الله في تقريره، والظاهر أنه لم يَبِنْ له منه محل اهتمام، أو أحال ذلك إلى = = غيره، مع أنه رحمه الله كان قد تطرّق قبل ذلك في (المسألة الحادية عشرة)(3/274-275) إلى مسألة بناء بعض سور القرآن الكريم بعضها على بعض في الفهم؛ سواء في ذلك السور المكية أو المدنية، واتّخذ سورة الأنعام مثالاً للسور المكية، وسورة البقرة مثالاً للسور المدنية، ثم قال (3/275): (وإذا تنزّلتَ إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتَها كذلك حذو القذّة بالقذّة)أ.هـ فرحمه الله وجزاه خيرا.

(13) أنظر ما نقلناه في الهامش (12) السابق من كلام الشاطبي في (الموافقات) حول طريقة النظر في سور القرآن الكريم وفق هذا الاعتبار.

(14) أنظر مسند الإمام أحمد (2/412-413)، الترمذي (4/132)، النسائي (2/139)،
وهو حديث صحيح.

(15) الجزء الأول (صفحة 7-11).

(16) وهذا ما صرّح به بعض أهل العلم كما في (تفسير ابن كثير)(1/8-9)، وكذا (فتح
الباري)(8/197) وغيرهما، في وجه تسمية الفاتحة بأم القرآن أو أم الكتاب.

(17) أنظر الجزء الأول صفحة (52-53).

(18) للفائدة أنظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى)(22/410-437)،
وأيضاً (22/438-443).

(19) (المجموع)(22/432، 433).

(20) في (مدارج السالكين)(1/7).

(21) (المدارج) (1/74).

(22) أخرجه أبو داود (1522) وغيره، وهو صحيح.

(23) أنظر (المجموع)(14/10).

(24) راجع كلام شيخ الإسلام في (المجموع)(14/39-40)، وقد قال هناك: (فالهدى التام
أعظم ما يحصل به الرزق والنصر، فتبين أن هذا الدعاء جامع لكل مطلوب)أ.هـ

(25) أنظر تفصيل ذلك عند ابن القيم في (مدارج السالكين) (1/9)، وأيضاً في (مفتاح دار السعادة)(1/84)، وغير ذلك.

(26) (المجموع)(14/329).

(27) أخرجه الترمذي (4/43-44) وغيره، وقد حسّنه.

(28) في حديث حذيفة رضي الله عنه عند الإمام أحمد (5/383)، وغيره

(29) أخرجه الإمام أحمد (5/383) وغيره من حديث حذيفة رضي الله عنه.

(30) أنظر ذلك عند شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل)
(8/3-12)، ونحوه عند ابن أبي العزّ في (شرح العقيدة الطحاوية) (ص77-78)،
وكذلك في (رسائل ابن حزم)(3/190-195).

(31) فيما رواه عنه الترمذي (4/105) وحسّنه.

(32) راجع تفصيله عند شيخ الإسلام ابن تيمية في (المجموع)(13/278، 289-291).

(33) أنظر تفصيل هذه المسألة عند شيخ الإسلام ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل)
(8/482-491)، وعند تلميذه ابن القيم في (الروح)(ص167-168)، وكذا عند
القرطبي في (تفسيره)(7/200)، وابن كثير في (تفسيره) أيضاً (2/263-264).

(34) أخرجه الترمذي (3/358-359) وغيره، من حديث معاذ رضي الله عنه، وقال الترمذي: حسن صحيح.

(35)كما جاء ذلك صريحاً في سؤال ابن عباس لعثمان رضي الله عنهما فيما أخرجه الإمام
أحمد (1/57) وأبو داود (786) والترمذي (4/113-114) والحاكم (2/221)،
وقد صحّحه الحاكم ووافقه الذهبي.

(36) برقم (1763).

(37) أخرجه الحاكم (3/409)، وصحّحه ووافقه الذهبي.

(38) أخرجه الإمام أحمد (1/57)، وأبو داود (786)، والترمذي (4/113-114)، وغيرهم، وقد تقدّم.

(39)كما هو قول ابن عباس رضي الله عنهما، الذي في الصحيحين؛ البخاري (4882)، ومسلم (3031).

(40) أخرجه مسلم (1910) وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(41) من حديث جابر رضي الله عنه، برقم (1911).

(42) أنظر (الطبري)(11/108)، (ابن كثير)(2/432)، (الدر المنثور)(4/389).

(43) أنظر تفصيل الكلام على هذا الحديث عند الحافظ ابن حجر في (النكت على ابن الصلاح) (2/774-776)، والشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة) (برقم955).

(44) أنظر (زاد المعاد) (2/165)، وكذا (الدر المنثور) (4/578) وغيرها، ورغم اشتهاره فليس له إسناد ثابت كما نبّه على ذلك الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه (دفاع عن الحديث النبوي)(ص32)، ولهذا قلنا "روي" والله أعلم.

(45) أنظر كلام ابن القيم في كتابه (عِدة الصابرين وذخيرة الشاكرين)(ص24، 32، 39).

(46) أنظر كلامه رحمه الله في كتابه (مفتاح دار السعادة)(1/154).

(47) أنظر (المجموع)(14/192-193).

(48) وذلك على أحد الوجهين في الآية، أنظر (تفسير ابن كثير)(2/542) وغيره، باعتبار "إنْ" شرطية وليست نافية، وهو الذي رجّحه ابن هشام الأنصاري في (مغني اللبيب)(1/279)، وقال في معنى الآية: (... وإن كان مكرهم لشدّته معدّاً لأجل زوال الأمور العظام المشبهة في عِظَمها بالجبال)أ.هـ

(49) وهو ما أخرجه الإمام أحمد (4/24) وغيره، عن الأسود بن سريع مرفوعاً: (أربعة يوم القيامة يُدلون بحجة؛ رجل أصمّ لا يسمع ورجل أحمق ورجل هَرِم ومن مات في الفترة؛ فأما الأصمّ فيقول: يا رب جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر، وأما الهَرِم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات على الفترة فيقول: يا رب ما أتاني رسولك، فيأخذ مواثيقهم ليطعنّه، فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً)أ.هـ وهو صحيح كما قال الشيخ الألباني رحمه الله في (الصحيحة)(برقم 1434).
(50) نقله الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره (2/580) عن قتادة.
(51) أنظر ما قاله ابن القيم رحمه الله في (الصواعق المرسلة) (4/1276)، وأيضاً (مفتاح
دار السعادة) (1/153)، في كلام نفيس عن الدعوة ومراتبها.
(52) أخرجه ابن حبان وغيره عن أنس، أنظر (صحيح الجامع) (5654).



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:منتدي المركز الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
المسلك النافع القويم في تدبر سور القرآن الكريم للشيخ ابو محمدعبد الله بن سعيداليوسف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: