منتدي المركز الدولى




۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer

منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و يتمنى لك اسعد الاوقات فى هذا الصرح الثقافى

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر | 
 

 قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طه
عضو ذهبى
عضو ذهبى
avatar

عدد المساهمات : 364
تاريخ التسجيل : 07/01/2011

مُساهمةموضوع: قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين   الأربعاء 27 سبتمبر - 8:40


قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين
قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين
قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين
قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين

قصة يوسف عليه السلام (1)

إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحْدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:
فإنَّ خير الكلام كلامُ الله، وخير الهَدي هَديُ محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم.
إخوة الإيمان:
قِصَّة من القصص القرآنية، ذات مدلولاتٍ عجيبة، ووقائعَ فريدة، مليئة بالعِظات والعِبر.
قصَّة تتعلَّق بشخصية كريمة، لنبيٍّ من الأنبياء، وما واجَهَه في حياته من حوادثَ ووقائع، وابتلاءات ومِحَن، جاءتْ تفصيلاتها في سورة سُمِّيت باسمه، إنَّها قصَّة الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف - عليه السلام.

جاء في الآية الثالثة من السورة: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ [يوسف: 3]، وخُتِمتْ في آخِر آية منها بقوله - تعالى -: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111].

وسنقِف مع أجزاءَ مِن هذه القصة، ونذكر بعضَ ما أشار إليه أهلُ العلم من الفوائد والعِبر، وسيكون ذلك في عِدَّة خُطبٍ - إن شاء الله.

قال الله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾[يوسف: 4]، فأوَّلها يعقوب - عليه السلام - بأنَّ الشمس: أمُّه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنَّه ستنتقل به الأحوالُ إلى أن يصيرَ إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكرامًا، فكانتْ هذه الرؤيا مقدِّمة لما وصل إليه يوسف - عليه السلام - مِنَ الارتفاع في الدنيا والآخرة، فقال يعقوب - عليه السلام - عندئذٍ: ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [يوسف: 5]، فيعقوب - عليه السلام - خَشِي أن يَحسُدَهُ إخوتُهُ؛ لأنَّ الشيطان عدوٌّ لا يفتر.

وتأمَّلْ هذا الخطاب الأبويَّ، والأسلوب التربويَّ الرائع، الذي هو أقربُ إلى الإقناع، ومن ثَمَّ التطبيق والانتفاع، فيعقوب - عليه السلام - حين نهاه عَلَّل له ذلك، وبيَّن السبب: ﴿ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾، ثُمَّ علَّل أيضًا لِمَ يكيدون له: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾، ثم قال: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [يوسف: 6].

ونِعمة الله على العبد، نعمةٌ على مَن يتعلَّق به مِن أهل بيته وأقاربه ومَن حوله، ونافعٌ في التربية إخبارُ الابن والبنت بمَن كان من أقاربهم على خِصالٍ حميدة، وصِفات كريمة.

وعودًا إلى القصة:
رأى أبناءُ يعقوب من محبَّة أبيهم ليوسفَ وأخيه الشقيق (بنيامين) ما لم يكن لواحدٍ منهم، فغاظهم ذلك، وصاروا يَحقِدون على أخيهم، فأضمروا له الشَّرَّ، وائتمروا فيما بينهم على الخَلاص منه، وظنُّوا أنهم بهذا العمل يستأثرون بحبِّ والدهم، ثم يتوبون بعدَ ذلك من عملهم هذا؛ ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ [يوسف: 8 - 9].

لقد تشاوروا على قتْله، ولكن أحدهم كان أرشدَ وأعقلَ ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [يوسف: 10]، فالمقصود يحصُل بإبعاده عن أبيه من غير قتْل، واتَّفقوا على هذا الرأي.

ها هنا وقفة مع أولئك الآباء الذين يُفضِّلون بعضَ أبنائهم على بعض، ويُظهِرون ذلك، ويفرِّقون بينهم في العَطيَّة، فإنَّ هذا مما يوقِع العداوةَ والبغضاء بينهم، ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴾ [يوسف: 11 - 14]، فأرسل يوسفَ معهم إلى البرية، وعندما خرجوا به نفَّذوا مخططَهم، فأنزلوه في بِئر وتركوه، ورجعوا في اللَّيْل يُظهرون الحزنَ، ويرفعون أصواتهم بالبُكاء؛ ليكونَ إتيانهم متأخرًا عن عادتهم وبكاؤُهم دليلاً لهم، وقرينةً على صِدقهم، ﴿ وَجَاؤُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾[يوسف: 16 - 18].

فلم يُصدِّقْهم أبوهم بذلك؛ لأنَّه رأى من القرائن والأحوال، ومِن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه، ما دلَّه على ما قال، وقال يعقوب: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾، وهو الصَّبر الذي لا شَكْوى فيه.

وانظرْ شؤمَ الذنوب، فالذنب الواحِد يستتبع ذنوبًا متعدِّدة، فهم هنا وقعوا في العقوق، وقطْع الرَّحِم، والاحتيال، والكَذِب، وكلها كبائر، ونواصِل في الخُطبة الثانية، نفعني الله وإيَّاكم بالسُّنة والقرآن، ونفعنا بما فيهما من الهُدى والبيان، واستغفروا الله إنَّه كان غفارًا.

الخطبة الثانية
الحمد لله اللطيف الخبير، الحكيمِ السميع البصير، وصلَّى الله وسلَّم على رسوله محمَّد، وعلى آله وصحْبه.
أمَّا بعدُ: معاشرَ الكرام:
فاستكمالاً للقصَّة: مرَّت قافلةٌ أمامَ البئر بلُطف الله - عزَّ وجلَّ - ورحمته، وكانتْ قاصدةً مصر، فذهب أحدهم ليأتيَ لهم بالماء من البئر، فلمَّا أدْلى دَلْوَه، تعلَّق به يوسف، حتى خرجَ من البئر، فأسَرَّه الواردون على الماء عن بقية القافِلة، وقالوا: اشتريناه وتبضَّعْناه مِن أصحاب الماء؛ مخافةَ أن يشاركوهم فيه إذا عَلِموا خبرَه؛ قاله مجاهد، وابن جرير، ولأهل العلم قولٌ آخر، وهو ما رُوي عن ابن عبَّاس مِن أنَّ قوله: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾؛ يعني: إخوة يوسف، أسرُّوا شأنه، وكتموا أن يكونَ أخاهم، وكتم يوسف شأنَه؛ مخافةَ أن يقتله إخوته، واختار البيع.

﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ ﴾ [يوسف: 19 - 20]، قيل: الضمير في ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ عائدٌ على القافلة، وقيل: عائدٌ على إخوة يوسف، ومعنى ﴿ شَرَوْهُ ﴾: باعوه؛ لأنَّهم كانوا زاهدين فيه، ورجَّح هذا ابنُ كثير، والله أعلم.

وبعدَ ذلك باعتْه القافلة في مصر، وكان الذي اشتراه وزيرَ الملِك، فأرسله إلى بيته، وأوْصَى زوجته بالإحسان إليه، فصار ليوسفَ بعدَ ذلك مقامٌ كريم في منزل وزيرِ الملِك، وأُلْهِم - عليه السلام - تفسيرَ الرُّؤى؛ ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 21]، لا يعلمون حِكمتَه في خلقه، وتلطُّفَه لِمَا يريده.

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 22]؛ أي: وَلَمَّا بَلَغَ يوسف أَشُدَّهُ؛ أي: كمالَ قوَّته المعنوية والحِسيَّة، وصلح لأنْ يتحمَّلَ الأحمال الثقيلة، مِن النبوَّة والرِّسالة - آتيناه حُكْمًا وَعِلْمًا؛ أي: جعلناه نبيًّا رسولاً، وعالِمًا ربانيًّا.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾؛ أي: المحسنين في عبادة الخالِق، والمحسنين إلى عباد الله، يُؤتيهم مِن جُملة الجزاء على إحسانهم علمًا نافعًا، وكان الإحسانُ ونفْع الناس من سجايا يوسف - عليه السلام - كما وصَفَه أصحابُ الرؤيا في السِّجن: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 36].

وفي الحديث: ((أحبُّ الناس إلى الله تعالى أنفعُهم للناس))؛ صحَّحه الألباني، وللحديث بقيَّة فيما بعد - إن شاء الله.
ثم صلُّوا وسلِّموا، اللهمَّ اجعل القرآن الكريم ربيعَ قلوبنا، اللهمَّ أصلح ولاةَ أمور المسلمين.



قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة
قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة
قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة
قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
طه
عضو ذهبى
عضو ذهبى
avatar

عدد المساهمات : 364
تاريخ التسجيل : 07/01/2011

مُساهمةموضوع: رد: قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين   الأربعاء 27 سبتمبر - 8:42


قصة يوسف عليه السلام (2)

المراودة
إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسِنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].

معاشر الكرام:
كنَّا قد تطرقْنا الجمعة الماضية إلى أوَّلِ قصة نبيِّ الله يوسف، وما حَدَث له من إخوته، مِن إلْقائه في البئر، ثم بَيْعِهم له على قافلة، ثم بَيْع القافلة يوسفَ على عزيز مصر، ومرَّ بنا بعضُ ما ذَكَر أهل العلم مِن الفوائد، ونستكمل اليومَ جزءًا من القصة، وهي من أشدِّ ما جرَى ليوسف - عليه السلام - إذ إنَّه تعرَّض لفتنة عظيمة، وهو في بيْت وزير الملِك، وكان ذلك بسبب جَماله الباهِر.

وذلك أنَّ امرأة العزيز رأتْ جمالَ يوسف، فخفق قلبُها، واضطرمتْ مشاعرها، إلى أنْ أظهرتْ شعورَها نحوَ يوسف وحبَّها له، فانتهزتْ فرصةَ خلوتها به في بيتها يومًا، فغلَّقتِ الأبواب، وأخذتْ تُغريه بنفسها، فعرضتْ عليه محاسنَها ومفاتنَها، وقالت له: أقْبِل عليَّ فقد هيأتُ لك نفسي، ووالله، إنَّها لفتنةٌ لا يقوى على تحمُّلها وتجاوزها إلا مَن وفَّقه الله - عزَّ وجلَّ - فهو غريب، والغريب لا يحتشِم غالبًا حشمَه إذا كان في وطنه وبيْن معارفه، وهو أيضًا أسير تحتَ يدها، وفيها مِن الجمال ما يدعوه إلى وقاعها، وهو شابٌّ عزبُ، وقد توعدتْه - إن لم يفعل ما تأمره به - بالسجن، أو العذاب الأليم.

ومن السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظلِّ عرْشه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: ((رجلٌ دعتْه امرأة ذاتُ منصِب وجمال، فقال: إني أخاف الله))، فيوسف - عليه السلام - نفَرَ منها نفرةَ المستنكِر لهذا الأمر، فصبر عن معصية الله، مع وجود الدواعي القويَّة.

والذي حَصَل منه مجرَّد همٍّ فيها، تَرَكه لله، وقدَّم مرادَ الله على مراد النَّفْس الأمَّارة بالسُّوء، وإنما الهمُّ الذي يُلام عليه العبد، الهمُّ الذي يساكنه، ويصير عزْمًا، وربَّما اقترن به الفِعْل، وقد رأى يوسفُ مِن برهان ربه ما أوجب له البُعدَ والانكفاف عن هذه المعصية الكبيرة، وذلك بما معه مِنَ العلم والإيمان، لقد كان يوسف ممَّن ﴿ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾ [النازعات: 40]، ولا صِحَّة لِمَا في بعض الكتب مِن روايات بني إسرائيل، مِن أشياءَ لا دليلَ عليها، وأيضًا لا تليق بالأتقياء، فضلاً عن الأنبياء، لقد قال يوسفُ لَمَّا دعتْه إلى الحرام: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾؛ لأنَّ هذا مما يُسخِط اللهَ ويُبعِد منه، ولأنَّه خيانةٌ في حقِّ سيده الذي أكرم مثواه، ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 23 - 24]، وفي قراءة أخرى: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ ﴾، وكِلا المعنيين مرادٌ، فهو من المخلَصين؛ لأنَّه من الأنبياء، ومن المخلِصِين لأنَّه يُريد العفافَ، وترْك الحرام، والإخلاصُ سببٌ للخلاص، لقد أسْرع يوسف - عليه السلام - إلى الباب يُريد الإفلاتَ منها، وأسرعتْ وراءَه؛ لتحولَ دون خروجه، وجذبتْ قميصَه من الخَلْف؛ لتمنعَه من الخروج، فتمزَّق، لكنَّه تمكَّن من الخروج، وفي هذه الحال وجَدَا عند الباب زوجَهَا، فبادرتْه باتهام يوسف بمحاولة اغتصابها، وحرضتْه على سجْنِه، لكن يوسف - عليه السلام - دَفَع التهمةَ عن نفسه بأنَّها هي التي حاولتْ أن تخون زوجَهَا، وأنَّه امتنع عن الاستجابة لها، وبينما هما يتبادلانِ الاتهامَ حضَرَ الجدالَ قريبٌ لها، فحكم بينهما: إن كان قميصُه شُقَّ من الأمام فقد صَدَقَتْ؛ لأنه يكون لما دعاها وأبتْ عليه، دفعتْه في صدره، فقدَّتْ قميصه، وإن كان قميصه شُقَّ من الخَلْف، فقد كذَبَتْ في قولها، وهو من الصادقين؛ لأنَّ هذا يعني أنَّه كان يحاول الفرار، فأمسكتْ به من ورائِه؛ لتردَّه إليها.

فلمَّا رأى الزَّوجُ أنَّ قميص يوسف شُقَّ من الخلْف، عَلِم صِدق يوسف - عليه السلام - وتبيَّن له كيْدُ زوجته، لكنَّه رغب في ستْر الفضيحة، فقال ليوسف: تناسَ ما جَرَى لك واكتمْه، وقال لامرأته: استغفري الله لذنبك وتُوبي، إنَّك كنتِ من الآثمين.

﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 25 - 29].

وسبحان الله! جرتِ السُّنن الإلهيَّة أنَّ الجريمة مهما حاول الإنسانُ ضبطها، فإنَّه لا بدَّ أن تفوته أشياءُ، تكون سببًا في كشْفها، إمَّا عاجلاً أو آجلاً.

ويُستفاد أيضًا: أنَّه ينبغي للعبد إذا رأى محلاًّ فيه فِتْنة، وأسباب معصية، أن يفرَّ منه غايةَ ما يمكنه؛ ليتمكَّنَ من التخلُّص من المعصية، فيوسف - عليه السلام - لما راودتْه المرأة فرَّ هاربًا، يطلب الباب؛ ليتخلَّص من شرِّها.

كما أنَّ مِن أسباب المراودة هنا الاختلاط والخلوة، وبعض الناس اليومَ يتساهل في الخلوة بالخادِمة، أو خلوة السائِق مع المرأة، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: ((لا يخلونَّ رجل بامرأة إلاَّ ومعها ذو مَحْرَم))؛ أخرجه الشيخان.

وفي مسند أحمد: ((ولا يخلونَّ رجل بامرأة، فإنَّ ثالثَهُما الشيطان))؛ صحَّحه الألباني.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنة، ونفعَنا بما فيهما من الآيات والحِكمة، واستغفروا الله، إنَّه كان غفَّارًا.

الخطبة الثانية
الحمدُ لله على إحسانِه، والشُّكر له على إفْضالِه وإنعامِه، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه.

أما بعد:
انتشر خبرُ الحادثة التي وقعتْ في بيت الملِك إلى جماعةٍ مِن نساء المدينة، وتناقلْنَه في مجتمعاتهنَّ، أنَّ امرأةَ العزيز أغرَتْ خادمَها، وراودتْه عن نفسِه؛ ليطيعَها فيما تريده منه، وقد خالَطَ حبُّه شغافَ قلْبها، وصل هذا إلى سمْع امرأةِ العزيز، فقرَّرت أن تُريهنَّ يوسفَ - عليه السلام - ليلتمسْنَ لها العذر، فاستضافتهنَّ يومًا، وبعد أن استقرَّ المقام بالمدعوات أمرتْ بالطعام، وأعطتْ كلَّ واحدة سِكِّينًا؛ لتقطعَ بها، وفي هذه الأثناء أمَرتْ يوسفَ أن يخرج إليهنَّ، فانبهرْنَ بجماله الرائع، فجرحن أيديهنَّ من فرط الدَّهْشة والذهول.

ولِمَّا رأتِ امرأة العزيز أنَّ النساء شاركْنَها في الإعجاب به، حينئذٍ باحَتْ لهنَّ بمكنون فؤادها قائلةً: هذا هو الفتى الذي تَلُمْنَني في حبِّه، هذا الذي حاولتُ إغراءَه فامتنع، وأُقسِم إن لم يفعلْ ما آمرُه، ليُعاقبنَّ بالسجن، وليكون من الأذلاَّء.

لكن يوسف - عليه السلام - لم يَلِنْ، ولجأ إلى ربِّه مناجيًا، بأنَّه يُفضِّل السجن على معصيته، ثم دعا ربَّه أنْ يصرفَ عنه شرَّ مكرهنَّ، فاستجاب الله دعاءَه، فصرف عنه المعصية، إنَّه - سبحانه - السميع لدعوات الملتجئين.

قال - تعالى -: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ [يوسف: 30 - 32].
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: 33 - 34].

اعتصمَ يوسفُ بربه، واستعان به على كيْد النِّسوة؛ لأنهنَّ جعلْنَ يُشرْنَ على يوسفَ بمطاوعة سيدتِه، فاستحبَّ السجن والعذاب الدنيويَّ على لذَّةٍ فيها وعيدٌ شديد.

ويُستفاد: أنه ينبغي للعبد أن يدعوَ ربَّه، ويحتمي بحِماه، وخصوصًا عند وجود أسباب المعصية، وأن يتبرَّأَ العبد من حَوْله وقوَّته، والدعاءُ مِن أعظم ما يُعين على العِفَّة عن الحرام، خصوصًا في هذا الزمن الذي كثُرتْ فيه الفتن.

وأمَّا أسياد يوسف فإنَّه لما اشتهر الخبرُ سجنوه؛ إيهامًا أنه هو الذي راودها عن نفسها، وأنَّهم سجنوه على ذلك عقوبةً له، ولهذا لما طلبه الملِك بعد سنين، امتنع مِن الخروج حتى تتبيَّن براءتُه ممَّا نُسِب إليه من الخيانة، فلمَّا تقرر ذلك خرج وهو نَقِيُّ العِرْض - صلوات الله عليه وسلامه.

وللحديث بقية - إن شاء الله - عن يوسف في السجن وبعدَ السجن.

وبعدُ أيها الكرام، صلُّوا وسلِّموا على خير البرية.

اللهم اجعل القرآن الكريم ربيعَ قلوبنا، اللهم أصلِحْ وُلاةَ أمور المسلمين.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
طه
عضو ذهبى
عضو ذهبى
avatar

عدد المساهمات : 364
تاريخ التسجيل : 07/01/2011

مُساهمةموضوع: رد: قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين   الأربعاء 27 سبتمبر - 8:44


قصة يوسف عليه السلام (3)

قصة يوسف عليه السلام (3)
السجن
إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

معاشر الكرام:
كنَّا في الجُمُعتَيْن الماضيتَيْن، قد تطرقنا إلى شيءٍ من قصة نبي الله يوسف، وبعض ما ذكَرَه العلماء من الفوائد واستنبطوه، واليوم نقف مع حال يوسف - عليه السلام - في السجن، ومِن المعلوم: أنَّ يوسف - عليه السلام - كان سَجْنُه ظلمًا، ولكن كان خروجه من بيت امرأة العزيز فيه ابتعادٌ عن المكْر والفِتنة، وكان فاتحةَ خير له، ورُبَّ مِحْنَة حُملتْ في طياتها مِنْحَةٌ؛ ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216].

وصادَف أنْ دخل معه السجن فتيان، مِن خَدَم الملِك، قيل: بتهمة المؤامرة على الملك، فرأى كلُّ واحد منهما رؤيا قصَّها على يوسف - عليه السلام - فأخبرهما بما علَّمه الله - عزَّ وجلَّ - ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 36]، فوصفوه بالإحسان؛ لأنَّه على خُلُق عالٍ كريم، وسيأتي بيان شيء من ذلك ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ [يوسف: 37]، قال مجاهد: يقول: ﴿ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ ﴾ [في نومكما]، ﴿ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ﴾.

ثم أخبر يوسفُ أنَّه ابتعد عن مِلَّة الكفر: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 37]، فذكر يوسف أنَّ هذه الحال التي هو عليها، كلها مِن فضْل الله وإحسانه، حيث منَّ عليْه بتَرْك الشِّرْك وباتِّباع ملة آبائه، وبهذا وصل إلى ما قد رأياه، ومِن هنا فينبغي لهما أن يسلُكا ما سلك، لقد اغتنم يوسف فرصةَ بقائه في السجن، في الدَّعوة إلى الله - عزَّ وجلَّ - ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 39 - 40].

كم في هذا الموقِف من درس جليل، ألا وهو أن يحاول المسلِم نشْر الخير، وأن يُبلِّغ دين الله - عزَّ وجلَّ - ورُبَّ كلمةِ حقٍّ تقولها، ينفع الله بها مسلمًا طيلةَ عمره، وربَّما لا يكون تأثيرها إلاَّ بعد سنوات، وبعدما دعاهما يوسف إلى التوحيد عبَّر لهما رؤياهما، وكان تعبيرُ إحدى الرؤى بشارةً لصاحبها بخروجه من السجن، ثم قُرْبه من الملِك، وأنَّه سيكون ساقيَ الخمر له، وأما تفسير الأخرى فقد كان محزنًا؛ إذ إنَّ تعبيرها أنه سيُقتل ثم يُصلب، وكم هو عجيبٌ خُلُقُ هذا النبي، ولطفُ مشاعره؛ إذ إنَّه لم يخبر مَن هو الذي سيُقتل، بل إنَّه أبهم، فقال: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ [يوسف: 41].

ولعلَّ مِن ثمرة ذكْر هذا التعبير - أعني: القتل - أن يكون هذا حاثًّا لهما على الإيمان، ويوسف قد أحْسن إليهما في ذلك، وإنْ كان ذلك ثقيلاً على النفْس، ولكن الدواء مرٌّ، والكيَّ حارٌّ.

ويستفاد: البَداءة بالأهم فالمهم، وأنَّه إذا سُئل المفتي أو غيره، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشدَّ، فإنه ينبغي له أن يُعلِّمه ما يحتاج إليه قبلَ أن يجيب سؤالَه، وهذا علامةٌ على نُصْح المعلِّم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه.

ثم قال يوسف - عليه السلام - للساقي خفيةً عن الآخر - والله أعلم - لئلاَّ يشعر الآخر أنَّه المصلوب: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ [يوسف: 42]؛ أي: اذكر قصتي عند ربك، وهو الملِك، فنسي ذلك الموصَى أن يُذَكِّر مولاه بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان؛ لئلا يخرجَ نبي الله من السجن، وأتَمَّ الله أمره وقضاءه، ﴿ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ [يوسف: 42].

والبِضع من الثلاث إلى التِّسع، قيل: إنَّه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يُتمَّ أمره، ويأذن بإخراج يوسف من السجن، قدَّر لذلك سببًا، به ارتفع شأنُه، وعلا قدرُه، ألا وهو رؤيا الملك، حيث إنَّه رأى في منامه سبع بقرات سمينات تأكلهن سبعُ بقرات هزيلات، ورأى أيضًا سبعَ سنابل خضراء، وسبع سنابل يابسة، وطلب مِن قومه أن يعبروها، فقالوا: إنَّها أضغاث أحلام، فهم قد جمعوا بيْن الجهل والجزم، ولم يقولوا: لا نعلم تأويلها.

وتعبير الرؤيا داخلٌ في الفتوى، ولا يجوز الخوضُ فيها بلا علم.
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ [يوسف: 43 - 44]، وحينئذٍ تذكَّر الساقي يوسف - عليه السلام .

ونكمل بعدَ قليل - إن شاء الله - بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وفي سُنة الرسول الكريم، وتاب عليَّ وعليكم، إنه توَّاب حليم.

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلَّى الله وسلَّم على رسوله، وعلى آله وصحبه.

أما بعد: إخوة الإيمان:
فعند رؤيا الملِك تذكَّر الساقي الذي سبق أن سُجِن يوسفَ - عليه السلام - ﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 45 - 46].

وما أسْمى خُلقَه - عليه السلام! شرع يوسف - عليه السلام - في تفسير الرؤيا، ولم يقلْ: لِمَ لَمْ تذكرني وتنفذ وصيتي؟

وكان تعبير الرؤيا: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ﴾؛ أي: متوالية ﴿ فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ [يوسف: 47 - 49].

لم يكتفِ - عليه السلام - بذكْر الفواجع التي سوف تنزل، بل وَصَف الحلولَ المناسبة، للخروج من هذه الأزمة الخانِقة، التي ستعمُّهم ببلائها، فَسُرَّ الملك بتفسير يوسف للرؤيا، وأراد إخراجَه من السجن الذي قد مكث فيه سنين، فامتنع يوسف.
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 50]، امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتى تتبيَّن براءتُه التامة، وهذا من صَبْره وتمام عقله.

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [يوسف: 51]، حصحص الحق؛ أي: تبيَّن الحق وظهر.

﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ [يوسف: 52]، يحتمل أنَّ مرادها بذلك زوجها؛ أي: ليعلم أنَّه لم يحصل منِّي إلا مجرَّد المراودة، ولم أُفسِد عليه فراشه، ويحتمل أنَّ المراد بذلك يوسف حيث إنَّها اعترفتْ حالَ غيبة يوسف عنها، فعندها قابلَه الملِك، وسمع منه، آنس منه ذكاءً وفهمًا، فازداد ثقةً به، ثم كلَّفه بوزارة المال، وجعله يتصرَّف في أرض مصر كما يريد؛ ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون ﴾ [يوسف: 54 - 57]، فخرج يوسف من السجن، وعلاَ شأنُه، ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128].

وهذا إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل سُجِن وجُلِد، وانظر مآله فيما بعدُ، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ماتَ في السجن، لكنَّ عِلمَه مِلْءُ الدنيا، ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128].

ويستفاد: أنَّه لا بأسَ أن يُخبِر الإنسان عمَّا في نفسه مِن صفات الكمال من علم أو عمل، كما قال يوسف: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾، وهذا إذا كان في ذلك مصلحةٌ، ولم يقصدْ به العبد الرِّياء، وسَلِم من الكذب، وكذلك لا تُذمُّ الولاية، إذا كان المتولِّي يقوم فيها بحقوقها.

ويبقى مجيء إخوة يوسفَ وما بعده - إن شاء الله تعالى.

وبعدُ إخوة الإسلام، صلُّوا وسلِّموا.

اللهمَّ اجعل القرآن الكريم ربيعَ قلوبنا، اللهمَّ أصلح ولاةَ أمور المسلمين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
طه
عضو ذهبى
عضو ذهبى
avatar

عدد المساهمات : 364
تاريخ التسجيل : 07/01/2011

مُساهمةموضوع: رد: قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين   الأربعاء 27 سبتمبر - 8:46



قصة يوسف عليه السلام (4)

الحمدُ لله الرحيم التوَّاب، الفتَّاح الوهَّاب، وأشهد أنَّ لا إله إلا اللهُ، العلي القهَّار، الملك الجبَّار، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فقد أكثر - جلَّ شأنُه - مِن أمرِنا بها، وحثِّنا عليها، وتَعْداد منافعها.
معاشر الكرام:
بعدَما مررْنا في الجُمَع الماضية على قصَّة يوسف، وما جرى له في صِغره، ثم الفِتنة التي حصلتْ له في شبابه، ثم سجنه عدَّة سنين ظلمًا، ثم خروجه من السجن، وكيف كان ذلك، نقِفُ اليوم مع يوسف بعدما صار وزيرًا للملِك، يُدير شؤون المال.

تحقَّق تأويل يوسف لرؤيا الملِك، وتحقُّقُ الرؤيا قد يكون أحيانًا بعد سنين، وجاءتِ السنوات السبع الخِصْبة، فرَعَاها يوسف بحُسن تدبيره، وخزَّن الفائضَ من الغلاَّت، وجاءتِ السِّنون السبع الأخرى المجدِبة، فحصل جوعٌ وقَحْط، خصوصًا في البلاد المجاورة؛ لعدم استعداد أهلها لمِثْل هذه السنين، وكان ممَّن قَدِم بلادَ مصر إخوةُ يوسف - عليه السلام - فدخلوا على يوسف، وهو جالسٌ في رئاسته، فعَرَفهم حين نظر إليهم، ﴿ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ [يوسف: 58]؛ أي: لا يعرفونه؛ لأنَّهم فارقوه في صِغره حين ألْقَوه في البئر، ولم يكونوا يظنُّون أنْ يصير إلى ما صار إليه، فتحادث معهم، ثم وَفَّاهم كَيْلهم، وأكرمهم، وحمل لهم أحمالَهم، وكان هذا ترغيبًا منه، وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتُم؛ لأعلمَ صِدقكم، ثم قال تحذيرًا: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ ﴾ [يوسف: 60]، فوعدوه بالمحاولة والسعي في ذلك.

ثم أمَرَ يوسف فتيانَه أن يردُّوا البضاعة التي أتوا بها في رِحالهم؛ قيل: خشي يوسف - عليه السلام - ألاَّ يكون عندهم بضاعةٌ أخرى يرجعون بها إليه فيما بعد، وقيل: كَرِه أن يأخُذَ من أبيه وإخوته عوضًا عن الطعام، فلمَّا رجعوا أخبروا والدَهم أنَّ عزيز مصر طلَب أخاهم بنيامين، وأنَّه أنذرهم ألاَّ يعطيهم شيئًا إن لم يأتوا به، لكن يعقوب لم يطمئنَّ، فقال لهم: ﴿ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ [يوسف: 64]؛ يقصد: يوسف.

وسوء الظنِّ مع وجود القرائن الدالَّة عليه غيرُ ممنوع ولا محرَّم، ولكن يعقوب استجاب لهم بعدَ ذلك، وأخذ عليهم الميثاقَ أن يردُّوه، إلا أن يُغلبوا كلُّهم، ولا يستطيعوا تخليصَه؛ ﴿ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ﴾ [يوسف: 66]، أكَّده عليهم، فقال: ﴿ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [يوسف: 66].

وأوصاهم أن يتفرَّقوا عندَ الدخول من الأبواب؛ قيل: خشيةً عليهم من العَيْن، وهذا الاحتراز لا يردُّ قَدَر الله وقضاءَه، ولكنَّه مِن الأخذ بالأسباب، والأسباب مِن القَدَر.

ولَمَّا قَدِم إخوة يوسف على يوسف ومعهم أخوه الشقيق بنيامين، أدْخَلهم دارَ كرامته، ومنزل ضيافته، والضيافة مِن سُنن المرسلين، واختلَى بأخيه، فأطْلعه على شأنه، وما جَرَى له، وعَرَّفه أنه أخوه، وقال له: "لاَ تَبْتَئِسْ"؛ أي: لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمَرَه بكتمان ذلك عنهم، وألاَّ يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنَّه أخوه، وتواطأ معه أنَّه سيحتال على أن يُبقيَه عنده، مُعزَّزًا مكرمًا معظمًا.

﴿ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ [يوسف: 70 - 72].

فأقسم إخوةُ يوسف أنَّهم ما جاؤوا ليُحدِثوا فسادًا ولا ليَسرِقوا، فسألوا إخوةَ يوسف عن جزاء السارق، فقالوا: جزاؤه أن يتملَّكه صاحبُ المال المسروق، فبدؤوا بتفتيشِ أمتعةِ الكِبار، فلمَّا وصلوا إلى بنيامين - وكان الأخيرَ - وجدوا صُواعَ الملِك، فتحقَّق ليوسف ما أراد مِن بقاء أخيه عنده، على وجهٍ لا يُنكره ولا يَشعُر به إخوتُه، وحاولوا متوسِّلين إليه بأنَّ أباه شيخ كبير، وحاولوا أن يأخذَ أحدَ الإخوة مكانَ بنيامين، لكنَّه امتنع وقال: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ ﴾ [يوسف: 79].

ولم يقُلْ: "إلا مَن سرق"؛ تحرُّزًا من الكذب، وهذا مِن دِقَّة لفظه، فتشاوَرُوا بينهم، وبَقِي الكبيرُ في مصر؛ حتى يأذنَ له والده بالرُّجوع راضيًا عنه، أو يحكم الله له.

ولَمَّا أخبروا والدهم يعقوب - عليه السلام - تضاعَف حزنُه، واشتدَّ كمده، وصبر على بلائه، وقال لهم: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ [يوسف: 83]؛ بنيامين، والأكبر، ويوسف.

﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84]، والشكوى إلى الله لا تُنافي الصبر، وإنَّما الذي يُنافيه الشَّكْوى إلى المخلوقين، التي لا يكون فيها فائدة.

﴿ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 85 - 86] مِن أنَّه - سبحانه - سيردُّهما إليه.

﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ [يوسف: 87]؛ أي: احرصوا، واجتهدوا على التفتيش عنهما، ﴿ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ﴾ [يوسف: 87]، فإنَّ الرجاء يوجِب للعبد السعيَ والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجِب له التثاقلَ والتباطؤ، وأَوْلى ما رجَا العباد فضلُ الله وإحسانه، ورحمته ورَوْحُه؛ ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87]، فلا تتشبهوا بهم.

وهذا يُفيد: أنَّه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤُه لرحمة الله ورَوْحه، فاللهمَّ إنا نسألك حُسنَ الظن بك، وحسن العمل، اللهم انفعنا بكتابك العظيم، وبسُنَّة نبيك الكريم، واغفر لنا ولجميع المسلمين، إنك أنت الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مِلْءَ السماء والأرض، وصلَّى الله وسلَّم على خاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فبعد أن أَمَر يعقوب بَنِيه بالتحرِّي والبحث، ذهبوا إلى مصرَ ومعهم بضاعةٌ قليلة غير مرغوب فيها؛ ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ [يوسف: 88]، فردَّ عليهم يوسف: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ [يوسف: 89]، فعندها أدركوا أنَّه يوسف واعتذروا.

والعجب: أنَّ يوسف أعلن عفوَه عنهم مباشرةً، مَع عِظَم ما فعلوا به؛ ﴿ قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]، فتأمَّلْ هذه العظمةَ في الإحسان والصَّفْح.

ثم أمرَهم أن يرجعوا، وأعطاهم قميصَه، وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيه؛ إذ إنَّه سيرجع بصرُه، فرجعوا، ولَمَّا قَربوا من دِيارهم في فِلَسْطِين، بدأتْ أنوار الفَرَج تظهر ليعقوب - عليه السلام - إذ إنَّ هذا الشيخ الكبير الذي لم يرَ ابنه يوسف قبل عشرات السنين قال: ﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يوسف: 94 - 98].
ثم توجَّهوا إلى مصر، ووصلت أسرةُ يعقوب - عليه السلام - مصر، فرأَوا يوسفَ في استقبالهم.

ولا نستطيع أن نَصِف مبلغَ فرح يعقوب بلِقاء ابنه، بعدَ فراق سنين طوال، سار الرَّكْب داخلَ مصر، حتى أجلس يوسُفُ والديه بقُرْبه على سرير الحكم؛ زيادةً في تكريمهما، وسجدوا له إكرامًا، وقد كان هذا جائزًا في شرْع مَن قبلنا، لكنَّه نُسِخ.

﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 99 - 100].

عجيبةٌ واللهِ أخلاقُ هذا النبي الكريم، وإحسانُه! فمع قُدرته على الانتقام، عفَا عنهم مباشرةً، بل إنَّه هو الذي يُراعي مشاعرَهم، فتأمَّل قوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [يوسف: 100] كأنَّ الذنب والجهل صار من الطرفين، مع العلم أنَّه لا ذنب له.

وأيضًا ذَكَر إحسانَ الله إليه بإخراجه من السِّجن؛ ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ [يوسف: 100]، ولم يذكر إحسانَ الله إليه بإخراجه من البِئر حين أُلْقي بها، مع أنَّه أعظم.

والْتأَم شملُ الإخوة وحَسُن حالهم، والعِبرة بكمال النهايات، لا بنقص البدايات، وأثنى يوسف على اللهِ – سبحانه - بأنَّه قد آتاه من المُلْك وعلَّمه من تأويل الأحاديث، ولم يطلب - عليه الصلاة والسلام - إلاَّ ما يتمنَّاه كلُّ مسلِم صادق مخلص أن يَموت على الإسلام، ويلحق بالرَّكْب الصالِح؛ ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101].
أولئك الذين هدى الله، فبهُداهم اقْتَدِه، فاللهمَّ توفَّنا مسلمين، وألْحقنا بالصالحين.












الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة يوسف عليه السلام كاملة مكتوبة حسام بن عبدالعزيز الجبرين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: