منتدي المركز الدولى


تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة) Ououou11

۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم
تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة) 1110
تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة) 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة) 829894
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer
منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و يتمنى لك اسعد الاوقات فى هذا الصرح الثقافى

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر
 

 تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ندى
عضو جديد
عضو جديد
ندى

عدد المساهمات : 64
تاريخ التسجيل : 15/11/2010

تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة) Empty
مُساهمةموضوع: تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة)   تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة) Icon_minitime1الثلاثاء 13 أغسطس - 5:02


تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة)
تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة)
تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة)

قال الله تعالى: ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾.


إعراب مفردات الآية[1]

(الواو) استئنافيّة (اذكروا) فعل أمر مبنيّ على حذف النون.. والواو فاعل (اللّه) لفظ الجلالة مفعول به منصوب (في أيام) جارّ ومجرور متعلّق بـ(اذكروا)، (معدودات) نعت لأيام مجرور مثله (الفاء) عاطفة (من) اسم شرط مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (تعجّل) فعل ماض مبنيّ على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (في يومين) جارّ ومجرور متعلّق بـ(تعجّل)، وعلامة الجرّ الياء (الفاء) رابطة لجواب الشرط (لا) نافية للجنس (إثم) اسم لا مبنيّ على الفتح في محلّ نصب (على) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر لا (الواو) عاطفة (من تأخّر فلا إثم عليه) مثل سابقتها تأخذ إعرابها مفردات وجملا (اللام) حرف جرّ (من) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر، والمبتدأ محذوف تقديره هو يعود إلى جواز التعجيل والتأخير (اتّقى) فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدّر على الألف، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الواو) عاطفة (اتّقوا) مثل اذكروا (اللّه) مفعول به منصوب (الواو) عاطفة (اعلموا) مثل اذكروا (أنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد و(كم) ضمير في محلّ نصب اسم أنّ (إلى) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ(تحشرون) وهو مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع.. والواو نائب فاعل.


روائع البيان والتفسير

﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ﴾- قال البغوي –رحمه الله- في بيانها ما محتصره:

قوله تعالى ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ يعني التكبيرات أدبار الصلاة وعند الجمرات يكبر مع كل حصاة وغيرها من الأوقات ﴿ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ الأيام المعدودات: هي أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي الجمار، سميت معدودات لقلتهن كقوله: "دراهم معدودة"( 20-يوسف) والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر. هذا قول أكثر أهل العلم وروي عن ابن عباس المعلومات: يوم النحر ويومان بعده والمعدودات أيام التشريق، وعن علي قال: المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وقالعطاء عن ابن عباس المعلومات يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وقال محمد بن كعب: هما شيء واحد وهي أيام التشريق.اهـ [2]


وأضاف السعدي في تفسيرها فقال:

يأمر تعالى بذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد، لمزيتها وشرفها، وكون بقية أحكام المناسك تفعل بها، ولكون الناس أضيافا لله فيها، ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق، أيام أكل وشرب، وذكر الله" [3] ويدخل في ذكر الله فيها: ذكره عند رمي الجمار، وعند الذبح، والذكر المقيد عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق، كالعشر، وليس ببعيد.


﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ أي: خرج من "منى"ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ ﴾ بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ وهذا تخفيف من الله [تعالى] على عباده، في إباحة كلا الأمرين، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين، فالمتأخر أفضل، لأنه أكثر عبادة.


ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره، والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم والمتأخر فقط؛ قيده بقوله: ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ أي: اتقى الله في جميع أموره، وأحوال الحج، فمن اتقى الله في كل شيء، حصل له نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء، كان الجزاء من جنس العمل.اهـ [4]


﴿ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾- قال ابن عثيمين - رحمه الله - ما نصه: قوله تعالى: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾: ما أكثر ما يأمر الله سبحانه وتعالى بالتقوى في كتابه العزيز؛لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله عزّ وجلّ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على علم وبصيرة.


قوله تعالى: ﴿ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أي تجمعون إلى الله - تبارك وتعالى؛ وذلك يوم القيامة؛ وصدر هذا بقوله تعالى: ﴿ واعْلَمُوا ﴾ للتنبيه على أنه لا بد من الإيمان بهذا الحشر، والاستعداد له.اهـ [5]


﴿ ومِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ ﴾ (204)

إعراب مفردات الآية[6]

(الواو) استئنافية (من الناس من يعجب) مثل من الناس من يقول [7]، و(الكاف) ضمير مفعول به (قول) فاعل مرفوع و(الهاء) ضمير مضاف إليه (في الحياة) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لقوله [8] (الدنيا) نعت للحياة مجرور مثله وعلامة الجرّ الكسرة المقدّرة على الألف (الواو) حاليّة (يشهد) مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (اللّه) لفظ الجلالة مفعول به منصوب (على) حرف جرّ (ما) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بـ(يشهد)، (في قلب) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف صلة ما، و(الهاء) ضمير مضاف إليه (الواو) حاليّة (هو) ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ (ألدّ) خبر مرفوع (الخصام) مضاف إليه مجرور.


روائع البيان والتفسير

﴿ ومِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ ﴾- قال أبو جعفر الطبري في معناها إجمالاً ما نصه:

وهذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين، بقوله جل ثناؤه: ومن الناس من يعجبك يا محمد ظاهرُ قوله وعلانيته، ويستشهد الله على ما في قليه، وهو ألدُّ الخصام، جَدِلٌ بالباطل.اهـ[9]


وزاد ابن عثيمين في بيان قوله تعالى ﴿ ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ فقال:

اختلف المفسرون في معناها على قولين: الأول: أن المعنى استمراره في النفاق؛ لأن الله - تبارك وتعالى - يعلم ما في قلبه من هذا النفاق؛ فاستمراره عليه إشهاد لله تعالى على ما في قلبه.


والقول الثاني: أن المعنى: أن يُقسم، ويحلف بالله أنه مؤمن مصدق، وأن الذي في قلبه هو هذا؛ فيشهد الله على ما في قلبه؛ من محبة الإيمان، والتمسك به، وهو كاذب في ذلك؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [المنافقون: 1]، أي لكاذبون في دعواهم أنهم يشهدون بذلك؛ وعندي أن المعنيين لا يتنافيان؛ كلاهما حق؛ فهو منطوٍ على الكفر والنفاق؛ وهو أيضاً يُعلم الناس، ويُشهد الله على أنه مؤمن؛ أما حقيقته قال الله تعالى فيه: ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ يعني: أعوجهم، وأكذبهم؛ و﴿ الْخِصَامِ ﴾ يحتمل أن يكون مصدراً؛ ويحتمل أن يكون جمعاً؛ إن كان مصدراً ففعله: خاصم يخاصم، مثل: جادل يجادل؛ وقاتل يقاتل؛ وعلى هذا: ﴿ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ تكون الإضافة لفظية؛ لأنها صفة مشبهة مضافة إلى موصوفها - أي وخصامه ألد الخصام؛ وإن كان جمعاً فمفرده: خَصِم؛ فيكون المعنى أنه ألد الخصوم - أي أعوجهم، وأشدهم كذباً؛ ويكون أيضاً من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ لأنَّ المعنى؛ وهو من الخصوم الأشداء الأقوياء في خصومتهم؛ وهذا الرجل صار ألد الخصام؛ لأن قوله جيد، وبيِّن يعجبك قوله، فتجده لاعتماده على فصاحته، وبيانه ألد الخصام.اهـ [10]


﴿ وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ ﴾ (205)


إعراب مفردات الآية[11]

(الواو) عاطفة (إذا) ظرف للزمن المستقبل يتضمّن معنى الشرط في محلّ نصب متعلّق بفعل سعى (تولّى) فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدّر على الألف والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (سعى) مثل تولّى (في الأرض) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من فاعل سعى أي متنقّلا أو متعلّق بـ(سعى)، (اللام) لام التعليل (يفسد) مضارع منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (في) حرف جرّ و(ها) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ(يفسد).


والمصدر المؤوّل (أن يفسد) في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ(سعى).


(الواو) عاطفة (يهلك) مثل يفسد منصوب بالعطف (الحرث) مفعول به منصوب (النسل) معطوف على الحرث بالواو منصوب مثله (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (لا) نافية (يحبّ) مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الفساد) مفعول به منصوب.


روائع البيان والتفسير

﴿ وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ ﴾- قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى:

﴿ وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ﴾ والسعي هاهنا هو: القَصْد. كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ [النازعات: 22-26]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 9] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهيّ عنه بالسنة النبوية: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْن، وأتوها وعليكم السكينةُ والوقار"[12].


فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو: مَحل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو: نتاج الحيوانات الذين لا قوَام للناس إلا بهما.


وقال مجاهد: إذا سُعى في الأرض فسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل. ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ أي: لا يحب من هذه صفَته، ولا من يصدر منه ذلك. اهـ[13]


وأضاف السعدي في تفسيره لبقية الآية: ﴿ سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ أي: يجتهد على أعمال المعاصي، التي هي إفساد في الأرض ﴿ وَيُهْلِكَ ﴾ بسبب ذلك ﴿ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾ فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي، ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ وإذا كان لا يحب الفساد، فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا حسنا.


ثم قال:

ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص، ليست دليلا على صدق ولا كذب، ولا بر ولا فجور، حتى يوجد العمل المصدق لها، المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس، بسبر أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم.اهـ [14]


﴿ وإذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهَادُ ﴾ (206)

إعراب مفردات الآية[15]

(الواو) عاطفة (إذا) ظرف للزمن المستقبل متضمّن معنى الشرط في محلّ نصب متعلّق بفعل (أخذته)، (قيل) ماض مبنيّ للمجهول مبنيّ على الفتح ونائب الفاعل جملة اتّق اللّه كما سيأتي (اللام) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ(قيل)، (اتّق) فعل أمرمبنيّ على حذف حرف العلّة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (اللّه) لفظ الجلالة مفعول به منصوب (أخذ) فعل ماض و(التاء) تاء التأنيث و(الهاء) ضمير مفعول به (العزّة) فاعل مرفوع (بالإثم) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال إمّا من العزّة أي متلبّسة بالإثم، أو من الهاء المفعول أي متلبسا بالإثم، وقد تكون الباء سببيّة فيتعلّق الجارّ بالفعل أخذ أي أخذته العزّة بسبب لإثم. (الفاء) استئنافيّة (حسب) مبتدأ مرفوع و(الهاء) ضمير مضاف إليه (جهنّم) خبر مرفوع (الواو) عاطفة (اللام) واقعة في جواب قسم محذوف (بئس) فعل ماض جامد لإنشاء الذمّ (المهاد) فاعل بئس مرفوع. والمخصوص بالذّم محذوف وهو جهنّم.


روائع البيان والتفسير

﴿ وإذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهَادُ ﴾ - قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيرها إجمالاً:

قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ ﴾ أي: إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق - امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [الحج: 72]، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ أي: هي كافيته عقوبة في ذلك.اهـ[16]


وزاد السعدي- رحمه الله -: ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ التي هي دار العاصين والمتكبرين، ﴿ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ أي: المستقر والمسكن، عذاب دائم، وهم لا ينقطع، ويأس مستمر، لا يخفف عنهم العذاب، ولا يرجون الثواب، جزاء لجناياتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذا بالله من أحوالهم.اهـ [17]


﴿ ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ (207)

إعراب مفردات الآية[18]

(الواو) عاطفة (من الناس من يشري) مثل إعراب نظيرها المتقدّمة[19]، (نفس) مفعول به منصوب (الهاء) ضمير مضاف إليه (ابتغاء) مفعول لأجله منصوب (مرضاة) مضاف إليه مجرور (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (رؤوف) خبر مرفوع (بالعباد) جارّ ومجرور متعلّق برؤوف.


روائع البيان والتفسير

سبب نزول قوله تعالى ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ ما جاء في الصحيح المسند من أسباب النزول للمحدث العلامة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي – رحمه الله - قال ما نصه:

قال الإمام أبو عبد الله الحاكم في مستدركه" ج/3 - ص/ 398 ": عن عكرمة قال: لما خرج صهيب مهاجرا تبعه أهل مكة، فنثل كنانته، فأخرج منها أربعين سهما فقال: لا تصلون إليَّ حتى أضع في كل رجل منكم سهما ثم أصير بعده إلى السيف فتعلمون أني رجل، وقد خلفت بمكة قينتين فهما لكم قال: وحدثنا حماد بن سلمة بن ثابت عن أنس نحوه ونزلت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ الآية فلما رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أبا يحيى ربح البيع" قال وتلا عليه الآية.اهـ[20]


﴿ ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ - قال ابن عثيمين – رحمه الله في تفسيرها ما مختصره:

قوله تعالى: { من الناس }: قال بعض المفسرين: إنها تعني شخصاً معيناً؛ وهو صهيب الرومي لما أراد أن يهاجر من مكة منعه كفارها، وقالوا: لا يمكنك أن تهاجر أبداً إلا أن تدع لنا جميع ما تملك؛ فوافق على ذلك، وأنقذ نفسه بالهجرة ابتغاء مرضاة الله؛ وقال بعض العلماء - وهم أكثر المفسرين -: بل هي عامة لكل المؤمنين المجاهدين في سبيل الله؛ قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ [التوبة: 111]؛ وهذا القول أصح؛ وهو أنها للعموم حتى لو صح أن سبب نزولها قصة صهيب؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.


وقوله تعالى: ﴿ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ﴾ أي يبيعها؛ لأن "شرى" بمعنى باع، كقوله تعالى: {وشروه بثمن بخس} [يوسف: 20] أي باعوه بثمن بخس؛ أما ﴿ اشْتَرَى ﴾ فهي بمعنى ابتاع؛ فإذا جاءت التاء فهي للمشتري الآخذ؛ وإذا حذفت التاء فهي للبائع المعطي؛ و﴿ نَفْسَهُ ﴾ يعني ذاته.


قوله تعالى: ﴿ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ أي طلباً لمرضات الله؛ فهي مفعول لأجله؛ و﴿ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ أي رضوانه أي يبيع نفسه في طلب رضا الله عزّ وجلّ -؛ فيكون قد باع نفسه مخلصاً لله في هذا البيع.


قوله تعالى: ﴿ واللَّهُ رَءُوفٌ ﴾ أي ذو رأفة؛ و"الرأفة" قال العلماء: هي أرق الرحمة، وألطفها؛ و﴿ بِالْعِبَادِ ﴾ أي جميعهم. اهـ [21]


وزاد أبو جعفر الطبري في بيان معنى قوله تعالى ﴿ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ فقال - رحمه الله -: فمعنى ذلك: والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له في جهاد من حادَّه في أمره من أهل الشرك والفُسوق وبغيره من عباده المؤمنين في عاجلهم وآجل معادهم، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا في طاعته في الدنيا، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته.اهـ[22]


﴿ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ (208)

إعراب مفردات الآية[23]

(يا) أداة نداء (أيّ) منادى نكرة مقصودة مبنيّ على الضمّ في محلّ نصب و(ها) حرف تنبيه لا محلّ له (الذين) بدل من أيّ في محلّ نصب (آمنوا) فعل ماض.. والواو فاعل (ادخلوا) فعل أمر مبنيّ على حذف حرف العلّة.. والواو فاعل (في السلم) جارّ ومجرور متعلّق بـ(ادخلوا)، (كافّة) حال من الضمير في (ادخلوا)، أو حال من السلم أي من جميع وجوهه وشرائعه (الواو) عاطفة (لا) ناهية جازمة (تتّبعوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون.. والواو فاعل (خطوات) مفعول به منصوب وعلامة النصب الكسرة عوضا من الفتحة فهو جمع مؤنّث سالم (الشيطان) مضاف إليه مجرور (إنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد و(الهاء) ضمير في محلّ نصب اسم إن (اللام) حرف جرّ و(كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف حال من عدوّ- صفة تقدّمت على الموصوف- (عدوّ) خبر مرفوع (مبين) نعت لعدوّ مرفوع مثله.


روائع البيان والتفسير

﴿ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾- قال ابن كثير مبيناً أقوال السلف في تفسيرها - رحمه الله -: يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدّقين برسوله: أنْ يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.


قال العوفي، عن ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، والضحاك، وعكرمة، وقتادة، والسُّدّي، وابن زيد، في قوله: ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ﴾ يعني: الإسلام.


وقال الضحاك، عن ابن عباس، وأبو العالية، والربيعُ بن أنس: ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ﴾ يعني: الطاعة. وقال قتادة أيضًا: الموادعة.


وقوله: ﴿ كَافَّةً ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، والربيع، والسّدي، ومقاتل بن حَيَّان، وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.اهـ[24]


﴿ ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾- فسرها ابن عثيمين إجمالاً فقال - رحمه الله -:

قوله تعالى: ﴿ ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾؛ نهي بعد أمر؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة؛ و﴿ خُطُوَاتِ ﴾ جمع خُطوة؛ و"الخطوةط في الأصل هي ما بين القدمين عند مدِّهما في المشي.


قوله تعالى: ﴿ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾: الجملة تعليلية مؤكدة بـ"إن"؛ فتفيد شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ والعدو من يبتغي لك السوء؛ وهو ضد الوليّ؛ و﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي بيِّن العداوة؛ ويجوز أن تكون بمعنى مظهر للعداوة؛ لأن "أبان" الرباعية تصلح للمعنيين؛ ولا شك أن الشيطان بيِّن العداوة؛ ومظهر لعداوته؛ ألا ترى إلى إبائه السجود لأبينا آدم مع أن الله أمره به في جملة الملائكة.


ثم زاد - رحمه الله – في تفسيره عن قوله تعالى ﴿ ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ بياناً شافيا فقال: لقوله تعالى: ﴿ ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾؛ والمعنى: أن لا نتبع الشيطان في سيره؛ لأن الله بين في آية أخرى أن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر؛ وما كان كذلك فإنه لا يمكن لعاقل أن يتبعه؛ فلا يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؛ وأيضاً الشيطان لنا عدو، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ﴾ [فاطر: 6]، ثم قال تعالى: ﴿ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾؛ ولا أحد من العقلاء يتبع عدوه؛ إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدواً لنا، فليس من العقل - فضلاً عن مقتضى الإيمان - أن يتابعه الإنسان في خطواته -؛ وخطوات الشيطان بيَّنها الله عزّ وجلّ: يأمر بـ"الفحشاء" - وهي عظائم الذنوب؛ و "المنكر" - وهو ما دونها من المعاصي؛ فكل معصية فهي من خطوات الشيطان؛ سواء كانت تلك المعصية من فعل المحظور، أو من ترك المأمور، فإنها من خطوات الشيطان؛ لكن هناك أشياء بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها من فعل الشيطان، ونص عليها بعينها، مثل: الأكل بالشمال[25]، والشرب بالشمال، والأخذ بالشمال، والإعطاء بالشمال وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد[26]؛ فهذه المنصوص عليها بعينها واضحة؛ وغير المنصوص عليها يقال فيها: كل معصية فهي من خطوات الشيطان.اهـ [27]


﴿ فَإن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (209)

إعراب مفردات الآية[28]

(الفاء) عاطفة (إن) حرف شرط جازم (زللتم) فعل ماض مبنيّ على السكون في محلّ جزم فعل الشرط.. و(تم) فاعل (من بعد) جارّ ومجرور متعلّق بـ(زللتم)، (ما) حرف مصدريّ (جاء) فعل ماض و(التاء) تاء التأنيث و(كم) ضمير في محلّ نصب مفعول به (البيّنات) فاعل مرفوع.


والمصدر المؤوّل (ما جاءتكم) في محلّ جرّ مضاف إليه.


(الفاء) رابطة لجواب الشرط (اعلموا) فعل أمر مبنيّ على حذف النون... والواو فاعل (أنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد (اللّه) لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب (عزيز) خبر مرفوع (حكيم) خبر ثان مرفوع. والمصدر المؤوّل من (أنّ) واسمها وخبرها سدّ مسدّ مفعولي اعلموا.


﴿ فَإن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾- قال السعدي- رحمه الله - في بيانها إجمالاً:

ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ أي: على علم ويقين ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.


وفيه من الوعيد الشديد، والتخويف، ما يوجب ترك الزلل، فإن العزيز القاهرالحكيم، إذا عصاه العاصي، قهره بقوته، وعذبه بمقتضى حكمته فإن من حكمته، تعذيب العصاة والجناة.اهـ [29]


﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ والْمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأَمْرُ وإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ (210)

إعراب مفردات الآية[30]

(هل) حرف استفهام بمعنى النفي، فهو دالّ على الاستفهام الإنكاريّ (ينظرون) مضارع مرفوع والواو فاعل (إلّا) أداة حصر (أن) حرف مصدريّ ونصب (يأتي) مضارع منصوب و(هم) ضمير في محلّ نصب مفعول به (اللّه) لفظ الجلالة فاعل مرفوع، وفي الكلام حذف مضاف أي يأتي أمر اللّه أو عذابه.


والمصدر المؤوّل (أن يأتي) في محلّ نصب مفعول به أي: ينتظرون إتيان العذاب من اللّه.


(في ظلل) جارّ ومجرور متعلّق بـ(يأتي) أو بمحذوف حال من الفاعل (من الغمام) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لظلل أو بالفعل يأتي أي من جهة الغمام (الواو) عاطفة (الملائكة) معطوفة على لفظ الجلالة مرفوع مثله. (الواو) استئنافيّة أو عاطفة (قضي) فعل ماض مبنيّ للمجهول (الأمر) نائب فاعل مرفوع، (الواو) استئنافيّة (إلى اللّه) جارّ ومجرور متعلق بـ(ترجع) وهو فعل ماض مبنيّ للمجهول (الأمور) نائب فاعل مرفوع.


روائع البيان والتفسير

﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ والْمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأَمْرُ وإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾- قال ابن كثير - رحمه الله -:

يقول تعالى مُهَدّدًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ ﴾ يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كُلّ عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال: ﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ ﴾ كما قال: ﴿ كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴾ [الفجر: 21 -23]، وقال: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ﴾ الآية [الأنعام: 158].اهـ[31]


وأضاف السعدي - رحمه الله - في بيانها بفائدة جليلة قال ما مختصره: وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض، المتبعون لخطوات الشيطان، النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال، الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع، ما يقلقل قلوب الظالمين، ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين.


وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض، وتنثر الكواكب، وتكور الشمس والقمر، وتنزل الملائكة الكرام، فتحيط بالخلائق، وينزل الباري [تبارك] تعالى: ﴿ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ﴾ ليفصل بين عباده بالقضاء العدل.


فتوضع الموازين، وتنشر الدواوين، وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة، ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه.


وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان.اهـ [32]


﴿ سَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ (211)

إعراب مفردات الآية[33]

(سل) فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (بني) مفعول به منصوب وعلامة النصب الياء فهو ملحق بجمع المذكّر السالم (إسرائيل) مضاف إليه مجرور وعلامة الجرّ الفتحة عوضا من الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة (كم) اسم استفهام كناية عن كثير مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به ثان مقدّم لأن له الصدارة (آتينا) فعل ماض مبنيّ على السكون. و(نا) فاعل و(هم) ضمير مفعول به أول (من آية) تمييز كم، ومن زائدة [34]، (بيّنة) نعت لآية مجرور مثله. (الواو) استئنافيّة (من) اسم شرط جازم مبني في (محلّ رفع مبتدأ (يبدّل) مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (نعمة) مفعول به منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (من بعد) جارّ ومجرور متعلّق بـ(يبدّل)، (ما) حرف مصدريّ (جاء) فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هي (التاء) تاء التأنيث و(الهاء) ضمير مفعول به.


والمصدر المؤوّل (ما جاءته) في محلّ جرّ مضاف إليه. (الفاء) رابطة لجواب الشرط (إنّ) حرف مشبّه بالفعل (اللّه) لفظ الجلالة اسم إنّ منصوب (شديد) خبر إنّ مرفوع (العقاب) مضاف إليه مجرور.


روائع البيان والتفسير

﴿ سَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ﴾- قال القرطبي – رحمه الله - في تفسيرها ما مختصره:

والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرِّفة به دالة عليه. قال مجاهد والحسن وغيرهما: يعنى الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك.


وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ. قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ ﴾ لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بنى إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش، فإن بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا.اهـ[35]


وزاد أبو جعفر الطبري - رحمه الله – ما مختصره: يعني "بالنعم" جل ثناؤه: الإسلام وما فرض من شرائع دينه.


ويعني بقوله: ﴿ ومن يُبدّل نعمة الله ﴾ ومن يغير ما عاهد الله في نعمته التي هي الإسلام،من العمل والدخول فيه، فيكفر به، فإنه مُعاقبه بما أوْعد على الكفر به من العقوبة، والله شديدٌ عقابه، أليم عذابه.


فتأويل الآية إذًا يا أيها الذين آمنوا بالتوراة فصَدَّقوا بها، ادخلوا في الإسلام جميعًا، ودعوا الكفر، ومادعاكم إليه الشيطان من ضلالته، وقد جاءتكم البينات من عندي بمحمد، وما أظهرت على يديه لكم من الحجج والعِبَرِ، فلا تبدِّلوا عهدي إليكم فيه وفيما جاءكم به من عندي في كتابكم بأنه نبيي ورسولي، فإنه من يبدِّل ذلك منكم فيغيره فإنى له معاقب بالأليم من العقوبة.اهـ[36]


﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةُ الدُّنْيَا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (212)

إعراب مفردات الآية[37]

(زيّن) فعل ماض مبنيّ للمجهول (اللام) حرف جرّ (الذين) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بـ(زيّن)، (كفروا) فعل ماض وفاعله (الحياة) نائب فاعل مرفوع (الدنيا) نعت للحياة مرفوع مثله وعلامة رفعه الضمّة المقدّرة على الألف (الواو) عاطفة (يسخرون) مضارع مرفوع. والواو فاعل (من الذين) مثل للذين متعلّق بـ (يسخرون)، (آمنوا) فعل ماض وفاعله (الواو) عاطفة (الذين) اسم موصول مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (اتّقوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ المقدّر على الألف المحذوفة.. والواو فاعل (فوق) ظرف مكان منصوب متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ و(هم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه (يوم) ظرف زمان منصوب متعلّق بالخبر المحذوف (القيامة) مضاف إليه مجرور. (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (يرزق) مضارع مرفوع (من) اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب مفعول به (يشاء) مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (بغير) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لمصدر يرزق اي يرزقه رزقا متلبّسا بغير حساب (حساب) مضاف إليه مجرور.


روائع البيان والتفسير

﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةُ الدُّنْيَا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَذِينَ آمَنُوا ﴾ - قال ابن عثيمين - رحمه الله - في تفسيره:

قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ ﴾ مبني لما لم يسم فاعله؛ ونائب الفاعل ﴿ الحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾؛ والتزيين جعل الشيء بهياً في عين الإنسان، أو في سمعه، أو في مذاقه، أو في فكره؛ المهم أن أصل التزيين جعل الشيء بهياً جميلاً جذاباً؛ والمزَيِّن إما أن يكون الله، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [النمل: 4]؛ وإما أن يكون الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ [النمل: 24]؛ ولا منافاة بين الأمرين؛ فإن الله زين لهم سوء أعمالهم؛ لأنهم أساءوا، كما يفيده قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف: 5]؛ والتزيين من الله باعتبار التقدير؛ أما الذي باشر التزيين، ووسوس لهم بذلك فهو الشيطان.


قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، وفي آية أخرى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ... ﴾ [آل عمران: 14]


إلخ؛ فإما أن نحمل "الناسط على { الذين كفروا }، ونقول: هو عام أريد به الخاص؛ أو نقول: إن ذكر بعض ألفاظ العام لا يقتضي التخصيص؛ فيكون {زين للناس} عموماً؛ وهنا ذكر الله تعالى تزيينه لبعض أفراد هذا الجنس وهم "الذين كفروا".


قوله تعالى: ﴿ الحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ يعني ما فيها من الشهوات، والملذات؛ وقد بين الله ذلك بقوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾؛ و﴿ الدُّنْيَا ﴾ فُعلى - يعني أنه اسم تفضيل مؤنث مأخوذة من الدنو الذي هو ضد العلو -؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لوجهين: الأول: دنوّ مرتبتها؛ الثاني: سبقها على الآخرة؛ فهي أدنى منها لقربها، ودنوّ منزلتها؛ أما قربها وهو سبقها على الآخرة فظاهر معلوم لكل أحد؛ وأما دنوّ مرتبتها فلقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها"[38]؛ وموضع السوط مقدار متر تقريباً.


قوله تعالى: ﴿ ويَسْخَرُونَ مِنَ الَذِينَ آمَنُوا ﴾؛ هذه الجملة يقولون: إنها حالية؛ يعني: زينت لهم والحال أنهم يسخرون من الذين آمنوا؛ و﴿ ويَسْخَرُونَ ﴾ يعني يجعلونهم محل سخرية، وازدراء، واحتقار؛ إما لِما يقومون به من الأعمال الصالحة؛ وإما لكونهم لم يؤتوا من الدنيا ما أوتي هؤلاء - على زعمهم -، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ﴾ [المطففين: 29 - 32]..اهـ [39]


﴿ والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾- ذكر السعدي - رحمه الله - في تفسيره:

قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ فيكون المتقون في أعلى الدرجات، متمتعين بأنواع النعيم والسرور، والبهجة والحبور.


والكفار تحتهم في أسفل الدركات، معذبين بأنواع العذاب والإهانة، والشقاء السرمدي، الذي لا منتهى له، ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين، ونعي على الكافرين. ولما كانت الأرزاق الدنيوية والأخروية، لا تحصل إلا بتقدير الله، ولن تنال إلا بمشيئة الله، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان، ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك، فلا يعطيها إلا من يحب اهـ [40]


﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ (213)

إعراب مفردات الآية[41]

(كان)، فعل ماض ناقص (الناس) اسم كان مرفوع (أمّة) خبر كان منصوب (واحدة) نعت لأمة منصوب مثله (الفاء) عاطفة (بعث) فعل ماض (اللّه) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (النبيّين) مفعول به منصوب وعلامة النصب الياء و(النون) عوض من التنوين (مبشّرين) حال منصوبة من النبيّين وعلامة النصب الياء (الواو) عاطفة (منذرين) معطوف على مبشّرين منصوب مثله وعلامة النصب الياء (الواو) عاطفة (أنزل) فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (مع) ظرف مكان مفعول فيه منصوب متعلّق بـ (أنزل) [42]، (هم) ضمير متّصل مضاف إليه (الكتاب) مفعول به منصوب (بالحقّ) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من الكتاب أي متلبّسا بالحقّ (اللام) للتعليل (يحكم) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة بعد اللام، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو- أي اللّه- أو الكتاب [43]، (بين) ظرف مكان منصوب متعلّق بـ (يحكم)، (الناس) مضاف إليه مجرور (في) حرف جرّ (ما) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بـ (يحكم)، (اختلفوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ.. والواو فاعل (في) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (اختلفوا)، (الواو) اعتراضيّة (ما) نافية (اختلف) فعل ماض (فيه) مثل الأول ومتعلق بـ (اختلف)، (إلا) أداة حصر (الذين) اسم موصول مبنيّ في محلّ رفع فاعل (أوتوا) فعل ماض مبنيّ للمجهول مبنيّ على الضمّ.. والواو نائب فاعل و(الهاء) ضمير مفعول به (من بعد) جارّ ومجرور متعلّق بـ (اختلف)، (ما) حرف مصدريّ (جاء) فعل ماض و(التاء) تاء التأنيث و(هم) ضمير متّصل مفعول به (البيّنات) فاعل مرفوع.والمصدر المؤوّل (ما جاءته البيّنات) في محلّ جرّ مضاف إليه.


(بغيا) مفعول لأجله أو حال بتأويل مشتقّ أي باغين (بين) مثل الأول متعلّق بنعت لـ (بغيا)، و(هم) ضمير متّصل مضاف إليه. (الفاء) عاطفة (هدى) فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدّر على الألف (اللّه) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (الذين) اسم موصول في محلّ نصب مفعول به (آمنوا) مثل اختلفوا (اللام) حرف جرّ (ما) اسم موصول في محلّ جرّ متعلّق بـ (هدى)، (اختلفوا) مثل الأول (فيه) كالسابق متعلّق بـ (اختلفوا)، (من الحقّ) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من ضمير الغائب في (فيه)، (بإذن) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من الذين آمنوا أي سالكين الحقّ بإذنه [44]، و(الهاء) مضاف إليه. (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (يهدي) مضارع مرفوع وعلامة الرفع الضمّة المقدّرة على الياء، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (من) اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب مفعول به (يشاء) مضارع مرفوع والفاعل هو أي لفظ الجلالة (إلىصراط) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يهدي)، (مستقيم) نعت لصراط مجرور مثله.

يتبع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ندى
عضو جديد
عضو جديد
ندى

عدد المساهمات : 64
تاريخ التسجيل : 15/11/2010

تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة) Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة)   تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة) Icon_minitime1الثلاثاء 13 أغسطس - 5:02





روائع البيان والتفسير

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ ﴾- قال السعدي في بيانها - رحمه الله -:

أي: كانوا مجتمعين على الهدى، وذلك عشرة قرون بعد نوح عليه السلام، فلما اختلفوا في الدين فكفر فريق منهم وبقي الفريق الآخر على الدين، وحصل النزاع وبعث الله الرسل ليفصلوا بين الخلائق ويقيموا الحجة عليهم، وقيل بل كانوا مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء، ليس لهم نور ولا إيمان، فرحمهم الله تعالى بإرسال الرسل إليهم ﴿ مُبَشِّرِينَ ﴾ من أطاع الله بثمرات الطاعات، من الرزق، والقوة في البدن والقلب، والحياة الطيبة، وأعلى ذلك، الفوز برضوان الله والجنة.


﴿ وَمُنْذِرِينَ ﴾ من عصى الله، بثمرات المعصية، من حرمان الرزق، والضعف، والإهانة، والحياة الضيقة، وأشد ذلك سخط الله والنار.اهـ [45]


﴿ وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ ﴾- قال البغوي – رحمه الله - ما مختصره:

﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾ أي الكتب، تقديره وأنزل مع كل واحد منهم الكتاب ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ بالعدل والصدق ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ قرأ أبو جعفر ﴿ لِيُحْكَم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف هاهنا وفي أول آل عمران وفي النور موضعين لأن الكتاب لا يحكم في الحقيقة إنما ﴿ الحكم ﴾ به، وقراءة العامة بفتح الياء وضم الكاف، أي ليحكم الكتاب ذكره على سعة الكلام كقوله تعالى "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق"( 29-الجاثية ). وقيل معناه ليحكم كل نبي بكتابه ﴿ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ أي في الكتاب ﴿ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ أي أعطوا الكتاب ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ يعني أحكام التوراة والإنجيل، قال الفراء: ولاختلافهم معنيان: أحدهما كفر بعضهم بكتاب بعض قال الله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ [النساء: 150] والآخر تحريفهم كتاب الله قال الله تعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: 46] وقيل الآية راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه اختلف فيه أهل الكتاب ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم ﴿ بَغْيًا ﴾ ظلما وحسدا ﴿ بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أي لما اختلفوا فيه ﴿ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ بعلمه وإرادته فيهم. قال ابن زيد في هذه الآية: اختلفوا في القبلة؛ فمنهم من يصلي إلى المشرق ومنهم من يصلي إلى المغرب ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في الأيام، فأخذت اليهود السبت والنصارى الأحد فهدانا الله للجمعة واختلفوا في إبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود: كان يهوديا، وقالت النصارى: كان نصرانيا، فهدانا الله للحق من ذلك.اهـ[46]


﴿ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ قال ابن عثيمين - رحمه الله -:

الهداية هنا بمعنى الدلالة، والتوفيق؛ فهي شاملة للنوعين؛ وقوله تعالى: ﴿ مَن يَشَاءُ ﴾ يعني ممن يستحق الهداية؛ لأن كل شيء علق بمشيئة الله فإنه تابع لحكمته؛ فهو سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إذا كان أهلاً للهداية؛ كما أنه سبحانه وتعالى يجعل الرسالة في أهلها فإنه يجعل الهداية في أهلها، كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام: 124]، كذلك هو أعلم حيث يجعل هدايته.


وقوله تعالى: ﴿ الصِّرَاطَ ﴾ فيها قراءتان: بالصاد، والسين؛ وهما سبعيتان؛ و{ الصراط} في اللغة هو الطريق الواسع؛ وسمي صراطاً - وقد يقال -: "زراطاً" بالزاي؛ لأنه يبتلع سالكه بسرعة دون ازدحام، ولا مشقة، كما أنك إذا بلعت اللقمة بسرعة يقال: "زرطها"؛ وقال بعضهم: هو الطريق الواسع المستقيم؛ لأن المعوج لا يحصل فيه العبور بسهولة؛ وجعل قوله تعالى: { مستقيم } صفة مؤكدة؛ وعلى كل حال "الصراط المستقيم" الذي ذكره عزّ وجلّ بينه سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7]؛ فهو الصراط الذي يجمع بين العلم، والعمل؛ وإن شئت فقل: بين الهدى، والرشد؛ بخلاف الطريق غير المستقيم الذي يحرم فيه السالك الهدى، كطريق النصارى؛ أو يحرم فيه الرشد، كطريق اليهود.اهـ [47]


﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ (214)

إعراب مفردات الآية[48]

(أم) هي المنقطعة بمعنى بل والهمزة (حسب) فعل ماض مبنيّ على السكون و(التاء) فاعل والميم حرف لجمع الذكور (أن) حرف مصدري ونصب (تدخلوا) مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون.. والواو فاعل (الجنّة) مفعول به منصوب.


والمصدر المؤوّل (أن تدخلوا...) سدّ مسدّ مفعولي حسب [49]. (الواو) حاليّة (لمّا) حرف نفي وقلب وجزم (يأت) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف حرف العلّة و(كم) ضمير في محلّ نصب مفعول به (مثل) فاعل مرفوع (الذين) اسم موصول في محلّ جرّ مضاف إليه (خلوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ المقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين..والواو فاعل (من قبل) جارّ ومجرور متعلّق بـ (خلوا)، و(كم) ضمير مضاف إليه.. (مسّ) فعل ماض و(التاء) تاء التأنيث و(هم) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به (البأساء) فاعل مرفوع (الضرّاء) معطوف على البأساء بالواو مرفوع مثله (الواو) عاطفة (زلزل) فعل ماض مبنيّ للمجهول مبنيّ على الضمّ.. والواو نائب فاعل (حتّى) حرف غاية وجرّ (يقول) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبا بعد حتّى (الرسول) فاعل مرفوع.


والمصدر المؤوّل (أن يقول) في محلّ جرّ بـ (حتّى)، والجارّ والمجرور متعلّق بـ (زلزلوا).


(الواو) عاطفة (الذين) اسم موصول مبنيّ في محل رفع معطوف على الرسول (آمنوا) فعل ماض وفاعله (مع) ظرف مكان منصوب متعلّق بـ (آمنوا) [50]، (الهاء) ضمير مضاف إليه (متى) اسم استفهام مبنيّ فيمحلّ نصب على الظرفيّة الزمانيّة متعلّق بمحذوف خبر مقدّم (نصر) مبتدأ مؤخّر مرفوع (اللّه) مضاف إليه مجرور (ألا) أداة تنبيه (إنّ) حرف مشبّه بالفعل (نصر) اسم إنّ منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (قريب) خبر إنّ مرفوع.


روائع البيان والتفسير

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا ﴾ قال السعدي- رحمه الله في بيانها:

يخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها.


ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه.


فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم ﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ ﴾ أي: الفقر ﴿ وَالضَّرَّاءُ ﴾ أي: الأمراض في أبدانهم ﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به.


ولكن لشدة الأمر وضيقه قال ﴿ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾.اهـ [51]


وأضاف ابن كثير في تفسيرها ما مختصره:

قال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومُرّة الهَمْداني[52]، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، والسّدي، ومقاتل بن حَيّان: ﴿ الْبَأْسَاءُ ﴾ الفقر. قال ابن عباس: ﴿ وَالضَّرَّاءُ ﴾ السّقم.


﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ خَوْفًا من الأعداء زلْزالا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيمًا، كما جاء في الحديث الصحيح عن خَبَّاب بن الأرَتّ قال: قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: "إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفْرَق رأسه فيخلص إلى قدميه، لا يَصْرفه ذلك عن دينه، ويُمْشَطُ بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه". ثم قال: "والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قومتستعجلون".اهـ[53]


وذكر ابن عثيمين في تفسيره موعظة طيبة ونصيحة قيمة في بيانه لفوائد الآية قال ما نصه:

منها: أن الإيمان ليس بالتمني، ولا بالتحلي؛ بل لا بد من نية صالحة، وصبر على ما يناله المؤمن من أذًى في الله عزّ وجلّ.


ومنها: حكمة الله عزّ وجلّ، حيث يبتلي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة امتحاناً حتى يتبين الصادق من غيره، كما قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31]؛ فلا يُعرف زيف الذهب إلا إذا أذبناه بالنار؛ ولا يُعرف طيب العود إلا إذا أحرقناه بالنار؛ أيضاً لا يعرف المؤمن إلا بالابتلاء والامتحان؛ فعليك يا أخي بالصبر؛ قد تؤذى على دينك؛ قد يستهزأ بك؛ وربما تلاحَظ؛ وربما تراقَب؛ ولكن اصبر، واصدق، وانظر إلى ما حصل من أولي العزم من الرسل؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم كان ساجداً لله في آمن بقعة على الأرض - وهو المسجد الحرام -؛ فيأتي طغاة البشر بفرث الناقة، ودمها، وسلاها، يضعونها عليه وهو ساجد؛ هذا أمر عظيم لا يصبر عليه إلا أولو العزم من الرسل؛ ويبقى ساجداً حتى تأتي ابنته فاطمة وهي جويرية - أي صغيرة - تزيله عن ظهره فيبقى القوم يضحكون، ويقهقهون؛ فاصبر، واحتسب؛ واعلم أنه مهما كان الأمر من الإيذاء فإن غاية ذلك الموت؛ وإذا مت على الصبر لله عزّ وجلّ انتقلت من دار إلى خير منها.اهـ [54]


﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)- قال البغوي- رحمه الله: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ مازال البلاء بهم حتى استبطئوا النصر.اهـ [55]


وزاد السعدي - رحمه الله - بياناً وإفادة فقال: فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن.


فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر وثابر على ما هو عليه انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾..اهـ [56]


﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ (215)

إعراب مفردات الآية[57]

(يسألون) مضارع مرفوع.. والواو فاعل و(الكاف) ضمير في محلّ نصب مفعول به (ما) اسم استفهام مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (ذا) اسم موصول مبنيّ في محلّ رفع خبر [58]، (ينفقون) مضارع مرفوع والواو فاعل (قل) فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (ما) اسم شرط جازم مبنيّ في محلّ نصب مفعول به مقدّم عامله (أنفقتم) وهو فعل ماض مبنيّ على السكون.. والتاء فاعل والميم حرف لجمع الذكور والفعل في محلّ جزم فعل الشرط (من خير) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من ما أو هو تمييز ما (الفاء) رابطة لجواب الشرط (للوالدين) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر لمبتدأ مقدّر أي مآله أو مصرفه للوالدين (الأقربين، اليتامى، المساكين، ابن) ألفاظ معطوفة على الوالدين بحروف العطف، فهي مجرورة مثله وعلامة الجرّ الياء والكسرة المقدّرة على الألف والكسرة الظاهرة على التوالي (السبيل) مضاف إليه مجرور (الواو) عاطفة (ما تفعلوا من خير) مثل ما أنفقتم من خير، والفعل فيها مجزوم وعلامة الجزم حذف النون (الفاء) رابطة لجواب الشرط (إنّ) حرف مشبّه بالفعل (اللّه) لفظ الجلالة اسم إنّ (الباء) حرف جرّ (الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (عليم) وهو خبر إنّ مرفوع.


روائع البيان والتفسير

﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾- قال أبو جعفر الطبري – رحمه الله في بيانها إجمالاً: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك أصحابك يا محمد: أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به؟ وعلى مَن ينفقونه فيما ينفقونه ويتصدقون به؟ فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا من خير وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم، وهو مُحْصيه لكم حتى يوفِّيَكم أجوركم عليه يوم القيامة، ويثيبكم على ما أطعتموه بإحسانكم عليه.اهـ[59]


-وزاد ابن عثيمين بياناً شافياً فقال- رحمه الله -: قوله تعالى: ﴿ والْمَسَاكِينِ ﴾ جمع مسكين؛ وهو المعدم الذي ليس عنده مال؛ سمي كذلك لأن الفقر قد أسكنه، وأذله؛ والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير؛ وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين؛ وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين؛ فيفترقان؛ وتجد في القرآن أن الفقير يأتي وحده، والمسكين يأتي وحده؛ والفقير، والمسكين يجتمعان؛ ففي قوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴾ [الحشر: 8] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النور: 32] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ [المائدة: 89] يدخل فيه الفقير؛ وكذلك هنا؛ وفي قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة: 60] ذكر الصنفين جميعاً.


قوله تعالى: ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ هو المسافر الذي انقطع به السفر؛ والسبيل هو الطريق؛ وسمي ابناً للسبيل لأنه ملازم له - أي للسبيل -؛ وكل ما لازم شيئاً فهو ابن له، كما يقال: "ابن الماء" لطير الماء؛ لأنه ملازم له؛ وإنما ذكر الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه: قد يحتاج ولا يُعلَم عن حاجته.


قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ هذه الجملة شاملة لكل خير: هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير؛ فعمم الله؛ والجملة شرطية: فعل الشرط فيها: ﴿ تَفْعَلُوا ﴾؛ وجوابه جملة: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾؛ والغرض منها بيان إحاطة الله علماً بكل ما يفعلونه من خير، فيجازيهم عليه.اهـ [60]


﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ (216)

إعراب مفردات الآية[61]

(كتب) فعل ماض مبنيّ للمجهول (على) حرف جرّ و(كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (كتب) بتضمينه معنى فرض (القتال) نائب فاعل مرفوع (الواو) حاليّة (هو) ضمير منفصل مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (كره) خبر مرفوع (اللام) حرف جرّ (كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (كره) (الواو) استئنافيّة (عسى) فعل ماض تام جامد (أن) حرف مصدري ونصب (تكرهوا) مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون.. والواو فاعل (شيئا) مفعول به منصوب (الواو) حاليّة (هو خير لكم) مثل هو كره لكم (الواو) عاطفة (عسى أن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم) سبق إعراب نظيرها. (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (يعلم) مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الواو) عاطفة (أنتم) ضمير منفصل مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (لا) نافية (تعلمون) مضارع مرفوع.. والواو فاعل.


روائع البيان والتفسير

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ قال السعدي – رحمه الله-:

هذه الآية، فيها فرض القتال في سبيل الله، بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه، لضعفهم، وعدم احتمالهم لذلك، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكثر المسلمون وقوُوا، أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه مكروه للنفوس، لما فيه من التعب والمشقة، وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف، ومع هذا، فهو خير محض؛ لما فيه من الثواب العظيم، والتحرز من العقاب الأليم، والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم، وغير ذلك، مما هو مُرْبٍ على ما فيه من الكراهة ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة، فإنه شر؛ لأنه يعقب الخِذلان، وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله، وحصول الذل والهوان، وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب.


وهذه الآيات عامة مطردة في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحبها النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك..اهـ [62]


﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾: يعني بذلك جل ثناؤه: والله يعلم ما هو خير لكم، مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتبت عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله، فإني أعلم أن قتالكم إياهم، هو خير لكم في عاجلكم ومعادكم، وترككم قتالهم شر لكم، وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم، يحضهم جل ذكره بذلك على جهاد أعدائه، ويرغبهم في قتال من كفر به.اهـ[63]


ومن نفحات هذه الآية وأسرارها ما ذكره ابن القيم في تفسيرها قال - رحمه الله - ما نصه:

ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقتضيه له، لما يرجو من حسن العاقبة.


ومنها: أنه لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به علم. فلعل مضرته وهلاكه فيه. وهو لا يعلم. فلا يختار على ربه شيئا، بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضيه بما يختاره. فلا أنفع له من ذلك.


ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه. وأراه من حسن عواقب اختياره ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.


ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات، التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى.


ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار اللّه أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم عنده غير ملطوف به فيه، مع اختياره لنفسه.


ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدور العطف عليه واللطف به. فيصير بين عطفه ولطفه. فعطفه يقيه ما يحذره. ولطفه يهون عليه ما قدره.اهـ [64]


﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ وأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (217)


إعراب مفردات الآية[65]

(يسألون) مضارع مرفوع وعلامة الرفع ثبوت النون.. والواو فاعل و(الكاف) ضمير مفعول به (عن الشهر) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يسألونك)، (الحرام) نعت للشهر مجرور مثله (قتال) بدل اشتمال من الشهر مجرور مثله [66]، (في) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بنعت لقتال أو متعلّق بقتال لأنه مصدر (قل) فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (قتال) مبتدأ مرفوع [67]، (فيه) مثل الأول متعلّق بقتال أو بنعت له (كبير) خبر مرفوع. (الواو) عاطفة أو استئنافيّة (صدّ) مبتدأ مرفوع (عن سبيل) جارّ ومجرور متعلّق بنعت لصدّ أو متعلّق بصدّ، (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (الواو) عاطفة (كفر) معطوف على صدّ مرفوع مثله (الباء) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بنعت لكفر أو بكفر (الواو) عاطفة (المسجد) معطوف على سبيل اللّه مجرور مثله أي صدّ عن المسجد الحرام [68]، (الحرام) نعت للمسجد مجرور مثله (الواو) عاطفة (إخراج) معطوف على صدّ مرفوع مثله (أهل) مضاف إليه مجرور و(الهاء) ضمير مضاف إليه (منه) مثل فيه متعلّق بإخراج (أكبر) خبر صدّ وما عطف عليه مرفوع (عند) ظرف مكان منصوب متعلّق بـ (أكبر) (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور. (الواو) عاطفة (الفتنة) مبتدأ مرفوع (أكبر) خبر مرفوع (من القتل) جارّ ومجرور متعلّق بأكبر. (الواو) استئنافيّة (لا) نافية (يزالون) مضارع ناقص مرفوع وعلامة الرفع ثبوت النون.. والواو اسم لا يزالون (يقاتلون) مضارع مرفوع..والواو فاعل و(كم) ضمير متّصل مفعول به (حتّى) حرف غاية وجرّ بمعنى اللام (يردّوا) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة بعد حتّى وعلامة النصب حذف النون.. والواو فاعل، و(كم) ضمير مفعول به. والمصدر المؤوّل (أن يردّوكم) في محلّ جرّ بـ (حتّى) متعلّق بـ (يقاتلوكم).


(عن دين) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يردّوكم) و(كم) ضمير مضاف إليه (إن) حرف شرط جازم (استطاعوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ في محلّ جزم.. والواو فاعل. (الواو) استئنافيّة (من) اسم شرط جازم مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (يرتدد) مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (من) حرف جر و(كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف حال من فاعل يرتدد (عن دين) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يرتدد)، و(الهاء) ضمير مضاف إليه (الفاء) عاطفة (يمت) مضارع مجزوم معطوف على يرتدد، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الواو) حاليّة (هو) ضمير منفصل مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (كافر) خبر مرفوع (الفاء) رابطة لجواب الشرط (أولاء) اسم إشارة مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ و(الكاف) حرف خطاب (حبط) فعل ماض و(التاء) تاء التأنيث (أعمال) فاعل مرفوع و(هم) ضمير متّصل مضاف إليه (في الدنيا) جارّ ومجرور متعلّق بـ (حبطت) وعلامة الجرّ الكسرة المقدّرة على الألف (الواو) عاطفة (الآخرة) معطوف على الدنيا مجرور مثله (الواو) عاطفة (أولئك) مثل الأول (أصحاب) خبر مرفوع (النار) مضاف إليه مجرور (هم) ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ (في) حرف جرّ (ها) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بـ (خالدون) وهو خبر مرفوع وعلامة الرفع الواو.


روائع البيان والتفسير

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾- قال السعدي- رحمه الله -:

الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ، لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها، تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم، كما يجوز في البلد الحرام.


ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أموالهم، وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، قال تعالى في بيان ما فيهم: ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله، وفتنتهم من آمن به، وسعيهم في ردهم عن دينهم، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام، والبلد الحرام، الذي هو بمجرده، كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟! ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ ﴾ أي: أهل المسجد الحرام، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأنهم أحق به من المشركين، وهم عماره على الحقيقة، فأخرجوهم ﴿ مِنْهُ ﴾ ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد، فهذه الأمور كل واحد منها ﴿ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ في الشهر الحرام، فكيف وقد اجتمعت فيهم؟! فعلم أنهم فسقة ظلمة، في تعييرهم المؤمنين.اهـ [69]


وأضاف ابن عثيمين – رحمه الله-: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾؛ وهل هذا الحكم منسوخ، أو باق؟ للعلماء في ذلك قولان؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحكم منسوخ؛ وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرماً، ثم نسخ؛ القول الثاني: أن الحكم باقٍ، وأن القتال في الأشهر الحرم حرام؛ دليل من قال: "إنه منسوخ" قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ﴾ [التوبة: 36]، وقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 73]، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتل ثقيفاً في شهر ذي القعدة؛ وهو شهر حرام؛ وأن غزوة تبوك كانت في رجب؛ وهو شهر حرام؛ والذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ على تحريمه؛ ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص؛ فهي مخصصة بقوله تعالى: ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾؛ وأما قتال الرسول صلى الله عليه وسلم أجيب عنه بأنه ليس قتال ابتداء؛ وإنما هو قتال مدافعة؛ وقتال المدافعة لا بأس به حتى في الأشهر الحرم؛ إذا قاتلونا نقاتلهم؛ فثقيف كانوا تجمعوا لرسول الله فخرج إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليغزوهم؛ وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمعوا له فخرج إليهم ليدافعهم؛ فالصواب في هذه المسألة أن الحكم باقٍ، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال في الأشهر الحرم؛ لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام. اهـ [70]


﴿ ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ وأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾- قال ابن عثيمين - رحمه الله -في بيانها: وله تعالى: ﴿ ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ... ﴾ إلخ، أي لا يزال هؤلاء الكفار يقاتلونكم ﴿ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ ﴾ أي يرجعوكم عنه إلى الكفر ﴿ إنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ يعني: ولن يستطيعوا ذلك؛ ومثل هذه الجملة الشرطية تأتي لبيان العجز عن الشيء، كقوله تعالى: ﴿ يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾ [الرحمن: 33]؛ ومن المعلوم أنهم لن يستطيعوا أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض.


قوله تعالى: ﴿ ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ أي من يرجع عن دين الإسلام إلى الكفر ﴿ فَيَمُتْ وهُوَ كَافِرٌ ﴾ أي يموت على الكفر؛ فالجملة في قوله تعالى: ﴿ وهُوَ كَافِرٌ ﴾ في موضع نصب على الحال من فاعل { يمت }.


قوله تعالى: ﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ أعاد اسم الإشارة بصيغة الجمع على اسم موصول صالح للمفرد والجمع؛ لأن اسم الموصول العام يجوز ع

ود الضمير والإشارة إليه على وجه الإفراد باعتبار لفظه؛ وعلى وجه الجمع باعتبار معناه.

قوله تعالى: ﴿ حَبِطَتْ ﴾ أي اضمحلت ﴿ أَعْمَالُهُمْ ﴾ أي ما قدموه من عمل صالح في الدنيا والآخرة؛ فلا يستفيدون بأعمالهم شيئاً في الدنيا من قبول الحق، والانشراح به؛ ولا في الآخرة؛ لأن أعمالهم ضاعت عليهم بكفرهم.


قوله تعالى: ﴿ وأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ أي أهلها الملازمون لها؛ ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾: كالتأكيد لقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾.اهـ [71]


وأضاف السعدي - رحمه الله -:

هذا الوصف عام لكل الكفار، لا يزالون يقاتلون غيرهم، حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصا، أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، الذين بذلوا الجمعيات، ونشرواالدعاة، وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس، لجذب الأمم إلى دينهم، وتدخيلهم عليهم، كل ما يمكنهم من الشبه، التي تشككهم في دينهم.


ولكن المرجو من الله تعالى، الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينه القيم، وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته.اهـ [72]


﴿ إنَّ الَذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (218)

إعراب مفردات الآية[73]

(إنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد (الذين) اسم موصول في محلّ نصب اسم إنّ (آمنوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ.. والواو فاعل (الواو) عاطفة (الذين) معطوف على الموصول الأول في محلّ نصب (هاجروا) مثل آمنوا وكذلك (جاهدوا)، (في سبيل) جارّ ومجرور متعلّق بـ (جاهدوا)، (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه (أولاء) اسم إشارة مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ و(الكاف) للخطاب (يرجون) مضارع مرفوع..والواو فاعل (رحمة) مفعول به منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (غفور) خبر مرفوع (رحيم) خبر ثان مرفوع.


روائع البيان والتفسير

﴿ إنَّ الَذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾- قال ابن عثيمين- رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ إنَّ الَذِينَ آمَنُوا ﴾؛ "الإيمان" في اللغة التصديق: قال تعالى عن إخوة يوسف قائلين لأبيهم: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 17]؛ وأما في الشرع فهو التصديق المستلزم للقبول والإذعان.اهـ [74]


وأضاف القرطبي - رحمه الله - مامختصره:

والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني. والهجر ضد الوصل. وقد هجره هجرا وهجرانا، والاسم الهجرة. والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية. والتهاجر التقاطع. ومن قال: المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم، بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله."وَجاهَدُوا" مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد، مجاهدة وجهادا. والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود. والجهاد (بالفتح): الأرض الصلبة."وَيَرْجُونَ" معناه يطمعون ويَستَقْرِبون.اهـ[75]


وقال السعدي – رحمه الله - في تفسيرها إجمالاً ما نصه:

هذه الأعمال الثلاثة، هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان، من الربح والخسران، فأما الإيمان، فلا تسأل عن فضيلته، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة من أهل النار؟ وهو الذي إذا كان مع العبد، قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل، ولا فرض، ولا نفل.


وأما الهجرة: فهي مفارقة المحبوب المألوف، لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله، وأهله، وخلانه، تقربا إلى الله ونصرة لدينه.


وأما الجهاد: فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله، وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه، أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر، لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم.


فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشد قياما به وتكميلا.


فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله، لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل، وعدم القيام بالأسباب، فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه، ونقص عقله، بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح، ووجود الغلة بلا بذر وسقي، ونحو ذلك.


وفي قوله: ﴿ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾ إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها، ويعول عليها، بل يرجو رحمة ربه، ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه، وستر عيوبه.


ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾ أي: لمن تاب توبة نصوحا ﴿ رَحِيمٌ ﴾ وسعت رحمته كل شيء، وعم جوده وإحسانه كل حي.


وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة، حصل له مغفرة الله، إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله.


وإذا حصلت له المغفرة، اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة، التي هي آثار الذنوب، التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة، حصل على كل خير في الدنيا والآخرة؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم، فلولا توفيقه إياهم، لم يريدوها، ولولا إقدارهم عليها، لم يقدروا عليها، ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولا وآخرا، وهو الذي منّ بالسبب والمسبب.اهـ [76]

==========================
[1] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر : دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق (2/421).

[2] انظر معالم التنزيل للبغوي - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1 /234).

[3] الحديث أخرجه مسلم برقم/ 1926-باب تحريم صوم أيام التشريق من حديث نبيشة الهذلي- رضي الله عنه.

[4] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة (1/93).

[5] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (4/351).

[6] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/414).

[7] في الآية (200) من هذه السورة.

[8] أو متعلّق بالمصدر (قوله) على تقدير في أمور الدنيا أو يتعلّق بفعل يعجبك.

[9] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (4 /229/ 3960).

[10] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (4 / 355).

[11] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/424).

[12] الحديث أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي قتادة عن أبيهوصحة متنه" بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصلاة قال فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، وهو في البخاري برقم/ 599- باب قول الرجل فاتتنا الصلاة، ومسلم نحوه برقم/948- باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة

[13] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1/ 564).

[14] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/93).

[15] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/425).

[16] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع ( 1/564).

[17]- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة ( 1/94).

[18] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر : دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/427).

[19] في الآية (200) من هذه السورة.

[20] قال في الصحيح المسند من أسباب النزول المحدث العلامة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادى الوادعي - رحمه الله - بتحقيقه- ص(33) صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه.
الحديث له طرق أخري أغلبها مراسيل كما في الإصابة ج2 ص188 وفي الطبقات لابن سعد ج3 ص163 و163 من القسم الأول وهي بمجموعها تزيد الحديث قوة وتدل على ثبوته.

[21] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (4/ 361 )

[22] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (4/ 251/4007).

[23] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/428).

[24] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1/ 565).

[25] ومن هذه الأحاديث التي قصدها المصنف في تفسيره حديث ابن عمر-رضي الله عنه-:

"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" والحديث أخرجه مسلم برقم/3764- باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما.

[26] قصد المصنف حديث عائشة- رضي الله عنها - وما في معناه قالت:" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" والحديث بلفظه أخرجه البخاري برقم/709- باب الالتفات في الصلاة

[27] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 4).

[28] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/429).

[29] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 94).

[30] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر : دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/430).

[31] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع( 1/ 566).

[32] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 94).

[33] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/432).

[34] قال أبو البقاء العكبري: والأحسن إذا فصل بين كم وبين مميّزها أن يؤتي ب (من).

[35] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي- الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة (3/ 28 )

[36] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (4/ 272 /4041).

[37] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/434).

[38] الحديث صحح الألباني إسناده في صحيح الترهيب (3/274) وقال - رحمه الله -: رواه الطبراني في الأوسط مختصرا بإسناد رواته رواة الصحيح ولفظه "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لموضع سوط في الجنة خير مما بين السماء والأرض ."،وابن حبان في صحيحه ولفظه "قال غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع قدم من الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو أن امرأة اطلعت إلى الأرض من نساء أهل الجنة لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها"

[39] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 /16).

[40] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/95).

[41] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/436).

[42] يجوز أن يتعلّق بحال محذوفة من الكتاب، أي مبشّرا ومنذرا معهم.

[43] يجوز أن يعود على كلّ نبيّ مرسل.

[44] يجوز تعليقه ب (هدى) أي هداهم بأمره.

[45] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة (1/ 95).

[46] انظر معالم التنزيل للبغوي - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1 /244).

[47] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 24).

[48] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر : دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/439).

[49] على رأي سيبويه، وسدّ مسدّ المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف- على رأي الأخفش- والتقدير أم حسبتم دخول الجنّة محقّقا.

[50] يجوز تعليقه ب (يقول)، أي يقولون مع الرسول.

[51] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة ( 1/96).

[52] مرة الطيب بن شراحيل الهمداني الكوفي ويقال له أيضا: مرة الخير؛ لعبادته، وخيره، وعلمه.حدث عن: أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي ذر، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وجماعة.

حدث عنه: أسلم الكوفي، وزبيد اليامي، وحصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب، وإسماعيل بن أبي خالد، وآخرون وثقه: يحيى بن معين، وبلغنا عنه: أنه سجد لله حتى أكل التراب جبهته.

سفيان بن عيينة: سمعت عطاء بن السائب يقول: رأيت مصلى مرة الهمداني مثل مبرك البعير.

ونقل عطاء - أو غيره -: أن مرة كان يصلي في اليوم والليلة ست مائة.

قلت: ما كان هذا الولي يكاد يتفرغ لنشر العلم، ولهذا لم تكثر روايته، وهل يراد من العلم إلا ثمرته.

مات: سنة نيف وثمانين -رحمه الله- بالكوفة.- سير أعلام النبلاء للذهبي بتصرف يسير (4/75).

[53] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع( 1/ 571).

[54] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 /32).

[55] انظر معالم التنزيل للبغوي - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1/245).

[56] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/96).

[57] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر : دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/442).

[58] يجوز إعراب (ماذا) بجعله كلمة واحدة: اسم استفهام مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به مقدّم عامله ينفقون.. والجملة مفعول ثان لفعل سأل المعلّق بالاستفهام (ماذا)، لأن السؤال سبب للعلم.

[59] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة ( 4 /291/ 4067).

[60] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 35).

[61] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/444).

[62] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/96).

[63] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة ( 4 / 299/ 4079).

[64] تفسير القرآن الكريم ـ لابن القيم )-نسخة المكتبة الشاملة ( 1/148).

[65] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر : دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/448).

[66] هو بدل اشتمال لأن الشهر يشتمل القتال، والقتال ملابس الشهر لأنه واقع فيه.

[67] الذي سوّغ الابتداء بالنكرة كونها وصفت بقوله فيه.

[68] الذي سوّغ العطف على (سبيل) أن مضمون معنى (صد عن سبيل اللّه، وكفر به) هو واحد.

[69] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة( 1/ 97 )

[70] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 41 )

[71] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين ( 5/ 41 )

[72] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/97 )

[73] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر : دار الرشيد مؤسسة الإيمان – دمشق(2/452 )

[74] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 47 )

[75] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي- الناشر: دارالكتب المصرية – القاهرة (/ )

[76] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 98 )


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/89467/#ixzz5wRjkepxG












الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير ربع ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ (الربع الثالث عشر من سورة البقرة)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑نفحات اسلامية ๑۩۞۩๑Islamic Nfhat-
انتقل الى: