منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و تتمنى لك وقتا سعيدا مليئا بالحب

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
simo1234
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 04/05/2013

مُساهمةموضوع: فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر   الأحد 25 أكتوبر - 13:34

فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمَّداً عبده ورسوله.
{يَأَيّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَأُيَّهَا النَّاسُ اتّقُوا رَبَّكمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً واتَّقُوا اللهََ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.
{يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكمْ ويَغْفِرْ لَكمْ ذُنوبَكُمْ ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
أمَّا بعد: فلا ريب أنَّ ذِكر الله ودعاءه هو خير ما أُمضيت فيه الأوقات وصُرفت فيه الأنفاس، وأفضل ما تقرّب به العبدُ إلى ربّه سبحانه وتعالى، وهو مفتاحٌ لكلِّ خير يناله العبد في الدنيا والآخرة "فمتى أعطى (الله) العبدَ هذا المفتاح فقد أراد أنْ يفتح له، ومتى أضلَّه بقي باب الخير مُرْتَجاً دونه" فيبقى مضطربَ القلب، مُشَوَّشَ الفؤاد، مُشَتَّتَ الفِكر، كثيرَ القلَقِ، ضعيفَ الهِمَّةِ والإرادةِ، أمّا إذا كان محافظاً على ذِكر الله ودعائه وكثرةِ اللجأ إليه فإنَّ قلبَه يكون مطمئناً بذكره لربِّه {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} ، وينال من الفوائد والفضائل والثمار الكريمة اليانعة في الدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلاَّ الله تعالى.
فذِكر إلَهِ العرشِ سرًّا ومعلناً ... يُزِيلُ الشَّقَا والهَمَّ عنك ويَطردُ
ويجلبُ للخيراتِ دنيا وآجلاً ... وإنْ يأتِك الوَسواسُ يوماً يشَرَّدُ
فقد أخبَر المختارُ يوماً لصحبِه ... بأنَّ كثيرَ الذِّكرِ في السَّبق مُفرِدُ
ووَصَّى معاذاً يَستَعين إلهه ... على ذكرِه والشكر بالحسن يعبدُ
وأوصى لشخصٍ قد أتى لنصيحةٍ ... وقد كان في حمْل الشرائِعِ يَجْهَدُ
بأنْ لا يزالَ رطباً لسانُك هذه ... تُعينُ على كلِّ الأمورِ وتُسعِدُ
وأخبَرَ أنَّ الذِكرَ غَرسٌ لأهلِه ... بجنَّاتِ عَدن والمساكنُ تُمْهَدُ
وأخبَر أنَّ الله يذكرُ عبدَهُ ... ومَعْهُ عى كلِّ الأمرِ يُسَدِّدُ
وأخبَر أنَّ الذِّكرَ يبقى بجنّة ... ويَنقطعُ التَّكليفُ حين يُخلَّدُوا
ولو لَم يكنْ في ذِكره غيرَ أنَّه ... طريقٌ إلى حبِّ الإلَه ومُرشِدُ
ويَنهَى الفتَى عن غِيبةٍ ونَميمةٍ ... وعن كلِّ قولٍ للدِّيانَةِ مُفسِدُ
لكان لنَا حَظٌّ عظيمٌ ورغبةٌ ... بكثرةِ ذكرِ الله نعمَ المُوَحَّدُ
ولكنَّنَا من جَهلِنا قلَّ ذِكرُنا ... كما قلَّ منَّا للإلَه التَّعبُّدُ
ولهذا فإنَّ الأذكارَ الشرعية والأدعية النبويّة لها منزلةٌ عاليةٌ في الدِّين، ومكانةٌ خاصّةٌ في نفوس المسلمين، وكُتُبُ الأذكار على تنوُعها تلقى في أوساطهم اهتماماً بالغاً وعنايةً فائقةً، ولا يمكن إحصاءُ ما كتبه أهلُ العلم قديماً وحديثاً في الذِّكر والدعاء لكثرة ما أُلِّف في ذلك، فمنهم الراوي الأخبارَ بالأسانيد، ومنهم الحاذف لها، ومنهم المطوِّل المسهب، ومنهم المختصِر والمتوسِّط والمهذِّب، مع تفاوت بينهم في جمع النصوص، وعرض الأدلة، وطرق تبويبها وتصنيفها، والاهتمام بشرحها وتوضيحها، إلى غير ذلك.
ناهيك أنَّ أهل الأهواء لهم في هذا الباب مؤلّفات كثيرة مشتملة على الشططِ والانحراف والبعدِ عن الحقِّ، بسبب عدم تقيّد مؤلِّفيها بالسنة وإعراضهم عن الالتزام بالمأثور.
هذا وقد دلَّ الكتابُ والسنَّةُ وآثارُ السلف على جنس المشروع والمستحبِّ في ذِكر الله ودعائه كسائر العبادات، وبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأمّته ما ينبغي لهم أن يقولوه من ذِكر ودعاء في الصباح والمساء، وفي الصلوات وأعقابها، وعند دخول المسجد، وعند النوم، وعند الانتباه منه، وعند الفزع فيه، وعند تناول الطعام وبعده، وعند ركوب الدابَّة، وعند السفر، وعند رؤية ما يحبّه المرء، وعند رؤية ما يكره، وعند المصيبة، وعند الهمِّ والحزن، أو غير ذلك من أحوال المسلم وأوقاته المختلفة.
كما بيّن صلوات الله وسلامه عليه مراتب الأذكار والأدعية وأنواعَها وشروطَها وآدابها أتمَّ البيان وأكمله، وترك أمَّتَه في هذا الباب وفي جميع أبواب الدين على محجّة بيضاء، وطريق واضحة، لا يزيغ عنها بعده إلاَّ هالك، و "لا ريب أنَّ الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحرّاه المتحرِّي من الذِّكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبِّر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان، وما سواها من الأذكار قد يكون محرَّماً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون فيه شرك ممَّا لا يهتدي إليه أكثرُ الناس، وهي جملة يطول تفصيلها".
فالمشروع للمسلم هو أن يذكرَ الله بما شرع، وأن يدعوَ بالأدعية المأثورة، وقد نهى الله عن الاعتداء في الدعاء، فينبغي لنا أن نتبّع فيه ما شُرع وسنَّ، كما أنَّه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات، وأنْ لا نعدل عن ذلك إلى غيره "ومن أشدِّ الناس عيباً من يتّخذ حزباً ليس بمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان حزباً لبعض المشايخ، ويَدَعُ الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيِّد بني آدم، وإمام الخلق وحجّة الله على عباده"، فالخير كلُّه في اتباعه، والاهتداء بهديه، وترسُّم خطاه، فهو القدوة والأسوة صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان أكملَ الناس ذِكراً لله وأحسنَهم قياماً بدعائه سبحانه.
ولهذا فإنَّه إذا اجتمع للعبد في هذا الباب لزومُ الأذكار النبوية والأدعية المأثورة مع فهم معانيها ومدلولاتها، وحضورِ قلبٍ عند الذِّكر فقد كمل نصيبُه من الخير.
قال ابن القيّم رحمه الله: "وأفضل الذِّكر وأنفعُه ما واطأ القلبُ اللسانَ، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذَّاكر معانيه ومقاصده".
ولَمّا كان الأمر بهذه المنزلة وعلى هذا القدر من الأهمية نشأ عندي رغبةٌ في أنْ أعدَّ وأقدِّم ـ مع الاعتراف بالعجز وعدم الأهلية ـ دراسةً في الأذكار والأدعية النبوية في بيان فقهها وما اشتملت عليه من معان عظيمة، ومدلولات كبيرة، ودروس جليلة، وعِبرة مؤثّرة، وحِكم بالغة، واجتهدتُ في جمع كلام أهل العلم في ذلك، فاجتمع عندي من ذلك بحمد الله فوائدُ كثيرةٌ ولطائفُ عديدةٌ وتنبيهاتٌ دقيقةٌ من كلام أهل العلم المحقّقين، ولا سيما الإمامين الجليلين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، ثمَّ نظَّمتُ ما اجتمع عندي من ذلك وألّفتُ بينه، وجعلته بعنوان:
"فقه الأدعية والأذكار"
وقد أُذيع جزءٌ كبير منه في حلقات عبر الإذاعة المباركة، إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية ـ حرسها الله ـ ولا يزال مستمرًّا عرضُه حتى الآن، وقد رغِب غيرُ واحد من مشايخي وإخواني أن أقوم بنشره مطبوعاً ليتنوّع مجالُ نفعه، ولتكثر فائدته، فأجريت عليه تعديلات يسيرة في أسلوبه ليكون مناسباً للنشر، وجعلتُ لكلِّ حلقة عنواناً خاصاً يدلُّ على مضمونها، ويُرشد إلى موضوعها، وسوف يصدر ـ بإذن الله ـ في مجموعات متناسبة الحجم والموضوع، وهذا هو القسم الأول منه، وإني لأرجو الله الكريم أن يتقبَّل مني هذا العمل وسائر أعمالي، وأن يُبارك فيه، وأن يجعله نافعاً لعباده المسلمين، فهو سبحانه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا نِعم الوكيل.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدّم بالشكر الجزيل لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله تعالى، الذي تفضَّل مشكوراً بقراءة هذا الكتاب والتعليق عليه والتقديم له على كثرة أعماله، وأسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في موازين حسناته وأن يجزيه عنَّا وعن المسلمين خير الجزاء، إنَّه سميع مجيب.
وكتب: عبد الرزاق البدر
غفر الله له، وعفا عنه، ورحمه،ووالديه وجميع المسلمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
simo1234
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 04/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر   الأحد 25 أكتوبر - 13:35

1/ أهميّةُ الذِّكر وفضله

غيرُ خافٍ على كلِّ مسلم أهميّةُ الذكر وعظيمُ فائدته؛ إذ هو من أجلِّ المقاصد وأنفع الأعمال المقرِّبة إلى الله تعالى، وقد أمر الله به في القرآن الكريم في مواطن كثيرة، ورغّب فيه، ومدح أهله وأثنى عليهم أحسن الثناء وأطيبه.

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } [الأحزاب : 41] ، ويقول تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً } [البقرة : 200] ، ويقول تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ } [آل عمران : 191]، ويقول تعالى: { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } [الأحزاب : 35].

فأمر تعالى في هذه الآيات بذكره بالكثرة، وذلك لشدّة حاجة العبد إلى ذلك وافتقاره إليه أعظم الافتقار، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأيُّ لحظة خلا فيها العبدُ عن ذِكر الله عز وجل كانت عليه لا له، وكان خسرانه فيها أعظمَ ممّا ربح في غفلته عن الله، وندم على ذلك ندماً شديداً عند لقاء الله يوم القيامة.

بل لقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في شعب الإيمان للبيهقي، والحلية لأبي نعيم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّه قال: "ما من ساعة تمرُّ بابن آدم لا يذكر الله تعالى فيها إلاّ تحسّر عليها يوم القيامة" (1).

والسُّنّةُ مليئةٌ بالأحاديث الدّالة على فضل الذِّكر، ورفيع قدره، وعلوِّ مكانته، وكثرةِ عوائده وفوائده على الذّاكرين الله كثيرًا والذّاكرات.

فقد أخرج الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذّهبي، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبِّئُكم بخير أعمالِكم، وأزكاها عند مَليكِكم، وأرفعها في درَجاتِكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهبِ والورِق، وخيرٌ لكم من أن تلقَوا عدوَّكم فتضرِبوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله" (2).

وروى مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "سبق المُفرِّدون، قالوا: وما المُفرِّدون يا رسول الله؟ قال: الذّاكرون الله كثيراً والذّاكرات" (3).

وروى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَثلُ الذي يذكُرُ ربَّه والّذي لا يذكرُ ربّه مثَلُ الحيِّ والميِّت" (4).

والأحاديث في هذا الباب كثيرةٌ، ولعلّ من المناسب هنا والحديث ماضٍ بنا في فضل الذكر أن ألخِّص بعض ما ذكره أهلُ العلم من فوائد لذكر الله تعالى يَجنيها الذّاكرون في حياتهم الدُّنيا ويوم القيامة، ومن أحسن من رأيتُه تكلَّم في هذا الموضوع وجمع أطرَافَه، ولمَّ شَتاتَه الإمامُ العلاّمةُ ابن القيِّم رحمه الله في كتابه العظيم الوابل الصيِّب من الكَلِمِ الطيِّب، وهو مطبوعٌ طبعاتٌ كثيرةٌ، ومُتَداوَلٌ بين أهل العلم وطلاّبه، فقد قال رحمه الله في كتابه المذكور (5): وفي الذِّكر أكثرُ من مائة فائدة...، ثمّ أخذ يعدِّد فوائد الذِّكر، فذكر ما يزيد على السبعين فائدة، كلُّ واحدة منها بمفردها كافيةٌ لحفز النُّفوس وتحريك الهِمم للاشتغال بالذِّكر، كيف وقد اجتمعت تلك الفوائد الكُثار والعوائد الغِزار، والأمر فوق ما يصفه الواصفون، ويعدُّه العادُّون {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة : 17].

ولعلّي أذكر لك أخي المسلم هنا فائدةً واحدةً من فوائد الذِّكر مما ذكره رحمه الله، على أن أستكمل لك بعض هذه الفوائد إن شاء الله، مع وصيَّتي لك باقتناء الكتاب المذكور والانتفاع به، فهو حقًّا كتابٌ عظيم النَّفع، كبيرُ الفائدة.

ـ فمن فوائد الذِّكر: أنّه يطردُ الشيطان ويقمعُه ويكسِرُه (6)، يقول الله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف : 36]، ويقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف : 201].

وثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن الترمذي، ومستدرك الحاكم وغيرها بإسناد صحيح، من حديث الحارث الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: " إنّ اللهَ سبحانه أمر يحيى بن زكريّا بخمس كلمات، أن يعمل بها، ويأمُرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنّه كاد أن يُبطّئ بها، فقال له عيسى عليه السلام: إنّ الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمُرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها فإمّا أن تأمرهم وإمّا أن آمُرَهم. فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخسفَ بي أو أعذب، فجمع النّاسَ في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشُّرَف، فقال: إنّ اللهَ أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنَّ وآمرَكم أن تعملوا بهنَّ..." (7).

فذكر أمرَهم بالتوحيد، والصلاة، والصيام، والصّدقة، ثمّ ذكر الخامسةَ فقال: "وآمُرُكم أن تذكروا اللهَ، فإنّ مَثَلُ ذلكَ كمَثَلِ رجُلٍ خرج العدوُّ في أثَرِه سراعاً حتى إذا أتى على حِصنٍ حصينٍ فأحرز نفسَه منهم، كذلك العبدُ لا يحرزُ نفسَه من الشَّيطان إلاّ بذكر الله تعالى..." ، إلى آخر هذا الحديث العظيم.

وقد وصفه العلاّمةُ ابن القيِّم رحمه الله بأنَّه حديث عظيمُ الشَّأن، وينبغي لكلِّ مسلم حِفظُهُ وتعقُّلُه (Cool.

فهذا الحديث مشتملٌ على فضيلةٍ عظيمةٍ للذِّكر، وأنّه يطرُد الشيطان، ويُنجي منه، وأنّه بمثابَة الحِصن الحصين والحِرز المكين الّذي لا يحرزُ العبدُ نفسَه من هذا العدوِّ اللّدود إلاّ به، وهذه ولا ريب فضيلة عظيمة للذِّكر؛ ولهذا يقول ابن القيّم رحمه الله: "فلو لم يكن في الذّكر إلاّ هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتُرَ لسانُه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهِجا بذكره، فإنّه لا يحرز نفسه من عدوِّه إلاّ بالذِّكر، ولا يدخل عليه العدوُّ إلاّ من باب الغفلة، فهو يرصُدُه، فإذا غفل وثب عليه وافترسَه، وإذا ذكرَ اللهَ تعالى انخنس عدوُّ الله وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذّباب، ولهذا سُمِّيَ (الوسواسُ الخنَّاس)، أي: يوسوس في الصدور فإذا ذكرَ الله تعالى خنس أي كفَّ وانقبضَ.

وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما: "الشَّيطان جاثِمٌ على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنَس" (9).

فنسأل الله تعالى أن يعيذنا من شرِّ الشيطان وشِركِه، ومن همزِه ونَفخِه ونفثِه، إنّه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
(1) شعب الإيمان (رقم:508)، الحلية (5/362)، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم: 5720).
(2) سنن الترمذي (رقم: 3377)، سنن ابن ماجه (3790)، والمستدرك (1/496)، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم:2629).
(3) صحيح مسلم (رقم: 2676).
(4) صحيح البخاري (رقم: 6407).
(5) (ص:84).
(6) انظر: الوابل الصيّب (ص:84).
(7) المسند (4/202)، سنن الترمذي (رقم:2863)، المستدرك (1/117، 118، 421)، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم:1724).
(Cool الوابل الصيّب (ص:31).
(9) الوابل الصيّب (ص:72).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
simo1234
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 04/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر   الأحد 25 أكتوبر - 13:36

مِن فوائد الذِكر
لا يزال الحديث موصولاً في بيان فوائد الذِّكر، وقد مرَّ معنا فيما سبق ذكرُ فائدةٍ واحدةٍ له وهي: أنّه حِرزٌ لصاحبه من الشيطان، فمن خلى من الذِّكر لازمه الشَّيطان ملازمة الظِّلِّ، والله يقول: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف : 36] ولا يستطيع العبدُ أن يُحْرِزَ نفسه من الشيطان إلاّ بذكر الله تعالى، وهذه فائدةٌ جليلةٌ من فوائد الذِّكر العديدة.

وكما مرَّ بنا فإنّ الإمام العلاّمة ابن القيِّم رحمه الله عدّ في كتابه القيِّم الوابلُ الصّيِّب ما ينيف على السَّبعين فائدة للذِّكر، ونستكمل هنا بعضَ تلك الفوائد العظيمة، ممّا أورده رحمه الله في كتابه المُشار إليه آنفا (1).

ـ فمن فوائد ذكر الله العظيمة: أنّه يجلُبُ لقلب الذَّاكر الفرَحَ والسرورَ والرَّاحةَ، ويورثُ القلبَ السكونَ والطُّمأنينةَ، كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد : 28]، ومعنى قوله تعالى: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ} أي: يزول ما فيها من قلقٍ أو اضطراب، ويكون فيها بدَلَ ذلك الأنسُ والفرحُ والرَّاحة، وقوله :{أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} أي: حقيقٌ بها وحَرِيٌّ أن لا تطمئنَّ لشيءٍ سوى ذكره تبارك وتعالى.

بل إنّ الذكرَ هو حياةُ القلب حقيقةً، وهو قوتُ القلب والرّوح، فإذا فقده العبدُ صار بمنزلة الجسم إذا حيلَ بينَه وبين قوتِه، فلا حياةَ للقلب حقيقةً إلاّ بذكر الله، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الذِّكرُ للقلب مثلُ الماء للسَّمك، فكيف يكون حالُ السَّمك إذا فارق الماء" (2).

ـ ومن فوائد ذكر العبد لِلَّه: أنّه يورثُه ذكرَ الله له، كما قال تعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } .

وفي الصّحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربِّه تبارك وتعالى: "من ذكرَني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم" (3).

ـ ومن فوائده: أنّه يحطُّ الخطايا ويُذهبُها، ويُنجّي الذّاكرَ من عذاب الله، ففي المسند عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عمل آدميٌّ عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله تعالى" (4).

ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه يترتّبُ عليه من العطاء والثّواب والفضل ما لا يترتَّبُ على غيره من الأعمال، مع أنَّه أيسرُ العبادات؛ فإنَّ حركة اللسان أخفُّ حركات الجوارح وأيسرُها، ولو تحرّك عضو من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشقّ عليه غاية المشقّة، بل لا يمكنُه ذلك، ومع هذا فالأجور المترتِّبة عليه عظيمةٌ والثّوابُ جزيلٌ.

ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شي ءٍ قديرٌ في يومٍ مائة مرّة كانت له عدلُ عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيِّئة، وكانت له حِرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل ممّا جاء به إلاّ رجلٌ عمل أكثر منه" (5).

وفي الصّحيحين أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: " من قال سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زَبَدِ البحر" (6).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لأَن أقول سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر أحبُّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشّمسُ" (7)، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه غِراسُ الجنَّة، فالجنّة كما جاء في الحديث قيعانٌ، وهي طيِّبةُ التُّربة، عذبة الماء، وغِراسُها ذكرُ الله، فقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقيتُ ليلةَ أُسريَ بي إبراهيمَ الخليل عليه السلام فقال: يا محمّد أَقرئ أُمَّتك منّي السلام، وأخبِرهُم أنّ الجنّة طيِّبةُ التُّربة، عذبةُ الماء، وأنّها قيعانٌ، وأنَّ غِراسَها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر" (Cool ، قال الترمذي: حديث حسنٌ غريبٌ من حديث ابن مسعود.

ورواه الإمامُ أحمد من حديث أبي أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه، ولفظه: " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به مرَّ على إبراهيم فقال: مَنْ معك يا جبريلُ؟ قال: هذا محمّد، فقال له إبراهيم: مُرْ أمتك فليُكثروا من غِراس الجنّة، فإنّ تربتَها طيِّبة وأرضَها واسعةٌ، قال: وما غِراسُ الجنَّة؟ قال: لا حول ولا قوَّةَ إلاّ بالله" . فهذا شاهدٌ للحديث الّذي قبله (9).

وروى الترمذي من حديث أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال : سبحان الله وبحمده، غُرِست له نخلةٌ في الجنَّة"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (10).

ورواه الإمامُ أحمد من حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "من قال: سبحان الله العظيم، نبت له غرسٌ في الجنّة" )11).

ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه يكون نورًا للذَّاكر في الدنيا، ونورًا له في قبره، ونورًا له في مَعَاده، يسعى بين يديه على الصِّراط، فما استنارَت القلوبُ والقبورُ بمثل ذكر الله تعالى.

قال اللهُ تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } [الأنعام : 122].

فالأوّل: هو المؤمن، استنار بالإيمان بالله ومحبَّته ومعرِفتِه وذكرِه.

والآخرُ: هو الغافلُ عن الله تعالى، المعرِضُ عن ذكره ومحبَّته.

والشَّأنُ كلُّ الشَّأن والفلاحُ كلُّ الفلاح في النّور، والشَّقاءُ كلُّ الشَّقاءِ في فَواتِه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ من سُؤال الله تبارك وتعالى ذلك بأن يجعَلَه في كلِّ ذرّاته الظّاهرة والباطنة، وأن يجعلَه محيطًا به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاتَه وجملَتَه نوراً.

فقد خرّج مسلمٌ في صحيحه من حديث عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما في ذكر دعاء النَّبيّ صلى الله عليه وسلم باللّيل قال: "وكان في دعائه اللهمّ: اجعلْ في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخَلْفي نوراً، وعظِّم لي نوراً "، قال كُرَيب ـ أَحَدُ رواة الحديث ـ: وسبعًا في التَّابوت. فلَقيتُ بعضَ ولَد العبّاس فحدّثني بهنَّ، فذكر: عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشَري، وذكر خصلتين (12).

فالذِّكرُ نورٌ لِقلب الذَّاكر ووجهِه وأعضائِه، ونورٌ له في دنياه وفي البرزخ وفي يوم القيامة.

ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه يوجبُ صلاةَ الله عز وجل وملائكتِه على الذّاكر، ومن صلَّى اللهُ عليه وملائِكتُه فقد أفلح كلَّ الفلاح، وفاز كلَّ الفوز، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } [الأحزاب : 41-43]


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وانظر: الوابل الصيب (ص:84-100) و (ص:145).
(2) انظر: الوابل الصيب (ص:85).
(3) صحيح البخاري (رقم:7405)، وصحيح مسلم (رقم:2675).
(4) المسند (5/239)، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم:5644).
(5) صحيح البخاري (رقم:6403 ،3293)، وصحيح مسلم (رقم:2691).
(6) صحيح البخاري (رقم:6405)، وصحيح مسلم (رقم:2691).
(7) صحيح مسلم (رقم:2695).
(Cool سنن الترمذي (رقم:3462)، وحسن الألباني بما له من الشواهد في السلسلة الصحيحة (رقم:105).
(9) المسند (5/418).
(10) سنن الترمذي (رقم:3465)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم:6429).
(11) المسند (3/440).
(12) صحيح مسلم (رقم:763).

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
simo1234
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 04/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر   الأحد 25 أكتوبر - 13:44

السلام عليكم
الكتاب :فقه الأدعية والأذكار
المؤلف: فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
نبذة: شرح اذكار المسلم في اليوم و الليلة مسبوق ببحث في الدعاء
التحميل:

فقه الأدعية والأذكار /1 

فقه الأدعية والأذكار /2 

فقه الأدعية والأذكار /3 

[url=http://www.islamport.com/isp_eBooks/akh/e-Books/1002.rar]للشاملة من هنا
[/url]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
simo1234
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 04/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر   الأحد 25 أكتوبر - 13:55

إنَّ مِن الأذكار العظيمة والأوراد التي كان النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يَحُثُّ أصحابَه على تعلُّمِها والمحافظة عليها كلَّ صباح ومساء ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المخرَّجِ في سنن الترمذي وسنن أبي داود وغيرهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يُعلِّم أصحابه ، يقول : " إِذَا أصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ بكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ ، وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بكَ أَمْسَيْنَا ، وَبكَ أَصْبَحْنَا ، وَبكَ نَحْيَا ، وَبكَ نَمُوتُ، وَإلَيْكَ المَصِيرُ " (1)
فهذا دعاءُ نبويٌّ عظيمٌ، وذكرٌ مبارَكٌ، يَجدُرُ بالمسلم أن يُحافظَ عليه كلَّ صباح ومساء ، ويتأمَّلَ في معانيه الجليلة ودلالاته العظيمة ، وكيف أنَّه قد اشتمل على تَذكير المسلم بعظيم فَضلِ الله عليه وواسِعِ مَنِّه وإكرَامِه ، فَنَوْمُ الإنسانِ ويقظَتُه ، وحركتُه وسكونُه ، وقيامُه وقعودُه إنَّما هو الله عزوجل فما شاءَ الله كان، وما لَم يشأ لَم يكن ، ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله العظيم .
وقوله في الحديث: " بك أصبحنا " أي: بنعمتك وإعانتك وإمدادِك أصبحنا أي أدركنا الصباح، وهكذا المعنى في قوله: " وبك أمسينا "
وقوله: " وبك نَحيا، وبك نموت " أي: حالُنا مُستَمرٍّ على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، في حركتنا كلِّها وشؤوننا جَميعها، فإنَّما نحن بك ، أنت المعين وحدَك ، وأزِمَّةُ الأمور كلِّها بيدك ، ولا غِنَى لنا عنك طَرْفَةْ عَيْن وفي هذا من الاعتماد على الله واللُّجوء إليه والاعتراف بمَنِّه وفَضله ما يُحقِّق للمرء إيمانَه ويُقوِّي يقينَه ويُعْظِمُ صِلتَه بربِّه سبحانه .
وقوله في الحديث: " وإليك النشور " أي المَرجِع يوم القيامة، ببَعْثِ النَّاس من قبورهم، وإحيائهم بعد إماتَتِهم
وقوله: " وإليك المصير " أي المرْجعُ والمآب، كما قال تعالى: ﴿ إنَّ إلَى رَبّكَ الرُّجعى ﴾ [سورة العلق: 8 ]
وقد جعل صلى الله عليه وسلم : " وإليك النشور " في الصباح وقوله : " وإليك المصير " في المساء رعايةً للتَّناسب والتشاكل ، لأنَّ الإصباحَ يُشبه النشرَ بعد الموت ، والنوم موتةٌ صغرى ، والقيامَ منه يشبه النشرَ من بعد الموت ، قال تعالى : ﴿ اللهُ يتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتي لَمْ تَمُتْ في مَنَامِهَا فَيُمسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى إِنَّ فيِ ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [سورة الزمر: 42 ]
والإمساءَ يُشبه الموتَ بعد الحياة ، لأنَّ الإنسان يصير فيه إلى النَّوم الذي يشبه الموت والوفاة ، فكانت بذلك خاتمةُ كلِّ ذِكرٍ متجانسةً غايةَ المجانسة مع المعنى الذي ذكر فيه .
وممَّا يُوضِّح هذا ما ثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقول عند قيامه من النوم : " الحمدُ لله الَّذي أَحْيَانا بعد ما أمَاتَنَا وإليه النُّشور " فسُمِّيَ النوم موتاً والقيامُ منه حياةً من بعد الموت، وسيأتي الكلامُ على هذا الحديث وبيانُ معناه عند الكلام على أذكار النوم والإنتباه منه إن شاء الله .
ومِن أذكار الصباح والمساء ذلكمُ الذِّكرُ العظيمُ ، والدعاءُ النافع الذي علَّمه النَّبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه عندما سأله أن يُرْشدَه إلى كلمات يقولوها كلَّ صباح ومساء فقد روى الترمذي وأبو داود وغيرُهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : " يَا رَسُولَ اللهِ ! مُرْنِي بكَلمَاتٍ أَقُولُهُنْ إِذَا أَصْبَحْتُ ، وإِذا أَمْسَيْتُ ، قَالَ : قلْ : اللَّهمَّ فاطر السَّمَوَاتِ والأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبَ والشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَليكَهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ أَنْتَ ، أَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وشِرْكِهِ " وَفِي روَايةٍ أُخْرَى : " وَأَنْ أَقْتَرفَ عَلَى نَفْسي سُوءاً ، أَوْ أَجُرَّهُ إلَى مُسْلِمٍ " قَالَ : " قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجِعَكَ " (2)
فهذا دعاءٌ عظيمٌ يُستحبُ للمسلم أن يقولَه في الصباح والمساء وعند النوم ، وهو مشْتَملٌ على التَّعوُّذ بالله والالتجاء إليه والاعتصام به سبحانه من الشرور كلِّها ، من مصادرها وبداياتها ومن نتائجها ونهايتها وقد بدأه بتَوَسُّلات عظيمة إلى الله جل وعلا ، بذكرِ جُملةٍ من نُعوتِه العظيمة وصفاته الكريمة ، الدَّالَة على عَظمته وكماله ، فتوسل إليه بأنَّه
" فاطر السَّموات والأرض " أي خالقُهُما ومُبْدعهما وموجدُهما على غير مثال سابق ، وأنَّه " عالِمُ الغيب والشهادة " ، أي لا يخفى عليه خافية ، فهو عليمٌ بكلِّ ما غاب عن العباد و ما ظهر لهم ، فالغيبُ عنده شهادة والسِّرُّ عنده علانية ، وعِلمُه سبحانه مُحيطٌ بكلِّ شيء ، وتوسَّل إليه بأنَّه :
"ربُّ كلِّ شيء ومليكُه " فلا يَخرج شيءٌ عن ربوبيَّته ، وهو المالكُ لكلِّ شيء ، فهو سبحانه ربُّ العالمين ، وهو المالكُ للخَلق أجمعين ، ثمَّ أعلن بعد ذلك توحيدَه وأقَرَّ له بالعبودية ، وأنَّه المعبود بحقٍّ ولا معبودَ بحقٍّ سواه فقال : " أشهد أن لا إله إلاَّ أنت " وكلُّ ذلك جاء مقدِّمةٍ بين يدي الدعاءِ ، مُظهرًا فيه العبدُ فاقتَه وفَقرَه واحتياجَه إلى ربِّه ، معترفاً فيه بجلاله وعَظَمته ، مُثبتًا لصفاته العظيمة ونعوته الكريمة ، ثمَّ ذكر بعد ذلك حاجتَه وسؤالَه ، وهو أن يُعيذَه اللهُ من الشرور كلِّها فقال : " أعوذ بك من شَرِّ نفسي وشَرِّ الشيطان وشِرْكِه ، وأن أقْتَرفَ على نفسي سوءاً أو أجُرَّه إلى مسلم " وفي هذا جمعٌ بين التعوُّذ بالله من أصول الشَّرِّ ومنابعه ، ومن نهاياته ونتائجه ، يقول ابن القيم رحمه الله في التعليق على هذا الحديث : " فذَكرَ أي النَّبيّ صلى الله عليه وسلم مَصْدَرَي الشَّرِّ وهما النفسُ والشيطان ، وذكَر مَوْرِدَيْه ونِهَايَتَيْه وهما عَوْدُه على النفس أو على أخيه المسلم ، فجمع الحديثُ مصادرَ الشَّرِّ ومَوارِدَه في أوجز لفظه وأخصره وأجمعه وأبينه " (3)
فالحديثُ فيه تعوذ بالله عزوجل من أربعة أمور تتعلق بالشر :
الأول : شَرُّ النفس ، وشَرُّ النفس يُولِّد الأعمالَ السيِّئةَ والذُّنوبَ والآثامَ.
الثاني : شَرُّ الشيطان ، وعدواةُ الشيطان للإنسان مَعلومةٌ بتحريكه لفِعل المعاصي والذُّنوب وتَهييجِ الباطل في نفسه وقَلْبِه .
وقوله " وشِرْكه " أي ما يدعو إليه من الشِّرك، ويُروَى بفتح الشين والراء " وشَرَكه " أي : حبائلُه .
الثالث: اقترافُ الإنسان السوءَ على نفسه وهذه نتيجةٌ من نتائج الشَّرِّ عائدةٌ إلى نفس الإنسان.
والرابع: جرُّ السُّوء على المسلمين، وهذه نتيجةٌ أخرى من نتائج الشَّرِّ عائدةٌ إلى الآخرين.
وقد جمع الحديثُ التعوذَ بالله من ذلك كلِّه ،فما أجْمَعَه من حديث، وما أعظمَ دِلالته ،و ما أكمل إحاطته بالتَّخَلُّص من الشَّرِّ كلِّه .

الحواشي:
(1) : سنن الترمذي ( رقم: 3391) وسنن أبي داود (رقم :5068)، وحسَّنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع ( رقم : 353)
(2): سنن الترمذي ( رقم: 3592)، وسنن أبي داود ( رقم: 5067)
(رقم :5083)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي ( رقم:2701 )
(3): بدائع الفوائد (2/209)
كتبه على الجهاز في مجلسين وبعد مراجعة بعد العصر
ليوم : 23/10/2009 – 04 ذو القعدة 1430هـ
سفيان ابن عبد الله الجزائري – كان الله له
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
simo1234
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 04/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر   الأحد 25 أكتوبر - 13:56

ومن أَذْكَارِ طَرفَيِ النَّهَار
[ شَرح حَديث سَيِّدُ الاسْتِغفَارِ ]
قال الشَّيخ الفاضل الدكتور عبد الرزاق البدر حفظه الله:
" وإنَّما تعظم فائدةُ من مثل هذه الدعوات المباركة بوقوفه على معانيها وفهمه لدلالاتها ومراميها ومجاهدته لنفسه على تحقيقها "
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ مِن الأذكارِ العظيمة والدعواتِ المباركة التي ينبغي على المسلم أن يحافظ عليها كلَّ صباح ومساء ما ثبت في صحيح البخاري من حديث شداد ابن أوس رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال : " سَيِّدُ الاسْتِغفَارِ أَنْ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إلَهَ إلاَّ أَنْتَ ، خَلَقْتَنِي ، وَأَنَا عَبْدُكَ ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءَ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ، فَإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ ، مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ ، مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ "(1)
فهذا دعاء عظيم جامع لمعاني التوبةِ والتَّذلُّل لله تبارك وتعالى والإنابة إليه، وَصَفَهُ صلى الله عليه وسلم بأنَّه سيِّد الاستغفار، وذلك لأنَّه قد فاق سائرَ صيغَ الاستغفار في الفضيلة ، وعلا عليها في الرتبة ، ومن ومعاني السيِّد ، أي : الذي يفوق قومَه في الخير ويرتفع عليهم.
ووجهُ أفضليةِ هذا الدعاء على غيره من صِيَغِ الاستغفار أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بدأه بالثَّناء على الله والاعتراف بأنَّه عبدٌ لله مربوبٌ مخلوق له عزَّوجل ، وأنَّه سبحانه المعبود بحقٍّ ولا معبود بحقٍّ سواه ، وأنَّه مقيمٌ على الوعد ، ثابتٌ على العهد من الإيمان به وبكتابه وبسائر أنبيائه ورسله ، وأنَّه مقيمٌ على ذلك بحسب طوقه واستطاعته ، ثم استعاذ به سبحانه من شَرِّ كلِّ ما صَنَع من التقصير في القيام بما يجب عليه شُكر الإنعام وارتكاب الآثام ، ثم أَقَرَّ بترادف نِعَمِه سبحانه وتوالى عطاياه ومِنَته ، واعتراف بما يصيبُ من الذنوب والمعاصي ، ثم سأله سبحانه المغفرةَ مِن ذلك كلِّه معترفًا بأنَّه لا يغفرُ الذنوبَ سواه سبحانه .
وهذا أكملُ ما يكون في الدُّعاء، ولهذا كان أعظمَ صِيغ الاستغفار وأفضلَها وأجمعَها للمعاني الموجبة لغفران الذنوب.
وقوله في أول هذا الدعاء " اللَّهمَّ " هي بمعنى يا الله، حذف منها ياءَ النداء وعوض عنها بالميم المشددة ، ولهذا لا يجوز الجمع بينهما ، لأنَّه لا يجمع بين العِوَض والمعوَّض عنه ، ولا تستعمل هذه الكلمة إلاَّ في الطلب ، فلا يقال : اللَّهم غفور رحيم ، وإنَّما يقال : اللَّهم اغفر لي وارحمني ونحو ذلك .
وقوله : " أنتَ ربِّي لا إلَه إلاَّ أنت خلقتَني وأنا عبدُك " فيه تذَلُّلٌ وخضوعٌ ، وانكسارٌ بين يدي الله ، وإيمان بواحدنيته سبحانه في ربوبيَّتِه وألوهيته ، فقوله : " أنت ربِّي " أي : ليس لي ربٍّ ولا خالق سواك ، والربُّ هو المالك الخالقُ الرازقُ المدبِّر لشؤون خلقه ، فهذا إقرارٌ بتوحيد الربوبية ، ولهذا أعقبه بقوله " خلقتنِي " أي : أنت ربِّي الذي خلقتنِي ليس لي خالقٌ سِواك.
وقوله: " لا إله إلاَّ أنت " أي: لا معبود بحقٍّ سواك، فأنت وحدك المستحق للعبادة، وهذا تحقيق لتوحيد الألوهية، ولهذا أعقَبَه بقوله: " وأنا عبدك " أي: وأنا عابدٌ لك، فأنت المعبودُ بحقٍّ ولا معبودَ بحقٍّ سواك.
وقوله: "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت " أي: وأنا على ما عاهدتُك وواعدتُك من الإيمان بك والقيام بطاعتك وامتثال أوامرك، " ما استطعت " أي : على قَدْر استطاعتِي ، فإنَّه سبحانه لا يكلِّف نفسًا إلاَّ وُسْعَها.
وقوله : " أعوذ بك من شرِّ ما صنعت "أي : ألتجىءُ إليك يا الله ، وأَعتَصِمُ بك من شرِّ الذي صنعتُه مِن شَرِّ مَغَبَّتِه ، وسوء عاقبته ، وحلول عقوبته ، وعدم مغفرته ، أو من العَوْد إلى مثله من شر الأفعال ، وقبيح الأعمال ، ورديء الخصال .
وقوله : " أبوء لك بنعمتك عليَّ " أي : أعترف بعظم إنعامك عليَّ وترادف فضلك وإحسانك ، وفي ضِمن ذلك شكر المنعم سبحانه والتَّبرِّي من كفران النِّعَم .
وقوله : " وأبوء بذنبِي " أي : أقرُّ بذنبِي ، وهو ما ارتكبتُه من إثم وخطيئة ، من تقصير في واجب أو فعل لمحظور ، والاعتراف بالذَّنب والتقصيرُ سبيلٌ إلى التوبة والإنابة ، ومَن اعترف بذنبه وتاب من تاب الله عليه .
وقوله : " فاغفر لي " أي : يا الله ، جميعَ الذنوب فإنَّ رحمتَك واسعةٌ وصفحَك كريمٌ ، ولا يتعاظمُك ذنبٌ أن تغفرَه ، فأنت الغفورُ الرحيم ، ولا يغفر الذنوب إلاَّ أنت ، يقول الله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللهُ ﴾ [ سورة آل عمران : 135]
ثم إنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قد ختم هذا الدعاءَ ببيان الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي يناله من يحافظ عليه كلِّ صباح ومساء، فقال: " من قالها أي : هؤلاء الكلمات من النهار ، موقنًا بها أي : مصدقًا بها معتقدًا لها ، لكونها من كلام المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى، صلوات الله وسلامه عليه ، فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة "
وإنَّما حاز المحافظُ على هذا الدعاء هذا الموعود الكريم والأجر العظيم والثواب الجزيل ، لأنَّه افتتح نهارَه واختتمه بتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته والاعتراف بالعبودية ومشاهدة المنة والاعتراف بالنعمة ، ومطالعة عيب النفس وتقصيرها ، وطلب العفو والمغفرة من الغفار ، مع القيام على قدم الذل والخضوع والانكسار ، وهي معان جليلةٌ وصفاتٌ كريمة يفتتح بها النهار ويختتم، جدير صاحبها أو المحافظ عليها بالعفو والغفران ، والعتق من النيران والدخول للجنان (2) نسأل الله الكريم من فضله .
------------------------
(1): صحيح البخاري ( رقم : 6306)
(2): انظر : كتاب نتائج الأفكار في شرح حديث سيِّد الاستغفار للسفاريني كاملاً

كتبه على الجهاز في مجلس واحد بعد الظهر
ليوم: 24/10/2009 – 05 ذو القعدة 1430هـ
سفيان ابن عبد الله الجزائري – كان الله له
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
simo1234
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 04/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر   الأحد 25 أكتوبر - 13:57

ما يُقال في الصلاة الجنازة
[ذكر معاني للأدعية مأثورة في صلاة الجنازة]

لقد ورد في السنَّة أحاديثُ عديدةٌ تتعلَّق بما يُقال في الصلاة على الجنازة، وفيما يلي بيانُها:
ثبت في صحيح مسلم عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : " صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جَنَازَةٍ ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ ، وَعَافِهِ ، وَاعْفُ عَنْهُ ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ ،وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَردِ وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنسِ ، وَأَبْدلْهُ دَاراً خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ، وَأهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ ، قَالَ : حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ المَيِّتُ " (1)
وهو دعاء عظيم جامع، محض فيه الدعاء للميت بالعفو والغفران، والسلامة والنجاة، والإكرام والإحسان، يُؤتى به في هذا الموضع العظيم عند الصلاة عليه، وهو موضع يُستحبُّ فيه المبالغة في الترحُّم على الميت والدعاء له ، لأنَّه قد أُتي به إلى إخوانه المسلمين ليدعوا له ، وليسألوا الله مغفرةَ ذنوبه وستر عيوبه وإقالة عثراته ، وهو دعاء ينفع الميت بإذن الله ، وهو من جملة الأمور الدالة على التراحم والتعاطف بين أهل الإيمان ، والسُّنَّة في هذا الدعاء أن يُؤتى به بعد التكبيرة الثالثة ، أما التكبيرة الأولى فيقرأ بعدها الفاتحة ، والتكبيرة الثانية يُصلِّي بعدها على النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وبعد التكبيرة الثالثة يُؤتى بهذا الدعاء أو غيره من الدعوات المأثورة .
قوله: " اللهمَّ اغفر له وارحمه " المغفرة ستر الذنوب مع التجاوز عنها، والرحمة أبلغ، لأنَّ فيها حصول المرغوب بعد زوال المكروه.
وقوله: " وعافه واعف عنه " أي: عافه من العذاب وسلِّمه منه، واعف عنه ما وقع فيه من زلل وتقصير.
وقوله: " وأكرم نزله " النُزُل: ما يُقدِّم للضيف، أي: اجعل نزله وضيافته عندك كريمة.
وقوله : " وأوسع مُدخلَه " أي : وسِّع له في قبره وافسح له فيه، ووسِّع له كذلك منازله عندك في الجنَّة ، لأنَّ المدخلَ هنا مفردٌ مضاف فيَعمُّ .
وقوله : " واغسله بالماء والثلج والبرد " وهذه الأمور الثلاثة تُقابل حرارة الذنوب فتبردها وتُطفىءُ لهيبَها .
وقوله : " ونقِّه من الذنوب كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدَّنس " من التنقية وهي بمعنى التطهير ، أي : طهِّره من ذنوبه وخطاياه كما يُطهَّر ويُنظَّف الثوب الأبيض من الدَّنس الذي علق به ، وخصَّ الأبيض بالذِّكر ، لأنَّ إزالةَ الأوساخ فيه أظهر من غيره من الألوان .
وقوله: " وأبدله دارًا خيرًا من داره " أي: أدخله الجنَّة دار كرامتك، بدلاً عن دار الدنيا التي رحل عنها.
وقوله: " وأهلاً خيرًا من أهله وزوجا خيرًا من زوجه " أي: وأبدله خيرًا منهم، وهذا شامل للتبديل في الأعيان والأوصاف، أمَّا في الأعيان بأن يُعوِّضه الله عنهم خيرًا منهم في دار كرامته، وأمَّا في الأوصاف بأن تعودَ العجوزُ شابةً وسيِّئةُ الخلق حسنةَ الخلق ، وغيرُ الجميلة جميلةً .
ثمَّ سأل الله له دخول الجنَّة والنجاة من النار، والسلامة من فتنة القبر بأن يُوقى شرُّها وأثرها.
وممَّا يُقال في الصلاة على الجنازة ما رواه أحمد وابن ماجه وغيرُهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : " صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرنَا ، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا ، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلاَ تُضِلَّنَا بَعْدَهُ " (2)
وهو دعاءٌ عظيمٌ شمل الميِّت المصلَّى عليه وغيرَه من المسلمين الأحياء منهم والأموات، والصغار والكبار ، والذكور والإناث ، والمشاهد منهم والغائب ، لأنَّ الجميعَ مشتركون في الحاجة بل الضرورة إلى مغفرة الله وعفوه ورحمته، ومن دعا بهذه الدعوة فله بكلِّ واحد من المسلمين والمسلمات المتقدِّمين منهم والمتأخرين حسنة ، لما ثبت في المعجم الكبير للطبراني بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مَن استَغْفَرَ للمؤمنين والمؤمنات كَتَبَ اللهُ له بكلِّ مُؤمنٍ ومُؤمنةٍ حَسَنَةً " (3)
وقوله : " اللَّهمَّ مَن أحييته منَّا فأحيه على الإسلام ، ومن توفَّيته منا فتوفَّه على الإيمان" فذكر الإسلام في الحياة والإيمان عند الممات ، وذلك أنَّ الإسلام إذا قُرن بالإيمان يُراد به الشرائع العملية الظاهرة ، ويُراد بالإيمان الاعتقاداتُ الباطنة ، ولهذا ناسب في الحياة أن يذكر الإسلام ، لأنَّ الإنسان ما دام حيًّا فلديه مجال وفسحة للعمل والتعبُّد، وأمَّا عند الممات فلا مجال لذلك ، بل لا مجال إلاَّ للموت على الاعتقاد الصحيح والإيمان السليم بتوفيق من الله ، ولهذا قال : " ومن توفَّيته فتوفَّه على الإيمان ".
وقوله: " اللَّهمَّ لا تحرمنا أجره " أي: الأجر الذي نحصله من تجهيزه والصلاة عليه وتشييعه ودفنه، وكذلك الأجر نحصله من صبرنا على مصيبتنا فيه، أمَّا أجر عمله فهو له، وليس لنا منه شيء.
وقوله: " ولا تُضلَّنا بعده " أي: أعذنا من الضلال وجنِّبنا الفتنة، والزَّلل بعد فقدنا له.
ومن باب الدعوات التي تُقال في الصلاة على الجنازة ما رواه الطبراني في المعجم الكبير والحاكم عن يزيد بن رُكانة بن المطلب رضي الله عنه : " كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قَامَ إلى جَنَازَةٍ ليُصَلِّيَ عليها قال : اللَّهُمَّ عَبْدُكَ وابنُ أَمَتِكَ احتَاجَ إلى رَحْمَتِكَ ، وأنتَ غَنيٌّ عَن عَذابِه ، إن كانَ مُحْسناً فَزِدْ في حَسَناتِه ، وإن كان مُسيئاً فَتَجَاوَزْ عنه " ، وهو حديث ثابت (4)
وروى مالك في الموطأ عن سعيد المقبري أنَّه سأل أبا هريرة : كيف تُصَلِّى على الجنازة؟ فقال أبو هريرة : " أنَا لَعَمْرُ الله أُخْبرُك ، اتَّبعُهَا مِن أَهْلِهَا ، فإذا وُضعَت كَبَّرتُ وَحَمِدتُ اللهَ وصلَّيت على نبيِّه ، ثمَّ أقول : " اللَّهمَّ إنَّه عَبْدُكَ وابنُ عَبْدكَ وابنُ أمَتِكَ، كان يَشهَدُ أن لاَ إلَه إلاَّ أنتَ ، وأنَّ محمَّداً عبدُكَ ورَسولُك ، وأنتَ أعلَمُ بِه ، اللَّهمَّ إن كَانَ مُحسناً فَزِدْ في إحْسانِه، وإن كانَ مُسيئاً فتَجَاوَزْ عَن سيِّئاته ، اللَّهمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَه ، ولا تَفْتِنَّا بَعدَه " (5)
نسأل الله أن يغفر لنا ولجميع المسلمين، إنَّه هو الغفور الرحيم.

-----------------------------
(1) : صحيح مسلم ( رقم :963)
(2) : مسند أحمد (2/368)، وسنن ابن ماجه (رقم : 1498)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح ابن ماجه ( رقم:1217)
(3) : مجمع الزوائد (10/210)، وحسَّنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع ( رقم : 6026)
(4) : المعجم الكبير (22/249)، والمستدرك (1/359)، وانظر أحكام الجنائز للألباني رحمه الله (ص:159)
(5) : الموطأ ( رقم :609)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
simo1234
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 04/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر   الأحد 25 أكتوبر - 13:58

مَا وَرَدَ فِي السَّلاَمِ
إنَّ من آداب الإسلام الحميدة وخصاليه الرشيدة إفشاءَ السلام، فإنَّ السلام تحيَّةُ المؤمنين ،وشعارُ الموحِّدين ، وداعيةُ الإخاء والأُلفة المحبَّة بين المسلمين ، وهو تحيَّةٌ مبارَكةٌ طيِّبةٌ ،كما وصفه بذلك ربُّ العالمين، وذلك قوله سبحانه : ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِندِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ [ سورة النور: 61] ، وهو تحيَّة أهل الجنَّة يحيِّيهم بها الملائكة الكرام ، وذلك عندما يُساق أهل الجنَّة إلى الجنَّة زُمَرًا ، وتفتح لهم أبوابها الثمانية ، فيتلَّقاهم خزنتُها بهذه التحيَّة ﴿ سَلَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدينَ ﴾ [ سورة الزمر: 73]، وهو تحيَّة أهل الجنَّة بينهم، كما قال تعالى:
﴿ تَحِيَّتُهُمْ فيهَا سَلَمٌ ﴾ [ سورة إبراهيم: 23]، وهو تحيَّة الملائكة وتحيَّة آدم وذريته.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: " خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ : اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَفَرِ مِنَ المَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ ، فَإِنَّها تَحِيَّتُكَ وتَحيَّةُ ذرِيَّتكَ فَقَالَ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا : السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ ، فَزَادُوهُ : وَرَحْمَةُ اللهِ ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ " (1)
ومن فضائل السلام أنَّه من خير الإسلام ففي الصحيحين عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: " أنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرً ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ " (2)
وهو حقِّ للمسلم على أخيه المسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: " حقُّ المسلم على المسلم ست "، وذكر منها " وإذا لقِيتَه فسلِّم عليه "
وهو سببٌ عظيمٌ للأُلفة بين المسلمين والمحبَّة بين المؤمنين، كما قال صلى الله عليه وسلم : " لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلاَ أَدُلَّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ، أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ " رواه مسلم (3)
والمحبَّة الحاصلةُ هنا سببُها أنَّ كلَّ واحد من المتلاقيين يدعو للآخَر بالسلامة من الشرور ، وبالرحمة الجالبة لكلِّ خير ، ولهذا ثبت في المسند وغيره عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال : " أفشوا السلام تسلموا " (4) أي : تسلموا من كلِّ موجِب للفُرقة والقطيعة ، وكيف إذا انضمَّ إلى هذا بشاشةُ الوجه وحُسنُ الترحيب وجمالُ الأخلاق.
وعلى المُسلَّمِ عليه ردُّ التحيَّة بأحسن منها أو مثلها، لقوله تعالى:﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [ سورة النساء:86]
وخيرُ الرَّجلين مَن يبدأُ صاحبَه بالسَّلام ، ففي سنن أبي داود عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بالسَّلامِ " (5)، وإذا لَم يُسلِّم مَن يُطلبُ منه ابتداءُ السلام فليُسلِّم الآخر ولا يتركوا السنَّة.
ومن السُّنَّة أن يسلِّم الصغيرُ على الكبير ، والقليلُ على الكثير ، والراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يُسلِّمْ الرَّاكبُ على الماشِي، والماشي على القاعد ، والقليلُ على الكثير " وفي رواية للبخاري : " يُسلِّم الصغير على الكبير والمارُّ على القاعد والقليلُ على الكثير " (6)
وكان صلى الله عليه وسلم يُسلِّم على الصبيان ويبدأهم بالسَّلام ، وهذا من كمال تواضعه ، وهو دأبُ السَّلف الصالح رحمهم الله ، روى مسلمٌ في صحيحه عن يسار قال : " كنتُ أمشِي مع ثابت البُناني، فمرَّ بصبيان فسلَّم عليهم ، وحدَّث ثابتٌ أنَّه كان يَمشي مع أنس رضي الله عنه فمَرَّ بصبيان فسلَّم عليهم ، وحدَّث أنسٌ أنَّه كان يَمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمَرَّ بصبيان فسلَّم عليهم " (7)
ثمَّ إنَّ ابتداءَ السلام سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، فإن كان المسلِّمُ جماعةً كفى عنهم واحد، ولو سلَّموا جميعًا كان أفضلَ، ورفعُ الصوت بابتداء السَّلام سُنَّةٌ ليَسمعه المسلِّمُ عليهم كلُّهم سماعًا محقَّقًا لحديث " أفشوا السَّلام بينكم "
وإن سلَّمَ على أيقاظ ونيام خفضَ صوتَه بحيث يُسمع الأيقاظَ ولا يوقظ النيامَ ، وهذا أدبٌ إسلاميٌّ رفيعٌ ، وقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يجيءُ من اللَّيل فيُسلِّم تسليمًا لا يُوقظ نائماً ، ويسمع اليقظان ، رواه مسلم في صحيحه ضمن حديث طويل (Cool
ويُسَنُّ أن يَبدأ بالسَّلام قبل الكلام لحديث " مَن بدَأَ بالكَلام قَبل السَّلام فلا تُجيبوه " رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (9)
وكلما زاد المسلم من صيغ السلام المأثورة زاد أجرهُ بكلِّ واحدة عشرُ حسنات ، روى أبو داود والترمذي عن عمران بن حصين رضي الله عنه :" أنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ : عَشْرٌ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ : السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ : عِشْرُونَ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ : السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: ثَلاَثُونَ " (10)
ولا يزيد المسلمُ على هذا كأن يقول : ومغفرته ومرضاته لأنَّ السَّلامَ المسنون انتهى إلى "وبركاته" لو كان في الزيادة خيرٌ لدلَّنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روى مالك في الموطأ عن محمد بن عمرو بن عطاء أنَّه قال :" كنتُ جالساً عند عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، فدخل عليه رجلٌ من أهل اليمن ، فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ثم زاد شيئًا مع ذلك أيضًا ، قال ابن عباس، وهو يومئذ قد ذهب بصرهُ : من هذا ؟ قالوا : هذا اليمانيُّ الذي يغشاك ، فعرَّفوه إيَّاه فقال ابن عباس: إنَّ السَّلامَ انتهى إلى البَركَة " (11)
ومن أحكام السلام أن لا يُقْصَر على المعرفة ، بل يُسلِّمُ المسلمُ على مَن عرف ومن لَم يعرف ، وقد مرَّ معنا حديثُ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في هذا، وجاء في السُّنَّة أنَّ من أشراط الساعة قصْرَ السلام على المعرفة ، ففي المسند بسند جيِّد عن الأسود بن يزيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنَّ من أشراطِ السَّاعة إذا كانت التَّحيَّةُ على المعرفة " (12) ، وفي رواية : " أن يُسلِّمَ الرَّجل على الرَّجل لا يُسلِّم عليه إلاَّ للمعرفة "
ومن أحكام السلام ألاَّ يُبدَأ اليهودُ والنصارى بالسلام ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تبدَؤوا اليهود ولا النصارى بالسَّلام " (13) ، وإذا بدؤوا هم بالسلام فإنَّه يُكتفى بالردِّ عليهم بأن يُقال " وعليكم " لِـمَا في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إِذَا سَلَّمَ عَليكم أهلُ الكتاب فإنَّما يقولُ أحدُهم السَّامُ عليكم ، فقل وعَلَيكم " (14)
وأمَّا أهل البدع والأهواء ففي حُكم السلام عليهم تفصيلٌ يُعلم بمطالعة الأدلة ومعرفة هدي سلف الأمَّة رحمهم الله ، فإذا كان المبتدعُ كافرًا ببدعته وحكم المحقِّقون من أهل العلم بخروجه من الملَّة ، فإنَّه لا يُسلَّمُ عليه ، إذ حكمُ السلام عليه كحكم السلام على الكفار سواء .
إمَّا إذا لَم يبلغ ببدعته حدَّ الكفر ، فالسَّلام عليه جائزٌ ابتداءً وردًّا ما دام أنَّ الإسلامَ وهو موجبُ استحقاقه للسلام موجودٌ فيه ، وهكذا الشأن في العُصاة من أهل الإسلام
وإنَّما يُشرع تركُ السلام على هؤلاء في بعض الأحوال إذا كان في تركه تحصيلُ مصلحة راجحة أو دفع مفسدةٍ متحقِّقة ، كأن يَترك السلام عليهم تأديبًا لهم أو زَجراً لغيرهم، أو صيانة لنفسه من التأثُّر بهم أو غير ذلك من المقاصد الشرعية
وأمَّا التهاجرُ والتقاطعُ وتركُ السلام بلا سبب شرعيٍّ فهو أمر لا يُحبُّه الله من عباده ، ونسأل الله أن يجمع المسلمين على الحقِّ والهدى ، وأن يُؤلِّف بين قلوبهم على البرِّ والتقوى ، وأن يهدينا جميعًا سواءَ السبيل .


الحواشي:
(1) : صحيح البخاري ( رقم :6227)، وصحيح مسلم (رقم :2841)
(2) : صحيح البخاري ( رقم : 28)، وصحيح مسلم ( رقم :49)
(3) : صحيح مسلم ( رقم :54)
(4) : المسند (4/286)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (رقم : 1087)
(5) : سنن أبي داود ( رقم :5197)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب ( رقم :2703)
(6) : صحيح البخاري ( رقم :6232،6234)، وصحيح مسلم ( رقم :2160)
(7) : صحيح مسلم ( رقم :2168)
(Cool : صحيح مسلم ( رقم :2055)
(9): عمل اليوم والليلة ( رقم:210)، وحسَّنه الألباني في الصحيحة ( رقم:816)
(10) : سنن أبي داود ( رقم : 5195)، وسنن الترمذي ( رقم :2689)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب ( رقم :2710)
(11) : موطأ مالك ( رقم :2758)
(12): المسند (1/387)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في الصحيحة ( رقم:648)
(13): صحيح مسلم ( رقم :2167)
(14): صحيح البخاري ( رقم: 6257)، وصحيح مسلم ( رقم :2163)

كتبه على الجهاز في مجلس واحد بعد العشاء
ليوم: 24/10/2009 – 05 ذو القعدة 1430هـ
سفيان ابن عبد الله الجزائري – كان الله له
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ابوتوفيق
مراقب
مراقب


وسام التواصل

وسام الحضور المميز

اوفياء المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 1462
تاريخ التسجيل : 05/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر   الأحد 29 نوفمبر - 9:28

جزاكم الله خيرا
وبارك الله فيكم
ورزقكم الفردوس الاعلى من الجنه
بعد طول عمر وحسن عمل

 
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
فقه الأدعية والأذكار للشيخ أ.د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: