منتدي المركز الدولى


قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Ououou11

۩۞۩ منتدي المركز الدولى۩۞۩
ترحب بكم
قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام 1110
قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول
ونحيطكم علما ان هذا المنتدى مجانى من أجلك أنت
فلا تتردد وسارع بالتسجيل و الهدف من إنشاء هذا المنتدى هو تبادل الخبرات والمعرفة المختلفة فى مناحى الحياة
أعوذ بالله من علم لاينفع شارك برد
أو أبتسانه ولاتأخذ ولا تعطى
اللهم أجعل هذا العمل فى ميزان حسناتنا
يوم العرض عليك ، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
شكرا لكم جميعا قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام 829894
۩۞۩ ::ادارة
منتدي المركز الدولى ::۩۞۩


منتدي المركز الدولى،منتدي مختص بتقديم ونشر كل ما هو جديد وهادف لجميع مستخدمي الإنترنت فى كل مكان
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
Awesome Orange 
Sharp Pointer
منتدى المركز الدولى يرحب بكم أجمل الترحيب و يتمنى لك اسعد الاوقات فى هذا الصرح الثقافى

اللهم يا الله إجعلنا لك كما تريد وكن لنا يا الله فوق ما نريد واعنا يارب العالمين ان نفهم مرادك من كل لحظة مرت علينا أو ستمر علينا يا الله

شاطر
 

 قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 1:31


ققصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام
قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام
قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام

في ليلة من الليالي رأى يوسف -عليه السلام- وهو نائم رؤيا عجيبة، فقد رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له فلما استيقظ، ذهب إلى أبيه يعقوب -عليه السلام- في هذه الرؤيا. فعرف أن ابنه سيكون له شأن عظيم، فحذره من أن يخبر إخوته برؤياه، فيفسد الشيطان قلوبهم، ويجعلهم يحسدونه على ما آتاه الله من فضله، فلم يقص رؤيته على أحد.
وكان يعقوب يحب يوسف حبًّا كبيرًا، ويعطف عليه ويداعبه، مما جعل إخوته يحسدونه، ويحقدون عليه، فاجتمعوا جميعا ليدبروا له مؤامرة تبعده عن أبيه.
فاقترح أحدهم أن يقتلوا يوسف أو يلقوه في أرض بعيدة، فيخلو لهم أبوهم، وبعد ذلك يتوبون إلى الله، ولكن واحدًا آخر منهم رفض قتل يوسف، واقترح عليهم أن يلقوه في بئر بعيدة، فيعثر عليه بعض السائرين في الطريق، ويأخذونه ويبيعونه.
ولقيت هذه الفكرة استحسانًا وقبولاً، واستقر رأيهم على نفيه وإبعاده، وأخذوا يتشاورون في تدبير الحيلة التي يمكن من خلالها أخذ يوسف وتنفيذ ما اتفقوا عليه، ففكروا قليلا، ثم ذهبوا إلى أبيهم وقالوا له: (يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون)[يوسف: 11].
فأجابهم يعقوب -عليه السلام- أنه لا يقدر على فراقه ساعة واحدة، وقال لهم: (أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون)[يوسف: 13]
فقالوا: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون)[يوسف:14]. وفي الصباح، خرج الأبناء جميعًا ومعهم يوسف -عليه السلام- إلى الصحراء، ليرعوا أغنامهم، وما إن ابتعدوا به عن أبيهم حتى تهيأت لهم الفرصة لتنفيذ اتفاقهم، فساروا حتى وصلوا إلى البئر، وخلعوا ملابسه ثم ألقوه فيها، وشعر يوسف بالخوف، والفزع، لكن الله كان معه، حيث أوحى إليه ألا تخاف ولا تجزع فإنك ناج مما دبروا لك.
وبعد أن نفذ إخوة يوسف مؤامرتهم، جلسوا يفكرون فيما سيقولون لأبيهم عندما يسألهم، فاتفقوا على أن يقولوا لأبيهم إن الذئب قد أكله، واخلعوا يوسف قميصه، وذبحوا شاة، ولطخوا بدمها قميص يوسف.
وفي الليل، عادوا إلى أبيهم، ولما دخلوا عليه بكوا بشدة، فنظر يعقوب إليهم ولم يجد فيهم يوسف معهم، لكنهم أخبروه أنهم ذهبوا ليتسابقوا، وتركوا يوسف ليحرس متاعهم، فجاء الذئب وأكله، ثم أخرجوا قميصه ملطخًا بالدماء، ليكون دليلا لهم على صدقهم.
فرأى يعقوب -عليه السلام- القميص سليمًا، حيث نسوا أن يمزقوه، فقال لهم: عجبًا لهذا الذئب كان رحيمًا بيوسف أكله دون أن يقطع ملابسه. ثم قال لهم مبينًا كذبهم: (بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون)[يوسف: 18].
أما يوسف فكان لا يزال حبيسًا في البئر ينتظر الفرج والنجاة، وبينما هو كذلك، مرت عليه قافلة متجهة إلى مصر، فأرادوا أن يتزودوا من الماء، فأرسلوا أحدهم إلى البئر ليأتيهم بالماء، فلما ألقى دلوه تعلق به يوسف، فنظر في البئر فوجد غلامًا جميلاً يمسك به، ففرح الرجل ونادى رجال القافلة، فأخرجوا يوسف، وأخذوه معهم إلى مصر ليبيعوه.
وكان عزيز مصر في هذا اليوم يتجول في السوق، ليشتري غلامًا له؛ لأنه لم يكن له أولاد، فوجد هؤلاء الناس يعرضون يوسف للبيع، فذهب إليهم، واشتراه منهم بعدة دراهم قليلة.
ورجع عزيز مصر إلى زوجته، وهو سعيد بالطفل الذي اشتراه، وطلب من زوجته أن تكرم هذا الغلام، وتحسن معاملته، فربما نفعهما أو اتخذاه ولدًا لهما، وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض فأصبح محاطًا بعطف العزيز ورعايته.
ومرت السنون، وكبر يوسف، وأصبح شابًا قويًّا، رائع الحسن، وكانت امرأة العزيز تراقب يوسف يومًا بعد يوم، وازداد إعجابها به لحظة بعد أخرى، فبدأت تظهر له هذا الحب بطريق الإشارة والتعريض، لكن يوسف -عليه السلام- كان يعرض عنها، ويتغافل عن أفعالها، فأخذت المرأة تفكر كيف تغري يوسف بها.
وذات يوم، انتهزت فرصة غياب زوجها عن القصر، فتعطرت وتزينت، ولبست أحسن الثياب، وغلقت الأبواب ودعت يوسف حتى أدخلته حجرتها، وطلبت منه أن يفعل معها الفاحشة.
لكن يسوف بعفته وطهارته امتنع عما أرادت، ورد عليها ردًّا بليغًا حيث قال: (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) [يوسف: 23].
ثم أسرع يوسف -عليه السلام- ناحية الباب يريد الخروج من المكان، لكن امرأة العزيز لم تدع الفرصة تفوتها، فجرت خلفه، لتمنعه من الخروج، وأمسكت بقميصه فتمزق.
وفجأة، حضر زوجها العزيز، وتأزم الموقف، وزاد الحرج، لكن امرأة العزيز تخلصت من حرج موقفها أمام زوجها، فاتهمت يوسف بالخيانة ومحاولة الاعتداء عليها، وقالت لزوجها: (ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم)[يوسف: 25].
وأمام هذا الاتهام، كان على يوسف أن يدافع عن نفسه، فقال: (هي راودتني عن نفسي)[يوسف: 26].
فاحتكم الزوج إلى رجل من أهل المرأة، فقال الرجل من غير تردد انظروا: (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين)[يوسف: 26-27].
فالتفت الزوج إلى امرأته، وقال لها: (إنه من كيدكم إن كيدكن عظيم)[يوسف: 28]، ثم طلب العزيز من يوسف أن يهمل هذا الموضوع، ولا يتحدث به أمام أحد، ثم طلب من زوجته أن تستغفر من ذنبها وخطيئتها.
واتفق الجميع على أن يظل هذا الفعل سرًّا لا يعرفه أحد، ومع ذلك فقد شاع خبر مراودة امرأة العزيز ليوسف، وطلبها للفاحشة، وانتشر في القصر وتحدث نساء المدينة بما فعلته امرأة العزيز مع فتاها، وعلمت امرأة العزيز بما قالته النسوة عنها، فغضبت غضبًا شديدًا، وأرادت أن تظهر لهن عذرها، وأن جمال يوسف وحسن صورته هما اللذان جعلاها تفعل ذلك، فأرسلت إليهن، وهيأت لهن مقاعد مريحة، وأعطت كل واحدة منهن سكينا، ثم قالت ليوسف: اخرج عليهن.
فخرج يوسف متمثلاً لأمر سيدته، فلما رآه النسوة انبهرن بجماله وحسنه، وقطعن أيديهن دون أن يشعرن بذلك، وظن جميع النسوة أن الغلام ما هو إلا ملك، ولا يمكن أن يكون بشرًا. فقالت امرأة العزيز: (فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين)[يوسف: 32].
واقتنع النساء بما تفعله امرأة العزيز مع يوسف، فلما رأى ذلك منهن قال: (قال رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)[يوسف: 33].
وكادت تحدث فتنة في المدينة بسبب عشق النساء ليوسف، فرأى القائمون على الأمر في مصر أن يسجن يوسف إلى حين، فسجنوه، وظل يوسف -عليه السلام- في السجن فترة، ودخل معه السجن فتيان أحدهما خباز والآخر ساقي، ورأيا من أخلاق يوسف وأدبه وعبادته لربه ما جعلهما يعجبان به، فأقبلا عليه ذات يوم يقصان عليه ما رأيا في نومهما، (قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين)[يوسف: 36]
ففسر لهما يوسف رؤياهما، بأن أحدهما سيخرج من السجن، ويرجع إلى عمله كساق للملك، وأما الآخر وهو خباز الملك فسوف يصلب، وتأكل الطير من رأسه.
وقبل أن يخرج ساقي الملك من السجن طلب من يوسف أن يذكر أمره عند الله، ويخبره أن في السجن بريئًا حبس ظلمًا، حتى يعفو عنه، ويخرج من السجن، ولكن الساقي نسى، فظل يوسف في السجن بضع سنين، وبمرور فترة من الزمن تحقق ما فسره لهما يوسف.
وفي يوم من الأيام، نام الملك فرأى في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبع نحيفات، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فقام من نومه خائفا مفزوعًا مما رآه، فجمع رجاله وعلماء دولته، وقص عليهم ما رآه، وطلب منهم تفسيره، فأعجزهم ذلك، وأرادوا صرف الملك عنه حتى لا ينشغل به، فقالوا: (أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)[يوسف: 44].
لكن هذه الرؤيا ظلت تلاحق الملك وتفزعه أثناء نومه، فانشغل الملك بها، وأصر على معرفة تفسيرها، وهنا تذكر الساقي أمر يوسف، وطلب أن يذهب إلى السجن ليقابل يوسف، وهناك طلب منه أن يفسر رؤيا الملك، ففسر يوسف البقرات السمان والسنبلات الخضر بسبع سنين يكثر فيها الخير وينجو الناس فيه من الهلاك.
ولم يكتف يوسف بتفسير الحلم، وإنما قدم لهم الحل السليم. وما يجب عليهم فعله تجاه هذه الأزمة، وهو أن يدخروا في سنوات الخير ما ينفعهم في سنوات القحط والحاجة من الحبوب بشرط أن يتركوها في سنابلها، حتى يأتي الله بالفرج.
ولما عرف الساقي تفسير الرؤيا، رجع إلى الملك ليخبره بما قاله له يوسف. ففرح الملك فرحًا شديدًا، وراح يسأل عن ذلك الذي فسر رؤياه، فقال الساقي: يوسف. فقال الملك على الفور: ائتوني به.
فذهب رسول الملك إلى يوسف وقال له: أجب الملك، فإنه يريد أن يراك، ولكن يوسف رفض أن يذهب إلى الملك قبل أن تظهر براءته، ويعرف الملك ما حدث له من نساء المدينة.
فأرسل الملك في طلب امرأة العزيز وباقي النسوة، وسألهن عن الأمر، فقلن معترفات بذنوبهن مقرَّات بخطئهن، ومعلنات عن توبتهن إلى الله: ما رأينا منه سوءًا، وأظهرت امرأة العزيز براءة يوسف أمام الناس جميعًا.
عندئذ أصدر الملك قراره بتبرئة يوسف مما اتهم به، وأمر بإخراجه من السجن وتكريمه، وتقريبه إليه. ثم خيره أن يأخذ من المناصب ما شاء فقال يوسف: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليهم)[يوسف: 55]. فوافق الملك على أن يتقلد يوسف هذا المنصب لأمانته وعلمه.
وتحققت رؤيا الملك، وانتهت سنوات الرخاء، وبدأت سنوات المجاعة، وجاء الناس من كل مكان في مصر والبلاد المجاورة ليأخذوا حاجتهم من خزائن الملك.
وفي يوم من الأيام، وأثناء توزيع الحبوب على الناس إذا بيوسف أمام رجال يعرفهم بلغتهم وأشكالهم وأسمائهم، وكانت مفاجأة لم يتوقعوها، إنهم إخوته، أبناء أبيه يعقوب -عليه السلام-، الذي ألقوه في البئر وهو صغير، لقد جاءوا محتاجين إلى الطعام، ووقفوا أمامه دون أن يعرفوه، فقد تغيرت ملامحه بعدما كبر، فأحسن يوسف إليهم، وأنسوا هم به، وأخبروه أن لهم أخا أصغر من أبيهم لم يحضر معهم، لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه.
فلما جهزهم يوسف بحاجات الرحلة، وقضى حاجتهم، وأعطاهم ما يريدون من الطعام، قال لهم: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين. فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون).
[يوسف: 59-60].
فأظهروا أن الأمر ليس ميسورا وسوف يمانع، ليستبدلوا بها القمح والعلف في رحالهم بدلا من القمح فيضطروا إلى العودة إليه بأخيهم.
وعاد إخوة يوسف إلى أبيهم، وقالوا: (يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون)[يوسف: 63]، فرفض يعقوب.
وذهب الإخوة إلى بضاعتهم ليخرجوها ففوجئوا ببضاعتهم الأولى التي دفعوها ثمنا، ولم يجدوا قمحا، فأخبروا والدهم أن بضاعتهم قد ردت إليهم، ثم أخذوا يحرجون أباهم بالتلويح له بمصلحة أهلهم في الحصول على الطعام، ويؤكدون له عزمهم على حفظ أخيهم، ويرغبونه بزيادة الكيل لأخيهم، فقد كان يوسف يعطي لكل فرد حمل بعير.
فقال لهم أبوهم: (لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل)[يوسف: 66]، ولم ينس أن يوصيهم في هذا الموقف وينصحهم، فقال لهم: (يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون)[يوسف: 67].
وسافر الإخوة إلى مصر، ودخلوها من حيث أمرهم أبوهم، ولما وقفوا أمام يوسف، دعا أخاه الصغير، وقربه إليه، واختلى به، وأخبره أنه يوسف أخوه.
ثم وزن البضاعة لإخوته، فلما استعدوا للرحيل والعودة إلى بلادهم، إذا بيوسف يريد أن يستبقي أخاه بجانبه، فأمر فتيانه بوضع السقاية (إناء كان يكيل به) في رحل أخيه الصغير، وعندما بدأت القافلة في الرحيل إذا بمناد ينادي ويشير إليهم: (إنكم لسارقون) [يوسف: 70].
فأقبل الإخوة يتساءلون عن الذي فقد، فأخبره المنادي أنه فقد مكيال الملك، وقد جعل لمن يأتي به مكافأة قدرها حمل بعير.
وهنا لم يتحمل إخوة يوسف ذلك الاتهام، فدخلوا في حوار ساخن مع يوسف ومن معه، فهم ليسوا سارقين وأقسموا على ذلك. فقال الحراس: (فما جزاؤه إن كنت كاذبين)[يوسف: 74].
هنا ينكشف التدبير الذي ألهمه الله يوسف، فقد كان الحكم السائد في شريعة بني إسرائيل أن السارق يكون عبدًا للمسروق منه، ولما كان يوسف -عليه السلام- يعلم أن هذا هو جزاء السارق في شريعة بني إسرائيل، فقد قبل أن يحتكم إلى شريعتهم دون شريعة المصريين، ووافق إخوته على ذلك لثقتهم في أنفسهم. فأصدر يوسف الأوامر لعماله بتفتيش أوعية إخوته. فلم يجدوا شيئا، ثم فتشوا وعاء أخيه، فوجدوا فيه إناء الكيل.
وتذكر إخوة يوسف ما وعدوا به أباهم من عودة أخيهم الصغير إليه، فقالوا: (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين)[يوسف: 78].
فقال يوسف: (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذًا لظالمون) [يوسف:79].
وهكذا مكن الله ليوسف أن يحتفظ بأخيه، أما الإخوة فقد احتاروا وجلسوا يفكرون فيما سيقولونه لأبيهم عندما يعودون، فقرر كبيرهم ألا يبرح مصر، وألا يواجه أباه إلا أن يأذن له أبوه، أو يقضي الله له بحكم، وطلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم، ويخبروه صراحة بأن ابنه سرق، فأخذ بما سرق، وإن شك في ذلك؛ فليسأل القافلة التي كانوا معها أو أهل المدينة التي كانوا فيها.
فعادوا إلى أبيهم وحكوا له ما حدث، إلا أن أباهم لم يصدقهم، وقال: (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم)[يوسف: 83]، ثم تركهم، وأخذ يبكي على يوسف وأخيه، حتى فقد بصره، فاغتاظ أبناءه وقالوا: (تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين)[يوسف: 85].
فرد يعقوب -عليه السلام- عليهم أنه يشكو أمره لله، وليس لأحد من خلقه، وطلب منهم أن يذهبوا ليبحثوا عن يوسف وأخيه، فهو يشعر بقلب المؤمن أن يوسف مازال حيًّا، والمؤمن لا ييأس من رحمة الله أبدًا.
وتوجه الأبناء إلى مصر للمرة الثالثة يبحثون عن أخيهم، ويلتمسون بعض الطعام، وليس معهم إلا بضاعة رديئة.
ولما وصلوا مصر دخلوا على يوسف، فقالوا له: (يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يحب المتصدقين)[يوسف: 88]. ففاجأهم يوسف بهذا السؤال: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون) [يوسف:89]، فتنبهوا إلى رنين هذا الصوت، وإلا هذه الملامح التي ربما يعرفونها، فقالوا: (أئنك لأنت يوسف)
[يوسف: 90].
فأخبرهم يوسف بحقيقته، وبفضل الله عليه. فاعتذر له إخوته، وأقروا بخطئهم، فعفا يوسف عنهم، وسأل الله لهم المغفرة. ثم سألهم يوسف عن أبيه، فعلم منهم أنه قد فقد بصره بسبب حزنه عليه، فقال لهم: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا وأتوني بأهلكم أجمعين)[يوسف: 93].
فأخذوا القميص وخرجوا من مصر متوجهين إلى فلسطين وقبل أن تصل العير قال يعقوب لمن حوله: (إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون)[يوسف: 94]، فقالوا له: تالله إنك لفي ضلالك القديم)[يوسف: 95]
وبعد أيام عادة إخوة يوسف إلى أبيهم، وبشروه بحياة يوسف وسلامة أخيه، ثم أخرجوا قميص يوسف، ووضعوه على وجه يعقوب، فارتد إليه بصره.
وطلب إخوة يوسف من أبيهم أن يستغفر لهم، فوعدهم يعقوب بأنه سيستغفر لهم الله وقت السحر؛ لأن هذا أدعى إليه استجابة الدعاء.
وغادر بنو إسرائيل أرضهم متوجهين إلى مصر، فلما دخلوها، استقبلهم يوسف بترحاب كبير، وأكرم أبويه، فأجلسهما على كرسيه، وهنا لم يتمالك يعقوب وامرأته وبنوه الأحد عشر أنفسهم حتى انحنوا تحية ليوسف وإكبار لوفائه، وتقديرا لعفوه وفضله، وتذكر يوسف رؤياه القديمة التي رآها وهو صغير، فالأحد عشر كوكبًا بعدد إخوته، والشمس والقمر هنا أبواه، فقال: (يا أبت هذا تأويل رُءياي من قبل قد جعلها ربي حقًّا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم)[يوسف: 100].
ثم توجه يوسف -عليه السلام- إلى الله -عز وجل- يشكره على نعمه، فقال: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين)
[يوسف: 101].
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكرم الناس. فقال: "أتقاهم". فقالوا: ليس عن هذا نسألك. فقال: "فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله" [متفق عليه].

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام
قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام
تابعووووووووونا



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗










عدل سابقا من قبل الشيماء في السبت 7 ديسمبر - 2:32 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 1:32


قصة يوسف عليه السلام

{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}
قد ذكرنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولداً ذكراً، وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره، وباقي إخوته لم يوحَ إليهم، وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول.
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم)).

قال المفسرون وغيرهم: رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم كأن {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} وهم إشارة إلى بقية أخوته {وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ} هما عبارة عن أبويه قد سجدوا له، فهاله ذلك.
فلما استيقظ قصها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية، ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها، فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه، ويبغوا له الغوائل، ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر.
ولهذا جاء في بعض الآثار: استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود.
{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي: وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي: يخصك بأنواع اللطف والرحمة.{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} أي: يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك.
{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ َ} أي: بالوحي إليك.
{كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} أي: ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة كما أعطاها أباك يعقوب، وجدك إسحاق، ووالد جدك إبراهيم الخليل.
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس أكرم؟
قال: ((يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)).

{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم، والدلالات والمواعظ والبينات، ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه، يعنون شقيقه لأمه بنيامين أكثر منهم، وهم عصبة أي: جماعة يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين.
{إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي: بتقديمه حبهما علينا. ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف، أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها، ليخلو لهم وجه أبيه أي لتتمحض محبته لهم، وتتوفر عليهم وأضمروا التوبة بعد ذلك، فلما تمالؤا على ذلك، وتوافقوا عليه.{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} أي: المارة من المسافرين.
فإن كنتم فاعلين لا محالة، فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقرب حالاً من قتله أو نفيه وتغريبه، فأجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم، وأن يلعب وينبسط، وقد أضمروا له ما الله به عليم، فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم: يا بني يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه، فيأتي الذئب فيأكله، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه
{قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ} أي: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة، إنا إذا لخاسرون أي: عاجزون هالكون.

{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَجَاؤوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاؤوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}
لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، فما كان إلا أن غابوا عن عينيه، فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال، وأجمعوا على إلقائه في غيابت الجب أي: في قعره على راعوفته، وهي الصخرة التي تكون في وسطه، يقف عليها المائح - وهو الذي ينزل ليملي الدلاء إذا قل الماء - والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح.
فلما ألقوه فيه، أوحى الله إليه أنه لا بدَّ لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا، في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك، خائفون منك

وذكر بكاء إخوة يوسف، وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون، أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم
}قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا} أي ثيابنا {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} أي: في غيبتنا عنه في استباقنا.
وقولهم {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي: وما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له، ولو كنا غير متهمين عندك، فكيف وأنت تتهمنا في هذا، فإنك خشيت أن يأكله الذئب، وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله، فصرنا غير مصدقين عندك، فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه.
{وَجَاؤوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي: مكذوب مفتعل، لأنهم عمدوا إلى سخلة ذبحوها، فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه، ليوهموا أنه أكله الذئب، قالوا ونسوا أن يخرقوه، وآفة الكذب النسيان.
ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرُج صنيعهم على أبيهم، فإنه كان يفهم عداوتهم له، وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم، لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره، لما يريد الله أن يخصه به من نبوته.
ولما راودوه عن أخذه، فبمجرد ما أخذوه أعدموه، وغيبوه عن عينيه، جاؤا وهم يتباكون وعلى ما تمالئوا عليه يتواطئون، ولهذا {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}.
وعند أهل الكتاب: أن روبيل أشار بوضعه في الجب، ليأخذه من حيث لا يشعرون، ويرده إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة. فلما جاء روبيل من آخر النار ليُخرج يوسف لم يجده، فصاح وشق ثيابه، وعمد أولئك إلى جدي فذبحوه، ولطخوا من دمه جبة يوسف، فلما علم يعقوب شق ثيابه، ولبس مئزراً أسود وحزن على ابنه أياماً كثيرة، وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير.
و قال تعالى: {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ }
يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب:
أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة أي: مسافرون. قاصدين ديار مصر من الشام، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف، فلما رآه ذلك الرجل:
{قَالَ يَابُشْرَى} أي: يا بشارتي
{هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} أي: أوهموا أنه معهم غلام من جملة تجارتهم
ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم بثمن بخس أي: قليل نزر. وقيل: هو الزيف.
{دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} قال ابن مسعود: باعوه بعشرين درهماً، اقتسموها درهمين درهمين.
المصدر.










‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 1:33


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". وقد ذكره الله في عداد مجموعة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} [غافر: 34].

* حياة يوسف عليه السلام في فقرات: (أ) أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياته عليه السلام ما يلي: 1- هو يوسف بن يعقوب من زوجته راحيل، ولد في "فدان آرام" بالعراق حينما كان أبوه عند خاله (لابان)، ولما عاد أبوه إلى الشام - مهجر الأسرة الإِبراهيمية - كان معه حدثاً صغيراً. قالوا: وكان عمر يعقوب لما ولد له يوسف (91) سنة، وإن مولد يوسف كان لمضي (251) سنة من مولد إبراهيم. 2- توفيت أمه وهو صغير، فكفلته عمته وتعلقت نفسها به، فلما اشتد قليلاً أراد أبوه أن يأخذه منها، فضنَّت به وألبسته منطقة لإِبراهيم كانت عندها وجعلتها تحت ثيابه، ثم أظهرت أنها سُرقت منها، وبحثت عنها حتى أخرجتها من تحت ثياب يوسف، وطلبت بقاءه عندها يخدمها مدةً جزاءً له بما صنع، وبهذه الحيلة استبْقَتْه عندها، وكف أبوه عن مطالبتها به. 3- كان يوسف أثيراً عند أبيه من بين إخوته، وقد رأى يوسف -وهو غلام صغير- رؤيا قصها على أبيه، فقال له أبوه: {لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} [يوسف: 5]، وذلك خشية عليه من حسدهم. وخلاصة الرؤيا: أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، فعرف يعقوب أنها تتضمن مجداً ليوسف يجعل إخوته وأبويه يخضعون لسلطانه. 4- حسده إخوته على ولوع أبيهم به وإيثاره عليهم، فدبروا له مكيدة إلقائه في الجب، فمرت قافلة فأرسلت واردها إلى البئر فأدلى دلوه، فتعلق يوسف به، فأخذوه عبداً رقيقاً وانتهى أمره إلى مصر فاشتراه رئيس الشرطة فيها، واحتل عنده مكاناً حسناً اكتسبه بحسن خلقه وصدقه، وأمانته وعبقريته. قالوا: ودخول يوسف إلى مصر يمكن تحديده قريباً من سنة (1600) ق.م في عهد الملك أبابي. 5- عشقته زوجة سيده وشغفت به، فراودته عن نفسه فاستعصم، فدبرت له مكيدة سجنه إذا لم يُلَبّ رغبتها منه، فقال: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33]. 6- أعطاه الله علم تعبير الرؤى، وكشف بعض المغيبات، فاستخدم ذلك في دعوة السجناء معه إلى توحيد الله، وإلى دينه الحق. 7- كان معه في السجن فتيان: رئيسُ سُقاةِ الملك، ورئيس الخبازين، فرأى كل منهما في منامه رؤيا وعرضها على يوسف. أما رئيس سقاة الملك: فقد رأى أنه يعصر خمراً، فقال يوسف: ستخرج من السجن وتعود إلى عملك فتسقي الملك خمراً. وأما رئيس الخبازين: فقد رأى أنه يحمل فوق رأسه طبقاً من الخبز، والطير تأكل من ذلك الخبر، فأخبره يوسف: أنه سيصلب وتأكل الطير من رأسه. وأوصى يوسف رئيس السقاة أن يذكره عند الملك. وقد تحقق ما عبر به يوسف لكل من الرجلين، إلا أن ساقي الملك نسي وصية يوسف. 8- لبث يوسف في السجن بضع سنين، حتى رأى الملك رؤيا البقرات السمان والبقرات العجاف، والسنابل الخضر والأخر اليابسات، فعرض رؤياه على السحرة والكهنة فلم يجد عندهم جواباً، عند ذلك تذكر ساقي الملك ما أوصاه به يوسف في السجن فأخبر الملك بأمره، فأرسله إلى يوسف يستفتيه في الرؤيا، فكان جواب يوسف بأن البلاد سيأتيها سبع سنوات مخصبات ثم يأتي بعدها سبع سنوات قحط وجدب. ثم يأتي بعد ذلك عام يغاث فيه الناس وتعم فيه البركة. 9- أُعجب الملك بما عبر به يوسف، فدعاه للخروج من السجن، ولكن يوسف أراد أن يعاد التحقيق في تهمته قبل خروجه، حتى إذا خرج خرج ببراءة تامة، فأعاد الملك التحقيق، فاعترفت المرأة بأنها هي التي راودته عن نفسه. عند ذلك خرج يوسف من السجن، وقربه الملك واستخلصه لنفسه، وجعله على خزائن الأرض، ويشبه هذا المنصب منصب (وزارة التموين والتجارة)، وسماه الملك اسماً يألفونه في مصر بحسب لغتهم (صفنات فعنيح)، وجعله بمثابة الملك مسلّطاً على كلّ مصر، باستثناء الكرسيّ الأول الذي هو للملك. 10- نظم يوسف أمر البلاد، وأدار دفة المنصب الذي وُكل إليه إدارة رائعة، وادَّخر في سنوات الخصب الحب في سنابله، لمواجهة الشدة في سنوات القحط، وجاءت سنوات القحط التي عمت مصر وبلاد الشام، فقام بتوزيع القوت ضمن تنظيم حكيم عادل. 11- علمت أسرته في أرض الكنعانيين بأمر في مصر، فوفد إخوته إلاّ شقيقه بنيامين إلى مصر طالبين الميرة، لأن أباه -سيدنا يعقوب- صار حريصاً عليه بعد أن فقد ولده يوسف، فلما رآهم يوسف عليه السلام عرفهم، وأخذ يحقق معهم عن أسرتهم وعن أبيهم، واستجرَّ منهم الحديث فأخبروه عن بنيامين، فأعطاهم ميرتهم ورد لهم فضتهم في أوعيتهم، وكلفهم أن يأتوا بأخيهم بنيامين في المرة الأخرى، وإلا فليس لهم عنده ميرة، فوعدوه بذلك. 12- ذكروا لأبيهم ما جرى لهم في مصر، والشرط الذي شرطه عليهم العزيز، وبعد إلحاح شديد ومواثيق أعطوها من الله على أنفسهم، أذن لهم يعقوب عليه السلام بأن يأخذوا معهم أخاهم بنيامين. 13- ولما وفدوا على يوسف عليه السلام دبَّر لهم أمراً يستبقي فيه أخاه بنيامين عنده، فكلف غلمانه أن يدسوا الإِناء الفضيّ الذي يشرب به في رحل أخيه بنيامين. ولما حملوا ميرتهم عائدين إلى بلادهم أرسل الجنود للبحث عن سقاية الملك، فوجدوها في رحل بنيامين فأخذوه، وكان أمراً شديد الوقع على قلوبهم، وعادوا إلى يوسف يرجونه ويتوسلون إليه أن يخلي سبيل أخيهم، وعرضوا عليه أن يأخذ واحدا منهم مكانه، إلا أنه رفض. فرجعوا إلى أبيهم إلا كبيرهم رأوبين، وأخبروه الخبر فظن بهم سوءاً، وحزن حزناً أفقده بصره. ثم أمرهم بالعودة إلى مصر والتحسس عن يوسف وأخيه، فعادوا إلى مصر وألحّوا بالرجاء أن يمنَّ العزيز عليهم بالإِفراج عن أخيهم، وخلال محادثتهم معه بدرت منها بادرة أسرها يوسف في نفسه، إذ قالوا: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}، يشيرون إلى الحادثة التي اصطنعتها عمته حينما كان صغيراً لتستبقيه عندها. 14- وبأسلوب بارع عرّفهم يوسف بنفسه، فقالوا: {أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ؟!} قال: {أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا!} [يوسف: 90] قالوا: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا!} [يوسف: 91] والتمسوا منه العفو والصفح عما كان منهم، فقال: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف: 92]. وطلب منهم أن يأتوا بأهلهم أجمعين، وبذلك انتقل بنو إسرائيل إلى مصر، وأقاموا فيها وتوالدوا حتى زمن خروجهم مع موسى عليه السلام. 15- قالوا: ولما اجتمع يوسف بأبيه - بعد الفراق - كان عمر يعقوب (130) سنة، فيكون عمر يوسف يومئذ (39) سنة، ثم توفي يعقوب بعدها بـ (17)سنة. وعاش يوسف عليه السلام من السنين (110)، ومات في مصر وهو في الحكم ودفن فيها، ثم نقل رفاته إلى الشام أيام موسى عليهما السلام، ودفن بنابلس على الأرجح. قالوا: وكانت وفاة يوسف عليه السلام قبل مولد موسى عليه السلام بأربع وستين سنة، وبعد مولد إبراهيم بـ (361) سنة. ولكن مثل هذه المدة لا تكفي مطلقاً لأن يتكاثر فيها بنوا إسرائيل إلى المقدار الذي ذكر مؤرخوهم أنهم قد وصلوا إليه أيّام موسى عليه السلام. (ب) وقد فصَّل القرآن الكريم قصة يوسف عليه السلام في سورة كاملة مسماة باسمه، وقد أبرزت من حياته مثالاً فريداً من روائع القصص الإِنسانية الهادية المرشدة، مرت في حياة رسول مصلح.










‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 1:34



يوسف (بالعبرية יוֹסֵף ومعناه – هو (الرب) يزيد\ يضيف -) يعتبر يوسف من أهم الشخصيات في سفر التكوين من العهد القديم/كتاب التوراة. يوسف هو الابن الحادي عشر ليعقوب والابن الأول لراحيل. جاء ذكر يوسف في القرآن أيضاَ. وهو شخصية دينية حسب الأديان الإبراهيمية (اليهودية، المسيحية، والإسلام).
يعتبر يوسف بن يعقوب من أكثر الشخصيات المَعروفة في كتاب التوراة، حيث كان معروفاً بردائه ذي الألوان وعلى المقدرة التي أعطاها له الله في تفسير الأحلام. ألقاه إخوانهُ في الجب لغيرتهم منه ولكن في النهاية عمل يوسف لدى بوتيفار عزيز مصر، وبعدها تحرر من أسره وأصبح الوزير لملك مصر.

يوسف في اليهودية والمسيحية
تم ذكر يوسف في سفر التكوين في العهد القديم أو التناخ وهو شخصية مهمة في تاريخ بني إسرائيل. يوسف هو ابن يعقوب الحادي عشر وإبن راحيل الأول..[1].

حياة السجن

بعدما أخذ الإِسْمَاعِيلِيُّونَ يُوسُفَ إِلَى مِصْر، اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ شخص يُدْعَى عزيز مصربوتيفار وكان يحكم مصر وقتها العماليق(العماليق هم الكنعانيون)وكان على سدة الحكم الملك أبابي . فَأَفْلَحَ يوسف فِي أَعْمَاله ِ وَأَقَامَ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ وَحَظِيَ يُوسُفُ بِرِضَى سَيِّدِهِ فَجَعَلَهُ وَكِيلاً عَلَى بَيْتِهِ وَوَلاَهُ عَلَى كُلِّ مَالَهُ ولكن ما َلْبَثْت أَنْ أُغْرِمَتْ بِهِ زَوْجَةُ مَوْلاَهُ وتدعي زليخة أو امرأة العزيز. َلَمْ يُذْعِنْ يُوسُفُ لَهَا مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تُلِحُّ عَلَيْهِ يَوْما بَعْدَ آخَرَ ولكن يوسف ظل يرفض طلبها إلى أن وجهت تُهمة كاذبة ضد يوسف وأشتكته إلى زوجها فوُضع يوسف في السجن.(36\يوسف. (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)وفي السجن كان الله مع يوسف وقد نال يوسف ثقة من كان معه في السجن فذاع صيته. في يوم من الأيام قام موظفَا الفرعون بأخبار يوسف بالحلم الذي حلما به والذي لم يستطيعا تفسيره بنفسيهما. فسر يوسف حلميهما وقال بأن واحداّ منهما سيخرج من السجن في غضون ثلاثة أيام وهو الساقي وأن الآخر وهو الخباز سوف يُحكم عليه بالاعدام صلبا. فتحقق ما فَسَرهُ يوسف فأوصى الموظف الذي خرج من السجن بأن يَذكرهُ أمام الملك ولكن ذلك الموظف نسى أمر يوسف. جراء ذلك، بقي يوسف سبع سنين أُخر في السجن. في هذه الفترة حلم الملك بحلم غريب (43\يوسف. (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ).وهو أنه واقف بجوار نهر النيل وأذا بسَبْعِ بَقَرَاتٍ حِسَانِ الْمَنْظَرِ وَسَمِينَاتِ الأَبْدَانِ، صَاعِدَاتٍ مِن النهر أخذت ترعى في المرج ثُمَّ إِذَا بِسَبْعِ بَقَرَاتٍ أُخْرَى قَبِيحَاتِ الْمَنْظَرِ وَهَزِيلاَتٍ تَصْعَدُ وَرَاءَهَا مِنَ النَّهْرِ وَتَقِفُ إِلَى جُوَارِ الْبَقَرَاتِ الأُولَى عَلَى ضَفَّة النهر وَالْتَهَمَتِ الْبَقَرَاتُ الْقَبِيحَاتُ الْبَقَرَاتِ السَّبْعَ الْحَسَنَاتِ. فأقلق هذا الحلم الملك وأراد أن يعرف تفسيره. في هذه الأثناء تذكر مُوَظف الفرعون مُفسر الأحلام يوسف الذي كان معه في السجن فأستدعى الملك يوسف ففسر يوسف الحلم كما يلي: هُوَذَا سَبْعُ سِنِينَ رَخَاءٍ عَظِيمٍ قَادِمَةٌ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصر تَعْقُبُهَا سَبْعُ سَنَوَاتِ جوع. نصح يوسف الفرعون بأن يأمر رجاله بتخزين الحنطة القمح في سنابلة لسنين القحط. أُعجب الملك بكلام يوسف فعينَهُ نائب الملك وأطلق عليه اسم صَفْنَاتَ فَعْنِيح َوَزَوَّجَهُ مِنْ أَسْنَاتَ بِنْتِ فُوطِي فَارَعَ كَاهِن. وأنجبت أَسْنَاتَ ولدين ليوسف اسْمَ الْبِكْرِ مَنَسَّى والثَّانِي فَدَعَاه أَفْرَايِمَ.

نائب ملك مصر

خلال سنوات الرخاء السبع، جَمَعَ يوسف كُلَّ الطَعَامِ الْمُتَوَافِرِ فِي أَرْضِ مِصْرَ وقام ببيعه للمصريين ولغير المصريين. تفشت المجاعة في البلاد المُجاورة لمصر أيضاً مما أضطر أخوان يوسف – عدا بنيامين إلى الذهاب لمصر للشراء بعض الحنطة. تعرف يوسف على أخوته الذين سجدوا له في الحلم الذي رأه يوسف وهو صغير. لقد عاملهم يوسف بخشونة وأتهمهم بالتجسس حتى يستطيع أن يأخذ ما يقدر من معلومات عن عائلتهم. كان يوسف يتمنى أن يرى بَنْيَامِينُ فطالب أحد الاخوان بجلبه وأبقى البقية في السجن لثلاثة أيام وبعدها أخرجهم وأرسل معهم حنطة ولكنه أبقى على شِمْعُونُ في السجن. وظلت المجاعة مُستمرة في أرض كنعان فأرسل يعقوب أولاده لطلب الحنطة مرة أُخرى ولكنهم تذكروا كيف أن يوسف لن يقبل بمجيئهم بدون أخيهم بَنْيَامِينُ ولكن يعقوب كان مُتردد من أرسال بَنْيَامِينُ معهم فقام يعقوب بأرسال هدية إلى يوسف لينال رضاه ولكن أمر يوسف بأرجاع الهدية والاموال في حقائب أخوانه. ‏

كشف الحقيقة للإخوان

عندما جاء الإخوان إلى مصر للمرة الثانية, أحسن يوسف أستقبالهم وأعد وليمة لهم ولكنه أعطى اهتماماَ خاصاَ لبنيامين. أراد يوسف أن يختبر ماذا ستكون ردة فعل إخوانه إذا أبقى بنيامين معه, فأمر يوسف بأن تُملى أكياس إخوته بالحنطة وأن يوضع معها المال الذي دفعوه ثمناَ للبضاعة, إضافةَ لذلك أمر بوضع كأساَ فضية من الكؤوس التي له بين أغراض بنيامين. في صباح اليوم التالي هم الإخوان بالرحيل ولكن قبل ذلك جاء مُرسل من يوسف يتهمهم بسرقة الكأس الفضية. قام المُرسل بالتفتيش في أغراض إخوة يوسف وعندها وجد الكأس الفضية في أغراض بنيامين مما اضطرهم ا للرجوع إلى مصر. وبخ يوسف إخوته على ما فعلوه وقال يهوذا الذي كان المُتكلم بالنيابة عن أخوته بأنهم مستعدين أن يكونوا كعبيد ليوسف. ولكن يوسف رفض أقتراحهم وأخبرهم بأنه سيأخذ بنيامين للحجز. ولكن منظر أخوته أثر به فقام بكشف نفسه لهم وطالب بأن يرى والده يعقوب. قام يوسف بإرسال العديد من الهدايا إلى أبيه وطلب من إخوته أن يجلبوه بسرعة. قابل يوسف أباه فِي أَرْضِ جَاسَان وقال يوسف لأبيه أخوانه بأنه سيذهب إلى فرعون ويخبره بقدوم عائلتهُ وبأنهم رعاة فجاؤا مع ماشيتهم. َمَثَلَ يُوسُفُ أَمَامَ فِرْعَوْنَ وَأَخَذَ خَمْسَةً مِنْ إِخْوَتِهِ وَقَدَّمَهُمْ إِلَيه, فسمح فرعون أن يسكنوا في أرض جاسان, وَأَنْزَلَ يُوسُفُ أَبَاهُ وَإِخْوَتَهُ فِي مِصْرَ وَمَلَّكَهُمْ فِي رَعَمْسِيسَ اجود الأرض. نَفَدَ الْخُبْزُ فِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ لِشِدَّةِ الْمَجَاعَةِ، وَأَقْحَلَتْ أَرْضُ مِصْرَ وَأَرْضُ كَنْعَانَ مِنَ الجوع, فباع أهل مصر كل أراضيهم للفرعون مقابل الحنطة. قبل موت يعقوب, ذهب يوسف أبنه ليراه فباركه يعقوب وطلب منه أن يُدفن في أرض كنعان. عاش يوسف طويلاَ ورأى أحفاده, ثُمَّ مَاتَ وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ مِئَةً وَعَشْرَ سِنِينَ فَحَنَّطُوهُ وَوَضَعُوهُ فِي تَابُوتٍ فِي مصر.

يوسف في الإسلام


يوسف بن يعقوب هو نبي في الدين الإسلامي، وردت قصته في القرآن في سورة يوسف؛ ورد في السنة النبوية أن يوسف أوتي شطر الحسن[2].
حيث كان ليعقوب عليه السلام (ولقبه إسرائيل) اثنا عشر ولداً ذكراً (من بينهم يوسف) وابنة واحدة هي دينا. وهؤلاء الأبناء الاثنا عشر يدعون بني إسرائيل.
رأى يوسف يومًا في منامه، أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له فلما استيقظ، ذهب إلى أبيه يعقوب في هذه الرؤيا. فعرف أن ابنه سيكون له شأن عظيم، فحذره من أن يخبر إخوته برؤياه، فيفسد الشيطان قلوبهم، ويجعلهم يحسدونه على ما آتاه الله من فضله، فلم يقص رؤيته على أحد. وكان يعقوب يحب يوسف حبًّا كبيرًا، ويعطف عليه ويداعبه، مما جعل إخوته يحسدونه، ويحقدون عليه، فاجتمعوا جميعا ليدبروا له مؤامرة تبعده عن أبيه.
فاقترح أحدهم أن يقتلوا يوسف أو يلقوه في أرض بعيدة، فيخلو لهم أبوهم، وبعد ذلك يتوبون إلى الله، ولكن واحدًا آخر منهم رفض قتل يوسف، واقترح عليهم أن يلقوه في بئر بعيدة، فيعثر عليه بعض السائرين في الطريق، ويأخذونه ويبيعونه. ولقيت هذه الفكرة استحسانًا وقبولاً، واستقر رأيهم على نفيه وإبعاده، وأخذوا يتشاورون في تدبير الحيلة التي يمكن من خلالها أخذ يوسف وتنفيذ ما اتفقوا عليه، ففكروا قليلا، ثم ذهبوا إلى أبيهم وقالوا له: (يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون)[يوسف: 11]. فأجابهم يعقوب أنه لا يقدر على فراقه ساعة واحدة، وقال لهم: (أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون)[يوسف: 13] فقالوا: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون)[يوسف:14]. وفي الصباح، خرج الأبناء جميعًا ومعهم يوسف إلى الصحراء، ليرعوا أغنامهم، وما إن ابتعدوا به عن أبيهم حتى تهيأت لهم الفرصة لتنفيذ اتفاقهم، فساروا حتى وصلوا إلى البئر، وخلعوا ملابسه ثم ألقوه فيها، وشعر يوسف بالخوف، والفزع، لكن الله كان معه، حيث أوحى إليه ألا تخاف ولا تجزع فإنك ناج مما دبروا لك. وبعد أن نفذ إخوة يوسف مؤامرتهم، جلسوا يفكرون فيما سيقولون لأبيهم عندما يسألهم، فاتفقوا على أن يقولوا لأبيهم إن الذئب قد أكله، واخلعوا يوسف قميصه، وذبحوا شاة، ولطخوا بدمها قميص يوسف. وفي الليل، عادوا إلى أبيهم، ولما دخلوا عليه بكوا بشدة، فنظر يعقوب إليهم ولم يجد فيهم يوسف معهم، لكنهم أخبروه أنهم ذهبوا ليتسابقوا، وتركوا يوسف ليحرس متاعهم، فجاء الذئب وأكله، ثم أخرجوا قميصه ملطخًا بالدماء، ليكون دليلا لهم على صدقهم. فرأى يعقوب القميص سليمًا، حيث نسوا أن يمزقوه، فقال لهم: عجبًا لهذا الذئب كان رحيمًا بيوسف أكله دون أن يقطع ملابسه. ثم قال لهم مبينًا كذبهم: (بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون)[يوسف: 18].
أما يوسف فكان لا يزال حبيسًا في البئر ينتظر الفرج والنجاة، وبينما هو كذلك، مرت عليه قافلة متجهة إلى مصر، فأرادوا أن يتزودوا من الماء، فأرسلوا أحدهم إلى البئر ليأتيهم بالماء، فلما ألقى دلوه تعلق به يوسف، فنظر في البئر فوجد غلامًا جميلاً يمسك به، فأخرجه فإذا بإخوة يوسف ينظرون فأتوا إليه وقالوا هذا عبد لنا آبق، فسكت يوسف خوفاً من إخوته فشروه بثمن بخس (لأنهم لم يكن المال هو مايريدون) فأخذوه معهم إلى مصر ليبيعوه. وكان عزيز مصر في هذا اليوم يتجول في السوق، ليشتري غلامًا له؛ لأنه لم يكن له أولاد، فوجد هؤلاء الناس يعرضون يوسف للبيع، فذهب إليهم، واشتراه منهم بعدة دراهم قليلة. ورجع عزيز مصر إلى زوجته، وهو سعيد بالطفل الذي اشتراه، وطلب من زوجته أن تكرم هذا الغلام، وتحسن معاملته، فربما نفعهما أو اتخذاه ولدًا لهما، وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض فأصبح محاطًا بعطف العزيز ورعايته.
ومرت السنون، وكبر يوسف، وأصبح شابًا قويًّا، رائع الحسن، وكانت امرأة العزيز تراقب يوسف يومًا بعد يوم، وازداد إعجابها به لحظة بعد أخرى، فبدأت تظهر له هذا الحب بطريق الإشارة والتعريض، لكن يوسف كان يعرض عنها، ويتغافل عن أفعالها، فأخذت المرأة تفكر كيف تغري يوسف بها. وذات يوم، انتهزت فرصة غياب زوجها عن القصر، فتعطرت وتزينت، ولبست أحسن الثياب، وغلقت الأبواب ودعت يوسف حتى أدخلته حجرتها، وطلبت منه أن يفعل معها الفاحشة. لكن يوسف بعفته وطهارته امتنع عما أرادت، ورد عليها ردًّا بليغًا حيث قال: (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) [يوسف: 23]. ثم أسرع يوسف ناحية الباب يريد الخروج من المكان، لكن امرأة العزيز لم تدع الفرصة تفوتها، فجرت خلفه، لتمنعه من الخروج، وأمسكت بقميصه فتمزق. وفجأة، حضر زوجها العزيز، وتأزم الموقف، وزاد الحرج، لكن امرأة العزيز تخلصت من حرج موقفها أمام زوجها، فاتهمت يوسف بالخيانة ومحاولة الاعتداء عليها، وقالت لزوجها: (ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم)[يوسف: 25]. وأمام هذا الاتهام، كان على يوسف أن يدافع عن نفسه، فقال: (هي راودتني عن نفسي)[يوسف: 26]. فأنطق الله طفلا في المهد من أهل امرأة العزيز وقال ذلك الطفل: (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين)[يوسف: 26-27]. وهنا تتجلى حكمة الله وقدرته والمعجزة العظيمة إذا لو كان الناطق رجلا قد يكون كاذبا فلا يصدق، ولكن حكمة الله جرت على أن ينطق طفل في المهد حتى تكون الحجة أقوى والبرهان في براءة نبي الله يوسف. وقد يكون ذلك الطفل موجود في نفس المكان الذي جرى فيه ما جرى من أمر امرأة العزيز ونبي الله يوسف إذ أن الله وصفه في كتابه بأنه شاهد في قوله : (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا)- يوسف 26. فالتفت الزوج إلى امرأته، وقال لها: (إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم)سورة يوسف: 28]، ثم طلب العزيز من يوسف أن يهمل هذا الموضوع، ولا يتحدث به أمام أحد، ثم طلب من زوجته أن تستغفر من ذنبها وخطيئتها.
واتفق الجميع على أن يظل هذا الفعل سرًّا لا يعرفه أحد، ومع ذلك فقد شاع خبر مراودة امرأة العزيز ليوسف، وطلبها للفاحشة، وانتشر في القصر وتحدث نساء المدينة بما فعلته امرأة العزيز مع فتاها، وعلمت امرأة العزيز بما قالته النسوة عنها، فغضبت غضبًا شديدًا، وأرادت أن تظهر لهن عذرها، وأن جمال يوسف وحسن صورته هما اللذان جعلاها تفعل ذلك، فأرسلت إليهن، وهيأت لهن مقاعد مريحة، وأعطت كل واحدة منهن سكينا، ثم قالت ليوسف: اخرج عليهن. فخرج يوسف متمثلاً لأمر سيدته، فلما رآه النسوة انبهرن بجماله وحسنه، وقطعن أيديهن دون أن يشعرن بذلك، وظن جميع النسوة أن الغلام ما هو إلا ملك، ولا يمكن أن يكون بشرًا. فقالت امرأة العزيز: (فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين)[يوسف: 32]. واقتنع النساء بما تفعله امرأة العزيز مع يوسف، فلما رأى ذلك منهن قال: (قال رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)[يوسف: 33]. وكادت تحدث فتنة في المدينة بسبب عشق النساء ليوسف، فرأى القائمون على الأمر أن يسجن يوسف إلى حين، فسجنوه، وظل يوسف في السجن فترة، ودخل معه السجن فتيان أحدهما خباز والآخر ساقي، ورأيا من أخلاق يوسف وأدبه وعبادته لربه ما جعلهما يعجبان به، فأقبلا عليه ذات يوم يقصان عليه ما رأيا في نومهما، (قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين)[يوسف: 36] ففسر لهما يوسف رؤياهما، بأن أحدهما سيخرج من السجن، ويرجع إلى عمله كساق للملك، وأما الآخر وهو خباز الملك فسوف يصلب، وتأكل الطير من رأسه. وقبل أن يخرج ساقي الملك من السجن طلب من يوسف أن يذكر أمره عند الملك، ويخبره أن في السجن بريئًا حبس ظلمًا، حتى يعفو عنه، ويخرج من السجن، ولكن الساقي نسى، فظل يوسف في السجن بضع سنين، وبمرور فترة من الزمن تحقق ما فسره لهما يوسف. وفي يوم من الأيام، نام الملك فرأى في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبع نحيفات، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فقام من نومه خائفا مفزوعًا مما رآه، فجمع رجاله وعلماء دولته، وقص عليهم ما رآه، وطلب منهم تفسيره، فأعجزهم ذلك، وأرادوا صرف الملك عنه حتى لا ينشغل به، فقالوا: (أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)[يوسف: 44]. لكن هذه الرؤيا ظلت تلاحق الملك وتفزعه أثناء نومه، فانشغل الملك بها، وأصر على معرفة تفسيرها، وهنا تذكر الساقي أمر يوسف، وطلب أن يذهب إلى السجن ليقابل يوسف، وهناك طلب منه أن يفسر رؤيا الملك، ففسر يوسف البقرات السمان والسنبلات الخضر بسبع سنين يكثر فيها الخير وينجو الناس فيه من الهلاك. ولم يكتف يوسف بتفسير الحلم، وإنما قدم لهم الحل السليم. وما يجب عليهم فعله تجاه هذه الأزمة، وهو أن يدخروا في سنوات الخير ما ينفعهم في سنوات القحط والحاجة من الحبوب بشرط أن يتركوها في سنابلها، حتى يأتي الله بالفرج. ولما عرف الساقي تفسير الرؤيا، رجع إلى الملك ليخبره بما قاله له يوسف. ففرح الملك فرحًا شديدًا، وراح يسأل عن ذلك الذي فسر رؤياه، فقال الساقي: يوسف. فقال الملك على الفور: ائتوني به. فذهب رسول الملك إلى يوسف وقال له: أجب الملك، فإنه يريد أن يراك، ولكن يوسف رفض أن يذهب إلى الملك قبل أن تظهر براءته، ويعرف الملك ما حدث له من نساء المدينة. فأرسل الملك في طلب امرأة العزيز وباقي النسوة، وسألهن عن الأمر، فقلن معترفات بذنوبهن مقرَّات بخطئهن، ومعلنات عن توبتهن إلى الله: ما رأينا منه سوءًا، وأظهرت امرأة العزيز براءة يوسف أمام الناس جميعًا. عندئذ أصدر الملك قراره بتبرئة يوسف مما اتهم به، وأمر بإخراجه من السجن وتكريمه، وتقريبه إليه. ثم خيره أن يأخذ من المناصب ما شاء فقال يوسف: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)[يوسف: 55]. فوافق الملك على أن يتقلد يوسف هذا المنصب لأمانته وعلمه. وتحققت رؤيا الملك، وانتهت سنوات الرخاء، وبدأت سنوات المجاعة، وجاء الناس من كل مكان في مصر والبلاد المجاورة ليأخذوا حاجتهم من خزائن الملك. وفي يوم من الأيام، وأثناء توزيع الحبوب على الناس إذا بيوسف أمام رجال يعرفهم بلغتهم وأشكالهم وأسمائهم، وكانت مفاجأة لم يتوقعوها، إنهم إخوته، أبناء أبيه يعقوب، الذي ألقوه في البئر وهو صغير، لقد جاءوا محتاجين إلى الطعام، ووقفوا أمامه دون أن يعرفوه، فقد تغيرت ملامحه بعدما كبر، فأحسن يوسف إليهم، وأنسوا هم به، وأخبروه أن لهم أخا أصغر من أبيهم لم يحضر معهم، لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه. فلما جهزهم يوسف بحاجات الرحلة، وقضى حاجتهم، وأعطاهم ما يريدون من الطعام، قال لهم: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين. فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون).[يوسف: 59-60]. فأظهروا أن الأمر ليس ميسورا وسوف يمانع، ليستبدلوا بها القمح والعلف في رحالهم بدلا من القمح فيضطروا إلى العودة إليه بأخيهم. وعاد إخوة يوسف إلى أبيهم، وقالوا: (يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون)[يوسف: 63]، فرفض يعقوب. وذهب الإخوة إلى بضاعتهم ليخرجوها ففوجئوا ببضاعتهم الأولى التي دفعوها ثمنا، ولم يجدوا قمحا، فأخبروا والدهم أن بضاعتهم قد ردت إليهم، ثم أخذوا يحرجون أباهم بالتلويح له بمصلحة أهلهم في الحصول على الطعام، ويؤكدون له عزمهم على حفظ أخيهم، ويرغبونه بزيادة الكيل لأخيهم، فقد كان يوسف يعطي لكل فرد حمل بعير. فقال لهم أبوهم: (لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل)[يوسف: 66]، ولم ينس أن يوصيهم في هذا الموقف وينصحهم، فقال لهم: (يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون)[يوسف: 67]. وسافر الإخوة إلى مصر، ودخلوها من حيث أمرهم أبوهم، ولما وقفوا أمام يوسف، دعا أخاه الصغير، وقربه إليه، واختلى به، وأخبره أنه يوسف أخوه. ثم وزن البضاعة لإخوته، فلما استعدوا للرحيل والعودة إلى بلادهم، إذا بيوسف يريد أن يستبقي أخاه بجانبه، فأمر فتيانه بوضع السقاية (إناء كان يكيل به) في رحل أخيه الصغير، وعندما بدأت القافلة في الرحيل إذا بمناد ينادي ويشير إليهم: (إنكم لسارقون) [يوسف: 70]. فأقبل الإخوة يتساءلون عن الذي فقد، فأخبره المنادي أنه فقد مكيال الملك، وقد جعل لمن يأتي به مكافأة قدرها حمل بعير. وهنا لم يتحمل إخوة يوسف ذلك الاتهام، فدخلوا في حوار ساخن مع يوسف ومن معه، فهم ليسوا سارقين وأقسموا على ذلك. فقال الحراس: (قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَإذِبِينَ)[يوسف: 74]. هنا ينكشف التدبير الذي ألهمه الله يوسف، فقد كان الحكم السائد في شريعة بني إسرائيل أن السارق يكون عبدًا للمسروق منه، ولما كان يوسف يعلم أن هذا هو جزاء السارق في شريعة بني إسرائيل، فقد قبل أن يحتكم إلى شريعتهم دون شريعة المصريين، ووافق إخوته على ذلك لثقتهم في أنفسهم. فأصدر يوسف الأوامر لعماله بتفتيش أوعية إخوته. فلم يجدوا شيئا، ثم فتشوا وعاء أخيه، فوجدوا فيه إناء الكيل. وتذكر إخوة يوسف ما وعدوا به أباهم من عودة أخيهم الصغير إليه، فقالوا: (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين)[يوسف: 78]. فقال يوسف: (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذًا لظالمون) [يوسف:79]. وهكذا مكن الله ليوسف أن يحتفظ بأخيه، أما الإخوة فقد احتاروا وجلسوا يفكرون فيما سيقولونه لأبيهم عندما يعودون، فقرر كبيرهم ألا يبرح مصر، وألا يواجه أباه إلا أن يأذن له أبوه، أو يقضي الله له بحكم، وطلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم، ويخبروه صراحة بأن ابنه سرق، فأخذ بما سرق، وإن شك في ذلك؛ فليسأل القافلة التي كانوا معها أو أهل المدينة التي كانوا فيها. فعادوا إلى أبيهم وحكوا له ما حدث، إلا أن أباهم لم يصدقهم، وقال: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)[يوسف: 83]، ثم تركهم، وأخذ يبكي على يوسف وأخيه، حتى فقد بصره، فاغتاظ أبناءه وقالوا: (تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين)[يوسف: 85]. فرد يعقوب عليهم أنه يشكو أمره لله، وليس لأحد من خلقه، وطلب منهم أن يذهبوا ليبحثوا عن يوسف وأخيه، فهو يشعر بقلب المؤمن أن يوسف ما زال حيًّا، والمؤمن لا ييأس من رحمة الله أبدًا. وتوجه الأبناء إلى مصر للمرة الثالثة يبحثون عن أخيهم، ويلتمسون بعض الطعام، وليس معهم إلا بضاعة رديئة.
ولما وصلوا دخلوا على يوسف، فقالوا له: (يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يحب المتصدقين)[يوسف: 88]. ففاجأهم يوسف بهذا السؤال: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون) [يوسف:89]، فتنبهوا إلى رنين هذا الصوت، وإلا هذه الملامح التي ربما يعرفونها، فقالوا: (أئنك لأنت يوسف) [يوسف: 90]. فأخبرهم يوسف بحقيقته، وبفضل الله عليه. فاعتذر له إخوته، وأقروا بخطئهم، فعفا يوسف عنهم، وسأل الله لهم المغفرة. ثم سألهم يوسف عن أبيه، فعلم منهم أنه قد فقد بصره بسبب حزنه عليه، فقال لهم: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا وأتوني بأهلكم أجمعين)[يوسف: 93]. فأخذوا القميص وخرجوا من مصر متوجهين إلى فلسطين وقبل أن تصل العير قال يعقوب لمن حوله: (إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون)[يوسف: 94]، فقالوا له: تالله إنك لفي ضلالك القديم)[يوسف: 95] وبعد أيام عادة إخوة يوسف إلى أبيهم، وبشروه بحياة يوسف وسلامة أخيه، ثم أخرجوا قميص يوسف، ووضعوه على وجه يعقوب، فارتد إليه بصره. وطلب إخوة يوسف من أبيهم أن يستغفر لهم، فوعدهم يعقوب بأنه سيستغفر لهم الله وقت السحر؛ لأن هذا أدعى إليه استجابة الدعاء. وغادر بنو إسرائيل أرضهم متوجهين إلى مصر، فلما دخلوها، استقبلهم يوسف بترحاب كبير، وأكرم أبويه، فأجلسهما على كرسيه، وهنا لم يتمالك يعقوب وامرأته وبنوه الأحد عشر أنفسهم حتى انحنوا تحية ليوسف وإكبار لوفائه، وتقديرا لعفوه وفضله، وتذكر يوسف رؤياه القديمة التي رآها وهو صغير، فالأحد عشر كوكبًا بعدد إخوته، والشمس والقمر هنا أبواه، فقال: (يا أبت هذا تأويل رُءياي من قبل قد جعلها ربي حقًّا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم)[يوسف: 100]. ثم توجه يوسف إلى الله يشكره على نعمه، فقال: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين) [يوسف: 101]. وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكرم الناس. فقال: "أتقاهم". فقالوا: ليس عن هذا نسألك. فقال: "فيوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن اسحاق نبي الله ابن ابراهيم خليل الله" [متفق عليه]

عائلته

أبوه: النبي يعقوب (ولقبه إسرائيل) عليه السلام.
أمه: راحيل بنت لابان وقد توفيت وعمره خمس سنين فاعتنت به عمته فائقة بنت إسحق وخالته ليا بنت لابان.
زوجته: تزوج من أسينات بنت كابوسيس وأنجب منها ابنته مانيسا وابنه إفرايم.
أولاده: مانيسا البنت الكبرى ليوسف, وإفرايم ابنه الثاني.
إخوته: ليوسف أحد عشر أخاً, وأختأً واحدة هي دينا. ويدعى هو وإخوته ببني إسرائيل وهم:

النبي يوسف وبنيامين وأمهما: راحيل بنت لابان وهي ابنة خال يعقوب.
روبين وهو أكبر أبنائه ويهودا ولاوي وشمعون وزبولون وياساكر وبنتاً واحدة اسمها دينا وأمهم: ليا بنت لابان وهي أخت راحيل وابنة خال يعقوب.
دان ونفتالي وأمهما: بيلها.
جاد وعشير وأمهما: زيلفا.

يوسف في الثقافة العامة


مسلسل عن النبي يوسف :
تم تصوير مسلسل يوسف الصديق بين عامي 2004 م و 2008 م , وهو مسلسل تاريخي إيراني تمت دبلجته إلى اللغة العربية , وقد لاقى نجاحاً واسعاً في العالم العربي وقام الممثل الإيراني مصطفى زماني بأداء شخصية النبي يوسف في الكبر وكان هذا أول عمل له في مجال التمثيل , كما قام الممثل الإيراني حسين جعفري بأداء شخصية النبي يوسف في الصغر وكان هذا أيضاً أول عمل له في مجال التمثيل , وشاركت الممثلة الإيرانية كتايون رياحي فيه بدور زوليخا .

انظر أيضاً

بنو إسرائيل
يوسف الصديق (مسلسل)
فائقة بنت إسحق

المصدر.










‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 1:35




هل تزوج نبي الله يوسف عليه السلام ؟
هل تزوج نبي الله يوسف وخلف الأبناء ؟ وهل كان من بينهم أنبياء ؟ وهل من دليل على ذلك في القرآن أو السنة ؟ لأن الكثير من الناس يقولون أن زليخة امرأة العزيز أسلمت ، فأرجع الله لها شبابها ، وزوجها نبيه يوسف ، فهل هذا صحيح ؟ بارك الله فيكم


الجواب:
الحمد لله
ينقل المؤرخون والمفسرون أن يوسف عليه السلام تزوج من امرأة العزيز التي راودته عن نفسه ، وذلك بعد توبتها ، وذكروا كذلك أنه أنجب منها ولدين اثنين .
قال محمد بن إسحاق رحمه الله :
" لما قال يوسف للملك : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) قال الملك : قد فعلت ! فولاه فيما يذكرون عمل إطفير ، وعزل إطفير عما كان عليه ، يقول الله : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ) ، الآية.
قال : فذكر لي - والله أعلم - أن إطفير هَلَك في تلك الليالي ، وأن الملك الرَّيان بن الوليد، زوَّج يوسف امرأة إطفير " راعيل " ، وأنها حين دخلت عليه قال : أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين ؟ قال : فيزعمون أنها قالت : أيُّها الصديق ، لا تلمني ، فإني كنت امرأة كما ترى حسنًا وجمالا ، ناعمةً في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنتَ كما جعلكَ الله في حسنك وهيئتك ، فغلبتني نفسي على ما رأيت .
فيزعمون أنه وجدَها عذراء ، فأصابها ، فولدت له رجلين : أفرائيم بن يوسف ، وميشا بن يوسف ، وولد لأفرائيم نون ، والد يوشع بن نون ، ورحمة امرأة أيوب عليه السلام. " انتهى.
رواه ابن أبي حاتم في " التفسير " (7/2161)، والطبري في " جامع البيان " (16/151) من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق به .
وورد نحوه عن زيد بن أسلم التابعي الجليل ، وعن وهب بن منبه المعروف بالرواية عن الإسرائيليات .
نقل ذلك السيوطي في " الدر المنثور " (4/553)

ولما كانت حكاية محمد بن إسحاق من القصص التاريخية القديمة ، ولا يعرف لها إسناد متصل ، ويغلب على الظن أنها مأخوذة عن علماء أهل الكتاب ، لم يكن لنا أن نصدقها ولا أن نكذبها كذلك ، وإنما نوردها على سبيل الحكاية السردية المجردة ، مفوضين العلم بحقيقتها إلى الله عز وجل .
على أننا ننبه إلى أن الانشغال بمثل هذه الغرائب ، وتفاصيل الأحوال التي لا تتعلق بأمر الدين والرسالة ، مما لا فائدة ترجى من ورائه ، ولذلك لم يأت تفصيل ، بل ولا ذكر لها في ديننا ، ولو كان مما يعنينا معرفته ، والوقوف على تفاصيله : لأوشك أن يأتينا بذلك خبر عن الصادق المصدوق ، صلى الله عليه وسلم .

والله أعلم .



الإسلام سؤال وجواب











‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 1:42



دراسة تربوية لسورة يوسف عليه السلام
الدكتور عثمان قدري مكانسي


تأملات في سورة يوسف (1)
دكتور عثمان قدري مكانسي
1- التخطيط واتخاذ الأسباب : العمل الارتجالي لا يُؤتي أُكُلَه كما لو كان مُعَدّاً إعداداً جيداً ومدروساً دراسة وافية ، معروفة أبعادُه وجدواه ومراحلُه .
وكل عمل أو فكرة تخطر على البال لا بد أن تُخطط له تخطيطاً جيداً تراعي فيه الهدف منه وبدايتَه وإتمامَه وإيجابياتِه وسلبياتِه ، وإلا كان عملاً عشوائياً قد ينجح وقد يفشل . واحتمالات فشله أكبر .. وإن نجح فنجاحه مرحليّ أو غير مكتمل .
وسورة يوسف تضع بين أيدينا نماذج من التخطيط الذي يؤدي إلى الوصول إلى الهدف المنشود ، سواء كان طيباً أم خبيثاً ، منها :
- ما فعله إخوة يوسف حين شعروا أن أباهم يحبه أكثر مما يحبهم ، ويفضله عليهم ، فدبت الغَيرة في نفوسهم وقرروا التخلص منه ، فماذ يفعلون ؟! .. تدارسوا الأمر بينهم وقلّبوا الوجوه ، فقال بعضهم : " اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخْلُ لكم وجهُ أبيكم ، وتكونوا من بعده قوماً صالحين " .. تفكير شيطاني سهل لهم فكرة القتل ، فبعد جريمتهم يعودون أتقياء أنقياء! .. وكأن القتل لا يترك في القلب نكتة سوداء تؤرق صاحبَها إلى أن يموت .
وقال بعضهم : " لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين " .. وهذه الفكرة أخف من القتل ، وإن كانت في حق الأخوّة قاسية جداً .. قلبوا وجوه الأمر فرأوا أن إلقاءه في الجب أسلمُ لهم ، ولن يؤرقهم كما لو أنهم قتلوه ... ثم جاءوا أباهم يقنعونه أن يسمح لهم باصطحاب يوسف في رحلة برية يتريّضون ويصطادون . وأكدوا له حرصَهم على أخيهم .. فلما أظهر الأب تخوّفه أن يتركوه – وهو صغير – فيعدو عليه الذئب في غفلة منهم فيأكله أقسموا أنهم لن يتركوه ، وإلا كانوا خاسرين، ليست فيهم صفات الرجولة والنباهة ... وكأن يعقوب عليه السلام لقّنهم حجّة هم بحاجة إليها يتعللون بها عند أبيهم ... وهكذا كان .
" قالوا : يا أبانا ، مالك لا تأمنّا على يوسف ! وإنا له لناصحون ،
أرسلْه معنا غداً يرتع ويلعب ْ ، وإنا له لحافظون .
قال : إنني ليَحزُنني أن تذهبوا به ، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه
غافلون .
قالوا لئن أكله الذئب – ونحن عصبة – إنا إذاً لخاسرون "
وحبكوا قصتهم ، ورتبوا مكرهم " وجاءوا أباهم عشاءً يبكون ،
قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ، وتركنا يوسف عند متاعنا ،
فأكله الذئب ، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ."
فقد :
1- جاءوا أباهم عشاءً فلا يرى الغدر في عيونهم ، والكذب في أقوالهم .
2- بدأوا يبكون ، فشعر بالخطب الجسيم قبل أن يُلقوه على سمعه .
3- هيّأه بكاؤهم لتقبل المصيبة ، التي سيسمعها منهم .
4- تلطفوا له بالقول " يا أبانا " ولهذا فائدتان :
الفائدة الأولى أن هذه الكلمة للاستعطاف ليرق قلبه لهم فلا يعاقبهم .
الفائدة الثانية : إيهامه صدقهم وحرصهم على أخيهم .
5- أسمعوه العذر الذي سمعوه منه في اعتذاره عن إرسال يوسف معهم " أكله الذئب "
6- أنت لا تصدقنا مع أننا صادقون .
7- جاءوا بقميص يوسف ملطخاً بدم للتأكيد على أكل الذئب له .

لكن هذا التخطيط المحكم نقضه خطأ كبير وقعوا فيه دون أن يشعروا حين "
وجاءوا على قميصه بدم كذب .
قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ،
والله المستعان على ما تصفون ."
كان القميص ملوثاً بدم لكنه لم يكن ممزقاً ، فالذئب الذي أكله كان ذكياً ! إذ جعله يخلع قميصه قبل أكله كي يستفيد منه إخوته! ... لقد كان التخطيط ناقصاً فيه ثغرة فضحتهم وعرف الأب ذلك ، فقال : هذا مكر دفعه إليكم نفوسكم الخبيثة .
- وهذه امرأة العزيز تراود يوسف عن نفسه حين بلغ مبلغ الرجال ، وكان جميلاً وسيماً ، تتفجر الدماء من عروقه ، ويطفح وجهه إشراقاً ، فيأبى ذلك ويقول : " معاذ الله ، إنه ربي أحسن مثواي ، إنه لا يُفلح الظالمون . " فزوْجُها أكرمَ يوسفَ وتعهده بالرعاية ، فكيف يسيء إليه في عرضه وشرفه؟ ! لا يفعل ذلك إلا الخائنون الذين يجازون الإحسان بالسوء ، ويوسفُ ليس منهم .
وانتشر الخبر بين نساء المدينة
1- امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه .
2- امتنع عليها وأذلّ كبرياءَها .
والأمران وصمة عار عليها ، فأرادت أن تلجم أفواههنّ ، فماذا فعلتْ؟
1- دعتهنّ إلى قصرها .
2- أكرمتهنّ بالطعام والفاكهة .
3- أمرت يوسف أن يخرج عليهنّ ، فخرج .
4- رأينه فائق الجمال ملَكاً يمشي على الأرض ، فدُهشن لهذا الجمال الأخّاذ .
5- لم يشعرن إلا والدماء تسيل من أصابعهنّ ، فقد أخذهنّ الإعجاب بجماله والدهشة لوسامته كل مأخذ فجرحن أيديَهنّ .
6- شعرت بالانتصار عليهنّ ، فعاتبتهنّ على ما قلن في حقها من تجريح لكرامتها وكبريائها .
7- حين رأت نفسها منتصرة عليهنّ ازدادت وقاحتها ، وباحت بمكنون صدرها لهنّ ، وأصرّت على تعلقها به والرغبة في وصاله ، وسيفعل ذلك شاء أم أبى ، وإلا كان السجن مصيره .
وهذه خطة جهنّمية لا يفعلها إلا صاحب الكيد الذكي . "
فلما سمعت بمكرهنّ أرسلت إليهنّ وأعتدت لهنّ متكأً ،
وآتت كل واحدة منهنّ سكّيناً ، وقالت اخرج عليهنّ .
فلما رأينه أكبرْنه وقطّعن أيديَهنّ .
وقلن حاش لله ، ما هذا بشراً ، إن هذا إلا ملك كريم .
قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه . ولقد راودتُه عن نفسه فاستعصم .
ولئن لم يفعل ما آمره ليُسْجنَنّ ، وليكونً من الصاغرين ."
- ثم تأمل معي كيف خطط يوسف عليه الصلاة والسلام للخروج من السجن . بل كيف خطط الله تعالى له :
1- " وقال الملك ائتوني به " وذلك بعد أن فسر حلم الملك في سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وآخر يابسات .
2- فهل أسرع يوسف عليه السلام للخروج من السجن إلى قصر الملك دون أن يظهر الحق ؟ إنه لا يريد أن يعفو عنه أحد إنما يريد أن يخرج من السجن ببراءته من كل اتهام ينقص قدره ، " فلما جاءه الرسول قال : ارجع إلى ربك فاسأله : ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديَهنّ ؟ إن ربي بكيدهنّ عليم . "
3- وعاد الرسول إلى القصر يخبر الملك أن يوسف مظلوم يريد أن يخرج من سجنه بريئاً والدليل عند النساء اللاتي دعتهنّ امرأة العزيز إلى قصرها قبل سبع سنوات فدعاهن الملك قائلاً " .. : ما خطبُكن إذ راودْتُنّ يوسفَ عن نفسه؟ "
4- فأقررْن بصدقه وبراءته حين " قلْنَ : حاش لله ، ما علمنا عليه من سوء . "
5- وهنا اعترفت امرأة العزيز بخطئها إذ " قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق . أنا راودتُه عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين . "
6- في المرة الأولى طلب الملك أن يراه فقط : أما حين ظهرت براءته عرف قدره وأكرمه وجعله مستشاره الخاص . فقد قال في الأولى " ا يتوني به " وزاد في الثانية " أستخلصه لنفسي "
7- فلما رآه وكلمه عليه السلام أعجب الملك به – فلا بد من الاختبار .
" فلما كلمه قال : إنك اليوم لدينا مكين أمين . "
8- وهنا حين يكون المرء بريئاً وقدره عظيما يسعى أن ينتفع الناس بعلمه وقدراته ، فالمسلم خير وبركة للناس أجمعين . ومن رأى في نفسه المقدرة على خدمة الناس فليقدم نفسه دون خجل ولا مباهاة "
قال اجعلني على خزائن الأرض ، إني حفيظ عليم ."
وهكذا كان تخطيط الله تعالى له فأخرجه من السجن إلى الصدارة .
- وتعال معي نقف على التخطيط في استقدام يوسف أخاه" بنيامين" إلى مصر :
من بلاد الشام – فلسطين – .
1- جاء إخوة يوسف للميرة لا يدرون أن القدر ساقهم إلى من ألقوه في الجب ، ثم باعوه بثمن بخس لمن رآه فيه – على رواية من روى أنهم هم الذين باعوه للقافلة - " وجاء إخوة يوسف ، فدخلوا عليه وهم له منكرون . " وهل يخطر ببالهم أن الذي بيع هو السيد الذي يعطي الناس ويعدل بينهم ؟!
2- لما أراد أن يرى أخاه الشقيق – ولم يكن معهم – أظهر تعجبه من كثرتهم ، وهم عشرة رجال . فقالوا : عند أبيهم رجل آخر ، فقال عند ذلك : جيئوا به لأراه ، فإن لم يجئ فلا كيل لكم عندي . " ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون . " وعلى هذا فإنهم - حسب ماظنوا – سيأتون العام القابل ومعهم أخوهم . وسيطلبون من أبيهم أن يصاحبهم أخوهم . وإلا خسروا الميرة ما دام هذا الوزير على رأس عمله . " قالوا سنراود عنه أباه ، وإنا لفاعلون ." ونلمح الإصرار في قولهم " وإنا لفاعلون " لينالوا حصتهم السنوية وليقوم بنيامين بالجهد الذي يقومون به ، فلمَ يظل مكرّماً عند أبيهم دونهم ؟!
3- لكن يوسف لن يصبر على غياب أخيه بنيامين ، وسيسرّع عودتهم فماذا فعل ؟ أمر فتيانه أن يضعوا ثمن ما أخذوه في رحالهم ، وحين يصلون ويفتحون متاعهم سيرون الثمن . ولأنهم من بيت النبوّة فلن يعتبروه غنيمة بل يعيدوه إلى يوسف سريعاً ، ولن يكون سفرهم لإعادة الثمن فقط إنما يغتنمون الفرصة ويعودون بميرة جديدة ، ولكنه لن يُمدهم بها إلا إذا كان أخوه بنيامين معهم .. إذن هي خطة محكمة تجعل يوسف عليه السلام يحظى بأخيه سريعاً .. "
وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ،
لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ،
لعلّهم يرجعون . "
4- وهكذا سارت الخطة فنرى أبناء يعقوب يقولون لأبيهم :
" يا أبانا مُنع منا الكيل ،
فأرسل معنا أخانا نكتل ،
وإنا له لحافظون . "
5- وزاد الطلب إصراراً حين فتحوا متاعهم ورأوا الثمن فيها فقالوا يرغّبون أباهم :
" يا أبانا ما نبغي ؟ هذه بضاعتنا رُدّت إلينا ،
ونمير أهلنا ، ونحفظ أخانا ،
ونزداد كيل بعير ، ذلك كيل يسير . "
6- ويطلب الأب المفجوع بابنه يوسف - والخائف على ابنه الثاني بنيامين أن يضيع مثل أخيه - العهودَ والمواثيق أن لا يعودوا إلا غانمين بإذن الله تعالى إلا أن يُحاط بهم ، وهذا الاستثناء استسلام لله تعالى وإقرار بأنه سبحانه يفعل ما يشاء ، وأن الغيب لا يعلمه سواه وأن يحافظوا على أخيهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً .
7- وأن لا يدخلوا من باب واحد خوفاً من الحاسدين ... ويعطونه المواثيق والعهود وينطلقون ببركة الله إلى مصر عاقدين العزم أن يكونوا عند حسن ظن أبيهم بهم . ونبه يعقوب عليه السلام أبناءه إلى أن الأمر كله بيد الله تعالى إلا أن على الإنسان أن يحتاط ويسلك سبيل الحذر ، وما قدر الله تعالى كائن لا محالة .
والرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستعاذة من الحسد ، فيقول : " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة ، ومن كل عين لامّة " كما يعلمنا أن نتعوذ من الشر كله " أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق " ونزلت المعوّذتان : الفلق ، والناس تؤكدان ذلك :
" قل: أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ، ومن شر غاسق إذا وقب ، ومن شر النفاثات في العقد ، ومن شر حاسد إذا حسد ".
" قل أعوذ برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجِنّة والناس ".
ويقول الرسول الكريم في هذا الصدد:" علامَ يقتل أحدكم أخاه ؟! ألا بـَرّكـْتَ ( بارك الله فيك) إن العين حق ، توضّاْ له "
8- وأخبر يوسف أخاه بنيامين أنه يوسف وأخبره بالخطة التي اعتزم أن ينفذها ليبقى عنده – ليطمئن ويكون عوناً له - ثم يأتي بالجميع إلى مصر فتتحقق رؤياه التي أخبر بها أباه " ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ، قال : إني أنا أخوك ، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون "
9- ولا بد من سبب وجيه يبقي أخاه عنده ، فليظهر أنه سرق المكيال ، ومن سرق المكيال يصبح عبداً للمسروق منه ، وهكذا كان " فلما جهّزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ".
10- وتعال معي إلى الأدب في الاتهام فقد انطلقت القافلة لا يدري أحد ما يكون بعد انطلاقهم سوى يوسف وأخيه ... إنّ هناك من يناديهم بما ليس فيهم " أيتها العير إنكم لسارقون "
11- عادوا مستغربين هذا الاتهام الخطير مستفهمين بأدب جم " ماذا تفقدون ؟ " ولم يقولوا : ماذا سرقنا . وعلى المنادي أن يقول إنا افتقدنا ، فإذا وجدوا ما فقدوه في رحالهم قالوا لهم : أنتم سارقون . أما أن يتهموهم مباشرة فليس الاتهام دون دليل من الأخلاق . وقال المنادون " نفقد صواع الملك " فتعلموا الأدب من أبناء يعقوب .
12- وزيادة في التعمية أظهروا أنهم لا يعرفون كيف فقدوه ، وجعلوا لمن يدلهم على السارق حمل بعير – هدية ومكافأة – " ولمن جاء به حمل بعير "
13- فلما أنكر إخوة يوسف هذه التهمة لم يكن بد من تفتيش متاعهم . على أن يرضوا بمعاقبة السارق إن كان منهم بما تحكم شريعة يعقوب حيث يصبح السارق رقيقاً للمسروق منه " قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ؟ قالوا جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه . كذلك نجزي الظالمين " وعلى المسلم أن يحكم بشرع الله الذي أنزل إليه . فأقر أبناء يعقوب بذلك .
14- ولكي لا يشك إخوته في العملية بدأ بتفتيش متاع إخوته ، وترك تفتيش بنيامين للأخير " فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه "
15- وحين استخرج الصواع من وعاء أخيه بدا له أن إخوته مازالوا يكرهونه وأخاه بنيامين حين اتهموا يوسف ظلماً وهو أمامهم لا يعرفونه بأنه سارق أيضاً " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " فكان من حسن تخطيطه وجمال صبره أن تماسك فلم يعرّفهم بنفسه ، ولم يعاقبهم على كذبهم وادّعائهم . بل قال جملة تنم عن شديد حزنه وألمه "أنتم شر مكاناً ، والله أعلم بما تصفون "
وهكذا بدأت القصة محبوكة خيوطها بإتقان أدى - بعد ذلك - إلى اعتراف الإخوة بخطئهم أمام يوسف ثم أمام أبيه ، وانطلق الجميع إلى مصر ليعيشوا في كنف الوزير الصالح يوسف بن يعقوب عليهما السلام .
تابعونا



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 1:42




تأملات تربوية في سورة يوسف (2)
الدكتور عثمان قدري مكانسي
1- أنزل الله تعالى القرآن على العرب بلسانهم كي يفهموه ويعقلوه " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم
تعقلون " فهو سبحانه يريد أن يعلمنا :
أ‌- أن على الداعية أن يكلم الناس بما يفهمون كي يستفيدوا منه ، ويقيم الحجة عليهم .
ب‌- أن يتحملوا المسؤولية الملقاة على عاتقهم في نشر الدعوة ، فالعرب محركها الرئيسي ، والداعون الأوائل المعتمد عليهم في إيصال الدعوة إلى البشرية .
2- في قوله تعالى " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ، وإن كنت من قبله لمن الغافلين " " أمور مهمة ، منها :
أ – أن القرآن من عند الله تعالى وليس من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس من المعقول أن يدّعي أحد معرفة الغيب ثم يخاطب نفسه بأنه كان من الغافلين !
ب – أن الناجح في دعوته ومهمته يختار أحسن القول ، وأوضحه في حديثه " .. أحسن القصص .. " . ليجذ ب المدعوين ويشوقهم إلى دعوته .
3- إن الإنسان يستشير المحب القريب إلى النفس العطوف الذكي فيما يلم به من أمور ، ويستأنس لرأيه ، فيوسف يخبر أباه بما رأى في رؤياه الغريبة ، فيأتيه جواب الخبير محذراً من الحاسدين الكائدين " ... لا تقصص رؤياك على إخوتك " فما سبب الحذر أيها الأب الحبيب؟ يأتيه الجواب سريعاً " فيكيدوا لك كيداً " وما الحسد إلا نتاج الغيرة والشعور بالدونية ، والرغبة في الاستئثار بالخير ، فما هذه الرؤيا إلا الدليلَ على النبوة التي كان كل من إخوة يوسف يترقب أن يرثها عن أبيه يعقوب ، فإذا بأخيهم الصغير يحوزها دونهم . وسوف يقربه الله تعالى ويرفع مقامه ، " ويعلمه من تأويل الأحاديث " كي يكون المعلم القائد إلى الخير " ويتم نعمته عليك " ومقام النبوّة من أعظم النعم ، وسيحمل الرسالة التي حملها أبوه يعقوب ، وجده إسحاق ، وأبو الأنبياء إبراهيم جدُّ أبيه .... يا لها من مكانة عظيمة وصل إليها يوسف الصدّيق!!
وإخوته الذين ينتظرون مثل هذه المكانة – ولا يستحقونها - سيأكل الحسد قلوبهم ويكرهونه ، ويناصبونه العداء ، يؤزهم الشيطان ويؤلبهم عليه ،ومن كان الشيطان قائده ومحركه زرع فيه البغضاء والكيد لكل خيّر .. أليس الشيطان العدوَّ الأول الواضح العداوة للإنسان ؟ " إن الشيطان للإنسان عدو مبين " .
4- أما النفس فهي ثلاثة أنواع :
أ- النفس المطمئنة : وهي التي يمتاز بها السابقون إلى الخيرات ، هي النفس التي كان يقينها بالله يعمر القلب والفكر ، ويترجمها العمل الصالح وخشية الله تعالى والسعي إلى مرضاته ، هذه النفس لا يستطيع الشيطان الدنوّ من صاحبها فإنه يحترق من وهج الإيمان المنبعث منه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للفاروق رضي الله عنه – وما أدراك من الفاروق – "يا عمر ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك "
ب- النفس الأمارة بالسوء : وهي التي أسلمت للشيطان قيادها فهو يقودها حيث شاء ، ولا يتعب في إفسادها ، ولعلها مفسدة كالشيطان نفسه ، وصاحبها يعمل عمل الشيطان في الوسوسة والغواية " قل أعوذ برب الناس ،ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس "
ج- النفس اللوامة : وهي التي يحاول الشيطان غوايتها ، فإن ظن أنه تمكن منها ، وشعرت أنها زلت استغفرت الله وتابت إليه ، فهذه أشد على الشيطان من الأخريين ، يقول : يا ويلتاه ، ضاع جهدي فيها هدْراً ، وقد أقسم الجليل بها " لا أقسم بيوم القيامة ،ولا أقسم بالنفس اللوامة . "
وقد زينت نفوس إخوة يوسف السيئة – إذ ذاك – أن يتخلصوا منه ، ورأى أبوهم يعقوب الغدر في عيونهم حين قدموا عليه ليلاً بعد أن غدروا بأخيهم ، فقال لهم يستنكر تخطيطهم السيء " بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً "
5- لِمَ " ...كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين " ؟ إن من أراد مثالاً يُحتذى في الأخلاق والصبر فعليه بقصة يوسف . إن فيها العبر والعظات التي ينبغي على الداعية أن يتجمّل بها في حياته . والسؤال مفتاح العلم .. إن من رزقه الله قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً نال مراتب العلم .
6- وتمر في ثنايا القصة كلمة " ضلال " وهي في هذه السورة لا تعني البعد عن الهدى والإيمان . إنها بمعنى الوقوع في الخطأ على الرغم من الهداية ، والحيدان عن التصرف السليم . فالأبناء يصفون حب أبيهم الزائد لابنه يوسف بالضلال " ... إن أبانا لفي ضلال مبين " وخطأ فادح واضح . كما أن الأب حين يقول " إني لأجد ريح يوسف ..." كان ردهم الاستنكار والتسفيه " تالله إنك لفي ضلالك القديم " والنسوة اللواتي سمعن عشق امرأة العزيز فتاها يوسف ، استنكرن منها أن تحب خادمها ، وكان على امرأة في مثل مكانتها أن تحب رجلاً من سادات القوم ، فنعتنها بالضلال – الخطأ- " ... امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ، قد شغفها حباً ، إنا لنراها في ضلال مبين " وكل من يخالف بعضهم في تصرفاته يُتّهم بالضلال والوقوع في الخطأ .
7- إخوة يوسف – والكثير من الناس – يرون الأكثرية دائماً على صواب وغيرهم على خطأ ، وليس هذا بصحيح ، " إذ قالوا : ليوسف وأخوه أحبّ إلى أبينا منا ، ونحن عُصبة ... " ويؤكد القرآن الكريم خطأ هذه النظرة مرة أخرى حين يقول :" وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " وينتصر القليل بصوابه على الكثير بخطئه " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " لأنها على الحق والله تعالى معها في دفع الباطل ومحاربته . وبهذا تسفّه الأكثرية الآخرين وتستضعف عقولهم " إن أبانا لفي ضلال مبين "
8- ثم يسعون - بناء على هذه القناعة- إلى أن يزيحوا الحق من الطريق بالسبل غير المشروعة بالقتل أو النفي أو التغييب " اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يَخْلُ لكم وجه أبيكم ..." وهذه الطرق تنبئ عن الإفلاس وسوء التفكير وضعف النفس – ماهكذا تورد يا سعد الإبل –
9- ثم نجدهم يصرّحون دون مواربة ، ولا خجل أنهم حين يصلون إلى هدفهم - وهو التخلص من يوسف - يصبحون صالحين وهم مخطئون كاذبون ، حين يرون الإجرام والطرق الملتوية في الوصول إلى المآرب متناسقة مع الفطرة السليمة ، وهيهات هيهات أن يجتمعا ، ولن تكون الميكيافيلية طريقاً إلى السعادة الحقيقية . ولم يكن سبيل الشر في يوم من الأيام وسيلة للوصول إلى تصحيح الخطأ .
10- لن أتجاوز الأدب مع مقام النبوة –بإذن الله تعالى – حين أكرر الحقيقة الساطعة في التعامل مع الأبناء ، فلا يجوز التفريق في المعاملة بين ولد وآخر ، ألم يقل أحد المربين يصف حبه أولادَه
وإنـمــا أولادنــا بـيــنــنــا .. أكبادنـا تمشي على الأرض
لو هبّت الريح على بعضهم لامتنعت عيني عن الغمض
وقد سُئِل أحدهم : أي أبنائك أحب إليك ؟ قال الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى ، والغائب حتى يعود ) .. إنه ينبغي معاملة الأبناء على قدم المساواة حتى لا يكره بعضُهم بعضاً ، ولكي يشعروا بمكانتهم عند أبويهم جميعاً ، فلا يحزن أحدهم ، ولا تضيق نفسه . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للبشير بن سعد حين جاءه ليشهد على أن البشير نحل ابنه النعمان بعض ماله دون غيره من الأبناء( أفعلت هذا بأبنائك كلهم) ؟ قال لا، فقال صلى الله عليه وسلم ( فأشهد على هذا غيري )، ثم قال : ( أيسرك أن يكونوا في البر إليك سواء ) قال نعم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) . أما يعقوب عليه السلام فقد مدحه المولى سبحانه وتعالى مع جده إبراهيم وأبيه إسحاق صلوات الله عليهم فقال في سورة (ص) : " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ، إنا أخلصناهم بخالصة : ذكرى الدار . وإنهم عندنا لمن المصطَفَيْن الأخيار " فلا نشك أن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان نعم الأب الرحيم لأبنائه ، إلا أن أبناءه غير يوسف – عليه السلام - وأخيه كانوا منصرفين عن الحق في بعض تصرفاتهم ، مستمرئين الوقوع في الإثم ، وفي السورة دليلٌ ، من ذلك : أنهم لم يروا من اتخاذ القتل أو التغييب عيباً للوصول إلى غايتهم ، ورمَوا أخاهم في الجب يبغون هلاكه ، وكذبوا أمامه وهم لا يعرفونه حين وصفوه بالسرقة " إن يسرقْ فقد سرق أخ له من قبل " .
11- الملفت للنظر توافقهم على السوء ولو بدرجات متفاوته ، فبعضهم أراد قتله وطرحَه أرضاً ، وبعضهم كان أقل سوءاً فطلب أن يُلقى في الجب يسترقـّه تجار القوافل المسافرون ، إلا أنهم بعد المداولة " أجمعوا " على طرحه في الجب " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب " ونحن نعلم أن الأخوّة كنز ثمين يتراحم به الناس ، ويوسف عليه السلام حين رأى أخاه بنيامين آواه إليه و " قال : إني أنا أخوك ، فلا تبتئس بما كانوا يعملون " . لكنّ الشيطان والنفس الأمارة بالسوء غطيا على عقولهم وأعميا أبصارهم .
12- والأب العارف بالله ،النبي الكريم يعقوب يعلم أنهم كاذبون بما ادعوا من أكل الذئب ابنه يوسفَ فالرؤيا التي رآها يوسف لا بد أن تتحقق ، ولا بد للابتلاء أن يكون ، ورفع الدرجات للصابرين صبراً جميلاً ، وصفة " الجميل " تعني الثبات على تحمل الشدائد ، والكمال في الصفات : " فصبر جميل " وهناك الهجر الجميل ، والتسريح الجميل والصفح الجميل ..... وهي صفات محببة إلى الله تعالى وإلى خلقه . وكان مما صبّر الله تعالى يوسف وهو في الجب أنه سينبئ إخوته بفعلتهم الشنيعة هذه وهم لا يشعرون بذلك " وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون " فعلم يوسف أنه في محنة سوف ينجيه الله منها ، فما عليه إلا أن يصبر .
13- دعاء رائع دعا به يوسف عله السلام ، وهو في الجب ، - يُقال : إن جبريل عليه السلام علمه إياه ليفرج الله تعالى كربته وينقذه مما وقع فيه ، نذكره – على ما يقال في صحة قصته ونسبته إلى الإسرائيليات ، فهو توجه صادق إلى الله تعالى : (اللَّهُمَّ يَا مُؤْنِس كُلّ غَرِيب , وَيَا صَاحِب كُلّ وَحِيد , وَيَا مَلْجَأ كُلّ خَائِف , وَيَا كَاشِف كُلّ كُرْبَة , وَيَا عَالِم كُلّ نَجْوَى , وَيَا مُنْتَهَى كُلّ شَكْوَى , وَيَا حَاضِر كُلّ ملإ , يَا حَيّ يَا قَيُّوم أَسْأَلك أَنْ تَقـْذِف رَجَاءَك فِي قَلْبِي , حَتَّى لا يَكُون لِي هَمّ وَلا شُغـْل غَيْرك , وَأَنْ تَجْعـَل لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا , إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير). والدعاء مخ العبادة ، وعلامة العبودية لله تعالى وسبيل التذلل إليه . " وقال ربكم ادعوني أستجِبْ لكم ، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " .
14- ولا ننسَ أنّ ما يُؤخذ بالقليل ، يُباع بالقليل ، فلما أخذه الواردون من البئر دون ثمن ، باعوه " بثمن بخس دراهم معدودة ، وكانوا فيه من الزاهدين " إن الآباء حين يبذلون قصارى جهدهم في تعليم أبنائهم الدين الحنيف ، ويربونهم عليه ، ويأطرونهم عليه ، فيكون الإسلام مدار حياتهم يتمسك الأبناء به ويجعلونه نبراسهم في كل أمورهم ، ويحافظون عليه حفاظ الشحيح على ماله والأم الرؤوم على ولدها . وحين يكون أثر الإسلام في نفوس الأبناء قشرة ضعيفة وغلالة رقيقة يهون عليهم ، فيضيّعونه غير آبهين ولا مهتمين بما يُحاك له ولهم .


تأملات تربوية في سورة يوسف (3)
الدكتور عثمان قدري مكانسي
1- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعاملة الخدم والعبيد معاملة إنسانية طيبة ، فهم بشر مثلنا ، لهم أحاسيس ومشاعر، يسعدون للكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة ، ويألمون للكلمة السيئة وسوء المعاملة بل إن النبي صلى الله علية وسلم أمرنا باللطف في نداء الخادم والحديث عنه فقال : "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي ولا يقولن المملوك ربي وربتي وليقل المالك فتاي وفتاتي وليقل المملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملوكون والرب الله عز وجل " فيدعو المالكُ مملوكه بـ : يا فتى ، وينادي المملوك ُمالكه : سيدي . كما أُمرنا أن لا نتميّز عنهم بطعام أو لباس " من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ومن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله " .
ونرى العزيز الذي اشترى يوسف عليه السلام عاقلاً يأمر زوجته ان تحسن إليه ، فقد يرد إليهما الإحسان إحساناً حين يكبر في دلهما إياه وحسن تصرفهما إزاءه ، وقد يتبنيانه إذا رأيا فيه الصلاح والنجابة " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته : أكرمي مثواه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً " وهكذا هيأ الله تعالى ليوسف الحياة الطيبة مع هذا الرجل الأريب الذي ظهر لنا رجاحة عقله في أمور منها ماقاله آنفاً في الإحسان إلى يوسف ، وحين تبين له خطأ زوجته وانكشاف أمرها ، فعقـّب " إنه من كيدكنّ ، إن كيدكنّ عظيم " وحين طلب إلى يوسف أن يتجاوز الأمر ويتناساه فلا ينبغي أن يخرج الخبر إلى حيّز الإحراج والنيل من هيبة العزيز ، فأوحى بكلمة ( أعرض ) إلى صدق يوسف إذ لم يتهمه ، إنما طلب إليه بتعطف أن يتجاوز الأمر . كما وبخ المرأة وطلب منها الاستغفار لخطئها العظيم ، حين جعلها من ( الخاطئين ) لا الخاطئات فقط ، وهذا دليل على استعظامه الأمر وقوة توبيخه إياها " يوسفُ أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك ، إنك كنت من الخاطئين " كما أن كلمة ( الخاطئين ) توحي بأن الزنا ذنب كبير وفاحشة عظيمة ، أفعله الذكور أم الإناث .
2- أعتقد أن في الآيات ما يؤكد أن يوسف الشاب لم يهم بها كما همّت به لأسباب ذكرت في معرض القصة تؤكد ذلك ، منها : أ- أنه الله تعالى وهبه حكمة تمنعه من السفاهة وعلماً بالحلال والحرام ، رفعه إلى رتبة الإحسان " ولما بلغ أشدّه آتيناه حكمة وعلماً وكذلك نجزي المحسنين " فالحكمة والعلم الحقيقيان حصن من الزلل، وأما الإحسان فأن تعبد الله كأنك تراه ، ومن كان يرى الله بقلبه وحاز الحكمة والعلم لم يهمّ ،
ب- إذا أراد الله بالإنسان خيراً صرفه عن السوء والفحشاء ، فكيف إذا صرف الله تعالى السوء والفحشاء عن الإنسان؟! إنه إذاً لكريم على الله كثيراً
ج- والمسلم السعيد يخلص لله في العبادة والالتزام ، حتى يصير مخلِصاً – ( اسم فاعل ) فإذا أخلص لله جعله الله من المخلَصين . فكيف إذا جعله الله ابتداءً مخلـَصاً ( اسم مفعول ) إنه لفضل عظيم من الله تعالى .
د- ولولا تفيد امتناع حصول الشيء لوجود مضادِّه ، فلولا رؤية برهان ربه لهمّ بها ، فامتنع الهم لرؤية يوسف عليه السلام برهانَ ربه .
" ولقد همّت به . وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه ، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلـَصين "
هـ- واستباقهما الباب ، هي تلحق به لتمنعه من الخروج ، وهو يريد الهرب بنفسه ، فقدّت قميصه من دبر دليل على عدم الهم بها .
3- ويكون إصدار الحكم الصحيح بعد المعاينة ، ولا يجوز للعواطف والانفعالات أن تؤثر في القاضي النزيه ، فالمرأة حين خافت على نفسها الفضيحة أمام زوجها أسرعت بالدافع الأنثوي السريع ( والهجوم خير وسيلة للدفاع ) تتهم يوسف بالرغبة في الفحشاء وسوء الأدب وأنه لم يراع حرمة من آواه وأحسن إليه فحاول هتك عرضه وشرفه ، ثم تسارع إلى اقتراح العقوبة المناسبة : إما السجن أو العذاب . كما أنها لخبثها ودهائها أقرت العقوبة بطريقة الاستفهام " ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن أوعذاب أليم ؟ "
وعلى المتهم البريء أن يدافع عن نفسه ، ولا يتخاذل أمام جبروت الظالم مهما كان الظالم ذا مكانة اجتماعية تفوقه ، أو له دلّ على المتهم ، فالحق يجب أن يظهر ، ومقارعة البهتان والظلم واجبة " قال : هي راودَتـْني عن نفسي " فلا بد إذاً من البينة التي تحق الحق وتبطل الباطل . وقد ظهرت البينة بتمزيق قميصه من الخلف ، أمسكت المرأة بقميصه بقوة تستبقيه وهو يسرع هارباً ، فتمزق من الخلف ، ولو كان يريدها وهي تأبى لتمزق القميص من الأمام .
4- القميص أمره عجيب ، وعليه دارت رحى القصة :
فقميصه (الأول) الذي حمله إخوته إلى أبيهم لم يكن ممزقاً ، فكشف كذبهم
وعرّاهم وبين تآمرهم .
وقميصه (الثاني )الذي مزّقته امرأة العزيز من الخلف برّأه بإذن الله وكشف
دعوى المرأة الكاذبة .
وقميصه (الثالث) الذي حمله أحد إخوته إلى أبيه كان – بإذن الله- سبب عودة
البصر إلى أبيه ، وقدوم الجميع إلى مصر ليلتئم الشمل .
5- لم تستنكر نساء الذوات أن تعشق المرأة منهن شاباً تقطف معه الثمرة المحرمة ، فهذا – في المجتمع الكافر – أمر عادي . إنما كان استنكارهن أن تتهاوى امرأة العزيز أمام خادم تملكه ، ومتى كانت نساء الطبقة الراقية يتعلقن بعبيدهنّ ، لقد أخطأت –إذاً – خطأ كبيراً ، وضلت ضلالاً بعيداً ... ولاكت ألسنتهنّ تعلقها بيوسف ، وافتضاح أمرها بينهن فصارت قصتهما مثار التفكه والتندّر . وأرادت ان ترغمهن وتقطع ألسنتهنّ ، فدعتهنّ إلى قصرها واستقبلتهنّ استقبالاً كريماً وقدمت لهن مالذ وطاب من جنيّ الفاكهة ، فلما انشغلن بذلك أمرت يوسف أن يدخل عليهنّ ، فلما رأين هذا الجمال الأخّاذ سحرهنّ وأخذ بألبابهنّ ، وطغى عليهن بهاؤه فجرحن أيديهنَ بالسكاكين دون أن يشعرن ، " وقلن حاشَ لله ، ما هذا بشراً ، إن هذا إلا ملك كريم "
وهنا تغتنم امرأة العزيز الفرصة لتقول : إنكنّ رأيتنّه مرة واحدة فملك عقولكنّ وبهركنّ حسنه ، فلِمَ تلمنني فيه وهو بين يديّ كل صباح ومساء ، فأذوب في حبه ، وأحلم ليلي ونهاري بوصاله . ثم تجترئ – أمام تهافتهنّ -على طلب الفاحشة والإصرار عليها ، ويشاركنها بذلك فيطلبن منه ما طلبت . وزادت فحشاً حين هددته كرة أخرى بالسجن إن استعصم ، وأبى ، فينضممن إليها ويسألنه ذلك ، والدليل على ذلك قوله " وإلا تصرفْ عني كيدهن أصْبُ إليهنّ وأكنْ من الجاهلين " وقوله في تحقق الملك منهنّ حين سألهنّ : " ما خطبكنّ إذ راودْتُنّ يوسف عن نفسه ؟"
6- ويتعلق يوسف عليه السلام بحبل من الله قوي ، ويسأله السلامة من الفاحشة ، وأن يصرف عنه كيدهنّ ، وينجيه منهن ومن فسادهنّ ، فينقذه الله تعالى مما هو فيه .
وليس للمؤمن من عياذ إلا بالله ولا ملجأ إلا إليه ، ولا اعتماد إلا عليه . فهو – سبحانه –
الحصن الحصين والملجأ الأمين . إلا أن يوسف وهو تحت ضغط التهديد بارتكاب الفاحشة أوالسجن ، قال : " ربّ ؛ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه .." ولم يختر النجاة منهما جميعاً: وَقد حُكِيَ أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام لَمَّا قَالَ : " رب السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ " أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ " يَا يُوسُف ! أَنْتَ حَبَسْت نَفْسك حَيْثُ قُلْت السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ , وَلَوْ قُلْت الْعَافِيَة أَحَبّ إِلَيَّ لَعُوفِيت " . فعلى المسلم أن يسأل الله تعالى العافية والنجاة من كل بلاء . " إنه هو السميع العليم "
7- مما يتألم له الإنسان الحر أن المفسدين المتنفذين غالباً ما يضحون بالأبرياء ليتخلصوا من آثار مفاسدهم ومخازيهم . إننا لنشم رائحة فجور النساء ينضم إلى صفاقة امرأة العزيز ، فيملأ خياشيم الرجال بنـَتـْن خطيئاتهنّ ، ولا يرى هؤلاء لوأد هذه الفضيحة سوى تغييب الضحية البريئة في أحد السجون فترة من الزمن فتنساه النساء أو تتناساه ، ولا يرين إليه سبيلاً فييئسن منه . وهكذا يدفع الطاهر العفيف ثمن طهره وعفافه ، سجناً وألماً وغصة ، نرى هذا في عالمنا السياسي حيث يُلقى الحر في السجون والمعتقلات ، أو يحكم عليه بالموت لأنه أبى الدنية ورفض الذل والتمرغ في أوحال الخيانة والعمالة ، وفي حياتنا الاقتصادية ،إذ يتسنم المسؤولية حيتان المال ، يذللون القوانين لتكديسه في أرصدتهم، ويتخمون به على حساب الفقراء الذين لا يجدون ما يسد رمقهم . فإذا زكمت رائحتهم الأنوف وانكشف أمرهم تنصلوا من المسؤولية ودفعوا صغار عملائهم ضحايا لصوصيتهم ...
8- يغتنم الداعية الفرص السانحة لإيصال دعوته للناس ، ويستمر في أداء مهمته في كل الظروف والأحوال . فيوسف عليه السلام كان داعية فيمن حوله حين كان حراً يتنقل بين القصور وفي الأسواق والتجمعات ، ولا يتوقف عن هذا حين يدخل السجن ، فيخدم هذا ويساعد هذا، ويخفف الأسى عن ذاك . حتى لقب بيوسف الصديق وعرف بالإحسان بين المسجونين...يسألونه ويستشيرونه ، ويستفتونه ، وهو يدعوهم إلى عبادة الله ويجيبهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .
يسأله فـَتـَيان عن رؤياهما ، ويجلسان بين يديه ينتظران التأويل ، فيعرض عليهما الإيمان بالله الواحد ونبذ الشرك ، وأن علمه الذي ينشره بن الناس من فضل الله تعالى الواحد الأحد، ويعرّفهم على سبيل الصالحين قبله .
ولا بد من سلوك سبيل الإقناع في الدعوة ، وهذا ما فعله يوسف عليه السلام الداعية الذكي ، إذ بدأ يقارن بين الصواب وإيجابياته والخطأ وسلبياته ، " أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار " وينتقل إلى الحديث عن فساد الكون لوكان فيه أكثر من إله " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ويطنب في الحديث لأن الفتيين خاليا الذهن مما يقول فلا بد من تفصيل الفكرة والإسهاب فيها ، فيقول : بنجم الفساد عن تنافس الشركاء ، وتفرقهم بعد الخصام ، ولعل بعضهم أقوى من بعض فيعلو القوي على من هو أضعف منه " إذاً لذهب كل إله بما خلق ، ولعلا بعضهم على بعض ..."
فإذا ما دعاهم إلى الإيمان بالله الواحد والتسليم له سبحانه يعرض لما يسألون ويوضح لهم ما يستفتون .
9- ولعل يوسف عليه السلام حين قال للساقي الذي نجا وعاد إلى خدمة الملك " اذكرني عند ربك " وبين له أن في السجن مظلوماً لم يرتكب ذنباً . ولعل هذا القول من يوسف في بسط القول ، والبحث عن الحق ، فكانت العقوبة لسيدنا يوسف حين توسط للمخلوق بالمخلوق ( توسط للملك بالساقي ) فأنسى الشيطان الساقي ما طلبه يوسف عليه السلام منه ،
ولم أرتح لمن قال : إن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله واللجوء إليه ، فليس للشيطان سبيل على الأنبياء .. إنه اجتهاد من يوسف أخطأه حين التمس النصرة من البشر ، فلبث في السجن سبع سنوات " فأنساه الشيطان ذكر ربه ، فلبث في السجن بضع سنين " .
10 – من الأدب في إبداء الرأي أن الملك حين رأى سبع بقرات هزيلة تأكل سبع بقرات سمان ، وسبع سنابل يابسات تأكل سبع سنابل خضراستفتى العارفين وأصحاب المشورة فقال : " يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي " . وهذا يذكرنا بقول بلقيس : " يا أيها الملأ أفتوني في أمري " فماذا كان من أهل العلم والمشورة؟
أ- اعترفوا بعدم العلم ، وهذا عين الصواب ، فما ينبغي لأحد أن يفتي بغير علم .
ب- لكنْ لابد من إبداء الرأي ، فقالوا " أضغاث أحلام " .
جـ- ولم يدّعوا أنْ لا تأويل لها ، ولعلهم أرادوا محوها من نفس الملك كي لا ينشغل بها .
د- بعض الناس قالوا : إن الرؤيا أول ما تعبّر ، وليس صحيحاً ، فبعد أن قالوا : أضغاث
أحلام أوّلها يوسفُ عليه السلام .
11- ومن الأدب كذلك أن تعرف حق العلماء من التوقير والاحترام ، وهذا ما رأيناه عند الساقي حين التقى يوسف عليه السلام في السجن فكلمه بـ " يوسف أيها الصدّيق " ، إن إكرام العلماء من إكرام العلم . وقد نرى في قول الساقي " لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون " أن من معاني يعلمون " التعبيرللرؤيا ، فيعلمون قدر يوسف ، فيبحثون أمره وينصفونه " .
12- الكرامة والعزة من صفات المسلم ... طلب الملك رؤية يوسف ، بل أمر بإخراجه من السجن وقال : " إيتوني به " وكان ليوسف أن يخرج من السجن فقد جاءته الفرصة السانحة . إلا أنه دخل السجن بتهمة شنيعة هو بريء منها ، ولن يخرج بعفو أحد ولوكان الملكَ . إنه يريد أن يخرج طاهراً عفيفاً بريئاً من كل تهمة شائنة . وتعجب الملك والناس ... ووقر في نفوسهم أن الرجل صادق ، فلا بد من البحث عن حقيقة سجنه وتعترف النساء بعد سبع سنين بالحقيقة " قلن حاشَ لله ، ما علمنا عليه من سوء " وأقرت امرأة العزيز بذنبها ، وشهدت بصدق يوسف عليه السلام " قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق ، أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين " فيرتفع صوت الصدّيق يوسف وهو في السجن معلناً أنه الأمين الذي لم يخن من رباه وأمنه على عرضه وماله " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وان الله لا يهدي كيد الخائنين " وهنا يأمر الملك بإحضاره ليجعله مستشاره الشخصي " إيتوني به أستخلصْه لنفسي " فزاد على الجملة الأولى " أستخلصه لنفسي "
ولما مثل بين يديه اختبره ، فكلمه ، فأعجب به فقربه إليه " فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين " المكين في مكانته ومنزلته ، الأمين في مشورته ورأيه .
13- هل يجوز للمسلم أن يطلب الإمارة ؟ فهو إما أن يكون أهلاً لها أو لايكون ...
فإن لم يكن أهلاً لها فهو خائن لله ولرسوله وللمؤمنين يريد ان يتبوّأ عملاً ، فيفسده .
وإن كان أهلاً لها وطلبها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى الأشعري : " لا نستعمل على عملنا من أراده " وقال لعبد الرحمن بن سمرة " يا عبد الرحمن ؛ لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتَها عن مسألة وكلْتَ إليها ، وإن أُعطيتَها عن غير مسألة أُعنتَ عليها " وكان أبو موسى الأشعري من أهلها إذ كان أميراً على الكوفة لعمر رضي الله عنهما .
أما يوسف عليه السلام فقد قال للملك :" اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " لأسباب منها : أ- أنه نبي ، والنبي قائد وأسوة ومعلم ، وهو أولى الناس بتحمل المسؤولية .
ب- أنه المسلم الأول في مصر وليس هناك غيره يفعل فعله .
جـ - أنه صاحب التأويل ، وهو أولى الناس بتنفيذ ما أوّله ... والله أعلم .
ومع ذلك لاننسَ قول النبي صلى الله عليه وسلم " رحم الله أخي يوسف ، لو لم يقل : اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ، ولكنْ أخّر ذلك عنه سنة "
عن القرطبي في تفسيره

تأملات تربوية في سورة يوسف (4)
الدكتور عثمان قدري مكانسي
1- " وجاء إخوة يوسف ، فدخلوا عليه ، فعرفهم ، وهم له منكرون " . لا شك أنه عرفهم فهم رجال ، قد اكتمل نموهم حين ألقوه في الجب ، ولم يتغيروا كثيراً بعد ثلاثة عقود ، كما أنهم جاءوا معاً وعددهم عشرة ، يتكلمون العبرية – لسانَ اليهود – وكل هذا ملفت للنظر ، كما أنه يتوقع مجيئهم . أما يوسف فقد كان صغيراً ، وتغيرت ملامحه كثيراً حين اكتملت رجولته ، فلن يعرفوه ، كما أنهم اعتقدوا موته ، وانتهى أمره عندهم ، وما عادوا يفكرون فيه ، ولم يكونوا – لو أخذته قافلة - يتصورون أين سينتهي به المطاف لو بقي حياً ، ولئن استقر به المقام في مصر ، فلن يكون سوى عبد ذليل وخادم لايؤبه له ، ولن يخطر ببالهم أنه الوزير المتنفذ الذي بيده هذا السلطان كله ، وأن الله تعالى مكن له في الأرض ، فبات يُشار إليه بالبنان ، ويقصده الناس من قريب وبعيد كما يفعلون الآن .
ولنتصور الآن الحديث بينه وبينهم بالمصرية ، ولعلهم يعرفونها أو هناك مترجم ، فيوسف لم يكن يريد أن ينبههم إلى أنه يعرف لغتهم فينتبهوا له ، ويروزوه :
من أي البلاد قدمتم ؟
من أرض كنعان .
أراكم تتشابهون ، فهل أنتم من عشيرة واحدة أو بينكم قرابة؟
بل نحن إخوة ، وأبونا واحد ، هو النبي يعقوب .
أأنتم جميعاً ابن رجل واحد ؟
نعم ، ولنا أخ آخر بين يدي والده لا يفارقه لحظة واحدة ، فهو متعلق به كثيراً .
ويكرمهم يوسف عليه السلام ، فيجعلهم ضيوفه ، ثم يأمر فتيانه أن يملأوا أوعيتهم بالقمح ويزيدوهم في الكيل ، ويطلب منهم أن يأتوا بأخيهم في المرة القادمة فيَثبُت صدقُهم ، فإن لم يفعلوا فليسوا صادقين في ذلك ، وسيمنعهم من دخول مصر ويأبى أن يَميرهم ....
وذكرنا قصتهم في المقال الأول من التأملات ، فلنعد إليها .
2- قد يظن أحدهم أن أبناء يعقوب هم الأنبياء من الأسباط ، وهذا وهمٌ تـُسقطه القرائن ، بل الأنبياء من أحفاد أبنائهم ، إن النبي قدوة ، وهؤلاء ليسوا قدوة ، وخطؤهم كثير وكبير استمر معهم حتى صاروا كهولاً وهم حتى اللحظة الأخيرة يسيؤون إلى أخيهم يوسف ، ومن أساء إلى أخيه فلا بد أن تكون إساءاته للناس متواترة . " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " ويقول يوسف في نفسه متألماً " أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون " كما أننا نجد عدم احترامهم لأبيهم - وأبناؤهم مثلهم - فيلومونه لوماً أقرب إلى التوبيخ حين يخبرهم أنه يجد ريح يوسف " تالله إنك لفي ضلالك القديم " وهم يعترفون أمام يوسف بخطئهم اعتراف المحاط بهم حين يكشف لهم عن نفسه " تالله لقد آثرك الله علينا ، وإن كنا لخاطئين " ويسألون أباهم أن يعفو عنهم ويستغفر لهم " قالوا : يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ، إنا كنا خاطئين " وهل يصبحون أنبياء حين يهرمون ويعجزون وهم الخاطئون ؟ ، وكلمة " الخاطئ " التي تكررت في سورة يوسف تعني : الخطأ العمد الذي يصر صاحبه عليه .
3- الاستعطاف طريقة تربوية قد توصل للهدف على شرط أن يُقصد به الرجل الشهم المحسن . أما استعطاف اللئيم فذلٌ وخنوع يأباهما المسلم .
نرى ذلك حين رغبوا في سبيل استنقاذ أخيهم أن يتبرع أحدهم أن يُسترَقّ مكانه ، فأبى يوسف عليه السلام ، فلا عقوبة إلا لمن يستحق العقوبة ، والقاعدة الشرعية تؤكد " ولا تزر
وازرة وزر أخرى " وأعلن هذا قائلاً " معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده "
4- يبدو أن الرجولة والخبرة في الحياة وتحمل المسؤولية زمناً طويلاً والعهودَ والمواثيق ،
والخوف من الوقوع في الخطأ مرة أخرى تخفف من غلواء الفساد ،
فهذا كبيرهم ( وقد يكون أكبرَهم عمراً أو مكانة ) يشعر بعظم المسؤولية . فلما خلصوا يتناجون ويقلبون الأمور لم يستحسن العودة إلى فلسطين خوفاً وخجلاً من لقاء أبيه حين يعود دون بنيامين ، ومن قبل فرّط في الحفاظ على يوسف وجارى إخوته في التخلص منه " قال كبيرهم : ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ، ومن قبل ما فرطتم في يوسف " لقد طفح الكيل ، وما عاد يحتمل ، فقرر أن يظل في مصر قرب أخيه بنيامين حتى يأذن له أبوه أو يأتي الفرج من الله : " فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين " وهذا دليل على انفراط عِقد العُصبة ثمّ إنه قال : حتى يحكم الله لي . ولم يقل لنا
ووثـَق الإخوة الذين ذهبوا أمرهم بالاستشهاد بالقافلة التي كانت معهم ، وبسؤال أهل مصر الذين شهدوا الحادثة ،
5- الأمل بالله والوثوق به سمة المسلم إن قلب الأب كان مكلوماً فلم يصدقهم ، وكرر قوله السابق " بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ."
فقد بـَعُد ثلاثة من أولاده عنه :
أما أولهم : فيوسف الذي غاب عنه عقوداً وهو لا يعلم عنه شيئاً ، الولد الغائب الذي لا يدري أبوه أحي هو أم ميت ، أين يقيم ، وكيف يحيا غيبته أشد من غيبة غيره إلا أن يعقوب عليه السلام كان يعلم أن ابنه حي بسبب الرؤيا التي رآها يوسف ، وهو ينتظر تحقيقها ، فيجتمعُ به .
وأما ثانيهم : فبنيامين الذي يقبع في أسر عزيز مصر ، يعرف أبوه مكانه إلا أنه لا يستطيع القدوم ، وأمره صعب لكنه أقل صعوبة من حال يوسف الغائب الذي لا يعلم عنه شيئاً .
وأما ثالثهم : فالكبير المنفي طوعاً ، لا يجرؤ على العودة ولقاء أبيه
إنها لمصيبة كبيرة علاجها اللجوء إلى الله تعالى والصبر عليها . " فصبر جميل ... "
إلا أن المصيبة تصغر حين تكبر ، وتضعف حين تشتد ، فقال ، وثقته بالله ثابتة : عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ، إنه هو العليم الحكيم " وقال معلماً أبناءه اللجوء إلى الله في كل شيء " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون " ويدفعهم إلى طرح اليأس والتشمير عن ساعد الجد والبحث في مصر نفسها ، فهناك الأخوان الغائبان يوسف وبنيامين يقيمان ، وقد دنت ساعة الفرج أما الكبير فقد عاد بعد أن أذن له أبوه بالعودة " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله " بل إنه ليجد ريح يوسف حين خرج أخوه بقميصه إلى الأب الحزين .
6- العفو سبيل الصالحين حين يقبل على يوسف إخوتـُه للمرة الثالثة ، قد مسهم الضر من تضعضعٍ في العيش الأسْري ، وفقر واضح ، وانكسار بيّن " فلما دخلوا عليه قالوا : يا أيها العزيز ؛ مسنا واهلَنا الضر ، وجئنا ببضاعة مزجاة ، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ، إن الله يجزي المتصدقين " ويرى يوسف أنهم تعلموا الدرس يكلمهم بالعبرية – لغتهم – مؤنباً " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ؟ " وأرى كلمة " إذ أنتم " غيرَ قوله تعالى " إذ كنتم " فالثانية للماضي ، والأولى للماضي والحاضر . فما تزالون تخطئون ولا ترعوون .... ويذكر سبيل الإحسان ... إنها التقوى والصبر " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "
وحين يطلبون الصفح يصفح عنهم دون لوم ولا عتاب . بل يدعو لهم بالخير ، وهذه قمة العفو والتسامح ، وهذا دأب الصالحين " لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين " وكذلك يفعل الأب حين يستغفر اللهَ لهم ، ويعفو عنهم .
بل إن يوسف عليه السلام يبلغ القمة في الصفح والغفران حين يتناسى ما فعله إخوته به حين ألقوه في الجب ، ولا يذكرُه كي لا يشعروا بالحرج ، ولا يذكر إلا كربته في السجن ، ويعزو إلى الشيطان وحده ما كان بينه وبين إخوته " ... وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ، وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ."
7- التواضع والتذلل إلى الله دأب الصالحين
- الله تعالى أحسن به إذ أخرجه من السجن ، وجاء بأهله من البدو.
- الله سبحانه مَن آتاه الملك ، وعلمه من تأويل الأحاديث .
- يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين .
- إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون.
- عسى الله أن يأتيني بهم جميعا .
- وما أبرئ نفسي ،إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. إن ربي غفور رحيم.
- ذلك مما علمني ربي .
ولن يكون المُلـْكُ والعلم للصالحين سبيلَ عظمة وتكبر ، إنما هو سبيل إلى التواضع والشكرِ للمنعم المتفضل . بل يدفع صاحبه أن يسأل الله تعالى أن يجعل ذلك مقدمة للجنة وبشرى الرضا في الآخرة " رب قد آتيتني من الملك ، وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطرَ السموات والأرض ؛ أنت وليي في الدنيا والآخرة . توفني مسلماً ، وألحقني بالصالحين . "
ونحن معشر المسلمين نتعلم من يوسف عليه السلام أن الدنيا دار اختبار وأن الآخرة دار قرار ، اللهم توفنا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ....










‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: فوائد من قصة نبي الله يوسف عليه السلام (1) د. أمين بن عبدالله الشقاوي   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 2:06


فوائد من قصة نبي الله يوسف عليه السلام (1)

د. أمين بن عبدالله الشقاوي


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

«هذه القصة من أعجب القصص، وذكرها الله جميعًا، وأفردها بسورة مطولة مفصلة تفصيلًا واضحًا، قراءتها تغني عن التفسير، فإن الله ساق بها حالة يوسف من ابتداء أمره إلى آخره، وما بين ذلك من التنقلات واختلاف الأحوال، وقال فيها: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴾ [يوسف: 7]. فلنذكر ما يستنبط من هذه القصة العظيمة من الفوائد، فنقول مستعينين بالله:


ذكر ما فيها من الفوائد:

منها: أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها؛ لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنة، ومن ذل إلى عز، ومن أمن إلى خوف وبالعكس، ومن ملك إلى رق وبالعكس، ومن فرقة وشتات إلى انضمام وائتلاف وبالعكس، ومن سرور إلى حزن وبالعكس، ومن رخاء إلى جدب وبالعكس، ومن ضيق إلى سعة وبالعكس، ومن وصول إلى عواقب حميدة، فتبارك من قصها وجعلها عبرة لأولي الألباب.



ومنها: ما فيها من أصول تعبير الرؤيا المناسبة، وأن علم التعبير علم مهم يعطيه الله من يشاء من عباده، وأن أغلب ما تبنى عليه المناسبات وضرب الأمثال والمشابهة في الصفات.



فوجه مناسبة رؤيا يوسف أنه رأى الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ساجدين له، أن هذه زينة للسماء، وفيها منافعها، فكذلك الأنبياء والعلماء والأصفياء زينة الأرض، وبهم يهتدى في الظلمات كما يهتدى بالأنوار السماوية، ولأن أباه وأمه أصل، وإخوته فرع عنهما، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورًا وجِرمًا من الفرع؛ فلذلك كانت الشمس أمه أو أباه، والقمر الآخر منهما، والكواكب إخوته، ومن المناسب أن الساجد محترِم لمن سجد له، والمسجود له معظم محترم، فدل ذلك على أن يوسف يصير معظمًا محترمًا لأبويه وإخوته، ولا يتم هذا إلا بمقدمات تقتضي الوصول إلى هذا: من علوم وأعمال واجتباء من الله، فلهذا قال: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ [يوسف: 6].



ومنها: المناسبة في رؤيا الفتيين، حيث عبر رؤيا من رأى أنه يعصر خمرًا أن الذي يعمل هذا العمل يكون في العادة خادمًا لغيره، وأيضًا العصر مقصود لغيره، والخادم تابع لغيره، ويُؤول أيضًا إلى السقي الذي هو خدمته، فلذلك أوله بما يؤول إليه، وأما تعبيره لرؤيا من رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، بأنه يقتل ويصلب مدة حتى تأكل الطير من مخ رأسه الذي هو يحمل.


وعبر رؤيا الملك بالبقرات والسنبلات بأنها السنون المخصبة والمجدبة، ووجه المناسبة أن الملك به ترتبط أمور الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد، فهذه نسبته إذ رأى هو الرؤيا، وكذلك السنون بخصبها وجدبها تنتظم أمور المعاش أو تختل، والبقر هي آلة حرث الأرض واستخراج مغلها، والمغل هو الزرع، فرأى السبب والمسبب، فرؤيته السبع السمان من البقر ثم السبع العجاف، والسبع السنبلات الخضر، ثم السبع اليابسات، أي: لابد أن تتقدم السبع السنين المخصبات، ثم تتلوها المجدبات، وتأكل ما حصل فيها من غلال، ولا تبقي إلا شيئًا يحصنونه عنها، وإلا فهي بصدد أكلها كلها.


فإن قيل: من أين أخذ قوله: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ [يوسف: 49]. فإن بعض المفسرين قال: هذه زيادة من يوسف في التعبير بوحي أوحي إليه.

فالجواب: ليس الأمر كذلك، وإنما أخذها من رؤيا الملك، فإن السنين المجدبة سبع فقط، فدل على أنه سيأتي بعدها عام عظيم الخصب، كثير البركات، يزيل الجدب العظيم الحاصل من السنين المجدبة التي لا يزيلها عام خصب عادي، بل لابد فيه من خصب خلاف العادة، وهذا واضح وهو من مفهوم العدد.


ومنها: ما فيها من الأدلة والبراهين على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قص عليه هذه القصة المفصلة المبسوطة الموافقة للواقع التي أتت بالمقصود كله، وهو لم يقرأ كتب الأولين، ولا دارس أحدًا كما هو معلوم لقومه، وهو بنفسه أُمي لا يقرأ ولا يكتب، ولهذا قال: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ [يوسف: 102].



ومنها: أنه ينبغي للعبد البعد عن أسباب الشر، وكتمان ما تخشى مضرته، لقول يعقوب ليوسف: ﴿ ا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5].

ومنها: ذكر الإنسان بما يكره على وجه الصدق والنصيحة له أو لغيره، لقوله: ﴿ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾.



ومنها: أن نعمة الله على العبد نعمة على من يتعلق به، ويتصل من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، فإنه لابد أن يصلهم ويشملهم منها جانب، لقوله: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ ﴾ [يوسف: 6]. أي: بما يحصل لك؛ ولهذا لما تمت النعمة على يوسف حصل لآل يعقوب من العز والتمكين والسرور، وزوال المكروه، وحصول المحبوب ما ذكر الله في آخر القصة.



ومنها: أن النعم الكبيرة الدينية والدنيوية لابد أن يتقدمها أسباب ووسائل إليها؛ لأن الله حكيم، وله سنن لا تتغير، قضى بأن المطالب العالية لا تُنال إلا بالأسباب النافعة، خصوصًا العلوم النافعة، وما يتفرع عنها من الأخلاق والأعمال؛ فلهذا عرف يعقوب أن وصول يوسف إلى تلك الحالة التي يخضع له فيها أبوه وأمه وإخوته مقام عظيم، ومرتبة عالية، وأنه لابد أن ييسر الله ليوسف من الوسائل ما يوصله إليها، ولهذا قال: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ [ يوسف: 6].



ومنها: أن العدل مطلوب في جميع الأمور الصغار والكبار؛ في معاملة السلطان لرعيته، ومعاملة الوالدين للأولاد، والقيام بحقوق الزوجات، وغير ذلك من المحبة والإيثار ونحوها، وأن القيام بالعدل في ذلك تستقيم الأمور صغارها وكبارها به، ويحصل للعبد ما أحب، وفي الإخلال بذلك تفسد الأحوال، ويحصل للعبد المكروه من حيث لا يشعر؛ لهذا لما قدم يعقوب عليه السلام يوسف في المحبة، وجعل وجهه له جرى منهم على أبيهم وأخيهم من المكروه ما جرى.



ومنها: الحذر من شؤم الذنوب، فكم من ذنب واحد استتبع ذنوبًا كثيرة، وتسلسل الشر المؤسس على الذنب الأول، وانظر إلى جُرم إخوة يوسف، فإنهم لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه الذي هو من أعظم الجرائم، احتالوا على ذلك بعدة حيل، وكذبوا عدة مرات، وزوَّروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه، وفي صفة حالهم حين أتوا عشاء يبكون، ولابد أن الكلام في هذه القضية تسلسل وتشعب، بل ربما أنه اتصل إلى الاجتماع بيوسف، وكل ما بحث في هذه الموضوع فهو بحث كذب وزور مع استمرار أثر المصيبة على يعقوب، بل وعلى يوسف، فليحذر العبد من الذنوب، خصوصًا الذنوب المتسلسلة، وضد ذلك بعض الطاعات تكون طاعة واحدة، ولكن يتسلسل نفعها وبركاته حتى تستتبع طاعات من الفاعل وغيره، وهذا من أعظم آثار بركة الله للعبد في علمه وعمله.



ومنها: أن العبرة للعبد في حال كمال النهاية، لا بنقص البداية؛ فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى عليهم ما جرى في أول الأمر من الجرائم المتنوعة، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والاعتراف التام، والعفو التام عنهم من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد بحقه فالله أولى بذلك وهو خير الراحمين الغافرين، ولهذا في أصح الأقوال أن الله جعلهم أنبياء لمحو ما سبق منهم، وكأنه ما كان، ولقوله: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ﴾ [البقرة: 136].



وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يؤيد هذا أن رؤيا يوسف أنهم هم الكواكب التي فيها النور والهداية، وهي من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء عباد.



ومنها: ما منَّ الله به على يوسف من العلم والحلم، والأخلاق الكاملة، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوًا بادرهم به، وتمَّم ذلك بأن أخبرهم أنه لا يُثرِّب عليهم بعد هذا العفو، ثم بره العظيم بأبيه وأمه وإحسانه على إخوته، وإحسانه على عموم الخلق، كما هو بيِّن في سيرته وقصته.



ومنها: أن بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما؛ فإن إخوة يوسف لما قالوا: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف: 9]، وقال قائل منهم: ﴿ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [يوسف: 10]؛ كان قوله أحسن منهم وأخف، وبسببه خف عن إخوته الإثم الأكبر، وهو من جملة الأسباب التي قدر الله ليوسف في وصوله إلى الغاية التي يريد.



ومنها: أن الشيء إذا تداولته الأيدي، وصار من جملة الأموال، ولم يعلم المعاملون أنه على غير وجه الشرع، فلا إثم على من باشره ببيع أو شراء أو خدمة أو انتفاع أو استعمال؛ فإن يوسف باعه إخوته بيعًا محرمًا عليهم، واشترته السيارة بناء على أنه عبد لإخوة يوسف البائعين، ثم ذهبوا به إلى مصر فباعوه بها، وبقي عند سيده غلامًا رقيقًا، وسماه الله سيدًا، وكان عندهم بمنزلة الرقيق المكرم، وسمى الله شراء السيارة وشراءه في مصر معاملة لما ذكرنا.



ومنها: الحذر من الخلوة بالنساء الأجنبيات، وخصوصًا اللاتي يُخشى منهن الفتنة، والحذر أيضًا من المحبة التي يخشى ضررها؛ فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحُّدها بيوسف، وحبها الشديد له الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه فسجن ذلك السجن الطويل.



ومنها: أن الهم الذي هم به يوسف ثم تركه لله ولبرهان الإيمان الذي وضعه الله في قلبه مما يرقيه إلى الله زلفى؛ لأن الهم داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة طُبع عليه الآدمي، فإذا حصل الهم بالمعصية ولم يكن عند العبد ما يقاوم ذلك من الإيمان والخوف من الله وقع الذنب، وإن كان العبد مؤمنًا كامل الإيمان فإن الهم الطبيعي إذا قابله ذلك الإيمان الصحيح القوي منعه من ترتب أثره، ولو كان الداعي قويًّا، ولهذا كان يوسف من أعلى هذا النوع، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24].



لاستخلاص الله إياه، وقوة إيمانه وإخلاصه، خلصه الله من الوقوع في الذنب، فكان ممن خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، ومن أعلى السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر صلى الله عليه وسلم منهم: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[1]، فهمّها لما كان لا معارض له استمرت في مراودته، وهمه عارض عرض، ثم زال في الحال ببرهان ربه.



ومنها: أن من دخل الإيمان قلبه ثم استنار بمعرفة ربه ونور الإيمان به، وكان مخلصًا لله في كل أحواله، فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وإخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه؛ لأن الله علل صرف هذه الأمور عن يوسف بقوله: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ ﴾ على قراءة من قرأها بكسر اللام[2]، ومن قرأها بالفتح – فإن من أخلصه الله واجتباه فلا بد أن يكون مخلِصًا – فالمعنيان متلازمان.



ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا ابتلي بالوقوع في محل فيه فتنة وأسباب معصية أن يفر ويهرب غاية ما يمكنه؛ ليتمكن من التخلص من ذلك الشر، كما فر يوسف هاربًا للباب، وهي تمسك بثوبه وهو مدبر عنها.



ومنها: أن القرائن يُعمل بها عند الاشتباه في الدعاوى؛ وذلك أن الشاهد الذي شهد – أي: حكم على يوسف وعلى المرأة – اعتبر القرينة، فقال: ﴿ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ﴾ [ يوسف: 26]، إلى آخر القضية، وصار حكمه هذا موافقًا للصواب، ومن القرائن وجود الصواع على رحل الأخ، وقد اعتبر هذا وهذا.



ومنها: ما عليه يوسف من الجمال الباهر ظاهرًا وباطنًا؛ فإن جماله الظاهر أوجب لامرأة العزيز ما أوجب من الحب المفرط والمراودة المستمرة، ولما لامها النساء دعتهن ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ [يوسف: 31].



وأما جماله الباطن فهو العفة العظيمة مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع السوء منه، ولكن الإيمان ونوره، والإخلاص وقوته لا يشذ عنهما فضيلة، ولا تجامعهما رذيلة، وقد بينت امرأة العزيز للنساء من يوسف الأمرين؛ فإنها لما أرتهن جماله الظاهر الذي اعترفن أن هذا الجمال لا يوجد في الآدميين قالت: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَم ﴾ [يوسف: 32]، وقالت بعد ذلك: ﴿ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [يوسف: 51].



ومنها: أن يوسف عليه السلام اختار السجن على المعصية، فهكذا إذا ابتلي العبد بأحد أمرين، إما أن يلجأ إلى فعل المعصية، وإما أن يعاقب عقوبة دنيوية، فعليه أن يختار العقوبة الدنيوية التي فيها الثواب من هذا الوجه بعدة أمور: ثواب من جهة اختياره الإيمان على السلامة من العقوبة الدنيوية، وثواب من جهة أن هذا من باب التخليص للمؤمن والتصفية، وهو يدخل في الجهاد في سبيل الله، وثواب من جهة المصيبة التي نالته والألم الذي أصابه، فسبحان من ينعم ببلائه، ويلطف بأصفيائه، وهذا أيضًا عنوان الإيمان، وعلامة السعادة.

ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى ربه، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حوله وقوته لقول يوسف: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33].


فالعبد الموفق يستعين بربه على دفع المعاصي وأسبابها كما يستعين به عند فعل الطاعات والخيرات، والله كافي المتوكلين»[3].

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1] البخاري برقم 660، ومسلم برقم 1031.

[2] هي قراءة ابن كثير رحمه الله وأبي عمرو وابن عامر. انظر: السبعة في القراءات ص348.

[3] مجموع مؤلفات الشيخ عبدالرحمٰن بن سعدي 3 /256-262.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/128032/#ixzz67NJSqscn








‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: فوائد من قصة نبي الله يوسف عليه السلام (2) د. أمين بن عبدالله الشقاوي   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 2:13


فوائد من قصة نبي الله يوسف عليه السلام (2) د. أمين بن عبدالله الشقاوي
فوائد من قصة نبي الله يوسف عليه السلام (2) د. أمين بن عبدالله الشقاوي
فوائد من قصة نبي الله يوسف عليه السلام (2) د. أمين بن عبدالله الشقاوي


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

«فلا زال الكلام على الفوائد من قصة نبي الله يوسف عليه السلام، فمن ذلك: أن العلم والعقل الصحيح يدعوان صاحبهما إلى الخير، وينهيانه عن الشر، وأن الجهل يدعو صاحبه إلى ضد ذلك لقوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33]. أي: الجاهلين بالأمور الدينية، والجاهلين بالحقائق النافعة والحقائق الضارة.



ومنها: أنه كما على العبد عبودية لربه في حال رخائه، فعليه عبودية في حال الشدة؛ فيوسف عليه السلام لم يزل يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمر على ذلك، ودعا من يتصل به من أهل السجن، ودعا الفتيين إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ومن كمال رأيه وحكمته أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته حين احتاجا إليه في تعبير رؤياهما وقالا له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36]؛ رأى ذلك فرصة، فدعاهما إلى الله قبل أن يعبر رؤياهما؛ ليكون أقرب إلى حصول المطلوب، وبيّن لهما أن الذي أوصله إلى هذه الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم إيمانه وتوحيده وتركه لملة المشركين، وهذا دعاء لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبرهن لهما على حسن التوحيد ووجوبه، وعلى قبح الشرك وتحريمه.



ومنها: أنه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سئل المفتي وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته وحسن إرشاده وتعليمه؛ فإن يوسف لما سأله الفتيان عن رؤياهما، وكانت حاجتهما إلى التوحيد والإيمان أعظم من كل شيء قدّمها.



ومنها: أن من وقع في مكروه وشدة لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه بفعله، أو الإخبار بحاله، وأن هذا لا يكون نقصًا ولا شكوى إلى المخلوق ممنوعة، فإن هذا من الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض فيها، ولهذا قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ [يوسف: 42].



ومنها: أنه يتعين على المعلم والداعي إلى الله استعمال الإخلاص التام في تعليمه ودعوته، وألا يجعل ذلك وسيلة إلى معاوضة في مال أو جاه أو نفع، وألا يمتنع من التعليم إذا لم يفعل السائل ما كلفه به المعلم، فإن يوسف قد وصى أحد الفتيين أن يذكره عند ربه فلم يذكره ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى، وجاءه سائلًا مستفتيًا عن تلك الرؤيا، فلم يعنفه يوسف ولا وبخه، بل ولا قال له: لِمَ لَمْ تذكرني عند ربك؟ وأجابه جوابًا تامًّا من جميع الوجوه.



ومنها: أنه ينبغي للمسئول إذا أجاب السؤال أن يدل السائل على الأمر الذي ينفعه مما يتعلق بسؤاله، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه، فإن هذا من كمال نصحه، وجزالة رأيه، وحسن إرشاده؛ فإن يوسف لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل دلهم مع ذلك، وأشار عليهم بما يصنعونه في تلك السنين المخصبات من الإكثار من الزراعة، وحسن الحفظ والجباية.



ومنها: أنه لا يلام العبد على دفع التهمة عن نفسه، بل ذلك مطلوب كما امتنع يوسف من الخروج من السجن حتى تتبين لهم براءته مع النسوة اللاتي قطعن أيديهن.



ومنها: فضيلة العلم، علم الشرع والأحكام، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم التدبير والتربية، وعلم السياسة، فإن يوسف عليه السلام إنما حصلت له الرفعة في الدنيا والآخرة بسبب علمه المتنوع، وفيه أن علم التعبير داخل في الفتوى، فلا يحل لأحد أن يجزم بالتعبير قبل أن يعرف ذلك، كما ليس له أن يفتي في الأحكام بغير علم؛ لأن الله سماها فتوى في هذه السورة.



ومنها: أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من الصفات الكاملة، من العلم وغيره، إذا كان في مصلحة وسلم من الكذب، ولم يقصد به الرياء، لقول يوسف عليه السلام: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 55].



وكذلك لا تذم الولاية إذا كان المتولي لها يقوم بما يقدر عليه من إقامة الشرع، وإيصال الحقوق إلى أهلها، وأنه لا بأس بطلبها إذا كان أهلًا، وأعظم كفاءة من غيره، وإنما المذموم إذا لم يكن فيه كفاءة، أو كان موجودًا من هو أمثل منه أو مثله، أو لم يرد بها إقامة أمر الله بل أراد الترؤُّس والمأكلة المالية.



ومنها: أن الله واسع الجود والكرم، يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة، وأن خير الآخرة له سببان لا ثالث لهما: الإيمان بكل ما أوجب الله الإيمان به، والتقوى التي هي امتثال الأوامر الشرعية واجتناب النواهي، وأن خير الآخرة خير من ثواب الدنيا وملكها، وأنه ينبغي للعبد أن يدعو نفسه ويشوقها لثواب الله، ولا يدعها تحزن إذا رأت لذات الدنيا ورياساتها وهي عاجزة عنها، بل يسليها بالثواب الأخروي ليخف عليها عدم حصول الدنيا، لقول يوسف: ﴿ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يوسف: 57].



ومنها: أن جباية الأرزاق إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضرر يلحقهم لا بأس به، بل ذلك مطلوب؛ لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات للاستعداد به للسنين المجدبات، وقد حصل به الخير الكثير.



ومنها: حسن تدبير يوسف لما تولى خزائن الديار المصرية من أقصاها إلى أقصاها، فنهض بالزراعة حتى كثرت الغلال جدًّا، فصار أهل الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرة منها عندما فقدوا ما عندهم؛ لعلمهم بوفورها في مصر، ومن عدله وتدبيره وخوفه أن يتلاعب بها التجار أنه لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصة أو أقل، لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله، وظاهر حاله هذا أنه لا يعطي أهل البلد إلا أقل من ذلك بكثير لحضورهم عنده.



ومنها: مشروعية الضيافة، وأنها من سنن المرسلين، وإكرام الضيف؛ لقول يوسف: ﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [يوسف: 59].



ومنها: أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم؛ فإن يعقوب قال لأولاده: ﴿ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ [يوسف: 64]، وقال: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ [يوسف: 83]. فهم في الأخيرة، وإن لم يكونوا مفرطين، فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن يقول ما قال من غير لوم عليه.



ومنها: أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها غير ممنوع، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء الله وقدره، فإن الأسباب أيضًا من القضاء والقدر؛ لقول يعقوب: ﴿ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: 67].



ومنها: جواز استعمال الحيل والمكايد التي يتوصل بها إلى الحقوق، وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يحمد عليه العبد، وأما الحيل التي يراد بها إسقاط واجب أو فعل محرم فإنها محرمة غير نافذة.



ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره بأمر لا يحب بيانه له أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف حين ألقى الصواع في رحل أخيه، ثم استخرجها منه موهمًا أنه سارق، وليس في ذلك تصريح بسرقته، وإنما استعمل المعاريض، ومثل هذا قوله: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: 79]، ولم يقل: من سرق متاعنا.



ومنها: أنه لا يجوز أن يشهد إلا بما علمه، وتحققه برؤية أو سماع لقولهم: ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا ﴾ [يوسف: 81]، وقوله: ﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: 86].



ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب صلى الله عليه وسلم، إذ قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة، ويحزنه أشد الحزن، فتم لهذه الفرقة مدة طويلة ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84]. فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه الشكوى إلى المخلوقين، ولا ريب أن الله رفعه بهذه المحنة درجات عالية ومقامات سامية، لا تنال إلا بمثل هذه الأمور.



ومنها: أن الفرج مع اشتداد الكرب، فإنه لما تراكمت الشدائد المتنوعة، وضاق العبد ذرعًا بحملها، فرجها فارج الهم، كاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين، وهذه عوائده الجميلة، خصوصًا لأوليائه وأصفيائه، ليكون لذلك الوقع الأكبر، والمحل الأعظم، وليجعل من المعرفة بالله والمحبة له ما يوازن ويرجح بما جرى على العبد بلا نسبة.



ومنها: جواز إخبار العبد بما يجد، وما هو فيه من مرض أو فقر [أو] غيرهما على غير وجه التسخط، لقول يعقوب: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ [يوسف: 84]، وقول إخوة يوسف: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ﴾ [يوسف: 88 ]، وأقرهم يوسف.



ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأن عاقبة أهلهما أحسن العواقب لقوله: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90].


ومنها: أن ينبغي للعبد إذا أنعم عليه بنعمة بعد ضدها أن يتذكر الحالة السابقة؛ ليعظم وقع هذه النعمة الحاضرة، ويكثر شكره لله تعالى، ولهذا قال يوسف: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: 100].

ومنها: ما في هذه القصة من الألطاف المتنوعة المسهِّلة للبلاء؛ منها رؤيا يوسف السابقة؛ فإن فيها روحًا ولطفًا بيوسف وبيعقوب، وبشارة بالوصول إلى تأويلها، ولطف الله بيوسف إذ أوحى إليه وهو في الجب: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: 15]. وتنقلاته من حال إلى حال، فإن فيها ألطافًا ظاهرة وخفية؛ ولهذا قال في آخر الأمر: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾ [يوسف: 100]. يلطف به في أحواله الداخلية، ويلطف له في الأمور الخارجية، ويوصله إلى أعلى المطالب من حيث لا يشعر.

ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلح دائمًا على ربه في تثبيت إيمانه، وأن يحسن له الخاتمة، وأن يجعل خير أيامه آخرها، وخير أعماله خواتمها، فإن الله كريم جواد رحيم»[1].

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1] مجموع مؤلفات الشيخ عبدالرحمٰن السعدي، قسم التفسير وعلوم القرآن (3/262-267).

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/128145/#ixzz67NLEPndk





رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/128145/#ixzz67NKr0gYr







‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 2:21


خطبة: فوائد من قصة يوسف عليه السلام (2)
مختصرة من الفوائد التي ذكرها الشيخ
عبدالرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله



الخطبة الأولى

الحمد لله، أيها الإخوة: ولا زال الحديث إتمامًا لما سبق عن فوائدَ من قصة يوسف عليه السلام.


فمن فوائد تلك السورة: جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه؛ من مرض، أو فقر، أو غيرهما على غير وَجْه التسخُّط؛ لقول إخوة يوسف عليه السلام: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ﴾ [يوسف: 88]، وأقرَّهم يوسُفُ على ذلك.



ومن الفوائد: فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثارهما، وإن عاقبة أهلهما أحسن العواقب؛ لقوله: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90].



ومن الفوائد: ما مَنَّ اللهُ به على يوسُف عليه السلام من حُسْن عَفْوِه عن إخوته، وإنه عفا عمَّا مضى، ووعد في المستقبل ألَّا يُثرِّب عليهم، ولا يذكر منه شيئًا؛ لأنه يجرحهم ويحزنهم، وقد أبدوا الندامة التامَّة، ولأجل هذا قال: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [يوسف: 100]، ولم يقل من بعد أن نزغهم؛ بل أضاف الفعل إلى الشيطان الذي فرَّق بينه وبين إخوته، وهذا من كمال الفتوَّة، وتمام المروءة.



ومن الفوائد: ما في هذه القصة العظيمة من البراهين على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قصَّها على الوجه المطابق، وهو لم يقرأ من الكتب السابقة شيئًا، ولا جالَسَ مَنْ له معرفة بها، ولا تعلَّم من أحدٍ، إنْ هو إلا وحيٌ أوحاه الله إليه؛ ولهذا قال: ذلك من أنباء الغيب نقُصُّه عليك، ما كنت تعلمها أنت، ولا قومُك من قبل هذا.



وفي تضاعيف القصة فضيلةُ العلم من وجوه كثيرة، وبيان أنه سببُ الرِّفْعة في الدنيا والآخرة، وسبب صلاح الدين والدنيا، فيوسُف صلى الله عليه وسلم لم ينل ما نال بعد توفيق الله تعالى، إلا بالعلم؛ ولهذا قال له أبوه: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾ [يوسف: 6]، وقال يوسُف: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101]، ففضائل العلم وثمراته الجليلة العاجلة والآجلة لا تُعَدُّ ولا تُحصى.



ومن الفوائد: أن شفاء الأمراض كما تكون بالأدوية الحسِّيَّة تكون بأسباب ربَّانية؛ بل يحصل بهذا النوع من أنواع الشفا ما لا يحصل بغيره، فيعقوب عليه السلام قد ابيضَّتْ عيناه من الحزن، وذهب بصرُه، فجعل الله شفاءه وإبصاره بقميص يوسف حين ألقاه على وَجْهِه فارتدَّ بصيرًا؛ لما كان فيه من رائحة يوسف عليه السلام، الذي كان داء عينيه بسبب حُزْنه عليه، فصار شفاؤه الوحيد مع لطف الله في قميص يوسف الملاصق لجسده.



ومن فوائد القصة: أن الجهل كما يُطلَق على عدم العلم، فإنه يُطلَق على عدم الحلم، وعلى ارتكاب الذنب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33]، وأما قوله: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ [يوسف: 89] ليس المعنى في ذلك عدم العلم؛ وإنما هو عدم العمل به، واقتحام الذنوب.



ومن الفوائد: قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ [يوسف: 72]، استدل به على ثلاثة أبواب من أبواب العلم: باب الجعالة، وباب الضمان، وباب الكفالة.



ومن الفوائد: أن العمل بالشريعة فيه إصلاح الأرض والبلاد واستقامة الأمور، والعمل بالمعاصي من سرقة وغيرها فيه فساد؛ ذلك لقولهم: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ [يوسف: 73].



ومن الفوائد: الحثُّ على فعل الأسباب الجالبة للخيرات والحافظة من الكريهات، وفي القصة مواضع تدلُّ على هذا الأصل الكبير، وتمام ذلك أن يقوم بالأسباب مستعينًا بالله، واثقًا به، وقد عمل يعقوب عليه السلام الأسباب التي يقدر عليها في استحفاظ أولاده ليوسف عليه السلام، ثم لأخيه حين أرسله معهم، وقال مع ذلك: ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 64].



وكذلك على العبد إذا همَّتْه المصائب، وحلَّت بهِ النكبات، عليه أن يصبر ويستعين بالله على ذلك، قال يعقوب عليه السلام حين عمل إخوة يوسف ما عملوا بيوسف عليه السلام، وحلَّت به المصيبة الكبرى: ﴿ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، وذلك أن الصبر على الطاعات، والصبر عن المحرَّمات، والصبر على المصيبات لا يتمُّ، وينجح صاحبُه، إلَّا بالاستعانة بالله، وألَّا يتَّكِل العَبْدُ على نفسه؛ قال يوسف: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33].



ومن الفوائد: أن الدين المستقيم الذي عليه جميعُ الرُّسُل وأتباعهم هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ لقوله: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ [يوسف: 40]، فهو الدين المستقيم المقيم للعقائد والأخلاق والأعمال، الذي لا تستقيم أمورُ الدين والدنيا إلَّا به.



ومن الفوائد: وجوب الاعتراف بنِعَمِ الله الدينية والدنيوية؛ لقوله: ﴿ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا ﴾ [يوسف: 38].



ومن الفوائد: أن الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى العباد سببٌ يُنال به العلم، وتُنال به خيرات الدنيا والآخرة؛ لقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 22]، وقوله: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يوسف: 56، 57]، فجعل الله الإحسان سببًا لنَيْل هذه المراتب العالية.



ومن الفوائد: أن النظر إلى الغايات المحبوبة يُهوِّن المشاقَّ المعترضة في وسائلها، فمتى علم العبد عاقبة الأمر، وما يؤول إليه من خير الدنيا والآخرة، هانَتْ عليه المشقَّةُ، وتسلَّى بالغاية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف: 15].



ومن فوائد تلك القصة: قوله تعالى عن يعقوب في أول ما صنع أبناؤه بأخيهم يوسف: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، وقوله: عندما اشتدَّ به الأمر حين احتبس الابن الآخر: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 83]، في هذا دليل على أن أصفياء الله إذا نزلت بهم الكوارثُ والمصيباتُ، قابلوها في أول الأمر بالصبر والاستعانة بالمولى، وعندما ينتهي، وتبلغ الشِّدَّة منتهاها، يقابلونها بالصبر والطمع في الفرج والرجاء، فيُوفِّقهم الله للقيام بعبوديته في الحالتين، ثم إذا كشف عنهم البلاء، قابلوا ذلك بالشكر والثناء على الله وزيادة المعرفة بلُطْفه؛ لقول يوسف: ﴿ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100].



ومن الفوائد: أن المشاورة نافعةٌ في كلِّ شيء، حتى في تخفيف الشرِّ؛ لهذا تَشاوَرَ إخوةُ يوسف عليه السلام ما يعملون به من قَتْل أو طَرْح في الأرض، قَرَّ رأيُهم على رأي مَنْ أشارَ عليهم بإلقائه في الجُبِّ ليلتقطه بعضُ السيارة، ففيه شاهِدٌ للقاعدة المشهورة "ارتكاب أخفِّ المفْسَدَتَينِ أوْلى من أغلظهما.



ولما قرَّ القرارُ على أخْذ من وُجِدَ الصواع في رَحْله، وعالجوا يوسُف على أخْذِ بدله؛ لأجل ما يعلمون من مشقَّة أبيهم، فأمتنع، خلصوا نجيًّا يتشاورون، فقرَّ رأيُهم على رأي كبيرهم أن يبقى هو في مصر يُلاحظ مسألة أخيه، وهم يذهبون ويُخبرون أهلَهم، ويُخبرون أباهم بالقضية وتفصيلها، ولا شكَّ أن بقاءه في مصر أهون على يعقوب وأرجى لتحصيل المطلوب، وفيه نوعُ مواساة منه بأخويه يوسف وبنيامين؛ ولهذا قال: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 83].



ومن أعظم الفوائد في تلك السورة: أنَّه لما قصَّ الله تعالى علينا هذه القصة العجيبة بتفاصيلها، قال في آخرها: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111]، فنفى عن هذا القرآن الكذب والخطأ من جميع الوجوه، ووصفه بثلاث صفات؛ كل واحدة منها فيها أكبر بُرْهان على أنه من عند الله تعالى، وأنه الحق الذي لا ريب فيه.



الصفة الأولى: أنه تصديق الذي بين يديه؛ أي: من الكتب المنزَّلة من السماء، ومن كلام الرُّسُل المعصومين الذين أوحى الله إليهم، كما قال تعالى: ﴿ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الصافات: 37].



الصفة الثانية: أنه تفصيل لكُلِّ شيء؛ وهذا شاملٌ لجميع ما يحتاجه الخَلْق في عقائدهم وأخلاقهم، وأعمالهم الظاهرة والباطنة، وفي دينهم ودنياهم.



الصفة الثالثة: أنه ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 52]، ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾ [المائدة: 16]، ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9]؛ أي: لكل حالة قويمة وطريقة مستقيمة، يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق، ويهدي لمصالح الدين كلها ومنافع الدنيا التي بها يقوم الدين وتتمُّ السعادة[1].



أقول قولي هذا، وأستغفر الله...


الخطبة الثانية عمَّا ورد في شهر شعبان

الحمد لله:

أيها الإخوة: نحن نعيش في خِضَمِّ شهر شعبان، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم «يُكِثر من الصيام فيه حتى كان يصومُه إلَّا قليلًا»، وعلى هذا، فمن السُّنَّة أن يُكثِر الإنسان الصيامَ في شهر شعبان اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمَّا صيام يوم النِّصْف بخصوصه، فوردت فيه أحاديث ضعيفة لا تصِحُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعمَل بها.



وأمَّا تخصيص ليلة النصف منه بقيام فبِدْعة؛ لأنه لم يرِدْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم أنه كان يُخصِّص تلك الليلة بقيام؛ بل هي كغيرها من الليالي، إن كان الإنسان قد اعتاد أن يقوم الليل فلْيَقُم تلك الليلة أسْوةً بغيرها من الليالي، وإن كان ليس من عادته أن يقوم الليل، فإنه لا يُخصِّص ليلةَ النصف من شعبان بقيام[2].

[1] انتهت الفوائد مُلخَّصة من رسالة الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله تعالى بعنوان "فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام".

[2] انتهى مُلخَّصًا من خطبة للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/133845/#ixzz67NMtCWed






‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 2:28



خطبة: فوائد من قصة يوسف عليه السلام (1)
مختصرة من الفوائد التي ذكرها الشيخ
عبدالرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله



الخطبة الأولى

الحمد لله...

أيها الإخوة، للشيخ العلامة عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى رسالةٌ مطبوعةٌ، عظيمةُ النَّفْع، جليلةُ القَدْر بعنوان: "فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام"، لعلِّي إن شاء الله تعالى ألخِّص لكم بعضًا من تلك الفوائد في هذه الخطبة، وأُكمِل ما تبقَّى منها بإذن الله تعالى في خطبة أخرى.



أيها الإخوة، لقد خصَّ الله تعالى قصة يوسف عليه السلام بقوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴾ [يوسف: 7]، فيها آيات وعِبَر منوَّعة لكل مَنْ يسأل، ويريد الهدى والرشاد؛ لما فيها من التنقُّلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى منحة ومنَّة، ومن ذلة ورِقٍّ إلى عِزٍّ ومُلْكٍ، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وإدراك غايات، ومن حزن وتَرَح إلى سرور وفرح، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه هذه القصة العظيمة، فتبارك مَنْ قصَّها، ووضَّحها وبيَّنَها.



فمن فوائد هذه السورة أن فيها أصولًا لعلم تعبير الرؤيا، فإن علم تعبير الرؤيا علمٌ عظيمٌ، والرؤيا الصحيحة هي إلهامات يُلهمها الله للروح عند تجرُّدها عن البدن وقت النوم، أو أمثال مضروبة يضربها الملك للإنسان ليفهم بها ما يُناسبها، وقد يرى الشيء على حقيقته، ويكون تعبيرُه هو ما رآه في منامه:



ولهذا لما حصل الاجتماع، ودخل أبوه وأمُّه وإخوته مصر، ورفع أبويه على العرش خرَّ الجميع له سُجَّدًا، قال يوسف متذكِّرًا ذلك تعبير رؤياه السابقة ﴿ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾ [يوسف: 100].



وهذه الغاية تستدعي وسائل ومُقدِّمات لا تحصل إلَّا بها؛ وهو العلم الكثير العظيم والعمل الصالح والإخلاص والاجتباء من الله، والقيام بحق الله وحقوق الخلق، فلهذا قال سبحانه في ذكر السبب الموصِّل لهذه الغاية الجليلة: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ﴾ [يوسف: 6].



وأما رؤيا الفتَيَينِ حيث: ﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا ﴾ [يوسف: 36]، فتلطفوا ليوسف أن يُنبِّئَهما بتأويل رؤياهما؛ لما شاهدوا من إحسانه للأشياء، وإحسانه إلى الخلق، ففسَّر رؤيا مَنْ رأى أنه يعصر خمرًا بأنه ينجو من سجنه، ويعود إلى مرتبته وخدمته لسيِّده، فيعصر له العنب الذي يؤول إلى الخمر، وفسَّر رؤيا الآخر بأنه يُقتَل، ثم يُصلَب فتأكل الطير من رأسه.



فالأول: رؤياه جاءت على وجه الحقيقة، والآخر رؤياه جاءت على وجه المثال، وأنه يقتل ومع قتله يصلب، ولا يدفن حتى تأكل الطيور من رأسه، وهذا من الفهم العجيب والغوص إلى المعاني الدقيقة.



ومن كمال يوسف عليه السلام ونصحه وفطنته العجيبة أنهما لما قصَّا عليه رؤياهما، تأنَّى في تعبيرها، ووعدهما بتعبيرها بأسرع وقت، فقال:﴿ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ﴾ [يوسف: 37]، فوعدهما بتعبيرها قبل أول طعام يأتيهما من خارج السجن؛ ليطمئِنَّا ويشتاقا إلى تعبيرها، وليتمكَّن من دعوتهما؛ ليكون أدعى لقبول الدعوة إلى الله.



وأما رؤيا الملك، فإنه رأى سبع بقرات سِمان يأكلهن سبع بقرات عِجاف، وسبع سُنبلات خُضْر يأكلهن ويستولي عليهن سبع سنبلات يابسات ضعيفات، فهالته وجَمَعَ لها كُلَّ من يظنُّ فيه المعرفة، فلم يكن عند أحد منهم علمٌ بتعبيرها، وقالوا: ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ [يوسف: 44].



وبعد هذا تفطَّن الذي خرج من السجن لحالة يوسف، فلما جاء يوسف قال له: يا ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾ [يوسف: 46].



ففي الحال فسَّرها يوسف صلى الله عليه وسلم، وزادهم مع التفسير حسن العمل بها وحسن التدبير؛ فأخبرهم أن البقر السِّمان والسنابل السبع الخُضْر هي سنون رخاء وخصب متواليات، تتقدَّم على السنين المجدبات، وأن البقر العجاف والسنابل اليابسات سنون جدب تليها، وإن بعد هذه السنين المجدبات عامًا فيه يُغاث الناس، وفيه يعصرون، وإنه ينبغي لهم في السنين المخصبات أن ينتهزوا الفرصة، ويعدوا العدة للسنين الشديدات، فيزرعون زروعًا هائلة أزيد بكثير من المعتاد.



ثم اعلم أن رؤيا الملك وتعبير يوسف لها، وتدبيره ذلك التدبير العجيب من رحمة الله العظيمة على يوسف، وعلى الملك وعلى الناس، فلولا هذه الرؤيا وهذا التعبير والتدبير، لهجمت على الناس السنون المجدبات قبل أن يعدُّوا لها عِدَّتها، فيقع الضرر الكبير على الأقطار المصرية وعلى ما جاورَها.



ومن فوائد هذه القصة - أعني: قصة يوسف عليه السلام - أنه يتعيَّن على الإنسان أن يعدل بين أولاده، وينبغي له إذا كان يحبُّ أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك مهما أمكنه، وهذا ظاهر في قولهم: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [يوسف: 8] ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ [يوسف: 9].



ومن فوائدها: الحثُّ على التحرُّز ممَّا يخشى ضرره؛ لقوله: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ [يوسف: 5].



ومن الفوائد: أن بعض الشر أهونُ من بعض؛ فحين اتَّفقوا على التفريق بين يوسف وأبيه، ورأى أكثرهم أن القتل يحصل به الإبعاد الأبدي، ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [يوسف: 10]، فخفَّف به بعض الشر عنهم.



ومن الفوائد: أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية؛ وذلك لأن إخوة يوسف عليه السلام جرى منهم ما جرى من هذه الجرائم؛ لكن في آخر أمرهم ونهايته تابوا إلى الله، وطلبوا السماح من أخيهم يوسف ومن والديهم الاستغفار، فحصل لهم السماح التامُّ، والعفو الكامل، فعفى الله عنهم، وأوصلهم إلى الكمال اللائق بهم.



ومن الفوائد: أن الإخلاص لله تعالى أكبرُ الأسباب لحصول كل خير، واندفاع كل شرٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 24].



ومن الفوائد: ما دلَّتْ عليه القصة من العمل بالقرائن القويَّة من عدة وجوه؛ منها حين ادَّعَتِ امرأةُ العزيز أن يوسف راودَها، وقال: هي راودَتْني عن نفسي، فشهد شاهدٌ من أهلها؛ أي: حكم حاكمٌ بهذا الحكم الواضح، وكانت قد شقَّت قميص يوسف وقتَ مراودتها إيَّاه: ﴿ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [يوسف: 26]؛ لأنه يدل على إقباله عليها، وأن المراودة صادرةٌ منه، ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [يوسف: 27]، فكان هذا هو الواقع؛ لأنها تريده، وهو يفرُّ منها ويهرب عنها، فقدَّتْ قميصه من خلفه، فتبيَّن لهم إنها هي المراودة في تلك الحال، وبعد ذلك اعترفت اعترافًا تامًّا؛ حيث قالت: ﴿ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ [يوسف: 51، 52].



ومن العمل بالقرائن وجود الصواع في رَحْل أخيه، وحكمهم عليه بأحكام السرقة لهذه القرينة القوية.



ومن الفوائد: أنه ينبغي للعبد أن يبتعد عن أسباب الفتن، ويهرب منها عند وقوعها، كما فعل يوسف حين راودَتْه امرأة العزيز.



ومن الفوائد: ما عليه يوسف صلوات الله عليه من الجمال الظاهر الذي أخذ بلُبِّ امرأة العزيز وشغفها حبًّا، وحين رأتْهُ النسوة قطَّعْنَ أيديهن وأكْبَرْنَه، وقُلْنَ: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ [يوسف: 31]، ومن الجمال الباطن؛ وهو العِفَّة والإخلاص الكامل والصيانة.



ومن الفوائد: أنه ينبغي للعبد أن يلتجأ إلى الله عند خوف الوقوع في فتن المعاصي والذنوب، مع الصبر والاجتهاد في البعد عنها، كما فعل يوسف ودعا ربه، قال:﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33]، وإن العبد لا حول ولا قوة ولا عصمة له إلا بالله، فالعبد مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور والصبر على المقدور مع الاستعانة بالملك الشكور.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي، ولكم من كل ذنب.



الخطبة الثانية

الحمد لله.

أيها الإخوة، ومن فوائد قصة يوسف عليه السلام: أن استعمال الأسباب الواقية من العين أو غيرها غير ممنوع؛ بل جائزٌ ومستحبٌّ بحسب حاله، وإن كانت جميع الأمور بقضاء الله وقدره، بشرط أن يفعل العبد الأسبابَ وهو معتمد على مُسبِّبها؛ لأن يعقوب عليه السلام حين أراد أن يوصي بنيه لَمَّا أرسل بنيامين معهم قال: ﴿ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ [يوسف: 67].



ومن الفوائد: جواز استعمال الحيل والمكائد التي يتوصَّل بها إلى حقٍّ من الحقوق الواجبة والمستحبَّة أو الجائزة، كما استعمل يوسف ذلك مع أخيه؛ حيث وضع السقاية في رحل أخيه، ثم أذن مُؤذِّن بعد رحيلهم ﴿ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ [يوسف: 70] إلى قوله: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ﴾ [يوسف: 76].



ومن الفوائد: استعمال المعاريض عند الحاجة إليها؛ فإن في المعاريض مندوحة عن الكذب، وذلك من وجوه؛ منها قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ ﴾ [يوسف: 76]، ولم يقل سرَقَها وكذلك قوله: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ ﴾ [يوسف: 79]، ولم يقل: من سرق متاعنا، وإذا قيل: إن هذا اتهام للبريء، قيل: إنما فعل ذلك بإذن أخيه ورضاه، وإذا رضي، زال المحذور.



ومن الفوائد: أن الإنسان لا يحلُّ له أن يشهد إلَّا بما يعلم؛ لقولهم: ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا ﴾ [يوسف: 81]، وإن العلم يحصل بإقرار الإنسان على نفسه وبوجود المسروق ونحوه معه، وفي يده أو رحله.



ومن الفوائد: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيَّه وصفيَّه يعقوب عليه السلام؛ حيث قضى بالفراق بينه وبين يوسف هذه المدَّة الطويلة، التي يغلب على الظنِّ أنها تبلغ ثلاثين سنة فأكثر، وهو في هذه المدة لم يفارق الحزن قلبه، وهو دائم البكاء حتى ابيضَّتْ عيناه من الحزن، وفقَدَ بَصَرَه وهو صابرٌ لأمر الله، محتسب الثواب عند الله، قد وعد من نفسه الصبر، ولا شك إنه وفى بذلك، ولا ينافي ذلك قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86]، فإن الشكوى إلى الله لا تُنافي الصبر؛ وإنما ينافي الصبر الشكوى إلى المخلوق.



ومن الفوائد: أن الفرَج مع الكرب، فإنه لما اشتدَّ الكرب بيعقوب وقال: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ [يوسف: 84]، قال: ﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87]، وهم حين دخلوا على يوسف، وقفوا بين يديه موقف المضطر، فقالوا: ﴿ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ ﴾ [يوسف: 88]؛ أي: قليلة حقيرة، لا تقع الموقع، فأوْفِ لنا الكيل ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ [يوسف: 88]، فحينئذٍ لما بلغ الضُّرُّ مُنتهاه من كل وجه عرَّفهم بنفسه، فحصل بذلك البشارة الكبرى لأبويه وإخوته وأهلهم، وزال عنهم الضُّرُّ والبأساء، وخلفه السرورُ والفرحُ والرخاءُ.



أيها الإخوة، هذه بعض فوائد تلك القصة، وللحديث بقية عن فوائدَ أخرى، إن شاء الله تعالى.

عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/133826/#ixzz67NOf5lnw









‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: دعوة يوسف عليه السلام د. عبدالسميع الأنيس   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 2:34


دعوة يوسف عليه السلام د. عبدالسميع الأنيس
دعوة يوسف عليه السلام د. عبدالسميع الأنيس


دعوة يوسف عليه السلام


من أجمل الدعوات القرآنية دعوةُ يوسفَ عليه السلام، وقد جاءت في قول الله تعالى: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101].



أولًا: هي دعوة مباركة، نطق بها هذا النبيُّ الكريم بعد حياة مليئة بالمحن والمنح، والأحزان والأشجان، والسجون وقصور المُلك، ثم هو يدعو ربه سبحانه أن يتوفاه مسلمًا، وأن يُلحقه بالصالحين، فما أجملها من دعوة! وما أكرَمَها على الله تعالى؛ إذ تُسجل في كتابه، وتُتلى قرآنًا على مدى الأيام!



وكأني به عليه السلام يحقِّق بهذه الدعوة وصيةَ جده إبراهيم الخليل عليه السلام، أليس قد قال تعالى: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132]؟ فحقيق بكل مسلم - لا سيما مَن تحققت أمانيه في هذه الحياة - أن يتضرَّع إلى الله بهذه الدعوة المباركة.

إن غاية المسلم، ومنتهى أمله: أن يُكرمه الله بالموت على اﻹسلام، وأن يلحقه برَكْبِ الصالحين من عباده.



ثانيًا: مَن قرأها في آخر خطبة الجمعة؟

1- أول مَن علمتُه قرأها في آخر خطبة الجمعة الأمير سبكتكين الغزنوي المتوفى سنة (387) من الهجرة؛ جاء في ترجمته أنه كان عادلًا خيِّرًا، حسن الاعتقاد، فاضلًا عارفًا، له نظم ونثر، وخَطَبَ في بعض الجُمَع، وكان يقول بعد الدعاء للخليفة العباسي الآياتِ من سورة يوسف: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101].

مرِض في مدينة بلخ - وهي اليوم مزار شريف في شمال شرق أفغانستان - فأمر بالعودة إلى غزنة، فأدركته المَنيةُ في طريق عودته.

وهو والد السلطان محمود الغزنوي، حاكم الدولة الغزنوية في عصر الخلافة العباسية، وقد لقِّب بألقاب عديدة؛ من أهمها: (سیف‌ الدولة، بطل الإسلام، فاتح الهند، محطم الأصنام، يمين أمير المؤمنين)، وبفضل حكمته وقدرته المتميزة على قيادة شؤون البلاد تمكَّن من رفع شأن الدولة الغزنوية في فترة حكمه.

2- وفي عصرنا هذا رأيت الأستاذ المفسِّر الشيخ عيادة أيوب الكبيسي يقرؤها في نهاية كل خطبة، وهو يفسر القرآن الكريم في مسجد الشيخ المر في دبي منذ سنوات، ووصل إلى سورة النحل، وحضورُ الجمعة في مسجده، وسماع خطبته هو النعيم المقيم، حفظه الله تعالى وأمتع به[1].

[1] وممن كان يقرؤها أخي الكريم الشهيد الشيخ فيضي الفيضي رحمه الله تعالى، أحد الدعاة الموفَّقين في العراق، وقد سمعته في مساجد بغداد، والفلوجة والموصل، وهو متأثر في ذلك بشيخه الأستاذ الشيخ عيادة الكبيسي، وكتب لي الأستاذ الشيخ عيادة الكبيسي قائلًا: جزاك الله خيرًا، وكان شيخنا الشيخ عبدالستار ملا طه الكبيسي كذلك يقرؤها، ومنه أخذت ذلك، فاللهم توفَّني مسلمًا وألحِقْني بالصالحين.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/114814/#ixzz67NQWurQ0


دعوة يوسف عليه السلام د. عبدالسميع الأنيس



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: يوسف عليه السلام مع السجينين منصور صالح الجادعي    قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 2:39


يوسف عليه السلام مع السجينين
يوسف عليه السلام مع السجينين منصور صالح الجادعي
يوسف عليه السلام مع السجينين منصور صالح الجادعي


في سورة يوسف عليه السلام قصَّ الله علينا عجائب من خَبَره، وأحداثًا من نبئه، بأسلوب قصصي غاية في الحسن ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ [يوسف: 3]، قصةٌ تعد من أطول القصص الذي ذكرها الله في كتابه، لكنها شاملة لحياة نبيه يوسف عليه السلام، ومع طولها فهي تأخذ بلبِّ قارئها أو سامعها؛ لسلاسة عباراتها، ورونق معانيها، وجمال مقاصدها، وما تحتويه من معانٍ عظيمة، وحِكَم كثيرة، فتجعل القارئ أو السامع لها يُعايِش تلك الأحداث، فيجول بفكره معها، ويتأثَّر بما فيها من وقائع، وتأخذه تلك العواطف التي تحتويها تلك الآيات.

ومن أحداث هذه القصة العظيمة: قصة دخول يوسف عليه السلام السجن ظُلمًا وعدوانًا، وما ذكره الله عند دخوله من أنه دخل معه فتَيان، وهذا ما سنسلط عليه الضوء وينصبُّ عليه الكلام، وقبل البدء في ذلك نذكر ما ذكره الله عن هذه الحادثة، ثم نقف بعد ذلك مع تلك الآيات العظيمة نعبُّ من معينها، وننهل من موردها.

يقول المولى جل وعلا: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ [يوسف: 35 - 42].

بعد هذا البيان الواضح عن خبر هذين الشابين اللذين أُدخلا مع نبيِّ الله يوسف عليه السلام السجن، وما ذكره الله من حوار بينهم، نقف وقفات تأمُّل مع هذه القصة.

الوقفة الأولى: ذكر الله سبحانه وتعالى أن الفتيين دخلا مع يوسف ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾، ولم يُشِر إلى سبب دخولهما، أو لماذا دخلا، ولعل سبب ذلك - والله أعلم - أن القصَّة مَسوقة لذكر ما حدَث لنبيِّ الله يوسف عليه السلام؛ فالقصة قصته، وهذه أحداث جانبية حصلت ليوسف، فلا داعي للاستطراد في ذكر تفاصيلها.

وقد أشار المفسِّرون إلى سبب حبسهما، قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملِك، والآخر خبَّازُه، وقال السُّدي: وكان سبب حبس الملِك إياهما أنه توهَّم أنهما تمالأا على سَمِّه في طعامه وشرابه[1]، فدخولهما السجن إذًا كان بسبب تهمة لهما.

الوقفة الثانية: شرع كل واحد من الفتيين بعد دخول السجن يذكر رؤياه التي رآها على يوسف عليه السلام؛ ﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ [يوسف: 36]، فيا ترى ما سبب ذلك؟

الذي دعاهما إلى عرض رؤياهما على يوسف ما رأياه من الإحسان الذي كان عليه - عليه السلام - ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، قال ابن كثير: "وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة، وصدْق الحديث، وحُسْن السمت، وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه، ومعرفة التعبير، والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم"[2].


كما أن تلك الرؤى التي رأياها كانت غريبة، فيريدان لها تأويلاً.

الوقفة الثالثة: قبل دعوته عليه السلام لهما إلى الإيمان، أخبرهما بمعرفته بالمغيبات التي هي معجزة له من الله؛ حتى يطمئنَّا ويثقا بما سيقول لهما؛ ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ [يوسف: 37]، أيْ: لا يأتيكما شيء من الطعام إلا أخبرتكم ببيان حقيقته وماهيته وكيفيته قبل أن يصل إليكما[3]، وهذا فيه توطئة لما سيدعوهما إليه، من أمر التوحيد.

قال البيضاوي: "﴿ قالَ لاَ يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ ﴾؛ أيْ: بتأويل ما قصصتما عليَّ، أو بتأويل الطعام، يعني: بيان ماهيته وكيفيته؛ فإنه يشبه تفسير المشكل، كأنَّه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد، ويُرشدهما إلى الطريق القويم، قبل أن يسعفهما إلى ما سألاه منه، كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء في الهداية والإرشاد، فقدَّم ما يكون معجزة له من الإخبار بالغيب؛ ليدلهما على صِدْقه في الدعوة والتعبير"[4].

﴿ ذَلِكُمَا ﴾ أيْ: ذلك التأويل، ﴿ مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ بالإلهام والوحي، وليس من قبيل التكهُّن أو التنجيم[5].

الوقفة الرابعة: بعد هذه المقدِّمة التي قدَّمها يوسف عليه السلام للفتيين شرَع في دعوتها إلى الإيمان الذي به السعادة والنجاة والفوز والفلاح: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 37]، فنبَّه على أصلين عظيمين: الإيمان بالله، والإيمان بدار الجزاء؛ إذ هما أعظم أركان الإيمان، وكرَّر لفظة ﴿ هُمْ ﴾ على سبيل التأكيد[6].


ثم ذكر لهما ما يُقوِّي رغبتَهما في الاستماع إليه والوثوق بكلامه[7]، فقال: ﴿ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [يوسف: 38]؛ أي: اتَّبعتُ دين الأنبياء، لا دين أهل الشرك والضلال، ﴿ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [يوسف: 38]؛ أيْ: ذلك الإيمان والتوحيد من فضل الله علينا؛ حيث أكرمنا بالرسالة، وعلى الناس؛ حيث بعث الرسل لهدايتهم وإرشادهم، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضْلَ الله عليهم بإرسال الرسل إليهم[8].

فطرح قضيةَ التوحيد عليهما بكل وضوح، وذكر لهما الدلائلَ على هذه القضية قبل تأويل رؤياهما، وفعلَ ذلك لسببين؛ أولهما: هو استثمار التطلُّع النفسي للسجينين لِما سيكون عليه التأويل، والثاني: هو أنه استنبطَ من الرؤيا أن أحدَ السجينين سيُقتَل؛ فأراد يوسف عليه السلام بدعوته لهما إنقاذَهما - وخاصة المُشارِفَ على القتل منهما - من النارِ التي كان يوشك على الوقوع فيها.

وبعد أن ذكر عليه السلام لهما ما هو عليه من الدين الحنيف، تلطَّف في حسن الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفتيين من عبادة الأصنام، فقال: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 39، 40].

"فخاطَبهما خطابًا رقيقًا؛ فوصفهما بالصاحبين، ولكنه في الوقت ذاته فصَل نفسه عنهما؛ إذ لم يجمَعْه بهما إلا السجن، فلم يكتفِ بكلمة ﴿ يَا صَاحِبَيِ ﴾، بل أضاف إليهما ﴿ السِّجْنِ ﴾؛ لأن عقيدته وسلوكه وطبعَه كانت على خلاف ما كان عليه الآخرون، والصحبةُ مِن ثَمَّ كانت مكانيةً لا عقائدية، ومع أنه كان يوجِّهُ كلامَه إلى السجينين فإنه عدَلَ عن استعمال ضمير المثنَّى إلى استعمال الجمع في قوله: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ﴾؛ ليشمل الكلامُ صاحبَيِ الرؤيا على الخصوص، والسجناء الآخرين على العموم؛ لأنهم جميعًا كانوا على غير الجادَّة والصواب، وكانوا بحاجة إلى مَن يُرشدهم إلى الصراط القويم"[9].

قال الصابوني: "تدرَّج عليه السلام في دعوتهم وألزمهم الحجَّة بأن بيَّن لهم أوَّلاً رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة المتعدِّدة، ثم رهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها من دون الله لا تستحق الألوهية والعبادة، ثم نصَّ على ما هو الحق القويم والدين المستقيم، وهو عبادة الواحد الفرد الصمد، وذلك من الأسلوب الحكيم في الدعوة إلى الله؛ حيث قدَّم الهدايةَ والإرشاد، والنصيحة والموعظة، ثم شرَع في تفسير رؤياهما"[10].

الوقفة الخامسة: بعد أن انتهى من عرْض قضيَّة التوحيد، ووضَّحَها للفتيين ومن كان في السجن، عاد إلى الطلب الذي تقدَّم به الفتيان عندما دخلا السجن، وهو تأويل رؤياهما، فقال: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ [يوسف: 41].

قال ابن كثير: "﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾، وهو الذي رأى أنه يَعصر خمرًا، ولكنه لم يُعيِّنه؛ لئلا يحزن ذاك؛ ولهذا أبهمه في قوله: ﴿ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ﴾، وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يَحمل فوق رأسه خبزًا.

ثم أعلمهما أن هذا قد فُرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رِجْل طائرٍ ما لم تُعْبَر، فإذا عُبِرت وقعت"[11].

ثم قال يوسف عليه السلام ﴿ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا ﴾، وهو الذي رأى أنه يَعصر خمرًا: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾؛ أي: اذكر له شأني وقصَّتي؛ لعله يرقُّ لي، فيُخرجني مما أنا فيه، ﴿ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾؛ أيْ: فأنسى الشيطان ذلك الناجيَ ذِكرَ الله تعالى، وذِكر ما يقرب إليه، ومن جملة ذلك نسيانه ذكر يوسف الذي يستحق أن يجازى بأتم الإحسان؛ وذلك ليتم الله أمره وقضاءه، ﴿ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾، والبضع من الثلاث إلى التِّسع؛ ولهذا قيل: إنه لبِث سبع سنين، ولما أراد الله أن يُتمَّ أمره، ويأذن بإخراج يوسف من السجن، قدَّر لذلك سببًا لإخراج يوسف، وارتفاع شأنه، وإعلاء قدره، وهو رؤيا الملِك[12].


من هذه القصة نأخذ جملة من القضايا المهمة:

1- أن قضية الدعاة الأولى هي الدعوة إلى التوحيد، وتصحيح عقائد الناس، وإزالة ما علِق بها من الشركيَّات والشبهات، والبدع والخرافات، فيهتمُّون بها كثيرًا حتى تكون واضحة للناس، وضوح الشمس في رابعة النهار، وبذلك تقوم الحجة، وتبرأ الذمة.


2- على الدعاة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ونلحظ ذلك من خطاب يوسف عليه السلام مع السجينين.


3- أن الرؤيا شأنها عظيم؛ فلا تُقَصُّ على كل من هبَّ ودبَّ، بل يتخيَّر الصالحين ومن لهم علم ودراية بتأويل الرؤى، فيفسرونها.


4- العمل بالأسباب لا ينافي التوكُّل على الله، والمخلُّ هو الركون إلى الأسباب والاعتماد عليها كليًّا.


ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، ربنا علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، والحمد لله رب العالمين.

[1] تفسير ابن كثير (4/ 387).

[2] تفسير ابن كثير (4/ 387).

[3] انظر: روح المعاني (6/ 431).

[4] أنوار التنزيل وأسرار التأويل (3/ 163).

[5] أنوار التنزيل وأسرار التأويل (3/ 164).

[6] صفوة التفاسير (2/ 46).

[7] محاسن التأويل (6/ 176).

[8] انظر: تفسير ابن كثير (4/ 389)، وصفوة التفاسير (2/ 46).

[9] من مقال: تأملات في آيات من القرآن الكريم .. سورة يوسف، أ. د. عباس توفيق، شبكة الألوكة.

[10] صفوة التفاسير (2/ 47).

[11] تفسير ابن كثير (4/ 390).

[12] تفسير السعدي (ص: 398).


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/79464/#ixzz67NRiAwr1





‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: من كرم الله على عبده في سورة يوسف عليه السلام أحمد حسن محمد   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 2:46


من كرم الله على عبده في سورة يوسف عليه السلام أحمد حسن محمد
من كرم الله على عبده في سورة يوسف عليه السلام أحمد حسن محمد
من كرم الله على عبده في سورة يوسف عليه السلام أحمد حسن محمد


ضمن مقاربات قائمة على ترتيب معين له مقدماته الطويلة



يا للمفارقة السماو - أرضية العجيبة بين الآية 107، والآية 12 بالترتيب الذي حاوَلنا اتباعه بعد إحدى المقدِّمات الأولى المذكورة قبلاً، إن البشرَ يخططونُ لكلِّ مؤامراتهم ضد المؤمنين الطيبين، يخططون ويَصنعون ظروفًا محيطةً مناسبةً لقتل ذلك المؤمن أو تشريده، أو الانتقام منه أو تحقيق أيِّ إيلام له، خصوصًا أولئك المسؤولين في وظائفَ مهمة بالدولة، والتي من المفترض أن ينفعوا بها الشعبَ أو الرعية بشكل عمليٍّ، فلا تجدُ منهم إلا خُطبًا كل آخر شهرٍ، وكأنَّهم يَعملون وُعَّاظًا أو خطباءَ على منبرٍ ما، يكرِّرون معانيَ في الدين ربما لم يجرِّبوها من قبل، يتحدثون عن الصلاة والخشوع فيها وهم لم يخشَعوا من قبل، أو كأنهم شعراءُ يُلقون قصيدةً لا تهمهم وقتَها إلا تصفيقاتُ الجمهور؛ حتى يشعروا بثقة في أنفسهم؛ فإن صفَّقوا أدمَن الشاعر جرعات التصفيق، وظَنَّ أنه ارتقى من منزلة العبد إلى منزلة الربِّ، وصارَ إلهًا؛ فإن التقاه أحدُ جمهوره مرةً قابله بتكبُّر وترفُّعٍ، وكأنه لم يُشاركْ بتصفيقه في صنع إله عجوة الحبر المزيف داخل ذلك الشاعر المنفوخ في ورقةٍ!



هكذا يصبح المسؤولون العمَليون مسؤولي شِعارات يَبيعون الوهم، ويحترفون تقديم الكلام المزخرَف، أو زراعة مخدرات المعاني التي تدوِّخ ذائقة الشعب الطيِّب المسالم، وهكذا فعَل إخوةُ يوسف في الآية الثانيةَ عشرة، حين قدَّموا لأخيهم الصغير وجبةَ إغراء كاملة دسَمِ المتعة، ذلك الطفل الصغير الذي تُناسبه قطعة شوكولا بغلاف مزركَش؛ لكي يأتيك فتخطَفه، وتناسبه إغراءةٌ برحلة من اللعب والانطلاق بين المراعي، ولا ينسى الموظَّفُ المخادعُ أن يؤكد جدِّيته في العمل من أجل ذلك الشعب الكادح، كما لا ينسى إخوةُ يوسف تأكيد قوة إحساسهم بالمسؤولية تجاه أخيهم الصغير، وأنهم سيحفظونهُ بالتأكيد: ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [يوسف: 12].



كل ذلك رائع أيها المسؤول الكبير الذي لا يَعرف مكتبَه إلا وقتَ قبضِ الراتب نصفِ الشهري، رائع أيها الخطيب البارع الذي يقول دومًا ما لم يُجرِّبْه (ولو مرةً واحدة ربَّما)، رائع أيها الشاعر المدمن لتصفيقات الناس وتضييع نفسِكَ في زحمة صُوَرك الشعرية عن ألوهيَّتكَ المرسومة على ورقةٍ قابلة للطيران مع أول نفخة طفلٍ صغيرٍ!



اللهُ سيَترُككم كلَّكمْ - طوال سورة يوسف الطيب - تأخذون يوسف، وتُخادعون النبيَّ، وتشرِّدون ابنه، ويوهمكم أنَّ دموعكم صدَّقها الناسُ وإن لم يصدِّقوها، فصَمْتُهم ردُّ فعلٍ بشري طيب من زاويةٍ ما، استمتعوا بحِضن الأب إن استطعتُم، استمتع أيها الخطيب بمكانةٍ دينية إن استطعتَ في قريتِكَ، استمتع أيها الإعلامي براتب كبيرٍ، وشُهرة واسعة، استمتع أيها الشاعر بتصفيقات الجمهورِ واستثمار الأساطير اليونانيَّة في لذة اختراقِكَ لكل مقدَّس إسلامي، استمتعوا جميعًا بكل هذه الظروف المحيطة التي اخترعتموها بالكلام والمؤامرات والإيهام وزينة الدنيا، ولكن حين تَقرؤون سورة يوسف، وتعيشون حال إخوته وترون صفاتهم فيكم، توقفوا قليلاً عند الآية: ﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف: 107]؟!



فمهما كانت قدرتُكم على صناعة الظروف المحيطة بالطرَف الطيِّب الآخَر، فهناك مستوياتُ طاقة أخرى حولَكمْ في الكون، لو سلطَ الله عليكم أحدَ عناصرها الحقيقية لا الوهمية (كوهميَّاتهم)، لو سمَح لغاشية من عذابه باختراق مستوى طاقتها إلى مستوى طاقة الأرض التي تُتعبون أنفسكم بترتيبات ظروفها الحقيرة، أو إنْ أمر الله تعالى بانتقالكم أنتم من مستوى طاقةِ الأرض التي تستطيع أجسادُكم البشريةُ الحركةَ فيها بقوانين الأرض، فانتقلتُمْ - بأمرهِ - إلى مستوى طاقة آخر، يصبح الجسدُ فيه خرقَةً من لحمٍ مجمَّدٍ، ولا تستطيع شهواتُ دمِكم المرور وقتَها عبر العروق الميتة، ولا تستطيع مَفاصلكم أن تتلوَّى في سكة إيلامكم للآخرين، ولا تستطيع أيديكم أن تمتدَّ لتقبضَ راتب كل يوم، أو أرجلكم لتقِفوا على منبر خَدَّاع، أو آذانكم لتسمعوا تصفيق جمهور الأمسية، أو عيونكم لترى أثر خطبة سياسية مدمرة في شعبٍ لا يسمع منكم إلا بريق الوعود، ولا يُسمعكم إلا خوفَهُ، أصبح الجسدُ الآن داخل مستوى طاقة آخر لا يستطيع الأكْلَ فيه، فقد أصبح الآن هو الطبخَةَ النِّيئة التي ستُقَدَّمُ لسكَّان البيت الجديد (الدُّود - العلق)؛ آهِ! ألم تقرأ: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ [العلق: 2]؟! كان خلقُكَ من علقٍ - دم - في البداية، وبعد أن تموت يأكلُك العلَقُ؛ ليُعادَ خلقُكَ مرة أخرى للبعث من ذلك العلق الذي أكلَكَ، واحتفظَت أجسادهُ ببصمة جسدِكَ، وماتَ بعدَكَ إلى حين بعثِكَ...



مستوى طاقة آخر يا صديقي الوهميَّ، لا تستطيع فيه المشيَ من كرسيٍّ إلى كرسيٍّ بجسدكَ الذي سيُصبحُ ملعبًا كبيرًا للدود يمشي فيه ويجري فيه! تُرى هل ستَعُدُّ أهدافَ اللاعبين في ذلك الوقت؟



لا، لن تستطيع عدَّ أهداف اللاعبين في ملعب جسدِكَ؛ فأصابعكُ ستتوقف عن كلِّ حركةٍ، حتى حركات عدِّ النقود التي قبضتَها في وظيفتك المخادعة، ولسانُكَ سيكون قد بلعَتْه الدودةُ، وعيناكَ و و و...



اضحَكْ إذًا على الطيبين في أول السورة، فأنت لن تستطيع أن تحدِّد لهم مستقبَلهم أبدًا، سيمشون في الطريق الوحيد الذي رسَمه لهم الله، ولكنَّكَ تبرَّعْتَ - بقلبك الأسود - كي تكون السبب الأسوَدَ في وضعهم على ذلك الطريق، تحمَّلْ سوادَكَ، والله يُحسنُ لعباده الطيبين، إن جرحتَهم فهو طبيبُ محبِّيه، وإن قتلتهم فقد قطعتَ تذكرة دخولهم إلى حضرة الجميل الذي لا يتركهم لسبب أسودِ القلب مثلك!



اضحك في أول السورة، وانتظر في آخر سورةِ حياتك أن تَقرأ بإحكامٍ تلاوة إجبارية قوله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف: 107].



نعم، إجباريةٌ؛ لأن الخيارات الأخرى نفدَتْ يا صديقي!

أنت لستَ ابنَ نبيٍّ كي يعدَك باستغفاره لك، وليس أخوكَ الطيبُ نبيًّا كامل البياض؛ كي يسامحَكَ على أفعالكَ السوداء، حتى إن يعقوب قال لأولاده: ﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يوسف: 98]؛ (سأستغفر) ولم يقل: سيَغفر الله لكم...



أتَذكرون قول الله على لسان إبراهيم لأبيه آزر: ﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ [مريم: 47]؟

ثمَّ ماذا حين استغفر إبراهيمُ لأبيه؟

﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 114]!



و﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾[التوبة: 80]!

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/83791/#ixzz67NTcdSC9



رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/83791/#ixzz67NT9BpZY












‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: يوسف عليه السلام.. النبي القائد عبدالستار المرسومي   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 2:51


يوسف عليه السلام.. النبي القائد عبدالستار المرسومي
يوسف عليه السلام.. النبي القائد عبدالستار المرسومي
يوسف عليه السلام.. النبي القائد عبدالستار المرسومي



يوسف عليه السلام النبي القائد


قصة النبيِّ يوسف عليه السلام ذائعة أنباؤها، معروفة حوادثُها، شائع صيتها، جميل سردُها، لا تكاد تَخفى على عالم ولا جاهل، ولا صغير ولا كبير، ولن نتناوَلها هنا كلها؛ وإنما سنتناول الجزء الذي اعتنى به بحثُنا، وهو فترة القيادة التي عاشها النبي يوسف عليه السلام، فنقرأ فيها صفات النبي يوسف عليه السلام القياديَّة الإيجابيَّة التي ذكَرَها القرآن، والتي أهَّلتْه لأن يكون قائدًا ناجِحًا، بل وأصبح مثالاً يُحتذى به في القيادة، فنَجِد فيها:

1- اشتراطات للقيادة: فالقائد الناجح له الحق في أن يشترط لنفسه بعض الاشتراطات التي يُعتَقد أنها تُعينه في مهمَّته، وذلك قبل اضطلاعه في مهمَّة القيادة، أو أنه يطلب بعض الصلاحيات التي تؤهله للنجاح في مهمته، فكان من أمر النبي يوسف عليه السلام أنه:

أ- طلب عليه السلام من المَلِك إيضاح التُّهمة الباطلة التي أُلصقَت به في الماضي؛ قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 50]، وكما هو معلوم فقد أُعلنت براءة يوسف عليه السلام على المَلأ علنًا، من أجل أن يَبدأ مع الناس بداية لا شكوك فيها ولا طعن.



ب- عيَّن نبي الله يوسف عليه السلام المهمَّة التي يمكنه أن يُبدع فيها، والتي يَمتلك أدواتها؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 55].



2- أن يَبلغ أشدَّه: فإن الله - جلَّ جلاله - لم يجعل يوسف عليه السلام يَسوس الناس حتى بلغ أشدَّه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 22]، وبلوغ الأَشُد لا علاقه له بالسنِّ، فقد جاء في "تاج العروس، من جواهر القاموس"؛ للزبيدي: "الأَشُدُّ مَبْلَغُ الرَّجُلِ الحُنْكَةَ والمَعرِفةَ؛ قال الله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ [الأحقاف: 15]، وقال الأَزهريُّ: الأَشُدُّ في كتابِ الله تعالى على ثلاثةِ معانٍ يَقرب اختلافُهَا:

• فأَمَّا قوله في قصَّة يوسُفَ عليه السَّلام: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾، فمعناه: الإِدراكُ والبُلُوغُ، وحينئذٍ راودَتْه امرأَةُ العزيزِ عن نفْسه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ [الأنعام: 152] بفتْح فضَمٍّ، (ويُضَمُّ أَوَّلُهُ) وهي قليلةٌ، حكَاها السِّيرافيُّ، قال الزَّجَّاج: معناه: احفَظُوا عليه مالَهُ حتَّى يَبلُغَ أَشُدَّه، فإِذا بلَغَ أَشُدَّه فادْفَعوا إِليه مالَه، قال: وبُلوغُه أَشُدَّه: أَن يُؤْنَسَ منه الرُّشْدُ مع أَن يكون بالِغًا، قال: وقال بعضُهم: ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ حتَّى يَبلُغ ثَمانِيَ عَشرةَ سَنةً، قال أَبو إِسحاقَ: لسْتُ أَعرِف ما وَجْهُ ذلك؛ لأَنه إِن أَدْرَكَ قبلَ ثمانِيَ عَشْرةَ سَنةً وقد أُونِس منه الرُّشْدُ فطلَبَ دَفْعَ مالِه إِليه، وجب له ذلك.


• وأَما قولُه تعالى في قصَّة موسى عليه السلام: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ﴾ [القصص: 14]، فإِنَّه قَرَنَ بُلُوغَ الأَشُدِّ بالاستواءِ، وهو أَن يَجتمع أَمرُه وقُوَّتُه، ويكتَهِل وَيَنْتَهِيَ شَبَابُه.


• وأَما قولُه تعالى في سورة الأَحقاف: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ [الأحقاف: 15]، فهو أَقصَى نِهَايَةِ بُلُوغِ الأَشُدِّ، وعند تمامها بُعِثَ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم نَبِيًّا، وقد اجتمعَت حُنْكَتُه وتَمام عَقْلِه"[1].


3- العلم: فإن النبي يوسف عليه السلام - كغيره من القادة الربانيين - أوتي علمًا من الله - جل جلاله - قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 22].


4- التمكين: والتمكين فرصة كبيرة للقائد لإثبات جدارته؛ لأنه يجد فيه الأدوات والصلاحيات اللازمة لذلك، والتمكين لا يكون إلا بعد ابتلاء شديد، وهذا ما حصل مع النبي يوسف عليه السلام، "وقيل للشافعي يومًا: أيما أفضل: الصبر أو المِحنة أو التمكين؟ فقال الشافعي - رحمه الله -: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المِحنة، فإذا امتُحن صبَرَ، وإذا صبر مُكِّن، ألا ترى أنَّ الله - عز وجل - امتَحَن إبراهيم عليه السلام ثم مكَّنه، وامتحَن موسى عليه السلام ثمَّ مكَّنه، وامتَحَن أيوب عليه السلام ثم مكَّنه، وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكَّنه وآتاه ملكًا؟ والتمكين أفضل الدرجات؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ [يوسف: 56]"[2]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ [يوسف: 54]، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 56].



4- الاعتراف بالفضل لأهله: فيوسف عليه السلام يعلم أنَّ كل ما أوتي من مواصفاتٍ أهَّلته للنجاح والتميُّز في القيادة وفي غيرها، هي من عند الله - جل جلاله - قال تعالى: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101]، ولما راودتْه المرأة عن نفسه كان أحد الأسباب التي منعتْه مِن الفاحشة بعد خوفه مِن الله - جلَّ جلاله - هو أن ربَّه أحسن مثواه، فهو يعترف بالفضل لأهله؛ قال تعالى: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: 23]، قال ابن كثير - رحمه الله -: "وكانوا يطلقون الربَّ على السيد الكبير؛ أي: إنَّ بعلك ربي أحسن مثواي - أي: مَنزلي - وأحسن إليَّ، فلا أقابله بالفاحشة في أهله"[3].



5- بعيدٌ عن السوء والفحشاء: إن القائد الإيجابي يكون - في العادة - مُنشغلاً بهموم قضيته، وبهموم ناسه الذين يَنبغي أن يبذل ما يستطيع لمباشرة خدمتهم وتلبية احتياجاتهم، فهو في غنى عن السوء والفحشاء، فضلاً عن أن السوء والفحشاء من المحرَّمات التي لا يَنبغي له الخوض فيها؛ قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 24]، فقد يقبل القائد الناجح بأن يعذَّب أو يقبع في السجن على أن يُمارس الفاحشة، وكذلك فعل نبي الله يوسف عليه السلام؛ قال تعالى: ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ [يوسف: 32]، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ [يوسف: 33].



والسوء هو القُبح، أو هو ضد المَسرَّة، ويأتي مِن عمل القبيح مِن القول أو الفعل، وأما الفحشاء، فقد جاء في المصباح المنير للمقري الفيومي: ("فَاحِشٌ" وكلُّ شيء جاوز الحدَّ فهو "فَاحِشٌ"، ومنه لبن "فَاحِشٌ" إذا جاوزت الزيادة ما يُعتاد مثله، و"أَفْحَشَ" الرجل أتى "بِالفُحْشِ")، وجرى استخدام الفاحشة تعبيرًا عن الزِّنا، فأراد الله - جل جلاله - أن يبعد عن نبيه يوسف عليه السلام كلَّ شيء فيه سوء من القول والفعل ولو كان قليلاً، وكذلك يبعد عنه أن يتعدى حد السوء وصولاً إلى الزنا.


لقد كان هناك العديد من المبرِّرات التي تدعو يوسف عليه السلام أن يقع في الفحشاء، أو حتى في السوء على الأقل، ولكنه رغم كل ذلك لم يقع في الفاحشة، ولم يقترب من مقدماتها، قال ابن قيِّم الجوزية - رحمه الله -: "وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف عليه السلام بصبره وعفَّتِه وتَقواه، مع أن الذي ابتُلي به أمر لا يَصبر عليه إلا مَن صبَّره الله عليه، فإن موافَقة الفعل بحسب قوة الداعي، وزوال المانع، وكان الداعي ها هنا في غاية القوة؛ وذلك لوجوه:

أحدها: ما ركَّب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله الى المرأة، كما يَميل العطْشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إنَّ كثيرًا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء، وهذا لا يُذمُّ إذا صادف حلالاً، بل يُحمَد، كما في كتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصغار عن ثابت البناني عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((حُبِّبَ إليَّ من دنياكم: الطيب والنساء، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهنَّ)).


الثاني: أنَّ يوسف عليه السلام كان شابًّا، وشهوة الشباب وحدَّته أقوى.


الثالث: أنه كان عزبًا لا زوجةَ له ولا سريَّة تَكسِر شدَّة الشهوة.


الرابع: أنه كان في بلاد غُربة يتأتَّى للغريب فيها مِن قضاء الوطر ما لا يتأتَّى لغيره في وطنه وأهله ومعارفه.


الخامس: أنَّ المرأة كانت ذات منصب وجمال؛ بحيث إنَّ كل واحد مِن هذَين الأمرين يدعو إلى موافقتِها.


السادس: أنها غير آبية، ولا ممتنعة، فإن كثيرًا من الناس يُزيل رغبتَه في المرأة إباؤها وامتناعها؛ لما يجد في نفسه من ذلِّ الخُضوع والسؤال لها، وكثير من الناس يَزيده الإباء والامتِناع زيادة حبٍّ؛ كما قال الشاعر:
وزادني كلفًا في الحُبِّ أنْ منعتْ
أحبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنعَا


فطِباع الناس مُختلفة في ذلك، فمنهم مَن يتَضاعف حبُّه عند بذْل المرأة ورغبتها، وتضمحلُّ عند إبائها وامتِناعها، وأخبَرَني بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحلُّ عند امتِناع زوجته أو سريته وإبائها؛ بحيث لا يُعاودها، ومنهم مَن يتَضاعف حبه وإرادته بالمنع، ويشتدُّ شوقه، وتَحصل له من اللذَّة بالظفر نظير ما يَحصل من لذَّة بالظفر بالصيد بعد امتِناعه ونفاره، واللذَّة بإدراك المسألة بعد استِصعابها وشدة الحرص على إدراكها.


السابع: أنها طلبَت وأرادت وبذلَت الجهد، فكفَتْه مؤنة الطلب وذلَّ الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه.


الثامن: أنه في دارِها، وتحت سلطانها وقهرِها؛ بحيث يَخشى إن لم يُطاوعها مِن أذاها له، فاجتمَع داعي الرغبة والرهبة.


التاسع: أنه لا يخشى أن تنمي عليه هي ولا أحد من جهتها، فإنها هي الطالبة والراغبة، وقد غلَّقت الأبواب، وغيَّبت الرقباء.


العاشر: أنه كان مملوكًا لها في الدار؛ بحيث يدخل ويَخرج ويَحضُر معها ولا يُنكَر عليه، وكان الأمن سابقًا على الطلَب، وهو مِن أقوى الدواعي، كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب: ما حملَكِ على الزنا؟ قالتْ: قربُ الوساد، وطول السِّواد؛ تعني: قرب وساد الرجل من وسادتي، وطول السِّواد (المُسارَّة) بيننا.


الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمَّة المكر والاحتيال، فأرتْه إياهنَّ، وشكَتْ حالَها إليهنَّ؛ لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهنَّ، فقال: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33].


الثاني عشر: أنها تواعدته بالسجن والصَّغار، وهذا نوع إكراه؛ إذ هو تهديد ممن يغلب على الظن وقوعُ ما هدَّد به، فيَجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضِيق السجن والصَّغار.


الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر منه مِن الغيرة والنَّخوة ما يفرِّق به بينهما، ويبعد كلاًّ منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما خاطَبَهما به أن قال ليوسف: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾، وللمرأة: ﴿ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾، وشدَّة الغيرة للرجل مِن أقوى المَوانع، وهذا لم يظهَر منه غيرة.


ومع هذه الدَّواعي كلها، فآثَر عليه السلام مرضاة الله وخوفه، وحمَلَه حبُّه لله على أن اختار السجن على الزِّنا، فقال: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ [يوسف: 33]، وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يَعصمْه ويَصرف عنه كيدهنَّ، صَبا إليهنَّ بطبعه وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه، وفي هذه القصة مِن العِبَر والفوائد والحِكَم ما يزيد على ألف فائدة"[4].


6- العدل: فإنَّ صفة العدل هي التي تبعَث روح الولاء لدى أتباع القائد، فيَنشطون مِن أجل البناء والتنمية انطلاقًا من العدل الذي يبعث فيهم الطمأنينة، فبالرغم من أن نبي الله يوسف عليه السلام قد استخدم حيلة مستحسنة من أجل أن يأخذ أخاه عنده، إلا أنَّ ذلك لم يمنع من أنه يعدل في الحكم، فحين طلب إخوة يوسف عليه السلام أن يأخذ أحدهم مكانه، رفض؛ لأنَّ ذلك ليس عدلاً؛ قال تعالى: ﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ﴾ [يوسف: 78، 79].



وعدْل القائد يكون سببًا في دوام الملك، "وقد ضمنَ الله النصر لمن نصَر الله ورسوله بالغيب، وهو القيام بالعدل؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾ الآية [الحج: 40]، ثم إنه تعالى أوضح شرائط لنَصرِ المُلوك، وشرَط عليهم شرائط - كما ترى - فما تضعضعَت قواعدهم، أو ظهر عليهم عدو، أو اضطربت عليهم الأمور إلا لإخلالهم بالشرائط المأخوذة عليهم أو بعضها، وصلاحُهم وفلاحُهم بإقامة الميزان بالقسْط الذي شرعه الله تَعالى لعباده، وركوب سبيل الحقِّ والعدل الذي قامت به السموات والأرض، ونصْر المظلوم، والأخْذ على يد الظالم"[5].



7- العفو عند المَقدِرة: القائد الإيجابي عندما يتحلى بصفة العفو، فإنه يمارس دوره الطبيعي في مهمَّته، والتي هي في الأساس أنه يقوم بإنقاذ الناس من الظُّلم والحيف، وخاصة مع الأقربين، وهكذا فعَلَ يوسف عليه السلام مع إخوته؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92].



8- برُّ الوالدَين: وهنا أمرٌ مُسلَّم به، فالقائد الإيجابي يبرُّ الناس ويُحسِن إليهم، فمِن الأَولى أنه يبر أحق الناس ببرِّه وعنايته - وهما والداه - قال تعالى: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [يوسف: 100]، لقد أجلس يوسف عليه السلام والدَيه على كرسي الحكم؛ تكريمًا لهما، وتعظيمًا لقَدرهما، وتأتي أهمية برِّ الوالدَين للناس من أمر الله - جلَّ جلاله - بذلك في قوله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24]، وقوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36]، فالله - جلَّ جلاله - يَقرن برَّ الوالدَين بعبادته، وما ذلك إلا لأهمية بر الوالدين، فلما كان القائد الإيجابي أسوة حسنة للناس، فعليه أن يُباشِره قبل غيره.



7- الإحسان: فقد وصف القرآن العظيم نبيَّ الله يوسف عليه السلام أنه مِن المُحسِنين من جهة القيادة، وقد ورَد ذكر صفة الإحسان ليوسف عليه السلام في سورة يوسف في أربعة مواضع، وما ذلك إلا تأكيدًا لها:

الموضع الأول في قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 22].



الموضع الثاني: قال تعالى: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 36]، والذي يضعه الله - جلَّ جلاله - في مرتبة الإحسان، فإنَّ الناس تراه محسنًا كذلك.



الموضع الثالث في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 56]، فمِن نتائج دوام الإحسان التمكينُ في الأرض.



الموضع الرابع في قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 78]، وهو متعلِّق بنفس المعنى في الموضع الثاني.



والإحسان مرتبة متقدِّمة مِن الإيمان، وعندها يعبد العبد ربه وكأنَّه يراه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عليه السلام: ما الإحسان؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))[6]، هذا في جانب العبادة.



أما في جانب التعامل مع ما يُحيط بالإنسان، فإنَّ الإحسان هو إتقان العمل على أتمِّ وجْه وأحسنِه؛ فعن شداد بن أوس رضي الله عنه، قال: ثِنتان حفظتُهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إنَّ الله كتَب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتُم فأَحسِنوا الذَّبح، وليحدَّ أحدكم شفرته، فليُرحْ ذبيحته))[7].



قال السعدي: "والإحْسَان إلى الخَلْق: هو بذل جميع المنافع مِن أيِّ نوعٍ كان، لأيِّ مخلوق يكون، ولكنَّه يتَفاوت بتفاوت المُحْسَن إليهم، وحقِّهم ومقامهم، وبحسب الإحْسَان، وعظم موقعه، وعظيم نفعِه، وبحسب إيمان المُحْسِن وإخلاصه، والسَّبب الدَّاعي له إلى ذلك"[8].



قال الجرجاني في التعريفات: "الإحسان هو التحقُّق بالعبودية على مُشاهَدة حضرة الربوبية بنور البصيرة؛ أي: رؤية الحق موصوفًا بصفاته بعين صفته، فهو يراه يَقينًا ولا يراه حقيقة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((كأنَّك تراه))؛ لأنه يراه مِن وراء حجُبِ صفاته، فلا يرى الحقيقة بالحقيقة؛ لأنه - جلَّ جلاله - دون مقام المُشاهَدة في مقام الروح، ولغةً: فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير، وفي الشريعة أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"[9].


يقول عبدالله الهروي في "منازل السائرين": "إنَّ الإحسان اسم جامع نبويٌّ يَجمع أبواب الحقائق، وهو أن تعبد الله كأنَّكَ تراه، وهو على ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: الإحسان في القصد بتهذيبه علمًا، وإبرامه عزمًا، وتصفيته حالاً.


والدرجة الثانية: الإحسان في الأحوال، وهو أن تُراعيها غيرةً، وتسترها تظرفًا، وتُصحِّحها تحقيقًا.


والدرجة الثالثة: الإحسان في الوقت، وهو ألا تزايل المُشاهَدة أبدًا، ولا تلحظ لهمَّتك أمدًا، وتجعل هجرتك إلى الحق سرمدًا"[10].


قال ابن قيِّم الجوزيَّة - رحمه الله -: "فإنَّ الإحْسَان: يفرح القلب، ويشرح الصَّدر، ويجلب النِّعم، ويدفع النِّقم، وتركه يُوجِب الضَّيم والضِّيق، ويَمنع وصول النِّعم إليه، فالجبْن: ترك الإحْسَان بالبدن، والبُخل: ترْك الإحْسَان بالمال"[11].



فالإحسان في العبادة التي يقوم بها القائد الإيجابي يحقِّق:

• حسن العبادة لله - جلَّ جلاله - وهو مأمور بذلك.


• ضمان معيَّة الله - جلَّ جلاله - ففي الإحسان في العبادة والمُداوَمة عليها، يَحصل القائد على معية الله - جلَّ جلاله - فعندئذٍ يَسمع القائد بإذن الله ومعيته، ويُبصر بإذن الله - جلَّ جلاله - ومعيتِه، يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث القدُسي فيما يَرويه عن ربه - جلَّ جلاله - : ((وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته، كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصِر به، ويده التي يَبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإنْ سأَلني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله تردِّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته))[12].


• سموُّ الجانب الروحيِّ عند القائد؛ لأنَّ الجزء الروحي من الإنسان يرتقي بالعبادات، والخُضوع والتذلُّل لربِّ العالَمين.


• وأما الإحسان للناس مِن جهة القائد، فيُحقِّق:

أ- إفشاء المحبَّة بينه وبين الناس؛ لأن القلوب مجبولة على حب مَن يُحسِن إليها، ومَن له يدٌ عليها، وبذلك تتوطَّد العلاقة بين القائد وبينهم، وهي قضية مُهمَّة لرفع درجة الولاء، قال الفتح البستي:
أحسنْ إلى الناسِ تَستعبدْ قلوبَهُمُ
فطالَما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
وإنْ أساءَ مُسيءٌ فليكنْ لكَ في
عُروضِ زَلَّتهِ صفحٌ وغُفرانُ


ب- تَنطفئ جذوة الحسد والحقد بين أعضاء المجتمع؛ لأنهم سيقلِّدون القائد في الإحسان، فيحب بعضهم بعضًا ويَفشو الودُّ، وهذا جزء من وظيفة القائد.

[1] تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي (8 / 242 - 243).

[2] إحياء علوم الدين؛ للغزالي، باب: العلم الذي هو فرض كفاية (1 / 26).

[3] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير الدمشقي (2 / 576).

[4] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ابن قيم الجوزية، (ص: 148 - 149).

[5] حسن السلوك الحافظ دولة الملوك، محمد بن عبدالكريم الموصلي الشافعي (ص: 62).

[6] صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان.

[7] صحيح مسلم - كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان - باب: الأمر بإحسان الذبح والقتل.

[8] بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، عبدالرحمن السعدي (ص: 206).

[9] التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني (ص: 27).

[10] منازل السائرين، عبدالله الأنصاري الهروي (1 / 75 - 76).

[11] طريق الهجرتين ودار السعادتين، ابن قيم الجوزية (ص: 419).

[12] صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب: التواضُع.


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/85537/#ixzz67NV6KyZN







يوسف عليه السلام.. النبي القائد عبدالستار المرسومي



‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: دروس وعبر من قصة يوسف عليه السلام أ. د. عبدالله بن محمد الطيار   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 2:58


دروس وعبر من قصة يوسف عليه السلام أ. د. عبدالله بن محمد الطيار
دروس وعبر من قصة يوسف عليه السلام أ. د. عبدالله بن محمد الطيار
دروس وعبر من قصة يوسف عليه السلام أ. د. عبدالله بن محمد الطيار

دروس وعبر من قصة يوسف عليه السلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه،فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد فاتقوا الله عباد الله:

فالتقوى خير زاد للقاء الله.

عباد الله:

لقد ذكرنا في الجمعة الماضية قصة يُوسفَ - عليه السلام - وعرفنا أنها من أعجبِ القصص، وقد ذكرها الله جميعاً متصلة، وأفردها بسورةٍ مطولةٍ مفصلةٍ تفصيلاً واضحاً، ساقَ فيها سبحانه وتعالى حَالةَ يُوسفَ من ابتداءِ أمرهِ إلى آخرهِ، وما بين ذلكَ من التنقلاتِ واختلافِ الأحوالِ وقال فيها: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴾ [يوسف: 7]، وقد اشتملت هذه القصة على جملة من الفوائد والعظات نذكر طرفاً منها، فنقول:

1- أن هذهِ القصة من أحسنِ القصصِ وأوضحها لما فيها من أنواع التنقلات من حالٍ إلى حال، ومن محنةٍ إلى محنة، ومن محنةٍ إلى منّحة ومنَّة، ومن ذلٍ إلى عزٍ، ومن أمنٍ إلى خوفٍ، ومن مُلكٍ إلى رقٍ، ومن فُرَّقةٍ وشتاتٍ إلى اجتماعٍ وانضمامٍ، ومن سُرورٍ إلى حُزنٍ، ومن رَخاءٍ إلى جدبٍ، ومن ضِيقٍ إلى سَعه.

2- ما فيها من أصولِ تعبيرِ الرؤيا المناسبةِ، وأن عِلمَ التَّعبير عِلمٌ مُهمٌ يَهبه اللهُ لمن شَاءَ من عِبادهِ، وهُو دَاخلٌ في الفَتوى، فينبغي لمن لا يُحسنُ الخَوضَ في بَحرهِ ألا يلجَ فيهِ لئلا يَنْدمَ على ذلك.

3- حَيثُ قصَّ الله ما فيها من الأدلة والبراهين على نبوة نبينا محمد عليه هذهِ القصة الكاملة الواقعة وهو لم يقرأ كُتبُ الأولين، بَلْ هُو أُميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وصدق الله: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ [يوسف: 102].

4 - ينبغي للعبدِ البعدُ عن أسبابِ الشرِّ وكِتمان ما يخشى مضرته، وقد وجه يعقوبُ فلذة كبدهِ بذلك قَائلا:ً ﴿ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ﴾ [يوسف: 5].

5 - النعمُ الكبيرةُ الدينية و الدنيوية لابد أن يتقدمها أسبابٌ ووسائلٌ إليها لأن الله حكيمٌ ولَهُ سُننٌ لا تتبدلْ ولا تتغير، قَضى سُبحانَه بأنَّ المطالبَ العاليةَ لا تُنالُ إلا بالأسبابِ النافعةِ خُصوصاً العُلوم النافعة وما يتفرع عنها ولهذا قال: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ [يوسف: 6].

6- العدلُ مطلوبٌ في جميعِ الأمور الصغار والكبار ومن ذلكَ مُعاملةَ الوالدينِ للأولادِ فلابدَ من التَّسوية بينهم، وعدم إيثار بعضهم على بعض، ومتى حصل ذلك اختلَّ نظامُ الأسرة ووقع ما يكدر الصفو ويعكر طعم الحياة، وهذا ما حصل ليعقوب - عليه السلام -.

7- الحذرَ من شُؤْم الذُنوب فكم من ذنبٍ واحدٍ اسْتَتَّبع ذُنُوباً كثيرة، وهذه حالُ إخوة يوسف - عليه السلام - لما أرادوا التفريقَ بينهُ وبين أبيهِ، وهذا ذنبٌ عظيمٌ ترتبَ عليهِ ذُنوبٌ كثيرةٌ من الكذبِ ورمي يوسف، وهكذا الطاعةُ تتبعها في الغالبِ الطاعة، وهذا دليلٌ على بركةِ الطاعةِ وشُؤمُ المعصيةِ.

8- العبرةُ بالنهايةِ لا بالبداية، وهكذا كانَّ أمر إخوة يوسف تَابُوا واسْتغفروا وسَمحَ لهم يعقوب ويوسف وإذا سمح العبدُ فاللهُ أولى بذلكَ وهو خير الراحمين.

9- أنَّ بعضَ الشرِّ أهونُ من بعضٍ، فرمي يوسف في البئرِ أهونُ من قَتلهِ، ولهذا أَخذَ الإخوةُ بهذا الرأي وكان من تدبير الله ليتحققَ ليوسف ما كتب الله له.

10- الحذرُ من الخُلوةِ بالنساءِ الأجنبياتِ وخُصوصاً اللاتي يُخشى منهنَّ الفتنة، وقد جرى ما جرى ليوسف بسببِ الخلوة لكنَّ الله عصمه، فليخشى أولئكَ الذين يتعرضون للخلوة بالنساءِ في أماكنِ التطبيبِ والتمريضِ، وفي البيوت خُصوصاً مع الخادماتِ والمربياتِ فذلكَ بابُ شرٍّ عظيمٍ.

11- الهمُّ بالسوءِ الذي يعرض للإنسانِ إمَّا أن يجدَ ما يدافعه من نوازع الخير فهنا يتقزم هذا الهمُّ ويتضاءل ويزول، وإمَّا ألا يجدَ ما يُقاومهُ فينمو ويكبر ويتحقق، وهكذا حال يوسف - عليه السلام - رأى البرهانَ من ربه فطرد همه وامرأة العزيز لم يوجد عندها من نوازعِ الخيرِ ما يُقاومُ همَّها فاستمرت وطالبت بأن يتحقق واقعا.

12- إذا ابتُلي العبدُ بمواطنِ الريبةِ وأماكن الفتنة فينبغي له أن يهرب لئلا تُدركه أسبابَ المعصيةِ فيقع ثمَّ يندم، وكان هذا حالُ يوسف - عليه السلام - فرَّ هارباً وهي تُمسك بثوبهِ من خلفهِ.

13- أخذَ العلماءُ من قصةِ يوسف - عليه السلام - أن القرينةَ يُعمل بها عند الاشتباه في الدعاوى إذا كانت شهادةُ الشاهدِ على القرينة: ﴿ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ﴾ [يوسف: 26]، وكذلك وجود الصُّواع في رَحْلِ أخيهِ وقَدْ أخذ يوسف بهذه القرينة واستبقى أخاه عنده.

14- ما كانَ عليهِ يُوسف - عليه السلام - من الجمالِ الظاهرِ والباطنِ، أمَّا الظاهرُ فهو الذي بسببهِ حَصلَ له ما حصل من امرأةِ العزيزِ ومن النساءِ اللاتي كُنَّ يَلُمنها على فِعلها، و أمَّا جَمالُ الباطنِ فهو العِفَّةُ العظيمةُ مع وجودِ الدواعي الكثيرة لوقوعِ السُّوءِ مِنه، لكن ما قذفَ الله في قلبهِ من الإيمانِ والإخلاصِ وقُوةُ الحقِ طَردَ عنهُ الرَّذيلة، وجَعلهُ بَعيداً عنِ السُّوء، وهذا ما جعلهُ عَظيماً في نُفُوسِهم أَجمعين.

15- اختار يوسف - عليه السلام - السِّجن وقدمهُ على الوقوعِ في المعصيةِ، وهكذا ينبغي للعبدِ إذا كانَ الخيار بين أمرينِ أحدهُما عُقوبة له عَاجلة تؤول إلى أجرٍ عظيمٍ في الآخرةِ والأُخرى مَعصية، فينبغي ألا يتردد في ذلك ويُقدم ما فيه الخير له في الآخرةِ وإن كان ظَاهرهُ عُقوبة في الدُنَّيا، وقد كانَ السِّجنُ طَريقاً ليوسف إلى العزةِ في الدُنَّيا والفوزَ في الآخرة.

16- العبدُ الصادقُ مع ربهِ ينبغي أن يلتجأ إليه ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حَولهِ وقوتهِ لأنه عبدٌ ضعيفٌ، وقد كانَ ذلكَ من يوسف - عليه السلام - ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33].

17- على العبدِ أن يعبُدَ رَبهُ حَالَ الرَّخاءِ والشِّدةِ على حدٍ سَواءٍ فيوسف – عليه السلام - لم يزل يَدعو إلى الله فَلمَّا دَخلَ السِّجنَ استمر على ذلك ودعا من يتصلُ بهِ من أهلِ السجنِ، ودَعا الفَتيين إلى التوحيدِ، ونَهاهما عن الشركِ وذلك قبلَ أن يُعبر لهما الرؤيا، وهكذا الداعيةُ إلى الله ينبغي أن يغتنم الفُرصَ فَيدعوا إلى الله في كلِ مكانٍ وزمانٍ بما يتناسبُ مع الظروفِ والأحوالِ والأشخاصِ، وكم أَدركَ الدُعاةُ الأكفاءُ والعلماءُ والأعلامُ في هذه المناسباتِ من المكاسبِ العظيمةِ.



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111].



بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من العظات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا فاستغفروا الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمدُ لله الذي جعلَ في قصصِ الأنبياءِ عظةً وعبرةً وتسليةً للمؤمنين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله إمامُ الأنبياءِ وقُدوةُ الدعاةِ الصالحين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.



أما بعد:

فنواصل الحديث حول الدروس المستفادة من قصة يوسف - عليه السلام - فنقول:

18- من وَقعَ في مكروهٍ وشدة لا بأسَ أن يستعينَ بمنَّ لهُ قُدرةً على تخليصهِ بفعلهِ أو الإخبارِ بحاله، وهذا ليسَ شَكوى إلى المخلوقِ بلْ هُو من فعلِ الأسبابِ المعينةُ على الخلاصِ من الظلمِ والشِّدةِ، ولِذا قال يوسف للذي ظنَّ أنه ناج منهما: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ [يوسف: 42].

19- ينبغي للمعلمِ والداعي إلى الله استعمال الإخلاص التَّام في تعليمه ودعوته، وأن لا يجعل ذلك وسيلة إلى معاوضة في مالٍ أو جاهٍ أو نفعٍ دنيوي كما لا يمتنع من التعليم إذا لم يستجب المتعلم لما كلفه به المعلم، وهذا حالُ يُوسف وصَّى أحد الفتيين فلم يُنفذ الوصية، ثمَّ رجعَ نفسُ الفَتى يَسألُ يوسف عن الرُّؤيا فأجابهُ ولم يعنِّفه أو يوُّبخه أو يحاسبه على عدمِ تنفيذِ الوصية.

20- لا بأسَ أن يُخبرَ الإنسانُ عمَّا في نفسهِ من الصفاتِ الحسنةِ من العِلمِ وغيره إذا كان في ذلكَ مصلحةً وسَلمَ من الكذبِ لقوله: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 55].

21- حُسن التدبيرِ مطلوبٌ والإخلاصُ في العملِ شَرطٌ لقبولهِ، وقد تحققَ ذلك ليوسف فكثُرتِ الخيراتُ في عهده، وهكذا من ولي من أمرِ المسلمينَ شيئاً سَواءٌ كانت الولايةُ صغيرة أو كبيرة عليهِ أن يَرفُقَ بِهم، وأن يُساعدهُم، و أن ينصحَ لهم ليتحققَ على يديهِ الخير لهم - إن شاء الله -.

22- مشروعيةِ الضيافةِ، وأنها من سُننِ المرسلين: ﴿ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ﴾ [يوسف: 59]، أي المضيفين.

23- جوازُ استعمال الأسباب الرافعة للعين وغيرها من المكاره أو الرافعة لها بعد نزولها غير ممنوع وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء الله وقدره فإن الأسباب أيضا من القضاء والقدر، لقوله يعقوب - عليه السلام -: ﴿ يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [يوسف: 67].

24- لا يسوغ أن يشهد العبد إلا بما علم وتحقق منه برؤية أو سماع: ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ [يوسف: 81].

25- فضيلةُ الصبرِ وأن عواقبهُ حميدة، وهكذا كان حال يعقوب ويوسف عليهما السلام.

26- إذا حصلت النعم على العباد فينبغي أن يتذكروا ما كانوا عليه في السابق من أجل شُكر النعم لأنها إذا شُكرت قَرت، وإذا كُفرت فَرت.

27- الإلحاحُ على الله بالدعاءِ وسُؤاله التثبيت لأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

28- هذه القصة مليئة بالعظات والعبر ولعل قراءتها والتمعن في تدبر آياتها يجعل العبد يفقه كثيراً من أسرارها. نسأل الله بمنه وكرمه أن يجمعنا بيعقوب ويوسف و بمحمد ووالدينا وأحبابنا في جنات النعيم.



هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال جل من قائل عليما: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحب وترضى، ويسر لهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين. اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثا مغيثا، سحا طبقاً، عاجلاً غير آجل، تسقي به البلاد وتنفع به العباد، وتجعله زاداً للحاضر والباد. اللهم لا تحرمنا فضلك بسبب ذنوبنا وتقصيرنا ، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا غنى لنا عن جودك وكرمك فامنن علينا بعطائك يا أكرم الأكرمين.


عباد الله:

﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.



رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/24435/#ixzz67NWIMZfY












‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: دعوة يوسف عليه السلام د. عبدالسميع الأنيس   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 3:08


دعوة يوسف عليه السلام د. عبدالسميع الأنيس
دعوة يوسف عليه السلام د. عبدالسميع الأنيس

دعوة يوسف عليه السلام
من أجمل الدعوات القرآنية دعوةُ يوسفَ عليه السلام، وقد جاءت في قول الله تعالى: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101].

أولًا: هي دعوة مباركة، نطق بها هذا النبيُّ الكريم بعد حياة مليئة بالمحن والمنح، والأحزان والأشجان، والسجون وقصور المُلك، ثم هو يدعو ربه سبحانه أن يتوفاه مسلمًا، وأن يُلحقه بالصالحين، فما أجملها من دعوة! وما أكرَمَها على الله تعالى؛ إذ تُسجل في كتابه، وتُتلى قرآنًا على مدى الأيام!

وكأني به عليه السلام يحقِّق بهذه الدعوة وصيةَ جده إبراهيم الخليل عليه السلام، أليس قد قال تعالى: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132]؟ فحقيق بكل مسلم - لا سيما مَن تحققت أمانيه في هذه الحياة - أن يتضرَّع إلى الله بهذه الدعوة المباركة.

إن غاية المسلم، ومنتهى أمله: أن يُكرمه الله بالموت على اﻹسلام، وأن يلحقه برَكْبِ الصالحين من عباده.

ثانيًا: مَن قرأها في آخر خطبة الجمعة؟

1- أول مَن علمتُه قرأها في آخر خطبة الجمعة الأمير سبكتكين الغزنوي المتوفى سنة (387) من الهجرة؛ جاء في ترجمته أنه كان عادلًا خيِّرًا، حسن الاعتقاد، فاضلًا عارفًا، له نظم ونثر، وخَطَبَ في بعض الجُمَع، وكان يقول بعد الدعاء للخليفة العباسي الآياتِ من سورة يوسف: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101].

مرِض في مدينة بلخ - وهي اليوم مزار شريف في شمال شرق أفغانستان - فأمر بالعودة إلى غزنة، فأدركته المَنيةُ في طريق عودته.

وهو والد السلطان محمود الغزنوي، حاكم الدولة الغزنوية في عصر الخلافة العباسية، وقد لقِّب بألقاب عديدة؛ من أهمها: (سیف‌ الدولة، بطل الإسلام، فاتح الهند، محطم الأصنام، يمين أمير المؤمنين)، وبفضل حكمته وقدرته المتميزة على قيادة شؤون البلاد تمكَّن من رفع شأن الدولة الغزنوية في فترة حكمه.

2- وفي عصرنا هذا رأيت الأستاذ المفسِّر الشيخ عيادة أيوب الكبيسي يقرؤها في نهاية كل خطبة، وهو يفسر القرآن الكريم في مسجد الشيخ المر في دبي منذ سنوات، ووصل إلى سورة النحل، وحضورُ الجمعة في مسجده، وسماع خطبته هو النعيم المقيم، حفظه الله تعالى وأمتع به[1].

[1] وممن كان يقرؤها أخي الكريم الشهيد الشيخ فيضي الفيضي رحمه الله تعالى، أحد الدعاة الموفَّقين في العراق، وقد سمعته في مساجد بغداد، والفلوجة والموصل، وهو متأثر في ذلك بشيخه الأستاذ الشيخ عيادة الكبيسي، وكتب لي الأستاذ الشيخ عيادة الكبيسي قائلًا: جزاك الله خيرًا، وكان شيخنا الشيخ عبدالستار ملا طه الكبيسي كذلك يقرؤها، ومنه أخذت ذلك، فاللهم توفَّني مسلمًا وألحِقْني بالصالحين.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/114814/#ixzz67NZBZk5d



دعوة يوسف عليه السلام د. عبدالسميع الأنيس




‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشيماء
مستشاره ادارية
مستشاره ادارية
الشيماء

الادارة

وسام الابداع

نجمة المنتدى

وسامالعطاء

عدد المساهمات : 4144
تاريخ التسجيل : 21/08/2010

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1السبت 7 ديسمبر - 3:17



بين قصتي يوسف وموسى عليهما السلام
(قراءة تدبرية)[1]


إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد:


فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


أيها المسلمون، إن قراءة القرآن المبنيَّةَ على التأمل والتدبر والفهم والوعي هي التي تصنع القارئ المنتفع بكلام الله تعالى، وتجعل حبَّه للقرآن عظيمًا، وتلذُّذه به كبيرًا، وتمنحه كثرة التردُّد على آياته، وحبَّ البحث فيها، ومعرفة ما تُكِنُّه من المعارف والهدايات والأعمال.


إن من القِصص المؤثرة التي ذكرها القرآن الكريم: قصة الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف عليه السلام، التي انفردت عن سائر قِصص القرآن بمزايا كثيرة؛ منها: التفصيل في أحداثها، وخلوص سورة كاملة في شأنها، حتى لم تذكر معها قصة سواها.


وفي مجال القَصص القرآني نجد من أنبياء بني إسرائيل الذين كثُر حديث القرآن عنهم: نبي الله موسى عليه السلام، فهو أكثر نبي فصَّل القرآن قصتَه، وذكر أحواله المختلفة، وتناول جوانب متعددة من حياته الأسرية، وحياته الدعوية، ومن يتأمل في قصة يوسف وقصة موسى- خاصة الجوانب التي ذكرت من قصة موسى في سورة القصص- يلاحظ وجُوهًا متقاربة، وأحوالًا متشابهة.


إن نبي الله يوسف عليه السلام هو ابن يعقوب الملقب بإسرائيل عليه السلام، وكان ليعقوب اثنا عشر ابنًا، نشأت عنهم اثنتا عشرة قبيلة من بني إسرائيل، فجاء موسى بن عمران من نسل أحد أبناء يعقوب، وهو لاوي بن يعقوب عليه السلام، وكان بين موسى ويعقوب آباء، كان يعقوب هو الجد الرابع أو الخامس لموسى، كما ذكر بعض أهل العلم[2].


عباد الله، تبدأ القصة - في حديثنا عن المقارنة بين القصتين - بالإلقاء لكلا النبيَّيْنِ الكريمين؛ فيوسف أُلقي في الجب - يعني: البئر- وموسى أُلقي في اليمِّ- يعني: نهر النيل- وقد ألقت يوسف في الجُبِّ أيدٍ تريد أن تتخلَّص منه، وألقت موسى في اليمِّ يدٌ تريد أن تُخلِّصَه، فأيدي الإلقاء في الجُبِّ أيدٍ كارهة ليوسف، وهي أيدي إخوته الذين حسدوه لمزيد حبِّ أبيهم له، فأرادوا الخلاص منه بهذا الفعل الشائن؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [يوسف: 10]، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف: 15]، وأما يد إلقاء موسى في اليمِّ فهي يدٌ مُحِبَّة، رحيمة حانية، أرادَتْ أن تُخلِّصه من أيدي جنود فرعون الذين يسعون وراء مواليد بني إسرائيل من الذكور لقتلهم؛ لأن فرعون قد أُخبِر عن طريق بعض الكهنة -كما قيل- بأن زوال مُلْكِه سيكون على يد غلام من بني إسرائيل؛ فألهمَ اللهُ أمَّ موسى أن ترضعه حتى يشبع، ثم تُلقيه في اليمِّ، ففعلت ذلك عن ثقة بالله تعالى، وتصديق بوعده الذي لا يتخلَّف بردِّه إليها حيًّا؛ قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7]، وبعد الإلقاء في الجُبِّ واليمِّ جاء الإنقاذ لهما إلى بَرِّ الأمان؛ فيوسف عليه السلام أنقذَتْه أيدٍ تجارية، فباعَتْه بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودة، حتى وصل إلى عزيز مصر، فعاش في قصره رقيقًا؛ قال تعالى عن يوسف: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 19 - 21]، وأما موسى فوصل إلى أيدي علية القوم؛ وهم آل فرعون الذين يقتلون الأطفال؛ ولكنهم لما كانوا جنودًا مأمورين لم يستعجلوا في قتل موسى حتى تصدُر إليهم الأوامر بذلك من قِبَل فرعون؛ فلذلك حملوا موسى إلى قصر فرعون، فلما رآه فرعون وزوجته تبايَنَتْ نظرتُهما إليه؛ فأما فرعون فقد أراد التخلُّص منه على طريقته المعهودة من أجل غايته المقصودة، وأمَّا زوجته فإنها حينما لم يكن لها ولدٌ؛ فقد تملَّكَتْها عاطفةُ الأمومة، فطلبت إبقاءه وتربيته في قصرها؛ رجاء أن يكون قُرَّةَ عينٍ لهما، فنفَّذ فرعون طلب زوجته، فأبقى موسى حيًّا؛ قال تعالى: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: 8، 9].


ونلاحظ في هذا الفصل من فصول حياتي هذين النبيَّيْنِ الكريمَينِ أمورًا:

الأول: أنهما كليهما من أولاد يعقوب.

الثاني: أن كليهما فُقِد عن أسرته.

الثالث: أن كليهما ناله الإلقاء في الماء.

الرابع: أن كليهما لم يدم طويلًا في الماء بل أُنْقِذ منه.

الخامس: أن كليهما وصل إلى قصر في مصر؛ فيوسف استقرَّ في قصر عزيز مصر، وموسى استقرَّ في قصر ملك مصر فرعون.


السادس: أن كلَّ مُستقبِلٍ مكرِمٌ لكلٍّ منهما في ذينك القصرين؛ رجاء نفعه أو اتخاذه ولدًا، فقد نطق العزيز وامرأة فرعون بجملة متفقة؛ قال تعالى عن العزيز: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ [يوسف: 21]، وقال عن امرأة فرعون: ﴿ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ [القصص: 9].


أيها المسلمون، ومما اشترك فيه يوسف وموسى عليهما السلام: حزن الوالدين الشديد على فَقْدِهما؛ فيوسف قد احتال إخوته على أبيهم لأخْذِه للعب معهم، وهم عازمون على التخلُّص منه، فألقوه في الجُبِّ، ثم عادوا إلى أبيهم، فأخبروه الخبر الكاذب بهلاك يوسف بين براثن الذئب ومخالبه، فأدخلوا على أبيهم يعقوب بذلك حزنًا عميقًا، استمرَّ معه سنين عددًا، حتى ذهب بَصَرُ يعقوب من شدة الحزن والبكاء على يوسف؛ قال تعالى: ﴿ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 16 - 18]، وقال تعالى أيضًا بعد فَقْدِ بنيامين في مصر: ﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 81 - 84].


وأما أُمُّ موسى فقد حزنت على فراقه حزنًا كبيرًا، حتى أصبح قلبها فارغًا من شواغل الدنيا إلا من ذكر موسى، ومن شدة وَجْدِها عليه وشوقها إليه، وقد قاربت أن تخبر أن لها ولدًا مفقودًا؛ ولكن الله ربط على قلبها فلم تُبِحْ بسرِّها؛ قال تعالى: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [القصص: 10].


أيها الأحباب الكرام، ومما اشترك فيه هذان النبيَّان الكريمان أن الله قد وعد والديهما بنجاة ولَدَيهما، وعودتهما إليهما سالمينِ، وكانا على يقين من حياتهما بعد فقدهما؛ ولذلك أرسلا أولادهما للبحث عنهما؛ قال تعالى عن يعقوب: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 86-87]، وقال عن أم موسى: ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7]، وقال أيضًا: ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: 11].


أما أخت موسى، فعادَتْ بالخبر سريعًا إلى أمِّها حينما وجدته في قصر فرعون، وأما إخوة يوسف فلم يرجعوا بخبره إلى أبيه، إلا بعد سنوات عقب رحلة تجارية قاموا بها من الشام إلى مصر، حصلت فيها بعض الأحداث.


إخواني الفضلاء، إن من الملاحظ في هذا الفصل من القصتَينِ أن الله تعالى قد جعل سببين مختلفين لعودة يوسف وموسى لأسرتيهما؛ فأما سبب عودة يوسف إلى أبيه، فهو الرحلة التجارية لإخوة يوسف، التي تخللتها أحداث منها: أخذ يوسف لأخيه بنيامين محتجزًا مكرمًا لديه حتى يصل به إلى أبيه يعقوب بعد أن عرَفَ أن أصحاب القافلة هم إخوته، وبعد محاورةٍ وأحوالٍ جَرَتْ بين يوسف وإخوته في مصر، عاد يوسف إلى أبيه الأسيف عليه، فاجتمع به في مصر؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ [يوسف: 88 - 94].


وأما سبب عودة موسى إلى أمِّه فهو حاجته للارتضاع؛ إذ لم يقبَل ثديَ امرأةٍ غير ثدي أُمِّه، وكان ذلك بقدرة الله تعالى وحكمته ورحمته بأمِّ موسى؛ فقال تعالى: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 12، 13].


والملاحظ في هذا الفصل من القصتَينِ أيضًا: أن القرآن الكريم وصف حال عودة يوسف، وفصَّل فيها، بخلاف قصة عودة موسى، ولعل من أسباب ذلك: طول مدة فَقْدِ يوسف، وأثر ذلك في يعقوب وصحَّته، وأما موسى فقد بقي مدة يسيرة، ثم عاد إلى أُمِّه، فيعقوب عليه السلام فرح فرحًا عظيمًا بحياة يوسف ومعرفة مكان وجوده، فرجع إليه بَصَرُه بعد عَماه؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يوسف: 96 - 98].


أيها الإخوة الفضلاء، ومما اشترك فيه النبيَّانِ الكريمانِ: أن كليهما وصل إلى بيت مُلْك، وإلى يد امرأة؛ فأما يوسف فعاش في ذلك البيت مولًى؛ لكنه لقي من صاحبه الإكرام والإنعام، غير أن نعمته لم تسلم من كدر في آخر عهده بذلك البيت؛ إذ ابتُلي بامرأة العزيز؛ حيث راوَدَتْه عن نفسه، ثم آل أمره بسبب تمنُّعه عنها إلى دخول السجن؛ قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 21]، ثم قال: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: 23]، إلى أن قال: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴾ [يوسف: 35]، وأما موسى فعاش في قصر فرعون كما يعيش أبناء الكبراء في نعمة وعناية، ولقي من امرأة فرعون الاحتفال والحفاوة والحب والحنان والخير الكثير؛ قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: 9].


أيها الأحباب الفضلاء، لقد وصف الله تعالى كلا الرسولين الكريمين بآيةٍ واحدةٍ متفقة الألفاظ وهي قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 22]، إلا أنه زاد في وصف موسى لفظ: "واستوى"، فقال: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [القصص: 14]، والسبب: أن موسى أُوحي إليه في سِنِّ الأربعين من عمره، وهي سِنُّ كمال القوة، وأما يوسف فأُوحي إليه قبل ذلك، كما قيل؛ ولذلك لما زاد موسى بالسن والقوة زيد في وصفه بقوله: "واستوى"، وقيل في سبب الزيادة بوصف الاستواء: أن موسى ورد في الأحاديث وصفه بكمال القوة البدنية، وطول القامة؛ فلهذا زيد وصفه بالاستواء لذلك السبب[3] والله أعلم.


أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أيها المسلمون، ومما اشترك فيه النبيَّانِ الكريمانِ يوسف وموسى عليهما السلام: التنعُّم الكبير، والبلاء الكثير؛ فيوسف مرَّتْ حيَّاته بطورين: طور البلاء والرق، وطور التنعُّم والعِزِّ؛ ففي الطور الأول: ابتُلي بعداوة إخوته حتى أُلقي في الجُبِّ، وابتُلي ببيعه حتى صار رقيقًا في بيت العزيز، وابتُلي بمراودة امرأة العزيز؛ مما أدَّى به ذلك إلى دخول السجن، ولبثه فيه سنوات، وبعد هذا كله جاء الطور الثاني؛ وهو طور التنعُّم والعِزِّ، وسيأتي في نهاية القصة.


وموسى كذلك مرَّ بطورين مخالفين لطوري يوسف، فقد ابتدأتْ حياتُه بالتنعُّم والعِزِّ في بيت فرعون، ثم جاء الطور الثاني: طور البلاء، فقد ابتُلي بقتل القبطي من غير عمد؛ انتصارًا لرجل من بني إسرائيل، حتى آل الأمر إلى تآمُر الملأ عليه من أجل قتله، فخرج عن مصر إلى مدين، فاستقرَّ فيها ثماني سنوات أو عشرًا، بعيدًا عن أهله وبلده؛ قال تعالى: ﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾ [القصص: 15]، ثم قال تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 18 - 21].


عباد الله، وأما النهاية لقصتي هذين النبيين الكريمين، فهي أنه قد صار كلٌّ منهما في مهمة عامة كانت هي خاتمة فصول قصته؛ فيوسف عليه السلام خرج من السجن إلى الجاه العريض، والعز المنيف، والتمكين في أرض مصر، بعد مرور فصول من الابتلاء عليه؛ حيث صار على خزائن مصر، فجاءت الحاجة بأهله من الشام حتى اجتمعوا إليه في مصر، وخرُّوا له سُجَّدًا، وبذلك تحقَّقَتْ رؤياه، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 99 - 101].


وأما موسى عليه السلام فقد رجع من مدين إلى مصر رسولًا من الله إلى فرعون وقومه، فدعاهم إلى دين الله، فأبى فرعون قبول دعوته، فخرج موسى ببني إسرائيل من مصر، فتبعهم فرعون وجنوده، فأهلك اللهُ فرعون ومَنْ معه في اليمِّ، ونجَّى موسى وبني إسرائيل، فسار بهم في صحراء سيناء في طريقه إلى بيت المقدس، إذ كان قد طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدَّسة، ويقاتلوا الجبَّارين فيها، لكنَّ بني إسرائيل أبوا عليه ذلك، فضرب عليهم التيه في سيناء أربعين سنة، وفي تلك المدة مات موسى عليه السلام، وهذه النهاية من قصة كليم الله تناولَتْها آياتٌ كثيرةٌ من القرآن العظيم في سورة القصص وغيرها.


أيها المسلمون، في هاتين القصتَينِ تجلَّى الحبُّ والبغض، والأُلْفة والعداوة، والإحسان والإساءة، والقُرْب والبُعْد، وظهر في القصتَينِ: حنان الأبوَّة والأمومة وحزنهما، ونفع الأُخوَّة وضرُّها.


وصُوِّر في القصتين: الحزن والفرح في أحوال مختلفة؛ حزنُ الفَقْد والفِراق، وفرح العودة والتلاقي، وحزن البلاء، وفرح النجاة منه، وحزن العداوة، وفرح إذابتها.


أحبابنا الفضلاء، من هذه المقارنة بين هاتين القصتَينِ نتعلَّم:

أن الابتلاء عنصر ملازم للحياة الإنسانية، غير أن الله تعالى يبسط على الصالحين من عباده أجنحة لطفه وعنايته، ويُسخِّر لهم من عباده مَنْ يُخفِّفُون عنهم شدَّة وَطْأته.


ونتعلم من هاتين القصتَينِ: أن الفرج يعقب الشدَّة، طالت الشدَّة أم قصرت، وأن المحن تخفي في طواياها المنح، ورُبَّ أمرٍ أحزن أوَّلُه، أفرَح آخِرُه.


ونتعلم من هاتين القصتَينِ: أن الثقة بالله تعالى، وحسن الظن به طريق إلى المطالب الحميدة، والخروج من المآزق الشديدة.


ونتعلم من هاتين القصتين: أن مفارقة الولد لوالديه تحزنهما حزنًا شديدًا، وهذا يستدعي كمال بِرِّ الأولاد بالوالدين، وحسن رعايتهما، والقيام بحقِّهما.


ونتعلم من هاتين القصتَينِ: أن الأخت قد تنفع أخاها، والأخ قد يضُرُّ أخاه في جوِّ العداوة والحسد.


ونتعلم من هاتين القصتين: أن اختيار الله لعبده خيرٌ من اختيار العبد لنفسه، والموقف الصحيح في ذلك: أن يرضى المسلم بما قدره الله عليه، ويحسن الظن بالله، ويثق بحسن بلائه، فمن فعل ذلك، خفَّ بلاؤه، وقلَّ عناؤه، وقرب فرجُه، وتيسَّر مخرجُه، وأُجِرَ على مصائبه، وسما في مناقبه.


هذا وصلوا وسلموا على من أُمِرْتم بالصلاة والسلام عليه.

[1] ألقيت في جامع ابن الأمير الصنعاني: 14 /8 /1440ه، 19 /4 /2019م.

[2] الإتقان في علوم القرآن (4/ 73).

[3] ينظر: أسرار التكرار في القرآن (ص: 111)، والتحرير والتنوير (20 /28).


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/133932/#ixzz67Nb7Od00





‗۩‗°¨_‗ـ المصدر:#منتدي_المركز_الدولى ـ‗_¨°‗۩‗








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:38



يوسف عليه السلام المشهد1

المشهد 1

سيرته:

قبل أن نبدأ بقصة يوسف عليه السلام، نود الإشارة لعدة أمور.
أولها اختلاف طريقة رواية قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم
عن بقية قصص الأنبياء، فجاءت قصص الأنبياء في عدة سور،
بينما جاءت قصة يوسف كاملة في سورة واحدة.
قال تعالى في سورة (يوسف):

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ
وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) (يوسف)

واختلف العلماء لم سميت هذه القصة أحسن القصص؟
قيل إنها تنفرد من بين قصص القرآن باحتوائها على عالم كامل من العبر والحكم..
وقيل لأن يوسف تجاوز عن إخوته وصبر عليهم وعفا عنهم..
وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين، والعفة والغواية، وسير الملوك والممالك،
والرجال والنساء، وحيل النساء ومكرهن، وفيها ذكر التوحيد والفقه،
وتعبير الرؤيا وتفسيرها، فهي سورة غنية بالمشاهد والانفعالات..
وقيل: إنها سميت أحسن القصص لأن مآل من كانوا فيها جميعا كان إلى السعادة.

ومع تقديرنا لهذه الأسباب كلها.. نعتقد أن ثمة سببا مهما يميز هذه القصة..
إنها تمضي في خط واحد منذ البداية إلى النهاية.. يلتحم مضمونها وشكلها،
ويفضي بك لإحساس عميق بقهر الله وغلبته ونفاذ أحكامه رغم وقوف البشر ضدها.
(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) هذا ما تثبته قصة يوسف بشكل حاسم،
لا ينفي حسمه أنه تم بنعومة وإعجاز.

لنمضي الآن بقصة يوسف -عليه السلام- ولنقسمها لعدد من الفصول
والمشاهد ليسهل علينا تتبع الأحداث.

من فصل طفوله يوسف:

ذهب يوسف الصبي الصغير لأبيه، وحكى له عن رؤيا رآها.
أخبره بأنه رأى في المنام أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له.
استمع الأب إلى رؤيا ابنه وحذره أن يحكيها لأخوته. فلقد أدرك
يعقوب -عليه السلام- بحدسه وبصيرته أن وراء هذه الرؤية شأنا عظيما لهذا الغلام.
لذلك نصحه بأن لا يقص رؤياه على إخوته خشية أن يستشعورا ما وراءها
لأخيهم الصغير -غير الشقيق، حيث تزوج يعقوب من امرأة ثانية أنجبت له
يوسف وشقيقه- فيجد الشيطان من هذا ثغرة في نفوسهم، فتمتلئ
نفوسهم بالحقد، فيدبروا له أمرا يسوؤه. استجاب يوسف لتحذير أبيه..
لم يحدث أخوته بما رأى، وأغلب الظن أنهم كانوا يكرهونه إلى الحد
الذي يصعب فيه أن يطمئن إليهم ويحكي لهم دخائله الخاصة وأحلامه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:40

يوسف عليه السلام :


قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Aa11

المشهد الثاني:




اجتمع أخوة يوسف يتحدثون في أمره.

(إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)

أي نحن مجموعة قوية تدفع وتنفع، فأبونا مخطئ في تفضيل هذين الصبيين

على مجموعة من الرجال النافعين! فاقترح أحدهم حلا للموضوع:

(اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا).

إنه الحقد وتدخل الشيطان الذي ضخم حب أبيهم ليوسف وإيثاره عليهم

حتى جعله يوازي القتل.

أكبر جرائم الأرض قاطبة بعد الشرك بالله. وطرحه في أرض بعيدة

نائية مرادف للقتل،

لأنه سيموت هناك لا محاله. ولماذا هذا كله؟!

حتى لا يراه أبوه فينساه فيوجه حبه كله لهم. ومن ثم يتوبون عن جريمتهم

(وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ).




قال قائل منهم -حرك الله أعماقه بشفقة خفية، أو أثار الله في أعماقه

رعبا من القتل: ما الداعي لقتله؟ إن كنتم تريدون الخلاص منه،

فلنلقه في بئر تمر عليها القوافل.. ستلتقطه قافلة وترحل به بعيدا..

سيختفي عن وجه أبيه.. ويتحقق غرضنا من إبعاده.




انهزمت فكرة القتل، واختيرت فكرة النفي والإبعاد.

نفهم من هذا أن الأخوة، رغم شرهم وحسدهم، كان في قلوبهم،

أو في قلوب بعضهم، بعض خير لم يمت بعد..







المشهد الثالث


توجه الأبناء لأبيهم يطلبون منه السماح ليوسف بمرافقتهم.

دار الحوار بينهم وبين أبيهم بنعومة وعتاب خفي، وإثارة للمشاعر..

مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ..؟ أيمكن أن يكون يوسف أخانا،

وأنت تخاف عليه من بيننا ولا تستأمننا عليه، ونحن نحبه وننصح له ونرعاه؟

لماذا لا ترسله معنا يرتع ويلعب؟




وردا على العتاب الاستنكاري الأول جعل يعقوب عليه السلام ينفي

-بطريقة غير مباشرة- أنه لا يأمنهم عليه،

ويعلل احتجازه معه بقلة صبره على فراقه وخوفه عليه من الذئاب:

قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ .




ففندوا فكرة الذئب الذي يخاف أبوه أن يأكله.. نحن عشرة من الرجال..

فهل نغفل عنه ونحن كثرة؟ نكون خاسرين غير أهل للرجولة لو وقع ذلك..

لن يأكله الذئب ولا داعي للخوف عليه.




وافق الأب تحت ضغط أبنائه.. ليتحقق قدر الله

وتتم القصة كما تقتضي مشيئته..










المشهد الرابع:




خرج الأخوة ومعهم يوسف، وأخذوه للصحراء.

اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور القوافل وحملوه وهموا بإلقائه في البئر..

وأوحى الله إلى يوسف أنه ناج فلا يخاف..

وأنه سيلقاهم بعد يومهم هذا وينبئهم بما فعلوه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:42



يوسف عليه السلام ..


المشهد الخامس:

عند العشاء جاء الأبناء باكين ليحكوا لأبيهم قصة الذئب المزعومة.
أخبروه بأنهم ذهبوا يستبقون، فجاء ذئب على غفلة، وأكل يوسف.
لقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذبة، فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها
من المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم!
ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون، يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى.
كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب دليلا على التسرع،
وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس، وهم ينفونها.
فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب
الذي حذرهم أبوهم منه أمس! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه
بدم كذب لطخوه به في غير إتقان ونسوا في انفعالهم أن يمزقوا قميص يوسف..
جاءوا بالقميص كما هو سليما، ولكن ملطخا بالدم..
وانتهى كلامهم بدليل قوي على كذبهم حين قالوا:
(وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)
أي وما أنت بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق،
لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله.

أدرك يعقوب من دلائل الحال ومن نداء قلبه ومن الأكذوبة الواضحة،
أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما، وأنهم يلفقون له قصة لم تقع،
فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛
وأنه سيصبر متحملا متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو،
مستعينا بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب:
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ.

المشهد الأخير من الفصل الأول من حياة سيدنا يوسف عليه السلام:

أثناء وجود يوسف بالبئر، مرت عليه قافلة.. قافلة في طريقها إلى مصر.. قافلة كبيرة..
سارت طويلا حتى سميت سيارة.. توقفوا للتزود بالماء.. وأرسلوا أحدهم للبئر فأدلى الدلو فيه.. تعلق يوسف به.. ظن من دلاه أنه امتلأ بالماء فسحبه.. ففرح بما رأى..
رأى غلاما متعلقا بالدلو.. فسرى على يوسف حكم الأشياء المفقودة
التي يلتقطها أحد.. يصير عبدا لمن التقطه.. هكذا كان قانون ذلك الزمان البعيد.

فرح به من وجده في البداية، ثم زهد فيه حين فكر في همه ومسئوليته،
وزهد فيه لأنه وجده صبيا صغيرا.. وعزم على التخلص منه لدى وصوله إلى مصر..
ولم يكد يصل إلى مصر حتى باعه في سوق الرقيق بثمن زهيد،
دراهم معدودة. ومن هناك اشتراه رجل تبدو عليه الأهمية.

انتهت المحنة الأولى في حياة هذا النبي الكريم، لبتدأ المحنة الثانية،
والفصل الثاني من حياته.

ثم يكشف الله تعالى مضمون القصة البعيد في بدايتها
(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).
لقد انطبقت جدران العبودية على يوسف. ألقي في البئر، أهين، حرم من أبيه،
التقط من البئر، صار عبدا يباع في الأسواق، اشتراه رجل من مصر،
صار مملوكا لهذا الرجل.. انطبقت المأساة، وصار يوسف بلا حول ولا قوة..
هكذا يظن أي إنسان.. غير أن الحقيقة شيء يختلف عن الظن تماما.

ما نتصور نحن أنه مأساة ومحنة وفتنة.. كان هو أول سلم يصعده يوسف
في طريقه إلى مجده.. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) ..
ينفذ تدبيره رغم تدبير الآخرين. ينفذ من خلاله تدبير الآخرين فيفسده
ويتحقق وعد الله، وقد وعد الله يوسف بالنبوة.

وها هو ذا يلقي محبته على صاحبه الذي اشتراه..
وها هو ذا السيد يقول لزوجته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.
وليس هذا السيد رجلا هين الشأن.. إنما هو رجل مهم..
رجل من الطبقة الحاكمة في مصر..
سنعلم بعد قليل أنه وزير من وزراء الملك. وزير خطير سماه القرآن "العزيز"،
وكان قدماء المصريين يطلقون الصفات كأسماء على الوزراء. فهذا العزيز..
وهذا العادل.. وهذا القوي.. إلى آخره.. وأرجح الآراء أن العزيز هو رئيس وزراء مصر.

وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. سيتربى كصبي في بيت رجل يحكم.
وسيعلمه الله من تأويل الأحاديث والرؤى.. وسيحتاج إليه الملك في مصر يوما.
(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).
تم هذا كله من خلال فتنة قاسية تعرض لها يوسف.

ثم يبين لنا المولى عز وجل كرمه على يوسف فيقول:

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) (يوسف)

كان يوسف أجمل رجل في عصره.. وكان نقاء أعماقه وصفاء سريرته يضفيان
على وجهه مزيدا من الجمال. وأوتي صحة الحكم على الأمور..
وأوتي علما بالحياة وأحوالها. وأوتي أسلوبا في الحوار يخضع قلب من يستمع إليه..
وأوتي نبلا وعفة، جعلاه شخصية إنسانية لا تقاوم.

وأدرك سيده أن الله قد أكرمه بإرسال يوسف إليه..
اكتشف أن يوسف أكثر من رأى في حياته أمانة واستقامة وشهامة وكرما..
وجعله سيده مسئولا عن بيته وأكرمه وعامله كابنه






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:43



يوسف عليه السلام
المشهد 6

الفصل الثاني في حياته:


في هذا المشهد تبدأ محنة يوسف الثانية، وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى.
جاءته وقد أوتي صحة الحكم وأوتي العلم -رحمة من الله- ليواجهها
وينجو منها جزاء إحسانه الذي سجله الله له في قرآنه.
يذكر الله تعالى هذه المحنة في كتابه الكريم:

وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ
إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) (يوسف)

لا يذكر السياق القرآني شيئا عن سنها وسنه، فلننظر في ذلك من باب التقدير.
لقد أحضر يوسف صبيا من البئر، كانت هي زوجة في الثلاثة والعشرين مثلا،
وكان هو في الثانية عشرا. بعد ثلاثة عشر عاما صارت هي في السادسة والثلاثين
ووصل عمره إلى الخامسة والعشرين. أغلب الظن أن الأمر كذلك. إن تصرف المرأة في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها مكتملة جريئة.

والآن، لنتدبر معنا في كلمات هذه الآيات.

(وَرَاوَدَتْهُ) صراحة (عَن نَّفْسِهِ )، وأغلقت (الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ). لن تفر مني هذه المرة. هذا يعني أنه كانت هناك مرات سابقة فر فيها منها. مرات سابقة لم تكن الدعوة فيها بهذه الصراحة وهذا التعري. فيبدوا أن امرأة العزيز سئمت تجاهل يوسف لتلميحاتها المستمرة وإباءه.. فقررت أن تغير خطتها. خرجت من التلميح إلى التصريح.. أغلقت الأبواب ومزقت أقنعة الحياء وصرحت بحبها وطالبته بنفسه.

ثم يتجاوزز السياق القرآني الحوار الذي دار بين امرأة العزيز ويوسف عليه السلام،
ولنا أن نتصور كيف حاولت إغراءه إما بلباسها أو كلماتها أو حركاتها.
لكن ما يهمنا هنا هو موقف يوسف -عليه السلام- من هذا الإغواء.

يقف هذا النبي الكريم في وجه سيدته قائلا
(قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)
أعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة من أكرمني بأن نجاني من الجب
وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن. ولا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود الله،
فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه.

ثم (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)
اتفق المفسرون حول همها بالمعصية، واختلفوا حول همه. فمنهم من أخذ بالإسرائيليات
وذكر أن يعقوب ظهر له، أو جبريل نزل إليه، لكن التلفيق
والاختلاق ظاهر في هذه الزوايات الإسرائيلية. ومن قائل:
إنها همت به تقصد المعصية وهم بها يقصد المعصية ولم يفعل،
ومن قائل: إنها همت به لتقبله وهم بها ليضربها،
ومن قائل: إن هذا الهم كان بينهما قبل الحادث. كان حركة نفسية داخل نفس
يوسف في السن التي اجتاز فيها فترة المراهقة.
ثم صرف الله عنه. وأفضل تفسير تطمئن إليه نفسي
أن هناك تقديما وتأخيرا في الآية.

قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة، فلما أتيت على قوله تعالى:
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا). قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير.
بمعنى ولقد همت به.. ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها.
يستقيم هذا التفسير مع عصمة الأنبياء.. كما يستقيم مع روح الآيات ا
لتي تلحقه مباشرة (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)
وهذه الآية التي تثبت أن يوسف من عباد الله المخلصين، تقطع في نفس الوقت بنجاته
من سلطان الشيطان. قال تعالى لإبليس يوم الخلق
(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)
وما دام يوسف من عباده المخلصين، فقد وضح الأمر بالنسبة إليه.
لا يعني هذا أن يوسف كان يخلو من مشاعر الرجولة، ولا يعني هذا أنه
كان في نقاء الملائكة وعدم احتفالهم بالحس. إنما يعني أنه تعرض لإغراء طويل
قاومه فلم تمل نفسه يوما، ثم أسكنها تقواها كونه مطلعا على برهان ربه،
عارفا أنه يوسف بن يعقوب النبي، ابن إسحق النبي،
ابن إبراهيم جد الأنبياء وخليل الرحمن.

يبدو أن يوسف -عليه السلام- آثر الانصراف متجها إلى الباب حتى لا يتطور الأمر أكثر.
لكن امرأة العزيز لحقت به لتمسكه، تدفهعا الشهوة لذلك.
فأمسكت قميصه من الخلف، فتمزق في يدها. وهنا تقطع المفاجأة.
فتح الباب زوجها -العزيز. وهنا تتبدى المرأة المكتملة، فتجد الجواب
حاضرا على السؤال البديهي الذي يطرح الموقف. فتقول متهمة الفتى:
قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

واقترحت هذه المراة -العاشقة- سريعا العقاب -المأمون- الواجب تنفيذه على يوسف،
خشية أن يفتك به العزيز من شدة غضبه. بيّنت للعزيز أن أفضل عقاب له هو السجن.
بعد هذا الاتهام الباطل والحكم السريع جهر يوسف بالحقيقة ليدافع عن نفسه:
قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي.

تجاوز السياق القرآني رد الزوج، لكنه بين كيفية تبرأة يوسف -عليه السلام-
من هذه التهمة الباطلة:

وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26)
وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27)
فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) (يوسف)

لا نعلم إن كان الشاهد مرافقا للزوج منذ البداية،
أم أن العزيز استدعاه بعد الحادثة ليأخذ برأيه.. كما أشارت بعض الروايات
أن هذا الشاهد رجل كبير، بينما أخبرت روايات أخرى أنه طفل رضيع. كل هذا جائز.
وهو لا يغير من الأمر شيئا. ما يذكره القرآن أن الشاهد أمرهم بالنظر للقميص،
فإن كان ممزقا من الأمام فذلك من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء
عليها فهي صادقة وهو كاذب. وإن كان قميصه ممزقا من الخلف
فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي له حتى الباب،
فهي كاذبة وهو صادق.

فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) (يوسف)

فتأكد الزوج من خيانة زوجته عندما رأى قميص يوسف ممزق من الخلف.
لكن الدم لم يثر في عروقه ولم يصرخ ولم يغضب. فرضت عليه قيم الطبقة الراقية
التي وقع فيها الحادث أن يواجه الموقف بلباقة وتلطف..
نسب ما فعلته إلى كيد النساء عموما. وصرح بأن كيد النساء عموم عظيم.
وهكذا سيق الأمر كما لو كان ثناء يساق. ولا نحسب أنه يسوء المرأة أن يقال لها:
(إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ). فهو دلالة على أنها أنثى كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على الكيد.
بعدها التفت الزوج إلى يوسف قائلا له: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا)
أهمل هذا الموضوع ولا تعره اهتماما ولا تتحدث به. هذا هو المهم.. المحافظة على الظواهر..
ثم يوجه عظة -مختصرة- للمرأة التي ضبطت متلبسة بمراودة فتاها
عن نفسها وتمزيق قميصه: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ).

انتهى الحادث الأول.. لكن الفتنة لم تنته.. فلم يفصل سيد البيت بين المرأة وفتاها..
كل ما طلبه هو إغلاق الحديث في هذا الموضوع. غير أن هذا الموضوع بالذات.
وهذا الأمر يصعب تحقيقه في قصر يمتلئ بالخدم والخادمات
والمستشارين والوصيفات.







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:44


يوسف عليه السلام :

المشهد 7

بدأ الموضوع ينتشر.. خرج من القصر إلى قصور الطبقة الراقية يومها..
ووجدت فيه نساء هذه الطبقة مادة شهية للحديث.
إن خلو حياة هذه الطبقات من المعنى،
وانصرافها إلى اللهو، يخلعان أهمية قصوى على الفضائح التي ترتبط
بشخصيات شهيرة.. وزاد حديث المدينة
(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ
قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)
وانتقل الخبر من فم إلى فم.. ومن بيت إلى بيت..
حتى وصل لامرأة العزيز.





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:45


يوسف عليه السلام :
المشهد 8

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ
سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ
مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ
وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) (يوسف)

عندما سمعت امرأة العزيز بما تتناقله نساء الطبقة العليا عنها،
قررت أن تعد مأدبة كبيرة في القصر. وأعدت الوسائد حتى يتكئ عليها المدعوات.
واختارت ألوان الطعام والشراب وأمرت أن توضع السكاكين الحادة
إلى جوار الطعام المقدم. ووجهت الدعوة لكل من تحدثت عنها.
وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة،
فاجأتهن بيوسف: وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا

(فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) بهتن لطلعته، ودهشن.
(وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة.
(وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ) وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا عن الدهشة بصنع الله..
(مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) يتضح من هذه التعبيرات أن شيئا من
ديانات التوحيد تسربت لأهل ذلك الزمان.

ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها، وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهش
والإعجاب والذهول. فقالت قولة المرأة المنتصرة،
التي لا تستحي أمام النساء من بنات جنسها وطبقتها، والتي تفتخر عليهن ب
أن هذا متناول يدها؛
وإن كان قد استعصم في المرة الأولى فهي ستحاول المرة تلو الأخرى إلى أن يلين:
انظرن ماذا لقيتن منه من البهر والدهش والإعجاب!
لقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه لكنه استعصم، وإن لم يطعني سآمر بسجنه لأذلّه.

إنها لم ترى بأسا من الجهر بنزواتها الأنثوية أما نساء طبقتها.
فقالتها بكل إصرار وتبجح، قالتها مبيّنة أن الإغراء الجديد تحت التهديد.

واندفع النسوة كلهم إليه يراودنه عن نفسه.. كل منهن أرادته لنفسها..
ويدلنا على ذلك أمران. الدليل الأول هو قول يوسف عليه السلام
(رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) فلم يقل (ما تدعوني إليه)..
والأمر الآخر هو سؤال الملك لهم فيما بعد
(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ).

أمام هذه الدعوات -سواء كانت بالقول أم بالحركات واللفتات- استنجد يوسف
بربه ليصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن، خيفة أن يضعف في لحظة
أمام الإغراء الدائم، فيقع فيما يخشاه على نفسه.
دعى يوسف الله دعاء الإنسان العارف ببشريته، الذي لا يغتر بعصمته؛
فيريد مزيدا من عناية الله وحياطته، ويعاونه على ما يعترضه من فتة وكيد وإغراء.
(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ
أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)
واستجاب له الله.. وصرف عنه كيد النسوة.

وهذا الصرف قد يكون بإدخال اليأس في نفوسهن من استجابته لهن،
بعد هذه التجربة؛ أو بزيادة انصرافه عن الإغراء حتى ما يحس في نفسه أثرا منه.
أو بهما جميعا. وهكذا اجتاز يوسف المحنة الثانية بلطف الله ورعايته،
فهو الذي سمع الكيد ويسمع الدعاء، ويعلم ما وراء الكيد وما وراء الدعاء.

ما انتهت المحنة الثانية إلا لتبدأ الثالثة..
لكن هذه الثالثة هي آخر محن الشدة.

يسجن يوسف عليه السلام والفصل الثالث من حياته:

ربما كان دخوله للسجن بسبب انتشار قصته مع امرأة العزيز ونساء طبقتها،
فلم يجد أصحاب هذه البيوت طريقة لإسكات هذه الألسنة سوى سجن
هذا الفتى الذي دلت كل الآيات على برائته، لتنسى القصة.
قال تعالى في سورة (يوسف):
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) (يوسف)

وهكذا ترسم الآية الموجزة جو هذا العصر بأكمله..
جو الفساد الداخلي في القصور، جو الأوساط الأرستقراطية..
وجو الحكم المطلق.

إن حلول المشكلات في الحكم المطلق هي السجن..
وليس هذا بغريب على من يعبد آلهة متعددة. كانوا على عبادة غير الله..
ولقد رأينا من قبل كيف تضيع حريات الناس حين ينصرفون عن عبادة الله إلى عبادة غيره.
وها نحن أولاء نرى في قصة يوسف شاهدا حيا يصيب حتى الأنبياء.
صدر قرارا باعتقاله وأدخل السجن. بلا قضية ولا محاكمة، ببساطة ويسر..
لا يصعب في مجتمع تحكمه آلهة متعددة أن يسجن بريء.
بل لعل الصعوبة تكمن في محاولة شيء غير ذلك.

دخل يوسف السجن ثابت القلب هادئ الأعصاب أقرب إلى الفرح
لأنه نجا من إلحاح زوجة العزيز ورفيقاتها، وثرثرة وتطفلات الخدم.
كان السجن بالنسبة إليه مكانا هادئا يخلو فيه ويفكر في ربه.

ويبين لنا القرآن الكريم المشهد الأول من هذا الفصل:

يختصر السياق القرآني ما كان من أمر يوسف في السجن..
لكن الواضح أن يوسف -عليه السلام- انتهز فرصة وجوده في السجن،
ليقوم بالدعوة إلى الله. مما جعل السجناء يتوسمون فيه الطيبة
والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك.

انتهز يوسف -عليه السلام- هذه الفرصة ليحدث الناس
عن رحمة الخالق وعظمته وحبه لمخلوقاته، كان يسأل الناس: أيهما أفضل..
أن ينهزم العقل ويعبد أربابا متفرقين.. أم ينتصر العقل ويعبد رب الكون العظيم؟
وكان يقيم عليهم الحجة بتساؤلاته الهادئة
وحواره الذكي وصفاء ذهنه، ونقاء دعوته.

وفي أحد الأيام، قَدِمَ له سجينان يسألانه تفسير أحلامهما،
بعد أن توسما في وجهه الخير. إن أول ما قام به يوسف -عليه السلام-
هو طمأنتهما أنه سيؤول لهم الرؤى، لأن ربه علمه علما خاصا،
جزاء على تجرده هو وآباؤه من قبله لعبادته وحده، وتخلصه من عبادة الشركاء..
وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما،
كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه. ثم بدأ بدعوتهما إلى التوحيد،
وتبيان ما هم عليه من الظلال. قام بكل هذا برفق
ولطف ليدخل إلى النفوس بلا مقاومة.

بعد ذلك فسر لهما الرؤى. بيّن لهما أن أحدها سيصلب، والآخر سينجو،
وسيعمل في قصر الملك. لكنه لم يحدد من هو صاحب البشرى
ومن هو صاحب المصير السيئ تلطفا وتحرجا من المواجهة بالشر والسوء.
وتروي بعض التفاسير أن هؤلاء الرجلين كانا يعملان في القصر،
أحدهما طباخا، والآخر يسقي الناس، وقد اتهما بمحاولة تسميم الملك.

أوصى يوسف من سينجو منهما أن يذكر حاله عن الملك.
لكن الرجل لم ينفذ الوصية. فربما ألهته حياة القصر المزدحمة يوسف وأمره.
فلبث في السجن بضع سنين. أراد الله بهذا أن يعلم يوسف -عليه السلام- درسا.

فقد ورد في إحدى الرويات أنه جاءه جبريل قال:
يا يوسف من نجّاك من إخوتك؟ قال: الله. قال: من أنقذك من الجب؟
قال: الله. قال: من حررك بعد أن صرت عبدا؟ قال: الله.
قال: من عصمك من النساء؟ قال: الله. قال: فعلام تطلب النجاة من غيره؟

وقد يكون هذا الأمر زيادة في كرم الله عليه واصطفاءه له،
فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:47



يوسف عليه السلام:
المشهد 9


في هذا المشهد تبدأ نقطة التحول.. التحول من محن الشدة إلى محن الرخاء..
من محنة العبودية والرق لمحنة السلطة والملك.

في قصر الحكم.. وفي مجلس الملك:
يحكي الملك لحاشيته رؤياه طالبا منهم تفسيرا لها.
(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ
خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)
لكن المستشارين والكهنة لم يقوموا بالتفسير. ربما لأنهم لم يعرفوا تفسيرها،
أو أنهم أحسوا أنها رؤيا سوء فخشوا أن يفسروها للملك،
وأرادوا أن يأتي التفسير من خارج الحاشية -التي تعودت
على قول كل ما يسر الملك فقط. وعللوا عدم التفسير بأن قالوا للملك أنها
أجزاء من أحلام مختلطة ببعضها البعض، ليست رؤيا كاملة يمكن تأويلها.


المشهد 10

وصل الخبر إلى الساقي -الذي نجا من السجن.. تداعت أفكاره وذكره حلم الملك
بحلمه الذي رآه في السجن، وذكره السجن بتأويل يوسف لحلمه.
وأسرع إلى الملك وحدثه عن يوسف. قال له: إن يوسف هو الوحيد الذي
يستطيع تفسير رؤياك.

وأرسل الملك ساقيه إلى السجن ليسأل يوسف. ويبين لنا الحق سبحانه
كيف نقل الساقي رؤيا الملك ليوسف بتعبيرات الملك نفسها، لأنه هنا بصدد
تفسير حلم، وهو يريد أن يكون التفسير مطابقا تماما لما رءاه الملك. و
كان الساقي يسمي يوسف بالصديق، أي الصادق الكثير الصدق..
وهذا ما جربه من شأنه من قبل.

جاء الوقت واحتاج الملك إلى رأي يوسف..
(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).
سُئِلَ يوسف عن تفسير حلم الملك.. فلم يشترط خروجه من السجن مقابل تفسيره.
لم يساوم ولم يتردد ولم يقل شيئا غير تفسير الرؤيا.. هكذا ببراءة النبي
حين يلجأ إليه الناس فيغيثهم.. وإن كان هؤلاء أنفسهم سجانيه وجلاديه.

لم يقم يوسف -عليه السلام- بالتفسير المباشر المجرد للرؤيا.
وإنما قدم مع التفسير النصح وطريقة مواجهة المصاعب التي ستمر بها مصر.
أفهم يوسف رسول الملك أن مصر ستمر عليها سبع سنوات مخصبة
تجود فيها الأرض بالغلات. وعلى المصريين ألا يسرفوا في هذه السنوات السبع.
لأن وراءها سبع سنوات مجدبة ستأكل ما يخزنه المصريون، وأفضل خزن للغلال
أن تترك في سنابلها كي لا تفسد أو يصيبها السوس أو يؤثر عليها الجو.

بهذا انتهى حلم الملك.. وزاد يوسف تأويله لحلم الملك بالحديث عن عام لم
يحلم به الملك، عام من الرخاء. عام يغاث فيه الناس بالزرع والماء، وتنمو كرومهم
فيعصرون خمرا، وينمو سمسمهم وزيتونهم فيعصرون زيتا. كان هذا العام الذي
لا يقابله رمز في حلم الملك. علما خاصا أوتيه يوسف. فبشر به الساقي
ليبشر به الملك والناس .


المشهد 11

عاد الساقي إلى الملك. أخبره بما قال يوسف، دهش الملك دهشة شديدة.
ما هذا السجين..؟ إنه يتنبأ لهم بما سيقع، ويوجههم لعلاجه..
دون أن ينتظر أجرا أو جزاء. أو يشترط خروجا أو مكافأة. فأصدر الملك أمره ب
إخراج يوسف من السجن وإحضاره فورا إليه. ذهب رسول الملك إلى السجن.
ولا نعرف إن كان هو الساقي الذي جاءه أول مرة. أم أنه شخصية رفيعة مكلفة
بهذه الشؤون. ذهب إليه في سجنه. رجا منه أن يخرج للقاء الملك..
فهو يطلبه على عجل. رفض يوسف أن يخرج من السجن إلا إذا ثبتت براءته.
لقد رباه ربه وأدبه. ولقد سكبت هذه التربية وهذا الأدب في قلبه السكينة
والثقة والطمأنينة. ويظهر أثر التربية واضحا في الفارق بين الموقفين:
الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى: اذكرني عند ربك، والموقف الذي يقول فيه:
ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة الاتي قطعن أيدهن،
الفارق بين الموقفين كبير .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:49


يوسف عليه السلام :
المشهد 12



قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Aao11


تجاوز السياق القرآني عما حدث بين الملك ورسوله،
وردة فعل الملك. ليقف بنا أمام المحاكة. وسؤال الملك لنساء الطبقة العليا
عما فعلنه مع يوسف. يبدوا أن الملك سأل عن القصة ليكون على بينة من الظروف
قبل أن يبدأ التحقيق، لذلك جاء سؤاله دقيقا للنساء. فاعترف النساء بالحقيقة
التي يصعب إنكارها (قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ).

وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف، التي يئست منه، ولكنها لا تستطيع
أن تخلص من تعلقها به.. تتقدم لتقول كل شيء بصراحة. يصور السياق القرآني
لنا اعتراف امرأة العزيز، بألفاظ موحية، تشي بما وراءها من انفعالات
ومشاعر عميقة (أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)
شهادة كاملة بإثمها هي، وبراءته ونظافته وصدقه هو. شهادة لا يدفع إليها خوف
أو خشية أو أي اعتبار آخر.. يشي السياق القرآني بحافز أعمق من هذا كله.
حرصها على أن يحترمها الرجل الذي أهان كبرياءها الأنثوية، ولم يعبأ بفتنتها الجسدية.
ومحاولة يائسة لتصحيح صورتها في ذهنه. لا تريده أن يستمر على تعاليه
واحتقاره لها كخاطئة. تريد أن تصحح فكرته عنها:
(ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ). لست بهذا السوء الذي يتصوره فيني.
ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة إلى الفضيلة التي يحبها
يوسف ويقدرها (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ).
وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة
(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

إن تأمل الآيات يوحي بأن امرأة العزيز قد تحولت إلى دين يوسف. تحولت إلى التوحيد.
إن سجن يوسف كان نقلة هائلة في حياتها. آمنت بربه واعتنقت ديانته.

ويصدر الأمر الملكي بالإفراج عنه وإحضاره.

يهمل السياق القرآني بعد ذلك قصة امرأة العزيز تماما، يسقطها من المشاهد،
فلا نعرف ماذا كان من أمرها بعد شهادتها الجريئة التي أعلنت
فيها ضمنا إيمانها بدين يوسف.

وقد لعبت الأساطير دورها في قصة المرأة.. قيل:
إن زوجها مات وتزوجت من يوسف، فاكتشف أنها عذراء، واعترفت له أن زوجها
كان شيخا لا يقرب النساء..
وقيل: إن بصرها ضاع بسبب استمرارها في البكاء على يوسف،
خرجت من قصرها وتاهت في طرقات المدينة، فلما صار يوسف كبيرا للوزراء،
ومضى موكبه يوما هتفت به امرأة ضريرة تتكفف الناس:
سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية، وجعل العبيد ملوكا بالطاعة.

سأل يوسف: صوت من هذا؟ قيل له: امرأة العزيز. انحدر حالها بعد عز.
واستدعاها يوسف وسألها: هل تجدين في نفسك من حبك لي شيئا؟

قالت: نظرة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا يا يوسف.. ناولني نهاية سوطك.
فناولها. فوضعته على صدرها، فوجد السوط يهتز في يده اضطرابا
وارتعاشا من خفقان قلبها.

وقيلت أساطير أخرى، يبدو فيها أثر المخيلة الشعبية وهي تنسج قمة الدراما
بانهيار العاشقة إلى الحضيض.. غير أن السياق القرآني
تجاوز تماما نهاية المرأة.

أغفلها من سياق القصة، بعد أن شهدت ليوسف..
وهذا يخدم الغرض الديني في القصة، فالقصة أساسا قصة يوسف وليست قصة المرأة..
وهذا أيضا يخدم الغرض الفني.. لقد ظهرت المرأة ثم اختفت في الوقت المناسب..
اختفت في قمة مأساتها.. وشاب اختفاءها غموض فني معجز..
ولربما بقيت في الذاكرة باختفائها هذا زمنا أطول
مما كانت تقضيه لو عرفنا بقية قصتها.

ويبدأ فصل جديد من فصول حياة يوسف عليه السلام:

بعد ما رأى الملك من أمر يوسف. براءته، وعلمه، وعدم تهافته على الملك.
عرف أنه أمام رجل كريم، فلم يطلبه ليشكره أو يثني عليه، وإنما طلبه ليكون مستشاره.
وعندما جلس معه وكلمه، تحقق له صدق ما توسمه فيه.
فطمئنه على أنه ذو مكانه وفي أمان عنده. فماذا قال يوسف؟

لم يغرق الملك شكرا، ولم يقل له: عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين،
كما يفعل المتملقون للطواغيت؛ كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على
أن ينهض به من الأعباء في الازمة القادمة.

كما وأورد القرطبي في تفسيره. أن الملك قال فيما قاله: لو جمعت أهل مصر
ما أطاقوا هذا الأمر.. ولم يكونوا فيه أمناء.

كان الملك يقصد الطبقة الحاكمة وما حولها من طبقات..
إن العثور على الأمانة في الطبقة المترفة شديد الصعوبة.

اعتراف الملك ليوسف بهذه الحقيقة زاد من عزمه على تولي هذا الامر،
لأنقاذ مصر وما حولها من البلاد من هذه المجاعة.. قال يوسف:
(اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).
لم يكن يوسف في كلمته يقصد النفع أو الاستفادة. على العكس من ذلك.
كان يحتمل أمانة إطعام شعوب جائعة لمدة سبع سنوات..
شعوب يمكن أن تمزق حكامها لو جاعت..
كان الموضوع في حقيقته تضحية من يوسف.

لا يثبت السياق القرآني أن الملك وافق.. فكأنما يقول القرآن الكريم
إن الطلب تضمن الموافقة.. زيادة في تكريم يوسف، وإظهار مكانته عند الملك..
يكفي أن يقول ليجاب.. بل ليكون قوله هو الجواب، ومن ثم يحذف رد الملك..
ويفهمنا شريط الصور المعروضة أن يوسف قد صار في المكان الذي اقترحه.

وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. صار مسؤولا عن خزائن مصر واقتصادها.. صار كبيرا للوزراء.. وجاء في رواية أن الملك قال ليوسف: يا يوسف ليس لي من الحكم إلا الكرسي..
ولا ينبئنا السياق القرآني كيف تصرف يوسف في مصر.. نعرف أنه حكيم عليم..
نعرف أنه أمين وصادق.. لا خوف إذا على اقتصاد مصر .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:51


يوسف عليه السلام :
المشهد 13



قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Aaa67710


دارت عجلة الزمن.. طوى السياق دورتها، ومر مرورا سريعا على سنوات الرخاء،
وجاءت سنوات المجاعة.. وهنا يغفل السياق القرآني بعد ذلك ذكر الملك والوزراء
في السورة كلها.. كأن الأمر كله قد صار ليوسف. الذي اضطلع بالعبء في الأزمة
الخانقة الرهيبة. وأبرز يوسف وحده على مسرح الحوادث, وسلط عليه كل الأضواء.

أما فعل الجدب والمجاعة فقد أبرزه السياق في مشهد إخوة يوسف, يجيئون
من البدو من أرض كنعان البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر. ومن ذلك ندرك اتساع
دائرة المجاعة, كما كيف صارت مصر - بتدبير يوسف - محط أنظار جيرانها
ومخزن الطعام في المنطقة كلها.

لقد اجتاح الجدب والمجاعة أرض كنعان وما حولها.
فاتجه إخوة يوسف - فيمن يتجهون - إلى مصر. وقد تسامع الناس بما فيها
من فائض الغلة منذ السنوات السمان. فدخلوا على عزيز مصر, وهم لا يعلمون
أن أخاهم هو العزيز. إنه يعرفهم فهم لم يتغيروا كثيرا. أما يوسف فإن خيالهم
لا يتصور قط أنه العزيز! وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجب منذ
عشرين عاما أو تزيد من عزيز مصر شبه المتوج في سنه وزيه وحرسه
ومهابته وخدمه وحشمه وهيله وهيلمانه?

ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه. فلا بد من دروس يتلقونها:
(فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ).
ولكنا ندرك من السياق أنه أنزلهم منزلا طيبا, ثم أخذ في إعداد الدرس الأول:
( وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ).
فنفهم من هذا أنه تركهم يأنسون إليه, واستدرجهم حتى ذكروا له من هم
على وجه التفصيل, وأن لهم أخا صغيرا من أبيهم لم يحضر معهم لأن أباه يحبه
ولا يطيق فراقه. فلما جهزهم بحاجات الرحلة قال لهم: إنه يريد أن يرى أخاهم هذا.
(قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ). وقد رأيتم أنني أوفي الكيل للمشترين.
فسأوفيكم نصيبكم حين يجيء معكم; ورأيتم أنني أكرم النزلاء فلا خوف عليه
بل سيلقى مني الإكرام المعهود: (أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ).

ولما كانوا يعلمون كيف يضن أبوهم بأخيهم الأصغر - وبخاصة بعد ذهاب يوسف -
فقد أظهروا أن الأمر ليس ميسورا, وإنما في طريقه عقبات من ممانعة أبيهم,
وأنهم سيحاولون إقناعه, مع توكيد عزمهم - على الرغم من هذه العقبات -
على إحضاره معهم حين يعودون: (قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ).
ولفظ (نراود) يصور الجهد الذي يعلمون أنهم باذلوه.

أما يوسف فقد أمر غلمانه أن يدسوا البضاعة التي حضر بها إخوته ليستبدلوا
بها القمح والعلف. وقد تكون خليطا من نقد ومن غلات صحراوية أخرى
من غلات الشجر الصحراوي, ومن الجلود وسواها مما كان يستخدم في التبادل
في الأسواق. أمر غلمانه بدسها في رحالهم - والرحل متاع المسافر - لعلهم يعرفون
حين يرجعون أنها بضاعتهم التي جاءوا بها .


المشهد 14

ندع يوسف في مصر . لنشهد يعقوب وبنيه في أرض كنعان. رجع الأخوة إلى أبيهم..
وقبل أن ينزلوا أحمال الجمال ويفكوا متاعهم، دخلوا على أبيهم. قائلين له بعتاب:
إن لم ترسل معنا أخانا الصغير في المرة القادمة فلن يعطينا عزيز مصر الطعام.
وختموا كلامهم بوعد جديد ليعقوب عليه السلام (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

ويبدوا أن هذا الوعد قد أثار كوامن يعقوب. فهو ذاته وعدهم له في يوسف!
فإذا هو يجهز بما أثاره الوعد من شجونه:

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن
قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) (يوسف)

وفتح الأبناء أوعيتهم ليخرجوا ما فيها من غلال.. فإذا هم يجدون فيها بضاعتهم
التي ذهبوا يشترون بها.. مردودة إليهم مع الغلال والطعام..
ورد الثمن يشير إلى عدم الرغبة في البيع، أو هو إنذار بذلك..
وربما كان إحراجا لهم ليعودوا لسداد الثمن مرة أخرى.

وأسرع الأبناء إلى أبيهم (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي) ..لم نكذب عليك..
لقد رد إلينا الثمن الذي ذهبنا نشتري به. هذا معناه أنهم لن يبيعوا لنا
إلا إذا ذهب أخونا معنا.

واستمر حوارهم مع الأب.. أفهموه أن حبه لابنه والتصاقه به يفسدان مصالحهم،
ويؤثران على اقتصادهم، وهم يريدون أن يتزودوا أكثر،
وسوف يحفظون أخاهم أشد الحفظ وأعظمه.. وانتهى الحوار باستسلام الأب لهم..
بشرط أن يعاهدوه على العودة بابنه، إلا إذا خرج الأمر من أيديهم وأحيط بهم..
نصحهم الأب ألا يدخلوا -وهم أحد عشر رجلا- من باب واحد من أبواب بمصر..
كي لا يستلفتوا انتباه أحد.. وربما خشي عليهم أبوهم شيئا كالسرقة أو الحسد..
لا يقول لنا السياق القرآني ماذا كان الأب يخشى، ولو كان الكشف عن السبب
مهما لقيل


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:52


يوسف عليه السلام:
المشهد 15


قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Aaoo11


عاد إخوة يوسف الأحد عشر هذه المرة.

وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ
بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (69) (يوسف)

يقفز السياق قفزا إلى مشهد يوسف وهو يحتضن أخاه ويكشف له
وحده سر قرابته، ولا ريب أن هذا لم يحدث فور دخول الإخوة على يوسف،
وإلا لانكشفت لهم قرابة يوسف، إنما وقع هذا في خفاء وتلطف، فلم يشعر إخوته،
غير أن السياق المعجز يقفز إلى أول خاطر ساور يوسف عند دخولهم عليه ورؤيته لأخيه..
وهكذا يجعله القرآن أول عمل، لأنه أول خاطر، وهذه من دقائق التعبير في هذا الكتاب العظيم.

يطوي السياق كذلك فترة الضيافة، وما دار فيها بين يوسف وإخوته،
ويعرض مشهد الرحيل الأخير.. ها هو ذا يوسف يدبر شيئا لإخوته..
يريد أن يحتفظ بأخيه الصغير معه.

يعلم أن احتفاظه بأخيه سيثير أحزان أبيه، وربما حركت الأحزان الجديدة
أحزانه القديمة، وربما ذكره هذا الحادث بفقد يوسف.. يعلم يوسف هذا كله..
وها هو ذا يرى أخاه.. وليس هناك دافع قاهر لاحتفاظه به،
لماذا يفعل ما فعل ويحتفظ بأخيه هكذا!؟

يكشف السياق عن السر في ذلك.. إن يوسف يتصرف بوحي من الله..
يريد الله تعالى أن يصل بابتلائه ليعقوب إلى الذروة.. حتى إذا جاوز به
منطقة الألم البشري المحتمل وغير المحتمل،
ورآه صابرا رد عليه ابنيه معا، ورد إليه بصره.

أمر يوسف -عليه السلام- رجاله أن يخفوا كأس الملك الذهبية في متاع أخيه خلسة..
وكانت الكأس تستخدم كمكيال للغلال.. وكانت لها قيمتها كمعيار في الوزن
إلى جوار قيمتها كذهب خالص. أخفى الكأس في متاع أخيه..
وتهيأ إخوة يوسف للرحيل، ومعهم أخوهم.. ثم أغلقت أبواب العاصمة..
(ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)..!!

كانت صرخة الجند تعني وقوف القوافل جميعا.. وانطلق الاتهام فوق
رؤوس الجميع كقضاء خفي غامض.. أقبل الناس،
وأقبل معهم إخوة يوسف..( مَّاذَا تَفْقِدُونَ)؟

هكذا تسائل إخوة يوسف.. قال الجنود: (نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ)..
ضاعت كأسه الذهبية.. ولمن يجيء بها مكافأة.. سنعطيه حمل بعير من الغلال.

قال إخوة يوسف ببراءة: لم نأت لنفسد في الأرض ونسرق! قال الحراس
(وكان يوسف قد وجههم لما يقولونه): أي جزاء تحبون توقيعه على السارق؟

قال إخوة يوسف: في شريعتنا نعتبر من سرق عبدا لمن سرقه.

قال الحارس: سنطبق عليكم قانونكم الخاص..
لن نطبق عليكم القانون المصري الذي يقضي بسجن السارق.

كانت هذه الإجابة كيدا وتدبيرا من الله تعالى، ألهم يوسف أن يحدث بها ضباطه..
ولولا هذا التدبير الإلهي لامتنع على يوسف أن يأخذ أخاه..
فقد كان دين الملك أو قانونه لا يقضي باسترقاق من سرق. وبدأ التفتيش.

كان هذا الحوار على منظر ومسمع من يوسف، فأمر جنوده بالبدء بتفتيش
رحال أخوته أولا قبل تفتيش رحل أخيه الصغير.
كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش.

اطمأن إخوة يوسف إلى براءتهم من السرقة وتنفسوا الصعداء،
فلم يبقى إلا أخوهم الصغير. وتم استخراج الكأس من رحله.
فأمر يوسف بأخذ أخيه عبدا، قانونهم الذي طبقه القضاء على الحادث.

أعقب ذلك مشهد عنيف المشاعر.. إن إحساس الإخوة براحة الإنقاذ
والنجاة من التهمة، جعلهم يستديرون باللوم على شقيق يوسف
(قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)
إنهم يتنصلون من تهمة السرقة.. ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب.

سمع يوسف بأذنيه اتهامهم له، وأحس بحزن عميق..
كتم يوسف أحزانه في نفسه ولم يظهر مشاعره.. قال بينه وبين نفسه
(أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ).
لم يكن هذا سبابا لهم، بقدر ما كان تقريرا حكيما لقاعدة من قواعد الأمانة.
أراد أن يقول بينه وبين نفسه: إنكم بهذا القذف شر مكانا
عند الله من المقذوف، لأنكم تقذفون بريئين بتهمة السرقة..
والله أعلم بحقيقة ما تقولون.

سقط الصمت بعد تعليق الإخوة الأخير.. ثم انمحى إحساسهم بالنجاة،
وتذكروا يعقوب.. لقد أخذ عليهم عهدا غليظا، ألا يفرطوا في ابنه.
وبدءوا استرحام يوسف: يوسف أيها العزيز.. يوسف أيها الملك..
إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

قال يوسف بهدوء: كيف تريدون أن نترك من وجدنا كأس الملك عنده..
ونأخذ بدلا منه أنسانا آخر..؟ هذا ظلم.. ونحن لا نظلم.

كانت هي الكلمة الأخيرة في الموقف. وعرفوا أن لا جدوى بعدها من الرجاء،
فانسحبوا يفكرون في موقفهم المحرج أمام أبيهم حين يرجعون .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MissEgYpt
عضو فعال
عضو  فعال
MissEgYpt

عدد المساهمات : 489
تاريخ التسجيل : 02/02/2014

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام   قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Icon_minitime1الإثنين 30 ديسمبر - 18:55



يوسف عليه السلام :
المشهد 16



قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Aaoo12


عقدوا مجلسا يتشاورون فيه. لكن السياق القرآني لا يذكر أقوالهم جميعا.
إنما يثبت آخرها الذي يكشف عما انتهوا إليه. ذكر القرآن قول كبيرهم إذ ذكّرهم
بالموثق المأخوذ عليهم، كما ذكرهم بتفريطهم في يوسف من قبل.
ثم يبين قراره الجازم: ألا يبرح مصر، وألا يواجه أباه، إلا أن يأذن أبوه،
أو يقضي الله له بحكم، فيخض له وينصاع. وطلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم
فيخبروه صراحة بأن ابنه سرق، فَاُخِذَ بما سرق. ذلك ما علموه شهدوا به.
أما إن كان بريئا، وكا هناك أمر وراء هذا الظاهر لا يعلمونه، فهم غير موكلين بالغيب.
وإن كان في شك من قولهم فليسأل أهل القرية التي كانوا فيها -أي أهل مصر-
وليسأل القافلة التي كانوا فيها، فهم لم يكونوا وحدهم،
فالقوافل الكثيرة كانت ترد مصر لتأخذ الطعام .


المشهد 17

بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم
(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)
كلمته ذاتها يوم فقد يوسف.. لكنه في هذه المرة يضيف إليها الأمل أن يرد الله عليه
يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك.

(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)
ثم لاحظ أبناؤه أنه لم يعد يبصر ورجحوا أنه يبكي على يوسف،
وهاجموه في مشاعره الإنسانية كأب.. حذروه بأنه سيهلك نفسه:

قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86) (يوسف)

ردهم جواب يعقوب إلى حقيقة بكائه.. إنه يشكو همه إلى الله..
ويعلم من الله ما لا يعلمون.. فليتركوه في بكائه وليصرفوا همهم لشيء أجدى عليهم
(يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ
إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
إنه يكشف لهم في عمق أحزانه عن أمله في روح الله.. إنه يشعر بأن يوسف
لم يمت كما أنبئوه.. لم يزل حيا، فليذهب الإخوة بحثا عنه..
وليكن دليلهم في البحث، هذا الأمل العميق في الله.

يوسف عليه السلام :
المشهد 18

تحركت القافلة في طريقها إلى مصر.. إخوة يوسف في طريقهم إلى العزيز..
تدهور حالهم الاقتصادي وحالهم النفسي.. إن فقرهم وحزن أبيهم ومحاصرة المتاعب لهم،
قد هدت قواهم تماما.. ها هم أولاء يدخلون على يوسف.. معهم بضاعة رديئة..
جاءوا بثمن لا يتيح لهم شراء شيء ذي بال.. وعندما دخلوا على يوسف - عليه السلام-
رجوه أن يتصدق عليهم
(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا
الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)
انتهى الأمر بهم إلى التسول.. إنهم يسألونه أن يتصدق عليهم.. ويستميلون قلبه،
بتذكيره أن الله يجزي المتصدقين.

عندئذ.. وسط هوانهم وانحدار حالهم.. حدثهم يوسف بلغتهم،
بغير واسطة ولا مترجم:

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89)
قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ
مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)
قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) (يوسف)

يكاد الحوار يتحرك بأدق تعبير عن مشاعرهم الداخلية.. فاجأهم عزيز مصر بسؤالهم
عما فعلوه بيوسف.. كان يتحدث بلغتهم فأدركوا أنه يوسف..
وراح الحوار يمضي فيكشف لهم خطيئتهم معه.. لقد كادوا له وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ

مرت السنوات، وذهب كيدهم له.. ونفذ تدبير الله المحكم الذي يقع بأعجب الأسباب..
كان إلقاؤه في البئر هو بداية صعوده إلى السلطة والحكم..
وكان إبعادهم له عن أبيه سببا في زيادة حب يعقوب له. وها هو ذا يملك رقابهم وحياتهم،
وهم يقفون في موقف استجداء عطفه.. إنهم يختمون حوارهم معه بقولهم
(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ)
إن روح الكلمات واعترافهم بالخطأ يشيان بخوف مبهم غامض يجتاح نفوسهم..
ولعلهم فكروا في انتقامه منهم وارتعدت فرائصهم..
ولعل يوسف أحس ذلك منهم فطمأنهم بقوله
(قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
لا مؤاخذة، ولا لوم، انتهى الأمر من نفسي وذابت جذوره.. لم يقل لهم إنني أسامحكم
أو أغفر لكم، إنما دعا الله أن يغفر لهم، وهذا يتضمن أنه عفا عنهم وتجاوز عفوه،
ومضى بعد ذلك خطوات.. دعا الله أن يغفر لهم.. وهو نبي ودعوته مستجابة..
وذلك تسامح نراه آية الآيات في التسامح.

ها هو ذا يوسف ينهي حواره معهم بنقلة مفاجئة لأبيه..
يعلم أن أباه قد ابيضت عيناه من الحزن عليه.. يعلم أنه لم يعد يبصر..
لم يدر الحوار حول أبيه لكنه يعلم.. يحس قلبه.. خلع يوسف قميصه وأعطاه لهم
(اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ).
وعادت القافلة إلى فلسطين.



ما أنت خرجت القافلة من مصر، حتى قال يعقوب -عليه السلام-
لمن حوله في فلسطين: إني أشم رائحة يوسف، لولا أنكم تقولون في أنفسكم
أنني شيخ خرِف لصدقتم ما أقول. فرد عليه من حوله ().

لكن المفاجأة البعيدة تقع. وصلت القافلة، وألقى البشير
قميص يوسف على وجه يعقوب -عليهما السلام- فارتدّ بصره. هنا يذكر يعقوب
حقيقة ما يعلمه من ربه (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

فاععترف الأخوة بخطئهم، وطلبوا من أباهم الاستغفار لهم،
فهو نبي ودعاءه مستجاب. إلا أن يعقوب عليه السلام
(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
ونلمح هنا أن في قلب يعقوب شيئا من بنيه، وأنه لم يصف لهم بعد،
وإن كان يعدهم باستغفار الله لهم بعد أن يصفو ويسكن ويستريح.

ها هو المشهد الأخير في قصة يوسف:

بدأت قصته برؤيا.. وها هو ذا الختام، تأويل رؤياه:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ (99)
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ
قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ
مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ
لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) (يوسف)

تأمل الآن مشاعره ورؤياه تتحقق.. إنه يدعو ربه
(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)..
هي دعوة واحدة.. تَوَفَّنِي مُسْلِمًا.


قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام 004510

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام O_o_oo12

قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام Y_od10





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصة سيدنا يوسف عليه السلام.ملف كامل كل ماورد عن سيدنا يوسف عليه السلام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي المركز الدولى :: ๑۩۞۩๑ (المنتديات الأسلامية๑۩۞۩๑(Islamic forums :: ๑۩۞۩๑ السيرة النبويه العطره- الاحاديث الشريفة -قصص اسلامى -قصص الانبياء(Biography of the Prophet)๑۩۞۩๑-
انتقل الى: