منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 كيف تكون فقيها ومحدثا للشيخ : ( عبد الله بن ناصر السلمي )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسن الجن
عضو فعال
عضو  فعال


عدد المساهمات : 408
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: كيف تكون فقيها ومحدثا للشيخ : ( عبد الله بن ناصر السلمي )    الأحد 4 أكتوبر - 0:55

كيف تكون فقيها ومحدثا -1 - للشيخ : ( عبد الله بن ناصر السلمي )
إن من أجل النعم على العبد أن يكون فقيهاً في دين الله، عالماً بأحكام الشريعة، عارفاً بمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى من يريد أن يكون كذلك تحقيق أمور منها: التوازن الذهني والجسمي، والاهتمام بالتأصيل العلمي، وفهم نصوص الكتاب والسنة والتكييف الصحيح للمسائل الفقهية.
فضل التفقه في الدين
بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله. اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً وعملاً يا كريم، وبعد:فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.أحبتي في الله! إن مذاكرة العلم ومدارسته من أعظم النعم، والفقه في الدين من أعظم العبادات؛ ولهذا فإن من خلصت نيته، وصلحت لله طويته، وأقبل على العلم وجد واجتهد فيه نال أكثر مما يناله العابد، ولهذا روى الحافظ أبو عمر بن عبد البر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: تذاكر العلم بعض ليلة أحب إليّ من إحيائها، قيل لـأحمد : أي علم أراد -يعني: ابن عباس-؟ قال: العلم الذي ينتفع به الناس، قيل: الوضوء، والصلاة، والطلاق والنكاح؟ قال: نعم.إذاً: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان فمن أقبل على هذا العلم، وبنى أصوله وفروعه على الكتاب والسنة، وتأمل نصوص الكتاب والسنة أفلح وأنجح، وكانت عبادته في تأمل هذه النصوص أعظم ممن هو جالس في المسجد يركع ويسبح.كان أناس من التابعين، أو من أتباع التابعين، يصلون ما بين الظهر والعصر ويتطوعون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رجل من أصحاب سعيد بن المسيب فقال: يا ليتني أطيق هذه العبادة فهلا فعلت مثلما يفعلون يا أبا محمد ؟! فقال: ليست بذلك العبادة، قلت: وأي العبادة؟ قال: العبادة هي الورع عن محارم الله، والتفكر في الله -يعني: ذاته- والفقه في الدين، فإن الفقه في الدين من أعظم العبادات؛ ولهذا قال مطرف بن عبد الله بن الشخير ، كما روى ذلك أبو عمر بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: حظ من علم أحب إليّ من حظ من عبادة، ولأن أعافى فأشكر أحب إليّ من أن أبتلى فأصبر، ولقد نظرت في الخير الذي لا شر فيه، فلم أر مثل المعافاة والشكر.إذاً: التفقه في الدين، والتأمل في نصوص الوحيين عبادة. ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة الدالة على أن كل شيء يستغفر لمعلم الناس الخير، حتى الحيتان في البحر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي بسند صحيح؛ ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم شيئاً بعد الفرائض أحب إليّ من إصلاح ذات البين والفقه في الدين.
المقصود بالفقه في الدين
الفقه في الدين المراد به فقه مراد الله، ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلما أقبل المرء على فهم كتاب الله، وفهم سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، كلما كان ذلك أنفع له في دينه، وأظهر له في حجته، وخير له في دينه ودنياه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( نضر الله امرءً سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )، كما ثبت ذلك في الحديث الذي رواه البخاري و مسلم وغيرهما.إذاً: حينما نتحدث عن الفقه في الدين، فلا نقصد بذلك أن يحفظ الإنسان متناً صغيراً في الفقه، أو أن يقال إنه محدث إذا حفظ شيئاً يسيراً من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن مراد الفقه في الدين عند السلف: هو الفقه بعموم الشريعة، وهذا من فقه أبي حنيفة حينما سمى علم العقائد هو الفقه الأكبر، وإن كان قد اصطلح المتأخرون على أن المراد بالفقه هو معرفة الأحكام الشرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، وهنا تعلم أن الفقه هو الفهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لـابن عباس ، وهو لم يناهز الاحتلام بعد: ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )، فكان ابن عباس ممن فقه مراد الله بالتأويل، وفقه مراد رسوله صلى الله عليه بسنته.فهذا ابن عباس الذي لا يعرف أنه سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحاديث تعد بأصابع اليد، وغالب الأحاديث التي رواها ابن عباس إنما رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم بالواسطة، ولكنه فقه مراد الله ومراد رسوله ففاق به من حفظ أكثر منه رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.يقول أبو العباس بن تيمية : وأنت إذا رأيت ابن عباس يستخرج من الحديث أنهاراً وبحاراً، وأما غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يختلف عنهم تماماً، أو كما قال رحمه الله ورضي عنه.إذاً: حينما نتحدث كيف تكون فقيهاً؟ نقصد بذلك كيف تكون فاهماً مدركاً متأملاً عالماً بمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، أما حفظ المتون الصغيرة أو الكبيرة عظمت أم صغرت، فإنما هي طريق ووسيلة لأن تفهم مراد الله ومراد رسوله، وكثيرة هي الوسائل والطرق التي تبين مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن يجب أن نعلم حينما نتحدث عن الفقه، وكيف تكون فقيهاً أن القصد بذلك كيف تستطيع أن تخرج كنوز الكتاب والسنة إلى الأمة؛ لأن كثيراً من الناس ربما تمضي عليه سنون عديدة وهو مقتصر على متن صغير يتأمله، ولكنه ربما لم يدرك مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فتمضي عليه السنون، وهو لم يتأمل الكتاب، ولم يتأمل السنة، ولم ينظر في مراد الله وفي مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، ويظن أن العلم هو قال فلان، قال فلان فقط، وهذا ليس بصحيح.نعم! لا ينبغي لطالب العلم أن يبرز إلا وقد خطا خطوات عظيمة وكبيرة، وطلب العلم سنين حتى يصل إلى هذا الأمر، وليس المراد أن من حضر مثل هذه المحاضرة يكون مثل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفهم والفقه، ولن يتأتى هذا بيوم ولا يومين، ولا بسنة ولا سنتين، ولا عشر سنين، حتى تشيخ لحيتك في النظر في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام سلف هذه الأمة. إذاً فمسألة الفقه في الدين يعتريها أمور كثيرة جداً جداً، وأقول وأنا آمل ما أقول: لن تستطيع أن تكون فقيهاً بمحاضرة من مغرب إلى عشاء، ولكنها رءوس أقلام، من تأملها ودرسها واستنبط معانيها، وفقه على منوالها فإنه بإذن الله سوف يكون له شأن وأي شأن؟ إنه شأن مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فمن تأمل أقوال الصحابة وأقوال من جاء بعدهم علم الفرق الكبير بين فقه الصحابة وفقه من جاء بعدهم، كما قال أبو العباس بن تيمية رحمه الله: من أراد أن يعلم فقه الصحابة من فقه من جاء بعدهم، فلينظر في باب الأيمان والنذور، وهذا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم عندهم فقه لم يكن عند غيرهم. إذا ثبت هذا أيها الإخوة فإن الفقه بالمراد المصطلحي هو معرفة الأحكام الشرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، يعني: أنه إذا جاءنا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعرف كيف نستنبط منه أحكاماً فقهية، ولقد ذكر بعض الأصوليين كـالجويني وغيره أن الحديث الذي ظهر منه الحكم الشرعي صراحة أو نصاً فإنه لا يعد من عرف ذلك فقيهاً، فإذا قلنا: إذا دبغ الإهاب فقد طهر، الدليل: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس : ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر )، فهذا لا يعد فقهاً؛ لأنه ظاهر.الفقه أن تعرف أي إهاب إذا دبغ فقد طهر؟ هل هو كل إهاب؛ لعموم: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر )؟ أم هو الإهاب الذي تحل ميتته بالذكاة؟ وكيف عرفنا ذلك بمجموع النصوص واستقراء الشريعة، كما هو مذهب أحمد و مالك ، وقول عند الشافعية اختاره أبو العباس بن تيمية رحمه الله. إذاً: الفقه هو الفهم، والفهم لا يتأتى بأن يرى الإنسان ظاهر النص فيستدل به.
وقفة مع فهم بعض المتأخرين للنصوص الشرعية
إن فقه بعض المتأخرين -وخاصة بعض طلبة العلم- وبعض من اشتغل بالمتون أو من فهمهم للنصوص فهماً ظاهرياً يحتاج منا إلى وقفة؛ لأن العلم بمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ليس بالأمر السهل البسيط؛ لأنه يتطلب معرفة باللغة، ويتطلب معرفة بما كان صلى الله عليه وسلم يعرفه ويعمله ويتعامل به، فأنت لو أدركت محمداً صلى الله عليه وسلم سترى كيف كان بعض الناس يسلمون بطرق معينة مثل أن يسلم بحركات رأسه، أو وهو يحرك يديه، أو غير ذلك، فيقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( ما لي أراكم كأنكم خيل شمس )، أنت لو سئلت كطالب علم: ما معنى خيل شمس؟ ربما تبحث عن كلام علماء اللغة، لكنك ما أدركت محمداً صلى الله عليه وسلم حينما قال هذه العبارة وهو يرى بعض أصحابه، فينطبع هذا الأمر عند أصحابه أكثر مما ينطبع في بحث ربما يأخذ سنين، وربما أدركت مراد الرسول صلى الله عليه وسلم أو لم تدرك.إذاً: فهم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم إنما يعرف بكثرة التأمل والقراءة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ثمة حقائق منها الحقيقة اللغوية، ومنها الحقيقة العرفية، ومنها الحقيقة الشرعية.إذاً: ليس كل حقيقة رأيناها في كتب اللغة تدل على أنها هي الحقيقة الشرعية؛ لأن الحقيقة الشرعية قد أخرجت المعنى اللغوي إلى معنى يريده الله ويريده رسوله صلى الله عليه وسلم، واليوم تجد أن بعض الناس يأخذ بقاعدة: هذا اللفظ يدل على العموم.مثال ذلك: بعض الإخوة يرى أن كل إزالة لشعر الوجه هو من النمص، فيقول: إن النمص هو إزالة شعر الوجه، يقول ابن منظور في لسان العرب، ويقول الفيروزأبادي في القاموس المحيط: النمص هو إزالة الشعر النابت في الوجه، هذا علم لغة، ولا يلزم أن يكون النمص الذي لعن الله فاعله هو المراد بعلم اللغة، فإن علم اللغة شيء والعلم الشرعي شيء آخر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحقيقة الشرعية للنمص هي إزالة الشعر الذي في الحاجبين.إذاً: يجب أن يعلم ويعرف طالب العلم أنه ليس كل ما كان حقيقة لغوية هي مراد النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا لا ينبغي التعجل في مخالفة الأئمة، فالأئمة الأربعة رحمهم الله عندما نظروا إلى اللحية قالوا: هو ما نبت من شعر اللحيين والذقن، إذاً: الشعر النابت في الخد عند الأئمة الأربعة وهو ظاهر مراد الصحابة ليس من اللحية، ولو نظرنا إلى علماء اللغة كالقاموس المحيط للفيروزأبادي أو لسان العرب لـابن منظور فإنهم قالوا: إن اللحية ما نبت من شعر الوجه، إذاً هذا معنى لغوي، ولكن المعنى الشرعي معنى آخر، فلا يأتي طالب علم يقول: العبرة بالدليل، ثم ينظر في علم اللغة فيقول: إن كل ما نبت من شعر الوجه فهو لحية، نقول: هذا لغة، لكن الشرع شيء آخر، وبهذا تعرف أحياناً بعض الاجتهادات المعاصرة حينما يخالفون نصوص الأئمة، ويقولون: هم رجال ونحن رجال؛ ولهذا لابد أن يعرف طالب العلم ما معنى الفقه في الدين الذي كان عليه سلف هذه الأمة؟
[color=#FF0000]الأمور ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حسن الجن
عضو فعال
عضو  فعال


عدد المساهمات : 408
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: كيف تكون فقيها ومحدثا للشيخ : ( عبد الله بن ناصر السلمي )    الأحد 4 أكتوبر - 0:57

لتي يحتاجها من يريد الفقه في الدين [/color]

وجود التوازن الجسدي والذهني
من أراد أن يكون فقيهاً فلابد أن يعلم أن الفقه يتطلب قدرات ذاتية وذهنية، ومعرفة بواقع الناس، فمن أراد أن يكون فقيهاً فلا بد أن يكون عنده نوع من التوازن الجسدي، والتوازن الذهني؛ ولهذا قال ابن مسعود كما صح ذلك عنه: (أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوباً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاعرفوا قدرهم فإنهم على الهدي المستقيم)، هذه العبارة عبارة مجملة فسرها لك ابن تيمية رحمه الله بقوله: هم أبر، فليسوا أهل تكلف، فعندهم من فهم الشريعة من غير تكلف أكثر ممن جاء بعدهم، وهم أبر هذه الأمة، فإن الإنسان كلما كان صادقاً مع نفسه، صادقاً مع ربه، كلما كان أقرب لمعرفة مراد الله ومراد رسوله، ودليل ذلك قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].ولهذا قال أبو العباس ابن تيمية : وكل من خالف الحق فقد جاءه شيء من الهوى، كما قال الله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50] أحياناً يقول الإنسان: أنا والله ما أردت إلا وجه الله، فيذهب يبحث عن مسألة، وفي ذهنه أن يكون الحكم حراماً، فيبحث عمن يقول: إنه حرام، ثم يقول: وجدت فلاناً وفلاناً وفلاناً يقولون: إنه حرام، فإذا قيل له: وماذا يقول محمد صلى الله عليه وسلم؟ تجد أن في نفسه شيئاً ما عرفه. أو يذهب يبحث عمن يقول إنه: حلال، وفي قرارة نفسه أننا عشنا في زمن كل شيء حرام، ويكون منطلق بحثه أن الذي كنا ندرسه عند المشايخ ليس هو الحق، فيكون شيئاً في ذهنه أن الحكم يكون حلالاً، فإذا جاءت بعض النصوص الشرعية تخالف ما كان قد اعتقده من الباطل يحاول أن يؤول مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا خلل منهجي يجب أن يتفطن له طالب العلم، كما ذكر أبو العباس بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: ينبغي أن يحمل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على ما أراده الله وأراده رسوله صلى الله عليه وسلم، لا على ما أراده المجتهد في نفس الأمر.تجد بعض الإخوة حينما يبحث الأدلة يقول: القول الأول قال به فلان وفلان ودليلهم كذا، والقول الثاني قال به فلان وفلان ودليلهم كذا، وفي نفسه يريد أن يرجح القول الأول أو الثاني، يقول: والراجح هو القول الأول، وأما ما استدل به القول الثاني فضعيف .. هكذا مباشرة حكم عليه بالضعف؛ ثم يقول: لأن قوله تعالى كذا يحتمل كذا ويحتمل كذا، وأما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل كذا، ثم يأتي باحتمالات عقلية، لم يكن هو مراد الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال ذلك، ثم يقول بأبسط أسلوب: والحديث إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، ويمنع مراد الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا.وهذا كثير عند المتأخرين، لا سيما ممن تأثروا بالتعصب المذهبي. ولهذا حينما أراد بعض أصحاب المذاهب من المتأخرين أن يرجح أن غسل يوم الجمعة مستحب وليس بواجب جاءه حديث المتفق عليه الذي رواه الجماعة إلا الترمذي من حديث أبي هريرة : ( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم والسواك، وأن يمس من الطيب ما قدر عليه )، انظر فهم المتقدمين من السلف حينما حملوا الحديث على عدم الوجوب، وفهم المتأخرين حينما أرادوا تحويل مراد الله ومراد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى معان أخرى لغوية بعيدة.الجمهور قالوا: لا ينبغي أن نفهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم في الوجوب من عدمه بحديث واحد؛ ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يجمع النصوص حتى لا يضرب أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بعضها في بعض، هذا واحد.الثاني: يجب أن نعلم حينما نحمل النصوص أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال هذا الحديث لا يعارض الحديث الآخر، فيكون ذلك التعارض من نظر المجتهد ونظر الباحث ونظر الطالب. الجمهور قالوا: معنى الوجوب في الشرع يختلف عن معنى الوجوب في المصطلح الفقهي، فإن الوجوب في المصطلح الفقهي معناه: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وهو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل اللزوم، قالوا: فالوجوب هو الحتم واللزوم، وليس الوجوب المصطلح الفقهي؛ لأن هذا المصطلح الفقهي حادث على مراد الله ومراد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن المكروه في لسان الشارع يختلف على المكروه في المصطلح الفقهي، فإن الاصطلاح الفقهي ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، وأما المصطلح الشرعي فهو المحرم، قال تعالى: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38]، يعني: محرماً، إذاً: المصطلحات يجب أن تبين وتراعى.والإشكال أن بعض المتأخرين عندما جاءه هذا الحديث ضاق عطنه، فيريد أن يؤول فيقول: نبحث ما معنى واجب في اللغة، بحثوا فوجدوا أن الواجب معناه الساقط، كما قال تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا [الحج:36] يعني: سقطت، قال: والحديث ليس دليلاً على الوجوب، بل هو دليل على عدم الوجوب؛ لأن معناه: غسل يوم الجمعة ساقط على كل محتلم! فلابد لطالب العلم أن يتجرد للحق قبل أن يبحث، وهذا التجرد ليس بالأمر السهل، ولهذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عندهم من الإخلاص ما جعلهم ينظرون إلى النصوص بعيداً عن أهوائهم، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به، هذا الخوف وهذه الخشية وهذه الرهبة تجعل الإنسان مجرداً عندما يأتيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يبحث عما أراده صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، فتصفو نفسه، وتزكو سريرته، وتتأمل قريحته مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكلف، فيظهر الأمر له جلياً.ولهذا تجد أن طبائع البشر أحياناً لها أثر في الأحكام الشرعية؛ ولهذا قلت مراراً وتكراراً: إذا رأيت الرجل أو الفقيه كل أقواله حرام فاعلم أنه ليس بفقيه، وإذا رأيت كل أقواله حلال فاعلم أنه ليس بفقيه ولو استدل لك؛ لأن دين الله وسط، ليس بالغالي ولا بالجافي، فـابن عباس الذي عرف عنه التساهل عنده مسائل كثيرة فيها من الشدة ما يباهل عليها، و ابن عمر الذي عرف عنه التشديد عنده من المسائل الخفيفة ما خالف فيها عامة أهل العلم.إذاً: هذا التوازن هو حينما يأخذ بهذا الفهم حتى وإن أخطأ فإنما اجتهد على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم لا أثر له بطبيعته؛ لأن الطبيعة أحياناً تؤثر على الإنسان وهو لا يشعر، وسوف نتحدث عن معنى تغير الأحكام بتغير الزمان كما يقول بعض الناس استدلالاً على تغير الأحكام الشرعية بهذه الحجة أو بهذه القاعدة.أقول: من الأشياء التي تجعل الإنسان متجرداً التذلل والتعبد لله، لا يمكن أن ينفك الفقه عن التعبد لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قالت عائشة للرجل الذي كان كل يوم يسألها قالت: يا هذا أكل ما علمته عملت به؟ لأن العلم يزكو ويثبت بالعمل؛ ولهذا طالب العلم إذا رأى نفسه أنه يعلم ولا يعمل ورأى مدح الناس له فينبغي له أن يعلم أن هذا نذير وليس بشير؛ لأنه ربما يكون نوع استدراج وما عقل، ولا يهلك على الله إلا هالك.
العناية بالتأصيل العلمي
أمراً آخر لمن أراد أن يكون فقيهاً: لابد له من التأصيل، والتأصيل المراد به المنهجية، والمنهجية هي الإجراءات والطرق التي يتعلم بها الطالب المسائل، فيتدرج شيئاً فشيئاً حتى يكون عنده الملكة الفقهية التي يفهم بها مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.إذاً: التأصيل هو المنهجية، والمنهجية هي الإجراءات والوسائل والطرق التي يتدرب عليها طالب العلم شيئاً فشيئاً حتى يتحصل على الملكة الفقهية التي يبين أو يظهر له بها مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.إذاً: فهذه الملكة لا تأتي بجلوس عند شيخ، فبعض الإخوة يرى أنه بمجرد طول بقائه عند شيخ أنه ينبغي أن يكون هو الأولى بالفتوى وهذا لا يلزم، فإن بعض الإخوة يقول: أنا تتلمذت عند الشيخ الفلاني عشر سنوات، هذا لا يلزم؛ لأن طول بقاء الإنسان عند الشيخ من غير فهم لمراد الشيخ ولا طريقة للتتلمذ عليه لا يمكن أن ينتفع كثيراً، وكلما كان الطالب مدركاً للنصوص متصوراً للمسائل والأدلة ملازماً لشيخه كان ذلك أنفع له، والعلم عند الله.ولهذا تجد أن أبا يوسف تلميذ أبي حنيفة جلس عند أبي حنيفة أكثر من عشر سنين، عشر سنين وهو عالم إمام من أقران مالك بن أنس ، واليوم تجد طالب العلم يتتلمذ على شيخه قبل أن تنبت لحيته، فبمجرد أن يتخرج من الجامعة يظن أنه لا يحتاج لدروس المساجد وهذا موجود؛ ولهذا تجد طالب العلم الشاب الصغير إذا تخرج من الجامعة، لو أراد أن يحضر درس شيخه تجده يبتعد في الربعة أو في الزاوية وكأنه أصبح مستغنياً عما عند شيخه من العلم، ولا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يتتلمذ على المشايخ أن ينظر إلى ذاته ونفسه، فمن علم أنه يستفيد من شيخ مسائل وأصول وطريقة استدلال فينبغي أن يجلس عنده ويتتلمذ، ويبالغ في الأسئلة، ويتأمل النصوص، وكلما أشكل عليه شيء بحث، وعرف قواعد الاستدلال، وعرف طرق الاستنباط، بهذا مع قراءة وتأمل وتأنٍ، وقراءة ذاتية يصبح طالب العلم بعد عشر سنوات يشار إليه بالبنان.ولو قيل له: المشكلة اليوم أن الطالب مجرد أن يحضر دروساً معينة اكتفى، وإذا سئل هل أنت تدرس الفقه؟ قال: نعم، أدرس على الشيخ الفلاني، ولو قيل له: أنت تدرس في الحديث؟ قال: نعم، أدرس على الشيخ الفلاني، طيب! وماذا بعد ذلك؟ يقول لك: ولا قبل ولا بعد، وكأنه قد اكتفى. شيخ الإسلام ابن تيمية الذي إذا أراد الواحد أن يرجح قوله، يقول: وهو اختيار ابن تيمية. ذكر البزار في الأعلام الزكية في ترجمته: إن شيوخ ابن تيمية يعدون بالألفين، ولو سألت طلاب العلم اليوم أعطوني عشرين من مشايخكم ما استطاعوا، والسؤال الذي يطرح نفسه: أين شيوخ ابن تيمية ؟ لماذا فاق عليهم؟ لأن ابن تيمية لم يجعل نفسه مثل نسخة شيخه، بل كان مثل شيخه وزاد، إذاً ابن تيمية لم يأخذ علمه من فلان وفلان فقط، إنما مفاتيح العلم من فلان وفلان وفلان، وبدأ هو من عند نفسه يقرأ ويتتلمذ.وعندنا في وقت الطلب ووقت التفقه مشكلتان: إما ملازمة شيخ من غير قراءة وتأن وترو، وإما قراءة كتب من غير ملازمة شيخ، وكلا الأمرين غير محمود لطالب العلم؛ ولهذا أشار الإمام الشاطبي في الموافقات أنه من عادة السلف أنهم يجثون على ركبهم عند العلماء، وكلما زاد ثني الركب عند العلماء الربانيين كلما برز طالب العلم، يقول: ولهذا عيب على أبي محمد بن حزم أنه لم يكن معروفاً في جثي الركب عند العلماء، وإن كان أهل الحديث في زمنه كثر، هذا كلام الشاطبي وإن كان محل نظر، لكن المقصد من ذلك هو الكلام في الجملة، قال: ولهذا حاز قصب السبق مالك بن أنس حينما كان على هذا المنوال، ثم كان مالك بن أنس يقول: ما أفتيت حتى سألت سبعين من أهل العلم، هل يروني أهلاً لذلك؟ سألت يحيى بن سعيد ، وسألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن هل يرياني أهلاً لذلك؟ فكلهم قال لي: أنت أهل لذلك، قال الراوي : يا أبا عبد الله ! أرأيت لو قالوا: لا، قال: لا أفتي؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يفتي حتى يراه أهل العلم أهلاً لذلك، ولو مشينا على هذا المنوال، وقلنا: لا يفتي إلا من تتلمذ على المشايخ وعنده بحث وتنقيب والله لقل الخلاف، وكما قيل: لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف.إذاً: الجد والاجتهاد مع التتلمذ على الشيخ من أعظم الوسائل المعينة على الملكة الفقهية؛ ولهذا ذكر الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه عن أبي حنيفة أنه رأى قوماً يتحلقون في المسجد يتفقهون، فنظر إليهم أبو حنيفة وهو فرحان -يعني: جذلان- من هذا الوضع، ثم نظر إليهم فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقهون أبداً؛ لأن العالم لو لم يعطك إلا أدب العلم لكان مكسباً عظيماً؛ لأن العلم له أدب، ليس العلم طيشاً وعجلة، ويعاب على العالم مهما بلغ من العلم طيشه وعجلته. ومن طريف ما يذكر: أن الإمام الشافعي رحمه الله حينما ذهب من العراق إلى مصر، وبدأ ينظر كلام أهل العلم ويناظرهم كان منهم أشهب من علماء المالكية، يقول الشافعي -وحسبك بـالشافعي فقهاً ودراية-: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه.إذاً: يعاب على العالم أن يكون فيه عجلة، والعجلة ليست العجلة في السلوك يعني: في حركاته؛ لأن هذه أحياناً تكون جبلة وطبيعية، العجلة هي في اتخاذ الأحكام، قد تجد الرجل حسن السمت، حسن الاقتصاد، لكن لسانه عجل في فريه لأهل العلم، وبزه عليهم. إذاً: لابد لطالب العلم أن يكون ملماً بهذه المعاني التي هي عند أهل العلم، ولما كان من ضمن التأصيل أن يكون عندهم شيخ، كان أهل العلم يحرصون على أن يكون الشيخ فاهماً للعلم الذي يدرسه، اليوم بعض طلاب العلم إذا حرص على العلم لا يبحث عن الشيخ الذي يستفيد منه إنما يبحث عن الشيخ الذي يظهر في الإعلام، الشيخ الذي يبرز في أقواله، ثم يذهب ليدرس عنده، وربما جلس عنده سنة أو سنتين أو ثلاثاً؛ لكن ربما تكون استفادته من الشيخ قليلة؛ ولهذا دروس المشايخ الكبار ينبغي أن تكون لطلاب العلم الكبار؛ لأنها دروس تقريرية يقرأ الطالب ويعلق الشيخ، ويكون هذا في حق من كان عنده شيء من العلم وحظوة من القراءة، بحيث يدرك هذا الأمر. أما الطالب الشاب الصغير الذي هو في مقتبل العمر، فلا يصلح له التقريرات؛ لأنه لم ينضج بعد فلا يتزبب قبل أن يتحصرم كما يقولون، يعني: لا يصير زبيباً قبل أن يكون حصرم عنب، هذا لا يمكن، فلابد أن يكون هناك نوع من التدرج والتأني.وينبغي لهذا الشيخ أن يكون متصفاً بصفتين، هذه مهمة جداً جداً، ونفتقدها في واقعنا المعاصر، كثيرون يتحدثون حينما تقوم الدورات العلمية والدورات الشرعية، يقولون: متى ننتهي من الكتاب؟ يقال له: يا شيخ! لك من كتاب النكاح إلى كتاب الجنايات، متى تنتهي؟ هذا الاهتمام وإن كان مفيداً في الجملة، لكن ليس هو الفقه، أنت قادر بإذن الله إذا حصلت على مفاتيح العلم أن تقرأ أفضل من شروح المشايخ، تقرأ المغني، تقرأ المجموع، تقرأ فتح الباري لـابن رجب ، تقرأ فتح الباري لـابن حجر ، لكن إذا لم تكن عندك المفاتيح وفهم كلام الأئمة، وفهم طرق الاستنباط، فإنك لو قرأت يكون وبالاً عليك.إذاً: يجب أن يكون دروس أهل العلم مبنية على أمرين: الأمر الأول: تصوير المسألة، وما معنى تصوير المسألة؟ التكييف الفقهي أو الصورة البدائية للحكم الشرعي، وكثيرة الدورات والدروس التي تبين تصوير المسألة، فإذا قال: ويحرم بيع العينة، يقول لك: العينة صورتها كذا وكذا، هذا يسمى تصوير المسألة، وهذا والحمد لله متوفر كثيراً في دروس أهل العلم. الأمر الثاني: وهو تصور الدليل، ومعنى تصور الدليل: معرفة وجه الدلالة وكيف جاءت؟ أكثر المشايخ يشرح ويقول: والدليل كذا كذا، والدليل الثاني كذا كذا.الطالب يحفظ صورة المسألة ويحفظ الدليل كما هو، لكن كيف جاء الدليل، وكيف استنبط منه، ربما لا يكون فيه من الحظوة في الدروس مثل حظوة تصوير المسألة؛ ولهذا أرى أن الاهتمام بكيفية الاستدلال وطرق الاستنباط أولى بالانتهاء من الكتاب؛ ولهذا بعض الناس يقول: الشيخ الفلاني يفتح الدرس ولا ننتهي إلا بعد عشر سنوات، أهم شيء أنك تجلس عند الشيخ سنة أو سنتين وتعرف أن طرق الاستدلال والاستنباط في العبادات هي هي طرق الاستدلال والاستنباط في المعاملات، أو طرق الاستدلال والاستنباط في المعاملات هي هي طرق الاستدلال والاستنباط في العبادات.إذاً: ليس المقصود الحتمي أننا ننهي الكتاب كيفما اتفق، المقصود الأعظم هو أن ننمي الملكة الفقهية لطالب العلم، وهذه الملكة لا تتأتى إلا بفهم النصوص الشرعية وكيفية الاستدلال، متى يقدم القول على الفعل؟ ومتى يقدم الفعل على القول؟ ومتى نأخذ بالعموم؟ ومتى نقول: هذا من العام المخصوص؟ وهذا من العام الذي أريد به الخصوص؟ متى نحمل المطلق على المقيد، ومتى لا نحمل المطلق على المقيد؟ متى نأخذ بدلالة التضمن ودلالة الالتزام؟ متى لا نأخذ بدلالة المطابقة وننظر بدلالة التضمن؟ فقد يجلس طالب العلم سنين يدرس أو يُدرِّس، وربما لو قلت له: ما معنى فحوى الخطاب لربما عجز عن فهم هذا، مع العلم أن الأحاديث والأدلة التي تهتم بفحوى الخطاب ودليل الخطاب كثيرة، وفحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة، ودليل الخطاب هو مفهوم المخالفة. إذاً: معنى التأصيل هو الإجراءات والطرق التي يتعلمها طالب العلم، ويمضي فيها حتى يحصل على هذه الملكة، وهذا لا يتأتى إلا بأن يكون يدرس عند شيخ.الثاني: أن يكون فاهماً لأدلة هذا الكتاب.الثالث: أن يكون عنده متن يجمع فيه فروع هذه الأبواب.هذا المتن لا يلزم أن يكون الزاد أو أخصر المختصرات أو الدليل، أو المنهاج للنووي أو الاختيار للموصلي ، أو مختصر خليل عند المالكية، المهم هو أنك إذا رأيت هذه المسألة وهذا القول فاعلم أن هذا فيه خلاف في الجملة، فكيف تفهم طرق الأئمة في الاستنباط، فأنت إذا درست كتب الحنابلة لابد أن يعلمك الشيخ، ولابد أن يكون الشيخ يدرك أصول الحنابلة، بحيث يعلم طالب العلم لماذا قلنا بهذا شيء، والأمثلة في هذا كثيرة. سوف أذكر إن شاء الله أمثلة في هذا الباب، فأحياناً تجد أن بعض الذين يفتون في مسألة بدليل، ولا يعتمدون على هذا الدليل في مسألة أخرى يقع تناقض؛ ولهذا لابد لمن أخذ بهذا الدليل أن يكون مبنياً على أصول، مثال ذلك: الأخذ بقول الصحابي، جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة في الجملة يرون أن قول الصحابي حجة أو ظن، أهم شيء أنه يستأنس به في الاستدلال، لكن أحياناً تجد أن بعض الأئمة لا يأخذ بقول الصحابي؛ لأنه لم يبلغ هذا الخبر، وإلا فإن أبا حنيفة رحمه الله كما ذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى المجلد الثامن عشر قال: فإن أبا حنيفة ترك القياس حينما بلغه عن ابن مسعود أنه يرى جواز الوضوء بالنبيذ وهو التمر بالماء، يعني: أن أبا حنيفة ترك القياس لأجل أنه بلغه أثر عن ابن مسعود صح عنه، كما رواه النخعي عن ابن مسعود ، وإن كان في الإسناد مقال.فإذا كان أبو حنيفة ترك القياس لقول صحابي بحيث لو جاءت مسألة وقال أبو حنيفة قولاً خلاف الصحابة، فهذا بسبب أن أبا حنيفة لم يبلغه قول الصحابي، فعنده أصول مبنية، وما من إمام من أئمة الإسلام إلا وقد اضطرب في أصوله، يقول ابن تيمية: وذلك ليكون الدين كله لله، والعتب على الذي يأتي بعد فيقول: أنا أقول بقول الصحابي، ثم إذا جاءت مسألة على أقوال الصحابة ولكن بعض ظواهر النصوص تخالفه يقول: العبرة بالدليل، طيب! الدليل على فهم الصحابة، هل اختلف الصحابة؟ فإن اختلفوا فإن لك الحق أن تأخذ، أما إذا اتفقوا فلا يسوغ. والأمثلة في هذا كثيرة جداً جداً، وسوف أذكر ذلك إن شاء الله في مسألة طرق الاستدلال في هذا الأمر، هذا هو التأصيل، وهو أن يكون الإنسان ملماً بكتاب عالماً أو متعلماً عند شيخ، فاهماً طرق الاستدلال، بحيث يفهم دليل المؤلف في كل ما يقول ويرجح.
الفهم السليم للكتاب والسنة
النقطة الأخرى: هي طرق فهم الكتاب والسنة، وهذا هو الأهم لمن أراد أن يتفقه في الدين، أهل العلم رحمهم الله يعتمدون على أقوالهم، وعلى ترجيحاتهم على الدليل، لكن المقصود بالدليل عند الأئمة ليس هو الدليل عند بعض المتأخرين، فالمتأخرون يرون الدليل هو النص أو الظاهر من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن الدليل عند السلف وعند المتقدمين وعند الأئمة الكبار هو أوسع من هذا، والدليل هو كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، أو مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي عرف باستقراء الشريعة، وعلى هذا فإذا بلغتك مسألة عن أهل العلم، وربما ليس فيها دليل في الظاهر، ولكن تجد الأئمة مجمعين عليها، فاعلم أنهم اعتمدوا على الدليل، لكن الدليل لا يلزم أن يكون نصاً أو ظاهراً، فهذا هو الفرق بين الفقيه وغير الفقيه. ولعلي أذكر أمثلة في هذا: اتفق الأئمة الأربعة وهو قول أكثر السلف ولا يعرف للصحابة مخالف في ذلك، وقد صح ذلك عن ابن عباس كما روى ابن المنذر في كتابه الأوسط أنه لا يشترط الموالاة في غسل الجنابة، يعني: لو أنك غسلت رأسك قبل أن تنام ولم تغسل جسدك، ثم قمت الفجر فغسلت جسدك ولم تغسل رأسك وأنت ناوٍ رفع حدثٍ أكبر ارتفع الحدث، هذا قول الأئمة الأربعة، وهو قول عامة أهل العلم، وهو قول ابن عباس.ولو اغتسلت ونسيت المضمضة والاستنشاق، فتذكرت قبل الظهر فالواجب في حقك أن تتمضمض وتستنشق ولا حرج عليك، كما روى ابن المنذر عن ابن عباس بسند صحيح، ما الدليل على هذا؟ لا يوجد دليل بإسناد صحيح إلا ما رواه الإمام أحمد عن العلاء الحضرمي ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل، ثم خرج إلى المسجد فوجد لمعة في جسده لم يصبها الماء فعصر شعره، ثم مسح به الجسد )، هذا دليل على عدم الموالاة، والحديث يقول فيه ابن رجب : مرسل صحيح، والمرسل من أقسام الضعيف، فيأتي بعض المتأخرين أو بعض طلاب العلم يقول: والصحيح أنه يشترط الموالاة، وأما عدم الموالاة فلا، الموالاة في الغسل مثل الموالاة في الوضوء، ولا دليل على ذلك، تقول له: هل سبقك إلى هذا القول أحد؟ يقول: نعم، ابن رشد في بداية المجتهد أشار إلى أن بعض أهل العلم قال بذلك، تقول له: طيب! والدليل على الموالاة يقول: عدم الدليل، انظر كلمة (عدم الدليل) لا دليل على ذلك، وكأن أهل العلم يأخذون من عند أنفسهم. ولله در إبراهيم النخعي حينما كان يحدث عن ابن مسعود قالوا له: سمعت عمن؟ قال: ويحكم؟ أترون الرجل يجلس ثم يتحدث عن الصحابة أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير علم، ما حدثتكم به فقلت: قال ابن مسعود فقد سمعته عن غير واحد من أصحابه، وما قلت: عن الأسود عن ابن مسعود ، فإنما سمعت عن الأسود خاصة.إذاً: هؤلاء الأئمة ما يأتون بشيء من عندهم، وكونهم يقولون بهذا فإنهم فهموا مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، والأمثلة في هذا كثيرة جداً جداً. أنك تجد بعض الشباب أو بعض طلاب العلم يتسرع في مخالفة الأئمة الكبار، وربما جاء بقول لم يقل به أحد، خذ مثالاً على ذلك: من ترك واجباً في الحج عليه دم، والدليل ما صح عن ابن عباس من طريق عطاء و طاوس أنه قال: من ترك شيئاً من نسك فليهرق دماً، هذا قول ابن عباس، ولا يعرف له مخالف، والغريب أن علماء الأصول يقولون: وقول الصحابي حجة إذا اشتهر ولم يعلم له مخالف، وأنا أقول: لا أكاد أجزم بأن هناك مسألة فيها قول صحابي اشتهر ولا يعرف له مخالف مثل هذا القول؛ لأنك لو تأملت مدارس الأئمة؛ مدرسة الشام الأوزاعي ، مدرسة العراق حماد بن أبي سليمان و النخعي و أبي حنيفة ، مدرسة مصر الليث بن سعد ، مدرسة الحجاز ابن عباس و ابن عمر وأصحابهما كلهم على أن من ترك واجباً فليهرق دماً، فيأتي الأئمة الأربعة الذين بنوا أصولهم على تلك المدارس، يقولون: من ترك واجباً فليهرق دماً، ويأتي من بعدهم يقول: من ترك واجباً فليهرق دماً، ثم جاء ابن حزم وعنده أصول تخالف أصول الأئمة فلا يرى القياس، فيقول: من ترك واجباً فسد حجه؛ فلا يوجد فرق عند ابن حزم بين ركن وواجب في الحج، ثم يأتي الآن بعض طلاب العلم فيقول: من ترك واجباً صح حجه وليس عليه شيء!وهذا يسمى عند العلماء بالتلفيق، فقالوا قولاً لم يقل به أحد من أهل العلم، وربما أتوك بأدلة حينما تقرأها ربما تنبهر يقولون مثلاً: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس)، فكيف نأمر الناس بالدم؟ فنقول: هذا الذي أمر بالدم ليس ابن عباس فقط؛ بل قد صح عن عمر أن من فاته الوقوف بعرفة يتحلل بعمرة وعليه الهدي، فكان عمر يأمر الناس على ملأ، ولم يخالفه أحد من الصحابة، ثم يأتي فلان وفلان من هذا العصر فيقولون للناس: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، هذا نوع من العجلة في هذا الأمر، وربما كان الإنسان يبرز فينظر ظاهر الأدلة فقط، فنقول: عجباً والله! فلو سألت هذا الطالب أو هذا العالم أياً كان: هل تأخذ بقول الصحابي؟ يقول لك: نعم، طيب! لماذا لم تأخذ بهذا القول، هذا اضطراب في الأصول أنك تلتزم بقول الصحابة في قول وتتركها في قول آخر، هذه من الإشكالات في هذا الأمر وهو ما يسمى بمسألة التلفيق. فطرق الاستدلال لابد لطالب العلم أن يتوقى التلفيق بالأقوال دون نظر في الأصول والقواعد، فأنا حينما أقول: هذا قول أبي حنيفة ، فإنني أعلم أن أبا حنيفة بنى هذا القول على أصول عنده، وحينما أقول: هذا هو قول مالك أعلم أن مالكاً له أصول في أقواله حينما أخذها، أما أن آخذ قول مالك بأن هذا محرم أو غير مشروع دون نظر إلى استدلال مالك ثم لا ألتزم بهذا الأصل في أدلة أخرى فهذا يعد تلفيقاً في الأقوال، دون نظر في الأصول والاستدلال، وأذكر على هذا مثالاً:حينما اشتهر عندنا في المملكة العربية السعودية وحث أهل العلم والمشايخ والعامة على الحرص على صيام ست من شوال؛ لحديث جابر ولحديث ثوبان ، ولحديث أبي أيوب الأنصاري : ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال؛ فكأنما صام الدهر كله )، جاء بعض الباحثين فكتب مخالفات شوال، وقال: ليس من المشروع صيام ست من شوال، وهذا هو قول مالك وأكثر الحنفية، وأنا لم أقل قولاً شاذاً إنما قلت بقول الأئمة. نعم إذا كنت أخذت بقول مالك في هذا فاعلم أن مالكاً بنى قوله على أصل، فيجب أن تلتزم بأصله، أما ألا تأخذ بأصله فإن هذا يكون نوعاً من التلفيق أو من اتباع الأقوال من غير دليل، و مالك بنى قوله هذا على مذهب أهل المدينة، فـمالك رحمه الله يرى أن كل حديث آحاد خالف عمل أهل المدينة أياً كان فإنه يرد، و أبو حنيفة رحمه الله لم يبلغه هذا الحديث، فنقول لهذا الطالب أو لهذا العالم أو لهذا المجتهد أو لهذا المفتي: أنت حينما تقول: لا يستحب صيام ست من شوال وهو قول المالكية، إذاً: يلزمك أن تأخذ بأصل مالك ، وهو أن عمل أهل المدينة حجة، فكل مسألة خالفت عمل أهل المدينة فيجب أن تلتزم به بأنه لا يعمل به، أما أن تأخذ بهذا الأصل مرة، وتخالف هذا الأصل مرة أخرى فإن هذا اضطراب. إذاً: حين النظر إلى أقوال الأئمة لابد من معرفة أدلتهم، حتى لا يقع طالب العلم في تناقض الأصول. أذكر لكم قصة وهي من باب الطرفة: كنت عند مهندس بناء، فقال لي: أنا أرى يا شيخ عبد الله! أن للمرأة أن تزوج نفسها، أنا على مذهب أبي حنيفة ، لكن لا يكون ذلك إلا في المرأة المتزوجة التي طلقت، قلت له: ما الدليل على هذا؟ قال: الدليل هو قول الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، إذاً: قال: (حتى تنكح زوجاً غيره) فأضاف النكاح إليها، وهذا لا يتأتى إلا على المطلقة التي هي الثيب، فقلت له: هذا هو مذهب أبي حنيفة ؟ قال: نعم، قلت: ويلزمك على هذا أن تلتزم بأصل أبي حنيفة ؛ لأن أبا حنيفة حينما بلغه حديث سليمان بن موسى عن الزهري أنه حدث الحديث المعروف عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما امرأة نكحت نفسها من غير ولي، فنكاحها باطل باطل باطل، ولها المهر بما استحل من فرجها )، هذا حديث صحيح حديث آحاد و أبو حنيفة يرى أن كل حديث آحاد خالف ظاهر القرآن فلا يحتج به؛ لأنه يرى أن الزيادة على النص نسخ، والقرآن لا ينسخه إلا متواتر مثله وليس حديث الآحاد، قال: والله ما أدري، أعد ما أدري ما الذي تقول، قلت أنا: أعرف أنك ما تدري ما أقول، والذي أعرف أيضاً أنك يجب ألا تفتي ولا تقول؛ لأن هذه المسائل مبنية على أصول، فكيف تقول: أنا أنظر إلى مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم؟ بل يجب عليك في كل مسألة خالفت ظاهر القرآن وفيها حديث يجب أن تعتمد فيها على أصول أبي حنيفة ، أما أنك جوزت هذه المسألة لأجل هوى في نفسك، وتقول: أنا على مذهب أبي حنيفة دون أن تمشي على أصوله، فهذا نوع من التناقض، وهذه مشكلة كبيرة عندنا في هذا العصر؛ ولهذا تجد بعض الناس يقول: هذا حلال، طيب ما الدليل؟ قال: هذا مذهب جمهور أهل العلم، وإذا جاءت مسألة مخالفة لقناعته وفيها جمهور أهل العلم، قال لك: العبرة بالدليل.
معرفة المقصود بالدليل
والنقطة الأخرى، ما هو الدليل؟ الدليل عند السلف لا يلزم أن يكون هو ظاهر النص أو النص نفسه، فإن الدليل عند السلف أو عند أهل العلم من الفقهاء المتقدمين هو استقراء الشريعة بما فيها دليل النص والظاهر، وبالتالي فلربما رجحوا مسألة لأنهم نظروا إلى ظاهر النصوص، فقالوا: إنها تدل على الاستحباب أو تدل على الوجوب، مع تقريرهم أن ظاهر الأمر على الوجوب؛ لأن الصارف لا يلزم أن يكون دليلاً نصياً.مثال: ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء أجمعوا على أن قول: (آمين) للمأمومين مستحب، مع أنه مأمور به كما جاء في الصحيحين: ( وإذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين ).إذاً: ظاهر الأمر المجرد يدل على الوجوب، فتجد بعض المتأخرين يقول: لم أجد ما يصرف عن الوجوب، إذاً هو واجب -فيشق على المسلمين- ويقول: أبو عمر بن عبد البر رحمه الله ينقل في مسائل كثيرة إجماعات، ومن ادعى الإجماع فقد كذب، كما قال الإمام أحمد، وتنتهي المسألة بهذه الطريقة؟ لا، حتى ولو لم يكن إجماعاً، مجرد أن عامة أهل العلم على هذا القول لا ينبغي التسرع فيه، فإنهم لم يقولوا بالوجوب؛ لأن حال القيام الذكر هو القرآن، والقرآن الواجب فيه الفاتحة، وغير الفاتحة يقول الله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20]، ومن المعلوم أنهم أجمعوا على أن ما زاد عن الفاتحة فهو مستحب، وهذا مما زاد عن الفاتحة فليس بواجب، إذاً: هذا نوع من الصارف. الأئمة الأربعة قالوا: إن الأكل من الأضحية سنة، مع أن الله قال: فَكُلُوا مِنْهَا [الحج:28] وحكي إجماع في هذا. إذاً: لا يلزم أن يكون الصارف نصاً ظاهراً، بل من الصوارف كما روى غير واحد من أهل التفسير أن الأضاحي والهدايا كانت محرمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأباحها الله لنا، فكان ذلك من باب الأمر بعد الحظر، والأمر بعد الحظر يدل على الإباحة أو على عود الأمر بعد حظره إلى ما كان عليه قبل الحظر.إذاً: هذا من الأشياء التي ينبغي لطالب العلم أن يتأنى فيها. ومن الطريف أن أحد طلاب العلم كان يحفظ مختصر مسلم ، فلما بلغ حديث أبي هريرة في قصة الذين يخرجون من النار، قال: ( يخرج من النار أقوام لم يعملوا خيراً قط )، قال: يا شيخ! هذا نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي عند الأصوليين تعم كل خير، إذاً هذا دليل كيف نجمع بين هذا الحديث وقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] ومعنى ( لم يعملوا خيراً قط )، يعني: خيراً ظاهراً للناس، عرفنا هذا بمجموع طرق الأحاديث، قال: ( فيخرج من النار أقواماً يقال لهم: الجهنميون، فيقولون: هؤلاء الذي لم يعملوا خيراً قدموه )، فإذاً هذا دليل على أنهم رأوهم.الثاني: أنه ربما يكون خيراً بالجوارح، لكن هناك خير بالقلوب، كما قال الله تعالى: ( شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، ولم يبق إلا شفاعة أرحم الراحمين، فيخرج من النار أقواماً في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان )، إذاً: الأعمال: عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل الجوارح إذا ضاق الوقت ولم يعمل، مثل أن يكون في جاهلية، أو أسلم ثم مات، فإنه مع ضيق الوقت أو الجهل يعفى عنه بسبب وجود الانقياد وهو عمل القلب، إذاً: هذه من المسائل التي تحتاج إلى تأن، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعلي أذكر كلام الإمام الذهبي حينما قال: لا يكاد يوجد الحق في خلاف إجماع الأئمة، وإن كنا لا نرى أن إجماعهم واجب -يعني: اتباعه- إلا أنه لا يكاد يخالف.فإذا تتلمذ طالب العلم على كتاب أو على مذهب شيئاً فشيئاً، ثم بعد ذلك تتلمذ على أقوال جمهور أهل العلم وعرف ذلك فإن هذا سينفعه حينما يدرك هذا الأمر.
معرفة التكييف الفقهي للمسألة
من النقاط المهمة أيضاً: التكييف الفقهي للمسألة، والتكييف الفقهي معناه: تصور المسألة النازلة وبيان أقربها إلى المسائل والعقود المسماة في الكتب الفقهية، يعني: حينما تأتي مسألة مثل الإجارة المنتهية بالتمليك، فنتأملها كيف عملها، ثم نقول: هذه أقرب إلى الإجارة مع الوعد بالتمليك، أو نقول: هي أقرب إلى البيع بالتقسيط، على حسب الشروط، فنعرف ذلك بالتكييف الفقهي الذي ينبغي لطالب العلم أن يتئد فيه خاصة الباحثين من الأكاديميين من أصحاب شهادات الماجستير والدكتوراه.
معرفة طالب العلم بالأمر الذي يسوغ فيه الخلاف ومتى لا يسوغ
الأمر ما قبل الأخير: هو معرفة الخلاف، وهذا ليس بيوم ولا يومين، لكن يجب أن يعرف طالب العلم الخلاف، متى يسوغ الخلاف، ومتى لا يسوغ الخلاف؟ ومتى يتجرأ على بيان أن في المسألة قولاً هو يخالفه أو لا؟ فالمسائل الكبيرة التي ظهر فيها أقوال عامة أهل العلم لا ينبغي لطالب علم أن يتسرع فيها، حتى ولو كان يشار إليه بالبنان، إذا كان الناس على قول جمهور أهل العلم؛ لأن القضايا الكبيرة لا ينبغي أن يتبناها واحد من الناس كائناً من كان، وكم تجرعت الأمة من ويلات بسبب الأقوال الفردية، فإذا كان هناك مسائل كبيرة ينبغي أن يفتي بها الإنسان بناءً على أقوال عامة أهل العلم، ما في خاصة نفسه أو مع الأفراد فهذا شأن آخر يقوله، ولا يعد ذلك محرماً إذا قال: جمهور أهل العلم على كذا، وإن كان هو يخالفه، فهو إنما أفتى بهذا بناءً على قول جمهور أهل العلم، أما أن يقال: ما هو قولك؟ فهذا شيء آخر لا يسوغ لمن عرف مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكتم ذلك إلا إذا كان متوقفاً في هذا الأمر. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وأن يمنحنا وإياكم رضاه، والعمل بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، والتقوى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

كيفية متابعة دروس العلم عبر القنوات الفضائية والإنترنت
السؤال: لدي شغف كبير بالعلم الشرعي وخصوصاً الفقه؛ ولكني مشغول ولا أستطيع التفرغ لطلب العلم على الشيوخ بحكم الوظيفة والزوجة والأبناء، وكثرة ملهيات الحياة، والوسيلة الوحيدة المتاحة لي هي الكتب والأشرطة والفيديو وما إلى ذلك، فما هي الطريقة المناسبة لتلقي العلم عن طريق الكتب والأشرطة وما إلى ذلك؟الجواب: أقول: الحمد لله بالأمس كان يصعب على طالب العلم أن يعرف أقوال المشايخ، أما اليوم مع وجود الإنترنت ومحاضرات المشايخ يستطيع طالب العلم أن يفتح البث الإسلامي، ويتتلمذ على الشيوخ الذين يرى أنه يستفيد منهم بأصواتهم وشروح كتبهم، فيجلس في وقت معين بين مغرب وعشاء ويمسك الكتاب الذي يشرحه الشيخ ويتأمل، وإذا حصل له إشكال يكون عنده دفتر صغير يوضع في الجيب، هذا الدفتر يجعله الطالب خاصاً بالتوحيد أو بالفقه أو بالحديث فإذا أشكل عليه شيء يكتبه ويبحث عنه، انتبه! يبحث يقرأ كتاباً، كتابين قبل أن يقرأ الشيخ، وهذا أمر مجرب واستفدت منه كثيراً، ما أكاد أسأل شيخاً حتى أقرأ في كتاب أو كتابين، بحيث إذا سألت شيخاً أكون فاهماً للمسألة قبل أن أعرضها على الشيخ، فهذا فيه فائدة كبيرة.أولاً: لو تأخر ولم يجد عالماً وهو يقرأ لابد أن يكون متأملاً لهذه المسألة، فالتفكير هو نوع من الفقه، وكثير من الناس أحياناً لا يتأمل، بل يبحث المسائل كيفما جاءت؛ والتأمل مفيد لطالب العلم، وبعد ذلك إذا شرح الشيخ يقرأ بعده والحمد لله هذا أمر ميسور، لكن لا ينبغي أن يكون الاهتمام بالعلم حينما يجلس الإنسان أمام طالب علم؛ لأن هذه همة ضعيفة، يعني: بعض الإخوة حينما يسمع الشيخ يفتي أو يحضر محاضرة أو درساً، ويرى الشيخ يفتي ويستدل يأتي إلى الشيخ ويقول: والله يا شيخ إني أحب الفقه وأحب الحديث، كيف أطلب العلم؟ لا ينبغي أن يكون أسلوب دغدغة مشاعر؛ بل الكيف له طريقة، فإذا لم تجرب فإنك لا تكاد تستفيد، والغريب أن هذا أحياناً يكون عنده اهتمام بالعلم، لكن عنده كسل، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الكسل إذا أصبح وإذا أمسى: ( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل )، وكان تعوذه هذا في أكثر من حديث، كحديث أبي أيوب وحديث أبي أمامة ، وحديث ابن مسعود، وكان يتعوذ من الكسل إذا صلى كما في حديث سعد بن أبي وقاص وكلها تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من الكسل، ولو سألت طالب العلم: هل كنت تستحضر التعوذ بالله من الكسل؟ ربما لا يكون هذا ظاهراً؛ ولهذا التأمل في أذكار الصباح والمساء تعطي طالب العلم فهماً لعدم التواني والتخاذل. ‏
كلمة توجيهية لطالب العلم في احترام آراء العلماء
السؤال: هل من كلمة توجيهية لطلبة العلم للالتفاف حول العلماء في ظل إعلام شرس في هجمته على العلماء، وثورات أسقطت كل شيء إلا من رحم ربي؟الجواب: الله المستعان ابن تيمية رحمه الله عندما سئل عن مسألة القيام للقادم، ثم ذكر حديث أنس : ( ما كان أحد أحب إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يكونوا يقومون )، ثم قال: وعلى كل فإذا اعتاد الناس أن يقوم بعضهم على بعض، فينبغي أن يقام لحافظ القرآن، فما بالك إذا كان حافظاً للقرآن فقيهاً فيه، فإن أهل العلم أولى بأن يقدروا ويحترموا، واليوم أصبح الرويبضة يتحدث عن العالم، وما قدر جثيه على الركب، وما قدر تأمله في الكتاب والسنة؛ ولهذا من أشرف النسب نسب العلم، ولهذا يقول جعفر بن محمد : الكمال كل الكمال التفقه في الدين، وما أحد أشد على إبليس وأفرح له من موت فقيه، فلا بد أن يعرف لأهل العلم قدرهم، وأن يعرف للعالم قدره.نعم! العالم مطالب أن يكون ربانياً يعلم صغار العلم قبل كباره، وأن يقول كلمة الحق حتى يقتنع الناس في ربانيته، وألا يكون همه الدنيا، وأن يكون منعزلاً عن تجارة الآخرين، بمعنى: ألا يكون عالة على فلان أو علان؛ لأنه كلما كان عالة على فلان أو علان كلما نظر إلى حظوظ نفسه؛ ولهذا حينما نقول: التجارة لطالب العلم أو للعالم لا تنبغي، أنا أقول: هذا خطأ؛ بل ينبغي أن يكون هذا موزوناً، فكلما كان العالم مستقلاً بنفسه كلما كانت أقواله بعيدة عن حظوظ الآخرين.والعاقبة للمتقين، فالأفق يظهر فيه رؤية طيبة بإذن الله على أن العاقبة للمتقين، ولكن هذا يتطلب منا شيئاً من الصبر والتأني، وعدم الانزلاق على ضغوط الواقع، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يولي على المسلمين خيارهم، وأن يكفي المسلمين هذه الهجمة الشرسة على كل ما كان إسلامياً، والعاقبة للمتقين، والله أعلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حسن الجن
عضو فعال
عضو  فعال


عدد المساهمات : 408
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: كيف تكون فقيها ومحدثا للشيخ : ( عبد الله بن ناصر السلمي )    الأحد 4 أكتوبر - 1:01

كيف تكون فقيهاً ومحدثاً -2 - للشيخ : ( عبد الله بن ناصر السلمي )
من أجل النعم وأعظم المنن التي من الله بها على من شاء من عباده تعلم العلم وتعليمه، ومن ذلك أن يصبح المسلم فقيهاً محدثاً، فينبغي لمن أراد أن يصل إلى هذه المكانة أن يعرف طريقة العلماء في استخراج الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، وأن يقوم بحفظ المتون الصغيرة في علم الحديث، ثم يقوم بدراسة علم مصطلح الحديث، ويفهم طريقة السلف في دراسة الأسانيد عند تخريج الأحاديث، وأن يحفظ رجال الإسناد الذين عليهم مدار الأحاديث، وعند تحقيقه لذلك كله يستطيع الحكم على الحديث.
الطريقة العملية ليصبح الإنسان فقيهاً
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها الإخوة! نستكمل الموضوع السابق: كيف تكون فقيهاً.نحن ذكرنا القواعد المنهجية للتفقه في الدين، وتبقى الممارسة العملية بحيث يختار طالب العلم متناً من متون الفقه على حسب كل مذهب، ولعل من أفضل كتب المختصرات للحنفية مختصر القدوري، أو الدر المختار، وفي المذهب المالكي مختصر خليل، أو مختصر المنهاج، أو المنهاج للنووي عند الشافعية، أو زاد المستقنع عند الحنابلة. أما طريقة التتلمذ فيها فإننا سنوضح ذلك بذكر مثال، كتاب الزاد مثلاً أول باب منه باب المياه، يقرأ هذا الفصل الأول مرة، مرتين، ثلاثاً، أربعاً، خمساً، بحيث يسقط كل جملة، وإذا كان هناك شروط يحفظها، فإن استطاع أن يحفظ سريعاً فالحمد لله، وإلا فإن أهم شيء هو الفهم، بحيث لو أراد أن يعبر فإنما يعبر من كلام الفقهاء وليس من كلامه هو، فإن من الأخطاء أيها الإخوة أن شروح المشايخ تعبر لطالب العلم للفهم ثم يأتي الطلاب فتخرج على سبيل المذكرات، ثم على سبيل الكتاب، ثم يطبع الكتاب، وليس فيه الصيغة الفقهية التي تداولها الأئمة، وينبغي أن يكون الشرح شيئاً، والكتاب الذي يطبع شيء آخر، بحيث لا تذهب السليقة الفقهية لدى طلاب العلم جيلاً بعد جيل؛ ولهذا تجدون أن مشايخنا الكبار حينما كانوا يتعلمون ويقرءون على الشيخ، يشرح الشيخ شرحاً بسيطاً، وكان الطالب يمسك الكتاب الأصل ويذهب إلى الشيخ، أما الآن فأكثر اهتمام الطلاب بشروح المشايخ في الجامعات وغيرها، فتقل السليقة الفقهية، والعبارة الفقهية التي هي أمتن.فإذا قرأ الطالب هذا المتن ينتقل بعد ذلك فيقرأ شرحاً لشيخ من المشايخ، وينبغي أن يكون هذا الشيخ ملماً بالدليل؛ لأن العبرة ليست أن نعرف مذهب فلان أو علان فقط، العبرة بأن نتربى على الدليل، ولعل من أفضل شروح الزاد الشرح الممتع لشيخنا محمد بن عثيمين ؛ لأنه يبين مراد المؤلف ودليل المؤلف، ثم بعد ذلك يبني في الطالب الملكة الفقهية في طريقة الاستنباط، فالشرح الممتع يعتبر أصلاً، فإذا قرأ كتاب الشرح الممتع حفظ دليل المؤلف، وحفظ دليل الشيخ إذا كان القول الراجح، ثم يمشي على هذه الطريقة، فإذا انتهى من كتاب الطهارة مثلاً يرجع مرة ثانية يتأمل فيه ويقرأ. ثم يأتي للمرحلة الثانية وهي إذا بلغه عن ابن تيمية قولاً في هذه المسألة يذهب ويعلق على المسألة التي في باب المياه، ويقول: واختار ابن تيمية القول كذا، ويرجع إلى الأصل، أين اختاره ابن تيمية ؟ يقول: راجع الاختيارات راجع مجموع الفتاوى صفحة كذا، وإذا بلغه أن أبا عمر بن عبد البر يقول في المسألة كذا يذهب ويقول: وقال أبو عمر بن عبد البر ويضع قوساً وينقل الكلام، تجده بعد خمس سنوات يكون كتاب الطهارة عنده أغلى من كل شيء، ولو طلب أن يباع له بأعلى الأثمان لما باعه؛ لأنه صار عنده ثروة من أقوال الأئمة المحققين ممن يهتم بهم، إذا بلغه أن شيخنا ابن باز اختار كذا أو اللجنة الدائمة اختارت كذا ودليلهم كذا، فيكون قد عرف الدليل.المرحلة الثالثة: وهذه تتأتى بعد سبع أو ثمان سنوات من هذه الممارسة، يبحث كل مسألة وينظر هذه المسألة من قال بها؟ ثم يذهب للمغني أو المجموع، أو البيان للعمراني، أو غير ذلك من كتب الخلاف، أو لأصحاب المذاهب، بحيث يعرف دليل مالك ودليل الشافعي ودليل أحمد فيتربى على أدلة الأئمة، فإذا انتهى من هذا الباب عرف ما أصل مالك في هذا القول، فيكون عنده دربة عشر سنوات فيعلم أن مالكاً يبني أصله في المياه على كذا؛ ولهذا تجدون النووي رحمه الله يختصر لك فيقول: هذا الباب مبني على خمسة أحاديث، مثل: باب سجود السهو مبني على خمسة أحاديث، باب الحيض مبني على كذا حديث، فيريد أن يؤصل لك هذه المسائل.إذاً التربي على أدلة الأئمة وأقوالهم تعطي طالب العلم ملكة فقهية كبيرة جداً؛ ولهذا الذي يتربى على مذهب واحد خاصة من غير دليل ليس بفقيه، وقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع أهل العلم على أن الذي لا يعرف أقوال الأئمة بدليله ليس بفقيه، فإذا تربى على هذا يكون كأنه تتلمذ على مشايخ كثر؛ ولهذا يقول إبراهيم الحربي وهو من أصحاب أحمد ومن تلاميذه: سمعت من أحمد مسائل دقاق، يعني: مسائل غريبة ما يعرفها أهل الحديث في وقتهم، فقلت: يا أبا عبد الله ! مم ذاك؟ يعني: من أين لك هذه المسائل؟ قال: قرأت كتب محمد بن الحسن، إذاً: الحنفية عرفوا بتفريعات المسائل، فإذا تربى طالب العلم على الدليل وعلى القياس وكيف يفرع المسائل شيئاً فشيئاً فإنه سيكون إماماً؛ ولهذا حينما درس الإمام الشافعي مع ذكاء حاد وفطنة وحفظ على مدارس الأئمة: مدرسة الرأي ومدرسة الحديث ألف كتاب الرسالة، فليست المسألة مسألة حضور دروس فقط، لا؛ بل لابد من جلد في المكتبة، وأنا إذا دخلت مكتبة طالب العلم ووجدتها مرتبة ومنمقة عرفت أنه لا يقرأ، وإذا وجدت مكتبة طالب العلم مرتبة وفتحت كتاباً منها فوجدته واضعاً ورقة وكتاباً آخر معلقاً عليه، عرفت أنه طالب علم متمكن، وإذا دخلت مكتبة طالب علم وجدت الكتب متناثرة فعرفت هذا كتاب جديد وهذا كتاب جديد، عرفت أن الطالب لا يحسن أن يجمع الكتب ولا يحسن أن يقرأ هذه الكتب، فالمسألة بحاجة إلى تروٍ وتأنٍ.يقول الشافعي رحمه الله: كتبت بيدي من مسائل محمد بن الحسن حملي بعير، تعرفون البعير إذا صار فيه هذا المزود؟ هذا الذي هو حمل، فالذي كتبه الشافعي حمل من هنا ومن هنا حملي بعير أين هذه الكتب؟ هذه الكتب هي التي قرأها وأخرج لنا كتابه الأم.يقول: كنت أكتب مسألة محمد بن الحسن وأجمع فيها ما جاء فيها من الآثار، وهذه نسميها نحن مسودات لطالب العلم، هذه تنمي طالب العلم بالكتابة؛ ولهذا شيخنا محمد بن عثيمين أخرج كتباً كثيرة، من كتبه مختصر زاد المعاد، مختارات مغني اللبيب، مختارات إعلام الموقعين، فيقرأ الكتاب ويعلق عليه ثم يتحفظ أقوال الأئمة، وشيئاً فشيئاً سيكون بإذن الله إماماً بعد فترة يشار إليه بالبنان، نسأل الله التوفيق والتسديد.وبهذا يكون قد جمع مادة علمية، وعرف أقوال الأئمة. وينبغي لمن أراد أن يبحث في الفقه ألا يفته كتاب المغني وكتاب المجموع، وكتاب المنتقى للباجي ، وكتاب الحاوي الكبير للماوردي ، وكتاب فتح الباري لـابن رجب و ابن حجر، ومجموع الفتاوى لـأبي العباس بن تيمية ، والاستذكار والتمهيد لـأبي عمر بن عبد البر ، وتحقيقات ابن القيم رحمه الله، والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، وبدائع الصنائع للكاساني ، أو المبسوط للسرخسي، ولو لم يكن عندك إلا هذه المكتبة لكفتك بإذن الله؛ ولهذا يقول الإمام ابن عبد السلام: ما تجرأت للفتيا حتى كان عندي كتاب أبي محمد بن قدامة يعني المغني، فإذا كان عندك المغني، والتمهيد والاستذكار، والسنن الكبرى للبيهقي مع تنقيحات واختيارات وفقه ابن تيمية مجموع الفتاوى، و ابن حجر أو ابن رجب في فتح الباري لهما، والمجموع للنووي، والبيان للعمراني ، والحاوي للماوردي ، والمنتقى للباجي ، وبداية المجتهد لـابن رشد بحيث يعلمك طريقة معرفة سبب الخلاف وثمرة الخلاف، إذا اشتريت هذه الكتب وراجعتها شيئاً فشيئاً بإذن الله سوف تجد فائدة كبيرة جداً جداً أكثر من أن تجمع الكتب وربما لا تراجعها سنين عديدة.هذا استكمال لموضوع كيف تكون فقيهاً، وهناك نقاط كثيرة، لكني قلت بدلاً من أن نذكر المنهجية يكفينا أن نذكر هذه المنهجية، ثم نبدأ بالطريقة العملية فيها.
مكانة علم الحديث بين سائر علوم الشريعة
أما الآن فإننا نتحدث عن كيف تكون محدثاً؟ التحديث لا يقوى عليه إلا فحول الرجال، كما قال الإمام الزهري : علم الحديث فحل لا يقوى عليه إلا فحول الرجال؛ ولهذا ليس المحدث الذي يحفظ مختصر البخاري و مسلم ، أو بلوغ المرام، أو المنتقى، ويستدل بذلك أو يجيد علم الرجال، ثم يقال عنه: أنه محدث، لا، فقد ذكر الإمام السبكي المحدث الشافعي المعروف في كتابه الماتع معيد النعم ومبيد النقم معاتباً بعض طلاب أهل زمانه حينما يقرأ الواحد منهم البخاري و مسلم ، والسنن لـأبي داود و الترمذي ، و النسائي و ابن ماجه ، ثم يقال عنه أنه محدث، يقول: ليس هذا بمحدث، فلابد أن يقرأ كتب المعاجم، وكتب المسانيد، وكتب المصنفات، ثم عد أكثر من ثلاثين مجلداً، ثم قال: ثم هذا يصلح أن يكون من أهل الحديث!فهذا يدل على أن هذا العلم ليس بالسهل أن يتمكن منه الإنسان، وأنا أقول: ليس هذا الكلام نوعاً من التعجيز، ولكن أيضاً ليس قطف الثمرة بالأمر السهل، ففرق بين طالب العلم الذي يقول الناس عنه أنه طالب العلم وأنه يجيد الحديث، وبين أن يكون أهل الحديث يقولون عنه أنه محدث، هناك فرق كبير. أنت لو ذهبت إلى رجل يلبس لباس الطب وعنده عيادة تقول: هذا طبيب، لكن الأطباء يعلمون حقيقته هل هو طبيب أم ليس بطبيب؟
الطرق العملية التي يصبح بها طالب العلم محدثاً
نبدأ الآن بالطريقة العملية لأن يكون طالب العلم محدثاً. ‏
حفظ المتون الصغيرة في علم الحديث
الطريقة العملية: أن يأخذ متناً بسيطاً من متون المصطلح، وعلم الحديث نوعان: علم متون، وعلم دراية ورواية، علم المتون وهو القسم الأول: أن يحفظ متناً من متون الحديث، فإن كان قبل أن يتخرج من الجامعة، يعني: صغيراً، قبل أن ينتهي من واحد وعشرين، أو يكون بعد ذلك وهو قوي الحافظة، فيقول: عليك بمختصر البخاري و مسلم وليس هذا صعباً، واليوم يحفظ مختصر البخاري و مسلم عندنا في الرياض والقصيم ومكة والدمام وجدة أكثر من سبعة آلاف حافظ، وإن كانوا يتفاوتون في الاستحضار والاستذكار والمراجعة، كان بالأمس يقال: إن فلاناً قرأ صحيح البخاري وصحيح مسلم، والحمد لله اليوم صار الأمر ميسوراً، فالدورات التي يقيمها شيخنا يحيى بن عبد العزيز اليحيى في مكة والمدينة والرياض وغيرها من المدن منتشرة ولله الحمد، ولا تستشر من لم يحفظ صحيحي البخاري و مسلم ؛ لأن بعض طلاب العلم من أهل الحديث لم يحفظ، فإذا سألته عن علم الرجال قال: عليك بطريقة المتقدمين، وإذا قلت له: أريد أن أحفظ، قال: عليك بطريقة مشايخنا. سبحان الله العظيم! ولماذا لا يكون أيضاً على طريقة المتقدمين في الحفظ -يعني: غريب- ألأجل إظهار العجز لا ينبغي أن يحفظ صحيحي البخاري و مسلم يعني: متوناً يستفيد منها، ثم إذا أنهى صحيحي البخاري و مسلم وعنده همة بدأ يحفظ من بلوغ المرام ما زاد على البخاري و مسلم أو مختصر سنن أبي داود ينظر الزائد عليها، والحمد لله هي ميسورة، والدورات التي يقيمها المشايخ موجود فيها مختصرات الكتب الستة والحمد لله؛ أنا عندما أطالب طالب العلم أن يحفظ أعلم أنه سوف ينسى، لكن يعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة، حينما اهتم الفقهاء بحفظ البلوغ فقط، ربما إذا طلب منهم دليل وهدي نبوي، يضعف استدلالهم، لكن المحدث الفقيه يستطيع أن يستنتج الفقه من بيته صلى الله عليه وسلم، من تعامله مع أهله، من تعامله مع الطفل، من تعامله مع المرأة، ويستطيع أن يعرف كيف يكون هذا التعامل؟ بحيث يكون عنده إلمام كبير في السير والمغازي، وباب الإمامة والإمارة، وفضائل الصحابة، فيكون عنده إلمام كبير جداً جداً وهكذا كان الفقهاء المحدثون.هذه المتون: مختصر الصحيحين، بلوغ المرام، زوائد المنتقى على هذه الكتب، وكلما حفظ يراجع، وطريقة الحفظ أيها الإخوة ليست حفظاً فقط -وهذه مهمة جداً لمن أراد أن يعود نفسه الاستحضار- فإذا حفظ حديثاً يقطعه على حسب المسائل، فإذا قرأ حديثاً يقول: أستخرج من هذا الحديث المسألة الفلانية، والمسألة الفلانية، هو يحفظ هذا الحديث ثم يستدل به في كذا، ويستدل به في كذا، ويستدل به في كذا، هو الذي يقول عن نفسه ثم يقرأ الحديث الآخر، وهذا الحديث يستخرج منه كذا وكذا وكذا، ثم يكون له وقت معين مع الشروح، هل وافق قوله الشروح أم لا، فإن لم يوافق يقول: لماذا؟ بحيث يعرف كيف فهم الأئمة مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه طريقة الحفظ الناجحة، وهذه الدربة على الحفظ وعلى الاستحضار، تجد أنه بعد زمن إذا سئل يقول: ودليل هذه المسألة هو حديث فلان، وحديث فلان، وحديث فلان، فهذا الاستحضار لم يأت عبثاً، إنما جاء من الدربة التي سار عليها؛ ولهذا الدارقطني الإمام الكبير يقول: ما رأينا أحفظ للمتون والاستشهاد بها من أبي بكر الإسماعيلي .يقول: كنا في مجلس فقيل لنا: هل يتيمم بالغبار؟ أو ما ليس له غبار؟ قال: فلم نحر جواباً، فخرج الإسماعيلي وهو يتوضأ ويمسح الماء، فسئل فقال: نعم، أوما حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن حذيفة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وجعلت تربتها لنا طهوراً )، والتربة لا بد أن يكون فيها غبار، قال: فعجبنا، من الذي عوده؟ هي الدربة والاستمرار. هذا هو القسم الأول قسم الحفظ، أن يحفظ ويقطع الحديث من حفظه بناءً على المسائل، فإذا كان بينه وبين زميله لا يقول: سمع لي فقط؛ بل يقول: تعال نتذاكر العلم مثلما كان الأئمة يتذاكرون في الأبواب، يقول: هل تحفظ حديثاً في وجوب السواك؟ يقول: نعم، ( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس من الطيب )، يقول: لا، لكن هذا الاستدلال ما استدل به أهل العلم، فيستفيد فقهاً وحفظاً، ثم يقول: هل تحفظ حديثاً في أن المرأة إذا اغتسلت تنقض شعرها؟ قال: نعم ( أفأنقضه من غسل الجنابة؟ قال: نعم )، وفي رواية عند مسلم : ( والحيضة ).إذاً: هو الآن يعود نفسه الحفظ والاستحضار؛ لأن الاستحضار فن وعلم يحتاج إلى دربة، كثيرون الذين يحفظون متوناً كثيرة لكنهم لا يستفيدون منها، فإذا قيل: من حدثك بهذا؟ قال: أنت؛ ولهذا ذكر الخطيب البغدادي قصة أبي حنيفة رحمه الله حينما كان الأعمش عند أبي حنيفة قال: فسأل رجل الأعمش ، فقال: ما عندك فيها يا نعمان ! قال أبو حنيفة النعمان : الحكم فيها كذا وكذا، قال: من أين لك هذا؟ قال أبو حنيفة : أو ما حدثتنا عن فلان بن فلان بن فلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا، فضحك سليمان الأعمش وقال: نعم، حقاً يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة، فهذا يدل على أن الإنسان لا بد أن يكون فقيهاً فاهماً للحديث، ففهم الحديث أولى من حفظه؛ ولهذا عيب على أهل الحديث عندما ظهر خلاف بين أهل الحديث والرأي أنهم مثل الأسفار، يحملون أسفاراً ولا يفهمونها؛ ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: كانت رقابنا بأيدي أهل الرأي حتى جاء الإمام الشافعي ؛ لأن الشافعي فهم النص وبدأ يناظرهم، والأمثلة في هذا كثيرة، لكن لا نريد أن نخرج عن هذا الموضوع.
الاهتمام بعلم مصطلح الحديث
القسم الثاني: علم الرواية، بعد أن يحفظ المتن ينبغي أن يكون عالماً بالمصطلح، وطريقة معرفة المصطلح أن يأخذ متناً من متون المصطلح ويكون شاملاً لأبواب المصطلح بالجملة، ولعل من أخصرها وأقصرها مع شمولها في الجملة نزهة النظر، أو شرح النخبة للحافظ ابن حجر أوجد المتن والشرح، ويوجد كتب للمعاصرين في شرح النخبة، ولعل أفضل شرح للنخبة لطالب العلم المبتدئ كتابان: كتاب لا أعلمه مطبوعاً ولكنه مذكرات وهو شرح للشيخ إبراهيم اللاحم الأستاذ المشارك في جامعة القصيم، فعنده اهتمام بعلم المتقدمين؛ لأن الحديث من حيث الرواية مر بمراحل كثيرة جداً جداً ولسنا بصدد البحث فيه، ومن أراد أن يعرف طريقة المتقدمين والمتأخرين، فليقرأ الموازنة بين أهل الحديث المتقدمين والمتأخرين للأستاذ الدكتور حمزة المليباري ، كذلك الاتصال للشيخ إبراهيم اللاحم ، وكتاب الحديث الحسن لغيره للدكتور خالد إدريس وغيرها من الكتب، خاصة الرسائل الجامعية عند بعض المشايخ وطلاب العلم.الشرح الثاني للشيخ طارق عوض وهو شرح النخبة، ما فائدة هذين الشرحين؟ فائدتهما أن كل واحد يعطيك فهم مراد الحافظ وأمثلة على طريقة الأئمة، ويوضح الفرق بين المتأخرين والمتقدمين بأسلوب بسيط، هذا الكتاب شرح النخبة فيه مصطلح، فيه قواعد الأئمة، هذا المصطلح مبني على طريقة المتأخرين، وليس على طريقة المتقدمين، هذان الشرحان يبينا لك الفرق بين هذا وذاك بأسلوب بسيط، وهذان الشرحان لو قرأتهما على شيخ مدرك وبدأت تعرف وتميز شيئاً فشيئاً -يعني: تقرأ الشرح مرة مرتين ثلاث أربع عشر مرات- يكون عندك إدراك في فهم المصطلح. وبعد انتهائك من هذا الشرح وفهمك له تبدأ بالطريقة الثانية، وهي طريقة البحث، ولا حاجة إلى أن تقرأ تدريب الراوي، أو شرح الألفية للعراقي، أو مقدمة ابن الصلاح؛ بل اجعلها بحثاً وإن كنت صاحب همة، فهذه من أفضل الكتب، ولا تنس فتح المغيث للإمام السخاوي؛ لكني أقول: إذا كنت لا تريد أن تقرأ، فلك طريقة أخرى وهي أنك إذا جعلت شرح الشيخ إبراهيم اللاحم ، أو شرح طارق عوض للنخبة في يدك فأمسك الكتاب كأنك أنت الذي تريد أن تشرح، فإذا جاءك الحديث الشاذ أو المنكر فراجع هذه الكتب على طريقة الأئمة، والآن الحمد لله هناك الرسائل الجامعية وهي كثيرة جداً جداً خاصة التي تعني بمعرفة طرق الأئمة المتقدمين، فإذا جاءك الشاذ فهناك رسائل ماجستير أو دكتوراة عن الحديث الشاذ وأمثلة في ذلك، فإذا قرأت أنت عن الشاذ اختصرت هذه الرسالة، ووضعتها في شرحك للنخبة المتمثلة في شرح طارق عوض والله ستضيف لنفسك معلومات وستميز الأحاديث.وإذا جاءك الحديث المنكر فتعرف عليه عند المتقدمين وراجع شرح العلل للإمام ابن رجب ، فإن الإمام ابن رجب قد ذكر قواعد الأئمة في علم المصطلح التي يحتاج إليها المضعف والمرجح في معرفة ودراسة الأسانيد، بحيث إذا جاءتك مسألة من مسائل شرح النخبة فراجع شرح العلل لـابن رجب أو بعض الكتب التي تتحدث عن هذه النقطة بالذات على طريقة المتقدمين، وهي كتب مطبوعة الآن.أقول: ما أعلم فناً من فنون علم الآلة خدم في هذا الوقت أفضل من علمين: علم النحو، وعلم المصطلح، أما علم الأصول فبحاجة إلى خدمة، أما هذان العلمان فقد خدما خدمة كثيرة وكبيرة من قبل الباحثين في الرسائل الجامعية.فإذا قرأت أي كتاب يتحدث عن الجهالة وجدت الفرق بين الجهالة عند المتقدمين والجهالة عند المتأخرين، كذلك شرح الموقظة للشيخ عبد الله السعد شفاه الله، فهذا كتاب ماتع قد ذكر فيه أمثلة كثيرة لطريقة المتقدمين. إذاً: أي كتاب يتحدث عن المنكر، أو عن الجهالة، أو عن الشذوذ، أو عن التدليس تشتريه، وتقرأ فيه بحيث تميز طريقة الأئمة، ولعل من أفضل الكتب التي تتحدث عن التدليس كتاب بسيط وجيد في بابه وهو: التدليس للشيخ ناصر الفهد فك الله أسره. وعليك كذلك أن تعتمد على معرفة العلة من حيث ما هي العلة، وطريقة فهم الأئمة للعلة؟ ولعل أفضل من تحدث عن هذا هو الحافظ ابن رجب، فقد ذكر العلة وبينها بياناً تاماً لطالب العلم.ولا تنس الاهتمام بطريقة السماع، وهل يشترط اللقيا والسماع أم اللقيا دون السماع، ولعل من أفضل من كتب فيها هو الشيخ إبراهيم اللاحم في كتاب الاتصال وهو رسالة مطبوعة وجيدة في بابها، وكتاب للدكتور خالد إدريس الأستاذ المشارك في جامعة الملك سعود في موقف البخاري و مسلم من الاتصال، والله أعلم.وهناك كتب تتحدث عن القواعد عند الأئمة استُخلصت من كلامهم، ولعل من أفضلها ثلاثة كتب: الكتاب الأول: كتاب قواعد حديثية مجموعة من كلام المحدث عبد الرحمن المعلمي رحمه الله، في ثلاثة مجلدات وهو ماتع في بابه، بحيث يعطيك طريقة الأئمة في هذا الباب. الكتاب الثاني: قواعد في مصطلح الحديث، جمع للدكتور ماهر الفحل ، فقد أحسن وأجاد في جمعه لقواعد الأئمة في هذا الأمر؛ لأن غالب النكارة والجهالة والشذوذ والعلل والإرسال والتدليس والسماع قد جمعها في هذا الجمع، بعد ذلك إذا فهمت هذا الأمر وبطبيعة الحال سوف تكون عندك محفوظات لأمثلة الأئمة في المنكر، محفوظات لأمثلة الأئمة في الشاذ، فتحفظها وتحفظ أسانيدها، بحيث تستطيع تميز.
دراسة الأسانيد لمعرفة طرق التخريج
نأتي بعد ذلك إلى التطبيق، وهو ما يسمى بدراسة الأسانيد، وقبل دراسة الأسانيد لا بد من معرفة طرق التخريج، ويوجد الآن كتب تبين طرق التخريج، وطرق التخريج أنواع منها: طرق التخريج عن طريق الكلمة، وطرق التخريج عن طريق الموضوع، وطرق التخريج عن طريق الكتب التي اعتمدت على التخريج مثل: التلخيص الحبير، والبدر المنير، ونصب الراية، وغيرها من الكتب، وهذا مخدوم ولله الحمد، ولا أحب لطالب العلم المبتدئ أن يجعل معرفته لطرق التخريج عن طريق الموسوعة، أو المكتبة الشاملة؛ لأن المكتبة الشاملة بعد فهم طريقة التخريج وطريقة الأسانيد يعتمد عليها .بعد هذا لابد لطالب العلم أن يقرأ كتاباً للأئمة في دراستهم للأسانيد، فإن دراسة الإسناد لابد فيها من جمع طرق الحديث، وقبل أن يشرع لابد أن يقرأ نصب الراية للإمام الزيلعي فإنه يعطي طالب العلم طريقة الأئمة في تعليل الأحاديث، وقارن بين تصحيحات الآخرين لحديث تكلم فيه الزيلعي ، وبين كلام الزيلعي تجد أن كلام الزيلعي مختصر مفيد حوى عبارات وجمل وقواعد الأئمة كما قد قرأتها ودرستها، بحيث تعرف طريقة المتأخرين، وطريقة المتقدمين.المتأخرون إذا جاءهم إسناد فإنهم يفتحون بعض كتب المتأخرين مثل: تقريب التهذيب، فإذا جاءه مثلاً الأعرج نظر قول الحافظ ابن حجر فيه فإذا هو يقول: الأعرج من الطبقة الثانية ثقة، فيقول الباحث: إذاً ثقة، ويأتيه في السند مثلاً أبو الزناد فإذاً هو فلان بن فلان ثقة، ومحمد بن سيرين ثقة، وأبو هريرة صحابي، إذاً الحديث إسناده صحيح، ولذلك عندنا إشكالات كبيرة في الاختصار للسند، وأنت عند فهمك للرجل لا تختصره بطريقة الحافظ ابن حجر، فإن الأئمة -وهذا الذي سوف نذكره- ربما يضعفون هذا الثقة إذا روى عن راو، أو يصححون هذا الضعيف إذا روى عن راو، وعلى هذا فلابد من معرفة الطبقات والأسانيد؛ لأن معرفة الطبقات والأسانيد من الأهمية بمكان، ولابد لطالب العلم بعد ذلك أن يحفظ سلسلة الأسانيد، فإن كل صحابي له سلسلة أو سلسلتان مشهورتان في الحديث، فإذا قيل لك: ابن عمر فإن من أشهر الأسانيد عن ابن عمر : مالك عن نافع عن ابن عمر ، ومالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر.وإذا قيل: أبو هريرة فإن من أشهر الأسانيد عنه: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة .وكذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة .سعيد بن منصور عن أبي هريرة .وبهذا يسهل على طالب العلم معرفة مدار الأحاديث بحيث لو جاءه حديث عن أبي هريرة يعلم أن هذا الحديث مداره عن فلان وفلان عن أبي هريرة ، وهذه الطريقة فيها كتب. ولعل من أفضل الكتب في معرفة سلسلة الأسانيد إذا أراد أن يحفظها الطالب رسالة للشيخ الدكتور عادل الزرقي ، فإنه جمع أصح ما روي من الأسانيد عن ابن عمر وأصح ما روي عن أبي هريرة، وبين في هذه الرسالة أن ابن عمر يروى عنه كثر، ولكن الرواة المشاهير عنه اثنان: سالم بن عبد الله بن عمر ، و نافع ، وأصح الرواة عن نافع هم فلان وفلان وفلان، فإذا حفظت هذه السلاسل فإنها تنفعك إذا جاءك أحاديث متعارضة. ولابد أن تعلم أن أصح الأسانيد عن قتادة ما جاء من طريق سعيد بن أبي عروبة و هشام بن حسان ، وهذا يسمى أصح الرجال عن الراوي، وهي مهمة جداً جداً لطالب العلم، بحيث يعرف ويعلم تصحيح الأحاديث، فأحياناً يكون الراوي ثقة لكنه إذا روى عن شيخ فهناك أوثق منه، فإذا اختلف الرواة نقول: أوثق الناس في الزهري مالك بن أنس ، و عقيل بن خالد ، و شعيب ، و يونس ، و الأوزاعي ، و ابن جرير ، وهم بالطبقة الثانية. بعد زمن وأنت تبحث الأسانيد وتراجع تجد أنك قد حفظت أسانيد كثيرة، بحيث أنك لو قرأت مسند الإمام أحمد تعرف أن هذا الإسناد إسناد صحيح، وكلما كان الإسناد أقصر -وهو ما يسمونه إسناد عال إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث يكون بين المصنف والرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة أو أربعة- كلما سهل عليك، وبهذا تعرف سلسلة الأسانيد. بعد ذلك تحفظ المدارات يعني: هذا الحديث مداره على أبي هريرة عن طريق ثلاثة: أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، وقلت: إن من أفضل الكتب رسالة للدكتور عادل الزرقي ، وكتاباً لأخينا الشيخ فهد العمار وهو كتاب ماتع في هذا الباب قدم له الشيخ عبد الله السعد، يستطيع من خلاله طالب العلم أن يميز بين مدارات الأحاديث.ثم بعد ذلك يمسك بلوغ المرام؛ لأنه مخدوم، ثم يأتي إلى الحديث الأول، فيرجع إلى المراجع الأمهات لهذا الحديث، فمثلاً يكون رواه مالك و أبو داود و الترمذي ، يرجع إلى هذه الكتب ثم يجمع، الترمذي رواه عن فلان عن فلان، و أبو داود روى عن فلان، فمداره عن فلان.مثال: إذا روى أبو داود حديثاً قال: حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا محمود بن غيلان ، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، قال الترمذي : حدثنا فلان بن فلان عن فلان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، إذاً: اتفق أبو داود و الترمذي عند محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، فنقول: مدار الحديث رواه فلان وفلان، كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، وندرس هذا الإسناد وهو ما يسمى بعلم المدار.فبهذه الطريقة يصبح طالب العلم بعد زمن بإذن الله محدثاً مدركاً عالماً بالتصحيح والتضعيف. وأنا أقول: يشين بطالب الفقه ألا يكون ملماً بدراسة الأسانيد؛ لأنه لا يحب التقليد في الفقه؛ لكنه يقلد في الحديث، وأقول أيضاً: يشين بطالب الحديث ألا يكون مدركاً فاهماً للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ربما يأتي بأقوال شاذة بسبب عدم معرفته للقياس وأقوال الأئمة؛ يقول بعض الناس: اقرأ صحيح البخاري ويكفي، لا، هذا لا يكفي، لابد أن يتتلمذ طالب العلم على كتب الفقهاء، بحيث يكون عنده الملكة الفقهية الأصولية.
قراءة الكتب التي احتوت على مقدمات مفيدة في علم الحديث
ثم ينتقل الطالب فيقرأ مقدمات الأئمة في كتبهم، ولعل من أفضلها أولاً: مقدمة مسلم رحمه الله، ولها شروح في هذا.ثانياً: مقدمة المجروحين لـابن حبان ، ثالثاً: مقدمة الضعفاء للعقيلي ، رابعاً: مقدمة ميزان الاعتدال للذهبي ، خامساً: مقدمة الكامل لـابن عدي ، سادساً: مقدمة الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم ، سابعاً: مقدمة كتاب تلخيص البدر المنير لـابن الملقن ، هذه مقدمات كتب مهمة جداً جداً؛ لأنها فواتح يستفيد منها طالب العلم، ولا أنسى مقدمة السنن الكبرى فهناك شروح عليها، وبهذا إن شاء الله سوف يوفق طالب العلم أن يكون محدثاً وفقيهاً، ولا يدرك العلم براحة الجسد. إذا كان يلهيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتاويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي: متى؟!ولهذا يقال: إن جار الله الزمخشري كان يتتلمذ على شيخ هو وأحد أقرانه، وبعد أن كبرا في السن، قرينه انشغل بالتجارة، وكبرت تجارته وماله، أما جار الله الزمخشري كبر علمه ومحفوظاته، فاجتمعا يوماً في مجلس، فكان الناس يسألون الزمخشري فكان يتكلم كأنه سيل عارم، وكان زميله الذي يعرفه في زمن الطلب ينظر إليه بلهف، ويتمنى أن يكون هو في ذلك الموقع، فلما انتهى المجلس قال: والله لو كان لي أن أتمنى لتمنيت أن أبذل كل مالي لأكون في مثل هذا الموقف، فإن العلم شرف والله، فضحك الزمخشري وقال: غني صادق، فقال أبياته المعروفة، وهي ليست له، ولكنه أخذها:أأبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي؟!فالعلم لا ينال براحة الجسد، ولا ينال العلم بقراءة في كتاب من كتب المصطلح اليوم، وغداً كتاب فلان، وأذهب إلى المكتبة وأبحث عن الكتاب وأشتريه، ثم أقرأ به اليوم، فهذه القراءة قراءة غير مركزة، غير تفصيلية، لا بد أن يكون لطالب العلم جدول، هذا الجدول يكون مثل الجدول الدراسي، بدلاً من أن يكون السبت: الحصة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، يقول: السبت: الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء، الأحد كذلك، الإثنين كذلك، ثم يكون عنده العلوم كلها، علم الفقه، وعلم العقيدة وعلم التوحيد، وعلم النحو، وعلم المصطلح، وعلم الأصول، وعلم الحديث، وعلم التفسير، ويقسمها كلها ..، ويحفظ القرآن، ويحفظ المتون، فيجعل الفجر مثلاً للحفظ، والظهر يكون قد أتى من الجامعة وهو كليل الذهن فيجعله لقراءة كتاب في الأدب قبل أن ينام بحيث يستقيم لسانه؛ لأنه يعيب على طالب العلم ألا يكون عنده حصيلة ثرية من الألفاظ والعبارات بحيث يستطيع أن يعبر عما في نفسه؛ ولهذا يقول الإمام أحمد : كتبت بيدي أكثر مما كتب أبو عمرو بن العلاء ، و أبو عمرو بن العلاء متخصص بالعربية، وتعرفون طريقتهم، واليوم لو طلبت من طالب العلم أن يقرأ مختار الصحاح ما قرأه؛ بل إن بعض مشايخنا الفضلاء عندما ذكر بعض المشايخ أنه ينبغي لطالب العلم أن يقرأ القاموس المحيط للفيروزأبادي، قال: لا، هذا ليس للقراءة إنما هذا للبحث، فقد كان العلماء في السابق يقرءونه؛ لأن هذه القراءات تفيد وتنفع طالب العلم. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وأن يمنحنا وإياكم رضاه والعمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والتقوى، وأعتذر لأن هذا أقل ما يقال فيه، وإلا فإن موضوع (كيف تكون فقيهاً) لا يصلح إلا للفقهاء، ولكننا متطفلون على بابهم، ولعلنا أن نحشر معهم، ولعلي أن أدخل وإياكم في قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل: ( يا رسول الله! الرجل يحب القوم، ولما يعمل مثل عملهم، قال: المرء مع من أحب )، فإننا بإذن الله نحب أهل الفقه وأهل الحديث.
من مواقف علماء السلف في طلب العلم
عبد الله بن مسلمة القعنبي حينما جاء ليأخذ العلم عن مالك ، درس على شعبة فما حفظ على شعبة إلا حديثاً واحداً وله قصة، وذلك أنه كان من الشباب الأغرار الذين يربطون على نواصيهم بعض الأربطة، ويلعب بخنجره، فكان مسرفاً على نفسه زمن المراهقة، فكان قريباً من زقاق الكوفة، وكان ينتظر أصحابه ليسهر ويسمر معهم، قال: فرأى غباراً والناس تحته، فنظر إلى الناس، فقال لأحد الباعة: من هذا؟ فنظر البائع قال: ألا تعرفه؟ قال: لا قال: هذا شعبة بن الحجاج ، قال: ومن شعبة؟! -مثل لو قلت: ابن باز ، قال: من هو ابن باز ، ابن عثيمين ، من هو ابن عثيمين- قال: ومن شعبة؟! تعجب صاحب المحل فقال: هذا شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، صار فضول هذا الشاب الغر أن ذهب وواجه شعبة بن الحجاج، فنظر إلى شعبة فوقف شعبة والناس خلفه، تقطعت نعالهم من شدة الزحام، فقال: أنت شعبة بن الحجاج ؟ نظر إليه شعبة فقال: نعم، قال: أنت أمير المؤمنين في الحديث؟ قال: هم يقولون ذلك، قال: حدثني، قال شعبة : مثلك لا يصلح للحديث -بسبب هيئته واللباس الذي عليه- قال: حدثني، قال: يا هذا مثلك لا يصلح للحديث، فأخذ الخنجر وقال: حدثني وإلا مسستك بهذه السكين، والناس منبهرون لا يدرون ما يفعلون مع هذا الشخص، فاستغل شعبة الموقف، فقال: نعم، حدثنا منصور بن المعتمر قال: حدثنا ربعي عن أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت )، ثم مشى شعبة ومن معه، وقف عبد الله بن مسلمة القعنبي ينتظر: ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت )، وبدأ يكررها، فرجع إلى أمه فقالت: لقد جاء الصحاب، فقال: لا، يا أماه إذا جاء الصحاب فعلليهم وقولي: إن عبد الله قد ذهب، قال: فرجع إلى المسجد، وبدأ ينوح على حاله، فلما كان من الليل، وإذا به تائب إلى الله سبحانه وتعالى.ثم سأل أهل زمانه: من أعلم الناس بالحديث؟ فقيل له: مالك بن أنس، فذهب إلى أمه وأزال كل عهد الجاهلية في بيته وقال: يا أمي! أنا ذاهب إلى مالك بن أنس ، فذهب إلى مالك بن أنس، فكان من أصح الأسانيد في كتب الموطأ رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي، فلما قرأ وحفظ علم مالك أراد أن ينتقل إلى الكوفة ليحفظ من أحاديث شعبة ما عنده إلا حديثاً واحدً، قال: فلما دخل الكوفة جاءه نعي شعبة بن الحجاج فكان يبكي ويقول: عزائي أني لم أحفظ عنه إلا حديثاً واحداً كان هو سبب هدايتي.الشاهد أن هذا الرجل طلب منه أهل الحديث أن يحدثهم، قال: أحدثكم بعد الفجر، قالوا: عندنا درس، قالوا له: قبيل الظهر، قال: عندي درس، قالوا: بعد العصر، قال: عندي درس، قال لهم: بعد المغرب، قالوا: عندنا درس، جدول مليء بالدروس، قال: فما هم وإياه حتى اجتمعوا في السحر قبل الفجر، هذا الوقت الذي ليس لهم فيه درس فخرجوا من بيوتهم، واستمروا في هذا الوقت يحضرون حتى قرأوا كتاب الموطأ عليه، قارن بين هذا ودروس الطلاب الآن، أول ما يقال: الشيخ الفلاني سوف يشرح كتاباً، تأتي وتنظر المسجد كله ممتلئ، هؤلاء ثلثهم محب للعلم، لكن ما عندهم جلد بل كسالى، وخمسهم محب للعلم، وهؤلاء بإذن الله سوف يوفقون، لكنهم يبتعدون شيئاً ويقتربون شيئاً، وثلثهم جاء لينظر من هذا الشيخ الذي يقول الناس عنه، فإن كان الدرس الأول جيداً وهو يحبه أعطاه من ألقاب الأئمة الكبار التي لا تكاد توجد في أحمد ولا البخاري، وإن لم يكن كذلك أو له عليه شيء قال: هذا يخطئ في كذا، هذا يلحن في كذا، هذا كذا وكذا، ولو نظرت لوجدت أن طريقة نقدنا لمشايخنا وطلبة العلم قد توجد في أئمة كبار، ولكن لم يضرهم ذلك إذا كانوا قد فقهوا مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

الكتب النافعة لطالب العلم ومدى نفع المكتبة الشاملة للتزود بالعلم
السؤال: أحسن الله إليكم ونفع بكم الإسلام والمسلمين، هذا السائل يسأل عن كتب يقرأ فيها تكون نافعة لطالب العلم، ويسأل عن المكتبة الشاملة أو ما تسمى بالموسوعة، ويسأل عن كتاب فقه الصحابة لفضيلتكم يقول: متى يراه مطبوعاً؟ الجواب: كتاب فقه الصحابة سوف يطبع إن شاء الله، وهو ليس بفقه كما هي كتب الفقه المعروفة، ولكنه فقه الصحابة جمعنا فيه أقوال الصحابة على طريقة المغني والأوسط لـابن المنذر فنقول مثلاً: اختلف الصحابة على قولين: القول الأول قول عمر، ونذكر الدليل بحيث يتعود الناس على أن الصحابة لهم فقه، وكيف صاروا عليه، وأنا ما أحب لطالب العلم أن يتعجل الطباعة؛ بل يبحث عنه، ويضعه عنده حتى إذا كبر يطبعه؛ لأن العجلة في الكتب ليست بمحمودة لطلاب العلم؛ لأنهم أحياناً يهتمون بكتب العصريين ويتركون كتب المتقدمين، والعجيب أن ابن شاس المالكي عندما ألف كتاب عقد الجواهر الثمينة، وهو ثلاثة مجلدات، المجلد الواحد لو ضرب به أحدنا لمات وصار قوداً، ومع ذلك حينما ألف هذا الكتاب -لأنه اختصر المدونة والنوادر والزيادات على فقه الإمام مالك- غضب الشاطبي على تأليف هذا الكتاب، وقال: إن هذا سوف يعود الطلاب على المهانة والعجز، ويجعلهم لا يقرءون الكتب الطوال كالمدونة وغيرها. رحمك الله يا إبراهيم الشاطبي يا أبا إسحاق ، أين هذا عن أهل زماننا؟! وأين نحن عنه، لكن بدأنا ننشغل بأمور ربما تؤثر في المستقبل. ومشكلتنا الآن أننا نبالغ في وصف بعض وسائل التكنولوجيا أنها مؤثرة في الدعوة والتربية، والواقع أن لها زمناً، لكن التربية الحقيقية هي التي تكون في المساجد، تربية لطلاب العلم بحيث يلازمونك وتلازمهم، يعرفون أكلك وشربك، ضحكك ومرحك، طريقة عرضك وطريقة أسلوبك، هذه هي الملازمة الحقيقية، أما الملازمة عن طريق الفيسبوك أو التويتر، كيف أكلت، وكيف شربت مثلما يفعله بعض الإخوة فهذا لا يؤثر، بل إن هذا نوع من ملح العلم، صحيح أنه قد يؤثر على بعض الناس لكنه لا يؤثر على الذين سوف يكونون أئمة للناس؛ ولهذا ينبغي لطلاب العلم أن يأخذوا مثل هذه الأمور بشيء من الحكمة، فلا يتجاهلونها ولا يبالغون فيها؛ لأنها مهما بلغت ومهما كانت فإنها ستبقى وسيلة من وسائل الإعلام، والإعلام مؤثر للغوغاء، لكنه لا يبني رجالاً ولا أصحاب دهاء.أما الكتب -الحمد لله- فهي تنمي الذاكرة، ولعل من أفضلها -يعني: العصرية- غير كتب ابن القيم ، و ابن تيمية ، و أبي عمر بن عبد البر ، و ابن رجب ، و ابن حجر، فهؤلاء كل كتاب لهم عليك بشرائه، لكن كتب المعاصرين قد يصعب على طالب العلم أن يجد كتاباً يعطيه بعض الرؤى، واسمحوا لي أن أقول هذه العبارة: إن بعض طلاب العلم يجبن أن يذكر بعض الكتب المعاصرة خوفاً من أن يقال: إن كل كتاب أثنى عليه هو تابع له، وهذا لا يلزم، ما زال الأئمة ينصحون ببعض الكتب مع أن فيها ما فيها؛ ولهذا الإمام الدارقطني رحمه الله حينما جاء أبا بكر الباقلاني وقبل رأسه، قام ناصر السنة الدارقطني يقبل رأس الباقلاني وهو من شيوخ الأشعرية؛ لأنه رأى أنه أجاد في مناظرته للمعتزلة، فنصر السنة بهذا الباب، مع أن الدارقطني ألف كتاب الصفات رداً على أبي بكر الباقلاني ، فإعطاء الناس منزلتهم فيما يحسنون ليس معناه أنهم يحسنون كل شيء، فالكتب كثيرة، لكن لعل من أهمها بعض كتب الدكتور أحمد الأميري ؛ لأن فيها نوعاً من المدارك في العقول: فن التفكير، تعالوا نختلف، وهي كتب جيدة، أحمد الهاشمي له كتب جميلة، الدكتور عبد الكريم بكار له بعض الكتب جيدة في الجملة، بعض الكتب العصرية لشهادة الماجستير والدكتوراه في الثقافة، كل الكتب في الماجستير والدكتوراه إذا رأيت أنها تخدمك فشراؤها جميل ومفيد بإذن الله سبحانه وتعالى، وكتب مشايخنا، كشيخنا عبد العزيز بن باز، وشيخنا محمد بن عثيمين، وشيخنا عبد الله بن جبرين، وشيخنا صالح الفوزان، هذه كتب مفيدة لطالب العلم، لكن أيضاً لا بد لطالب العلم أن يقرأ بعض الكتب الأدبية فإن قراءة الكتب الأدبية تفيد طالب العلم، وإن كان ثمة كتاباً فليقرأ شرح ديوان المتنبي فهو مفيد ونافع، والله أعلم.
الكتب النافعة في علم العقيدة ونصائح للمبتدئين في طلب العلم
السؤال: أحسن الله إليكم! ما هي الكتب التي تنصحون بقراءتها في علم الحديث وفي علم العقيدة وتوجيهاتكم لطالب العلم المبتدئ، ولمن أراد أن يكون موسوعة في العلم، وإماماً محققاً؟ الجواب: أما المبتدئ فيسمع المحاضرات وسينتفع إن شاء الله، وطالب العلم إذا أراد أن يكون موسوعة فهذا شيء، وإذا أراد أن يكون إماماً ومحققاً فشيء آخر، لابد أن يلم بكل الفنون، لكن هو بالخيار إما أن يبدأ بكتاب التوحيد إذا كان في الثانوية أو في الجامعة ولابد أن يحفظه، وأفضل شروح كتاب التوحيد للمبتدئ ثلاث كتب: للشيخ صالح الفوزان ، ولشيخنا محمد بن عثيمين ومختصر فتح المجيد لـإسماعيل بن عتيق ، وهو كتاب جيد مع أنه مختصر، وهو مفيد للغاية، والعقيدة الوسطية أفضلها ثلاثة كتب، كتاب شرح العقيدة الوسطية لشيخنا محمد، فإذا انتهى منه يقرأ التنبيهات للشيخ عبد العزيز بن رشيد ، إذا انتهى منه يقرأ الروضة الندية للشيخ زيد بن فياض ، ويقرأ المجلد الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس من مجموع الفتاوى، والأول والثاني والثالث والرابع من الدرر السنية، والمجلد الأول والثاني والثالث في مجموع الرسائل والمسائل، فهذه كلها تقوي طالب العلم في فهمه لمسائل العقيدة والولاء والبراء، والله أعلم.
أهمية المنهجية والتأصيل العلمي
السؤال: أحسن الله إليكم! مكثت سبع سنين في طلب العلم ولم أستفد الفائدة المرجوة؟ الجواب: يقول: سبع سنين ما استفدت، والسبب عدم المنهجية، المنهجية مهمة جداً لطالب العلم؛ ولهذا تجد الإنسان مؤصلاً، وأحياناً ترى الناس طبائع، فبعض الناس لا يحب أن يأخذ المعلومة سطحية بل يحب أن يأخذ المعلومة من العمق؛ لأن طبيعته هكذا، وبعض الناس سلطات على طول.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حسن الجن
عضو فعال
عضو  فعال


عدد المساهمات : 408
تاريخ التسجيل : 30/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: كيف تكون فقيها ومحدثا للشيخ : ( عبد الله بن ناصر السلمي )    الأحد 4 أكتوبر - 1:02


المقياس في أن يقال: فلان تتلمذ على يد الشيخ الفلاني
السؤال: أحسن الله إليكم! متى يقال عن فلان أنه تتلمذ على الشيخ الفلاني؟الجواب: التتلمذ على الشيخ الفلاني لا ينبغي أن يكون من باب الزهو؛ ولهذا ما ندري أن فلاناً تلميذ على يد الشيخ إلا إذا مات! سبحان الله العظيم! إذا مات الشيخ جاء وقال: إنه شيخنا، وكان في المجالس، وكان شيخنا! طيب أين أنت؟ ما شفناك في درس الشيخ؟ فلا ينبغي أن يكون من باب الزهو والاستكثار؛ بل ينبغي أن يكون حقاً وحقيقاً، بحيث لو سئلت في كتاب الطهارة فأنت تعرف أقوال شيخك، في الصلاة تعرف أقوال شيخك، هذا هو التتلمذ، على كل حال: المتقدمون لم يكونوا يتساهلون في التتلمذ، لو أن إنساناً حفظ على راوٍ حديثاً واحداً يجعلونه من شيوخه، فالخطب في هذا يسير، حتى لو درس على الشيخ في الفتاوى الجواب الكافي، أو القنوات التي يذكر فيها الفتاوى بحيث يقيد أقوال الشيخ ويستدل له ويعرف أقواله فإن هذا نوع من التتلمذ، ولو أنه يسمع أشرطة الشيخ فإن هذا نوع من التتلمذ، والحمد لله.
أفضل المختصرات في الصحيحين
السؤال: أحسن الله إليكم! ما هي أفضل المختصرات للصحيحين؟الجواب: أنا عندي أن مختصر الصحيحين على نوعين: نوع للحفظ، ونوع لمعرفة الروايات وضبطها، أما بالنسبة للحفظ فإنه الجمع بين الصحيحين لشيخنا يحيى اليحيى ، أو مختصر المنذري ويضيف عليه ما زاد على مفردات مسلم من المتفق عليه ومفردات البخاري، وهذه طريقة جيدة إذ لا بد من البدء بالمختصر، ولا يحفظ الأسانيد ابتداءً. وأما من أراد ضبط الصحيحين فأفضل كتاب هو الجمع بين الصحيحين لـعبد الحق الإشبيلي تحقيق غمد الغماس .
الوقت الذي يقرأ فيه طالب العلم الكتب المطولة
السؤال: أحسن الله إليكم! متى تفضل لطالب العلم أن يقرأ المطولات من الكتب؟الجواب: أنا قلت: يضع له جدولاً، الآن مثلاً أنت في المدرسة تدرس نحواً وتدرس حديثاً، وتدرس مصطلحاً لماذا ما صار هذا تشتيتاً؟ ولا تنسوا الطريقة التي يقولون عنها التدرج، وهذه ليس معناها أنك تمسك متناً حتى تنتهي منه فقط، هذا ليس طريقة ناجحة، الحافظ النووي رحمه الله مات وعمره ثمانية وثلاثون سنة، أو قيل اثنان وأربعون، أو قيل خمسة وأربعون! واليوم الواحد عنده اثنا عشر درساً، أنت قادر بإذن الله لا تعش جلد الذات، ولا تنظر إلى المتخاذلين يريدون أن يخذلوك، فيقولون: هل تظن أن الأمة ستنتفع بك؟! كل هؤلاء اتركهم، وللعلم فإن كثرة الصحبة في الطلب أحياناً مضرة.عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحابفإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشرابلا تستكثر من الصحاب، واحد اثنين ثلاثة هم الذين معك، يكون لكم درس تقرءون في البيوت، ثم جلسة ليلية، تتذاكرون ما قرأتم، مع حضور دروس المشايخ، مع البحث؛ لأن البحث مهم لطالب العلم، والبحث سيكون له محاضرة كاملة. أنا أقول: حينما أسمع فتوى بعض المشايخ أعرف أن الشيخ أخذها بالبحث أو أخذها بالتلقي، الذي يأخذها بالبحث يكون مطمئناً لقوله، يستدل بها وكأنه يراها مثل الشمس، وإذا نوقش فإن له جواباً على كل شيء، فهذا مطمئن على اختياره للقول الذي يقول به، وأما غير المطمئن فإنك إذا ناقشته يقول: قال به فلان، وشيخنا ابن باز يقول كذا، وشيخنا ابن عثيمين يقول كذا، إذاً هو غير مطمئن، بل هو مقلد للفتوى متبع للفتوى، وفرق بين الأمرين، فانظر لنفسك هل أنت تريد أن تكون متى ما سئلت تقول: هذا قول فلان، أو تريد أن تكون إذا سئلت تقول: قال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو قول فلان وفلان، والفرق بين الأمرين واضح، وانظر أيضاً هل تريد أن تكون لا تعرف مسألة إلا وتعرف مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم فيها مع معرفة أقوال الأئمة؟ اعلم أن هذا يتطلب منك جداً واجتهاداً وبذلاً وتضحية، وبإذن الله سوف تناله. ومن قال: أنا سوف أكون مثل العالم الفلاني فإنه قطعاً سيكون أقل منه، ومن قال: أنا سوف أكون مثل ابن تيمية سوف يدرك أكثر من أهل زمانه بسبب أن همته عظيمة، والذي يقول: أنا فقط أهم شيء أني أبني بيتاً، أو أشتري شقة، أو يقول: أنا سوف أبني لي فلة مثل فلة فلان فهذا لا تجده يحصل شيئاً كثيراً؛ لأن الهمة دنيئة.نفس عصام سودت عصاماً وعلمته الكر والإقداما وصيرته ملكاً هماما الهمة هي التي تغير؛ ولهذا ما أسرع الفشل من النجاح. فبعض الناس يحدث نفسه بأنه سيحصل على الماجستير أو الدكتوراه أو الجامعة، فإذا انتهى رجع إلى أرذل العلم؛ ولهذا ترى بعض زملائك في الجامعة كان يشار إليهم بالبنان، والناس تتطلع إليهم، ثم بعد ذلك يتخرج من الجامعة ويأخذ الماجستير ويأخذ الدكتوراه ثم ينطوي على نفسه ولا يراجع العلم ولا يفتح الدروس، شيئاً فشيئاً ثم شيئاً فشيئاً.. بعد ذلك قد يجمع بينك وبينه مجلس فيسألك بعض المسائل الصغار التي يعرفها الكتاتيب؛ لأنه نسي العلم، ولو كان دكتوراً؛ لأنه في الجامعة يأخذ متناً ولا يشرح منه إلا كتاب النكاح، أو لا يشرح إلا كتاب المعاملات، أو لا يشرح إلا كتاب العبادات، وهذا ديدنه، فلا يكون طالب علم فقط؛ بل إذا لم يكن مستحضراً مستذكراً فاتحاً الدروس لطلاب العلم، لأن هذه نعمة من الله، ولا تظن أنك تنفع طلاب العلم فقط، بل هم ينفعوك أيضاً حينما يسألونك وهذه نعمة من الله. حينما يرن جوالك يا طالب العلم للفتوى هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى، ولا تكن ممن قال الله فيهم: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:110]، كما لم تؤمن بفائدة العلم؛ ولهذا ما أكثر من حمل شهادات الدكتوراه وهم أهل لأن يقوموا بتبليغ الرسالة وتبليغ العلم وبيان العلم لكن قليل نفعهم، جامعات تخرج دكاترة فيأتي طالب العلم يريد أن يشرح له كتاباً لا يجد من يجلس ليعلمه. والله إني لأتعجب حينما أرى الدكتور كلما كثر الطلاب عنده في الفصل تضايق وقال: كيف يفهم هؤلاء، وإذا قلوا في درس المساجد تضايق، عجباً له والله! أليس هذا هو الواقع؟ إذا كان في المسجد وقل الطلاب تضايق يريد أكثر، وإذا كان في الجامعة كثر الطلاب تضايق، إذاً لابد أن يعيد الإنسان نظره في هذا الأمر ولا يكون ممن أعطي نعمة فكفرها والعياذ بالله.
كيفية تعليم الناس المسائل الخلافية
السؤال: أحسن الله إليكم! ما رأيكم فيمن يعلم عامة الناس كيفية الطواف في مسائل الحج مثلاً، وفي هذه الحالة هل الأولى لطالب العلم أن يعلم الناس القول الراجح فقط أو يذكر لهم خلاف العلماء؟الجواب: مسألة تربية الناس على القول الراجح مهمة؛ لكن هل القول الراجح كتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لا، القول الراجح من رجحه؟ أنا أو أنت أو فلان وفلان، إذاً لابد أن تكون تربية الناس ليس على القول الراجح، وإنما تربية الناس تكون على تصوير المسألة وبيان الدليل، والحمد لله لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42]، فكوننا نعلم الناس الفتوى وأن الدليل كذا، وهو قول فلان أو فلان، يتربى الناس ويعلمون أنهم على هدى، ولكن إذا قلنا: إن هذا القول قول فلان، نقول الحمد لله تراه ما يقول إلا الحنبليات، وليس قول كذا، لماذا لا يتربى الناس على تعظيم النص؛ لأن فلاناً يخطئ ويصيب، وفلاناً يصيب كثيراً ويخطئ قليلاً، وفلاناً يخطئ كثيراً ويصيب قليلاً، تربية الناس على تعظيم الكتاب والسنة هو المطلوب؛ ولهذا أقول لكم بحق شيخنا عبد العزيز بن باز وشيخنا محمد بن عثيمين والشيخ عبد الرحمن بن سعدي لهم فضل علينا، عودونا التتلمذ على الدليل، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لها فضل علينا حينما عودت الطالب على فهم الكتاب والسنة، وإن كان هناك خلل وهذا طبيعي جداً، في السابق ما كان يعرف إلا الكتاب، أما الآن فنحن في خير وفي نعمة، ونحن دائماً نصور المجتمع على أنه مجتمع فيه انحطاط، مع أن الأمة فيها خير، والله العظيم أن الأمة فيها خير، لا يكون حالنا دائماً الندب وجلد الذات، وإذا تحدثنا تحدثنا عن المنكرات، ولا نرى إلا الشيء الغير محمود، عود نفسك دائماً أنك تمدح من أصاب وتذم من أخطأ، لا تكن حياتك دائماً نقداً، أنا أرى أن الذي يكثر النقد إنسان فاشل؛ لأنه يخاف أن يُنقد فيبقى منتقداً، امدح من يستحق المدح، وتكلم على من يستحق الذم، ولا تكن حالك حالة واحدة، تذم فلاناً وتمدح فلاناً فقط، فإذا أصاب الذي تذمه تقول: هذه قطرة من بحر أخطائه، لا، كن إيجابياً تثني على من يستحق الثناء، فالرسول صلى الله عليه وسلم أثنى على الكفرة، أثنى على النجاشي، وأثنى على سهيل بن عمرو قبل أن يسلم، فلابد أن يكون عندك إنصاف. مرة من المرات أحد أبنائي قال لي كلمة والله العظيم أنها أخذتني فعلاً، قال: إذا اجتمعنا وتكلم واحد منا عن فلان يثني عليه أنه ما شاء الله عليه فيه كذا وكذا، فإن كل من في المجلس يسكتون، وإذا تحدث واحد يسب فلاناً فكلهم يشاركون. نحن لماذا نعود أنفسنا على النقد؟ يا إخوان! إثارة الإيجابية هي المطلب، هي التي تحيا في الناس؛ لأننا حينما نحيي في الناس النقد فإن هذا يقلل من الدعوة إلى الله؛ لأن الإنسان يخاف أن ينقد، فإذا قيل له: تكلم، قال: لا، يوجد الشيخ الفلاني أخاف أن يقولوا عني كذا، خل الناس وتذكَّر الله سبحانه وتعالى، وانشر العلم، يا أخي! دعاة في السابق كانوا يتحدثون ومن المعروفين بالدعوة، والله لو يأتون اليوم لا يصلح أن يكون الواحد منهم ولا بالمتوسط، لكن نفع الله بهم نفعاً عظيماً، الآن طلاب العلم كثر، والمعرفة بالكتاب والسنة كبيرة، لكن الدعوة قليلة؛ لأن هذا الطالب يخاف أن ينقد، فنحن لماذا دائماً نخاف من النقد؟ عندما كنا في الحج -وهذه من الغرائب- خرجنا في حج هذه السنة، وكان هناك بعض الحملات، وكان عددنا في الحملة خمسة آلاف، مشت الأمور على أحسن حال، لكن تعود الناس إذا رجعوا من الحج ألا يذكروا إلا الخطأ، وفي مزدلفة يتصل على أهله متى وصلتم؟ ونحن وصلنا الساعة الفلانية، ومتى رميتم؟ نحن رمينا الساعة الفلانية، وهذا لا ينبغي أن يكون هو حالنا، كنا في الحج فخرجنا من عرفة وركبنا القطار، وتذكرون ما صار للقطار من سب وأضحوكة وغيره، صار من أفضل الأشياء التي كنا نتصور خلاف ذلك، ركبنا القطار ونزلنا من القطار وكل شيء على ما يرام، صار مخيم الإخوة وراء ثلاثة مخيمات، الطريق جديد المحطة جديدة، فكان هناك رمل قصير، وفي بداية جلوسنا في المخيم جاء رجل وقال: والله يا أخي! إنهم أخطئوا، أنا ضحكت فقلت: ما الذي أخطئوا فيه؟ قال: يا أخي! هذا الطريق الآن المرأة ما تقدر تمشي فيه، قلت: طيب! حينما خرجنا من منى إلى عرفة ما رأيت حسناً؟ الشاهد هو لماذا نعود أنفسنا دائماً على هذا؟ وهذا قد يبني طالب العلم، ويبني ابنك، ويبني أختك، ويبني المجتمع فيكون حالهم مبني على النقد، لا يا أخي الأصل الإيجابية، (لا تسبه فإنه يحب الله ورسوله)، الإيجابية هي المطلب؛ لأنها تبني، أما النقد فهو يهدم، مثلاً الزوجة لو أنها تصلح لك طعاماً قلت: هذا مالح وهذا حلو، وهذا ديدنك كل يوم، فإنها تقول لك بعد ذلك: اشتر من المطعم نحن ملينا، لكن إذا قلت: هذا الطعام ما ذقت مثله قط، غداً سوف تأتي لك بطبخ أفضل. يا أخي! أنا أتعجب لماذا لا نربي أبناءنا على الثناء المنضبط؟! لماذا الطالب دائماً يخوف من الرياء، يخوف من العجب؟ إذا كان الطالب صغيراً حسن الصوت تجد أن القيم عليهم إذا جاء وقت الأذان أو وقت الإقامة، يبحث عن أسوأ واحد صوتاً فيهم ويقول: فلان قم أذن بنا، وكأنه حرام على هذا الحسن الصوت الذي يحسن الأذان والإقامة أن يؤذن، لماذا نربي أبناءنا على هذا؟ وإذا قيل للمربي: لماذا تصنع هذا؟ قال أنا لا أريد أن يعجب بنفسه، يا أخي! دعه يعجب بنفسه، تعلمنا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعد.المغني من يوم وهو صغير عمره أربع سنوات، يقال له: قم سوف تكون فلاناً وفلاناً وفلاناً، فيغني ويغني حتى يحسن صوته ويظهر وهو مغني، ساذج ما فيه خير للأمة، فما بالك بهؤلاء الشباب لماذا لا نربيهم ونشجعهم، فلابد من أن نربي أبناءنا ونشجعهم ونثني عليهم، يا أخي! محمد صلى الله عليه وسلم أثنى على رجل وقت إسلامه فقال: ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن )، فـأبو سفيان سكت، لم يقل: هلكت قريش، سكت أبو سفيان ورضي بهذه المدحة والثناء، نربي أبناءنا نشجع أبناءنا، لا أن يكون حالنا دائماً النقد، أو تسجيل المخالفات، كمخالفة الصلاة، مخالفة كذا، بل لابد من الإيجابية قبل ذلك، حتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا نفهم إلا أنه إنكار منكر مع أن الأمر بالمعروف أعظم؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، لكن النهي عن شيء ليس أمراً بضده، فلنعود أنفسنا على هذا الأمر فالإيجابية مطلب يا أخي!الآن أقولها لكم بحق، لو أنك تقول لي: محاضرتك سيئة، وأنت أخطأت في كذا وكذا وكذا وكذا، لو يقول لي: يا عبد الله السنة القادمة نريدك أن تلقي محاضرة، أقول: لا، ما أنا بملق عندكم محاضرة، هذه طبيعة نفسية، الآن خطيب الجمعة قد يخطب الجمعة والناس تصلي وتخرج، قد يخطب خطبة عصماء أفاد فيها وأجاد وتعب أسبوعاً كاملاً يكتبها، عظيم أن نرسل له رسالة بارك الله فيك! وكثر الله من أمثالك، لقد أعجبت بخطبتك؛ لكن لو يذكر حديثاً ضعيفاً يقال له: السلام عليكم! ذكرت حديثاً وهو حديث ضعيف، راجع الكتاب الفلاني لماذا؟ هذه حياته دائماً، وتجد لو يخطئ إماماً في طريقة السلام تجد أن الذي يراه ينتظر متى يسلم حتى يقول له، ولو رآه سلم وخرج وهو يتسنن أسرع في الصلاة وسلم ليلحق به، فلماذا محبة النقد؟ ولو أصاب في مسح رأسه لقال: الأصل أنه يصيب! الناس بحاجة إلى ثناء وذكر حسن، عندما كنت أتحدث عن هذه النقطة فتكلمت عن الخطبة، قال لي خطيب: يا شيخ! والله إنك قلت هذا الكلام ووقعت على الجرح، والله إنني إذا ألقيت الخطبة وأثنوا على خطبتي عرفت أن جهدي لم يضع، والله إني حينما أذهب إلى بيتي أستعد للخطبة التي بعدها، وإذا نقدت قلت: يا رجال يوم الخميس في الليل، أو صبح الجمعة أروح أدخل على المنبر وأطبع لي خطبة والحمد لله، شفت الفرق! الإيجابية تزرع وتبني. أنا أذكر لكم قصة بسيطة جداً جداً، أنا أول ما حضرت دروس المشايخ بثالث متوسط أو بأولى ثانوي ما كنت أعرف إلا أحفظ القرآن وبس، فقال لنا مدير التوعية الإسلامية في المدرسة: أنا أريد أن أحضر درساً، فقال: إذا انتهيت من الدرس سوف أرجع لكم، قال الإخوة وكنت أنا من أصغرهم: نذهب كلنا إلى الدرس، وإذا جاء المغرب حضرنا وانتهينا ثم نرجع نكمل النشاط الطلابي، حضرنا وإذا الشيخ يشرح حديث بلوغ المرام، ثم قال: أخرجه مالك ورواه البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي ، أعجبت بهذه النغمة: البخاري و مسلم قال صلى الله عليه وسلم، فمن يومها أحببت الحديث، وبدأت أحفظ في الحديث، فهذه نعمة من الله من هو سببها؟ الذي قال لنا: نحضر الدرس، والشيخ الذي حضر الدرس، فأنت ما تدري لعل كلمة تكون هي سبب هدايتك ومحبتك للعلم. حضرت في أولى ثانوي محاضرة لشيخنا محمد بن عثيمين في القصيم في مركز الملك خالد إلى يومي هذا أذكرها، فكانت محاضرة الشيخ أحكام الصيام، وكنت صغيراً، الشيخ كان في المسرح الذي يسمى المنصة، عندما انتهى من المحاضرة قمنا جميعاً إلى الشيخ نسلم عليه، عندما ذهبت إلى الشيخ سلمت عليه، والشيخ كان في الكرسي وأنا أتيته من جهة يمينه التفت إلي الشيخ وقال: هلا هلا، وضحك ضحكة شيخنا محمد المعروفة، فسلم عليّ وبدأت أقبله، قال: ويش لونك يا وليدي عساك طيب كيف الحال؟ أنا رجعت من المحاضرة وقلت للشباب الذين معي بالحلقة: والله إن الشيخ محمد يعرفني، قالوا: كيف؟ قلت: سلم علي سلام حار أكيد أنه يعرفني، والذي عرف محمد بن عثيمين بـعبد الله السلمي ، لكن السلام هذا أثر في تأثيراً كبيراً، وذهبت أشتري كتب الشيخ محمد . ولهذا أنا أقول: أول شيخ تتلمذت عليه وله فضل عليّ شيخنا محمد بن عثيمين فكل الكتب التي طبعت أخذتها وقرأتها وتأملتها وحفظتها ولله الحمد، فكأن الإنسان يعرف أن الثناء الحسن له فضل على العالم وعلى طالب العلم، فيربي الإنسان طلابه على هذا الأمر؛ لأن التربية بالثناء مهمة جداً في زمن كثرت فيه الملهيات، وكثرت الانحطاطات، وكثرت الانتكاسات، وكثر الحور بعد الكور، فنحن بحاجة إلى تشجيع الناس وإظهار ثنائهم؛ لأننا بحاجة إلى مثل هذا أيها الإخوة، وتعزيز هذا في نفوس الناس مهم جداً جداً. نسأل الله الهداية والتوفيق، ولعل في هذا كفاية، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابوتوفيق
مراقب
مراقب


وسام التواصل

وسام الحضور المميز

اوفياء المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 1462
تاريخ التسجيل : 05/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: كيف تكون فقيها ومحدثا للشيخ : ( عبد الله بن ناصر السلمي )    الأربعاء 21 أكتوبر - 16:54

جزاكم الله خيراً
وبارك فيكم
وجعله في ميزان حسناتكم
ورزقكم جنةً عرضها السموات والأرض
=========================
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كيف تكون فقيها ومحدثا للشيخ : ( عبد الله بن ناصر السلمي )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: